مُلك الصالحين

سلمان بن يحيى المالكي

بسم الله الرحمن الرحيم

 تقديم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

فقد قرأت هذه الرسالة في محاسبة النفس لأخينا الشيخ سلمان بن يحيى المالكي فوجدتها رسالة جيدة في بابها، وذلك ببيان كيفية محاسبة النفس مع ذكر أمثلة من أحوال وأقوال السلف - رضي الله عنهم - في المحاسبة، وكذلك بيان بعض الأسباب المعينة على المحاسبة مقرونة بالأدلة وكلام أهل العلم المبين لذلك، نسأله سبحانه وتعالى أن ينفع بها كل من اطلع عليها، وأن يجزي أخانا الشيخ سليمان خير الجزاء على ما كتب وبيّن، آمين، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عبد المحسن بن عبد الله الزامل

17/4/1422هـ


 مقدمة

الحمد لله القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على كل جارحة بما اجترحت، المطلع على ضمائر القلوب بما هجست، الحسيب على خواطر عباده بما اختلجت، والصلاة والسلام على محمد سيد الأنام، وعلى آله سادة الأصفياء، وعلى أصحابه قادة الأتقياء، صلوات ربي وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار. وبعد:

اللهم إنه لا يملك القلوب إلا أنت، ولا يهديها إلى الحق إلا أنت، ولا يزيغها عنه إلا أنت.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.. آمين.

أخي الحبيب...سلام الله عليك ورحمته وبركاته.

أبعث لك رسالة ممزوجة بالحب... مقرونة بالود.. مكللة بالصدق.. مجللة بالوفاء.

رسالة أهمس بها في أذنك من أخ أحبك على قدر طاعتك لربك.. ويخشى عليك كخشيته على نفسه.

أخي رعاك الله:هل حاولت يوماً من الأيام أن تعد حسناتك وسيئاتك كما تعد دنانيرك ودراهمك..؟

هل خلوت بنفسك يوماً فحاسبتها على ما بدر منها من التقصير والإهمال في جنب الله؟!

هل تأملت يوماً طاعتك التي تقربت بها إلى بارئك مفتخراً بها فوجدت أكثرها مشوبًا بالرياء والسمعة وحظوظ النفس؟!!

أيها المبارك..اعلم أن محاسبة النفس هي طريق السالكين إلى ربهم، وزاد المؤمنين في آخرتهم، ورأس مال الفائزين في دنياهم ومعادهم، فو الله ما نجا من نجا يوم القيامة.. يوم الحسرة والندامة.. إلا بمحاسبة النفس ومخالفة الهوى.

إنها دعوة للنجاة من يوم يفر المرء فيه من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وأخيه.

إنها دعوة للنجاة لمن أراد الفوز بالجنة والنجاة من النار.

الكاتب


 حتى لا نلوم أنفسنا

إن النفس بطبيعتها كثيرة التقلب والتلون.. تؤثر فيها المؤثرات.. وتعصف بها الأهواء والأدواء.

فالنفس أمارة بالسوء.. تسير بصاحبها إلى الشر.. فإن لم تُستوقف عند حدها.. وتلجم بلجام التقوى والخوف من الله.. وتؤطر على الحق أطراً.. وإلا فإنها داعية لكل شر وهوى ومعصية... فالإيمان قائدها.. والعمل سائقها.. فإن فتر سائقها ضلت عن الطريق.. وإن فتر قائدها حرنت.. فإذا اجتمعا استقامت..

والنفس بطبيعتها إذا أطعمت طعمت، وإذا فوضت إليها أساءت.. وإذا حملتها على أمر الله صلحت.. وإذا تركت إليها الأمر فسدت..

فأحذر نفسك ياأخي واتهمها على دينك وأنزلها منزلة من لا حاجة له فيها..ولا بد له منها.. فإن الحكيم يذل نفسه بالمكاره حتى تعترف بالحق.. وإن الأحمق يخير نفسه في الأخلاق: فما أحبت منها أحب، وما كرهت منها كره.

يامن ترجو لقاء ربك..

