منهج الدعوة وأئمة الدعوة ()

 

|

 منهج الدعوة وأئمة الدعوة

عبد الله بن إبراهيم القرعاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ/ عبد الله بن إبراهيم القرعاوي، إمام وخطيب الجامع الكبير في بريدة، والذي سيحدثنا عن منهج أئمة الدعوة في العبادة، فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله جل وعلا أن ينفعنا بما نسمع، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا وحسنات الشيخ، ونشكر الشيخ على ما تجشم به عناء السفر وحضوره إلى هذا المكان المبارك للالتقاء بكم وإلقاء هذه المحاضرة، فليتفضل مشكورًا مأجورًا.

* * * *


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..

نحمد الله عز وجل على ما منَّ به علينا من نعمة الإسلام، وإنها لنعمة عظيمة، قال الله عز وجل: }وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ [سورة آل عمران، الآية: 85]. وقال عز وجل: }قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ{ [سورة يونس، الآية: 58]. ففضل الله الإسلام، ورحمته أن هدانا للإسلام؛ فالفرح الذي يثاب عليه هو الفرح بالإسلام والعمل بالإسلام، وأما غيره فلا يشرع الفرح فيه؛ بل هو مذموم كما جاء في قول الله عز وجل: }حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ{ [سورة الأنعام، الآية: 44]، وقوله تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ{ [سورة القصص، الآية: 76]، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على ذم الفرح في غير الإسلام والعمل الصالح.

فنحمد الله لا نحصي ثناء عليه، ونسأله سبحانه أن يثبتنا على دين الإسلام وأن يميتنا على الإيمان؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، ثم إني أسأل الله التوفيق والإعانة والتسديد للقائمين على وقف الإسلام الخيري؛ حيث اهتموا بدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وإنها لهمة عالية رفيعة تدل على صحة المعتقد وسلامة العقيدة.

فدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله حبها إيمان وبغضها نفاق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله». رواه البخاري.

فدعوة شيخ الإسلام يجب حبها؛ لأن هذا الحديث في الأنصار وفي كلِّ من نصر دين الله؛ فحبه إيمان وبغضه نفاق؛ فالإمام محمد بن عبد الوهاب نصر دين الله فنصره الله؛ حيث دعا إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة وحذَّر من الشرك في عبادة الله عز وجل، وأمر بإقامة الحدود وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو الدين الصحيح الذي أمرنا الله به؛ بل هي دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ كما قال الله عز وجل: }وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ{ [سورة الأنبياء، الآية: 25]، وقال عز وجل: }وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ{... الآية. [سورة النحل، الآية: 36]، وقال عز وجل: }شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ{... الآية. [سورة الشورى، الآية: 13].

هذه هي دعوة الرسل مِن أوَّلهم إلى آخرهم، ومحمد بن عبد الوهاب رحمه الله نسبت هذه الدعوة إليه لأنه جدَّدَها في القرن الثاني عشر؛ جدَّد ما اندرس منها؛ حيث استحكمت غربة الإسلام فعبدت الأصنام والأوثان وعبدت القباب والقبور والأضرحة، وعبدت الأشجار والأحجار وصرفوا لها النذور وذبحوا لها من دون الله وسألوها تفريج الكربات وإزالة الشدائد، حتى آل الأمر بهم إلى أن المرأة إذا أرادت زوجًا وتأخر زواجها أتت إلى فحل من فحول النخل وقالت: يا فحل الفحول أسألك زوجًا قبل الحول. وهم مع هذا في ارتباكٍ في دينهم وفي أمنهم؛ لأنهم يخافون من الشياطين ومن السحرة والكهان والعرافين والمنجمين؛ فهم في اضطراب في دينهم واضطراب في أمنهم واضطراب في قلوبهم؛ لخوفهم من الشياطين، فرحم الله هذه الأمة ورحم الله أهل الجزيرة العربية خاصة فقيض هذا الشيخ للدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك.

وإنها لدعوة مباركة دعوة الأنبياء والمرسلين؛ يدعو إلى توحيد الله وإلى إفراده بالعبادة، يدعو إلى إقامة حدود الله على أرض الله، يأمر بالقصاص من القاتل المتعمد أو الدية أو العفو، ورَجْم الزاني إذا كان محصنًا، وجَلْده إذا لم يكن محصنًا، وجلد القاذف وقطع السارق وجلد شارب الخمر؛ فرحم الله به هذه الأمة بعد ما اندرس التوحيد وشبَّ وكثر الشرك في عبادة الله تعالى.

فلماذا لا يحبها المسلم إلا لما في قلبه من الدَّغل أو لما في قلبه من النفاق أو لما في قلبه شعبة من شعب النفاق.

نعم؛ يجب حبها؛ لأنها دعوة إلى دين الله، إنها دعوة مباركة، وكما أشرنا إليه أنها ليست دعوة الشيخ؛ إنما هي دعوة الرسل، والشيخ جدَّد ما اندرس منها، وكذلك أئمة الدعوة من بعده ساروا على نهجه وعلى طريقته في توحيد الله والتحذير من الشرك، وهذه مصنفاتهم، وهذه كتبهم عَذْبٌ زُلالٌ، عقيدة صافية وشرح للأحاديث مفيد؛ ليس فيها شيءٌ من العقيدة يُنْتَقَد ويعاب، ولقد سبق من العلماء من شَرَح وتوسَّع في الشَّرح، ومع ذلك يوجد عليه مآخذ في توحيد الأسماء والصفات، أو في الإيمان بالقضاء والقدر، أو في توحيد الألوهية، أو في ما دون ذلك من البدع؛ كالتوسل بالجاه والذوات وغير ذلك.

أما أئمة الدعوة فهذه كُتبهم ولله الحمد والمنَّة عَذْبٌ زُلالٌ صافية ليس فيها شيء ينتقد، ولهذا كان علماؤنا رحمهم الله يحثُّون طالب العلم في ابتداء طلبه للعلم أن يبدأ بعد حفظ القرآن بحفظ الأصول، وحفظ كشف الشبهات حفظ كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.

