مشروع الحياة من جديد

أسماء بنت راشد الرويشد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فقد اطلعت على المشروع الرائد (مشروع الحياة من جديد)، الذي أعدته الأخت الكريمة الداعية الموفقة (أسماء بنت راشد الرويشد)، وألفيته باكورة مشروع كبير جدًا، فوردت الماء صيفًا «فشاربون منه شرب الهيم» وأرى أن هذا وقته وزمنه، بعد هذا الإقبال العظيم على كتاب الله حفظًا وتجويدًا، فجاءت مرحلة التدبر والتطبيق على نطاق أوسع مما هو عليه الآن، لتؤتي هذه المشاريع ثمرتها في بناء الأجيال وحماية الأمة وحفظ البلاد والعباد.

وهو مشروع يجب أن يتبناه المجتمع كله، كما تبنى حفظ القرآن وتجويده، ولا يكون مشروعًا نخبويًا، ليكون رائدًا في نتائجه وأهدافه وأساليبه، ومن أجل ذلك أنزل القرآن ]كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ[.

جزى الله [أم عبد العزيز] خيرًا على هذه المبادرة في مشروع الأمة الكبير الذي بدأ يحمل همه كوكبة من طلاب العلم، ليكون سمة المرحلة المقبلة بإذن الله، كما كان لدى القرون الأوائل، ذلك الجيل القرآني الفريد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وكتبه

ناصر بن سليمان العمر

3/9/1426هـ


بسم الله الرحمن الرحيم

مشروع جديد رائد... جديد في طرحه لكنه قديم في أصله... إنه مشروع (الحياة من جديد)..

قُلْ لِلَّذِي يَبْغِي السَّعَادَةَ

هَلْ عَلِمْتَ مَنِ السَّعِيدْ

إِنَّ السَّعَادَةَ أَنْ تَعِيشَ

لِفِكْرَةِ الحَقِّ التَّلِيدْ

فَتَعِيشَ في الدُّنْيَا لأُخْرَى

لا تَزُولُ وَلا تَبيدْ

هَذِي الْعَقِيدَةُ لِلسَّعِيدِ

هِيَ الأَسَاسُ هِيَ الْعَمُودْ

مَنْ عَاشَ يَحْمِلُهَا وَيَهْتِفُ

بِاسْمِهَا فَهْوَ السَّعِيدْ

مشروع جديد على عوائد الناس وما درجوا عليه، لكنه مشروع شرعي على منهج الوحيين، إنه مشروع الحياة الخالدة، مشروع فكرته أن نحيا من جديد بالقرآن.. وأن نستنير بنوره الذي يضيء لنا الطريق حتى لا نتخبط في مهاوي الفتنة وظلمات الغواية يقول الله جلا جلاله: ]إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا[ [الإسراء: 9].

فمن أراد السير إلى الله جل جلاله سيرًا صحيحًا مأمونًا فليبدأ أولاً بالقرآن كما قال تعالى: ]فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ[ [التكوير: 26-28].

قال الخباب بن الأرت: «تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه».

قال تعالى: ]إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً[ [الإنسان: 29].

يا حسرة من هجر القرآن... مساكين هم من تركوا القرآن وأجهدوا أنفسهم في البحث عن طريق آخر يوصلهم إلى السعادة.. يوصلهم إلى الحياة الحقيقية.

يا حسرتهم عندما يجدون أن ما يبحثون عنه كان في متناول أيديهم، ولكنهم لم يعرفوا طريق البدء، لم يبدؤوا بالقرآن أولاً في التخطيط للحياة من جديد.

 فكرة المشروع:

إنها دعوة للمشاركة في حملة مشروع (الحياة من جديد)، نبدأ فيها بالقرآن أولاً، نريد أن نحيا بالقرآن، وأن تمتزج أرواحنا به، فهو طريقنا إلى الإصلاح، وأولى خطواتنا نحو التصحيح، فلا بد أن نبدأ بالقرآن أولاً، لأنه هو هادي البشرية ومرشدها، ونور الحياة ودستورها، ما من شيء يحتاجه البشر إلا وبينه الله نصًا أو إشارة أو مفهومًا، علمه من علمه وجهله من جهله.

ومع ضعف الأمة في عصورها المتأخرة تراجع الاهتمام بالقرآن، وانحسر حتى اقتصر الأمر عند غالب المسلمين على حفظه وتجويده وتلاوته فقط، بلا تدبر ولا فهم لمعانيه ومراده، هم أحدهم: كم قرأ؟ وكم حفظ؟، وترتب على ذلك ترك العمل به، أو التقصير في ذلك، وقد أنزل الله القرآن وأمرنا بتدبره، وتكفل لنا بحفظه، فانشغلنا بحفظه وتركنا تدبره.

 أهداف المشروع:

الارتقاء بالنفس في كافة جوانبها: (العقائدية والتعبدية والأخلاقية والروحية والنفسية والاجتماعية والفكرية والجسدية)، بصورة شاملة متوازنة تصل بالفرد إلى العبودية المطلقة في كل شؤونه وأحواله، قال الله تعالى: ]كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ[ [البقرة: 151].

فتصبح الأمة مؤهلة لتطبيق منهج الله تعالى في الأرض، وعبادة الله وحده، وقيادة البشرية نحو عمارة الكون.

 أولى خطوات المشروع: (التدبر):

لقد أنزل الله جل وعلا القرآن ووصفه بأنه مبارك، ثم بين الطريق التي تحصل به بركة هذا الكتاب، والطريق التي تنال به خيراته، فقال الله تعالى: ]كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ[ [ص: 29]. فلا سبيل لتحصيل بركة الكتاب إلا بتدبره، وفهم معانيه واتباعه، وقد بينت هذه الآية أن الغرض الأساسي من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر، لا مجرد التلاوة على عظم أجرها.

والتدبر: هو الفهم لما يتلى من القرآن، مع حضور القلب وخشوع الجوارح، والعمل بمقتضاه.

ويكون بإطالة نظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على فهمه وتعقله، وأن يشتغل القلب في التفكير في معنى ما يلفظه بلسانه، فيعرف من كل آية معناها، ولا يتجاوزها إلى غيرها حتى يعرف معناها ومرادها.

وقيل معناه: هو التفكر الشامل الموصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة.

قال الحسن البصري: «والله ما تدبُّرُه بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفًا واحدًا، وقد والله أسقطه كله، ما ترى القرآن له في خلق ولا عمل».

وقال تعالى: ]الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[ [البقرة: 121].

روى ابن كثير عن ابن مسعود t قال: «والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه ويقرؤه كما أنزله الله...».

قال الشوكاني: «يتلونه: يعملون بما فيه، ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر».

قال عكرمة: (أما سمعت قول الله تعالى: ]وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا[ [الشمس: 2]. تلاها: أي تبعها.

عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ‬: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا، فإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤْهَا»([1]).

قال بعض السلف: (صاحب القرآن هو العالم به، العامل بما فيه، وإن لم يحفظه عن ظهر قلب، وأما مَن حفظه ولم يفهمه ولم يعمل به، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم).