إن لنفسك عليك حقاً.. فهل حاسبتها.. وعقدت معها الجلسات الطوال.. ونظرت في كل صفحة من عمرك فيم أمضيتها؟ وماذا أودعت فيها؟ فالعمر قصير.. والسفر طويل.. فدع ما يلهيك.. وأكثر من الزاد قبل الرحيل، فالعاقل من تنبه لعمله.. وعرف منتهى أجله..


 المحاسبة في سطور

*قال الماوردي في معنى المحاسبة: (أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محموداً أمضاه، وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل) [أدب الدنيا والدين، ص342].

*وعرفها الحارث المحاسبي بقوله: (هي التثبت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير، أو الفعل بالجارحة حتى يتبين له ما يفعل وما يترك، فإن تبين له ما كره الله عز وجل جانبه بعقد ضمير قلبه، وكف جوارحه عما حرم الله عز وجل، ومنع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض وسارع إلى أدائه) [التربية الذاتية من الكتاب والسنة، ص97].

*وقال عنها الإمام ابن القيم رحمه الله:هي: (التمييز بين ما له وعليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه، لأنه مسافر سفر من لا يعود) [مدارج السالكين، ج1، ص169].


 فضل المحاسبة

*قال ربنا عز وجل واصفاً المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عن الزلات والتقصير في حق الله تعالى راجعين عما كانوا عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:201].

*وقال الحسن البصري رحمه الله واصفاً المؤمن بقوله: (المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة) [حلية الأولياء لأبي نعيم، ج2، ص157].

*وقد أحسن ميمون بن مهران حينما قال(لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه) [مدارج السالكين، ج1، ص79].

*يقول الفراء في تفسير قوله تعالى:﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾[القيامة:2] : (أنه ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً، قالت: هلا ازددت، وإن عملت شراً، قالت : ليتني لم أفعل) [تفسير البغوي، 4/421].

*وها هو الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يلقي كلماته المشهورة في المحاسبة قائلاً : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر) ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الزهد للإمام أحمد، ص177، ومدارج السالكين، ج1، ص170].

*وإليك أخي الحبيـب هذه الكلمات الجميلة التي تصف أرباب العقول المنيبة ذوي البصائر الحية: (حيث عرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنهم لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في اللحظات والخطرات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته) [الإحياء الغزالي، 4/394].

*وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: (اقرعوا هذه الأنفس فإنها طلعة([1])، وإنها تنازع إلى شر غاية، وإنكم إن تقاربوها لم تبق لكم من أعمالكم شيئاً، فتبصروا وتشددوا، فإنما هي أيام تعد، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعي أحدكم فلا يجيب ولا يلتفت، فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم) [ذم الهوى لابن الجوزي: 41].

***


 فوائد محاسبة النفس

أخي الحبيب... إن لمحاسبتك نفسك فوائد عظيمة منها:

1-الاطلاع على عيوب النفس، ونقائصها ومثالبها، ومن ثم إعطاؤها مكانتها الحقيقية إن هي جنحت إلى الكبر والغطرسة.

2-أن تتعرف على حق الله تعالى وعظيم فضله ومنه عليك.

3-التوبة والندم وتدارك ما فات من الأعمال الصالحة في زمن الإمكان.

4-مقت النفس والإزراء عليها، والتخلص من العجب، ورؤية العلم، قال أبو الدرداء، (لا يفقه الرجل كل الفقه يمقت الناس في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتا) [الزهد للإمام أحمد، ص196].

5-الاجتهاد في الطاعة وترك المعاصي حتى تسهل عليك المحاسبة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

6-تزكية النفس وتطهيرها وإصلاحها وإلزامها أمر الله تعالى قال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[الشمس:9-10].

وقال مالك بن دينار: (رحم الله عبداً قال لنفسه : ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائداً) [إغاثة اللهفان لابن القيم، ج1، ص79].

7-ومن فوائد المحاسبة تربية النفس وتنمية الشعور بالمسؤولية ووزن الأعمال والتصرفات بميزان الشرع.

8-معرفة كرم الله سبحانه وتعالى وعفوه ورحمته بعباده إذ إنه لم يعجل العقوبة على أهل المعاصي والذنوب، وأنه أرحم بالعبد من الأم بولدها.

