هناك حيث يُطفأ نور الإيمان

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله الذي رفع راية التوحيد إلى يوم القيامة، والصلاة والسلام على إمام الموحدين، وقائد المتوكلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

أما بعد:

فلما هُجِرَ التوحيد علمًا وتعلمًا وإرشادًا وتذكيرًا ضعف الإيمان وكثرت الشركيات، ومع التوسع في أمور الحياة إعلامًا وسفرًا واستقدامًا غشي كثير من المجتمعات جوانب مخلة بالتوحيد؛ استشرت وانتشرت حتى عمت وطمت. ومن أبرزها وأوضحها إتيان السحرة والكهان.

وبعد أن كانت الأمة موئلاً للتوحيد وملاذًا للإيمان غزت بعضها تيارات الشرك، وأناخت بركابها الشعوذة؛ فأمطرت سحبها وأزهر سوقها. ولا يزال سواد الأمة بخير ولله الحمد.

واستمرارًا لهذا الصفاء في العقيدة ونقائها، ومحاولة لردع جحافل الجهل والشرك؛ جمعت بعض أطراف من قصص تحكي واقعًا مؤلمًا، لعل فيها عظة وعبرة وتوبة وأوبة؛ فإنها متعلقة بسلامة دين المرء وعقيدته. وجملتها بفتاوى العلماء وبعض التنبيهات.

جعلنا الله من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.


 كيف سُحِرَ النبي - صلى الله عليه وسلم -؟

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهودي من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم. قالت: حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «عائشة! أشعرت أن الله أفتاني فيما أستفتيه فيه؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجليَّ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي، أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة. قال: وجب طلعه ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان».

قالت: فأتاها رسول الله في أناس من أصحابه ثم قال: «يا عائشة! والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رءوس الشياطين».

قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: «لا. أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرًا. فأمرت بها فدفنت» رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام النووي: خشي - صلى الله عليه وسلم - من إخراجه وإحراقه وإشاعته ضررًا على المسلمين من تذكر السحر أو تعلمه وشيوعه والحديث فيه أو إيذاء فاعله ونحو ذلك.

 صاحب القلب الأسود

لا تزال النار تأكل قلبه والحقد ينخر كبده..

همه الأول ماذا لو قالوا؟ وأين ذهبوا؟ وماذا فعلوا؟

أشعل فتيل الحسد، وأوقد نار الحقد. ساهر لذلك الليل، وكابد لأجله النهار.

يستمع إلى شاردة منهم ويتلقط كل واردة عنهم. لقد أمضى جزءًا من حياته في الترقب والترصد؛ فأشقاه تتبع أخبارهم، وأرهقه التجسس على حياتهم!

وعندما طالت به الليالي وتقادمت به الأيام بدأ ينفث السم الزعاف من لسانه؛ غيبة ونميمة واستهزاء، ولكن ذلك كله لم يشف غليله ولم يرو ظمأه.

عندها كشر عن أنيابه ورأى أن السم لا يكفي وتلك الأفعال لا ترضي فنفسه خبيثة وخلقه شرير.

في ليلة مظلمة أوقد عليها نار الحسد وألقى ظلاله الحقد، قفز إلى ذهنه أمر كان يتردد فيه زمانًا ويخاف منه حينًا.

فهو فيما مضى يقدم ويؤخر، ويؤجل وينتظر، لعل ما فعل يروي نفسه ويقر قلبه.

لكنه اليوم رأى أن كل ما فعله دون ما يؤمل.

رفع صوته واستنشق الهواء بقوة، وكأنه انتصر.

نعم. سأفعل هذه الفكرة غدًا!

بيد أنه توقف قليلاً وهو يحدث نفسه: والحساب والجزاء. وغدًا إذا وسدت في القبر كيف سأحمل الأوزار؟ وكيف سأتحمل العذاب؟ وكيف ألاقي الله عز وجل؟

على عجل طرد تلك الخطرات وهو يحلم بنفحات السعادة -المزعومة- تملأ قلبه، ويمد نظره ليرى من يحقد عليه قد انتقم منه وشفى غليله!

أركض عليه الشيطان بخيله ورجله وناداه: لقد صنعوا بك وفعلوا بك؛ مزقوا حياتك وأضاعوا عمرك.

بعد محاولات الشيطان المتتالية قرر.

لن أتراجع.. لن أتراجع!

وأغمض عينيه حتى لا يرى نور الإيمان، وصك أسنانه بقوة أخرجت صوتًا كزئير الأسد المنتصر.

في الصباح المظلم، لم تكن الأمور تهدأ ولا نبضات قلبه تسكن؛ بدأ الحسد يأكل قلبه، والحقد الدفين يرسم دربه، وعندما فتح الباب متجهًا إلى الخارج، بدأت خطوات المزالق ودرجات المهالك تقوده إلى هناك؛ حيث يطفأ نور الإيمان! عند ساحر أو ساحرة.

قال الفضيل بن عياض: والله ما يحل لك أن تؤذي كلبًا أو خنزيرًا بغير حق، فكيف تؤذي مسلمًا؟([1]).

قال الحسن: إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: بيني وبينك الله، فيقول: والله ما أعرفك، فيقول: أنت أخذت طينة من حائطي، وآخر يقول: أنت أخذت خيطًا من ثوبي!

 من أنواع وأقسام السحر

([2])

سحر التفريق:

قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة؛ يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئًا، قال: ثم يجئ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت» قال الأعمش: أراه قال: «فيلتزمه» رواه مسلم.

ومن أسبابه: قال ابن كثير: «وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر أو خلق، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة» اهـ.

أنواعه:

1- التفريق بين الرجل وأمه، وأبيه، وأخيه، وصديقه، وجاره.

2- التفريق بين الشريكين في التجارة أو غيرها.

3- وأخطر وأهم هذه الأنواع التفريق بين الرجل وزوجته.

أعراضه:

1- انقلاب الأحوال فجأة من حب إلى بغض وكثرة الشكوك بينهما.

2- تعظيم أسباب الخلاف وإن كانت حقيرة.

3- قلب صورة الرجل في عين زوجته، وقلب صورة الزوجة في عين زوجها؛ فالرجل يرى زوجته في منظر قبيح وكذلك العكس.

4- كراهية المسحور لكل عمل يقوم به الطرف الآخر، وكذلك المكان الذي يجلس فيه.


 البحث عن الشقاء

كل يوم تشرق فيه الشمس ترسل مع أشعتها إلى ذلك المنزل الصغير فيضًا من حنان ودفئًا من محبة..

إنه منزل ترفرف فيه السعادة وتنثر عطرها، فلا تسمع إلا ضحكات الصغار تختلط مع أصوات الأب والأم. في حياة أسرية مستقرة تظللها أغصان وارفة من المحبة، وتحوطها رعاية الله عز وجل، ويوثقها رباط المودة والرحمة.

رب المنزل زوج عليه سيما الوقار، قارب الخمسين من عمره، محافظ على أداء الواجبات، حديثه كحبات المطر الجميلة، وجل وقته يقضيه في القراءة؛ ولذا فهو يحن إلى منزله ومكتبته وأطفاله وزوجته، يجد السكن والاستقرار في هذه الدوحة الأسرية الصغيرة.

وربة المنزل امرأة متعلمة، تدير أعمال منزلها بنجاح، وهي كما يردد زوجها دائمًا: قرة عين.

ويناديها بين حين وآخر بالفراشة لخفتها وسرعة حركتها. ومع مرور الأيام اشتدت نظرات الناس إليهم، وتوالت الأسئلة على الزوجة في كل مجلس: أين الخادمة؟ كيف تعيشين بدونها؟ ومن يخدمك؟ لقد كثر أبناؤك وكبر منزلك ولا بد أن تستريحي بعد هذا المشوار الطويل!

كثرت الضغوط في مجتمع لا يعرف إلا الخادمة؛ إما حاجة أو فخرًا أو عادة!

عندها بدأت الزوجة تفكر في استقدام خادمة، رغم عدم الحاجة الملحة لذلك، ولكن لا بد من مسايرة الركب!

في البداية تردد الزوج، وعندما كثر الطرق من كل جانب وافق على مضض.

وأسر في أذن زوجته:

أيتها الحبيبة: سنفقد الكثير من حريتنا وراحتنا في هذا العش الجميل!

مرت شهور من المراجعة والوعود حتى أقبلت الخادمة وفي الأيام الأولى همست في أذن الزوجة: هل تريدين أن يحبك زوجك؟

قالت بتعجب: هو يحبني!

تفرست الخادمة في وجه الزوجة ثم قالت لها بلغة عربية مكسرة: أخشى أن يفكر في زوجة ثانية! فأنت شابة وجميلة وأخشى أن يتزوج بأخرى أصغر منك وأجمل!

تعجبت الزوجة في استغباء ظاهر وتساءلت: كيف؟

عندها أجابت الخادمة في خبث: الأمر عندي، انتظري.