والمتأمل في القرآن يجده زاخرًا بجوامع الكلم، وجواهر الحكم، وكنوز المعارف، وأسرار الحياة، وعوالم الغيب، وذخائر القيم، وروائع الأحكام، وغرائب الأمثال، وساطع البراهين، ولذا قالوا: «إن في القرآن علمَ الأولين والآخرين».

وقال ابن عباس t: «لو ضاع لي عقال بعيرٍ لوجدته في كتاب الله».

وفي ذلك تنبيه إلى أن إدراك ذلك كله إنما يتحقق بطول التأمل والتدبر، لا بالخطف والاستعجال والتلاوة السطحية، وإذا لم يتمكن القارئ من التدبر في الآية إلا بترديدها فليرددها، وذلك ما كان يفعله رسول الله ﷺ‬ وصحبه رضوان الله عليهم، والصالحون من سلف الأمة، يرددون بعض الآيات تدبرًا وتأثرًا، وهذا ما يمكن أن نؤكد به شرعية هذا المشروع، وأنه هو هدي نبينا محمد وطريقة صحابته من بعده.

 مشروعية المشروع:

عن أبي ذر قال: «صلى رسول الله ﷺ‬ ليلةً فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها، ويسجد بها: ]إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[ [المائدة: 118]([2]).

فهذا رسول الله ﷺ‬ يقدم التدبر على كثرة القراءة، فيقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة.

وروي عن حذيفة t «أنه صلى مع النبي ﷺ‬ ذات ليلة فكان يقرأ مترسلاً، فإذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ».

وفي ذلك تطبيق نبوي عملي للتدبر، ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ.

 كيفية تطبيق الصحابة لمفهوم التدبر:

أما عن كيفية تطبيق الصحابة y وسلف الأمة من بعدهم لخطوات هذا المشروع، فلا بد أن ننبه أولاً إلى أن تطبيقهم قد نشأ عن فهم عميق للغاية التي من أجلها أنزل القرآن، وقناعة تامة بما يجب عليهم تجاهه، وهذه أهم مقومات نجاح أي عمل أو أي مشروع، فقد نقل عن محمد بن كعب القرضي t أنه قال: «لئن أقرأ في ليلتي حتى أصبح (إذا زلزلت) و (القارعة) لا أزيد عليهما أحب إلي من أن أهذ القرآن ليلتي هذًّا – أو قال – أنثره نثرًا».

وورد ذلك عن جمع من الصحابة، فعن تميم الداري t عنه أنه كرر قوله تعالى: ]أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ[ [الجاثية: 21]. ردد هذه الآية حتى أصبح.

وعن عباد بن حمزة قال: (دخلت على أسماء رضي الله عنها وهي تقرأ: ]فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ[ [الطور: 27] قال: فوقفت عليها فجعلت تستعيذ وتدعو، قال عباد: فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تستعيذ وتدعو).

وورد أن ابن مسعود t ردد قوله تعالى ]وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا[ [طه: 114].

وورد عن سعيد بن جبير رحمه الله أنه ردد قوله تعالى: ]وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ[ [البقرة: 281] وورد ذلك عن جمع من التابعين والصحابة y.

وعن عبد الله بن شداد قال: سمعت نشيج عمر بن الخطاب t وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح يقرأ في سورة يوسف: ]قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ[ [يوسف: 86].

عن عبد الله بن مسعود t قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر الآيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن».

هكذا كان منهج النبي ﷺ‬ في تعليم الصحابة، تلازم العلم والمعنى والعمل، فلا علم جديد إلا بعد فهم السابق والعمل به، فكانوا يوقنون بأن المقصد من التلاوة هو التدبر والعمل به.

وكان ابن عمر t يقول: «كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ‬ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها، ولكنهم رزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن منهم الصبي والأعمي ولا يرزقون العمل به».

ولقد تعلم ابن عمر رضي الله عنهما سورة البقرة في اثنى عشر عامًا، فلما ختمها نحر جزورًا، وطول هذه المدة ليس فقط للحفظ والضبط من جهة اللفظ، بل إن المظنون فيهم y أنهم أسرع حفظًا من المتأخرين، لكنهم كانوا يتفقهون وينظرون إلى ما تضمنه هذا الوحي من الخير العظيم.

 منهج الصحابة في تلقي القرآن:

إن القرآن لن يفعل في قلوبنا كما فعل في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم إلا إذا قرأنا القرآن ونظرنا فيه بنفس الشعور الذي كان يتلقى به أصحاب رسول الله ﷺ‬ ومن بعدهم ممن يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، فقد كانوا يقرؤونه ويتلونه بشعور التنفيذ، ليعملوا به فور سماعه.

لقد فاق الصحابة رضوان الله عليهم غيرهم لأن القرآن امتزج في حياتهم، حتى كان أحدهم يلقى أخاه فلا يفارقه حتى يقرأ عليه سورة العصر، كما ثبت عنهم y، فالقرآن كان مخالطًا لحياتهم، في قلوبهم، وفي مجالسهم، وفي مواعظهم، بل في كل أمر من أمور حياتهم، كانوا مقترنين به مقبلين عليه مشتغلين به عن غيره، فلذلك فاقوا غيرهم في الإيمان والعلم، وفاقوا غيرهم في العمل، وفاقوا غيرهم في الجهاد، فكتب الله على أيديهم النصر.

من المشاهد في هذه الأيام أن الخطب والمواعظ والدروس كثيرة جدًا أكثر مما كانت عليه في الزمن الأول، ولكن مع كثرة الدروس قل العمل، فكثيرًا ما نسمع ولا نرى تطبيقًا، وكثيرًا ما نعلم ولا نرى عملاً.

وهذا هو الفارق بيننا وبين أصحاب رسول الله ﷺ‬ وتابعيهم من أهل القرون الأولى، حين كانت المواعظ والدروس والخطب قليلةً، حتى قال قائلهم: «كان رسول الله ﷺ‬ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا»، كان الكلام قليلاً وكان العمل كثيرًا، فهم يعلمون أنَّ كل ما يسمعونه من كتاب الله وتوجيهات رسوله ﷺ‬ واجب التنفيذ، كما يجب على الجنود في ميدان القتال تنفيذ الأوامر التي تصدر إليهم من القادة، وإلا كانت الهزيمة والخذلان، فكانوا يتلقون الوحي عن الله بواسطة رسول الله ﷺ‬ بالسمع والطاعة، وسرعة التنفيذ، ولم يكونوا يتأخرون لحظة واحدة في تنفيذ ما سمعوا من رسول الله ﷺ‬، والعمل بالعلم الذي تعلموه منه.

 نماذج رائعة لتطبيق المشروع:

وها هنا أمثلة لبيان كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ‬ يتلقون الوحي عن الله عز وجل.

النموذج الأول: قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا[ [الأحزاب: 36].

روى المفسرون أن رسول الله ﷺ‬ أراد أن يحطم الفوارق الطبقية بين الناس، ويزيل الحواجز بين الفقراء والأغنياء، وبين الأحرار أصلاً والذين أنعم الله عليهم بالحرية بعدما كانوا عبيدًا، أراد الرسول ﷺ‬ أن يبيِّن للناس أنهم جميعًا كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى، كما قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[ [الحجرات: 13].

