من تواضع لله رفعه ()

 

|

 من تواضع لله رفعه

د. عبد الملك القاسم

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله الذي له الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وبعد:

فإن من صفات المؤمنين الإنابة والإخبات والتواضع وعدم الكبر. ومن استقرأ حياة نبي هذه الأمة يجد فيها القدوة والأسوة، ومن تتبع حياة السلف الصالح رأى ذلك واضحًا جليًا.

وهذا هو الجزء «العشرون» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان: «من تواضع لله رفعه» أدعو الله - عز وجل - أن يزيننا بزينة الإيمان، وأن يجعلنا أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين وأن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم


 مدخل

قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾([1]).

قال عكرمة: العلو: التجبر، وقال سعيد بن جبير: بغير حق، وقال ابن جريج: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ تعظمًا وتجبرًا.

وعن علي - رضي الله عنه - قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره([2]).

وقال الله - عز وجل - حاثًا على مكارم الأخلاق ومحذرًا من الكبر والعجب: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾([3]). قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: بلين جانبك، ولطف خطابك، وتوددك إليهم، وحسن خلقك، والإحسان التام بهم([4]).

وقال تعالى حكاية عن لقمان - عليه السلام - وهو يعظ ابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾([5]).

قال ابن عباس: لا تتكبر، فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم إذا كلموك([6]).

ونجد في القرآن الكريم آيات تمدح المتواضعين وتتوعد المتكبرين وتبين أن لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾([7]). فالعبرة بالتقوى وليست بالعلم أو المال أو الحسب أو السلطان، فإن اقترن واحد من هذه بالتقوى كان خيرًا عظيمًا وإن عري عنها كان سببًا لاستحقاق العذاب الأليم، فكم من مال أودى بصاحبه في المهالك، وكم من سلطان يكون في النار مع فرعون وهامان، وكم من عالم تسعر به النار قبل غيره، فالتقوى هي قطب الرحى في جميع الأمور، وليس لأي من تلك الأمور السالفة فضيلة إلا باقترانها بالتقوى([8]).

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾([9]): منزلة «التواضع».

قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾([10]) أي بسكينة ووقار، متواضعين، غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين.

قال الحسن: علماء حلماء.

وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا([11]).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ذكر أن صفاتهم أكمل الصفات ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم يمشون على الأرض هونًا، أي ساكنين متواضعين لله وللخلق، فهذا وصف لهم بالوقار والسكينة، والتواضع لله ولعباده([12]).

والتواضع علامة حب الله للعبد كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾([13]).

قال ابن كثير رحمه الله: هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه([14]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس»([15]).

وبطر الحق: هو دفعه ورده على قائله، أما غمط الناس: فهو احتقارهم وازدراؤهم .

وعن عياض بن حمار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»([16]).

وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر»([17]).

وفي سيرته - صلى الله عليه وسلم - دروس في التواضع:

فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يمر على الصبيان فيسلم عليهم.

وكانت الأمة تأخذ بيده - صلى الله عليه وسلم - فتنطلق به حيث شاءت.

وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أكل لعق أصابعه الثلاث.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يكون في بيته في خدمة أهله.

ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - ينتقم لنفسه قط.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه، ولو إلى أيسر شيء.

وكان - صلى الله عليه وسلم - هين المؤنة، ليَّن الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه بسامًا، متواضعًا من غير ذلة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب رحيمًا بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يعود المريض. ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد.

وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف على إكاف من ليف([18]).

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب، ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات»([19]).

وكان من تواضعه - صلى الله عليه وسلم - ما رواه أنس بقوله: «كان - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالتمر فيه دود فيفشه يخرج السوس منه»([20]).

وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين»([21]).

يقول ابن الأثير: أراد به التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبارين المتكبرين([22]).

ولهذا قالت عائشة - رضي الله عنها: إنكم تغفلون عن أفضل العبادات: التواضع([23]).

قال حمدون القصار في تعريف التواضع: التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة، لا في الدين ولا في الدنيا([24]).

وعندما سئل الفضيل بن عياض عن التواضع قال: يخضع للحق، وينقاد له ويقبله ممن قاله.

وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة. فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب.

وقيل: التواضع: هو خفض الجناح، ولين الجانب.

وقيل: هو أن لا يرى لنفسه مقامًا ولا حالاً، ولا يرى في الخلق شرًا منه.

وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان. والعز في التواضع، فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار([25]).

قال صاحب المنازل:

التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق.

يعني: أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل، والانقياد، والدخول تحت رقه بحيث يكون الحق متصرفًا فيه تصرف المالك في مملوكه. فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع. ولهذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الكبر بضده فقال: «الكبر بطر الحق، وغمط الناس».

«فبطر الحق» رده وجحده، والدفع في صدره؛ كدفع السائل. و«غمط الناس» احتقارهم وازدراؤهم. ومتى احتقرهم وازدراهم دفع حقوقهم، وجحدها، واستهان بها.

ولما كان لصاحب الحق مقال وصولة كانت النفوس المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك الصولة التي فيها، ولا سيما النفوس المبطلة فتصول على صولة الحق بكبرها وباطلها. فكان حقيقة التواضع: خضوع العبد لصولة الحق، وانقياده لها، فلا يقابلها بصولته عليها([26]).

ولعظم عقوبة التكبر والخيلاء حتى في أمر يراه الناس يسيرًا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»([27]).

وفي الحديث الآخر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»([28]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: التكبر شر من الشرك، فإن المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره([29]).

وقال الفضيل عندما سئل عن التواضع ما هو؟ قال: أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته([30]).

وعلى هذا القياس قل أهل التواضع في زماننا!! وهم أندر من الكبريت الأحمر! فتأمل من يقبل الحق من صبي أو من جاهل أو فقير؟!

ولهذا قيل عن التواضع: من يرى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب.

قال يوسف بن أسباط: يجزي قليل الورع من كثير العمل، ويجزي قليل التواضع من كثير الاجتهاد([31]).

وقال يحيى بن كثير مفصلاً الأمر: رأس التواضع ثلاث: أن ترضى بالدون من شرف المجلس، وأن تبدأ من لقيته بالسلام، وأن تكره المدحة والسمعة والرياء بالبر([32]).

وتأمل هذه الثلاث في نفسك وانظر أين مكانك الذي تحب في المجلس؟ أهو صدر المجلس وتحب أن تعظم ويفسح لك ويشار إليك بالأيدي أم هو نهاية المجلس.. والتواضع وعدم حب الظهور؟

ثم تأمل في حال السلام تجد العجب في عدم إلقائه بحرارة وشوق خاصة على الفقراء والعمال والصغار!!

وثالثة الأثافي حبك للمدح والثناء، بل ربما -والعياذ بالله- بادرت في صدر كل مجلس بذكر تبرعك وصيامك وحجك وجهدك وخدمتك لهذا الدين ثم تعرج على تعبك ونصبك لإصلاح الناس!

كان علي بن الحسن يقول: عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم هو غدًا جيفة، وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الأولى، وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء([33]).

والمصيبة العظمى رضى الإنسان عن نفسه واقتناعه بعلمه، وهذه محنة قد عمت أكثر الخلق؛

فترى اليهودي والنصراني يرى أنه على الصواب، ولا يبحث ولا ينظر في دليل نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وإذا سمع ما يلين قلبه مثل القرآن المعجز هرب لئلا يسمع.