ثم نقول للمنصف: مَن ألَّف مثل هذا التأليف؟

الجواب: لقد اعترف الخاص والعام أنه ما سبق شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إلى مثل هذا التصنيف سابق وما لحقه لاحق؛ فهذا كتاب التوحيد: هل أَلَّفَ أحد مثل تأليفه وترتيب أبوابه وإيراد الأدلة من الكتاب والسنة وجعل المسائل على ذلك؟ ثم ثلاثة الأصول الذي لو شرحه متبحِّرٌ في العلم ممن عنده اطلاع وسعة وأراد أن يتوسَّعَ لصار شرْحُه مجلدات، وهو لا يستغني عنه الطالب المبتدئ ولا الراغب المنتهي؛ فأئمة الدعوة  رحمهم الله في تصنيفهم ومصنفاتهم وتقرير دروسهم ومنهجهم وأخلاقهم وطريقتهم على منهج أهل السنة والحديث، ولذلك حاربوا كثيرًا من البدع.

ولقد تناقش بعض أهل العلم في مسألةٍ؛ هل هي بدعة أم لا؟ فقال بعضهم: إنها ليست ببدعة. قالوا: لماذا؟ قالوا: لأنها مرت عليها دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ولم ينكرها الشيخ ولا أئمة الدعوة؛ فهذا دليل على أنها ليست ببدعة؛ لأنهم اجتهدوا في التحذير من الشرك ووسائله وجميع البدع، وحرصوا على الدعوة إلى التوحيد والعمل بالسنة.

نعم؛ إنهم وفِّقوا للصواب لأنهم تحرَّوا الصواب واجتهدوا فيه ويرجعون إلى الحق، يرجعون إلى الدليل ويعملون به.

فهذه الدعوة استمَدَّت أصولها من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع سلف الأمة، فعلى هذا يجب أن نحبها في قلوبنا؛ لأنَّا إذا أحببناها أحببنا التوحيد، وإذا أحببنا التوحيد فقد أحببنا الصحابة وأحببنا الرسول عليه الصلاة والسلام وأحببنا ربنا عز وجل؛ لأن حبَّنا لدعوة الشيخ من حبنا لربنا، وحبُّنا للصحابة من حبِّنا لربنا، وحبُّنا للرسول - صلى الله عليه وسلم - من حبنا لربنا؛ لأنك أحببت الرسول عليه الصلاة والسلام من أجل أنه رسول الله، ودعاك إلى الله وعَرَّفك بالله، وكان سببًا في خلوصك من الشرك واجتنابك له.

فحُبُّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إيمان؛ لأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، نسأل الله السلام والعافية، كما جاء في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين». فيجب حبُّ الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله، فإذا أحببنا الرسول أحببنا من اتبعه؛ أحببنا من دعا إلى ما دعا إليه واجتهد في الدعوة وحرص على ذلك؛ فكل هذا من حبِّنا لربنا جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا نحصي ثناءً على الله عز وجل.

فنحن نشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله؛ ففي «عبد ورسول»: دَفْعٌ للإفراط والتفريط، وللغُلُوِّ والجفاء؛ فتشهد أنه عبدٌ فيها دفع للإفراط وفيها دفع للغلو، وتشهد أنه رسول فيها دفع للجفاء والتفريط في محبته عليه الصلاة والسلام؛ فمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام دين، وبُغْضُه نفاق وكفر، نسأل الله السلامة والعافية؛ فعلى هذا تعلم أننا إذا أحببنا وإذا أمرنا بحب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فإنما هو من حبنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا للذوات فقط، ولكن لِِمَا قامت به الذوات من محبة الله والدعوة إلى الله.

ثم إن الكلمة في بيان منهج أئمة الدعوة في العبادة، والمنهج هو السبيل والطريق؛ كما قال عز وجل: }قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي{... الآية. [سورة يوسف، الآية: 108]؛ هذه سبيلي أدعو إلى الله؛ إما إلى توحيد الله أو إلى الله؛ لا إلى حظ نفسي؛ يعني مخلصًا بذلك لله؛ فهي تحتمل معنيين؛ فلا مانع أن يقال بهما؛ فكلاهما صحيح.

 }قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي{: طريقي ومسلكي، }أَدْعُو إِلَى اللَّهِ{ على بصيرة أنا ومن اتبعني؛ أو أنا ومن اتبعني ندعوا إلى الله على بصيرة.

بيان منهج أئمة: والأئمة تكون في الخير وتكون في الضلال؛ لأن الأئمة هم القادة؛ يقتدى بهم في الخير والهدى؛ كما قال الله عز وجل: }وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا{... الآية. [سورة السجدة، الآية: 24]، وقال الله عز وجل: }وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا{ [سورة الفرقان]، ويكون أيضًا أئمة في الضلال، نسأل الله السلامة والعافية، كما في قوله عز وجل: }وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ{ [سورة القصص]، وقال عز وجل: }فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ{ [سورة التوبة]. والدعوة أيضًا تكون إلى الخير وتكون إلى شر؛ كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيئًا».

فأئمة الدعوة أئمة خير، أئمة نصر للدين وللحق وللأمر بالمعروف وللنهي عن المنكر.

والعبادة هي بالنسبة إلى الفعل هي التذلل والخضوع، وأما بالنسبة إلى المفعول فهي كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والعبادة لا تصح إلا بالتوحيد؛ فنتكلم إن شاء الله على توحيد الألوهية وتوحيد العبادة؛ لأن العبادة لا تصح إلا بالتوحيد، والشيخ رحمه الله قال في ثلاثة الأصول لما ذكر قوله عز وجل: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ{ [سورة البقرة، الآية: 21].

قال ابن كثير رحمه الله: «الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة». انتهى.

فالعبادة هي التذلل والخضوع؛ قال ابن القيم رحمه الله:

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر

ما دار حتى قامت القطبان

ومداره بالأمر أمر رسوله

لا بالهوى والنفس والشيطان

فالعبادة تنبني على المحبة والتعظيم، وبعضهم يقول: على المحبة والخوف والرجاء.

وهذا هو الذي قرره أئمة الدعوة رحمهم الله في كتبهم؛ قالوا: لا نعبد الله بالمحبة وحدها؛ فمن عبد الله بالمحبة وحدها فهو من غلاة الصوفية، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو من المرجئة، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو من الحرورية.

وإنما نعبده جل جلاله محبةً له وخوفًا منه ورجاءً له، كما في قوله عز وجل: }الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{: فيها المحبة، }الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ{: فيها الرجاء، }مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{: فيها الخوف.