أراد الرسول ﷺ‬ أن يغرس في الناس هذا المبدأ، والكلام في هذه الحال ربما يكون أقل فائدةً وأقل تأثيرًا، ذلك أن النفوس قد جُبلت على الرفعة وحب الظهور، فلابد أن يغرس هذا المبدأ في نفوس الناس بشيء من التطبيق العملي، الذي يقع في أسرة الرسول ﷺ‬ وذوي قرابته، إذ أن العمل دائمًا أكثر تأثيرًا في القلوب من القول، فقام رسول الله ﷺ‬ إلى زينب بنت جحش، ابنة عمه، وجدُّه وجدُّها واحد، هو عبد المطلب سيد قريش، قام إليها يخطبها لمولاه زيد بن حارثة، الذي أنعم عليه رسول الله ﷺ‬ بالحرية، فلما ذكره لها قالت: ما أنا بناكحته. فقال ﷺ‬: «بل تنكحينه».

فبينما هي تحاور رسول الله ﷺ‬ إذا بالوحي ينزل لفصل القضاء، بقوله تعالى: ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا[ [الأحزاب: 36].

فقرأها رسول الله ﷺ‬ على زينب، فقالت: يا رسول الله، أترضاه لي زوجًا؟ قال: «نعم»، قالت: إذن لا أعصي الله ورسوله، رضيتُ بما رضي به الله ورسوله، فتزوجته، هكذا نزلت على أمر الله ورسوله ﷺ‬، وإنما لم توافق أولاً لأنها ظنت أن الأمر لا يزيد على كونه عرضًا ومشورةً، فلما نزل الوحي لم تعد القضية قضية نكاح وخطبة، توافق أو لا توافق، وإنما بعد نزول الوحي صارت القضية قضية طاعة لله ورسوله، وإنَّى تكون قد عصت الله ورسوله، والله يقول: ]وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا[.

هكذا كانوا يتلقون الوحي عن الله جل جلاله، أما نحن فالأوامر والنواهي تقرع أذاننا صباحًا ومساءً وكأننا لم نسمع شيئًا.

والله تبارك وتعالى يقول: ]فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى[ [الأعلى: 9- 13].

إن أصحاب رسول الله ﷺ‬ لما أسلموا وجوههم لله، وتأدبوا بآداب القرآن ملكهم الله الدنيا كلها، وفتحوا البلاد شرقها وغربها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

ونحن لما صرنا نختار نفعل أو لا نفعل، صار حالنا كما هو ظاهر لكل أحد.

النموذج الثاني: لقد سجلت لنا السنة النبوية المحفوظة بحفظ الله لها ولكتابه مثالاً آخر رائعًا لبيان كيف كان يتلقى أصحاب رسول الله ﷺ‬ كتاب الله بالسمع والطاعة وسرعة الاستجابة، فروى البخاري ومسلم عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك t يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ‬ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية ]لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ‬ فقال: يا رسول الله! إن الله تبارك وتعالى يقول: ]لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال فقال رسول الله ﷺ‬: «بخ ([3])، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ([4]).

فلننظر كيف استجاب أبو طلحة t لأمر الله بالإنفاق، وبادر إلى الخروج من أحب أمواله إليه صدقة لله تعالى.

النموذج الثالث: موقف استجابة آخر من مواقف الحياة بالقرآن، في قصة الإفك التي كان فيمن خاض فيها مسطح بن أثاثة، وكانت أمه بنت خالة الصديق، وكان مسطح رجلاً فقيرًا، وكان الصديق ينفق عليه، فلما قال ما قاله في عائشة رضي الله عنها، ونزلت الآيات ببراءتها قال أبو بكر: (والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله ]وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبـُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ [النور: 22]. قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا)([5]).

وهذا موضع الشاهد: ]أَلا تُحِبـُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ[ «بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي».

ما قال: كيف وقد آذاني في عرضي، ولطخ شرفي، ودنس كرامتي، لا، لم يتردد لحظة واحدة، وإنما سمع وأطاع، وطمع في رحمة الله ومغفرته.

إن الذي يحب أن يتجاوز الله عنه ينبغي أن يتجاوز عن الناس.

إن الذي يحب أن يعفو الله عنه ينبغي أن يعفو عن الناس.

]وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبـُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[.

هكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ‬ يتلقون الوحي عن الله عز وجل، ويتأدبون بما أدبهم به الله، فإذا ما نظرنا في أنفسنا وواقعنا وجدنا الأخوين الشقيقين إذا تخاصما لأتفه الأسباب تغيرت قلوبهما وامتلأت حقدًا وعداوة وبغضاء، ولا تقبل الصلح أبدًا، حتى قال قائل: لو كان صلحه مع أخيه يدخله الجنة، فهو في غنى عنها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

النموذج الرابع: وهنا مثال آخر في بيان كيفية تلقي أصحاب رسول الله ﷺ‬ للقرآن، وكيف كانوا يقوِّمون به أخلاقهم:

عن ابن عباس t قال: «قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحرب بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر بن الخطاب t، وكان القراء أصحاب مجلس عمر t ومشاورته كهولاً كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذن فأذن له عمر t، فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا العدل، فغضب عمر t حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ‬: ]خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ[ [الأعراف: 199]. وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر t حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله.

النموذج الخامس: كيف كان المسلمات الأُول يتلقين القرآن ويطبقنه؟

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأُول، لما أنزل الله: ]وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ[ [النور: 31] شققن مروطهن فاختمرن بها»([6]).

أي غطين رؤوسهن ووجوههن. هكذا استجابت المسلمات لأمر الله، وهكذا سمعن وأطعن.

إن أوامر الله لا تقبل النقاش، ولا تخضع للخيرة، إنها أوامر العزيز الجبار لا ينبغي أن ترد، ولا أن ترفض.

أختي المسلمة:.. بأي شعور تقرئين القرآن؟ وكيف استجابتك لأمر الله تعالى فيه؟ وهل لك في نساء الصحابة أسوة؟

* كم من امرأة قرأت هذه الآيات وقد تخلفت عن تنفيذ أمر الله فيها؟

* كم من متبرجة مرت عليها ولم تحرك عندها العزيمة على التوبة والتصحيح؟

 تجربة واقعية لتطبيق المشروع:

ومن المناسب أن نذكر تجربة واقعية لمجموعة من الفتيات طبقن هذا المشروع، فذاقوا طعم الحياة بالقرآن، حيث تقول إحداهن: (طريقتنا في حفظ كتاب الله تعتمد على مدى التغيير الذي يتم في حياتنا بعد تلاوتنا لكل آية، لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحفظون القرآن بالتطبيق، ونحن بطريقتنا نحاول ذلك.. لا ننتقل لحفظ آية دون أن نكون قد طبقنا السابقة في حياتنا...) ثم تعطينا مثالاً على ذلك فتقول: على سبيل المثال قول الله تعالى: ]مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ آية في كتاب الله عز وجل.. تعرفت على معناها وفهمتها حتى سكنت قلبي،.. ومنذ فجر ذلك اليوم صحبتني تلك الآية، فقد كنت متدثرة في فراشي وبرد الشتاء يغريني بالنوم.. ها هو الأذان.. أتمنى الصلاة، ولكن النوم سلطان كما يقولون، تذكرت الآية التي ذكرتني بلقاء الله جل جلاله، وكيف سيكون حالي عندما يسألني ربي، ألم أفرضْ عليك خمسَ صلواتٍ؟ فلماذا جعلتِها أربعًا بهواك؟! أخذتُ أفكر في ذلك، ولكنني لم أبرح مكاني حتى جاءتني آية أخرى كنت أحفظها: ]وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ[ [الشعراء: 217-219]، وكأنها تقول: ألا تريدين أن يراك رب العزة تقومين للصلاة فيشكر لك عملك، وبمجرد تذكري لتلك الآيات ذهب عني الخمول، وتنبهت على الفور، ولم أشعر إلا وأنا بين يدي ربي أصلي وأستغفر».