وكذلك كل ذي هوى يثبت عليه، إما لأنه مذهب أبيه وأهله، أو لأنه نظر نظرًا أول فرآه صوابًا، ولم ينظر فيما يناقضه، ولم يباحث العلماء ليبينوا له خطأه([34]).

قال الحسن: هل تدرون ما التواضع؟ التواضع: أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلاً([35]).

ومن منا الآن يطبق هذا القول على نفسه! وينزلها تلك المنـزلة؟!

بل البعض يأخذه العجب والتيه على عباد الله لدنيا أو علم أو جاه.. وكلها منح وعطايا من الله - عز وجل -.. ومثلما أعطاها إياه فهو سبحانه قادر على أن يسلبها منه في طرفة عين!

عندما سئل عبد الله بن المبارك عن العجب؟ قال: أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك([36]).

وقال أبو علي الجوزجاني: النفس معجونة بالكبر والحرص والحسد، فمن أراد الله تعالى هلاكه منع منه التواضع والنصيحة والقناعة، وإذا أراد الله تعالى به خيرًا لطف به في ذلك، فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع من نصرة الله تعالى، وإذا هاجت نار الحسد في نفسه أدركتها النصيحة مع توفيق الله - عز وجل -، وإذا هاجت في نفسه نار الحرص أدركتها القناعة مع عون الله - عز وجل -([37]).

قال ابن الحاج: من أراد الرفعة فليتواضع لله تعالى، فإن العزة لا تقع إلا بقدر النزول، ألا ترى أن الماء لما نزل إلى أصل الشجرة صعد إلى أعلاها؟ فكأن سائلاً سأله: ما صعد بك هنا، أعني في رأس الشجرة وأنت تحت أصلها؟! فكأن لسان حاله يقول: من تواضع لله رفعه([38]).

والفرق بين التواضع والمهانة: أن التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله وتعظيمه ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عمله وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خلق هو التواضع، وهو انكسار القلب لله وخفض جناح الذل والرحمة بعباده فلا يرى له على أحد فضلاً ولا يرى له عند أحد حقًا، بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله - عز وجل - من يحبه ويكرمه ويقربه.

أما المهانة: فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السفل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضعة لا تواضع، والله سبحانه يحب التواضع ويبغض الضعة والمهانة([39]).

قال سفيان بن عيينة: من كانت معصيته في شهوة فارج له التوبة، فإن آدم - عليه السلام - عصى مشتهيًا فغفر له، فإذا كانت معصيته من كبر فاخش عليه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبرًا فلعن([40]).

وآفة حب الثناء والمدح التي يحبها البعض بل ويبحث عنها ويحث عليها - ما موقعها بين حال السلف؟! وعلى أي حال كانوا يقبلونها؟! وأي منزلة ينـزلونها؟!

قال مطرف بن عبد الله: ما مدحني أحد قط إلا تصاغرت إلى نفسي([41]).

وما ذاك إلا لمعرفتهم بحقارة أنفسهم في جنب الله، وتواضعهم لجلاله، ومحاسبة أنفسهم ومعرفتهم بتقصيرهم وزللهم!!

أخي المسلم:

عجبت لمن يعجب بصورته، ويختال في مشيته، وينسى مبدأ أمره. إنما أوله لقمة، ضمت إليها جرعة ماء، فإن شئت فقل كسيرة خبز، معها تمرات، وقطعة من لحم، ومذقة من لبن، وجرعة من ماء، ونحو ذلك، طبخته الكبد، فأخرجت منه قطرات مني، فاستقر في الأنثيين، فحركتها الشهوة، فصبت في بطن الأم مدة، حتى تكاملت صورتها، فخرجت طفلاً تتقلب في خرق البول.

وأما آخره: فإنه يلقى في التراب، فيأكله الدود، ويصير رفاتًا تسفيه السوافي، وكم يخرج تراب بدنه من مكان إلى مكان آخر، ويقلب في أحوال، إلى أن يعود فيجمع. هذا خبر البدن.

إنما الروح التي عليها العمل، فإن تجوهرت بالأدب، وتقومت بالعلم، وعرفت الصانع، وقامت بحقه، فما يضرها نقض المركب. وإن هي بقيت على صفتها من الجهالة شابهت الطين، بل صارت إلى أخس حالة منه([42]).

أخي المسلم:

حقيق بالتواضع من يموت

وحسب المرء من دنياه قوت([43])

قال أحمد بن الورد: ولي الله إذا زاد جاهه زاد تواضعه، وإذا زاد ماله زاد سخاؤه، وإذا زاد عمره زاد اجتهاده([44]).

وقال ابن المبارك: رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل، وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل.

أخي الحبيب:

كيف هو قلبك؟ أمع الفقراء والمساكين والمعدومين؟! محص نفسك بقول يحيى بن معاذ: حبك الفقراء من أخلاق المرسلين، وإيثارك مجالستهم من علامة الصالحين، وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين([45]).

ولا تحقرن أحدًا فإن من هؤلاء الضعفاء والمساكين من له منزلة عظيمة عند الله - عز وجل - كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره»([46]).

وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟»([47]).

قال خالد بن معدان: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أحقر حاقر([48]).

أخي المسلم:

من اتقى الله تعالى تواضع له، ومن تكبر كان فاقدًا لتقواه، ركيكًا في دينه، مشتغلاً بدنياه، فالمتكبر وضيع وإن رأى نفسه مرتفعًا على الخلق، والمتواضع وإن رُئِي وضيعًا فهو رفيع القدر.

تواضع تكن كالنجم لاح لناظر

عـلى صفحات الماء وهو رفيع

ولا تك كالدخان يعلو بنفسه

إلى طبقـات الجـو وهو وضيع

ومن استشعر التواضع وعاشه كره الكبر وبواعثه([49]).

وتأمل في حال من تلبسه الشيطان في حالة واحدة من حالات الكبر يظنها بعض الناس يسيرة وهي عند الله عظيمة، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل رأسه([50])، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل([51]) في الأرض إلى يوم القيامة»([52]).

وتأمل في حالات كثيرة من المتكبرين من الرجال والنساء لجدة مركب أو شهرة ثوب أو لجاه ومنصب! وتلحظ بعض الناس تتغير شخصيته وطريقة حديثه وخطوات ممشاه إذا لبس جديدًا أو اقتنى فانيًا من حطام الدنيا!!

وقد ذم الله - عز وجل - الكبر في آيات كثيرة فقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾([53]).

وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾([54]). ومن تدبر القرآن خشي على نفسه من هذه الآفة العظيمة.

ولنا في حال أبي بكر - رضي الله عنه - وهو الصديق خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبرة وعظة ودرس وتربية: عن ابن أبي مليكة قال: كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق، فيضرب بذراع ناقته فينيخها فيأخذه، قال: فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟ قال: إن حِبِّي - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا([55]).

ويقال: أرفع ما يكون المؤمن عند الله أوضع ما يكون عند نفسه، وأوضع ما يكون عند الله أرفع ما يكون عند نفسه.

وقال زياد النمري: الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر.

وكان السلف رحمهم الله يجاهدون أنفسهم ويحقرونها في جنب الله - عز وجل - حتى أن أحدهم يتأهب للمنادي!

قال مالك بن دينار: لو أن مناديًا ينادي بباب المسجد: ليخرج شركم رجلاً، والله ما كان أحد يسبقني إلى الباب إلا رجلاً بفضل قوة أو سعي.

قال: فلما بلغ ابن المبارك قوله قال: بهذا صار مالك مالكًا.

وقال الفضيل: من أحب الرئاسة لم يفلح أبدًا([56]).

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟!

