نيل الأرب في حسن الأدب

ميادة بنت كامل آل ماضي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أبان للعباد منهج التربية القويمة في قرآنه المجيد، وأوضح للعالمين مبادئ الخير والإصلاح في أحكام شرعه الحنيف، والصلاة والسلام على محمد الذي بعثه الله للإنسانية مؤدبًا، وأنزل عليه تشريعًا يحقق للبشرية أسمى عزها ومجدها، وأعظم غايات سؤددها ومكانتها، ورفعتها واستقرارها، وعلى آله وأصحابه الطيبين الأطهار، الذين أعطوا الأجيال المتعاقبة نماذج فريدة في تربية الأبناء وتكوين الأمم، وعلى من نهج نهجهم، واقتفى أثرهم بإحسان إلي يوم الدين وبعد:

فمن فضل هذا الإسلام على البشرية أن جاءها شاملاً قويمًا في تربية النفوس، وتكوين الأمم، وإرساء قواعد المجد، فكانت الشريعة الإسلامية تتسم بالشمول، وتختص بالتجدد والاستمرار، ومن ثم جعل محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - هدفه الأول أن يصنع رجالاً لم تعرف الدنيا أنبل منهم، ولا أكرم، أو أرأف، أو أرحم، أو أرقى، أو أعلم، وإليكم ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في تعداد محامدهم، وفضائلهم، ووجوب التأسي بأفعالهم الحميدة وأخلاقهم الكريمة: «من كان متأسيًا فليتأس بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالاً، اختارهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وإقامة دينه» فظلت الأجيال المسلمة عبر القرون تستقي من معين فضائلهم، وتستضئ بنور مكارمهم، وتنهج في التربية نهجهم، وتتأدب بآدابهم.

ولما كان للأدب ومكارم الأخلاق تلك المكانة في الإسلام، وكان لزامًا على كل فرد أن يعرف للأدب مكانته لإقامة مجتمع فاضل وإيجاد أمة قوية في إيمانها، قوية في أخلاقها، فما هو الأدب:

 تعريف الأدب:

هو اجتماع خصال الخير في العبد؛ فهو كما قال محمد بن على القصاب: أخلاق كريمة، ظهرت في زمان كريم، مع قوم كرام، ومنه المأدبة وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس، ولا يتكامل الأدب في العبد إلا بتكامل مكارم الأخلاق.

وقال المناوي: الأدب رياضة النفوس، ومحاسن الأخلاق.

وقيل: استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً؛ أي الأخذ بمكارم الأخلاق، أو الوقوف مع المستحسنات؛ مثل: تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال ابن عباس وغيره: «أدبوهم وعلموهم، والفرق بين الأدب والتعليم أن الأدب يتعلق بالمروءات، والعلم بالشرعيات؛ أي الأول عرفي دنيوي، والثاني شرعي ديني».

 مكانة الأدب:

قال عبد الله بن المبارك: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن، عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة؛ لأن النفس مجبولة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة الأدب، والنفس تجري بطباعها في ميدان المخالفة والعبد يردها بجهده إلي حسن المطالبة، فمن أعرض عن الجهد فقد أطلق عنان النفس وغفل عن الرعاية، ومهما أعانها فهو شريكها.

* * * *


 أنواع الأدب

1- أدب مع الله.

2- أدب مع رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

3- أدب مع خلقه.

 الأدب مع الله:

ومن الآيات الواردة في الأدب مع الله:

* قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

* وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.

* وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.

* وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

والأدب مع الله ثلاثة أنواع:

1- صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة.

2- صيانة قلبه أن يلتفت إلي غيره.

3- صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه.

ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء:

1- معرفته بأسمائه وصفاته.

2- معرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره.

3- نفس مستعدة قابلة للحق علمًا وعملاً وحالاً. وإذا كان  التأدب مع أصحاب الفضل واجبًا، فإن من أوجب الواجبات «التأدب مع الله سبحانه وتعالى»؛ فهو سلوك الأنبياء الصالحين.