 واقعنا مع القرآن

]وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[ [الفرقان: 30].

ولنا أن نسأل أنفسنا الآن:

- ما درجة تدبر القرآن في تلاوتنا؟

- وما مقدار الاستجابة في واقعنا العملي لما نقرؤه من القرآن؟

- وهل يمكن أن يغير القرآن حياتنا؟

- هل يمكن أن نحيا حياتنا من جديد بالقرآن؟

- وهل نحن نربي أبناءنا وطلابنا على الحياة بالقرآن؟

- أو أن الأهم الحفظ وكفى، بلا تدبر ولا فهم، بمبرر أن التدبر يؤخر الحفظ!! هل يمكن أن نحفظ آياته بطريقة أخرى غير مجرد الترديد والإعادة ولو طالت المدة؟

لا عذرَ لنا، ولا عذر لأحد في ترك تدبر القرآن، فكل من له عقل يدبِّر به أمور حياته ويميز به بين النافع والضار قادر على تدبر القرآن، وسوف يسألنا الله عنه قال الله تعالى: ]وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ[ [الزخرف: 44].

لا عذر لأحدٍ في ترك تدبره وتعلمه، وقد يسر الله لنا فهمه وادِّكاره، وتكفل لنا بحفظه، وهيأ له علماء أفذاذًا يقومون ببيانه وإيضاح معانيه في كتب التفاسير وشروحات أهل العلم، قال الله تعالى: ]وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر[ [القمر: 17].

وإن للقرآن حقوقًا وواجبات، ولمن أدى تلكم الواجبات والحقوق فضائل ومكرمات، يحسن لنا في بداية هذا الفصل أن نذكرها، كيما يتبين لنا مدى التقصير الذي وقع من المسلمين اليوم في حق القرآن، وكيف هي علاقتنا بالقرآن؟ حيث إن هناك أنواعًا ودرجات من التقصير مع القرآن، ولذلك التقصير آثار سيئة وخطيرة على المقصر في الدنيا والآخرة.

 الواجبات الخمس للقرآن:

1- الإيمان به وبأنه كلام الله المنزل على رسوله ﷺ‬ بلفظه ومعناه: ]لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[ [فصلت: 42]، قال ابن قدامة: (وليعلم أن ما يقرؤه ليس كلام بشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه، فإن التدبر هو المقصود من القراءة، وإن لم يحصل التدبر إلا بترديد الآية فليرددها)([7]).

2- إجادة تلاوته على الوجه الصحيح: ]وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً[ [المزمل: 4].

3- تعلم القرآن وفهم معانيه والاجتهاد في رصد وحصر القيم الإيمانية والعملية: قال تعالى: ]كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ[ [ص: 29]، ]أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا[ [النساء: 82].

4- العمل بما فيه والتخلق بآدابه: ]وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[ [الأنعام: 155]، ]وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ[ [الزمر: 55].

5- تعليم القرآن والدعوة إليه: ]فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ[ [ق: 45]، وعن عثمان t عن النبي ﷺ‬ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»([8]).

 الفضائل والمكرمات لمن تعلم القرآن:

1- أنه من أعظم أسباب الثبات: ]قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[ [النحل: 102].

2- أنه هداية ونور وبصيرة: قال تعالى: ]هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ [الجاثية: 27]، ]وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[ [النحل: 89].

عن زيد بن الأرقم أنه قال: إن النبي ﷺ‬ قال: «أَلا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله تعالى، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة»([9]).

3- أنه من أعظم الأسباب الموصلة للإيمان القوي الحي اليقظ، الذي يدفع صاحبه إلى العمل والانضباط، ]وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ [الأنفال: 2]، ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[ [ق: 37].

4- أنه من أعظم أبواب المتاجرة والربح مع الله تعالى: عن عبد الله بن مسعود t قال: قال رسول الله ﷺ‬: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف؛ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»([10]).

5- تتحقق به الخيرية في الدنيا والآخرة: عن عثمان t قال: قال رسول الله ﷺ‬: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»([11]).

6- شفاعة القرآن لصاحبه يوم القيامة: عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ‬: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»([12]).

7- تكون به العصمة والوقاية من الشر وأهله: ]وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا[ [الإسراء: 45].

8- العزة والرفعة في الدنيا والآخرة: ]وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا[ [الإسراء: 79]، ]قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[ [يونس: 58].

وعن عمر t قال: أما إن نبيكم ﷺ‬ قال: «إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضع به آخرين»([13]).

9- من أعظم أسباب جلاء القلوب ورقتها وشفافيتها: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ [الأنفال: 2].

10- إن الله لا يعذب جوفًا وعى القرآن: عن أبي أمامة t قال: «اقرؤوا القرآن، ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة، فإن الله لا يعذب قلبًا وعى ([14]) القرآن»([15]).

11- فيه شفاء حسي ومعنوي: ]وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا[ [الإسراء: 82].

12- أنه مناجاة مع الله وصلة به: عن أبي هريرة t عن النبي ﷺ‬ قال: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ]الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ]الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[. قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ]مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ قال: مجدني عبدي (وقال مرة: فوض إلي عبدي) فإذا قال: ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ . قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ]اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل»([16]).

ولقد قسم الله تعالى عباده إزاء الأخذ بالقرآن والعمل به إلى ثلاثة أقسام كما في قوله تعالى:

]ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير[

فهؤلاء – كما ذكر ابن القيم – كلهم مستعدون للسير، موقنون بالرجعة إلى الله تعالى، ولكنهم يتفاوتون في التزود ونوع الزاد وقدره، ويتفاوتون أيضًا في نفس السير إلى الله جل وعلا سرعةً وبًطأً، وكل ذلك راجع إلى مقدار أخذهم بالكتاب والسنة علمًا وعملاً ([17]).

أشكال متعددة للتقصير في حق القرآن:


هجر


الجهل بأوامره ونواهيه وأحكامه.

التخلف عن العمل به، والتخلق بآدابه وتوجيهاته.

عدم الرجوع إليه في الأحكام وشؤون الحياة.

ترك الدعوة إليه وتعليمه الناس.

