وثبة نحو النجاح

أبو الحسن بن محمد الفقيه


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد: فإن للنجاح قواعد ينبني عليها بناؤه، وينموا بها عطاءه، ويستمر بها نماؤه.

ومهما اختلفت نظرة الناس إلى النجاح وأسبابه إلا أن النجاح عند التحقيق لا يتجلى ظهوره وتبارك ثماره إذا لم يكن منبثقًا من طاعة الله جل وعلا وتقواه والصبر على امتحانه وبلواه،

وفي هذا الكتاب خطوات هادفة تقود كل طامح للنجاح إلى تحقيق طموحه ونيل فلاحه.

 حقيقة النجاح

إن الظواهر التي خلقها الله جل وعلا في الوجود أضخم من أن تحصى، وأعمق من أن تحصر، وأكثر من أن تذكر! ولكن القاسم المشترك الذي يجمع بين تلك الظواهر كلها، غائبها وحاضرها على اختلاف أشكالها وأنماطها أنها تخضع كلها للناموس الإلهي الحق في الوجود فكلها وجدت وانطبعت بمشيئة الله سبحانه، وكلها تسير وفق إرادته سبحانه، وكلها تخضع لنظام محكم من إبداعه وتقديره سبحانه.. قال تعالى: }إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ{.

وكما أن المخلوقات المادية تخضع في أضخم أحجاما وأدقها للقانون الإلهي في كينونتها وصيرورتها ووجودها.. فكذلك المخلوقات المعنوية تخضع للقانون نفسه.. فلا شيء في هذا الوجود خُلق سُدى.. سواء كان من الذوات أو من المعاني! وإن من الظواهر المعنوية المخلوقة في هذا الوجود: ظاهرة النجاح.. أجل فهي صفة مخلوقة.. لها مقاييسها ولها ضوابطها.. ولها قانون يحكمها في الحياة! كله من صنع الله وتقديره.

ولما كان الله جل وعلا هو خالق النجاح ومبدعه في الوجود، فإنه سبحانه بالضرورة هو العالم وحده بأسراره، وطرقه، ونواقضه وقوادحه، وماهيته وحقيقته وليس هناك في الوجود من هو أعلم منه بخلقه، ولا أدرى منه بصنعه، قال تعالى: }أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ{ وقال سبحانه }اللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ{.

ولقد تناول القرآن الكريم والسنة المطهرة موضوع النجاح تناولاً قيمًا أظهر للمسلمين خطوطه الواضحة قال تعالى: }وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{.

فالترابط بين الفلاح في الدارين كترابط الروح بالجسد، لا يمكن أن يتصور وجود أحدهما إلا بوجود الآخر.. وهذه حقيقة قررها الإسلام في مواضع كثيرة في القرآن والسنة، حتى باتت واضحة لمن رزقه الله الفقه في دينه! وإليك أخي الكريم دلائل ذلك!.

فلا يوجد باحث عن النجاح في الدنيا وهو يطمح من وراء نجاحه إلى السعادة والراحة والطمأنينة. فلا أحد يريد نجاحا لذاته مجردًا من نفعه وثماره! فالتاجر يريد النجاح في تجارته لكسب المال أملاً في ضمان رزقه ورغد عيشه ونجاته من ذا السؤال وسوء الأحوال.. وكل ذلك يعني له السعادة! كما أن الطالب يريد النجاح استزادة من العلم أملاً في التطلع للمعالي والإبداع وله في ذلك نشوة يتذوقها ويشعر براحتها في نفسه وحسه.. وكذلك العامل في عمله والمرأة في بيتها، والفلاح في زرعه، وكل إنسان بحسب موقعه ووظيفته.. فكلهم تجمعهم في النهاية قاعدة تقيد النجاح في الدنيا بنفعه لا بذاته إذ المقصود من الأشياء نفعها لا ذاتها.

فإذا علمت هذا أخي الكريم، فاعلم أن النجاح لا يمكن أن يكون له نفع، إلا مع الإيمان والعمل الصالح!

فبحسب إيمان العبد يكون نجاحه في الدنيا والآخرة! فإذا كان إيمانه تامًا كان نجاحه في الدارين تامًا وإذا كان ناقصًا نقص نجاحه بحسب ما في إيمانه من نقص.

ولا يشكل عليك ما تراه من نجاح الكفار والعصاة! فما ذاك والله بنجاح! وإنما هو متاع واستمتاع فيه من ضنك الحياة، وقلق البال، واضطراب النفس، وتوتر الأعصاب ما يذهب مقصود النجاح ونفعه ! فالصورة صورة النجاح.

والجوهر فشل وضياع.

قال تعالى:}وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى{.

