مقومات الثبات على الهداية

عبد الرحمن اليحيى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:

من واقع دراستي وتخصصي وعلمي وعملي والتي تدور حول الدعوة إلى الله أؤمن بأن وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة.

ولما كانت الهداية أعظم نعمة في الوجود، فليس هناك نعمة أعظم منها، إذ هي السلعة الرائجة عند الله، وهي ثمن الجنة؛ ولذلك أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «والذي نفسي بيده، لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا»، فمن يريد الجنة فليشترها بالهداية، فإن الله لم يجعل للجنة ثمنًا غيرها، فمن الناس من يشري نفسه – أي يبيعها – ابتغاء مرضاة الله، وقد اشترى رجالٌ من المؤمنين أنفسهم من الله بأن لهم الجنة، ومنهم من ينتظر، ومن الناس رجال يريدون الجنة ولا يدفعون فلسًا، كما قال يحيى بن معاذ: «أعمالٌ كالسراب، وقلوبٌ من التقوى خراب، ويطمعون في الكواعب الأتراب، وفي جوار الملك الوهَّاب، هيهات هيهات».

ومن هنا نقول للجميع: إن الله جعل مفاتيح السعادة في الدنيا والآخرة في الهداية، ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]، ومن رام السعادة في غيرها فلقد رجا أن يجتني من الشوك رطبًا جنيًا، نسأل الله العظيم أن يرزقنا هداية الثبات على الإسلام، وذلك باستكمال العمل بشرائعه، وترك الأمور التي نهى عنها، وهذه هي الهداية التامة والكاملة التي خرَّت لها جباه الساجدين، وتقرحت لها جنوب الصالحين، فكانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، في طلب أن يثبتهم الله على الحق، وأن يجعلهم على الاستقامة التامة والكاملة، قال الحسن: «اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة».

وقد جعل الله الهداية الخاصة لأوليائه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، فمن رزقه الله الهداية رزق سعادة الدنيا والآخرة، وإذا دخلت الهداية قلبًا وجد السعادة التي طالما بحث عنها، وهي رحمة من الله؛ ومن أحبه الله أعطاه الهداية ويسَّر له سبلها، والهداية معناها الثبات على الحق، ولما صعد ابن عمر على الصفا قال: «اللهم كما هديتنا للإسلام فلا تنزعه منا حتى نلقاك عليه».

وفي الدعاء المشهور: «اللهم أهدنا فيمن هديت»، أي: مع من هديت، والمراد بهم الأنبياء والصالحين، أولئك الذين أنعم الله عليهم بالهداية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يمكن أن تُستفتح ركعةٌ بل لا تصح أي صلاة حتى تطلب الهداية، وهي هداية الثبات على الإسلام، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

والحاصل من هذا كله: إنني كتبت لك – أخي المسلم – هذا الموضوع وأنا أرجو الله أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يكون زادًا لي في يوم لا زاد فيه إلا التقوى وصالح الأعمال، وسميته: «مقومات الثبات على الهداية»، وهذه المقومات كثيرة جدًا، أبرزها اثنتا عشرة خصلة، بدءًا بالتوفيق، والإخلاص، والمتابعة، وقراءة القرآن، وحب السنة، وقراءة السيرة، والصبر، والاقتصاد في الطاعات، ولزوم جماعة المسلمين، ومصاحبة الأخيار، والإكثار من الدعاء مع بذل الأسباب، وطلب العلم الشرعي، والحرص على النوافل، وتذكر الآخرة، ثم خاتمة: كيف أكون مهتديًا.

وقد تميز هذا المبحث اللطيف بكتابته بروح العصر، وتم إضافة فصل معه حول الغرباء، وهو مهم جدًا، والأسس التي تبنى عليها الصداقة، وهو مدعم بالأدلة النقلية والعقلية، مع ضرب الأمثال المحسوسة؛ فجاءت نورًا على نور، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40]، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: 41].

تمت المذكرة، وأهديها للفتية الذين نلمحهم من بعيد بعين الخيال، فإلى هؤلاء الفتية المؤمنين، أهدي هذه المذكرة، فقد تركوا أهواءهم لطاعة الله، وتركوا شهواتهم لمرضاة الله، وأقول لهم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والله، ليتمنَّ الله هذا الأمر»، فالدين دين الله، والكلمة كلمة الله، وإن الحق باقٍ ما بقي المليان وتعاقب الزمان، ولو قال به أضعف الناس عند الناس، ولو قرره أحقر الناس، ولكنه عظيم عند رب الناس.

 والله غالب على أمره، والله العظيم أسأل بعزته وعظمته وقدرته أن يعز دينه ويعلي كلمته، وأن يجعلنا من الهداة المهتدين، وأن يجعل عزّتنا بدينه؛ كما نسأله بكل اسم هو له أن يجعلنا من المرحومين والمقبولين والمخلصين، وأن يرزقنا التمسك بالسنة عند فساد الأمة، ويثبتنا عليه، ويحشرنا في زمرة أهلها، والحمد لله أولاً وأخرًا، وظاهرًا وباطنًا، كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

حررت في 5/11/1426هـ

كتبه/ عبد الرحمن آل يحيى

أبها – الواديين – ص.ب 20064


مقومات الثبات على الهداية

بداية، نقول:

اللهم لك الحمد على كل نعمة أنعمت بها علينا، وعلى رأسها نعمة الهداية التي يمتد نفعها من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، وأصلي وأسلم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، سبب هذه النعمة والدالّ عليها، وبعد:

فنحن والإيمان: كما قال السلف: «من لم يدخل جنة الدنيا لم يدخل جنة الآخرة»، وهذه المقولة ليست مغلوطة، بل هي الحقيقة بعينها، قالها من هو مطلع على حقيقة الدين، فيا ترى ما هي جنة الدنيا؟ وما ثمرتها؟ وما علامتها؟

إن جنة الدنيا هي محبة الله، والإيمان به، واتباع رسوله، ولذلك أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة»، ومن رزقه الله الإيمان والعمل الصالح نال ثمرة هذه الجنة، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]، وهذه الحياة لا يجدها ولا يذوقها إلا من آمن وعمل صالحًا، ولا يبقى إلا أن يقال: من ذاق عرف، فهل لذلك من علامة تعرف بها؛ لأنه قد يدَّعيها من لم يدخلها؟

والجواب: نعم، لها علامة واضحة أخبر بها الصادق المصدوق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: «إن النور إذا دخل الصدر انشرح» وفي رواية: «إن الإيمان»، قالوا: ما علامة ذلك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: «التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله» [رواه الترمذي وغيره، وذكره أيضًا الإمام ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125]، في سورة الأنعام].

وإذا عُرف هذا فأعظم نعمة ينعم بها الله على الإنسان نعمة «الإسلام والإيمان».

ولكن: من سيثبت على هذه النعمة حتى الممات؟ فالقلوب تتقلب والإيمان يزيد وينقص باللحظات، والإنسان ما دام في هذه الحياة فهو معرض لفتن عظيمة قل من ينجو منها، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم» [رواه مسلم عن أبي هريرة].

ومن هنا: حثَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على المبادرة بالأعمال قبل وقوع الفتن وانتشارها؛ ولأن العمر تعتريه آفاتٌ، وقد تحول بينه وبين طاعة الله عز وجل، ولخطورة هذا الأمر خاف السلف من سوء الخاتمة، ففي الحديث: «الأعمال بخواتيمها الأعمال بخواتيمها» [رواه البزار].

وكيف لا نخاف سوء الخاتمة وقد أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» [رواه مسلم عن ابن مسعود].

وعند الإمام أحمد: «لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بما يُختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحوّل فيعمل عملاً سيئًا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملاً صالحًا» [رواه أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه].

ومما يحسُن ذكره مثالان على حسن الخاتمة وسوئها:

ففي الصحيحين من حديث سهل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - التقى مع المشركين وفي أصحابه رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منّا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلانٌ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هو في النار»، فقال رجل: أنا صاحبه فأتبعه، فجُرح جرحًا شديدًا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه على الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فكانت خاتمته معصية سببت له دخول النار.

فخاتمة السوء قد تكون بسبب دسيسة سوء عند العبد، لا يطلع عليها إلا الله، أو عمل سيئ، ففي صحيح ابن حبان عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله».

والعكس بالعكس، كما في قصة الرجل الذي أسلم يوم أُحُد فقاتل حتى قُتل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عمل قليلاً وأُجر كثيرًا، وما سجد لله سجدة»، وكذلك قصة الغلام اليهودي في مرض موته لما قاله له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «آمِنْ»؛ فآمن فمات فدخل الجنة.

ومن أجل ألا يسوء ظن العبد بربه فإن لسوء الخاتمة أسبابًا كثيرة منها:

1- الأمن على الإيمان من فقدانه: أخرج الإمام الفريابي في ذم المنافقين عن أبي الدرداء: «إن من أمِن على إيمانه من الفقدان سُلبه عند الموت».

2- فساد العقيدة: وكفى بها بلاءً؛ لأن مَنْ عقيدته فاسدة فعمله مردود، وقد رأيت أناسًا حَوْل قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعونه من دون الله، ورفعوه إلى منزلة لا يرضاها الله ولا يرضاها رسوله، وهؤلاء لا تقل لهم: صلوا أو صوموا؛ لأن عملهم مردودٌ لفساد عقيدتهم، حيث إنهم يدعون غير الله، ويستغيثون بغير الله، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أنه لا يستغاث بغير الله»، وقد خدعهم الشيطان وقال لهم: إنه لا يستجاب لمثلكم، كيف هذا والله يجيب دعوة من دعاه، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186.

3- الاغترار بالحالة الحاضرة: وما يصدر عنها من طاعات، والغفلة عما في النفس من مهلكات، أبرزها: النفاق الذي قلَّ أن ينجو منه أحد، والبدعة التي ما سلم منها أحد إلا القليل، والتعلُّق بالدنيا والركون إليها.

فأما النفاق: فقد خافه الصحابة على أنفسهم خوفًا شديدًا مع ما لهم من الأعمال الصالحة، كيف لا وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أربع مَنْ كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».