من صور التأدب مع الله ما يلي:

1- فالمسلم ينظر إلي ما لله تعالى عليه من منن لا تحصى ونعم لا تعد؛ اكتنفته من ساعة علوقه نطفه في رحم أمه، وتسايره إلى أن يلقى ربه عز وجل، فيشكر الله عليها بلسانه، بحمده والثناء عليه بما هو أهله، وبجوارحه؛ بتسخيرها في طاعة الله، فيكون هذا أدبًا منه مع الله؛ إذ ليس من الأدب في شيء كفران النعيم وجحود فضل المنعم والتنكر له؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.

2- وينظر المسلم في عمله إلى الله تعالى واطلاعه على جميع أحواله فيمتلئ قلبه مهابة منه ونفسه له وقارًا، وتعظيمًا، فيخجل من معصيته، ويستحي من مخالفته، والخروج عن طاعته، فيكون هذا أدبًا منه مع الله؛ إذ ليس من الأدب في شيء أن يجاهر العبد سيده بالمعاصي أو يقابله بالقبائح والرذائل وهو يشهده وينظر إليه، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون».

3- كذلك ينظر المسلم إليه تعالى: وقد قدر عليه، وأخذ بناصيته، وأنه لا مفر له ولا مهرب ولا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه، فيفر إليه، ويفوض أمره إليه، ويتوكل عليه؛ إذ ليس من الأدب في شيء الفرار ممن لا مفر منه، ولا الاعتماد على من لا قدرة له، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.

4- كذلك ينظر المسلم إلى لطف الله به في جميع أموره، وإلى رحمته، ولسائر خلقه، فيطمع في المزيد؛ فيتضرع له بخالص الضراعة، ويتوسل إليه بطيب القول، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فيتجنب الوقوع في معصيته، فيكون هذا أدبًا مع الله، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.

5- ومن الصور الإخلاص له سبحانه في العمل؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. ويقول الحسن البصري رحمه الله: «لا يزال العبد بخير إذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله».

6- استشعار مراقبة الله لك في السر والعلانية، وأنه مطلع عليك وأنت في ملكه وقبضته: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

7- عدم القول على الله بغير علم: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

8- دعاؤه، والتضرع إليه، والانكسار بين يديه، والإنابة إليه، وطلب المغفرة منه، وخشيته، والخوف منه، ورجاؤه.

9- عدم القنوط واليأس من رحمته ومغفرته قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾.

10- حسن الظن به، والصدق معه، وأداء الأمانة، وأن تلهج بذكره.

11- أن تحكم شرعه وأمره في سائر شؤون حياتك: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.

12- أن تحبه، وتحب من يحب، وتعادي من يعادي وأن يكون ولاؤك له سبحانه ولدينه وأهل دينه.

13- ومن الأدب مع الله حفظ الحد بين الغلو والجفاء؛ يقول ابن القيم رحمه الله: هذا من أحسن الحدود؛ فإن الانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء هو قلة الأدب، والأدب هو الوقوف في الوسط بين الطرفين، فلا يقصر بحدود الشرع عن تمامها، ولا يتجاوز بها ما جعلت حدودًا له، فكلاهما عدوان، والله لا يحب المعتدين، والعدوان هو سوء الأدب.

وقال بعض السلف: دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه؛ وعلى هذا تكون حقيقة الأدب هي العدل؛ فمن تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله؛ لذا حين وقف ابن السماك واعظ الرشيد قائلاً لمن يلبسون الصوف إظهارًا للزهد- وكانت تلك الظاهرة قد انتشرت في ذلك العصر: «والله لئن كان لباسكم وفقًا لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليه، وإن كان مخالفًا لها فقد هلكتم».

14- ومن الأدب مع الله السكون في الصلاة، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾؛ فالدوام هو سكون الأطراف والطمأنينة؛ كما أن الأدب في الركوع أن يستوي الراكع ويعظم الله حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه، ومن الأدب الوضوء، وغسل الجنابة، والتطهر من الخبث حتى يقف بين يدي الله.

 ورحم الله ابن القيم حيث قال: «الأدب هو الدين كله». وقد كان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال، وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول: «ربي أحق من تجملت له في صلاتي».

