وجوب أداء حقوق النساء ومعاشرتهن بالمعروف

سليمان بن إبراهيم اللاحم

 الإهداء

أهدي هذه السلسلة المباركة لجميع المسلمين، وبخاصة طلاب العلم الشرعي، وأخص منهم أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وكل من ينشد السعادة ويستلهم الرشد والهداية من كتاب الله عز وجل.

والله أسأل أن يعمَّ بنفعه، وأن يضاعف أجرَه لي ولوالديَّ ووالديهم، ولكلِّ مَن استفدتُ منهم من علماء المسلمين في التَّفسير وغيره، وكلِّ مَن كان عونًا لي– ولو بالتَّشجيع- على هذا العمل، وأن يبارك في ثوابه لأهلي وأولادي وإخواني وأخواتي وجميع أقاربي وجيراني، ومن أحبَّني في الله، ومن أحببته في الله، ومشائخي وزملائي وطلابي، وجميع إخواني المسلمين؛ فإنَّ فضلَه- عزَّ وجلَّ- عظيم، وكرمَه واسع، وجودَه عميم.

أخي الكريم: هذا العمل جَهْدُ المقل، ولا يخلو من تقصير، كغيره من أعمال البشر، وكما قيل:

ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها

كفى المرءَ نُبلاً أن تُعَدّ معايبه

المؤلف

القصيم - بريدة

ص.ب 23440


بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

الحمدُ لله الذي خَلَقَ الزَّوجين الذَّكرَ والأنثى من نفس واحدة وجعل بينهما مودَّةً ورحمةً، والصَّلاةُ والسَّلام على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد كانت الجاهليَّةُ تعامل المرأةَ معاملةً سيِّئةً، لا تعرف لها حقوقها الإنسانيَّة، وتنزل بها عن منزلة الرَّجل نزولاً شنيعًا يدعها أشبه بالسِّلعة منها بالإنسان، فجاء الإسلام ليرفعَ عنها الظُّلمَ والضَّيم وليعطيها حقوقَها كاملةً غير منقوصة كما هو الحال مع الرَّجل: }وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ{([1]).

كانوا في الجاهليَّة إذا مات الرَّجل منهم فأولياؤه أحقُّ بامرأته يرثونها كما يرثون البهائم، وكما يرثون المتاع؛ إن شاء بعضُهم تزوَّجها وإن شاؤوا زوَّجوها وأخذوا مهرَها، وإن شاؤوا عضلوها وأمسكوها في البيت دون تزويج حتى تفتدي نفسها... وكان بعضُهم يطلِّق المرأةَ ويَشترط عليها ألَّا تنكح إلَّا مَن أراد حتى تفتدي نفسها منه بما كان أعطاها، كلّه أو بعضَه، وكان بعضُهم إذا مات الرَّجل حبسوا امرأتَه على الصَّبيِّ منهم حتى يكبر فيأخذها.

 وهكذا في صور مهينة ومشينة كانت تعامَل بها المرأة؛ فتهضم حقوقها، وينال من كرامتها وتعامل معاملةَ العرض من المتاع؛ ممَّا لا يتَّفق مع النَّظرة الكريمة التي ينظر بها الإسلام إلى المرأة.

والإسلامُ حَرَّمَ كلَّ تلك الصُّور المشؤومة والمهينة، وأعطى المرأةَ حقوقَها كاملةً، وجعل العلاقةَ بين الرجل والمرأة علاقة مودَّة ورحمة وأنس، والتعامل بينهما على أساس العشرة بالمعروف: }فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرً{([2])، وإذا ما حصل نشوزٌ من المرأة، أو تعال وتجاوُز من الزَّوج، فهناك طرقٌ للعلاج أرشد إليها القرآنُ الكريم، وهناك تدرج في معالجة أمثال هذه الأحوال من الوعظ والهجر في المضاجع، والضرب للتَّأديب لا للتَّشفِّي والانتقام؛ فإن لم تنجح هذه الوسائل انتقل إلى بعث الحكمين، وسأتناول في هذا البحث الكلامَ عن وجوب حسن معاشرة النِّساء وأداء حقوقهنَّ من خلال الكلام على الآيات في هذا الموضوع في سورة النِّساء؛ سائلاً الله- عزَّ وجلَّ- أن يرزقني الإخلاصَ في القول والعمل، وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المؤلف


 وجوبُ الصَّداق

قال الله تعالى: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا{([3]).

صلةُ الآية بما قبلها:

لمَّا بيَّن الله- عز وجل- في الآية السَّابقة وجوبَ العدل بين النِّساء وتحريم ظلمهنَّ أمر في هذه الآية بإيتائهنَّ مهورَهنَّ من غير مماطلة أو اعتداء عليها من الأزواج أو الأولياء؛ وذلك من العدل معهنَّ وعدم ظلمهنَّ.

سبب نزول الآية:

روي في سبب نزول هذه الآية عدَّة روايات لم يثبت صحَّة شيء منها؛ لكنَّها صحيحةُ المعنى؛ فروي أنَّ الرجلَ كان يتزوج أختَ الرجل أو بنته على أن يزوِّجه الآخر أخته أو بنته على أن لا مهر بينهما، أو لا مهر كثير بينهما، فنزلت الآية.

وروي أنَّ الرجلَ كان يتزوَّج المرأة على أن ترثه ويرثها ولا يعطيها صداقًا، فأنزل الله هذه الآية.

وروي أنَّ الأولياءَ كانوا يأخذون مهورَ النِّساء ولا يعطونهنَّ منها شيئًا إلَّا ما تلبسه المرأةُ ليلةَ زفافها، فنزلت هذه الآية.

وروي أنَّ الأزواجَ تَحَرَّجوا من أن يرجعَ إليهم شيءٌ ممَّا دفعوا لزوجاتهم، فأنزل اللهُ قولَه: }فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا{([4]).

معاني المفردات والجمل:

- قوله تعالى: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً{:

قوله: }وَآَتُوا النِّسَاءَ{: الواو: عاطفة.

(آتوا): أي: أعطوا، وهو ينصب مفعولين ليس أصلُهما المبتدأ والخبر، الأول هنا «النساء» والثاني «صدقاتهن».

والخطاب للأزواج لأنَّ الخطابَ معهم في الآية السَّابقة، والضَّمائر معطوفٌ بعضها على بعض.

ويحتمل أنَّ الخطابَ لأولياء النِّساء أمروا أن يعطوا النساء صدقاتهن، فلا يأخذوا منها شيئًا([5]).

ولا مانعَ من جعل الخطاب في الآية للطَّائفتين: الأزواج والأولياء([6])؛ لأنه إذا كانت الآيةُ تَحتمل أكثرَ من معنى وجب حملُها عليها جميعًا؛ فلا يجوز حملُها على معنى دون غيره، أو إخراج بعض المعاني بلا دليل؛ كما هو منهج المحقِّقين، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابنُ تيمية([7]) وتلميذه ابن القيم([8])، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي([9]) رحمهم الله تعالى.

وأيضًا فلو جعل الخطاب في الآية للأزواج خاصَّة فإنَّ الأولياءَ ممنوعون من أخذ صداق من تحت ولايتهم من باب أولى؛ اللهمَّ إلَّا الأب فله أن يأخذ من مهر ابنته ومن مال ابنه ما لا يضر بهما([10]).

قوله: }النِّسَاءَ{: أي: المتزوجات؛ لقوله بعدَه: «صدقاتهن».

قوله: (صدقاتهن): جمع صدُقة– بضم الدال، وهي: المهور([11]).

وسمي المهرُ صدُقة لأنَّ بذلَه يدلُّ على صدق بذله في طلب النِّكاح.

قوله (نحلة)([12]): مفعول مطلق؛ أي: أعطوا النِّساء صدُقاتهن عطية([13]).

ومعنى: «نحلة»: أي: عطية طيبة بها نفوسكم([14] فالمعنى: أعطوا النِّساءَ مهورهنَّ عطيَّةً عن طيب نفس منكم من غير منٍّ من الأزواج عليهنَّ أو مماطَلة أو تمنُّع، ومن غير اعتداء من الأولياء بأخذها منهنَّ.

قال الحافظُ ابنُ كثير([15]) بعدما ذكر أقوالَ السَّلَف في معنى «نحلة»: «ومضمون كلامهم أنَّ الرجلَ يجب عليه دفعُ الصَّداق حتمًا، وأن يكون طيبُ النَّفس بذلك؛ كما يمنح المنيحة ويعطي النّحلة طيبًا بها؛ كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيِّبًا بذلك».

- قولُه تعالى: }فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا{:

قوله: (فإن طبن لكم): أي النساء. (لكم) أيها الأزواج، أو الأولياء.

قوله: (عن شيء منه): شيء نكرة في سياق الشَّرط تعم؛ أي: شيئًا قليلاً أو كثيرًا.

منه: من تبعيضيَّة، أو لبيان الجنس؛ لأنَّها لو طابت نفسُها بجميع المهر حَلَّ كلُّه للزَّوج([16])، و «الهاء» ضميرٌ يعود على الصّداق، واحد الصَّدقات؛ أو هو بمعنى اسم الإشارة؛ أي: من ذلك المذكور([17] كقوله تعالى: }لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ{([18] أي: بين ذلك المذكور.

قوله: «نفسًا»: تمييز.

قوله: }فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا{: جملة جواب الشَّرط، والفاء رابطة لجواب الشَّرط؛ لأنَّه جملةٌ طلبيَّةٌ.

قولُه: (فكلوه): الضَّميرُ في «كلوه» يعود إلى الشيء الذي طابت به نفوسُ الزَّوجات من الصَّداق.

وذكر الأكل دون سائر وجوه الانتفاع مع أنها في حكمه؛ لأنَّ الأكلَ أهمُّ وجوه الانتفاع وأخصُّها؛ فهو كسوة الباطن؛ به يعيش الإنسانُ ويتحرَّك، وبدونه يموت؛ بخلاف سائر وجوه الانتفاع من الملابس والمساكن والمراكب وغيرها؛ فكلُّها منافع خارجيَّةٌ([19]).

هنيئًا مريئًا: صفتان لمصدر محذوف، التقدير: أكلاً هنيئًا مريئًا، أو حال من ضمير «الهاء» في «كلوه»: أي حال كونه هنيئًا مريئًا([20]).

هنيئًا: أي حال الأكل بكونه مستساغًا طيبًا لذيذًا.

ومريئًا: أي بعد الأكل محمود العاقبة لا تنغيصَ فيه ولا كدر ولا مشقَّة، سهل الهضم ينفع ولا يضر([21]).

قال كثيِّر عزَّة([22]):

هنيئا مريئًا غير داء مخامر

لعزة من أعراضنا ما استحلت

والمأكولُ لا يخلو من حالات أربع: إمَّا أن يكون هنيئًا حالَ الأكل، ومريئًا بعد الأكل؛ وهذا أطيبُ الطَّعام، وأطيبُه طعام أهل الجنَّة نسأل الله تعالى أن يجعلنا ووالدينا وجميع المسلمين من أهلها. والنوع الثاني: أن لا يكون هنيئًا ولا مريئًا. وهذا أخبث الطَّعام وأشدّه خبثاً؛ طعام أهل النار، نسأل الله تعالى النَّجاةَ منها. والثالث: أن يكون هنيئًا حال الأكل؛ لكنَّه غير مريء بعد الأكل؛ بل يمغص البطنَ ويضرُّ. والرابع: أن يكون غير هنيء حال الأكل؛ بل مر المذاق؛ لكنَّه مريء بعد الأكل؛ وذلك كالدَّواء.

والمعنى: فإن طابت نفوسُ النساء لكم أيُّها الأزواج أو الأولياء عن شيء من المهر، بعضه أو كله، فكلوه حلالاً طيِّبًا لا شائبةَ فيه ولا شبهةَ بوجه من الوجوه([23]).

الفوائد والأحكام:

1- وجوبُ الصَّداق على الأزواج لزوجاتهم؛ وهذا أمرٌ مجمع عليه؛ لقوله تعالى: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً{([24] كما قال تعالى: }أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً{([25] وقوله تعالى في الإماء: }فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ{([26]).

وقال تعالى في سورة المائدة: }وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ{([27])؛ فهذه الآياتُ تدلُّ على وجوب الصَّداق، وأنَّه شرطٌ لصحَّة النِّكاح، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج»([28]).

ويتقرَّر المهرُ بكامله بالخلوة الصَّحيحة بعد العقد على الصَّحيح من أقوال أهل العلم؛ فإن اشترط عدمَ الصَّداق فالنِّكاح باطل على قول طائفة من أهل العلم([29])، وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله([30])- وهو الرَّاجح؛ للأدلَّة السَّابقة.

ولأنَّ النِّكاحَ بشرط عدم المهر يكون نكاح هبة، وهو لا يجوز إلَّا للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ قال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ{ إلى قوله: }وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ{([31]).

وقيل: إن اشترط عدمه فالنِّكاح صحيح والشرط فاسد، ويجب لها مهر المثل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة- رضي الله عنها- في قصَّة بريرة: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل؛ ولو كان مائة شرط»([32]).

وإن لم يشترط عدمه لكن وقع النِّكاح بلا صداق فلها مهرُ المثل؛ لقوله تعالى: }لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ{([33])؛ فهذا يدلُّ على أنَّه يجوز النِّكاحُ بدون فرض المهر وتحديده؛ فإن طَلَّقَ قبل المسيس وقبل الفرض فلها المتعةُ حسب يسر الزَّوج وعسره، وإن دخل بها فلها مهر المثل.

2- أنَّ الصَّداقَ يعطى للمرأة([34]) إذا كانت رشيدة، وأنَّها تملكه بالعقد ولو لم تكن رشيدةً؛ لأنَّ اللهَ أضافه إليها، فقال: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً{، والإضافةُ تقتضي التَّمليك، لكن إذا كانت غير رشيدة يقبضه وليُّها؛ لقوله تعالى: }وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا{.

3- يجب على الأزواج إيتاء نسائهم صدقاتهنَّ على وجه النِّحلة طيبة بها نفوسهم من غير منٍّ ولا أذى أو مماطلة في أداء الصَّداق أو بعضه؛ لقوله: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً{([35]).

4- لا يجوزُ للزَّوج أن يأخذَ شيئًا من صداق زوجته، أو يسقطه؛ وكذلك لا يجوز للوليِّ أن يأخذ شيئًا من صداق موليته؛ لقوله تعالى: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ{([36]).

5- أنَّ المهرَ حقٌّ للمرأة لا حقٌّ للوليِّ فيه أبًا كان أو غيره؛ لقوله تعالى: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً{([37]).

لأنَّ اللهَ تعالى أضافه إلى النِّساء؛ فهو حقٌّ خاصٌّ بالمرأة مقابل الاستمتاع ببضعها؛ كما قال تعالى: }فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً{([38])، ولهذا سمَّاه الله أجرًا، ولهذا لا يجوز للوليِّ أباً كان أو غيره أن يشترط لنفسه شيئًا من المهر؛ لأنَّ المهرَ حقٌّ للمرأة. على هذا دَلَّ الكتابُ والسُّنَّة([39]).

وللأب خاصَّة عندما يتحدَّد المهرُ وتملكُه المرأةُ بالعقد أن يأخذ منه ما يحتاجه بشرط أن لا يضر بابنته؛ لما جاء في السُّنَّة أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم»([40])، ولهذا لما ذكر الله- عز وجل- في سورة النور مَن لا جناحَ على المرء في الأكل من بيوتهم لم يذكر بيوتَ الأولاد؛ لأنَّ الولدَ ومالَه لأبيه؛ فإن كان أخذُ شيء من المهر يضرُّ بها، فلا يجوز للأب أخذُ شيء منه، وفي الحديث: «لا ضررَ ولا ضرارَ»([41]).

6- أنَّه يجوز للمرأة التَّصَرُّفُ في مالها بالتَّبَرُّع وغيره إذا كانت رشيدةً؛ لقوله: }فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا{؛ فلها إسقاطُ الصَّداق أو بعضه عن زوجها أو ردّه أو شيء منه لزوجها، أو إعطاء وليِّها منه ما شاءت؛ سواء كانت بكرًا أو ثيِّبًا؛ وهذا قولُ جمهور أهل العلم.

 وقد ذهب الإمامُ مالك إلى أنَّ البكرَ ليس لها أن تَهَبَ الصَّداقَ لزوجها، وجعل ذلك لوليّها مع أنَّ الملك لها، والصَّحيح القولُ الأوَّلُ([42]).

7- إذا أسقطت المرأةُ شيئًا من صداقها عن زوجها أو وَهَبَتْه له أو لوليِّها بطيب نفس منها، فهو حلال لا شائبةَ فيه بوجه من الوجوه يجوز أكلُه والانتفاعُ به؛ لقوله تعالى: }فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا{([43]).

8- أنَّ المرأةَ لو أسقطت عن زوجها شيئًا من المهر أو أعطته له أو لوليِّها من غير طيب نفس منها؛ بل حياء منها، أو أكرهت على ذلك، لم يَجُزْ أخذُه؛ لمفهوم قوله: }فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا{. فإذا لم تطب نفسُها فيه لم يحلّ([44]).

وهذا حكمٌ عامٌّ؛ فلا يجوز أخذُ مال الغير إلَّا بطيب نفس منه؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه»([45]).

9- أنَّ المأكولَ الطَّيِّبَ ما كان هنيئًا مريئًا؛ هنيئًا حالَ الأكل، لذيذًا سهلَ المساغ، مريئًا بعد الأكل، محمودَ العاقبة، سهلَ الهضم، ولا تنغيصَ فيه للبطن، ولا مشقَّةَ، تامّ الفائدة، يمتصّ الجسم منه ما ينفعُه ويُخرج ما يضرُّه.

10- استدلَّ بعض أهل العلم- ومنهم الأئمَّة الثَّلاثة أبو حنيفة([46])، ومالك([47])، والشافعي([48]) بقوله: }وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ{؛ على أنَّ العتقَ لا يكون صداقًا؛ لأنَّ هذا أمرٌ يَقتضي الإعطاء، وإعطاءُ العتق لا يصحُّ، وبقوله: }فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا{.

قالوا: فإنَّ العتقَ لا يمكن للزَّوجة هبتُه، ولا للزوج أو الوليّ أكلُه، وليس فيه مال؛ وإنَّما هو إسقاطُ الملك؛ وقد قال الله تعالى: }أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ{([49]).

والصَّحيحُ أنَّ الصَّداقَ كما يكون من الأعيان فإنَّه أيضًا يكون من المنافع([50])، والعتق من أعظم المنافع، وليس في الآية ما يَمنع من ذلك، وغاية ما فيها أنَّ الصَّداقَ يعطَى للزَّوجة إن كان عينًا، وأنَّ لها أن تهبَ منه لزوجها أو لوليِّها أو لمن شاءت، ولمن وهب له ذلك أكلُه والانتفاعُ به.

 وأما استدلالُهم بقوله تعالى: }أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ{. فإنَّ المالَ قد يُطْلَقُ على المنافع كما يُطْلَقُ على الأعيان، وقد سمَّى اللهُ تعالى المهورَ أجورًا؛ قال تعالى: }فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً{([51]) والأجور جمع أجر، وهي تقع على المنفعة كما تقع على العين.

وقد ثبت أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعتق صفيَّةَ بنت حيي، وجعل عتقَها صداقَها([52]).

وما قيل من أنَّ هذا خاصٌّ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -([53]) كما في الواهبة نفسها بدون بذل مال، فالجواب عنه أنَّه لا دليلَ على خصوصيَّته - صلى الله عليه وسلم - بكون العتق صداقًا في حقِّه؛ بخلاف هبة المرأة نفسها له، فقد قال الله فيها }وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ{([54])([55]).

وقد روي أنَّ أنسَ بن مالك t أعتق أَمَة، وجعل عتقَها صداقَها([56]).

وأيضًا فإنَّ العتقَ من أعظم المنافع، فيه انتفاعُ المرأة بحرِّيَّتها وملكها لرقبتها، وقيمة ذلك قد تفوقُ مقدارَ الصَّداق عُرْفًا؛ فما الذي يمنع من كونه صداقًا([57])، وإلى هذا ذهبت طائفة من أهل العلم.

قال ابنُ القيِّم([58]): «وثبت عنه في الصَّحيح أنَّه أعتق صفيَّةَ وجعل عتقَها صداقَها، قيل لأنس: "ما أصدقها؟ " قال: "أصدقها نفسها". وذهب إلى جواز ذلك عليّ بن أبي طالب، وفعله أنس بن مالك، وهو مذهبُ أعلم التَّابعين وسيّدهم سعيد بن المسيَّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والحسن البصريّ، والزّهريّ، وأحمد وإسحاق، وبعد أن ذكر ابنُ القيِّم بقيَّةَ الأقوال قال: «الصَّحيح هو القولُ الموافقُ للسُّنَّة، وأقوال الصَّحابة والقياس؛ فإنَّه كذلك يملك رقبتها، فأزال ملكه عن رقبتها، وأبقى ملك المنفعة بعقد النِّكاح؛ فهو أولى بالجواز ممَّا لو أعتقها، واستثنى خدمتها...».

* * *


 وجوبُ معاشرة النِّساء بالمعروف

قال الله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{.

صلة الآية بما قبلها:

الآيةُ متَّصلةٌ بما سبق من وجوب العدل بين النِّساء وإنصافهنَّ وإيتائهنَّ حقوقهنَّ ودفع الظلم عنهنَّ([59]).

سبب النُّزول:

عن ابن عبَّاس- رضي الله عنهما- قال: «كان أهلُ الجاهليَّة إذا مات الرجلُ كان أولياؤه أحقُّ بامرأته؛ إن شاء بعضُهم تزوَّجَها، وإن شاؤوا زوَّجوها، وإن شاؤوا لم يزوِّجوها؛ فهم أحقُّ بها من أهلها، فأنزل الله هذه الآية: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا...{ الآية»([60]).

وفي رواية: «كان الرجلُ إذا مات وترك جاريةً ألقى عليها حميمُه ثوبَه فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوَّجَها، وإن كانت ذميمةً حبسها حتى تموت فيرثها»([61]).

معاني المفردات والجمل:

- قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا{:

يا: حرف نداء، و«أي»: اسم منادى نكرة مقصودة مبنيٌّ على الضَّمِّ في محلِّ نصب.

و«ها»: للتَّنبيه.

 «الذين»: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة، لأي، أو بدل.

آمنوا: صلة الموصول.

والإيمان: لغةً "التَّصديق" عند جمهور أهل العلم، قال إخوةُ يوسف لأبيهم فيما حكى الله عنهم: }وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا{([62]) أي: بمصدق([63]).

وقال الطبري([64]): «الإيمان هو التَّصديقُ والإقرار».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية([65]): «الإيمان لغةً الإقرارُ لا مجرَّد التَّصديق».

وعلى هذا فمجرَّد التَّصديق لا يكفي؛ بل لابدَّ من الإقرار.

فأبو طالب عمُّ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مصدِّقٌ له، وما نفعه تصديقُه؛ لأنَّه لم يقرّ بذلك.

قال أبو طالب:

لقد علموا أن ابننا لا مكذب

لدينا ولا يعنى بقول الأباطل([66])

وقال أيضًا:

ولقد علمت بأن دين محمد

من خير أديان البرية دينا

لولا الملامةُ أو حِذارُ مسبَّةٍ

لوجدتني سمحًا بذاك مبينا([67])

وهو شرعًا قولٌ باللِّسان واعتقادٌ بالجنان «وهو القلب» وعملٌ بالأركان «وهي الجوارح»([68]).

والإيمانُ شرعًا أعمُّ من الإيمان لغةً؛ إذ الإيمانُ شرعًا هو الإقرارُ بالقلب المتضمِّن للإذعان والانقياد بتصديق الخبر وقبول الطَّلب([69]).

وهو يزيد بالطَّاعة وينقص بالمعصية ويتفاضل؛ قال تعالى: }وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا{([70]).

وقال تعالى: }فَزَادَهُمْ إِيمَانًا{([71])([72]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...» الحديث([73])؛ أي أنَّ إيمانَه يضعف وينقص عند ارتكابه هذه الفاحشة ونحوها ممَّا ذُكر في الحديث.

وأركانُه ستَّةٌ كما جاء في حديث عمر بن الخطاب الطَّويل؛ وفيه سؤالُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جبريل عن الإيمان، قال: «أن تؤمنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه»([74]).

قال عبدُ الله بن مسعود t: «إذا سمعت اللهَ يقول: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا{ فأرعها سمعَك؛ فهو خيرٌ يأمر به أو شرٌّ ينهى عنه»([75]).

والفرقُ بين الإسلام والإيمان أنَّ الإسلامَ يُطلقُ على الأعمال الظَّاهرة كالشَّهادتَين والصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجّ، والإيمان يُطْلَقُ على الأعمال الباطنة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كما في حديث عمر بن الخطاب t قال: «بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياض الثِّياب شديدُ سواد الشَّعر، لا يُرى عليه أثرُ السَّفر ولا يعرفه منَّا أحد؛ حتى جلس إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصَّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً». قال: صدقتَ. قال: فعجبنا له؛ يسأله ويصدِّقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: صدقتَ. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك...» الحديث([76]).

قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية([77]): «فالإحسان أخصُّ من الإيمان، والإيمانُ أخصُّ من الإسلام».

وإذا ذكر الإيمان مجرَّدًا دخل فيه الإسلامُ والأعمالُ الصَّالحة؛ كما في حديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»([78]). وإذا ذُكرَ الإسلامُ مفردًا دخل تحتَه الإيمان، وإذا اجتمعا فُسِّرَ الإيمان بالأعمال الباطنة والإسلامُ بالأعمال الظَّاهرة([79]).

- قوله تعالى: }لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا{:

لا: نافية، ونفي الحلِّ يقتضي التَّحريم؛ لأنَّ نفيَ الشَّيء إثباتُ ضدِّه؛ فالمعنى: يحرم عليكم.

قوله: (لكم): الخطاب للأولياء([80]) أولياء الزَّوج؛ كما يفسِّره سببُ النُّزول، وأولياء المرأة أيضًا؛ أخذًا من العموم في قوله }لَكُمْ{؛ بل يدخل فيه الأزواجُ كما قال بعض المفسِّرين([81]).

قوله: }أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا{: "أن" حرفٌ مصدريٌّ ونصبٌ، «ترثوا»: فعل مضارع منصوب بـ «أن»، وعلامة نصبه حذفُ النون، و«أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محلِّ رفع فاعل([82]) تقديرُه: لا يحلُّ لكم وراثةُ النِّساء، أو إرث النِّساء.

ومعنى }لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ{: أي: لا يحلُّ لكم أن تخلفوا على زوجات أقاربكم إذا ماتوا بحيث ترون أنَّكم أحقُّ بهنَّ، فإن شئتم تزوَّجتموهنَّ، أو زوَّجتموهنَّ مَن شئتم، أو منعتموهنَّ من الزَّواج ليفتدين منكم، أو حتى يَمُتْنَ؛ فترثون مالهنَّ؛ كما كانوا في الجاهلية: إذا مات الزَّوجُ جاء أحدُ أقاربه كأخيه أو ابن عمِّه فألقى على زوجته ثوبًا فتحماها؛ فإن شاء تزوَّجَها، أو زوَّجها لمن شاء، أو منعها لتفدي نفسها، أو تموت فيرثها([83]).

فمعنى }تَرِثُوا النِّسَاءَ{ أي: تخلفوا أزواجهنَّ عليهنَّ، وتكون لكم الولايةُ عليهنَّ؛ وليس المرادُ أنَّهم يرثونهنَّ كمن يورِّث المالَ والمتاعَ؛ بل المرادُ الخلافةُ عليهنَّ؛ كما قال زكريَّا u: }فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ{([84] أي: يخلفني في قومي في النُّبُوَّة والعلم، وليس إرث المال؛ لأن الأنبياء لا يورثون([85]).

قولُه (كرهاً): قرأ حمزة والكسائيّ وخلف: «كُرها» بضم الكاف، وقرأ بقيَّةُ العشرة: «كرها» بفتحها([86]).

وهي بضم الكاف بمعنى التَّعب والمشقَّة؛ كما قال تعالى: }حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا{([87]).

وبفتح الكاف بمعنى مكرهات؛ من الإكراه؛ وهو عدم الرضى. وقيل: هما بمعنى واحد([88]).

وكلٌّ من عدم الرضى والمشقَّة يَحصلان لمن ورثت كرهًا.

و«كرهًا» مصدر في موضع الحال من النِّساء؛ فَيُقَدَّر باسم فاعل، أو اسم مفعول؛ أي كارهات أو مكرَهات([89]).

وقولُه (كرهًا): قيدٌ لبيان الواقع؛ وهو أنَّهم كانوا يكرهونهنَّ على ذلك غالبًا؛ فيرث الواحدُ منهم زوجةَ قريبه ولو لم ترض بذلك وشقَّ عليها؛ كقوله تعالى في سورة النُّور: }وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا{([90]).

وإذا كان القيدُ لبيان الواقع فلا مفهومَ له؛ أي: فلا يدلُّ على أنَّهنَّ لو رضين بذلك جاز لهم أن يخلفوا قريبهم على زوجته دون عقد شرعيّ([91])؛ بل لابدَّ فيه من عقد شرعيٍّ، إذا رضيت وكانت تحلُّ لمن أراد الزَّواجَ بها.

- قولُه تعالى: }وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ{:

قولُه: (ولا تعضلوهنَّ): الواو: عاطفة، و «لا» ناهية، والفعل «تعضلوهن» مجزوم بها وعلامةُ جزمه حذفُ النون؛ إذ الأصلُ: تعضلونهن. فتكون الواوُ عَطَفَتْ جملةَ نهي على جملة نهي.

أي: عَطَفَتْ جملةً طلبيَّةً على جملة خبريَّة.

ويجوز أن تكون «لا» زائدةً من حيث الإعراب، مؤكِّدةً للنفي من حيث المعنى، ويكون الفعل «تعضلوهن» منصوبًا عطفًا على «أن ترثوا»، وعلامةُ نصبه حذف النون، فتكون الواو عطفت فعلاً على فعل([92]).

والأوَّلُ أولى؛ لأنَّ تنويعَ التعبير أفصحُ وأبينُ وأبلغُ.

قوله: (ولا تعضلوهن): الخطابُ للأزواج؛ بدليل قوله: }لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{([93])، وبدليل الآيتين بعد هذه الآية؛ فهذه الآياتُ كلُّها تدلُّ على أنَّ الخطابَ مع الأزواج، والعضل بمعنى: الحبس، والتَّضييق والمنع([94])؛ أي ولا تحبسوهنَّ وتضيِّقوا عليهنَّ وتمنعوهنَّ.

قوله: (لتذهبوا): أي: لأجل أن تذهبوا.

قوله: }بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ{: الباءُ للتَّعدية؛ أي: لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنَّ، ويُحْتَمَلُ كونها للمصاحبة: أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض ما آتيتموهنَّ([95]).

والمعنى: لا تمنعوهنَّ حقوقهنَّ وتحبسوهنَّ وتضيِّقوا عليهنَّ لأجل أن تلجئوهنَّ إلى المخالَعة وافتداء أنفسهنَّ؛ ليُرجعنَ لكم بعضَ ما آتيتموهنَّ من المهور.

قال ابنُ كثير- رحمه الله([96]): «أي: لا تضاروهنَّ في العشرة لتترك لك ما أصدقتَها أو بعضَه أو حقًّا من حقوقها عليك أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد».

