معرفة الله في زمن الكورونا

بقلم: فاتن صبري

 لا ملجأ من الله إلا إليه!

لطالما في صغري أحببت عبارة" لا ملجأ من الله إلا إليه" وكنت أرددها دائما لأستشعر قربي من الله، لكنني لم أفهمها جيدا حتى حصل معي موقف طريف منذ أكثر من عشرين عاما، عندما كان ابني طفلا صغيرا لا يتجاوز عمره الثلاثة أعوام، يصر على لمس فرن الطهي وهو ساخن، حتى اضطررت أن أضربه على يده لأمنعه من العودة إلى هذا التصرف؛ فبكى وأخذ يجول من مكان إلى آخر في المنزل لا يدري أين يذهب، تزامن هذا مع نداء أبيه له ليرضيه، لكن المفاجئة أنه عاد لي مباشرة بدلاً من الذهاب لأبيه وبكى في حجري مما أضحك والده، وقال: سبحان الله.

أما أنا فتذكرت قوله تعالى "لا ملجأ من الله إلا إليه" وقلت في نفسي الآن فهمتها، فالله سبحانه وتعالى يُذكرنا عندما نتعرض لبعض المصاعب للرجوع إليه كلما ابتعدنا عنه، وشعرت حينها بفرحة عارمة.

 فيروس الكورونا وحكمة الله:

إن ما يقع في الأرض من كوارث يتضرر منها البشر كالأمراض، البراكين، الزلازل والفيضانات، إنما هي تجليات لأسماء الله وصفاته، وهي في نفس الوقت بمثابة ابتلاء وامتحان للإنسان يجازى عليه بالإحسان إن صبر وبالعذاب إن ضجر، وبذلك يتعرف الإنسان على عظمة ربه من خلال هذه البلايا تماما كما يتعرف على جماله من خلال العطايا. وفي ذلك قالوا: إن لم يعرف الإنسان إلا صفات الجمال الإلهي فكأنه لم يعرف الله عز وجل.

سألني أحدهم يوما عن هؤلاء الذين وقع عليهم الابتلاء بالكوارث، الأمراض أو ما شابه ذلك فقلت له ببساطة:

إن الحياة الدنيا ليست إلا لحظة إذا قارنتها بالحياة الأخرى الأبدية، ومن ثم يهون كل ما عاناه المؤمن في الدنيا بغمسة واحدة في نعيم الجنة كما بشر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن وجود المصائب والشر والألم كانت السبب وراء إلحاد كثير من الفلاسفة الماديين المعاصرين، ومنهم الفيلسوف "انتوني فلو"، وكان قد اعترف بوجود الإله قبل موته وكتب كتاباً أسماه "يوجد إله "، على الرغم من أنه كان زعيما للإلحاد خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وعندما أقر بوجود إله:

 إن وجود الشر والألم في حياة البشر لا ينفي وجود الإله، لكنه يدفعنا لإعادة النظر في الصفات الإلهية، ويعتبر "انطوني فلو" أن لهذه الكوارث إيجابياتها، فهي تستفز قُدرات الإنسان المادية، فيبتكر ما يُحقق له الأمان، كما تستفز أفضل سماته النفسية وتدفعه لمساعدة الناس، وقد كان لوجود الشر والألم الفضل في بناء الحضارات الإنسانية عبر التاريخ، وقال: إنه مهما تعددت أُطروحات لتفسير هذه المعضلة فسيظل التفسير الديني هو الأكثر قَبولا والأكثر انسجاما مع طبيعة الحياة.