15- ومن الأدب مع الله الاستماع للقرآن والتأدب عند قراءته؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقد قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته».

 مراتب الناس في التأدب مع الله:

ليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله رب كل شيء ومليكه؛ بل يتضمن التوحيد محبةَ الله والخضوع له والذلَّ له وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب، والبغض – ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي – والإصرار عليها؛ فكل هذا نوع من أنواع التأدب مع الله والحياء منه، ومن عرف هذا عرف قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن الله حرم النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»؛ فـ«لا إله إلا الله» ليست قولا باللسان فقط؛ فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها؛ فلا بد من قول القلب، وقول اللسان، وقول القلب يتضمن معرفتها والتصديق بها ومعرفة حقيقتها. وعلى قدر يقين الإنسان بـ«لا إله إلا الله» على قدر إيمانه وتأدبه مع الله، وقد قسمهم ابن القيم إلي خمسة أقسام:

القسم الأول من الناس:

* من نور كلمة لا إله إلا الله في قلبه كالشمس.

القسم الثاني من الناس:

* من نورها في قلبه كالكوب الدري.

القسم الثالث من الناس:

* من نورها كالمشعل العظيم.

القسم الرابع من الناس:

* من نورها كالسراج المضيء.

 القسم الخامس من الناس:

* من نورها كالسراج الضعيف.

لهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم، وعلمًا، وعملاً، ومعرفة، وحالاً.

الأنبياء أكمل الناس أدبًا مع الله:

يقول ابن القيم: وتأمل أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله وخطابهم وسؤالهم؛ كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به.

أدب آدم عليه السلام:

قال آدم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ولم يقل قدَّرت عليَّ وقضيت عليَّ.

أدب الخليل عليه السلام:

قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. ولم يقل: وإذا أمرضني؛ حفظًا للأدب مع الله.

أدب أيوب عليه السلام:

قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ولم يقل: فعافني واشفني.

أدب الخضر عليه السلام:

قال الخضر في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾. ولم يقل: «فأراد ربك أن يعيبها». وقال في الغلامين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾.

أدب عيسى عليه السلام:

قال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾. ولم يقل: «لم أقله». وفرق بين الجوابين في حقيقية الأدب، ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾. برأ نفسه عن علمه بغيب ربه فقال: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، ثم أثنى على ربه ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمر ربه؛ وهو محض التوحيد فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم فقال: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، ثم قال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ هذا أيضًا من أبلغ الأدب مع الله؛ فليس هنا مقام استعطاف؛ حيث قال: «غفور رحيم»؛ بل مقام براءة منهم، وهذا المقام عين الأدب في الخطاب.

أدب سيد البشر محمد - صلى الله عليه وسلم - أكمل الأنبياء أدبًا:

قال تعالى في وصف أدبه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾.

يقول ابن القيم: «إن هذا وصف لأدبه في ذلك؛ إذ لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوَزَ ما رآه؛ وهذا كمال الأدب والإخلاص له؛ فلم يلتفت الناظر عن يمينه، وشماله؛ فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة».

وفي هذه الآية أسرار عجيبة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: «هي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر؛ تواطأ هناك بصره وبصيرته، وتوافقا، وتصادقا، فيما شاهده بصره، فالبصيرة مواطنة له، وما شاهدته بصيرته فهو حق مشهود بالبصر، فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة».

 ثانيًا: الأدب مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -:

ومن الآيات الواردة في الأدب مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -:

* قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

* وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

وأما الأدب مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فالقرآن مملوء به، فرأس الأدب معه: كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق.

1- ومن الأدب مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف، حتى يأمر هو وينهى ويأذن؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وهذا باق إلي يوم القيامة ولم ينسخ؛ فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته: كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم.

2- وكذلك من الأدب معه: أن لا ترفع الأصوات فوق صوته؛ فإنه سبب لحبوط الأعمال، فما الظن بمن يرفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته، وما جاء به؟!

3- ومن الأدب معه: أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره؛ قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾.

وفيه قولان للمفسرين:

أحدهما: أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا؛ بل قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله.