 عاقبة التقصير في حق القرآن:

1- يصبح القلب كالبيت الخرب لوساوس الشيطان وهمزه: عن ابن عباس t قال: قال رسول الله ﷺ‬: «إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»([18]).

2- ظلمة وقسوة في القلب: قال تعالى: ]أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[ [الزمر: 22].

3- ضيق في الفهم وضعف في الاستيعاب: وذلك بانغلاق القلب وحجبه، حيث إن الفهم هو عمل القلب، قال تعالى: ]أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ [محمد: 24].

4- ضعف في الإيمان وفتور في العزيمة: وذلك يقابل زيادة الإيمان وقوة اليقين بتلاوته والعمل به.

5- ضيق في الصدر وضنك في الحياة: قال تعالى: ]وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[ [طه: 124].

6- يؤدي إلى اتباع الهوى والاجتراء على أبواب الحرام: ]وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[ [الكهف: 28].

7- لا يزيد الظالمين إلا خسارًا وأوزارًا: كما قال تعالى: ]مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا[ [طه: 100].

 لنبدأ بالقرآن أولاً

* وعلى هذا فإذا أردنا أن نسلك أقرب طريق يوصل إلى الله تعالى وبأقل جهد... فلنبدأ أولاً بالقرآن.

* وحينما نريد أن نرسم خططنا لزيادة إيماننا.. فلنبدأ أولاً بالقرآن.

* ونحن نعزم أن نمضي في طريقنا نحو التصحيح والتغيير... فلنبدأ أولاً بالقرآن.

* وإذا أردنا أن نفتح أقفال قلوبنا ونجلو بصائرنا.. فلنبدأ أولاً بالقرآن.

* وإذا أردنا أن نحيا الحياة من جديد... فلنبدأ أولاً بالقرآن.

 لنبدأ أولاً بالقرآن في زيادة إيماننا:

قال المولى عز وجل: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ [الأنفال: 2].

* لقائل أن يقول: كيف يزيد إيماننا من خلال القرآن؟

* وقد يقول قائل: إنني أقرأ كثيرًا ولكني لا أشعر بالتغيير وحلاوة الإيمان التي أسمع عنها..

نعم، يحدث لنا هذا لأننا تعودنا أن نقرأ القرآن من أجل تحصيل أكبر قدر من الحسنات فقط، دون النظر إلى فهمه أو التفاعل معه، فلا بد من تحويل الوجهة، وتغيير القصد ليكون الانتفاع بآياته، وزيادة الإيمان من خلاله، هو المقصد الأول من قراءته، فالأمر يحتاج إلى جهد وصبر ومثابرة وبخاصة في البداية، مع الأخذ بالاعتبار أن هذه الطريقة لن تحرم صاحبها من الأجر والثواب، بل إن ثوابه بمشيئة الله سيكون مضاعفًا. يقول ابن القيم: (إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجلُّ وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا فالأول: كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمته نفيسة، والثاني: كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددًا من العبيد، قيمتهم رخيصة...)([19]).

إن زيادة الإيمان تعني تحرك القلب، وانفعال المشاعر مع القراءة، وأنه بدون ذلك لن يتحقق ما نريد.

معنى ذلك أن هدفنا الذي نسعى إليه من خلال اتصالنا المتكرر مع القرآن هو التأثر، وبديهي أن التأثر لن يتم إلا إذا كان هناك فهم وتدبر.

إذن ينبغي أن يكون شعارُنا عند كل تلاوة للقرآن: أن نفهم ما نقرأ، ونجتهد في التأثر به.

يقول ابن مسعود t: (لا تهذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة).

الهذ: سرعة القراءة بغير تأمل، وقوله نثر الدقل: أي كما يتساقط الرطب الردئ اليابس من العذق إذا هز.

 لنبدأ أولاً بالقرآن في تصحيح وتغيير أنفسنا:

والتغيير الذي يحدثه القرآن يبدأ من داخل النفس، بدخول نوره إلى القلب، وكلما دخل النور إلى جزء من أجزائه بدد ما يقابله من ظلمة أحدثتها المعاصي والغفلات واتباع الهوى.

وشيئًأ فشيئًا يزداد النور في القلب، وتدب الحياة في جنباته، ليبدأ صاحبه حياة جديدة لم يعهدها من قبل.

قال تعالى: ]أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ [الأنعام: 122]. فالقرآن إذن هو الروح التي تنبث في القلب فتحييه. ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[ [الشورى: 52].

وعندما تسري الروح في القلب، وتمتلئ جنباته بنور الإيمان، فإن هذا من شأنه أن يطرد الهوى وحب الدنيا من القلب، مما يكون له أبلغ الأثر على سلوك العبد واهتماماته، وانشراح صدره، كما جاء في قوله تعالى: ]أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[ [الزمر: 22].

 لنبدأ أولاً بالقرآن في إصلاح قلوبنا...

القرآن هو أفضل طريقة لإصلاح القلوب وزيادة الإيمان، يقول الله تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ [الأنفال: 2].

إنه موعظة الله وهل هناك أعظم وأبلغ من الموعظة الربانية؟ وهل هناك أيسر منها وأكثر نفاذًا إلى القلب والضمير؟

قال تعالى: ]تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ[ [الجاثية: 6].

لكن العبرة بالقلوب التي تقرؤه وتسمع كلامه وتستقبله...

فلابد من وجود قلب حي يستقبله، والقلب الحي هو قلب مرهف الحسِّ تستغرق الكلمات كيانه فيخشع ويلين لذكر الله عز وجل، كما قال تعالى: ]اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[ [الزمر: 23].

فإذا ما استوفينا شرط الانتفاع بالقرآن وهو زيادة الخوف والخشية من الله، علينا أن نحسن استقباله فنعطي له آذاننا وعقولنا ونتلقاه على أننا المخاطبون به، يقول الله تعالى: ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[ [ق: 37].

يقول ابن مسعود t: «إذا سمعت الله جل وعلا في كتابه يقول «]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[ فأرعها سمعك، فإنها إما خير تُؤمر به أو شر تُنهى عنه»، وهذا لكونهم فهموا أن القرآن لتلقي العلم والعمل، وأن كل ما فيه خطاب لكل من سمعه ومن بلغه، وليس المخاطب به قومًا مضوا، ولم يبق لنا منه إلا أن نتعبد ونتقرب إلى الله جل جلاله بألفاظه ونطقه.

ولقد عاتب الله جل وعلا صحابة رسوله ﷺ‬ فأنزل عليهم ]أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ[ [الحديد: 16]، فحصل منهم الاستعتاب والمراجعة بتفقد قلوبهم وإصلاحها لأنهم علموا من كتاب الله تعالى وتوجيهات رسوله ﷺ‬ أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله..

فالقلوب التي لا تفقه القرآن، ولا تفهم معانيه، ولا تخشع لآياته قلوب مغلقة بأقفالها، قال الله تعالى: ]أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ [محمد: 24].

إنها قلوب عليها أقفالها، وكأنها بيوت خربة قد أغلقها أهلها ثم هجروها سنين طويلة، حتى سكنتها الهوام والدواب، واتخذت مكانًا لرمي النفايات والقاذورات، إن هذا تشبيه نبي الأمة ورسوله ﷺ‬ حينما قال: «إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»([20]).

