من ثمار الدعوة

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

وبعد:

فإن الدعوة إلى الله - عز وجل - من أجل الطاعات وأعظم القربات، وقد اصطفى الله - عز وجل - للقيام بها صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وتحتاج من الجميع التفاني، والإخلاص، والجد، والمثابرة؛ لتبليغ هذا الدين والدفاع عنه، والذب عن حياضه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 1، 2]، وحتى نقوم بهذا الدين العظيم، وننهض به، ونكون دعاة إليه بالنفس والمال، والجهد، والقلم، والفكر والرأي، وغيرها كثير. أذكر طرفًا من ثمار الدعوة إلى الله - عز وجل -.

جعلنا الله ممن يستعمله في طاعته.


 من الثمار

الدعوة إلى الله - عز وجل - عز ما بعده عز وشرف ما بعده شرف، لمن رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا.. وهي شكر ووفاء ورد حق لهذا الدين العظيم.

أخي المسلم: من قدم كتابًا فهو داعية، ومن أهدى شريطًا فهو داعية، ومن علم جاهلاً فهو داعية، ومن دل على خير فهو داعية، ومن ألقى كلمة فهو داعية، ومن أمر بالمعروف فهو داعية، ومن نهى عن المنكر فهو داعية.. إنها أبواب واسعة.. وفضل الله يؤتيه من يشاء.

ورغبة في مضاعفة العمل، وترك الكسل، وشد العزائم وحتى تقوى العزائم، ويعجب الزراع نباته، هذه بعض الثمار اليانعة لتكون حافزًا ودافعًا للاستمرار والسير في هذا المجال العظيم الذي ارتضاه الله - عز وجل - لأنبيائه ورسله وخيار خلقه. ومن أحق من المسلم بالمسابقة في هذا الطريق؟!


 الثمرة الأولى

متابعة الأنبياء، والاقتداء بهم، واقتفاء أثرهم، والسير في ركابهم في طريق آمن غير موحش ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].

قال الفراء: «حق على كل من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة».

وقال ابن القيم - رحمه الله -: «فالدعوة إلى الله –تعالى- هي وظيفة المرسلين وأتباعهم».

ولو لم يقم بواجب تبليغ وحمل الرسالة العظيمة السلف الصالح لما وصلت إلينا، بل والله، قد تحملوا المصاعب والمتاعب حتى وصل الإسلام إلى أطراف الأرض، فجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء.

 الثمرة الثانية

التقرب إلى الله - عز وجل - امتثالاً لأمره الذي أمر به: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].

قال ابن القيم - رحمه الله -: «جعل الله -سبحانه- مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق. فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق، ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة وهي: الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.

 الثمرة الثالثة

المسارعة إلى الخيرات، والرغبة في نيل الأجر العظيم: حيث أثنى الله - عز وجل - على أهل الدعوة ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال الشوكاني - رحمه الله -: «فلا شيء أحسن منه، ولا أوضح من طريقه، ولا أكثر ثوابًا من عمله». ومن أعظم ممن يبلغ كلام الله - عز وجل - وأوامره ونواهيه، ويبلغ حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور؟

 الثمرة الرابعة

الاستجابة والامتثال لأمر الله - عز وجل - وطاعته: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ قال ابن كثير: «منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال الضحاك: «هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة، يعني المجاهدين والعلماء»

وبالدعوة نكون من هؤلاء الذين أثنى الله - عز وجل - عليهم.

 الثمرة الخامسة

السعي لنيل الأجور العظيمة، والحسنات الكثيرة مع المشقة القليلة – ولله الحمد- خاصة في مثل هذا الزمن: فقد بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» [رواه مسلم] .

قال النووي - رحمه الله -: «دل بالقول واللسان، والإشارة، والكتابة» وقال - رحمه الله -: «وفيه فضيلة الدلالة على الخير، والتنبيه عليه، والمساعدة لفاعله».

وهذا التنوع في الوسائل من فضل الله - عز وجل - علىعباده؛ ليقوم بالدعوة كل من تيسر له ذلك.

وتأمل في دلالتك رجلاً إلى الصلاة، ثم بدأ يصليها كم لك من الأجر؟ لك مثل أجر فاعل هذا الخير، ولا ينقص منهم شيئًا، وفضل الله واسع، فما بالك بمن هدى الله على يديه أقوامًا وقبائل وأسرًا ومجتمعات؟ ولهذا فللنبي - صلى الله عليه وسلم - مثل أجور أمته، وللصحابة أجور من اهتدوا على أيديهم إلى يوم القيامة. وهي سلسلة طويلة من الأجور لا تنقطع.