المشكلة أن من اتصف بهذه الخصال الأربع كان منافقًا خالصًا؛ لأنه جمع جميع أعمال النفاق العملي.

أما قوله: «إذا ائتمن خان»؛ فلأن أداء الأمانة إيمان، وتضييعها نفاق وعصيان، والخيانة دليل على سوء البطانة، والأمانة ليست هي حفظ العارية، بل تدخل في كل صغيرة وكبيرة في الدين والدنيا، ومن أعظم الخيانات:

خيانة الله ورسوله والكذب عليهما، والتقول على العلماء بما لم يقولوا.

ومنها: ترك الأولاد والبنات يسرحون ويمرحون كيفما يشاءون، ويسهرون على المحرمات، وكله خيانة للأمانة، وكذلك خروج الأب للصلاة بالمسجد وترك أبنائه بالبيت نائمين.

ومنها: إفشاء أسرار الزوجين، سواء حصلت بينهم خصومة أو التحدث بما يحصل بينهم من العشرة ، والسبب في ضياع الأمانة أنه لما فسدت علاقتنا مع الله فسدت علاقتنا مع الناس، لأنه ما من عبد يؤدي حق الله إلا أدى حقوق عباده.

أما قوله: «وإذا حدّث كذب»؛ لأن كل معصية وكل بلية تنشأ من الكذب، وإذا ترك العبدُ الكذب فقد أغلق على نفسه باب معاصٍ كثيرة، ومن هنا قال - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والكذب، فإنه يهدي إلى الفجور»، بل إنه من أبرز خصال النفاق العملي.

أما قوله: «وإذا عاهد غدر»؛ فالبعض – على سبيل المثال – إذا أراد أن يتوب أخذ على نفسه العهود والمواثيق على أن لا يعود إلى تلك المعصية، ثم يغلبه هواه فيعود، فاحرص على ألا تعاهد الله على ترك المعاصي؛ لأن العهد مسؤول، ومن نقض العهد يُخشى عليه النفاق، ومن خدع الشيطان لكثير من ضعاف الإيمان حين يوقعهم بمعصية، فإنه بمجرد أن يجدوا نشوة الهداية يعاهدون الله على ترك تلك المعصية ويعطون الله من أنفسهم عهودًا مغلظة، ثم يستدرجهم الشيطان، حتى ربما أغواهم فوقعوا في المعاصي مرة أخرى، ثم يقول لهم: أنت منافق، أين العهود والمواثيق؟! حتى يقنطه من رحمة الله، ولذلك نقول للجميع: احرص على ألا تعاهد الله على ترك المعاصي؛ لأن العهد مسؤول.

ولكن إذا كنت تريد أن تتوب فتب بدون عهد، فإن الله يتوب عليك، وابذل الأسباب في البعد عن المعاصي، فإن عدت فتب مرة أخرى، كالذي يتوضأ ثم ينقض وضوؤه فإنه يعود فيتوضأ، حتى ولو تاب في اليوم سبعين مرة بشروطها، فإن الله يتوب عليه.

وأما قوله: «وإذا خاصم فجر» فنسأل الله العافية، فإذا وقعت خصومة بينه وبين غيره فجر، والفجور في الخصومة على قسمين:

1- يجحد ما كان عليه.

2- أن يدعي ما ليس له.

ولذلك إذا قُدّر لك أن تصلح بين شخصين ، وكان أحدهما فاجرًا كان الأمر من الصعوبة بمكان؛ لأن المؤمن يمكن أن تخوفه بالله فيخاف، ولكن إذا كان فاجرًا فلا شك أنه يتجرأ على الله والعياذ بالله، ونسأل الله أن يطهر قلوبنا من «النفاق، والشك، والشرك، والرياء».

وأما البدعة فهي الحدث في دين الله عن طريق الزيادة أو النقصان، ولم يشهد له كتاب أو سُنَّة، بقصد التقرب إلى الله، ومن كان من أهل البدع فإنه على ضلالة وشقاء، ثبت في الصحيح أن أهل الظلم والبدع والضلالات لا يردون حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - - وكفى بها مصيبة – ولو ببدعة واحدة، بل يذادون عنه، ففي الحديث: «يُذاد أقوامٌ عن حوضي فأقول: أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، فالدين ليس ملكًا لأحد يقول فيه ما يشاء بما يشاء، بل ينبغي الوقوف على قول الله وقول رسوله، والرجوع إلى أهل العلم والدين، وكل قول أو عمل لا يستند إلى كتاب الله وسنة رسوله فهو مردودٌ على صاحبه كائنًا من كان، فاحرص على ألا تعمل أي عمل حتى تزنه بما قال الله ورسوله، فلا يجوز لأحدٍ أن يحدَّث في دين الله بشيء بدعوى تفضيل شيء على شيء من قول، أو فعل، أو ذكر، أو عدد، أو زمان معين، أو مكان، إلا بدليل شرعي؛ لأن الشرع كاملٌ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين جميع الفضائل أكمل بيان، وحذر من جميع الشرور.

كذلك بالإضافة إلى أننا نُحذّر جميع من يُبدِّع الناس بلا خطام ولا زمام، دون الرجوع إلى ضوابط الشرع والسلف؛ لأنه على خطر عظيم والأعمال تنقسم إلى قسمين «عبادات، ومعاملات».

 مضار البدع:

1- تفريق الأمة: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53].

2- تقضي على الدين: «ما ابتدع قومٌ بدعةً إلا نزع الله سنة مثلها» [صحيح، رواه أحمد].

3- أن المبتدع يزعم أن الدين ناقص: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]. وقال الإمام مالك: «من ابتدع بدعة في دين الله فهو يزعم أن محمدًا خان الرسالة».

4- أن المبتدع يحاول أن يشارك الله في التشريع ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

5- صاحب البدعة لا يتوب: لأنه يحسب أنه يحسن صنعًا.

6- عمله مردود عليه وغير مقبول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [صحيح رواه مسلم].

 سبب البدع:

1- الجهل بالدين: واتباع أئمة الضلال.

2- اتباع الهوى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50].

3- التقليد الأعمى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170].

أما السبب الثالث في مهلكات النفوس فهو:

التعلق بالدنيا والركون إليها: وكفى أن حبها رأس كل خطيئة؛ لأن العبد إذا أحب شيئًا لا يحب أن يفارقه.

 ومن أسباب سوء الخاتمة:

1- الإصرار على المعاصي؛ لأن العاصي لا يؤمن استدراجه إلى الكفر؛ لأن المعاصي بريد الكفر وسوء الخاتمة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]؛ لك أن تسأل عن الفرق بين المؤمن المتقي والمؤمن العاصي فالجواب: الكل يعصي الله ، لكن المؤمن العاصي مُصرٌّ، بخلاف المؤمن المتقي فإنه تحصل منه المعصية عن غفلة أو غضب أو شهوة، لكن إذا ذُكّر بالله ذكر ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. بخلاف من أصرَّ على فعل المعاصي، فإنه على خطر من ناحيتين:

الأمر الأول: أن الموت قد يأتي بغتة، ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ﴾ [النساء: 18]. ذكر الإمام ابن رجب عن أحد السلف أنه حضر رجلاً يلقن عند الموت «لا إله إلا الله» فقال: هو كافرٌ بها، فسُئل عنه، فقالوا: كان مدمن خمر.

الأمر الثاني: أن من أصر على المعاصي يصل إلى الران، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. ففي الحديث: «إن العبد إذا أذنب ذنبًا نكت فيه نكتة سوداء»، وهذه بداية المرض، «فإن تاب صقل قلبه وإلا زادت».

2- ومنها الكبر، فقد كان إبليس في الجنة عابدًا، لكن عنده دسيسةُ سوء، فأراد الله أن يظهرها فابتلاه بالسجود لآدم، فقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: 61]، بل قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 12]. فأبى واستكبر، فقال الله له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: 13]. فبعض الناس ظاهره الخير ولكن جريمته في قلبه من كبر وحسد وحقد، وعليه فالإيمان كالخيمة في القلب، وله أطناب، فإن ثبتت الأطناب لم يضره هبوب الريح؛ وإن كانت الأطناب غير ثابتة فبمجرد أن تهب الريح تهدم الخيمة.

وإن سألت عن الهوى والريح فهي جملة الشبهات والشهوات، ومن هنا فالمسلم بحاجة ماسة إلى معرفة مقومات الثبات على الهداية حتى الممات.

 وأسباب حسن الخاتمة:

الأول: توفيق الله، فأساس الهداية توفيق الله، «كلكم ضال إلا من هديته»، فمرد الأمر إلى فضل الله، وهل أحدٌ يستطيع أن يعمل بدون توفيق الله وإعانته وتيسيره وتسديده، فالاستقامة على طاعة الله لا يثبت عليها ، ولا يرزقه الاستدامة عليها بشيء أعظم من توفيق الله للعبد، وإذا حرم العبد التوفيق حرم الثبات على طاعة الله والخير، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

فأول ما تبدأ به: انزع من قلبك أي منة، وانزع من قلبك الشعور بالحول والقوة، وتبرأ من حولك وقوتك إلى حول الله وقوته، فالمهتدي دائمًا يخاف من الانتكاس في كل لحظة، فالهداية منة من الله، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17]، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].

واعلم أن الله يطبع على القلوب والأسماع والأبصار، فلا تعي ولا تسمع ولا ترى، حتى يفتحها الله وكلما ازداد العبد قربًا من الله ازداد خوفًا من الله أن يُفقده شيئًا من إيمانه، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجدًا يقول: «يا مقلب القلوب! قلب قلبي على طاعتك ودينك»، والله لولا الله ما اهتدينا ولا عرفنا صلاة ولا قربة، بل هو الذي شرح صدورنا للخير ويسّره لنا، فله الحمد أولاً وأخرًا.

وإذا استمر معك هذا الشعور فاشكر الله كثيرًا، فإن العبد قد يكون من أصلح الناس، ويمر عليه طرفة عين غرور أو عجب فينتكس ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 61].