- قوله تعالى: }إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ{:

إلَّا: أداة استثناء؛ أي: لا يحلُّ لكم أن تعضلوهنَّ بحال من الأحوال إلَّا في حال إتيانهنَّ بفاحشة مبيّنة([97]).

قولُه: (يأتين بفاحشة): أي يفعلن ويرتكبن فاحشةً.

والفاحشة مأخوذة من الفحش؛ وهو كلُّ ما يُستفحَش شرعًا وعرفًا عند المسلمين؛ وهي هنا تشمل كلَّ ما كان من سوء العشرة فعلاً كان أو قولاً؛ كالزِّنا، وبذاءة اللِّسان، والنُّشوز والخروج عن طاعة الزَّوج، وعدم القيام بحقوقه الواجبة عليها، أو الممانعة فيها إلَّا على سبيل التَّكَرُّه، ونحو ذلك؛ فكلُّ هذا مما يبيح للزَّوج التَّضييق عليها بمنعها حقَّها أو بعضه؛ لتفدي نفسَها منه([98] كما قال تعالى في سورة البقرة: }فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ{([99] أي: يقيما حدود الله بحسن العشرة وقيام كل منهما بحق الآخر([100]).

قوله (مبيِّنة): قرأ ابنُ كثير وعاصم برواية أبي بكر بفتح الياء وتشديدها «مبيَّنة» اسم مفعول، أي أنَّها بُيِّنَتْ وَوُضِّحتْ وَأُظْهِرتْ.

وقرأ بقية العشرة «مبيِّنة» بكسر الياء وتشديدها، اسم فاعل؛ أي: أنها بيِّنة واضحة ظاهرة بنفسها من «بيِّن»؛ وهو فعل لازم بمعنى: بان أي: ظهر([101]).

وقرأ ابنُ عبَّاس «مُبِيْنَة» بإسكان الياء([102]).

ومعنى هذه القراءات واحد؛ وهو أنَّه لا يجوز للزَّوج التَّضييقُ على زوجته ومنعها حقَّها إلَّا إذا أتت بفاحشة مبينة واضحة يسوغ له معها عضْلُها والتَّضييقُ عليها.

}وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ{ كقوله تعالى: }فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ{([103]).

وقوله: }وَعَاشِرُوهُنَّ{: أمرٌ للأزواج، والضمير «هنَّ» للزَّوجات.

والمعاشرة: مفاعَلة، والمفاعلة هي التي تكون بين جانبين– غالبًا؛ كالمقاتَلة؛ أي: ليعاشر الزَّوجُ زوجتَه وتعاشره بالمعروف، والمعاشرةُ: الصُّحبةُ والمخالَطة والمخالَقة([104]).

قولُه (بالمعروف): أي: بالمعروف شرعًا وعرفًا ومروءةً([105]).

أي: ليعاشر كلٌّ من الزَّوجين الآخر بما هو واجب في الشَّريعة الإسلاميَّة من حسن العشرة قولاً وفعلاً وبذلاً، لينًا في القول من كلٍّ منهما للآخر، ومعاملةً حسنةً وصحبةً جميلةً وبذلاً للحقوق؛ كالنَّفَقة والكسوة والمسكن من الزَّوج، والخدمة والطَّاعة بالمعروف من الزَّوجة، وكفًّا للأذى من الجانبين([106] قال تعالى: }وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ{([107]).

قال ابنُ عبَّاس- رضي الله عنهما- في هذه الآية: (إنِّي أحبُّ أن أتزيَّنَ للمرأة كما أحبُّ أن تتزيَّنَ لي؛ لأنَّ اللهَ- تعالى ذكرُه- يقول: }وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ{([108]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»([109]).

قال ابنُ كثير- رحمه الله([110]): «وكان من أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه جميلُ العشرة، دائم البشر يداعب أهله، ويتلطَّف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه؛ حتى إنَّه كان يسابق عائشة أمَّ المؤمنين، يتودَّد إليها بذلك؛ قالت: «سابَقَني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فسبقتُه؛ وذلك قبل أن أحمل اللَّحمَ، ثم سابقتُه بعدما حملتُ اللَّحمَ فَسَبَقني فقال: هذه بتلك السَّبقة»([111]). ويجتمع نساؤه كلَّ ليلة في بيت التي يبيت عندَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فيأكل معهنَّ العَشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كلُّ واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد؛ يضع على كتفيه الرِّداء، وينام بالإزار، وكان إذا صلَّى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام يؤانسهم بذلك - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله تعالى: }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ{.

بل كان - صلى الله عليه وسلم - محسنًا لخديجة- رضي الله عنها- بعد وفاتها، وكان يرسل الأعطيات إلى صديقاتها ويقول: «اذهبوا به إلى صديقات خديجة»([112]).

واستأذنت هالة بنت خويلد، فعرف استئذان خديجة فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم هالة بنت خويلد»؛ كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: «اللهم هالة». قالت: فغرتُ. فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشّدقين هلكت في الدّهر قد أبدلك اللهُ خيرًا منها([113]).

- قوله تعالى: }فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{:

الفاء: استئنافيَّة.

و «إن» شرطية، «كرهتموهن» فعل الشرط، وجوابُه دلَّ عليه قوله: }فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{. والمعنى: فإن كرهتموهنَّ فاصبروا.

قوله: (كرهتموهن): الكراهةُ ضدُّ المحبَّة؛ أي عدم المحبة القلبية.

أي: فإن كرهتموهنَّ، فلم يكن في قلوبكم محبَّةٌ لهنَّ؛ إمَّا لعدم توافق الطِّباع، وإمَّا لسوء خلق محتمل أو نحو ذلك، من غير ارتكاب فاحشة الزِّنا التي لا يليق الإبقاء على الزَّوجة معها، أو النُّشوز؛ بالخروج عن طاعة الزَّوج([114])؛ ممَّا يشقُّ على الزَّوج تحمُّلُه، ويؤدِّي إلى استمرار المعصية بينهما في عدم أداء كلٍّ منهما حقَّ الآخر عليه.

قولُه: }فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا{: عسى هنا تامَّةٌ لا تحتاج إلى اسم وخبر، وهي فعل جامد؛ ولهذا دخلت عليه فاء الجواب([115])، و«أن تكرهوا»: في محلِّ رفع فاعل عسى»([116]).

وقوله: }فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{: هذه الجملة تعليلٌ لجواب الشَّرط المقدَّر «فاصبروا»، أو فيها معنى جواب الشَّرط.

والضمير «فيه» عائدٌ إلى «شيئًا»: أي: ويجعل اللهُ في ذلك الشَّيء المكروه خيرًا كثيرًا. وقيل: «أو» عائدةٌ إلى المصدر من «تكرهوا»؛ أي ويجعل الله في كراهتكم ذلك الشَّيء خيرًا كثيرًا([117]).

أي: فإن كرهتموهنَّ فاصبروا؛ فعسى أن يجعلَ اللهُ في صبركم عليهنَّ وإمساككم لهنَّ مع كراهتهنَّ خيرًا كثيرًا لا تتوقَّعونه في الدُّنيا والآخرة؛ فربَّما رزق الزَّوج منها ولدًا صالحًا تقرُّ به عيونهما، وتبدَّلت الكراهةُ بالمحبَّة، وحصل لمُّ شملهما مع أولادهما واستدامة الصُّحبة بينهما؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخرَ»([118]).

كما أنَّ في ذلك امتثالاً لأمر الله ومجاهدةً للنَّفس والتَّخلُّق بالأخلاق الحميدة؛ ممَّا يرجو المرءُ ثوابَه في الآخرة([119])؛ وهذا كلُّه مع إمكان الصَّبر وعدم المحذور.

وهذا وعدٌ من الله؛ أنَّ مَن صبر على ما يكره ابتغاءَ وجه الله واحتسابًا لثواب الله فإنَّ اللهَ يجعل فيه خيرًا كثيرًا.

وعسى في الأصل للرجاء؛ لكنَّها من الله واجبةٌ؛ كما قال ابنُ عبَّاس وغيرُه من المفسِّرين([120])؛ بمعنى أنَّها من الله تفيدُ التَّحقيق؛ أي وعد من الله سيتحقَّق؛ كما قال تعالى: }فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا{([121])؛ وذلك لأنَّه تعالى هو المالكُ لكلِّ شيء المتصرِّف فيه، والرَّجاءُ لا يكون إلَّا ممَّن لا يملك الشَّيءَ، فيرجوه من غيره.

الفوائد والأحكام:

1- تصديرُ الكلام بالنِّداء للتَّنبيه لأهميَّة ما بعده وأنَّه جديرٌ بالعناية والاهتمام؛ }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا{.

2- نداء المؤمنين بوصف الإيمان في قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا{ يفيد ما يلي:

أ- تكريم المؤمنين وتشريفهم بندائهم بهذا الوصف.

ب- الحثّ والتَّحضيض على الاتِّصاف بهذا الوصف.

جـ- أنَّ العملَ بمقتضى هذا الخطاب من مقتضيات الإيمان.

د- أنَّ مخالفةَ هذا الخطاب نقصٌ في الإيمان.

قال ابنُ القيِّم([122])- رحمه الله- في كلامه على قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ{([123]):

«وافتتح الآيةَ بالنِّداء باسم الإيمان المشعر بأنَّ المطلوبَ منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به؛ كما يقال: يا مَن أنعم اللهُ عليه وأغناه من فضله، أحسن كما أحسن اللهُ إليك، ويا أيها العالم علِّم النَّاسَ ما ينفعهم، ويا أيها الحاكم احكم بالحقّ. ونظائره، ولهذا كثيرًا ما يقع الخطاب في القرآن بالشَّرائع؛ كقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ{([124]}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ{([125]}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ{([126])؛ ففي هذا إشارةٌ إلى أنَّكم إن كنتم مؤمنين فالإيمان يقتضي منكم كذا وكذا؛ فإنَّه من موجبات الإيمان وتمامه».

3- يحرُمُ إرثُ النِّساء مكرَهات؛ وذلك بأن يخلف أولياءُ الزَّوج بعد موته على زوجته، أو تكون لهم الولايةُ عليها؛ بأن يزوِّجوها من شاؤوا، أو يمنعوها من الزواج، كما كان يفعلُه أهلُ الجاهلية؛ لقوله: }لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا{.

4- أنَّه يجوز للرَّجل إذا مات قريبُه أن يتزوَّجَ زوجته برضاها؛ لمفهوم قوله }لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا{؛ فمفهومُ هذا أنَّه إذا تزوَّجَها بغير إكراه جاز ذلك([127])؛ لكن ذلك مشروطٌ بأن يكون بعقد شرعيٍّ، وألَّا تكون من محارمه؛ كزوجة أبيه أو ابنه.

5- تحريم عضل الزَّوج زوجتَه بغير حقٍّ لتفتدي نفسها منه ببعض ما آتاها من المهر؛ لقوله: }وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ{([128]).

6- أنَّ الدِّينَ الإسلاميَّ أنصف المرأةَ غايةَ الإنصاف فحرم إرثها كرهًا وحرم عضلها؛ وفي هذا إبطالٌ لما كان عليه أهل الجاهلية الأولى من إرث النساء مكرهات وعضلهن، كما أن فيه ردًّا على أهل الجاهليَّة المعاصرة الذين يزعمون أنَّ الإسلامَ ظَلَمَ المرأة، وهضمها حقوقها.

7- استدلَّ بعض أهل العلم بقوله تعالى: }لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ{ على أنَّه لا يجوز أن يكون الخلعُ بأكثر مما أعطاها.

وفي الاستدلال بالآية على هذا نظر؛ لأنَّ الآيةَ في بيان تحريم العضل لأخذ شيء مما أعطاه الزَّوج لزوجته، ولو كان شيئًا قليلاً، وليس فيها تعرض لحكم أخذ أكثر أو أقل مما أعطاها([129]).

8- أنَّ الصَّداقَ ملكٌ للمرأة؛ لقوله تعالى: (آتيتموهنَّ).

9- أنَّه يجوز للزَّوج أن يعضل زوجتَه بمنعها حقَّها أو بعضه؛ لتفتدي نفسها منه إذا أتت بفاحشة مبيِّنة من زنا أو نشوز أو نحو ذلك؛ لقوله تعالى: }وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ{([130]).

10- لا يجوز للزَّوج أن يعضل زوجتَه لتفدي نفسها منها إلَّا بحق؛ لقوله تعالى: }إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ{؛ فلابدَّ أن تكون أتت بفاحشة بيِّنة واضحة، ويتبيَّن منها ذلك؛ فكم من رجل يعضل زوجته بحجَّة أنَّها سيئةُ العشرة وليست كذلك؛ لتردَّ إليه ما أصدقها؛ ولو كان ذلك ظلمًا منه لها وعدوانًا([131]).

11- العدل في أحكام الدِّين الإسلاميِّ، وأنَّ الجزاءَ من جنس العمل؛ فقد حرَّم الإسلامُ عضلَ الزوجة والتَّضييق عليها ومنعها حقَّها ما لم تأت بفاحشة وتخرج عن طاعة زوجها أو تقصر في حقوقه؛ فإن فعلت ذلك جاز له عضلُها والتَّضييق عليها }جَزَاءً وِفَاقًا{([132] وقال تعالى: }وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ{([133] وقال تعالى: }وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا{([134]).

12- وجوب معاشرة الزَّوجة بالمعروف([135]) قولاً([136]) وفعلاً وبذلاً؛ بالقول اللَّيِّن والخلق الحسن والمعاملة الطَّيِّبة والصُّحبة الجميلة وكفِّ الأذى وبذل الإحسان وأداء الحقوق؛ كالنَّفقة والكسوة والسَّكن ونحو ذلك مما يجب من مثلها لمثلها؛ حسب الأحوال والزَّمان والمكان وغير ذلك؛ لقوله: }وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ{؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف»([137]).

وعن عائشة- رضي الله عنها: أنَّ هند امرأة أبي سفيان قالت: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، ليس يعطيني من النَّفَقة ما يكفيني وولدي إلَّا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم. فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»([138]).

فليس في قدر النَّفَقة حدٌّ؛ وإنَّما المرجعُ فيها إلى العرف([139]).

وعن الأسود بن يزيد قال: سألتُ عائشة- رضي الله عنها: ما كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله– تعني خدمة أهله– فإذا حضرت الصَّلاةُ خرج إلى الصَّلاة»([140]). وروي عنها أنَّها قالت: «كان يرقع الثَّوبَ، ويخصف النَّعلَ»([141]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»([142]).

وعن عمرو بن الأحوص أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا فاتقوا الله عز وجل في النساء؛ فإنَّهن عندكم عوان([143])، لا يملكن لأنفسهنَّ شيئًا»([144]).

وفي لفظ: «ألا فاستوصوا بالنِّساء خيرًا؛ فإنَّما هنَّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غيرَ ذلك»([145]).

وهل من المعاشرة بالمعروف أن يخدمَ الرجل زوجتَه أو يجلب لها خادمًا يخدمها؟ ! ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، مستدلِّين بالآية، وذهب طائفةٌ من أهل العلم إلى أنَّ الخدمةَ في البيت إنَّما هي على الزَّوجة، وعلى هذا سار نساءُ الصَّحابة y كما قالت أسماء رضي الله عنها: «كنت أخدم الزُّبيرَ خدمة البيت كلّه، وكان له فرس وكنت أسوسه وكنت أحتشُّ له، وأقوم عليه. وصحَّ عنها أنَّها كانت تعلف فرسَه وتسقي الماء وتخرز الدلو وتعجن وتنقل النَّوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ»([146]).

13- اعتبارُ العرف؛ لقوله تعالى: }وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ{. وهذا مقيَّدٌ بما لم يخالف الشَّرعَ؛ لأنَّه قد يتعارف بعض المجتمعات على إباحة الزِّنا أو على تحريم الطَّلاق؛ فلا اعتبارَ لهذا العرف المخالف لشرع الله.

14- التَّوكيدُ على وجوب المعاشَرة بين الزَّوجين بالمعروف، والإشارة إلى قوَّة الرَّابطة بين الزَّوجين؛ فهي أقوى رابطة تربط بين اثنين من البشر أحدهما بالآخر يشعر بها كلٌّ من الزَّوجين أنَّه شريكُ الآخر في كلِّ أمر مادِّيٍّ ومعنويٍّ([147]).

15- يُندَبُ للزَّوج إذا كره زوجتَه أن يَصبر ولا يستعجل؛ فقد تكون العاقبةُ حميدةً([148] لقوله: }فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{، وفي الحديث: «وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصَّبر»([149]).

وينبغي للزوج- بل لكلٍّ من الزَّوجين- أن يَسْتَشعرَ أنَّه قلَّ أن تجد متعاشرين يرضى كلٌّ منهما خلقَ الآخر، ويقال: ما تعاشر اثنان إلَّا وأحدهما يتغاضى عن الآخر.

وقد قيل:

ومَن لا يُغمّض عينه عن صديقه

وعن بعض ما فيه يمت وهو عائب

ومن يتتبع جاهدًا كلَّ عثرة

يجدها ولا يسلم له الدَّهر صاحب([150])

16- الإشارةُ إلى كراهية الطَّلاق؛ لقوله: }فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{([151]).

وفي الحديث: «أبغض الحلال إلى الله الطَّلاق»([152]).

وعن جابر t أنَّه سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يَبْعَثُ الشَّيطانُ سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده منزلةً أعظمُهم فتنةً؛ يجيء أحدُهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعتَ شيئًا. قال: ثم يجيء أحدُهم فيقول: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه ويقول: نِعْمَ أنت»([153]).

17- اختيار التَّعبير الأحسن والأفصح لقوله: }فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا{؛ فعَلَّقَ الكراهةَ بـ"شيء"؛ وهو عامٌّ، ولم يعلِّقها بضمير "هنَّ" فيقول: «فعسى أن تكرهوهنَّ»([154]).

18- أنَّ كراهةَ الأنفُس للشيء وعدم محبَّتها له لا تدلُّ على انتفاء الخير منه، ولا ينبغي أن تكون مقياسًا يُتَّبع في الحكم على الأشياء والتَّعامل معها؛ فقد يكره الإنسان الشَّيءَ، ويجعل اللهُ فيه الخيرَ الكثيرَ؛ لقوله: }فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{. وهذا عامٌّ في كراهية أيِّ شيء([155])؛ كما قال- تعالى- في سورة البقرة: }كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ{([156]).

19- أنَّ الخيرةَ للعبد فيما يختاره الله له وما يجري عليه لحكمة يعلمها الله؛ فلا ينبغي أن يضجر ويتعجَّل؛ لأنَّه لا يعلم أين الخيرة؛ لقوله }فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{.

20- أنَّ الإنسان في هذه الحياة معرَّض لأن يَحصل له بعضُ المكاره أيًّا كانت؛ لقوله: }فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا{؛ وذلك ابتلاءٌ من الله- عزَّ وجلَّ؛ قال تعالى: }وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ{([157]). وقد قيل:

إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى

ظمئت وأيُّ الناس تصفو مشاربُه([158])

وقال زهير([159]):

ومن لم يصانع في أمور كثيرة

يضرَّس بأنياب ويوطأ بمنسم

وقال أبو العلاء المعري([160]):

إذا كنت تبغي العزَّ فابغ توسُّطاً

فعند التَّناهي يقصر المتطاول

توقى البدور النقص وهي أهلة

ويدركها النقصان وهي كوامل

وقال آخر:

ومن عاش في الدُّنيا فلابدَّ أن يرى

من العيش ما يصفو وما يتكدَّر

21- أنَّ مَن جاهد نفسَه على ما تَكره وصبر، فإنَّ العاقبةَ له بإذن الله تعالى؛ لقوله: }فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{.

22- إثبات وصف الله تعالى بالجعل الكونيّ؛ لقوله: }وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{.

23- أن الكراهة قد تحصل بين المسلم وأخيه المسلم؛ لقوله: }فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا{؛ فإن كانت الكراهةُ لمبرِّر شرعيٍّ؛ كأن يكره شخصًا لأنَّه يرتكب بعضَ المعاصي، أو لكونه اعتدى عليه، أو منعه حقَّه وهكذا، فعليه في مثل هذا أن يناصح أخاه ويخوِّفه في الله؛ علَّه أن يرجع إلى الحقِّ، فتزول الكراهةُ بينهما.

وإن كانت الكراهةُ لغير مبرِّر شرعيٍّ؛ وإنَّما لمرض قلبيٍّ في نفس الشَّخص من حسد أو غير ذلك، فعليه أن يحاسب نفسه ويعالجَ قلبه؛ فإن أوثقَ عرى الإيمان الحبُّ في الله([161]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السَّلامَ بينكم»([162]).

وقال أيضًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه»([163]).

* * *


 عدم جواز الرُّجوع في شيء من المهر مهما كثر المهر بعد الإفضاء بين الزَّوجين

قال الله تعالى: }وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{.

صلةُ الآيتين بما قبلَهما:

لمَّا بيَّن- عزَّ وجلَّ- في الآية السَّابقة أنَّه يجوز للأزواج أن يأخذوا من زوجاتهم بعضَ ما آتوهنَّ إذا أتين بفاحشة مبيّنة، بيَّن في هاتين الآيتين أنَّه إذا كان الفراق بسببهم هم فلا يجوز لهم أن يأخذوا شيئًا ممَّا آتوهنَّ([164]).

معاني المفردات والجمل:

- قوله تعالى: }وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ{:

الواو: استئنافية. و«إن» شرطية.

«أردتم» فعل الشرط، وجوابه (فلا تأخذوا منه شيئًا).

قوله (أردتم) أي: اخترتم وشئتم.

فالإرادة بمعنى: الاختيار والمشيئة.

قوله: }اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ{: الاستبدال: أخذُ شيء مكانَ شيء([165]).

قوله: }زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ{ أي: زوجة مكان زوجة.

والمعنى: وإن أردتم استبدالَ زوجة تتزوَّجونها مكان زوجة تطلِّقونها([166]).

فالبدل هي الزوجة الجديدة، والمبدل منه هي الزوجة الأولى.

- قوله تعالى: }وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا{: الواو للحال([167]).

آتيتم: أي أعطيتم. وهو فعل متعدٍّ ينصب مفعولين ليس أصلُهما المبتدأَ والخبر؛ الأول: إحداهن، والثاني: قنطارا. أي: وأعطيتم إحداهن. أي: إحدى الزَّوجتين؛ وهي المستبدل مكانها المفارقة؛ لا المستبدلة([168])، والمفارقة قد تكون الأولى، وقد تكون الثانية؛ لأنَّ الزَّوجَ قد يتزوَّج زوجةً جديدةً، ثم لا يرغب فيها فيريد طلاقَها وإمساكَ الأولى.

قنطارًا: القنطار هو المالُ الكثيرُ الجزيلُ([169])، قال الزَّمخشريُّ([170]): «القنطار المال العظيم؛ من قنطرت الشَّيءَ إذا رفعته، ومنه القنطرة؛ لأنَّها بناءٌ مشيَّدٌ».

وقال الحافظ ابنُ كثير([171]): «وقد اختلف المفسِّرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلُها أنَّه المالُ الجزيل؛ كما قاله الضَّحَّاكُ وغيرُه».

قوله تعالى: }فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا{: الفاء رابطةٌ لجواب الشَّرط؛ لأنَّه جملة طلبيَّة. و"لا" ناهية، «تأخذوا»: فعل مضارع مجزوم بها وعلامةُ جزمه حذفُ النُّون؛ لأنَّه من الأفعال الخمسة.

(منه): أي من المال الذي آتيتموها.

(شيئاً): نكرة في سياق النَّهي؛ فتعمّ القليلَ والكثيرَ من المال.

والمعنى: إن أردتم طلاقَ إحدى الزَّوجتين وقد أعطيتموها مالاً كثيرًا مهرًا لها، فلا تأخذوا منها شيئًا لا قليلاً ولا كثيرًا؛ لأنَّ المهرَ كلَّه ملكٌ لها بما استحلَّ من فرجها؛ فلا يجوز الرُّجوعُ بشيء منه([172]).

وسواءً استبدلها بغيرها أو جلس أعزب بدون زوجة، فلا يحلُّ له أن يأخذ من المفارقة شيئًا، والآية إنَّما جاءت على الغالب؛ أنَّ الطَّلاقَ لأجل الاستبدال لا لأجل العزوبة([173]).

قوله: }أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا{: الهمزة للاستفهام، ومعناه الإنكارُ والتَّوبيخ([174])، وهذه الجملة الاستفهامية مقررة لجملة النهي السابق.

}بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا{: بهتانًا وإثمًا: مصدران منصوبان على الحال؛ أي: باهتين وآثمين([175]).

ومعنى (بهتانًا): أي كذبًا؛ بمعنى أن رجوعَكم عليهنَّ بشيء ممَّا أعطيتموهنَّ بدعوى أنَّه حقٌّ لكم هذا بهتان وكذب؛ لأنَّكم لا تستحقُّون شيئًا من ذلك، ولا حقَّ لكم فيه البتَّةَ بعد الإفضاء.

ولأنَّ تعلُّقَ الزوج بشيء ممَّا دفع لزوجته قد يحمله إلى نسبتها للنُّشوز والفاحشة؛ وليست كذلك، وهذا عين الكذب والبهتان؛ فسواء نسبها لما ليس فيها ليبرِّر دعواه استحقاق ذلك، أو ادَّعى أنَّ له حقًّا في ذلك بدون أن ينسبها لشيء من ذلك، فكلُّ هذا من البهتان.

وسُمِّي الكذب بهتانًا لأنَّ الكذبَ على البريء يبهته ويحيِّره ويدهشه([176]).

قوله: (وإثماً) أي: ذنبًا، وفي الحديث: «الإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس»([177]).

(مبينًا): صفة لإثم منصوبة؛ أي ذنباً بيِّنًا واضحًا ظاهرًا. و«مبين»: اسم فاعل، يأتي لازمًا ومتعدِّيًا؛ وهو هنا من «أبان» الرُّباعيّ المتعدِّي.

قال الطَّبريُّ([178]): «يعني إثمًا قد أبان أمر آخذه أنَّه بأخذه إيَّاه عمَّن أخذه منه ظالم».

ويحتمل أن يكون من «أبان» الرُّباعيّ اللازم.

وإنَّما كان إثمًا مبينًا؛ لأنَّه ظلمٌ للمرأة وأخذٌ لما لها بغير حقٍّ([179]).

- قوله تعالى: }وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{.

قوله: (وكيف تأخذونه) وكيف: استفهام تعجُّب وإنكار بعد إنكار([180])؛ لتوكيد التَّحريم.

والضَّميرُ في قوله: (تأخذونه) يعودُ إلى (شيئًا).

قوله: }وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ{: الواو: حاليَّة؛ فالجملة في محلِّ نصب على الحال؛ أي: والحالُ أنَّه قد أفضى بعضُكم إلى بعض إفضاءً سرِّيًّا، والإفضاء إلى الشَّيء: الوصولُ إليه مباشرة بلا حائل، ومنه الفضاء.

والمعنى: بأيِّ وجه؛ أو على أيِّ جهة تأخذون ما أعطيتموهنَّ من العوض؛ وهو المهر، والحالُ أنَّكم قد استوفيتم المعوض عنه؛ وذلك بأن أفضى بعضُكم إلى بعض إفضاءً سرِّيًّا بما لا ينتهي إليه ولا يستحلّه إلّا الأزواج؛ وهو الجماع([181]).

عن ابن عبَّاس- رضي الله عنهما– أنَّه قال في قوله تعالى: }وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ{، قال: الإفضاءُ هو الجماعُ؛ ولكنَّ اللهَ حَييٌّ كريم يكنِّي عمَّا يشاء»([182]).

قوله: }وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{: هذه الجملةُ معطوفةٌ على الجملة التي قبلها؛ فهي في محلِّ نصب على الحال؛ أي والحال أنَّهنَّ أخذن منكم ميثاقًا غليظًا.

قوله: (وأخذن): أي الزَّوجات، وجمعهن لأنَّ ما سبق من الإفراد في قوله «زوج»، وفي قوله «إحداهن» يرادُ به الجنس؛ فصحَّ جمعُهنَّ هنا باعتبار الجنس. (منكم): أيُّها الأزواج.

(ميثاقًا): عهدًا وعقدًا.

(غليظًا): شديدًا مؤكَّدًا محكمًا؛ وهو عقد النِّكاح([183]) الذي هو أشدُّ العقود وأخطرها وأعظمها من حيث شروط عقده وما يترتَّب عليه من حقوق يجب الوفاء بها واحترامها؛ فمتى تمَّ العقدُ بالإيجاب والقبول وغيره من شروط النِّكاح وأركانه وانتفت موانعه، فإنَّ المهرَ يستقرُّ للزَّوجة؛ عوضًا عمَّا استحلَّ من فرجها؛ فلا يجوز الرُّجوعُ بشيء من هذا العوض بعد تمام العقد؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «فاتَّقوا اللهَ في النِّساء؛ فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله»([184]).

ومن مقتضيات هذا العقد الإمساكُ بمعروف أو التَّسريح بإحسان؛ كما قال تعالى: }فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ{([185]).

الفوائد والأحكام:

1- إباحةُ الطَّلاق واستبدالُ زوجة ثانية مكانَ الزَّوجة الأولى؛ لقوله: }وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ{؛ أي: وإن أردتم استبدال زوجة تتزوَّجونها مكان أخرى تطلِّقونها([186]).

2- أنَّ اللغةَ الفصحى التي جاء بها القرآن الكريم أن يقال للمرأة: زوج؛ لقوله }وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ{.

3- مشروعية المهر؛ لقوله: }وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا{.

4- جواز الإصداق بالمال الكثير، وأنَّه لا حدَّ لأكثر المهر؛ لقوله: }وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا{.

والقنطارُ المالُ الكثير بلا حدّ، وإلى هذا ذهب جمهورُ أهل العلم مستدلِّين بهذه الآية؛ لأنَّ اللهَ مثَّل بالقنطار، ولا يمثِّل- سبحانه- إلَّا بمباح.

وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى عدم جواز الإكثار من المهر، وقالوا: إنَّ ذكرَ القنطار في الآية من باب المبالغة؛ أي: لو أعطيتم إحداهنَّ هذا القدر الذي لا يعطيه أحد([187])؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من بنى لله بيتًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنَّة»([188]) فمفحص القطاة لا يمكن أن يكون مسجدًا؛ ولكن هذا من باب التَّرغيب في بناء المساجد.

قال الرَّازي في كلامه على الآية([189]): «وعندي أنَّ الآيةَ لا دلالةَ فيها على جواز المغالاة؛ لأنَّ قوله: }وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا{ لا يَدُلُّ على جواز إيتاء القنطار؛ كما أن قولَه: }لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا{([190]) لا يدلُّ على حصول الآلهة؛ والحاصلُ أنَّه لا يَلزم من جعل الشَّيء شرطًا لشيء آخر كونُ ذلك الشَّرط في نفسه جائزَ الوقوع...».

واستدلُّوا بما روى أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني تزوجتُ امرأةً من الأنصار. فقال: «على كم تزوجتها؟» قال: على أربع أواق. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «على أربع أواق؛ كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل!»([191]).

وفي رواية عند الإمام أحمد([192]) والطَّبرانيّ في الكبير والأوسط([193])، أنَّ أبا حدرد جاء إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يستعينه في مهر، فسأله النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عنه فقال: مائتين. فغضب النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقال: «كأنما تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل».