وقد قرر أئمة الدعوة رحمهم الله في كتبهم؛ كالدرر السنية وغيرها من الكتب على توحيد الألوهية أتم تقرير وأحسن كلام وأشفى بيان وأوضح تبيان؛ حيث بيَّنوا ذلك بيانًا شافيًا كافيًا، وسنتكلم إن شاء الله على أن توحيد الألوهية وعلى أنه توحيد العبادة؛ فتوحيد الألوهية باعتبار إضافته إلى الله يُسمَّى توحيد الألوهية وباعتبار إضافته إلى العابد يسمى توحيد العبادة.

أما توحيد الألوهية فهو كما أشرنا إليه إلى اعتبار إضافته إلى الله عز وجل يسمى توحيد الألوهية؛ فعلينا أن نعرف ما معنى «الإله»؛ هو الذي يطاع فلا يعصى؛ هيبةً وإجلالاً ومحبةً وخوفًا ورجاءً، وهل يسمى «إله» غير الله.

الجواب: نعم؛ لقوله عز وجل: }وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ{ الآية [سورة المؤمنون: الآية: 117]، وقال عز وجل: }أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ{ [سورة الصافات]، وقال عز وجل في سورة الأعراف عن قوم موسى أنهم قالوا: }اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ{ [سورة الأعراف].

كما جاء في حديث أبي واقد الليثي لما مرَّ مسلمة الفتح ورأوا ذات أنواط؛ قالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: «الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى }اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ{» [سورة الأعراف]؛ قال الله عز وجل: }إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [سورة الأعراف]؛ فلما طلبوا أن يتبركوا بالشجر ويعلقوا سلاحهم بالشجر تبرُّكًا سماها آلهةً؛ قال: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال: إنكم قومٌ تجهلون».

ولكن تسمية المشركين «آلهة» للآلهة الباطلة لا يعطيها حق الألوهية؛ لقول الله تعالى في «اللات والعزى ومناة».

قال عز وجل: }إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ{... الآية. [سورة النجم، الآية: 23]، وقال عن هود: }أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ{ [سورة الأعراف، الآية: 71].

فعلى هذا علمنا أن الإله هو المألوه المعبود؛ فمن ألَّهَ الله وحده فقد عبده، ومن ألَّه الله وألَّه غيره فإنه أشرك في ألوهيته مع الله؛ سواء ألَّه ملكًا أو نبيًا أو ميتًا أو شجرًا أو حجرًا، فإذاً إذا عرفنا معنى الإله عرفنا النفي والمنفي؛ فأنت أيها المسلم يجب عليك أن تعرف ما نفيت في «لا إله»؛ لأنه يوجد من يقول: «لا إله» معناه لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا رَدَّه أئمةُ الدعوة، وهو قول الأشاعرة ونحوهم؛ قالوا: لا قادر إلا الله. معناه: أنهم يقرُّون بتوحيد الربوبية؛ فيدخل في التوحيد على قولهم هذا من يدعو غير الله، ومن يذبح لغير الله يكون ليس بمشرك إذا قلنا: «لا قادر إلا الله»؛ فقد أقر بهذا المشركون فلم ينفعهم؛ قال الله عز وجل: }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ{... الآية. [سورة لقمان، الآية: 25]، وقال عز وجل: }قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ{ [سورة المؤمنون، الآية: 84-89]؛ فهم مقرُّون بأنه لا قادر إلى الله.

ولهذا لما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». قال الله عنهم في سورة «ص» أنهم قالوا: }أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ{؛ فليس معناه أنه لا قادر على الاختراع إلا الله؛ ولكن معناه: لا مألوه ولا معبود بحقٍّ إلا الله.

فيه أيضًا طائفة من المتكلمين يقولون: المنفيُّ كليٌّ لا وجود له في الخارج إلا المثبت وهو الله. وقد ردَّ عليهم أئمة الدعوة ومن تقدم من العلماء.

أيضًا قال بعضهم: إنه «لا إله موجود إلا الله»؛ فهؤلاء قالوا: كل ما في الوجود هو الله. فغلاة المتصوفة والاتحادية وأهل الوحدة ونحوهم قالوا: كل ما في الوجود هو الله؛ إن عبدت شجرًا فهو الله، وإن عبدت شخصًا فهو الله، وإن عبدت مخلوقًا فهو الله، كل الوجود هو الله، فلا إله إلا الله، كل الوجود هو الله، وهذا أيضًا بين أئمة الدعوة رحمهم الله خطأ؛ هؤلاء قالوا لابد أن نقول «لا إله موجود حق إلا الله»؛ لأن هذا يبين معنى ما قلنا أولاً.

لابد أن تعرف أن هناك آلهة تعبد من دون الله؛ لكنها آلهة باطلة؛ فالإله اسم جنس يطلق على المعبود بحق والمعبود بباطل؛ ولكنه غلب على المعبود بحق؛ فهو لا يطلق إلاَّ على الله؛ فهؤلاء عبدوا غير الله وزعموا أنهم ما أشركوا في عبادة الله؛ لأسباب عدم معرفتهم لمعنى «الإله» الذي نفوا، على هذا نعرف أنه «لا إله» لا معبود بحق إلا الله.

فلو قال إنسان: أنا لما أقول «لا إله» قبل أن أقول «إلا الله» أنفي جميع «الآلهة»؟

الجواب: هذا ليس بصحيح؛ أئمة الدعوة بيَّنوا خطأ هذا وقالوا: إذا قلت: «لا إله» فأنت ما تنفي الإله الحق؛ ما تنفي جميع الآلهة؛ تنفي الآلهة الباطلة.

فإبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما قال: }إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ{ هل تبرأ من عبادته لله.

- الجواب: لم يتبرأ من عبادته لله؛ بل تبرأ من الآلهة الباطلة؛ فأئمة الدعوة رحمهم الله بيَّنوا أنك إذا نفيت فأنت تنفي الآلهة الباطلة قبل أن تقول: «إلا الله»؛ فأنت في الأصل ما نفيت ألوهية الله؛ لأن ربوبية الله عز وجل قد فطر عليها الخلق، والمشركون يعرفون الله ولا أنكره إلا نزر قليل ممن كابر وعاند من بني آدم.