ثم نهضت الخادمة مسرعة إلى غرفتها في أعلى المنزل. وفي تلك اللحظات التفتت صاحبة المنزل يمنة ويسرة، ثم همهمت وهي تحدث نفسها وتبرر فعلها:

الحمد لله، لم أذهب لساحر ولا لساحرة. هذه خادمتي وتخدمني في كل شيء.

شهور طويلة مرت. ولم يتزوج الرجل، ولكنه أصبح منهك الجسم، خائر القوى، مشتت التفكير.

وتحول البيت الجميل إلى ساحة أحزان وأطلال سعادة وبقايا إيمان! ولم يأت وقت الحساب بعد.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو يعدد نواقض الإسلام:

السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضي به كفر.

والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102].


 حكم من يرى أن السحر لا يضر ما دام أنه لم يسبب شيئًا من المشاكل

سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز:

ما رأي سماحتكم في رجل استعمل الرقية، ولم ير أنها تنفعه فتحول إلى السحر، ويقول: إنه لا يضر ما دام أنه لا يسبب شيئًا من المشاكل؟

فأجاب: السحر منكر وكفر، وإذا كان المريض لم يشف بالقراءة فالطب أيضًا لا يلزم منه الشفاء؛ لأنه ليس كل علاج ينفع ويحصل به المقصود، فقد يؤجل الله الشفاء إلى مدة طويلة، وقد يموت الإنسان بهذا المرض، وليس من شرط العلاج أن يشفى الإنسان، وليس ذلك بعذر إذا عالج عند إنسان بالقراءة ولم يظهر له الشفاء أن يتوجه إلى السحرة؛ لأن المكلف مأمون بتعاطي الأسباب الشرعية والمباحة، وممنوع من تعاطي الأسباب المحرمة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عباد الله، تداووا، ولا تداووا بحرام» وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم».

فالأمور كلها بيد الله سبحانه، فهو الذي يشفي من يشاء، ويقدر الموت والمرض على من يشاء، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: 17].

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107].

فعلى المسلم الصبر والاحتساب، والتقيد بما أباح الله له من الأسباب، والحذر مما حرم الله عليه، مع الإيمان بأن قدر الله نافذ، وأمره سبحانه لا راد له، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.


 صرخة الشرك

كهبات نسيم عليلة مرت السنوات الأولى لزواجها سريعة جميلة ملؤها المحبة والوفاق، ولكنها بدأت تتثاقل الأيام بعد مرور خمس سنوات طويلة؛ أقبلت فيها سحب الحزن تتوالى على قلبها.

وفي يوم تفرح فيه كل زوجة، نالها من الغم والحزن الشيء الكثير؛ فها هي تنتقل من شقتها الصغيرة إلى منزل رحب واسع؛ فيه حديقة جميلة، ومسبح تحفه أنواع الزهور والورود، وغرف مؤثثة بأجمل الأثاث، وصالات انتظار تحفها الأشجار.

ولكن هذا المنزل الجميل ينقصه نبض الحياة. نعم، تنقصه صرخات الأطفال وعبثهم وضحكاتهم!

ومع مرور الأيام تحولت النظرات إلى استفهام وسؤال! وكأنها سهام تمزق قلبها وتكدر عيشها!

المنزل واسع والحديقة جميلة. ربما يتزوج الثانية، فهذا من حقه وهو يبحث عن الأبناء.

هبَّ الشيطان ينفخ في قلبها ليل نهار: سوف يتزوج، ستُحرمين محبته. المنزل يتسع لاثنتين، بل ولثلاث نساء وأربع.

ووجد الشيطان مدخلاً وطريقاً إلى قلبها!

بدأت دوامة من الأفكار تتجول في رأسها؛ خطرات مرت ثم استقرت في فكرها فأشغلته، وفي قلبها فأضرمته؛ خوفٌ وغيرةٌ.

فتح لها ضعف الإيمان بابه، وسقتها حبائل الشيطان حتى استوت على عُودها.

حيناً تسرق النظر إلى زوجها؛ تتلمح فكره ونظرات عينه وسقطات لسانه، لكنها لا تجد إلا الطمأنينة والأمان. لم ينبت ببنت شفة، ولم يذكر الأطفال، ولم يسألها عن صراخهم.

ولكنه إذا غاب عن المنزل تحولت إلى تلك الأفكار التي تُقلبها يمنةً ويسرةً.

وعندما طال بها المقام أرادت أن تضع حداً لهذه الهواجس التي أرَّقت مضجعها وكدرت عيشها.

قررت أن تذهب لمن يرى سبب عقمها ولماذا لم تنجب! ولماذا تأخرت كثيراً عن الحمل؟

تساءلت: كم مرة ذهبتُ إلى طبيب بل إلى كبار الأطباء؟ وكم مرة ذهبتُ إلى مستشفيات في الداخل والخارج ولم أجد علاجاً؟ فالعقم مني!

تراجعتْ قليلاً؛ لماذا لا أرضى بهذا وأستعين بالله على مصيبتي؛ وأصبر وأحتسب حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

ولكن الشيطان لم يدعها توقد روح الإيمان في قلبها. بل أسرع إليها: هيا، لا تترددي.

* كانحدار السيل من أعالي الجبال أزاحت نزغات الشيطان بقايا صخور الإيمان لتلقيها جانباً، ويعبر الشيطان إلى قلبها. وتستشيره: إلى أين أذهب؟

قال لها: اذهبي إلى من يعرف ما بك؛ ربما أنك مسحورة أو محسودة أو .. أو ..!

هذه فلانة وهذه فلانة.. وبدأ يُذكرها بمن تأخرن في الإنجاب ثم أنجبن!

خطت أقدامها كما ادعى الشيطان إلى "من يعرف علتها" وفي قلبها من عمله شيء. ولكن استوحشها الشيطان وألقى إليها برداء الكفر فأمسكت به.

سألها وأجابت: ما اسم أمكِ وأمه؟ وطلب منها أن تأتي بكذا وكذا !

دخلت تحت لواء المشعوذين الذي يرفع رايته الشيطان بعمله وكفره!

مرت شهور طويلة أعقبتها سنوات لم تنجب فيها ولم تحافظ على إيمانها.

وكان السيل يسوقها إلى المنحدر، وتبقى علامات التوبة تظهر لها بين الحين والآخر!

****

* قال أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة مُتعبدة يقال لها منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها وتعجب من عبادتها على حداثتها.

فبينما الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آتٍ فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت؟ فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت.

فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيكِ؟

قالت له: يا أبا سعيد! التراب يُحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد! انظر إلى والدتي وهى تقول لوالدي: احفر لابنتي قبراً واسعاً وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أُجهز إلى مكة لطال بكائي، كيف وأنا أُجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظُلمة والدود؟([3]).

****

* قال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة.


 من أنواع وأقسام السحر

([4])

سحر المحبة (التولة):

عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الرُقى والتمائم والتولة شرك" رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه.

أعراضه:

1- الشغف الشديد والمحبة الزائدتان وعدم الصبر عنها.

2- الرغبة الشديدة في كثرة الجماع.

3- التلهف الشديد لرؤيتها وطاعتها طاعة عمياء في كل شيء.

أسبابه:

1- نشوب الخلافات بين الزوجين.

2- طمع المرأة في حب زوجها المفرط خاصة إن كانت لها ضرائر.

3- طمع المرأة في مال زوجها خاصة إن كان غنياً.

4- خوف المرأة من أن يتزوج عليها زوجها.

كيفية حدوثه:

تذهب المرأة إلى الساحر ليضع لها سحراً تأسر به زوجها (وهذا دليل على ضعف إيمانها وقلة دينها) فيطلب منها الساحر أثراً لزوجها (ثوباً، أو منديلاً، أو قلنسوة) بشرط ألا يكون جديداً، وأن يكون حاملاً لعرقه، فيأخذ منه الخيوط وينفث عليها ويعقد، ثم يأمرها أن تدفنها في مكان مهجور؛ أو يصنع لها سحراً يوضع في الماء أو الطعام. وأخبث هذا السحر وأشده ضرراً ما يسمى بالسحر الأسود؛ وهو الذي يوضع بالنجاسات أو دم الحيض والنفاس.

النتيجة:

ينقلب في أغلب الأحيان سحر المحبة إلى سحر البغض؛ فيكره الرجل كل النساء حتى زوجته، ويصل أحياناً إلى الطلاق، أو يمرض الزوج بسبب هذا السحر لأنه قد يكون من النجاسات، أو يبغض الرجل كل النساء حتى أمه وأخواته وعماته وخالاته وجميع النساء من ذوي رحمه.


 السيف

رمقتُ سقف الغرفة وأنا أنظر بعينين زائغتين، فقد انقطعتُ عن الدنيا وغبت عن الحياة منذ أن تركت المدرسة. لا أرى زميلة من زميلاتي سوى مُدرِّستي "..." كل شهر أو شهرين تزورني، نعم بعد غدٍ موعد زيارتها.

