موقف اليهود والنصارى من مخالفيهم من خلال كتابهم المقدس ومن خلال شواهد التاريخ "دراسة مقارنة" (القسم الأول التمييز العنصري) ()

 

|

 موقف اليهود والنصارى من مخالفيهم من خلال كتابهم المقدس ومن خلال شواهد التاريخ "دراسة مقارنة" (القسم الأول التمييز العنصري)


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، والحمد والثناء تامين كاملين للحي القيوم الذي أنزل القرآن والتوراة والإنجيل هدى للناس وشفاءً، أرسل الرسل وأنزل الكتب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ‬  خاتم رسله، وأمينه على وحيه، بلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما زالت شرعته ورسالته خير منهج وأقوم سبيل، شهد بذلك الذي أنزل التوراة والإنجيل، فقال عز من قائل: ) إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا( سورة الإسراء،9. وهذه الرسالة رحمة للخلق، ونورا للطريق، قال تعالى:) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ( سورة الأنبياء، 107.

ومع أن هذه الرسالة رحمة للعالمين وهي1 أقوم وأهدى سبيل... إلا أنه يلاحظ أن هذا العصر شهد تآزر روافد كثيرة على إيقاد نار العداوة والبغضاء لهذا الدين، والنيل من المسلمين، والإضرار بهم، والمساس بمقدساتهم، والتطاول على مقام الرسول ﷺ‬ والافتراء على القرآن، وممارسة الضغوط على المسلمين، ولم يكن ذلك من عامة هائجة تموج كموج البحر، وإنما جاء التطاول على مقام الرسول ﷺ‬ وعلى الإسلام من أعلى المناصب الدينية والإدارية في النصرانية؛ لذا رأيت أن أكتب هذا البحث الموجز بيانا للحق، ونصرةً للدين، ودفاعا عن الرسول ﷺ‬، وتنبيها للغافل، وتعليما للجاهل، وهتكا للباطل، وفضيحة للمدعي؛ أرجو به فوزا في الدنيا، وفلاحا في الأخرى، مؤملا أن تكون النية خالصة، والعمل موافقا؛ لأن الصادق المصدوق أخبرنا أن الأعمال بنياتها، كما روى ذلك أمير المؤمنين في الحديث، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ‬  يقول: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).([1])

وبما أن الباحث لا يستطيع أن يقرأ جميع كتابهم المحرف، لأن فيه تطاولا على الله سبحانه وتعالى، وفيه أيضا تطاول على رسله عليهم الصلاة والسلام، وقراءة هذا أو سماعه لا يحتمله قلب مسلم فكيف تطيب نفسه بذلك، ولأن العقل يرفض الاستمرار في قراءة كتاب يحمل كل هذه المضامين، هذا فضلا عن أن في قراءته محاذير كثيرة، لذلك فقد أجريت بحثا إلكترونيا عبر الحاسب في كتابهم المعتمد عن بعض المصطلحات والألفاظ وما تفرد منها التي هي مظنة بغية الباحث في هذا الموضوع، التي تتضمن مضامين تنبئ عن علاقتهم بغيرهم سواء من حيث التشريع أو من حيث الخبر عن فعلهم بالأمم السابقة، وهذه الألفاظ هي:

(أباد، أبغض، أحب، أثم، أمم، حرب، حرق، حطم، حقر، خدم، خيّم، دخل، ذبح، سخر، سيف، شرير، غضب، قتل، قطع، لعن، هلك، وصى، نجس).

أما مرادي بالآخر في عنوان هذا البحث فيراد به غير اليهودي والنصراني، سواء كان مسلما أو غيره، مع أن هذا المصطلح مصطلح حادث، جرت به أقلام الكتاب في هذا العصر؛ فرارا من استخدام المصطلحات الشرعية التي قد تشمئز منها آذان أصحاب الهوى، وقد استخدمته من باب التنزل، ولعل البحث يقع موقعه من قبل طبقة معينة تأنس بمثل هذه المصطلحات وتطمئن إليها؛ ليحقق الكتاب هدفه ومقصده.

 وقد قسمت هذا البحث إلى تمهيد، ومبحثين، وخاتمة، أما التمهيد فتناولت فيه أسباب كتابة هذا البحث، وأما المبحث الأول فقد أوردت فيه مكانة كتابهم المعتمد عند اليهود والنصارى، وموقف المسلم من هذا الكتاب، أما المبحث الثاني فتناولت فيه التمييز العنصري في الكتاب المقدس، وقد أوردت فيه مطالب عدة توضح هذا التمييز العنصري الذي اشتمل عليه الكتاب المحرف وأما الخاتمة فبينت فيها نتائج الدراسة .

وفي الختام أشكر الله الذي يسر وأعان على إنجاز هذا البحث، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعله من العلم النافع والعمل والخالص، وأن ينفع به القارئ والكاتب، وأن يجعله حجة لنا لا علينا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وبارك على نبيا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

كتبه

د. محمد بن عبد الله بن صالح السحيم

[email protected]  ص ب 261032، الرياض 11342

 أسباب كتابة هذا البحث

أحاول أن أبين للقارئ الأسباب التي دفعتني إلى ارتياد هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات، وسيجد القارئ أن الأسباب متعددة ومتنوعة؛ فمنها أسباب تتعلق ببيان حقيقة هذا الدين والدفاع عنه، ومنها أسباب تنطلق من بيان حقيقة الدين المحرف الذي أسس على هذا الكتاب المحرف، ومنها أسباب أخر تتعلق بالمسلم الذي تتقاذفه دعوات هؤلاء وقد يحسن الظن فيهم ويظن أنهم على الحق. وعلى هذا فسأجمل الأسباب رغبة في الاختصار، ولئلا يمل القارئ الفطن من ترديد ما يعلمه، وهذه الأسباب هي:

1-             أن الحوادث المتتالية في هذا العصر كانت فرصة لبعض شذاذ أهل الكتاب أن يرموا الإسلام بكل نقيصة، فأردت أن أبين أن كل ما رموا به الإسلام فهو بهم ألصق، وهم به أولى على حد قول المثل: رمتني بدائها وانسلت.

2-             ألّا نحسن الظن فيهم إلى درجة أن يكون المسلم ساذجا؛ إذ المسلم كيسٌ فطن، وهم يعدون من يحمل نوايا حسنة أنه يقوم بعمل غبي، ذلك أن د. غودمان عندما شرح الإنجيلية العسكرية عند فلويل قال: (إن الكتاب المقدس لا يؤنب حامل السلاح، إنه يحتقر مباحثات تحديد الأسلحة الإستراتيجية ويقول: إن نسبة إنتاج الأسلحة في أمريكا منخفضة جدا واصفا إياها بأنها "تجريد للسلاح من جانب واحد" ومثل جابونتسكي يقول فلويل : إن النوايا الحسنة هي أعمال غبية).([2])  وقد أخبر القرآن العظيم عن شيء مما تكنه الصدور ونقابله نحن بحسن نية فال جل ثناؤه:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ. هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( سورة آل عمران، 18-120. قال ابن جرير رحمه الله : (وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان). ([3]) وليتأمل القارئ كيف ختم الله الآية الأولى بقوله :(إن كنتم تعقلون).

3-             أن تشريعات الإسلام رحمة للمخالف والموافق، وتزكية للنفس البشرية من غلوائها وتفريطها.

4-             بيان وسطية الإسلام وذلك من خلال عرض التشريعات الجائرة المحرفة والتطبيقات الموغلة في التعامل مع المخالف؛ إذ بضدها تتبين الأشياء.

5-              تحذير للمسلم الذي قد تخدعه النصرانية بشعاراتها وإعلانها عن نفسها بأنها دين الحب - خاصة في هذا الزمن الذي توسعت فيه دائرة الحملات التنصيرية -  بينما لم تكتو البشرية على مدى التاريخ من أتباع أهل ملة مثلما اكتوت بأتباع الديانة النصرانية، ومذابح الأندلس، ومحاكم التفتيش، والحروب الصليبية، والتطهير العرقي في البلقان، ومذابح الأسبان في أمريكا إبان فتحها، وفظائع سجن أبي غريب وغوانتناموا خير شاهد على أن المنتمين إليها قد أذاقوا من سواهم أصناف العذاب، وأنهم لا يدانون في ذلك، وهو أيضا شاهد على أن النصرانية المحرفة لا تمت للحب بصلة.

6-             أحاول أن يكون هذا البحث موقظا لبعض المسلمين الذين يظنون أن تشريعات الإسلام لا تناسب هذا العصر، وقد يخجلون من الانتساب إليه، بينما على الطرف الآخر ترى أن اليهود يقيمون دولتهم على قواعد الكتاب المحرف والتلمود الفظيع، ويصبح موظفو البيت الأبيض على قراءة الإنجيل قبل مزاولة أعمالهم، بل يشعرون بأن أجواء البيت الأبيض أجواء صلاة.([4])

7-             لعله أن يكون حجرا في أفواه الناعقين من أبناء المسلمين الذين يتطاولون على الإسلام ويصفونه بالدموية والرجعية، ويمجدون المثل الغربية والقيادات النصرانية، ويصفون مواقفها بالاعتدال والتسامح. 

8-             أنهم يقرؤوننا جيدا كما يقول مقدم ترجمة كتاب محمد ﷺ‬ مؤسس الدين الإسلامي، فلا بد أن نقرأ فكرهم ونعرف مرتكزاتهم ونمحص مصادرهم، ونحاول أن نستظهر نواياهم تجاهنا مما تضمنته كتبهم ومصادرهم، فنتقي الخطر، ونعمل على وضع الخطط اللازمة لئلا نؤخذ على غرة. 

وبعد أن تناول البحث الأسباب التي تدعو إلى طرق هذا الموضوع فهنا يتجه البحث وجهة أخرى توضح مكانة كتابهم المقدس عند أهل الكتاب وعند أهل الإسلام، وهو ما سيكون الحديث عنه في المبحث التالي.


 المبحث الأول مكانة الكتاب المحرف عند اليهود والنصارى

يشتمل هذا المبحث على المطالب الآتية:

المطلب الأول: مكانة الكتاب المحرف عند أهل الكتاب

المطلب الثاني: موقف المسلمين من الكتاب المحرف

المطلب الأول: مكانة الكتاب المحرف عند أهل الكتاب

الكتب الدينية عند اليهود والنصارى

اليهود والنصارى هم بحسب مصطلح القرآن أهل الكتاب، لأن الله أنزل عليهما التوراة والزبور والإنجيل، فالتوراة أنزلها الله على موسى عليه السلام، والزبور أنزله الله على داود عليه السلام، وهما من أنبياء بني إسرائيل، والإنجيل أنزله الله على المسيح عليه السلام، وهو من أنبياء بني إسرائيل أيضا، والإنجيل من ضمن الكتب التي يعظمها النصارى؛ ولأن هذه الرسالات – أي رسالة موسى وعيسى عليهما السلام – رسالات خاصة، ولزمن خاص ولأمة خاصة، فلم يتكفل الله بحفظهما، بل استحفظ عليهما أهلهما قال تعالى: )إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ( سورة المائدة،44. فلما لم يتعهد الله بحفظهما بعد انتهاء زمان العمل بهما فقد ضيعهما أهلهما وفقدت أصولهما وحرفت وكتبها البشر بحسب أهوائهم وتخرصاتهم قال جل ثناؤه: )وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ( سورة البقرة،78، 79. 

ثم تعددت الكتابات على مدى قرون متطاولة، وجرى خلاف كبير بين أتباع الديانتين في اعتماد الكتاب المعتمد لكل طائفة، ثم تلا ذلك خلافات داخل الملة الواحدة، وبسبب هذه الخلافات وغيرها كثرت الكتب الدينية بل الكتب الخصامية لدى الفريقين، ومرّ الكتاب المعتمد لديهم بفترات من الاعتبار أو التحريم والمنع، ففي فترة من الفترات تجد هذا الكتاب معتمدا، وفي فترة لاحقة تراه محرما ممنوعا يُلعن من يقتنيه أو يؤمن به، وعقدت اجتماعات ومجامع للاتفاق على قائمة موحدة، ولم يتم الاتفاق على قائمة موحدة إلى العصر الحاضر؛ لأن نسخة الكاثوليك من كتابهم المعتمد تزيد على نسخة البروتستانت بسبعة كتب. وعلى العموم فالكتاب المحرف لديهم ينقسم إلى قسمين هما: العهد القديم والعهد الجديد، وكل قسم منهما يقسم إلى أقسام عدة ، ولعل بولس اليهودي الذي ادعى الإيمان بالمسيح بعد رفعه هو أول من استعمل في رسالته إلى أهل كورنثوس عبارة (العهد القديم) للمجموعة المتضمنة أسفار الشريعة والأنبياء وسائر الكتب الدينية اليهودية،([5]) وبعد هذه المقدمة نعرض لما يعتقده كل فريق تجاه هذين القسمين، وهو ما ستتناوله المسالتان التاليتان.

 المسألة الأولى: الكتب الدينية عند اليهود 

العهد القديم هو التسمية العلمية لأسفار اليهود، وليست التوراة إلا جزءا يسيرا منه، وهو مقدس لدى اليهود والنصارى، ولكن أسفاره غير متفق عليها، فبعض أحبار اليهود يضيفون أسفارا لا يقبلها أحبار آخرون، كما أن الفرق اليهودية يتراوح موقفها بين تقديم التلمود على الأسفار الخمسة، أو تقديمها عليه، ومرد ذلك إلى أن اليهودية تتَّسم بتعدد كُتُبها الدينية المقدَّسة بحسب مراحلها وأطوارها السياسية والدينية. ويرجع د. عبد الوهاب المسيري صاحب موسوعة اليهود واليهودية ذلك إلى عدة أسباب من أهمها: (فكرة العقيدة الشفوية الحلولية التي تضفي القداسة على كتابات الحاخامات الدينية واجتهاداتهم، بل تعادل بين الوحي الإلهي (التوراة) والاجتهاد البشري (التلمود). وقد مرّت اليهودية، كنسق ديني، بمراحل تطور تاريخية طويلة؛ متعددة ومتناقضة. ولذا فهي تأخذ شكل تركيب جيولوجي تراكمت داخله عدة طبقات تتعايش جنباً إلى جنب، أو الواحدة فوق الأخرى، ويتبدَّى هذا التراكم الجيولوجي في الصراع الحاد بين التوحيد والحلولية، والذي يتضح في كتب اليهود المقدَّسة وأهمها الكتاب المقدَّس أو التوراة، والتي تُقسَّم إلى أسفار موسى الخمسة (وهي أهم أجزائه وأكثرها قداسة)، ثم كتب الأنبياء (وهي أكثر الأسفار توحيدية)، وأخيراً كتب الحكم والأمثال والأناشيد. وبعد انتهاء تدوين العهد القديم واعتماده من قبَل الحكماء اليهود، ظهرت كتب الرؤى وغيرها من الأسفار التي استُبعد بعضها، وأصبحت تُسمَّى الكتب الخارجية أو الخفية (أبوكريفا)... وقد انعكس هذا التركيب الجيولوجي على الفكر الديني اليهودي الحديث الذي يضم اتجاهات فكرية مختلفة علمانية وإلحادية ووجودية وصوفية، كما انعكس على الصهيونية وعلى الفكر المعادي للصهيونية. ويجد كل فريق سنداً لرأيه في التراث الديني الذي يضم طبقات متراكمة مختلفة. ويمكن القول إن الحلولية دون إله قد وجدت هي الأخرى كتبها المقدَّسة، فقد أكد ماكس نوردو أن كتاب هرتزل دولة اليهود سيحل محل التوراة والكتب الدينية الأخرى. ورغم مغالاة هذا الزعيم الصهيوني، فإن من يدرس الفكر الديني اليهودي، بعد أن تمت صهينته، وبعد أن تم إضفاء مركزية دينية على الدولة الصهيونية، لا في الوجدان الشعبي فقط وإنما في العقيدة نفسها، لا يملك إلا أن يرى قدراً كبيراً من الصدق في هذا القول. وقد جاء حاييم كابلان ليؤكد أن وثائق التاريخ الأمريكي تُعتبَر أيضاً من كتب اليهود المقدَّسة، كما أن الولايات المتحدة تشكل أساس المطلقية.