إن المتأمل السطحي يرى ما يُسبّبُه مرض الكورونا من معاناة وحالات وفاة وما تَرتب عليه من توقف لكافة أنشطة الحياة وانعزال الناس في بيوتهم اتقاءاً لهذا المرض، يراه شراً لا محالة، غير أن الشر نسبي وليس مطلق، فلو أننا تفحصنا الوضع من زاوية أخرى لوجدنا أن نسبة التلوث في هذه الفترة نزلت لأقل مستوياتها في كلّ أنحاء العالم نظراً لتوقف حركة الطيران وحركة السيارات والذي بدوره أدى إلى تقليل الانبعاثات الصادرة عن هذه المحركات الملوثة للبيئة. وكأن الكرة الأرضية والبيئة دخلت في مرحلة نقاهة خلال فترة انتشار مرض الكورونا. ولا بد للإنسان أن يتأمّل ويعيد النظر في أموره الحياتيّة.

تسبب هذا الوضع في لم شمل الأُسر في داخل البيوت، كما ذكّرهم بنعم الله عليهم، وبتقصيرهم في الحمد والشكر لرب العالمين. فالإنسان لا يشعر بالنعمة إلا حينما يفقدها.

كما بدأت الناس تعي أهمية النظافة أكثر من أي وقتٍ مضى، وتعي ضرورة اتباع أساليب وقاية جادة واستخدام معقمات بصورة مفرطة، وغسل اليدين بالماء والصابون في كل وقت وحين، من كان يتوقع كل ذلك؟

مما لا شك فيه أن هذا الحدث الجلل أعاد ترتيب أولويات الحياة، كما أظهر مدى ضعف الإنسان وهشاشته، وجبروته الكاذب، ومحاولاته البائسة ضد هذا الميكروب. هذا الجبروت الذي هزمه فيروس لا يرى بالعين المجردة.

هذا الحدث كسر كبرياء الكثير ممن ظنوا أن البشر وصلوا لأعلى درجات العلم المادي، وصاروا أشبه بالآلهة وظنوا أنهم بذلك استغنوا عن الدين والخالق.

إن مرض الكورونا يفتك بالصغير والكبير، الضعيف والقوي، الفقير والغني، الإنسان البسيط والملك ولا يفرق بين أحد. وقد سمعنا عن كثير من الأثرياء الذين فروا إلى الملاجئ أو القصور المنعزلة في محاولة للهروب من بطش هذا المرض. هؤلاء أنفسهم كانوا لا يكترثون بمعظم الأوبئة والأمراض لظنهم أنه يمكنهم القضاء عليها من خلال الإنفاق على العلاج. المشكلة الآن لدى الأثرياء أن الأموال موجودة في حين أن العلاج غير موجود. وكأن الفيروس جاء ليُقيم المساواة بين البشر، لا يُفرق بين قوي وضعيف ولا يُفرق بين غني وفقير.

إنه لمن العجيب أن نرى أن البشرية بأسرها توحدت لأول مرة في التاريخ لمواجهة هذا الميكروب.

 إن لم يكن هناك إله فمن أين لنا هذا الخير؟

إن المتسائل من الملحدين عن سبب وجود الشر في هذه الحياة الدنيا كذريعة لنفي وجود الإله، يكشف لنا عن قصر نظره وهشاشة فكره عن الحكمة وراء ذلك، وعن غياب وعيه عن بواطن الأمور، وقد اعترف الملحد بسؤاله ضمنا أن الشر استثناء.

لذلك قبل السؤال عن حكمة ظهور الشر، كان من الأحرى طرح السؤال الأكثر واقعية وهو "كيف وُجد الخير بدايةً؟"

لا شك أن السؤال الأكثر أهمية لا بد أن يبدأ من سبب وجود الخير. فلا بد أن نتفق على نقطة البداية أو المبدأ الأصيل أو السائد. ومن ثم يمكن أن نجد التعليلات للاستثناءات.

يضع العلماء قوانين ثابته ومحددة لعلوم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا بدايةً، ومن ثم يتم عمل دراسة للاستثناءات والحالات الشاذة عن هذه القوانين.