والصَّحيحُ الذي يدلُّ عليه ظاهرُ الآية الجوازُ، وقد حكي الإجماعُ عليه؛ فعلى أيِّ قدر من المهر تراضى الزَّوجان جاز ذلك؛ قليلاً كان ذلك أو كثيرًا؛ ولو بلغ قناطير مقنطرة؛ قال القرطبيُّ([194]): «وقد أجمع العلماء على أن لا تحديد في أكثر الصداق». وإنَّما غضب النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على ذلك الرجل الذي جاء يسأل عندما سأله عن المهر، فقال: مائتين. لأنَّه فقير، وقد كلَّف نفسَه ما لا يطيق، ولهذا اضطرَّ إلى السُّؤال([195]). قال شيخُ الإسلام ابن تيمية([196]): «ويكره للرجل أن يُصْدق المرأة صداقًا يضر به ويعجز عن وفائه إن كان دينًا».

ولا شكَّ أنَّ الأولى والأفضلَ الاقتداءُ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تخفيف المهر؛ كما قال عمر بن الخطاب t: «ألا لا تغلوا بصداق النِّساء؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ما أصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأةً من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثني عشر أوقية([197])، وإن كان الرجل ليبتلى بصداق امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه»([198]).

وعن مسروق قال: ركب عمرُ بن الخطاب منبرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: «أيها الناس، ما إكثارُكم في صُدُق النِّساء، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها؛ فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهن على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن، قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: }وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا...{ الآية. فقال: اللهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم؛ فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب»([199]).

قال ابنُ العربي([200]): «وهذا لم يقله عمر على طريق التَّحريم؛ وإنما على طريق الندب والتعليم، ولا شكَّ أنَّ الأولى تخفيف المهر؛ للأحاديث السابقة وغيرها؛ كحديث عقبة بن عامر؛ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير النكاح أيسره»([201]).

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية([202]): «السُّنَّة تخفيف المهر، وأن لا يزيد على نساء النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبناته.. ما بين أربعمائة إلى خمسمائة درهم نحو من تسعة عشر دينارًا، والسُّنَّة تعجيله.. ومن كان عنده يسار ووجد فأحبَّ أن يعطي امرأتَه صداقًا كثيرًا فلا بأس بذلك؛ كما قال تعالى: }وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا{».

وقال ابنُ القيِّم([203]) بعد ذكر الأحاديث في الصَّداق وعدم تحديده قلَّةً وكثرةً، قال: «فتضمَّن هذا الحديث أنَّ الصَّداقَ لا يتقدَّر أقلُّه، وأنَّ قبضَه السويق وخاتم الحديد والنَّعلين يصحُّ تسميتُها مهرًا، وتحلُّ بها الزَّوجة، وتضمن أنَّ المغالاةَ في المهر مكروهةٌ في النِّكاح، وأنَّها من قلَّة بركته وعسره».

وقال السَّعديُّ([204]): «وفي هذه الآية دلالةٌ على عدم تحريم كثرة المهر؛ مع أنَّ الأفضلَ واللائقَ الاقتداءُ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تخفيف المهر، ووجهُ الدِّلالة أنَّ اللهَ أخبر أنَّه يقع ولم ينكره عليهم؛ فدلَّ على عدم تحريمه؛ لكن قد ينهى عن كثرة الصَّداق إذا تضمَّن مفسدةً دينيَّةً وعدم مصلحة تقاوم».

5- تحريمُ أخذ الزَّوج شيئًا من مهر زوجته مهما كانت كثرة المهر المدفوع لها، ومهما كانت قلَّة الشيء المأخوذ، إذا كان الفراق بسببه بعد أن أفضى بعضهما إلى بعض؛ لقوله: }وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{([205]).

وإنَّما خصَّ النَّهي عن أخذ شيء ممَّا أعطى بحال الاستبدال وإن كان المنع عامًّا؛ قال بعضُ أهل العلم: لئلَّا يظنَّ أنَّه لما عاد البضعُ إلى ملكها وجب أن يسقط حقُّها من المهر، أو أنَّ الثانية أولى بالمهر منها؛ لقيامها مقامها([206]).

6- الإنكارُ الشَّديد والتَّهديد والوعيد لمن يأخذ من مهر زوجته، وبيان أنَّ مطالبتَه بشيء مما دفعه لها إذا أراد فراقها دعوى باطلة وكذب وبهتان وذنب بيِّن؛ لقوله: }أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا{.

7- أنَّ أخذَ الزَّوج شيئًا ممَّا دفعه من المهر لزوجته عند فراقه لها أمرٌ يثير الدَّهشةَ والاستغرابَ والعجبَ؛ لقوله: }وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ{.

8- أنَّ مَن ادَّعى على أحد شيئًا فعليه أن يبيِّنَ وجهَ دعواه ومبرِّراتها؛ لقوله: }وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ{؛ أي على أيِّ وجه، أو: على أيِّ جهة تأخذونه.

9- الإشارة إلى ستر ما بين الزَّوجين؛ لقوله: }وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ{ أي: وقد أفضى بعضُكم إلى بعض إفضاءً سرِّيًّا ممَّا لا يكون إلَّا بين الزَّوجين؛ وفي الحديث: «إنَّ من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرَّها»([207]).

10- بلوغُ القرآن الغايةَ في البلاغة في التَّنفير ممَّا يريد التَّنفير عنه؛ لقوله: }وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{؛ ففي هذا أبلغ صورة للتَّنفير من أخذ الزَّوج شيئًا ممَّا دفعه إلى زوجته بعد أن تمَّ العقد بينهما وأفضى كلٌّ منهما إلى الآخر بالجماع([208]).

11- أنَّ المهرَ يستقرُّ بكامله للزَّوجة بالإفضاء- وهو الجماع- بعد العقد؛ لأنَّه عوضٌ عن استباحة فرجها؛ لقوله: }وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{؛ كما أنَّ المهرَ أيضًا يتقرَّر بالخلوة بعد العقد، فإذا أسدل سترًا أو أغلق بابًا وَجَبَ المهرُ على الصَّحيح من أقوال أهل العلم؛ وهو الذي عليه عملُ الصَّحابة y. وقيل: لا يتقرَّر إلَّا بالوطء([209]).

12- أنَّ عقدَ النِّكاح عقدٌ شديدٌ وميثاقٌ غليظٌ؛ لما يترتب عليه من ثبوت المحرميَّة والنَّسب والقرابة، ومن استباحة البضع الذي كان محرَّمًا قبلَ العقد، ومن وجوب النَّفقة وغير ذلك؛ لهذا يجب عند عقده مراعاةُ توفُّر شروطه وأركانه وانتفاء موانعه، ويجب بعد تمام عقده احترامُه والوفاءُ بجميع الحقوق المرتَّبة عليه بين الزَّوجين، ويجب عند فسخه مراعاةُ ما يلزم لذلك؛ لقوله: }وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{.

13- حمايةُ الإسلام لحقوق المرأة والدِّفاع عنها وإنصافها ورفع الظُّلم عنها والتَّشديد في الدِّفاع عنها؛ لقوله: }فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا{. إلى قوله: }وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{؛ فقد ذكر الله- عزَّ وجلَّ- في هذه الآية سبعةَ أمور تبيِّن حرمةَ أخذ الزَّوج شيئًا ممَّا دفعه لها، وتبيِّن عظم ذلك وشناعتَه: الأول: النَّهي عن ذلك بقوله: }فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا{، والأصل في النَّهي التحريم. الثاني: الإنكار والإعظام لذلك؛ لقوله: }أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا{. الثالث: تسميته بهتانًا. الرابع: تسميته إثمًا مبينًا. الخامس: الإنكار مرَّةً أخرى والتَّعَجُّب من ذلك؛ }وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ{. السَّادس: ذكر أنَّ إفضاءَ بعضهم إلى بعض يمنع من ذلك. السابع: أنَّ الميثاقَ بين الزَّوجين يمنع من ذلك }وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا{.

* * *


 قوامة الرجال على النِّساء وطرق معالَجة النُّشوز والشِّقاق

قال الله- تعالى: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا{

صلةُ الآيتين بما قبلهما:

نهى اللهُ تعالى في الآية السَّابقة عن تَمَنِّي ما فضَّل اللهُ به البعضَ على البعض الآخر؛ ومن ذلك تفضيل الرِّجال على النِّساء في الميراث والجهاد، وفي قوله: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{ بيان سبب اختصاصهم بالتَّفضيل.

معاني المفردات والجمل:

- قوله تعالى: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{: الجملة مستأنفة.

(الرجال): مبتدأ، وهو مع تكسير مفرده رجل، و «ال» فيه للجنس؛ فالمرادُ جنس الرِّجال([210]).

والرجل هو البالغ من الذُّكور من بني آدم، وقد يُطلَق على البالغ وغيره من باب التَّغليب؛ كما في قوله تعالى: }لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ{؛ فالمرادُ بالرِّجال هنا ما يعمُّ البالغَ وغيرَه من الذُّكور؛ لأنَّهم في الإرث سواء، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». فقوله «ذكر» لبيان أنَّ الذَّكرَ يستحقُّ التَّعصيب؛ سواءً كان صغيرًا أو كبيرًا؛ أمَّا قوله «رجل» فللإشارة إلى الحكمة في كون الذَّكر أولى بالتَّعصيب؛ لأنَّه رجلٌ عليه مسؤوليَّات ليست على المرأة.

قوله: (قوامون): خبرُ المبتدأ؛ وهي جمع: «قوَّام» صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة([211]) من «قائم»، أو نسبة، ويقال: قوَّام، وقيَّام؛ وهو الذي يقوم على الشَّيء ويحفظه، وفي الحديث: «أنت قيَّام السَّماوات والأرض ومَن فيهنَّ»([212] فقوله تعالى: }قَوَّامُونَ{- بهذه الصِّيغة- يدلُّ على أنَّ للرِّجال كاملَ القوامة؛ أي: الولاية والسُّلطة على النِّساء في كلِّ الأمور والأحوال؛ فهم قوَّامون عليهنَّ في الأمر والنَّهي والتَّعليم والتَّوجيه والتَّأديب والحفظ، لهم كاملُ الولاية عليهنَّ([213])، وعليهم كامل المسؤوليَّة عنهنَّ؛ فالرجلُ سيِّدُ المرأة؛ كما قال تعالى: }وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ{([214])([215]).

قوله }عَلَى النِّسَاءِ{: النساءُ جمعٌ كنسوة، وكلٌّ منهما جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، ويقال للواحدة منهنَّ امرأة.

- قوله تعالى: }بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ{:

«بما»: الباء للسَّببيَّة.

و «ما» مصدريَّة؛ والتقدير: بسبب تفضيل الله([216]) بعضهم على بعض.

وقيل: «ما» موصولة؛ أي: بسبب الذي فضَّل الله به بعضَهم على بعض.

قوله: }فَضَّلَ اللَّهُ{: أي: زاد، والفضل الزيادة.

(بعضهم): وهم الرجال؛ فهم الذين فُضِّلوا.

(على بعض): وهنَّ النِّساء؛ فهنَّ المفضَّلُ عليهنَّ([217]).

والمعنى: بسبب ما زاد الله به الرِّجال على النِّساء في القوى الظَّاهرة والباطنة؛ فمن القوى الظَّاهرة قوَّةُ البدن؛ فالرِّجالُ غالبًا أقوى وأشدُّ أبدانًا من النِّساء، ومن القوى الباطنة العقلُ والذَّكاء والشَّجاعة والحزم والعزم والصَّبر والتحمُّل.

ولهذا خصَّهم اللهُ وفضَّلهم؛ بأن جعل الرِّسالةَ والنُّبوَّةَ والولايةَ فيهم([218])، وجعلهم أكملَ دينًا منهنَّ([219]) وخصَّهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع والجماعات، وبكون شهادة الرَّجل بشهادة امرأتين، وميراثه مثل نصيب الأنثيين، وكون عقد النِّكاح والطَّلاق بأيديهم؛ إلى غير ذلك من الخصائص التي هي تابعةٌ لكمال استعدادهم الفطريّ؛ فالرجلُ أفضلُ من المرأة وخيرٌ منها؛ قال تعالى: }وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ{([220])([221]).

وفي قوله: }بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ{ دون أن يقول: بما فضلهم الله عليهنَّ. تنبيهٌ على أنَّ الرجلَ من المرأة والمرأةَ من الرَّجل، وأنَّ كلَّ واحد منهما بالنِّسبة للآخر كأعضاء الجسد؛ فلا يَنبغي أن يتكبَّرَ أحدهما على الآخر، وإن كان بعض الأعضاء أفضل من بعض.

كما أنَّ فيه تنبيهًا على أنَّ التَّفضيلَ إنَّما هو بالنِّسبة للجنس؛ أي: جنس الرِّجال على جنس النِّساء؛ لا بالنِّسبة للأفراد؛ فكم من امرأة خيرٌ من زوجها؛ بل من عشرات الرِّجال في العلم والدِّين والخُلُق([222]).

قوله تعالى: }وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ{: الواو عاطفة، والباء للسَّببيَّة، و«ما» مصدرية أو موصولة كسابقتها.

والتَّقديرُ: وبسبب إنفاقهم من أموالهم([223] أو: وبسبب الذي أنفقوه من أموالهم من المهور والنَّفقات التي أوجبها الله للنِّساء على الرِّجال في الكتاب والسُّنَّة([224] فقد جعل اللهُ القوامةَ للرِّجال على النِّساء لسببين: أحدُهما: وهبيّ وهبهم الله إياه؛ وهو تفضيلُهم عليهنَّ. والثاني كسبيٌّ اكتسبوه؛ وهو إفضالُهم عليهنَّ بالإنفاق. قال ابنُ كثير([225]): «فالرجلُ أفضلُ من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيِّمًا عليها؛ كما قال تعالى: }وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ{».

وبعد أن ذكر اللهُ وظيفةَ الرجل- وهي القوامة- ذكر وظيفةَ المرأة ممَّا يطلب منها فقال: }فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ{.

قوله: }فَالصَّالِحَاتُ{ الفاء استئنافية.

و «الصالحات» مبتدأ؛ والمعنى: فالنِّساء الصَّالحات؛ وهنَّ اللَّاتي أخلصنَ العملَ لله تعالى مع المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ العملَ لا يكون صالحًا إلَّا إذا توفَّر فيه شرطان: الإخلاص لله تعالى([226])، ومتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -([227] كما قال تعالى: }وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا{([228]). أي: }وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ{ بإخلاص العمل لله، }وَهُوَ مُحْسِنٌ{ متَّبع الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال: }وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا{([229] وقال تعالى: }فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا{([230] فمعنى الصَّالحات: اللاتي قمنَ بحقوق الله وحقوق أزواجهنَّ.

قوله: }قَانِتَاتٌ{ خبر المبتدأ، والقنوتُ هو دوامُ الطَّاعة؛ أو هو الطَّاعة نفسها؛ قال تعالى: }وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ{([231]). أي: من المطيعين المداومين على الطَّاعة.

والأَولى هنا حملُ معنى القنوت على دوام الطَّاعة؛ لقوله قبل هذا: }فَالصَّالِحَاتُ{. فيكون المعنى: }فَالصَّالِحَاتُ{: أي: المطيعات بأداء حقوق الله وحقوق أزواجهنَّ. }قَانِتَاتٌ{: أي: مديمات على الصَّلاح والطَّاعة.

ويجوز حملُ القنوت على الطَّاعة؛ فيكون قولُه }قَانِتَاتٌ{ توكيدًا لقوله }فَالصَّالِحَاتُ{([232]).

قوله: }حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ{: حافظاتٌ خبر ثان لقوله: }فَالصَّالِحَاتُ{.

والغيب: هو ما غاب عن الأعين([233]).

والمعنى: حافظات لما يجب حفظه في غياب أزواجهن من حفظ أنفسهن وحفظ بيوتهم وأموالهم([234])؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «خير النِّساء امرأةٌ إذا نظرتَ إليها سَرَّتْكَ، وإذا أمرتَها أطاعتك، وإذا غبتَ عنها حَفظتْكَ في نفسها ومالك». ثم قرأ رسولُ الله: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...{ الآية.

وفي لفظ: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة...» الحديث([235]).

وأيضًا حافظاتٌ لما غاب عن النَّاس ممَّا يكون في بيوتهنَّ من أمور وأحوال، وما يجري بينهنَّ وبين أزواجهنَّ؛ فعن أسماء بنت يزيد أنَّها كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرِّجال والنِّساء قعودٌ عنده، فقال: «لعلَّ رجلاً يقول: ما يُفعل بأهله، ولعلَّ امرأةً تخبر بما فعلت مع زوجها». فسكت القومُ، فقلت: إي والله؛ إنَّهنَّ ليقلنَ وإنَّهم ليفعلون. قال: «فلا تفعلوا؛ فإنَّما ذلك مثل الشَّيطان لقي شيطانةً في طريق فغشيها والنَّاسُ ينظرون»([236]).

قال القرطبيُّ([237]): «فالصَّالحاتُ قانتاتٌ حافظاتٌ للغيب»: هذا كلُّه خبر، ومقصودُه الأمر بطاعة الزَّوج والقيام بحقِّه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزَّوج».

قوله تعالى: }بِمَا حَفِظَ اللَّهُ{: قرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدنيّ من العشرة: }بِمَا حَفِظَ اللَّهُ{. بنصب لفظ الجلالة؛ يعني بحفظهنَّ الله في طاعته وأداء حقِّه بما أمرهنَّ من حفظ الغيب؛ كقول الرجل للرجل: ما حفظت الله في كذا وكذا؛ بمعنى ما راقبتَه..([238])

وقرأ بقيَّةُ العشرة برفع لفظ الجلالة: }بِمَا حَفِظَ اللَّهُ{([239]).

وقوله: }بِمَا حَفِظَ اللَّهُ{: الباء للسَّببيَّة، و«ما» مصدرية؛ أي: فهنَّ حافظات للغيب بحفظ الله لهنَّ. من باب إضافة المصدر إلى الفاعل.

والمعنى: حافظات للغيب بحفظ الله لهنَّ وتوفيقه وعونه وتيسيره([240])؛ فلولاه ما استطعنَ حفظَ الغيب؛ قال تعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{([241])، وقال - صلى الله عليه وسلم - لابن عبَّاس: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»([242]).

فالمعنى: فالنِّساء الصَّالحات المطيعات لله ولأزواجهنَّ مديمات للطَّاعة حافظات لما يجب حفظُه في غياب أزواجهنَّ ولما غاب عن النَّاس ممَّا ينبغي حفظُه وسترُه؛ كلُّ ذلك بحفظ الله لهنَّ وتوفيقه وعونه وتيسيره؛ إذ لو تركهنَّ اللهُ لأنفسهنَّ ما استطعن ذلك كما قيل.

إذا لم يكن عون من الله للفتى

فأكثر ما يجني عليه اجتهاده([243])

ويصحُّ أن تكون «ما» موصولة، ويكون المعنى: بالذي حفظه الله؛ أي: أمر بحفظه وعدم نشره وإفشائه.

والمعنيان متلازمان؛ فهنَّ حافظاتٌ لما أمر الله بحفظه بحفظ الله لهنَّ وتوفيقه.

وقيل: المعنى: حافظاتٌ للغيب بما حفظ الله: أي بما حفظ الله لهنَّ من حقوق على أزواجهنَّ؛ أي هذا بهذا، أو بما حفظ لهنَّ من الثَّواب العظيم إذا هنَّ حفظن غيب أزواجهنَّ([244]).

- قولُه: }وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ{:

هؤلاء هنَّ القسم الثَّاني من النِّساء؛ وهنَّ اللاتي يخاف منهنَّ النُّشوز؛ وهنَّ خلاف الصَّالحات القانتات الحافظات للغيب([245]).

(اللاتي): مبتدأ وهو جمع التي؛ أي النساء اللاتي تخافون نشوزهن.

قوله: (تخافون): أي: اللاتي تعلمون نشوزهنَّ بظهوره منهنَّ؛ فالخوفُ هنا بمعنى العلم، وعبَّر عنه بالخوف ولم يقل «تعلمون» أو «اللاتي نشزن» لأنَّ الأصلَ عدمُ النُّشوز؛ فهو خروجٌ عن الأصل، ويقوِّي هذا قوله: (فإن أطعنكم). قال أبو محجن الثَّقَفيّ:

فلا تدفنني في الفلاة فإنني

أخاف إذا ما متّ ألَّا أذوقها

أي: فإنني أعلم([246]).

وقال بعضُ أهل العلم: الخوف هنا على بابه؛ أي: اللاتي تخافون وتخشون نشوزهنَّ بظهور أماراته([247]).

قولُه (نشوزهنَّ): النشوز: الارتفاع والغلظ، ومنه قيل للمكان المرتفع الغليظ من الأرض: «نشز» و «نشاز»([248]).

ومنه قولُه تعالى: }وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا{([249] أي: ارتفعوا وانهضوا([250]).

والمرادُ بالنُّشوز هنا ترفُّع المرأة على زوجها وغلظتها معه ومعصيتها له في أمره ونهيه، والخروجُ عن طاعته بقولها وفعلها، وعدم القيام بما يجب عليها له من حقوق، أو القيام بذلك على وَجْه التَّكَرُّه والتَّبَرُّم؛ يدلُّ على هذا قوله: }فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا{([251]).

- قولُه تعالى: }فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ{:

قوله }فَعِظُوهُنَّ{: خبر المبتدأ «واللاتي»، وما بعده معطوف عليه، والموعظة هي: ذكر الأحكام مقرونةً بالتَّرغيب والتَّرهيب؛ وهذه هي المرحلةُ الأولى من مراحل معالجة النُّشوز؛ أي: عظوهنَّ بالقول؛ بذكر حكم النُّشوز وأنَّه لا يجوز، وذكر حقوق الزَّوج على زوجته ووجوب طاعته عليها، مع ذكر ما يلين قلوبهنَّ بذكر ما أعدَّ اللهُ للزَّوجة الصَّالحة المطيعة([252]).

كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صَلَّت المرأةُ خمسَها وصامت شهرَها، وحفظت فرجَها، وأطاعت زوجَها قيل لها ادخلي الجنَّةَ من أيِّ أبواب الجنَّة شئت»([253]).

وبذكر ما أُعدَّ من الوعيد للزَّوجة المترفِّعة على زوجها العاصية له؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح»([254]).

وبذكر عظم حقِّ الزَّوج عليها؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه»([255]).

وعن الحصين بن محصن أنَّ عمَّةً له أتت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في حاجة ففرغت من حاجتها فقال لها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أذاتُ زوج أنت؟» قالت: نعم. قال: «كيف أنت له؟» قالت: ما آلوه إلا ما عجزت. قال: «فانظري أين أنت منه؛ فإنَّما هو جنَّتُك ونارُك»([256]).

ويذكِّرها بأنَّه سيعاملها بمثل ما تعامله به؛ فإن هي أطاعت وأدَّت حقوقَه عليها فسيؤدِّي حقوقَها ويُحسن إليها، وإن هي استمرَّت على نشوزها والخروج عن طاعة زوجها، فسيمنعها حقَّها أو بعضه؛ إلى غير ذلك ممَّا يؤدِّي إلى انقياد المرأة وتركها للنُّشوز؛ وهو يَختلف باختلاف حال المرأة، والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظُ الذي يؤثِّر على امرأته([257]).

قولُه: }وَاهْجُرُوهُنَّ{:

إذا لم تُجْد الموعظةُ في علاج النُّشوز ينتقل إلى المرحلة الثَّانية؛ وهي التَّأديبُ بالهجر في المضاجع؛ والهجر لغةً التَّرك؛ ومنه سميت الهجرة؛ وهي تركُ بلد الكفر والانتقال منه إلى بلد الإسلام. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»([258]). أي: تَرَكَ ما نهى الله عنه.

والمضاجع: جمع مضجع؛ وهو موضع الاضطجاع؛ أي: موضع النَّوم؛ قال تعالى: }تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ{([259]).

 والمعنى: اتركوا جماعَهنَّ مع المضاجعة لهنَّ؛ لكن يدير لها ظهرَه؛ أو اتركوا جماعهنَّ وفرشهنَّ كلِّيَّةً؛ بأن يكون الزَّوجُ في فراش، وهي في فراش، أو يكون في حجرة، وهي في حجرة، أو بترك جماعهنَّ وكلامهنَّ بشرط ألَّا يزيد تركُ الكلام عن ثلاثة أيام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»([260]).

والأظهرُ أنَّ المرادَ بالهجر تركُ جماعهنَّ؛ وهو من أشدِّ الأشياء على المرأة؛ وبخاصَّة إذا كانت تحبُّ زوجَها؛ أمَّا تركُ فراشها بالكلِّيَّة وعدم النوم معها في فراش أو ترك بيتها وغرفتها فقد يؤدِّي إلى زيادة الجفوة([261]).

قوله: }وَاضْرِبُوهُنَّ{: إذا لم تُجْدِ الموعظة، ولا الهجر في المضاجع في علاج النُّشوز ينتقل إلى المرحلة الثَّالثة؛ وهي التَّأديبُ بالضَّرب؛ ضربًا غيرَ مبرح؛ أي: غير شديد ولا شاقّ؛ قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر بن عبد الله الطَّويل في الحجّ: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف...» الحديث([262]).

والضَّربُ غير المبرح هو الذي ليس بشديد ولا شاقّ، الذي يؤلم في الحال فيحصل به المقصود؛ وهو التَّأديب، ولا يؤذي في ثاني الحال؛ فلا يكون له آثارٌ تَبْقَى على الجسم من جروح ونحو ذلك([263]).

عن عطاء قال: قلتُ لابن عبَّاس: «ما الضَّرب غير المبرح؟ قال: السِّواك وشبهه يضربها به»([264]).

ويُتَّقي الضَّربُ في المواضع التي قد يَحصل من ضربها خطورةٌ ويبقى أثرُها؛ كالرَّأس والوجه ونحو ذلك([265] عن معاوية بن حيدة القشيريّ أنَّه قال: قلت: يا رسولَ الله، ما حقُّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طمعت، وتكسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت»([266]).

- قولُه تعالى: }فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا{:

قوله: }فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ{: الفاء رابطةٌ لجواب الشَّرط، و«إنْ» شرطيَّة.

(أطعنكم): فعل الشرط. والمعنى: فإن أطعنكم: وذلك بالقيام بما يجب عليهنَّ من الطَّاعة، وتركنَ النُّشوزَ.

قولُه: }فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا{: الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة جواب الشرط؛ أي: فلا تطلبوا وتلتمسوا عليهنَّ طريقًا لإيذائهنَّ؛ لا بقول ولا بفعل، لا بهجر، ولا ضرب، ولا غير ذلك؛ فما دُمْنَ أطعن وتركن النُّشوزَ فلا ينبغي معاتبتهنَّ على الأمور الماضية، والتنقيب عنها؛ بل ينبغي تركُ ما مضى وتناسيه كأنَّه لم يكن([267])؛ لأنَّ التَّذكيرَ بذلك يؤدِّي إلى استمرار النُّشوز والمعصية ويؤدِّي إلى وقوع الشَّرِّ والخلاف. قال ابنُ كثير([268]): «فإذا أطاعت المرأة زوجَها في جميع ما يريد منها ممَّا أباحه اللهُ له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربُها ولا هجرانُها».

وقيل: لا تكلفوهنَّ المحبَّةَ لكم؛ فإنَّ ذلك ليس باختيارهنَّ([269])؛ فعليهنَّ أن يطعنكم، وليس يلزمهنَّ بالمحبَّة لكم.

قوله تعالى: }إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا{: هذه الجملةُ استئنافيَّةٌ المقصود منها التَّذكير والتَّحذير للرِّجال.

(كان): مسلوبةُ الزَّمان تفيد تحقيقَ الوصف؛ تحقيق اتِّصاف اسمها بخبرها في جميع الأوقات أَزَلاً وأبدًا.

قوله (عليًّا): العليُّ: اسم من أسماء الله تعالى؛ وهو على وزن «فعيل»، صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة، يدلُّ على إثبات صفة العلوِّ لله عزَّ وجلَّ؛ كما قال تعالى: }وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{([270]).

فهو عال بذاته فوق جميع خلقه، عليُّ القدر، وعليُّ القهر؛ قال ابنُ القَيِّم([271]):

فهو العليُّ بذاته سبحانه

إذ يستحيل خلاف ذا ببيان

وهو العلي فكل أنواع العلو

له فثابتة بلا نكران

(كبيرا): الكبيرُ اسمٌ من أسماء الله- عزَّ وجلَّ، وهو على وزن «فعيل»، صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة، يدلُّ على أنَّه- عز وجل- كبيرَ الذَّات والصِّفات؛ كما قال تعالى: }وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{([272])، وأنَّ له الكبرياءَ والعظمةَ؛ كما قال- عزَّ وجلَّ: }وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ{([273]).

وقال تعالى: }الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ{([274] وفي الحديث القدسيّ: «الكبرياءُ ردائي والعظمةُ إزاري»([275])؛ فكلُّ شيء بالنِّسبة إلى ذاته ليس بشيء؛ الخلقُ بالنِّسبة له ليس إلَّا كخردَلَة في يد أحدنا.

وقد ختم اللهُ- عزَّ وجلَّ- قولَه: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...{ الآية بقوله: }إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا{ لتذكير الرِّجال وتحذيرهم من التَّعالي والتَّعاظم على النِّساء والتَّكَبُّر عليهنَّ، أو البغي عليهنَّ وظلمهنَّ بحجَّة أنَّ اللهَ جعل لهم القوامة عليهنَّ؛ فذكَّرهم- عزَّ وجلَّ- وحذَّرهم وأعلمهم بأنَّه أعلى وأكبر من كلِّ شيء([276])، وأنَّه ينبغي منكم معشرَ الرِّجال خفضُ الجناح ولينُ الجانب مع زوجاتكم، وإذا كان اللهُ جعل لكم الولاية عليهنَّ وأقدركم عليهنَّ فاذكروا قدرةَ الله عليكم؛ فإنَّها فوقَ كلِّ قدرة([277]).

عن أبي مسعود البدريّ t قال: «كنتُ أضرب غلامًا لي بالسَّوط، فسمعت صوتًا من خلفي: «اعْلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود». فالتفتُّ فإذا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فألقيتُ السَّوطَ من يدي فقال: «اعلم أبا مسعود أنَّ اللهَ أقدر عليك منك على هذا الغلام»([278]).

وقد قيل: إذا دَعَتْكَ قدرتُك إلى ظلم النَّاس فاذكر قدرةَ الله عليك.

لا تظلمنَّ إذا ما كنت مقتدرًا

فالظُّلم يرجع عقباه إلى النَّدم

تنام عينُك والمظلوم منتبهٌ

يدعو عليك وعينُ الله لم تَنَم

أي: فإن ظلمتموهنَّ وبغيتم عليهنَّ بغير سبب فإنَّ اللهَ العليَّ الكبير ينتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهنَّ([279]).

- قوله تعالى: }وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{: إذا لم تُجْد الوسائلُ الثَّلاث السَّابقة في علاج النُّشوز- وهي: الموعظة ثم الهجر في المضاجع، ثم الضرب غير المبرح- والتي هي أسترُ لحال الزَّوجين؛ لأنَّها تتمُّ فيما بينهما من غير اطِّلاع غيرهما على أحوالهما، وهي أولى بلا شك- لكن إذا لم تُجْد هذه الوسائل في علاج النُّشوز، أو كان النُّفور من الزَّوجين معًا([280] وخيف من اتِّساع الشِّقاق والخلاف بينهما فينتقل إلى المرحلة الرابعة: وهي بعثُ الحَكَمَين؛ كما قال سبحانه: }وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{.