ويذهب أحد مفكري اليهود (إرفنج جرينبرج) إلى أن العهد القديم هو كتاب اليهود المعتمد في مرحلة الهيكل، وأن التلمود كتاب مرحلة الشتات اليهودي، أما في المرحلة الثالثة (مرحلة ما بعد أوشفيتس وتشييد الدولة الصهيونية) فإن كتابهم المعتمد هو النصوص التي تُذكِّر الشعب اليهودي بالإبادة وبضرورة البقاء، ومن هنا يعتبر جرينبرج كتابات إيلي فيزيل، على سبيل المثال، كتابات مقدَّسة، وكذلك إعلان استقلال إسرائيل)([6]).

فاليهود إذا متفاوتون أشد التفاوت في اعتباره واعتماده. وكما حرف الآباء وأضافوا إلى الوحي كتبا وزعموا أنها من عند الله، فقد اقتفى أثرهم أبناؤهم وكتبوا كتبا وزعمها من الوحي، ورفعوا كتابات أخرى وأضفوا عليها طابع الوحي.

 المسألة الثانية: الكتب الدينية عند النصارى

الكتب الدينية عند النصارى هي في الجملة مجموعة العهد القديم والعهد الجديد، على اختلاف بينهم في المعتمد منها، ويطلقون على هذا المجموع (الكتاب المقدس) ويكاد يكون تقديسهم له أعظم من تقديس اليهود للعهد القديم، ويقول قاموس الكتاب المقدس عنه:(هو مجموع الكتب الموحاة من الله والمتعلقة بخلق العالم وفدائه وتقديسه وتاريخ معاملة الله لشعبه، ومجموع النبوات عما سيكون حتى المنتهى، والنصائح الدينية والأدبية التي تناسب جميع بني البشر في كل الأزمنة. ويدعى أيضاً الكتب ( يو 5: 39 ) وكلمة الله ( رو 9: 6 ). ويبلغ عدد الكتاب الملهمين الذين كتبوا الكتاب المقدس أربعين كاتباً. وهم من جميع طبقات البشر بينهم الراعي والصياد وجابي الضرائب([7]) والقائد والنبي والسياسي والملك....إلخ واستغرقت مدة كتابتهم ألفاً وست مئة سنة، وكان جميع هؤلاء الكتَّاب من الأمة اليهودية([8] ) ما عدا لوقا كاتب الإنجيل الذي دعي باسمه، إذ يُظن أنه كان أممياً من إنطاكية، وكان طبيباً اشتهر بمرافقته لبولس الرسول.

وفي الكتاب المقدس جميع أنواع الكتابة من نثر وشعر، وتاريخ وقصص، وحكم وأدب وتعليم وإنذار، وفلسفة وأمثال. ومع أن الأسفار التي يتألف منها الكتاب تختلف من جهة وقت كتابتها وأسلوب الكتابة نفسه فإنها لا تخرج عن كونها نظاماً واحداً مؤسساً على وحي واحد، رغم التنوعات التي لا بد منها في الأحوال المختلفة التي كتب فيها الكتاب. ورغم تقادم العصور التي كتب هذا الكتاب فيها، فإنه ما زال يوافق الشعوب كلها في شتى أوقات تاريخها، وما زالت أهميته تظهر بأكثر جلاء لبني البشر كلما تقدموا في حياتهم. والكتاب أصل الإيمان المسيحي ومصدره وهو خال من الأخطاء والزلل.([9]) وفيه كل ما يختص بالإيمان والحياة الروحية وهو الخبز السماوي اليومي لكل مسيحي حقيقي ومرشده في الحياة والموت، ويزداد درس الكتاب المقدس وانتشاره يوماً بعد الآخر إذ يبلغ الموزع من أسفاره الآن أكثر من 25 مليون نسخة كل عام. وقد تأسست على مبادئه القويمة أمم عظيمة كان الكتاب أساساً لشرائعها، واتباعه سبباً لعظمتها وفلاحها، وتفوقها وارتقائها في سبيل الحضارة ومضمار التمدن)([10]). 

وكما قلت سابقا إن النصرانية تقدس العهدين كليهما، ولا تفرق بين العهد القديم والجديد، وكثير من الناس يظن أن النصرانية لا تقدس إلا العهد الجديد، ولا تلتزم بتشريعات العهد القديم، يقول الأنباء بيشوي، مطران دمياط، وكفر الشيخ، والبرارى، رئيس دير القديسة دميانة:(إن الكتاب المقدس بجزئيه العهد القديم والـعهد الجديد هو كتاب واحد. فلا يمكن أن نفـصل كلام الله حتى وإن كان مقسماً إلى أسفار، والأسفار مقسمة إلى إصحاحات.([11]) إلى أن يقول: إن الكتاب المقدس بعهديه يمثل أساساً راسخاً للديانة المسيحية. فالمسيحية لم تأتِ من فراغ).([12])

وأيا كان الأمر فلا تختلف مكانة الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى عن مكانة الكتب المعظمة لدى أي أمة من الأمم الوثنية، فكلاهما توارثوه عن آبائهم وعظموه كما عظموه، دون تمحيص أو نقد، وهذه الحال لا تختلف عن حال البوذيين أو الهندوس مع كتبهم الدينية، يأخذها الخلف عن السلف، من دون بينة ولا برهان، بينما الدين الحق وهو الإسلام جاء كتابه بالبرهان الساطع وقدم الحجة القاطعة، وربى أتباعه على طلب البرهان واتّباعه قال جل ثناؤه:)وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ( سورة البقرة،111. فذكر أنهم يدعون فطالبهم بالبرهان، وقال عن منهج نبيه ﷺ‬:)أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ( سورة الأنبياء،24.

 المطلب الثاني: موقف المسلمين من الكتاب المحرف

يؤمن المسلمون أن الله أنزل التوراة والإنجيل، وأنهما من أعظم الكتب الإلهية منزلة عند الله قبل تحريفهما، قال تعالى:)الم. اللَّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ. مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ( سورة آل عمران،1-4. وأنهما في حينهما تضمنا العقيدة والشريعة التي يجب الإيمان والعلم بها، ويؤمنون أيضا أنهما دخلهما التحريف والتبديل والزيادة والنقصان، قال تعالى:)مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ( سورة النساء، 46. وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: )فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ( سورة البقرة، 79. 

وبما أنه قد دخلهما التحريف، وسار أتباعهما على ضلال عظيم، فلا يجوز للمسلم أن يطلع عليهما، إلا إذا كان من الراسخين في العلم وممن له عناية بهذا الباب دعوة ورد عليهم، وقد ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة وآثار ليس هذا أوان بسطها وقد أورد الحافظ ابن حجر رحمه الله روايات حديث جابرt ثم قال:(وقد أخرجه أحمد والبزار واللفظ له من حديث جابر قال: نسخ عمر كتابا من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي ﷺ‬، فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ‬  يتغير، فقال له رجل من الأنصار: ويحك يا بن الخطاب! ألا ترى وجه رسول الله ﷺ‬، فقال رسول الله ﷺ‬:( لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني. وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف.  

وهذه جميع طرق هذا الحديث، وهي وإن لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا، والذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم، والأولى في هذه المسألة: التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ فيجوز له، ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل على ذلك نقل الأئمة قديما وحديثا من التوراة وإلزامهم اليهود بالتصديق بمحمد ﷺ‬ بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه وتواردوا عليه، وأما استدلاله للتحريم بما ورد من الغضب، ودعواه أنه لو لم يكن معصية ما غضب منه؛ فهو معترض بأنه قد يغضب من فعل المكروه، ومن فعل ما هو خلاف الأولى إذا صدر ممن لا يليق منه ذلك، كغضبه من تطويل معاذ صلاة الصبح بالقراءة).([13])

وعلماء الإسلام على مر العصور تناولوا التوراة والإنجيل المحرفين بالنقد تارة، وتارة بالاستدلال بمضمونهما على رسالة الرسول ﷺ‬ وسلامة دين الإسلام مما ينسب إليه، والمصنفات في هذا الباب أعظم من أن تحصر، بل مصنفات الذين يسلمون من أهل الكتابين (اليهود والنصارى) كثيرة كذلك، بل إن علماء الإسلام هم أول من نقد التوراة والإنجيل، ثم تابعهم علماء اليهود والنصارى المتأخرين في دراسات نقدية للكتابين، ذلك أن كتابات ابن حزم رحمه الله التي استمدها من معين الكتاب والسنة - سابقة على دراسة اليهودي إبراهيم عزرا الذي تابعه سبنيوزا في كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة) ثم انداحت دائرة النقد الغربي للكتابين إبان الثورة على الكنيسة.ومما قاله الإمام ابن حزم رحمه الله في هذا الشأن:(قال أبو محمد رضي الله عنه: نذكر إن شاء الله تعالى ما في الكتب المذكورة من الكذب الذي لا يشك كل ذي مسكة تمييز في أنه كذب على الله تعالى وعلى الملائكة عليهم السلام وعلى الأنبياء عليهم السلام، إلى أخبار أوردوها لا يخفى الكذب فيها على أحد، كما لا يخفى ضوء النهار على ذي بصر، وقد كنا نعجب من إطباق النصارى على تلك الأقوال الفاسدة المتناقضة التي لا يخفى فسادها على أحد به رمق؛ إلى أن وقفنا على ما بأيدي اليهود؛ فرأينا أن سبيلهم وسبيل النصارى واحدة كشق الأنملة، وثبت بذلك عند كل منصف من المخالفين صحة قولنا: أن كل من خالف دين الإسلام، ونحلة السنة، ومذهب أصحاب الحديث؛ فإنه عارف بضلال ما هم عليه، إلا أنهم - بخذلان الله تعالى إياهم - مكابرون لعقولهم، مغلبون لأهوائهم وظنونهم على يقينهم؛ تقليدا لأسلافهم، وعصبية واستدامة لرياسة دنيوية، وهكذا وجدنا أكثر من شاهدْنا من رؤسائهم، فنحمد الله كثيرا على ما هدانا له من الإسلام، ونحلة السنة، واتباع الآثار الثابتة).([14])

وبعد هذه المقدمة التي لابد منها وهي مختصرة جدا لكنها بحسب ظني توضح المطلوب، وتفي بالغرض التي كتبت من أجله - تنتقل وجهة البحث وجهة أخرى نحو بيان الموبقات التي تضمنها كتابهم المقدس من تمييز عنصري، وهذا ما سيتناوله المبحث الأول.

 المبحث الثاني  التمييز العنصري في الكتاب المحرف

يتناول هذا المبحث عددا من المطالب التي تكشف صور التمييز العنصري في الكتاب المحرف، ولا شك أن القلب يضيق ذرعا بالتمييز العنصري، ويمل القلم من ترديد مصطلحات العنف، ويشقى الفكر من الوقوف على بحار من دم يرويها كتاب ديانة لا يزال يتبعها أكثر من مليار نسمة، وتسير على نهجه أمم، وترسم خطط وتنفذ مؤامرات، وتوقد نيران حروب، ويكتوي بنارها شعوب، وتزهق بسببها أرواح... من أجل تحقيق وعوده وتنفيذ وعيده، والتحري لتنبؤاته، ومن أجل تحقيق بشاراته. ولكن هل أبقت شرائع هذا الكتاب للمخالف مرفقا من مرافق الحياة لم تحاصره فيه، وفي نفس الوقت تمنح المؤمن به أن يتطاول على مخالفيه وهو يستند إلى شريعة مقدسة في نظره، وإلى كتاب معصوم في ظنه؛ فتراه يتعبد وهو يؤذي، ويتعبد وهو يسفك، ويتعبد وهو يدمر ويبيد إلى آخر نتاج هذه العقول التي تؤمن بهذا وتقدسه؟.

لكن التعامل البشري السوي يعتمد على المعايير الشرعية والقيم الأخلاقية فيما يقرب ويبعد، قال جل ثناؤه:) إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّه أتْقَاكُمْ( سورة الحجرات،13 ومع ذلك فيجب أن تسود العلاقة بين الناس الرحمة والعدل، قال عز شأنه:)إِنّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون( سورة النحل،90. لكن الكتاب الذي كتبه البشر ليحقق أغراض البشر جاء حافلا بالتمييز العرقي العنصري المقيت، الذي يشبع نهم الأنفس التي امتلأت كبرا، وتعالت بطرا، وظنت أنها من دون البشر تستحق السيادة وتمتلك مقومات بشرية لا تتمتع بها بقية الأجناس البشرية الأخرى؛ فلذا لا ترع إذا رأيت تمييزا عنصريا مرده إلى العرق والجنس، واحتقارا للمخالف لمجرد انتسابه لقوم آخرين، واستعبادا لآخرين؛ لأنهم من خصومهم، ومعاقبة على جرم لا يد للبشر فيه، وتجريم أجيال بسبب مواقف أجدادهم، وشواهد كتابهم المقدس شاهدة على تقديس أتباعه لأنفسهم، وممارسة التمييز العنصري مع المخالف وهو ما توضحه المطالب الآتية إن شاء الله.

 المطلب الأول: تعبيد الشعوب واسترقاقهم وإذلالهم

مما حفلت به شرائع التمييز في الكتاب المحرف شريعة الرق واستعباد الشعوب، لمجرد المخالفة في العرق، أو المباعدة في الموطن (أبناء الغريب)، كما تضمنت تطبيقا مروعا لهذه الشريعة عبر تاريخهم، فمن ذلك: (وَهذِهِ هِيَ الأَحْكَامُ الَّتِي تَضَعُ أَمَامَهُمْ: 2إِذَا اشْتَرَيْتَ عَبْدًا عِبْرَانِيًّا، فَسِتَّ سِنِينَ يَخْدِمُ، وَفِي السَّابِعَةِ يَخْرُجُ حُرًّا مَجَّانًا. 3إِنْ دَخَلَ وَحْدَهُ فَوَحْدَهُ يَخْرُجُ. إِنْ كَانَ بَعْلَ امْرَأَةٍ، تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ مَعَهُ. 4إِنْ أَعْطَاهُ سَيِّدُهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ بَنِينَ أَوْ بَنَاتٍ، فَالْمَرْأَةُ وَأَوْلاَدُهَا يَكُونُونَ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ وَحْدَهُ. 5وَلكِنْ إِنْ قَالَ الْعَبْدُ: أُحِبُّ سَيِّدِي وَامْرَأَتِي وَأَوْلاَدِي، لاَ أَخْرُجُ حُرًّا، 6يُقَدِّمُهُ سَيِّدُهُ إِلَى اللهِ، وَيُقَرِّبُهُ إِلَى الْبَابِ أَوْ إِلَى الْقَائِمَةِ، وَيَثْقُبُ سَيِّدُهُ أُذْنَهُ بِالْمِثْقَبِ، فَيَخْدِمُهُ إِلَى الأَبَدِ. 7وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ ابْنَتَهُ أَمَةً، لاَ تَخْرُجُ كَمَا يَخْرُجُ الْعَبِيدُ. 8إِنْ قَبُحَتْ فِي عَيْنَيْ سَيِّدِهَا الَّذِي خَطَبَهَا لِنَفْسِهِ، يَدَعُهَا تُفَكُّ. وَلَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يَبِيعَهَا لِقَوْمٍ أَجَانِبَ لِغَدْرِهِ بِهَا. 9وَإِنْ خَطَبَهَا لابْنِهِ فَبِحَسَبِ حَقِّ الْبَنَاتِ يَفْعَلُ لَهَا.10إِنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ أُخْرَى، لاَ يُنَقِّصُ طَعَامَهَا وَكِسْوَتَهَا وَمُعَاشَرَتَهَا. 11وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَهَا هذِهِ الثَّلاَثَ تَخْرُجُ مَجَّانًا بِلاَ ثَمَنٍ). خروج 21. فمن عجيب مقابلة الحسنة بالسيئة أن المرء إذ اختار أن يخدم سيده بعد انقضاء المدة فتثقب أذنه إلى الأبد. وهذا تشريع آخر يبين المدة التي يجب أن يخدمها العبراني لينال الحرية:(14فِي نِهَايَةِ سَبْعِ سِنِينَ تُطْلِقُونَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ الْعِبْرَانِيَّ الَّذِي بِيعَ لَكَ وَخَدَمَكَ سِتَّ سِنِينَ، فَتُطْلِقُهُ حُرًّا مِنْ عِنْدِكَ. وَلكِنْ لَمْ يَسْمَعْ آبَاؤُكُمْ لِي وَلاَ أَمَالُوا أُذُنَهُمْ. 15وَقَدْ رَجَعْتُمْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ وَفَعَلْتُمْ مَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيَّ، مُنَادِينَ بِالْعِتْقِ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى صَاحِبِهِ، وَقَطَعْتُمْ عَهْدًا أَمَامِي فِي الْبَيْتِ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي. 16ثُمَّ عُدْتُمْ وَدَنَّسْتُمُ اسْمِي وَأَرْجَعْتُمْ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَمَتَهُ الَّذِينَ أَطْلَقْتُمُوهُمْ أَحْرَارًا لأَنْفُسِهِمْ، وَأَخْضَعْتُمُوهُمْ لِيَكُونُوا لَكُمْ عَبِيدًا وَإِمَاءً).إرمياء 34.

