ورثة الأنبياء

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله الذي جعل في كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين([1])، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فلما هجر العلم الشرعي علمًا، وتعلمًا، وضعفت همم الناس وقصرت دون السعي له. جمعت بعض أطراف من صبر وجهاد علمائنا في طلب العلم، والجد فيه والمداومة عليه، لنقتفي الأثر ونسير على الطريق.

وهذا هو الجزء الخامس عشر من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «ورثة الأنبياء؟».

أدعو الله عز وجل أن يجعل لنا نصيباً من علمهم وصبرهم وحسن عملهم، وأن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

عبد الملك بن محمد عبد الرحمن القاسم



 مدخل

لقد أثنى الله عز وجل على العلم وأهله، ورتب لمن سار في طريقه الأجر والمثوبة ورفع الدرجات في الدنيا والآخرة. ومن إكرام الله عز وجل للعلماء استشهاده بهم على أعظم مشهود به وأجله وهو توحيده، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة.

قال الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ ([2]).

قال الإمام القرطبي رحمه الله: في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن العلماء([3]).

ورفع الله جل وعلا درجة المؤمنين العالمين فوق درجة جهلة المؤمنين (وفي كل خير) فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ([4]).

قال الشوكاني: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ أي: ويرفع الذين أوتوا العلم منكم درجات عالية في الكرامة في الدنيا، والثواب في الآخرة، ومعنى الآية: أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن  درجات،  ويـرفع


الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات، ثم رفعه بعلمه درجات([5]).

ولاشك أن ذلك من فضل الله وإحسانه ومنه وعطائه ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَّشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ([6]).

ولاختلاف تلك المنازل والدرجات فإن الله عز وجل نفى التسوية بين أهل العلم والعوام، فقال عز من قائل عليماً: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ([7]).

وعن المنزلة الرفيعة والمكانة العلية لأئمة الهدى ومصابيح الدجى قال ابن عباس رضي الله عنه: للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام([8]).

وقدم جل وعلا العلم قبل العمل؛ لأن العلم هو الدليل الذي يهدي إلى المراد، فقال تبارك وتعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ([9]).

وروي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ ([10] قال: بالعلم؛ لأن الله لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم([11]).


وفي ذلك قال الله عز وجل مخاطباً نبينا محمداً عليه أفضل وأزكى التسليم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ([12]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - مبيناً مكانة العلماء: «العلماء ورثة الأنبياء»([13]) ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة، ولا شرف فوق الوراثة لتلك الرتبة([14]).

وبين - صلى الله عليه وسلم - حالة طالب العلم وفضل طلب العلم على غيره من نوافل العبادات، فقال - صلى الله عليه وسلم - مخاطباً أبا ذر: «يا أبا ذر! لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم باباً من العلم عمل أو لم يعمل به خير من أن تصلي ألف ركعة»([15]).

وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلب، وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»([16]).

قال ابن رجب: يعني أنهم ورثوا ما جاء به الأنبياء من العلم، فهم خلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته، والنهي عن معاصي الله والذود عن دين الله.


ولعظم أمر العلم وأهميته الدنيوية والأخروية في حياة الفرد والمجتمع هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبين فضله وعظم منزلته بقوله: «إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير»([17]).

ويبين لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن العالم الذي ينشر علمه ويعلمه الناس، له مثل أجر من عمل بهذا العلم من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً. وهذه منة عظيمة وفضل كبير؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً»([18]).

وأي عطاء أعظم من هذا؟! به تقر الأعين، وتتحرك النفوس متطلعة إليه لما فيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل.

قال سفيان بن عيينة: أتدرون ما مثل العلم؟ مثل دار الكفر ودار الإسلام؛ فإن ترك أهل الإسلام الجهاد جاء أهل الكفر فأخذوا الإسلام، وإن ترك الناس العلم صار الناس جهالاً([19]).

وتلك الخطوات التي يسير بها طالب العلم في طريق تحصيله له فيها أجر عظيم، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم، إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاً بما يصنع حتى يرجع»([20]).


قال الإمام الخطابي: ومعنى أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم أحد ثلاثة وجوه: أولها: أنه بسط الأجنحة، والثاني: أنه كناية عن تواضعها تعظيماً لطالب العلم، والثالث: أن المراد ترك الطيران والنزول عند مجالس العلم لأجل استماع العلم([21]).

وكل منزلة من هذه الوجوه فيها من الشرف والعز ما تطمح إليه النفوس وتتشوق إليه. وكفى بالمرء حباً للعلم وطلبه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»([22]).

قال الإمام الآجري: فلما أراد الله تعالى بهم خيراً فققهم في الدين، وعلمهم الكتاب والحكمة، وصاروا سراجاً للعباد ومناراً للعباد([23]).

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفضيل العالم على العابد: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي»([24]).

فانظر كيف جعل العلم مقارناً لدرجة النبوة، وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم، وإن كان العابد لا يخلو من علم بالعبادة التي يواظب عليها، ولولاه لم تكن عبادة([25]).

والإسلام دين ينبذ الجهل، ويحث على طلب العلم، ويرتب الأجر والمثوبة على ذلك.


في الحديث عن أنس رضي الله عنه: «طلب العلم فريضة»([26]).

قال الإمام أحمد: يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، قيل له: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله، صلاته وصيامه، ونحو ذلك.

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: اعلم أن طلب العلم فريضة، وأنه شفاء للقلوب المريضة، وأن أهم ما على العبد معرفة دينه، الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار، أعاذنا الله منها([27]).

ويكفي هذا الأمر داعياًَ إلى طلب العلم فإنه طريق للجنة وموصل إلى أبوابها.

وقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن يطلب العلم بالنضرة (وهي بهاء الوجه وجلاله) فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه»([28]).

وعلى هذا المنهج الرباني سارت الأمة رجالاً ونساء في قافلة العلم والحث عليه ومعرفة قدره. فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه يحث على طلب العلم ويبين فضله وفضل أهله فيقول: تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جـهاد، وتعلـيمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس


في الوحدة والصاحب في الخلوة([29]).

أيها الحبيب: اجتهد في طلب العلم، واحرص على النهل من معينه والعمل به، ثم عليك بتبليغه وإيصاله إلى الناس امتثالاً لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «بلغوا عني ولو آية»([30])؛ فإننا في زمن اندرست فيه معالم الهدى، وظل أكثر الناس جهلاً، ولم يبق إلا ندرة من العلماء الربانيون؛ أعلام الهدى ومصابيح الدجى.

والعلم الذي تضرب له أكباد الإبل، وتطوى له الأرض، وتثنى لأجله الركب: هو العلم الشرعي الصحيح المستمد من الكتاب والسنة وبفهم السلف الصالح، وهو العلم الذي يوصل إلى تقوى الله ومراقبته وخشيته، ويدل على طاعة الله عز وجل ومعرفة حدوده وأحكامه، ويوصل إلى الجنة ويبعد عن النار.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أما العلم النافع فهو العلم المزكي للقلوب والأرواح، المثمر لسعادة الدارين، وهو ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حديث وتفسير وفقه، وما يعين على ذلك من علوم العربية بحسب حالة الوقت والموضع الذي فيه الإنسان، وتعيين ذلك يختلف باختلاف الأحوال([31]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وأكمل أنواع طلب العلم أن تكون همة الطالب مصروفة في تلقي العلم الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفهم مـقاصـد الرسـول في أمـره ونهيه وسائر كلامه، واتـباع


ذلك وتقديمه على غيره، وليعتصم في كل باب من أبواب العلم بحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث الصحيحة الجوامع.

أيها المسلم:

ما العلم إلا كتاب الله والأثر

وما سوى ذاك لا عين ولا أثر

إلا هوى وخصومات ملفقة

فلا يغرنك من أربابها هدر([32])

أخي:

إن النية الصالحة والهمة العالية نفس تضيء، وهمة تتوقد، واعلم أن من جد وجد، وليس من سهر كمن رقد، وإن سلع المعالي غالية الثمن.

فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة. والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار؛ فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة، ولا بالخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك، والنفوس الحقيرة بالضد من ذلك([33]).

وقد أنزل الإمام الشافعي العلماء منازلهم وأثر تلك العلوم عليهم وعلى طبائعهم وسلوكهم، فقال رحمه الله تعالى: من تعلم القرآن عـظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت


حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم العربية رق طبعه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.

وأول تلك العلوم وأسماها منزلة وأشرفها قدراً وأنبلها هدفاً كتاب الله عز وجل الذي فيه الآيات المحكمات والسور المنزلات. فهو النور وهو الشفاء وهو الحكمة.

قال ابن مسعود: إذا أردتم العلم فانثروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين([34]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مؤكداً على ذلك وحاثاً عليه: وأما طلب حفظ القرآن فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علماً، وهو إما باطل أو قليل النفع. وهو أيضاً مقدم في التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم، من الكلام أو الجدال، والخلاف أو الفروع النادرة والتقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لا تقوم بها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله([35]).

قال محمد بن الفضل: سمعت جدي يقول: استأذنت أبي في الخـروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك، فاستظهرت


القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلي الختمة، ففعلت، فلما عيدنا أذن لي فخرجت إلى مرو([36]).

وقال أبو عمر بن عبد البر: طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل.

فأول العلم حفظ كتاب الله جل وعز وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه، ولا أقول: إن حفظه كله فرض، ولكن أقول: إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً ليس من باب الفرض([37]).

وقال الخطيب البغدادي مؤكداً على ذلك: ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل، إذ كان أجل العلوم وأولاها بالسبق والتقديم([38]).([39])

وقال الإمام النووي رحمه الله:

وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز؛ فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظ


فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالاً يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان([40]).

وينبغي أن يبدأ في دروسه وحفظه ومذاكرته بالأهم فالأهم، فأول ما يبتدئ به القرآن العظيم، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن([41]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما العلم الذي يجب على الإنسان عيناً كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن، فإن طلب العلم الأول واجب وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب([42]).

والعلم باب من أعظم أنواع العبادة؛ به يندفع الجهل، وترتفع راية العلم، ويعبد الله بما شرع، ويحكم بما قضى.

قال الإمام الزهري: ما عبد الله بشيء أفضل من العلم([43]).

وقال سفيان الثوري: ما أعلم شيئاً أفضل من طلب الحديث إذا أريد به وجه الله.

وقال أيضاً: لا أعلم بعد النبوة أفضل من العلم.

وأعظم بها من منزلة تداني رتبة النبوة وتسير على نهجها وتقتفي أثرها.

قال عبد الله بن وهب: كنت جالساً بين يدي الإمام مالك بن أنس أقرأ عليه وأكتب، فأذن المؤذن وأمامي كتب منشورة فبادرت لأجمعها


 فقال لي: على رسلك فليس ما تقدم عليه (من التبكير للصلاة) بأفضل مما أنت فيه، إذا صحت فيه النية([44]).

وقد أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن طلب العلم خير من نوافل العبادة؛ فعن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع»([45]).

وقد عد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من نواقض الإسلام: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾([46]).

وقال أبو سعيد: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا جلسوا مجلساً كان حديثهم الفقه إلا أن يقرأ رجل سورة أو يأمروا رجلاً أن يقرأ سورة([47]).

وانظر إلى الفقه في الدين وحاجة هذا الدين إلى العلم والعمل على هدى وبصيرة فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة([48]).

وقال الخطيب البغدادي: طلب الحديث في هذا الزمان أفضل من سائر أنواع التطوع لأجل دروس السنن وخمولها، وظهور البدع واستعلاء أهلها([49]).


هذا في زمانه، فكيف بزماننا الذي رفع الجهل فيه رايته، وأطلت علينا البدع بأعناقها، وأصبح العلماء أندر من الكبريت الأحمر؟ فهذا زمن التشمير لطلب العلم ونثره بين الناس ونشره في الآفاق، لتحيا الأمة، وتهب من غفلتها، وتستعيد مجدها ورفعتها.

قال البغوي: وفضل العلم على العبادة من حيث إن نفع العلم يتعدى إلى كافة الخلق، وفيه إحياء الدين، وهو تلو النبوة([50]).

ومن أجل ذلك فضل العالم على العابد لنفعه المتعدي وخيره الفائض للعامة والأمة.

قال أبو حاتم: الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يثني بطلب العلم والمداومة عليه، إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه، وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالة توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضاً بصنيعه ذلك.

ولا يجب أن يكون متأملاً في سعيه الدنو من السلاطين، أو نوال الدنيا به، فما أقبح بالعالم التذلل لأهل الدنيا! ([51]).

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يوماً يقول: ما صليت اليوم غير الفريضة، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي([52]).

وقال ابن هانئ: قلت للإمام أحمد: أيهمـا أحـب إليك: أجلس


بالليل أنسخ أم أصلي تطوعاً؟. فقال لي: إن كنت تنسخ فأنت تتعلم به أمر دينك، لهو أحب إليَّ.

وقال الحسن البصري رحمه الله: باب من العلم يتعلمه الرجل خير له من الدنيا وما فيها.

لان ذلك سبب نجاته وفلاحه كما قال ابن الجوزي: اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة، وقد لبس إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم، لأن جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يحكم العلم([53]).

وأكد على طلب العلم وأنه من الجهاد أبو الدرداء رضي الله عنه حيث قال: من رأى أن الغدو إلى طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله.

وقال حاثاً على السعي في منازل الخير: كن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، ولا تكن الرابع فتهلك([54]).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها([55]).

وقال مطرف بن عبد الله الشخير: فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع([56]).


وقال الزهري: ما عبد الله بمثل الفقه.

وقال سفيان الثوري: لا أعلم شيئاً من الأعمال أفضل من العلم ـ أو الحديث ـ لمن حسنت نيته([57]).

وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة([58]).

وقال مهنا: قلت لأحمد: حدثنا ما أفضل الأعمال؟ قال: طلب العلم([59]).

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن تكرار القرآن والفقه أيهما أفضل وأكثر أجراً.

فأجاب: الحمد لله، خير الكلام كلام الله، لا يقاس به كلام الخلق؛ فإن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. وأما الأفضل في حق الشخص، فهو بحسب حاجته ومنفعته، فإن كان يحفظ القرآن وهو محتاج إلى تعلم غيره، فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة التي لا يحتاج إلى تكرارها، وكذلك إذا كان حفظ من القرآن ما يكفيه وهو محتاج إلى علم آخر، وكذلك إن كان قد حفظ القرآن أو بعضه، وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما يفهمه من معاني القرآن أفضل من تلاوة ما لا يفهم معانيه. وأما من تعبد بتلاوة الفقه فتعبده بتلاوة القرآن أفضل، وتدبره لمعاني القرآن أفضل من تدبره لكلام لا يحتاج إلى تدبره، والله أعلم([60]).


وهكذا اعتنى الإسلام بالعلم وأهله، بل جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، حتى قال النووي: والحاصل أن المسلمين اتفقوا على أن الاشتغال بالعلم لوجه الله تعالى أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن([61]).

ومن أعظم أسباب الحرمان والشقاء هو الإعراض عن طلب العلم ومجالسة العلماء والاستماع إليهم، فهذا ابن القيم يقول: أعظم الأسباب التي يحرم بها العبد من خيري الدنيا والآخرة، ولذة النعيم في الدارين، ويدخل عليه عدوه منها، هما الغفلة المضادة للعلم والكسل المضاد للعزيمة والإرادة، هذان هما أصل بلاء العبد وحرمانه، أما الغفلة فمضادة للعلم، وقد ذم الله سبحانه أهل الغفلة فقال: ﴿وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾([62] وقال: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾([63]).

فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل جميل، ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل([64]).