وأذكر أن رجلا فلبينيًا كان قسيسًا، ثم من الله عليه بالإسلام فشمَّر عن ساعد الجد، وأسلم على يديه أربعة آلاف رجل من بني جلدته. وللشيخ عبد الله القرعاوي - رحمه الله - في الدعوة الأثر الذي يذكر حتى افتتح أكثر من ألفي مدرسة في جنوب المملكة، وأحد القضاة في شمال المملكة لديه أكثر من ألف طالب يحفظون نواقض الإسلام، وكتاب ثلاثة الأصول، وكتاب التوحيد، وأحد هؤلاء الطلاب ذهب إلى فلسطين، وأقام مدرسة لتحفيظ القرآن مع المتون التي حفظ ولا يعلم مدى هذا الخير إلا الله - عز وجل -

 الثمرة السادسة

عطاء إثر عطاء، وعمل يتبعه آخر، إنه عمل يسير نقوم به؛ لنصلح أعمالنا، وتغفر زلاتنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: 70، 71].

قال ابن كثير - رحمه الله -: «يقول –تعالى- آمرًا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم: أي يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها»

 الثمرة السابعة

من ثمرات الدعوة التسديد والتوفيق، قال –تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].

قال البغوي:« ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا»

﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ روي عن ابن عباس قوله: «والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا»

قال ابن القيم - رحمه الله - في الفوائد: «علق –سبحانه- الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد في هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فإنه من الهدى بحسب ما أعطاه من الجهاد»


 الثمرة الثامنة

رجاء صلاح الذرية: فإن في ذلك قرة عين في الدنيا والآخرة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً قال –تعالى-: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]، وقد ذكر الله - عز وجل - في القرآن قصة حفظ كنز اليتيمين بسبب صلاح الأب، فما بالك إذا كان مصلحًا وداعيًا إلى الله - عز وجل -؟ ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82].

وهذا الأثر يراه الجميع واضحًا في غالب بيوت الدعاة والداعيات، وأهل الخير والصلاح، وأذكر أن قريبة لي صغيرة في السنة الأولى الابتدائية صامت يوم الاثنين تطوعًا، فلما سألتها من صام معك؟ سمت لي ابنة أحد الدعاة معها في المدرسة، وهي التي حثتها على ذلك، فانظر إلى الأثر، فالبيوت معادن.

 الثمرة التاسعة

من ثمار الدعوة أن في القيام بها أمنة من العذاب ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117].

قال ابن القيم في عدة الصابرين: «ليس الدين مجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل القيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله، وأكثر الديانين لا يعبئون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس، وأما الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه، فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلاً عن أن يريدوا فعلها، وفضلاً عن أن يفعلوها، وأقل الناس دينًا وأمقتهم إلى الله: من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعًا، وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه، ويمعره لله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء»

 الثمرة العاشرة

من ثمار الدعوة: أننا نثقل موازين حسناتنا يوم العرض؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى هدى كان له من الأجور مثل من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئًا...» [رواه مسلم].

قال الإمام النووي: «.. وأن من سن سنة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة...».

فكم من الواجبات تحيا، ومن السنن تقام بسبب الدعوة إلى الله عز وجل.

وتأمل في حال مدرس سن لطلابه التبرع أسبوعيًّا بريال واحد لأعمال البر منذ أربع سنوات، وترك المدرسة، ولا تزال هذه السنة جارية إلى اليوم!

وأذكر أن معلمة عينت في قرية نائية لمدة عام فنفع الله بها نفعًا عظيمًا، وحالوا في بقائها معهم، لكنها تركت المكان بعد أن جعلت لها أثرًا واضحًا.

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12] قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾أي: «نبعثهم؛ لنجازيهم على أعمالهم ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم وآثارهم وهي آثار الخير وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم، وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس بسبب علم العبد وتعليمه أو نصحه أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرًا من صلاة، أو زكاة أو صدقة، أو إحسان فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدًا أو محلاً من المحال التي ينتفع بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر».

 الثمرة الحادية عشرة

القيام بالدعوة من أسباب الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

قال الرازي في تفسير السورة: «فيها وعيد شديد، وذلك لأن الله حكم بالخسار على جميع الناس إلا من كان آتيًا بهذه الأشياء الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وأنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه، فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها: الدعاء إلى الدين، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه».