ومن جوانب هذه الشريعة ما ورد في إشعياء: (وَبَنُو الْغَرِيبِ يَبْنُونَ أَسْوَارَكِ، وَمُلُوكُهُمْ يَخْدِمُونَكِ. لأَنِّي بِغَضَبِي ضَرَبْتُكِ، وَبِرِضْوَانِي رَحِمْتُكِ. 11وَتَنْفَتِحُ أَبْوَابُكِ دَائِمًا. نَهَارًا وَلَيْلاً لاَ تُغْلَقُ. لِيُؤْتَى إِلَيْكِ بِغِنَى الأُمَمِ، وَتُقَادَ مُلُوكُهُمْ. 12لأَنَّ الأُمَّةَ وَالْمَمْلَكَةَ الَّتِي لاَ تَخْدِمُكِ تَبِيدُ، وَخَرَابًا تُخْرَبُ الأُمَمُ. 13مَجْدُ لُبْنَانَ إِلَيْكِ يَأْتِي.السَّرْوُ وَالسِّنْدِيَانُ وَالشَّرْبِينُ مَعًا لِزِينَةِ مَكَانِ مَقْدِسِي، وَأُمَجِّدُ مَوْضِعَ رِجْلَيَّ). إشعياء 60.

 وطلب العلو في الأرض، والبغي على المخالف يجعلهم يتطلعون إلى أن يذلوا المخالفين ويستعبدوهم ويدوسوهم ويدقوهم حتى يكونوا كالطين:(مِثْلَ طِينِ الأَسْوَاقِ أَدُقُّهُمْ وَأَدُوسُهُمْ. 44وَتُنْقِذُنِي مِنْ مُخَاصَمَاتِ شَعْبِي، وَتَحْفَظُنِي رَأْسًا لِلأُمَمِ. شَعْبٌ لَمْ أَعْرِفْهُ يَتَعَبَّدُ لِي. 45بَنُو الْغُرَبَاءِ يَتَذَلَّلُونَ لِي. مِنْ سَمَاعِ الأُذُنِ يَسْمَعُونَ لِي. 46بَنُو الْغُرَبَاءِ يَبْلَوْنَ وَيَزْحَفُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ.... وَالْمُخْضِعُ شُعُوبًا تَحْتِي، 49وَالَّذِي يُخْرِجُنِي مِنْ بَيْنِ أَعْدَائِي، وَيَرْفَعُنِي فَوْقَ الْقَائِمِينَ عَلَيَّ، وَيُنْقِذُنِي مِنْ رَجُلِ الظُّلْمِ.). صموئيل 2/22.

وفي سفر التثنية: (مَنْ مِثْلُكَ يَا شَعْبًا مَنْصُورًا بِالرَّبِّ؟ تُرْسِ عَوْنِكَ وَسَيْفِ عَظَمَتِكَ فَيَتَذَلَّلُ لَكَ أَعْدَاؤُكَ، وَأَنْتَ تَطَأُ مُرْتَفَعَاتِهِمْ). تثنية 33.

فهم يريدون أن يكونوا رأسا للشعوب، وأن تتعبد لهم، وأن يخضع لهم الغرباء، لماذا؛ لأنهم في نظر أنفسهم: سادة، ومن سواهم فعبيد! يقول بولس في إحدى رسائله مما احتواه كتابهم المقدس:(أَيُّهَا السَّادَةُ، قَدِّمُوا لِلْعَبِيدِ الْعَدْلَ وَالْمُسَاوَاةَ، عَالِمِينَ أَنَّ لَكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا سَيِّدًا فِي السَّمَاوَاتِ). رسالة بولس إلى كولوسي 4. والباحث يتساءل عن مداولات السلام الدائرة بشأن فلسطين هل تندرج تحت هذا التصنيف العرقي والتمييز الطبقي؟! خاصة أن المحاورين على الطرف الآخر ممن يتعصب لكتابهم المقدس؟! وفي آخر هذا الرسالة يقول بولس:( 18اَلسَّلاَمُ بِيَدِي أَنَا بُولُسَ). والحق أن بولس لم تغنم منه النصرانية إلا الخلاف والتفرق والشقاق والحروب،([15]) والحق أيضا أن الله هو السلام، وهو الذي بيده السلام، ومنه السلام قال تعالى عن نفسه:) هُو اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ( سورة الحشر،23.

وفي الشاهد التالي أمرٌ بقتل النساء والأطفال وكل ذكر، واستبقاء الفتيات العذارى! لماذا فقط العذارى، إنها انتقائية في الاستعباد والقتل، فما الذي أباح قتل الثيبات والرجال والأطفال؟ وعصم دم الأبكار؟ هل هو مجرد الشهوة؟! ورد في سفر راعوث:(اذْهَبُوا وَاضْرِبُوا سُكَّانَ يَابِيشِ جِلْعَادَ بِحَدِّ السَّيْفِ مَعَ النِّسَاءِ وَالأَطْفَالِ. 11وَهذَا مَا تَعْمَلُونَهُ: تُحَرِّمُونَ كُلَّ ذَكَرٍ وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتِ اضْطِجَاعَ ذَكَرٍ».12فَوَجَدُوا مِنْ سُكَّانِ يَابِيشِ جِلْعَادَ أَرْبَعَ مِئَةِ فَتَاةٍ عَذَارَى لَمْ يَعْرِفْنَ رَجُلاً بِالاِضْطِجَاعِ مَعَ ذَكَرٍ، وَجَاءُوا بِهِنَّ إِلَى الْمَحَلَّةِ إِلَى شِيلُوهَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ). راعوث 21. ولا ينبغي أن يغيب عن ذهن القارئ وهو يقرأ النص السابق ما ورد في صموئيل الأول وهو قوله: (9وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا).صموئيل1/15. لاحظ استبقاء الجيد وتحريق الضعيف. انتقائية في التحريق تحرق الشعوب، أما الخراف الجيدة فلا، واليوم الشعوب تحرق، والبترول يعفى، تدخل الجيوش لمصادرة معدن نفيس أو التمكن من حقول البترول ويحافظ عليها، بينما الشعوب تقصف عن طريق الخطأ  ولا يقدم لا اعتذار، وخير شاهد على ذلك التسابق المحموم من دول التحالف على نفط بحر قزوين، والتضحية بالشعوب المجاورة من أجله. فقد قصف الطيران الأمريكي عن طريق الخطأ حفل زفاف في أفغانستان أودى بحياة أكثر من مئة أفغاني، بينهم الكثير من الأطفال والنساء كانوا يحضرون حفل زفاف بقرية ديرة آباد بإقليم دهرواد في ولاية أورزغان شمال قندهار،([16]) ومع ذلك لم تقدم لهم التعويضات اللازمة ولو من مبيعات النفط المجاور لهم!. 

وفي حادثة اشتمل عليها الكتاب المحرف تضمنت أن قوما لم يَصْدقوا يشوع حينما سألهم عن مساكنهم ثم أعطاهم عهدا، فلما تبين له أنهم لم يصْدُقوه لعنهم واستعبدهم وحكم عليهم حكما عاما ألا ينقطع العبيد منهم: (وَالآنَ لاَ نَتَمَكَّنُ مِنْ مَسِّهِمْ. 20هذَا نَصْنَعُهُ لَهُمْ وَنَسْتَحْيِيهِمْ فَلاَ يَكُونُ عَلَيْنَا سَخَطٌ مِنْ أَجْلِ الْحَلْفِ الَّذِي حَلَفْنَا لَهُمْ». 21وَقَالَ لَهُمُ الرُّؤَسَاءُ: «يَحْيَوْنَ وَيَكُونُونَ مُحْتَطِبِي حَطَبٍ وَمُسْتَقِي مَاءٍ لِكُلِّ الْجَمَاعَةِ كَمَا كَلَّمَهُمُ الرُّؤَسَاءُ». 22فَدَعَاهُمْ يَشُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: «لِمَاذَا خَدَعْتُمُونَا قَائِلِينَ: نَحْنُ بَعِيدُونَ عَنْكُمْ جِدًّا، وَأَنْتُمْ سَاكِنُونَ فِي وَسَطِنَا؟ 23فَالآنَ مَلْعُونُونَ أَنْتُمْ. فَلاَ يَنْقَطِعُ مِنْكُمُ الْعَبِيدُ وَمُحْتَطِبُو الْحَطَبِ وَمُسْتَقُو الْمَاءِ). يشوع 9. فلينطر الباحث كيف قطع العهد، وصدر الحكم، واستبيحت الحريات وقضي على الآمال بسبب مخالفة يسيرة؟!

 ونقلت وسائل الإعلام خبر ومحاولة منظمة "آرش دو زوي" تنظيم نقل 103 أطفال سودانيين وتشاديين إلى فرنسا للاتجار بهم، وقد أوقفت السلطات التشادية الطائرة التي تحمل الأطفال يوم الخميس قبيل إقلاعها من أبيشي في الحدود مع السودان، واعتقلت  فرنسيين وإسبانيين وبلجيكيين متهمة إياهم بالسعي إلى "خطف" أطفال "للاتجار بهم". ([17]) وهذه المؤسسات إنما تدخل البلاد المنكوبة بحجة تقديم المساعدات الإنسانية، ولكن من تربى على هذه العقيدة يجيز لنفسه أن تكون خدماته بينهم هي سرقة الأطفال والاتجار بهم.

 المطلب الثاني: لا يقطع مع المخالف عهدا ولا عقدا ولا يصاهره ولا يشفق عليه:

(لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ، 3وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ. بْنَتَكَ لاَ تُعْطِ لابْنِهِ، وَبِنتْهُ لاَ تَأْخُذْ لابْنِكَ). تثنية 7. وفي سفر الخروج :(اِحْفَظْ مَا أَنَا مُوصِيكَ الْيَوْمَ. هَا أَنَا طَارِدٌ مِنْ قُدَّامِكَ الأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ. 12اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ سُكَّانِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ آتٍ إِلَيْهَا لِئَلاَّ يَصِيرُوا فَخًّا فِي وَسَطِكَ). خروج 34. وفي هذا توطئة وتشريع لئلا يقطع عهدا مع الشعوب التي سيغتصب أرضها، ويعتدي عليها.

وقد أخبر د. غوستاف لوبون عما فعله بعض قادة الحملات الصليبية بالمسلمين فقال: (ولذا ظلت القيادة العليا في يد قلب الأسد ريكاردس الذي اقترف جرائم وحشية كالتي اقترفها رجال الحملة الصليبية الأولى، وكان أول ما بدأ به ريكاردس هو قتله ثلاثة آلاف أسير مسلم سلموا أنفسهم إليه بعد ما قطع لهم عهدا بحقن دمائهم، ثم أطلق لنفسه العنان في اقتراف أعمال القتل والسلب).([18])

وقارن هذا التشريع بما ابتلي به العالم الإسلامي من عدم استيفائه لحقوقه وعجزه عن الظفر بعهد وعقد يحفظ له مصالحه ويردع الباغي عليه، ويعيد الحق إلى نصابه، كم أصدر مجلس الأمن من قرار ولم ينفذ؟ وكم نُقض فيه من قرار يدينهم وينصف المسلمين؟ وقد أخبرنا الله في محكم تنزيله عن هذا فقال عز من قائل: )أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ( سورة البقرة، 100.

ولما عاهد النبي ﷺ‬ قريشا ودخلت في حلفه ﷺ‬ خزاعة، وكانوا في حينها قوما كافرين، ثم أسلموا وفي أثناء ذلك اعتدت بنو بكر - وهم أحلاف قريش - على خزاعة، وأعانت قريش بني بكر، واستنصرت خزاعة بالرسول ﷺ‬ فأغاثهم للعهد الذي عقده معهم، وهذا الخبر ورد مختصرا ومطولا في الصحاح وفي السنن والمسانيد، فعن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعا قالا كان في صلح رسول الله ﷺ‬ يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله ﷺ‬ وعهده ليلا بماء لهم يقال له الوتير، قريب من مكة، فقالت قريش ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل، وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله ﷺ‬، وأن عمرو ابن سالم ركب إلى رسول الله - عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير-  حتى قدم المدينة إلى رسول الله ﷺ‬  يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر فلما قدم على رسول الله ﷺ‬ أنشده إياها:

اللـهم إني ناشـد محمدا     حلــف أبينا وأبيه الأتلدا

كنا والــدا وكـنت ولـدا       ثمـت أسلمنا ولم ننزع يدا

فانصر رسول الله نصرا عتدا           وادعوا عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجـردا        إن سيم خسفا وجهه تربدا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا           إن قريشا أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا              وزعموا أن لست أدعو أحدا

فهم أذل وأقل عددا                قد جعلوا لي بكداء مرصدا

هم بيتونا بالوتير هجدا                 فقتلونا ركعا وسجدا

فقال رسول الله ﷺ‬:نصرت يا عمرو بن سالم! فما برح حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول الله ﷺ‬ إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب، وأمر رسول الله ﷺ‬ الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره؛ حتى يبغتهم في بلادهم.([19])

وتأمل قوله تعالى: ) بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)( سورة الأنفال،72. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره: ({وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ } أي: لأجل قتال من قاتلهم لأجل دينهم{فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} والقتال معهم، وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم.وقوله تعالى: {إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } أي: عهد بترك القتال، فإنهم إذا أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا قتالهم، فلا تعينوهم عليهم، لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق.([20]) فانظر كيف لم يأذن الله لأهل الإيمان بنصرة إخوانهم على القوم الذين بينهم وبينهم ميثاق.

 المطلب الثالث: أن لا يؤذن لمن أصيب بعاهة لا دخل له فيها أن يدخل في جماعة الرب، فقد جاء في سفر اللاويين:

(45وَالأَبْرَصُ الَّذِي فِيهِ الضَّرْبَةُ، تَكُونُ ثِيَابُهُ مَشْقُوقَةً، وَرَأْسُهُ يَكُونُ مَكْشُوفًا، وَيُغَطِّي شَارِبَيْهِ، وَيُنَادِي: نَجِسٌ، نَجِسٌ. 46كُلَّ الأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ الضَّرْبَةُ فِيهِ يَكُونُ نَجِسًا. إِنَّهُ نَجِسٌ. يُقِيمُ وَحْدَهُ. خَارِجَ الْمَحَلَّةِ يَكُونُ مُقَامُهُ). اللاويين 13. وفي سفر التثنية:(لاَ يَدْخُلْ مَخْصِيٌّ بِالرَّضِّ أَوْ مَجْبُوبٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ).التثنية23.

 المطلب الرابع: معاقبة الأبناء بجريرة الآباء حتى الجيل العاشر، وفي الشاهد التالي معاقبة ابن الزنى بجريرة والديه، ومعاقبة العمونيين والموآنبيين لمواقف آبائهم:

(2لاَ يَدْخُلِ ابْنُ زِنًى فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. حَتَّى الْجِيلِ الْعَاشِرِ لاَ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. 3لاَ يَدْخُلْ عَمُّونِيٌّ وَلاَ مُوآبِيٌّ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. حَتَّى الْجِيلِ الْعَاشِرِ لاَ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ، 4مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُلاَقُوكُمْ بِالْخُبْزِ وَالْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ). وهذا التشريع الذي من أجله يجّرم المخالف هو مما تضمنته شريعتهم، وقد ورد الأمر فيها بألا تخرج مياه سواقيك في الشارع؛ لئلا يشرب منها الأجنبي، ولتكن لك وحدك: (15اِشْرَبْ مِيَاهًا مِنْ جُبِّكَ، وَمِيَاهًا جَارِيَةً مِنْ بِئْرِكَ. 16لاَ تَفِضْ يَنَابِيعُكَ إِلَى الْخَارِجِ، سَوَاقِيَ مِيَاهٍ فِي الشَّوَارِعِ. 17لِتَكُنْ لَكَ وَحْدَكَ، وَلَيْسَ لأَجَانِبَ مَعَكَ. 18لِيَكُنْ يَنْبُوعُكَ مُبَارَكًا). أمثال 5.