أعد الدقائق واللحظات وأستعجل الليل والنهار، أحتاج إلى من يزورني، ويخفف همي ووحدتي ولكن يتربع سؤال على لساني: أين المحبة؟ وأين الوفاء؟ من كن يسمعن ضحكاتي في المدرسة اختفين! من سعدن بقربي في الصف الدراسي سنوات ذهبن! وحيدةً أعيش: الأنين رفيقي، والألم سميري، والهم والغم أنيسي، تتجاذبني الأهواء شاردة ساهية حتى والدتي تعبت من الجلوس معي. منذ زمن لم أر حفلاً ولا دُعيت لمناسبة. ولو دعيت كيف أذهب؟ وأنا لا أتحرك بسهولة خاصة في مكان يحتاج إلى حركة ونشاط، يحتاج إلى فرح وسرور. وأنا لست كذلك. كلما فقدت الأمل وطوقني اليأس؛ تأتي كما يُرش الماء على هشيم النار.

ويأتي عذب حديثها: اصبري واحتسبي، أمر المؤمن كله له خير. عليك بذكر الله وقراءة القرآن. لا تضيعي دقيقة واحدة من وقتك في الهواجس والخوطر.

* زيارة مُدرستي قصيرة ولكن حديثها طويلٌ؛ طويل يصل إلى أعماق القلب، ويحيي الأمل في النفس. عطر الكلمات يبقى وهي تودعني وتُبقي هديةً كلما أتت.

مرت سنة كاملة وهى لم تتركني؛ تتعاهدني بالزيارة بين حين وآخر. أخبرتني أنها ستتزوج، فرحت بذلك، ولكن بدأتن تنقطع زيارتها؛ تُباعدها الأيام رغم أني تحدثت عن حاجتي لرؤيتها ورأت دمعتي وأنا أُلح عليها بزيارتي.

مع انقطاع أسعد اللحظات معها عشت في صراع رهيب. الكلمات التي تأتي كالبلسم اختفت. حديث القلب انقطع، والابتسامة المشرقة غابت. انقطعت بنا الأيام وتباعدت الزيارات.

* في ليل طويل؛ تطاول من الألم واسودَّ من ظلمة الدنيا في عيني، تناولتُ سماعة الهاتف؛ سأتصل بابنة عمي.

كيف حالك؟ لم أرك منذ زمن؟ أين أنت؟

أجابت: أنا مشغولة بدراستي. ولكن أخبئ لك مفاجأة.. وأي مفاجأة!

قلت: ما هي؟ في زمن المرض والكآبة هل هناك مفاجآت؟ أحسست أن سكون حياتي سيتحرك وركود أيامي سيجري. هناك مفاجآت في حياتي.

ولكنها أعادتني كسيرة الفؤاد؛ غداً أُخبرك، لن أخبرك اليوم. انتهت المكالمة، نامت قريرة العين، أما أنا ربما غفوت مرةً أو مرتين. وعندما غالبتُ نفسي لا بد أن أنام حتى أكون مستعدة للمفاجأة. صرخ هاتف المرض بداخلي أنت نائمة منذ سنتين أو أكثر!

* في صباح الغد قلت لها حين أقبلت: لم يبق لدي لهفةٌ وشوق لأسمع المفاجأة؛ لقد تبلدت أحاسيسي.

قالت: هوني عليك. الأمر يعني لك كل شيء.

مفاجأة لن تتكرر، فرصة عُمر. إنها فرصة تُنهي المرض وتنهضين من فراشك.

فتحت فمي مدهوشة وقلبي يوشك أن يقفز من صدري ورعشةٌ بين أضلعي.

* قالت: اسمعي. حدثتني زميلتي عن شخص صالح يعرف ماذا بك من الأمراض؟ وبعد أن يراك يعطيك أدويةً وأعشاباً تشفيك بإذن الله مما أنت فيه! كثيرات ذهبن إليه، فلانة ذهبت له وقد طرقت أبواب المستشفيات ولم تُنجب. أُبشركِ؛ حامل، وهى الآن في الشهر الثالث. وفلانة تعرفين مشاكلها مع زوجها كان يكرهها ولا يطيقها بل هددها بالطلاق. ذهبت إليه، أتعرفين؟ الآن لا يستطيع أن يفارقها.

قاطعتها.. إنه ...

قالت وصوتها يهز المكان: أنتِ مسكينة. ظَلِّي مريضة طول عمرك أتقبلين أن تعيشي هكذا؟ ألا تريدين العافية؟ ألا تبحثين عن الزوج وتكوين أسرة؟ ألا ترغبين في إنجاب طفل يملأ عليك حياتك؟

أحلامٌ تلاحقت أمامي، وسمعتُ صراخ طفلي وبسمة الحياة حولي. لم أفكر في مقاطعتها.

استمرت في حديث الحُلم؛ دغدغ مشاعري وأعمى بصري.

لو كتب الله لك العافية لعدتِ إلى حياتك، ولتزوجت وأنجبتِ.

* بقية إيمان في قلبي صرخت تقول بصوت ضعيف: إنه ساحر، كاهن.

قالت: هذا رجل صالح! كثيرون ذهبوا له، وعافاهم الله. الله الشافي؛ وهو سببٌ من الأسباب يداوي بالأعشاب والقراءة.

لحظات الضعف توالت، خبت جذوة الإيمان في قلبي. وسَمِعَتْ صوتي وقد هزه الضعف وأنهكه المرض: متى نذهب؟

انتفضتْ واقفةً تلوِّح بعباءتها: الآن. سأتصل بالهاتف قبل أن نذهب.

ثوانٍ.. دقائق.. وإذا بي على مقعد بجوارها، والسيارة تنهب الأرض. قالت: لا تتكلمي، سأتولى كل شيء. ثم أتبعتها بضحكة قوية: إذا تزوجت غدا تنسين معروفي معك!

* في ليل مظلم غاب قمره وبقلب علاه رانٌ لم يسطع إيمانه؛ طُرقٌ مظلمة وشوارع ضيقة.

توقفت السيارة.. التفتت يمنة ويسرة ثم سألت السائق: ألا يوجد أحد عند الباب؟ قال : لا.

قلت: اُطرق الباب بهدوء.

انتابني الخوف من تصرفاتها وكثرة التفاتها كأننا لصوص!

صرير الباب يُسمع في هدوء الليل. وفي رُعب شديد دلفنا مع الباب. المكان موحش لا أثر للإضاءة في مدخله؛ مظاهر الفقر والفوضى تطغى عليه.

أقبل علينا رجلٌ في منتصف الأربعين من عمره؛ جسمٌ هزيل، وعينان غائرتان، وأطراف مُرتعشة. تمنيت أن الأرض انشقت بي ولم آت إلى هنا. نظراته كالسهام تُصوب نحوي، وبدأت يده تُمسك بي. لا أستطيع الحركة، وخشيت أن أصرخ، عقد الخوف لساني، وجمدت أطرافي. رحم الله المرض؛ لم أعانِ في سنواتٍ مضت ما أعانيه الآن.

قالت له وأنا ممسكة بيدها: هذه ابنة عمي. ونريدك أن تهتم بها، ونعطيك ما تريد!

قال بصوت أجش مزق سكون الظلام: أنا لا تهمني المادة. المهم عافيتها، والشفاء من الله.

سعل بقوة شديدة ثم قرأ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. وأردف بضحكة أخرجت أنياباً في فمه: بعد شهر لا تستطيعين اللحاق بها من سرعة الجري! ما اسمها؟ ما شاء الله، قالت: فلانة. واسم والدتها؟ قالت: فلانة. وسيل من الأسئلة اندفع.

سكت برهة ووجه الحديث نحوي: سأخبرك بأمور إذا كانت صحيحة قولي نعم، وإذا كانت غير ذلك قولي لا.

قال: كُنتِ بنتاً نشيطة وفتاة محبوبة؟

قلت ورأسي يخط على رقبتي: نعم.

قال: الكثيرات يغِرنَ منكِ ويحسدنكِ؟

قلت: نعم.

قال: ذهبتِ إلى أطباء كثيرين ولكن دون فائدة؟

قلت: نعم.

قال: كنتِ متفوقة في دراستك؟

قلت: نعم.

أخذ يسألني أسئلة إجابتها نعم.

ثم قال: انتظري.

تحرك كأنه جبل انزاح عن قلبي.

التفتت إليَّ ابنة عمي بصوت هامس وحماس واضح: أرأيت؟ كل أسئلته صحيحة.. هذا خبير يعرف كل شيء!

بعد دقائق من حديث متقطع، أقبل علينا.. وحدثنا وكأنه يأمرنا بالخروج: بعد يومين تأتين وحدك. وأشار بيد مرتعشة إلى ابنة عمي.