الثاني: أن المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضًا؛ إن شاء أجاب وإن شاء ترك؛ بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها البتة.

4- ومن الأدب معه: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع – من خطبة، أو جهاد، أو رباط – لم يذهب أحد منهم مذهبًا في حاجته حتى يستأذنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾.

5- ومن الأدب معه: طاعته واقتفاء أثره، والاهتداء بهديه والاقتداء به واتباعه، وترسم خطاه في جميع مسالك الحياة؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي» قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» وقوله: «فعليكم بسنتي.....».

6- ومن الأدب معه: أن يحبه ويوقره ويعظمه ولا يقدم حب مخلوق عليه؛ قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. وقال - صلى الله عليه وسلم - «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده وولده والناس أجمعين».

7- ومن الأدب معه: الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشرًا».

8- ومن الأدب معه: الحذر من مخالفته ومعصيته؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله».

9- ومن الأدب معه: التحاكم إليه - صلى الله عليه وسلم - وتسليم الأمر له؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

 الأدب مع الخلق:

ومن الآيات الواردة في الأدب مع الخلق:

* قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.

* وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

* وقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.

* وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾.

إن العلاقة بين الأدب في التعامل مع الخلق وحسن الخلق علاقة واضحة لا ريب فيها.

أما الأدب مع الخلق فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب، ومن المراتب أدب خاص:

فمع الوالدين: أدب خاص، وللأب منهما أدب خاص به.

ومع العالم: أدب آخر.

ومع السلطان: أدب يليق به.

ومع الأقران: أدب يليق بهم.

ومع الأقران: أدب يليق بهم.

ومع الأجانب: أدب غير ما مع أصحابه وذوي أنسه.

ومع الضيف: أدب غير أدبه مع أهل بيته.

ولكل حال أدب: فللأكل آداب، وللشراب آداب، وللركوع والدخول والخروج والسفر، والإقامة، وللنوم آداب، وللكلام آداب، وللسكوت والاستماع آداب.

وآداب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب.. فانظر إلي الأدب مع الوالدين: كيف نجا صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليه الصخرة!!. والإخلال به مع الأم – تأويلا وإقبالا على الصلاة – كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته، وضرب الناس له، ورميه بالفاحشة!! وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر: كيف تجد قلة الأدب ساقته إلى الحرمان.

ويقول سعد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: قول العبد لسيده: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ تعبير يشف ويلطف، ويبلغ شفاف القلب وحنايا الوجدان؛ فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عنا، ولا يرفض أمرًا، ونبي الله عليه السلام الأنموذج العالي لبر الوالدين.

ويقص علينا في القرآن الكريم موقف الذبيح مع أبيه خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.

يا أبت في مودة وقربى، وشبح السكين لا يزعجه ولا يفزعه، ولا يفقده رشده، بل لا يفقده أدبه وموته.

 أمثلة عطرة في علو الهمة في الأدب:

 أدب الفاروق - رضي الله عنه -:

قال عمر: أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا.

وعن يحيى بن سعد قال: ذكر عمر فضل أبي بكر، فجعل يصف مناقبه.. ثم قال: وهذا سيدنا بلال حسنة من حسناته. وكان عمر عندما يلقى أسامة بن زيد يقول له: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت على خير.

وكان أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - خطيبًا بالبصرة، ويبدأ بذكر عمر في الخطبة قبل أبي بكر أيام خلافته؛ فقال له رجل في ذلك، فشكاه أبو موسى إلى عمر - رضي الله عنه -ما فطلبه عمر وقال: ما أغضب أميرك عليك؟ فأخبره الرجل بتأخر ذكر أبي بكر عن عمر في الخطبة، فبكى عمر وقال: والله أنت أوفق منه وأصوب. والله ليوم وليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر.

لقد كان عمر هو الخليفة وهو يعلم أن القرآن قد وافقه في كثير من المواضع، وتمت في عهده الكثير من الفتوحات وغيرها من الفضائل، ولكن كل ذلك لم ينسه الفضل له ولا أهله السابقين؛ نعم إنها الأصالة والوفاء والأدب.