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله

                                  وأجسامهـم قبل القـبور قبـور

وأرواحهم في وحشة من جسومهم

                                  وليس لهم حتى النشور نشور([65])


أخي المسلم:

لاشك أن الأصل في الإنسان الجهل وعدم المعرفة؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾([66]).

واكتساب العلم لا يمكن أن يحصل بين عشية وضحاها، ولا يمكن أن يصبح الإنسان عالماً بين ليلة وأخرى، بل لابد من السعي والصبر وتحمل الأسفار، وثني الركب في حلق العلم، ومداومة الحفظ والتكرار، ولأن في ذلك جهداً ومجاهدة وصبراً ومصابرة قل من يرد ماءه ويصبر على طول أيامه. ولهذا قل العلماء وكثر الجهال الذين هم موتى بجهلهم وعدم علمهم.

أراد بشر بن الحارث الدخول إلى المقبرة فقال: الموتى داخل السور أكثر منهم خارج السور([67]).

وهذه الكثرة من الأموات نتيجة للجهل وهجر العلم الشرعي، ولذا تسلط عليهم الشيطان بتلبيسه وتدليسه؛ فانتشرت البدع، وهجر العمل، وفتن الناس بعلماء السوء.

قال ابن الجوزي: إن التزود من العلم النافع سبب رئيسي في دفع مكائد الشيطان، وكلما ازداد العبد علماً نافعاً ـ ما يورث خشية الله وتقواه ـ كلما ازداد سلامة من نزغات الشيطان ومكايده، فأنت ترى مثلاً أن أدنى عقبات الشيطان أن شغل العبد بالأعمال المرجوحة والمفضولة عن الأعمال الراجحة والفـاضلة. وعـلاج ذلك بالفقه في


الأعمال، والعلم بمراتب الطاعات عند الله تعالى، ومعرفة مقاديرها، والتمييز بين مفضولها وفاضلها، فإن في الطاعات سيداً ومسوداً، ورئيساً ومرءوساً([68]).

وقال أيضاً: ترك العلم غفلة، والإعراض عنه جهالة؛ فلا ينبغي للعاقل أن يغفل عن تلمح العواقب، فمن ذلك أن التكاسل في طلب العلم وإيثار عاجل الراحة يوجب حسرات دائمة لا تفي لذة البطالة بمعشار تلك الحسرة، ولقد كان يجلس إليَّ أخي وهو عامي فقير، فأقول في نفسي: قد تساوينا في هذه اللحظة، فأين تعبي في طلب العلم وأين لذة بطالته؟ ([69]).

ولعل شبابنا يستشعرون كلمات ابن الجوزي ويستفيدون من تجربته وتجربة أخيه فإن في ذلك عبرة.

قال عروة بن الزبير رحمه الله لأولاده: يا بني! تعلموا العلم وادرسوه، فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبراءهم، واسوءتا!! ماذا أقبح من شيخ جاهل؟ ([70]).

ولعلمهم أهمية العلم وفضل التعلم كانوا يتعاهدون أبناءهم وهم صغار، ويدفعون بهم إلى العلماء للتلقي منهم.

فهذا أبو سعد السمعاني أحضره والده إلى مجلس العلم وهو ابن أربـع سنين، فسمع من مسند زمانه عبد الغفار الشيروي، ثم رحل إلى


بلاد كثيرة فسمع من سبعة آلاف شيخ([71]).

وقال صالح بن أحمد بن حنبل: رأى رجل مع أبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين! ـ يعني: ومعك المحبرة تحملها؟! ـ فقال: مع المحبرة، إلى المقبرة.

وقال عبد الله بن محمد البغوي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر([72]).

وقال محمد بن إسماعيل الصائغ، كنت في إحدى سفراتي ببغداد، فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو، ونعلاه في يده، فأخذ أبي هكذا بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي؟ إلى متى تعدو من هؤلاء الصبيان؟ ! قال: إلى الموت([73]).

والكثير الآن تمر عليه شهور بل وسنوات لم يتعلم فيها حكماً شرعياً، ولم يحفظ آية من كتاب الله، ولم يقرأ حديثاً من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، لكنه ازداد معرفة بأمور الدنيا فلا يفوته منها شيء ولا يغيب عنه أمر.

فسبحان الله العظيم!! بعضهم مضى من عمره عشر سنوات وما حفظ فيها آية من كتاب الله ولا حديثاً من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - !.

قال أحمد بن محمد بن ياسين: سمعت أحمد بن منيع (ابن عبد الرحمن البغوي) يقول: سمعت جدي يقول: مر أحمد بن حنبل جائياً من الكوفة، وبيده خريطة فيها كتب، فأخذت بيده فقلت: مرة إلى الكـوفة! ومرة إلى البصرة! إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث لم


يكفه؟ فسكت، ثم قلت: ستين ألفاً؟ فسكت، فقلت: مائة ألف؟ فقال: حينئذ يعرف شيئاً. قال أحمد بن منيع: فنظرنا فإذا أحمد كتب ثلاثمائة ألف([74]).

رحم الله الإمام أحمد فقد أتعب من بعده. وبقياس إمام أهل السنة في زماننا هذا لا نرى أحداً يعرف شيئاً!!.

لما كتب عبد الله العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، كتب إليه الإمام مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد. فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر([75]).

قال النووي: فهذه أحرف من أطراف ما جاء في ترجيح الاشتغال بالعلم على العبادة، وجاء عن جماعات من السلف ممن لم أذكره نحو ما ذكرته، والحاصل أنهم متفقون على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصوم والصلاة والتسبيح ونحو ذلك من نوافل عبادات البدن، ومن دلائله سوى ما سبق أن نفع العلم يعم صاحبه والمسلمين، والنوافل المذكورة مختصة به، ولأن العلماء ورثة الأنبياء ولا يوصف المتعبدون بذلك، ولأن العابد تابع للعالم، مقتد به، مقلد له في عباداته وغيرها، واجب عليه طاعته، ولا ينعكس،


ولأن العلم تبقى فائدته وأثره بعد صاحبه، والنوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن العلم صفة لله تعالى، ولأن العلم فرض كفاية؛ أعني العلم الذي كلامنا فيه، فكان أفضل من النافلة.

وقد قال إمام الحرمين رحمه الله في كتابه «الغياثي»:

فرض الكفاية أفضل من فرض العين من حيث إن فاعله يسد مسد الأمة ويسقط الحرج عن الأمة، وفرض العين قاصر عليه، وبالله التوفيق.

أيها الحبيب:

صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادة اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى([76]).

وبعد، هذه التوجيهات والتوصيات لطالب العلم، وأن يبدأ بالمهم


فالأهم، هناك من يضل الطريق، وينحرف عن الجادة؛ فتراه يترك الأهم ويبدأ بما دون ذلك.

قال أبو حيان الأندلسي: وأما أن صاحب تناتيف وينظر في علوم كثيرة؛ فهذا لا يمكن أن يبلغ الإمامة في شيء منها، وقد قال العقلاء: ازدحام العلوم مضلة للمفهوم، ولذلك تجد من بلغ الإمامة من المتقدمين في علم من العلوم لا يكاد يشتغل بغيره ولا ينسب إلى غيره([77]).

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: عجبت لمن ترك الأصول وطلب الفصول.

وقال الحافظ النووي: وبعد حفظ القرآن يحفظ من كل فن مختصراً، ويبدأ بالأهم ومن أهمها الفقه والنحو، ثم الحديث والأصول، ثم الباقي على ما تيسر([78]).

ويذكر أبو جعفر القطيعي طرفاً من ذلك فيقول: سألت أبا عبد الله عن الوضوء بماء النورة؟ فقال: ما أحب ذلك، قلت: أتوضأ بماء الباقلاء؟ قال: ما أحب ذلك، قلت أتوضأ بماء الورد؟ قال: ما أحب ذلك، قال: فقمت، فتعلق في ثوبي ثم قال: إيش تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكت، قال: وإيش تقول إذا خرجت من المسجد؟ فسكت، قال: اذهب فتعلم هذا([79]).

وقال المروذي: قال أبو عبد الله: سـألني رجـل مرة عن يأجوج


ومأجوج؛ أمسلمون هم؟ فقلت له: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟!([80]).