وبالمثل لا يمكن للملحدين التغلب على فرضية ظهور الشر إلا حينما يُقروا بدايةً بوجود عالم مليء بالظواهر الجميلة، المنظمة والجيدة التي لا حصر لها.

وبمقارنة فترات الصحة والفترات التي يظهر فيها المرض على مدى متوسط ​​العمر، أو مقارنة عقود من الازدهار والرخاء وما يقابلها من فترات الخراب والدمار، وكذلك قرون من هدوء الطبيعة والسكينة وما يقابلها من ثوران البراكين والزلازل. من أين يأتي الخير السائد بدايةً؟ إن عالما قائما على الفوضى والمصادفة لا يمكن أن ينتج عالمًا جيدا.

ومن المفارقات أن التجارب العلمية تؤكد ذلك: ينص القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن الإنتروبيا الكلية (درجة الاضطراب أو العشوائية) في نظام معزول بدون أي تأثير خارجي ستزداد دائمًا، وأن هذه العملية لا رجعة فيها.

بمعنى آخر، الأشياء المنظمة ستنهار وتتلاشى دائمًا ما لم يجمعها شيء من الخارج. على هذا النحو، فإن القوى الديناميكية الحرارية العمياء لم تكن لتنتج أبدًا أي شيء جيد من تلقاء نفسها، أو أن تكون جيدة على نطاق واسع كما هي، دون أن يُنظم الخالق هذه الظواهر العشوائية التي تظهر في الأشياء الرائعة مثل الجمال والحكمة والفرح والحب، وهذا كله فقط بعد إثبات أن القاعدة هي الخير والشر هو الاستثناء.

يقول ابن القيم:

إن الشر والألم: إما احسان ورحمة، وإما عدل وحكمة، وإما اصلاح وتهيئة لخير يحدث بعدها، وإما لدفع شر هو أصعب منه.

في حوار لي مع ملحد روسي طرح كثير من الأسئلة، من ضمنها المتاعب والالآم التي يعاني منها البشر.

 قلت له:

إن نظرتنا إلى الشر والألم تتوقف على نظرتنا إلى حقيقة الحياة الدنيا والغرض من الوجود الإنساني فيها والتي تختلف لدى المتدينين عنها لدى الماديين. قلت له: إن المنظور المادي يَعتبر أن الحياة الدنيا ليس وراءها غرض تحكمها غاية، وأن الإنسان اذا مات صار عدما، إذ ليس هناك بعث تتبعه حياة أخرى، فعلى الإنسان أن يحصل أقصى ما يستطيع من مُتع، وبالتالي يُصبح ما قد يشعر به من ألم وكل ما يحجبه عن هذه المتع شر لا جدال فيه، وانطلاقا من هذا المنظور يُصبح ما يتعرض له الإنسان من شرور وآلام أمورا عشوائية تمر به خلال حياته في دنيا نشأت بأسلوب عشوائي أيضا، ومن ثم يُصبح القول بوجود إله كله رحمة ومحبة يُنظم هذه الحياة هراء وعبث بالنسبة لهم، وهذا يَعني أن كل ما يحجبهم عن هذه المتعة هو ألم بالنسبة لهم. 

 معرفة الله:

"وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون" (الذاريات: 56).

نفهم هنا من الآية الكريمة أن الله تعالى ميز الجن والأنس مُنفردين دون سائر المخلوقات بحرية الاختيار. وأن تميز الإنسان هو بتوجهه لرب العالمين مباشرة وإخلاص العبودية له بمحض إرادته ويكون بذلك حقق حكمة الخالق بجعل الإنسان على رأس المخلوقات.

تتحقق معرفة رب العالمين من خلال إدراك ما لله من أسماء حسنى وصفات عليا والتي تنقسم إلى مجموعتين أساسيتين وهي:  

أسماء جمال: وهي كل صفة تختص الرحمة، العفو واللطف، منها الرحمن، الرحيم، الرزاق، الوهاب، البر، الرؤوف...إلخ.

