وثلث لطعامك

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمه الظاهرة والباطنة، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد:

فإن الله خلقنا لأمر عظيم، وسخر لنا ما في السموات والأرض جميعاً منه، وسهل أمر العبادة، وأغدق علينا من بركات الأرض؛ لتكون عوناً على طاعته.

ولتوسع الناس في أمر المأكل والمشرب حتى جاوزوا في ذلك ما جرت به العادة، أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء بأهمية هذه النعمة ووجوب شكرها وعدم كفرها.

وهذا هو الجزء (الثامن عشر) من سلسلة (أين نحن من هؤلاء؟) تحت عنوان (وثلثٌ لطعامك).

أدعو الله عزّ وجل أن يجعل ما أفاض علينا عوناً على طاعته وأن يعيننا على شكره وحسن عبادته وأن يبوأنا من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار.. إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبدالملك بن محمد بن عبدالرحمن القاسم


 مدخل

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾([1]).

قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى وأن يشكروه على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة([2]).

وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾([3]). قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرفٌ ومخيلة.

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من السرف أن تأكل كُلَّ ما شئت"([4]).

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾([5]).

لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله! أي نعيم نُسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نُسأل؟ قال: "اما إن ذلك سيكون"([6]).

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي نُسأل عنه: ظل بارد، ورطب، وماء بارد"([7]).

وحال نبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - في أكله وشربه تروي لنا طرفاً منه أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنه -ا حيث قالت: "ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ قدم المدينة من خبز ثلاث ليال تباعاً حتى قبض"([8]).

وعلى المرء أن يتجنب الشبع المفرط لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن لم يفعل فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه"([9]).

وهذا الحديث أصلٌ جامع لأصول الطب كلها.

وقد روي أن ابن ماسوية الطبيب لما قرأ هذا الحديث قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام ولتعطلت المارشايات ودكاكين الصيادلة، وإنما قال هذا لأن اصل كل داء التخم([10]).

وتأمل في نهاية كثرة الأكل وما يجر إليه في الآخرة؛ فعن سلمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: : "أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً في الآخرة"([11]).

وعن أُبي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلاً للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير"([12]).

وهذا أبو هريرة - رضي الله عنه - يذكر طرفاً من حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعام سخن فأكل، فلما فرغ قال: "الحمد لله، ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا"([13]).

وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم قوم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن".

وفي المسند أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً سميناً، فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول: "لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك".

وهذا نبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - يحذر أمته من شهوة الفرج والبطن، فعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى".

وعن فاطمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "شرار أمتي الذين غُذُّوا بالنعم؛ يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام"([14]).

وعن ابن عمر قال: تجشأ رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "كف عنا جشأك، فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة"([15]).

وقد سُئل الإمام أحمد عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس".. فقال: ثلث الطعام هو القوت، وثلث الشراب هو القوى، وثلث النفس هو الروح([16]).

قال المروذي: كان أبو عبدالله (أحمد بن حنبل) إذا ذكر الموت خنقته العبرة، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب، وإذا ذُكِر الموت أهان عليَّ كل الدنيا، إنما هو طعامٌ دون طعام، ولباسٌ دون لباس، وإنها أيامٌ قلائل، ما أعدل بالفقر شيئاً([17]).

وعن عبدالله بن عدي وكان مولى لابن عمر، أنه قدم من العراق فجاءه فسلم عليه فقال: أهديت لك هدية، قال: وما هي؟ قال: جوارش، قال: وما جوارش؟ قال: يهضم الطعام، قال: ما ملأت بطني منذ أربعين سنة، فما أصنع به([18]).

وسُئل سهل التستري: الرجل يأكل في اليوم أكلة، قال: أكل الصديقين، قيل له: فأكلتان، قال: أكل المؤمنين، قيل له: فثلاث أكلات، فقال: قل لأهله يبنوا له معلفاً([19]).

وحالهم في المأكل والمشرب حال المُسارع إلى الخيرات متقلب بين حمدٍ وشكرٍ وإكرام ضيف.

قال أبو حمزة السكري: ما شبعت منذ ثلاثين سنة إلا أن يكون لي ضيف([20]).

وذكر أن خالد بن معدان كان يقول: أكلٌ وحمد خير من أكل وصمت([21]).

وكان نوح عليه السلام إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله، وإذا لبس قال: الحمد لله، وإذا ركب قال: الحمد لله، فسماه الله عبداً شكوراً([22]).

أخي المسلم:

مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾([23])، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول دُبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان بل الذكر القلبي واللساني، وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفاته وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح.

وذلك لا يتم إلا بتوحيده، فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه.

وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهراً وباطناً.

وهذان الأمران هما جماع الدين، فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته، وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسموات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، وهى الحق الذي به خلقت السموات والأرض وما بينهما، وضدها هو الباطل والعبث.

قال بعض العلماء: ثلاث يمقت الله عليها: الضحك بغير عجب، والأكل من غير جوع، والنوم بالنهار من غير سهر، والحد من النوم: أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة؛ فالاعتدال في نومه ثماني ساعات في الليل والنهار جميعاً، فإذا نام هذا القدر بالليل فلا معنى للنوم بالنهار، وإن نقص منه مقداراً استوفاه بالنهار؛ فحسب ابن آدم إن عاش ستين سنة أن ينقص من عمره عشرون سنة، ومهما نام ثماني ساعات وهو الثلث فقد نقص من عمره الثلث([24]).

وأعرض عن مطاعم قد أراها

فأتركها وفي بطني انطواء

فلا وأبيك ما في العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

قال الشافعي - رحمه الله -: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأن الشبع يثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.

فانظر إلى حكمته في ذكر آفات الشبع ثم في جدِّه في العبادة، إذ طرح الشبع لأجلها، ورأس التعبد تقليل الطعام([25]).

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾([26]) جمع الله فيها أموارً كثيرة نافعة في الدين والبدن والحال والمآل، فالأمر بالأكل والشرب يدل على الوجوب، وأن العبد لا يحل له ترك ذلك شرعاً كما لا يتمكن من ذلك قدراً ما دام عقله معه، وأن الأكل والشرب من نية امتثال أمر الله يكون عبادة، وأن الأصل في جميع المأكولات والمشروبات الإباحة، إلا ما نص الشارع على تحريمه لضرره لإطلاق ذلك، وعلى أن كل أحد يأكل ما ينفعه ويناسب ويليق به ويوافق لغناه وفقره، ويوافق لصحته ومرضه ولعادته وعدمها، لأنه حذف المأكول.

والآية ساقها الله لإرشاد العباد إلى منافعهم، وهى تدل على ذلك كله، وعلى أن أصل صحة البدن تدبير الغذاء بأن يأكل ويشرب ما ينفعه ويقيم صحته وقوته، وعلى الأمر بالاقتصاد في الغذاء والتدبير الحسن، لأنه لما أمر بالأكل والشرب نهى عن السرف، وعلى أن السرف منهي عنه، وخصوصاً في الأطعمة والأشربة، فإن السرف يضر الدين والعقل والبدن والمال.

أما ضرره الديني: فكل من ارتكب ما نهى الله ورسوله عنه فقد انجرح دينه، وعليه أن يداوي هذا الجرح بالتوبة والرجوع.

وأما ضرره العقلي: فإن العقل يحمل صاحبه أن يفعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، ويوجب له أن يدبر حياته ومعاشه، ولهذا كان حسن التدبير في المعاش من أبلغ ما يدل على عقل صاحبه، فمن تعدى الطور النافع غلى طور الإسراف الضار، فلا ريب أن ذلك لنقص عقله، فإنه يستدل على نقص العقل بسوء التدبير.

وأما ضرره البدني: فإن من أسرف بكثرة المأكولات والمشروبات انضَّر بدنه واعتراه أمراض خطيرة، وكثير من الأمراض إنما تحدث بسبب الإسراف في الغذاء، ثم إنه ينضر أيضاً من وجه آخر، فإن من عوَّد بدنه شيئاً اعتاده، فإذا عوده كثرة الأكل أو أكل الأطعمة المتنوعة فربما تعذرت في بعض الأحوال لفقر أو غيره، وحينئذ يفقد البدن ما كان معتاداً فتنحرف صحته.

وأما ضرره المالي: فظاهر، فإن الإسراف يستدعي كثرة النفقات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾([27])؛ أي تلام على ما فعلت، لأنه في غير طريقه، (محسوراً) فارغ اليد.

وإخباره أنه لا يحب المسرفين، دليل على أنه يحب المقتصدين، ففي هذه الآية إثبات صفة المحبة لله، وأنها تتعلق بما يحبه الله من الأشخاص والأعمال والأحوال كلها، فسبحان من جعل كتابه كنوزاً للعلوم النافعة المتنوعة([28]).