ولما كان بعثُ الحَكَمين فيه دخولُ أطراف غير الزَّوجين جعله اللهُ آخرَ المراحل؛ فمهما أمكن علاجُ النُّشوز بالوسائل السَّابقة فهو أولى؛ لما فيه من السَّتر لأحوال الزَّوجين؛ لأنَّه إذا تدخَّل في قضيتهما أطراف أُخَر لأجل الإصلاح لا يؤمَن أن يكون ذلك سببًا لفُشُوِّ أمرهما؛ ممَّا قد يؤدِّي إلى اتِّساع رقعة الشِّقاق؛ لكن بعث الحكمين إذا لم تُجْد الوسائلُ السَّابقة لابدَّ منه؛ كما قال- عَزَّ وجَلَّ: }وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا...{ الآية.

والخطابُ للمسلمين، والمرادُ حكَّامُهم الشَّرعيُّون([281]).

قولُه }وَإِنْ خِفْتُمْ{: الواو استئنافيَّةٌ، و«إن» شرطيَّة و«خفتم» فعلُ الشَّرط.

ومعنى «خفتم»: أيقنتم وعلمتم([282])؛ لأنَّ بعثَ الحَكَمَين وتَدَخُّلَ الناس في قضية بين الزَّوجين لا ينبغي إلَّا عن علم ويقين بأنَّ بين الزَّوجين شقاقًا؛ إذ قد يكون اطِّلاع غير الزَّوجين على شيء من أحوالهما وعلى الشِّقاق بينهما سببًا لبعد الفجوة بينهما؛ فيتَّسع الخرق على الراقع.

قوله: (شقاق بينهما): شقاق مفعول به منصوب لـ«خفتم»؛ وهو مصدر مضاف، و«بين» ظرفٌ مضافٌ إليه([283])، و«بين» مضاف، والضَّمير «هما» مضافٌ إليه؛ وهو عائدٌ على الزَّوجين، وإن لم يسبق لهما ذكر؛ لدلالة السِّياق عليهما في قوله }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...{ إلى آخر الآية([284]).

والشِّقاقُ: هو الخلاف والعداوة والمباعدة؛ مأخوذٌ من الشَّقّ، وهو الجانب؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما يأخذ شقًا غير شقّ صاحبه، وجانبًا غير جانبه([285])، أو لأنَّ كلاًّ منهما يفعل ما يشقُّ على الآخر([286]).

قوله تعالى: }فَابْعَثُوا{ بواو الجمع: أمرٌ للمسلمين جميعًا، والمرادُ الحكَّامُ، كما سبق([287]). والمعنى: أرسلوا.

قوله تعالى: }حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{:

الحَكَمُ: هو ذو الحكم النَّافذ، المحكَّم في الفصل بين المتنازعين؛ وهو أخصُّ من الحاكم، ولابدَّ في الحكم أن يكون مسلمًا عدلاً رشيدًا بالغًا عاقلاً عالمًا بالحكم الشَّرعيِّ([288])، عارفًا بحال الزَّوجين وواقعهما وأسباب الخلاف بينهما.

قوله: }مِنْ أَهْلِهِ{: أي: من أهل الزَّوج.

وقولُه: }مِنْ أَهْلِهَا{: أي من أهل الزَّوجة.

فلابدَّ من كون أحد الحكمين من أهل الزَّوج والآخر من أهل الزَّوجة، وكونهما من أهل الزَّوجين؛ لأنَّهما أعرفُ بأحوالهما، وأقربُ للنُّصح لهما والشَّفقة عليهما([289]). وأستر لحالهما، وأدعى لقبول الزَّوجين منهما.

وقد قيل: إنَّ المرادَ بالحكم الشَّاهد الذي ينظر إلى أحوالهما فقط([290]). والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاه حكمًا، والحكم هو المحكم في الفصل بين المتنازعين.

- قولُه تعالى: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{:

(إن) شرطيَّةٌ، «يريدا» فعل الشَّرط مجزوم بحذف النُّون؛ لأنَّه من الأفعال الخمسة،

والضَّمير في قوله (يريدا) يعود على الحكمين، وقيل: يعودُ على الزَّوجين([291]).

والأظهرُ أنَّه للحكمين كما هو قولُ جمهور المفسِّرين؛ لأنَّ الحَكَمَين هما اللَّذان يريدان أن يحكما؛ فنيَّةُ الإصلاح تكون منهما؛ أمَّا الزَّوجان فالخلاف قائمٌ بينهما، وكلُّ واحد منهما يريد الانتصارَ لنفسه، ولو أرادا الإصلاحَ فيما بينهما لم يكن هناك حاجةٌ لبعث الحكمين بينهما.

قوله: (يوفِّق اللهُ بينهما): جوابُ الشَّرط.

والضمير «بينهما» للزَّوجين([292]).

أي: يوفق اللهُ بين الزَّوجين.

ويُحتَمَلُ أن يعودَ الضَّميرُ على الحكمين([293])؛ أي يوفِّق الله بينهما في الوصول إلى حكم يتَّفقان عليه فيه حَلُّ الخلاف بين الزَّوجين.

والمعنى: إن يردْ كلٌّ من الحكمين ويحبُّ الإصلاح بنيَّة خالصة سليمة يوفِّق اللهُ بينهما؛ فيصلان– بإذن الله– إلى حكم يكون فيه إزالةُ الشِّقاق والخلاف بين الزَّوجين والتَّوفيق بينهما.

أما لو ساءت نيَّةُ الحكمين أو أحدهما؛ بأن ينوي كلٌّ منهما أو أحدُهما الانتصارَ لصاحبه؛ فهذا ينتصر للزَّوج، وذاك ينتصر للزَّوجة، فإنَّهما لا يوفَّقان للإصلاح؛ لأنَّهما لم يريداه حقيقةً.

فعلى الحكمين أن يقصدا الإصلاحَ ويخلصا النِّيَّةَ، فينظرا في حال الزَّوجين، وما الذي أثار الشِّقاق بينهما، وما الذي ينقم أحدُهما من صاحبه، ثم يُلزمان كلًّا منهما ما يجب؛ فإن لم يستطع أحدُ الزَّوجين ذلك أقنعا الآخرَ بما تيسَّر من الرِّزق والخلق، ومهما أمكن الإصلاح فلا يعدلان عنه؛ فإن لم يجد سبيلاً للإصلاح والجمع بينهما فرَّقا بينهما؛ لأنَّ هذا هو الأصلحُ لهما([294]).

وعلى القول بأنَّ الضَّميرَ في «يريدا» يعود إلى الزَّوجين مع أنَّ فيه بُعدًا يكون معنى: إنْ يردْ كلٌّ من الزَّوجين الإصلاح مع صاحبه فيما يستقبل- إذ قد تكون بدت بينهما صورةٌ تفاقمت وما استطاعا حلَّها وتلافيها فيما بينهما، ويودُّ كلٌّ منهما أن تصلح حالُهما- تعود الأُلفةُ بينهما ويزول الشِّقاق والخلاف؛ فمع وجود هذه النِّيَّة السَّليمة الصَّادقة يوفِّق اللهُ بينهما؛ فيتوصَّل الحكمان إلى حلٍّ يرضي الطَّرفين، فيوفِّق بينهما، ويهيِّئ لهما أسبابَ الوفاق، ويجنِّبهما أسبابَ الشِّقاق؛ فتعود الأُلفةُ بينهما وتَزول الوحشةُ عنهما.

ولا شكَّ أنَّ صلاحَ نيَّة كلِّ واحد من الحكمين وكلِّ واحد من الزَّوجين وإرادة كلٍّ منهم الإصلاحَ سببٌ في توفيق الحكمين ووصولهما إلى حلٍّ يكون فيه التَّوفيقُ بين الزَّوجين، وأنَّ سوءَ نيَّة أحد هؤلاء الأطراف الأربعة قد يكون سببًا في ضدِّ ذلك؛ فعلى الحكمين أن يُخلصا النِّيَّة ويقصدا الإصلاح، وعلى الزَّوجين أيضًا أن يصدقا في طلب الإصلاح والخروج من هذا الشِّقاق، وأن يحسنَ كُلٌّ منهما النِّيَّةَ فيما يعامل به صاحبَه في المستقبل. وبهذا يوفِّق اللهُ بين الجميع؛ بين الحكمين في حكمهما، وبين الزَّوجين في عشرتهما وعلاقاتهما بقيَّةَ حياتهما.

- قولُه تعالى: }إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا{: هذه الجملة مستأنَفَة؛ ولهذا كُسرت همزةُ «إنَّ»، وفيها تهديد ووعيد لمن وقع في المخالَفة من الزَّوجين أو الحكمين، ووعدٌ لمن امتثل من الزَّوجين أو الحكمين.

و (كان): مسلوبةُ الزَّمان تفيد تحقيقَ اتِّصاف اسمها بخبرها؛ أي: أنَّه- عزَّ وجلَّ- كان عليمًا خبيرًا في جميع الأوقات أزلاً وأبدًا.

(عليمًا): «العليم» اسمٌ من أسماء الله- عَزَّ وجَلَّ؛ وهو على وزن «فعيل»: صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة، يدلُّ على أنَّه- عَزَّ وجَلَّ- ذو العلم الواسع الشَّامل لكلِّ شيء.

والعلم: هو إدراكُ الشَّيء على ما هو عليه إدراكًا جازماً.

(خبيراً): خبر ثان لـ«كان»، و «الخبير» اسمٌ من أسماء الله- تعالى- على وزن فعيل- صفة مشبَّهة، أو صيغة مبالغة- يدلُّ على سعة خبرته- جَلَّ وعلا.

ومعنى الخبير: المطَّلع على بواطن الأمور ودقائقها وخفاياها؛ ومن هنا سُمِّي الزَّارعُ خبيرًا، وسمِّيَت المزارعةُ مخابرةٌ لأنَّ الزَّارعَ يدسُّ البذر ويخفيه في الأرض.

وبين اسميه- عَزَّ وجَلَّ- «العليم» و«الخبير» عمومٌ وخصوصٌ؛ فالخبيرُ أخصُّ من العليم، وإذا اجتمع العليمُ والخبيرُ- كما في هذه الآية- حمل «العليم» على العلم بالظَّواهر و «الخبير» على العلم بالبواطن.

وإذا انفرد أحدُهما دلَّ على معنى الآخر؛ فالعليمُ إذا انفرد فمعناه العليم بكلِّ شيء من الظَّواهر والبواطن وغير ذلك.

والخبيرُ إذا انفرد فمعناه العليمُ ببواطن الأمور، وإذا كان عليمًا بالبواطن فعلمُه بالظَّواهر من باب أولى، ويظهر تمامُ خبرته- عزَّ وجلَّ- عندما يُبَعْثَر ما في القبور ويُحَصَّلُ ما في الصُّدور؛ كما قال- عَزَّ وَجَلَّ: }أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ{([295]).

وهو- عَزَّ وجَلَّ- لم يَزَلْ خبيرًا في جميع الأوقات والأحوال- سبحانه؛ لكن يُظْهرُ للخلائق تمامَ خبرته وكمالَها ذلك اليوم، ولهذا قال- سبحانه: }إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ{([296]).

وإذا كان- عَزَّ وجَلَّ- عليمًا بالبواطن والظَّواهر وخبيرًا بها، فهذا يوجب على العبد تقوى الله- عَزَّ وجَلَّ- ومراقبتَه في السِّرِّ والعلانية، وقد أحسن القائل:

إذا ما خلوتَ الدَّهرَ يوماً فلا تقل

خلوتُ ولكن قل عليَّ رقيب

لا تحسبنَّ الله يغفل ساعةً

ولا أنَّ ما يخفى عليه يغيب([297])

الفوائدُ والأحكام:

1- أنَّ للرِّجال كاملَ الولاية على النِّساء؛ لقوله: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{؛ فعليهم تحمُّلُ هذه المسؤوليَّة، والقيام بهذه الأمانة خير قيام تعليمًا وتأديبًا وأمرًا ونهيًا وإنفاقًا وحفظًا، وغير ذلك.

قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا{([298])([299]).

2- الإشارةُ إلى أنَّ من أسباب جعل القوامة في الرِّجال «رجولتُهم»؛ لقوله: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{. ولم يقل: الذُّكور قوَّامون على الإناث. وفي هذه إثارة وإيقاظ لمكامن الرُّجولة فيهم تجاهَ هذه المسؤوليَّة العظيمة، ومن هنا يُعلم أنَّه لا يقوم بهذه القوامة حقًّا إلَّا مَن كانوا رجالاً حقًّا، وكم ابتليت هذه الأمَّةُ بأشباه الرِّجال ولا رجال؛ وقد قيل:

أكلُّ امرئ تحسبينَ امرأً

ونار توقَّد باللَّيل ناراً([300])

3- أنَّه لا يجوز توليةُ النِّساء على الرِّجال، ولا ولايةَ لهنَّ عليهم مطلَقًا؛ لا في قضاء ولا في إمارة؛ لا ولاية صغرى، ولا ولاية كبرى؛ لقوله: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{. وفي الحديث: «لا يُفْلح قومٌ وَلَّوا أمرَهم امرأة»([301]). لكن للمرأة ولايةٌ خاصَّةٌ في بيت زوجها وأولادها فقط؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيَّتها»([302]).

ولها ولايةٌ أيضًا على المؤسَّسات النِّسائيَّة كالمدارس وغيرها.

4- أنَّ النِّساءَ في حاجة إلى مَن يقوم عليهنَّ؛ لما جبلنَ عليه من الضَّعف والنَّقص في العقل والدِّين؛ فيَنبغي للمرأة أن تعرفَ أنَّ عليها طاعةَ الرَّجل بالمعروف، وأن تعرف أنَّ قوامةَ الرجل عليها من مصلحتها هي.

5- أنَّ كلَّ مجتمع- وإن صغر- في حاجة إلى مَن يَتَولَّى شؤونه ويديرها.

وفي الحديث عن أبي سعيد الخدريّ t أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدَهم»([303]).

وقد قيل: «ستُّون سنةً بإمام ظالم خيرٌ من ليلة واحدةً بلا إمام»([304]).

وقال الشَّاعرُ:

لا يَصلح النَّاس فوضى لا سراةَ لهم

ولا سراةَ إذا جهَّالهم سادوا

6- فضلُ الرِّجال على النِّساء؛ لأنَّ اللهَ جعل لهم القوامةَ عليهنَّ([305]) فقال: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{.

والقوامة وإن كانت تكليفًا ومسؤوليَّةً على الرِّجال فهي أيضًا تشريفٌ وتفضيل لهم([306] ولهذا علَّل لذلك بقوله: }بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ{؛ أي: بما خصَّهم الله به من الخصائص دونهنَّ كما قال تعالى: }وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ{([307]).

7- التفضيل بين البَشر؛ لقوله: }بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ{. وذلك فضلُ الله يؤتيه مَن يشاء([308]).

8- اختيارُ القرآن لأحسن الأساليب؛ لقوله: }بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ{. دون أن يقول: (بما فضَّلهم الله عليهنَّ). لما في التَّعبير الأخير من الإشعار بنقص المرأة؛ مع أنَّ المعنى واحد.

9- في قوله: }بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ{ دون أن يقول: بما فضَّلهم اللهُ عليهن. إشارةٌ إلى أن التَّفضيلَ إنَّما هو لجنس الرِّجال على جنس النِّساء؛ لا بالنِّسبة للأفراد؛ فكم من امرأة خيرٌ من زوجها في العلم والدِّين والخُلُق؛ بل وفي الشَّجاعة وسائر الصِّفات([309]).

10- الإشارةُ إلى أنَّ الرجلَ من المرأة والمرأة من الرَّجل؛ لقوله: }بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ{. فكلٌّ منهما في حاجة إلى الآخر؛ كأعضاء الجسد لا يستغني عنها الجسد جميعًا، وإن كان بعضها أفضل من بعض فالقلبُ أفضل من اليد، واليمين أفضل من الشِّمال، وهكذا؛ فلا ينبغي أن يأخذَ الرجلُ من هذا التَّفضيل طريقًا للتَّعالي والتَّعاظم على المرأة.

11- أنَّ اللهَ جعل القوامةَ في الرِّجال على النِّساء لسببين: الأوَّلُ فضَّلهم عليهنَّ. والثَّاني: إفضالُهم عليهنَّ بالإنفاق من أموالهم([310] لقوله: }بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ{.

12- أنَّ أحكامَ الله- تعالى- الكونيَّة والشرعيَّة معلَّلة بعلل؛ لقوله: (بما)؛ والباء للسَّببيَّة، ويلزم من هذا إثباتُ الحكمة لله- عزَّ وجلَّ- وأنَّ أفعالَه لحكمة؛ لا لمجرَّد المشيئة؛ كما تقوَّله الجبريَّةُ الذين ينفون الحكمةَ والعلَّةَ والسَّبَبَ في أفعال الله.

13- أنَّ نفقةَ النِّساء واجبةٌ على الرجال؛ لقوله: }وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ{. أي: من المهور والنَّفقات([311]).

14- أنَّ المنفقَ خيرٌ وأفضل من المنفق عليه؛ لقوله: }وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ{؛ فجعل- سبحانه- من سبب جعل القوامة في الرِّجال كونُهم المنفقين عليهنَّ، وفي الحديث: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفلى»([312]). واليد العليا هي المنفقة المعطية، واليد السفلى هي الآخذة، ومن هنا يؤخَذُ كراهةُ مسألة النَّاس إلَّا لفاقة وحاجة شديدة؛ لما في ذلك من المذَلَّة([313]).

15- أنَّ النَّفقةَ على الزَّوجات وغيرهنَّ ينبغي أن تكون من الحلال؛ لقوله: }مِنْ أَمْوَالِهِمْ{؛ أي: ممَّا يتموَّلونه ممَّا أحلَّ الله لهم؛ لا من مغصوب ولا من محرَّم ونحو ذلك.

16- أنَّ النساءَ ينقسمن إلى قسمين؛ صالحات مطيعات، وناشزات خارجات عن الطَّاعة؛ لقوله: }فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ{.

17- الثَّناء على النِّساء الصَّالحات القانتات الحافظات للغيب؛ لقوله: }فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ{؛ فهذا ثناءٌ عليهنَّ وتنويهٌ بشأنهنَّ.

18- التَّرغيب في إصلاح العمل بإخلاصه لله تعالى ومتابعة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، والمداومة على الطَّاعة؛ لقوله: }فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ{.

19- الترغيب في حفظ ما غاب عن الناس من أحوال الزوجين وأمور البيت وفي حفظ السر؛ لقوله: }حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ{.

20- أنَّ النساءَ لا يستطعن أن يكنَّ حافظات للغيب إلَّا بتوفيق الله لهنَّ وعونه وتيسيره؛ لقوله: }بِمَا حَفِظَ اللَّهُ{. أي: بتوفيقه وعونه وتيسيره، وهكذا كلُّ إنسان لا يستطيع أن يقوم بأيِّ عمل دينيٍّ أو دنيويٍّ إلَّا بتوفيق الله له وإعانته وتسديده وتيسيره له؛ كما قال تعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{([314]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - لابن عبَّاس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»([315]).

21- أنَّ على النِّساء أن يحفظنَ ما غاب عن النَّاس من أحوال البيوت وممَّا يجري بينهنَّ وبين أزواجهنَّ ممَّا أمر الله بحفظه؛ لقوله: (بما حفظ الله). أي: بما أمر بحفظه. وهذا على الوجه الثَّاني في تفسير الآية.

22- أنَّ وظيفةَ الرجل هي القوامة على المرأة، ووظيفة المرأة طاعة زوجها وحفظ الغيب بعد طاعة الله- عزَّ وجَلَّ- وحفظه؛ لقوله: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{ إلى قوله: }فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ{([316])؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صَلَّت المرأةُ خمسَها، وصامت شهرَها، وحفظت فرجَها، وأطاعت زوجَها، قيل لها: ادخلي من أيِّ أبواب الجنَّة شئت»([317]).

23- أنَّ من قوامة الرِّجال على النِّساء تأديبهنَّ إذا خرجن عن الطَّاعة؛ لقوله: }وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ{.

24- عنايةُ الإسلام بالحياة الزَّوجيَّة؛ لقوله: }وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ{([318]).

25- الإشارةُ إلى أنَّه ينبغي البدءُ بعلاج النُّشوز في أوَّل أمره قبل أن يَستفحل؛ لقوله: }وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ{. وذلك بأن بدت تظهر علاماتُه؛ وهكذا كلُّ خروج عن الطَّاعة ينبغي أن يعالَجَ في أوَّل أمره؛ لأنَّ هذا أيسرُ وأقربُ للرُّجوع إلى الطَّاعة.

26- العملُ بالقرآن؛ لقوله: }وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ{. أي: بوجود قرائن تدلُّ على ذلك، والعمل بالقرائن ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة.

27- أنَّه ينبغي البدءُ بعلاج النُّشوز بالموعظة بالقول بما يبيِّن الحكمَ ويلين القلبَ ترغيبًا وترهيبًا، وهكذا كلُّ خروج عن الطَّاعة يبدأ بعلاجه بالموعظة؛ لقوله: (فعظوهنَّ). فبدأ- عَزَّ وجَلَّ- بالموعظة.

28- الهجر للنِّساء في المضاجع إذا خرجن عن الطَّاعة ولم تُجْد فيهنَّ الموعظةُ؛ وذلك بترك جماعهنَّ وفُرُشهنَّ؛ لأنَّ الهجرَ يؤلمهنَّ معنويًّا؛ لقوله: }وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ{.

فإنْ هَجَرَ في الكلام فلا يزيد على ثلاثة أيَّام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث...» الحديث([319]).

29- الإشارةُ إلى أنَّ فراشَ الزَّوج والزَّوجة واحدٌ؛ لقوله: }وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ{، وتركُه لفراشها إنَّما يكون عند النُّشوز([320]).

30- إذا لم تُجْد الموعظةُ ولا الهجر في المضاجع في علاج النُّشوز يُنتَقَل إلى الضَّرب غير المبرح؛ وهو المرحلةُ الثَّالثةُ؛ لقوله: }وَاضْرِبُوهُنَّ{؛ لأنَّ بعضَ النُّفوس لا ينجع فيها إلَّا التَّأديب بالضَّرب([321]).

وقال الخليفةُ الراشد عمر بن الخطاب t: «والله ما يزع الله بسلطان أعظم ممَّا يزع بالقرآن»([322]).

31- أنَّ علاجَ النُّشوز بالموعظة ثمَّ الهجر ثمَّ الضَّرب غير المبرح؛ لأنَّ اللهَ ذَكَرَها مُرَتَّبةً؛ فبَدَأَ بالأسهل، ثم الأثقل منه، ثم الأثقل منهما؛ فدَلَّ هذا على مراعاة التَّدَرُّج والتَّرتيب؛ وهو قولُ جمهور أهل العلم؛ خلافًا لقول بعضهم بجواز الجمع بين هذه العقوبات، وتقديم بعضها على بعض؛ بحجَّة أنَّ الواوَ تفيدُ الجمعَ، أو أنَّه ظاهرُ الآية([323]).

32- أنَّ الضَّربَ وسيلةٌ من وسائل التَّربية والتَّأديب؛ لقوله تعالى: }وَاضْرِبُوهُنَّ{. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»([324]).

وهذا يُبْطلُ قولَ بعض علماء التَّربية الذين يقولون: لا تَحْسُنُ التَّربية بالضَّرب؛ لأنَّه لا يفيد؛ وإنَّما يُقَسِّي القلب؛ لكن ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ الضَّربَ إنَّما يجوز في حالات معيَّنة وعلى صفة معيَّنة؛ يجوز إذا استنفدت كلَّ الوسائل التي دونه ولم تُفد شيئًا؛ فيُلجأُ إليه للحاجة إليه لتقويم الاعوجاج وعلاج النُّشوز، وإن استقامت الأمور وصلحت الأحوالُ بدونه فلا يجوز.

وفي الحديث أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تضربوا إماءَ الله». فجاء عمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ذئرن([325]) النِّساء على أزواجهنَّ. فرخَّص في ضربهنَّ، فأطاف بآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءٌ كثير يشكون أزواجهنَّ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم». وفي لفظ: «ولن يضرب خياركم»([326]).

فَتَرْكُ الضَّرب أولى؛ بل لا ينبغي الضَّربُ ولا يجوز إذا صلحت الأحوالُ بدونه.

قال القاضي شريح:

رأيتُ رجالاً يضربون نساءهم

فَشلّت يميني حين أضرب زينبا([327])

وهو أيضًا على صفة معيَّنة؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «ضربًا غير مبرح»([328]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجلد أحدكم امرأتَه جلدَ العبد ثم يجامعها آخر اليوم»([329]). وعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأةً ولا خادمًا»([330])؛ فالضَّربُ إنَّما هو علاجٌ شرعيٌّ إذا لم تنجح الوسائل التي دونه، ولا شكَّ أنَّ الضَّربَ في مثل هذه الحال وعلى الصِّفة التي بيَّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ضربًا غير مبرح»- أولى من بعث الحَكَمَين للإصلاح بين الزَّوجين؛ ولهذا قدَّمه الله عليه؛ كما أنَّه أولى وأفضل من الطَّلاق الذي لم يذكره ضمنَ مراحل العلاج؛ لأنَّه أمرٌ مبغَّضٌ له سبحانه؛ لما فيها من تشتيت شمل الأسرة، وكما قيل: «وعند ذكر العمى يُسْتَحْسَنُ العور».

33- عظَمُ حقِّ الزَّوج على زوجته، ووجوب طاعته، وتحريم النُّشوز عليه بمعصيته والخروج عن طاعته([331])؛ لأنَّ اللهَ أَمَرَ بتأديب من نشزنَ بهجرهن في المضاجع وضربهن؛ وهذا لا يكون إلَّا على أمر عظيم من ترك واجب أو فعل محرَّم؛ ولهذا قال بعد ذلك: }فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا{.

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية([332]): «إذا تزوَّجت المرأةُ كان زوجُها أملكَ بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب؛ فإنَّ كلَّ طاعة كانت للوالدين انتقلت إلى الأزواج، ولم يبق للأبوين عليها طاعة؛ تلك وجبت بالأرحام، وهذه وجبت بالعهود»؛ فعلى المرأة طاعةُ زوجها بالمعروف ما لم يأمرها بمعصية الله، وعليها موافقتُه في السَّكَن في أيِّ بلد كان ما لم تشترط خلافَه، وإجابته إذا دعاها إلى فراشه، وعدم الخروج إلَّا بإذنه، وعليها خدمتُه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله.

وقد اختلف أهلُ العلم: هل تجب على الزَّوجة خدمةُ زوجها أو لا؟

فذهب طائفةٌ من السَّلف إلى وجوب خدمتها له في مصالح البيت فيما جرت به العادة والعرف؛ لما رُوي: أنَّ عليَّ بن أبي طالب وزوجتَه فاطمة- رضي الله عنهما- اشتكيا الخدمةَ، فَحَكَمَ - صلى الله عليه وسلم - على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت، وحكم على عليّ بالخدمة الظَّاهرة([333]).

وعن أسماء أنَّها قالت: «كنت أخدم الزُّبير خدمةَ البيت كلِّه، وكان له فرس، وكنت أسوسه، وكنت أحتشُّ له وأقوم عليه»([334]).

وعنها أنَّها كانت تعلف فرسَه، وتسقي، وتخرز الدلو، وتعجن، وتنقل النَّوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ»([335])، ولأنَّ المعروفَ قيامُها بهذه الخدمة للزَّوج، ومن المنكر قيامُ الزَّوج بخدمتها، وقد قال الله- عَزَّ وجَلَّ: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{([336]) لأنَّ خدمتَه لها تنافي قوامتَه عليها؛ بل يجعل القوامة لها عليه([337]).

وذهب طائفةٌ من أهل العلم إلى أنَّه لا تجب عليها خدمته؛ قالوا: لأنَّ عقدَ النِّكاح إنَّما اقتضى الاستمتاعَ، لا الاستخدام وبذل المنافع، وحملوا ما جاء في الأحاديث والآثار الواردة في خدمة المرأة لزوجها على أنَّه من باب التَّطَوُّع ومكارم الأخلاق، لا الوجوب([338]).

والصَّحيحُ أنَّ على المرأة الخدمةَ في بيت زوجها؛ لعموم دلالة الكتاب والسُّنَّة والآثار على ذلك؛ وهو المعروفُ عن سلف الأمَّة من الصَّحابة والتَّابعين ومَن بعدهم، ولم يُعرف أنَّ الرجلَ هو الذي يقوم بخدمة البيت أبدًا؛ اللَّهمَّ إلَّا من باب مساعدة الزَّوجة؛ فهذا كان معروفًا من فعله - صلى الله عليه وسلم -([339]).

ولهذا لم يَقُل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعليّ لما اشتكت فاطمة ما تَلْقَى من الخدمة: ليس عليها خدمة؛ بل الخدمة عليك.

وأيضًا فإنَّ المهرَ في مقابلة الاستمتاع بالبضع، وكلٌّ من الزَّوجين يقضي وطرَه من صاحبه، وإنَّما أوجب اللهُ- سبحانه- نفقتَها وكسوتَها ومسكنَها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها وما جَرَتْ به عادةُ الأزواج([340]).

قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية([341]): «وتنازَعَ العلماءُ هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل ومناولة الطَّعام والشراب والخبز والطَّحن والطَّعام لمماليكه وبهائمه؛ مثل عَلَف دابَّته ونحو ذلك؛ فمنهم مَن قال: لا تجب الخدمةُ. وهذا ضعيفٌ كضعف قول مَن قال: لا تجب عليه العشرة والوطء. بل الصَّاحبُ في السَّفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحة لم يكن عاشره بالمعروف.

 وقيل– وهو الصَّواب: وجوبُ الخدمة؛ فإنَّ الزوجَ سيِّدُها في كتاب الله([342])، وهي عانية عنده بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -([343])، وعلى العاني والعبد الخدمة، ولأنَّ ذلك هو المعروف، ثمَّ من هؤلاء مَن قال: تجب الخدمةُ اليسيرةُ. ومنهم مَن قال: تجبُ الخدمةُ بالمعروف. وهذا هو الصَّواب؛ فعليها أن تخدمَه الخدمةَ المعروفةَ من مثلها لمثله، ويتنوَّعُ ذلك بتنوُّع الأحوال؛ فخدمة البدويَّة ليست كخدمة القرويَّة، وخدمة القويَّة ليست كخدمة الضَّعيفة.

34- إذا تركت الزَّوجات النُّشوز والتزمنَ الطَّاعةَ فلا يجوز للأزواج أن يطلبوا طريقًا لأذيَّتهنَّ ونحو ذلك؛ لا في الماضي ولا فيما يستقبل؛ لقوله تعالى: }فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا{؛ فينبغي الكفُّ عنهنَّ فيما يستقبل، والتَّغاضي عمَّا مضى، وعدم البغي عليهنَّ أو ظلمهنَّ([344]).

وهذا يجب على كلِّ مَن ولَّاه اللهُ ولايةً مع مَن تحت ولايته.

35- الإشارةُ إلى أنَّ الواجبَ للزَّوج على زوجته أن تطيعَه، ولا يَلْزَمُ أن تحبَّه؛ لقوله: }فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا{؛ لأنَّ المحبَّةَ القلبيَّةَ لا تدخل تحت الاختيار؛ فقد تحبُّه، وقد لا تحبُّه؛ لكن عليها أن تطيعَه بالمعروف([345]).

36- أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، وأنَّ المكافأةَ تكون بالمثل؛ فإذا النِّساء نشزنَ وخرجنَ عن طاعة أزواجهنَّ كان لهم هجرُهنَّ في المضاجع وضربهنَّ ضربًا غير مبرح؛ تأديبًا لهنَّ، وإن أطعنَ فلا يجوز لهم أن يبغوا عليهنَّ سبيلاً.

37- إثبات اسمين من أسماء الله- عزَّ وجَلَّ؛ وهما «العليُّ» و «الكبير»؛ لقوله: }إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا{.