قال علي بن ثابت: ما رأيت سفيان الثوري في صدر المجلس قط، إنما كان يقعد إلى جانب الحائط ويستند إلى الحائط ويجمع بين ركبتيه([57]).

وعندما قيل لأبي عبد الله - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: ما أكثر الداعين لك؟ فتغرغرت عينه، وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا.

لو قيلت هذه الكلمة لبعض الناس اليوم.. لأطلق ضحكة تجلجل وأتبعها ما قام به من أعمال في سبيل هذا الدين وعد كل شاردة وواردة! وكل ذلك رفعة ومباهاة مع جهل وغفلة.

قال يونس بن عبيد: دخلنا على محمد بن واسع نعوده فقال: وما يغني عني ما يقول الناس، إذا أخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار؟!

وقال يونس: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) أن بعض المحدثين قال لي: أبو عبد الله لا يزهد في الدراهم وحدها، قد زهد في الناس. فقال أبو عبد الله: ومن أنا حتى أزهد في الناس! الناس يريدون يزهدون فيَّ.

وقال أبو عبد الله: أسأل الله أن يجعلنا خيرًا مما يظنون، ويغفر لنا ما لا يعلمون([58]).

ومن تواضع أهل الطاعة والعبادة وعدم تزكيتهم أنفسهم ما قاله محمد بن واسع عن نفسه وهو علم من الأعلام وعابد من العباد: لو كان للذنوب ريح ما جلس إلي أحد([59]).

وكان أيوب السختياني يقول: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل([60]).

وقال الشافعي: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره، وأكثرهم فضلاً من لا يرى فضله([61]).

ولهذا التواضع وإنزال النفس منزلتها قال أبو حاتم: الواجب على العاقل لزوم التواضع ومجانبة التكبر، ولو لم يكن في التواضع خصلة تحمله إلا أن المرء كلما كثر تواضعه ازداد بذلك رفعة، لكان الواجب عليه أن لا يتزيَّا بغيره.

ولأثر الكبر السيء وسوء فعله في الأنفس والعقول قال محمد ابن الحسين بن علي: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر قط إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك قل أو كثر([62]).

أخي الحبيب:

التواضع تواضعان: أحدهما محمود، والآخر مذموم.

فالتواضع المحمود: ترك التطاول على عباد الله، والإزراء بهم.

والتواضع المذموم: هو تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه.

فالعاقل يلزم مقارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها، ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها([63]).

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين في منزلة الخشوع:

ولقد شهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:

أنا المكدي وابن المكدي

وهكذا أبي وجدِّي

هذه إجاباتهم وهذا تواضعهم وهم أئمة هذا الدين وعلماء زمانهم، ولهم البلاء والجهاد المعلوم المعروف.. فما يقول من هو دونهم علمًا وعبادة؟!

وكان إذا أثني عليه - رحمه الله - في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلامًا جيدًا.

قال محمد بن زهير: أتيت أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) في شيء أسأله عنه فأتاه رجل فسأله عن شيء، أو كلمه في شيء، فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا فغضب أبو عبد الله وقال له: من أنا حتى يجزيني عن الإسلام خيرًا، بل جزى الله الإسلام عني خيرًا([64]).

إن التواضع من خصال المتقي

وبه التقي إلى المعالي يرتقي

ومن العجائب عجب من هو جاهل

في حاله أهو السعيد أم الشقي؟

وفي كلمات واضحة لأمثالنا من أهل الذنوب والمعاصي، أصحاب الكسل والغفلة قال ابن المبارك: إذا عرف الرجل قدر نفسه يصير عند نفسه أذل من الكلب([65]).

قال سفيان: إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قال الناس([66]).

أخي المسلم:

أول ذنب عصى الله به أبوا الثقلين: الكبر والحرص. فكان الكبر ذنب إبليس اللعين، فآل أمره إلى ما آل إليه. وذنب آدم على نبينا و- عليه السلام -: كان من الحرص والشهوة، فكان عاقبته التوبة والهداية، وذنب إبليس حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار، وذنب آدم أوجب له إضافته إلى نفسه، والاعتراف به والاستغفار.

فأهل الكبر والإصرار، والاحتجاج بالأقدار: مع شيخهم وقائدهم إلى النار: إبليس.

وأهل الشهوة: المستغفرون التائبون المعترفون بالذنوب، الذين لا يحتجون عليها بالقدر: مع أبيهم آدم في الجنة.

ونعم الله - عز وجل - التي يغدقها على العباد قد تتحول من نعمة إلى نقمة ومن خير إلى شر إذا صرفت في غير مصرفها الصحيح وطريقها الشرعي، قال قتادة: من أعطي مالاً أو جمالاً أو ثيابًا أو علمًا؛ ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالاً يوم القيامة([67]).

ولأن مما شاع في هذه الأيام المباهاة بالمآكل والمشارب والملابس والمراكب حتى أصبحت شغل الكثير وأضاعت من الأموال الكثير..

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البذاذة من الإيمان، البذاذة من الإيمان، البذاذة من الإيمان»([68]).

قال عبد الله (ابن أحمد بن حنبل) سألت أبي قلت: ما البذاذة؟ قال: التواضع في اللباس([69]).

وأثر التواضع في الدنيا محسوس ملموس.

قال أبو حاتم - رضي الله عنه -: التواضع يرفع المرء قدرًا، ويعظم له خطرًا، ويزيده نبلاً([70]).

وقد حرصوا على طلب مرضاة الله - عز وجل - بالتواضع ونفي الكبر والبعد عنه وأخذ النفس على الحق.

قال بكر بن عبد الله (المزني): إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل: هذا ذنب أحدثته.

هذا في أمر الآخرة أما في أمر الدنيا وشرفها فكما قال عروة بن الزبير: التواضع أحد مصائد الشرف، وكل ذي نعمة محسود عليها إلا التواضع. لأنها تثمر ثمرة يشرف المرء بها على قومه ومن حوله؛ وذلك طاعة لله - عز وجل -، وامتثالاًَ لأمره، ومعرفة بنعمته وفضله.

قال بعض الحكماء: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة.

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟

كان الحسن بن علي - رضي الله عنه -ما: يمر بالسؤال وبين أيديهم كسر، فيقولون: هلم إلى الغداء يا ابن رسول الله، فكان ينزل ويجلس على الطريق ويأكل معهم ويركب، ويقول: إن الله لا يحب المستكبرين([71]).

وكان عثمان - رضي الله عنه - يلي وضوء الليل بنفسه، فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، قال: لا. الليل لهم يستريحون فيه([72]).

وعن عمرو بن قيس: أن عليًا - رضي الله عنه - رئي عليه إزار مرقوع فعوتب في لبوسه، فقال: يقتدي به المؤمن، ويخشع القلب([73]).

قال نوح - عليه السلام - لابنه سام: يا بني لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الشرك بالله فإنه من يأت الله مشركًا فلا حجة له، ويا بني لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الكبر فإن الكبرياء رداء الله - عز وجل - فمن ينازع الله رداءه يغضب عليه، ويا بني لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من القنط فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا ضال([74]).

وللمسرفين والمسرفات والمبذرين والمبذرات في فستان يلبس ليلة واحدة، أو حلي للمباهاة والمفاخرة؛ إليهم نصح الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز لأحب وأقرب الناس إليه.

فقد بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهم، فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصًا بألف درهم، فإذا أتاك كتابي، فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن، واتخذ خاتمًا بدرهمين، واجعل فصه حديدًا حينيًا، واكتب عليه: «رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه».