فإياك ثم إياك أن تعتقد طرفة عين أنك اهتديت بحولك، فإذا أسلمت واستسلمت وأطعت فُتح لك فواتح الرحمة والخير، فاجتهد في الطاعات، واتهم نفسك بالتقصير؛ فإنه باب النجاة.

الإخلاص والمتابعة: وإذا رزق الله العبد الإخلاص رزقه سبيل الخلاص، وإذا رزقه الإخلاص فتح في وجهه أبواب الرحمة، فلا يسلك طريقًا إلا سهله الله له، ولا أراد بابًا من الخير إلا فتحه الله له، ومن اطّلع الله على قلبه فرأى فيه الإخلاص والصدق  ثبته ونفحه برحمته، وأحبه، ووضع له القبول في الأرض.

ومن هنا يجتهد العبد من أول لحظة يذوق فيها الطاعة، أن تكون عبادته لله، فيكون قوله لله، وعمله لله، وسعيه لله، وعلمه لله، وفي هذا يقول الحسن البصري: «والله ما نطقت بلساني، ولا نظرت ببصري، ولا سمعت بأذني، ولا مددت يدي، ولا مشيت برجلي، حتى أنظر: هل هي لله أم لغير الله؟ فإن كانت لله تقدمت، وإن كانت لغير الله تأخرت».

وبهذا الحرص والاجتهاد سمع الناس هاتفًا في المنام: قدم الحسن على الله وهو عنه راض، ومن هنا كانت أكبر الآفات وأكبر المصائب التي ينتكس بها الإنسان تأتي من الرياء والغرور والعجب والكبر.

ولذلك كانت المتابعة ممكنة، ولكن الإخلاص صعب، يقول بعض السلف: «يا رب جاهدت نفسي على الإخلاص وأردتها عليه فأبت، فتركتُها وتوجهت إليك، اللهم ارزقني إخلاصًا».

الثاني: قراءة القرآن: من مقومات الثبات على الهداية أنك لن تجد هاديًا ولا دليلاً أفضل من كتاب الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، فمن عرف حق كتاب الله، وحق قدره، وأصبح يتلوه آناء الليل وأطراف النهار كان من المهتدين.

وقد أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنها ستكون فتن عظيمة تزيغ فيها القلوب وتصرفها عن الدين، ووصفها بأوصاف عظيمة؛ لشدة وقعها على القلوب، فوصفها بأنها مثل «قطع الليل المظلم»، وشبَّهها بأنها «تموج موج البحار»، وشبهها بأنها «كوقع المطر»، وشبهها بأنها «كالظلل»، ووصفها بأنها «فتنة صماء بكماء عمياء»، تدع الناس كالأنعام، وتُذهب العقول، ووصفها بأنها «كرياح الصيف» يصعب التخلص منها، فنحن في زمان فتن قد مرت وفتن ستمر، وفتن ستأتي، وإذا كنا قد تخلينا اليوم عن كل وسائل الاتصال لما حوت من الشرور فهي تعمي القلوب وتقسيها، حتى الوسائل التي فيها خير فيصدق عليها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير وفيه دخن» [رواه البخاري].

فنقول للجميع: أنه قد بقي في أيدينا سلاحٌ أمضى من كل الأسلحة التي لا يقوم له شيء، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنه القرآن العظيم. أخرج الإمام الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنها ستكون فتنة»، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، مَن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم». [قال الإمام ابن كثير عن هذا الحديث: قصارى هذا الحديث أنه موقوف على علي رضي الله عنه]، فيحتاج المسلم في زمن الفتن إلى وصية عظيمة هي التمسك بالقرآن والسُّنَّة والثبات عليها.

زمزم فينا ولكن أين من

يقنع الناس بجدوى زمزم

يا عجبًا من أمة تتلمس الهداية من غيرها، وتبحث عن الدليل ومعها وحي من ربها، إننا أمة أعزنا الله بالإسلام والقرآن، فمهما ابتغينا العزة في غيرهما أذلنا الله، فما عزتنا بألواننا، ولا بأموالنا، ولا بمناصبنا، ولا بالكلام المنمق، ولا بالفصاحة، فالعرب كانت لهم ألسنة فصيحة وفتح الله عليهم من البيان حتى كانت معجزتهم القرآن.

وهنا سؤال يرد على الأذهان: لماذا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -أكثر الأمم يوم القيامة، وأكثر من يدخل الجنة، ففي الحديث: «ولما عرضت الأمم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: رأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل: هذه أمتك» [رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس].

الشاهد من هذا الحديث أن سبب كثرة أمتنا يوم القيامة بمعجزة القرآن، فلماذا لا ندعو الناس إليه، وإن أكثر الناس ما ضلّ إلا لما أعرض عن القرآن، فقد رغب الله في كتابه فقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]، وفي الحديث: «ما من الأنبياء نبي إلا كان له من المعجزات ما آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا يوم القيامة».

وقد يتساءل سائل فيقول: نحن نقرأ القرآن وحلقات القرآن موجودة ومدارس تحفيظ القرآن موجودة ولم ينتفعوا به؟

والجواب: قد ورد هذا السؤال على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فماذا كانت الإجابة: أخرج الإمام الترمذي عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء»، فقال زياد بن لبيد: كيف يختلس منا العلم وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنقرأنه نساءنا وأبناءنا، فقال: «ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود، فماذا تغني عنهم»، وعند أحمد: «لا يعملون بشيء مما فيهما» فنحن بحاجة إلى أمرين:

الأمر الأول: أن الكثير يقرأ القرآن ولكنه لا يتدبره، وقلبه غائب ساهٍ لاهٍ، فحاله كحال الأرض التي تحيا بالمطر ولم ينزل عليها المطر، فلو كان في السماء سحب ورعد وبرق ولم ينزل المطر فهل تحيا الأرض؟

الإجابة واضحة، وكذلك من يقرأ القرآن بفمه ولا يتدبره قلبه فهو كالسحب التي لم تمطر؛ لأن القرآن لم يتجاوز الحناجر، كيف وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا»؛ وعليه، فالمطلوب أولاً حضور القلب، والفهم، ولا يحصل إلا بالتدبر والرجوع إلى التفاسير، فمن تأمل القرآن وفتح قلبه انتفع، وإلا لا.

الأمر الثاني: الحرص على العمل به، لأنه إذا حفظ القرآن – وهذا أمر مطلوب استحبابًا، وطيب – ولكن هل عمل بما حفظ؟! فإن حفظ ولم يعمل كان له خصمًا يوم القيامة «رب حملته أياي فبئس الحامل، تعدى حدودي وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فلا يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به»، وفي الحديث «القرآن حجة لك أو عليك» [رواه مسلم].

لكن لماذا المسلمون اليوم يقرؤون القرآن ولم ينتفعوا به؟ لأنهم لم يأتوا بالشروط، فقد اهتموا بالترتيل والتجويد والحفظ وتركوا العمل به.

لكن كيف كان أخذ الصحابة للقرآن؟ كانوا يأخذون القرآن مرتبًا، وأخذوه أخذًا كاملاً لا ناقصًا، فلا يتجاوز الواحد منهم عشر آيات حتى يتعلم تلاوتها وعلمها والعمل بها، فتعلموا العلم والعمل معًا. فما من عبد يقرأ القرآن بتدبر وعلم إلا ويذهب الله عنه الشبهات والشهوات ويثبت قلبه على الحق والهداية.

الثالث: حب السُّنَّة وكثرة قراءة السيرة؛ لأن الله قال: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120]، فثبت الله بقصص الأنبياء فؤاد رسوله، فكيف بقصة خيرهم وسيدهم؟! فاقرأ سيرته العطرة، ومواقفه الجلية، فما من حادثة تمر بك إلا وتجد لك أسوة في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فهذه السيرة تغنيك عن الترهات والأوهام، وهذه المصائب التي تعيشها الأمة، فإن الله ابتلاها ولا يرفع عنها الذلة والبلاء حتى ترجع إلى دينها، كما في حديث التبايع بالعينة «إذا تبايعتم بالعينة ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» [رواه مسلم].

وخصوصًا في هذه الأزمنة التي اشتدت فيها الغربة، فاعتز يا هذا بدينك واثبت على سبيله، قال الإمام الشاطبي: «هذا زمان الصبر، من لك بالتي كالقبض على الجمر، فتنجو من البلاء؟».

واعلم أننا في زمان الغربة فطوبى للغرباء، فمن تأمَّل أحوالنا فقد أصبحنا في زمن اتباع الهوى، وفقد المعين، وعز من تلوذ به من الموحدين. بيعت فيه الذمم ودارت فيه رحى الفتن والحروب، وانتشر المنافقون، وترادفت الضلالات؛ فالموحد الصادق اليوم أعز من الكبريت الأحمر. وليس للمؤمن فيه مجيب ولا قابل لما يقول، بل بُلي المؤمنون بكل منافق مفتون، واستحكمت الغربة.

ولكن إنك إن كنت غريبًا فإن الله يرحم الغرباء، ما عمل فيه عامل إلا ضاعف الله له أجر عمله، ففي الحديث: «للعامل فيه أجر خمسين» قالوا: منا أو منهم؟ قال: «بل منكم؛ لأنكم تجدون أعوانًا على الخير ولا يجدون»، فطوبى للغرباء.

وإن سألت عن الغرباء مَن هم؟ فقد أجاب عن ذلك الصادق المصدوق، ففي مسند أحمد والطبراني عن ابن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى للغرباء» قلنا: ومن الغرباء؟ قال: «قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، وفي لفظ: «الفرارون بدينهم يبعثهم الله مع عيسى ابن مريم».

وورد في بعض طرق الحديث عن ابن مسعود: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فرَّ بدينه من قرية إلى قرية، ومن شاهق إلى شاهق، ومن جحر إلى جحر، كالثعلب»، قيل: متى ذلك يا رسول الله؟ قال: «إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله».