قال ابن قيم الجوزية: والصحيح أنها أي الآية تتناول معيشته في الدنيا، وحاله في البرزخ، فإنه يكون في ضنك في الدارين، وهو: شدة أو جهد في الدنيا، وضيق في الآخرة من العذاب. وهذا عكس أهل السعادة والفلاح فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب      }مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً{ إلى أن قال فالإحسان له جزاء معجل ولا بد، والإساءة لها جزاء معجل ولا بد([1]).

 كن جديرًا بما تعتقد

فإن المسلم ينبغي أن يكون جديرًا بما يمتلكه من كنوز الاعتقاد، وأن يتمرس في حياته كلها على ترجمة عقيدته في كل أعماله، فالإيمان بالله جل وعلا وما يندرج تحته من أصول الاعتقاد يقتضي من المسلم إفراد الله جل وعلا بالضر والنفع، وإفراده بالتوكل والدعاء؛ والخوف والرجاء، وغير ذلك من مفردات العبادة التي لا يجوز صرفها إلا الله جل وعلا.

والمسلم الناجح هو الذي يثبت لنفسه الفقر المطلق إلى الله سبحانه، ويثبت الغنى المطلق لله وحده سبحانه، ويتولد له في هذا الإيمان شدة الحاجة إلى عون الله وتأييده معينه وتوفيقه ونصره، وأنه إذا وكله إلى نفسه طرفة عين هلك وانقضى أمره.. }يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ{.

قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: «بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم، لا ينفك عنهم، كما أن كون غنيًا حميدًا ذاتي له، فغناه وحمده ثابت له لذاته لا لأمر أوجبه وفقر من سواه إليه ثابت لذاته لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان، بل هو ذاتي للفقير فحاجة العبد إلى ربه لذاته لا لأمر أوجبه فلا يعلل هذا الفقر بحدوث ولا إمكان بل هو ذاتي للفقير، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا

كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي

ومن هذا الكلام النفيس تظهر حاجة كل مريد للنجاح إلى الاستعانة بالله وحده والثقة بالله وحده لأنه الغني الغنى المطلق وما سواه فقير الفقر المطلق.

ومن ثمرات الافتقار إلى الله ومظاهره.

 عدم الثقة بالنفس:

وهو عكس ما يردده أغلب الناس من أن الثقة بالنفس تضفي على الناس سمة الشخصية.. والأمر ليس كذلك؛ فإن الشخصية المميزة إنما تميز بالثبات والحكمة والسداد وهذه الأمور جميعها ثمرات يهبها الله جل وعلا لمن رضي عنه من عباده. وأما الثقة بالنفس فهي من الألفاظ المولدة التي تناقض ما دلت عليه النصوص فلقد كان من دعاء النبي e في الصباح والمساء «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

وفي تقرير لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله لما سئل عن قول من قال: تجب الثقة بالنفس أجاب: لا تجب ولا تجوز الثقة بالنفس في الحديث: «لا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

فالمسلم الناجح هو الذي يرى نفسه خاسرًا إن لم يربحه الله، وضائعًا إن لم يوفقه الله، وتائهًا إن لم يهده الله، وجائعًا إن لم يطعمه الله وراسبًا إن لم ينجحه الله. ولا يثق في نفسه ولا في غيره.. بل يكل الأمور كلها  إلى الله.. ثم بعد توكله يثق بربه ويحسن الظن به.. ويعزم ويتوكل فإذا نجح في أعماله.. ووفق في آماله.. عرف أن ذلك كله من الله وحده وأنه ليس لنفسه فيه من نصيب!

فالاستعانة بالله.. والتوكل عليه.. وحسن الظن به.. والثقة به وحده.. هي أسس النجاح التي لا يكون إلا بها. فإذا رأيت من نحج بغيرها فإنما هو نجاح غير مبارك الخطوات عما قريب يزول.. أو استدراج توشك شمس صاحبه على الأفول!

وهذه الأمور وتلك الأسس هي ثمرة العقيدة السليمة التي هي أساس كل نجاح. قال تعالى: }وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ{.

أي إذا كنتم تعتقدون أن الله هو الذي يوفقكم لكل خير ويهديكم إليه ويكفيكم أمركم فكلوا إليه أموركم وكونوا على يقين بعونه لكم وتسديده لكم. وقال تعالى: }أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{.


 توطين النفس على الصبر

اقتضت حكمة الله في هذا الوجود أن تقوم حياة الإنسان فيه على المغالبة والمدافعة، ففي كل لحظة من اللحظات يعيش الإنسان في مدافعة جامحة شعر بذلك أم لم يشعر.. فهو يدافع الشرور بمختلف أشكالها الظاهرة والباطنة، والمادية والمعنوية.