ولو فعل البعض مثل ذلك أو قريبًا منه لما مات جائع مسلم في آسيا.. ولما تنصرت أم مسلمة في أفريقيا.. ولما اغتصبت فتاة مسلمة في أوربا.. والله المستعان.. البعض يهنأ بالمراكب والفرش والحرير وإخوانه يموتون جوعًا وهو يرى ويسمع.. ووسائل الإعلام تقيم عليه الحجة ليلاً ونهارًا .. فما عذره أمام الله - عز وجل -؟!

قال الحسن: والله لقد أدركت أقوامًا ما طوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام، وما جعل بينه وبين الأرض شيء قط([75]).

والنفس المؤمنة إذا ما تشبعت بالمعاني الإسلامية والأخلاق الفاضلة، فلن تترك خلق التواضع إلى الكبر، وذلك لأن الكبر ينافي تلك المبادئ التي تربى عليها الإنسان المسلم، فالمسلم يرفض التكبر لأنه إما أن يكون على العباد أو على الله تبارك وتعالى، وهو في كليهما مذموم، بل ومتوعد فاعله بصنوف العذاب كما جاء ذلك في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾([76] وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾([77]) وغير ذلك من الآيات([78]).

فالتكبر على الخالق إذا يكون بمنازعته إحدى صفاته من كبرياء وعظمة أو بالتكبر عن عبادته. أما التكبر على الخلق فهو صنوف كثيرة توهم صاحبها بأنه أعلى رتبة من البشر، ويعامل نفسه على تلكم الوتيرة حتى يفضي به ذلك إلى مرض نفسي خطير يدعى بمرض العظمة. فمن تلك الصنوف أن يتكبر العبد بحسبه ونسبه، أو بقوته وسطوته إن كان ذا سلطان أو بماله، أو بجماله، أو بعلمه، فهذه الأمور تكون من دواعي الكبر عند من لم يخالط الإيمان قلبه ولا اطمأنت بالسكينة نفسه.

والتواضع لله - عز وجل - على ضربين:

أحدهما: تواضع العبد لربه عندما يأتي من الطاعات غير معجب بفعله، ولا راء له عنده حالة يوجب بها أسباب الولاية، إلا أن يكون المولى - عز وجل - هو الذي يتفضل عليه بذلك، وهذا التواضع هو السبب الدافع لنفس العجب عن الطاعات.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»([79]).

قال النووي: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» فيه وجهان:

أحدهما: يرفعه الله في الدنيا، ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس، ويحل مكانه.

والثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة، ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا([80]).

والتواضع الآخر: هو ازدراء المرء نفسه واستحقاره إياها عند ذكره ما قارف من المآثم حتى لا يرى أحدًا من العالم إلا ويرى نفسه دونه في الطاعات وفوقه في الجنايات([81]).

أخي المسلم:

كل ما تراه من مباهج الدنيا وزينتها وقضها وقضيضها إنما هو ظل زائل وراكب مرتحل.

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل([82]).

خلقان لا أرضى طريقهما

بـطر الغـني ومـذلة الدهر

فإذا غنيت فلا تكن بطرًا

وإذا افتقرت فته على الدهر([83])

كان الربيع بن خثيم إذا قيل له كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟!

لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرازق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئًا([84]).

وهذا الصديق أبو بكر - رضي الله عنه - صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفيق جهاده ودعوته والمبشر بالجنة يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن([85]).

وقال عروة بن الزبير - رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين: لا ينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها([86]).

وعن ميمون بن مهران قال: أخبرني الهمداني أنه رأى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - على بغلة وخلفه عليه غلامه نائل وهو خليفة.

وقال أيضًا: رأيت عثمان - رضي الله عنه - نائمًا في المسجد في ملحفة، ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين.

أما ذلك الصحابي صاحب المال الوفير والثروة الطائلة والإنفاق الواسع عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - فإنه كان لا يعرف من بين عبيده، من التواضع في زيه وملبسه.

قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه

خلق، وجيب قميصه مرقوع([87])

فلقد خلق الله الإنسان وكلامه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وألبسه حلة الإيمان، وزينه بأنواع الفضائل وذلك تتميمًا لتكريمه وتفضيله.

والفضائل تلك هي أخلاق رفيعة تحمل صاحبها على السير بين الناس بسيرة حسنة من صدق، وكرم، ومروءة، وحب في الله، وحب الخير، وغير ذلك من الآداب.

والتواضع أحد تلك الفضائل، بل وركيزة مهمة من ركائز التربية الإيمانية في حياة المسلم، ذلك لأنه يضعه في المكان اللائق به -أعني مكان العبودية- فلا يبارح هذا المكان ولا يعتدي عليه.

أفلا ترى أن أكثر من نبذوا هذا الخلق إنما هم في الحقيقة معتدون على مقام الألوهية؟ لأن الكبرياء والعظمة لله وحده، ولا يجوز للعبد أن يتصف بهما أو بإحداهما فقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في جهنم» فليس بغريب إذًا أن نجد التواضع من سيماء الصالحين، ومن أخص خصال المؤمنين المتقين، ومن كريم سجايا العلماء([88]).

عن المبارك بن فضالة قال: كان بين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين، فقال له رجل من القول: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟!

فقال عمر: دعه فليقلها لي، نعم ما قال.

ثم قال عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها([89]).

وقال رجل لأبي حنيفة رحمه الله: اتق الله!!

فانتفض واصفر، وأطرق وقال: جزاك الله خيرًا، ما أحوج الناس كل وقت إلى ما يقول هذا([90]).

الله أكبر! الأول خليفة والآخر عالم زمانه وهذا جوابهم، واليوم يخشى البعض وهو يقول ناصحًا لعامة الناس: اتقوا الله أن يصيبه من بذاءة ألسنتهم وفحش ألفاظهم.

ولست أرى السعادة جمع مال

ولكـن التـقي هـو السعيد

وتقوى الله خير الزاد ذخرًا

وعنـد الله لـلأتقى مـزيـد

أخي المسلم:

واعلم أن الزمان لا يثبت على حال كما قال - عز وجل -: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾([91]).

فتارة فقر، وتارة غنى، وتارة عز، وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي، وتارة يشمت الأعادي.

فالسعيد من لازم أصلاً واحدًا على كل حال، وهو تقوى الله - عز وجل -، فإنه إن استغنى زانته، وإن افتقر فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي تمت النعمة عليه، وإن ابتلي حملته، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه.

لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير، والتقوى أصل السلامة حارس لا ينام، يأخذ باليد عند العثرة، ويوافق على الحدود.

والمتكبر من غرته لذة حصلت مع عدم التقوى، فإنها ستحول وتخليه خاسرًا.

ولازم التقوى في كل حال، فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، وفي المرض إلا العافية. هذا نقدها العاجل. والآجل معلوم([92]).

قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه في الصلاح والخير([93]).

وكان رحمه الله يقول: نحن قوم مساكين..

وقال إسماعيل بن إسحاق الثقفي: قلت لأبي عبد الله (أحمد بن حنبل) أول ما رأيته: يا أبا عبد الله، ائذن لي أن أقبل رأسك، فقال: لم أبلغ أنا ذاك.

رحمه الله وأجزل مثوبته.. صبر على المحن وثبت على الفتنة التي أصابته وكان إمامًا للمسلمين وهو مع هذا يقول: لم أبلغ أنا ذاك!

وهذا سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يؤدي شعيرة عظيمة خاشعًا متذللاً.. ترك الكبر والبطر والمباهاة والفخر..