والإسراف أخي المسلم هو الزيادة التي لا وجه لها، مثل زيادة الطعام والشراب بلا حاجة.

وأما التبذير فهو: صرف الأموال في غير وجهها، إما في المعاصي، وإما في غير فائدة لعباً وتساهلاً بالأموال..

وكلا الأمرين -الإسراف والتبذير- مذمومان بنص كتاب الله عز وجل.. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾([29] وقال في الإسراف: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾([30]).

ثم تأمل نهاية الأكل وإلى أين يصير؟ هذه مولاة لداود الطائي تخدمه، فقالت له: لو طبخت لك دسماً تأكله؟ قال: وددت، فطبخت له دسماً ثم أتت به، فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت: على حالهم، قال: اذهبي به إليهم، فقالت: أنت لم تأكل أدماً منذ كذا وكذا، قال: إن هذا إذا أكلوه كان عند الله مذخوراً، وإذا أكلته كان في الحش([31]).

وكانت حالهم حال المنفق المتصدق؛ من يُقدم ولا يؤخر، وينفق ولا يقبض رغم قلة الحال وضيق ما في اليد.

هذا أبو الحسين النوري مكث عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين، ويخرج ليمضي إلى السوق فيتصدق بالرغيفين، ويدخل المسجد فلا يزال يركع حتى يجيء وقت سوقه، فإذا جاء الوقت مضى إلى السوق فيُظنُّ أنه قد تغدى في بيته ومن هم في بيته عندهم أنه قد أخذ منه غداءه؛ وهو صائم!

وهذا الإنفاق وسيلة إلى التقرب إلى الله عز وجل بدفعه والتصدق به على المحتاجين ومساعدة المعسرين!

قال عبيد بن عمير: يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأعطش ما كانوا قط، فمن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن كسا لله كساه الله.

يقول ابن القيم - رحمه الله -: فإن من بخل بماله أن ينفقه في سبيل الله وإعلاء كلمته سلبه الله إياه أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى، وإن حبسه وادخره منعه التمتع به ونقله إلى غيره فيكون له مهنؤه، وعلى مخلفه وزره، وكذلك من رفّه بدنه وعرضه وآثر راحته على التعب لله وفي سبيله أتعبه الله سبحانه وتعالى أضعاف ذلك في غير سبيله ومرضاته، وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب، قال أبو حازم: لما يلقى الذي لا يتقي الله من معالجة الخلق أعظم مما يلقى الذي يتقي الله من معالجة التقوى.

واعتبر ذلك بحال إبليس فإنه امتنع من السجود لآدم فراراً أن يخضع له ويذل وطلب إعزاز نفسه، فصيره الله أذل الأذلين، وجعله خادماً لأهل الفسوق والفجور من ذريته، فلم يرض بالسجود له ورضي أن يخدم هو وبنوه فساق ذريته، وكذلك عباد الأصنام أنِفوا أن يتبعوا رسولاً من البشر وأن يعبدوا إلهاً واحداً سبحانه، ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار([32]).

ومن فوائد الجوع وعدم الإكثار من الأكل ما قاله أبو سليمان الداراني: إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت ورويت عمي القلب([33]).

قال ابن القيم - رحمه الله - تعالى: وأما فضول الطعام فهو داعٍ إلى أنواع كثيرة من الشر، فإنه يحرك الجوارح إلى المعّاصي، ويثقلها عن الطاعات؛ وحسبك بهذين شراً. فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام، وكم من طاعة حال دونها، فمن وقي شر بطنه فقد وقي شراً عظيماً، والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام.

ثم قال: ولو لم يكن من الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز وجل وإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة جثم عليه الشيطان، ووعده ومنَّاه، وشهَّاه، وهام به في كل واد، فإن النفس إذا شبعت تحركت، وجالت، وطافت على أبواب الشهوات، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت([34]).

ومع كثرة ما حبانا الله عز وجل به من النعم الكثيرة والخيرات العظيمة احذر ايها الحبيب أن تكون ممن قال عنهم بلال بن سعد: رُبَّ مسرور مغبون، يأكل ويشرب ويضحك، وقد حُقَّ له في كتاب الله عز وجل أنه من وقود النار([35]).

أفلح الزاهدون والعابدون

إذ لمولاهم أجاعوا البطونا

أسهروا الأعين العليلة حباً

فانقضى ليلهم وهم ساهرونا([36])

قال المروزي: قال لي رجل: كيف ذاك المتنعم؟ (أحمد بن حنبل) قلت له: وكيف هو متنعم؟ قالك أليس يجد خبزاً يأكل وله امرأة يسكن إليها ويطأها؟ فذكرت ذلك لأبي عبدالله فقال: صدق، وجعل يسترجع فقال: إنا لنشبع([37]).

وتأمل حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعين فاحصة وقلب واع: "من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده وعنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"([38]).

ونحن في زمن مال فيه كثير من الناس إلى الإسراف والبذخ والتفاخر بالمآكل والمشارب والمراكب والمساكن. هذا الحسن يروي لنا حال من سبقنا ممن همهم الدار الآخرة ووجهتهم العبادة.. قال: أدركت -والذي نفسي بيده- أقواماً ما أمر أحدهم بصنعة طعام قط، فإن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت، لا يبالي حاراً كان أو بارداً، وما افترش أحدهم بينه وبين الأرض فراشاً قط، وإنما يتوسد يده فيهجع من الليل، ثم يقوم فيبيت ليلته راكعاً ساجداً، يرغب إلى الله في فك رقبته([39]).

وقال رجل للحسن: ما تقول في رجل آتاه الله مالاً فهو يتصدق منه ويصل منه، أيحسب له أن يتعيش فيه (يعني يتنعم)؟ فقال: لا، لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقوِّم ذلك ليوم فقره([40]).

فإن مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب، ولا طريق إلى الوصول للقاء الله إلا بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات، فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين، وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾([41]).

فمن يُقْدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويتقوى به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملاً سدىً يسترسل في الأكل استرسال البهائم في مرعى، فإن ما هو ذريعة إلى يوم الدين ووسيلة إليه ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه. وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ويلجم المتقي بلجامها، حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامه وإحجامها، فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر وإن كان فيها أو في حظ للنفس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه وإلى في امرأته". وإنما ذلك إذا رفعها بالدين وللدين مراعياً فيه آدابه ووظائفه.

أخي الحبيب:

إذا اجتمع الإسلام والقوت للفتى

وكان صحيحاً جسمه وهو في أمن

فقد ملك الدنيا جميعاً وحازها

وحلَّ عليه الشكر لله ذي المن

قال الإمام الشافعي: ما شبعت منذ ست عشرة سنة؛ لأن الشبع يثقل البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة([42]).

وللإسلام شرائع وآداب عظيمة في جميع حياة المسلم فمن ذلك حال الإنسان في مأكله ومشربه، فإن الداعي إلى ذلك شيئان: حاجة ماسة، وشهوة باعثة.

فأما الحاجة فتدعو إلى ما سد الجوع، وسكن الظمأ؛ وهذا مندوب إليه عقلاً وشرعاً لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال بين صوم اليومين، لأنه يضعف الجسد، ويميت النفس، ويُعجز عن العبادة، وكل ذلك يمنع منه الشرع، ويدفع عنه العقل، وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر، ولا نصيب من زهد، لأن ما حرمها من فعل الطاعات بالعجز والضعف أكثر ثواباً وأعظم أجراً، إذ ليس في ترك المباح ثواب يقابل فعل الطاعات وإتيان القرب، ومن أخسر نفسه ربحاً موفوراً أو حرمها أجراً مذخوراً كان زهده في الخير أقوى من رغبته، ولم يبق عليه من هذا التكليف إلا الشهوة بريائه وسمعته.

وأما الشهوة فتتنوع نوعين: شهوة في الإكثار والزيادة، وشهوة في تناول الألوان اللذيذة.

فأما النوع الأول: وهو شهوة الزيادة على قدر الحاجة، والإكثار على مقدار الكفاية؛ فهو ممنوع منه في العقل والشرع، لأن تناول ما زاد على الكفاية، نهَمٌ معر، وشر مضر.

أما النوع الثاني: فهو شهوة الأشياء اللذيذة، ومنازعة النفوس إلى طلب الأنواع الشهية، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة، فمنهم من يرى أن صرف النفس عنها أولى، وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى، ليذل له قيادها، ويهون عليه عنادها، لأن تمكينها وما تهوى، بطر يطغى، وأَشَر يردي، لأن شهواتها غير متناهية، فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها، تعدَّتها إلى شهوات قد استحدثتها، فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي، وعبد هوى لا ينتهي. ومن كان بهذه الحال لم يُرْجَ له صلاح، ولم يوجد فيه فضل.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله - تعالى: فالذين يقتصدون في المأكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها، فإن أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذةٍ، مع أنهم قد لا يصبرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها.