إن هذا تمييز وتحجير للخير، يمنع رفده ويأكل وحده، لذا لا تستغرب إذا ألقيت أطنان الحليب والقمح في أنهار الغرب من أجل المحافظة على الأسعار، دون أن يطعمهما البائسون والمحرومون؛ لأنه لا يؤمن بإطعام المخالف بل تعتبر مخالفه لدينه ومنهجه. ولكن قد يخالف ذلك إذا رأى فيها تحقيقا لمصلحته العاجلة، أو للحيلولة بينهم وبين الإسلام.

  وحتى أولاد المصريين لا يدخلونهم في جماعة الرب إلا المتناسلين بعد الجيل الثالث رغم مجاورتهم لهم سنين طويلة: (لاَ تَكْرَهْ مِصْرِيًّا لأَنَّكَ كُنْتَ نَزِيلاً فِي أَرْضِهِ. 8الأَوْلاَدُ الَّذِينَ يُولَدُونَ لَهُمْ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ يَدْخُلُونَ مِنْهُمْ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ). تثنية 23. أليس المنصرون ينادون بأن الكتاب المحرف للجميع ؟! أو أن كلمة الرب خاصة بعنصر معين؟! أو أن هذا تشريع لا يعتبر؟ أو أن هذا تحريف معتمد؟!.

 المطلب الخامس: التمييز في التعامل الاقتصادي بين اليهودي وغيره، فالربا محرم بينهم ولكنه حلال مع المخالف:

 (لاَ تُقْرِضْ أَخَاكَ بِرِبًا، رِبَا فِضَّةٍ، أَوْ رِبَا طَعَامٍ، أَوْ رِبَا شَيْءٍ مَّا مِمَّا يُقْرَضُ بِرِبًا، 20لِلأَجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا، وَلكِنْ لأَخِيكَ لاَ تُقْرِضْ بِرِبًا) تثنية 23. وهذا مصداق ما أخبر الله عنهم حيث قال سبحانه:) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( سورة آل عمران،75.

 المطلب السادس: إذلال الملوك وقتلهم؛ إذ في إذلال الملوك إرهاب للأتباع، وفي قتلهم تشريد لمن خلفهم، ففي يشوع :

 (وَقَالَ لِقُوَّادِ رِجَالِ الْحَرْبِ الَّذِينَ سَارُوا مَعَهُ: «تَقَدَّمُوا وَضَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَلَى أَعْنَاقِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ. فَتَقَدَّمُوا وَوَضَعُوا أَرْجُلَهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ... 26وَضَرَبَهُمْ يَشُوعُ بَعْدَ ذلِكَ وَقَتَلَهُمْ وَعَلَّقَهُمْ عَلَى خَمْسِ خَشَبٍ، وَبَقُوا مُعَلَّقِينَ عَلَى الْخَشَبِ حَتَّى الْمَسَاءِ. 27وَكَانَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَنَّ يَشُوعَ أَمَرَ فَأَنْزَلُوهُمْ عَنِ الْخَشَبِ وَطَرَحُوهُمْ فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي اخْتَبَأُوا فِيهَا).يشوع10.

وذكر المطران برتلومي أن القبطان الإسبان جمعوا الأشراف من الهنود في مملكة غواتيمالا وطلبوا منهم أن يسلموهم الذهب فلما لم يجدوا عندهم شيئا منه أمر القبطان جنوده بإحراقهم من غير ذنب.([21])

وليقارن القارئ بين هذا الصنيع في الملوك وصلبهم وتعليقهم على الخشب بما فعله الرسول ﷺ‬ يوم فتح مكة بقياداتها السياسية والقبلية وكانوا أخرجوه منها وحاولوا قتله، فلما فتح الرسول ﷺ‬ مكة منح قائدَها وزعيمَ قريش مكانة تليق بمقامه فقال رسول الله ﷺ‬:(من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن).([22])  وقد كان رسول الله ﷺ‬  أمر أمراءه ألا يقتلوا إلا من قاتلهم، ([23])  وحتى الذين أساؤوا إليه إساءة بالغة فلم ينتقم منهم لشخصه، فهذا هبار بن الأسود كان شديد الأذى للمسلمين، وعرض لزينب بنت رسول الله ﷺ‬  لما هاجرت فنخس بعيرها فأسقطت، ولم يزل ذلك المرض بها حتى ماتت، فلما كان يوم الفتح بعد أن أهدر النبي ﷺ‬  دمه، أعلن الإسلام فقبل منه فعفا عنه.([24])

أما خبر صلاح الدين مع الصليبيين عندما فتح الله عليه بيت المقدس فخبر تعجز الأمم أن تفعل فعله أو تجاريه مالم تتزك بالقرآن، وتهتدي بسنة سيد المرسلين ﷺ‬ فكان فعله آية في الفتوحات، وشامة في جبين الدهر، يسجل بمداد من نور؛ فقد عامل الصليبيين معاملة الفضل، ولم يعاملهم بالعدل فهؤلاء الصليبيون الذين قتلوا في يوم واحد في القدس سبعين ألفا من المسلمين، وذلك أنه لما حاصر القدس وعرض الصليبيون الاستسلام وافق لهم  على أن يدفع كل رجل غنيا أو فقيرا عشرة دنانير، وكل امرأة خمسة دنانير وكل طفل دينارين مقابل مغادرة المدينة خلال أربعين يوما، ومن تخلف يصبح مملوكا للمسلمين، ووهب أخاه العادل ألفا من فقراء النصارى دون فدية، ووهب باليان - وهو الذي تزعم مفاوضات الصلح – ألفا من الأسرى دون مقابل، وكذلك وهب رئيس الأساقفة هرقليانوس عددا مماثلا، وسمح بإطلاق نساء فرسان الصليبيين دون مقابل، وتعويضه النساء اللواتي فقدن أزواجهن من خزانته، كما سمح لبعض نساء الملوك النصارى بالخروج بأموالهن وخدمهن دون مقابل بل تحت حراسة المسلمين، وأذن لبطريرك القدس أن يحمل أموالا لا تحصى، فلم يأخذ منه سوى العشرة دنانير، وسيره ومن معه تحت حراسة المسلمين إلى صور ([25]).

وهذا التعامل العظيم أجبر د. غوستاف لوبون على أن يصف صلاح الدين بالرجل المتمدن وهؤلاء الصليبيين بالمتوحشين فقال: (وليس من الصعب أن يتمثل المرء درجة تأثير تلك الكبائر " أي قتلهم للمسلمين" في صلاح الدين النبيل الذي رحم نصارى القدس ولم يمسهم بأذى، وأمدّ فيليب أوغست وقلب الأسد ريكاردس بالأزواد والمرطبات أثناء مرضهما، فقد أبصر الهوة العميقة بين تفكير الرجل المتمدن وعواطفه، وتفكير الرجل المتوحش ونزواته).([26])   

وعندما تم فتح القسطنطينية لمحمد الفاتح رحمه الله أعلن في الجهات كافة أنه لا يعارض في إقامة شعائر ديانة النصارى بل إنه يضمن لهم حرية دينهم، وحفظ أملاكهم فرجع من هاجر من النصارى، ثم جمع أئمة دينهم لينتخبوا بطريقا لهم فاختاروا جورج سكولاريوس، واعتمد السلطان هذا الانتخاب وجعله رئيسا لطائفته... ([27]

 المطلب السابع: قتل النساء والأطفال بعد سبيهم واسترقاقهم، ففي الخبر الذي أورده يشوع عن غزوة بني إسرائيل للمديانيين أنهم بعد أن انتصروا عليهم وسبوا منهم الأطفال والنساء أمر موسى بقتل بعض الأطفال وبعض النساء وترك البعض الآخر:

( 9وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ، وَجَمِيعَ مَوَاشِيهِمْ وَكُلَّ أَمْلاَكِهِمْ. 10وَأَحْرَقُوا جَمِيعَ مُدُنِهِمْ بِمَسَاكِنِهِمْ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ. 11وَأَخَذُوا كُلَّ الْغَنِيمَةِ وَكُلَّ النَّهْبِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ،...15وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: «هَلْ أَبْقَيْتُمْ كُلَّ أُنْثَى حَيَّةً؟ 16إِنَّ هؤُلاَءِ كُنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، حَسَبَ كَلاَمِ بَلْعَامَ، سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ فِي أَمْرِ فَغُورَ، فَكَانَ الْوَبَأُ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. 17فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا. 18لكِنْ جَمِيعُ الأَطْفَالِ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَمْ يَعْرِفْنَ مُضَاجَعَةَ ذَكَرٍ أَبْقُوهُنَّ لَكُمْ حَيَّاتٍ. 19وَأَمَّا أَنْتُمْ فَانْزِلُوا خَارِجَ الْمَحَلَّةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَتَطَهَّرُوا كُلُّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا، وَكُلُّ مَنْ مَسَّ قَتِيلاً).عدد 31. وليتأمل القارئ كيف تضمن النص عقيدة الاستعلاء على المخالفين حيث أوجب عليهم أن يتطهروا سبعة أيام من جراء قتلهم لمخالفيهم. 

 المطلب الثامن: زرع البغضاء والكراهية وتأصيلها حتى بين أقرب المقربين بين الوالد وولده، بين البنت وأمها، فلازم الموافقة المعاداة، ولازم المتابعة المقاطعة، فيزعم الكَتَبَة أن المسيح عليه السلام أخبر عن ذلك، ففي متى:

(مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. 35فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. 36وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ). ّمتى 10.

وأقول:كثيرا ما تغنى المنصرون بأن دين النصرانية هو دين الحب([28] )، وتنادوا بأن يبشروا البشر بهذا الحب، وقالوا: الله محبة، ومن أجل ذلك أنزل ابنه ليقتل من أجلنا، لكن النصوص لا تسعفهم؛ فهي داعية إلى البغضاء، مؤسسة للكراهية، تربي التابع لها على ضيق العطن، وضيق الأفق، إنها تربي القلب ليكون أضيق من سم الخياط فلا يجتمع فيه الإيمان ومحبة الوالد والولد والزوج والزوجة والناس من حولهم يقول لوقا: (25وَكَانَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ سَائِرِينَ مَعَهُ، فَالْتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ: 26«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا). لوقا 14. فكيف يؤمن وهو يبغض نفسه، ألا يدعوه هذا إلى الانتحار؟! بل النص التالي أكثر صراحة حيث يقول يوحنا:(25مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ). يوحنا12. إن العالم الغربي اليوم يكثر علينا أن في نصوص الإسلام نصوصا تدعو إلى الانتحار وقتل النفس، أليس هذا النص أكثر إلحاحا على قتل النفس وبغضها، وضرورة التخلي عنها( من يحب نفسه يهلكها)، وفي التنزيل الحميد ما يكذبهم:)  وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا( سورة النساء، 29.

ويقول لوقا في موطن آخر: (13لاَ يَقْدِرُ خَادِمٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ). لوقا 16. أين هذا من قوله تعالى:) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ( سورة القصص،77. وقولهr :(يا عمرو! نعم المال الصالح مع الرجل الصالح).([29]) فالإسلام يربي أتباعه على أن يعبد العبد ربه، ويستعين به على عمارة الأرض، وما ذاك إلا لأن الحياة لا تقوم إلا بما يجمع بين الدين والدنيا، والدنيا والآخرة؛ ولذا قال رسول اللهr :(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان).([30])

وهذا وجه آخر من وجوه الحقد والبغضاء والتربية على الانتقام المضاعف، والتطلع إلى استمرار المثُلُات في حياة المخالف، بل تمنى أن تنقرض ذريته ويمحى اسمه، تطلعٌ لا يشفق على يتيم أو أرملة، ورجاءٌ أن تصبح صلاته خطيئة، وأيامه قليلة، ورد في سفر المزامير :( 5وَضَعُوا عَلَيَّ شَرًّا بَدَلَ خَيْرٍ، وَبُغْضًا بَدَلَ حُبِّي.6فَأَقِمْ أَنْتَ عَلَيْهِ شِرِّيرًا، وَلْيَقِفْ شَيْطَانٌ عَنْ يَمِينِهِ. 7إِذَا حُوكِمَ فَلْيَخْرُجْ مُذْنِبًا، وَصَلاَتُهُ فَلْتَكُنْ خَطِيَّةً. 8لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً، وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ. 9لِيَكُنْ بَنُوهُ أَيْتَامًا وَامْرَأَتُهُ أَرْمَلَةً. 10لِيَتِهْ بَنُوهُ تَيَهَانًا وَيَسْتَعْطُوا، وَيَلْتَمِسُوا خُبْزًا مِنْ خِرَبِهِمْ. 11لِيَصْطَدِ الْمُرَابِي كُلَّ مَا لَهُ، وَلْيَنْهَبِ الْغُرَبَاءُ تَعَبَهُ. 12لاَ يَكُنْ لَهُ بَاسِطٌ رَحْمَةً، وَلاَ يَكُنْ مُتَرَأِفٌ عَلَى يَتَامَاهُ. 13لِتَنْقَرِضْ ذُرِّيَّتُهُ. فِي الْجِيلِ الْقَادِمِ لِيُمْحَ اسْمُهُمْ. 14لِيُذْكَرْ إِثْمُ آبَائِهِ لَدَى الرَّبِّ، وَلاَ تُمْحَ خَطِيَّةُ أُمِّهِ. 15لِتَكُنْ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا، وَلْيَقْرِضْ مِنَ الأَرْضِ ذِكْرَهُمْ....20هذِهِ أُجْرَةُ مُبْغِضِيَّ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، وَأُجْرَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ شَرًّا عَلَى نَفْسِي).مزمور. 109. ألأنهم أبغضوه تمنى كل ذلك لهم؟! وبغى على مخالفيه حتى تمنى أن يترمل النساء ويتيتم الأطفال، بينما المنهج القرآني: )وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ( سورة النحل،126. وقوله جل ثناؤه: )وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى( سورة البقرة، 237.

وتتواصل النصوص تؤسس للبغضاء وتدعو للانتقام، يقول إرمياء في سفره: (10فَهذَا الْيَوْمُ لِلسَّيِّدِ رَبِّ الْجُنُودِ يَوْمُ نَقْمَةٍ لِلانْتِقَامِ مِنْ مُبْغِضِيهِ، فَيَأْكُلُ السَّيْفُ وَيَشْبَعُ وَيَرْتَوِي مِنْ دَمِهِمْ). إرمياء 46. وفي سفر الأمثال: (كُلُّ مُبْغِضِيَّ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ). أمثال 8.([31]) كم هي أنفس حاقدة التي تتربى على هذا التطلع الحاقد والتشفي من المخالف بغير حق.

حتى الجبال لها نصيب من هذه البغضاء:(6 هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكَ يَا جَبَلَ سَعِيرَ، وَأَمُدُّ يَدِي عَلَيْكَ وَأَجْعَلُكَ خَرَابًا مُقْفِرًا. 4أَجْعَلُ مُدُنَكَ خَرِبَةً، وَتَكُونُ أَنْتَ مُقْفِرًا، وَتَعْلَمُ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. 5لأَنَّهُ كَانَتْ لَكَ بُغْضَةٌ أَبَدِيَّةٌ). حزقيال 35. بينما أخبر النبي ﷺ‬ أن جبل أحد يحب المؤمنين ويحبونه:( هذا جبل يحبنا ونحبه). ([32])   

ولما عرف القس مجدي مرجان الإسلام وعرف أنه هو دين الحب، أسلم وتسمى بمحمد وكتب كتابه الجميل ( محمد ﷺ‬ نبي الحب)، وبيّن بالبرهان القاطع أن الإسلام هو دين الحب، وأن الرسول ﷺ‬ هو نبي الحب حقا.