يدافع شرور نفسه.. وشرور هواه وشيطانه.. وشرور الإنس والجن.. وشرور الأمراض والجوع والعطش، والحر والبرد، ونحو ذلك من منغصات الحياة ونواقض البقاء.. فهو دومًا في صراع من أجل البقاء!

والمسلم إذا علت همته وتشامخ طموحه، لا يقف عند الصراع من أجل البقاء، أي بقاء كيفما كان شكله ونمطه! بل يدافع ويغالب ويجاهد لينجح في نيل سعادة الدنيا والآخرة!

فهو يصارع كغيره ليبقى؛ ولكنه يختلف عن غيره في كونه يصارع ليبقى على أحسن حال.. ثم يبعث في الجنان في أحسن مآل.. ولأجل ذلك فهو أكثر حزمًا في الأمور.. وعلى شدائدها وصعابها صبور.. فالصبر طريق النجاح.

وفي كتاب الله جل وعلا آيتان تدلان على أن الصبر هو السبيل اللازم للنجاح في الدنيا والآخرة.

أما الآية الأولى فقوله تعالى: }وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ{ وهذه الآية عامة في أمور الدنيا والآخرة.

وأما الآية الثانية فقوله سبحانه وتعالى: }إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ وهذه في الآخرة خاصة.

فالاستعانة بالصبر على صعاب الحياة مطلب حثيث للنجاح فيها، وهذه القاعدة كما هي مقررة في القرآن تدل عليها حوادث الأيام وأخبارها كما قال الشاعر:

وما كنت ممن نال ذا الملك بالمنى

ولكن بأيام أشبن النواصيا

لبست لها كُدر العَجَاج كأنما

ترى غير صاف أن ترى الجوَّ صافيًا

ولما كانت المكابدة في الحياة الدنيا مقرونة بخلق الإنسان كان لزامًا على كل مريد للنجاح فيها أن يوطن نفسه على الصبر ومغالبة عقبات الحياة. قال تعالى: }لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ{.

قيل في تفسيرها: يُكابدُ أمرًا من أمر الدنيا، وأمرًا من أمر الآخرة، وقيل: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

ومن هذا كله لا بد لك أخي الكريم إذا رمت طريق النجاح أن تصبر على الطريق الذي أنت عليه. فإن كنت طالبًا فوطن نفسك على الصبر على الحفظ والمطالعة والمراجعة وما يصاحب ذلك من محنة السهر، وقلة النوم، ومشقة الحضور والكآبة، وحمل كافة الصعوبات التي  تواجهك في تحصيلك.

وإن كنت تاجرًا كذلك فتحمل ضجر التجارة وما يصحبها من الصبر على الناس ومعاملاتهم وما يقتضيه ذلك من التحري والدراسة والجد.

وكذلك إن كنت داعية إلى الله: فتحمل الناس وأخطاءهم، وكن بهم رحيمًا رفيقًا وإن رأيت منهم ما يؤذيك ويغضبك.. وهكذا لا بد من توطين النفس على الصبر في كل مجال رام المسلم النجاح فيه.

فلا تجز عن من سيرة أنت سرتها ذ

فأول راض سنة من يسيرها

والصبر لا يكون فقط عند مزاولة المهام وتنفيذها بل المسلم أشد احتياجًا إليه حين قطف ثمار جهده وحصاد نتاجه. والمؤمن الناجح هو الذي يصبر في أول أعماله، ثم يصبر على نتاجها كيفما كانت.. لأنه يدرك أن الله سيعوضه في الدنيا خيرًا من ذلك.. أو سيدخر له أجره مضاعفًا يوم القيامة، فهو ناجح على كل حال.

وإن رآه الناس معدمًا صعلوكًا تتبعه البلايا والمحن.. فهو يرى نفسه بعين البصير على خير هدى وعلى طريق النجاح القويم ما دام قد استوفى الأسباب بجد وصبر  على نتاجها بعزم.

ولذلك قال رسول الله e: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» رواه مسلم.

 فقه الأولويات

فقه الأولويات من القواعد المهمة في طريق النجاح، ولا يتصور وجود ناجح في مهماته يقدم صغائرها على كبائرها، فمن وفقه الله إلى هذه الفقه وفقه إلى الخير الكثير، لأنه أساس النجاح في كل شيء.

فمن المقرر أن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها ولا يمكن للإنسان أن يحكم على أعماله بالنجاح إلا إذا تصور أهميتها ومنافعها وعواقبها القريبة والبعيدة، وهذا التصور نفسه لا يتحقق إلا بالعلم بأولويات الأمور وتفاوت نفعها وضررها، ومدى الجهد الذي تقتضيه والوقت الذي يتحقق فيه فائدتها، وكذلك أسلوب تنقيها وتحقيقها.