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته

لتطلب الربح مما فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان([43])

ورث داود الطائي من أمه أربعمائة درهم، فمكث يتقوَّت بها ثلاثين عاماً، فلما نفدت جعل ينقض سقوف الدويرة ويبيعها([44]).

والمحاسبون لأنفسهم في هذه الدنيا يفعلون مثلما قال أبو يوسف القسولي عن نفسه: أنا أتفقه في مطعمي من ستين سنة([45]).

وقال الحسن: أدركت أقواماً لا يفرحون بشيء من الدنيا أتوه، ولا يأسفون على شيء منها فاتهم([46]).

أما من أسرف على نفسه وأكل الحرام ليملأ بطنه فنسوق له قولاً بليغاً لعله يتعظ به!

قال شميط بن عجلان: إنما بطنك يا ابن آدم شبر في شبر فَلِمَ يدخلك النار؟([47]).

وبعض الناس يقوده هذا الشبر إلى النار والعياذ بالله!

ولهذا كانوا يتحرَّزون مما يأكلون، قال حذيفة: تعاهدوا أرقاءكم فانظروا من أين يجيئون بضرابهم، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت([48]).

وقال شعيب بن حرب: لا تحقرن فلساً تطيع الله في كسبه، ليس الفلس يراد، إنما الطاعة تراد، عسى أن تشتري به بقلاً فلا يستقر في جوفك حتى يغفر لك([49]).

أخي المسلم:

للأكل آداب عظيمة علمنا إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يليق بمسلم أن يأكل ويشرب من نعم الله عز وجل وينسى ما دلنا عليه الشرع من آداب وأحكام!

ومن الآداب التي تجاهلها الناس وأصبحت مهجورة إما كبراً أو جهلاً ونسياناً لعق الأصابع لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح أصابعه حتى يَلعَقَهْا" أو "يُلِعْقها"([50])، ولقول جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: "إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة"([51]).

وكذلك إذا سقط منه شيء مما يأكل أزال عنه الأذى وأكله، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها، وَلْيُمِطْ (ينح) عنها الآذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان"([52]).

قال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر بن عبد العزيز بعد الفجر في بيت كان يخلو فيه بعد الفجر فلا يدخل عليه أحد، فجاءت جارية بطبق عليه تمر صبحاني، وكان يعجبه التمر، فرفع بكفه منه فقال: يا مسلمة! أترى لو أن رجلاً أكل هذا ثم شرب عليه الماء، فإن الماء على التمر طيب، أكان يجزيه إلى الليل؟ قلت: لا أدري فرفع أكثر منه، قال: فهذا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كان كافيه دون هذا حتى ما يبالي أن لا يذوق طعاماً غيره، قال: فعلامَ تدخل النار؟! قال مسلمة: فما وقعت مني موعظة ما وقعت هذه([53]).

أخي المسلم:

قرِّب طعامك وابذله لمن دخلا

واحلف على من أبى واشكر لمن أكلا

ولا تكن ساحري العرض محتشمًا

من القليـل فلسـت الدهر محتفلا([54])

اجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع فتذاكرا العيش فقال مالك: ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش فيها، فقال محمد: طوبى لمن وجد غذاء ولم يجد عشاء ووجد عشاء ولم يجد غذاء، وهو عن الله راضٍ، والله عنه راضٍ([55]).


هي القناعة لا تبغ بها بدلا

فيها النعيـم وفيها راحة البـدن

انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها

هل راح منها بغير القطن والكفن؟

أخي المسلم:

النعم ثلاثة: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها، فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده عرَّفه نعمته الحاضرة وأعطاه من شكره قيداً يقيدها به حتى لا تشرد، فإنها تشرد بالمعصية وتقيد بالشكر، ووفَّقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة، وبصَّره بالطرق التي تسدها وتقطع طريقها ووفقه لاجتنابها. وإذا بها قد وافت إليه على أتم الوجوه، وعرَّفه النعم التي هو فيها ولا يشعر بها.

ويُحكى أن أعرابياً دخل على الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، ثبَّت الله عليك النعم التي أنت فيها، بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن به وداوم طاعته، وعرفك النعم التي أنت فيها ولا تعرفها لتشكرها. فأعجبه ذلك منه وقال: ما أحسن تقسيمه([56]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء.

ثم قال - رحمه الله -: والفقر يصلح عليه خلق كثير، والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم، ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لأن فتنة الفقر أهون، وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، لكن لما كان في السراء اللذة، وفي الضراء الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء([57]).

قال يوسف بن أسباط: إذا تعبد الشاب يقول إبليس: انظروا من أين مطعمه، فإن كان مطعم سوء، قال: لا تشتغلوا به، دعوه يجتهد وينصب فقد كفاكم نصيبه([58]).

وقد وردت آيات عديدة كثيرة نصَّت على الترف والمترفين وسوء ذلك على نفوس الكثير، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾([59]). وقال تعالى عن أصحاب الشمال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾([60] وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾([61]).

وكل ذلك -والعياذ بالله- من كفر النعمة وعدم شكرها والقيام بحقها، فإن الإنسان إذا توالت عليه النعم وكثرت في يده الخيرات قد يلهى ويستغني عن ربه وينقطع إلى الدنيا وتكون هي حياته ونهاية علمه!

كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يكاد يعيب طعاماً، فقال غلامه يرفأ أو أسلم: لأجعلنَّه حتى يعيبه؛ فجعل لبناً حامضاً ثم قربه إليه، قال: فأخذ منه فقطب، ثم قال: ما أطيب هذا من رزق الله عز وجل([62]).

هذا سفيان الثوري - رحمه الله - وهو يتحدث عن الدنيا وزينتها وما هو الزهد فيها؟! قال: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء([63]).

وجدت الجوع يطرده رغيف

وملئ الكف من ماء الفرات

وقل الطعم عون للمصلي

وكثر الطعم عون للسبات([64])

قال عبدالله بن الفرج: كان عتبة (الغلام) يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم يأكله ويقول: كسرة وملح حتى نهنأ في الدار الآخرة، الشواء والطعام الطيب، وكان يأكل خبزاً وملحاً ويقول: العرس في الدار الآخرة.

وقال عبدالله بن شميط: سمعت أبي إذا وصف أهل الدنيا يقول: دائم البِطْنة، قليل الفطنة، إنما همته بطنه وفرجه وجلده، يقول: متى أصبح فآكل وأشرب وألهو وألعب؟ متى أمُسي فأنام؟ جيفة بالليل بطَّال بالنهار([65]).

وقد يظن بعض الناس أن هذه الأقوال دعوة إلى ترك الأكل الحلال وصرف النفس عنه!

لكن يبين لنا يحيى بن معاذ توضيح ذلك كله فيقول وهو يحدث أصحابه: لست آمركم بترك الدنيا، آمركم بترك الذنوب، ترك الدنيا فضيلة، وترك الذنوب فريضة، وأنتم إلى إقامة الفريضة أحوج منكم إلى الحسنات والفضائل.

قال إبراهيم بن أدهم: ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه([66]).

أخي المسلم:

والدنيا أعيان موجودة، للإنسان فيها حظ وهى الأرض وما عليها، فإن الأرض سكن الآدمي، وما عليها ملبس ومطعم ومركب، وكل ذلك علف لراحلة بدنه السائر إلى الله عز وجل، فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، كما لا تبقى الناقة في طريق الحج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور يُمدح، ومن أخذ منها فوق الحاجة يكتنفه الشره ووقع في الذم، فإنه ليس للشره في تناول الدنيا وجه، لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ويشغل عن طلب الآخرة فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ويرد لها الماء، ويغير عليها ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت فإنه يبقى في البادية فريسة للسباع هو وناقته.

ولا وجه أيضاً للتقصير في تناول الحاجة، لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هى: أن يؤخذ من الدنيا ما يحتاج إليه من الزاد للسلوك وإن كان مشتهى، فإن إعطاء النفس ما تشتهيه عون لها وقضاء لحقها([67]).

قال علي بن أبي طالب: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر عملك ويعظم حلمك، ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنوباً فهو يتدارك ذلك بتوبة، ورجل يسارع في الخيرات، ولا يقلُّ عملٌ في تقوى، كيف يقلُّ ما يُتقبّل([68]).

وعليك أخي الكريم بوصية سفيان الثوري عندما سأله رجل فقال: أوصني، قال: اعمل للدينا بقدر بقائك فيها، وللآخرة بقدر بقائك فيها. والسلام([69]).