وقال أحمد بن علي الأبار: رأيت بالأهواز رجلاً حف شاربه، وأظنه قد اشترى كتباً وتعبأ للفتيا، فذكروا أصحاب الحديث فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئاً، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي. قال: أنا؟! قلت: نعم، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت. فقلت: وإيش تحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجدت؟ فسكت، فقلت: ما لك لا تكلم؟ ألم أقل إنك لا تحسن تصلي؟ أنت إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين، والظهر أربعاً. فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث، فلست بشيء ولا تحسن شيئاً([81]).

وإن كانت هذه صور نادرة في زمانهم فإنها تفشت واستشرت في زماننا. واستمع إلى أسئلة العوام ممن يدعون طلب العلم وشرف الصبر عليه.

وأما الإمام ابن الجوزي صاحب التوجيهات والنصائح فإنه يقول: أما العالم فلا أقول له: اشبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه، بل أقول له: قدم المهم، فإن العالم من قدر عمره، وعمل بمقتضاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر، غير أنه يبني على الأغلب، فإن وصل فقد أعد لكل مرحلة زاداً، وإن مات قبل الوصول فنيته تسلك به.


 فإذا علم العاقل أن العمر قصير، وإن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلاً بسماع الحديث ونسخه؛ ليحصل كل طريق وكل رواية وكل غريب! وهذا لا يفرغ من مقصوده منه في خمسين سنة، خصوصاً إن تشاغل بالنسخ، ثم لا يحفظ القرآن، أو يتشاغل بعلوم القرآن ولا يعرف الحديث، أو بالخلاف في الفقه، ولا يعرف النقل الذي عليه مدار المسألة([82]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد كلام منثور كالدرر: لكن جماع الخير أن يستعين بالله في تلقي العلم الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً، وما سواه إما أن يكون علماً فلا يكون نافعاً، وإما أن لا يكون علماً، وإن سمي به، وإن كان علماً نافعاً فلابد أن يكون في ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم - ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه، ولتكن همته فهم مقاصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمره ونهيه وسائر كلامه، فإذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس إذا أمكنه. وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ([83]).

أخي الحبيب! أين نحن من هؤلاء؟!

هذه صور مشرقة تتلألأ في جبين العلم وطلبته من خيار الأمة وأعلامها:


قال سفيان بن عيينة: قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين.

وحفظ أحمد بن حنبل القرآن في صباه، وتعلم القراءة والكتابة، ثم اتجه إلى الديوان يمر على التحرير ويقول في نفسه: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب ثم أختلف إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة. وكانت نشأته فيها آثار النبوغ والرشد حتى قال بعض الأدباء: وأنا أنفق على ولدي، وأجيئهم بالمؤدبين على أن يتأدبوا، فما أراهم يفلحون، وهذا أحمد بن حنبل غلام يتيم، انظروا كيف؟ وجعل يعجب من أدبه وحسن طريقه.

قال الشافعي: كنت أقرئ الناس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وحفظت الموطأ قبل أن أحتلم([84]).

ومع الأسف أن صغارنا في هذه السن بعضهم لا يحسن الوضوء، ولا يعرف الصلاة مع الجماعة، ولا يحفظ حديثاً من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فالله المستعان. أخذتهم الملهيات، وتركهم الأهل في يد كل ناعق وساقط!! فتأمل شباب الأمة أين هم؟!

قال مجاشع بن يوسف: كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتي الناس، فدخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو حدث، وذلك قبل أن يرحل إليه لسماع الموطأ منه.

قال محمد: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟ فقال مالك: لا يدخل الجنب المسجد، قال محمد: فـكيف يصـنع وقد


حضرت الصلاة وهو يرى الماء: قال؟ فجعل مالك يكرر: لا يدخل الجنب المسجد، فلما أكثر عليه قال له مالك: فما تقول أنت في هذا؟ قال: يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد ويخرج ويغتسل. قال: من أين أنت؟ قال: من أهل هذه ـ وجعل يشير إلى الأرض ـ ثم نهض، قالوا: هذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فقال مالك: محمد بن الحسن كيف يكذب وقد ذكر أنه من أهل المدينة؟ قالوا: إنما قال: من أهل هذه وأشار إلى الأرض، قال: هذا أشد علي من ذاك.

ويتحدث ابن الجوزي عن نفسه فيقول: إن أكثر الإنعام علي لم يكن بكسبي، وإنما هو من تدبير اللطيف بي، فإني أذكر نفسي ولي همة عالية، وأنا في المكتب، ولي نحو من ست سنين، وأنا قرين الصبيان الكبار، قد رزقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع صبي قط، ولا ضحكت ضحكاً جارحاً، حتى أني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع، ولا أتخير حلقة مشعبذ، بل أطلب المحدث، فيتحدث بالسند الطويل، فأحفظ جميع ما أسمع، وأرجع إلى البيت، فأكتبه([85]).

وكان الأوائل يحرصون أن يكون لأبنائهم مربون ومؤدبون، ويوصونهم بالحرص والاهتمام بفلذات أكبادهم، فقد أوصى عتبة بن أبي سفيان مؤدب ولده بقوله: علمه كتاب الله، وروه من الحديث أشرفه ومن الشعر أعفه.


وهاك ـ أيها الحبيب ـ قصة الإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم ورحلته في طلب العلم على صغر سنه وحاجته، ودور المعلم في حث الطالب وتشجيعه على طلب العلم وعانته على تخطي العوائق والظروف. ولك أن تنظر كم من الأجر العظيم لهذا المعلم ـ وهو أبو حنيفة ـ عندما أخرج عالماً مثل أبي يوسف.

قال علي بن ديجور: أخبرني أبو يوسف قال: توفي أبي؛ إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيراً في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر على حلقه أبي حنيفة فأجلس فيها، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبي حنيفة لأستمع درسه، فلما طال ذلك عليها قالت لأبي حنيفة: إن هذا صبي يتيم ليس له شيء إلا ما أطعمه من مغزلي فدعه يكسب دانقاً كل يوم يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: يا امرأة! إني أرى في ابنك عقلاً فدعيه يطلب العلم، وما يدريك أن يأتي عليه يوم يأكل الفالوذج بدهن الفستق ـ وهذه أكلة لا يأكلها إلا الخلفاء في ذلك الزمان لندرتها وغلاء ثمنها.

قال أبو يوسف: فجعلت أتعاهد مجلس أبي حنيفة، وفي أول يوم أتيته جلس معي حتى انصرف الناس فدفع لي صرة فإذا فيها مائة درهم وقال لي: الزم الحلقة وإذا نفدت هذه فأعلمني، فلزمت مجلسه، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني فما ترك لي خلة، فنفعني الله بعلمه حتى تقلدت القضاء زمن الخليفة الأموي، ثم في زمن هارون صار لقبي قاضي القضاة؛ لأني كنت أرسل القضاة إلى الأقـاليم، وكنت أجـالس الرشيد، فبينا  أنا  ذات يوم عنده إذ أتي


بطعام فقال لي: كل من هذا يا أبا يوسف فإنه لا يصنع لنا في كل وقت. قلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الفالوذج بدهن الفستق.. !! فتبسمت: فقال الرشيد: ما لك تبتسم؟ فقلت: لا شيء، أبقى الله أمير المؤمنين، وألح علي وقال: لتخبرني. فقصصت عليه القصة فقال: إن العلم ليرفع وينفع في الدنيا والآخرة، ثم قال: رحم الله أبا حنيفة؛ فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه.

وهذا مثل آخر يبرز حرص الآباء على تعلم أبنائهم، رغم بعدهم عنهم وعلمهم بمشقة السفر ومخاطر الطريق وبعد المفازة، ولكنهم آثروا فقد أكبادهم في سبيل طلبهم للعلم ونفع أنفسهم ومن ثم الإسلام والمسلمين.