والمسلم المسدد هو من يصيب في تصنيف أهدافه، ويثبت جلدًا على تنفيذها بمقتضى ذلك التصنيف.

ومن المعلوم أن أولى أوليات المسلم الناجح هو تحقيق عبادة الله جل وعلا في هذه الحياة وتحقيق ذلك يتم بأمرين:

الأول: بتحقيق أوامر الله جل وعلا كما أراد سبحانه وتعالى فهو يؤديها متبعًا فيها سنة النبي e مراعيًا توقيتها، فالصلاة في وقت الصلاة، والحج مع الاستطاعة، والزكاة إذا بلغ النصاب ودار الحول، والصيام في وقته والجهاد في وقته بشروطه، وهكذا فهو يعيش حياته يومًا بيوم هدفه الأول في يومه أن يقوم بأوامر الله كما يحب الله سبحانه، وأن يؤدي واجباته من بر الوالدين، وصلة الرحم ونحوها لأنه يدرك أنه ما خلق إلا للعبادة كما قال تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ{ وأنه في الحياة الدنيا عابر سبيل كما قال e: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» فهو في سباق ومسارعة يبتغي وجه الله والدار الآخرة.

الثاني: بأن يتعبد الله جل وعلا بكافة أعماله، فيكون كسبه وتجارته على ما يرضي الله سبحانه:

وليستعين بها على الخير لنفسه وأهله والمسلمين، وكذلك إذا كان طالبًا أو صانعًا أو نحو ذلك من الأعمال فإنه يلتزمها على ما يرضي الله ويرجوا بها ثواب الله سبحانه، ويستعين بها على عبادة الله جل وعلا، وهكذا تكون حياته بكل أشكالها وحالاتها عبادة لله يُؤجر عليها، فيتحقق له بذلك أولى الأهداف في الحياة وهو العبادة التي لأجلها خلق الإنسان.

والمغبون هو من أخطأ فلم يصب من هذا الفقه الجليل شيئًا وجعل الدنيا أكبر همه، وأجهد فيها نفسه لاهيًا ساهيًا عن الآخرة ونسي أنه لن يكسب من الدنيا إلا ما كتب الله له، وأن الآخرة بالعمل تنال، كما قال رسول الله e: «أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما خلق له»([2]).

وكما قال e: «لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت» ([3]) .

وفقه الأولويات لا يستغني عنه تاجر في تجارته ولا مدير في إدارته ولا طالب في دراسته، فالتاجر يعمد إلى تصنيف مهامه فيأتي منها بالأهم فالمهم، ولا ينام وقت البيع ليبيع وقت النوم.

فأولويات الطالب أن يحفظ دروسه ويفهمها ويتوسع بعد ذلك في استيعاب جوانبها، وليس من فقه الأولويات أن ينشغل عن دروسه بغيرها ولو كان نافعًا كأن يطالع في الطب وليس هو من تخصصه ليضيع عنه فهم الرياضيات هو من تخصصه، فهذا وإن كان ينفعه عمومًا إلا أنه يضيع عليه هدفه، ويفوت عليه فرصة متابعة دراسته وفي ذلك خسارة كبيرة لغايته.

فالمسدد من رزقه الله القدرة والتوفيق على وزن الأمور وتقييمها ووفقها إلى العمل بأحسنها سواء في أمور الدنيا أو الآخرة.

كما قال رسول الله e: «إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوّام القوّام بآيات الله عز وجل لكرم ضريبته، وحسن خلقه»([4]) .

 الوقت مادة النجاح

وهي حقيقة لا يختلف عليها اثنان، فالوقت هو مادة الحياة ومجالها، وليس للإنسان من حياته إلا ما عمر فيها من فراغه ووقته بما يعود عليه بالنفع في العاجل والآجل. وأما ما ضاع من وقته فليس في الحقيقة من حياته.

وقل من الناس من يفقه قيمة الوقت وماله من تأثير على النجاح فهذا رسول الله e ينبه على ذلك ويقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»([5]).

ففي الحديث فائدتان:

الأولى: أن الوقت نعمة جليلة.

الثانية: أن القليل من الناس من يوفق للانتفاع بها، وفي هذا الإخبار تحريض على استثمار نعمة الوقت فيما يعود على الإنسان بالخير.