واعلموا أن أطيب الغربة غربة الدين لا غربة الدنيا، فبمجرد ما تلتزم بدين الله تجد من أهلك وإخوانك وقرابتك من يلمزك ويستهزئ بك، وهكذا كانت الرسل وأتباعهم، كانت تضيق عليهم الأرض بما رحبت، ولكن لا تضيق عليهم أنفسهم، فأنت إن كنت غريبًا بين الناس فلست بغريب على رب الناس، فاعتز بدينك واثبت على سبيله، فوالله ما وقفت لحظة يلمزك الناس بالاحتقار وبالكلمات الجارحات، إلا كان لك عند الله مكان، وإن الله سيبوؤك مبوأ صدق فاصبر؛ فهذا موسى عليه السلام بعد الأذية والاحتقار واللمز كان عند الله وجيهًا، كم من ملتزم كان حقيرًا عند أهله وعشيرته فما مضت الأيام حتى بوأه الله مبوأ صدق، فأصبح آمرًا وناهيًا.

كل شيء اليوم غربة في طاعة الله، حتى ولو كان في صلاته، أو إمام حي يجد الغربة؛ وكله امتحان، ولكن البشارة عظم الأجر عند الله تعالى.

يا هذا اصبر لعل الله يثبت القلب على طاعته، فيمتحنك ثم يمتحنك، ثم يؤذى المؤمن، ثم يؤذى المؤمن، ثم يؤذى؛ حتى يكون من السابقين السابقين، فيكون من الثلة الآخرين، الذين جاء ذكرهم في سورة الواقعة.

الرابع: ومن أعظم مقومات الثبات على الهداية الصبر:

ولسائل أن يتساءل: لماذا قال العلماء الصبر؟ لأن كل من آمن لا بد أن يبتلى ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]، ومن أجل أن يتضح لنا الأمر نذكر بعض النماذج من صبر وثبات الأمم السابقة، ومن أحسنها قصة غلام نجران، ففي مسند أحمد عن صهيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال: ادفع لي غلامًا لأعلمه السحر، فدفع إليه غلامًا، وكان بين الساحر والملك راهبٌ، فأتى الغلام الراهب فسمع من كلامه فأعجبه كلامه، وفي يوم من الأيام حبست الناس دابة، فقال الغلام: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة. ورماها فقتلها. ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ»، وسوف ترى فعلاً أن الغلام أفضل من الراهب؛ لأن نفعه متعدٍ، والراهب نفعه قاصر على نفسه، وكيف يسعى الغلام في هداية الناس، «فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأمراض»، وليس هو مثل عيسى عليه السلام، وإنما كان مستجاب الدعوة، «وكان للملك جليس فعمي، فسمع به، فآتاه بهدايا كثيرة، وقال: إن أنت شفيتني فكل ما هاهنا لك، فقال: أنا لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت به دعوت الله أن يشفيك. فآمن فدعا الله له فشفاه. ثم أتى الملك، فقال: مَن ردَّ عليك بصرك؟ فقال: ربي. فقال: أنا؟ قال: لا، ولكن ربي وربك الله. قال: فما زال به يعذبه حتى دلَّ على الغلام، فجيء به، فما زال يعذبه حتى دلَّ على الراهب، فجيء بالراهب، فقال: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار على مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه. وقال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى، فبعث به مع نفر، فقال: إذا بلغت ذروة الجبل فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه. فذهبوا به، فلما صعدوا الجبل، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل، فدهدهوا أجمعون، ورجع الغلام إلى الملك. فقال: أين أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله. فبعثه مع نفر في قرقورة، فقال: إذا توسطتم البحر فأغرقوه. فلما توسطوا به البحر، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فغرقوا أجمعون، ورجع الغلام إلى الملك، فقال: أين أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع ثم تأخذ سهمًا من كنانتي ثم قل: بسم الله رب الغلام، ففعل به ووضع السهم في كبد القوس ثم رمى وقال: بسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، فذلك عند قوله: قتل أصحاب الأخدود، فخدت الأخاديد وأضرمت النيران، ومن رجع عن دينه وإلا أقحموه فيها».

كذلك قصة سحرة فرعون حينما جمعهم، وكان عندهم هوى وحب الدنيا، بل طلبوا من فرعون المناصب والمال إن كانوا هم الغالبين، ولما قال لهم موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه: 61]؛ نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: ليس هذا بكلام ساحر، ثم قالوا: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: 115]، قال: ألقوا، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، فرآها الناس حيّات وثعابين، وألقى موسى عصاه فصارت حية وأكلت هذه الحيات والثعابين، ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 120-121].

والسؤال: لماذا آمن السحرة؟

لأن عملهم في الأصل: خداع للبصر، وإيهام للناس، وحبالهم وعصيهم لا زالت على حالها حبالاً وعصيًا؛ أما موسى عليه السلام، فقد تحولت فعلاً إلى حية، ولو كان ثمة آلة تصوير والتقطت صورتها لظهرت في الصورة حية حقيقية، على حين أن حيات السحرة حبال وعصي؛ لذلك آمن السحرة هذا الإيمان السريع؛ لأنهم رأوا شيئًا يهز قلوبهم، حتى بلغ منهم الإيمان مبلغًا عظيمًا، فحين سجدوا ووفقهم الله للسجود جلَّى الله لهم الجنة وهم سجود.

والحاصل من هذا كله: أنهم بمجرد أن قالوا: آمنا؛ بدأ الابتلاء، ولكن الله ربط على قلوبهم ورسخ الإيمان فيهم، فجعلوا يتحدون فرعون ولا يبالون به، لأنهم تصوروا عظمة الله فهانت عليهم عظمة فرعون الزائفة، وصغرت الدنيا في عيونهم فلم يبالوا بتهديد فرعون بالصلب وقطع الأعضاء؛ وذلك حينما رسخ الإيمان في قلوبهم وهانت عليهم الأنفس والأموال، ولم يترددوا في إعلان إيمانهم، وأخذوا يقارنون بين عذاب الدنيا المؤقت وعذاب الآخرة المؤبد؛ لذلك صرخوا في وجه فرعون مستهينين بقضائه.

﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: 72]، وإنني والله أتمنى إيمانًا مثل هذا الإيمان. إيمان سحرة فرعون، فلما قالوا ما قالوا أراد الله إكرامهم بكرامة أخرى فقتلهم فرعون لكي يكونوا شهداء، ولنا وقفة:

أين السحرة الآن؟ إنهم في الجنة.

وأين فرعون وقومه؟ مات وذهبت الدنيا، ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46].

كذلك قصة امرأة فرعون لم تغتر بالملك ولا بالحطام الفاني، ولكنها اختارت الله والدار الآخرة، ولذلك لما رأت الملائكة تعرج بروح ماشطة بنت فرعون آمنت، كما في مسند أحمد عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لما كانت ليلة الإسراء أتى على رائحة طيبة فقال لجبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدري – أي المشط – من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها فقال: يا فلانة، وإن لك ربًا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله من في السماء، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها رضيع، وكأنها تقاعست من أجله، فقال: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؛ فاقتحمت»، وكانت امرأة فرعون جالسة، فرأت الملائكة تعرج بروح ماشطة ابنة فرعون فآمنت.

فحينما قالت ذلك بدأ الامتحان، فقال فرعون: رغبوها أعطوها الذهب، فلم يجدِ، فقال: رهبوها، فأول تعذيب لها أنه كان يوقفها في الشمس المحرقة، فإذا أدبر أظلتها الملائكة بأجنحتها، ثم انتقل إلى تعذيب آخر، فثبتها بالأوتاد في الأرض فابتسمت، فقال: في عقلها جنون، كيف نعذبها وتضحك؟! لكن الله ثبتها حيث جلَّى لها قصور الجنة، فطلبت الجار قبل الدار في دعائها المشهور: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11]. وكله من تثبيت الله لها.

الخامس: الاقتصاد في الطاعات، وهو مقيد بأمرين:

الأول: أنه في النوافل دون الفرائض.

الثاني: أنه خاص بأصحاب الهمم العالية دون الساقطة.

ولسائل أن يسأل: لماذا الاقتصاد في الطاعات من أعظم أسباب الثبات على الهداية؛ لأن العبد إذا أجهد نفسه فوق طاقتها وحملها من الأعمال ما لا تطيق وأكثر عليها ملَّ وتعب، وترتب على ذلك أن يضيع حقوقًا كثيرة من الواجبات، وتعب وتشوش فكره وسئم ومل، وربما كره العبادة.

ومن هنا لما قال عبد الله بن عمرو: «لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت» قاله رغبة في الخير، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أنت الذي قلت كذلك؟» قال: نعم، قال: «إنك لن تطيق ذلك»، ثم أمره أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فقال: أطيق أكثر، فأمره يصوم يومًا ويفطر يومين، فقال: أطيق أكثر، فقال: «صم يومًا، وأفطر يومًا»، فقال: أطيق أكثر، قال: «لا أكثر من ذلك، هذا صيام داود»، ولكن لما كبر عبد الله بن عمرو بن العاص شق عليه الصيام فقال: يا ليتني قبلت رخصة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم صار يصوم خمسة عشر يومًا سردًا ويفطر خمسة عشر يومًا سردًا.

ومن هنا: كان الاقتصاد في الطاعات منهجًا ربانيًا نبويًا عظيمًا راعى فيه طبائع النفوس ومصالح الدين والدنيا، وأحوال الناس، وكله من تيسير الدين، ففي الحديث: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا» [رواه البخاري عن أبي هريرة].

ولذلك نقول للجميع: اجعل لك برنامجًا في نوافلك مشتقًا من يسر الدين، فقد نظم الشرع حياة الناس، وراعى ترتيب الحقوق حتى يعطي كل ذي حق حقه، ففي البخاري: «لما آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع طعامًا له، فقال: كُل فإني صائم، قال: لا آكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له: نم، فنام ثم ذهب يقوم، فقال له: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال: صدق سلمان».

ففي هذا دليل على أن الإنسان لا يجهد نفسه بالطاعة وكثرة العمل؛ لأنه إذا فعل ذلك أضاع الحقوق الأخرى، وتصور لو قام الليل كله لاضطر إلى نوم النهار، أضف إلى هذا أنه ربما يملّ، وكونه يبقى على العمل قليلاً لكنه لن يستمر إلا ما شاء الله، ولذلك لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على عائشة وعندها امرأة فقال: «من هذه؟» قالت: فلانة، وذكرت من صلاتها وأنها تصلي كثيرًا، فقال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا»، وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه.