وأقفال القلوب كثيرة منها:

الإعراض عن دين الله عز وجل وتدبر كلامه، والاستكبار عن عبادته، والانغماس في معاصيه وتعاطي كل ما يغضبه ويسخطه، والغفلة عن مراقبته، والتهاون بأليم عقابه.

ومن أهم موانع تدبر القرآن وأخطر أقفالها، أمراض القلوب وفساد الباطن: كالرياء، والمبالغة في طلب الدنيا، والغل، والحسد، والبغضاء، والكبر، لأنها ظلمة تكسو القلب وتمنع من دخول نور القرآن وهدايته، وتسبب شرود الذهن وانشغاله، حيث إن صفاء القلب والذهن أهمُّ عوامل الفهم والتدبر.

ثمن لا ننسى قطيعة الرحم فإنها من الأسباب الحاجبة عن فهم كتاب الله والانتفاع به، قال تعالى: ]فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[ [محمد: 22، 23].

عن أبي هريرة t عن النبي ﷺ‬ قال: «خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال لها: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك». قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ]فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ[»([21]).

ومن قطعه الله فهو مقطوع عن كلامه.

ولتمام الفائدة فإن هناك علامات كثيرة تدل على أن مغاليق القلب قد فتحت للخير وانشرحت للهداية، منها:

1- استغلال مواسم المغفرة في الطاعات.

2- المواصلة على الخير بعد انقضاء تلك المواسم.

3- الشعور بزيادة الإيمان عند ذكر الله تعالى وتلاوه كتابه الكريم.

4- الخوف من الله عز وجل عند فعل المعصية.

5- الزيادة في فعل الطاعات ورجاء الله بعدها.

6- الشعور بهوان الدنيا والرضا باليسير منها.

7- يتقدم ذلك كله الإخلاص في العمل بتذكر لقاء الله.

وإلا فبماذا نفسر تأثير القرآن الكريم على القلوب المشفقة في مثل قوله تعالى: ]اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[ [الزمر: 23].

 لنبدأ أولاً بالقرآن في طلب العلم:

منزلة القرآن مقدمة على سائر العلوم، ولذلك كان السلف لا يشتغلون عن القرآن بشاغل، وقد صح عن النبي ﷺ‬ أنه منع كتابة الحديث حتى استقرَّ الأمرُ ومُيز القرآن عن غيره، وقيل أن منع النبي ﷺ‬ عن كتابة غير القرآن في وقته إنما كان ليتميز القرآن عن غيره، ولئلا يشتغل الناس بغير القرآن، وقد كان السلف الصالح يقدمون القرآن على كل شيء، فهذا الإمام ابن خزيمة يقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة – ليتلقى عنه – فقال: اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك، فاستظهرت القرآن – أي حفظته – فقال: أمكث حتى تصلي بالختمة – يعني حتى تصلي بنا وتختم بالقرآن – يقول ففعلت، فلما عيَّدنا – أي انتهى رمضان وختمت بهم القرآن – أذن لي فخرجت – يطلب ذلك المحدث ليتلقى عنه».

وإنَّا لنعجب إذا نظرنا إلى سير بعض العلماء على اختلاف أزمانهم ودرجاتهم في العلم ونفعهم للأمة، نجد أنهم في آخر أوقاتهم يتحسرون على عدم الاشتغال بالقرآن، وذلك لما وجدوا في القرآن من الأثر والنفع والبقاء، فإن في القرآن من العلم ما ليس في غيره، ويكفي قول الله تعالى في ذكر القرآن: ]بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ[ [العنكبوت: 49].

وعند النظر في أحوال كثير ممن يتوغلون بالعلم في هذه الأزمنة، نجد أنهم أعرضوا عن القرآن، فمنهم من يعرض عنه إعراض هجر وبعد، ومنهم من يُعرض عنه إعراض ترتيب في أوليات طلب العلم، بينما أولى وأعظم ما اشتغل به من أراد طلب العلم أن يشتغل بالقرآن العظيم، حفظًا وتلاوة وتدبرًا وفهمًا وإقبالاً عليه علمًا وعملا.

وقد أعطانا النبي ﷺ‬ معيارًا دقيقًا وميزانًا واضحًا في هذه المسألة فقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»([22]).

 لنبدأ أولاً بالقرآن في تقويم أخلاقنا:

من المهم أن نهتدي بهدي النبي ﷺ‬ في قراءة القرآن، وفي تلاوته، وفي العمل به، وفي جعله منهاجًا للحياة، وعن سعد بن هشام بن عامر قال: (أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله، قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن، قول الله عز وجل: ]وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ [القلم: 4])([23]).

قال القاضي: (أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن، فإن كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحلى به، وكل ما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه، فكان القرآن بيان خلقه).

كان خلقه القرآن يعمل به في نهاره، ويقوم به في ليله، فهو قائم به عامل به آناء الليل وآناء النهار، لا يتركه لحظة من اللحظات، بل كان يترجم القرآن ويبينه للناس بقوله وعمله وسائر شأنه.

ومن الشواهد على أن القرآن إنما جاء ليقوم الأخلاق ويرسخ العلاقات والصلات بين المؤمنين، وأن بترك تدبره والأخذ بما فيه تسوء الأخلاق وتنقطع الأواصر، ذلك الربط اللطيف بين قطيعة الرحم وترك تدبر القرآن، كما في قوله تعالى: ]فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ [محمد: 22 - 24].

فالقاطع ما كان ليقطع رحمه لو أنه تدبر كتاب ربه..

 لنبدأ بالقرآن أولاً في مواجهة أعداء الإسلام:

إننا في هذه الأزمان المتأخرة التي بُليت فيها الأمة بالمصائب والرزايا من عدة جهات، فيما يتعلق بعلاقاتها بربها وعلاقتها مع دينها وعلاقتها مع بعضها البعض، تحتاج إلى أن تراجع كتاب الله وتعود إليه، وتتمسك به، الذي قال فيه النبي ﷺ‬: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة رسوله». والله جل وعلا يقول: ]وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ[ [الأعراف: 170].

وإننا لنعجب من أمة تهجر كتاب ربها وتعرض عن سنة نبيها، ثم بعد ذلك تتوقع أن ينصرها ربها! إن هذه مخالف لسنن الله في الأرض، إن التمكين الذي وعد به الله، والذي تحقق من قبل لهذه الأمة كان بسبب تمسكها بكتاب الله عز وجل، الدستور الرباني الذي فيه النجاة مما أصابنا الآن.

إن الذين يحلمون بنزول النصر من الله جل جلاله لمجرد أننا مسلمون لواهمون. ذلك أن تحقق النصر له شروط، كما قال تعالى: ]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[ [النور: 55].

كما أن ما بعد النصر له شروط، قال الله تعالى: ]الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ[ [الحج: 41].

فإذا عدنا إلى ربنا وإلى كتابه، سننال النصر في الدنيا والعزة والشرف في الآخرة، قال تعالى: ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَللهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ[ [فاطر: 10].