قال علي بن عاصم الواسطي: دفع إلي أبي مائة ألف درهم، وقال لي: اذهب وسافر لطلب العلم، ولا أرى وجهك إلا ومعك مائة ألف حديث، فسافر وارتحل وطلب العلم، ثم رجع لنشره حتى كان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثين ألفاً([86]).

وقال المعتمر بن سليمان: كتب إلي أبي. وأنا بالكوفة: اشتر الصحف، واكتب العلم؛ فإن المال يفنى، والعلم يبقى([87]).

هذه صور مشرقة من حرصهم على أبنائهم ومتابعتهم وحثهم على طلب العلم؛ فإنه لا يثني عن طلب العلم ولا يحقره إلا جاهل لا يعلم خير دينه ودنياه. كما قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يثبط عن طلب العلم إلا جاهل.


وقال ابن الجوزي موصياً ابنه وحاضاً له على الاشتغال بالعلم: واعلم أن العلم يرفع الأرذال، فقد كان خلق كثير من العلماء لا نسب لهم يذكر ولا صورة تستحسن.

وكان عطاء بن أبي رباح أسود اللون، مستوحش الخلقة، وجاء إليه سليمان بن عبد الملك وهو خليفة ومعه ولداه؛ فجلسوا يسألونه عن المناسك، فحدثهم وهو معرض عنهم بوجهه، فقال الخليفة لولديه: قوما ولا تنيا ولا تكسلا في طلب العلم فما أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.

وكان الحسن مولى، وابن سيرين ومكحول وخلق كثير، وإنما شرفوا بالعلم والتقوى([88]).

وقال أحمد بن النصر الهلالي: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر إلى صبي دخل المسجد، فكان أهل المجلس تهاونوا به لصغر سنه، فقال سفيان: ﴿كُنْتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ ثم قال: يا نضر! لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفأر، اختلفت إلى علماء الأمصار مثل الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير. قال: ثم تبسم ابن عيينة


وضحك. قال أحمد: فتبسم أبي وضحك([89]).

ورغم هذا العلم الوافر إلا أن العلم بحر لا ساحل له ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فكانوا يحتارون في المسائل. ويخشون الفتيا بدون علم، ويتدافعون الأمر.

عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله! جئتك من مسيرة ستة أشهر، حملني أهل بلدي مسألة أسألك عنها قال: قل، فسأله الرجل عن المسألة، فقال: لا أحسنها، قال: فبهت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء. فقال: أي شيء أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟ قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن([90]).

أخي الحبيب:

هذه وصية ابن الوردي لابنه في لاميته المشهورة، والتي هي وصية لكل ابن وطالب علم على مر الأيام وتعاقب السنين:

أي بني! اسمع وصايا جمعت              حكماً خصت بها خير الملل

اطلب العلم ولا تكسل فما       أبعد الخير على أهل الكسل

احتفل للفقه في الدين ولا         تشـتغل عنه بمـال وخول


واهجر النوم وحصله فمن        يعرف المطلوب يحقر مـا بذل

لا تقل قد ذهبت أربـابه           كل من سار على الدرب وصل

وقديماً قال الحكماء: من أسهر نفسه بالليل فقد فرح قلبه بالنهار.

وإنه لفرح لا يعدله فرح بنشر علمه والسير على خطى الأنبياء والصالحين في تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة.

إليهم ـ أي العلماء ـ يرجع الأمر، وتصدر الأمة عن رأيهم وقولهم. وما ذاك إلا لأنهم حفظوا ميراث النبوة، وأعظم به من ميراث.

ومن الأمثلة الحية للنبوغ المبكر والاشتغال بالعلم منذ الصغر:

الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل». والذي قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:لو استخلفت معاذ بن جبل فسألني عنه ربي عز وجل: ما حملك على ذلك؟ لقلت: سمعت نبيك - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن العلماء إذا حضروا ربهم عز وجل كان بين أيديهم برتوة بحجر». والذي شبهه عبد الله بن مسعود بإبراهيم الخليل عليه السلام في تعليمه الخير للناس، وفي طاعته وإنابته لربه، فقال ابن مسعود: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً.

ومات معاذ هذا، مات وعمره ثنتان وثلاثون سنة.

والإمام النووي صاحب التصانيف العديدة والمؤلفات المفيدة في الفقه والحديث والسلوك واللغة توفي وعمره خمس وأربعون سنة.


ورغم أعمارهم القصيرة إلا أن الله نفع بعلمهم الأمة، ولا يزال يطرق آذننا كل يوم: قال ابن مسعود، وقال النووي رحمهم الله جميعاً.

وحدث الإمام الشافعي عن نفسه فقال: كنت يتيماً في حجر أمي، فدفعتني إلى الكتاب ولم يكن عندها ما تعطيه للمعلم، فكان المعلم يرضى مني أن أخلفه إذا قام، فما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع المسألة أو الحديث فأحفظها، ولم يكن عند أمي مال تعطينيه لأشتري به ورقاً وقراطيس أكتب فيها، وكنت أتتبع العظام والخزف وأكتاف الجمال وسعف النخل، فأكتب فيها الحديث، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا في البيت، ثم إن الجرار التي في البيت قد كثرت، فقالت لي أمي: إن هذه الجرار قد ضيقت علينا البيت، فأقبلت على هذه الجرار أحفظ ما فيها ثم ألقيها، ثم بعد ذلك يسر الله لي السفر إلى اليمن([91]).

وكان سبب تبكير سفيان لطلب العلم والاشتغال به تشجيع أمه له، وحضها له عليه، وتوجيهها له أن يستفيد مما يعلم ومن مجالسة العلماء، وينبغي أن يؤثر العلم في سلوكه وأدبه ومعاملته للناس وإلا فما فائدة العلم؟

فقد قالت لسفيان وهي تدفع به إلى حلقات العلم ومجالسة المشايخ: يا بني! خذ، هذه عشرة دراهم، وتعلم عشرة أحاديث، فإذا وجدتها تغير في جلستك  ومشيتك  وكلامـك مـع الناس فـأقبل


عليه، وأنا أعينك بمغزلي هذا وإلا فاتركه، فإني أخشى أن يكون وبالاً عليك يوم القيامة([92]).

وهذا الإمام البخاري صاحب الصحيح جمع الله له قلباً واعياً وذهناًَ حافظاً، فاجتمع له أطراف العلم وهو لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، فقد حدث في بداية طلبه أن العلامة الداخلي، الذي كان من كبار المحدثين في بخارى في ذلك العصر، وكانت له حلقة رائعة مشهورة، كان يدرس ذات مرة حسب عادته، وكان البخاري يسمع، فقال الداخلي في إسناد حديث: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم.

فقال البخاري: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، وكان يريد أن ينبهه على خطئه في هذا السند، ولكن الداخلي دهش لما سمع هذا الصوت وانتهره، فاعتذر له البخاري وقال له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك.

فدخل الداخلي وراجع الأصل، فاعترف بصحة قول البخاري، وانتبه لخطئه إلا أنه أجل تصحيح السند، وترك من باب الإنصاف أو بإرادة الاختبار تصحيحه إلى الإمام البخاري، فلما خرج قال له: كيف هو يا غلام؟.

فأجاب البخاري مرتجلاً: هو هكذا:

الزبير (وهو ابن عدي) عن إبراهيم.

فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال: صدقت.

قال: فقال له إنسان: ابن كم حين رددت عليه؟


فقال: ابن إحدى عشرة سنة([93]).

وقد حفظ رحمه الله القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين([94]).

ومما يقرح الكبد ويدمي العين أن نرى شباب الأمة في مثل هذه السن لا يطلبون علماً ولا يحسنون أدباً. نعم أحد عشر عاماً كان عمر الإمام البخاري حين صحح إسناد حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - . فأين أبناء المسلمين اليوم؟!

روى الإمام النووي رحمه الله في مناقب الإمام الشافعي رحمه الله قوله: ومن ذلك أنه تصدر في عصر الأئمة المبرزين للإفتاء والتدريس والتصنيف، وقد أمره بذلك شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزنجي، إمام أهل مكة ومفتيها ـ وقتذاك ـ وقال له: أفت يا أبا عبد الله؛ فقد والله آن لك أن تفتي. وكان الشافعي إذ ذاك له خمس عشرة سنة([95]).