والقرآن الكريم لم يغفل هذه الحقيقة التي تكنها صدورهم نحونا فأخبر أن أهل الإيمان يحبون مخالفيهم، ومخالفوهم يتمنون لهم الأذى ويتميزون غيظا على وحدة المؤمنين، قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ. هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ( سورة آل عمران 118- 120. قال ابن جرير رحمه الله عند تفسير هذه الآية: (وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين: أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان). ([33])

فانظر إلى هذه الرحمة العظيمة من رسول الله ﷺ‬ عندما جاءه رجل من دوس يشكو إليه حال قومه وأنهم عصوا وأبوا، وطلب من الرسول ﷺ‬ أن يدعو عليهم؛ فدعا لهم نبي الرحمة، ولم يدع عليهم، (فعن أبي هريرة قال جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ‬  فقال: يا رسول الله! إن دوسا قد عصت وأبت، فادع الله عليها، فاستقبل رسول الله ﷺ‬ القبلة، ورفع يده، فقال الناس: هلكت دوس. فقال النبي ﷺ‬ : اللهم اهد دوسا وائت بهم. مرتين).([34])

 المطلب التاسع: انتقاص المخالف واحتقاره

لا يجتمع عندهم أن يقبل الله من الكامل ويغفر للمخطئ، كما لا تتسع قلوبهم لضحكهم وسعادة الآخرين، فلازم سعادتهم خزي الآخرين، ولازم بقاؤهم فناء الآخرين، ورد في سفر أيوب :(هُوَذَا اللهُ لاَ يَرْفُضُ الْكَامِلَ، وَلاَ يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ. 21عِنْدَمَا يَمْلأُ فَاكَ ضِحْكًا، وَشَفَتَيْكَ هُتَافًا، 22يَلْبِسُ مُبْغِضُوكَ خَزْيًا، أَمَّا خَيْمَةُ الأَشْرَارِ فَلاَ تَكُونُ). أيوب 8 لقد حجّروا واسعا، وضيقوا متسعا، فالدنيا عند الله لا تساوي جناح بعوضة، ومع ذلك يرزق مخالفيه، ويمتعهم بما يشتهون، ويدعوهم إلى رحمته ورضوانه قال تعالى:) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( سورة المائدة، 74،73.

إن الأجنبي في شريعتهم لا يمكن أن يوضع عليه الدهن المقدس، ومن يجرؤ على وضعه على أجنبي فتكون عقوبته أن يقطع من الشعب، جاء في سفر الخروج: (31وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: يَكُونُ هذَا لِي دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ فِي أَجْيَالِكُمْ. 32عَلَى جَسَدِ إِنْسَانٍ لاَ يُسْكَبُ، وَعَلَى مَقَادِيرِهِ لاَ تَصْنَعُوا مِثْلَهُ. مُقَدَّسٌ هُوَ، وَيَكُونُ مُقَدَّسًا عِنْدَكُمْ. 33كُلُّ مَنْ رَكَّبَ مِثْلَهُ وَمَنْ جَعَلَ مِنْهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ يُقْطَعُ مِنْ شَعْبِهِ). خروج 30.

وهاهنا شاهد يستكثر على المخالف أن يكون في يده خير، أو يشير بنصح، أو يضيء له مصباح، ويتمنى له البوار والألم، ورد في سفر أيوب:(هُوَذَا لَيْسَ فِي يَدِهِمْ خَيْرُهُمْ. لِتَبْعُدْ عَنِّي مَشُورَةُ الأَشْرَارِ. 17كَمْ يَنْطَفِئُ سِرَاجُ الأَشْرَارِ، وَيَأْتِي عَلَيْهِمْ بَوَارُهُمْ؟ أَوْ يَقْسِمُ لَهُمْ أَوْجَاعًا فِي غَضَبِهِ؟ 18أَوْ يَكُونُونَ كَالتِّبْنِ قُدَّامَ الرِّيحِ، وَكَالْعُصَافَةِ الَّتِي تَسْرِقُهَا الزَّوْبَعَةُ؟). أيوب21. وفي السفر نفسه جاء هذا الأمل الذي يداعب هذه النفوس المريضة: (13لِيُمْسِكَ بِأَكْنَافِ الأَرْضِ، فَيُنْفَضَ الأَشْرَارُ مِنْهَا؟ 14تَتَحَوَّلُ كَطِينِ الْخَاتِمِ، وَتَقِفُ كَأَنَّهَا لاَبِسَةٌ. 15وَيُمْنَعُ عَنِ الأَشْرَارِ نُورُهُمْ، وَتَنْكَسِرُ الذِّرَاعُ الْمُرْتَفِعَةُ). أيوب 38. 

فهذا فهم ساذج عن حقيقة الأرض، فهو لا يعرف منها إلا ما أحاط بمسكنه، وتصور أنها كالبساط، ومن ثم قدّر أن ينفض منها الأشرار، ياللهول!! هول التصور، وهول المآل للخصم، إنه يستكثر عليه أن يمشي على الأرض!

إن الله أخبرنا في محكم تنزيله أنه يطوي السماء كطي السجل للكتب،([35]) وأخبرنا أيضا أنه لا يؤاخذ البشر بما كسبت أيديهم فيهلكهم بغتة قبل يوم القيامة،([36]) بل يؤخرهم إلى يوم الحساب.([37]

وهذا الجهل لا يقتصر على عدم العلم بحقيقة الأرض بل في الشاهد التالي جهل بحقيقة الله سبحانه وتعالى، وكيف يخاطبونه سبحانه وتعالى عما يقوله المفترون:(7قُمْ يَا رَبُّ! خَلِّصْنِي يَا إِلهِي! لأَنَّكَ ضَرَبْتَ كُلَّ أَعْدَائِي عَلَى الْفَكِّ. هَشَّمْتَ أَسْنَانَ الأَشْرَارِ). مزمور.3 ولا شك أن هذا النص وغيره كثير مما يدل دلالة صريحة على أنه مما كتبه البشر بأيديهم؛ إذ لا يجوز عقلا أن يقول الله عن نفسه هذا الخطاب، تعالى الله عما يقوله الظالمون، بل قال عن نفسه: ) اللَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ( سورة البقرة، 255.

ويتواصل تشريع وتأصيل هذه النظرة، والتربية على هذا الاستعلاء، واعتقاد أن المخالف ليس له حق حتى في الإيمان، وقد يقول قائل إن هذه الغطرسة والاستكبار خاصان بالديانة اليهودية وأتباعها فأقول: كذلك قال الذين من بعدهم مثل قولهم؛ فها هو منظر النصرانية بولس يقرر هذا المبدأ والعقيدة في كتابهم فيقول: (أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ صَلُّوا لأَجْلِنَا، لِكَيْ تَجْرِيَ كَلِمَةُ الرَّبِّ وَتَتَمَجَّدَ، كَمَا عِنْدَكُمْ أَيْضًا، 2وَلِكَيْ نُنْقَذَ مِنَ النَّاسِ الأَرْدِيَاءِ الأَشْرَارِ. لأَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ لِلْجَمِيعِ). رسالة بولس إلى أهل تيموثاوس3. فالإيمان ليس للجميع، وفيه توجسٌ من المخالف وريبة منه.

بل هذا التحجير للخير وقصر الدعوة على الأتباع منهج واضح في النصرانية، وشواهده كثيرة منها قول مرقس:(27وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهَا:«دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلاً يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ).مرقس 7. وقول متى:(26فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب». 27فَقَالَتْ:«نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!». 28حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ). متى 15. وقول متى أيضا:(6لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ). متى 7.  فشهدت هذه النصوص أن المخالف لهم عندهم بمنزلة الخنازير والكلاب، وأنه لا يحسن أن تقدم له الهداية، كما لا يحسن أن تقلد الخنازير الدر!!

لكن يجد الباحث نصا آخر في كتابهم المقدس يؤكد خلاف ذلك وهو قول متى: (19فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ).متى 28. فكيف التوفيق بين هذه النصوص المتعارضة؟!

والحق أن رسالة المسيح كانت رسالة خاصة لبني إسرائيل فقط، ولا تتعداهم إلى غيرهم، قال تعالى مخبرا عن المسيح عليه السلام أنه قال:) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ( سورة الصف،6. وفي كتابهم ما يشهد للقرآن الكريم من قول متى في إنجيله:(5هؤُلاَءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً:«إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. 6بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ). متى 10.

وحينما يعيد الباحث نظره في هذه النصوص يجد التناقض واضحا، فنصوص تثبت عموم الرسالة، ونصوص تثبت خصوصيتها، والخاص منها يوافق القرآن الكريم وهو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا التناقض دليل فاضح على تحريف كتبهم وتناقضها، فالحمد لله.

وهناك ملحظ آخر في هذه النصوص فنصوص تدعي أن المخالف بمنزلة الكلب والخنزير، ونصوص تؤكد خصوصية الرسالة دون أن تزدري الآخرين أو تحتقرهم، فأيهما الحق؟ لا شك أن الحق الذي جاء به المسيح عليه السلام هو عدم احتقار الآخرين، لكن الذي تسير عليه النصرانية المعاصرة هو الأول وهو احتقار المخالف وانتقاصه كما سيراه القارئ في ثنايا هذا البحث، وكما يشهد به الواقع المعاصر أعظم شهادة مما حفلت به النصوص، بل النصوص هي التي أسست هذا وربت عليه!

وفي الشاهد التالي المنع من الدخول على المخالف، وعدم الإذن له بالدخول عليهم «لاَ تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ). الملوك الأول 11.

وليقرأ القارئ القول التالي لكاتب المزامير:(118احْتَقَرْتَ كُلَّ الضَّالِّينَ عَنْ فَرَائِضِكَ، لأَنَّ مَكْرَهُمْ بَاطِلٌ.119كَزَغَل. عَزَلْتَ كُلَّ أَشْرَارِ الأَرْضِ). مزمور 119. ليعلم ما تؤسسه هذه النصوص من حقد وكراهية!

ولا يزال يرتضع من لبانتها من يهذي بالحقد، ويملي في سطوره الكراهية، ويدون العنصرية، فقلّب ما شئت من كتب غلاتهم ومتعصبيهم ومتدينيهم تجد من ذلك ما تخجل الأقلام من تدوينه، وتشمئز الأوراق من تسويده، وهذه نماذج قليلة تغني عن صحائف كثيرة، يقول المستشرق الفرنسي المتناقض كيمون في كتابه(باثولوجيا الإسلام): (إن الديانة المحمدية جذام تفشى بين الناس وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا، بل هي مرض مريع، وشلل تام، وجنون ذهولي يبعث الإنسان على الخمول والكسل، ولا يوقظه منهما إلا ليسفك الدماء، ويدمن معارة الخمور... إلى أن قال: والتعود على عادات تنقلب إلى طباع أصلية ككراهة لحم الخنزير والنبيذ والموسيقى).([38])

وفي مقدمة كتاب (السجل الكامل) ذكر المترجم الفاضل د. عبدالرحمن الشيخ أن المؤلف لهذا الكتاب كغيره من الكتاب الأوربيين- خاصة في أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط - يطلقون على المسلمين كلمة (مور) وهي مستمدة من الكلمة (مورسكيون) وتعني المسلمين الصغار، وهو مصطلح أطلق على المسلمين المطرودين من الأندلس.([39]

وهذا متعصب آخر وهو جورج بوش الجد في كتابه (محمد "ﷺ‬ " مؤسس الدين الإسلامي) وفي هذا الكتاب يطلق على الرسول ﷺ‬ لقب الدعي، رغم أنه اعترف بأن التوراة والإنجيل قد شهدا بنبوته، ويطلق على المسلمين مصطلح (سارسين) وفي مقدمة كتابه شَرَحَ مصطلحاته التي استخدمها في كتابه فأورد منها هذه الكلمة فقال: (سارسين  Saracensسرسري : أصلها اللغوي مشكوك فيه، وربما كانت من الفعل سرق، وتعني كلمة السارسين: اللصوص، والسراقين، والنهابين).([40]) وأيهما أولى بهذا اللقب نحن أم من ورد شرعهم المحرف بنهب المدن، وجاء تاريخهم منفذا لهذا التشريع، وليكن القارئ على ذكر من هذا المصطلح (النهب)  فكم تردد في هذا البحث من مرة؟ وقد أجريت بحثا إلكترونيا من خلال الحاسب في الكتاب المحرف وطلبت منه أن يستعرض كلمة (نهب) وما تصرف منها؛ فتبين أن هذه الكلمة (نهب) وما تصرف منها تكررت في الكتاب المحرف أكثر من إحدى وثمانين مرة، فأقول كما في المثل العربي: (رمتني بدائها وانسلت).

وقال د. محمود حمدي زقزوق في كتابه الإسلام في تصورات الغرب الذي هو عبارة عن ترجمة لثلاثة مقالات ([41])  -  تحت عنوان الإسلام وحده هو المستهدف: (والأمر الغريب هو أن الدراسات الغربية حول الديانات الوضعية مثل البوذية والهندوسية غالبا ما تكون دراسات موضوعية بعيدة عن أي تجريح، ولكن الإسلام وحده من بين كل الأديان هو الذي يتعرض في الغرب للنقد والتجريح، على الرغم من أنه دين يؤمن بالله ويحترم اليهودية والمسيحية ويؤمن بموسى وعيسى، ويرفعهما فوق النقد بوصفهما من أنبياء الله عليهم السلام).([42])

أما عن صورة العرب والمسلمين في الغرب فقد أحاط كتاب بهذا العنوان بكثير من محتويات هذه الصورة وأبان عن جوانبها، فمن ذلك ما عبر عنه نيكولاس الصحفي بجريدة (الواشطن بوست) حيث قال: (لم تشوه سمعة جماعة دينية أو ثقافية أو قومية ويحط من قدرها بشكل مركز ومنظم كما حدث للعرب).([43])

والمؤمنون بهذا الكتاب من يهود ونصارى هم مختلفون فيما بينهم، في من هو الذي على الحق، ومن الذي يستحق التفضيل، ومن الذي تخوّل له هذه النصوص العلو في الأرض؟!

فإذا قلب المرء صفحات كتابهم ومضى يفتش في تاريخهم، وكيف تعاملوا مع الشعوب الأخرى، يجد أن اليهود يعتقدون أنهم هم المعنيون بهذا التفضيل، وأنهم شعب الله المختار، وأن هذا التفضيل يبيح لهم احتقار الآخرين وسفك دمائهم، ونصوص العهد القديم وكثير منها مر معنا وسيمر في هذا البحث، ونصوص التلمود([44]) كلها تشرّع لذلك، وقد مارسه اليهود تطبيقا مبالغا فيه على مر التاريخ، وما ضحايا الفلسطينيين إلا خير شاهد على ذلك.

أما النصارى فهم ليسوا بمعزل عن ذلك فقد تعاملوا مع مخالفيهم سواءً من الهنود الحمر في أمريكا، أو مع اليهود أو مع المسلمين، أسوأ معاملة، أما موقف النصارى من الهنود الحمر فهو مبثوث في هذا البحث كشواهد على الإبادة أو حرق البشر أحياء، أو أكل البشر، أو الإسراف في القتل، مما لا يحتاج إلى مزيد من ذكر الشواهد.

أما موقف النصارى من اليهود فهو موقف غير مشرف، فقد مارسوا معهم التمييز وطردوهم من البلاد التي يسكنونها، فلم يسمحوا لهم بأن يساكنوهم في فترات من الزمن، وسأذكر بعض الشواهد، من ذلك أن النصارى اضطهدوا اليهود أشد الاضطهاد ولم يعترفوا لهم بأي حقوق مدنية، وكان هم الكنيسة المسيحية تفريق اليهود عن النصارى، والحفاظ على هذا التفريق، وكان قسيسوها من البابا حتى قس القرية يحملون على كل من تعامل مع اليهود من رعيتهم تعاملا سافرا، كما أن المجالس البلدية كانت تحذو حذو مجلس رافينا في إيطاليا حيث قرر سنة 1317 أنه بالرغم من سماح الكنيسة لليهود بالبقاء في الديار المسيحية يجب ألا يسمح لليهود بأن يؤذوا المسيحيين... وقرر هذا المجلس أن على رجال اليهود وضع دائرة من القماش الأصفر على ظهورهم، وعلى نسائهم وضعها على رؤوسهن؛ كي يتسنى للكل تمييزهم عن المسيحيين. وكان النظام الاجتماعي المقرر على اليهود أن ينضووا تحته هو نظام (الجيتو) وهي معسكرات مغلقة يجب أن يسكنها اليهود لئلا يخالطوا المجتمع النصراني.