فالمشركون الذين نزل القرآن بشركهم وكفرهم واستبيحت دماؤهم وأموالهم، وإذا ماتوا على ذلك- نسأل الله السلامة والعافية- فهم من الخالدين في النار، يعترفون بربوبية الله وبألوهية الله؛ لكنهم ما أفردوه بالألوهية؛ كما في تلبيتهم «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك»؛ أي أن هذا الشريك تحت قهرك ولكنهم أشركوا في هذه التلبية؛ فعلينا أن ننتبه لهذه المسألة؛ وهي أن المنفي هي الآلهة الباطلة فقط.

وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن ابن القيم رحمه الله تعالى أن المستثنى وهو «إلا الله» مخرج من المستثنى منه؛ أي من «لا إله» ومن حكمه أيضًا، وربما البعض يقرؤها ولا يَدْر ما معنى ذلك، أنا أريد أن نتأملها الآن، وإذا رجع الواحد منا يفتح كتاب فتح المجيد ويقرؤها من كلام ابن القيم المستثنى في «لا إله إلا الله»؛ يقول رحمه الله: مخرج المستثنى منه؛ أي من الآلهة الباطلة ومن حكمه أيضًا.

أما توحيد الألوهية فهو توحيد الإله؛ وهو كلام فيه بسط وتفصيل لأئمة الدعوة رحمهم الله.

فعلينا أن نعرف معنى «الإله»، وما أوقع من وقع في الشرك وعبادة غير الله إلا لأسباب عدم معرفتهم لمعنى الإله؛ لو قلت لأحدهم- الذي يعبد الحسين أو البدوي: قل لا سيد إلا الله. فقد يتوقف؛ لكن لو قلت له: قل «لا إله إلا الله». قال: «لا إله إلا الله»؛ لأنه لا يعرف معنى «الإله»؛ أما المشركون الأولون فإنهم يعرفون معنى «الإله»؛ لما قال لهم رسول الله: قولوا: «لا إله إلا الله». قالوا: }أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا{.

أما مشركو زماننا وهم أغلظ شركًا من الأولين يقول: يا عبد القادر، يا أحمد البدوي، يا حسين، يا زينب؛ يناديهم من دون الله؛ تقول: قل «لا إله إلا الله». يقول عشر مرات: «لا إله إلا الله»، وهو يسأل ويدعو غير الله ويذبح لهم؛ لأنه ما عرف معنى الإله، لو قلت له: لا سيد إلا الله، ربما أنه يمتنع؛ فإنهم غيروا اللفظ وقالوا: إنه سيد؛ إنه ولي؛ فالاعتقاد واحد؛ فالذي يعتقده الأولون في «الإله» هو الذي يعتقده مشركو زماننا في الولي والسيد.

أما توحيد العبادة فهو توحيد الألوهية؛ ولكنه يسمى توحيد العبادة باعتبار إضافته إلى العابد، والعبادة هي التذلل والخضوع والاستسلام؛ كما أشرنا إليه في قول ابن القيم رحمه الله:

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر

ما دار حتى قامت القطبان

فالمنافق يعبد الله لكنه لا يحب الله يريد شيئًا من الدنيا فقط؛ ولكن الشأن كل الشأن في عبادته مع الخضوع له والذل له ظاهرًا وباطنًا، ومحبَّته ظاهرًا وباطنًا من أنواع العبادة، وأجلُّ أنواع العبادة؛ بل هو العبادة «الدعاء» كما جاء في الحديث: «الدعاء هو العبادة». وسنتكلم إن شاء الله على أن الدعاء عبادة وقربة لله عز وجل، وهو نوعان: مشروع، وبدعة؛ ولو كان خالصًا لله.

- النوع الثاني: شرك بعبادة الله: وهو مساواة غير الله مع الله فيما هو من خصائص الله، أو دعاء غير الله مع الله فيما هو من خصائص الله.

- النوع الثالث: دعاء مباح؛ هو دعاء الحي الحاضر القادر، ودعاء الميت؛ وهذا أبينه إذا وصلت إليه.

- فالأول: دعاء عبادة؛ وهو على نوعين: دعاء عبادة ودعاء مسألة؛ فدعاء العبادة ما جاء في حديث أبي سعيد أن موسى قال: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: يا موسى قل «لا إله إلا الله».

فدعاء العبادة أكمل من دعاء المسألة؛ لماذا؟ لأنه ليس فيه طلب وإنما هو عبادة محضة؛ كقول: «لا إله إلا الله» وسائر العبادات من صلاة وصيام ونحو ذلك، ودعاء الطلب فيه شيء أكمل من شيء؛ فدعاء الله عز وجل في أمور الدين أكمل من الدعاء لأمور الدنيا، والكل عبادة؛ فإذا دعوت الله عز وجل لأمور دينك فهو أفضل، وإذا دعوت الله في أمور دنياك فهو عبادة، حتى لو سألت الله عز وجل ملحًا لعشائك، أو تدعو أن ييسر «شسع» نعلك وربطه إذا انقطع فأنت في عبادة، كما قال الله عز وجل لما ذكر الأنبياء: }وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ{ [سورة الأنبياء، الآية: 83، 84]؛ إلا قوله عز وجل: }إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ{ [سورة الأنبياء]؛ فالدعاء فيه رغبة ورهبة، هذا عبادة ومن أجلِّ العبادات؛ كما جاء في الحديث: «الدعاء هو العبادة».

وأما الدعاء الذي هو بدعة، فهو دعاء الله عند القبور؛ كأن يقف عند القبر، ويسأل الله جل وعلا؛ يقول: «يا الله اللهم اغفر لي» عند القبور؛ قاصدًا الدعاء في المقبرة وعند القبر؛ ليس أنه لما دخل لتشييع جنازة دعا الله؛ إنما ذهب عند القبر ودعا؛ لعله أن يستجاب له؛ فهذا دعاء لله؛ لكن قصد الدعاء عند القبور بدعة.

ومن الدعاء الذي ليس بمشروع التوسُّل بجاه الأنبياء؛ كقول: «اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك»، هذا ليس بشرك؛ لكنه ليس بمشروع؛ كما بين ذلك أئمة الدعوة رحمهم الله وغيرهم من العلماء؛ أنه لا يجوز؛ لأنَّ التَّوَسُّلَ بالدعاء جائز، والتوسُّل بالذَّوات لا يجوز؛ التوسُّلُ بالدعاء جائز.