38- إثباتُ صفة العلوّ المطلَق لله تعالى؛ علوّ الذَّات وعلوّ الصِّفات؛ لقوله: }وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{([346]).

فكلُّ معاني العُلُوِّ ثابتةٌ له- عَزَّ وجَلَّ؛ عُلُوُّ القهر؛ فلا غالبَ له؛ قال تعالى: }وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{([347])، وقال- تعالى: }سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{([348])، وعُلُوُّ الشَّأن والقَدْر؛ فهو- تعالى- متعال عن جميع النَّقائص والعيوب في ربوبيَّته وألوهيَّته وأسمائه وصفاته؛ كما قال تعالى: }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{([349])، وعُلُوُّ الذَّات؛ فله العُلُوُّ والفوقيَّة على خَلْقه؛ قال تعالى: }سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى{([350] وقال تعالى: }وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ{([351] وقال تعالى: }وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{([352] وقال تعالى: }إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ{([353] وقال تعالى: }وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ{([354])؛ وهذا يتضمَّن عُلُوَّ القهر وعُلُوَّ الفوقيَّة، والآيات في هذا كثيرةٌ([355] وفي هذا رَدٌّ على الحلوليَّة الذين يقولون: إنَّ اللهَ في كلِّ مكان. تعالى اللهُ عن قولهم؛ كما أنَّ فيه ردًّا على المعتزلة والأشاعرة ونحوهم الذين يقولون: إنَّ الله لا فوق العالم ولا تحتَه، ولا داخل العالم ولا خارجه؛ فهو على مذهبهم أشبه شيء بالعدم؛ تعالى اللهُ عن قولهم عُلُوًّا كبيرًا([356]).

39- إثبات أنَّه- عزَّ وجلَّ- الكبير؛ كبير الذَّات وكبير الصِّفات ذو الكبرياء والعظمة؛ لقوله: }كَبِيرًا{؛ كما قال تعالى: }وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{([357] وقال تعالى: }وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ{([358] وقال تعالى: }الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ{([359]).

40- تذكيرُ الرِّجال بأنَّ العُلُوَّ المطلَق والكبرياء والعظمة المطلَقة لله- عزَّ وجلَّ؛ لئلَّا يتَّخذوا من جعل القوامة فيهم سبيلاً للتَّعالي والتَّعاظم على النِّساء والتَّكَبُّر عليهنَّ؛ وهكذا كلّ من ولَّاه اللهُ ولايةً ينبغي أن يَذْكرَ عُلُوَّ الله وعظمته وكبرياءه وقدرتَه عليه؛ فإنَّها فوقَ كلِّ قدرة؛ لقوله: }إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا{. وقد قيل: إذا دَعَتْكَ قدرتُك إلى ظلم النَّاس فاذكر قدرةَ الله عليك».

41- إذا لم تُجْدِ الوسائل السَّابقة؛ وهي الموعظة والهجر في المضاجع والضرب غير المبرح، وخيف اتِّساع رقعة الخلاف بين الزَّوجين يُنتَقَل إلى المرحلة الرابعة؛ وهي بعث حكمين للإصلاح بين الزَّوجين؛ لقوله }فَابْعَثُوا حَكَمًا{، وإنَّما جعله الله في المرتبة الرابعة؛ لأنَّه تدخُّلٌ خارجيٌّ من أطراف غير الزَّوجين، وكان الأولى أن تُحلَّ مشاكل الزَّوجين فيما بينهما دون تدخُّل أطراف غيرهما؛ لأنَّ تدخُّلَ غير الزَّوجين فيما بينهما من خلاف قد يكون سببًا في فُشُوِّ ما بين الزَّوجين ممَّا الأحسن سترُه؛ لكن إذا احتدم الشِّقاق بين الزَّوجين، وصعب عليهما تلافي ما بينهما، فلابدَّ من إرسال الحكمين للإصلاح بينهما وتخليصهما ممَّا هما فيه.

42- مسؤوليَّةُ ولاة الأمر الشَّرعيِّين عن القضاء على المنازعات والخلافات بين الزَّوجين وغيرهما من مشاكل المجتمع؛ لقوله: }فَابْعَثُوا{. والخطاب للولاة والحكَّام الشَّرعيِّين([360]).

43- حرص الشَّرع على تماسك الأسرة وصفاء ما بين الزَّوجين، وعلى الاتِّفاق والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف؛ لقوله: }وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا{.

44- جوازُ التَّحكيم؛ لقوله: }فَابْعَثُوا حَكَمًا{. خلافًا للخوارج القائلين: ليس التحكيم لأحد سوى الله تعالى([361]). قال القرطبيُّ([362]): «وهذه كلمةُ حقٍّ ولكن يريدون بها الباطل».

45- ينبغي أن يكون الحكمان مسلمين مكلفين عدلين عالمين بالشَّرع؛ لأنَّ الله سمَّاهما حَكَمَين فقال: }فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{([363])؛ والحكم لابدَّ أن يكون متَّصفًا بما ذكر؛ لأنَّه مخبر عن حكم الله، ومُلزِم بما يحكم به، فاصل بين الخصمين.

46- أنَّ المبعوثين للحكم بين الزَّوجين حكمان لهما الحكم والفصل بين الزَّوجين توفيقًا أو تفريقًا؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهما حكمين فقال: }فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{. والحكمُ هو المحكَّم الذي له الفصلُ بين المتنازعين، وإلى هذا ذهب جمهورُ أهل العلم من السَّلَف([364]) والخلف.

وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنَّهما وكيلان ناظران فقط؛ محتجِّين بقوله في آخر الآية: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا{. قالوا: فجعل لهما الإصلاح فقط دون التَّفريق. والصحيح أنهما حكمان لهما الإصلاح والتَّفريق؛ لأن الله سمَّاهما حكمين([365])؛ وإنَّما خصَّ الإصلاح بالذِّكر في الآية لحكمة سيأتي بيانها؛ قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية([366]) بعدما ذَكَرَ القولَ بأنَّهما حكمان، ثمَّ القول الآخر أنَّهما وكيلان قال: «والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ الوكيلَ ليس بحكم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمَّة، ولا يشترط أن يكون من الأهل، ولا يختصّ بحال الشِّقاق؛ فيفعلان ما هو الأصلح من جمع بينهما وتفريق بعوض أو بغيره».

وقال ابن القيِّم([367]): «بعدما ذكر القولين قال: «وهذا هو الصحيح– يعني القول بأنهما حكمان– ثم قال: والعجب كلَّ العجب ممَّن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصَّبَهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزَّوجين... وأيضًا فإنَّه جعل الحُكمَ إليهما فقال: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{. والوكيلان لا إرادةَ لهما؛ إنَّما يتصرَّفان بإرادة موكِّليهما، وأيضًا فإنَّ الوكيلَ لا يُسَمَّى حكمًا في لغة القرآن، ولا في لسان الشَّارع، ولا في العرف العامِّ ولا الخاصِّ، وأيضًا فإنَّ الحكم مَن له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك، وأيضًا فإنَّ الحكم أبلغُ من الحاكم لأنَّه صفةٌ مشبَّهةٌ باسم الفاعل دالَّةٌ على الثُّبوت؛ فإذا كان اسمُ الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه، وأيضًا فإنَّه سبحانه خاطب بذلك غيرَ الزَّوجين، وكيف يصحُّ أن يوكَّل عن الرجل والمرأة غيرهما؟ !»

ثم ذكر ابنُ القَيِّم صحَّةَ هذا القول عن عثمان وعليّ وابن عبَّاس ومعاوية ثم قال: «ولا يعرف لهم من الصَّحابة مخالف؛ وإنَّما يعرف بين التَّابعين فمَن بعدَهم... ولا ريبَ أنَّهما حكمان فيهما شائبةُ الوكالة، ووكيلان منصوبان للحكم؛ فمن العلماء مَن رجَّح جانبَ الحكم، ومنهم من رجَّح جانب الوكالة، ومنهم من اعتبر الأمرين».

47- ينبغي أن يكون الحكمان من أهل الزَّوجين؛ لقوله: }حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{؛ لأنَّهما أعرفُ بأحوالهما، وأنصح لهما، وأشفق عليهما، وأستر لحالهما، وأقرب إلى أن يستمع الزَّوجان كلامَهما ويقبلا حكمَهما([368]).

48- الإشارةُ إلى أنَّه ينبغي أن يكون الحاكمُ عالمًا بأحوال مَن يحكم فيهم وواقعهم؛ لقوله: }حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{. وذلك أدعى لإصابة الحقَّ في الحكم.

49- كمال العدل في تشريعات الإسلام؛ حيث أمر الله ببعث حكمين؛ أحدهما من أهل الزَّوج، والثاني من أهل الزَّوجة؛ لئلَّا يحصل محاباة إذا كان الحكمان من أهل أحد الزَّوجين فقط.

50- جوازُ حكم القريب على قريبه وحكمه له؛ لقوله: }فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{.

وقد منع بعضُ أهل العلم من حكم القريب لقريبه لتهمة المحاباة، فقال: لا يحكم الشَّخصُ لأصله ولا لفرعه ولا لزوجه لقوَّة الصِّلة بينه وبينهم. والصحيح أنه يحكم له إذا كان ثقةً عدلاً كما هو ظاهر الآية.

51- فضلُ الرَّجل على المرأة؛ لتقديم ذكر ضمير الرَّجل على ذكر ضمير المرأة في قوله: }حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{.

52- أهميَّةُ حسن النِّيَّة في الحكم وغيره؛ لأنَّ مدارَ صلاح الأعمال وفسادها على النِّيَّة؛ فإن حسنت النِّيَّة صلح العمل، وإن ساءت النِّيَّة فسد العمل؛ لقوله: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{([369]).

وفي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»([370]).

53- يجب على كلِّ واحد من الحكمين أن يُحسن نيَّتَه وقصدَه في الإصلاح بين الزوجين؛ لأنَّ ذلك سببٌ للتَّوفيق بينهما في التَّوَصُّل إلى حكم يكون به التَّوفيق بين الزَّوجين؛ لقوله: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{.

54- تحريمُ سوء النِّيَّة في الحكم؛ لأنَّه يؤدِّي إلى عدم التَّوفيق فيه؛ لمفهوم قوله: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{؛ فإذا أراد الحكمان أو أحدُهما الإفسادَ بين الزَّوجين أو محاباة قريبه أو نحو ذلك لم يوفَّقا إلى حكم تصلح به حالُ الزَّوجين.

55- أنَّ حسنَ نيَّة كلٍّ من الزَّوجين فيما يعامل به صاحبُه فيما يستقبل وتناسي ما مضى سببٌ للتَّوفيق بينهما؛ لقوله: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{.

56- تشوُّف الشَّرع إلى الإصلاح والوفاق، وأنَّ الإصلاحَ بين الزَّوجين والتَّوفيق بينهما أولى من التَّفريق، وأنَّه لا ينبغي اللُّجوء إلى التَّفريق إلَّا إذا استعصى أمرُ الزَّوجين ولم يمكن الوصول إلى حلٍّ يكون فيه الجمع بينهما؛ لقوله: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{؛ فذكر الإصلاح دون التَّفريق، وقد قال- عزَّ وجَلَّ: }وَالصُّلْحُ خَيْرٌ{([371]).

قال ابنُ كثير([372]): «فإن تفاقم أمرهما– يعني الزوجين– وطالت خصومتُهما بعث الحاكم ثقةً من أهل المرأة وثقةً من قوم الرجل؛ ليجتمعا وينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحةُ ممَّا يريانه من التَّفريق أو التَّوفيق، وتشوف الشَّارع إلى التَّوفيق، ولهذا قال: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{»([373]).

57- أنَّ التوفيقَ من الله- عزَّ وجلَّ؛ والأمور كلُّها بيده؛ لقوله: }يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{؛ وفي هذا ردٌّ على المعتزلة والقدريَّة الذين يقولون: إنَّ العبادَ يخلقون أفعالَهم ولا علاقةَ لله بها.

58- إذا اختلف الحكمان ولم يتَّفقا على الحكم فإنَّه لا ينفذ حكم واحد منهما إجماعًا؛ بل يرجع لغيرهما؛ لقوله: }يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{([374]).

59- أنَّ الجزاءَ من جنس العمل؛ لقوله: }إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا{. فإذا أراد الحكمان الإصلاحَ وفَّقَ الله بينهما في الحكم.

60- إثباتُ هذين الاسمين لله- عزَّ وجلَّ؛ وهما «العليم» و «الخبير»، وما تضمَّنه كلٌّ منهما من الصِّفة؛ فالعليم يتضمَّن إثبات صفة العلم الواسع لله- عزَّ وجل، والخبير يتضمَّن إثبات صفة الخبرة الواسعة له- عزَّ وجلَّ؛ فهو- عزَّ وجلَّ- عليم خبير بكلِّ شيء من أحوال الزَّوجين والحكمين وغير ذلك.

61- الوعدُ لمن امتثل أمرَ الله، والوعيد لمن خالف ذلك من الزَّوجين أو الحكمين أو غيرهم؛ لقوله: }إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا{.

* * *


 مشروعيَّةُ الصُّلح بين الزَّوجين، ووجوب العدل بين النِّساء

قولُه تعالى: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا{([375]).

صلة الآيات بما قبلها:

هذا من جملة ما أخبر الله أنَّه يفتيهم به من النِّساء.

سبب النزول:

عن عروة بن الزُّبير عن عائشة- رضي الله عنها- في قوله: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا{: «أنزلت في سودة لما أسنت وفرقت أن يفارقَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قالت: يا رسولَ الله، يومي لعائشة. فقبل ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قالت: في ذلك أنزل الله وفي أشباهها أراه قال: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا{([376]).

وعن ابن عبَّاس- رضي الله عنهما- قال: «خشيت سودة أن يطلِّقَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسولَ الله لا تطلِّقني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، فنزلت هذه الآية: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا...{ الآية. قال ابنُ عبَّاس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز»([377]).

معاني المفردات والجمل:

- قوله تعالى: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا{:

الواو استئنافيَّة، و«إن» حرف شرط جازم، «امرأة» فاعل لفعل مضمر يفسِّره ما بعده تقديرُه: وإن خافت امرأة خافت. وقيل: مرفوع على الابتداء([378]). وقيل: فاعل مقدَّم.

و«امرأة»: نكرة في سياق الشَّرط؛ فيعمَّ كلَّ امرأة، والمراد بها المرأة المتزوِّجة.

قوله: }خَافَتْ{: أي: علمت([379] كقوله: }وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا{([380] أي: علمتم. وقيل: الخوف على بابه؛ وهو توقُّع ما يُكره بوقوع بعض أسبابه أو ظهور بعض أماراته([381]).

قوله: }مِنْ بَعْلِهَا{: أي: من زوجها.

قوله: }نُشُوزًا{: النشوز الارتفاع. قال تعالى: }وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا{([382] أي: ارتفعوا.

والمعنى: وإن امرأة خافت من زوجها ترفعًا بنفسه وتعاليًا عليها([383]).

قوله: }أَوْ إِعْرَاضًا{: معطوف على «نشوزًا». أي: أو خافت من بعلها إعراضًا وانصرافًا عنها؛ كأن لا يكلِّمها ولا يجلس إليها ولا يأنس بها ولا يعاشرها بالمعروف([384]).

والإعراضُ أشدُّ من النُّشوز.

قولُه تعالى: }فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا{: جملة جواب الشَّرط، والفاء رابطةٌ لجواب الشَّرط؛ لأنَّه جملةٌ اسميَّةٌ، و«لا» نافيةٌ للجنس.

قوله: }فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا{: أي: فلا حرج ولا إثم عليهما؛ أي: على الزَّوجين، المرأة وبعلها.

قوله: }أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا{: «أن» والفعل بعدها في محلِّ جرٍّ، والتَّقديرُ: بأن يصلحا([385]).

وضميرُ التَّثنية في قوله «يصلحا» وقوله «بينهما» يرجع إلى الزَّوجين.

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: «أن يَصَّالحا»- بفتح الياء وتشديد الصَّاد مع الألف- وأصلُها يتصالحا بينهما صلحًا.

وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ وخلف: (أن يُصْلحا)- بضمِّ الياء وتخفيف الصَّاد وبدون ألف([386])؛ بمعنى أن يصلحا الزَّوج والمرأة فيما بينهما([387])؛ فالقراءتان بمعنى واحد.

والصُّلحُ أن يعمل كلٌّ من الزَّوجين على ما فيه اتِّفاقُهما وصلاحُ حالهما واستدامة الصُّحبة بينهما والقضاء على أسباب النُّشوز والإعراض؛ فإن لم يصطلحا بأنفسهما وطلبا طرفًا ثالثًا للإصلاح بينهما فلا حرجَ في ذلك؛ كما قال- عَزَّ وجَلَّ: }وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا{([388]).

وذلك بأن تتنازلَ المرأةُ عن بعض حقِّها من القسم أو من النَّفقة أو منهما معًا؛ كأن تَهَبَ يومَها أو بعض أيَّامها للزَّوجة الأخرى، أو تعفيه من النَّفقة أو بعضها، أو تعفيه من جميع حقوقها؛ لتبقى في عصمته؛ كأن تقول: لا تطلِّقني، وأنت في حلٍّ من شأني([389]). فيَصطلحان على أن تتنازل هي عن حقِّها أو بعضه ويبقيها في عصمته، وإن وجد من نفسه إعراضًا عنها.

عن عائشة- رضي الله عنها: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا{. قالت: «الرجلُ تكون عنده المرأةُ ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقَها فتقول: أجعلك من شأني في حلٍّ. فنزلت هذه الآية في ذلك».

وفي رواية عنها قال: «أنزلت في المرأة تكون عند الرجل، فتطول صحبتُها فيريد طلاقَها، فتقول: لا تطلِّقني وأنت في حلٍّ من النَّفقة عليَّ والقسم لي. فذلك قوله: }فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ{»([390]).

قال ابنُ كثير([391]): «إذا خافت المرأةُ من زوجها أن ينفرَ عنها أو يُعرض عنها، فلها أن تسقط حقَّها أو بعضَه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من الحقوق، وله أن يقبل ذلك منها؛ فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها؛ ولهذا قال تعالى: }أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا{. ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عَزَمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على فراقها، فصالَحَتْه على أن يمسكَها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك».

وإنَّما نفى اللهُ الجناحَ في قوله: }فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا{. مع أنَّ هذا الأمرَ مستحَبٌّ- بل واجب؛ إشارةً– والله أعلم– إلى أنَّ اشتراطَ أحد الزَّوجين في المصالحة أن يتنازل الآخر عن بعض حقِّه، أو اشتراط كلٍّ منهما أن يتنازل الآخر عن شيء من حقِّه لا إثمَ فيه.

قوله تعالى: }وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ{: هذه الجملة اعتراضيَّة للتَّوكيد([392]).

أي: الصُّلحُ بين الزَّوجين خيرٌ من النُّشوز والإعراض والخصومة وسوء العشرة والفراق([393])؛ لما فيه من استدامة عقد النِّكاح وما يترتَّب على ذلك من فوائد عظيمة للزَّوجين والأولاد وغيرهما.

والصُّلحُ خيرٌ مطلقًا في كلِّ شيء؛ إذ به تسكن النُّفوس، ويزول الخلاف، وبه يُقضى على أسباب العداوة والبغضاء والشَّحناء التي هي أسباب الشَّرِّ وفساد ذات البَيْن التي هي الحالقة؛ لا تحلق الشعر؛ ولكن تحلق الدِّين([394])؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البَين، وفساد ذات البَين الحالقة»([395]).

عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس- رضي الله عنهما- قال: يقول لها: «يا هذه، إن شئت أن تقيمي على ما تَرَيْن من الأَثَرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خلَّيتُ سبيلَك. فإن هي رضيت أن تقيمَ بعد أن يخيِّرَها فلا جناحَ عليه؛ وهو قولُه: }وَالصُّلْحُ خَيْرٌ{. وهو التَّخيير»([396]).

قال ابنُ كثير([397]): «والظَّاهر من الآية أنَّ صلحَهما على ترك بعض حقِّها للزوج، وقبولُ الزوج ذلك خيرٌ من المفارَقة بالكلِّيَّة؛ كما أمسك النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سودةَ بنت زمعة على أن تركت يومَها لعائشة- رضي الله عنها، ولم يفارقها؛ بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسَّى به أمَّتُه في مشروعيَّة ذلك وجوازه؛ فهو أفضلُ في حقِّه عليه الصَّلاة والسَّلام، ولما كان الوفاقُ أحبَّ إلى الله من الفراق قال: }وَالصُّلْحُ خَيْرٌ{؛ بل الطَّلاقُ بغيضٌ إليه- سبحانه وتعالى، ولهذا جاء في الحديث: «أبغض الحلال عند الله الطلاق»([398]).

قولُه تعالى: }وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ{: الواو عاطفة، «أحضرت» فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول، والتَّاء للتَّأنيث، و«الأنفس» نائب فاعل مرفوع؛ وهي جمع «نفس»، و«الشُّحُّ» مفعول به ثانٍ منصوب؛ والشُّحُّ أشدُّ البخل؛ وهو البخل مع الحرص؛ قال البغويُّ([399]): «وحقيقتُه الحرصُ على منع الخير». وهو من أمراض القلوب، ومن وقي منه فقد أفلح؛ قال تعالى: }وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{([400]).

وفي الدُّعاء: «اللهمَّ قني شحَّ نفسي»([401]).

والمعنى: وأحضرت نفس كلٍّ من الرجل والمرأة وكلٍّ من المتصالحين- أيًّا كانوا- الشُّحَّ بحقِّ صاحبه([402])؛ فكلٌّ منهما يريد أن يكونَ الصُّلحُ في جانبه وفي مصلحته على حساب صاحبه، ويريد حقَّه وافيًا على التَّمام؛ وقد يتصوَّر أنَّ في الصُّلح غضاضةً عليه؛ لكن لا شكَّ أنَّه ينبغي التَّنازلُ عن شيء ممَّا تريده النَّفسُ ليحصلَ الصُّلحُ؛ قال الزَّمخشريُّ([403]): «أي أنَّ الشُّحَّ جعل حاضرًا لها لا يغيب عنها أبدًا، ولا تنفكُّ عنه؛ يعني أنَّها مطبوعةٌ عليه».

- قولُه تعالى: }وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا{:

الواو عاطفة، و«إن» شرطية، «تحسنوا» فعل الشرط، وجوابه جملة: }فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا{. واقترن بالفاء لأنَّه جملةٌ اسميَّةٌ.

قال النَّاظمُ:

اسميَّةٌ طلبيَّةٌ وبجامد

وبما وقد وبلن وبالتسويف

قوله: }وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا{: الإحسانُ والتَّقوى يشمل كلٌّ منهما فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه؛ هذا إذا أفرد كلٌّ منهما؛ أمَّا إذا اجتمعا كما في هذه الآية فالمرادُ بالإحسان فعلُ ما أمر الله به، والمرادُ بالتَّقوى تركُ ما نهى الله عنه؛ كما في قوله تعالى: }وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى{([404])؛ فالبرُّ فعلُ المأمور، والتَّقوى تركُ المحظور، والإحسانُ قسمان: الإحسان في عبادة الله؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»([405])؛ وذلك بإخلاص العمل لله ومتابعة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -؛ كما قال- عزَّ وجلَّ: }وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ{([406]).

والقسم الثاني: الإحسان إلى عباد الله بأداء حقوقهم؛ ومن ذلك أداءُ حقوق الأزواج والتَّسامح فيما بينهم»([407]).

قوله: }وَتَتَّقُوا{ معطوفٌ على «تحسنوا»، والمراد بالتَّقوى هنا اجتنابُ ما حَرَّمَ الله؛ سواء كان ذلك في حقِّه- عزَّ وجلَّ- أو في حقِّ العباد، ومن ذلك اتِّقاءُ ظلم الأزواج([408]).

وقوله: }فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا{: «كان» مسلوبةُ الزَّمان تفيد تحقيقَ الوصف.

}بِمَا تَعْمَلُونَ{: «ما» اسم موصول بمعنى «الذي»، ويفيد العمومَ؛ أي: بكل الذي تعملون، ويحتمل أن تكون «ما» مصدريَّة؛ أي: بعملكم.

}خَبِيرًا{: خبر كان، والخبير اسم من أسماء الله تعالى على وزن فعيل صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة يدلُّ على إثبات صفة الخبرة الواسعة لله- عَزَّ وجَلَّ- والخبيرُ هو المطَّلع على بواطن الأمور؛ فهو أخصُّ من العليم، وإذا كان مطَّلعًا على البواطن فعلمه بالظَّواهر من باب أولى.

والمعنى: أنَّه- عز وجل- مطَّلعٌ على جميع أعمال العباد: دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، سرّها وعلانيتها، خيرها وشرّها؛ فمن أحسن في عبادة الله وإلى عباد الله واتَّقى محارمَ الله فسيجازيه اللهُ على إحسانه وتقواه، ومن أساء وخالف فسيجازى بما عمل([409])، ولا يظلم ربُّك أحدًا؛ كما قال- سبحانه: }فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{([410])([411]).

قولُه تعالى: }وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا{.

قولُه: }وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ{: الواو استئنافية، و «لن» حرف نفي ونصب واستقبال، تنصب الفعل المضارع وتجعله خالصًا للاستقبال، تدل على مطلَق النفي، ولا تفيد التأبيد؛ قال ابنُ مالك([412]):

ومن رأى النفي بلن مؤبدا

فقوله اردد وخلافه اعضدا

(تستطيعوا): الاستطاعة: الطاقة والقدرة على القيام بالشيء على الوجه المطلوب؛ والمعنى لن يكون في طاقتكم وقدرتكم.

قولُه: }أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ{: «أن» حرف مصدريٌّ ونصب، «تعدلوا» منصوب بها وعلامة نصبه حذف النون، و«أن والفعل بعدها» في تأويل مصدر في محلِّ نصب مفعول به لـ«تستطيعوا»، والتقدير: ولن تستطيعوا العدلَ بين النِّساء. والعدل: ضدُّه الميل، والمعنى: ولن تستطيعوا أيُّها الأزواج العدلَ بين الزَّوجات من جميع الوجوه حتى في المحبَّة وميل القلب وداعي الجماع؛ لأنَّ هذا أمرٌ لا تملكونه ولا تقدرون عليه([413]).

قولُه: }وَلَوْ حَرَصْتُمْ{: الواو حاليَّة، و«لو» حرف شرط غير جازم، و«حرصتم» فعل الشَّرط وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبلَه.

وقال ابنُ القيِّم: إنَّها كالقيد لما سبق لا تحتاج إلى جواب([414]).

والمعنى: ولو حرصتم على العدل بينهنَّ بفعل ما تقدرون عليه فلن تستطيعوا تحقيقَه([415]).

عن عائشة- رضي الله عنها- أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يَقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللهمَّ هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»([416]).

قال ابنُ كثير([417]): «أي: لن تستطيعوا أيُّها الناس أن تساووا بين النِّساء من جميع الوجوه؛ فإنَّه وإن حصل القسمُ الصُّوريُّ ليلة وليلة، فلابدَّ من التَّفاوت في المحبَّة والشَّهوة والجماع...».

قولُه تعالى: }فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ{: الفاء استئنافية، و«لا» ناهية، «والميل» ضدُّ العدل؛ أي: فلا تميلوا الميل كلَّه؛ وأمَّا بعضُ الميل ممَّا لا يستطيعه الإنسان فلا حرجَ فيه.

والمعنى: فلا تبالغوا في الميل إلى التي تحبُّونها فتضروا بالتي لا تحبُّونها بمنع حقِّها الواجب عليكم ممَّا تقدرون عليه من القسم والنَّفقة والكسوة والمسكن والعشرة بالمعروف قولاً وفعلاً([418]).

قوله تعالى: }فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ{: فتذروها: منصوب بحذف النُّون؛ لأنه جوابُ النَّهي في قوله: «فلا تميلوا»، ومعنى «فتذروها» أي: فتتركوها، والضمير يعود إلى المرأة التي مال الزَّوجُ عنها إلى غيرها.

قوله: }كَالْمُعَلَّقَةِ{: الكاف في موضع نصب؛ أي: فتذروا الزَّوجةَ التي ملتم عنها كلَّ الميل كالمرأة المعلَّقة؛ لا هي ذات زوج ولا هي مطلَّقة، أو: لا هي أَيِّم ولا ذات زوج([419]) فتبقى أشبه شيء بالمعلَّق بين السَّماء والأرض لا يستقرُّ لها قرار([420])؛ ولا شكَّ أنَّ هذا من أعظم الظُّلم للمرأة؛ أن يميلَ الرَّجلُ عنها ميلاً كلِّيًّا ويذرها على هذه الصِّفة.

- قوله تعالى: }وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا{:

هذا ترغيبٌ في الإصلاح وتقوى الله، الواو عاطفة، و«إنَّ» شرطيَّةٌ، «تصلحوا» فعل الشَّرط، و«تتقوا» معطوف عليه، وجواب الشَّرط مقدَّرٌ دلَّ عليه قوله: }فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا{.

قوله: }وَإِنْ تُصْلِحُوا{: أي: وإن تصلحوا أيُّها الأزواج بينكم وبين زوجاتكم وتعدلوا بين نسائكم وتتَّقوا اللهَ بفعل ما أمركم الله به وترك ما نهاكم عنه في جميع أحوالكم؛ ومن ذلك تقوى الله في حقوق النِّساء وترك الميل لإحداهنَّ والجور على الأخرى، ومنعها حقَّها([421]).

قوله: }فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا{:

«كان» مسلوبةُ الزَّمان تفيد تحقيقَ الوصف.

}غَفُورًا{: الغفور اسمٌ من أسماء الله على وزن «فعول» صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة، يدل على أنَّ من صفته- عزَّ وجلَّ- المغفرة، وأنَّه ذو المغفرة الواسعة.

والمغفرة هي: سترُ الذَّنب عن العباد والتَّجاوُزُ عن العقوبة، ومنه سُمِّي المغفر؛ وهو البيضة التي توضَع على الرَّأس تستره وتقيه ضربَ السِّهام.

}رَحِيمًا{: الرَّحيم اسم من أسماء الله- عزَّ وجلَّ- على وزن «فعيل»، صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة، يدلُّ على إثبات صفة الرَّحمة لله- عزَّ وجلَّ، وأنَّه- سبحانه- ذو الرَّحمة الواسعة؛ الرحمة الذَّاتيَّة الثَّابتة له- عزَّ وجلَّ، والرحمة الفعليَّة التي يوصلها لمن شاء من خلقه؛ كما قال- عَزَّ وجَلَّ: }يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ{([422]).

والمعنى: وإن تصلحوا أيُّها الأزواج فيما بينكم وبين زوجاتكم بالعدل بينهنَّ فيما تستطيعون، وتتقوا اللهَ بعدم الميل لبعضهنَّ والجور على البعض الآخر، فإنَّ اللهَ يَسْتُرُ ويتجاوزُ عمَّا حصل منكم من ميل لبعضهنَّ دون بعض مما تستطيعون العدلَ فيه، ولا يكلِّفكم العدلَ فيما لا تستطيعون؛ كالميل القلبيِّ؛ لأنَّه- سبحانه- غفورٌ رحيمٌ.

قال ابنُ كثير([423]): «أي: وإن أصلحتُم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتَّقيتُم اللهَ في جميع الأحوال، غَفَرَ اللهُ لكم ما كان من ميل إلى بعض النِّساء دون بعض»؛ قال تعالى: }وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا{.