ولابد لطالب العلم أن لا يفرق بين شيخ مشهور وآخر خامل غير معروف، بل يأخذ من الجميع.

قال الغزالي: فالاستنكاف عن الاستفادة إلا من المرموقين المشهورين هو عين الحماقة، فإن العلم سبب النجاة والسعادة، ومن يطلب مهرباً من سبع ضار يفترسه لم يفرق بين أن يرشده إلى الهرب مشهور أو خامل. فقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «الحكمة ضالة المؤمن، حيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه» وفي رواية أخرى عند الترمذي: «الكلمة


الحكيمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها».

ومن أدبه مع أستاذه: الصمت الكثير، والاستماع الشديد، والتسليم، والصبر، وعدم تكرار شيء فهمه عنده، وعدم الإكثار من الأسئلة التي قد فهم جوابها، فقد قال الحسن بن علي رضي الله عنهما لابنه مؤدباً إياه: يا بني! إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثاً وإن طال حتى يمسك([96]).

قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فالبس ثياب العلم، فألبستني مسمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.

وكانت تقول: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.


 الهمم العالية

يقول ابن الجوزي متحدثاً عن الأئمة أصحاب العزائم والهمم:

كانت همم القدماء من العلماء علية، تدل عليها تصانيفهم التي هي زبدة أعمارهم. إلا أن أكثر تصانيفهم دثرت، لأن همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطولات.

ثم اقتصروا على ما يدرسون به من بعضها، فدثرت الكتب ولم تنسخ. فسبيل طالب الكمال في طلب، العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة.

وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدي، ولا صاحب ورع فيستفيد منه الزاهد([97]).

رحم الله ابن الجوزي وهو يعتب على أهل زمانه، فكيف به لو رأى أهل زماننا، وقد تيسرت لهم أبواب العلم ولكنهم عزفوا عنها؟! هي بين أيديهم وتحت متناولهم، ولكن أصحاب الهمم قلائل، وأهل العزائم نوادر.

هاك أيها الحبيب نبذاً عن صبرهم، وكيف كانوا يطلبون العلم؟


وماذا يجدون من صعوبات في سبيل الحصول عليه؟ لترى الفرق والبون بين أهل ذاك الزمان وبين ما نحن فيه مع الأسف الشديد!!

أراد عبد الله بن القاسم العتكي المصري، السفر من القاهرة إلى المدينة لطلب العلم عند الإمام مالك، وكانت زوجة عبد الله آنذاك حاملاً، فقال لها: إني قد عزمت على الرحلة في طلب العلم، وما أراني عائداً إلى مصر إلا بعد مدة طويلة، فإن شئت أن أطلقك طلقتك فتنكحين من شئت، وإن أردت أبقيك في عصمتي فعلت ولكن لا أدري متى سأرجع إليك، فاختارت البقاء زوجة له، ورحل ابن القاسم إلى مالك، وبقي عنده سبع عشرة سنة ملازماً لمالك لا يبيع ولا يشتري، بل همته مصروفة إلى طلب العلم، وفي هذه المدة ولدت زوجته غلاماً وكبر، ولم يكن يعلم ابن القاسم بولادة ولده؛ لأن أخباره قد انقطعت عن زوجته منذ رحيله. قال ابن القاسم: فبينا أنا ذات يوم عند مالك في مجلسه، إذ أقبل علينا حاج مصري شاب ملثم فسلم على مالك ثم قال: أفيكم ابن القاسم؟ فأشاروا إلي، فأقبل علي يعتنقني ويقبل ما بين عيني، ووجدت منه رائحة الولد، فإذا هو ابني الذي تركت زوجتي حاملاً به وقد شب وكبر.

والجد والتعب ليس في تحصيل العلم وتقييده فحسب، بل إن من أنار الله له طريق العلم فعليه واجب نشره والجلوس لطلبة العلم والمتعلمين والعامة.

إنها زكاة العلم وواجب تعليمه. رحم الله وكيع بن الجراح فقد كان يومه كله في طاعة؛ كان يصوم الدهر، وكان يبكر فيجلس لأصحاب الحديث إلى ارتفاع النهار ثم ينصرف فيقيل إلى وقت صـلاة الظـهر، ثم


يخرج فيصلي الظهر ويقصد طريق المشرعة التي كان يصعد منها أصحاب الروايا فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس فيدرس القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل إلى منزله فيقدم إليه إفطاره([98]).

وكان الإمام الطبري لا يعدم في الصيف الحيس([99])، والريحان واللينوفر([100])، فإذا أكل نام في الخيش([101])، في قميص قصير الأكمام، مصبوغ بالصندل وماء الورد.

ثم يقوم فيصلي الظهر في بيته، ويكتب في تصنيفه إلى العصر، ثم يخرج فيصلي العصر، ويجلس للناس يقرأ عليه إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه إلى العشاء الآخرة، ثم يدخل منزله. وقد قسم ليله ونهاره في مصلحة نفسه، ودينه، والخلق، كما وفقه الله عز وجل.

لقد أمسكوا الصبر بزمامه، والعزم بخطامه، يحدوهم أمل عظيم ورجاء واسع وفضل من الله كبير.

سمع الخطيب البغدادي على إسماعيل بن أحمد الحيري بمكة صـحيح البخاري في ثلاثة مجالس: اثنان مـنها في ليلتين؛ كان يبتدئ


 بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، والثلاث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر. قال الذهبي: وهذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه. ولعل من أسباب تيسير ذلك بركة الزمان في ذلك الوقت([102]).

ولا ريب أن ذلك من توفيق الله لهم وإعانته مع صبرهم وجلدهم، فقد كانوا أصحاب همم وعزائم، يقول ابن الجوزي: كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق([103]).

إذا هبت رياحك فاغتنمها        فإن لكل عاصفة سكونا

أما ثني الركب عند العلماء والصبر على طلب العلم الذي نسمع به لا نراه فلعلنا نعرض لبعض من حياة علماء الأمة وصبرهم على طلب العلم والحرص عليه.

قال جرير بن حازم: جلست إلى الحسن سبع سنين لم أخرم منها يوماً واحداً([104]).

نعم سبع سنين متواصلة لم يخرم منها يوماً واحداً. إنها حياة، ومراجعة وحفظ ومذاكرة، يزينها الوقار، ويجملها الصبر على شظف العيش وعلى التكرار والمراجعة والبحث والتنقيب بين السطور وفي بطون الكتب.

ومن أمثلة قراءة الاستعراض ما حدث للإمام الشافعي رحمه الله لما


 سئل عن دليل مسألة الإجماع؛ فاستعرض القرآن ثلاث مرات في كل ليلة حتى اهتدى إلى الموضع.

وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾([105]).

وقال الزهري وكأنه يتحدث عن حالهم ويرى صنيعهم: منهومان لا يشبعان: طالب العلم وطالب الدنيا.

فطالب الدنيا ثار غباره وعلمنا خبره عياناً، أما طالب العلم فهو في بطون الكتب سيرة وذكرى، ولعل الله يحفظ البقية الباقية من علمائنا وطلبة العلم في زماننا.

قرأ ابن حجر ـ رحمه الله ـ السنن لابن ماجه في أربعة مجالس، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم، وذلك في نحو يومين وشيء؛ فإنه كان الجلوس من بكرة النهار إلى الظهر، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات، وأسرع شيء وقع له أنه قرأ معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر؛ وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو من ألف وخمسمائة حديث، وحدث بالبخاري في عشرة مجالس، كل مجلس منها أربع ساعات([106]).


يا طالب العلم:

إن للقلوب شهوة وإدباراً؛ فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها([107]).

ولأصحب الهمم العالية والعزائم الصادقة وقفات جادة في طلب العلم والسعي له.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجد أحدًا يفتحها علي إلا رجلاً ببرك الغماد([108]) لرحلت إليه([109]).