وهذا النظام كان شائعا في أوروبا قبل عصر الثورة الفرنسية، ويرجعُ النصارى هذا النظام إلى حجة دينية نصرانية مفادها: أن النصارى يعتقدون أن اليهود هم الذين قتلوا وصلبوا المسيح عليه السلام، ورفضوه كمخلص للبشر، فأراد النصارى أن يبقى اليهود معذبين في الأرض ليكونوا مثلا وتحقيقا لخسران المعرضين عن المسيح، وحافظوا عليهم على هذه الحال لهذا الغرض، بل كان النصارى يرون أن إبقاء اليهود على هذا الوضع هو من مسئولية البابا.([45])

وهذا الحصار أو نظام الجيتو لم يسلم منه المسلمون، فبعد أن أحتل النصارى المدن الأندلسية صدر مرسوم ملكي يقضي بتأسيس جيتو وهذا نصه:(على جميع اليهود والعرب في كل مدينة وبلدة وقرية وناحية في المملكة أن يجتمعوا ويسكنوا في مناطق مخصصة لهم؛ لئلا يختلطوا بالمسيحيين، بل عليهم ألا يجتمعوا معهم تحت تسقف واحد).([46]

ومن يقرأ خبر تعامل نائب حاكم البرتغال أفنسو دلبو كيرك مع جنوده الذين تحولوا إلى الإسلام،([47]) في أثناء حروبه للمسلمين في سواحل الهند وسواحل الخليج العربي، يأخذه العجب، وذلك أنهم لما وقعوا في يده وقد أُخذ عليه العهد ألا يقتلهم فوفى بهذا العهد، وعاقبهم عقوبة أشد من القتل، فقد أمر بنزع شعر الواحد منهم شعرة شعرة، ومن الجذور، شعر الرأس وشعر اللحى، على السواء، وأمر بأن تملأ جروحهم وآذانهم وعيونهم وأفواههم طينا، وأمر بكل منهم فقطعت يده اليمنى وإبهام يده اليسرى. ([48])

وفي مصر أسلمت فتاتان قبطيتان وتزوجتا من مسلمين فنتج من ذلك أزمة كبرى وصلت إلى مستوى رئيس الجمهورية، واعتكف البابا شنودة في أحد الأديرة من أجلها، ورفع أمرهما للقضاء ليعدهن إلى أسرهن ومن ثم إلى دينهن. ([49]

والاستعمار الحديث خير شاهد على سوء تعامل النصارى مع المسلمين فقد استعمروا بل احتلوا بلادهم أو أكثرها قرابة مئة عام وخرجوا منها وهي تعيش التخلف كأشد ما يكون، بل أبقوا بلادها سوقا وميدانا فسيحا لمنتجاتهم الأوروبية، في حين ضمنوا أن تكون بلاد المسلمين أرضا خصبة لإنتاج العمالة الرخيصة الجاهلة التي تحقق لهم ازدهار مصانعهم بأرخص الأسعار.

 إذا هؤلاء تعاملوا مع المخالف هذا التعامل البشع سواء من حيث القتل والتشريد أو الاحتقار والاستخفاف.

وقد يقول قائل إن هذا صنيع زمن مضى، وتاريخ ولى، وأن الغرب اليوم غرب حضاري في تعامله ومعاييره، فأقول: من يتصفح المناهج الدراسية الغربية التي ورد بعض ما تضمنته في كتاب (صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم) يدرك أن النشء عندهم يتربى على هذه النظرة العنصرية، التي تطبعه بطابع الاستعلاء على الآخرين واحتقارهم، ويقول ما أشبه الليلة بالبارحة،  ومما جاء فيه تحت عنوان المركزية الأوروبية تصنع الآخر الإبليس!: (لعل أول ما يلحظه المتتبع لصورة العرب والمسلمين الشائعة في المناهج الدراسية في بريطانيا، أن النزعة المركزية الأوروبية هي التي تتحكم في صناعة هذه الصورة على مستوى الوعي واللاوعي، ولهذا السبب سأقتصر في هذه الدراسة على تقصي العوامل البنيوية التي أسهمت وما زالت تسهم في بلورة المناهج البريطانية، والبحث في كيفية تشكلها وانعكاس ذلك على صياغة الآخر وتصوره صمن أطر معرفية محددة سلفا يطلق عليها علم الاجتماع مصطلح "النموذج السلبي".

هذا النموذج الذي يؤكد وجود خصائص جوهرية، أو قل طبائع ثابتة للآخر، لا بد أن يؤدي إلى تعزيز التصورات المسبقة عنه، بحيث يمكن الحط من شأنه عن طريق ما يدعى بـ"الأبلسة" أي تحويل صورة الآخر إلى رمز للشر المطلق).([50])

وهذا تمييز عنصري في بلد آخر، إنه من بلد تدعي أنها راعية الحريات في العالم!! فقد رصد مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) عام 2000م أكثر من 1717 حادثة تمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر 2001 من بينها 74 حادث تمييز بالمدارس.([51]) فحتى محاضن التربية والتعليم لم تسلم من التمييز العنصري.

فاليهودي يعتقد أن كل من عداه في درجة أحط، ومنزلة أقل، ولذا يستبيح دمه، ويغتصب أرضه...، والنصراني كذلك.

فما السبب؟ وأين الحقيقة؟

إن السبب الذي جعل كل فريق يدعي أنه هو الفاضل، وأن له الحق في إبادة الآخرين واستعبادهم، هو في الحقيقة يرجع إلى أسباب عدة هي:

1-  اعتقاد أن كلا منهم على الحق وأنه على الدين الذي اختاره الله له، وأن غيره على الكفر المحض، ومن حقه أن يقتل الآخر ويبيده.

2-  البغي والعدوان وتحقيق شهوات النفس، وجحد الحق وكراهيته رغم معرفته به، قال تعالى مخبرا عن بني إسرائيل وموقفهم من الحق: )وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ( سورة الجاثية، 16، 17. وقال سبحانه وتعالى:) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ( سورة آل عمران،19. فبين أن الدين الحق هو الإسلام، وأن أهل الكتاب اختلفوا بعد ما جاءهم العلم بسبب البغي فحرموا الوصول إلى الهدى.

ولقد أخبر سبحانه وتعالى عن هذه الحقيقة التاريخية وهي أن كلا من اليهود والنصارى يدعي أنه على الحق وغيره على الضلال، فقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه:) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( سورة البقرة، 113.

فأخبر عنهم أنهم يدّعون أنهم على الحق، وبما أن الدين لله، والعباد عباد الله، والكل راجع إليه، فقد حكم وحكمه الفصل، وقوله الحق فقال تعالى:)إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ ( سورة آل عمران، 19. وقال أيضا :) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ( سورة آل عمران،85.

وأهل الإسلام وهم يعتقدون أن الحق هو الإسلام ولا دين صحيح غيره، وأن الإسلام هو الدين المقبول عند الله،([52]) إلا أن القرآن الكريم وسنة خاتم المرسلين ﷺ‬ فيهما من التوجيهات العظيمة والآداب الربانية التي تمنع من انتقاص الآخرين أو الاعتداء عليهم أو احتقارهم، بل تكفل حقوقهم وتحمي خصوصياتهم، بل لو قلت إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يعترف بالآخرين المخالفين ويوضح أحكام التعامل معهم ويكفل حقوقهم، ويوضح التدرج في التعامل معهم لم أكن مخطئا، قلّب الكتاب الكريم والسنة المطهرة تجد فيهما الأحكام المتعلقة باليهود والنصارى والمجوس والمشركين آمرة بدعوتهم إلى الإسلام، والعدل معهم والبر بهم والعفو عنهم إن كان ثمة مجال، وحفظ حقوقهم والإهداء إليهم إلى غير ذلك مما لا يتسع المقام لذكره.   

 وفيما يلي مجموعة من الشواهد والنصوص التي تبرهن على سمو تعامل أهل الإسلام مع مخالفيهم من اليهود والنصارى وغيرهم، نذكرها على سبيل الشاهد ليتضح الفرق العظيم بين الحالين، فمن ذلك :

1- ينهى القرآن عن الفحش والبذاءة في حق المخالف قال تعالى: )وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(سورة الأنعام،108. فنهى سبحانه وتعالى عن سب آلهة الكافرين المخالفين؛ لئلا يكون ذلك سبيلا لسب الله سبحانه وتعالى، ونهى سبحانه وتعالى عن السخرية بالأقوام فقال جل ثناؤه: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ( سورة الحجرات،11.

2- أن الله الكريم الرحمن أذن بالبر بالمخالف مالم يكن محاربا أو مظاهرا للمحاربين فقال عز شأنه وتقدست أسماؤه: ) لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( سورة الممتحنة،8.

3 ـ أن لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) تعاملا خاصا يحفظ لهم حياتهم في الديار والمدن التي يفتحها المسلمون من ديارهم ولهم أحكام خاصة تحفظ عليهم كنائسهم وبيعهم، وفي العهد الذي أعطاه عمر رضي الله عنه لأهل بيت المقدس عندما فتحها خير شاهد على سمو المعاملة، وحسن السياسة، وسلامة المنهج فقد نقل الإمام الطبري رحمه الله نص هذا العهد وفيه: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ؛ أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت؛ فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله؛ ومن أقام منهم فهو آمن؛ وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ؛ ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم؛ وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبدالرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. وكتب وحضر سنة خمس عشرة. ([53])

ولا يزال هذا دأب المسلمين مع مخالفيهم من العدل والإحسان؛ ولذا بقيت في العالم الإسلامي بقايا من أهل الكتاب إلى يوم الناس هذا يتمتعون بالحقوق التي يكفلها لهم الإسلام؛ ففي كثير من بلاد العالم الإسلامي تجد أقلية منهم، بل كانوا يعيشون في عواصم الخلافة في بغداد ودمشق وغيرها، في حين هل أبقت النصرانية المسلمين في الأندلس أو في غيرها كما مر معنا؟!

 ليس هذا هو ما حققه الإسلام لأهل الكتاب بل كانوا يرون المسلمين ملاذا لهم إذا عظُم الخلاف والشقاق بينهم، فقد كان كثير من المناطق الأوروبية تستنجد بالمسلمين العثمانيين لفتح ديارهم تخلصا من حكم النصارى الذين يسومونهم سوء العذاب كما ذكر ذلك الباحث الغربي كولز ونقله عنه عبدالله الشيخ في مقدمة كتاب (محمد مؤسس الدين الإسلامي). ([54])

وفي هذا البحث ذكرت موقف صلاح الدين حينما فتح بيت المقدس، وموقف محمد الفاتح حينما فتح القسطنطينية وكيف عاملوا النصارى معاملة سامية راقية، وهما من الشواهد التاريخية التطبيقية لهذا المنهج الراشد.

وتأمل هذه الآيات المباركات وكيف أخبرت عن حقيقتهم تجاهنا، وما الذي يجب فعله معهم، فبينت الآيات أنهم يسخرون منا ومن ديننا، وأن علينا ألا نتخذهم أولياء وأصفياء، وأن نقول لهم هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وبما  أنزل إلينا وأنزل إليكم، قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ.  قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ( سورة المائدة، 57- 59.

 المطلب العاشر: التمييز حتى بعد الموت

جاء في سفر إشعياء وفي سفر الأمثال أن قبر المخالف يكون مع قبور الأشرار، ويكون مع الأغنياء عند موته،(9وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ). إشعياء 53. أمثال 4فقرة 9. رغم أن هذا المخالف لم يعمل شرا ولم يكن غشاشا، ولا يتبين للباحث لماذا هذا الحكم رغم أنه لم يعمل شرا؟ ولا يتبين أيضا للباحث لماذا يكون مع الأغنياء عند موته؟ والمال في حد ذاته ليس مما يعاب على صاحبه، بل اليهود الذين هذا كتابهم تمدحوا بالغنى، ووصفوا الله بالفقر فقالوا:) إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ( سورة آل عمران، 181. فهذا تمييز حتى بعد الموت.

 المطلب الحادي عشر: الحسد للمخالف

أخبر الله في محكم تنزيله عن بعض ما تكنه صدورهم من حسد ورغبة في منع الخير، ويتمنون أن يغلقوا أبواب السماء لئلا ينزل منها الخير على الغير، قال جل ثناؤه:) مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ( سورة البقرة،105. فهم لا يريدون أن ينزل الله على عباده خيرا، وفي الآية التالية يخبر عز شأنه عنهم أنهم يودون أن يرتد أهل الإسلام عن الحق ويعودون كفارا، لماذا ؟ حسدا من عند أنفسهم، قال تعال:) وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( سورة البقرة،109.

وهذا الذي أخبر الله عنهم يشهد به عليهم كتابهم، ويصور لنا صورة بشعة من الحسد واستكثار الخير عند المخالف، وتمني زواله، ورد في سفر أيوب:(6عِنْدَمَا أَتَذَكَّرُ أَرْتَاعُ، وَأَخَذَتْ بَشَرِي رَعْدَةٌ. 7لِمَاذَا تَحْيَا الأَشْرَارُ وَيَشِيخُونَ، نَعَمْ وَيَتَجَبَّرُونَ قُوَّةً؟ 8نَسْلُهُمْ قَائِمٌ أَمَامَهُمْ مَعَهُمْ، وَذُرِّيَّتُهُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ. 9بُيُوتُهُمْ آمِنَةٌ مِنَ الْخَوْفِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ عَصَا اللهِ. 10ثَوْرُهُمْ يُلْقِحُ وَلاَ يُخْطِئُ. بَقَرَتُهُمْ تُنْتِجُ وَلاَ تُسْقِطُ. 11يُسْرِحُونَ مِثْلَ الْغَنَمِ رُضَّعَهُمْ، وَأَطْفَالُهُمْ تَرْقُصُ. 12يَحْمِلُونَ الدُّفَّ وَالْعُودَ، وَيُطْرِبُونَ بِصَوْتِ الْمِزْمَارِ. 13يَقْضُونَ أَيَّامَهُمْ بِالْخَيْرِ). أيوب 21. لماذا يقضون أيامهم بالخير؟ لماذا أطفالهم ترقص؟ لماذا يحيون ويشيخون؟ وينكر عليهم الحق هذا الحسد فيقول: ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا(. سورة النساء، 54.

لينظر القارئ كيف تغلي مراجل الحسد في صدورهم فتبلغ بهم إلى درجة مساءلة الله على حكمه وقضائه، فلا إله إلا الله ما أعظم حلمه على خلقه، ورد في سفر إرمياء:(1أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا! 2غَرَسْتَهُمْ فَأَصَّلُوا. نَمَوْا وَأَثْمَرُوا ثَمَرًا. أَنْتَ قَرِيبٌ فِي فَمِهِمْ وَبَعِيدٌ مِنْ كُلاَهُمْ. 3وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَنِي. رَأَيْتَنِي وَاخْتَبَرْتَ قَلْبِي مِنْ جِهَتِكَ. اِفْرِزْهُمْ كَغَنَمٍ لِلذَّبْحِ، وَخَصِّصْهُمْ لِيَوْمِ الْقَتْلِ). إرمياء 12. ماذا يطلب بعد هذا الاعتراض افرزهم كغنم للذبح، وخصصهم ليوم القتل، وأن تقتصر نِعَمُ الله عليه فقط. والله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو الحكيم الخبير يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء.

 المطلب الثاني عشر: نجاسة المخالف

قال الحق وقوله الحق: ) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ( سورة الزمر،3. فالدين لله، وهو الذي يحكم بصحة انتساب أمة إلى الدين الحق، وهو الذي يحكم بخروج أخرى عن السبيل، وقد حكم وحكمه العدل أن الدين المقبول عنده هو الإسلام، قال عز شأنه: )إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ( سورة آل عمران،19. وبين سبحانه وتعالى أن من تعبد لله بغيره فلن يقبل منه، قال سبحانه وتعالى: ) وَمَن يَبْتَغِ غَيْر الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ( سورة آل عمران،85.