* خرجنا:

قلت: الحمد لله الذي أخرجني من الظلمات إلى النور. بجواري ابنة عمي فرحة مسرورة. ولكني ازددت ألماً على ألمي وحزناً على حزني. شعور بداخلي يرتفع ويصرخ في أذني: تقدمتِ خطوة إلى النار. لم أنم تلك الليلة؛ خواطر تعاقبت وألم يغرس سيفه في قلبي.

أين ذهبتِ في تلك الأزقة والطرق المظلمة؟

كلما تذكرت مظهره انتابني الخوف، وكلما تحسست موضع يده اقشعر جلدي. عاتبت نفسي حتى بكيت بحرقة، ولكن لحظاتٌ تمر ولا يزال الأمل بالعافية يدغدغ مشاعري وخطرات في عقلي. ألم تسمعيه وهو يقرأ القرآن وهو يردد: العافية من الله.

رجل صالح رجل ساحر

لا بل صالح.. بل ساحر! اختلطت الأمور، وأظلمت السماء، ورداء الخوف يُظلني.

* بعد يومين حسب تعليماته شربتُ، ، وأكلتُ، وتبخرتُ، ولم أر حلماً جميلاً كما قال لي بل رأيت أحلاماً مزعجة حيات، عقارب، أفاعي، كوابيس، ونوم متقطع!

وفي اليوم الثاني حسب ما قال لي: "ستشعرين بكذا وكذا في الليلة الثانية" لم أشعر بشيء مطلقاً، ولم تتحرك شعرة في رأسي!

بعد شهر من الأدوية والعلاج بدأ الحماس يفتر والفرح يخبو.

* في مساء يوم جميل دَلَفَتْ مع الباب؛ إنها مُدرستي اختلفت كثيراً؛ بهاء السعادة يُطل من عينيها؛ وفرح عريض على شفتيها، زادت أناقتها مع بساطة واضحة، بشوشة كما هى لم تتغير، قبلتني بين عيني ثم سألتني عن كل فرد في المنزل وعن والدتي ووالدي.

ما أحسن خلقها، وما أصدق ابتسامتها. في حديث لتهوِّن عليَّ ما أنا فيه روت لي قصة شاب مقعد مشلول طريح الفراش؛ ثم تابعت: احمدي الله؛ أنت تتكلمين، وتشعرين، غيرك لا يشعر بما حوله.

هوَّنت الأمر عليَّ. واستمر الحديث، وصدري يغلي بما فيه. أريد أن أتحدث عن كل شيء، كلما لمستُ صدق محبتها ولطفها شعرت أنني في حاجة إلى مصارحتها؛ سأخبرها بالأمر.

تحرك لساني ببطء، استعدتُ الذاكرة، وأحداثٌ لا تُنسى. عاد الرعب لقلبي والرعشة بأطرافي، بدأت في الحديث. إنصات عجيب وحضورٌ متوقد. صوتي يروح ويغدو في المكان. وعندما توقفتُ عند آخر كلمة: "لم أجد شفاءً" ألقيت إليها بمهمة الكلام.

قالت لي مخاطبة: إنا لله وإنا إليه راجعون. كيف وافقت على الذهاب؟ بل كيف تطرقين هذا الباب؟ تبحثين عن العافية بمعصية الله؟ أما سمعت حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد".

سكتت برهة. قلت بهدوء: أعلم أن ما تقولين صحيح، ولكن ضَعُفَ إيماني وفي لحظات سقط كل شيء. وبكيتُ بحرقة بعد أن رجعت.

* لإزالة ما بقي من هواجس وخواطر، عدتُ لأقول وأدافع عن نفسي؛ فأنا صريعة الأمواج، لا مقر ولا مفر.

قلت: لقد قرأ آيات من القرآن، وسمعته يقول: إن الله هو الشافي المعافي ليس أنا.. لا تهمه المادة ... و ...

قلت لي: هل يدل مظهره على أنه من أهل الصلاح والتقوى؟

قلت: لا.

قالت: الأوراق التي قال تبخري بها. هل قرأتِها؟

قالت: لا تقرأ؛ طلاسم، رموز، أرقام.

سألت وأسى ألمحه على وجهها: ألم يقل ما اسم أُمكِ؟ ما فائدة الاسم في العلاج؟

خيَّم علينا سكون يسبق العاصفة.

قلت لها مدافعةً وأنا أعلم خطئي: أخبرني بأشياء صحيحة في واقع حياتي.

قالت وقد هزت يدها: كل ما قاله ينطبق على أغلب الناس. أعيدي الأسئلة عليَّ أنا لِتَرَيْ ثم هو يتعاون مع الشياطين في معرفة غير ذلك من المعلومات.

لا تنخدعي بهذا الأسلوب الماكر.

تحول الحديث إلى نقاش طويل.

سألتني: ألم يقل لك اذبحي ديكاً أو كبشاً؟

قلت لها: لم يُلزمني بذلك. قال: إن فعلتِ فهذا أفضل؛ يطرد الشياطين ويحميك من الشرور.

قالت: والله ضاع التوحيد. كنت تقفين على بعد خطوات من النار. اسمعي وأنصتي؛ قصة تؤدي نهايتها إلى طريقين: إما إلى جنة وإما إلى نار.

قال - صلى الله عليه وسلم -: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجلٌ في ذباب".

قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟

قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يُقرِّب له شيئاً.

قالوا لأحدهما: قرِّب.

قال: ليس عندي شيءٌ أقرِّب.

قالوا: قرِّب، ولو ذباباً.

فقرب ذُباباً فخلوا سبيله؛ فدخل النار.

وقال للآخر: قرِّب.

قال: ما كنت لأُقِّرب لأحدٍ شيئاً دون الله عز وجل.

فضربوا عنقه؛ فدخل الجنة".

تأملي الحديث، وتأملي عِظَم الأمر.

لا يغلبنك الشيطان، ولا يُضعفك المرض.

عليك بالرقية بالقرآن؛ سواءً قرأت لنفسك - وهذا أكثر إخلاصاً - أو قرأ ونفث عليك شخص معروف بالصلاح والتُقى. تسمعين قراءته للقرآن، لا طلاسم ولا همهمة ولا رموز.

وتعتقدين أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله عز وجل.

قالت بصوت فيه مرارة الألم: لو مِتِّ على التوحيد وأنت مريضة خيرٌ لك من أن تحيي مشركة، اسألي الله العافية، وعليك بالرقية الشرعية. تأملي حاله. لو كان يقدر على خير لقدمه لنفسه.. ألم تَرَيْ بؤسه وفقره؟

قلت: بلى.

قالت: من أحب إليه: أنت أم نفسه؟ لماذا لم ينفعها؟ هذه أبواب تؤدي إلى النار، في سبيل دنيا عمرها قصير تهوين في نار جهنم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.

* صرختُ منتفضة والإيمان يعمر قلبي ودمعة تسقط من عيني، وسؤالٌ على لساني: والحل؟

قالت: عليك بالتوبة فبابها مفتوح، واحرصي على ابنة عمك، لا تذهب مرة أخرى.

ثم حتى تبرأ ذمتك يجب أن تُخبري عنه؛ لكي يُمنع شره، ويأخذ جزاءه، ولخطورة عمله. فالساحر لا يُستتاب مثل تارك الصلاة مثلاً بل يُمرُّ السيف على رقبته ([5]).

* في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما يصيب المؤمن من وصبٍِ ولا نصبٍِ ولا همٍّ ولا حزنٍِ ولا غمٍّ ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه".


 أسباب تأثير السحر

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال؛ لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها.

وعند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي هى معلقة بالسفليات، ولهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء والصبيان، والجهال، وأهل البوادي، ومن ضَعُف حظه من الدين والتوكل والتوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهية والدعوات والتعوذات النبوية.

قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقاً بشيء كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوة الإلهية، وعدم أخذها للعدة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدة معها، وفيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، ويتمكن تأثيرها فيها بالسحر وغيره. والله أعلم.

****

* قال ابن القيم رحمه الله: والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدوّ البلاء، يدفعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن.

وله مع البلاء ثلاث مقامات:

أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.

الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى على البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخفّفه وإن كان ضعيفاً.

الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل منهما صاحبه.


 الرحمة المُهلكة

قالت وهى تُحدث زميلتها: ابنتي كالفراشة حياة وحركة وهى الأولى على المدرسة علمًا وأدبًا.

وفجأة في هذا الفرح الجميل الذي أراه كل يوم في عيونها تبدلت حالها: كرهت المدرسة وتحولت إلى طالبة كسولة لا تحب القراءة ولا تلقي بالاً للواجبات..

وبدأت الأم تُعيد الشكوى وتكررها في كل مجلس، حتى أشارت عليها إحدى الجاهلات بوضع تميمة في رقبتها أو في يدها لتحميها من أعين الناس وتدفع عنها الشر والأذى!

ولم تتردد الأم المسكينة، ولم تسأل عن الحُكم الشرعي، بل سارعت لمن يصنع لها ذلك، ثم وضعته في قلادة على صدر صغيرتها!