فلئن أصلي ركعتين بحب ونشاط ورغبة أحب إلي من مائة ركعة، وينصرف العبد وقد ملها وسئمها. ومن هنا راعى أصحاب المسلسلات والتمثيليات أن تُنهى الحلقات على أحسن مشهد يشد المشاهد، فإنه لا يزال بشوق لها حتى اليوم الآخر، لكن تصور لو أنهيت بعد أن سئمها الناس هل يمكن أن يكون عندهم شوق؟ الإجابة واضحة.

فالاقتصاد في الطاعات وفي جميع الأمور فيه خير كثير؛ لأنه إن قصر فاته خير كثير، وإن شدد سوف يمل ويعجز، فكان الغلو مذمومًا حتى في الأشياء المحمودة، ولذلك لما جاء ثلاثة نفر يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكأنهم تقالّوها، فقال أحدهم: أنا أقوم فلا أنام، وقال الآخر: أنا أصوم فلا أفطر، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنتم الذين تقولون كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [متفق عليه].

ومن هنا: قال السلف ما سبق أبو بكر الصحابة بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكن بشيء وقر في قلبه الإيمان والتقوى، وهي أداء الفرائض والوقوف عند المحارم، فقد تجد إنسانًا عنده كثرة صلاة، ولكنه لا يقف عند حدود الله فيأكل حرامًا وينظر إلى الحرام ويسمع حراما.

فليست التقوى كثرة القيام والصيام ولكنها أداء الفرائض والوقوف عند المحارم، ولهذا تقاّل أولئك النفر عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقسم أنه «أخشى الناس لله وأتقاهم له»، وهذا هو الشأن كله، فربَّ رجلٍ عنده صلاة كثيرة ولكنه لا يقف عند حدود الله.

فالحاصل من هذا كله: كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «القصد القصد تبلغوا»، فيصلي أحدنا نشاطه، ويصوم نشاطه.

واعلم: «أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، «وإياكم والغلو»، فإن العبد قد تحصل له همة عالية فيصلي صلاة طويلة، حتى إنه ربما يذهب إلى الحرم فيحتقر صلاتهم إلى صلاته، ولكن نصحي للجميع بالتدرج في العبادة وعدم الإكثار، اتباعًا للسنة، والحذر من المخالفة، أضف إلى ذلك ذم التشدد وسوء عواقبه، وللإنسان عمل ظاهر كالصلوات المكتوبات، وعمل باطن يعمل بالبيت كالنوافل، «فأفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وبُعدًا عن الرياء والسمعة، فقد كان السلف يجتهدون في الطاعات ويتهمون أنفسهم ويغمطونها غمطًا شديدًا، وإذا أكثر على نفسه فقد لا يستطيع المحافظة على ذلك في المستقبل؛ لأن النفس تكون لها همة عالية ثم تمر بها فترة.

السادس: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم؛ لأن من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية، وفي الصحيح من حديث حذيفة في الفتن: «لزوم جماعة المسلمين وإمامهم».

السابع: مصاحبة الأخيار والابتعاد عن رفقة الأشرار؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش في عزلة، بل لا بد له من مخالطة، وهذه المصاحبة والمجالسة والمخالطة لها أثر سيئ أو طيب حسب نوعية الجليس، وقد أمرنا ربنا بمصاحبة الأخيار، والحذر من مصاحبة الأشرار، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]. وحذرنا من مجالسة الأشرار ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140].

وفي مصاحبة الأخيار أخذ بوصية النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي سنن أبي داود: «لا تصحب إلا مؤمن ولا يأكل طعامك إلا تقي»؛ لأن الصحبة والطعام تورث المودة.

وصحبة الأخيار لها فائدة حتى مع البهائم: كما في قصة أصحاب الكهف، إذ ذكر الله في كتابه كلبًا، وصار له شأنٌ لما صحب الأخيار ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: 18].

ومجالسة الأخيار سببٌ لمغرفة الذنوب، ففي الحديث الصحيح: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»، بل إن أهل الجنة يتذاكرون مجالسهم في الدنيا وهم على طعام الجنة، فنقل الله لنا خبر مجالسهم.

وفي المقابل إذا صاحب الأشرار أو أهل اللهو كما في حديث: «يغزو جيشٌ الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف الله بأولهم وآخرهم، فقالت عائشة: كيف يخسف بأولهم وآخرهم ومعهم سوقتهم ومن ليس منهم» [رواه البخاري]، فخسف بهم لأنهم صاحبوا الأشرار، ولو كانت نيتهم طيبة وعملهم صالحًا، وكذلك حديث السفينة، وحديث: «ويلٌ للعرب» لما صحبوا الأشرار لحقهم البلاء، إلا إذا أخذوا على أيديهم.

فإن قال قائل: أنا رجلٌ مصلٍّ وعندي خير ولا يضرني صحبة الأشرار، فلهم شرهم ولي خيري. فنقول: ورد في الحديث الصحيح: «إن أول ما ظهر النقص في بني إسرائيل أن الرجل كان يرى أخاه على الذنب فينهاه، فلا يمنعه أن يكون في الغد أكيله وشريبه، ومن أجل ذلك لعن الله بني إسرائيل، وضرب قلوب بعضهم ببعض» [رواه ابن ماجة].

وإذا تبين لك أهمية الصحبة فإليك – أخي الحبيب -: الأسس التي تُبنى عليها الصداقة والصحبة، وكيف تُختار الزوجة، والزميل في العمل؟

1- الحب في الله: فاجعل مدارك في حب الناس وإكرامهم من أجل الله، فعن معاذ رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يقول الله: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ» [رواه الإمام مالك]. وجرب صحبة عبد فيه خير وانظر كيف يكون حالك؟ وصحبة عبد فيه شر وانظر كيف يكون حالك؟ وغالب مشاكلنا في هذه الأيام من المصاحبة والمجالسة والمخالطة. ولما جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: «ما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها كثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. فقال: «أنت مع من أحببت» [رواه البخاري]، يقول أنس: فما فرحنا بعد الإسلام بشيء أشد من قوله: «أنت مع من أحببت».

يقول الإمام الشوكاني: ومن تأمل حديث المتحابين يستعظم الجزاء مع حقارة العمل، ولكن المتأمل يعلم أن التحاب في الله من أصعب الأمور وأشدها، وهو نادر جدًا، فغالب محبة الناس من أجل الدنيا.

قلت: ينبغي للمسلم أن يبحث عن الشيء الذي يستكمل به إيمانه، ففي الحديث: «أوثق عُرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله» [رواه أحمد وأبو داود].

2- تختار من صفاته الكمال، الكرم، الوفاء، الصدق، المحب الذي لا يفشي لك سرًا، ولا يكشف لك عورة، وإن رأى خلة سدَّها، أو نقصًا كمَّله، أو رأى عيبًا ستره، وإن رآك على منكر ذكرك بالله، وإن رآك على طاعة ثبتك، وإن رأى عندك نعمة فرح بها، وإن أصابتك مصيبة حزن وشاركك فيها، صادق في قوله وفي عهده وماله ووده.

3- اختر أصحابك وفق هذا الحديث: «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه» [رواه أبو داود وابن حبان وصححه].

فعلى سبيل المثال: إذا اخترت امرأة صالحة تعينك على برك بوالديك، ودائمًا تذكرك بأهلك وتقصيرك نحوهم، فكم من امرأة صالحة كانت سببًا في بر زوجها لوالديه بعد أن كان عاقًا لهما قبل الزواج!! وكم من امرأة كانت سببًا في عقوق الرجل لوالديه بعد أن كان بارًا بوالديه قبل الزواج!! فكلما أراد أن يصل رحمه تأتي وتذكره بمواقف قديمة، وتقول: ألم يفعلوا كذا يوم كذا، أمك قالت لي كذا، أو أختك فعلت أو قالت، ومن هنا قالوا قديمًا: «المرأة تشعل نار الحرب، أو تشعل نار الحب»، وفي الحديث: «ما بعث الله نبيًا ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله» [رواه البخاري عن أبي سعيد].

فعلى سبيل المثال: فرعون قالت له بطانة الشر: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 127]، وقالت له بطانة الخير: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: 28]، ومن هنا حذر العلماء من مصاحبة صاحب البدعة؛ لأنك سوف تتأثر بعدها، تقول يومًا من الأيام: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: 28].

الثامن: الدعاء: فقد أجمعت نصوص الكتاب والسنة على سؤال الله الهداية، وسؤاله الثبات والعزيمة على الرشد؛ لأنه لا مهتدي إلا من هداه الله، ففي الحديث الصحيح عند مسلم: «يقول الله: كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم»، ومعنى الهداية أن يجعل الله قولك لله، وعملك لله، وسعيك لله.

ولذلك لما سئل ابن القيم في كتابه «الجواب الكافي»: ماذا يقول العلماء الربانيون في رجل ابتلي ببلية واستمرت معه وأفسدت عليه دنياه وآخرته؟ فقال: الجواب علاجه بثلاثة أمور:

1- إنما شفاء العي السؤال، كما في حديث صاحب الشجة في رأسه، نام فاحتلم فاستفتى أصحابه في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة. فاغتسل؛ فمات. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال، كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر بدنه» [رواه أبو داود].

2- التداوي بالقرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]، فحال الناس مع القرآن كحال شارب العسل، فمن كان صحيحًا وليس عنده مرض فإنه يجد طعمه طيبًا، ويكون له شفاء، ولكن إذا كان مريضًا – على سبيل المثال بالسكر – فإنه بمجرد شربه ينعكس عليه ويزداد مرضه، لا لخلل بالعسل ولكن لكونه مريضًا، فالقرآن لا يزيد الظالمين إلا خسارًا.