وهذا ما فهمه أعداء الإسلام، فكادوا للإسلام والمسلمين من هذا الجانب، وظهرت معالم كيدهم للأمة في مؤامراتهم وخططهم لإبعاد المسلمين عن كتاب ربهم، فها هو «جلادستون» رئيس وزراء بريطانيا الأسبق في مجلس العموم البريطاني يحث قومه على زعزعة الأمة عن دينها فيقول: «ما دام هذا القرآن موجودًا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان».

ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر: «إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم».

ويسير المنصِّرون الذين رافقوا هذه الحملات على نفس الخط، فيقول المنصِّر «وليم جيفورد الكراف»، في كتاب «جذور البلاء»: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية، بعيدًا عن محمد وكتابه).

ويقول المنصر «تاكلي» في كتاب «التبشير والاستعمار»: (يجب أن نستخدم القرآن، وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه، حتى نقضي عليه تمامًا، يجب أن نبيِّن للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا».

ويقول المنصر ذاته «تاكلي» في كتاب «الغارة على العالم الإسلامي»: (يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني، لأن كثيرًا من المسلمين قد تزعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية».

واستدعى ذلك الأمر العمل على عدة محاور، منها: تقليص أو إلغاء الكتاتيب وحلق التحفيظ في المساجد، والعمل على الحد من تأثيرها وإضعاف مكانتها في النفوس، وإنشاء المدارس الأجنبية التي تدرس الثقافة الغربية، وتقليص تعليم كتاب الله في المدارس والجامعات، إلى درجة الإلغاء أحيانًا.

 خطوات عملية لتنفيذ المشروع:

وحتى نتدبر القرآن ونحيا به عمليًا علينا أن نتخذ الخطوات التالية:

* أولاً: التلاوة بتأنٍ وتدبر وانفعال وخشوع: وألا يكون هم القارئ نهاية السورة، لكن المهم أن يحصل تنبيه وتذكير القلب بما هو مقبل عليه، فيستحضر القارئ قبل القراءة درجات تدبر القرآن، فيقصد به التأمل والتفكر واستنباط الحكم والأحكام، ثم الخشوع والتأثر، ثم محاسبة النفس وحملها على العمل بما فيه.

* ثانيًا: يستحضر القارئ عظمة المتكلم به سبحانه: فيعظم في قلب قارئه وتعلو منزلته، كما يستحضر جزيل إنعام الله بقراءته، فيتهيأ لكلام الله عز وجل بالوجل والخوف والرجاء والفرح به، عسى أن يظفر بالمقصود من إنزاله، وليتهيأ لذلك ظاهرًا وباطنًا.

* ثالثًا: إذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم فليستحضر طلب العون من الله من كيد الشيطان: فإنه يسعى جهده لصد القارئ عن كلام الله، ويحول دونه ودون الانتفاع بالقرآن، فهو إما أن يشغل قلبه عن النظر في معانيه، أو يصرف فهمه إلى غير المقصود، فليستعذ بالله من كيده وشره ومكره، والمعصوم من عصمه الله.

* رابعًا: وحين يقرأ القرآن يرتل ويترسل: كالباحث عن معنى يخفى بالقراءة السريعة، فِهمَّتُه عرض المعاني على القلب، عسى أن يتأثر أو يخشع، ليست همته متى يختم السورة؟ فهو لا يرضى لنفسه أن يقرأ آية لم يقف عند مدلولها، أو لا يعرف المقصود منها، أو يجهل تفسير كلماتها.

* خامسًا: مما يعين القارئ على معرفة دلائل الآيات الوقوف أمام الآية التي يقرؤها وقفة متأنية فاحصة: ومكررًا النظر في مورد السياق (الكلام السابق واللاحق)، واستحضار الموضوع العام للسورة أو المقطع، والبحث عن حكمة الترتيب، ووجه التعقيب في آخر الآية، والغاية التي تدور حولها الآيات، والنظر في ذلك كله عن طريق كتب التفاسير المأثورة والمعتمدة، كتفسير (ابن كثير) وتفسير (الطبري) وتفسير (السعدي). وهناك فكرة نافعة بإذن الله تعالى نقترح تطبيقها، وذلك بقراءة جزءٍ واحدٍ فقط من القرآن، أو قراءة بعض الجزء، أو قراءة القدر الذي سيتم القيام به في صلاة قيام الليل، وتكون هذه القراءة بطريقة قراءة التدبر المذكور في هذه الخطوات، مع عدم الاعتبار بكمية القراءة أو عدد الأجزاء، وأن لا يكون الهمُّ الإنجاز السريع في تلاوة كتاب الله، حتى تستقر معاني ودلالات آيات ذلك الجزء في القلب فيلين ويخشع، حتى إذا قام به من الليل قام قيام القانتين الخاشعين السائلين الله جل وعلا بصدق ويقين، فيسبح تارة.. ويسأل تارة.. ويستعيذ تارة، ومن جرب هذه الطريقة أدرك الفرق بينها وبين تلاوة الهذِّ من غير إدراك المعاني..

* سادسًا: من أعظم ما يعين القارئ على استحضار مقصود الآيات، ووجود تأثيرها على نفسه وقلبه معرفة أجواء التنزيل: وكيف تلقى الرسول ﷺ‬ الآيات، وكيف وقعت في نفوس الصحابة موقعها حين سمعوها لأول وهلة، فيجعل من الآية منطلقًا لعلاج حياته وواقعه، وميزانًا لما حوله وما يحيط به.

* سابعًا: تعويد القارئ نفسه النظر فيما ينبغي عليه نحو دلالات الآية وإشاراتها: فإذا مر بآية فيها خطاب للأنبياء علم أنه مخاطب بذلك من باب أولى، وإذا قرأ ثناء الله على الأنبياء والصالحين علم أنه مخاطب بذلك، وأن تأثره مقصود واقتداءه مطلوب، وإذا مر بذم الله لأعمال العصاة والظالمين علم أنه مخاطب بذلك، وأن حذره مطلوب.

* ثامنًا: العودة المتجددة للآيات وعدم الاقتصار على التدبر مرة واحدة: إذ المعاني تتجدد فإذا تأثر بآية، وانتفع بها قلبه، فرح بها وكررها وأعاد النظر فيها، فلا يتجاوزها حتى تنطبع معانيها في قلبه، وينشرح بها صدره.

* تاسعًا: ربط الواقع بالآيات المتلوة: نعني بذلك ربط الآيات بالوقائع والأحداث وتداعي المعاني وتذكرها، قال تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ[ [الأعراف: 201].

قام الحسن الليل كله يكرر قوله تعالى: ]وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ[ [النحل: 18]، فلما قيل له؟ قال: إن فيها معتبرًا، ما ترفع طرفًا ولا ترده إلا وقع على نعمة.

ومن المعلوم تفاوت الناس في ذلك تفاوتًا عظيمًا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

والمحاسبة الدائمة للنفس على ضوء ما قرأت وسمعت من كتاب الله تعالى، بحيث تعرض النفس على الآيات عرض تقييم وتقويم، وتحر للآثار العملية بعد قراءة القرآن بتدبر، إذ من السهل أن يعرف الإنسان: هل حقق التدبر أم لا؟ وذلك بالنظر إلى مدى التغيير الذي أحدثه القرآن في نفسه وحياته وعبادته وعلاقاته وسره وعلانيته، وهذه هي أبين علامة لحصول التدبر قال تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ[ [الأنفال: 2، 3].