أي: إذا لم تصلح حالُ الزَّوجين، وقد يترتب على بقاء الزَّوجيَّة تقصيرُ كلٍّ منهما في حقِّ الآخر ممَّا هو معصيةٌ لله تعالى، فإنَّ في الفرقة بينهما مخرجًا ممَّا هما فيه، ويُغني الله كلاًّ من سَعَته.

قوله: }وَإِنْ يَتَفَرَّقَا{: الواو عاطفة، و«إن» شرطيَّة، «يتفرَّقا» فعل الشَّرط، وجوابُه «يغن الله»، والضَّميرُ في «يتفرَّقا» يعود على الزَّوجين المذكورين في قوله: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا...{ الآية، وفي قوله: }وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ{. والمعنى: وإن يتفرَّق الزَّوجان بحصول الفرقة بينهما بطلاق أو فسخ([424]).

قولُه تعالى: }يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ{:

}يُغْنِ اللَّهُ{ أي: يعط الله.

}كُلًّا{ أي: كلاًّ من الزَّوجين.

}مِنْ سَعَتِهِ{: أي: من واسع فضله- عَزَّ وجَلَّ.

والمعنى: وإن لم يصطلح الزَّوجان- بل تفرَّقا، فإنَّ الله- عزَّ وجلَّ- يُغني كلاًّ منهما عن الآخر من واسع فضله- عَزَّ وجَلَّ؛ بأن يعوِّضَ الزَّوجَ بزوجة صالحة يستغني بها، ويعوِّضَ الزَّوجةَ بزوج صالح تستغني به، ويرزق كلاًّ منهما من واسع فضله، ويُصلح حالَهما؛ وهذا وعدٌ منه- عزَّ وجلَّ؛ وهو لا يخلف الميعاد.

وهذه هي الحالة الثالثة؛ فالحالة الأولى: الصُّلحُ مع الأثرة، والحالة الثَّانية: الصَّبر على تحرِّي العدم في القسمة، والثَّالثة: هي الفراق([425]).

قوله تعالى: }وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا{:

«كان» مسلوبةُ الزَّمان تفيد تحقيقَ الوصف.

قولُه: }وَاسِعًا{: الواسع من أسماء الله- عزَّ وجلَّ؛ كما قال تعالى: }إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{([426])، ومن صفاته- عَزَّ وجَلَّ- أنَّه ذو سعة عظيمة في جميع صفاته؛ فهو واسعُ العلم؛ قال تعالى: }إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا{([427])، وهو واسعُ الرَّحمة؛ قال تعالى: }وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ{([428] وقال تعالى: }رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا{([429])، وهو واسع المغفرة؛ قال تعالى: }إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ{([430]).

وهو واسعٌ في قدرته وفي سمعه وبصره وإحاطته؛ قال تعالى: }مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا{([431])، وهو واسعُ الرِّزق والفضل والمنّ والعطاء، خزائنُه لا تفنى([432]).

}حَكِيمًا{: خبر ثان لـ«كان»، والحكيم: اسم من أسماء الله- عزَّ وجلَّ- على وزن «فعيل» صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة، يدلُّ على أنَّه ذو الحكم التَّامّ بأنواعه الثَّلاثة: الحكم الكونيّ والحكم الشَّرعيّ والحكم الجزائيّ، وذو الحكمة البالغة بقسميها: الحكمة الغائيَّة، والحكمة الصُّوريَّة.

والمعنى أنَّه- عزَّ وجلَّ- ذو سعة عظيمة في جميع صفاته، واسع الفضل، عظيم المنِّ في إغناء الزَّوجين وغيرهما من فضله، حكيم في كلِّ ما شرَّعه وقدَّره، ومن ذلك ما أوجبه فيما بين الزَّوجين من حقوق، وما قدَّره بينهما من صلح أو فرقة([433]).

الفوائد والأحكام:

1- عنايةُ الإسلام بالحياة الزَّوجيَّة وقيامها على الألفة، والقضاء على أسباب النُّشوز والإعراض، والاختلاف بين الزَّوجين؛ لما في ذلك من آثار سيِّئة على الأولاد والأسرة والمجتمع؛ لقوله: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا...{ الآية؛ كما قال- تعالى: }وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا{([434]).

2- أنَّ النُّشوزَ يكون من الزَّوج على زوجته؛ لقوله: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا{. كما يكون من الزَّوجة على زوجها؛ لقوله في أوَّل السُّورة: }وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ{.

3- العمل بالقرائن؛ لقوله: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا{. أي: بوجود قرائن تدلُّ على ذلك؛ قال الشَّيخُ محمَّد بن صالح العثيمين- حفظه الله([435]): «والعمل بالقرائن ثابتٌ بالقرآن والسُّنَّة؛ فإن شاهد يوسف عمل بالقرينة؛ }إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ{([436])، وعمل سليمان- عليه الصَّلاة والسَّلام- في قضائه بين المرأتين بالقرينة حين دعا بالسِّكِّين ليشقَّ الولد نصفين، والأمثلةُ على هذا كثيرة».

4- أنَّه يجوز أن يَصطلح الزَّوجان فيما بينهما على ما شاءا، ولا حرجَ عليهما في ذلك؛ لقوله: }فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا{. ما لم يكن الصُّلحُ على محرَّم؛ كأن تصالح الزَّوجةُ زوجَها على طلاق ضرَّتها؛ فهذا محرَّمٌ لا يجوز؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الصُّلحُ جائزٌ بين المسلمين إلَّا صلحاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا»([437]).

5- يُباح للزَّوجة إذا رأت من زوجها ارتفاعًا عنها أو إعراضًا عنها إلى غيرها أن تتنازلَ لزوجها عن حقِّها أو بعضه إذا هي أحبَّت بقاءَها في عصمته؛ كأن تهبَ ليلتَها أو بعضًا من لياليها لزوجته الأخرى، أو تتنازل عن شيء من النَّفَقَة أو غير ذلك، وله أن يقبل ذلك منها، ولا تبعةَ عليه في ذلك؛ وليس لها المطالبةُ في ذلك بعد ذلك؛ لقوله: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا{. ويؤكِّد هذا في الآية نفي الجناح؛ لئلَّا يتوهَّم عدم الجواز.

قال ابنُ القيِّم([438]): «إذا قضى الرَّجلُ وطرًا من امرأته وكرهتها نفسُه أو عَجَزَ عن حقوقها فله أن يطلِّقَها، وله أن يخيِّرَها؛ إن شاءت أقامت عنده ولا حقَّ لها في القسم والوطء والنَّفَقة أو في بعض ذلك بحسب ما يَصطلحان عليه؛ فإذا رضيت بذلك لزم، وليس له المطالبةُ بعد الرِّضى؛ هذا موجَبُ السُّنَّة ومقتضاها، وهو الصَّوابُ الذي لا يسوغ غيرُه. وقولُ مَن قال: "إنَّ حقَّها يتجدَّد فلها الرُّجوع متى شاءت" فاسد؛ فإنَّ هذا خرج مخرجَ المعاوَضة؛ وقد سمَّاه اللهُ- تعالى- صلحًا فيَلزم؛ كما يلزم ما صالح عليه من الحقوق والأموال».

6- أنَّه لو كان الصُّلحُ بين الزَّوجين على عوض ماليٍّ أو نحوه يَدْفَعُه الزوجُ لزوجته مقابلَ تنازُلها عن حقِّها من القسم والمبيت جاز ذلك؛ لقوله: }صُلْحًا{. وهذا مطلقٌ في أيِّ صلح؛ سواء كان على عوض أم لا؛ ما لم يكن على محرَّم فلا يجوز كما سبق.

7- أنَّ تفضيلَ بعض الزَّوجات على بعض وترك التَّسوية بينهما لا يجوز إلَّا بإذن المفضولة ورضاها؛ لقوله: }أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا{. والصُّلح ما كان برضى الطَّرَفَين.

8- فضلُ الصُّلح وأنَّه خير مطلَقًا؛ لقوله: }وَالصُّلْحُ خَيْرٌ{؛ وهذا شهادةٌ منه- عَزَّ وجَلَّ- وإعلام بخيريَّة الصُّلح مطلَقًا في جميع الأحوال، وضمانٌ منه- عَزَّ وجَلَّ- للمتصالحين بالعاقبة الحميدة في الحال والمآل؛ حتى ولو ظَنَّ البعضُ أنَّ في الصُّلح هضمًا لحقِّه.

كما حصل من عمر بن الخطاب t وبعض الصَّحابة في صلح الحديبية؛ حيث ظنُّوا أنَّ في بعض شروط الصُّلح هضمًا لحقِّ المسلمين وغضاضة عليهم؛ حيث قال عمر t: «كيف نعطي الدَّنيَّة في ديننا»([439]).

وبالتَّالي ظَهَرَ أنَّ هذا الصُّلحَ بشروطه كلِّها في صالح المسلمين، وسمَّاه اللهُ في كتابه العزيز }فَتْحًا مُبِينًا{ في قوله تعالى: }إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا{([440] على الصَّحيح من أقوال المفسِّرين: أنَّ المرادَ بالفتح هنا صلحُ الحديبية.

قال الزُّهريُّ: «لم يكن في الإسلام فتحٌ أعظمَ منه؛ كانت الحرب قد حجزت بين النَّاس؛ فلا يتكلَّم أحدٌ؛ وإنما كان القتال؛ فلما كانت الحديبية والصُّلح وضعت الحرب، وأمن الناس، فتلاقوا، فلم يُكلَّم أحد بعقد الإسلام إلَّا دخل فيه؛ فلقد دخل في تلك السِّنين مثل من كان قبل ذلك أو أكثر»([441]).

9- حرص الشَّرع المطهَّر على الإصلاح ولمِّ الشَّمل والبعد عن أسباب الفرقة والاختلاف، والترغيب في ذلك؛ لقوله: }وَالصُّلْحُ خَيْرٌ{.

10- أنَّ الأنفسَ جُبلت على الشُّح؛ فيشقّ عليها الصُّلحُ والتَّنازلُ عن حقِّها أو بعضه؛ لقوله: }وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ{. إلَّا مَن وقي شحَّ نفسه؛ فإنَّه يهون عليه أن يتنازل عن بعض حقِّه؛ لإيمانه بأنَّ الصُّلحَ خير؛ كما قال تعالى: }وَالصُّلْحُ خَيْرٌ{. ولهذا قال- عزَّ وجلَّ: }وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{([442]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «واتَّقوا الشُّحَّ؛ فإنَّ الشُّحَّ أهلك مَن كان قبلَكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلُّوا محارمَهم»([443]).

11- الحثُّ على الإحسان عمومًا وإلى الزَّوجات خصوصًا؛ لقوله: }وَإِنْ تُحْسِنُوا{. وذلك بمجاهدة النَّفس؛ بالصَّبر على الزَّوجة إذا وجد الإنسانُ من نفسه ارتفاعًا عليها وإعراضًا عنها، وإعطائها حقَّها كاملاً؛ بل أزيد منه.

12- الحثُّ على تقوى الله عمومًا، وفي حقوق الزَّوجات خصوصًا؛ لقوله هنا }وَتَتَّقُوا{؛ فلا يظلم الرجلُ زوجتَه إذا وجد من نفسه ارتفاعًا عليها وإعراضًا عنها.

13- إثباتُ اسم الله «الخبير» وما يَدُلُّ عليه من إثبات صفة الخبرة الواسعة لله- عزَّ وجل؛ وهي العلمُ ببواطن الأمور وظواهرها أَزَلاً وأَبَدًا؛ يعلم ما لم يعمله العباد وما عملوه قبل أن يعملوه وبعد أن عملوه؛ لقوله: }فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا{؛ فهو- سبحانه وتعالى- قدَّر أعمالَ العباد وعلم بها قبل كونها، وأنَّها ستكون، وعلم بها بعد كونها علمًا يترتَّب عليه الثَّواب والعقاب.

14- الوعدُ من الله بالثَّواب لمن أحسنوا في عبادته- عَزَّ وجَلَّ، وفي حقِّ عباده من حقوق الأزواج وغيرها، ولمن اتقى ما نهى اللهُ عنه في حقِّه- عَزَّ وجَلَّ، وفي حقِّ عباده من حقوق الأزواج وغيرها، والوعيد لمن خالَف ذلك فأساء وجانب التَّقوى؛ لقوله: }وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا{. ومقتَضى هذا أنَّه- سبحانه- سيجازي كلاًّ بما عمل؛ المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؛ فهو يتضمَّن وعدًا لمن أحسن ووعيدًا لمن أساء.

15- عدم استطاعة الأزواج العدلَ بين النِّساء في المحبَّة والميل القلبيّ والجماع([444])؛ لأنَّ هذا ممَّا لا يملكه الإنسانُ؛ لقوله: }وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ{. وهو- عَزَّ وجَلَّ- أعلم بأحوال العباد الظَّاهرة والباطنة.

16- أنَّ اللهَ لا يكلِّف العبدَ ما لا يستطيع؛ لقوله: }وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ{([445]).

17- ينبغي أن يَحرصَ الإنسانُ على العدل بين النِّساء فيما يملك قدر استطاعته؛ لمفهوم قوله: }وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ{؛ فمفهوم هذا أنَّه يجب أن يعدلوا قدرَ استطاعتهم، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقسم ويعدل بين نسائه فيما يستطيع، ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»([446]).

18- إذا بذل الإنسانُ ما يستطيعه من العدل بين زوجاته فلا يكلِّف نفسَه بما لا يستطيع؛ لقوله: }وَلَوْ حَرَصْتُمْ{. وهذا عامٌّ في كلِّ التَّكاليف؛ قال تعالى: }فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{([447])، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم»([448]).

19- يَحرم على الزوج إذا وجد قلبُه ميلاً إلى إحدى زوجاته ومحبَّةً لها دون الأخرى أن يُتْبعَ هذا بالميل الكلِّيِّ؛ فيزيدها دون الأخرى في القسم والمبيت أو النَّفقة أو المسكن أو غير ذلك؛ فيترك الأخرى مظلومةً مهضومةً كالمعلَّقة التي لا هي ذات زوج، ولا هي مطلَّقة؛ لقوله: }فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ{، وعن أبي هريرة t عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقُّه ساقط»([449]).

20- أنَّ الميلَ كلَّ الميل في القسم بين الزَّوجات أن يتبع الزَّوج الميل القلبيّ الذي لا يملكه بالميل الفعلي الذي يملكه فيترك العدل بينهن في الحقوق التي يستطيعها.

21- أنَّ المرأةَ بين الضَّرائر مع زوج لا يؤدِّي حقوقَها أشبه شيء بالمعلَّق بين السَّماء والأرض؛ لا استقرار لها؛ فلا هي ذات زوج يؤدِّي حقوقها، ولا هي أَيِّم تنتظر الخطاب ويُحسن الناسُ إليها.

22- بلاغةُ القرآن الكريم في التَّنفير في الميل الكلِّيِّ إلى بعض الزَّوجات دون بعض؛ لقوله: }فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ{؛ فقد شبَّه المرأة التي مال عنها زوجُها إلى غيرها بالمعلَّقة بين السَّماء والأرض؛ تنفيرًا من الميل وتحريكًا لعاطفة الأزواج ليعدلوا ما استطاعوا.

23- التَّرغيبُ في الإصلاح عمومًا وفيما بين الزَّوجين خصوصًا، وأن يصلح الزَّوج ما حصل منه من إعراض عن إحدى زوجاته وميل للأخرى؛ لقوله تعالى: }وَإِنْ تُصْلِحُوا{.

24- وجوبُ تقوى الله عمومًا وفي حقوق الأزواج خصوصًا، وأنَّه ينبغي للزَّوج أن يعدل بين زوجاته، ولا يميل لإحداهن ويظلم الأخرى؛ لقوله: }وَتَتَّقُوا{.

25- الوعد بالمغفرة والرَّحمة من الله- عَزَّ وجَلَّ- لكلِّ مَن أصلح واتَّقى؛ لقوله: }وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا{؛ فمَن أصلح واتَّقى من الأزواج وغيرهم فإنَّ الله يَستر ما حَصَلَ منه من تقصير فيما مضى، ويتجاوز عنه، ويشمله برحمته الواسعة، وبالمغفرة زوالُ المكروه والمرهوب من المؤاخذة والعقاب ونحو ذلك، وبالرَّحمة حصولُ المطلوب والمحبوب من الإنعام والإكرام ونحو ذلك.

26- إثباتُ اسم الله «الغفور» وما يدلُّ عليه من إثبات صفة المغفرة الواسعة له- عزَّ وجلَّ؛ لقوله: }فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا{.

كما قال تعالى: }وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَة{([450] وقال تعالى: }وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ{([451] وقال تعالى: }إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ{([452] وقال تعالى: }إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ{([453] وقال تعالى: }هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ{([454]).

فالمغفرةُ صفةٌ ثابتةٌ لله- عَزَّ وجَلَّ- تقتضي سترَ الذَّنب والتَّجاوز عن العقوبة؛ كما قال تعالى: }يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ{([455] وقال تعالى: }يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{([456]).

27- إثبات اسم الله }الرَّحِيمِ{ وما يدلُّ عليه من إثبات صفة الرَّحمة الواسعة لله- عزَّ وجلَّ؛ الرَّحمة الذاتيَّة الثَّابتة له- عَزَّ وجَلَّ- والرحمة الفعليَّة التي يوصلها إلى من شاء من خلقه؛ لقوله }رَحِيمًا{، كما قال تعالى: }وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَة{([457] وقال تعالى: }فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ{([458]).

28- إباحةُ الفرقة بين الزَّوجين؛ سواء كان ذلك بفسخ أو طلاق أو غير ذلك؛ لقوله: }وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ{. وهذا مطلَقٌ في أيِّ فرقة.

29- إذا لم تصلح حالُ الزَّوجين وتفرَّقا، فإنَّ اللهَ يُغني كلاًّ منهما عن الآخر، ويعوِّضه من واسع فضله زوجًا آخر، وسعةً في الرِّزق؛ لقوله: }وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ{. رحمةً بهما وجَبْرًا لكسرهما.

30- يجب على المسلم حسنُ الظَّنِّ بالله والثِّقة به وبما عنده وعدم اليأس من روحه ورحمته والتَّخَوُّف ممَّا سيحصل في المستقبل؛ لقوله: }وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ{. فإذا قدَّر اللهُ الفراقَ بين الزَّوجين فليثق كلٌّ منهما بأنَّ اللهَ سيُخلف عليه خيرًا ممَّا فاته ويرزقه من فضله.

31- إثباتُ اسم الله «الواسع» وما يدلُّ عليه من إثبات سعة صفاته وسعة فضله- عزَّ وجلَّ؛ لقوله: }وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا{.

32- إثباتُ اسم الله «الحكيم» وما يدلُّ عليه من إثبات الحكم التَّامِّ بأنواعه الثَّلاثة: الحكم الكونيّ، والحكم الشَّرعيّ، والحكم الجزائيّ لله- عزَّ وجلَّ، وإثبات الحكمة البالغة لله- عزَّ وجلَّ؛ الحكمة الغائيَّة، والحكمة الصُّوريَّة؛ لقوله: }حَكِيمًا{.

33- في جمعه- عزَّ وجلَّ- بين اسميه "الواسع" و"الحكيم" إشارة إلى أنَّ ما شرَّعه بين الزَّوجين من حقوق وما قدَّره بينهما من صلح أو فرقة؛ لأنَّه- عَزَّ وجلَّ- الواسع في علمه وفي فضله وسائر صفاته، الحكيم في شرعه وقدره، فليرض كلٌّ من الزَّوجين وغيرهما بما قدَّره الله وحكم به كونًا، وبما قضاه وحكم به شرعًا وجزاءً.

* * *



([1]) سورة البقرة، آية: 228.

([2]) سورة النساء، آية: 19.

([3]) سورة النساء، آية: 4.

([4]) «جامع البيان» 7/553-556، «تفسير ابن كثير» 2/185-186.

([5]) انظر «جامع البيان» 7/552-554، 557، «معالم التنزيل» 1/352، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/316، «المحرر الوجيز» 4/18 «الجامع لأحكام القرآن» 5/23-24.

([6]) انظر «أحكام القرآن» للكيا الهراسي 1/324.

([7]) في «مقدمة التفسير» انظر «مجموع الفتاوى» 13/340-341.

([8]) انظر «جلاء الأفهام» ص308.

([9]) انظر «مقدمة أضواء البيان» 1/31-32 وانظر 3/124. وانظر «التحرير والتنوير» 1/93-100.

([10]) سيأتي زيادة بيان لهذا في الأحكام إن شاء الله.

([11]) انظر «جامع البيان» 7/552 وانظر «معاني القرآن» للأخفش 1/226.

([12]) نحلة بكسر النون، ويقال «نُحلة» بضم النون في غير القرآن.

([13]) انظر «جامع البيان» 7/552، «مشكل إعراب القرآن» 1/188، «الكشاف» 1/245.

وقيل حالّ؛ أي: فريضة وحقًا واجبًا عليكم، وقيل مفعول لأجله، أي: ديانة وشريعة. انظر «الكشاف» 1/245، «الجامع لأحكام القرآن» 5/24.

([14]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/57، «الكشاف» 1/245، «الجامع لأحكام القرآن» 5/24.

([15]) في «تفسيره» 2/185.

([16]) انظر «المحرر الوجيز» 4/19، «التفسير الكبير» 9/148، «البحر المحيط» 3/167.

([17]) انظر «التفسير الكبير» 9/148، «الجامع لأحكام القرآن» 5/24، «البحر المحيط» 3/166-167.

([18]) سورة البقرة، آية: 68.

([19]) انظر «أحكام القرآن» للكيا الهراسي 1/325، «الجامع لأحكام القرآن» 5/26، «البحر المحيط» 3/172، «فتح القدير» 1/422.

([20]) وقيل قائمان مقام المصدر.

انظر «مشكل إعراب القرآن» 1/188، «التفسير الكبير» 9/148، «الجامع لأحكام القرآن» 5/26.

([21]) انظر «معالم التنزيل» 1/393، «التفسير الكبير» 9/148، «الجامع لأحكام القرآن» 5/26-27.

([22]) انظر ديوانه ص103، «الجامع لأحكام القرآن» 5/27.

([23]) انظر «جامع البيان» 7/555-556، «التفسير الكبير» 9/148، «الجامع لأحكام القرآن» 5/24-27.

([24]) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» 5/24.

([25]) سورة النساء، آية: 24.

([26]) سورة النساء، آية: 25.

([27]) سورة المائدة، آية: 5.

([28]) أخرجه البخاري في الشروط 2721، ومسلم في النكاح 1418، وأبو داود في النكاح 2139، والنسائي في النكاح 3281 والترمذي في النكاح 1127، وابن ماجه في النكاح 1954 من حديث عقبة بن عامر t.

([29]) انظر «الإنصاف» 8/163.

([30]) انظر «مجموع الفتاوى» 32/132.

([31]) سورة الأحزاب، آية: 50.

([32]) أخرجه البخاري في البيوع 2155، 2168، ومسلم في العتق 1504، وأبو داود في العتق 3929، والنسائي في الطلاق 3451، والترمذي في البيوع 1256، وابن ماجه في الدعاء 3835، ومالك في العتق والولاء 1519.

([33]) سورة البقرة، آية: 236.

([34]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/58.

([35]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/58.

([36]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/58، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 23.

([37]) انظر «التفسير الكبير» 9/149، «الجامع لأحكام القرآن» 5/24.

([38]) سورة النساء، آية: 24.

([39]) ومن الخطأ في هذا ما يفعله بعض الآباء يشترط لنفسه مبلغًا من المال، ولأم البنت مبلغًا من المال وربما لخالتها وعمَّتها كذلك وغير ذلك؛ لكن لو تبرَّع الزَّوج لهم على سبيل الإكرام فلا بأس بذلك.

([40]) أخرجه من حديث جابر بن عبد الله ابن ماجه في التِّجارات 2291، والطحاوي في «مشكل الآثار» 1/230 باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «أنت ومالك لأبيك» وفي «شرح معاني الآثار» 4/158، والإسماعيليُّ في «معجم شيوخه» 3/164 ترجمة رقم 408، وأخرجه أبو داود في البيوع 3528، والنسائيّ في البيوع 4449-4452، والترمذي في الأحكام 1358، وابن ماجه في التجارات، والدارمي في البيوع 2537 من حديث عائشة رضي الله عنها. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

وأخرجه أبو داود في البيوع والتجارات 3530 من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: إنَّ لي مالاً ووالدًا، وإنَّ والدي يحتاج مالي. قال: «أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم». وهكذا أخرجه ابن ماجه في التِّجارات 2292، بلفظ: «أنت ومالك لأبيك». وبقيَّتُه بنحو لفظ أبي داود، وأخرجه أحمد بعدَّة روايات بنحوه 2/179، 204، 214، والطَّحاويُّ في «شرح معاني الآثار» 4/158، قال المنذريُّ في «مختصر سنن أبي داود» 5/183: «رجال إسناده ثقات». وقال الزَّيلعيُّ في «نصب الراية» 3/337: «قال ابنُ القطَّان: إسناده صحيح». وذكره الهيثميُّ أيضًا من حديث ابن عمر: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: «أنت ومالك لأبيك». قال: «رواه أبو يعلى، وفيه حريز؛ وثَّقَه أبو زرعة وأبو حاتم وابن حبَّان وضعَّفه أحمد وغيرُه وبقيَّةُ رجاله ثقات».

 وقد صحَّحه الألبانيُّ من حديث جابر وعبد الله بن عمرو. انظر صحيح الجامع الصغير، 1498، 1499، وانظر في بسط طرق الحديث: «نصب الرَّاية»: 3/ 337- 339، «مجمع الزوائد» 3/154- 156، «إرواء الغليل» حديث 838.

([41]) أخرجه ابن ماجه في الأحكام 2340 من حديث عبادة بن الصامت t، وصححه الألباني، وله شاهد عند ابن ماجه 2341، وأحمد 1/313 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

([42]) انظر «جامع البيان» 7/556-557، «أحكام القرآن» للجصاص 2/58، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/317-318، «الجامع لأحكام القرآن» 5/24.

([43]) انظر «أحكام القرآن» للكيا الهراسي 1/325.

([44]) انظر «أحكام القرآن» للشافعي 1/216، «جامع البيان» 7/556، «الكشاف» 1/246، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/318، «الجامع لأحكام القرآن» 5/25، «فتح القدير» 1/422.

([45]) أخرجه الإمام أحمد 5/72 عن أبي حرة الرقاشي عن عمه قال: «كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوسط أيَّام التشريق أذود عنه الناس، فقال: «يا أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم، وفي أي يوم أنتم، وفي أي بلد أنتم؟» قالوا: في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه». ثم قال: «اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا، إنَّه لا يحلُّ مال امرئ إلَّا بطيب نفس منه...» الحديث بطوله.

وأخرج أحمد أيضًا 5 /172 عن عمرو بن يثربي قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ألا ولا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه...». الحديث.

([46]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/142-145.

([47]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/388، «الجامع لأحكام القرآن» 5/25، 127-128.

([48]) انظر «أحكام القرآن» للكيا الهراسي 1/408-409، «التفسير الكبير» 10/39.

([49]) سورة النساء، آية: 24.

([50]) وفي حديث سهل بن سعد أن امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إنِّي قد وهبت لك من نفسي. فقال رجل: زوِّجنيها. قال: «قد زوجتكُها بما معك من القرآن». أخرجه البخاريُّ في النِّكاح 5149، ومسلم في النكاح 1425، وأبو داود في النكاح 2111، والنسائي في النكاح 3280، والترمذي في النكاح 1114، وابن ماجه في النِّكاح 1889.

([51]) سورة النساء، آية: 24.

([52]) أخرجه البخاري في النكاح 5086، ومسلم في الحج وفي الجهاد والسير 1365 وغيرهما من حديث أنس بن مالك t.

([53]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/144، «أحكام القرآن» للهراسي 1/408-409، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/388، «التفسير الكبير» 10/40، «الجامع لأحكام القرآن» 5/26.

([54]) سورة الأحزاب، آية: 50.

([55]) انظر «زاد المعاد» 5/178-179.

([56]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/26.

([57]) وسيأتي – إن شاء الله تعالى – زيادة بيان وإيضاح لهذه المسألة في الكلام عن حكم كون المهر منفعة عند قول الله تعالى: }فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً{ سورة النساء، آية: 24.

([58]) في «زاد المعاد» 5/156، وانظر 5/178-179.

([59]) انظر «التفسير الكبير» 10/9، «الجامع لأحكام القرآن» 5/94.

([60]) أخرجه البخاري في التفسير 4579، وأبو داود في النكاح 2089 والطبري في «جامع البيان» 8/104 – الأثر 8869، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/902 – الأثر 9029، والبيهقيّ في سننه 7/138، والواحديّ في أسباب النزول ص97.

([61]) أخرجه الطبري في «جامع البيان» 8/109 – الأثر 8882، وابن أبي حاتم في «تفسيره» 3/902 – الأثر 9028. وانظر «تفسير ابن كثير» 2/209-210.

([62]) سورة يوسف، آية: 17.

([63]) انظر «شرح الطحاوية» 2/459.

([64]) في «جامع البيان» 9/592.

([65]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» 7/638: ومعلومٌ أنَّ الإيمانَ هو الإقرار؛ لا مجرَّد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب- الذي هو التَّصديق- وعمل القلب- الذي هو الانقياد- تصديقُ الرسول فيما أخبر، والانقياد له فيما أمر، كما أنَّ الإقرارَ هو الاعترافُ به والعبادة له. وانظر «مجموع الفتاوى» 7/123، 263، 529 – 543.

([66]) انظر «السيرة النبوية» لابن هشام 1/299.

([67]) انظر «شرح الطحاوية» 2/461.

([68]) انظر «مجموع الفتاوى» 7/170، 672.

([69]) انظر «تسير الكريم الرحمن» 1/41، 144.

([70]) سورة المدثر، آية: 31.

([71]) سورة آل عمران، آية: 173.

([72]) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية 7/223-227.

([73]) أخرجه البخاري في الحدود 6810، ومسلم في الإيمان 57، وأبو داود في السنة 4689، والنسائي في قطع السارق 4870، وابن ماجه في الفتن 3936، والدارمي في الأشربة 2106 من حديث أبي هريرة، ورواه البخاري أيضًا من حديث ابن عباس في الحدود 6782.

([74]) سيأتي تخريجُه قريبًا، والإيمانُ بالله يتضمَّن أمورًا أربعة: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيَّته، والإيمان بألوهيَّته، والإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بالملائكة يتضمَّن الإيمان بوجودهم وبأعمالهم على جهة الإجمال والتَّفصيل، والإيمان بكتبه يتضمَّن الإيمانَ بأنَّها من عند الله والإيمان بكلِّ ما فيها، والإيمان برسله يتضمَّن الإيمانَ بأنَّهم رسلُ الله، وأنَّ ما جاؤوا به من عند الله حقٌّ، واتِّباعُهم، والإيمان باليوم الآخر يتضمَّن الإيمان باليوم الآخر، وبالبعث والجزاء على الأعمال، والجنة والنار وغير ذلك مما يكون في هذا اليوم.

والإيمان بالقدر خيره وشره: الإيمان بأن الله كتب مقادير كلِّ شيء، وأنَّ كلَّ شيء بقضاء وقدر، وأنَّ ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبَه. انظر «شرح الطَّحاوية» 2/511 وما بعدها.

([75]) أخرجه ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» 3/902 – الأثر 9027، وذكره ابن كثير في «تفسيره» 3/4.