كما جاء عن عمر: «إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسْقِنا»؛ أي: بدعائه؛ فهذا جائز، أما التوسُّلُ بالذوات فهو لا يجوز، وإذا كان بالدعاء من حي حاضر تطلب منه أن يدعو لك؛ لأنه من التوسل الذي جاء به بعض الأحاديث؛ أن تطلب من أحد أن يدعو الله لك فهذا أيضًا جائز.

أما التوسل بالأعمال الصالحة، كما جاء في حديث «أن ثلاثة من بني إسرائيل دخلوا الغار فانطبقت عليهم صخرة من الغار فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم...» فهذا أيضًا جائز؛ وإن كان بعض الشراح يقول: إنه لا ينبغي للإنسان أن يدلي على الله بعمله؛ فالأفضل أن يعمل العمل الصالح، ولا يطلب جزاءه من الله في الدنيا.

أما الدعاء الذي هو من الشرك الأكبر فسؤال غير الله فيما هو من خصائص الله، وقد بيَّن أئمة الدعوة رحمهم الله في كتبهم دعاء غير الله؛ كأن يقول: يا رسول الله، يا حسين، يا عبد القادر، يا فلان، يا فلان؛ يدعو ميتًا أو يدعو غائبًا أو حاضرًا حيًا بشيء لا يقدر عليه إلا الله؛ فسواء دعا ميتًا أو دعا غائبًا أو دعا حيًا حاضرًا، لكنه دعاه بشيء وطلب منه شيئًا لا يقدر عليه إلا الله- فهذا أيضًا شرك أكبر؛ لماذا؟ لأنه دعاء معه طلب؛ تقول: يا رسول الله أزل شِدَّتي، يا حسين فرج كربتي؛ هذا من الشرك الأكبر والذنب الذي لا يغفر لمن مات عليه، قال الله تعالى: }إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{ [سورة النساء، الآية: 48]، كما قال الله عز وجل: }وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ{ [سورة المؤمنون، الآية: 117]، وأنى له بالبرهان! من أين له أن يأتي بالبرهان! قال عز وجل: }وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ{ [سورة المؤمنون، الآية: 117]، وقوله عز وجل: }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ{ [سورة الأحقاف، الآية: 5، 6].

ومما يدل على أن الدعاء عبادة أن الله عز وجل أمر به فقال: }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ{ [سورة غافر]؛ أعوذ بالله من جهنم؛ نعوذ بالله من الموت على الكفر وعلى الشرك؛ كما قال ابن القيم رحمه الله:

والله ما خوفي الذنوب وإنما

لعلى سبيل العفو والغفران

لكنما أخشى انسلاخ القلب من "

تحكيم هذا الوحي والقرآن

فالمخوف الموت على الكفر والمعاصي بريد إلى ذلك، والتساهل والميل إلى الشهوات من وسائل ذلك، نسأل الله السلامة والعافية؛ فالدعاء إذا كان معه طلب دعاء الميت ودعاء الغائب ودعا بأمر لا يقدر عليه إلا الله؛ كأن يقول: «يا فلان أصلح قلبي»؛ يطلب منه أن ينزل الهداية في قلبه- فهذا شرك أما إن قال: «أصلح قلبي»، «كن سببًا في هدايتي»؛ يعني بيِّن لي واقرأ علي آيات- هذا ليس شرك؛ إنما الشرك أن يطلب منه أن ينزل الهداية في قلبه، والله عز وجل يقول: }إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ{.

- وأما النوع الثالث: فهو الدعاء المباح؛ وهو مناداة الحي؛ يعني أن تقول: «يا فلان، احمل معي هذا»، أو: «تعال أريك حاجة معي»؛ هذا لا بأس به؛ أما دعاء الميت فكيف يكون مباحًا!

- الجواب: إذا نادى الميت بدون طلب ورغبة ورهبة؛ كما جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نادى قتلى بدر من الكفار وقال لهم: «يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة» على قوله: «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؛ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا». ما هو الفرق إذا أردنا أن نرد على من استدل بهذا على دعاء الأموات؟!

- الجواب: الفرق بين دعاء الأموات الذي هو شرك، والدعاء الذي هو مجرد- أن الأول دعاء فيه طلب، وهذا ليس فيه طلب؛ مثل: «السلام عليكم يا أهل القبور»؛ لم تطلب منهم شيئًا.

أما النوع الثاني: الذي هو الشرك الأكبر الذي تقدَّم ذكره فإنه دعاء وطلب برغبة ورهبة؛ يقول: «يا رسول الله، المدد»؛ هذا شرط، «يا حسين، الغوث الغوث»، «يا فلان فرج كربتي»، «يا فلان أزل شدتي»؛ هذا يطلب منه.

فالفرق بين دعاء الميت وبين الجائز والممنوع أن الممنوع الذي هو من الشرك الأكبر والذنب الذي لا يغفر هو أن تدعوه وتطلب منه، والجائز دعاء ليس فيه طلب.

نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

- جزى الله الشيخ خير الجزاء وجعل ما قاله في ميزان حسناته يوم القيامة، نستأذنه في عرض بعض الأسئلة:

- السؤال الأول يقول: يا شيخ، ما رأيكم في من يقول: إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوة للتفريق بين الناس؟

* * * *


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ هذا ليس بصحيح؛ حيث إن دعوة الشيخ حصل بسببها التوحيد واجتناب الشرك، حصل بسببها الأمن والأمان والخير والاجتماع والتآلف واجتماع الكلمة؛ فالقائل إذا كان جاهلاً فيكفيه جهله، وإن كان يعلم ويتعلم فإنه يعرف أن دعوة الرسل حصل فيها تفريق بين الحق والباطل؛ بين أولياء الله وأولياء الشيطان؛ فالشرع فَرَّق بالحق والعدل بين الرجل وامرأته بالطلاق؛ فالتفريق الذي في دعوة الشيخ من أجل نصر الله وإقامة دينه؛ فهذا حق يجب حبه ويجب نصره؛ قال الله عز وجل: }وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ{ الآية [سورة التوبة، الآية: 71]؛ قال الله جل وعلا: }وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ{... الآية. [سورة التوبة، الآية: 71]، وقال قبلها في المنافقين: }الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ{... الآية. [سورة التوبة، الآية: 67].

فدعوة الشيخ حق وهدى وخير وبركة؛ فيجب حبُّها؛ ولكن القائل إن كان جاهلاً فيطَّلع على مؤلفات أئمة الدعوة، وينظر ما تقر به عينه إن كان مؤمنًا.