 فكيف نجعل من نعمة الوقت خطوة إلى النجاح؟

أولاً: ملأ الفراغ بالتخطيط المستمر:

فالمسلم الناجح لا يوجد في يومه زمن لا يدري ما يصنع فيه، فهو دائم التخطيط لما يستقبله من الزمن، يفكر قبل أن يخطط ويراعي في تخطيطه أولويات الأمور ومعاليها، ولا تشرق عليه شمس الصباح إلا وهو قد رسم خطوات عمله بإتقان.. وفي عقيدته أنه يتقلب في مشيئة الله في سائر الأحوال.. فهو بتخطيطه لأعماله في غده يدفع قدر الله بقدر الله.. ويملأ فراغه بما يراه الأصلح لنفسه في الدنيا والآخرة فإذا فاجأه ما لم يكن في حسبانه.. قال بلسان حاله ومقاله: قدر الله وما شاء فعل، وهو على كل حال منهجيّ في حياته.. متوازن في تقسيم وقته بحسب وظيفته وموقعه وهدفه

والوقت أنفس ما عنيت

وأراه أكثر ما عليك يضيع

قال مالك بن دينار: «أن عيسى عليه السلام يقولك إن هذا الليل والنهار خزانتان فانظروا ما تضعون فيهما، وكان يقول: اعملوا لليل لما خلقه له، واعملوا للنهار لما خلق له»([6]) .

ثانيًا: تجنب العادات السيئة في إهدار الوقت:

من الناس من يطمح بجد لتنظيم وقته والاستفادة منه، ويحسن التخطيط والتنظير بذلك ولكنه يعجز عن التنفيذ لغلبة عاداته السيئة في التعامل مع وقته ومن تلك العادات:

1-  التسويف: وسببه فتور العزيمة، والضجر من حمل الأعباء، وهو من نواقض النجاح وقوادحه، لأنه يخرم المخطط اليومي الذي يحضره المرء لنفسه تفاديًا لضياع وقته وفراغه، ومن ثم يمني المسوف نفسه بإنجاز عمل اليوم إلى الغد، وهكذا يبقى متسليًا بالأماني حتى تتراكم عليه المسئوليات فيتركها جملة واحدة ويصيبه الإفلاس.

إذا تمنيت بت الليل مغتبطًا

إن المنى رأس أموال المفاليس

2- الاستئناس السلبي: فقد يعتاد المرء طول السمر مع الأصدقاء أو الأهل، أو مع وسائل اللهو المباحة، فيعجز بذلك عن ضبط نفسه وتقييدها بالأهداف والخطوات التي رسمها لنفسه. يقول الله جل وعلا مؤدبًا أصحاب النبي e: «وإذا طعمتم فانتشروا».

والمسلم الناجح هو من يوازن بين الأمور، فيجعل اجتماعاته بأصدقائه وأحبابه، عنصرًا إيجابيًا في حياته، بحيث تعود عليه بالنفع دونما إهدار لوقته فيما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة.

3- العجز والكسل: ولقد كان رسول الله e كثير التعوذ منها في صباحه ومسائه وكان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال» ([7]).

وقد يكون  المسلم طموحًا في فكره وآماله ولكنه بسبب عجزه وكسله وقلة نشاطه يتثاقل عن حفظ وقته ويركن دائمًا إلى إهداره في الأعمال التي يجاري فيها خموله وعجزه.

4- دنو الهمة: فكما أن علو الهمة يجدد الطموح في نفس الإنسان، ويحفزه على الجد والعمل والإصرار.. فإن دنوها ينكس الطموح ويمسخ الأهداف والآمال، فيشتغل المسلم بسفاسف الأمور ويملأ وقته إن هو ملأه بما لا يعود عليه بنفع ولا فائدة.

وليس المقصود من تنظيم الوقت وإعماله هو اشتغاله بأي عمل! وإنما بأصلح عمل وأنفعه وهذا لا يتحقق إلا لذوي الهمم التقية العالية!

فكن رجلاً رجله في الثرى

وهامة هامته في اثريا كن عالي الهمة

فع


 كن عالي الهمة

فعلوا الهمة شرط النجاح، وليس يتصور النجاح لمن لا همة الله، وعلى قدر الهمة يكون النجاح.

والهمة العالية صفة نفسانية تدل على قوة إرادة القلب وعقدة وعزمه على دفع عجز النفس وتقصيرها والسير بها إلى الكمال.

وهي إذا كانت في الخير، من أعظم أعمال القلوب لأنها توجه الخير الذي يريده صاحبه وتحفز النفس على أخذه ونيله في أكمل صوره.

فمثلاً لو رام المسلم النجاح في طلبه للعلم وجعل من علو همته طريقًا للنجاح، لجعلته همته يفكر في نتاج طلبه للعلم، وثواب من حفظ القرآن والسنة وتعلم وعلم، ولجعلته أيضًا يبحث عن نواقض ذلك الثواب وقوادحه.. وإذن لدفعت به همته إلى السهر وكثرة المطالعة والمدارسة والحفظ والمراجعة، ولجعلته همته مخلصًا في طلبه، عاملاً بما يتعلمه، متواضعًا، لا يشبع من علم ولا يمل من درس.