أُسدل في ذلك المساء الحزين ستار المعصية لتحجب نور الإيمان في ليل أسود فاحم تباعد فجره واختفت معالمه.

* عن عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً في يده حلقة من صفر فقال: "ما هذه"؟ قال: من الواهنة. فقال:"انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا؛ فإنك لو مِتّ وهى عليك ما أفلحت أبداً" رواه أحمد.

وله عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" وفي رواية: "من تعلق تميمة فقد أشرك".

* عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك" رواه أحمد وأبو داود.


 تعليق التمائم والأحجبة

سُئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله-:

ما حكم تعليق التمائم والحجب([6]

* فأجاب: هذه المسألة أعني تعليق الحجب والتمائم تنقسم إلى قسمين:

أحدهما: أن يكون المُعلَّق من القرآن.

والثاني: أن يكون من غير القرآن الكريم مما لا يعرف معناه.

فأما الأول وهو تعليقها من القرآن الكريم فقد اختلف في ذلك أهل العلم سلفاً وخلفاً، فمنهم من أجاز ذلك ورأى أنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾[ص: 29]، وأن من بركته أن يعلق ليدفع به السوء. ومنهم من منع وقال: إن تعليقها لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سبب شرعي يدفع به السوء أو يُرفع به، والأصل في مثل هذه الأشياء التوقيف، وهذا القول هو الراجح وأنه لا يجوز تعليق التمائم ولو من القرآن الكريم، ولا يجوز أيضاً أن تجعل تحت وسادة المريض، أو تعلق في الجدار وما أشبه ذلك، وإنما يدُعى للمريض ويقرأ عليه مباشرة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل.

وأما إذا كان المعلَّق من غير القرآن الكريم مما لا يفهم معناه، وهو القسم الثاني، فإنه لا يجوز بكل حال؛ لأنه لا يدرى ماذا يكتب؟ فإن بعض الناس يكتبون طلاسم وأشياء معقدة، حروف متداخلة ما تكاد تعرفها ولا تقرأها، فهذا من البدع، وهو محرَّم ولا يجوز بكل حال. والله أعلم.

****


 السراب

للبيوت كما يقال أسرار، وهذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان ومرض وفقر ومصائب وفتن، والبعض كلما أصابه مرض أو ناله هم سارع إلى البحث عن الدواء والعلاج مشروعاً أو غير مشروع، حلالاً أم حراماً. همه الدنيا وكيف يجد العلاج؟ وأين ينال العافية؟

تتحدث عن طفلها الصغير وأين أوردها ضعف التوكل وعدم الالتجاء إلى الله عز وجل؟

قالت عن واقع مرت به: طفلي الصغير منذ سنتين أو تزيد وهو خائر القوى ضعيف الجسم. وكثر ترددنا على الأطباء والمستشفيات نتلمس أخباراً سارة، نسارع إليهم ونطرق أبوابهم، ما سمعنا بطبيب إلا هرعنا إليه، وما علمنا بعلاج إلا اشتريناه.

* وفي وسط جمع من النساء بدأت تشتكي وتتحدث عن ابنها وماذا أصابه؟ ومحاولات علاجه. وكل منهن في المجلس تُلقي بدلوها!

تحول الحديث عن ابنها إلى تفريج للهم وبحث عن العلاج؛ فلا تكاد تزور الأم أحداً إلا أخبرتهم بذلك الابن وما يعانيه، وهى تتلهف لسماع علاج جديد أو رأي أو مشورة!

قالت بحزن ودمعة على خدها تسقط وهى تتحدث في مجلس خاص: لقد أشفقت عليه من كثرة الإبر والأدوية التي نرى أنها لا تزيده إلا مرضاً.

وتعاطفت معها إحداهن، وأظهرت -الجاهلة- الشفقة والرحمة ثم قالت: سأدلك على من يعرف مرضه ويُشخص علاجه ويخبرك ماذا أصابه؟

قالت الأم مستدركة: لم نترك طبيباً سمعنا به إلا قصدناه، حتى وإن كان في أقصى الأرض؛ فقد ذهبنا إلى أطباء واستعملنا أدوية شعبية ولكن دون نتيجة!

ولكنها هذه المرة وهى تستمع، تعلم أنها تعصي الله عز وجل ورسوله وتدخل سرداباً تلتهب فيه النار من كل مكان.

واستجابت لدعوة مُحدثتها وهى تقول مُظهرةً الإيمان بصوت مرتفع: الشكوى لله. نذهب إلى هذه المرأة العجوز التي ذكرتِ لترى ابني.

ثم تنهدت وقالت بصوت منخفض: ولو أن في نفسي شيئاً، ولكن إلى متى؟

تسخطت من قضاء الله عز وجل، وتركت الأمر المشروع وسارت في سرداب أبخرة وحلقت مع الوهم والدجل والكذب!

وتعلقت بأستار الكفر. ونهاية السرداب معروفة!

****

والبلاء الذي يصيب العبد لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن يكون في نفسه، أو في ماله، أو في عرضه، أو في أهله ومن يُحب، والناس مشتركون في حصولها، فغير المؤمن التقي يلقى منها أعظم مما يلقى المؤمن كما هو مشاهد. ورأيت جميع الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجاً يزيد على الحدِّ، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذلك وُضعت، وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟، والكبير إلا السام والموجود سوى العدم؟

ولكن لا بد أن يعلم المُصاب أن الذي ابتلاه بمصيبة أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه لم يُرسل البلاء يُهلكه به ولا يعذبه، ولا ليجتاحه، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع بضرعه وابتهاله، وليراه طريحاً على بابه لائذاً بجنابه، مكسور القلب بين يديه رافعاً غصص الشكوى إليه([7]).


 حُكم العلاج عند الطبيب الشعبي

سُئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -أثابه الله-:

هناك فئة من الناس يعالجون بالطب الشعبي على حسب كلامهم، وحينما أتيت إلى أحدهم قال لي: اكتب اسمك واسم والدتك ثم راجعنا غداً، وحينما يراجعهم الشخص يقولون له: إنك مصاب بكذا وكذا وعلاجك كذا وكذا.. ويقول أحدهم إنه يستعمل كلام الله في العلاج. فما رأيكم في مثل هؤلاء؟ وما حكم الذهاب إليهم؟

* فأجاب: من كان يعمل هذا الأمر في علاجه فهو دليل على أنه يستخدم الجن، ويدعي علم المغيبات، فلا يجوز العلاج عنده كما لا يجوز المجيء إليه ولا سؤاله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الجنس من الناس: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" أخرجه مسلم في صحيحه.

وثبت عنه  - صلى الله عليه وسلم -في عدة أحاديث النهي عن إتيان الكهان والعرافين والسحرة، والنهي عن سؤالهم وتصديقهم؛ وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد".

وكل من يدعي علم الغيب باستعمال ضرب الحصى أو الودع أو التخطيط في الأرض أو سؤال المريض عن اسمه واسم أمه أو اسم أقاربه، فكل ذلك دليل على أنه من العرافين والكهان الذين نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سؤالهم وتصديقهم.

فالواجب الحذر منهم ومن سؤالهم ومن العلاج عندهم، وإن زعموا أنهم يعالجون بالقرآن، لأن من عادة أهل الباطل التدليس والخداع؛ فلا يجوز تصديقهم فيما يقولون. والواجب على من عرف أحداً منهم أن يرفع أمره إلى ولاة الأمر من القضاة والأمراء ومراكز الهيئات في كل بلد حتى يحكم عليهم بحكم الله، وحتى يسلم المسلمون من شرهم وفسادهم وأكلهم أموال الناس بالباطل. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.


 جار السوء

بدأت تخطو بخطوات سريعة نحو مراحل الشباب وزهرة العمر.

فها هى قد شارفت العشرين، وبدأت عيون وقلوب الأقارب والمعارف تتبعها وتكسب ودها.

شابة في مقتبل العمر جمع الله لها بين الأدب والخُلق والجمال وزانها بمهارة في الحديث وتودد في اللقاء وطيب معشر مع الجميع.

ومع بداية دخولها للجامعة تقاطر عليها الخُطاب من كل مكان، وأصر والدها أنها لا تزال صغيرة.

ثارت ثائرة الأم وغضبت يوماً وهى تردد: لقد تقدم لها ابن أختي، وهى ليست بصغيرة، وفلان تقدم لها وفلان.. أخبرني: هل تريد أن تصبح هذه البنت عانساً؟

وأفرغت ذلك الغضب وتلك المعلومات في مجلس عجائز الحي ضحى كل يوم أحد، فلعلهم يروحون عن قلبها ويخففون من همها. وكان لسان أم البنت لا يقف من تعداد الخُطاب الذين تقدموا لابنتها، ومواصفات ابنتها وحسن أدبها.

وانتقل الخبر إلى أحد جيرانهم من الشباب فاستزاد من والدته عن صفات البنت وجمالها وأخلاقها؛ فتعلق قلبه بالفتاة من كثرة حديث والدته عنها، وبدأ يلحظها وهى خارجة صباح كل يوم، ويستطلع أخبارها.