* عاشرًا: أن يكون الحديث عن التدبر والعمل بالقرآن حديث مجالسنا مع أهلنا وأولادنا: وحديث مواعظنا ومحاضراتنا وخطبنا على المنابر، وكذلك مع طلابنا في المدارس والحلق، وأن يطرح هذا المشروع على مستويات مختلفة ليصبح على مستوى التطبيق العام في حياة المسلمين.

 أسباب تساعد على بناء الشخصية القرآنية:

1- قلة مخالطة عامة الناس إلا لمصلحة وحاجة (فإن كثرة مخالطة أهل الباطل تُنسي القرآن) كما قال علي t.

2- القراءة والمدارسة في أكثر من كتاب تفسير (ابن كثير، السعدي، أبو بكر الجزائري).

3- سرعة الاستجابة والتنفيذ.

4- التواجد بين صحبة صالحة تعين على السمو والترقي.

 الطريق العملي للمشروع الخاص:

مؤشرات التفوق الإيماني:

1- الإخلاص.    2- الخشية.    3- الرجاء.   4- التقوى.    5- المراقبة.

6- التوكل، وغيرها من مراتب عبودية القلب.

المجاهدة والترقي:

1- متابعة تنفيد الوصايا العملية.

2- تعميق الفهم المرتبط بالتنفيذ.

3- الاستمرار والترقي.

المعايشة العملية:

1- تلاوته وتدبره في الليل والقيام على النفس بالمحاسبة.

2- استخراج وتسجيل القرارات العملية.

3- تنفيذها عمليًا.

التفسير والتدبر والفهم:

1- التأمل في معاني القرآن.

2- استخراج وتسجيل القيم القرآنية.

الاتصال اليومي الجاد بالقرآن:

1- تعلم التلاوة الصحيحة بالوسائل المختلفة.

2- المحافظة على ورد يومي (تلاوة – تفسير).


سجل التربية القرآنية

م

القيم القرآنية

الوصايا العملية – التلقي للتنفيذ

المتابعة والمجاهدة والترقي

1-

]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ (21) سورة البقرة

العبادة سبيل التقوى.

1- الحفاظ على الصلاة في أول وقتها جماعة.

2- استحضار النية في كل الأعمال لتحويل العادات اليومية إلى عبادات

3- المحافظة على الدعاء النبوي الشريف بعد كل صلاة (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

2-

اتخاذ الشيطان عدوًا

1- مداومة ذكر الله تعالى الحصن الحصين من الشيطان.

2- مراقبة الخواطر والأفكار والتعوذ والذكر لطرد أي خاطر أو فكر غير صالحة.

3- قراءة آية الكرسي قبل النوم.


 وختامًا

فإننا نوجه هذا المشروع للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، والمدارس، ولدور وحلق التحفيظ، وننادي بأن يكون هناك اهتمام بفهم كتاب الله تعالى يوازي الاهتمام والعناية بلفظه، حتى لا نكون ممن أقام حروفه وضيع حدوده، نطالب بذلك ونحن نرى جموعًا مباركةً من حفاظ وحافظات كتاب الله تعالى على تفاوت مقدار الحفظ لديهم، وقد غلب عليهم الجهل وظهرت عليهم مظاهر الإخلال بالدين، فأصبحوا في الناس كسائرهم، مع أن الواجب أن يتميزوا عن غيرهم بتقواهم لله عز وجل في أفعالهم وأقوالهم وطاعتهم له، ]أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ[ [الزمر: 9].

]وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[ [الأنعام: 155].

وأن يكونوا هم الدعاة حقًا، لأنهم هم حملة مشعل الهداية.

ولهذا نوصي الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم ومدارس التحفيظ أن تعد خطة محكمة لتدبر القرآن الكريم وفهمه – وهو أمر يسير ولله الحمد ]وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ[ [القمر: 40] – وتحدد لذلك منهجًا أو مرجعًا يتقيد به المدرس والدارس، يشتمل على الفوائد المسلكية والتربوية للآيات، مع ربط الحفاظ بذلك على أنه هو الهدف الأساس، وهو الغاية من حفظ كتاب الله تعالى، بل هو الغاية من نزول القرآن إلينا.

بحيث يكون هذا الفهم والتدبر عليه مدار نجاح الطالب والطالبة وانتقاله إلى المستوى الذي يليه، بمعنى أنه يولى له اهتمامًا لا يقل عن الاهتمام بحفظ حروفه وإجادة النطق بها.

وبهذا نكون بإذن الله قد حققنا الغاية من تعلم كتاب الله، ونيل بركاته العظيمة، ]كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ[ [ص: 29].

وأعددنا جيلاً مؤهلاً لنصر هذا الدين والقيام به.

فمن الواجب على المسلمين أفرادًا وجماعاتٍ أن يعودوا إلى هذا المعين والمنبع الصافي الذي لا تنضب فوائده ولا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي أسباب النجاة فيه، فينبغي لنا أن نقبل على هذا الكتاب، ففيه القصص وفيه العبرة والعظة، وفيه الهداية والنور، وفيه الحياة الكاملة كما قال جل وعلا في وصفه: ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ[ [الشورى: 52].

نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح أحوالنا مع القرآن، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن تعلم القرآن وعلمه، وأن يرفعنا وينفعنا بالقرآن العظيم ويحشرنا في زمرة العاملين بما فيه.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



([1]) سنن أبي داود ج4 ص338.

([2]) مسند الإمام أحمد ج6 ص158.

([3]) بخ: كلمة تطلق لاستحسان الأمر وتعظيمه في الخير.

([4]) صحيح البخاري (1638) باب الزكاة/ صحيح مسلم باب الزكاة (1664).

([5]) أخرجه البخاري كتاب الشهادات ج5.

([6]) صحيح البخاري باب (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ج9 ص433.

([7]) المدارج، تدبر القرآن للسنيدي (35).

([8]) صحيح البخاري (10/91).

([9]) صحيح مسلم (4/1873).

([10]) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([11]) صحيح البخاري (10/9).

([12]) صحيح مسلم (1-255) (804)، وبنحوه في سنن الدارمي (2-522، 331)، مسند الإمام أحمد (5-249)، (22200).

([13]) صحيح مسلم (1/559)، (718)، سنن ابن ماجه (1/79)، (218).

([14]) وعى: قال ابن كثير: أي عقله إيمانًا به وعملاً، فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فإنه غير واع له.

([15]) فتح الباري (10/96).

([16]) صحيح مسلم (4/85).

([17]) طرق الهجرتين لابن القيم.

([18]) مسند الإمام أحمد (1/368).

([19]) زاد المعاد (1/339).

([20]) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

([21]) صحيح البخاري ج9 ص522.

([22]) صحيح البخاري باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه ج10 ص91.

([23]) مسند الإمام أحمد ج7 ص132.