فقد حج الحسين بن علي عشر حجج ماشيًا ونجبه تقاد إلى جنبه([94]).

وعن عمر بن ثابت قال: لما مات علي بن الحسين بن علي فغسلوه، فجعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقالوا: كان يحمل جراب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة([95]).

أخي المسلم:

قال عمر - رضي الله عنه -: إن العبد إذا تواضع لله رفع حكمته وقال: انتعش رفعك الله، وإذا تكبر وعدا طوره رهصه الله في الأرض وقال: اخسأ خسأك الله، فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى أنه لأحقر عندهم من الخنـزير([96]).

وذكر أن العلاء بن زياد قال له رجل: رأيت كأنك في الجنة، فقال له: ويحك، أما وجد الشيطان أن أحدًا يسخر به غيري وغيرك؟([97]).

وعندما مر المهلب على مالك بن دينار متبخترًا، فقال: أما علمت أنها مشية يكرهها الله إلا بين الصفين؟ فقال المهلب: أما تعرفني؟ قال: بلى، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، فانكسر وقال: الآن عرفتني حق المعرفة([98]).

قال الفقيه السمرقندي: اعلم أن الكبر من أخلاق الكفار والفراعنة، والتواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين؛ لأن الله تعالى وصف الكفار بالكبر فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾([99] وقال: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾([100] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾([101] وقال: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾([102] وقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾([103]).

وقد مدح الله عباده المؤمنين بالتواضع فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾([104])، يعني متواضعين، ومدحهم بتواضعهم وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالتواضع فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾([105] وقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾([106])، ومدح النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾([107]). وكان خلقه التواضع لأنه روي في الخبر أنه كان يركب الحمار، ويجيب دعوة المملوك، فثبت أن التواضع من أحسن الأخلاق، وكان الصالحون من قبل أخلاقهم التواضع، فوجب علينا أن نقتدي بهم رضي الله تعالى عنهم([108]).

ومن أنواع الكبر المهلكة:

أولاً: الكبر على الله - عز وجل - مثل قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾([109]) إذ استنكف أن يكون عبدًا لله.

ثانيًا: الكبر على الرسل من حيث تعزز النفس وترفعها على الانقياد لبشر مثل سائر الناس، ولذا لا تطاوعه نفسه للانقياد للحق والتواضع للرسل كما حكى الله قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾([110] وقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾([111]).

ثالثًا: التكبر على العباد، وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره ويزدريهم. ويكون التكبر على العباد بأمور دنيوية منها:

* العلم: وبعض من آتاه الله علمًا دينيًا أو دنيويًا يستعظم نفسه ويستحقر الناس وينظر إليهم نظرة البهائم وأنه ينبغي أن يخدموه، وأن يكرموه وأن يكونوا أذلاء بين يديه.. وهو يفرح بكل ذلك مع كثرة جدله وحبه للمراء والمناظرة والغلبة على الخصوم بحق أو باطل.

* العبادة: بأن يرى أن الناس هالكين ويرى نفسه ناجيًا، ولذا يرى أنه أحق بالزيارة والتوسع له في المجلس وذكر زهده وعلمه وورعه.

* التكبر بالحسب والنسب: فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه علمًا وعملاً، وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له أموال وعبيد، وكان من عادات الجاهلية التفاخر بالأحساب والأنساب.

* التفاخر بالجمال: وذلك أكثر ما يجري بين النساء ويدعو إلى التنقص والغيبة والاستهزاء.

* الكبر بالمال: وذلك يجري بين الملوك في خزائنهم ومن التجار في بضائعهم. وتأمل في حال قارون وهو في ماله ثم أين انتهى به الكبر والعياذ بالله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾([112]).

* الكبر بالقوة: وذلك في أهل القوة الجسمية والعسكرية وذلك بالبطش بالضعفاء وإهانتهم وتعذيبهم.

* التكبر بالأتباع والأنصار والتلامذة والعشيرة والأقارب والبنين.

قال أبو سليمان: لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه.

وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر، فقيل له: فمتى يكون متواضعًا؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالاً. وتواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه - عز وجل - ومعرفته بنفسه.

قال وهب بن منبه: آية المنافق أنه يكره الذم ويحب الحمد([113]).

ولقد كثر ذلك في زماننا والله المستعان، فأصبح البعض يحب المدح والثناء ويسر به ويكرم من يقوم له بذلك ويغدق عليه الأموال، وبعض المدراء والرؤساء يقرب المداحين المنافقين ويبعد الناصحين المحبين!! والمسلم إن مدح بحق فهو لا يؤجر على هذا المدح.. فما بالك بمن يمدح بباطل ويحرص على أن تجمع له الكلمات وتصف له الحروف؟!

قال أبو سليمان: لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا عليه.

وقال عروة بن الورد: التواضع أحد مصائد الشرف. وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع([114]).

ولا شك أن من علامة التواضع أن يكره المرء أن يذكر بالبر والتقوى والصلاح والتقى بين الناس.

هذا إما أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله عندما ذكر عنده أخلاق الورعين فقال: أسأل الله أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟([115])

وهذا علم آخر من أعلام السلف لا يرى لنفسه حقًا على غيره مع علمه وورعه وطاعته وعبادته!!

قال أحمد بن عبد الله العجلي: آجر سفيان نفسه من جمال إلى مكة، فأمروه أن يعمل خبزة، فلم تجئ جيدة، فضربه الجمال، فلما قدموا مكة، دخل الجمال فإذا سفيان قد اجتمع حوله الناس، فسأل، فقالوا: هذا سفيان الثوري، فلما انفض عنه الناس تقدم الجمال إليه وقال: لم نعرفك يا أبا عبد الله، قال: من يفسد طعام الناس يصبه أكثر من ذلك([116]).


أخي المسلم:

تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة

فـإن رفـيع القوم من يتواضع

قال أبو حاتم - رضي الله عنه -: أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة، ولا يترك المرء التواضع إلا عند استحكام التكبر، فلا يتكبر على الناس أحد إلا بإعجابه بنفسه، وعجب المرء بنفسه أحد حماد عقله، وما رأيت أحدًا تكبر على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه([117]).

وتأمل أخي الحبيب في صورة التواضع العجيبة من خير هذه الأمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي بكر وعمر - رضي الله عنه -ما وقد ضربا أروع الأمثلة على جلالة قدرهما وعظم منزلتهما:

قال علماء السير: كان أبو بكر - رضي الله عنه - يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها فقال: بل أحلبها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه، عن خلق كنت فيه، فكان يحلب لهم([118]).

وهذا ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يضرب لنا مثلاً في التواضع، قال طلحة بن عبيد الله: خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتًا، فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع([119]).

ومن خصال المتكبرين التي نراها ونشاهدها:

- جر الثياب بطرًا ورياء، والتفاخر بها والتعالي على الناس بكل ملبوس غالي الثمن.

- أن لا يمشي إلا ومعه أحد يمشي خلفه.

- أن لا يزور أحدًا تكبرًا على الناس.

- أن يستنكف من جلوس أحد إلى جانبه أو مشيه معه.

- أن لا يتعاطى بيده شغلاً في بيته.

- أن لا يحمل متاعه من سوقه إلى بيته.

- ذكر ما لديه من الأموال والدور والقصور تكبرًا ومباهاة.

وجماع ذلك كله أن يرى أنه فوق الناس وهم دونه سواء في أمر معين كالعلم أو المال أو الجمال أو الحسب والنسب أو بها جميعًا.