 الثمرة الثانية عشرة

الدعوة إلى الله من أسباب تحقيق النصر على الأعداء الذي هو أمل يراود كل مسلم ومسلمة، قال –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

لأن بالدعوة يعبد الله - عز وجل - بما شرع، وتزال المنكرات، ويبث في الأمة معاني العزة والكرامة، لتسير في طريق النصر والتمكين.

 الثمرة الثالثة عشر

نقوم بالدعوة حتى لا تصيبنا اللعنة التي أصابت الأمم السابقة جراء ترك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال –تعالى-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: 78-79]، فإن في ترك الدعوة إلى الله - عز وجل - نكرانًا لحق المنعم، وجلب لحلول النقم وزوال النعم.

 الثمرة الرابعة عشر

بالدعوة إلى الله تنال المراتب العلا: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -: وهذه المرتبة –أي مرتبة الدعوة- تمامها للصديقين الذين عملوا على تكميل أنفسهم وتكميل غيرهم، وحصلت لهم الوراثة التامة من الرسل».

وتأمل حال من يقومون بأمر الدعوة، إنما هم الرسل، ومن وفقه الله من عباده العلماء، والدعاة والمصلحين، فاسلك نفسك معهم، فإنها نعم الطريق والسبيل.

قال ابن القيم - رحمه الله -: «فالدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها».

 الثمرة الخامسة عشر

من ثمار الدعوة: صلاح المجتمع وتقويم اعوجاجه، وهذه أمنية كل من أحب هذا الدين ورضي به، لكنها تبقى أمنية حتى يتبعها العمل والجهد والبذل والعطاء، عندها يصلح الحال، وتتغير الأمور: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]، فانظر في حال قرية أو منطقة أو مجتمع قام فيها داع، وكيف يكون أثره على أهلها ومجتمعها؟

وبعض المدرسين والمدرسات يعين في بلدة بعيدة نائية، ويكتب الله - عز وجل - على يديه من الخير وصلاح تلك البيوت في سنة واحدة ما تقر به عينه! وأذكر أن أحدهم طلب الاستمرار في قريته النائية لما وجد من ثمار الدعوة، ثم بقي سنة ثالثة ورابعة ولما سئل عن هذا البقاء إلى متى؟ ولمذا لا تنتقل إلى مسقط رأسك مثل بقية المدرسين؟ قال: فلان ذهب للتجارة، وبقي عشر سنوات في منطقة بعيدة، وما عاب عليه أحد بقاءه، ولا طلبوا عودته، بل يسمى العصامي والنشمي! أما من قام بالدعوة فالبسطاء لا يرون ذلك سببًا مقنعًا للبقاء! وما علموا أن ما عند الله خير وأبقى.

 الثمرة السادسة عشر

من ثمار الدعوة: صلاة الله، وملائكته وأهل السموات والأرض على معلم الناس الخير، لأن ما يبلغه إنما هو العلم الموروث من قول الله –تعالى- وقول رسوله الكريم، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» [رواه الترمذي].

 الثمرة السابعة عشر

من ثمار الدعوة المحبوبة التي تسر النفس وتشرح الصدر، وتعين على الاستمرار ومجابهة الشدائد دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنضارة لمبلغ مقالته: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فبلغها» [رواه ابن ماجه] فهنيئًا لمن أدركه هذا الدعاء ونال منه نصيبًا.

 الثمرة الثامنة عشر

دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرحمة لمبلغ حديثه من أعظم ما يعين على السير قدمًا: «رحم الله امرءًا سمع مني حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره...» [رواه أحمد] واليوم توفرت شروط التبليغ فالكتاب والشريط الإسلامي يحوي كل ذلك؛ ليبلغ المدعو على أكمل وجه وأحسن حال، وأذكر أن رجلاً أسلم وذكر أنه أتى إلى هذه البلاد وأقام سنوات ثم غادر إلى بلده حتى تيسرت له فرصة عمل أخرى، ورجع بعد سنة مع شركة تعمل في صيانة الشقق المفروشة، قال: فوجدت يومًا مطوية صغيرة وضعت على طاولة المطبخ بعد خروج المستأجر، فإذا بها عن الإسلام فكانت نقطة البحث عن الإسلام والسؤال عنه، حتى أسلمت وأسلم أبي وأمي وزوجتي، وأحاول أن تسلم بقية العائلة الآن، فكيف هي فرحة الداعية الذي وضع هذه المطوية يوم القيامة، إذا أقبلت هذه العائلة وغيرها وكانت في صحائفه وحسناته؟

 الثمرة التاسعة عشر

الدعوة إلى الله صدقة من الصدقات، قال –تعالى-: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.

قال الحسن: «من أعظم النفقة نفقة العلم».