قال مؤمل: دخلت على سفيان وهو يأكل طباهج (اللحم المشرح) ببيض، فكلمته في ذلك، فقال: لم آمركم أن تأكلوا طيباً، اكتسبوا طيباً وكلوا([70]).

وقيل إن سفيان الثوري - رحمه الله - أكل ليلة فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله، فقام تلك الليلة حتى أصبح.

فعلى المسلم أن ينوي بأكله أن يتقوى به على طاعة الله تعالى ليكون مطيعاً بالأكل ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل فحسب.. بل يكون الأكل زاداً له للطاعة ونشاطاً في العبادة.

قال إبراهيم بن شيبان: منذ ثمانين سنة ما أكلت شيئاً لشهوتي.

ويعزم مع ذلك على تقليل الأكل، فإنه إذا أكل لأجل قوة العبادة لم تصدق نيته إلا بأكل ما دون الشبع؛ فإن الشبع يمنع من العبادة ولا يقوي عليها، فمن ضرورة هذه النية كسر الشهوة وإيثار القناعة على الاتساع.

سُئل سعيد بن عبدالعزيز عن الكفاف من الرزق ما هو؟ قال: شبع يوم وجوع يوم([71]).

أخي المسلم:

أعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن، فبها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار، إذ نِهُيا عن الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوءاتهما، والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات، إذ يتبعها شهوة الفرج وشدة الشبق إلى المنكوحات، ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال اللذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات، ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضرر المنافسات والمحاسدات، ثم يتولد بينهما آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد والعداوة والبغضاء، ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء، وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء، ولو ذلَّل العبد نفسه بالجوع وضيَّق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة الله عز وجل ولم تسلك سبيل البطر والطغيان، ولم ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وإيثار العاجلة على العقبى، ولم يتكالب كل هذا التكالب على الدنيا([72]).

فالأكل في مقام العدل يصح البدن وينفي المرض، وذلك أن لا يتناول الطعام حتى يشتهيه، ثم يرفع يده وهو يشتهيه، والدوام على التقلل من الطعام يضعف القوى، وقد قلَّّل أقوام مطاعمهم حتى قصروا عن الفرائض، وظنوا بجهلهم أن ذلك فضيلة، وليس كذلك، ومن مدح الجوع فإنما أشار إلى الحالة التي ذكرناها. ويسهل الاحتراز عن ذلك في بدايات الأمور، فإن آخرها يفتقر إلى علاج شديد، وقد لا ينجع، ومثاله من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب تريد دخوله، فما أهون منعها بصرف عنانها، ومثال من يعالجه بعد استحكامه، مثال من يتركها حتى تدخل الباب وتجاوزه، ثم يأخذ بذنبها يجرها إلى وراء، وما أعظم التفاوت بين الأمرين!([73])

حسبك من دهرك هذا القوت

ما أكثر القوت لمن يموت([74])

دخلت خادمة منزل طلحة بن مصرف تقتبس ناراً وطلحة يُصلي، فقالت لها امرأته: مكانك يا فلانة حتى نشوي لأبي محمد هذا القديد على قصبتك يفطر عليها، فلما قضى الصلاة قال: ما صنعت؟ لا أذوقها حتى ترسلي إلى سيدتها تستأذنيها حبسك إياها وشواءك على قصبتها([75]).

وهذا من شدة ورعهم وبعدهم عن أخذ حقوق الغير.. أما في نفقتهم وجودهم فإنهم يضربون أروع الأمثال في ذلك!

كان الربيع بن خثيم إذا جاءه السائل قال: أطعموه السكر؛ فإن الربيع يحب السكر([76]).

لقد كانت نفقتهم مما يحبون من الأكل.. فيدعون شهوة بطونهم احتساباً للأجر والمثوبة فينفقون ويتصدقون، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾([77]).

خطب شداد بن أوس فقال: أيها الناس، إن الدنيا أجلٌ حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة أجل مستأخر، يحكم فيها ملك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، وإن الشر كله بحذافيره في النار([78]).

وقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه - وكأنه يُطلُّ على زماننا: إذا لم يكن للرجل تجارة إلا الطعام طغى وبغى([79]).

وما ظنك بمن يفكر في عشائه ومن ماذا يتكون وهو على طعام الغداء، وتراه يسأل ويحرض على بطنه! ودينه مرقع! يأكل من نعم الله ويعصي بنعمه التي أنعم عليه من عين وسمع ويد ورجل!.

قال ابن معاوية الغلابي: حدثني رجل قال: قالت امرأة شميط (ابن عجلان) يا أبا تمام! إنا نعمل الشيء فيبرد؛ نشتهي أن تأكل منه معنا فلا تجيء حتى يفسد ويبرد، فقال: والله إن أبغض ساعاتي إلى الساعة التي آكل فيها.

وعن ميمون بن مهران أن امرأة ابن عمر، عوتبت فيه، فقيل لها: أما تلطفين بهذا الشيخ؟ فقالت: فما أصنع به، لا نصنع له طعاماً إلا دعا من يأكل، فأرسلت إلى القوم من المساكين كانوا يجلسون بطريقه إذا خرج من المسجد فأعطتهم وقالت لهم لا تجلسوا بطريقه، ثم جاء إلى بيته فقال أرسلوا إلى فلان وإلى فلان، وكانت امرأته أرسلت إليهم بطعام وقالت إن دعاكم فلا تأتوه، فقال ابن عمر - رضي الله عنه -ما: أردتم أن لا أتعشى الليلة، فلم يتعشَّ تلك الليلة([80]).

وهذا يحيى بن معاذ وكأنه يخاطب أهل البطون من همهم جمع الدنيا ومتابعتها حتى أصبحوا عبيداً لها: مسكين ابن آدم، لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة([81]).

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟!

ضرب الربيع الفالج، وطال به وجعه، فاشتهى لحم دجاج فكفَّ نفسه أربعين يوماً، ثم حكى لامرأته فاشترت دجاجة بدرهم ودانقين فسوتها، وخبزت له خبزاً، وجعلت له أصباغاً كالحلوى، ثم جاءت بالخوان، فلما ذهب ليأكل قام سائل، فقال: تصدقوا عليّ، فكفَّ، وقال: خذي هذا فادفعيه إليه، قالت: فأنا أصنع ما هو أحب إليه، قال: وما هو؟ قالت: نعطيه ثمن هذا، وتأكل أنت شهوتك، قال قد أحسنت، ائتيني بثمنه، فجاءت بثمن الدجاجة والخبز والأصباغ فقال: ضعيه على هذا وادفعيه جميعاً إلى السائل([82]).

قال أبو إسحاق الطبري: كان النجاد يصوم الدهر ويفطر على رغيف ويترك لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة أكل تلك اللقم التي استفضلها وتصدق بالرغيف([83]).

أولئك قوم قال عنهم الحسن: والله لقد أدركت أقواماً ما طُوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئاً قط!([84]).

وقال الحسن بن يحيى: من أراد أن تغزر دموعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه.

قال أحمد ابن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا سليمان فقال: إنما جاء الحديث: "ثلث طعام وثلث شراب" وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدساً.

وقال محمد بن النضر: الجوع يبعث على البر كما تبعث البطنة على الأشر.

وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإقلال من الأكل في حديث المقدام وقال: "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع فيأكل في معي واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشدة والنهم فيأكل في سبعة أمعاء.

وندب - صلى الله عليه وسلم - مع الإقلال من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، فقال: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة".

فأحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه وشرب في ثلث وترك للنفس ثلثاً؛ فإن كثرة الشرب تجلب النوم وتفسد الطعام.

قال سفيان: كل ما شئت ولا تشرب، فإذا لم تشرب لم يجئك النوم.

وقال بعض السلف: كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل، فإذا كان فطرهم قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيراً فتناموا كثيراً فتخسروا كثيراً.

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يجوعون كثيراً ولا يشربون كثيراً يتقللون من أكل الشهوات، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام، إلا أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها، ولهذا كان ابن عمر يتشبه به في ذلك مع قدرته على الطعام وكذلك أبوه من قبله.

وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض".

وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "ما شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طعام ثلاثة أيام حتى قبض". وعنه قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا ولم يشبع من خبز شعير".

وفي صحيح مسلم عن عمر أنه خطب فذكر ما أصاب الناس من الدنيا فقال: "لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلاً".

وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقد أُوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، وقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ما وراه إبط بلال"([85]).

وهذه النعمة العظيمة التي نتقلب فيها من الطعام والشراب هى مطية لُحسن العبادة وطولها فقد كان سفيان الثوري حسن المطعم وكان يقول: إن الدابة إذا لم تحسن إليها في العلف لم تعمل([86]).

قال القاسم بن مخيمر: ما اجتمع علي مائدتي لونان من طعام واحد([87]).