يقول ابن الجوزي رحمه الله: «ينبغي لمن له أنفه أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس، فلو كانت النبوة مثلاً تأتي بكسب لم يجز له أن يقنع بولاية، أو تصور أن يكون مثلاً خليفة، لم يحسن به أن يقتنع بإمارة، ولو صح له أن يكون ملكًا، لم يرض أن يكون بشرًا، والمقصود أن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن في العلم والعمل» ([8]).

 فما هو الطريق لاكتساب الهمة العالية:

 أولاً: الإيمان بالله جل وعلا:

فالكافر لا يمكن أن تتجاوز همته مجدًا يبتغيه في هذه الدنيا الفانية أو قصرًا يسكنه أو علمًا يبرع فيه وقد طلبه لغير الله.. فكل طموحاته وهمومه دنيوية دنية سافلة.. لذا فهو منحط الهمة على كل حال.

أما المؤمن فإن علو همته من نقاوة عقيدته، فهو يدرك حقيقة الدنيا وحقيقة الحياة فيها، والغاية التي لأجلها خلقت، لذا فهو دائم التفكير في مصيره، يجاهد نفسه لإنقاذها من النار ويكابد فتن الدنيا لنيل النعيم المقيم في الآخرة، فهمته أعلى وغايته أسمى ولا يفوته أنه إذا اكتسب من بركات الله ما يؤدي به حقه وشكره أن يستكثر منها ويجعلها سبب سعادته في الدنيا ونجاة له في الآخرة.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي e قال: «بينا أيوب عليه السلام يغتسل عريانًا، فخر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟! قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك» ([9]).

أنا إن عشت لست أعدم قوتًا

وإن مت لست أعدم قبرًا

همتي همة الملوك ونفسي

نفسُ حرّ ترى المذلة كفرًا

 ثانيًا: صحبة أولي الهمم العالية:

فالصحبة الخيرة ذات الهمة العالية من أعظم مفاتيح الخير والفضل.. في الحديث الصحيح قال رسول الله e: «عند الله خزائن الخير والشر، ومفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعل الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحًا للشر، ومغلاقًا للخير».

وكان الإمام أحمد رحمه الله: «إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر، سأل  عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة وأحب أن يعرف أحواله»([10]).

وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم: «إنما يجلس الرجل إلى من معه في دينه».

 ثالثًا: الدعاء

الدعاء سبب لنيل  الهمة، وذلك أن الله عز وجل أمر بالدعاء ووعد الإجابة قال عز وجل: }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{.

فثمرة الدعاء مضمونة، بإذن الله، إذا أتى العبد بشرائط الإجابة. فإذا سأل العبد ربه أن يعلي همته، وأن يهديه لكل خير، ويجنبه كل شر كان ذلك سببًا لعلو الهمة.

ولهذا كان من دعاء عباد الله الصالحين أنهم يقولون: }وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا{.

وإمامة المتقين من أعلى مراتب علو الهمة إن لم تكن أعلاها ([11]).

 شخصية الرجل الناجح

إن للرجل الناجح صفات تميزه، وتجعل منه شخصية قادرة على إنجاز المهمات التي يعجز عنها الآخرون.

فمن أهم صفاته.

1- التفكر السليم: فالمسلم الناجح في حياته لا يقدم على عمل من الأعمال إلا بعد دراسة متأنية سواء في التجارة أو الدراسة أو الإدارة أو أي من الأعمال، فهو دائم التفكير في كل خطوة يخطوها، ثاقب الرؤية في النظر إلى الأمور، يرى بعيني رأسه ظواهر الأشياء لكنه يرى بواطنها وعواقبها أيضًا لكن بعين عقله، مستقل في تفكيره، عن تقليد الآخرين دونما نظر، دائم الاستفادة من تجارب الآخرين في الحياة، لا تقوده الانفعالات ولا تسوقه العواطف والاندفاعات، وإنما يزن الأمور بميزان المصالح والمفاسد مستنيرًا بكتاب الله وسنة رسوله وما دل عليه العقل السليم السديد.

2- القدرة على الاتصال الناجح بالكلام: إن الكلام هو أكثر وسائل الاتصال والتأثير شيوعًا وكلما نجح الإنسان في إجادة فن الكلام وامتلاك زمام الفصاحة والبلاغة كلما كان أقدر على التأثير في الآخرين، وتوجيههم الوجهة التي يريدها وهل كانت معجزة القرآن الكريم التي خضعت لها رقاب العرب إلا من بلاغته وفصاحته في المقام الأول مع صور الإعجاز الأخرى؟

ولقد بلغ النبي e الذروة مع ذلك حتى بلغ تأثير أعلى الدرجات وأرفع المقامات.