ومن تأمل في تلك علم أنها ربما تزول في لحظات؛ فالعلم إلى زوال، والمال إلى نهاية، والجمال إلى شيخوخة أو قبل ذلك بطارق من طوارق الزمن.. ولنا في ما ذكره الله - عز وجل - عن صاحب المال والغنى عبرة وتذكرة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾([120]).

أخي الحبيب:

لا تفخرن بما أوتيت مـن نعم

عـلى سواك وخف من كسر جبار

فأنت في الأصل بالفخار مشتبه

ما أسرع الكسر في الدنيا لفخار([121])

قال علي بن ثابت: لو لقيت سفيان الثوري في طريق مكة ومعك فلسان تريد أن تتصدق بهما وأنت لا تعرف سفيان ظننت أنك ستضعها في يده. وما رأيت سفيان في صدر المجلس قط، إنما كان يقعد إلى جانب الحائط ويستند إلى الحائط ويجمع بين ركبتيه.

إذا شئت أن تزداد قدرًا ورفعة

فلن وتواضع واترك الكبر والعجبا([122])

قال سعيد بن عامر: قيل إن يونس بن عبيد قال: إني لأعد مائة خصلة من خصال البر ما في خصلة واحدة([123]).

وتأمل في المجالس إلى من يزكون أنفسهم ويمجدون أفعالهم حبًا في الثناء وطمعًا في الشهرة.. وقد كثر هذا في الناس لقلة العلم الشرعي وضعف التقوى ومحبة الدنيا.

قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: إن الرجل إذا أخذ يمدح نفسه ذهب بهاؤه([124]).

وقال الفضيل: إن استطعت أن لا تكون محدثًا ولا قارئًا ولا متكلمًا. إن كنت بليغًا، قالوا: ما أبلغه، وأحسن حديثه، وأحسن صوته، ليعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغًا ولا حسن الصوت، قالوا: ليس يحسن يحدث، وليس صوته بحسن، أحزنك ذلك وشق عليك فتكون مرائيًا، وإذا جلست فتكلمت فلم تبال من ذمك ومن مدحك، فتكلم([125]).

قال شعبة: ربما ذهبت مع أيوب (السختياني) لحاجة، فلا يدعني أمشي معه، ويخرج من هاهنا وهاهنا، لكي لا يفطن له.

وتأمل حال الأخيار وأهل العلم الأبرار فإنهم يهربون من كل مادح!

قال أحمد بن حنبل: كان سفيان الثوري إذا قيل له إنه رئي في المنام، يقول: أنا أعرف بنفسي من أصحاب المنامات([126]).

ولقد يكفيك فيها

أيها الطالب قوت

ولعمري عن قليل

كل من فيها يموت([127])

سأل رجل الإمام مالكًا عن مسألة فقال: لا أحسنها، فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها!! فقال له مالك: إذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قد قلت لك إني لا أحسنها([128]).

وقد كثر المفتون في زماننا وبعضهم يبادر بالجواب قبل أن ينتهي السؤال.. ولمعرفة عظم مصيبته وجهله ليعلم أنه يجيب عن الله ورسوله فلينظر بماذا يجيب؟

خرج عبد الله بن مسعود ذات يوم فاتبعه ناس، فقال لهم: ألكم حاجة؟ قالوا: لا ولكن أردنا أن نمشي معك. قال: ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع([129]).

وقال الحسن: كنت مع ابن المبارك يومًا فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه، فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا. يعني حيث لم نعرف ولم نوقر.

وقال صالح بن أحمد (بن حنبل): كان أبي لا يدع أحدًا يستقي له الماء لوضوئه([130]).

ونتيجة الكبر والتعالي على الناس معروفة مرذولة في الدنيا والآخرة، عن عمر بن شيبة قال: كنت بمكة بين الصفا والمروة فرأيت رجلاً راكبًا بغلته وبين يديه غلمان وإذا هم يعنفون الناس، قال: ثم عدت بعد حين دخلت بغداد فكنت على الجسر، فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر، قال: فجعلت أنظر إليه وأتأمله، فقال لي: ما لك تنظر إليَّ؟ فقلت له: شبهتك برجل رأيته بمكة، ووصفت له الصفة، فقال له: أنا ذلك الرجل، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله حيث يترفع الناس([131]).

قال هشام بن حسان: ذكروا التواضع عند الحسن وهو ساكت حتى إذا أكثروا عليه قال لهم: أراكم قد أكثرتم الكلام في التواضع.

قالوا: أي شيء التواضع يا أبا سعيد؟

قال: يخرج من بيته فلا يلقى مسلمًا إلا ظن أنه خير منه.

ومن التواضع الذلة لله - عز وجل - وخوف التقصير والزلل..

كان بكر بن عبد الله إذا رأى شيخًا قال: هذا خير مني، عبد الله قبلي، وإذا رأى شابًا قال: هذا خير مني، ارتكبت من الذنوب أكثر مما ارتكب([132]).

قال عبد الله بن مسعود: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب.

وعندما قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما أكثر الداعين لك! فتغرغرت عينه وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا([133]).

وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: الهلاك في شيئين: العجب، والقنوط. وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالطلب والتشمير، والقانط لا يطلب، والمعجب يظن أنه قد ظفر بمراده فلا يسعى.

قال مطرف رحمه الله: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا، أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا.

وأعلم أن العجب يدعو إلى الكبر، لأنه أحد أسبابه، فيتولد من العجب الكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة، وهذا مع الخلق.

فأما مع الخالق، فإن العجب بالطاعات نتيجة استعظامها، فكأنه يمن على الله تعالى بفعلها، وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها، ويعمى عن آفاتها المفسدة لها. وإنما يتفقد آفات الأعمال من خاف ردها دون من رضيها وأعجب بها.

والعجب إنما يكون بوصف كمال من علم أو عمل، فإن انضاف إلى ذلك أن يرى حقًا له عند الله إدلالاً، فالعجب يحصل باستعظام ما عجب به، والإدلال يوجب توقع الجزاء، مثل أن يتوقع إجابة دعائه وينكر رده([134]).

وكان حوشب يبكي ويقول: بلغ اسمي مسجد الجامع.

وعن عطاء بن مسلم أحسبه قال: كنت وأبو إسحاق ذات ليلة عند سفيان وهو مضطجع، فرفع رأسه إلى أبي إسحاق فقال: إياك والشهرة.

قال: وقال أبو مسهر: ما بينك وبين أن تكون من الهالكين إلا أن تكون من المعروفين([135]).

وقال عبد الله بن المبارك: كن محبًا للخمول كراهية الشهرة، ولا تظهر من نفسك أنك تحب الخمول فترفع نفسك([136]).

أخي المسلم:

قال علي - رضي الله عنه - : تبدل لا تشهر، ولا ترفع شخصك لتذكر وتعلم، وأكثر الصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار.

وقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه([137]).

وقال سعيد بن عبد الغفار: كنت أنا ومحمد بن يوسف الأصبهاني، فجاء كتاب محمد بن العلاء بن المسيب من البصرة إلى محمد بن يوسف فقرأه، فقال لي محمد بن يوسف: ألا ترى إلى ما كتب به محمد بن العلاء؟ وإذا فيه: يا أخي، من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس([138]).

وأثر الخير على الإنسان واضح جلي خاصة إذا كان من معدن زكي كما قال يحيى بن خالد البرمكي: الشريف إذا تنسك تواضع، والسفيه إذا تنسك تعاظم.

وقال يحيى بن معاذ موضحًا المعاملة بالمثل لمن استدرجه الشيطان وأطاح بتواضعه: التكبر على ذي التكبر عليك بما له تواضع.