وبعد مرور أشهر من التدقيق والسؤال تعلق قلبه أكثر وعندها أسرَّ إلى والدته أن تخبرهم برغبته في الزواج منها.

أجابته: يا بُني! تقدم لهم من هو خير منك وأعادوه، فكيف بك؟

ولكنه أصر على والدته أن تحادث والدة الفتاة. فأتاه الجواب بعد أسبوع بالرفض!

تنازعته رغبة التملك وأن يحظى بهذه الفتاة، مع سواد قلبه وقلة في دينه؛ فقرر في نفسه: لن تتزوج إذاً ولن يطأ عتبة بابهم خاطب بعد اليوم!

وسقط ابن الإسلام في الظُلم وهو يعلم أنه ظلم نفسه بهذا الفعل وأضر بالمسكينة عن عمد دون ذنب جنته!

وأخذ يردد بين الحين والآخر في زهو وفخر وهو يُسمع والدته: هذه الفتاة لن تتزوج وستصبح عانساً وسترين!

وأسر في نفسه: آه. عمل بسيط يريح خاطرك وتكون رجلاً تستطيع أن تفعل كل شيء؟ اذهب إلى من يسحرها ويمنع الخُطاب عنها! آه والله لأرينهم من أنا. وسقط في أحد السبع الموبقات. وأمامه غداً الأهوال والصعاب وظُلمة القبر ودقة الصراط وموقف الحساب بين يدي الله العزيز الجبار.

****


* قال بلال بن مسعود: رُبَّ مسرور مغبون، يأكل ويشرب ويضحك، وقد حُقَّ له في كتاب الله عز وجل أنه من وقود النار.

****

* كان الحسن يقول: رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من الناس.. ابن آدم إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك وتحاسب وحدك.


 ذكر السحر بعد الشرك وقبل القتل هل هو دليل على عظم خطره؟

سُئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز وفقه الله:

ذكر السحر في المرتبة الثانية بعد الشرك بالله قبل القتل مع عظم القتل في قوله - صلى الله عليه وسلم - : "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال : "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"، فهل هذا دليل على عظم خطره مع أن القتل أشنع؟ وقد قيل: إن القتيل يأتي يوم القيامة تقطر أوداجه دماً يوم القيامة ممسكاً بمن قتله ليحاجه أمام الله: يار رب، سل هذا فيم قتلني؟

* فأجاب: ليس القتل بأشنع من الكفر، فالكفر أعظم من القتل؛ لأن صاحبه مخلَّد في النار إذا مات عليه. أما القتل فهو كبيرة من الكبائر لكنه دون الشرك، فالقتل أسهل من الشرك؛ لأن المشرك مخلد في النار أبد الآباد إذا مات على شركه، أما القاتل فقد يعفو الله عنه لأسباب كثيرة، وإن دخل النار فإنه لا يخلد فيها، بل يخرج منها بعد بقائه فيها ما شاء الله، ويدخل الجنة إذا كان لم يستحلَّ القتل، وقد مات على التوحيد والإيمان، كسائر أهل الكبائر دون الشرك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

والخلاصة: أن القتل دون السحر؛ لأن السحر كفر، ولا يتعاطاه الساحر إلا بعد كفره، وبعد عبادته للشياطين؛ ولهذا قرن بالشرك، وقال الله في حق السحرة: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾[البقرة: 102].

****


 هل هو مُشرك؟

سُئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

رجل مرض وذهب للكهنة وطلبوا منه أن يذبح للجن، وبُلغ بالحجة أن هذا شرك، فذهب وفعل، هل يطلق عليه بأنه مشرك بعد إبلاغه الأدلة الشرعية؟ أحسن الله إليك.

* الجواب: من ذبح للجن تعظيماً لهم، أو خوفاً منهم، فهذا شرك، وإذا بُلغ الإنسان بهذا ولكنه أصر على أن يفعل كان مشركاً، لكنه إذا تاب ولو بعد أن فعل، فإن الله يتوب عليه لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38].

ولقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾[الزمر: 53].

ونسأل الله أن يغفر لنا ولكم، وأن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة([8]).


 حكم إرسال الثوب للساحر لتحديد الداء

ما حكم ما يفعله بعض الناس بإرسال ثوب أو قميص لبعض الناس الذين يدعون المعرفة وذلك لتحديد الداء ووصف الدواء بعد ذلك؟

* الجواب: يحرم الذهاب لمن يدعون علم المغيبات ولا يجوز أن يرسل لهم ثوب ولا قميص ولا غيره، ويحرم تصديقهم مما يقولون؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة على النبي - صلى الله عليه وسلم - الدالة على ذلك. وبالله التوفيق([9]).

****


 وسارت مع الرَّكب

مجتمع فارغ وأنفس مريضة وضحكات مرتفعة وتجمعهن المعصية، وتفرقهن الذنوب.. مجالس طويلة لا يُذكر فيها اسم الله، ليس لجهلٍ في جليساتها؛ بل كلهن متعلمات، ولهنَّ حظ من الشهادات العليا.. لكن الغفلة أناخت ركابها، والتسويف أدلى بستاره..

وتتعجب من شدة حرصهنَّ على تسريحة شعر، وتهافتهنَّ على اختيار تصميم لطقعةِ قماش، وإن كان لديك مُتَّسع من الوقت، وكنز من الصبر لا ينفد فأصغ بسمعك:

ها هُنَّ يتحاورن ويتجادلن طويلاً في لون حذاء أقمن الدنيا عليه، وقد يتفقن وكثيراً ما يختلفن، والهم كله في هذه الساعات الطوال لا يتجاوز حذاءً أو فستاناً، أو ما يقارب ذلك!

هذا هو مستوى التفكير لديهن، وهذه أقصى اهتماماتهن؛ بل التي تعدّ نفسها للدراسات العليا تساقطت دموعها عندما تأخّر فستانها لدى مشغل الخياطة وبكت بحرقة عجيبة!

في ذلك المجلس الذي خَبَت فيه جذوة الإيمان، ومع الضحكات المتوالية والتعليقات المتتالية..

كانت هى في وسط جمع من الفتيات تسمع ما يقولون، وتستلطف ما يتندرون، وعندما تعالت الأصوات، واختلطت الهمسات، سمعت إحداهنَّ تسترجع الواقعة..

قالت لي قارئة الحظ: حظك من السماء؛ ستتزوجين برجل غني، تطوفين العالم معه، وترين عجائب الدُّنيا، وسوف تكونين محظية عنده؛ فهو صاحب كرم وسخاء!

وقالت الأخرى بمباهاة عجيبة واستعلاء واضح: من ذهبتُ إليه ذا معرفة دقيقة واطِّلاع واسع، وقد فاجأني بمعرفة أسرار حياتي، وأَهمها تاريخ ميلادي! ومن حُسن التوفيق لم يكن أحد يسمع هذا التاريخ من صويحباتي.

تنهدت وهي تروي تفاصيل تلك اللحظات الحاسمة والدقائق الفاصلة..

ثم قالت: لقد كنت مضطربة المشاعر، متلاحقة الأنفاس، خوفاً من المستقبل، وماذا يخبئ؟ إلاَّ أَنه قرأَ كفِّي على مهل وهو يُقلِّب رأسه، ويُحرك يديه، وأجهدَ نفسه حين ملأت جيبه!

وكانت البُشرى أن قال لي: ستتزوجين من يُحبك، وستكونين سعيدة! وأسرار أُخرى مفاجأة لكن!

تململت وهى تُقلِّب طرفها في الحاضرات، ثم قالت أخشى من الحسد والحُسّاد، خاصة من غير المتزوجات؛ وأتبعت الكلمة الأخيرة ضحكات متتابعة.

فُتِحَ الباب على مصراعيه، واستُبدلت الهمسات بأصوات مرتفعة، فكلهنَّ أصبحن شريكات في السؤال.

وعند أَبواب العرّافين والكهنة والمنجمين وأصحاب الكف وضرب الودع، كلٌ أَدلى بدلوه، حتى تكدرت الدلاء، وأركض الشيطان عليهم بخيله ورجله..

وتحوَّل الحديث إلى ضحك وتعليق وسخرية من تلْك الأقوال والتوقعات؛ ولكن في قرارة النفس شيء آخر.

وعند النوم وحين تنزل نازلة أو تعم سعادة، تدور الأمور في الرءوس كأنَّها حقائق ووقائع، فتنقبض قلوب، وتفرح نفوس، وهذا هو التصديق بعينه!

أَما حديثة العهد بهذا المجلس؛ فقد أَغرقها الطوفان، وسارت مع الركب، وقررت أن ترى حظها مثلهنّ، وتسمع طالعها وتتحرى مستقبلها، تريد أن تسمع كلمة عن زوج المستقبل، وبيت الزوجية، ومن يحبها، ومن يكرهها وأشياء أخرى كثيرة!