أسماء جلال: وهي كل صفة تختص بالقوة والمقدرة والعظمة والهيبة، ومنها العزيز، الجبار، القّهار، القابض، الخافض...إلخ.

ويترتب على معرفتنا لصفات الله عز وجل القيام بعبادته على النحو الذي يليق بجلاله وتمجيده وتنزيهه عما لا يليق به، طمعاً في رحمته واتقاءاً لغضبه وعقوبته. وتتمثل عبادته بالامتثال بالأوامر واجتناب النواهي والقيام بالإصلاح وتعمير الأرض. وبناءاً على هذا يُصبح مفهوم الحياة الدنيا على أنه امتحان واختبار للبشر، لكي يتمايزوا ويرفع الله درجات المتقين ويستحقوا خلافة الأرض ووراثة الجنة في الآخرة، في حين يلحق بالمفسدين الخزي في الدنيا ويكون مآلهم عذاب النار.

"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" (الكهف: 7).

 المفهوم الحقيقي للإله:

ولتقديم بعض التصورات عن مدى تدهور العلاقة بين الناس ورب العالمين، أعرض هنا قصة حدثت معي مع سيدة ملحدة تقول أنها بعد أن كانت مؤمنة بالله ألحدت. فسألتها عن السبب فقالت: إن ابنتها مرضت بالسرطان وأنها دعت الله أن یُنجی ابنتها، وكانت تدعو الله وتقول: انه إن نجى ابنتها فسوف تؤمن به وقد ماتت البنت وكفرت الأم بالله.

هذه القصة من القصص التي أثرت فيّ كثيراً، وسبحان الله ما جاء في خاطري في هذه اللحظة أنهم فعلا ما قدروا الله حق قدره، فهم یتعاملون مع الله بمبدأ إذا أعطیتني أؤمن بك وإذا لم تعطني لن أؤمن بك. فهذه المرأة لم تعرف الله حق المعرفة ولم تعرف القیمة الحقیقیة لهذه الحیاة التي نعیشها أصلا، لأنها لو كانت تعرف قیمة هذه الحیاة لما تصرفت هذا التصرف ولما تعاملت مع ربها بهذه الطريقة.

مثلا في علم الریاضیات يقولون:

 أن أي رقم مقارنة باللانهاية هو صفر. فحياتنا عبارة عن مجموعة أرقام ونخسر كل یوم من حياتنا رقم من هذه الأرقام فحتى لو عشنا مائة أو مائتي سنة فمقارنة باللانهاية هو صفر، وان الموت آتٍ لا محالة في أي عُمر بمرض أو بدون مرض وساعة الموت محددة. فنحن نعیش في الواقع في الصفر. فأنا قلت للسيدة إنكِ لم تعرفِ الله حق المعرفة، لأنكِ لو عرفتیه حقا لما رفضتِ الإيمان به والتسليم له، فجهلك بصفات الله تجعلكِ تعاملیه وكأنه إنسان أمامكِ تُقايضيه بالمثل - سبحان الله - وهل الله تعالى زمیل لكِ في العمل؟! من هو الله بالنسبة لكِ؟! هل إيمانك كان مشروع بینك وبین رب العالمين؟! هل افترضتِ أنها إساءة وتردین الإساءة بالإساءة؟! هذا شئ عجیب! هل أنتِ مخلدة في هذه الدنیا؟!

 فلو كنت عرفت الله حق معرفته لما كفرت به، وهو أرحم بك من أمكِ وأبیكِ، وأنه تعالى لدیه جنة عرضها السماوات والأرض. هل تخسري ذلك بهذه الدنيا؟! هل تفضلي الصفر على اللانهاية؟!

قلت لها: إنه ليس من المنطق أن نحكم على مسرحية دون أن نتابعها للنهاية ولا أن نرفض كتابا لأن الصفحة الأولى لم تعجبنا، هذا الحكم يُعتبر ناقصاً.