 أدب ابن العباس - رضي الله عنه -:

عن أبي زريق قال: قيل للعباس: أنت أكبر أو النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: هو أكبر وأنا ولدت قبله. «وعن أبي سلمة أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا».

 أدب عطاء بن أبي رباح:

عن أبي جريج، عن عطاء قال: إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأن لم أسمعه، وقد سمعته قبل أن يولد.

سئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة فقال: «إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا».

قال حبيب الجلاب: سألت ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة العقل. قلت: فإن لم يكن؟ قال: حسن أدب. قلت: فإن لم يكن؟ قال: أخ شقيق يستشيره. قلت: فإن لم يكن؟ قال: صمت طويل. قلت: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل.

 أدب الشافعي:

وقال الشافعي رحمه الله: كنت أقلب الصفحة بين يدي مالك صفحًا رقيقًا، هيبة له، لئلا يسمع ورقها.

 أدب أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة:

قال: «أريدوا بعلمكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح».

 فوائد الأدب:

مع أنواع الأدب التي ذكرت سابقًا، ومع تقدير أن الأدب هو الدين كله، فإن الالتزام بالأدب يحقق فوائد عديدة للإنسان المسلم كما يلي:

1- يصفي سلوك الفرد مما يشينه وينقصه.

2- يجعل الناس يتحلون بالمحامد والمكارم ويبتعدون عن المناقص.

3- يجعل الإنسان يحتزر عن الخطأ ويتحرى الصواب.

4- يهذب الأخلاق ويصلح العادات.

5- يجعل الإنسان يلتزم بالمنهج الإلهي في الأرض مما يصلح أحواله.

6- ويجعله يلتزم بالأدب مع الله؛ بحيث يحقق التسليم والانقياد للطاعة.

7- ويجعله يلتزم بالأدب مع رسول الله؛ بحيث يحقق التسليم والانقياد للطاعة.

وقال يوسف بن الحسين: بالأدب يفهم العلم، وبالعلم يصح العمل، وبالعمل تنال الحكمة، وبالحكمة يقام الزهد، وبالزهد تترك الدنيا، وبترك الدنيا يرغب في الآخرة، وبالرغبة في الآخرة تنال الرتبة عند الله.

فمن أعان نفسه على هواها فقد اشترك في قتل نفسه؛ لأن العبودية ملازمة الأدب، والطغيان سوء الأدب.

وقال أبو عثمان: إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب.

 بعض معوقات التحلي بالأدب:

 1- كثرة المزاح والإسفاف فيه:

وهذا الأمر يكثر وقوعه بين الناس، فترى من يغلب عليه كثرة المزاح والإسفاف والتمادي فيه؛ مما يسقط الهيبة، ويخل بالمروءة، ويجري السفهاء والأندال.

وقيل في بعض منثور الحكم: «المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب».

وقال بعض الحكماء «من كثر مزاحه زالت هيبته».

ويقول ابن عبد البر رحمه الله: «لكل شيء بدء وبدء العداوة المزاح، وكان يقول: لو كان المزاح فحلاً ما ألقح إلا الشر».

وقال سعيد بن العاص: «لا تمازح الشريف فيحقد، ولا الدنيء فيجرؤ عليك».

لا تمزحن فإذا مزحت فلا يكن

مزحًا تضاف به إلى سوء الأدب

والمقصود أن المزاح لا ينبغي الإكثار منه، ولا الإسفاف فيه، أما ما عدا ذلك فيحسن؛ لما فيه من إيناس الجليس، وإزالة الوحشة، ونفي الملل والسآمة، وإنما المزاح في الكلام كالملح في الطعام؛ إن عدم أو زاد على الحد فهو مذموم.

 2- تتبع العثرات والزلات:

كم من الناس من هذا دأبه وديدنه؛ يتتبع العثرات، ويفرح بالزلات، فإذا سمع قبيحًا فرح به ونشره، وإذا سمع حسنًا ساءه ذلك فطواه وستره.

إن يسمعوا شيئًا طاروا به فرحًا

مني وما سمعوا من صالح دفنوا

 وهذا من أحقر الأعمال وأحبط الخصال، وصاحبه من أضعف الناس نفسًا وأسفلهم همة.