ويقال: التواضع في الخلق كلهم حسن، وفي الأغنياء أحسن, والتكبر في الخلق كلهم قبيح، وفي الفقراء أقبح.

ويقال: لا عز إلا لمن تذلل لله - عز وجل -، ولا رفعة إلا لمن تواضع لله - عز وجل -، ولا أمن إلا لمن خاف الله - عز وجل -، ولا ربح إلا لمن ابتاع نفسه من الله - عز وجل -([139]).

أخي المسلم:

هاك مواقف جميلة وعبر ناصعة من سلف هذه الأمة وحرصهم على التواضع والبعد عن الشهرة والثناء.

عن خالد بن معدان قال: كان يحيى بن سعيد إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة.

قال ليث عن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام.

وقال أبو بكر بن عياش: سألت الأعمش كم رأيت أكثر ما رأيت عند إبراهيم؟ قال: أربعة، خمسة.

قال أبو بكر، ما رأيت عند حبيب بن أبي ثابت غلمة ثلاثة قط([140]).

وقال: قال بشر بن الحارث: لا أعلم رجلاً أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح.

وقال: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس([141]).

حقيق بالتواضع من يموت

ويكفي المرء من دنياه قوت

فما للمرء يصبح ذا هموم

وحرص ليس تدركه النعوت

صنيع مليكنا حسن جميل

وما أرزاقه عنا تفوت

فيا هذا سترحل عن قليل

إلى قوم كلامهم السكوت([142])

قال مالك بن دينار: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما يخرب البيت إذا لم يكن فيه ساكن. وإن قلوب الأبرار تغلي بأعمال البر وإن قلوب الفجار تغلي بأعمال الفجور. والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله([143]).

وليتبد كل قارئ ويظهر همه ومنتهى أمله؟! أهو لدنيا فانية ودار زائلة وكرسي متحرك؟! أم هو هم الدين ورفعته والدعوة إليه والصبر على ذلك!

مر بالحسن شاب عليه بزة له حسنة فدعاه فقال له: ابن آدم معجب بشبابه محب لشمائله، كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك قد لاقيت عملك، ويحك! داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم([144]).

وحال المتكبر تدعوه إلى رد الحق وعدم قبوله وهذه عين فساد القلب وخبثه. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا استطعت ما منعه إلا الكبر» فما رفعها إلى فيه([145]).

ورأى محمد بن واسع ولده يختال فدعاه وقال: أتدري من أنت؟ أما أمك فاشتريتها بمائتي درهم. وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله!

ورأى ابن عمر رجلاً يجر إزاره فقال: إن للشيطان إخوانًا - كررها مرتين أو ثلاثًا([146]).

يا مظهر الكبر إعجابًا بصورته

انظر خلاك فإن النتن تثريب

لو فكر الناس فيما في بطونهم

ما استشعر الكبر شبان ولا شيب

هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة

وهو بخمس من الأقذار مضروب

أنف يسيل وأذن ريحها سهك

والعين مرفضة والثغر ملعوب

يابن التراب ومأكول التراب غدًا

أقصر فإنك مأكول ومشروب([147])

وثوب الشهرة قد يكون ثوبًا رديئًا ليظهر الإنسان حاله أنه من الزهاد والصالحين!! رأى ابن عمر على ابنه ثوبًا قبيحًا دونًا فقال: لا تلبس هذا، فإن هذا ثوب شهرة([148]).

أخي الحبيب:

كيف حالك مع الفقراء والمساكين والمعدمين؟! هذا سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حاز الشرف الرفيع والنسب العالي ومع هذا يتواضع وهو أهل لذلك:

عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه مر بمساكين وهم يأكلون كسرًا لهم على كساء فقالوا: يا أبا عبد الله، الغذاء، قال: فنزل وقال: إنه لا يحب المستكبرين، فأكل معهم، ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، فانطلقوا معه فلما أتوا المنـزل قال لجاريته: أخرجي ما كنت تدخرين([149]).

وذكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه أتاه ذات ليلة ضيف فلما صلى العشاء وكان يكتب شيئًا والضيف عنده كاد السراج أن ينطفئ، فقال الضيف: يا أمير المؤمنين، أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ قال: ليس من مروءة الرجل أن يستعمل ضيفه. قال: أفأنبه الغلام؟ قال: لا، هي أول نومة نامها، فقام عمر وأخذ البطة فملأ المصباح، فقال الضيف: قمت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر وخير الناس عند الله من كان متواضعًا.

وقال قيس بن أبي حازم: لما قدم عمر بن الخطاب إلى الشام تلقاه علماؤها وكبراؤها فقيل: اركب هذا البرذون يرك الناس، فقال: إنكم ترون الأمر من ههنا، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيلي.

وروي في رواية أخرى أن عمر رضي الله تعالى عنه جعل بينه وبين غلامه مناوبة، فكان يركب الناقة ويأخذ الغلام بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ ثم ينزل ويركب الغلام ويأخذ عمر بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ، فلما قربا من الشام كانت نوبة ركوب الغلام، فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة، فاستقبله الماء في الطريق، فجعل عمر يخوض في الماء ونعله تحت إبطه اليسرى وهو آخذ بزمام الناقة، فخرج أبو عبيدة بن الجراح وكان أميرًا على الشام وقال: يا أمير المؤمنين، إن عظماء الشام يخرجون إليك فلا يحسن أن يروك على هذه الحالة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إنما أعزنا الله تعالى بالإسلام فلا نبالي من مقالة الناس([150]).

وقال عروة بن الزبير - رضي الله عنهما -: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها.

وولي أبو هريرة - رضي الله عنه - إمارة، فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره ويقول: طرقوا للأمير([151]).

وقال أنس: كان بين كتفي عمر أربع رقاع وإزاره مرقوع بأدم. وخطب عمر على المنبر وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة([152]).

وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾([153]): أي يتبختر.

ودخل ابن السماك على هارون فقال: يا أمير المؤمنين، إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك، فقال: ما أحسن ما قلت! فقال: يا أمير المؤمنين إن امرءًا آتاه الله جمالاً في خلقته وموضعًا في حسبه وبسط له في ذات يده فعف في جماله وواسى من ماله وتواضع في حسبه - كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله فدعا هارون بدواة وقرطاس وكتبه بيده.

وكان سليمان بن داود عليهما السلام إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول: مسكين مع مساكين.

وقال بعضهم: كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة([154]).

وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر، فعلاه، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟! فقال: إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع([155]).

وقال جرير بن عبد الله: انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت النطع فسويته عليه، ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي، فذكرت له ما صنعت فقال لي: يا جرير، تواضع لله في الدنيا فإنه من تواضع في الدنيا رفعه الله يوم القيامة. يا جرير أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة؟ قلت: لا، قال: إنه ظلم الناس بعضهم في الدنيا([156]).

وقال رجاء بن حيوة: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وهو يخطب باثني عشر درهمًا. وكانت قباء وعمامة وقميصًا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة([157]).

نعم هذا تواضع الخليفة الأموي الذي ملأ الأرض عدلاً وزان حياته بالزهد والورع رحمه الله.

قيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى - عليه السلام -: إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك.

وتأمل أخي الحبيب في قول كعب: ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقًا من النار يعذبه إن شاء الله أو يتجاوز عنه([158]).

أخي المسلم:

هذا حديث الصادق الصدوق الذي لا ينطق عن الهوى - صلى الله عليه وسلم - اجعله على رأسك وأمام عينيك حيث قال: «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»([159]).