لقد وصلتني أسئلة كثیرة ومتكررة عن كيفية وقاية أبنائنا من الإلحاد. فأنا أقول وأكرر أن الحل هو في معرفة المفهوم الحقيقي للإله، لأنه من عرف الله هان علیه كل شيء، لأننا طبعا لم ندرك حكمة آباءنا وأمهاتنا عندما كنا صغاراً في كثير من التصرفات، وكنا نتساءل دائما لماذا يتصرف الوالدين بهذه الطريقة، هل یحبني أبي فعلاً؟ لماذا لم يوافق على ذهابي لهذه الرحلة؟ هل تحبني أمي؟ فإن كانت تحبني فلماذا تضغط علي في الدراسة والحصول على الدرجات العالیة. ولماذا تُجبرني على أداء الواجبات الیومیة؟ لماذا ترسلني أمي للنوم كل یوم مبكرا؟ عندما كبرنا وأصبح لدينا أولاد، فهمنا الحكمة من تصرفات آباءنا. وفهمنا أنه لا یوجد على الأرض من یحب لنا الخیرأكثر منهم.

فالمعرفة العميقة للإله مهمه جدا لأننا إذا عرفنا الله حق المعرفة سوف نجد التفسير لكثير من تصاريف الأمور وتتسع آفاق الإدراك والمعرفة وحينها يبلغ الانسان رشده ويهتدى لحل كثير من المشاكل.

"مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (التغابن: 11)

وكثيرا ما نسمع عن زيادة نسبة الإلحاد بسبب الحروب التي يتسبب فيها الإنسان والكوارث الطبيعية. لا شك أن تقدير الله لهذه الأمور أن تقع، ما هو إلا امتحان واختبار لإیمانهم، حيث إن كثيراً من الناس یعبد الله على حرف.

" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" (الحج: 11).

وهل أعبد الله أو أذكره فقط في الرخاء وعندما أتعرض للشدة أكفر به؟

 رحمة الخالق:

في أحد الأيام تحاورت مع ملحد أمريكي، وقلت له: إن الخالق الذي خلق عباده هو أرحم بهم من أمهم، وأن المؤمن عندما يضع في اعتباره أن من سيحاسبه یوم القیامة هو ربه الذي خلقه، هو أرحم به من أمه التي ولدته، فتخیل مدى فرحته ومدى اطمئنانه عندما يقابل ربه، وهذا كافي لأن نشعر بالسعادة في هذه الدنیا وسوف تهون علينا كل الصعاب.

 فأعطیته مثال بسیط عن أهمية معرفة الله، قلت له:

إنك لو أخبروك أن فاتن صبري التي تتكلم معك هي من هواة تربیة الأسود مثلا، وأنها لدیها شخصیة قویة ولا ترحم، وممكن أن تؤذیك، فطبعا سوف تصدق، لأنك لا تعرفني واحتمال كبیر أن تأتي هنا وتأخذ الإحتياطات اللازمة وترتعد، لكن من یعرفني جیدا فسوف يتفاجأ ویضحك من هذه المعلومة لأنه یعلم جيدا أن فاتن تخاف من القطط أصلا، وضحك كثیرا.

في حوار لي مع قسیس من قساوسة الفاتيكان وكنا قد دخلنا في نقاش وشرحت له عن عقيدة التوحيد. وقلت له: إن المسلم یؤمن بإله واحد أحد، لیس له شريك ولا ولد، وأنه تعالى أرسل الأنبیاء والرسل كعیسى وموسى ومحمد لنشر رسالة التوحيد في العالم، خلق عيسى من غير أب وخلق آدم من غير أب ولا أم، فهو يخلق ولا يلد، وأمرنا بعبادته وحده كما عبدوه هم، فنحن نعبد الله كما عبد عیسى الله ولا نعبد عیسى نفسه، ونحن نعبد الله كما عبد محمد الله ولا نعبد محمد نفسه ونصلي لله. وكذلك فقد كانت السيدة مریم تصلي لله وحده، وعليه فيجب ألا نصلي لمريم نفسها ولا نطلب منها، بل نطلب من الله كما كانت السیدة مریم تطلب من الله مباشرة.