وهذه عبارةٌ جامعةٌ؛ فما بعد هذا النِّداء: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا{ لا يخلو إمَّا أن يكون أمرًا كقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ سورة آل عمران، الآية: 200، وإمَّا أن يكون نهيًا؛ كقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ{ سورة الحجرات، آية: وقد يجتمع الأمرُ والنَّهيُ كما في هذه الآية: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ{ سورة النساء الآية (19)، وكما في قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ{. سورة آل عمران الآية (102)، وقد يأتي بعد هذا النِّداء خبر لكن الغرض منه إمَّا أمر وإمَّا نهي وتحذير؛ كقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ{ سورة التوبة الآية (34)؛ فهذا خبرٌ عن حال هؤلاء الرُّهبان وما هم عليه من أكل الأموال بالباطل والصَّدّ عن سبيل الله، والغرض من سياق هذا الخبر هو التَّحذير ممَّا هم عليه.

([76]) أخرجه مسلم في الإيمان 8، وأبو داود في السنة 4695، والنسائي في الإيمان وشرائعه 4990، وابن ماجه في المقدمة 63.

([77]) انظر «مجموع الفتاوى» 7/10.

([78]) أخرجه البخاري في الإيمان 9، ومسلم في الإيمان 35، وأبو داود في السنة 4676، والنسائي في الإيمان 5004-5005، والترمذي في الإيمان 2614، وابن ماجه في المقدمة 57. من حديث أبي هريرة t.

([79]) انظر «مجموع الفتاوى» 7/10، 14، 576-577، «شرح الطحاوية» 2/448-490.

([80]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/95.

([81]) انظر «لمحرر الوجيز» 4/59-60.

([82]) انظر «مشكل إعراب القرآن» 1/194.

([83]) انظر «جامع البيان» 8/104، 109 – 110 «تهذيب سنن أبي داود» 3/35-36، «بدائع التفسير» 2/13.

([84]) سورة مريم، الآيتان: 5، 6.

([85]) قال - صلى الله عليه وسلم -: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة». أخرجه البخاريُّ في الوصايا 2776، ومسلم في الجهاد والسِّيَر 1760، وأبو داود في الخراج والإمارة والفيء 2974، ومالك في الجامع 1871 – من حديث أبي هريرة t، وأخرجه البخاريُّ في فرض الخمس 3093، 3094، ومسلم في الجهاد والسِّيَر 1758، 1759 من حديث عائشة- رضي الله عنها.

([86]) انظر «المبسوط» ص155، «الكشف» 1/382، «التبصرة» ص476، «العنوان» ص83، «تلخيص العبارات» ص81، «الإقناع» 2/628، «النشر» 2/248.

([87]) سورة الأحقاف، آية: 15.

([88]) انظر «معالم التنزيل» 1/408، «المحرر الوجيز» 4/59، «الجامع لأحكام القرآن» 5/95، «البحر المحيط» 3/202.

([89]) انظر «البحر المحيط» 3/202.

([90]) سورة النور، آية: 33.

([91]) انظر «مدارك التنزيل» 1/302، «البحر المحيط» 3/202.

([92]) انظر «جامع البيان» 8/114، «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 2/29، «المحرر الوجيز» 4/61، «الجامع لأحكام القرآن» 5/96، «التفسير الكبير» 10/10، «البحر المحيط 3/204.

([93]) انظر «جامع البيان» 8/110 – 114، 120-121، «عالم التنزيل» 1/408، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/361-362، «المحرَّر الوجيز» 4/59-61، «البحر المحيط» 3/203، «تفسير ابن كثير» 2/210.

وقد قيل: إنَّ الخطابَ للأولياء؛ أولياء الزوج. وقيل: أولياء النِّساء نهوا عن منعهنَّ من الزَّواج ليفتدين، أو حتى يمتنَ فيرثوهنَّ. وقيل غير ذلك، والصَّحيحُ الأوَّلُ. انظر «جامع البيان» 8/110-113، «النكت والعيون» 1/373- 374.

([94]) انظر «التفسير الكبير» 10/10 «مدارك التنزيل» 1/303.

([95]) انظر «البحر المحيط» 3/203.

([96]) في «تفسيره» 2/210.

([97]) انظر «الدر المصون» 2/335.

([98]) انظر «جامع البيان» 8/115-121، «معالم التنزيل» 1/409، «الكشّاف» 1/258، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/362، «المحرر الوجيز» 4/61-62، «الجامع لأحكام القرآن» 5/95-96، «مدارك التنزيل» 1/303، «البحر المحيط» 3/203، «تفسير ابن كثير» 2/211.

([99]) سورة البقرة، الآية: 229.

([100]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/96.

([101]) انظر «البحر المحيط» 3/204.

([102]) انظر «جامع البيان» 8/121، «المبسوط» ص155، «الكشف» 1/383، «التبصرة» ص476، «العنوان» ص83 «تلخيص العبارات» ص82، «الإقناع» 2/628، «معالم التنزيل» 1/409، «المحرر الوجيز» 4/62، «البحر المحيط» 3/204، «النشر» 2/248.

([103]) سورة البقرة، آية: 229.

([104]) انظر «مجاز القرآن» 1/120، «البحر المحيط» 3/193.

([105]) انظر «تفسير المنار» 4/456.

([106]) انظر «جامع البيان» 8/121، «معالم التنزيل» 1/409، «الجامع لأحكام القرآن» 5/97، «مدارك التنزيل» 1/303، «البحر المحيط» 3/205، «تفسير ابن كثير» 2/211-212، «تفسير المنار» 4/456، «تيسير الكريم الرحمن» 2/42.

([107]) سورة البقرة، آية: 228.

([108]) أخرجه الطبري 4/532، الأثر 4768. وانظر «تفسير ابن كثير» 1/398.

([109]) أخرجه التِّرمذيُّ في المناقب 3895 من حديث عائشة وقال: «حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقل مَن رواه عن الثَّوريّ»، والدَّارميّ في النِّكاح 2260، وأخرجه ابن ماجه في النِّكاح، الحديث 1977 من حديث ابن عبَّاس.

وقال الألبانيُّ في «الأحاديث الصَّحيحة» 285: «صحيح على شرط الشَّيخين». وقال عبد القادر الأرنؤوط في تعليقه على «جامع الأصول» 1/417: «إسنادُه صحيح».

([110]) في «تفسيره» 2/211.

([111]) أخرجه أبو داود في الجهاد 2578، وابن ماجه في النكاح 1979 من حديث عائشة رضي الله عنها وصححه الألباني.

([112]) أخرجه البخاري في المناقب 3818، ومسلم في فضائل الصحابة 2435 – من حديث عائشة رضي الله عنها.

([113]) أخرجه البخاريُّ في المناقب 3821، ومسلم في فضائل الصَّحابة 2437.

([114]) انظر «جامع البيان» 8/122، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/363.

([115]) انظر «الدُّرّ المصون» 2/336، «البحر المحيط» 3/205.

([116]) انظر «مشكل إعراب القرآن» 1/194.

([117]) انظر «جامع البيان» 8/123، «مدارك التنزيل» 1/303، «الدر المصون» 2/336، «البحر المحيط» 3/205.

([118]) أخرجه مسلم في الرّضاع 1469، وأحمد 2/329 من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

([119]) انظر «جامع البيان» 8/122-123، «الكشاف» 1/258، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/363، «مدارك التنزيل» 1/303، «البحر المحيط» 3/205، «تفسير ابن كثير» 2/212.

([120]) انظر «البرهان» 4/288.

([121]) سورة النساء، آية: 99.

([122]) في «الرسالة التبوكية» ص48، وانظر «بدائع التفسير» 2/27- 28.

([123]) سورة النساء، آية: 59.

([124]) سورة البقرة، آية: 183.

([125]) سورة الجمعة، آية: 9.

([126]) سورة المائدة، آية: 1.

([127]) انظر «تيسير الكريم الرحمن» 2/41- 42.

([128]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربيّ 1/362- 363.

ومثلُ هذا في التَّحريم أن يحبسها وهو لا يريدها رجاءَ أن تموت فيرثها.

وأيضًا فإذا كان الزَّوجُ يحرم عليه عضلُ زوجته، فكذلك الولي؛ كأبيها وأخيها وغيرهما؛ يحرم عليهم منعها من الزواج حتى تفدي نفسَها منهم بدفع مهرها إليهم أو حتى تموت فيرثوها، وإذا عضل الولي القريب انتقلت الولاية إلى مَن بعده، أو إلى القاضي. انظر «أحكام القرآن» لابن العربيّ 1/362، «المحرَّر الوجيز» 4/61، «الجامع لأحكام القرآن» 5/96.

([129]) في هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل العلم أكثرهم على الجواز، وقيل بالتحريم، وقيل بالكراهة. وقد ذكر المفسرون الخلاف في هذه المسألة عند قول الله تعالى في سورة البقرة: }فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ...{. الآية (229)، وظاهر هذه الآية أنَّه لا حرجَ عليهما فيما افتدت به؛ سواء كان أقلَّ أو أكثر ممَّا أعطاها. وانظر: «جامع البيان» 8/120، «أحكام القرآن» للجصاص 1/393، «زاد المعاد» 5: 193- 195.

([130]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/363، «المحرر الوجيز» 4/62، «الجامع لأحكام القرآن» 5/174، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية 15/320.

([131]) انظر «إغاثة اللهفان» 1/378.

([132]) سورة النبأ، آية: 26.

([133]) سورة النحل، آية: 126.

([134]) سورة الشورى، آية: 40.

([135]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/363.

([136]) وقد قيل المرأة تسمن من أذنها. انظر «البحر المحيط» 3/205.

([137]) أخرجه مسلم في الحج من حديث جابر بن عبد الله t 1218.

وأخرجه من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو داود في المناسك 1905، وابن ماجه في المناسك 3074.

([138]) أخرجه البخاري في البيوع 2211، ومسلم في الأقضية 1714، وأبو داود في البيوع 3532، والنسائي في آداب القضاة 5420، وابن ماجه في التجارات 2293، والدارمي في النكاح 2259.

([139]) انظر «زاد المعاد» 5/490-493.

([140]) أخرجه البخاري في الأذان 676، وفي الأدب 6039، والترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع 2489.

([141]) أخرجه أحمد من حديث هشام بن عروة عن رجل قال سألت عائشة ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع في بيته؟ قالت: «كان يرقع الثوب ويخصف النعل ونحو هذا».

وفي الشمائل للترمذي من طريق عمرة عن عائشة: «ما كان إلا بشرًا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه». انظر «فتح الباري» 2/163.

([142]) سبق تخريجه.

([143]) أي: أسيرات؛ فإذا ضيَّق الرجل على زوجته فأين تذهب المسكينة؟! ولهذا قال عمر بن الخطاب t: «إن النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته». قال ابن القيم: «ولا ريب أن النكاح نوع من الرق». انظر «زاد المعاد» 5/189.

([144]) أخرجه بهذا اللفظ أحمد 5/72، 73 من حديث عمرو بن الأحوص.

([145]) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في الرضاع 1163، وقال: «حديث حسن صحيح» وابن ماجه في النكاح 1851 من حديث عمرو بن الأحوص وحسنه الألباني.

([146]) أخرجه أحمد 6/347، 352 وإسناده صحيح، وانظر «زاد المعاد» 5/186 – 189.

([147]) انظر «تفسير المنار» 5/79.

([148]) انظر «أحكام القرآن» للهراسي 1/382، «الكشاف» 1/258، «البحر المحيط» 3/205.

([149]) أخرجه البخاري في الزكاة 1469، ومسلم في الزكاة 1053، وأبو داود في الزكاة 1644، والنسائي في الزكاة 2588، والترمذي في البر والصلة 2024 من حديث أبي سعيد الخدري t.

([150]) البيتان لكثير عزة انظر «ديوانه» ص154، «البحر المحيط» 4/205.

([151]) انظر «أحكام القرآن» للهراسي 1/382، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/361، «الجامع لأحكام القرآن» 5/98.

([152]) أخرجه أبو داود في الطَّلاق 2178، وابن ماجه في الطلاق 2018، من حديث عبد الله بن عمر t، وضعَّفه الألبانيُّ، وقد حسَّن هذا الحديثَ بعضُ أهل العلم.

([153]) أخرجه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار 2813.

([154]) انظر «الكشاف» 1/258، «البحر المحيط» 3/205.

([155]) انظر «البحر المحيط» 3/ 206.

([156]) سورة البقرة، آية: 216.

([157]) سورة البقرة، الآيتان: 155-156.

([158]) البيت لبشار بن برد وهو في «ديوانه» 1/309.

([159]) انظر «شرح ديوان زهير بن أبي سلمى» ص29.

([160]) انظر «ديوانه سقط الزند» ص59.

([161]) أخرجه الطَّبرانيُّ في الكبير عن ابن عبَّاس- رضي الله عنهما. انظر «الجامع الصغير» 2778، وأخرجه أحمد 4/286 عن البراء بن عازب t، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أوسط عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله». وكذا أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقيُّ في «شعب الإيمان». انظر: «الجامع الصغير» 2247.

([162]) أخرجه مسلم في الإيمان 54، وأبو داود في الأدب 5193، والترمذي في الاستئذان والآداب 2688، وابن ماجه في المقدمة 68، من حديث أبي هريرة t.

([163]) أخرجه مسلم في الإيمان 45، والنسائي في الإيمان وشرائعه 5016، والترمذي في صفة القيامة 2515، وابن ماجه في المقدمة 66، والدارمي في الرقاق 2740 من حديث أنس بن مالك t.

وانظر كلام الشَّيخ محمد بن صالح العثيمين- وفَّقه الله- على هذه الآية في دروس التَّفسير.

([164]) انظر «المحرر الوجيز» 4/63، «الجامع لأحكام القرآن» 5/99.

([165]) انظر «جامع البيان» 1/130، 494، «البحر المحيط» 3/205.

([166]) انظر «جامع البيان» 8/123، «تفسير ابن كثير» 2/212.

([167]) انظر «البحر المحيط» 3/205.

([168]) انظر «البحر المحيط» 3/205.

([169]) انظر «جامع البيان» 8/123- 124، «معاني القرآن وإعرابه» للزَّجَّاج 2/ 30، «معالم التنزيل» 1/ 409، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/ 365.

([170]) في «الكشاف» 1/258.

([171]) في «تفسيره» 2/15.

وقد ذكر في تحديده أقوال عدة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال وكلها لا دليل عليها، فقيل ألف دينار، وقيل ألف أوقية، وقيل ألف مثقال من الذهب، وقيل ملء جلد ثور من الذهب وقيل اثنا عشر ألف درهم، وقيل غير ذلك.

([172]) انظر «النكت والعيون» 1/374.

([173]) انظر «تفسير المنار» 4/ 459.

([174]) انظر «معالم التنزيل» 1/409، «البحر المحيط» 3/207.

([175]) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 2/30، «الكشاف» 1/258، «الجامع لأحكام القرآن» 5/102.

([176]) انظر «الكشاف» 1/258، «التفسير الكبير» 10/13، «البحر المحيط» 3/207.

([177]) أخرجه مسلم في البرِّ والصِّلة والآداب 2553، والتِّرمذيُّ في الزُّهد 2389، والدَّارميّ في الرّقاق 2789 من حديث النَّوَّاس بن سمعان الأنصاريّ t قال: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن البرِّ والإثم، فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس».

([178]) في «جامع البيان» 8/124.

([179]) انظر «التفسير الكبير» 10/ 13.

([180]) انظر «جامع البيان» 8/ 125.

([181]) انظر «مجاز القرآن» 1/ 120، «جامع البيان» 8/ 125- 126، «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 2/ 31، «العدة في أصول الفقه» 5/ 1424، «معالم التنزيل» 1/ 409، «المحرر الوجيز» 4/ 66، «التفسير الكبير» 10/ 14، «الجامع لأحكام القرآن» 5/ 102، «مدارك التنزيل» 1/ 34، «تفسير ابن كثير» 2/ 213.

([182]) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 908.

([183]) انظر «جامع البيان» 8/128-130، «الكشاف» 1/258، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/367، «المحرر الوجيز» 4/66، «التفسير الكبير» 10/15، «الجامع لأحكام القرآن» 5/103، «البحر المحيط» 3/207، «تفسير ابن كثير» 2/214.

وقيل المراد بالميثاق: الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان. والصحيح أن هذا مما يلزم على هذا الميثاق ومن مقتضياته، وليس هو نفس الميثاق. وقيل المراد به الأولاد وقيل طول الصحبة وقد قيل صحبة عشرين يومًا قرابة. والصحيح الأول. انظر «المصادر السابقة».

([184]) أخرجه مسلم في الحج 1218، وأبو داود في المناسك 1905، والنسائي في المناسك 2962، والترمذي في الحج 862، وابن ماجه في المناسك 3074، والدارمي في المناسك 1850 من حديث جابر بن عبد الله t، وأخرجه أحمد 5/73 من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه عمرو بن الأحوص.

([185]) سورة البقرة، آية: 229.

([186]) والطلاق وإن كان مباحًا فإنَّه مكروه إذا كان لغير حاجة، وفي الحديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». سبق تخريجه.

ومما يدلُّ على كراهة الطَّلاق قولُه تعالى: }لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{. سورة البقرة، الآيتان: (226-227)؛ وجه ذلك أنَّ الله ختم الآيةَ الأولى وهي التي بها الرجوع عن الإيلاء بقوله: }فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{؛ بينما ختم الآية الثَّانية التي فيها العزم على الطَّلاق بقوله: }فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{.

ومما يدلُّ على كراهة الطَّلاق أيضًا الحديث في بعث الشَّيطان سراياه... وفيه: «فيأتيه أحدُهم فيقول: ما زلت بفلان حتى زنى أو سرق. فقال: ما عملتَ شيئًا، يستغفر الله ويتوب... ويأتيه الآخر ويقول: ما زلت بفلان بينه وبين امرأته حتى طلَّقها، فيدنيه ويقول: أنت أنت...» الحديث. وقد سبق تخريجه.

وإذا كان الطَّلاق من عمل الشَّيطان وتزيينه وتسويله ومحبوب له فهو مما يبغضه الله.

([187]) انظر «معالم التنزيل» 1/414، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/364، «المحرر الوجيز» 4/64، «الجامع لأحكام القرآن» 5/99-100، «البحر المحيط» 3/205، «تفسير ابن كثير» 2/212.

([188]) أخرجه البخاري في الصلاة 450، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة 533، والترمذي في الصلاة 318، وابن ماجه في المساجد والجماعات 736، والدارمي في الصلاة 1392، من حديث عثمان بن عفان t، وأخرجه ابنُ ماجه في المساجد والجماعات 738 من حديث جابر بن عبد الله t.

([189]) في «التفسير الكبير» 10/12.

([190]) سورة الأنبياء، آية: 22.

([191]) أخرجه مسلم في النكاح 1424، والأوقية أربعون درهمًا من فضة، ويحتمل أنَّ اسمَ الرجل «أبو حدرد»؛ كما في رواية أحمد والطَّبرانيّ، وقال ابنُ حجر في «فتح الباري» 9/181: «يحتمل أن يكون المغيرةَ بن شعبة».

([192]) في «المسند» 6/11.

([193]) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» 4/282 وقال: «ورجال أحمد رجال الصحيح».

([194]) في «الجامع لأحكام القرآن» 5/101.

([195]) انظر «المحرر الوجيز» 4/64، «الجامع لأحكام القرآن» 5/101.

وقد روي أن عمراً أصدق أمَّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب أربعين ألف درهم. انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/364- 365.

([196]) في «مجموع الفتاوى» 32/192.

([197]) الأوقية أربعون درهمًا انظر «زاد المعاد» 5/176.

([198]) أخرجه أبو داود في النكاح 2106، والنسائي في النكاح 3349، والترمذي في النكاح 1114، وقال: حديث حسن صحيح.

وابن ماجه في النكاح 1887، وأحمد 1/41، 48، والدارمي في النكاح 2200.

وصححه الألبانيّ في «إرواء الغليل» 6/374، وحسنه الأرنؤوط في تخريجه «زاد المعاد» 5/176. وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان صداق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًا، فذلك خمسمائة». أخرجه مسلم في النكاح 1426، والبغوي في «معالم التنزيل» 1/414.

([199]) أخرج هذه القصة عبد الرزاق في «المصنف» 6/180، الأثر 10420، والبيهقيّ في «سننه» 7/233، وقال: «ضعيف منكر». والذَّهبيُّ في «سير أعلام النُّبلاء» 20/231- 241.

وذكرها ابنُ العربي في «أحكام القرآن» 1/364، وابن عطيّة في «المحرّر الوجيز» 4/64، والقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» 5/99-100، وذكرها ابن كثير في «تفسيره» 2/212-213، وقال بعد سياق هذه القصّة: «إسناده جيد قوي». وذكرها من طريق أخرى وقال: «في سندها انقطاع». وضعَّفها الألبانيُّ في «إرواء الغليل» 6/348 حديث 1927.

([200]) في «أحكام القرآن» 1/364.

([201]) أخرجه أبو داود في النكاح 2117، وإسناده قوي، وصححه ابن حبان 1257، والألباني.

([202]) في «مجموع الفتاوى »32/192-195.

([203]) في «زاد المعاد» 5/178، وانظر «تيسير الكريم الرحمن» 2/43.

([204]) في «تيسير الكريم الرحمن» 2/43.

([205]) أما إذا كان الفراق بسببها بأن أتت بفاحشة، فله أن يأخذ منها مما أعطاها كما في الآية السابقة }وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ{ سورة النساء، الآية (19)، وكذا إذا طلبت الفسخ؛ لقوله: }فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ{، وكذا إذا رضيت بأن يأخذ زوجها شيئًا مما أعطاها وكانت مكلَّفة رشيدة؛ لقوله: }إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ{، سورة البقرة الآية (237)، وقوله: }فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا{ سورة النساء الآية (4)؛ أما إذا كان الفراق بسببهما معًا فقيل: للزَّوج أن يأخذ منها. وقيل: ليس له ذلك. وهو الأظهر، انظر «المحرّر الوجيز» 4/64، «الجامع لأحكام القرآن » 5/99.

([206]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/110.

([207]) أخرجه مسلم في النكاح 1437، وأبو داود في الأدب 4870، وأحمد 3/69 من حديث أبي سعيد t.

([208]) انظر كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين على هذه الآية في دروس التفسير.

([209]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/367، «التفسير الكبير» 10/40، «مدارك التنزيل» 1/304، «البحر المحيط» 3/206.

([210]) انظر «البحر المحيط» 3/239.

([211]) انظر «الوسيط» 2/45، «المحرر الوجيز» 4/103، «البحر المحيط» 3/139.

([212]) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين 769، وأبو داود في الصلاة 771، والنسائي في قيام الليل 1619، والترمذي في الدعوات 3418، وابن ماجه في إقامة الصلاة 1355 – من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وانظر «البحر المحيط» 3/239.

([213]) انظر «جامع البيان» 8/290-291، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/415- 416، «المحرر الوجيز» 4/103، «التفسير الكبير» 10/ 71، «الجامع لأحكام القرآن 5/169، «تفسير ابن كثير» 2/256.

([214]) سورة يوسف، آية: 25.

([215]) انظر «مجموع الفتاوى» 32/184.

([216]) انظر «جامع البيان» 8/293، «المحرر الوجيز» 4/103، «البحر المحيط» 3/239.

([217]) انظر «البحر المحيط» 3/239.

([218]) قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة». أخرجه البخاريُّ في الفتن 7099، والنَّسائيُّ في آداب القضاء 5388، والتِّرمذيُّ في الفتن 2262، وانظر «تفسير المنار» 5/67، 69، 70.

([219]) قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أذهب للُبِّ الرجل الحازم من إحداكن». قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليست شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» قلن: بلى. قال: «فذلك نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تَصُم؟» قلن: بلى. قال: «فذلك نقصان دينها».

أخرجه البخاريُّ في الحيض 304، ومسلم في الإيمان 80، من حديث أبي سعيد الخدريّ، وأخرجه مسلم أيضًا من حديث ابن عمرو من حديث أبي هريرة في الإيمان 79، 80.

([220]) سورة البقرة، الآية: 228.

([221]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/416، «المحرر الوجيز» 4/103، «التفسير الكبير» 10/71 – 72، «الجامع لأحكام القرآن» 5/165، «تفسير ابن كثير» 2/256.

([222]) انظر «البحر المحيط» 3/239.

([223]) انظر «جامع البيان» 8/293.

([224]) انظر «جامع البيان» 8/292- 293، «تفسير ابن كثير» 2/256.

([225]) في «تفسيره» 2/256.

([226]) قال تعالى: }فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ{ سورة الزُّمر الآية: (2)، وقال تعالى: }وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ{. سورة البيِّنة الآية (5)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». أخرجه البخاريّ في الإيمان 54، ومسلم في الإمارة 1907، وأبو داود في الطَّلاق 2201، والنسائي في الطهارة 75، والتِّرمذيّ في فضائل الجهاد 1647، وابن ماجه في الزُّهد 4227 من حديث عمر بن الخطاب t.

([227]) قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». أخرجه البخاريُّ في الصُّلح 2697، ومسلم في الأقضية 1718، وأبو داود في السُّنَّة 4606، وابن ماجه في المقدِّمة 14، من حديث عائشة- رضي الله عنها. وفي لفظ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». أخرجه البخاري في الصلح 2697، ومسلم في الأقضية 1718، وأبو داود في السُّنَّة 4606، وابن ماجه في المقدِّمة 14، من حديث عائشة رضي الله عنها.

ولا تتحقَّق المتابعة إلَّا إذا وافق العملُ الشَّريعةَ في أمور ستَّة: السَّبب والجنس والقدر والكيفيَّة والمكان والزَّمان؛ فالموافَقةُ للسَّبب مثلاً أن يصلِّيَ للكسوف عند وجود سببه؛ فمن صلَّى صلاة الكسوف دون حصول الكسوف لم تصحَّ منه، والموافقة في القدر مثلاً أن يصلِّيَ صلاةَ الظُّهر أربع ركعات؛ فمَن زاد فيها أو نقص فصلاتُه باطلةٌ. والموافقة بالكيفيَّة مثلاً أن يقدِّم الرُّكوعَ على السُّجود في الصَّلاة؛ فمَن عكس لم تصحّ صلاته. والموافقة في المكان مثلاً أن يقف الحاجُّ بعرفة يوم التَّاسع؛ فمَن وقف خارجَها لم يصحَّ حجُّه. والموافقة في الزَّمان أن يصلِّي الصَّلاةَ بعد دخول وقتها؛ فمَن صلَّاها قبلَ وقتها لم تصحَّ منه.

انظر كلام شيخنا الشَّيخ محمد بن صالح العثيمين على قوله تعالى: }وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ{. سورة المائدة، الآية: (9) في دروس التفسير.

([228]) سورة النساء، آية: 125.

([229]) انظر «تفسير ابن كثير» 2/374.

([230]) سورة الكهف، آية: 110.

([231]) سورة التحريم، آية: 12.

([232]) انظر «جامع البيان» 8/294، «أحكام القرآن» للجصَّاص 2/188، «المحرر الوجيز» 4/104، «التفسير الكبير» 10/72، «تفسير ابن كثير» 2/256.

([233]) انظر «اللسان» مادة «غيب».

([234]) انظر «جامع البيان» 8/295، «أحكام القرآن» للجصاص 2/188، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/416، «المحرر الوجيز» 4/104، «الجامع لأحكام القرآن» 5/170.

([235]) أخرجه من حديث أبي هريرة الطبري 8/295 الحديث رقم 9328، والطيالسي ص306، والبغوي في «معالم التنزيل» 1/422. والحاكم مختصرًا 2/161، وذكره ابنُ كثير في تفسيره 2/257، وأخرجه بمعناه أبو داود في الزَّكاة 1664 من حديث ابن عبَّاس عن عمر- رضي الله عنهما- وابن ماجه في النِّكاح 1857 من حديث أبي أمامة t.

([236]) أخرجه أحمد 6/456- 457، وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه ضعف، لكن للحديث شواهد يتقوَّى بها؛ منها حديث أبي هريرة بمعناه الذي أخرجه أحمد 2/20، 541، وأبو داود 2174، ومنها حديث سلمان الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/186، ومنها حديث سعد بن أبي وقاص الذي أخرجه البزار كما ذكر الهيثمي في «مجمع الزوائد» 4/294، 295.

([237]) في «الجامع لأحكام القرآن» 5/170. أحوال الناس وأمورهم، منها أحوال وأمور خاصَّةٌ الأولى سترُها؛ بل قد يجب سترُها؛ لما يترتَّب على إفشائها ونشرها من مفاسد، ومنها أمور عاديَّة لا يلزم التَّكَتُّم عليها؛ بل لا يحسن التَّكتُّم عليها؛ لما قد يترتب على ذلك من أضرار بين الأسر.

والناس في هذا بين طرفين، ووسط منهم مَن يَتَكَتَّم على كلِّ شيء؛ حتى على الأمور العاديَّة؛ ظنًّا منهم أنَّهم بهذا يحفظون أنفسَهم من العين؛ فتجدهم يحيطون أنفسَهم وأهليهم بهالة من التَّكَتُّمات؛ وإن أدَّى ذلك إلى سوء العلاقات بينهم وبين جيرانهم وأقاربهم ومَن له لهم معرفة، وما علموا أنَّ المعطيَ هو الله، وأنَّ الواقيَ هو الله، وأنَّ المطلوبَ من الإنسان فعلُ الأسباب مع الاعتماد على الله، وتحصين النَّفس بالأوراد الشَّرعيَّة؛ وهؤلاء أشبه حالاً بقارون الذي قال: }إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي{. سورة القصص، الآية (78)؛ لأنَّهم اعتقدوا أنَّهم بهذا الفعل حفظوا أنفسهم، حتى نشأت ناشئة من النَّاس تخشى من النَّاس أكثرَ ممَّا تخشى من الله، وضعف عندهم اليقينُ والاعتمادُ على الله من أجل هذه التَّربية العقيمة.

والطرف الثَّاني: مَن يفشي كلَّ شيء؛ وهذا لا ينبغي، وخير الأمور الوسط؛ فالأمورُ والأحوالُ الخاصَّةُ في البيت وبين الزَّوجين ونحو ذلك ينبغي سترُها.

والأمورُ العاديَّة لا يتكتَّم عليها، ولا يلزم من هذا أن نعلنها، ودينُ الله وسط بين الغُلُوِّ والجفاء والإفراط والتَّفريط، واللهُ المستعانُ.

([238]) انظر «جامع البيان» 8/296- 297، «المبسوط» ص156، «تلخيص العبارات» ص82، «الإقناع» 2/629، «النشر» 2/249.

([239]) انظر «جامع البيان» 8/296- 297، «المبسوط» ص156، «تلخيص العبارات» ص82، «الإقناع» 2/629، «النشر» 2/249.

([240]) انظر «جامع البيان» 8/296، «أحكام القرآن» للجصاص 2/188، «النكت والعيون 1/286، «الكشاف» 1/266، «المحرر الوجيز» 4/105، «التفسير الكبير» 10/72، «الجامع لأحكام القرآن» 5/170.

([241]) سورة الطلاق، الآيتان: 2-3.

([242]) أخرجه التِّرمذيُّ في صفة القيامة 2516، وقال: «حديث حسن صحيح». وأحمد 4/286، 288، من طريق حنش الصّنعانيّ؛ قال ابن منده: «هذا إسناد مشهور ورواته ثقاتٌ». وقال ابنُ رجب: «إسنادُه حسن لا بأس به». وقد شرحه ابنُ رجب في «جامع العلوم والحكم» وفي رسالته: «نور الاقتباس في وصيَّة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لابن عبَّاس». وصحَّحه أحمد شاكر في شرحه للمسند 2669، 2763.