وهذه بعض التوجيهات التي بالأخذ بها يمكن للإنسان أن ينجح إلى حد كبير في إبلاغ رسالة بواسطة الكلام:

1- انتفاء الكلمات البليغة المثيرة، له أبلغ الأثر في إيصال المعاني للمستقبل، وكما قال رسول الله e: «إن من البيان لسحرًا».

2- الإلمام بمصطلحات الموضوع الذي تتحدث فيه، له دور كبير في قبول رسالتك واحترام حديثك وبخاصة من قبل المتخصصين في هذا الفن.

3- حدد حجم الكلام، الذي تريد أن تقوله فلا إيجاز مخل ولا إسهاب ممل.

4- الوضوح والبيان في الكلام: من أهم أسباب تفاعل الطرف الآخر مع الكلام أما عندما يكون الكلام غامضًا فلن يتفاعل معه الآخرون حتى لا تكون كلا لعوض القرني ([12]).

3- القدرة على الاتصال الناجح بالسماع:

«حسن الاستماع وإجادة الإصغاء أحد ركني الاتصال الناجح فلا يكفي أن تنجح في إرسال رسالتك بل لا بد من النجاح أيضًا في استقبال رسالة الآخر واستيعاب رد فعله وفهم ما يريده والاستفادة منه أو التأثير فيه وحسن توجيهه بعد ذلك، وحسن الإصغاء أدب من أعلى الآداب السلوكية التي يتصف بها الإنسان إذا نبل ونجح في تسيير نفسه والسيطرة على ذاته وهو كذلك مهارة إنسانية راقية لا بد منها للتعلم واكتساب المعارف والعلوم، وأهم وسائل الإصغاء هي: 1- السمع بالأذن 2- البصر بالعين 3- الانتباه والتركيز بالقلب والعقل» ([13]).

4- الخلق الحسن: ومن أهم أخلاق المسلم الناجح الأمانة والصدق والعزم، فالأمانة صفة تكتسب بها القلوب، وطمئن إليها النفوس وما من رجل وجدت فيه الأمانة إلا واطمأن الناس إلى معاملته ورئاسته، كما قال يوسف عليه السلام العزيز: }قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ{ وقال تعالى في قصة موسى: }إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ{ فالأمانة من أهم الصفات التي يتفاضل بها الناس وتكون سببًا لقبولهم في الأعمال كلها بلا استثناء.

والخلق الحسن عمومًا خصلة من الخصال العظيمة التي يثاب عليها صاحبها في الآخرة أجرًا عظيمًا وفي الدنيا قبولاً محبة من الناس.

5- القدرة على حل المشاكل: فالمسلم الناجح لا يستسلم إذا أعاقته العوائق نجاحه بل يصر على التفكير في الحلول والبدائل مستعينًا بالله عز وجل لاجئًا إليه داعيًا إياه مظهرًا له فقره وهلاكه وإفلاسه إذا لم يتداركه برحمته ومنته وفضله، ثم يطرق باب الأسباب بحسب وظيفته وعمله، ومهمته، ويعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرًا.

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وأتي على قدر ا لكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعل كذا كان كذا وكذا لكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان»([14]).

 نصائح نفيسة للنجاح

إذا تأملنا في دعائم النجاح وأساسه وجدنا أنهما دعامتان اثنتان:

الأولى: هي العلم الذي نميز به بين الصالح والطالح.

الثاني: هو العمل الذي يتم من خلاله التوفيق إلى تحقيق الصالح.

وهاتان الدعامتان، تستلزمان جملة من العوالم المهمة.

فالعلم يستلزم الحكمة حتى توضع الأمور في مكانها المناسب.

والعمل يستلزم القوة والقدرة، والحفظ من الشرور وعوامل الفشل والنصرة والحفظ، وإليك أخي الكريم نصائح ثمين تتحقق بها تلك الأمور بإذن الله جل وعلا.

 كيف تكسب الحكمة؟

الحكمة هي نعمة عظيمة من الله جل وعلا، قال تعالى:}وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا{ والمسلم الحكيم في فكره وتصرفه لا يمكن إلا أن يكون ناجحًا في سائر أموره ومهامه، لأنه يضع الأشياء في مكانها المناسب الصحيح، ولو قيل في رجل: إنه حكيم لم يفهم من ذلك إلا أنه ناجح في أموره كلها يستحق التقدير والاحترام في شخصه ورأيه وكلامه كله!