حينها قاطعني هذا القسيس وقال نحن لا نعتبر مریم هي الله ولا نعبدها، ولكننا نستخدمها كوسیلة للوصول إلى الله. وبرر ذلك بمثال الأسرة، عندما یطلب الأطفال مثلا زيادة في المصروف أو ما شابه يلجؤون إلى الأم لكي تكون وسیطاً بینهم وبین أبیهم، لأن قلب الأم طیب ورقيق وتحبهم أكثر، وممكن أن توصل طلبهم بطريقة أفضل للوالد. طبعا جوابي كان قاطع وصارم في هذه النقطة وقد تفاجأ به، حيث قلت له نعم كلامك صحیح، ولكن هذا في حالة أن الأطفال لا يعرفون أبیهم حق المعرفة، حيث أنه باعتقادهم أن الأم هي أرحم بهم من أبیهم، لكنهم لو عرفوا أن هذا الأب هو أرحم من الأم لذهبوا إليه مباشرة، وهذا جهل من الأولاد بطبيعة الأب.

واستَرسلت قائلة له: أن البشر لو عرفوا الله حق المعرفة وعرفوا أن الله أرحم بهم من أمهاتهم وآبائهم لذهبوا إليه مباشرة.

 فقاطعني ثانية وقال: لا أنتِ لم تفهميني، نحن نستخدم السيدة مریم كوسیلة للوصول لرب العالمین كالذي یُرید أن یضیِّف زواره مثلا ویضع المشروبات على صینیة، فالسیدة مریم هي الصینیة التي نُرسل بها طلباتنا لرب العالمين.

فقلت له سبحان الله! ومن كانت بمثابة الصینیة التي استخدمتها مریم للوصول الى رب العالمین؟! هل مریم عبدت الله مباشرة أم عن طریق وسیط؟ هل وضعت دعائها على صینیة؟ أخبرني! هل عبدت عیسى علیه السلام؟ أم عبد عيسى أمه؟ أم اتخذت قسيسا أم وسيطا أم قديساً ؟

الشاهد هنا أن هذه القصة كانت بالنسبة لي نقطة انطلاق لنشر المفهوم الحقيقي للإله وكانت سبب لكتابة كتابي: المفهوم الحقيقي للإله، الذي أردت به أن أُوضح للعالم أن المفهوم الحقيقي للإله هي النقطة المفقودة الآن، لان أتباع الديانة الهندوسية مثلا يُؤمنون بإله واحد أحد ولكن هناك من أقنعهم أن الله یتمثل في حجر أو في صنم وقد أعجبهم ذلك لأنهم لم یعرفوا من هو الله، وأن الله لا یأتِ إلى الأرض، وأن ذاته العليا لا بد أن تكون خارج السماوات والأرض، وإرادته وقدرته نافذة لجميع مخلوقاته.

إن عدم معرفة رب العالمين يُؤدي إلى وضع أفكار أو تصورات خاطئة عن الإله كأن يتجسد في ثلاثة أقانيم أو يتمثل في جسد بشر. إن تحريف المفهوم الحقيقي للإله في العهد القديم لم يُشوش أذهان الناس فقط ويَضعهم في حِيرة فحسب، بل تسبب بلجوئهم إلى الإلحاد وصرفهم عن الدين بالكلية. فالتوراة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى علیه السلام ذكرت أن الله تعالى بصفاته العليا، هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا یموت وهو الخالق الأبدي الرحيم المنزه عن كل عيب أو نقص، وأنه المعبود وحده، لكن نجد في العهد القديم ( التوراة المحّرفة)، أنهم يَنسبون إليه صفات لا تليق به (كأن ینسى، لا یعرف، یخاف، يرتاح) سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.