***


 أقسام محاسبة النفس

أخي الحبيب... وحتى تعرف محاسبتك نفسك فهي على أقسام:

القسم الأول: محاسبة النفس قبل العمل وهي:

أن يقف عند أول همه وإرادته ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه فينظر في همه وقصده، فالمرء إذا نفى الخطرات قبل أن تتمكن من القلب سهل عليه دفعها، فالخطرة النفسية والهم القلبي قد يقويان حتى يصبحا وساوس، والوسوسة تصبح إرادة والإرادة الجازمة لابد أن تكون فعلاً. قال الحسن البصري: (كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة نظر وتثبت فإن كانت لله أمضاها) [إحياء علوم الدين للغزالي، ج4، ص400].

والقسم الثاني:محاسبة النفس بعد العمل وهي على ثلاثة أنواع:

1-النوع الأول: محاسبة النفس على التقصير في الطاعات في حق الله تعالى التي لم تؤد على الوجه الذي ينبغي، وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور:

أ) الإخلاص في العمل.

ب) النصيحة لله تعالى.

ج) متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه.

د) شهود مشهد الإحسان فيه.

هـ) شهود منة الله عليه فيه.

و) شهود تقصيره فيه. [إغاثة اللهفان لابن القيم، ج1، ص83].

2-النوع الثاني: محاسبة النفس على معصية الله تعالى، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله : (وبداية المحاسبة أن تقايس نعمته سبحانه وتعالى وجنايتك، فحينئذ يظهر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته، أو الهلال والعطب، وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب وأن العبد عبد، ومن ثم يتبين لك حقيقة النفس وصفاتها وعظمة جلال الربوبية وتفرد الرب بالكمال والإفضال، وأن كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل) [مدارج السالكين، 1/170].

3-النوع الثالث: محاسبة النفس على أمر كان تركه خيراً من فعله، أو على أمر مباح، ما سبب فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ أم أنه أراد به التقليد والدنيا العاجلة؟ قال الحسن البصري: (إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه فيقول : ما أردت إلا هذا، ومالي ولهذا، ما أردت إلا هذا ومالي ولهذا؟ والله مالي عذر بها، والله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله تعالى) [ذم الهوى لابن الجوزي، 40].

***


 كيفية المحاسبة

أخي علي طريق الحق.. إنما أنت أيام، كلما مضى منك يوم ذهب بعضك، واعلم أن من حاسب نفسه في أيامه ربح، ومن غفل فيها خسر، ومن نظر إلى العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل..

فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً

فإنما الربح والخسران في العمل

وصدق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «خيركم من طال عمره وحسن عمله» [رواه الترمذي، ح 2329].

أخي الحبيب: أعينك بعد الله على كيفية محاسبتك نفسك فأقول مستعينا بالله : قد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن محاسبة النفس تكون كالتالي [إغاثة اللهفان، ج1، ص83].

1-أولا: البدء بالفرائض: فإذا رأيت فيها نقصاً فتداركه إما بقضاء أو إصلاح.

2-ثانيا: المناهي: فإن غرتك نفسك والهوى والشيطان بفعل شيء مما نهاك الله عنه فتداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحيات.

3-محاسبة النفس على الغفلة. فالذكر والإقبال على الله تعالى مما يتدارك به المسلم غفلته.

4-محاسبة النفس على الجوارح، إلى أين خطت رجلاك..؟ وماذا بطشت يداك...؟! أو سمعت أذناك..؟ أو...أو...

***


 الأسباب المعينة لمحاسبة النفس

من الأسباب المعينة لك أخي الحبيب لمحاسبتك نفسك ما يلي:

1-تذكر أنك كلما اجتهدت في محاسبة نفسك اليوم استرحت من ذلك غداً، وكلما أهملت المحاسبة أشتد عليك حسابها يوم القيامة.

2-محبتك للأخيار الذين يحاسبون أنفسهم ويطلعونك على عيوب نفسك.

3-النظر والتأمل في الصور المشرقة لمحاسبة الرعيل الأول أنفسهم: الذين ارتبطت قلوبهم بالله عز وجل، فكانوا أجسادا في الأرض  قلوباً في السماء.