وقال محمد بن صفوان: كان ليحيى القطان نفقة من غلته، إن دخل من غلته حنطة أكل حنطة، وإن دخل شعير أكل شعيراً، وإن دخل تمر أكل تمراً([88]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يأكل فاكهة بلده، ما قدمت له فاكهة فترك أكلها لا على سبيل الزهد الفاسد، ولا على سبيل الورع الفاسد، بل كان لا يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً ويتبع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾([89]).

فأمر بالأكل والشكر، فمن حرم الطيبات عليه وامتنع من أكلها بدون سبب شرعي، فهو مذموم مبتدع داخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾([90])، ومن أكلها بدون الشكر الواجب فيها مذموم، قال تعالى: }* ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾([91]) أي شكر النعيم.

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر"، وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد بأن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها".

وكذلك الإسراف في الأكل مذموم وهو مجاوزة الحد.

ومن أكل بنية الاستعانة على عبادة كان مأجوراً على ذلك، وكذلك ما ينفقه على أهل بيته، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة" وقال لسعد: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك"([92]).

وكان عبدالله بن عمر لا يأكل طعاماً إلا وعلى خوانه يتيم([93]).

ومن دقيق نعم الله على العبد، التي لا يكاد يفطن لها، أنه يغلق عليه بابه، فيرسل الله إليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئاً من القتت، ليعرف نعمته عليه([94]).

ثم يكرمه الله عز وجل بسخاء اليد وطيب النفس فيعين أهل الكرب وأصحاب الحاجات، ويساعد الأرامل والأيتام سعياً وطلباً لمرضاة الله عز وجل.

كان الحسن يقول: رحم الله عبداً جعل العيش عيشاً واحداً، فأكل كسرة، ولبس خلقاً، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، ابتغاء الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك([95]).

خلقان لا ارضى مفالهما

بطر الغنى ومذلة الفقر

فإذا غنيت فلا تكن بطراً

وإذا افتقرت على الدهر([96])

قال عبدالله بن شبرمة: عجبت للناس يحتمون من الطعام مخافة الداء، ولا يحتمون من الذنوب مخافة النار([97]).

ومن صور الورع العجيبة: أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهى تعجن، فرفعت يديها من العجين وقالت هذا طعام قد صار لنا في شريك([98]).

وأعظم من ذلك ورع الصديق أبي بكر - رضي الله عنه -، قال زيد بن أرقم - رضي الله عنه -: كنا مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فدعا بشراب، فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه، بكي وبكى حتى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثم عاد وبكى، حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته، قال: ثم مسح عينيه، فقالوا: يا خليفة رسول الله، ما أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول الله، فرأيته يدفع عن نفسه شيئاً، ولم أر معه أحداً، فقلت: يا رسول الله، ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثلت لي، فقلت لها: إليك عني، فرجعت، فقالت: إنك إن أفلتَّ مني فلن يفلت مني من بعدك"([99]).

قال سهل: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، عَلم أو لم يعلم، ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه، ووفقت للخيرات.

وقال رجل لابن عمر: يا أبا عبدالرحمن، رقَّت مضجعك وكبر سنك، وجلساؤك لا يعرفون لك حقك ولا شرفك، فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئاً يلطفونك إذا رجعت إليهم، قال: ويحك، والله ما شبعت منذ إحدى عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة مرة واحدة، فكيف بي وإنما بقي مني ما بقي([100]).

أخي الحبيب:

من سنن المرسلين إطعام الطعام وإكرام الضيف، وهي من علامات الإيمان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.."([101]).

ويقول الشاعر:

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله 

ويخصب عندي والمحل جديب

ما الخصب للأضياف في كثرة

القرى ولكنما وجه الكريم خصيب([102])

قال عبد الرازق: لما قدم سفيان علينا، طبخت له قدر سكباج (لحم يطبخ بخل) فأكل ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل، ثم قال: يا عبدالرازق، اعلف الحمار وكده، ثم قام يصلي حتى الصباح([103]).

ولو كانت الطاعة والعبادة بكثرة الأكل وتوفر النعم لكنا أكثر منهم قياماً وصلاة وعبادة، ولكنها حياة القلوب وموتها لا كثرة الأكل وتنوع الأصناف!.

قال شعبة: إذا كان عندي دقيق وقصب ما أبالي ما فاتني من الدنيا.

سهرت أعين ونامت عيون

لأمور تكون أو لا تكون

فاطرد الهمَّ ما استطعت عن

النفس فحملانك الهموم جنون

إن رباً كفاك بالأمس ما كان

سيكفيك في غد ما يكون([104])

عن جابر بن عبد الله قال: رأى عمر بن الخطاب لحماً معلقاً في يدي فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحماً فاشتريته، فقال عمر: أفكلما اشتهيت يا جابر اشتريت؟ أفكلما اشتهيت يا جابر اشتريت؟ أما تخاف هذه الآية يا جابر ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾([105]).

دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحماً، فقال: ما هذا؟ قال: قَرَمْنا إليه، قال: أَوَ كلما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كل ما يشتهي([106]).

وروي أن ابناً لسمرة بن جندب أكل حتى بشم، فقال له: لو مت ما صليت عليك!

قال صفوان بن محرز: إذا أكلت رغيفاً اشد به صلبي، وشربت كوز ماء فعلى الدنيا وأهلها العفاء([107]).

مُلك كسرى تغني عنه كسرة

وعن البـــحر اجتزاء بالوشل

اعتبر نحن قسمنا بينـــهم

تَلْقهُ حــقاً وبالحـق نــزل

وتأمَّل في فعل السلف وقناعتهم بالرزق مع كثرة طاعتهم وحسن عبادتهم.

كان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل، ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد.

وفي هذا الزمن الذي تفجرت ينابيع الخيرات وكثر في الرزق يخشى أن يكون ذلك استدراجاً.

قال سلمة بن دينار: إذا رأيت الله عز وجل يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره([108]).

هب أن البعث لم تأتنا رسله

وجاحمة النار لم تُضرم

أليس في الواجب المستحق

حياء العباد من المنعم؟!([109])

قال ابن بشار: أمسينا مع إبراهيم بن أدهم ليلة، ليس لنا ما نفطر عليه، فقال: يا ابن بشار، ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة؟ لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا حج ولا صدقة ولا صلة رحم، لا تغتم فرزق الله سيأتيك، نحن والله -الملوك والأغنياء- تعجلنا الراحة، لا نبالي على أي حال كنا إذا أطعنا الله، ثم قام إلى صلاته، وقمت إلى صلاتي، فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير، فقال: كل يا مغموم، فدخل سائل فأعطاه ثلاثة أرغفة مع تمر، وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين([110]).

أخي الحبيب:

 في الجوع عشر فوائد هي:

الفائدة الأولى: صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنقاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معان الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك، بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك.

ويقال: مثل الجوع مثل الرعد، ومثل القناعة مثل السحاب، والحكمة كالمطر.

الفائدة الثانية: رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر، فكم من ذكر يجري على اللسان مع حضور القلب ولكن القلب لا يتلذذ به ولا يتأثر حتى كأن بينه وبينه حجاباً من قسوة القلب.

قال أبو سليمان الداراني: أحلى ما تكون إليَّ العبادة إذا التصق ظهري ببطني.

الفائدة الثالثة: الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى، فلا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع، فعنده تسكن لربها وتخشع له وتقف على عجزها وذلها إذا ضعفت منتها وضاقت حيلتها بلقيمة طعام فاتتها، وأظلمت عليها الدنيا لشربة ماء تأخرت عنها. وما لم يشاهد الإنسان ذل نفسه وعجزه لا يرى عزة مولاه ولا قهره، وإنما سعادته في أن يكون دائماً مشاهداً نفسه بعين الذل والعجز ومولاه بعين العز والقدرة والقهر.

الفائدة الرابعة: أن لا تنسى بلاء الله وعذابه، ولا ينسى أهل البلاء، فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع، والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلا يتذكر بلاء الآخرة، فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة، ومن جوعه جوع أهل النار، حتى أنهم ليجوعون فيطعمون الضريع والزقوم ويسقون الغساق والمهل، فلا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة وآلامها، فإنه هو الذي يهيج الخوف، فمن لم يكن في ذلة ولا علة ولا قلة ولا بلاء نسي عذاب الآخرة ولم يتمثَّل في نفسه ولم يغلب على قلبه، فينبغي أن يكون العبد في مقاساة بلاء أو مشاهدة بلاء، وأولى ما يقاسيه من الجوع فإن فيه فوائد جمة سوى تذكر عذاب الآخرة.