ولو أعطيت رجلاً ريالاً لنفد في حينه، ولو علمته علمًا لبقي يعمل به، وربما نقله إلى غيره، فكانت السعادة في الدارين، وما نقل إلينا القرآن والسنة وهذا الدين إلا بهذه النفقة، حيث سافر وأقام العلماء والدعاة لإنفاق علمهم، والصبر على الناس حتى تعلموا، ونقلوا العلم إلينا.

 الثمرة العشرون

الثمرة المهمة: الدعوة إلى الله فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، لكن في هذا الزمن من يقوم بالدعوة؟ وهل تصل إلى كل مكان؟ وهل في كل مكان دعاة؟ ولهذا من ثمار الدعوة براءة الذمة: قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في كتابه «الدعوة وأخلاق الدعاة»: «فعند قلة الدعاة، وعند كثرة المنكرات، وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم، تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته»

 الثمرة الحادية والعشرون

الدعوة إلى الله رفعة في الدنيا والآخرة، وهذه أمنية كل مسلم في هذه الحياة وفي الآخرة.

قال ابن القيم - رحمه الله -: «إن أفضل منازل الخلق عند الله منزلة الرسالة والنبوة، فالله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس».

وما رفع الله أقوامًا في الزمن القديم والحديث إلا بالدعوة إليه والذب عنه دينه.

فلموسى - عليه السلام - منزلة عند ربه وخصوصًا في همته الدعوية، حتى غفر الله له ما غفر لسبب همته الدعوية، كما قرر ابن تيمية - رحمه الله - فيما يرويه عن ابن القيم الجوزية في كتابه «مدارج السالكين» قال:

«انظر إلى موسى - عليه السلام - رمى الألواح فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله، ولطم عين ملكوت الموت ففقأها، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد - صلى الله عليه وسلم -، وربه يحتمل له ذلك كله، ويحبه ويكرمه لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمة القبط وبني إسرائيل، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر، وانظر إلى يونس - عليه السلام - حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى، غاضب ربه مرة، فأخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى».

 الثمرة الثانية والعشرون

من ثمار الدعوة الأجر العظيم، والثواب الجزيل: فقد دل النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على كنز عظيم «لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم» [متفق عليه].

ولو قيل لرجل اليوم، إذا هدى الله - عز وجل - على يديك رجلاً فلك سيارة أو منزل، لسارع إلى ذلك بأقصى ما يستطع، وبذل الأسباب، وجاهد وتحمل وسعى وأقبل وأدبر، حتى يتحقق مراده ومطلوبه؛ وحمر النعم أنفس أموال العرب في حينها.

 الثمرة الثالثة والعشرون

من ثمار الدعوة العظيمة التي قد يغفل عنها البعض: استمرار ثواب الداعي بعد موته، وهي كما وصفها أحد الموظفين.. مثل الراتب التقاعدي إذا توقف عنك الراتب الأساسي بعد نهاية الخدمة، يبدأ لك الراتب التقاعدي، والدعوة إلى الله أجرها في الحياة وبعد الممات؛ لأنك عملت عملاً يبقى بعد موتك، فهذا يصلي وقد علمته، وآخر يصوم التطوع وقد بشرته، وثالث ينفق وقد أعنته على نفسه، والرابع كان كافرًا فأسلم، وهكذا يستمر الأجر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء» [رواه مسلم].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك» [رواه الطبراني]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» وذكر منها: «أو علم ينتفع به». وتأمل في حال أجور من دعوا هذه الأمة، وصححوا عقائدها، ونشروا كتبها كالإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وغيره بل تأمل حال شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قل أن تجد استشهادًا شرعيًا إلا وله ومنه كلام، كم له متوفى وكم له من الأجور، والله لكأنه بيننا يدعو، ويفتي، ويرشد، ويناظر أهل البدع والزيغ والضلال.

 الثمرة الرابعة والعشرون

الدعوة إلى الله من الجهاد في سبيل الله، والكثير إذا سمع كلمة الجهاد اهتز شوقًا إلى ذلك، وحدثته نفسه بالمسير والأمر –والله الحمد- متيسر في مجالات كثيرة، فالجهاد صوره - ولله الحمد - متعددة وكثيرة ولا يتوقف الأمر على القتال فحسب، بل الجهاد بالنفس، والمال، والقلم، والسنان، والبيان، والدعوة، قال -تعالى-: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ أي بالقرآن.

قال ابن القيم: «وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس؛ أما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء...».