وأوضح سبحانه أن من اعتقد أن لله ولدا، فقد كفر، قال جل ثناؤه: )وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ( سورة التوبة،30. فأخبر عن قولهم، وحكم على فعلهم، وبين مشابهتهم لأسلافهم الوثنيين، وقال عز شأنه: )لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ( سورة المائدة، 17. وقال سبحانه:)لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ( سورة البينة،1. فحكم سبحانه وتعالى عليهم بالكفر... وحكم عليهم المسيح به أيضا فقال كما يروي متى(يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!). متى23. ومع كل ذلك لا يزالون يحكمون على مخالفيهم بأنهم أشرار وكفار وأنهم أنجاس لا يجوز أن يدخلوا مواطن عبادتهم: (19وَأَوْقَفَ الْبَوَّابِينَ عَلَى أَبْوَابِ بَيْتِ الرَّبِّ لِئَلاَّ يَدْخُلَ نَجِسٌ فِي أَمْرٍ مَّا). أخبار الأيام 2/23. وهذا شاهد آخر على منع المخالف من دخول مواطن عباداتهم، قال إشيعاء: (1اِسْتَيْقِظِي، اسْتَيْقِظِي! الْبَسِي عِزَّكِ يَا صِهْيَوْنُ! الْبَسِي ثِيَابَ جَمَالِكِ يَا أُورُشَلِيمُ، الْمَدِينَةُ الْمُقَدَّسَةُ، لأَنَّهُ لاَ يَعُودُ يَدْخُلُكِ فِي مَا بَعْدُ أَغْلَفُ وَلاَ نَجِسٌ). إشعياء52. وفي المزامير خير عن دخول المخالفين للهيكل وأن مجرد دخولهم جعله نجسا: (1اَلَّلهُمَّ، إِنَّ الأُمَمَ قَدْ دَخَلُوا مِيرَاثَكَ. نَجَّسُوا هَيْكَلَ قُدْسِكَ). مزمور 99.

ومما يؤكد ما ورد في بداية هذه الفقرة من مخالفتهم للحق، وأن كتبهم تشهد عليهم بالمخالفة ومع ذلك يعتقدون أن غيرهم أنجاس؟؟!!: (10وَالآنَ، فَمَاذَا نَقُولُ يَا إِلهَنَا بَعْدَ هذَا؟ لأَنَّنَا قَدْ تَرَكْنَا وَصَايَاكَ 11الَّتِي أَوْصَيْتَ بِهَا عَنْ يَدِ عَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ قَائِلاً: إِنَّ الأَرْضَ الَّتِي تَدْخُلُونَ لِتَمْتَلِكُوهَا هِيَ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ بِنَجَاسَةِ شُعُوبِ الأَرَاضِي، بِرَجَاسَاتِهِمِ الَّتِي مَلأُوهَا بِهَا مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ بِنَجَاسَتِهِمْ. 12وَالآنَ فَلاَ تُعْطُوا بَنَاتِكُمْ لِبَنِيهِمْ وَلاَ تَأْخُذُوا بَنَاتِهِمْ لِبَنِيكُمْ، وَلاَ تَطْلُبُوا سَلاَمَتَهُمْ وَخَيْرَهُمْ إِلَى الأَبَدِ لِكَيْ تَتَشَدَّدُوا وَتَأْكُلُوا خَيْرَ الأَرْضِ وَتُورِثُوا بَنِيكُمْ إِيَّاهَا إِلَى الأَبَدِ. 13وَبَعْدَ كُلِّ مَا جَاءَ عَلَيْنَا لأَجْلِ أَعْمَالِنَا الرَّدِيئَةِ وَآثَامِنَا الْعَظِيمَةِ، لأَنَّكَ قَدْ جَازَيْتَنَا يَا إِلهَنَا أَقَلَّ مِنْ آثَامِنَا وَأَعْطَيْتَنَا نَجَاةً كَهذِهِ، 14أَفَنَعُودُ وَنَتَعَدَّى وَصَايَاكَ وَنُصَاهِرُ شُعُوبَ هذِهِ الرَّجَاسَاتِ؟ أَمَا تَسْخَطُ عَلَيْنَا حَتَّى تُفْنِيَنَا فَلاَ تَكُونُ بَقِيَّةٌ وَلاَ نَجَاةٌ؟). نحميا 9. فرغم مخالفتهم وصايا الأنبياء، وترك الوصايا الإلهية يترفعون على الشعوب ورعا وتطهرا!.

 وفي سفر أستير الإصحاح الأول شاهد مماثل لهذا في اعتقاد نجاسة المخالف وتحريم مصاهرته، وتضمن هذا السفر أيضا أن نبي الله سليمان عليه السلام قد تزوج من هؤلاء النسوة النجسات، فهم يرون أنهم أكثر ورعا من أنبياء الله، وأن الأنبياء لا يتورعون عما يتورع منه سائر البشر. وحاشا رسل الله من ذلك. وفي سفر حزقيال أن ابن الغريب لا يدخل المكان المقدس:(9هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: ابْنُ الْغَرِيبِ أَغْلَفُ الْقَلْبِ وَأَغْلَفُ اللَّحْمِ لاَ يَدْخُلُ مَقْدِسِي، مِنْ كُلِّ ابْنٍ غَرِيبٍ الَّذِي مِنْ وَسْطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ). حزقيال 44.

 وجاء في سفر حزقيال أيضا أنهم أدخلوا الأصنام في أماكن عبادتهم؛ ولذا عاقبهم الله أن يسلمها لأشرار الأرض، ويجعل الأشرار ينجسونها: (20أَمَّا بَهْجَةُ زِينَتِهِ فَجَعَلَهَا لِلْكِبْرِيَاءِ. جَعَلُوا فِيهَا أَصْنَامَ مَكْرُهَاتِهِمْ، رَجَاسَاتِهِمْ، لأَجْلِ ذلِكَ جَعَلْتُهَا لَهُمْ نَجَاسَةً. 21أُسْلِمُهَا إِلَى أَيْدِي الْغُرَبَاءِ لِلنَّهْبِ، وَإِلَى أَشْرَارِ الأَرْضِ سَلْبًا فَيُنَجِّسُونَهَا. 22وَأُحَوِّلُ وَجْهِي عَنْهُمْ فَيُنَجِّسُونَ سِرِّي، وَيَدْخُلُهُ الْمُعْتَنِفُونَ وَيُنَجِّسُونَهُ). حزقيال 7. إذا أدخلوا الأصنام في معابدهم، وعاقبهم الله بأن سلط عليهم أشرار الأرض فنجسوها، فما مبرر طهرهم؟! هل هو العنصر والعرق فقط؟ إن العرق لا يغني، والجنس لا يزكي صاحبه إن لم يزكه الله.

ولينظر القارئ كيف يكون الورع عن مس المخالف فلا يمسهم إلا برمح أو عصا: (5أَلَيْسَ هكَذَا بَيْتِي عِنْدَ اللهِ؟ لأَنَّهُ وَضَعَ لِي عَهْدًا أَبَدِيًّا مُتْقَنًا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَمَحْفُوظًا، أَفَلاَ يُثْبِتُ كُلَّ خَلاَصِي وَكُلَّ مَسَرَّتِي؟ 6وَلكِنَّ بَنِي بَلِيَّعَالَ جَمِيعَهُمْ كَشَوْكٍ مَطْرُوحٍ، لأَنَّهُمْ لاَ يُؤْخَذُونَ بِيَدٍ. 7وَالرَّجُلُ الَّذِي يَمَسُّهُمْ يَتَسَلَّحُ بِحَدِيدٍ وَعَصَا رُمْحٍ، فَيَحْتَرِقُونَ بِالنَّارِ فِي مَكَانِهِمْ). صموئيل الثاني 23.

والقرآن الكريم ذكر أن المشركين (نجس) ولكن نجاستهم معنوية وليست نجاسة ذاتية، فيجوز الأكل في أوانيهم التي لم تمس نجسا، والنبي ﷺ‬ توضأ من مزادة امرأة مشركة، ([55]) وأباح طعام أهل الكتاب، وأحل نكاح نسائهم وهم كفار، والممنوع فقط هو ألا ينكح المسلم وثنية لكفرها ولوثنيتها، وألا ينكح الكافر المسلمة، وألا يدخلوا المسجد الحرام وهم متلبسون في كفرهم، لكن بقية المساجد لا حرج في دخولهم؛ إن كان ثمة مصلحة من ذلك، كما لا حرج من دخولهم منازل المسلمين والجلوس معهم ومشاركتهم طعامهم، بل قد يكون ذلك واجبا أو مستحبا بحسب الحال المصاحبة لذلك، قال تعالى:) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ( سورة التوبة،6.

 المطلب الثالث عشر: استباحة دم المخالف

مضى الحديث فيما سبق عن نجاسة المخالف، وأنه لا يجوز أن يدخل مواطن العبادة، وهاهنا تشريع يبيح قتل المخالف لمجرد اقترابه من بيت العبادة، وما دام أنه نجس فلا حرج من منعه من الاقتراب، ولا حرج أيضا من قتله إن اقترب فلا حرمة لنجس!! جاء في سفر العدد وهو من الأسفار المعظمة عندهم؛ لأنه من الأسفار الخمسة التي يعتقدون أن موسى عليه السلام كتبها: (51فَعِنْدَ ارْتِحَالِ الْمَسْكَنِ يُنَزِّلُهُ اللاَّوِيُّونَ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْمَسْكَنِ يُقِيمُهُ اللاَّوِيُّونَ. وَالأَجْنَبِيُّ الَّذِي يَقْتَرِبُ يُقْتَلُ). عدد 1.

 المطلب الرابع عشر: الدعاء على المخالف

لا يكتفي الكتاب المحرف بأن يشرع للمؤمنين به استباحة دم المخالف، وقتله وتشريده، وحرق مدنه ونهب خيراته ومدخراته، وليس ذلك تشريعا فحسب، بل يورد من ذلك المثلات التي حلت بساحة الأمم المجاورة لهم على مر التاريخ مما تقشعر لهوله الأبدان، وتدمع عند قراءته العيون، ومع ذلك يورد نماذج من الدعوات التي يستنزلون بها العذاب والخزي على المخالف، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يستجيب لمن بغى وظلم، ولا يحب المعتدين في الدعاء ولا في غيره، قال تعالى: ) وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ( سورة البقرة,190. والقارئ عندما يقرأ هذه الدعوات سيصاب بالذعر مما تضمنته من أنواع الأذى الذي يرجون أن يحل بالمخالف، وهذه الدعوات هي:

- (6اَللَّهُمَّ، كَسِّرْ أَسْنَانَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمِ. اهْشِمْ أَضْرَاسَ الأَشْبَالِ يَا رَبُّ. 7لِيَذُوبُوا كَالْمَاءِ، لِيَذْهَبُوا. إِذَا فَوَّقَ سِهَامَهُ فَلْتَنْبُ. 8كَمَا يَذُوبُ الْحَلَزُونُ مَاشِيًا. مِثْلَ سِقْطِ الْمَرْأَةِ لاَ يُعَايِنُوا الشَّمْسَ. 9قَبْلَ أَنْ تَشْعُرَ قُدُورُكُمْ بِالشَّوْكِ، نِيئًا أَوْ مَحْرُوقًا، يَجْرُفُهُمْ. 10يَفْرَحُ الصِّدِّيقُ إِذَا رَأَى النَّقْمَةَ. يَغْسِلُ خُطُواتِهِ بِدَمِ الشِّرِّير). مزمور 58.

    - (17مَا أَكْرَمَ أَفْكَارَكَ يَا اَللهُ عِنْدِي! مَا أَكْثَرَ جُمْلَتَهَا! 18إِنْ أُحْصِهَا فَهِيَ أَكْثَرُ مِنَ الرَّمْلِ. اسْتَيْقَظْتُ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكَ. 19لَيْتَكَ تَقْتُلُ الأَشْرَارَ يَا اَللهُ. فَيَا رِجَالَ الدِّمَاءِ، ابْعُدُوا عَنِّي). مزمور 139

- (أَمَّا الشِّرِّيرُ وَمُحِبُّ الظُّلْمِ فَتُبْغِضُهُ نَفْسُهُ. 6يُمْطِرُ عَلَى الأَشْرَارِ فِخَاخًا، نَارًا وَكِبْرِيتًا).مزمور11.

- (18وَلَمَّا نَزَلُوا إِلَيْهِ صَلَّى أَلِيشَعُ إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «اضْرِبْ هؤُلاَءِ الأُمَمَ بِالْعَمَى، فَضَرَبَهُمْ بِالْعَمَى كَقَوْلِ أَلِيشَعَ). ملوك الثاني 6.

- (5يَا رَبُّ، طَأْطِئْ سَمَاوَاتِكَ وَانْزِلِ. الْمِسِ الْجِبَالَ فَتُدَخِّنَ. 6أَبْرِقْ بُرُوقًا وَبَدِّدْهُمْ. أَرْسِلْ سِهَامَكَ وَأَزْعِجْهُمْ. 7أَرْسِلْ يَدَكَ مِنَ الْعَلاَءِ). مزمور144.

فكم من المصائب تمناها للمخالف، فهل سمع القارئ أو قرأ من يرجو أن تمطر السماء كبريتا وفخاخا ونارا، ويتمنى أن يغتسل بدمائهم، وأن تتكسر أضراس الأطفال... هل سمع القارئ بأبشع من هذه الأنفس المطبوعة بالحقد والضغينة التي تتمنى هذه الأماني الموحشة المفجعة؟! ألا يعلم أن لو أمطرت السماء كبريتا ونارا لاحترق فيها مع خصمه؟! ولكن الحقد يعمي ويصم.

 المطلب الخامس عشر: إفساد مال المخالف

هل أبقت شرائع هذا الكتاب للمخالف مرفقا من مرافق الحياة لم تحاصره فيه، وفي الوقت نفسه تمنح المؤمن به أن يتطاول على مخالفيه وهو يستند إلى شريعة مقدسة في نظره، فتراه يتعبد وهو يؤذي، ويتعبد وهو يسفك، ويتعبد وهو يدمر ويبيد، فما بقي من مال للمخالف لم ينهب فمآله الحرق، ورد في سفر القضاة: (3فَقَالَ لَهُمْ شَمْشُونُ: «إِنِّي بَرِيءٌ الآنَ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ إِذَا عَمِلْتُ بِهِمْ شَرًّا». 4وَذَهَبَ شَمْشُونُ وَأَمْسَكَ ثَلاَثَ مِئَةِ ابْنِ آوَى، وَأَخَذَ مَشَاعِلَ وَجَعَلَ ذَنَبًا إِلَى ذَنَبٍ، وَوَضَعَ مَشْعَلاً بَيْنَ كُلِّ ذَنَبَيْنِ فِي الْوَسَطِ، 5ثُمَّ أَضْرَمَ الْمَشَاعِلَ نَارًا وَأَطْلَقَهَا بَيْنَ زُرُوعِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، فَأَحْرَقَ الأَكْدَاسَ وَالزَّرْعَ وَكُرُومَ الزَّيْتُونِ. 6فَقَالَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ: «مَنْ فَعَلَ هذَا؟» فَقَالُوا: «شَمْشُونُ صِهْرُ التِّمْنِيِّ). قضاة 15. إنها طريقة مبتكرة في الإتلاف، وهي في نفس الوقت موغلة في الإحراق.

وبعد أن استكملت الصور التي وقفت عليها من صور التمييز العنصري في الكتاب المحرف - وهي حتما ليست كل ما حواه من الصور والمآسي – فقد شارف البحث على نهايته، وهذا أوان ذكر خاتمته.


 الخاتمة

الحمد لله ملء السموات وملء الأرض، وله الحكم في الأولى والأخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله وأمينه على وحيه، فصلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد

 فقد خلص الباحث من هذا البحث النتائج الآتية:

1-    ما ورد في كتابهم وما حفلت به شواهد التاريخ موافق تماما لما أخبر الله عنهم في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ‬ .

2-    ثبت أن شرائع الإسلام في هذا الجانب - على وجه الخصوص كما هي في بقية الجوانب – لا تساميها شريعة محرفة أو شريعة وضعية، فضلا عن أن يتطاول على الإسلام من يعتقد هذه العقائد المحرفة ثم يرمي الإسلام بما هو منه براء.

3-       أن الكتاب المحرف يعظمه اليهود والنصارى حسب ما أوضحته في ثنايا البحث، وأن أكثرهم يسيرون عليه في تعاملهم مع المخالف.

4-       أن الشواهد التي تضمنها البحث تشهد – كما يشهد غيرها من آلاف الشواهد - على أن كتابهم المقدس كتاب محرف، صاغه البشر لتحقيق أغراض البشر.