([243]) هذا البيت لعلي بن أبي طالب t، انظر «ديوانه» ص63، وقد روي: فأول ما يجني عليه اجتهاده.

([244]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/188، «معالم التنزيل» 1/422، «التفسير الكبير» 10/72، «الجامع لأحكام القرآن» 5/170، «البحر المحيط» 3/240.

([245]) انظر «التفسير الكبير» 10/72.

([246]) انظر «معاني القرآن» للفراء 1/146، 265 «جامع البيان» 8/298، «أحكام القرآن» للجصاص 2/189، «معالم التنزيل» 1/423، «المحرر الوجيز» 4/108.

([247]) انظر «جامع البيان» 8/299، «أحكام القرآن» للجصاص 2/189، «معالم التنزيل» 1/423.

([248]) انظر «جامع البيان» 8/299، «أحكام القرآن» للجصاص 2/189، «معالم التنزيل» 1/423.

([249]) سورة المجادلة، آية: 11.

([250]) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 2/48، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/417، «الجامع لأحكام القرآن» 5/170، «مجموع الفتاوى» 32/277-278.

([251]) انظر «جامع البيان» 8/299، «أحكام القرآن» للجصاص 2/189، «المحرر الوجيز» 4/106، «التفسير الكبير» 10/73، «مجموع الفتاوى» 14/211، 32/ 277-278، «البحر المحيط» 3/241، «تفسير ابن كثير» 2/257.

([252]) انظر «جامع البيان» 8/299-301، «معالم التنزيل» 1/423، «التفسير الكبير» 10/73، «الجامع لأحكام القرآن» 5/174.

([253]) أخرجه أحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف t 1/191.

وذكره الهيثميُّ في «مجمع الزَّوائد» 4/306 وقال: رواه أحمد والطَّبرانيُّ في الأوسط وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقيَّة رجاله رجالُ الصَّحيح، ورجَّح أحمد شاكر أنَّ في إسناد أحمد انقطاعًا.

([254]) أخرجه البخاري في بدء الخلق 3237، ومسلم في النكاح 1436، وأبو داود في النكاح 2141، والدارمي في النكاح 2282 من حديث أبي هريرة t.

([255]) أخرجه ابن ماجه في النكاح 1852، 1853، وأحمد 4/381 من حديث عبد الله بن أبي أوفى t. قال الألبانيُّ: «حسن صحيح». وأخرجه أحمد أيضًا من حديث معاذ بن جبل t 5/227، 228، ومن حديث عائشة- رضي الله عنها 6/76.

([256]) أخرجه أحمد 4/341.

([257]) انظر «تفسير المنار» 5/72.

([258]) أخرجه البخاريّ في الرِّقاق 6484، وأبو داود في الجهاد 2481، والنّسائيّ في الإيمان وشرائعه 4996 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما.

([259]) سورة السجدة، آية: 16.

([260]) أخرجه البخاريّ في الأدب 6077، ومسلم في البر والصلة 2560، وأبو داود في الأدب 4911، والتِّرمذيُّ في البرِّ والصِّلة 1932، ومالك في الجامع 1682، من حديث أبي أيوب الأنصاريّ t.

وانظر «جامع البيان» 8/302 – 305، «أحكام القرآن» للجصّاص 2/189، «معالم التنزيل» 1/423، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/418، «المحرر الوجيز» 4/106-107، «الجامع لأحكام القرآن» 5/171، 172، «تفسير ابن كثير» 2/257 – 258.

وقيل: المعنى: قولوا لهنَّ من القول هجرًا؛ بأن يغلَّظَ لها القولُ. انظر «جامع البيان» 8/305-306. وهذا بعيد، وقيل غير ذلك.

([261]) انظر «تفسير المنار» 5/73.

([262]) أخرجه مسلم في الحجّ 1218، وأبو داود في المناسك 1905، والنسائي في المناسك 2962، 2974، والتّرمذيّ في الحجّ 862، وابن ماجه في المناسك 3074، والدّارميّ في المناسك 1850، وأخرجه التّرمذيّ في الرّضاع 1163، وابن ماجه في النّكاح 1851، عن عمرو بن الأحوص، أنَّه شهد حجَّةَ الوداع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، فذكر في الحديث قصة، فقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنَّما هنَّ عوانٌ عندكم، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك إلَّا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة، فإن فعلنَ فاهجروهنَّ في المضاجع واضربوهنَّ ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً؛ ألا إنَّ لكم على نسائكم حقٍّا ولنسائكم عليكم حقًّا؛ فأمَّا حقُّكم على نسائكم فلا يوطئنَ فرشكم مَن تكرهونه، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهونه، ألا وحقُّهنَّ عليكم أن تُحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنَّ». قال التِّرمذيُّ: «حسن صحيح».

([263]) انظر «جامع البيان» 8/311-316، «أحكام القرآن» للجصاص 2/189، «معالم التنزيل» 1/423، «أحكام القرآن» لابن العربي» 1/420، «الجامع لأحكام القرآن» 5/172، «تفسير ابن كثير» 2/258.

([264]) أخرجه الطَّبريُّ في «جامع البيان» 8/314 – 316.

([265]) انظر «التفسير الكبير» 10/73.

([266]) أخرجه من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية أبو داود في النكاح 2142، 2143، 2144، والنَّسائيُّ في تفسير سورة النِّساء 124، وابن ماجه في النِّكاح 1850، وأحمد 4/446- 447، 5/3، 5، والطَّبريُّ 8/309- 310، الأحاديث: 9372- 9374، والبيهقيّ في «سننه» 7/295، 305.

قال المنذريّ في «مختصر السُّنن» 3/68، حديث 2057: «اختلف الأئمَّةُ في الاحتجاج بهذه النُّسخة– يعني نسخة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده– فمنهم من احتجَّ بها، ومنهم مَن أبى ذلك، وخرَّجَ التِّرمذيُّ منها شيئًا وصحَّحَه»، وقال أحمد شاكر في تخريجه للطَّبريّ 8/311: «والحقُّ أنَّها صحيحةٌ إذا صحَّ الإسنادُ إلى بهز». وقال الألبانيُّ عن هذا الحديث: «حسن صحيح»، وانظر «زاد المعاد» 5/5، 490.

([267]) انظر «الكشاف» 1/267.

([268]) في «تفسيره» 2/259.

([269]) انظر «جامع البيان» 8/316-317، «الجامع لأحكام القرآن» 5/173، «البحر المحيط» 3/242.

([270]) سورة سبأ، آية: 23.

([271]) في النونية ص146، وانظر «تيسير الكريم الرحمن» 2/593.

([272]) سورة سبأ، آية: 23.

([273]) سورة الجاثية، آية: 37.

([274]) سورة الحشر، آية: 23.

([275]) هذه جملة من حديث قدسي أخرجه مسلم في البر والصِّلة والآداب 2620، وأبو داود في اللباس 4090، وابن ماجه في الزهد 4174، من حديث أبي هريرة t، وعند مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدريّ t.

([276]) انظر «جامع البيان» 8/318.

([277]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/173.

([278]) أخرجه مسلم في الأيمان 1659، وأبو داود في الأدب 5159، والتِّرمذيّ في البرّ والصّلة 1948.

([279]) انظر «تفسير ابن كثير» 2/259.

([280]) انظر «تفسير ابن كثير» 2/259.

([281]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/421-427، «المحرر الوجيز» 4/108، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175، «البحر المحيط» 3/243.

([282]) انظر «مجاز القرآن» 1/126، «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 2/49، «معالم التنزيل» 1/423، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175.

([283]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/175، ويجوز أن يكون «بين» اسمًا. انظر «جامع البيان» 8/319.

([284]) انظر «التفسير الكبير» 10/76.

([285]) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج 2/50، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175.

([286]) انظر «جامع البيان» 8/318-319، «التفسير الكبير» 10/75.

([287]) انظر «جامع البيان» 8/319-328، «أحكام القرآن» للجصاص 2/190، «معالم التنزيل» 1/423.

([288]) انظر «جامع البيان» 8/330، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175، «تفسير ابن كثير» 2/259.

([289]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/426، «المحرر الوجيز» 4/108، «التفسير الكبير» 10/75، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175.

([290]) انظر «جامع البيان» 8/330، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/425.

([291]) انظر «جامع البيان» 8/326، 332، «النكت والعيون» 1/388، «معالم التنزيل» 1/423، «الكشاف» 1/266-267، «المحرر الوجيز» 4/109، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175، «مجموع الفتاوى» 35، 386.

([292]) انظر «مجموع الفتاوى» 35/386.

([293]) انظر «جامع البيان» 8/332-333، «النكت والعيون» 1/388، «معالم التنزيل» 1/423، «المحرر الوجيز» 4/109.

([294]) انظر «تيسير الكريم الرحمن» 2/62-63.

([295]) سورة العاديات، الآيات: 9-11.

([296]) سورة العاديات، آية: 11.

([297]) البيتان لصالح عبد القدوس، وهما في «ديوانه» ص133.

([298]) سورة التحريم، آية: 6.

([299]) لكن ليس في الآية دليل لمن قال من أهل العلم: إن للزوج الحجر على زوجته في مالها.

([300]) انظر «البحر المحيط» 3/239.

([301]) أخرجه البخاريُّ في الفتن 7099، والنَّسائيُّ في آداب القضاة 5388، والترمذي في الفتن 2262 من حديث أبي بكرة t.

([302]) أخرجه البخاريُّ في الجمعة 893، ومسلم في الإمارة 1829، وأبو داود في الخراج والإمارة والفيء 2928، والتِّرمذيُّ في الجهاد 1705 من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما.

([303]) أخرجه أبو داود في الجهاد 2608، وحسَّنه الألبانيُّ، وقد صحَّحَه في «إرواء الغليل» وفي «صحيح الجامع الصَّغير».

([304]) انظر «السياسة الشرعية» ص177.

([305]) انظر «أحكام القرآن» للجصاص 2/188. «تفسير ابن كثير» 2/256.

([306]) انظر كلام الشيخ محمد العثيمين على هذه الآية في دروس التفسير.

([307]) سورة البقرة، آية: 228.

([308]) يطلق بعض الكتاب أن القوامة درجة تكليف لا تشريف، وهذا تأثُّر بكتابات غير المسلمين الذين يرون أنَّ الإسلام ظَلم المرأة عندما فضَّل الرجل عليها، والحقيقةُ أنَّ الإسلام وضع الحقَّ في نصابه، ونزَّل كلاً من الجنسين منزلته، وأعطى كلاً منهما ما يناسبه من الخصائص وغيرها؛ إذ لو كانت المرأة كالرجل في جميع الخصائص ما استطاعا أن يعيشا معًا.

([309]) بل كم من امرأة خير من عشرات الرِّجال في ذلك كلِّه؛ فها هنَّ خديجة وعائشة وأمهات المؤمنين، وها هي مريم ابنت عمران وآسية بنت مزاحم، وفاطمة بنت محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وغيرهنَّ كثير- رضي الله عنهنَّ.

([310]) من هنا أخذ بعض أهل العلم أن الزوجة متى عجز زوجها عن النفقة عليها فإن لها طلب فسخ النكاح؛ لأنَّ الزَّوجَ في هذه الحال لم يكن قوَّامًا عليها، واستدلُّوا بما رَوَتْه عائشةُ- رضي الله عنها- أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خيَّر زوجاته حينما طالبن بزيادة النَّفَقة؛ كما قال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا{. سورة الأحزاب، الآيتان (28، 29). أخرجه البخاريُّ في التَّفسير 4785، 4786، ومسلم في الطَّلاق، الحديث 1475. وممَّن ذهب إلى هذا القول مالكٌ والشافعي وكثير من أهل العلم، وقد ذهب بعضُ أهل العلم منهم أبو حنيفة وغيره إلى أنَّه ليس لها طلبُ الفسخ في هذه الحال؛ وإنَّما يجب عليها الصَّبرُ، واستدلُّوا بقوله تعالى: }وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ{. سورة البقرة، الآية (280)، وقوله: }وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا{. سورة الطَّلاق، الآية (7). واختار هذا العلَّامة ابنُ القَيِّم، وهو الرَّاجح إن شاء الله، وهو أرفق بالأمة.

أما تخييرُه - صلى الله عليه وسلم - لزوجاته حين طالبْنَه بزيادة النَّفَقة فلعلَّه– والله أعلم– أنَّه لا يليق أن تبقى مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَن تريد الدُّنيا؛ تشريفًا وتكريمًا لفراشه - صلى الله عليه وسلم -، وهو لمَّا خَيَّرهنَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يطالبنَه بالفسخ. انظر «الأمّ» 5/96، «المبسوط» للسّرخسي 5/180، «أحكام القرآن» للهراسي 1/449، «المجموع» للنَّوويّ 18/267-772، «الجامع لأحكام القرآن» 3/371، 5/169، «زاد المعاد» 5/511-522.

([311]) انظر «أحكام القرآن» 2/188، «مدارك التنزيل» 12/313.

([312]) أخرجه البخاريُّ في الزَّكاة 1428، ومسلم في الزَّكاة 1034، وأبو داود في الزَّكاة 1676، والنَّسائيُّ في الزَّكاة 2534، والتِّرمذيُّ في صفة القيامة 2463، من حديث حكيم بن حزام t.

([313]) انظر كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين على هذه الآية في دروس التَّفسير، وراجع ما سبق في الكلام على قوله تعالى: }وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ{. سورة النساء الآية (19).

([314]) سورة الطلاق، الآيتان: 2-3.

([315]) سبق تخريجه.

([316]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربيّ 1/416.

([317]) سبق تخريجه.

([318]) سورة النساء، آية: 34.

([319]) سبق تخريجه.

([320]) لكن هذا ليس على سبيل الإلزام؛ بل قد تدعو حاجةُ الزَّوج إلى الرَّاحة- وخاصَّةً عند وجود أطفال صغار- أن يكون في فراش أو في غرفة أخرى؛ ليتمكَّنَ من القيام بما عليه من مسؤوليَّات أثناء النَّهار؛ فينبغي للزَّوجة أن تقدِّر هذا.

([321]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/420، 421.

([322]) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد. انظر «كنز العمال» 14284. وقد رُوي نحو ذلك عن عثمان t.

([323]) انظر «النّكت والعيون» 1/387، «معالم التنزيل» 1/423، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/420، 421، «التفسير الكبير» 10/73، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175.

([324]) أخرجه أبو داود في الصَّلاة 495، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه.

([325]) ذئرن: نشزن وتجرَّأن وساء خلقهن. انظر «النهاية»، مادَّة «ذأر».

([326]) أخرجه أبو داود في النكاح 2146، وابن ماجه في النكاح 1895، والدارمي في النكاح 2219، من حديث عبد الله بن أبي ذباب t، وصحَّحَه الألبانيُّ.

([327]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/417.

([328]) سبق تخريجُه، وانظر «التَّفسير الكبير» 10/73.

([329]) أخرجه البخاري في التفسير 5204، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها 2855، والترمذي في التفسير 3342، وابن ماجه في النكاح 1983، والدارمي في النكاح 2220 من حديث عبد الله بن زمعة t.

([330]) أخرجه مسلم في الفضائل 2328، وابن ماجه في النكاح 1984.

([331]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/173-174.

([332]) في «مجموع الفتاوى» 32/261-264.

([333]) انظر «أقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» لأبي فرج القرطبيّ المالكيّ ص73، «زاد المعاد» 5/186.

([334]) انظر أحمد 6/347، 352 بإسناد صحيح، وصحَّحَه ابنُ القيِّم في «زاد المعاد» 5/187.

([335]) انظر أحمد 6/347، 352 بإسناد صحيح، وصحَّحه ابن القيم في «زاد المعاد» 5/187.

([336]) سورة النساء، آية: 34.

([337]) انظر «زاد المعاد» 5/188.

([338]) انظر «زاد المعاد» 5/188.

([339]) راجع الكلام في تفسير قوله تعالى: }وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ{، سورة النساء، آية: 19.

([340]) انظر «زاد المعاد» 5/188.

([341]) في «مجموع الفتاوى» 34/89-90 بتصرُّف قليل، وانظر «زاد المعاد» 5/188-189.

([342]) قال تعالى: }وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ{ سورة يوسف الآية (25).

([343]) كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا الله في النِّساء؛ فإنَّهنَّ عَوَانٌ عندكم». أي: أسيرات. وقد سبق تخريجُه عند قوله تعالى: }وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ{. سورة النِّساء، آية: 19.

([344]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/173.

([345]) روي عن عمر بن الخطاب t أنه قال للتي أخبرته أنَّها لا تحبُّ زوجَها: «إذا كانت إحداكنَّ لا تحبُّ أحدَنا فلا تخبره بذلك؛ فإنَّ أقلَّ البيوت ما بني على المحبَّة؛ وإنَّما يتعاشر النَّاسُ بالحَسَب والإسلام». قال رشيد رضا: فحسب الإنسان وشرفه ودينه يجعله يحفظ حقَّ الآخر؛ فسعادةُ المحبَّة الزَّوجيَّة قلَّما تَمَتَّعَ بها زوجان؛ لكن تستبدل بالمحبَّة العمليَّة. انظر «تفسير المنار» 5/80.

([346]) سورة سبأ، آية: 23.

([347]) سورة ص، آية: 65.

([348]) سورة الزمر، آية: 4.

([349]) سورة الشورى، آية: 11.

([350]) سورة الأعلى، آية: 1.

([351]) سورة البقرة، آية: 255.

([352]) سورة الحج، آية: 62.

([353]) سورة الأعراف، آية: 54، وسورة يونس، آية: 3.

([354]) سورة الأنعام، آية: 18.

([355]) انظر «معارج القبول» 1/144 وما بعدها.

([356]) انظر كلام الشيخ محمد العثيمين على هذه الآية في دروس التفسير.

([357]) سورة سبأ، آية: 23.

([358]) سورة الجاثية، آية: 37.

([359]) سورة الحشر، آية: 23.

([360]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/427.

([361]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/427.

([362]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/179.

([363]) انظر «معالم التنزيل» 1/423، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175.

([364]) صحَّ عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ومعاوية y. أخرجه عبد الرزَّاق في المصنَّف، الأثران 11883، 11885، والطبري في «جامع البيان» 8-220-228، بأسانيد صحيحة.

([365]) انظر «جامع البيان» 8/320-330، «أحكام القرآن» للجصاص 2/191، «أحكام القرآن» للهراسي 1/453، «معالم التنزيل» 1/424، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/422-426، «المحرر الوجيز» 4/109، «التفسير الكبير» 10/75-76، والجامع لأحكام القرآن» 5/176، «تفسير ابن كثير» 2/259-260.

([366]) في «مجموع الفتاوى» 32/25-26، وانظر 35/386.

([367]) في «زاد المعاد» 5/189-192.

([368]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/426، «مدارك التنزيل» 1/315، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175؛ فإن لم يمكن كون الحكمين من أهلهما جاز من غيرهما، انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/426، «الجامع لأحكام القرآن» 5/175.

([369]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/426.

([370]) أخرجه البخاري في بدء الوحي 1، ومسلم في الإمارة 1907، وأبو داود في الطلاق 2201، والنسائي في الطهارة 75، والطلاق 3437، وابن ماجه في الزهد 4227، من حديث عمر بن الخطاب t.

([371]) سورة النساء، آية: 128.

([372]) في «تفسيره» 2/259 وانظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/175-176.

([373]) لكن ينبغي أن يعلم أن الإصلاح الذي ندب إليه الشرع ليس معناه إماتة القضية لعدة سنوات كما يفعله بعض القضاة هداهم الله، فتجده يطلب من الخصمين أن يصطلحا بينهما ويؤجل البتّ في قضيتهما لمدة طويلة، بحجة: "لعلهما يصطلحان"؛ فتطول المنازَعات بين الخصمين؛ بل ربما بين قبيلتين، ويكثر الكلام والقيل والقال حول هذه القضية من كلا الخصمين وأنصار كل منهما، وتضيع أوقات وأعمال- بل وأعمار- ويموت أناس ويحيا أناس والقضية معلَّقة؛ وبالتالي يضطر صاحب الحق إلى الصلح ولو ترك نصف حقِّه أو أكثر؛ وهذا ليس من الصلح الذي أمر الله به؛ إذ الواجب على القاضي والحاكم النظر في القضية، فإن أمكن الإصلاح بين الخصمين دون ظلم واضح لأحدهما لحساب الآخر أصلح بينهما، وإلا بتَّ في الحكم فيها وأراح الخصمين.

([374]) انظر «الجامع لأحكام القرآن» 5/177، «تفسير ابن كثير» 2/260.

([375]) سورة النساء، الآيات: 128-130.

([376]) أخرجه أبو داود في النكاح 2135، وقال الألباني: «حسن صحيح». وأخرجه البخاري في المظالم والغصب 2450، ومسلم في التفسير 3021، دون ذكر سودة.

([377]) أخرجه الترمذي في التفسير 3040 وقال: «حديث حسن غريب». وقد ضعَّفه الوادعي في «المسند المتَّصل من أسباب النُّزول».

وقد روي عن رافع بن خديج: «أنه كانت عنده بنت محمد بن مسلمة، فكره منها أمرًا؛ إمَّا كبرًا أو غيره، فأراد طلاقَها فقالت: لا تطلِّقني وأمسكني، واقسم لي ما بدا لك. فأنزل الله- عزَّ وجلَّ: }وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ...{ الآية». أخرجه الشَّافعيُّ في «الأم» 5/171، والبيهقيُّ في سننه 7/296، وانظر «مجموع الفتاوى» 32/270.

([378]) انظر «مشكل إعراب القرآن» 1/209.

([379]) انظر «معالم التنزيل» 1/486.

([380]) سورة النساء، آية: 35.

([381]) انظر «التفسير الكبير» 11/52، «البحر المحيط» 3/363، «تفسير المنار» 5/445.

([382]) سورة المجادلة، آية: 11.

([383]) انظر «جامع البيان» 9/267، «النكت والعيون» 1/426، «المحرر الوجيز» 4/271.

([384]) انظر «جامع البيان» 9/268، «النكت والعيون» 1/426، «الجامع لأحكام القرآن» 5/403، «مدارك التنزيل» 1/362.

([385]) انظر «مشكل إعراب القرآن» 1/209.

([386]) انظر «جامع البيان» 9/278، «المبسوط» ص158، «الكشف» 1/398، «التبصرة» ص482، «العنوان» ص85، «تلخيص العبارات» ص84، «الإقناع» 2/632، «المحرر الوجيز» 4/271، «النشر» 2/252.

([387]) انظر «جامع البيان» 9/278.

([388]) سورة النساء، آية: 35.

([389]) انظر «جامع البيان» 9/268-278، «النكت والعيون» 1/426، «المحرر الوجيز» 4/269-270، «الجامع لأحكام القرآن» 5/404-405، «مجموع الفتاوى» 32/270، «تفسير ابن كثير» 380-381.

([390]) أخرجه البخاريُّ في «المظالم والغصب» 245، ومسلم في التَّفسير 3021، وأبو داود في النكاح 2135، والطَّبريُّ 9/271 – الأثران 10585، 10586، والواحديُّ في «أسباب النزول» ص123، والحاكم 2/186.

وروي عن عمر وعليّ- رضي الله عنهما- وروي عن جماعة من التَّابعين. انظر «جامع البيان» 9/268- 278– الآثار 10575- 10608.

([391]) في «تفسيره» 2/378.

([392]) انظر «الكشاف» 1/302، «التفسير الكبير» 11/53.

([393]) انظر «جامع البيان» 9/268، «أحكام القرآن» للجصاص 2/283، «النكت والعيون» 1/426، «مدارك التنزيل» 1/362، «تفسير ابن كثير» 2/378.

([394]) انظر «الكشاف» 1/302، «المحرر الوجيز» 4/272، «الجامع لأحكام القرآن» 5/406.

([395]) أخرجه أبو داود في الأدب 4919، والترمذي في صفة القيامة 2509، من حديث أبي الدرداء t وصححه الألباني.

([396]) أخرجه الطبري 9/272 – الأثر 10587.

([397]) في «تفسيره» 2/382.

([398]) أخرجه أبو داود في الطَّلاق 3178، وابن ماجه في الطلاق 2018، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وضعَّفه كثير من أهل العلم؛ منهم الألبانيّ، وقد حسَّنه بعضُ أهل العلم، ويدلُّ على صحَّة معناه ما جاء في حديث بعث الشَّيطان سراياه؛ وفيه: فيأتي الشَّيطان ويقول: لم أزل بفلان بينه وبين زوجته حتى طلَّقها. فيدنيه ويقول له: أنت أنت». وهذا يدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ عمل محبوب للشَّيطان؛ وفي المقابل فهو مكروهٌ عند الله.

انظر ما سبق في الكلام على قول الله: }وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ{. سورة النِّساء، الآية: 20.

([399]) في «معالم التنزيل» 1/487.

([400]) سورة الحشر، آية 9، سورة التغابن، آية: 16.

([401]) أخرجه الطَّبريُّ في «جامع البيان» عند تفسيره للآية (9) من سورة الحشر موقوفًا على عبد الرحمن بن عوف t.

وقد روي أن أحد السلف كان يطوف على الكعبة ويقول: «اللهم قني شح نفسي» فقيل له في ذلك فقال: إذا وقيتَ شحَّ نفسك وقيتَ كلَّ شر».

([402]) انظر «جامع البيان» 9/279-282، «المحرر الوجيز» 4/272، «الجامع لأحكام القرآن» 5/406.

([403]) في «الكشاف» 1/302.

([404]) سورة المائدة، آية: 2.

([405]) أخرجه البخاري في الإيمان 50، ومسلم في الإيمان 9، والنسائي في الإيمان 4991، وابن ماجه في المقدمة 64، من حديث أبي هريرة t، وأخرجه مسلم أيضًا في الإيمان من حديث عمر بن الخطاب t.

([406]) سورة النساء، آية: 125.

([407]) انظر «جامع البيان» 9/283، «الكشاف» 1/302، «تفسير ابن كثير» 2/382.

([408]) انظر «جامع البيان» 9/283.

([409]) انظر «جامع البيان» 9/284.

([410]) سورة الزلزلة، الآيتان: 7-8.

([411]) ذكر أن عمران بن حطان الخارجي من أدمِّ الناس، وامرأتُه من أجمل النساء، فأجالت في وجهه نظرها ثم قالت: الحمد لله، الحمد لله.. فقال مالك: قالت: حمدت الله على أنِّي وإيَّاك من أهل الجنة. قال: كيف؟! قالت: لأنك رزقت مثلى فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت. انظر «التفسير الكبير» 11/54، «البحر المحيط» 3/365.

([412]) في «الكافية الشافية» انظر «شرح الكافية الشافية» 3/1515 تحقيق عبد المنعم أحمد.

([413]) انظر «أحكام القرآن» للشافعي 1/206، «جامع البيان» 9/284-287، «أحكام القرآن» للجصاص 2/284، «النكت والعيون» 1/427، «معالم التنزيل» 1/487، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/504 – 505، «تفسير ابن كثير» 2/382.

([414]) انظر كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين على هذه الآية في دروس التفسير.

([415]) انظر «معالم التنزيل» 1/487.

([416]) أخرجه أبو داود في النكاح 2134، والنَّسائي في عشرة النساء 3943، والترمذيّ في النكاح 1140 وصحَّح أنَّه مرسل، وابن ماجه في النكاح 1971، والبيهقيّ في سننه 7/298، والحاكم 2/187 وصحَّحه ووافقه الذَّهبيُّ. وقد صحَّح ابن كثير إسناده، وضعَّفه الألبانيُّ، وانظر «مجموع الفتاوى» 32/269، «تفسير ابن كثير» 2/382، «إرواء الغليل» 7/81.

([417]) في «تفسيره» 2/382، وانظر «المحرَّر الوجيز» 4/274، «الجامع لأحكام القرآن» 5/407، «مدارك التنزيل» 1/363.

([418]) انظر «أحكام القرآن» للشافعي 1/207، «جامع البيان» 9/284، 287-290، «أحكام القرآن» للجصاص 2/284، «معالم التنزيل» 1/487، «أحكام القرآن» لابن العربي 1/505، «المحرر الوجيز» 4/274، «تفسير ابن كثير» 2/382.

([419]) انظر «جامع البيان» 9/285، 290-292.

([420]) في حديث أم زرع قالت المرأة: «زوجي العشنق إن أنطق أطلق، أو أسكت أعلق» أخرجه البخاري في النكاح 5189، ومسلم في فضائل الصحابة 2448 – من حديث عائشة رضي الله عنها.

([421]) انظر «جامع البيان» 9/292-293.

([422]) سورة العنكبوت، آية: 21.

([423]) في «تفسيره» 2/383، وانظر «المحرر الوجيز» 4/275، «التفسير الكبير» 11/55.

([424]) انظر «جامع البيان» 9/293-294.

([425]) انظر «جامع البيان» 9/294، «الجامع لأحكام القرآن» 5/408، «تفسير ابن كثير» 2/383.

([426]) سورة البقرة، آية: 115.

([427]) سورة طه، آية: 98.

([428]) سورة الأعراف، آية: 156.

([429]) سورة غافر، آية: 7.

([430]) سورة النجم، آية: 32.

([431]) سورة المجادلة، آية: 7.

([432]) انظر «جامع البيان» 2/537، 9/294، «المحرر الوجيز» 4/276، «التفسير الكبير» 11/55، «مدارك التنزيل» 1/364، «تفسير ابن كثير» 2/383.

([433]) انظر «جامع البيان» 9/294.

([434]) سورة النساء، آية: 34.

([435]) في كلامه على هذه الآية في دروس التفسير.

([436]) سورة يوسف، الآيتان: 26، 27.

([437]) أخرجه التِّرمذيُّ في الأحكام 1352، وابن ماجه في الأحكام 2353 من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». كما أخرجه أبو داود في الأقضية 3594 مختصرًا من حديث أبي هريرة t، وصحَّحه الألبانيُّ.

([438]) في «زاد المعاد» 5/152-153 وانظر «تفسير ابن كثير» 2/382.

([439]) أخرجه البخاري 3182، ومسلم في الجهاد والسير 1785 من حديث سهل بن حنيف t والدنية: النقيصة والهوان.

([440]) سورة الفتح، آية: 1.

([441]) أخرجه أبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» 3/17 – الأثر 815، وانظر «الأم» 4/189، «السيرة النبوية 3/336.

([442]) سورة الحشر، آية: 9، سورة التغابن، آية: 16.

([443]) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب 2578 – من حديث جابر بن عبد الله t.

([444]) لكن قال الفقهاء: ليس للزوج أن يجمع نفسه للزوجة التي يحبها إذا كان الداعي عنده موجودًا لجماع الأخرى.

([445]) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي 1/504.

([446]) سبق تخريجه.

([447]) سورة التغابن، آية: 16.

([448]) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة 7288، ومسلم في الحج 1337، والنسائي في مناسك الحج 2619، وابن ماجه في المقدمة 1، 2 من حديث أبي هريرة t.

([449]) أخرجه أبو داود في النِّكاح 2133، والنسائي في عشرة النساء 3942، والترمذي في النكاح 1141، وابن ماجه في النكاح 1969، وأحمد 3/347، والدارمي في النكاح 2206، والبيهقي في سننه 7/297 من حديث أبي هريرة t، وصحَّحه الألبانيُّ.

([450]) سورة الكهف، آية: 58.

([451]) سورة الرعد، آية: 6.

([452]) سورة فصلت، آية: 43.

([453]) سورة النجم، آية: 32.

([454]) سورة المدثر، آية: 56.

([455]) سورة آل عمران، آية: 129.

([456]) سورة المائدة، آية: 40.

([457]) سورة الكهف، آية: 58.

([458]) سورة الأنعام، آية: 147.