- السؤال الثاني: ما هو رد فضيلتكم على من يقول أن التوحيد يمكن معرفته في عشر دقائق؛ فما عليك إلا معرفة من ربك ونبيك ودينك فقط؟

هذا ليس بصحيح؛ حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ عشر سنين يدعو إلى التوحيد قبل أن يدعو إلى باقي أركان الإسلام؛ فهذا مما يدل على عظم التوحيد وعلوِّ قدره في الدين؛ فهو للقلب كالنفس للبدن؛ فالتوحيد كلما قرأ المسلم في كتبه ازداد انشراح صدْره للتوحيد واستنار قلبه وصار كالعطشان الذي يرغب في الماء البارد؛ فهو ماء بارد حلو، والذي يريد أن يعلم أنه ناقص في معرفة التوحيد وأنه لا يكفيه، الوقت القصير؛ فليقرأ في مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين؛ فإنه يعلم نقصه.

فالتوبة مثلاً: بعض الناس يتوب من ذنوبه ومعاصيه؛ فإن كانت التوبة من أجل مرض يرجو أن يشفى من مرضه، أو فقرٍ يرجو أن يعطيه الله غنى؛ فهذه ليست توبة صحيحة؛ بل التوبة الصحيحة أن يتوب خوفًا من الله عز وجل؛ ورجاءً لما عنده، مَن الذي بيَّن لنا هذا؟ بيَّن لنا هذا كتب التوحيد وغير ذلك، كما ذكر الشيخ رحمه الله في فتح المجيد على باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ ذكر الذي يعمل لغير الله؛ ذكر أنواعًا؛ لكن الذي أشكل على بعض الناس الذي يعمل لله خالصًا ويكون من الشرك؛ كيف يكون من الشرك وهو يعمل لله؟ ما هو الجواب؟

-  الجواب هو: أن هذا يعمل مخلصًا له؛ لا رياء فيه ولا سمعة، ومع هذا فإنه فيه شرك أصغر؛ لأنه يرجو مصلحة؛ كمن يعمل عملاً صالحًا من أجل أن يعوضه الله في الدنيا؛ لكن ما يرجو في الآخرة شيئًا، أما من رجى لله- يعني عمل للآخرة- لكنه رجى أن يعطيه الله في الدنيا، فالله عز وجل رغبنا بقوله: }وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا{ [سورة الجن]، وقال تعالى: }مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ{ [سورة الشورى].

هل هذا يُعْلَمُ في عشر دقائق؟! بل الذي أعرفه عمن جالسنا من العلماء أنهم ما يشبعون من القراءة في كتب التوحيد، ولا ترتاح نفوسهم وتطمئن قلوبهم وتنشرح صدورهم إلا بقراءة كتب التوحيد؛ لأنها كلما قرأها المسلم يجد فيه نقصًا؛ بمعرفة التوحيد، وطبق هذا يتبين لك، اقرأ في كتاب من كتب التوحيد في فتح المجيد أو غيره من الكتب، اقرأ أول مرة ثم إلى عشر مرات، والعاشرة تزداد في الرغبة والمحبة أكثر مما قبلها، هذا إذا كان الإنسان فيه إيمان، وكل علم نافع ينشرح فيه الصدر.

العلم يذكرك بالله ويقربك إلى الله.

- السؤال الثالث: ما رأيكم فيمن يقول: إن مصادر التكفير وأصولها مأخوذة من كتب أئمة الدعوة، ومثَّل لذلك بكتاب الدرر السنية لأئمة الدعوة؟

هذا كما أشرنا إليه سابقًا خطأ وجهل؛ لأن كتب التوحيد ليس فيها تكفير إلا ما أجمع العلماء على كفره من زمن الصحابة إلى يومنا هذا؛ فهذه كتبهم.

المنصف إذا قرأ فيها يسأل الله قبل ويدعوه فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، واسأل ربك أنك تريد الحق واقرأ في هذه الكتب وكررها وكرر بعض المسائل تجد فيها العلم النافع؛ لأنها مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن إجماع سلف الأمة؛ ليس فيها أهواء وليس فيها تعسف، وليس فيها اجتهادات على غير دليل وعلى غير شيء واضح من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فالقول هذا خطأ، وقائله إن كان قد قرأ الدرر فربما أنه يوم يقرؤها في نفسه ما في نفسه؛ لأن الذي يقرأ الشيء وهو فيه هوى يصرف عن معرفة الحق حتى يتجرد من الهوى، وأدلة ذلك في كتاب الله.

كما قال الله عز وجل: }سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ{... الآية. [سورة الأعراف، الآية: 146]، يصرف عن الحق بسبب إيش؛ بأسباب الكبر والهوى وعدم قبول الحق؛ كما قال عز وجل: }فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ{... الآية [سورة القصص، الآية: 50]؛ فلا شك أن هذا قول خطأ وأنه قول باطل؛ بل هو حرام أن ينسب الإنسان إلى أئمة علماء نفع الله بهم الإسلام والمسلمين؛ ينسب إليهم أنهم يكفرون في أشياء لم يجمع العلماء على القول بأنه كفر.

كما قالوا من لدن محمد بن عبد الوهاب إلى آخرهم يقولون: نحن نكفر من كفَّر الله وكفَّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ يعني: نكفِّر من جاء كفرُه صريحًا في كتاب الله وسنة رسوله ومن نسب إلينا غير ذلك؛ فجوابنا أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم.

- سؤال: هناك من يقسِّم التوحيد إلى أربعة أقسام: الألوهية والربوبية والأسماء والصفات والحاكمية؛ فهل هذا التقسيم مقبول أم لا؟

- الذي نعرفه أن العلماء المتقدمين قسَّموا التوحيد إلى قسمين وثلاثة أقسام:

- الأول: توحيد في المعرفة والإثبات؛ وهذا توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

- الثاني: توحيد القصد والطلب؛ هذا توحيد الألوهية.

فالذي نعرفه عن العلماء المحققين ممن سلف من أئمة الحديث وغيرهم أنهم قسَّموا التوحيد قسمين أو إلى ثلاثة أقسام، وأما النوع الرابع فلم يتبين لي أنه يعد من أنواع التوحيد، والله أعلم بالصواب؛ لأنه داخل في توحيد الأسماء والصفات كما في قوله تعالى: }إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ{... الآية. [سورة الأنعام، الآية: 57]، }أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ{ [سورة التين]؛ فالحاكم هو الله عز وجل، والخلق يحكمون بحكم الله وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو إن قصد الصفة فهي داخلة في توحيد الأسماء والصفات، والله تعالى أعلم بالصواب.