وإذا أردت أخي الكريم أن تكتسب الحكمة في حياتك فعليك بأربعة أمور.

الأول: العلم وتقوى الله جل وعلا: فإن العلم هو أساس التصور الصحيح لحقائق الأمور وبه يتميز الحسن من القبيح والحلال من الحرام.

قال  تعالى: }إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ{.

والعلم الذي يورث الله به الحكمة وهو علم الكتاب والسنة، ثم علم أحوال الأمم وتاريخها وأيامها وأحداثها، وكذلك العلم بحقائق الأشياء والأمور الدنيوية مما يستفاد من تجارب الأيام وأخبارها.

وأما تقوى الله جل وعلا فهي النور الذي ينور بصيرة المسلم ويكشف له حقائق الأمور على ما هي عليه ويظهر له منافعها ومضارها.

قال  تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا{ أي: ما تفرقوا به بين الخطأ والصواب. ولذلك كان أحكم الناس هم المتقون، ولا غربة.. فالحكمة هي وضع الأشياء في محلها التي تصلح له.. والتقوى إنما تتضمن ذلك وتحث عليه.. فمن وافق التقوى فقد ألهم الحكمة.

ولذلك أيضًا أطلق الله جل وعلا الحكمة على شرعه وسنة نبيه e في آيات كثيرة.

وكانت الحكمة من صفة الأنبياء جميعًا على تفاوت بينهم في درجاتها.

فمن رام الحكمة فعليه اجتناب المحرمات والامتثال للأوامر، والإكثار من الصالحات فإن الله يلهمه ويسدده.

الثاني: الاستشارة في الأمور فإن الكمال لله وحده، ومهما أوتي المسلم من حكمة فلا بد أن يتخلله النقص والخصاصة.

قال تعالى: }وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا{.

لذلك فإن الاستشارة في الأمور من الحكمة ومن موارد الحكمة أيضًا.

الثالث: الاستخارة في الأمور كلها: ففي الحديث الصحيح: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار» وفي دعاء الاستخارة من المعاني العظيمة التي لا ينبغي للمسلم ا لناجح أن يغفل عنها قلبه وهو يستخير الله جل وعلا في كل أمر هم به.

الرابع الدعاء: فإن الدعاء والتضرع إلى الله هو باب الخير الأوسع وطريقه الأسهل الأنفع. فمن سأل الله الحكمة والثبات والنجاح ورزقه الله إياه.

ففي الحديث الصحيح: أعجز الناس من عجز عن الدعاء.

 بعض دعائم النجاح:

 أولاً: الكتمان:

لقد أرشد إلى ذلك رسول الله e حيث قال: «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود»([15]).

 ثانيًا: الصلاة في الدخول والخروج:

فإن من مستلزمات النجاح أن يُحفظ المسلم من الشرور ونوازل البلاء، ولقد أرشد رسول الله e إلى ما يقي المسلم من ذلك، فقال: «إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مخرج السوء، وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين يمنعانك من مدخل السوء»([16]).

 ثالثًا: نصرة المظلوم بظهر الغيب:

فعن أنس رضي الله عنه، قال رسول الله e «من نصر أخاه بالغيب نصره الله في الدنيا والآخرة»([17]).

 رابعًا: المحافظة على الأذكار والتعوذات:

فهي من أعظم الوسائل لتحصيل النجاح، ونزول البركة والقبول، ومن ذلك أذكار الصباح والمساء، والتعوذات من البلايا والشرور، ومن وفقه الله إلى المحافظة على الأذكار والتعوذات فقد وفق إلى الخير الكبير.

وفي الحديث: «تعوذوا بالله من الفقر، والقلة، والذلة أن تظلم أو تُظلَم» ([18]).

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبة أجمعين.



([1]) الصيب: 92.

([2]) رواه ابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي

([3]) رواه ابن عساكر وأبو نعيم في الحلية وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (952).

([4]) صحيح رواه الإمام أحمد عن ابن عمر.

([5]) رواه البخاري.

([6]) الزهد الكبير للبيهقي ص295.

([7]) رواه البخاري.

([8]) صيد الخاطر لابن الجوزي (200، 201).

([9]) رواه البخاري.

([10]) علو الهمة (353).

([11]) الهمة العالية معوقاتها ومقوماتها لمحمد إبراهيم الحمد (149).

([12]) باختصار (121، 122).

([13]) المرجع نفسه (123).

([14]) رواه مسلم.

([15]) رواه أبو نعيم في الحلية وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1453).

([16]) رواه الديلمي في مسنده وحسنه ابن حجر وغيره.

([17]) رواه البيهقي وهو حديث حسن.

([18]) رواه النسائي والحاكم وصححه الذهبي.