شر الورى بعيوب الناس مشتغل

مثل الذباب يراعي موطن العلل

قال ابن حبان – رحمه الله: «فمن اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه؛ فإن أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه.

فاللائق بالعاقل أن يشتغل بعيوبه، وأن يسعى في إصلاح نفسه، وإذا ما رأى من إخوانه خللاً أو نقصًا فليجتهد في النصح والتصحيح بعيدًا عن الثلب والتجريح.

ويقال لمن فرح بأخطاء إخوانه: لا تفرح، فلا بد أن تقع في الخطأ يومًا ما فيفرح عليك حينئذ.

ويروى أن أحد التابعين ذكر عند أحد الناس بسوء فقال للمتكلم: «ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم الناس، وإن الناس خافوا الله في ذنوب العباد وأمنوا على ذنوبهم».

أخية: علينا أن نصلح من شؤوننا وشؤون أخواتنا؛ كما حدث مع الأعمش وإبراهيم النخعي عندما التقيا في طريق فانصرفا معًا، فقال إبراهيم: الناس إذا رأونا قالوا: الأعمش والأعور – وكان إبراهيم أعورًا – فقال: وما عليك أن يأثموا وتؤجر؟! وما عليك أن يسلموا ونسلم؟!».

وما أرقها من قلوب تحافظ على الناس إلى درجة يخشون فيها أن يكونوا هم السبب في اقتراف الآخرين للإثم، حتى ولو كان هذا التسبب هو ما خلقهم الله عليه من الخلقة.

وأشد من ذلك تتبع عثرات أهل العلم، وتصيد زلاتهم، وهفواتهم، لا بقصد تصحيحها، والتنبيه عليها، وإنما لتتخذ ذريعة للنيل منهم، والطعن فيهم، وتزهيد الناس بهم فهذا الصنيع ليس من الأدب في شيء.

 3- الحسد:

هو ناتج عن ضعف الإيمان، والشح بالخير على عباد الله، والحاسد لا تعلو له مكانة، ولا ترفع له منزلة؛ لأنه بحسده اشتغل بما لا يعنيه، فأضاع ما يعنيه وما يعود عليه بالنفع والخير.

قال ابن المقفع: «ليكن ما تصرف به الأذى عن نفسك ألا تكون حسودًا، فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والمعارف، والخلطاء، والإخوان، وليكن ما تعامل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون مع من هو خير منك، وأن غنمًا حسنًا لك أن يكون عشيرك وخليطك أفضل منك في العلم فتقتبس من علمه، وأفضل منك في القوة فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في الجاه فتصيب حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين فتزداد صلاحًا».

 4- الإعجاب بالنفس والاستبداد بالرأي:

وهذا آية الجهل، ودليل السفه ونقص العقل؛ فالمعجب بنفسه لا يستشير العقلاء، ولا يستنير برأي الأكياس الفطناء، ومن أهل العقول الراجحة والتجارب السالفة؛ ممن جمعوا إلى جانب سداد الرأي والحكمة والنصح والتقوى؛ ذلك لأن خيالات الغرور ذهبت بذلك الإنسان كل مذهب، فجعلته معتدًا بنفسه مستبدًا برأيه؛ هكذا يقضي العمر وهو يراوح مكانه، ولا يندم لمكرمة، ولا يرتقي لمنزلة.

مثل المعجب في إعجابه

مثل الواقف في رأس الجبل

يبصر الناس صغارًا وهو في

أعين الناس صغيرًا لم يزل

ورد في الحديث الشريف: «ثلاث كفارات وثلاث درجات، وثلاث منجيات وثلاث مهلكات» وذكر منها «إعجاب المرء بنفسه».

ذكر في ترجمة أحد العلماء أنه قال: ما سمعت شيئًا قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا قط فنسيته، ثم قال: يا غلام هات نَعْلي، فقال: هما في رجليك. يقول ناقل الخبر: «فضحه الله».

ويروى أن أحد العلماء جلس يومًا فقال سلوني عما دون العرش، فقال له أحدهم: آدم عليه السلام حين حج من حلق رأسه؟ فتنبه عندما سمع السؤال فقال: هذا ليس من علمكم، ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي.