3- كثرة الدعاء بالثبات على الهداية: ولكن لا تستعجل فتقول: أنا لا يُستجاب لمثلي، وتصل للقنوط من رحمة الله، وما يدريك! لعل الله صرف عنك أضعاف أضعاف ما تدري وما لا يخطر لك ببال!! فثق بالله وقوَّ عزيمتك، فالدعاء من أنفع الأدوية مع الأخذ بأسباب الهداية، فمثلاً لا تدعو ثم تترك الصلاة، وتقع في المحرمات، وإن كنت تقع في المعاصي كرَّات ومرَّات ابحث عن الأسباب، فإذا وجدت أمورًا تحركها فابتعد عنها.

والحاصل: أن العبد إذا اجتمعت له هذه الثلاث: سؤال العلماء؛ لأنهم يدلونك كيف تتوب، كما في قصة قاتل المائة، دله العالم على الداء والدواء، «ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن أرضك أرض سوء، اخرج إلى بلدة كذا، فإن فيها قومًا صالحين»؛ وكذلك قراءة القرآن والإكثار من الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة تأذن الله لك بالهداية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8].

التاسع: الزهد في الدنيا: لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: 83]، وحديث: «والله ما الفقر أخشى عليكم»، وضرب الإمام ابن القيم مثلاً رائعًا بليغًا: «أن رجلاً أراد سفرًا وكان له ثلاثة إخوة، فقال لهم: أنا أريد السفر والسفر طويل، وأحتاج إلى رفيق، فمن منكم يصاحبني؟ فقال الأول: سفرك طويل، وأنا لا أستطيع السفر معك. وقال الآخر: أنا أحبك ولا أستطيع السفر معك، ولكني سأساعدك في سفرك. وقال الآخر: أنا معك طال سفرك أم قصر». فيا ترى: من نختار من هؤلاء الإخوة الثلاثة؟ العجيب أن الناس يختارون غالبًا الأول والثاني، وفي هذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يتبع الميت إذا مات ثلاثة: أهله، وماله، وعمله؛ فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله، ويبقى عمله»، وتجد غالب الناس مفرطين في طاعة الله. وقد ذكر الإمام المنذري في (الترغيب) عدة أحاديث صحيحة حول هذا المعنى في باب الزهد ج4.

وقد ضرب نبينا مثلاً رائعًا بليغًا تضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن حرص المرء على المال والرئاسة والمناصب يفسدان الدين غاية الإفساد، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام الطبراني وأبو يعلى بسند جيد: «ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فسادًا من حب المال والشرف في دين المرء المسلم»، وعند الإمام الترمذي: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، وحاصل الحديث أن هذا مثلٌ عظيمٌ وبليغٌ، ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - لفساد دين المسلم، وأن الحرص على المال والشرف أكثر فسادًا للدين من إفساد الذئبين للغنم، فكما أنه لا يمكن أن يسلم من الغنم إلا القليل، فكذلك حرص العبد على الشرف والمال لا يسلم إلا القليل من دينه؛ والسبب في ذلك أن من حرص على الدنيا تراه مشغولاً معذبًا، لا يتلذذ بجمعه لشغله، ولا يفرغ لآخرته، لشدة حبه لدنياه، وتجعله يتنازل عن كثير من دينه في سبيل الحصول على المناصب أو المال، فصاحب الدنيا لا يسلم من الذنوب ومن هنا قال - صلى الله عليه وسلم -: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» [رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح]، فالدنيا دارُ من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، وفي هذا يقول الناظم:

أموالنا للميراث نجمعها

ودورنا للخراب نبنيها

 والحاصل: أن فتنة المال فتنة عظيمة، قل من ينجو منها، وقد عدَّ العلماء للمال خمس فتن:

1- من ناحية كسبه وتحصيله: فيأخذه من حله وحرامه، كالربا، والرشوة، والغش، وبيع المحرمات، والأيمان الفاجرة، وعدم الوفاء بالعقود.

ولا شك أن بيع المسلم للمسلم لا غش فيه ولا خيانة، ففي الصحيح: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» [رواه البخاري]، ومن علم في بضاعة عيبًا وكتمه فبشره بمحق البركة، ولذلك كان التاجر الصدوق الأمين الذي يتقي الله في كسبه في أعلى المراتب كما في حديث السنن المشهور.

2- ومن فتن المال من ناحية إنفاقه تسأل سؤالين: «من أين؟ وفيم؟».

3- الانشغال بجمعه وتنميته عن طاعة الله: فلا ترى طالب الدنيا إلا معذبًا مشغولاً، فلا يُسر بجمعه، ولا يتلذذ به، ولا يفرغ لطاعة الله، يقول بعض الفضلاء: بعض الناس يعيش في البقالة فيأكل ويشرب وينام ويموت بالبقالة، فلا تراه في طاعة الله إلا نادرًا، وقد وصل الحال ببعض طلاب الدنيا أثناء الاكتتاب في الأسهم أن يؤخروا الصلاة عن وقتها بل تركها بعضهم.

4- منع حقوقه الواجبة والمستحبة: أما الزكاة، فلا يجوز تأخير إخراجها يومًا واحدًا، وقد وصل الحال بالبعض أنه قد يبني مسجدًا كبيرًا وعنده في ماله زكاة لم يخرجها، وكذلك بخل البعض بالصدقة، مع أنه ليس له من ماله: «إلا ما تصدق فأمضى».

5- حمل صاحبه على الطغيان والبطر: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6، 7].

وإذا عرف هذا، فتعالوا نرى عقوبات المال الحرام، وهي خمسة:

1- عدم استجابة دعائه: ومن الذي يستغني عن الله طرفة عين؟! فقد يحصل لك مرض أو مشكلة فتدعو فلا يستجاب لك، ففي الحديث: «يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وغذي بالحرام؛ أنى يستجاب له».

2- إذا أنفقه على أهله لم يبارك له فيه.

3- إذا تصدق منه لم يقبل منه ولو بنى المسجد الحرام؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

4- إذا غذي الحرام أحدث له وهنًا في جسده وقلبه في طاعة الله، فتجده من أكسل الناس في طاعة الله، ومن أجلدهم في اللهو واللعب.

5- أما عقوبة الآخرة: «فأيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به».

والحاصل من هذا كله: أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وسبب كل نقص، وتجر للرذيلة والغفلة.

فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة

وإلا فإني لا أخالك ناجيًا

العاشر: طلب العلم الشرعي والعمل به والدعوة إليه: فقد دلت نصوص الكتاب والسنة على شرف العلم والعلماء، يقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 39]. وهنا ﴿هَلْ﴾ بمعنى (لا)، أي: لا يستوي.

وفي الحديث: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع»، وفي الحديث: «وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب»؛ لأن العبادة نفعها قاصر، والعلم نفعه متعدًّ. وسُئِل الإمام أحمد عن أي شيء أفضل: العلم أم الجهاد؟ فقال: لا شيء يعدل العلم، فالعلم جهاد والعلم عبادة؛ ولذلك جعل الله العلماء ورثة الأنبياء، ووالله لو ركع الراكعون وسجد الساجدون وسبَّح المسبحون فلن يبلغوا فضل العلماء العاملين والهداة المخلصين الذين يقولون بالحق وبه يعدلون، فلا شك أن عظمت منزلته عند الله، ولا يزال العبد يطلب العلم حتى يرفعه الله الدرجات العُلى في الجنة؛ لأن الله يرفع درجات أهل العلم والإيمان في جنته ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، فوالله ما أمرت بأمر مما بينه الله إلا كان لك مثل أجورهم.

حتى إذا طلب العلم حمل همّ العمل به، ثم حمل همّ البلاغ إذ هي أعظم مراتب الدين، ومن أعظم مقومات الثبات على الهداية؛ لأنه مقام الأنبياء ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: 33]. ولذلك ضرب العلماء لحب الخير والإيمان مثل قلب كلما ازداد إيمانًا ازداد حبًّا للخير؛ لأن القلب مثل إناء، طالما هو ممتلئ يفيض على من حوله، لكن إذا لم يمتلئ لا يمكن أن يفيض، لأنه أول ما يمتلئ الإناء يبدأ يفيض، وعلى قدر اندفاع الماء على من حوله يمتد لأماكن كثيرة وبعيدة، وعليه فطالما العبد لا يحرص على نقل الهداية للغير فلو حلف وأكثر الحلف فإن إيمانه ما كمل، فيوجد أناسٌ ملتزمون لهم عشرات السنين لم يطلبوا العلم، وبدؤوا يعانون من الفتور، ويتحسرون على حلاوة الإيمان التي وجدوها في بداية التزامهم، فنقول لهم: اطلبوا العلم وادعوا إلى الله، فإنك إذا أخذت بيد أحد فإنك سوف تجد الإيمان بقلبك.

لكن لماذا؟ الجواب: لأنك تطور نفسك وأنت ما تشعر، فبمجرد أن تهتم بالدعوة ولو بالشريط، أو لا تقرأ أو تسمع حتى تدعو ثم تخاف من المعاصي، فيحرمك الله فتتنزه عن الحرام، ثم تجد نفسك قبل أي موعظة تلهج بالدعاء، وتحرص على قيام الليل، ثم تبحث عن العلم تبلغه للناس، وأثناء بحثك تطلع على علم كثير، الأمر الذي يجعله يزيد من إيمانك، ولم يدع الله نبيه بالزيادة من شيء إلا العلم، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

 قال شيخنا الطحان حفظه الله ورعاه: ومن أجل أن يكتمل علمك تحرص على آداب طلب العلم، وهي عشرة كاملة، تعمل بستة، وتحذر من أربعة، وهذا لمن أراد أن يتأدب بآداب العلم ويتأسى بصفات أهله، وهذه الآداب أحسن من كتب التربية التي جمعت عن كتب المناحيس أفلاطون ومن لف لفيفه من علماء الهوس والنفس:

أولاً: حسن السكوت: فلا يكثر العبث في مجلس العلم، ولا يعصب ذراعيه، ولا يقرع سنه، ولا يستند إلى حائط، ولا يذكر ما فيه دناءة.

ثانيًا: حسن الاستماع.

ثالثًا: حسن السؤال والاستفسار: لأن العلم خزائن ومفتاحه السؤال، فلا تسأل سؤال اعتراض، ولا تحاول إحراج المعلم ولا إظهار ما عندك، فإذا سألت تقول: أشكل علي كذا، ولا تقل: قال فلان كذا وأنت تقول كذا، فهذا سوء أدب.