وكان ذلك؛ فسألت وقلبها يتلهّف لمعرفة الجواب، ونفسها تتطلَّع لاستشراف المستقبل!

ما هو حظي في هذه الدنيا؟ ومتى سأتزوج؟ وما هي مواصفات الزوج؟

سارت خطوات عجلى إلى حيث الجواد المُظلمة والطرق المُهلكة، وبدأ قلبها يخفق ويتناثر على جنباته الإيمان، وغرقت مثل كثيرات في الوحل، ولم تأخذ من حظ الآخرة!

وفي الزاوية البعيدة وقف الشيطان مبتسماً لما يرى..

وهز رأسه فرحاً بهذا السقوط، وهو يحدِّث أَعوانه: لقد ثُلم التوحيد، وسقطت رايته، وراء كل سقطة سقوط أعظم، إلا أن يلج صاحبها باب التوبة وسأكون له بالمرصاد!

****

* قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أتى عرافا أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -" رواه أحمد والحاكم والبيهقي.

* وعن أبي موسى - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق يالسحر" رواه أحمد وابن حبان.

****

* قال عبدالله بن عباس: إن للحسنة: ضياءً في الوجة، ونوراً في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة: سواداً في الوجه، وظلمة في القبر، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.


 الطريقة الشرعية للوقاية من السحر

سُئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز:

ما هى الطريقة الشرعية للوقاية من السحر؟

* فأجاب: أن يسأل الله جل وعلا العافية، ويتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وأن يقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (ثلاث مرات) في اليوم والليلة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، لم يضره شيء".

وكذلك إذا نزل بيتاً فقال: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك"، ويكرر في الصباح والمساء: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" ثلاث مرات: "باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" ثلاث مرات، كذلك يقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة وعند النوم.

ومن أسباب السلامة أيضا قراءة: (قل هو الله أحد) والمعوذتين بعد كل صلاة، فهي من أسباب السلامة، وبعد الفجر والمغرب (ثلاث مرات): (قل هو الله أحد) والمعوذتين، هذه من أسباب السلامة أيضاً، مع الإكثار من ذكر الله جل وعلا، والإكثار من قراءة كتابه العظيم، وسؤاله سبحانه وتعالى أن يكفيك شر كل ذي شر.

ومن أسباب السلامة أيضاً أن يقول: "أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامَّة، أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر طوارق الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمان". هذه من التعوذات التي يقي الله بها العبد من الشر.


 علامات يُعرف بها السحرة والكهنة والمشعوذون

أخي الحبيب:

نحن في عالم يموج بالفتن التي تجعل الحليم حيران. وكثير يدعي أنه لا يفرق الساحر أو الكاهن عن غيره.. ولا شك أنه يعرف الكثير من أمور الدنيا.

نعم قد عرف الكثير من أمور الدنيا عن طريق السؤال والمتابعة والحرص، ولكنه في أمر الآخرة لا يعرف شيئاً! ويعتذر بالجهل وعدم المعرفة.

أيها الحبيب:

أمور العقيدة أهم من أمور الدنيا وسلامة توحيدك أهم من سلامة دراهمك.

وإليك بعضاً من العلامات التي تستطيع أن تميز بها الساحر والكاهن والمشعوذ لتبتعد عنهم وتخبر عنهم:

1- إذا سأل الشخص عن اسمه واسم أمه.

2- إذا طلب من الشخص أي لباس أو قطعة قماش.

3- القراءة غير المفهومة بكلمات مستغربة.

4- أن يعطي المريض أوراقاً يحرقها ويتبخر بها أو يعلقها أو يدفنها.

5- إذا أعطى المريض شيئاً يلبسه أو يعلقه، وهو ما يسمى بالحجاب.

6- أن يطلب منه ذبح أي حيوان أو طائر وتلطيخ محل الألم بدمه، أو طلب ذبح حيوان بلون معين كالأسود مثلاً.

7- أن يطلب منه ذبح أي حيوان أو طائر من غير ذكر اسم الله عليه.

8- أن يكتب للمريض أوراقاً بها حروف أو أرقام أو أشكال مربعة أو مسدسة أو دائرية ونحو ذلك.

9- أن يخبر الشخص المريض باسمه، أو اسم بلده، أو مشكلته التي جاء من أجلها، أو شيء من حياته الماضية ونحو ذلك.

10- أن يطلب شيئاً من شعر المريض أو أظفاره ونحو ذلك.

فمن وجدت فيه بعض هذه العلامات عُلِمَ من حاله أنه صاحب شعوذة أو سحر أو استخدام شيطاني.

أخي المسلم:

نحن في دار ابتلاء وامتحان، وتجري علينا مقادير الله عز وجل من أمراض وأسقام وهموم وغموم ومصائب وأحزان. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. وهذه فيها أجر إذا صبرنا واحتسبنا فقد بشرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "ما يصيب المسلم من وصبٍ ولا نصب ولا هم ولا حزنٍ ولا غمٍّ ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كَّفر الله بها من خطاياه" متفق عليه.

ولا تتوقع أنك الوحيد الذي نزل بك الضر والضيق، فغالب الناس مثل حالك، بل ربما أن بعضهم أشد منك حالاً؛ ولكن لهم في الصبر سلوى وفي رفع الدرجات عزاء.

وعليك بصدق الالتجاء والتضرع إلى الله عز وجل أن يجمع لك بين الأجر والعافية؛ فتقوم من مرضك أو مصيبتك وأنت في خير حال، لم تتسخط على قضاء الله وقدره، بل صبرت واحتسبت، وحافظت على رأس مالك وهو دينك.

وداوم أيها الحبيب على الدعاء والطاعات، واقرأ على نفسك ومن حولك.

وإليك علاجاً للسحر أو العين أو المس، ليس فيه شرك ولا كفر، بل هو عين الصواب؛ فهو من كتاب الله وسنة نبيه، علَّ الله أن يرفع ما بك، ويجبر كسرك، ويعلي قدرك، ويرفع منزلتك، ويكفر خطيئتك([10]).

****


 علاج السحر أو العين أو المس

1- يستحسن أن يكون القارئ هو المريض.

2- أن تكون القراءة في ثلث الليل الأخير حين ينزل الربُّ سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا كما يليق بجلاله وعظمته كما أخبر به رسولنا - صلى الله عليه وسلم - ويستحسن تكرارها ثلاث مرات.


 الرقية

1- يُدق دقاً جيداً سبع ورقات من السدر البرِّي.

2- ثم يصب عليه ماء، عشرة أو عشرون لتراً ونحوهما، وماء زمزم أفضل.

3- في بداية القراءة يحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله، ثم يصلى على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم يقرأ الرقية.

4- يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يسمي الله، ثم يقرأ ما يلي وينفث في الماء بعد نهاية كل آية:

1- الفاتحة سبع مرَّات.

2- الآيات الخمس الأولى من البقرة.

3- آية الكرسي ثلاث مرَّات.

4- آخر آيتين من سورة البقرة ثلاث مرَّات.

5- الآيات العشر الأولى من سورة الصافات.

6- سورة الكافرون.

7- سورة الإخلاص سبع مرَّات.

8- سورة الفلق سبع مرَّات.

9- سورة الناس سبع مرَّات.

10- قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ سبع مرَّات.

11- قوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ سبع مرَّات.

12- قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سبع مرَّات.

13- قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ سبع مرَّات.

14- ويقرأ آيات السحر ومنها قوله تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.

ومن الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مع مراعاة النفث مع كل حديث):

1- (اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً) سبع مرات.

2- (باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شرِّ كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك) سبع مراَّت.

3- تضع اليد اليمنى على الرأس أو الصدر أو البطن ثم تقول: (باسم الله باسم الله باسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر) سبع مرَّات.

4- ثم يصلي ويسلِّم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -.


 العلاج

1- يشرب كأساً على الريق بعد صلاة الفجر مع الجماعة بالنسبة للرجال.

2- يغتسل اغتسالاً كاملاً من هذا الماء، يأخذ منه مثلاً خمسة أكواب أو سبعة أكواب، ويزيده في طشت، وتحته طشت آخر حتى يسكب الماء بالحديقة لوجود الآيات والأحاديث.

3- يكون شرب الكأس والاغتسال في يوم واحد لمدة ثلاثة أيام، أو خمسة أيام، أو سبعة أيام، أو تسعة أيام. وهكذا حتى الشفاء بإذن الله تعالى.


 نصائح

1- أن يأكل سبع تمرات يومياً بعد شرب الكأس، ويُفضَّل من تمرات عجوة المدينة.

2- حبذا أن يحتجم المريض، فالحجامة سنَّة، فعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

3- أن يشرب ملعقة عسل مع ربع ملعقة حبَّة البركة بماء زمزم لمدة أسبوع.