سؤال: إن أحد الدعاة في شعره يقول:

الله ربي لا أريد سواه

هل في الوجود حقيقة إلا هو

فهل هذا البيت يوجد فيه خطأ عقدي؟ أفتونا مأجورين.

نعم.. هذا البيت فيه خطأ عقدي؛ بل من قول الاتحادية الباطل؛ لكن إذا كان قائله من أهل السنة فنحن نبيِّن له أنه خطأ وضلال، ويجب عليه أن يرجع عن هذا القول ويتوب إلى الله؛ حيث إن قوله: «هل في الوجود حقيقة إلا هو» من كلام أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثمَّ موجود قديم خالق، وموجود حادث مخلوق؛ بل هو وجود هذا العالم هو عين وجود الله، وهو حقيقة وجود هذا العالم؛ فليس عند القوم رب وعبد، ولا مالك ولا مملوك، ولا راحم ولا مرحوم، ولا عابد ولا معبود. نسأل الله العفو والعافية، نعوذ بالله من هذا القول وأهله.

سؤال: هناك من يفسر «لا إله إلا الله» بقوله: إن معناها إخراج اليقين الفاسد عن ذات الله من القلب وإدخال اليقين الصالح على ذات الله، ما قولكم بذلك وخاصة أنه قد شاع بين كثير من الناس وجزاكم الله خيرًا؟

وهذا أيضًا قول غلط، ليس هو معنى «لا إله إلا الله» وليس المراد بـ «لا إله إلا الله»، وقد تقدم بيان معنى لا إله إلا الله فيما سبق.

سؤال: نرجو من فضيلتكم بيان منهج أئمة الدعوة في طريقتهم في دعوة الناس وأسلوبهم في ذب الشبهات وقد عرفنا منك تعريفات أصولية وفقك الله؟

أئمة الدعوة رحمهم الله يدفعون بالتي هي أحسن؛ كما قال الله عز وجل في آخر سورة النحل: }ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{... الآية، وهم كما ذكروا هذه الآية أيضًا في مصنفاتهم قالوا: الذي يدلي بالشبهة إن كان جاهلاً فإنه يبين له الحق برفق ولين ويدعى له؛ لأنه لا يعان الشيطان عليه؛ يبيَّن له الحق بسهولة ولين، وإن كان هذا الذي يأتي بالشبهة يعرف الحق ولكن خفي عليه هذا الأمر فيكون الكلام عليه أقوى، فإن كان يعرف الحق ويعرف أن هذا حق كما يعرف أكثر الناس عن دعوة أئمة الدعوة رحمهم الله أنه حصل فيها الخير في دينهم ودنياهم ولكنه يعاند، فهذا ينتقل معه إلى القول الأقوى بل إذا لم ينته ينتقل معهم إلى ما هو أقوى من ذلك.

كما قالوا وبيَّنوا على قوله في: }ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{ إذا لم ينفع فيه انتقل معه إلى الجهاد أو إلى الجلاد.

سؤال: إني أحبك في الله، ما هي نصيحتكم لطالب العلم المبتدئ وما هي الكتب السلفية التي توجهونها إلي وجزاكم الله خيرًا؟

أما قولك أنك تحبني في الله فأحبك الله الذي أحببتني فيه، وأما سؤالك عن الكتب فالكتب التي ينبغي لطالب العلم المبتدئ أن يقرأ بها؛ يبدأ بحفظ القرآن؛ فإن لم يتيسر له فبحفظ شيء منه كالمفصل ثم بحفظ ثلاثة الأصول ثم بحفظ كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ثم بالعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ثم بمتن من متون الفقه؛ وإن كان لا يلزم أنه يأخذ بكل قول في المتن؛ لأني أرى أنه لا يلزم التمذهب لمن يستطيع أن يجتهد في مسألة ويتبين له الحق فإنه يأخذ بالدليل، لكن هذا إذا كان في ابتداء الطلب فإنه مما يعينه على اختيار الراجح وعلى العمل بالدليل مما يكون عونًا له أن يختار متنًا من متون الفقه.

وقد كان سلفنا يأمرون المبتدئ بحفظ آداب المشي إلى الصلاة، ثم بعده بالزاد وغير ذلك، ولا أقول أنه يمشي مع الزاد ولا يترك منه عبارة إلا ويعمل بها؛ بل فيه ما هو مرجوح؛ كتقسيم أنواع الطهارة، وغير ذلك من الأقوال التي استحسنها بعض الفقهاء وكان الدليل بخلاف ذلك؛ فكونه يختار متنًا يسهل له النظر في الأدلة؛ لأن هذا كالطريق التي تمشي عليها ثم تختصر إن شئت إذا تبيَّن لك الصواب.

وكذلك في الحديث عمدة الأحكام وبلوغ المرام إن تيسر بحفظ ذلك، والتفسير؛ كتفسير ابن كثير وتفسير البغوي، وغير ذلك كالكتب الستة؛ كصحيح البخاري؛ يقرأه نَظِرٌ، وكصحيح مسلم، وكتب السنن؛ كسنن أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، يقتني هذه الكتب ويقرأ في شيء من مختصرات السيرة، ويكون له حظ من قيام الليل ومن سؤال الله عز وجل في الأسحار، ويكون له قراءة في الكتب المطولات، وإذا قرأ شيئًا جعل فيه علامة في الموقف الذي وقف عليه ليحل الكتب؛ لأنه يؤلم من بعض الطلاب في زماننا أنه قد يكون ما حل كتابًا؛ إنما يتابع المحاضرات والدروس، ولكن ما حل صحيح البخاري من أوله إلى آخره، ولا حل مسلمًا من أوله إلى آخره، ولا حل السنن من أولها إلى آخرها، ولا قرأ في تفسير ابن كثير من أوله إلى آخره، ولا قرأ كتب ابن القيم من أولها إلى آخرها، ولا قرأ لفتاوى ابن تيمية من أولها إلى آخرها، ولا قرأ للدرر من أولها إلى آخرها، ولا قرأ فتح المجيد من أوله إلى آخره؛ فإنه إنما يكون طالب علم يتذوق أو أنه يكتفي بما يسمع.