 الثمرة الخامسة والعشرون

محبة الله - عز وجل - لمن قام بدينه، وبلغ رسالته قال الحسن عند قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، قال: «هو المؤمن، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، فهذا حبيب الله، هذا ولي الله»

 الثمرة السادسة والعشرون

القيام بالدعوة شكر للمنعم وقيام بحقه، وهي مظنة زيادة النعمة ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7] وهذا الدين الذي ارتضيناه لأنفسنا لابد من الدعوة إليه، والدفاع عنه، ونصرته والتضحية في سبيله، وبذل الغالي والنفيس لإعلائه.

 الثمرة السابعة والعشرون

الدعوة إلى الله من وسائل الثبات على الدين، وهي أسهل الوسائل للدفاع والتمسك بالدين، فإن الإنسان تتخطفه الفتن، والله - عز وجل - يعين من قام بهذا على الثبات على الدين والاستقامة، وفضل الله واسع، وهذا مجرب مشاهد، وأعرف من كانوا في أمر الدعوة شعلة من النشاط والحيوية، ولما تركوا هذا الأجر العظيم والباب الكبير تردت أحوالهم وتقاعسوا، وبدأ الفتور يدب على نفوسهم وأعمالهم.


 الثمرة الثامنة والعشرون

من ثمار الدعوة أن يخبو صوت الباطل ويعلو صوت الحق، وتظهر عزة المسلمين، ويندحر الكفار والمشركون، ولهذا لما سألت أم المؤمنين زينب النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال - صلى الله عليه وسلم -: «نعم إذا كثر الخبث» وبالدعوة يزال الخبث ويتوارى، ولا يكون له سلطان وقوة!

 الثمرة التاسعة والعشرون

الاستفادة من الوقت وعمارته بما يعود على الإنسان بالخير في الدنيا والآخرة، فإنه مسئول عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه.

يقول ابن القيم - رحمه الله - في مدارج السالكين: «والقصد: أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة، إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه، بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولابد، فالعبد سائر لا واقف: فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام، وإما إلى وراء.

وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف ألبتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 35-37]، ولم يذكر واقفًا إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين ألبتة، فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك الأعمال السيئة.

 الثمرة الثلاثون

في القيام بأمر الدعوة سعة الصدر والأنس، مما يفيض الله - عز وجل - به على عباده، ولعله من عاجل البشرى وهذا مجرب مشاهد.

وفي أمثلة تقديم كسرة رغيف للفقير من السرور والحبور على المتبرع، ودفع البلاء ، وجلب الرخاء، ما الله به عليم. فكيف بغذاء الأرواح والنجاة من النار؟.

وأعرف مدرسًا عين في مدرسة منتدبًا من قبل وزارة المعارف في دولة أفريقية، ورأيته بعد أربع سنوات هي نهاية إيفاده. قال: أحاول أن أجدد الإيفاد إلى هناك مرة ثانية، قلت: ما الذي دعاك؟ قال: أول ما قدمت إلى تلك المنطقة كنت في الصباح أذهب إلى المدرسة، وإذا خرجت قبيل العصر أتناول غدائي، وأجعل عيني على الساعة الكبيرة! متى يأتي الليل، فإن اللحظات طويلة والدقائق بشهور، ولما عملت في الدعوة إلى الله - عز وجل - ورأيت الثمار صعب علي مفارقتهم وتركهم، فلدي مدرسة بها أكثر من مئتي طالب وهناك حفر آبار، وبناء مساجد كيف أفارقها؟


 وماذا بعد الثمرات

أخي الداعية: سر بعزم وهمة في طريق سار فيه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - سنوات طويلة، وأوذي فيه، ولقي من الشدائد ما تعرف، وقبله الأنبياء –عليهم السلام- نوح قام بهذا الأمر ألف سنة إلا خمسين عامًا.. وموسى جابه طاغية زمانه، فما وهن ولا تراجع.. والقرآن الكريم يذكر السير العطرة في الدعوة إلى الله - عز وجل - فاستبق الأمر، وانظم نفسك في سلكهم، واقتف أثرهم؛ فإنك على الهدى، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» [السلسلة الصحيحة (6222)].

أخي الداعية: سحائب الأجور ممطرة، ونوائل الخير قريبة، وأبواب الدعوة مشرعة، والرب جواد كريم، يجازي على القليل كثيرًا، فمن شاء منكم أن يتقدم ومن عمل صالحًا فلنفسه، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. وخير الناس أنفعهم للناس، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، فأبشروا وأملوا، إن رحمة الله قريب من المحسنين.

جعلنا الله وإياكم من أهل الدعوة إلى دينه، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.