وجاء في ترجمة الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ أنه كان يقول: أنا برجال الحديث أعرف مني برجال الدرعية([110]).

أما جهودهم ومصنفاتهم فهي ما يعجز عنه المقصرون ويتأخر عنه المتأخرون. فما أبرك ساعات الطلب عندهم وما أوسعها عند زكاتها! إنها أوقات عمروها طلباً للعلم ثم تبليغاً له.

أين نحن من هؤلاء؟

حسبت تلامذة أبي جعفر محمد بن جرير منذ احتلم إلى أن مات فقسموا على المدة مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة([111]).

وما تعلموا من عمل إلا سعوا إلى تطبيقه والعمل به، فقد كان الشيخ أبو عمر المقدسي لا يكاد يسمع دعاء  إلا حفظه  ودعا بـه، ولا


 يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثاً إلا عمل به، ومات وهو عاقد على أصابعه ليسبح([112]).

وهذا ابن جرير ينشط لكتابة التاريخ ويقول لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم؟ قالوا: كم يجيء؟ فذكر نحواً من ثلاثين ألف ورقة، فقالوا: هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه. قال: إنا لله، ماتت الهمم([113]).

وقال ابن الجوزي محدثاً عن نفسه: كتبت بأصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفاً([114]).

يا طالب العلم:

ومن لم يذق مر التعلم ساعة

تجرع ذل الجهل طول حياته

ومن فاته التعليم وقت شبابه

فكبر عليـه أربعاً لوفـاته

وألق سمعك إلى مقالة تحكي واقعنا، وقد قل العلماء وندر طلبة العلم، واتجهت الأمة إلى العلوم العصرية، وتركوا التفقه في الدين وما يجب معرفته من الدين بالضرورة.

فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه: فقهاً وحكمة وعلماً وضياءً ونوراً وهداية ورشداً،


فقد أصبح من بين الخلق مطوياً وصار نسياً منسياً([115]).

قال ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ : ومن العلوم علوم لو علمها كثير من الناس لضرهم ذلك، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وليس إطلاع كثير من الناس بل أكثرهم على حكمة الله في كل شيء نافعاً لهم، بل قد يكون ضاراً قال تعالى: ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101].

أيها الحبيب:

أليس هذا هو واقعنا وما نراه ونشاهده؟ حتى أنك ترى جهلاً بأمور العقيدة، وخللاً في صلاة كثير من المصلين، وجهلاً بأصول الدين دون فروعه التي لا يعرفها إلا قلة على عدد الأصابع في كل مدينة. فالله المستعان!!


 التخطيط لتحصيل العلوم النافعة

قال ابن الجوزي: رأيت الشره في تحصيل الأشياء يفوت الشره عليه مقصوده.

وقد رأينا من كان شرهاً في جمع المال فحصل له الكثير منه، وهو مع ذلك حريص على الازدياد.

ولو فهم، علم أن المراد من المال إنفاقه في العمر، فإذا أنفق العمر في تحصيله فات المقصودان جميعاً.

وكم رأينا من جمع المال ولم يتمتع به فأبقاه لغيره وأفنى نفسه.

قدم المهم؛ فإن العاقل من قدر عمره وعمل بمقتضاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر، غير أنه يبني على الأغلب.

فإن وصل فقد أعد لكل مرحلة زاداً، وإن مات قبل الوصول فنيته تسلك به.

فإذا علم العاقل أن العمر قصير، وإن العلم كثير، فقبيح بالعاقل الطالب لكمال الفضائل أن يتشاغل مثلاً بسماع الحديث ونسخه ليحصل كل طريق، وكل رواية، وكل غريب.

ومن أريد وفق. وإن لله عز وجل أقواماً تولى تربيتهم ويبعث إليهم في زمن الطفولية مؤدباً، ويسمى العقل. ومقوماً، ويقال له الفهم، ويتولى تأديبهم وتثقيفهم، ويهيئ لهم أسباب القرب منه.

فإن لاح قاطع قطعهم عنه حماهم منه، وإن تعرضت بهم فتنة دفعها عنهم.

فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم، ونعوذ به من خذلان لا ينفع معه اجتهاد.


 الرحلة في طلب العلم

العلم مواطن يرتحل إليها ويبذل للوصول إليها الغالي والنفيس؛ فكم من المشاق واجهت طلبة العلم، وكم من الصعوبات اعترضت طريقهم.

هذا الإمام الحاكم يصف الرحالين لطلب العلم فيقول: آثروا قطع المفاوز والقفاز على التنعم في الدمن والأوطان، وتنعموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة أهل العلم والأخبار، جعلوا المساجد بيوتهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، استرواحهم المذاكرة، وخلوقهم المداد، ونومهم السهاد، وتوسدهم الحصى. فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس! فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم([116]).

وقد بين - صلى الله عليه وسلم - فضل الخروج في طلب العلم فقال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع»([117]).


ولهذا كانت رحلتهم في طلب العلم عبادة يحتسبون فيها الأجر والمثوبة.

عن كثير بن قيس قال: كنت جالساً عند أبي الدرداء في مسجد دمشق. فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدرداء! أتيتك من مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحديث بلغني أنك تحدث به، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، ولا جاء بك غيره؟ قال: لا، قال: فإن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً على الجنة»([118]) الحديث.

ورحل عقبة بن الحارث من مكة إلى المدينة ليسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن مسألة واحدة:

فعن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني. فركب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كيف وقد قيل؟» ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره([119]).

وسأل رجل من أهل خراسان الإمام عامر الشعبي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها، فروى الحديث الذي رواه أبو بردة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كـانت عـنده


أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها؛ فله أجران».

ثم قال للسائل: أعطيتكها بغير شيء، قد كان يركب فيما دونها إلى المدينة.

وعن بسر بن عبيد الله: قال: إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد.

وعن أبي العالية قال: كنا نسمع الحديث عن الصحابة، فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم([120]).

يا طالب العلم:

تغرب عن الأوطان تكتسب العلا

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرج هم واكتساب معيشة

وعلم، وآداب، وصحبة ماجد

وها هو أحد العلماء: (منصور بن عمار) يصف حال الرحلة في طلب العلم وأهلها فيقول عنهم: هم يرحلون من بلد إلى بلد، خائضين في العلم كل واد، فلو رايتهم في ليلهم وقد انتصبوا لنسخ ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين الفرش الوطئ والمضجع الشهي، غشيهم النعاس فأنامهم، وتساقطت من أكفهم أقلامهم، فانتبهوا مذعورين، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عادوا إلى الكتابة حـرصاً عليها، لعلمت أنهم حراس الإسلام وخزان الملك  العلام، فـإذا


قضوا من بعض ما راموا أوطارهم انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد وعمروا المشاهد.

وقد قيل للإمام أحمد: أيرحل الرجل في طلب العلم؟ فقال: بلى والله شديداً، لقد كان علقمة بن قيس النخعي والأسود بن يزيد النخعي وهما من أهل الكوفة، كانا إذا بلغهما الحديث عن عمر رضي الله عنه لم يقنعا حتى يرحلا إلى المدينة فيسمعا الحديث منه.

ورحلاتهم ليست يوماً أو يومين فحسب، بل سنوات طويلة وأشهر متتابعة، مع ما فيها من مشقة وجهد، وجوع وعطش، وخطر الطريق وآفات المسير.

فقد رحل الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده لطلب العلم وعمره عشرون سنة، ورجع إلى بلده وعمره خمسة وستون عاماً، وكانت مدة رحلته خمسة وأربعين عاماً، وسمع فيها العلم وتلقاه عن ألف وسبعمائة شيخ، فلما رجع إلى بلده تزوج وهو ابن خمسة وستين عاماً، ورزق الأولاد، وحدث الناس وعلمهم([121]).

وقال ابن المقرئ يحدث عن نفسه: طفت المشرق والمغرب أربع مرات.

وقال: مشيت بسبب نسخة «المفضل بن فضالة» سبعين مرحلة، ولو عرضت على خباز برغيف لم يقبلها([122]).