4-زيارة القبور والتأمل في أحوال الموتى الذين لا يستطيعون محاسبة أنفسهم أو تدارك ما فاتهم في زمن الإمهال من الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى ربهم عز وجل.

5-حضور مجالس العلماء والزيادة في طلب العلم الشرعي فإنه يدعو إلى محاسبة النفس والكشف عن حقائقها.

6-كثرة قراءة القرآن والاستمرار على قيام الليل والتقرب إلى الله بأنواع القربات.

7-البعد عن أماكن اللهو والغفلة فإنها تُنسي الإنسان محاسبة نفسه.

8-تذكر العقبى الحميدة لمحاسبة أنفسهم في الآخرة من سُكنى الفردوس والنظر إلى وجه الرحمن جل جلاله، ومجاورة الأنبياء وأهل الفضل والصالحين بإذن الله تعالى.

9-أن يكون المرء صادقا في محاسبته لنفسه، وهذه المحاسبة الصادقة تعتمد أسساً ثلاثة، هي:

أ)الاستنارة بنور الحكمة، وهو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل، وكلما كان هذا العلم أقوى كلما كانت المحاسبة أتم وأكمل.

ب)سوء الظن بالنفس، حتى لا تمنع من البحث والتنقيب عن المساوئ والعيوب.

ج)تمييز النعمة من الفتنة، فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه.

***


 أقوال ونماذج من السلف لمحاسبتهم أنفسهم

*قال أبو مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول أنا على إيمان جبريل وميكائيل) [رواه البخاري،ج1، ص26].

*قال أبو سعيد الحسن البصري رحمه الله تعالى: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة همه) [الحلية، 2/146].

*وقال إبراهيم التيمي: (مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعاني من سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي : أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي) [الزهد للإمام أحمد،ص501].

*وجاء رجل يشكو إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو مشغول فقال له: أتتركون الخليفة حين يكون فارغاً حتى إذا اشتغل بأمر المسلمين أتيتموه؟ فضربه بالدرة وانصرف الرجل حزينا، فتذكر عمر أنه ظلمه، فدعاه وأعطاه الدرة، وقال له: اضربني كما ضربتك، فقال الرجل : تركت حقي لله، فقال عمر إما أن تتركه لله فقط وإما أن تأخذ حقك، فقال الرجل: تركته لله فانصرف عمر إلى منزله فصلى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه : يا ابن الخطاب كنت وضيعا فرفعك الله وضالاً فهداك الله وضعيفا فأعزك الله، وجعلك خليفة فأتى رجل يستعين بك على دفع الظلم فظلمته؟!! ما تقول لربك غداً إذا أتيته، وظل يحاسب نفسه حتى أشفق الناس عليه) [مناقب أمير المؤمنين عمر، لابن الجوزي، ص171].

***


 مساكين..!

مساكين أهل الذنوب أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن.. مساكين أهل الذنوب كثرت كروبهم.. وعظمت خطوبهم.. وكبرت عيوبهم.. وأحصيت عليهم في الكتاب ذنوبهم..مساكين أهل الذنوب عصوا الجبار بالليل والنهار.. وسودوا صحفهم بالخطايا والأوزار.. مساكين أهل الذنوب غفلوا عن الطاعات... وخسروا أنفسهم قبل قيام الساعة.. ويوم القيامة ليس لهم من الله من ملجأ ولا نصير...

أخي رعاك الله.. وسدد على الطريق خطاك.. لا تكن ذاك المسكين.. فباع حياته بلذة عاجلة.. تذكر بداية نهايتك وأنت تودع هذه الدنيا كأنك لم تخلق.. فإن لكل شيء حيلة إلا الموت...

لا تركننَّ إلى الدنيا وما فيها

فالموت لا شك يفنينا ويفنيها

إياك والمعصية فإنها أذلت إبليس –لعنه الله- وأخرجت أباك آدم عليه السلام من الجنان.. فإنما تورث قلة في التوفيق وفساداً في الرأي، وخفاء في الحق، وخمولاً في الذكر، وإضاعة للوقت، ووحشة بين العبد وبين الرب، وهي سبب في منع إجابة الدعاء، وأشد من هذا كله فإنها وربي تورث قسوة في القلب عافاني الله وإياك.. فالدنيا لا تساوي غم ساعة.. فكيف بغم العمر. فكن من أبناء الآخرة ولا تكن من أبناء الدنيا.