5-       أن الكتاب المحرف كتاب يؤسس للعنصرية ويشرع الإقصاء للمخالف، ويبيح سفك الدماء لمجرد المخالفة في الدين أو القوم أو العنصر.

6-       أن كثيرا من الدول الغربية المعاصرة تتأثر سياساتها بتعاليم الكتاب المحرف، وتبني كثيرا من علاقاتها على وعوده وبشاراته.

7-       أن الكتاب المحرف يشرع التمييز العنصري في أبشع صوره وحالاته، فهو يبيح استرقاق المخالفين لأتفه الأسباب، كما يمنع أتباعه من قطع العهد مع المخالف.

8-       أنه يعاقب الأجيال بجريرة الآباء والأجداد، ويحاسب الإنسان على ما ليس له يد فيه كالبرص.

وغير ذلك مما حواه هذا البحث المتواضع من نتائج يجدها القارئ في ثناياه، ونسأل الله بمنه وكرمه وفضله أن يجعله خالصا لوجهه، موافقا لسنة نبيه ﷺ‬ ، وأن يجعله من العلم النافع إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله أولا وآخرا، وأصلي وأسلم على خاتم رسله وأنبيائه. 

فهرس لأهم المراجع

- القرآن الكريم

- الإسلام أصوله ومبادئه، د محمد بن عبد الله السحيم، ن وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض، 1421هـ.

- البداية والنهاية، تأليف أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، ت د عبد الله بن عبد المحسن التركي، ن دار هجر، ط 1.

- تحفة الأحوذي، محمد بن عبد الرحمن المباركفوري، ن دار الكتب العلمية، بيروت.

- تعظيم الحرم، د محمد بن عبد الله السحيم، ن المؤلف، 1427هـ.

- التنصير خطة لغزو العالم، مجموعة الأبحاث المقدمة إلى مؤتمر كلورادو عام 1979م.

- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تأليف عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ن مؤسسة الرسالة، 1421هـ.

- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تأليف: محمد بن جرير الطبري، ن: مؤسسة الرسالة، المحقق: محمد أحمد شاكر ، الطبعة الأولى 1420 هـ .

- جذور البلاء، عبد الله التل، ن المكتب الإسلامي بيروت، ط 2، 1398.

- الحرب الصليبية الأخيرة تأليف: باربرا فيكتورالمركز الثقافي العربي2006

- حضارة العرب، تأليف غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، طبع في مطابع عيسى البابي الحلبي.

- السجل الكامل لأعمال أفونسو دلبوكيرك، ألفه وجمع وثائقه ابنه غير الشرعي، ترجمه إلى العربية د عبد الرحمن بن عبد الله الشيخ، ن المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة.

- سلسلة محاضرات تبسيط الإيمان، لنيافة،الأنبا بيشوى، على الرابط، www.christpal.com

- سنن البيهقي ، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ت محمد عبد القادر عطا، ن مكتبة درا الباز، مكة المكرمة، 1414.

- صحيح البخاري، محمد بن أسماعيل البخاري، ن دار ابن كثير ، بيروت، 1407.

- صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي،  ن دار إحياء التراث.

- صحيح بن حبان ، محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم البستي، ت شعيب الأرناؤوط، ن دار الرسالة، ط 2، بيروت، 1414.

- صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم، مجموعة من الباحثين، ضمن سلسة كتاب مجلة المعرفة، تصدر عن مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، الرياض، ط1، 1424هـ.

- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت محب الدين الخطيب، ن دار المعرفة،  بيروت

- الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، محمد البهي، ط 9، 1401هـ، ن مكتبة وهبة، القاهرة، مصر.

- في مقارنة الأديان بحوث ودراسات، د محمد الشرقاوي، ن دار الهداية، ط 1 ، 1406هـ

- القدس تحت الحكم الصليبي ودور صلاح الدين في تحريرها، شفيق جاسر أحمد محمود.

- قاموس الكتاب المقدس، مجموعة من الباحثين، ن دار الثقافة، ط7،، وهو على الرابط، www.albishara.org.

- الكتاب المقدس، ن دار الكتاب المقدس، 1961م.

- محمد ﷺ‬ مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين، جورج بوش، ترجمة د عبدالرحمن عبدالله الشيخ، ن دار المريخ، الرياض، ط 1، 1425هـ .

- المسند ،الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ن مؤسسة قرطبة، مصر.

- المسيحية والسيف، وثائق إبادة هنود القارة الأمريكية على أيدي المسيحيين الإسبان، رواية شاهد عيان، تأليف المطران، برتلومي دي لاس كازاس، ترجمة سميرة عزمي الزين، ن منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، ط1، 1411هـ .

- الملل المعاصرة في الدين اليهودي، د إسماعيل راجي الفاروقي، ن مكتبة وهبة، القاخرة، مصر، ط 2، 1408هـ.

- موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية، المؤلف: عبد الوهاب المسيري، على موقع صيد الفوائد، على الرابط، www.saaid.net.

- النبوءة والسياسة الإنجيلون العسكريون في الطريق إلى الحرب النووية، غريس هالسل، ترجمة محمد السماك، ن الناشر للطباعة والتوزيع، ط3، 1411هـ.

- اليهودي شاول بولس الطرسوسي وأثره في العقائد النصرانية الوثنية، تأليف د محمد ملكاوي، ن دار الإسراء والمعراج، ط 1، 1412هـ.


محتويات البحث

الموضوع                                                                               الصفحة

المقدمة ............................................................................................................ 2 أسباب كتابة هذا البحث ..................................................................................... 5                                                                                                

المبحث الأول: مكانة الكتاب المقدس عند أهل الكتاب...............................................8

المسألة الأولى: الكتب الدينية عند اليهود...................................................................9

المسألة الثانية: الكتب الدينية عند النصارى..............................................................10

المطلب الثاني: موقف المسلمين من الكتاب المقدس ................................................. 13

المبحث الثاني: التمييز العنصري في الكتاب المقدس ................................................. 16

المطلب الأول: تعبيد الشعوب واسترقاقهم وإذلالهم ................................................ 16

المطلب الثاني: لا يقطع مع المخالف عهداً ولا عقداً ولا يصاهره ولا يشفق عليه...............20

المطلب الثالث: أن لا يؤذن لمن أصيب بعاهة لا دخل له فيها أن يدخل في جماعة الرب..........22

المطلب الرابع: معاقبة الأبناء بجريرة الآباء حتى الجيل العاشر ..................................... 22

المطلب الخامس: التمييز في التعامل الاقتصادي .................................................... 23

المطلب السادس: إذلال الملوك وقتلهم ................................................................... 23

المطلب السابع: قتل النساء والأطفال بعد سبيهم واسترقاقهم ...................................... 25

المطلب الثامن: زرع البغضاء والكراهية وتأصيلها حتى بين أقرب المقربين ...................... 26

المطلب التاسع: انتقاص المخالف واحتقاره .............................................................. 29

المطلب العاشر: التمييز حتى بعد الموت ................................................................. 41

المطلب الحادي عشر: الحسد للمخالف ............................................................. 41

المطلب الثاني عشر: نجاسة المخالف ................................................................... 43

المطلب الثالث عشر: استباحة دم المخالف ......................................................... 45

المطلب الرابع عشر: الدعاء على المخالف ........................................................... 46

المطلب الخامس عشر: إفساد مال المخالف .......................................................... 47

الخاتمة ............................................................................................................. 48

فهرس المراجع ................................................................................................50

الفهرس............................................................................................................53

ملخص البحث:

اسم البحث: موقف اليهود والنصارى من مخالفيهم من خلال كتابهم المقدس ومن خلال شواهد التاريخ (القسم الأول التمييز العنصري).

مجال البحث: الدراسات الإسلامية، العقيدة الإسلامية، مجادلة أهل الكتاب.

اسم الباحث: الدكتور محمد بن عبد الله بن صالح السحيم .

عدد صفحات البحث: 54 صفحة.

خلاصة البحث:

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى.

أما بعد:

فقد خلص الباحث في هذا البحث إلى أن التوراة والإنجيل الموجودين اليوم بأيدي اليهود والنصارى التي يطلق عليها (الكتاب المقدس) الذي يعتقد اليهود والنصارى عصمته وقدسيته أنه كتاب محرف، وأنه كتاب يؤسس البغضاء، ويشرع لإقصاء المخالف وسفك دمه وسلب وطنه وماله، بسبب مخالفة العرق أو العنصر أو الدين، كما أنه اشتمل على أخبار بشعة في التعامل مع المخالف. من مثل تقصد إذلال الملوك والأكابر ، وقتل النساء والصبيان، واحتقار المخالف واعتقاد نجاسته.

وتبين أيضا أن الكثير من اليهود النصارى يطبقون هذا التعاليم ويمارسون أشنع المثلات مع مخالفيهم اتباعا لهذه التعاليم الدينية، وأن حوادث التاريخ المتقدمة والمتأخرة التي يشارك فيها اليهود والنصارى تطبق فيها هذه التعاليم الدينية، وثبت أيضا أن ما ورد في كتابهم وما حفلت به شواهد التاريخ موافق تماما لما أخبر الله عنهم في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ‬ .

وثبت أيضا أن شرائع الإسلام في هذا الجانب - على وجه الخصوص كما هي في بقية الجوانب – لا تساميها شريعة محرفة أو شريعة وضعية؛ فضلا عن أن يتطاول على الإسلام من يعتقد هذه العقائد المحرفة ثم يرمي الإسلام بما هو منه براء.

كما تبين أيضا سمو الإسلام في شرائعه وتعامله مع المخالف بل هو الدين الوحيد الذي تجد في نصوصه أحكاما متعددة ومتنوعة تختص بالمخالف أيا كان دينه أو جنسه.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وس



([1])  صحيح البخاري 1/3، وصحيح مسلم 3/1515. واللفظ للبخاري.

([2])  النبوءة والسياسة 74.

([3])  جامع البيان 4/64.

([4]) انظر تقريرا حول هذا الموضوع على الرابط  t www.almahdy.ne، وانظر أيضا كتاب صناع الشر، 62، 139.

([5])  اليهودية والمسيحية 101.

([6])  موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 13/194.

([7])  الذي جعل الكاتب يدرج هذه الأوصاف للكتبة هو أن بعض أناجيلهم تنسب إلى صياد سمك، وأخر إلى جابي ضرائب، والبحث العلمي يرفض هذا الزعم، انظر دراسة بوكاي عن الكتاب المقدس في مفتتح كتابه : القرآن والتوراة والإنجيل والعلم، دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة5-62.

[8]))  ينظر أثر اليهود على الديانة النصرانية.

([9]) وفي نهاية تعريف قاموس الكتاب المقدس بالكتاب المقدس قال عن كيفية نسخه: إلا أنه لم يصل إلينا بعد شيء من النسخ الأصلية التي كتبها هؤلاء الملهمون– أي كتابها الأوائل - أو كتاباتهم، وكل ما وصل إلينا هو نسخ مأخوذة عن ذلك الأصل، ومع أن النساخ قد اعتنوا بهذه النسخ اعتناء عظيما فقد كان لابد من تسرب بعض السهوات  الإملائية الطفيفة جدا إليها) قاموس الكتاب المقدس، مادة كتاب.

([10]) قاموس الكتاب المقدس، مادة كتاب، وسيظهر للقارئ مناسبة هذا الكتاب للبشرية من عدمه، كما سيظهر له أيضا أن تعاليمه كانت أساسا لشرائع أمم كثيرة، وأن هذه الشرائع أسهمت في إبادة البشر، واستحلال ديارهم، واستباحة دمائهم.

([11])  الدراسات التي تناولت العهدين من حيث النقد كثيرة جدا منها على سبيل المثال: الفصل لابن حزم، الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهداية الحيارى، لابن القيم، وإظهار الحق لرحمة الله الهندي، والقرآن والتوراة والإنجيل والعلم لموريس بوكاي، ونقد التوراة للسقا.

([12]) سلسلة محاضرات تبسيط الإيمان، للأنبا بيشوي، على الرابط، http://www.christpal.com

([13])  فتح الباري 13/525، والحديث في المسند3/338، وسنن البيهقي الكبرى2/10، ومصنف عبد الرزاق10/311.

([14])  انظر الفصل لابن حزم رحمه الله 1/93، وفي مقارنة الأديان 61.

([15] (  انظر اليهودي شاول بولس الطرسوسي وأثره في العقائد النصرانية الوثنية، تأليف د محمد ملكاوي..

([16] (الخبر على هذا  الرابط  http://www.islamonline.net/Arabic/news/ .

([17] (  الخبر على الرابط  http://www.aljazeera.net .

([18])  حضارة العرب 330.

([19])  السنن الكبرى للبيهقي 9/233، والقصة وردت مختصرة في المسند 4/325، وصحيح البخاري، ح 112، /153، وصحيح مسلم، ح 1355، 2/989.

([20]) تيسير الكريم الرحمن 327.

([21])  المسيحية والسيف 55.

([22] (  المسند 2/292، صحيح ابن حبان11/75، السنن الكبرى للبيهيقي7/255.

([23] (  فتح الباري 8/11.

([24] (  المصدر السابق  والصفحة نفسها.

([25])  علاقات بين الشرق والغرب 142، وفلسطين بلادنا 1/191، نقلا عن القدس تحت الحكم الصليبي ودور صلاح الدين في تحريرها71- 73.

([26])  حضارة العرب 330.

 ([27]) تاريخ الدولة العلية العثمانية عن فتح القسطنطينية، السجل الكامل لأعمال أفونسو دلبوكيرك، 3/262.

[28])) التنصير خطة لغزو العالم الإسلامي825.

([29] (  صحيح ابن حبان 8/6.

([30] (  صحيح مسلم، ح 2664، 4/2052.

([31] ( ولا أحد يحب الموت لذاته، بل محبة الحياة أمر فطري، ولكن هذه النصوص تأتي بما يتعارض مع العقل والفطرة .

([32] (  صحيح البخاري، ح 2736، 3/1059 وصحيح مسلم، ح 1365، 2/993.

([33])  جامع البيان 4/65.

([34]) المسند 2/453، وصحيح ابن حبان 3/259.

([35] (  إشارة إلى آية 104 من سورة الأنبياء.

([36] (  إشارة إلى الآية 45 من سورة فاطر..

([37] (  إشارة إلى الآية 42 من سورة إبراهيم..

([38])  الفكر الإسلامي الحديث 55. وتأمل كيف وصفهم في صدر هذا النقل بأنهم يدمنون معاقرة الخمور، ثم في آخره وصفهم بأنهم يتصفون بصفات أصيلة وعد منها كراهية النبيذ، وهو نوع من الخمر.

([39])  السجل الكامل  1/5 – 7.

([40])  محمد ﷺ‬ مؤسس الدين الإسلامي ص a و96، 415، 416.

(2) هذه المقالات هي : الإسلام في الفكر الاستشراقي. سيرة الرسول ﷺ‬ في تصورات الغربيين. الحلقة الأولى. سيرة الرسول ﷺ‬ في تصورات الغربيين، الحلقة الثانية. وهي فصول من كتابات المستشرق الألماني جوستاف بفانموللر.

([42]) الإسلام في تصورات الغرب، ص 14.

([43]) صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم، ص 14.

([44])  انظر نماذج من تشريعات استباحة دم المخالف والاستهانة به وإقصائه مما تضمنه التلمود في كتاب جذور البلاء، ص 84 وما بعدها.

[45])) الملل المعاصرة في الدين اليهودي 23- 25.

[46])) المصدر السابق 25.

[47])) بل عادوا إليه؛ لأنهم من الأندلس، ونحن نعلم كيف أجبر الأندلسيون على ترك الإسلام.

[48])) السجل الكامل 3/5- 6.

[49])) انظر تفاصيل هذا الخبر على الرابط http://www.alarabiya.net/articles/html

([50])  صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم، 63.

([51])  المرجع السابق 51.

[52])) انظر الإسلام أصوله ومبادئه للباحث فقد عقد فيه فصلا عن الضوابط والمعايير التي نميز بها بين الدين الحق والدين الباطل.

[53])) تاريخ الرسل والملوك2/308، والبداية والنهاية 9/658.

[54])) ص 64 – 65.

([55] (  انظر تحفة الأحوذي 5/145. وقد توسعت في هذه المسألة وذكرت أقوال العلماء في ذلك في كتاب ( تعظيم الحرم).