الفائدة الخامسة: وهى من أكبر الفوائد: كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء، فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى، ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة، وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة في أن تملكه نفسه، وكما أنك لا تملك الدابة الجموح إلا بضعف الجوع فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت، فكذلك النفس. إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى هذه الدنيا.

وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد.

ولذلك قيل: الجوع خزانة من خزائن الله تعالى، وأقل ما يندفع بالجوع: شهوة الفرج وشهوة الكلام، فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان كالغيبة والفحش والكذب والنميمة وغيرها، فيمنعه الجوع من كل ذلك، وإذا شبع افتقر إلى فاكهة فيتفكه لا محالة بأعراض الناس، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.

وأما شهوة الفرج فلا تخفى غائلتها، والجوع يكفي شرها. وإذا شبع الرجل لم يملك فرجه، وإن منعته التقوى فلا يملك عينه، فالعين تزني، فإن ملك عينه بغض الطرف فلا يملك فكره، فيخطر له من الأفكار الرديئة وحديث النفس بأسباب الشهوة ما يتشوش به مناجاته، وربما عرض له ذلك في أثناء الصلاة.

الفائدة السادسة: دفع النوم ودوام السهر، فإن من شبع شرب كثيراً ومن كثر شربه كثر نومه، وفي كثرة النوع ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب، والعمر أنفس الجواهر، وهو رأس مال العبد فيه يتجر، والنوم موت فتكثيره ينقص العمر، ثم فضيلة التهجد لا تخفى وفي النوم فواتها. ومهما غلب النوم فإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة. فالنوم منبع الآفات، والشبع مجلبة له، والجوع مقطعة له.

الفائدة السابعة: تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه، ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال، ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه. والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه.

قال السري: رأيت مع علي الجرجاني سويقاً يستف منه فقلت: ما حملك على هذا؟ قال: إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة.

فانظر كيف أشفق على وقته ولم يضيعه في المضغ.

وكل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها، فينبغي أن يستوفي منه خزانة باقية في الآخرة لا أخر لها بصرفه إلى ذكر الله وطاعته.

ومن جملة ما يتعذر بكثرة الأكل الدوام على الطهارة وملازمة المسجد، فإنه يحتاج إلى الخروج لكثرة شرب الماء وإراقته. ومن جملته الصوم فإنه يتيسر لمن تعود الجوع، فالصوم ودوام الاعتكاف ودوام الطهارة وصرف أوقات شغله بالأكل وأسبابه إلى العبادة أرباح كثيرة، وإنما يستحقرها الغافلون الذين لم يعرفوا قدر الدين لكن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾([111]) .

وقد أشار أبو سليمان الداراني إلى ست آفات من الشبع فقال: من شبع دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة المناجاة، وتعذر حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلق لأنه إذا شبع ظنّ أن الخلق كلهم شباع، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات، وأن أول سائر المؤمنين يدورون حول المساجد، والشباع يدورون حول المزابل.

الفائدة الثامنة: يستفيد من قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض، فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضله الأخلاط في المعدة والعروق. ثم المرض يمنع من العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر، وينغص العيش، ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطبيب، وكل ذلك يحتاج إلى مؤن ونفقات لا يخلو الإنسان منها بعد التعب عن أنواع من المعاصي واقتحام الشهوات، وفي الجوع ما يمنع ذلك كله.

حكي أن الرشيد جمع أربعة أطباء: هندي، ورومي، وعراقي، وسوادي، وقال: ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه، فقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه عندي هو الإهليلج الأسود، وقال العراقي: هو حب الرشاد الأبيض، وقال الرومي: هو عندي الماء الحار، وقال السوادي وكان أعلمهم: الإهليلج يعفص المعدة وهذا داء، وحب الرشاد يزلق المعدة وهذا داء، والماء الحار يرخي المعدة وهذا داء، قالوا: فما عندك؟ فقال: الدواء الذي لا داء معه عندي أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه، وأن ترفع يدك عنه وأنت تشتهيه، فقالوا: صدقت.

الفائدة التاسعة: خفة المؤنة، فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير، والذي تعود الشبع صار بطنه غريماً ملازماً له أخذ بمخنقه في كل يوم، فيقول ماذا تأكل اليوم؟ فيحتاج إلى أن يدخل المداخل، فيكتسب من الحرام فيعصي أو من الحلال فيذل، وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس وهو غاية الذل والقماءة، والمؤمن خفيف المؤنة.

وقال بعض الحكماء: إني لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لقلبي.

وقال آخر: إذا أردت أن استقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي.

وكان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقولون إنها غالية، فيقول: أرخصوها بالترك.

وقال سهل - رحمه الله -: الأكول مذموم في ثلاثة أحوال: إن كان من أهل العبادة فيكسل وإن كان مكتسباً فلا يسلم من الآفات، وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه.

الفائدة العاشرة: أن يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين، فيكون يوم القيامة في ظل صدقته.

فما يأكله كان خزانته الكنيف، وما يتصدق به كان خزانته فضل الله تعالى، فليس للعبد من ماله إلا ما تصدق فأبقى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلى. فالتصدق بفضلات الطعام أولى من التخمة والشبع.

وكان الحسن رحمة الله عليه إذا تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾([112] قال: عرضها على السموات السبع الطباق والطرائق التي زينها بالنجوم وحملة العرش العظيم فقال لها سبحانه وتعالى: هل تحملين الأمانة بما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت، فقالت:لا، ثم عرضها كذلك على الأرض فأبت، ثم عرضها على الجبال الشوامخ الصلاب الصعاب فقال لها: هل تحملين الأمانة بما فيها؟ قالت: وما فيها؟ فذكر الجزاء والعقوبة فقالت: لا، ثم عرضها على الإنسان فحملها إنه كان ظلوماً جهولاً بأمر ربه. فقد رأيناهم والله اشتروا الأمانة بأموالهم فأصابوا آلافاً فماذا صنعوا فيها ؟ وسَّعوا بها دورهم وضيقوا به قبورهم، وأسمنوا براذينهم وأهزلوا دينهم، وأتعبوا أنفسهم بالغدو والرواح إلى باب السلطان يتعرضون للبلاء وهم من الله في عافية، يقول أحدهم: تبيعني ارض كذا وكذا وأزيدك كذا وكذا، يتكئ على شماله ويأكل من ماله، حديثه سخرة وماله حرام، حتى إذا أخذته الكظة ونزلت به البطنة قال: يا غلام، ائتني بشيء أهضم به طعامي، يا لكع أطعامك تهضم؟ إنما تهضم دينك، أين الفقير، أين الأرملة، أين المسكين، أين اليتيم الذي أمرك الله تعالى بهم؟

فهذه إشارة إلى هذه الفائدة وهو صرف فاضل الطعام إلى الفقير ليدخر به الأجر، فذلك خير له من أن يأكله حتى يتضاعف الوزر عليه.

وعن الحسن قال: والله لقد أدركت أقواماً الرجل منهم يمسي وعنده من الطعام ما يكفيه ولو شاء لأكله فيقول والله لا أجعل هذا كله لبطني حتى أجعل بعضه لله.

فهذه عشر فوائد للجوع يتشعب من كل فائدة فوائد لا ينحصر عددها ولا تتناهى فوائدها، فالجوع خزانة عظيمة لفوائد الآخرة، ولأجل هذا قال بعض السلف: الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد، والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة([113]).

تالله لو عاش الفتى في عمره

ألفاً من الأعوام مالك أمره

فتلذَّذ فيها بكل نعيم

متنعماً فيـها بنعم عصـره

ما كان ذلك كله في أن يفي

بميت أول ليلة في قبــره

قيل لوهيب بن الورد: ألا تشرب من ماء زمزم؟ قال: بأي دلو؟ قال شعيب بن جرب: ما احتملوا لأحد ما احتملوا لوهيب، كان يشرب بدلوه.

وقال حرملة بن يحيى: أخذ سفيان بن عيينة بيدي فأقامني في ناحية وأخرج من كمه رغيف شعير وقال لي: يا حرملة! ما يقول الناس، هذا طعامي منذ ستين سنة([114]).

ولأصحاب النهم الذين يكنزون الذهب والفضة ويجمعون ما يكفي لأمة بأسرها.. نسوق إليهم قول إمام أهل السنة - رحمه الله - ورضي عنه؛ الإمام أحمد: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أصبح وليس عندي شيء([115]).

وتأمل أخي الكريم في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري به عورته، وجلف الخبز والماء"([116]).

وهذا الطعام من أوجه الإنفاق العظيمة؛ بصرفه يبلغ الإنسان الدرجات العلا ويباعد بالتمرة عن النار.. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"([117]).

قال أبو ذر لعمر: يا عمر! إن سرك أن تلحق بصاحبك فانكس الإزار واخصف النقل وكل دون الشبع([118]).