 5- عدم قبول النقد البناء، والنصيحة الهادفة:

فالنقد البناء والنصيحة إذا صدرا من ناقد بصير أو ناصح أمين، وأراد بنقده البناء ورام بنصحه الخير كان جديرًا بمن توجه إليه ذلك أن يأخذ به ويشرح صدره له، وأن يتقبله بقبول حسن؛ فذلك مما يدل على كرم النفس وسعة الأفق وعلو الشأن وارتفاع المنزلة وتناهي الفضل.

بل ينبغي لمتطلب الكمال – خصوصا إذا كان رأسًا مطاعًا – أن يتقدم إلى خواصه وثقاته، ومن كان يسكن إلى عقله فيطلب منهم أن يتفقدوا عيوبه ونقائصه ويطلعوه عليها ويعلموه بها؛ فهذا مما يبعثه إلي التنزه من العيوب والتطهر من دنسها.

 6- عدم الإعراض عن الجاهلين:

فمن أعرض عن الجاهلين حمى عرضه وأراح نفسه وسلم من سماع ما يؤذيه؛ قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾؛ فهذه الآية جمعت أصول الأخلاق؛ فهي علاج رباني للراحة من شياطين الإنس.

إني لأعرض عن أشياء أسمعها

حتى يقول رجال إن بي حمقًا

أخشي جواب سفيهٍ لا حياء له

فسل وظن أناس أنه صدقا

  7- الافتخار بالآباء العظام والعيش على أمجادهم:

فهناك من له سلف كرام معروفون في العلم والفضيلة والمعالي؛ وبدلاً من أن يسلك سبيلهم ويسير على نولهم تجده عظاميًا يفتخر بعظام آبائه الكرام ولو لم يبلغ مثلهم.

وما أجمل قول من قال:

إن لم تكن بفعال نفسك ساميًا

لم يغن عنك سمو من تسمو به

 8- عدم استشارة العقلاء العالمين:

فالشورى أمرها عظيم، وشأنها جليل؛ فلقد نوه الله بذكرها وأثنى على المؤمنين بقيامهم بها، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.

ولذلك فالعاقل اللبيب ذو النظرة الثاقبة لا يستبد برأيه، ولا يعتد بنفسه بحيث يقوده ذلك إلى ترك المشورة؛ بل إنه يشاور أهل العقول السليمة، والتجارب السالفة، ممن يجمعون بين العلم والعمل، والنصح والديانة؛ فبالمشورة تشحذ القريحة، وتتلاقح الفِكَرُ، وتنمى المعارف، وتقوى الأواصر بين المتشاورين. والشورى تنفي عن العبد الغرور، والإعجاب بالنفس، وتفتح له الأبواب، وتزيل عنه الحيرة والاضطراب.

وأخيرًا أخيه:

آن لك بعد هذه الوقفات أن تنطلقي نحو نفسك بالإصلاح، ونحو أهلك بالتربية، ونحو مجتمعك بنشر الفضيلة وتأصيل الخير.

ولا أشك أنك محبة وساعية لنيل الدرجات، وما ذكرتُ من خصال تحتاج منك إلى صبر  ومجاهدة، وتكرار المحاولة مرة وأخرى؛ فإن النفس تحتاج إلى تقويم وتزكية؛ ولا يأتي هذا إلا بعد طول صبر وممارسة؛ فما الحلم إلا بالتحلم، وما الصبر إلا بالتصبر، لكن الهدف سامٍ والمطلب غالٍ، وتربية النفس طريق طويل يعين الله فيه من أخلص النية وأصلح السريرة واتبع السنة.

والأعمال كثيرة والأبواب مفتوحة والنفوس مقبلة تبحث عن ذاك الذي يذل نفسه لله ويأخذ من وقت راحته؛ إنه يسارع دون مطلب، يقوم من غير سؤال، يستثمر الفرص في رحلة طويلة إلى جنة عرضها السموات والأرض.

نسأل الله أن يجعلنا من مفاتيح الخير بغير حساب، ولا عذاب، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.