وليست هذه من عادات السلف الصالح الطالبين للعلم؛ كانوا يختارون العلماء ويجلسون عندهم؛ لكن في وقت فراغهم؛ قد رتبوا أوقاتهم على كتب؛ مثل قبل طلوع الشمس يقرأ في كتاب ابن تيمية، وبعدها يقرأ في كتب ابن القيم وبعد الظهر يقرأ في الدرر السنية، يقرأ ثلاث ورقات أو أربع أو خمس، ثم يجعل موقفًا، حتى إذا جاء من الغد يقرأ منه ويكون له حظ من كتب اللغة وكتب الحديث ومصطلح الحديث وغير ذلك، ويحرص كل الحرص مع سؤال الله ودعائه.

ذكر ابن تيمية رحمه الله أنه كان يذهب إلى المساجد القديمة ويضع خده على الأرض ويسأل الله أن يفتح عليه؛ نعم هو فتح، العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاص.

وفي شرح مصطلح الحديث ذكر عن أناس يجلسون يتذاكرون العلم أربعة أو خمسة، وكان يأتيهم إنسان ويشوش عليهم؛ لأنه لا يعرف ولا يدري ما يقولون، فيكثر السؤال، فلما أكثر عليهم ملوا وسئموا منه فجعلوا يغلقون الباب قبل أن يأتي فيجلس من محبته للعلم ورغبته للعلم خلف الباب ويسمعهم يتذاكرون، ففتح الله عليه، فصار إذا أشكل عليهم شيء أجابهم من وراء الباب ففتحوا له الباب فكان بعد ذلك هو شيخهم.

فالعلم نور وفتح من الله وهبة من الله يمن به على من يشاء من عباده، فيحتاج مع بذل الأسباب دعاء الله وسؤال إلى حفظ اللسان من الوقعية والسب؛ من سب العلماء ونحو ذلك.

ونرى بعض طلاب العلم يتجرأ إذا كان في المسألة قولاً مرجوحًا تجرأ على هذا العالم الذي بذل وقته في طاعة الله وبذل عمره مع قلة في الدنيا وإقبال على الله وإقبال على الآخرة رغبة فيما عنده، وليس كما في زماننا الإنسان يطلب العلم لشهادة أو غيرها ما كان عنده نية في ذلك إنما يسهر طول الليل ما يرجو أن يجعل مدرسًا ولا يجعل كذا ولا يجعل ولا يعين في كذا أو يرتب له شيء؛ إنما محبة في العلم ورغبة في العلم ففتح الله عليهم.

ذكر بعض الأئمة في مصطلح الحديث أن طالبًا للحديث أثناء خروجه ومعه كتب الحديث نزل عليه مطر في الطريق يقول: فانحوى على الكتاب؛ لئلا يصيبها المطر وصار المطر يصب على ظهره ولا يتحرك إكرامًا لكتب الحديث فرؤي في المنام بعد الممات فقال: غفر لي؛ لإعظامي وإجلالي لحديث رسول الله في تلك الليلة.

وذكر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان قد عزم أن يذهب إلى عبد الرزاق في اليمن، وأنه مر على مكة ورآه عند المقام، وقال له صاحبه هذا عبد الرزاق وأنت تريد أن تذهب إليه في اليمن، قال: لا، إنا نوينا أن نذهب إليه في اليمن نتركه حتى يذهب إلى اليمن فإذا ذهب نأخذ منه من هناك، كل هذا من أجل الاحتساب لا يرجون راتب ولا رتبة، لا ثناء ولا مدح أغلبهم كلهم على هذا المنوال ولا عندهم مراكب ولا عندهم ملابس ولا عندهم مساكن، والآن الواحد من طلاب العلم منا مثل الملوك أو التجار ما بينه وبينهم شيء يعني يريد التجارة ويريد الفخر ويريد الشهوات ويريد العلم.

العلم عزيز شريف:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أذلوه فهانوه ودنسوا

محياه بالأطماع حتى تجهما

أي لو صانه طالب العلم لصانه العلم وعظمه ورفعه، أي رفعك الله به، لكن أوتيت من قبل نفسك فبعض طلاب العلم يتساهل في الاستخفاف في العلماء والمتقدمين، والاستهانة بهم وفي كتبهم، حتى ولو كان قولاً مرجوحًا فإنه لا ينبغي، ما لم يكن من الشرك ومن البدع؛ بل أثر عن بعض علمائنا رحمهم الله أنه قرئ عليه في شرح النووي أو في شرح صحيح البخاري فتح الباري ومرَّ عليه تأويل شيء من الأسماء والصفات أنه يضع رأسه ويبكي طويلاً، قيل له: لماذا؟ قال: إن هذا العالم الذي ويثني عليه، ثم هذه المسألة أخطأ فيها؛ فأنا حزنت لما سمعت من هذا الكلام ما قال يتبجح: كيف كذا وكيف كذا، بل أن بعض الناس يجترئ على العلماء ويستنقدهم في مسائل الفقه ما ينبغي له؛ بل هم اجتهدوا بل هم حرصوا بل هم تعبوا واجتهدوا كما اجتهد غيرهم لكن الله أعلم الصواب.

الصواب لمن معه الدليل لكنه يجب توقيرهم واحترامهم ومحبتهم، وهذا من أسباب تحصيل العلم. هذا ونسأل الله عز وجل أن يمن علي وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح.

اللهم فقهنا في دينك واجعلنا اللهم من الدعاة إلى سبيلك، اللهم فقهنا في دينك واجعلنا اللهم من الدعاة إلى سبيلك، اللهم فقهنا في دينك واجعلنا اللهم من الدعاة إلى سبيلك، اللهم اجعلنا من العلماء العاملين وذرياتنا إلى يوم الدين، اللهم نسأل أن تغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم وفق ولاة أمرنا في أقوالهم وأفعالهم، وأن يجمع شملهم وشمل المسلمين على الهدى كما نسأله أن يوفق القائمين على هذا الوقف وأن يسددهم لأنهم أحسنوا في اختيارهم في بيان منهج أئمة الدعوة فنشكرهم وندعو الله أن يوفقهم بما يحبه ويرضاه وأن يؤيد وأن ينصر من نصر الحق كائنًا من كان.

اللهم انصر من نصر الحق كائنًا من كان واخذل من خذل الحق كائنًا من كان إنك ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.