أتي عبدالرحمن بن عوف بطعام فجعل يبكي، فقال: قُتل حمزة فلم يوجد ما يكفن فيها إلا ثوباً واحداً، وقتل مصعب بن عمير فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوباً واحداً، لقد خشيت أن يكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، وجعل يبكي([119]).

قال أبوبكر - رضي الله عنه -: دخلت على أبي مسلم في يوم عيد، فرأيت عليه قميصاً مرقعاً، وبين يديه خروف وهو يأكل منه، فقلت: يا أبا مسلم، فقال: لا تنظر إلى الخروف ولكن انظر إذا سألني ربي، من أين لك هذا؟ فأي جواب أقوله وما اعتذاري([120]).

أخي المسلم:

تتقلب في نعم الله صباحاً ومساءً .. فعليك بالشكر والحمد قولاً وفعلاً، واسأل الله عز وجل أن يديمها عليك وأن لا تكون استدراجاً..

إذا كنت في نعمة فارعها

فإن المعاصي تزيل النعم

كان يقال: من ملك بطنه ملك الأعمال الصالحة كلها.

وكان يقال: لا تسكن الحكمة معدة ملأى.

وعن عبد العزيز بن أبي داود قال: كان يقال: ثلث الطعام عون على التسرع إلى الخيرات.

وعن قثم العابد قال: كان يقال: ما أقل طعم امرئ قط إلا ورقَّ قلبه ونديت عيناه.

وعن عبدالله بن مرزوق قال: لم نر للأَشَر مثل دوام الجوع فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قال: دوامه أن لا تشبع أبداً، قال وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسر ذلك يا أبا عبد الرحمن على أهل ولايته، من وفقه لطاعته لا يأكل إلا دون الشبع هو دوام الجوع.

ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعام على بعض أصحابه فقال له: أكلت حتى لا أستطيع أن آكل، فقال الحسن: سبحان الله، وما يأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟.

وروي عن أبي عمران الجوني قال: كان يقال: من أحب أن ينور قلبه فلُيقلَّ طعمه.

وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليَّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل.

وعن ابن السماك قال: خلا رجل بأخيه فقال: أي أخي! نحن أهون على الله من أن يجيعنا، إنما يجيع أولياءه.

وعن عبدالله بن أبي الفرج قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف يشبع؟ قال: لا.

وعن رباح القيس أنه قُرِّب إليه طعام فأكل منه، فقيل له: ازدد فما أراك شبعت، فصاح صيحة فقال: كيف أشبع أيام الدنيا وشجرة الزقوم طعام الأثيم بين يدي، فرفع الطعام من بين يديه، وقال: أنت في شيء ونحن في شيء.

وعن إبراهيم بن أدهم قال: من ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان، والشبع يميت القلب، ومنه يكون الفرح والمرح والضحك([121]).

قال سفيان الثوري وهو يؤكد على أكل الحلال والبعد عن الحرام: انظر درهمك من اين هو؟ وصلِّ في الصف الأول([122]).

ويستطيع من أعانه الله أن يجمع بين الأمرين من أكل الحلال والصلاة في الصف الأول!

قال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء والبطنة رأس الداء.

وقال الحارث أيضاً: الذي قتل البرية وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.

وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا التخم.

فهذا بعض منافع قليل الغذاء وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه فإن قلة الغذاء يوجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب، وكثرة الغذاء يوجب ضد ذلك.

قال الحسن: يا ابن آدم! كل في ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلث بطنك يتنفس ويتفكر.

وقال المرزوي: جعل أبو عبدالله (يعني الإمام أحمد بن حنبل) يعظم من الجوع والفقر، فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول: ما شبعت منذ ثلاثة أشهر، قلت لأبي عبدالله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟ قال: ما أرى.

وعن ابن عمر قال: ما شبعت منذ أسلمت.

أما محمد بن واسع فهو يقول: من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورقّ، وإن كثير الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد.

وعن أبي عبيدة الخواص قال: حتفك في شبعك، وحفظك في جوعك، إذا أنت شبعت ثقلت فمنت استمكن منك العدو فجثم عليك، وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد.

وعن عمرو بن قيس قال: إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب.

وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله.

وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطيناً فاعدد نفسك زمناً حتى تخمص.

وعن ابن الأعرابي قال: كانت العرب تقول: ما بات رجل بطيناً فتم عزمه.

وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها فإن الأكل يغير العقل.

وَاسْعَ أخي المؤمن في فكاك رقبتك والسعي نحو نجاتك، ولا يكن همك في هذه الدنيا منصرفاً عن العبادة إلى الأكل والشرب، بل اجعلها عوناً على الطاعة.

قال مالك بن دينار: ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه وأن تكون شهوته هى الغالبة([123]).

قال النابغة:

ولست بجالس لغد طعاماً

حذار غير لكل غد طعام

قال بشر بن الحارث: ما شبعت منذ خمسين سنة.

وقال: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم في الحلال لأنه إذا شبع من الحلال دعته نفسه إلى الحرام فكيف في هذه الأقدار؟([124]).

أخي المسلم:

لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم([125]).

وقال الحكيم الخبير جل شأنه وعظم سلطانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾([126]).

قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الآيات الطب كله([127]).

جسمك بالحمية أحصنته

مخافة من ألم طـارئ

وكان أولى بك أن تحتمي

من المعاصي خشية البارئ([128])

عن بلال بن تعب قال: كان طاوس إذا خرج من اليمن (يعني إلى مكة) لم يشرب إلا من تلك المياه القديمة الجاهلية.

وقال الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، وليس أكل الخشن، ولبس العباءة.

وصدق الثوري رحمة الله: فإن من قصر أمله لم يتسابق في المأكولات والمطعومات، ولا يتفنن بالملبوسات، وأخذ من الدنيا ما تيسر واجتزا منها بما يبلغه([129]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - مفصلاً ما قد يكون مشوشاً على بعض الناس بشأن الأكل والشرب، فقال في كلام مفيد وتفصيل دقيق:

وأما الأكل واللباس: فخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وكان خلقه في الأكل أنه يأكل ما تيسر إذا اشتهاه، ولا يرد موجوداً، ولا يتكلف مفقوداً، فكان إن حضر خبز ولحم أكله، وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله، وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله، وإن حضر حلو وعسل طعمه أيضاً فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين، ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة.

وكان أحياناً يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار، ولا يأكلون إلا التمر والماء، وأحياناً يربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان لا يعيب طعاماً، فإن اشتهاه أكله، وإلا تركه. وأكل على مائدته لحم ضب فامتنع من أكله، وقال "إنه ليس بحرام، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه".

وقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل اللحم ونحوه، وعلى الامتناع من تزوج النساء، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾([130]).

وفي الصحيحين عنه أنه بلغه أن رجالاً قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

وق قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾([131])؛ فأمر بأكل الطيبات، والشكر لله، فمن حرم الطيبات كان معتدياً، ومن لم يشكر كان مفرطاً مضيعاً لحق الله.

وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها".

وفي الترمذي وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر".

فهذه الطريق التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي أعدل الطرق وأقومها، والانحراف عنها إلى وجهين:

قوم يسرفون فيتناولون الشهوات، مع إعراضهم عن القيام بالواجبات. وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾([132] وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾([133]).

وقم يحرمون الطيبات، ويبتدعون رهبانية لم يشرعها الله تعال، ولا رهبانية في الإسلام، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾([134] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾([135]).

وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين"، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾([136]).

ثم ذكر: "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب له".

وكل حلال طيب، وكل طيب حلال، فإن الله أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، لكن جهة طيبة كونه نافعاً لذيذاً.

والله حرم علينا كل ما يضرنا، وأباح لنا كل ما ينفعنا بخلاف أهل الكتاب فإنه بظلم منهم حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، فحرم عليهم طيبات لهم، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يحرم علينا شيئاً من الطيبات. والناس تتنوع أحوالهم في الطعام واللباس والجوع والشبع، والشخص الواحد يتنوع حاله، ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع، ولصاحبه أنفع، وقد يكون ذلك أيسر العملين، وقد يكون أشدهما، فليس كل شديد فاضلاً ولا كل يسير مفضولاً، بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة، لا لمجرد تعذيب النفس؛ كالجهاد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾([137]).

والحج هو الجهاد الصغير، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنه -ا في العمرة: "أجرك على قدر نصبك".

وقال تعالى في الجهاد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾([138]).

وأما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة، فليس هذا مشروعاً لنا، بل أمرنا الله بما ينفعنا، ونهانا عما يضرنا، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"، وقال لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا".

وقال: "هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا"، وروي عنه أنه قال: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة".