وسبحان الله في صغري كنت اتساءل دائما لماذا ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أنه خلق السماوات بدون أن يتعب وكنت أتعجب جدا من الداعي لذكر هذه النقطة، حيث أنه معروف أن الله تعالى لا یتعب، حتى التحقت بمجال الدعوة، عندما عرفت أن النصراني یعتقد أن الله عندما خلق السماوات والأرض ارتاح يوم الأحد. وهم دائما يسألونني لماذا لا یعتبر المسلمون یوم الأحد هو یوم مقدس وأقول ببساطة لأن الله لا یتعب لكي یرتاح. المفاجأة أنهم یضحكوا بشدة من جوابي ويقولون فعلا نعم كلامك صحیح.

 التوحيد هي وسيلة الخلاص:

إنه لمن الخطأ أن نُعَرِّف الإسلام على أنه الإيمان بإله واحد ونقف إلى هنا، فالإسلام هو:

 الإيمان بإله واحد أحد وهو الخالق والذي ليس كمثله شيء، وعبادته وحده بدون قسيس ولا قديس ولا أي وسيط.  

فالإسلام ليس فقط توحيد الربوبية بل وتوحيد رب العالمين في العبادة (توحيد الألوهية بمعنى عبادته وحده بدون وسيط). إن الإيمان بإله واحد (توحيد الربوبية) موجود في ديانات كثيرة وكانت موجودة في عقيدة كفار قريش أيضا؛ فعندما سُئلوا عن سبب عبادتهم للأصنام قالوا: لتقربنا إلى الله زُلفى فهم لا يُنكرون وجود الله. وبإمعان النظر في مُعتقدات الشعوب نكتشف أن غالبية الأمم التي لديها موروث ديني ولديها رموز دينية مختلفة لا تزال تُؤمن بوجود خالق للكون وتلجأ اليه عند الشدائد. مما يُؤكد ان هذه الديانات والمعتقدات لها أصول تاريخية نابعة من ديانة أصلية واحدة صحيحة.  وأن ما لدى الشعوب الحالية من تراث ديني يحتوي بداخله على عقيدة التوحيد والإيمان بإله واحد والتفرد بعبادته. وأن هناك دلائل وشواهد في هذه الديانات والكتب تشيرإلى أن جذورها وأصولها ترجع إلى عقيدة الإسلام والتوحيد.

إن الاختلافات بين الديانات تتمثل في الوسيلة المتبعة في التواصل مع الخالق مباشرة أو من خلال اتخاذ وسطاء (قديسين، كهنة، أصنام أو أنبياء) فلو أن جميع الديانات تركوا عبادة الوسطاء وتوجوا مباشرة للخالق لتوحدت البشرية ولاستقامة قلوبهم واهتدت للحق. فكما أن الجميع يتفق في وحدانية التوجه نحو الخالق مباشرة دون شريك أو وسيط عند وقوع المصائب أو الشدائد فكان لا بد من دعوة الجميع في السراء والضراء لعبادة رب العالمين. كما ورد القرآنَ الكريم:

 "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (آل عمران: 64)

الخلاصة:

إذاً، الحياة الدنيا بداية لرحلة أبدية يستأنفها الإنسان بعد الموت بالبعث والحساب ومن ثم الجزاء، ويَعتبر الإسلام أن وجودنا في هذه الدنيا هو لهدف وغاية سامية وهي معرفة الله عز وجل، وعبادته والتوجه إليه مباشرة.

والذي يقع من ابتلاءات هو أراده الله، والذي أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، حيث أنه لا يوجد شر مطلق بالوجود.

مراجع:

www.fatensabri.com

http://www.islamhouse.com

http://quranenc.com/en/home

كتاب خرافة الإلحاد. د عمرو شريف