رزقنا الله التواضع، وألزمنا جادة المؤمنين، وجعلنا ووالدينا وذرياتنا وأزواجنا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



([1]) سورة القصص، الآية: 83.

([2]) تفسير ابن كثير 3/403.

([3]) سورة الشعراء، الآية: 215.

([4]) تيسير الكريم الرحمن، ص548.

([5]) سورة لقمان، الآية: 18.

([6]) فتح القدير 4/301.

([7]) سورة الحجرات، الآية: 13.

([8]) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا، ص12.

([9]) سورة الفاتحة، الآية: 5.

([10]) سورة الفرقان، الآية: 63.

([11]) مدارج السالكين، ص340.

([12]) تفسير السعدي 5/593.

([13]) سورة التوبة، الآية: 54.

([14]) تفسير ابن كثير 2/73.

([15]) رواه مسلم.

([16]) رواه مسلم.

([17]) متفق عليه.

([18]) مدارج السالكين، ص341. وانظر: الشمائل المحمدية للترمذي، ص284 وما بعدها. وفي سيرة الرسول ﷺ‬ مواقف عظيمة في التواضع ولين الجانب وحسن الخلق.

([19]) رواه الترمذي.

([20]) صحيح الجامع 1/271.

([21]) الإحياء 3/361.

([22]) مدارج السالكين، ص344.

([23]) رواه البخاري.

([24]) رواه أبو داود وصححه الألباني.

([25]) مدارج السالكين، ص342.

([26]) مدارج السالكين، ص346.

([27]) رواه البخاري.

([28]) رواه مسلم.

([29]) المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية 1/16.

([30]) الإحياء 3/362.

([31]) الإحياء 3/361.

([32]) التواضع والخمول، ص155.

([33]) صفة الصفوة: 2/95.

([34]) صيد الخاطر: ص592.

([35]) التواضع والخمول: ص154.

([36]) تذكرة الحفاظ 1/278.

([37]) الإحياء 3/362.

([38]) المدخل لابن الحاج 2/122.

([39]) كتاب الروح، ص273.

([40]) مختصر منهاج القاصدين، ص247.

([41]) صفة الصفوة 3/223.

([42]) صيد الخاطر، ص457.

([43]) التبصرة 1/2.

([44]) صفة الصفوة 2/395.

([45]) الإحياء 4/211.

([46]) رواه مسلم.

([47]) رواه البخاري.

([48]) السير 4/539.

([49]) التواضع والخمول، ص12.

([50]) مرجل رأسه: أي ممشطه.

([51]) يتجلجل: أي يغوص وينزل.

([52]) متفق عليه.

([53]) سورة الأعراف، الآية: 146.

([54]) سورة غافر، الآية: 35.

([55]) صفة الصفوة 1/253.

([56]) الإحياء 3/361.

([57]) صفة الصفوة 3/147.

([58]) الورع لأحمد بن حنبل، ص152.

([59]) السير 120/6، صفة الصفوة 3/268.

([60]) تذكرة الحفاظ 10/131.

([61]) السير 10/99.

([62]) الإحياء 3/358.

([63]) روضة العقلاء، ص59.

([64]) طبقات الحنابلة 1/298.

([65]) حلية الأولياء: 8/168.

([66]) الزهد للإمام أحمد، ص507.

([67]) التواضع والخمول، ص142.

([68]) رواه الحاكم وابن ماجه وأبو داود.

([69]) الزهد للإمام أحمد، ص20.

([70]) روضة العقلاء، ص60.

([71]) الإحياء 2/262.

([72]) تأريخ الخلفاء، ص153.

([73]) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا ص165.

([74]) كتاب الزهد للإمام أحمد، ص88.

([75]) حلية الأولياء 2/146.

([76]) سورة غافر، الآية: 60.

([77]) سورة النحل، الآية: 23.

([78]) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا، ص10.

([79]) رواه مسلم.

([80]) شرح مسلم للنووي 16/143.

([81]) روضة العقلاء، ص60.

([82]) الآداب الشرعية لابن مفلح 2/239.

([83]) البداية والنهاية 11/164.

([84]) صفة الصفوة 2/341، السير 11/206.

([85]) الزهد للإمام أحمد، ص162.

([86]) مدارج السالكين 2/330.

([87]) تأريخ الخلفاء، ص249.

([88]) تأريخ الخلفاء، ص249.

([89]) تأريخ عمر لابن الجوزي، ص176.

([90]) السير 6/415.

([91]) سورة آل عمران، الآية: 140.

([92]) صيد الخاطر، ص181.

([93]) مناقب الإمام أحمد، ص334.

([94]) روضة العقلاء، ص62.

([95]) انظر: السير 4/139.

([96]) الإحياء 3/361.

([97]) حلية الأولياء 2/245.

([98]) السير 5/362.

([99]) سورة الصافات، الآية: 35.

([100]) سورة العنكبوت، الآية: 39.

([101]) سورة غافر، الآية: 60.

([102]) سورة غافر، الآية: 76.

([103]) سورة النحل، الآية: 32.

([104]) سورة الفرقان، الآية: 63.

([105]) سورة الحجر، الآية: 88.

([106]) سورة الشعراء، الآية: 215.

([107]) سورة القلم، الآية: 4.

([108]) تنبيه الغافلين، ص97.

([109]) سورة النازعات، الآية: 24.

([110]) سورة المؤمنون، الآية: 47.

([111]) سورة إبراهيم، الآية: 19.

([112]) سورة القصص، الآية: 79.

([113]) الزهد للإمام أحمد، ص517.

([114]) الإحياء 3/362.

([115]) السير 11/226.

([116]) السير 7/275.

([117]) روضة العقلاء، ص62.

([118]) صفة الصفوة 1/258.

([119]) البداية والنهاية 7/139.

([120]) سورة الكهف، الآيات: 32-42.

([121]) شذرات الذهب 6/248.

([122]) التواضع والخمول، ص12.

([123]) السير 6/291.

([124]) السير 8/109.

([125]) السير 8/109.

([126]) السير 7/252.

([127]) ديوان الإمام علي، ص54.

([128]) حلية الأولياء 6/323.

([129]) صفة الصفوة 1/406.

([130]) طبقات الحنابلة 1/12.

([131]) الإحياء 3/362.

([132]) حلية الأولياء 2/226.

([133]) الآداب الشرعية 3/437.

([134]) مختصر منهاج القاصدين، ص255.

([135]) التواضع والخمول، ص13.

([136]) صفة الصفوة 4/137.

([137]) التواضع والخمول، ص119.

([138]) التواضع والخمول، ص119.

([139]) الإحياء 3/362.

([140]) التواضع والخمول، ص122.

([141]) التواضع والخمول، ص130.

([142]) البداية والنهاية 8/12.

([143]) روضة العقلاء، ونزهة الفضلاء، ص27.

([144]) الإحياء 3/359.

([145]) رواه مسلم.

([146]) الإحياء 3/359.

([147]) أدب الدنيا والدين، ص233.

([148]) التواضع والخمول، ص129.

([149]) تبينه الغافلين، ص95.

([150]) تنبيه الغافلين، ص97.

([151]) مدارج السالكين، ص343.

([152]) البداية والنهاية 7/148.

([153]) سورة القيامة، الآية: 33.

([154]) الإحياء 3/361.

([155]) التواضع والخمول، ص123.

([156]) الإحياء 3/361.

([157]) مدارج السالكين، ص344.

([158]) الإحياء 3/361.

([159]) رواه مسلم.