فالإنسان إذا أصابه في الجهاد والحج أو غير ذلك حر أو برد أو جوع ونحو ذلك فهو مما يحمد عليه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾([139])([140]).

وقبل الختام نعرج سوياً على بيت النبوة الذي حاله وقد عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنوز الدنيا، فلم يأخذها وقال: "بل أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك".

وسأل ربه أن يجعل له رزق أهله قوتاً، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً".

وفيهما عنه قال: "والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة أيام تباعاً من خبز حتى فارق الدنيا".

وفي صحيح البخاري عن أنس - رضي الله عنه -: "ما أعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفاً مرققاً ولا شاة سميطاً قط حتى لحق بربه".

وفي صحيحه أيضاً عنه، قال: "خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يشبع من خبز شعير".

وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظل اليوم ما يجد دقلاً يملأ بطنه".

وفي المسند والترمذي، عن ابن عباس - رضي الله عنه -ما: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت الليالي المتتابعات طاوياً وأهله لا يجدون عشاء، كان أكثر خبزهم خبز الشعير".

وفي الترمذي، من حديث أبي أمامة: "ما كان يفضل أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبز الشعير".

وفي المسند، عن عائشة - رضي الله عنه -ا: "والذي بعث محمداً بالحق؛ ما رأى منخلاً ولا أك منخولاً منذ بعثه الله عز وجل إلى أن قبض. قال عروة: فقلت: فكيف كنت تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف -أي ننفخه- فيطير ما طار ونجن الباقي".

وفي صحيح البخاري، عن أنس قال: "لقد رهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درعه بشعير ولقد سمعته يقول: "ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى، وإنهم لتسعة أبيات".

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه"([141]).

وعن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فدعا به، فجعل يأكل ويقول: "نِعْمَ الأدم الخل، نعم الأدم الخل"([142]).

جعلنا الله وإياكم من الحامدين الشاكرين الذين يؤدون شكر نعمته ، وجعل ما أمدنا به من خير عوناً على طاعته، وتجاوز عن خطأنا وتقصيرنا وجهلنا وعمدنا، غفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.    



([1]) سورة البقرة, الآية 172.

([2]) تفسير ابن كثير 1/206.

([3]) سورة الأعراف, الآية: 31.

([4]) تفسير ابن كثير 2/211.

([5]) سورة التكاثر, الآية: 8.

([6]) فتح القدير 5/607.

([7]) رواه الترمذي وصححه الألباني.

([8]) رواه البخاري ومسلم.

([9]) رواه أحمد وابن ماجه والحاكم.

([10]) جامع العلوم, ص 424.

([11]) رواه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني.

([12]) رواه ابن حبان والطبراني وحسنه الألباني.

([13]) رواه ابن ماجه.

([14]) رواه البزار.

([15]) رواه ابن ماجه.

([16]) جامع العلوم والحكم, ص 428.

([17]) السير 11/216.

([18]) صفة الصفوة 1/574.

([19]) الفوائد, ص 232.

([20]) تذكرة الحافظ 1/230.

([21]) السير 4/532.

([22]) الزهد للإمام أحمد, ص87.

([23]) سورة البقرة, الآية: 152.

([24]) الإحياء 1/402.

([25]) الإحياء 1/36.

([26]) سورة الأعراف, الآية: 31.

([27]) سورة الإسراء, الآية: 29.

([28]) المجموعة السعدية 8/453.

([29]) سورة الإسراء, الآيتان: 26، 27.

([30]) سورة الأعراف, الآية:31.

([31]) تاريخ بغداد 8/353.

([32]) حكمة الابتلاء لابن القيم, ص51.

([33]) جامع العلوم والحكم, ص517.

([34]) بدائع الفوائد 2/273.

([35]) صفة الصفوة 4/218.

([36]) الإحياء 1/366.

([37]) جامع العلوم والحكم, ص 517.

([38]) رواه الترمذي وابن ماجه.

([39]) حلية الأولياء 6/270.

([40]) مكاشفة القلوب, ص156.

([41]) سورة المؤمنون, الآية: 51.

([42]) جامع العلوم والحكم, ص518.

([43]) أدب الدنيا والدين, ص 335.

([44]) السير 7/424.

([45]) كتاب الورع, عبدالله ابن حنبل, ص10.

([46]) الزهد للإمام أحمد, ص 230.

([47]) مكاشفة القلوب, ص170.

([48]) كتاب الزهد للإمام أحمد, ص263.

([49]) صفة الصفوة 3/80.

([50]) رواه أبو داود والترمذي.

([51]) رواه مسلم.

([52]) رواه مسلم.

([53]) حلية الأولياء 5/277.

([54]) ترتيب المدارك 1/307.

([55]) تذكرة الحفاظ 4/124.

([56]) الفوائد, ص 224.

([57]) مجموع الفتاوى 14/305.

([58]) الزهد للبيهقي, ص 359.

([59]) سورة المؤمنون, الآية: 64.

([60]) سورة الواقعة, الآية: 45.

([61]) سورة الإسراء, الآية: 16.

([62]) الزهد للإمام أحمد, ص 181.

([63]) جامع العلوم والحكم, ص 355.

([64]) حلية الأولياء 7/219.

([65]) الزهد للإمام أحمد, ص 255.

([66]) الإحياء 2/103.

([67]) مختصر منهاج القاصدين, ص211.

([68]) صفة الصفوة 1/321.

([69]) حلية الأولياء 7/56.

([70]) السير 7/237.

([71]) السير 8/37, تذكرة الحفاظ 1/219.

([72]) الإحياء 3/87.

([73]) مختصر منهاج القاصدين, ص 177.

([74]) الزهد للبيهقي, ص117.

([75]) حلية الأولياء 5/15.

([76]) الزهد لابن السري 1/344.

([77]) سورة آل عمران, الآية: 92.

([78]) حلية الأولياء 2/466.

([79]) الزهد للإمام أحمد, ص73.

([80]) حلية الأولياء 1/298.

([81]) تاريخ بغداد 10/378.

([82]) أحسن المحاسن, ص 289.

([83]) تذكرة الحفاظ 3/868.

([84]) حلية الأولياء 2/146.

([85]) جامع العلوم والحكم, ص427.

([86]) منهاج القاصدين, ص26.

([87]) حلية الأولياء 6/80.

([88]) السير 9/18.

([89]) سورة البقرة, الآية: 172.

([90]) سورة المائدة, الآية: 87.

([91]) سورة التكاثر, الآية: 8.

([92]) مجموع الفتاوى 32/212.

([93]) حلية الأولياء 1/299.

([94]) عدة الصابرين, ص174.

([95]) الزهد للبيهقي 2/65.

([96]) السير 4/276.

([97]) السير 6/348.

([98]) تعني الورثة ومن له حق.

([99]) عدة الصابرين, ص 257.

([100]) جامع العلوم والحكم, ص515.

([101]) متفق عليه.

([102]) مكاشفة القلوب, ص425.

([103]) السير 7/277.

([104]) تذكرة الحفاظ 4/1397.

([105]) سورة الأحقاف, الآية: 2.

([106]) تاريخ عمر لابن الجوزي, ص 119.

([107]) تاريخ الخلفاء, ص120.

([108]) صفة الصفوة 2/157.

([109]) التخويف من النار, ص 125.

([110]) السير 7/394.

([111]) سورة الروم, الآية: 7.

([112]) سورة الأحزاب, الآية: 72.

([113]) الإحياء 3/91 باختصار.

([114]) حلية الأولياء 7/272.

([115]) جامع العلوم والحكم, ص 353.

([116]) رواه الترمذي.

([117]) متفق عليه.

([118]) الزهد للإمام أحمد, ص447.

([119]) السير 1/146.

([120]) الزهر الفائح, ص88.

([121]) جامع العلوم والحكم, ص426.

([122]) حلية الأولياء 7/68.

([123]) جامع العلوم والحكم, ص425.

([124]) جامع العلوم والحكم, ص518.

([125]) جامع العلوم والحكم, ص 517.

([126]) سورة الأعراف, الآية: 31.

([127]) جامع العلوم والحكم, ص515.

([128]) تذكرة السامع والمتكلم, ص121.

([129]) العاقبة, ص69.

([130]) سورة المائدة, الآيتان: 87, 88.

([131]) سورة البقرة, الآية: 172.

([132]) سورة الأعراف, الآية: 31.

([133]) سورة مريم, الآية: 59.

([134]) سورة المائدة, الآية: 87.

([135]) سورة المؤمنون, الآية: 51.

([136]) سورة البقرة, الآية: 172.

([137]) سورة البقرة, الآية: 216.

([138]) سورة التوبة, الآية: 120.

([139]) سورة التوبة, الآية: 81.

([140]) مجموع الفتاوى 22/310 باختصار.

([141]) متفق عليه.

([142]) رواه مسلم.