4- يجب على المسلم أن يجتنب كلَّ المحرَّمات من مشاهدة المسلسلات والمجلاَّت واستماع الغناء، وعليهم إخراج الدشوش (الصحون الهوائية) وعليهم بالصلاة مع الجماعة في وقتها بالمسجد بالنسبة للرجال، والمحافظة على السنن، وعلى المرأة أن لا تخرج متبرجة كاشفة وجهها ويديها أمام الرجال الأجانب في الأسواق والأفراح وإلا فقد لا يُستفاد من القراءة.

5- قراءة سورة البقرة في كل ِّ غرفة من غرف البيت.

6- عدم استقدام غير المسلمين في هذا البلد، وعدم التعامل بالربا.

7- يُستحسن شرب ملح ناعم قليل مع القراءة (نصف ملعقة صغيرة) وشرب زعفران قليل.


فوائد مهمة

1- لا يستفيد من القراءة الذي لا يحافظ على الواجبات ويفعل المحرَّمات ومن ماله من الحرام ونبت جسمه من السحت.

2- تقليل العسل والتمر لمن به سكر، وتقليل الملح لمن به ضغط الدم.

3- قد يرى المريض رؤيا تدلُّه على من أصابه وتسبب بذلك ويُعبِّرها المعبِّرون، والله أعلم.

 حكم تعلم حل وفك السحر عن المسحور

سُئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز:

هل يجوز تعلم حل أو فك السحر عن المسحور؟

* فأجاب: إذا كان بالشيء المباح؛ من الأدعية الشرعية، أو الأدوية المباحة، أو الرقية الشرعية، فلا بأس، أما أن يتعلم السحر؛ ليحل به السحر، أو لمقاصد أخرى، فذلك لا يجوز، بل هو من نواقض الإسلام؛ لأنه لا يمكن تعلمه إلا بالوقوع في الشرك، وذلك بعبادة الشياطين من الذبح لهم، والنذر لهم، ونحو ذلك من أنواع العبادة، والذبح لهم والتقرب إليهم بما يحبون حتى يخدموا بما يحب، وهذا هو الاستمتاع الذي ذكره الله سبحانه بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 128].

* ويبين الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله، وجه إدخال السحر في الشرك قائلاً:

"السحر يدخل في الشرك من جهتين: من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلق بهم، وربما تقرّب إليهم بما يحبون ليقوموا بخدمته ومطلوبه. ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب، ودعوى مشاركة الله في علمه وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك، وذلك من شعب الشرك والكفر" ([11]).

****


 كلمات سريعة

* كثير من الناس لا يعرف قراءة القرآن والأدعية على نفسه أو على أهل بيته، ويبحث عمن يقرأ له، ولو قرأ على نفسه أو على زوجه أو ابنه لكان أكثر إخلاصاً وأكثر خضوعاً وذلة لله عز وجل.

* ليس من علامات صلاح القارئ وتُقاه أن ينفث مرة أو مرتين ثم يتعافى المريض. فلم نعلم هذا في صلحاء وعلماء الأمة المعروفين الموثوقين فالله المستعان.

* احذر أخي المسلم أن تترك محارمك يدخلن على مدعي القراءة أو غيرهم، بل رافقهم ولا تخرج حتى ولو كان هناك امرأة عاملة مع القارئ؛ فبعضهم يخرج العاملة بعد خروج محرمها.

* لا تبحث عن العافية والسعادة بمعصية الله عز وجل، وإن ظهر لك أمور من العافية والسعادة بمعصية فاعلم أن ما أصابك من الشر أضعاف من نالك من السعادة الموهومة.

* يتجاهل كثير من الناس حفظ الأوراد الشرعية مثل أوراد الصباح والمساء وغيرها. فيجب الحرص على حفظها ومن ثم ترديدها في وقتها.

* البعض يفتح باب بيته للمحرمات والموسيقى والأغاني ثم يقول: الشياطين تتخطفني. فسبحان الله العظيم الذي أمرك فعصيت. فهذا ما فتحته على نفسك وما جلبته بيدك. أمرك بذكره على كل حال، وبقراءة القرآن، والبعد عن الحرام، أكلاً أو شرباً أو سماعاً؛ فأين أنت عن ذلك؟

* على المسلمة إنكار المنكر الذي تراه عند بعض من يدعون القراءة، ويجب عليها إخبار زوجها أو رجال الحسبة إن كانت تخشى أن يتصرف زوجها تصرفاً غاضباً. ولا تدعي أمثال من ترين يعبث بأعراض المسلمات؛ فكوني -حرم الله وجهك عن النار وسترك في الدنيا والآخرة- عوناً على الخير، ذابَّة عن أعراض المسلمين، فاضحة للمشعوذين إن ظهر لك ذلك.

* يجب على المسلم أن يحسن ظنه بالله عز وجل، وأنه قريب يجيب الداعي. فَلْيُلحَّ في الدعاء والتضرع،ويرفع حاجته إلى من بيده أمر كل شيء وهو على كل شيء قدير.

* على ولي أمر كل أسرة أن يحرص أشد الحرص على أن لا يترك الحبل على الغارب لنسائه للذهاب لكل من هب ودب بمفردهن؛ فإن في ذلك ضياع دينهن وأعراضهن، والأحاديث والقصص في ذلك سارت بها الركبان.

* بعض الأمراض تكون نفسية ولا تعالج إلا عن طريق الأطباء النفسانيين، وبالإمكان الذهاب إليهم واستشارتهم وليس في ذلك عيب؛ فمن جعل المرض في القلب أو الكلى أو غيرهما قادر على أن يجعل ذلك في الأعصاب وفي المخ، فما المحذور في ذلك؟ وما العيب فيه؟

* لا بد من الصبر، في هذه الدنيا، وترك الجزع والتجزع، ومعرفة فضل الصبر والتداوي بما شرعه الله عز وجل. وإن ما أصابنا من عند أنفسنا من ذنوب ومعاصي ويعفو عن كثير. سبحانه وتعالى.

* لا يجوز التسخط من أقدار الله عز وجل؛ فإنه حكيم عليم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، بل يجب الرضا بما قدر الله عز وجل، ودفع ما أصابنا من أقدار الله عز وجل بما أنزل من علاج ودواء.

* لا بد من تفويض الأمر لله عز وجل، والعلم والقناعة واليقين بأن الله هو الشافي المعافي، وأن الأدوية بأنواعها هى سبب من أسباب الشفاء إذا أراد الله عز وجل ذلك.

* على كل أب وكل أم الحرص على قراءة الأوراد الشرعية على أطفالهم وذرياتهم.

* لا بد من سؤال العلماء والرجوع إليهم فيما أشكل على المرء أو خفي؛ فإن سؤالهم عبادة، وفتواهم وعلمهم كله خير.

* على المسلم أن يتقي الله عز وجل فيطيع أوامره ويجتنب نواهيه وليبشر بفرج قريب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.


 مدى جواز توبة الساحر

سُئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز أثابه الله:

عن مدى جواز توبة الساحر، وهل يقام عليه الحد بعدها؟

* أجاب سماحته: إذا تاب الساحر توبة صادقة فيما بينه وبين الله نفعه ذلك عند الله، فالله يقبل التوبة من المشركين وغيرهم، كما قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾[الشورى: 25]، وقال جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].

لكن في الدنيا لا تقبل. الصحيح أنه يقتل، فإذا ثبت عند حاكم المحكمة أنه ساحر يقتل، ولو قال إنه تائب، فالتوبة فيما بينه وبين الله صحيحة إن كان صادقاً تنفعه عند الله، أما في الحكم الشرعي فيقتل، كما أمر عمر بقتل السحرة؛ لأن شرهم عظيم، قد يقولون تُبْنا وهم يكذبون، يضرون الناس، فلا يسلم من شرهم بتوبتهم التي أظهروها ولكن يقتلون، وتوبتهم إن كانوا صادقين تنفعهم عند الله.

****

* وفي سؤال آخر لسماحته عن حكم الصلاة على الساحر ودفنه في مقابر المسلمين بعد قتله؟

أجاب: إذا قتل لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يدفن في مقابر الكفرة، لا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يغسل ولا يكفن. ونسأل الله العافية ([12]).



([1]) سير أعلام النبلاء: (8/427).

([2]) من كتاب الصارم البتار، للشيخ وحيد بالي.

([3]) صفة الصفوة 4/29.

([4]) من كتاب الصارم البتار.

([5]) القصة من الزمن القادم؛ المجموعة الثالثة.

([6]) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين.

([7]) من كتاب اصبر واحتسب, ص5-6.

([8]) الباب المفتوح س 1179.

([9]) فتاوى اللجنة الدائمة رقم الفتوى 9807.

([10]) إن أحببت أن تقرأ كتابي "اصبر واحتسب" ففيه عجائب من صبر من كان قبلنا لتسلي قلبك وتروح عن نفسك وتعرف نعم ربك وتسلك النهج الشرعي عند حدوث المصائب.

([11]) القول السديد ص74.

([12]) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 8/ 111.