رابعًا: حسن الحفظ وتحفظ قليلاً؛ لأن علمًا لا يرحل معك لا ينفعك.

خامسًا: حسن العمل، فليست العبرة بسعة العلم، وإنما العبرة أن ينفعك علمك، فقد تعطى سعة العلم مع قلة العمل، ولكن لا فخر في العلم، فقد تعوذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من علم لا ينفع»، وطلب من الله أن يرزقه علمًا نافعًا.

سادسًا: حسن التعليم: فقد يكون عندك علم، ولكن قد لا يكون عند أسلوب في إيصال العلم للناس، فتحرم خيرًا كثيرًا.

ويحذر من أربعة:

أولاً: ضياع الوقت: فاحرص على وقتك، لأن إضاعة الوقت أشد من الموت، فالموت يقطعك عن الدنيا والوقت يقطعك عن العمل الصالح، فلا تضيع وقتك إلا في علم أو عمل أو دعوة.

ثانيًا: ترك الجدال والقيل والقال والملاحاة: فإنها لا تأتي بخير، جاء رجل في خضم قيل وقال: فسأله بعض الصالحين: كيف صلاتك بالأمس؟ فقال: والله ما خشعت؛ اترك الجدال فإنه يمحق البركة ويقسي القلب، وكم من أناس خذلوا لما طرحوا العلم عند من ليس بأهل له، فقست قلوبهم بالمناقشات مع الجاهلين، فانثر علمك عند من يعرف قدره.

ثالثًا: ترك الوقوع في السلف: فلا خير في هذه الأمة إذا لعن آخرها أولها، يقول الإمام ابن قدامة عن أحد العلماء: وتفكّرت في سبب محق بركة علمه بسبب حبه تخطئة الناس واتباع عيوبهم، قال الإمام مالك: أعرف أناسًا سكتوا عن عيوب الناس، فسكت الناس عن عيوبهم، وأعرف أقوامًا لا عيوب عندهم تكلموا في عيوب الناس فأحدث الناس لهم عيوبًا.

رابعًا: الحذر من مخالطة السلاطين والمترفين: فإن كان فيهم خير اقتربوا منك وقمت بما يجب عليك نحوهم، ومن خالطهم وحضهم بالنصح والصدق ولم يوافقهم على ظلمهم، فلا بأس. انتهى.

فإذا حافظ العبد على هذه الآداب وتلقى العلم بالكيفية الشرعية فعلمه نافعٌ. ويبقى عليه مراعاة هذه الوصايا الثمان.

الأولى: تقوى الله:

لو كان العلم دون التقى شرفًا

لكان أشرف خلق الله إبليس

الثانية: الحرص على ضبط العلم وإتقانه: فما ضر كثيرًا من أهل العلم إلا الشتات والانشغال بالمطولات.

الثالثة: الإخلاص: لأن الرياء أكبر الآفات.

الرابعة: استشعار المسؤولية نحو العلم ونشره والعمل به.

الخامسة: ترك التعصب لبعض المشايخ: فبعضهم يتعصب لشيخه، ففيه يوالي ويعادي، ويستهجن العلماء الآخرين.

السادسة: معرفة قدر العلم: وأفضله علم الشرع لأنك ترث الأنبياء.

قدس العلم واعرف حرمته

لو يعلم المرء قدر العلم لم ينم

السابعة: الحذر من العوائق والمشاغل: فما من عمل صالح إلا جعل الله دونه ابتلاءات وعوائق، وكم من شخص تأخر عن مجالس العلم مرة بعد مرة ويتكاسل حتى حرمه الله!!

الثامنة: احرص على أن تشوب علمك بالعبادة، فكيف يكون الشخص هاديًا وهو ساه لاه.

الحادي عشر: الحرص على النوافل بعد أداء الفرائض؛ لأن من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض ثم بالنوافل قربه الله ورقّاه إلى درجة الإحسان، وفيها يقول الله: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» [رواه البخاري]. والنوافل قسمان:

1- ما رغّب فيه الشرع وأكده كالوتر والسنن الرواتب وقيام الليل.

2- والقسم الآخر نوافل مطلقة كالاستكثار من الصلوات عند فراغه، وأفضل النوافل أربعة:

1- قال بعضهم: الوتر لمحافظته - صلى الله عليه وسلم - عليه سفرًا وحضرًا، ففي الحديث: «إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن» [رواه الترمذي].

وعليه لا ينبغي تركه، قال الإمام أحمد: «من ترك الوتر فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل شهادته»؛ لأن الوتر أقله ركعة، فلا تكلف أحدًا جهدًا أو وقتًا كثيرًا، فالذي يتركها رجل سوء، وأدنى الكمال ثلاثٌ، وورد: خمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة ركعة، وهو سنة مؤكدة.

2- وقيل: ركعتا الفجر: ففي الحديث: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» [رواه مسلم]، وقد تاب رجل بعد سماع هذا الحديث، قال: فتفكرت في بنوك الدنيا وأموالها، فعلمت أن الدنيا وما عليها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فضلاً على أن يؤثرها على ما عند الله، وهاتان الركعتان لم يدعهما - صلى الله عليه وسلم - حضرًا ولا سفرًا، فمن فاتته قبل الصلاة فليصلهما بعدها، أو بعد طلوع الشمس، كله جائز؛ ويكفينا حث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تتركوها ولو طلبتكم الخيل».

3- السنن الرواتب: فهي من نعم الله أن شرع نوافل يكمل بها الفرائض، وهي اثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر، يسلم بين كل ركعتين، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، ففي الحديث: «ما من عبد مسلم يصلي كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه مسلم].

4- وقيل: أربعًا قبل الظهر: لأنه ورد أنها سبب في تحريم العبد على النار، ففي الحديث: «مَن حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار» [رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح]؛ ولأنها ساعة تفتح فيها أبواب الجنة، ففي الحديث: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: أنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن].

ومَن فاتته الأربع التي قبل الظهر فليصلها بعد الظهر؛ لأن الراتبة تقضي وصفة القضاء كما في سنن ابن ماجة: «أنه يبدأ أولاً بالسنة البعدية ثم بالسنة القبلية»، قال العلماء: قضاء السنة جائز، فقد قضاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد خروج الوقت كما في صلاة الفجر لما نام حتى طلعت الشمس وهو مسافر.

والراجح في هذه المسألة – والعلم عند الله – أن أفضل النوافل عند الله صلاة الليل وأفضلها الوتر، أما الخاصة بالرواتب، وأفضل السنن الرواتب سنة الفجر، وعليه فتقدم صلاة الليل بالتفضيل المطلق لمكان الإخلاص، ولأنها صلاة خفية وفي وقت الغفلة، وحالات الغفلة في الطاعات أفضل من الانتباه، وكان السلف إذا سافر الرجل يسابق على فراشه، فإذا ناموا قام فصلى وهي ساعة اللذة والراحة، ففي الحديث: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته» [رواه أبو داود بإسناد صحيح]، أي أن الله سيرحمه، والعكس كذلك إذا قامت المرأة فأيقظت زوجها؛ لأنهم يؤثرون ما عند الله على الراحة وهوى النفس.

وفُضّل قيام الليل؛ لأنه من أعظم الطاعات التي يراد بها وجه الله، لكن قد يدخلها الرياء، من هنا قال العلماء لما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث ليالٍ وامتنع في الليلة الثالثة، وقال: «صلوا في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»؛ فرد الناس للبيوت فجعل أعظم شي في الطاعة من الخير ما جعله في الخفاء، ولذلك ينبغي للمسلم الحرص على صلاة النافلة في البيت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أنه سيجعل الله خير صلاته في بيته.

وقال بعض العلماء: أن محافظة العبد على نوافله في بيته لها سر عجيبٌ في حصول الخير والسكينة والبركة، وقلة المشاكل، وذهاب شر الشيطان، وذهب جمهور العلماء أن صلاة السنن الرواتب في البيت أفضل سواء القبلية أو البعدية، وهذا على سبيل الندب والاستحباب، لا على سبيل الحتم والإيجاب.

الثاني عشر: تذكر الآخرة: يقول شيخنا محمد المختار: «والله، ما وجدنا أحث على العمل وأرغب في الخير وأبعد الشر مثل ذكر الآخرة، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 46]، ومن أكثر من ذكر الموت والوقوف بين يدي الله دعاه إلى مراقبة الله»، قال الإمام ابن دقيق العيد لما قضى على رجل فقال له: ظلمتني، قال: والله، ما تكلمت منذ أربعين سنة كلمة إلا وأعددت لها جوابًا عند الله.

أخرج الإمام الطبراني في الصغير بإسناد حسن عن ابن عمر قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - عاشر عشرة فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، فقال: من أكيس الناس وأحزم الناس ، أي من هو أعقل الناس؟ وقبل أن نسمع الإجابة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، تعالوا نرى من هو أعقل الناس في نظر الناس، إن أعقل الناس عند الناس من عنده وظيفة وسيارة وبيت ومال ومنصب وجاه، وقد ورد في حديث إضاعة الأمانة في البخاري: «يقال له: ما أجلده ما أعقله، ولا يزن عند الله حبة شعيرة».

فتعالوا نسمع إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - على: من هو أعقل الناس؟ قال: «أكيس الناس: أكثرهم ذكرًا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت»، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة.

وقال بعض السلف: العاقل من جمع ثلاثًا: مَن ترك الدنيا قبل ما تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه.

يستكمل العبد ذكر الآخرة بذكر منازلها والقدوم على الله، فكم ملئت القلوب من خشية الله لما تذكرت مضاجع القبور وتذكرت أحوال البعث والنشور ويوم الفزع الأكبر! وكم من قلوب وجلت لما تذكرت موقفها بين يدي الله وسؤاله وحسابه ، حينما تذكرت الحساب ودقته والصراط وزلته!