 كل من عليها فان

أخي الكريم.. هل تذكرت عمرك الذي كان لا يتجاوز السنوات، قد كنت حينها تعيش في كنف أمك وأبيك، تلعب مع أترابك وزملائك تقفز هنا وهناك، تبتسم كثيراً، ويملأ قلبك الأفراح، لا تعرف هما ولا الهم يعرفك، وما هي إلا أيام معدودة فإذا بالسنوات قد تضاعفت، وأعلنت تمردها عليك، فكثرت المشاغل، وازدادت الهموم، وكبر الولد والوالدة، وتفرق الأحباب والأصحاب وتبدلت الديار..

نعم.. ها هي الأعمار تنتهي، والكائنات تفنى، والطبيعة تتغير، والأزمان تمضي..

كم من نهر كان يسيل بالمياه أضحى اليوم يشكو الجفاف، وكم من حديقة غناء كانت شديدة الخضرة، مترعة بصنوف الأزهار والورود، أمست اليوم أشجارها كالعصف المأكول، فلا خضرة، ولا رواء، ولا ماء ولا ظل ولا ظليل.

كم من إنسان كان يعيش حياة حافلة بالمتعة والنشاط، كان يعيش صحة في جسمه، وذكاء في عقله، وبهجة في وجهه، وقوة في بصره وسمعه، وهو اليوم كالزهرة الذابلة، فذهب بصره، ونحل جسمه، وانحنى ظهره، وكساه الزمان شعراً أبيض، وهكذا دواليك...

رب يوم بكيت فيه فلما

صرت في غيره بكيت عليه

إنها سنة الله في الحياة، اقتضت أن لكل أمر قد بدأ نهاية حتمية لابد منها: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرحمن:26-27].

 أولئك يسارعون في الخيرات

عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾[المؤمنون:60]، أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات» [رواه الترمذي، ح3175].

أخي الحبيب: كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يمسك بلسانه، ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وكان يبكي كثيراً، ويقول: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، وكان يقول: والله لوددت أني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل.

وهذا الفاروق عمر بن الخطاب ذاك الرجل الشجاع الذي أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه إن سار في واد سار الشيطان في واد آخر قرأ - رضي الله عنه - سورة الطور حتى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾[الطور:7]، فبكى واشتد بكاؤه. وكان يمر بالآية في ورده في الليل فتخيفه فيبقى في البيت أياما يعاد كأنه مريض.

وذاك عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان إذا وقف على القبر بكى حتى يبلل لحيته وهو يقول: (والله لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتها أصير، لاخترت أن أكون رماداً).

وكان علي بن أبي طالب كثير البكاء والخوف والمحاسبة لنفسه، وكان أشد ما يخاف من طول الأمل واتباع الهوى، فقيل له : لماذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: أما طول الأمل فينسيني الآخرة، وأما إتباع الهوى فيصد عن الحق.


 وأخيراً

أخي الكريم.. أختي الكريمة.. هاهم سلفنا.. تقربوا إلى ربهم بالطاعات.. وسارعوا إليه بأنواع القربات.. وحاسبوا أنفسهم عن الزلات.. ثم خافوا أن لا يتقبل منه...

فلا كان حقا عليك أن لا تغفل عن محاسبتك نفسك، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة يمكن أن تشتري بها كنزاً من الكنوز التي  يتناهى نعيمها أبد الآباد، فإضاعتك لهذه الأنفاس، أو شراؤك لها ما يجلب فسادها وهلاكها لهو الخسران المبين، فبادر وعد واندم قبل أن يأتي يوم لا ساعة فيه ولا مندم..

وإلى أن ألتقي بك في رسالة قادمة أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

سُكبت ونُثرت

بمداد الفقير إلى عفو ربه ورحمته

سلمان بن يحيى جبران الخالدي المالكي.

في رياض نجد بلاد المجد والحرمين

يوم الجمعة: 8/10/1420هـ

ص.ب:22511-الرياض:11416



([1]) طلعة : تكثر التطلع إلى الشيء [لسان العرب، 8، ص237].