وكما قال ابن عباس واصفًا أحوال الصحابة لما رأى بعض التخليط في زمن التابعين، قال:« لقد كان أصحاب محمد لهم أعين دامعة وقلوب حزينة، وقالوا: كيف نفرح ونسلى في هذه الدنيا، والموت وراءنا، والقبر أمامنا والقيامة موعدنا، والوقوف بين يدي الله مشهدنا، وعلى الصراط مرورنا؟!» يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: 71، 72].

لا ينجو من النار إلا من أدى فرائض الله ووقف عند محارمه، وقد حذرنا الله من النار فقال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: 72]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: 17].

ولنا وقفة مع النار:

فإنه قد يتبادر إلى الأذهان بأن جهنم كالنار التي نعرفها في الدنيا ولكنها أشد، فمن أمعن النظر في وصف القرآن لجهنم يعلم أنها تختلف تمامًا عن نار الدنيا، فنار الدنيا إذا ألقيت فيها شيئًا أحرقته فتركته فحمًا، ومن يدخل نار الدنيا يموت فيستريح من ألمها؛ وأما نار جهنم ففيها شجرٌ وماءٌ وفيها ظلٌ، وفيها طعامٌ وشرابٌ، وفيها حياتٌ تعيش فيها، حجمها كالبغال الموكفة، وفيها عقاب، وفيها ثياب، لكن ظلها وطعامها وشرابها كله للتعذيب لا للنعيم، ومن دخلها لا يموت ولا يحيا، فهو في عذاب دائم.

أما شجر النار: فيقول الله تعالى: ﴿شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: 64، 65]، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر، ولهذا شبهه برؤوس الشياطين، لأنه استقر في النفوس قبح رؤوسهم؛ ومع خبث هذه الشجرة إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع فلا يجدون مفرًا من الأكل منها، إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في بطونهم فيجدون لها ألمًا شديدًا، وقال تعالى عن هذه الشجرة في سورة الدخان: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43-46]. ويأكلون من هذه الشجرة الخبيثة حتى تمتلئ بطونهم ولكنه لا يسمن ولا يغني من جوع ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: 66]. فإذا أكلوا من هذه الشجرة الخبيثة اندفعوا إلى الحميم وهو ماء في منتهى الحرارة وفي هذا قال الله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: 67].

ووصف القرآن أن شربهم من شدة عطشهم ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: 55]، أي يشربون شرب الإبل العطاش وهو مرض يصيب الإبل ثم يصب فوق رؤوسهم من هذا الحميم ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: 20].

وقد صور لنا رسولنا شناعة الزقوم وفظاعته «لو أن قطرة من زقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معاشهم فكيف بمن يكون طعامه» [رواه الترمذي].

أما ثيابها: ففي جهنم ثياب من نار ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: 19].

أما ظلها وظللها: فهي من النار، يقول الله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: 43]، وصفته: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: 44]، وهي عاقبة من آثر الدنيا وترفها وأصر على الكفر والمعاصي أما ظللها: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ [الزمر: 16].

والحاصل: أن الله أخبرنا في كتابه أن الكل سيرد على هذه النار، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، ثم بين بعدها من ينجو ومن يقع فيها جثيًا، فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72].

وتقوى الله هي: أداء فرائضه والوقوف عند محارمه، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تنتهكوها» [رواه الدارقطني وغيره].


 الخاتمــة

بعد معرفة مقومات الثبات على الهداية ماذا يعني أن تكون مهتديًا.

لا شك أن الانتماء للإسلام ليس مجرد شعار يرفع أو قول يقال، إنما هو إيمان وعمل، ففي الأثر: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن شيء وقر في القلب وصدقه العمل»، إن الإسلام يفرض علينا أن نعيشه عقيدة وعبادة وأخلاقًا، ويفرض علينا أن نعيشه في نفوسنا وأهلينا وبيوتنا، ويفرض علينا الانتماء له، وإعلان ذلك للناس، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، بعيدًا عن كل المزايدات، متجاوزًا القطريات الضيقة ليجمع المسلمين في كل عصر ومصر بكل ألوانهم وأجناسهم تحت راية التوحيد، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.

وقد انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام نحو الإسلام:

1- صنف يعيشون فقط للدنيا: فهي أكبر همهم، ومبلغ علمهم، فأصابتهم سكرة العيش وسكرة الغفلة؛ فالدنيا لا تبقى لهم، وليس لهم في الآخرة من خلاق.

2- وصنف يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولكنهم ماديون: يحبون الدنيا حبًا جمًا، وقد يمارسون بعض الشعائر الدينية ولكن ليس عندهم انتماء حقيقي للإسلام، لذلك تراهم في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، كما قال الشاعر:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا

فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

ومن تأمل حياة الصحابة ترى الرجل منهم يسلم ثم يرجع داعية في قومه ويحمل هم الإسلام.

3-وصنف هم المؤمنون حقًا: يدركون حقيقة الحياة، فحققوا الإسلام عقيدة وعبادة وأخلاقًا، في جميع شؤون حياتهم، وعاشوا للإسلام علمًا وعملاً، ودعوة وانتماء، وفيهم يصدق قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، فعاشوا الإسلام عقيدة وعبادة وأخلاقًا، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34، 35].

أما كيف أكون مسلمًا في عقيدتي؟

أولاً: لا بد أن أؤمن بأن لهذا الكون إلهًا واحدًا خالقًا ورازقًا ومدبرًا حكمًا عدلاً منتقمًا.

ثانيًا: أن أكون مؤمنًا بأن الله لم يخلق الخلق عبثًا، بل خلق الخلق ليعبدوه، وبالإلهية يفردوه.

ثالثًا: أن أكون مؤمنًا بأن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعرّف الناس بغاية خلقهم ومعادهم.

رابعًا: أن أعرف الله بأسمائه وصفاته، فكل هذا الكون من أرضه إلى عرشه، من آثار أسماء الله وصفاته، فالكل خائف من سطوته وبطشه، ومن عرف الله عظَّمه حق تعظيمه.

خامسًا: أن أحب الله بكل قلبي، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، فأحبه واذكره واشكره.

سادسًا: أن أتوكل عليه في كل أموري، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ﴾ [هود: 123].

سابعًا: أن أعلم أن الأمر كله لله، وأن الله غالب على أمره، وأن هذا الدين سيبقى ما بقي الليل والنهار، مهما تعاقب الزمان، ومهما كثر أعداء الإسلام، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120].

أما كيف أكون مسلمًا في عبادتي؟ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ولكن ليس معنى «يعبدون» أي: يصلون فقط، بل معناها: أن تراقب الله في جميع أحوالك، وأعظم واعظ أن تعلم أن الله يعلم جميع أحوالك، فما تقلب ورقة بالمصحف إلا وجدت آية تذكرك بمراقبة الله، فيكون هدفك في الحياة رضى الله فتؤدي فرائضه وتقف عند حدوده.

أما كيف أكون مسلمًا في أخلاقي؟ لا شك أن من أدى حق الله أدى حقوق عباده.

يقول العلماء: إن الإيمان إذا دخل القلب خرج منه جميع أدران الجاهلية، فتجد المؤمن موطأ الكنف، يألف ويؤلف، قريبًا من الناس، سهلاً، كلامه طيب، فلا يلعن، ولا يطعن، ولا يكون فاحشًا، ولا بذيئًا، فتجده تقيًا نقي السريرة، لا حسد، ولا غش، ولا بغضاء، يحب الخير للناس، صدوق اللسان، يفي بعهده ووعده.

أما كيف أكون مسلمًا في بيتي وأهلي؟ فكما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

من الحقوق الواجبة على المسلم: حقوق الأهل والذرية، فتعلمهم الخير وتأمرهم بالصلاة وطاعة الله، تعلمهم الإسلام وشيم الكرام، وعليك ببذل الأسباب ولا تقل هذا زمان الفتن؛ بل يجب عليك تربيتهم على الخير.

وعليه نقول للجميع: قد ينجو العبد بأولاده، وقد يهلك بسبب أولاده، فكم من إنسان بذل الأسباب في تربية أولاده على الخير حتى وقف في آخر أعتاب الدنيا، وقد أقر الله عينيه بذريته، هنالك يعلم العبد أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإذا فرط العبد في تربية أبنائه على الخير يجدهم شذرَ مذرَ، لا يسأل عن أبويه عند المرض، ولا يفرح بهم في حالة الصحة، فيكتوي قلبه بهم، ويرى عاقبة الإهمال والتفريط في تربيتهم، وتعظم حسرته إذا وقف بين يدي الله فيتعلق أولاده برقبته ويقولون: «سله يا رب، رآنا نعصي الله فلم ينهنا، ورآنا لا نحسن الوضوء، فلم يعلمنا، ورآنا نسبُّ ونشتم الناس، ونسهر على المحرمات، فلم ينهرنا؛ خذ حقنا منه»، هنالك يجد المفرط عاقبة الإهمال والتقصير في تربية أولاده على الخير.

هكذا يفرض علينا الإسلام أن نعيشه عقيدة وعبادة وأخلاقًا، نعيشه في أنفسنا وبيوتنا وأهلينا، وفي جميع أمورنا، ويكون انتماؤنا له حبًا وبغضًا، فنوالي من أجل الإسلام، ونعادي من أجله، بعيدًا عن القطرية الضيقة، فلو أسلم رجل من أحد بلاد الكفر يجب عليه بغض بلاده، لأنها بلاد كفر، ووجب عليه حب بلاد الإسلام لأنها بلاد مسلمة، فيكون الحب تبعًا للإسلام وجودًا وعدمًا.

وقد ذكر نحو هذا الكلام الشيخ ابن عثيمين في شرح «رياض الصالحين» في: «باب الإخلاص»، ومن أراد الاستزادة: «كيف أكون مهتديًا؟» فقد ذكر ذلك الشيخ فتحي يكن في كتابه «ماذا يعني أن أكون مسلمًا؟».

تمت هذه الرسالة، والحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على حبيبه وخيرة خلقه المجتبي، ومن سار على نهجه واقتفى.

حررت في يوم 22/12/1426هـ

كتبها: عبد الرحمن اليحيى

ص.ب 20064

أبها الواديين