وقال عبد الله بن بـريدة: إن رجلاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رحل إلى


فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه وهو يمد لناقة له، فقال: مرحباً، قال: أما إني لم آتك زائراً، ولكن سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجوت أن يكون عندك منه علم. قال: ما هو؟ قال: كذا وكذا([123]).

وجابر بن عبد الله الصحابي الجليل يروي قصة رحلته فيقول:

بلغني حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أسمعه، فابتعت بعيراً فشددت عليه رحلي، وسرت شهراً، حتى قدمت الشام، فأتيت عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فأتاه، فقال له: جابر بن عبد الله؟ فأتاني فقال لي، فقلت: نعم. فرجع فأخبره، فقام يطأطئ ثوبه حتى لقيني فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القصاص لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول.... فذكر الحديث([124]).

أخي لن تنال العلـم إلا بستـة

سأنبئك عن تفصيلهـا بـبيان

ذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة

وصحبة أستاذ، وطول زمان([125])

والإمام البخاري رحل إلى محـدثي الأمصـار، وكـتب بخراسان


والجبال ومدن العراق كلها والحجاز والشام ومصر، وورد بغداد دفعات([126]).

وقال رحمه الله محدثاً عن نفسه: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلا أذكر إسناده([127]).

وهذا أبو حاتم الرازي كان يرتحل في طلب أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماشياً على أقدامه، وقال وهو يتحدث عن نفسه:

مشيت على قدمي ألف فرسخ([128])، ثم تركت العدد([129]).

نعم يا أهل الهمم، مشى على قدمه أكثر من خمسة آلاف كيلو متر.

وقد سافر من البحرين إلى مصر، ومن مصر إلى الرملة، ومن الرملة إلى طرسوس على أقدامه، وضاقت عليه النفقات مرة في البصرة فباع ثيابه حتى نفدت، وجاع يومين، فأعلم رفيقه، فساعده وخدمه([130]).

والمكتبات اليوم عامرة بالكتب وعلى بعد خطوات، ولكن أين المجدون وأين المشمرون؟!

دببت للمجد والساعون قد بلغوا

جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا

وكابدوا المجد حتى مل أكثرهـم

وعانق من أوفى ومـن صـبرا

لا تحسب المجد تمراً أنت آكـله

لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا([131])

قال أبو العلاء الهمداني: رحلت إلى بغداد لطلب العلم، فكنت أبيت الليل في المساجد وآكل خبز الذرة.

وكان يمشي في اليوم الواحد ثلاثين فرسخاً([132]) وهو حامل كتبه على ظهره لأجل طلب العلم.

ورحل عمر بن عبد الكريم الرواسي في طلب العلم، وسمع العلم من ثلاثة آلاف وستمائة شيخ، وفي إحدى رحلاته سقطت بعض أصابعه من شدة البرد والثلج، ولم يكن معه آنذاك ما يتدفأ به([133]).

وقال أبو العالية: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما نرضى حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم([134]).

وتأمل ما يجدون من التعب والنصب ومجاهدة الأخطار وصعوبة الأسفار.

قال عبد الرحمن بن خراش المروزي: شربت بولي في السفر لطلب علم الحديث خمس مرات([135]).

ومقصوده رحمه الله أنه كان يسافر الأسفار البعيدة ويقـطع المسافات الطويلة لطلب العلم، فربما في بعض رحلاته نفد عليه


الماء فشرب بعض بوله ليدفع عن نفسه الموت.

وقال محمد بن أبي حاتم أيضاً: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلفت عني نفقتي حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحداً، فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه فناولني صرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك([136]).

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟!

رحل الإمام الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في طلب العلم، وكان ما قال واصفاً حاله أثناء رحلته: بلت الدم في طلبي للحديث مرتين: مرة ببغداد ومرة بمكة؛ وذلك أني كنت أمشي حافياً في سفري لطلب العلم في شدة الحر وعلى الرمضاء المحرقة، فأثر ذلك في جسدي فبلت دماً، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث إلا مرة واحدة، وكنت دائماً أحمل كتبي على ظهري في أثناء سفري، حتى استوطنت البلاد وما سألت في حال طلبي للعلم أحداً من الناس مالاً، وكنت أعيش على ما يأتيني الله به من رزق من غير سؤال([137]).

ورحل مسروق بن الأجدع من أجل حرف واحد، ورحل أبو سعيد في حرف واحد([138]).

وقال سعد بن المسيب رحمه الله: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب حديث واحد([139]).


وسافر عامر بن شراحبيل من الكوفة إلى مكة، لأجل ثلاثة أحاديث ذكرت له فقال: أسافر إلى مكة لعلي ألقى رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسمعها منه.

وكان إسحاق بن منصور المروزي من تلاميذ الإمام أحمد، وقد كتب عن الإمام أحمد مجموعة من المسائل الفقهية ثم رجع إلى بلده نيسابور، ثم إنه بلغه أن الإمام أحمد قد رجع عن تلك المسائل وصار يفتي بغيرها، فوضع إسحاق صحفه وكتبه التي فيها تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راحلاً على قدميه من نيسابور([140]) إلى بغداد، حتى لقي الإمام أحمد وسأله عن تلك المسائل فأقر له أحمد بما أفتاه به أولاً، وأعجب الإمام أحمد به([141]).

ولما خرج أحمد إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمالين إلى أن وافى صنعاء، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئاً([142]).

وقال أحمد بن سنان الواسطي: بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه، عند خروجه من اليمن.

وسرقت ثيابه وهو باليمن، فجلس في بيته ورد عليه الباب، وفقده أصحابه، فجاءوا إليه فسألوه فأخبرهم، فعرضوا عليه ذهباً فلم يقبله، ولم يأخذ منهم إلا ديناراً واحداً، ليكتب لهم به ـ أي أخذ الدينار على


 أن يكون أجرة لما ينسخه لهم من الكتب ـ فكتب لهم بالأجر، رحمه الله تعالى([143]).

نعم هذه حال إمام أهل السنة، قدس الله روحه وأمطر عليه شآبيب رحمته.

وأما ما أصابه أيام المحنة مع صبره وثباته فهو عجيب يطيب سماعه.

لله يعلم مـا قبـلت سـيرتهم

يوماً فأخطأ دمع العين مجراه

أما بقي بن مخلد فقد قام برحلتين إلى الشام والحجاز؛ الأولى استغرقت أربعة عشر عاماً والثانية استمرت عشرين عاماً، وكلها كانت على الأقدام ماشياً كما صرح هو بذلك حيث قال: كل من رحلت إليه فماشياً على قدمي([144]).

وقال عبدان الجواليقي: رحلت إلى البصرة ثماني عشرة مرة من أجل حديث أيوب السختياني كلما ذكر لي حديث من أحاديثه يوجد فيها رحلت إليها لأسمعه.

وهذه الرحلة وهذا الصبر في طلب العلم لا يتم إلا كما أجاب الشعبي عندما سئل: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب([145]).

وصدق والله. إنما يقطع السفر بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟! ([146]).


الجد بالجد والحرمان في الكسل

فانصب تصب عن قريب غاية الأمل

إليك صبر وهمة أحدهم، ولعل قلبك يتحرك وأنت تتخيل المخاطر والأهوال التي يلاقيها والمصاعب التي يواجهها؛ فقد سافر الخطيب التبريزي من تبريز إلى معرة النعمان، وأخذ معه كتاب تهذيب اللغة للأزهري ليقرأه على عالم مشهور في معرة النعمان، ووضع الكتاب في جراب له وحمله على ظهره، وكان رحمه الله فقيراً لا مال له، فلم يقدر على استئجار دابة ليركبها، فقطع المسافة ماشياً على رجليه في شدة الحر والقيظ والرمضاء، حتى أنه من كثرة العرق الذي تصبب منه في شدة الحر في هذه الرحلة تسرب البلل من ظهره إلى ثيابه ومن ثيابه إلى الجراب الذي فيه الكتاب، ووصل البلل إلى الكتاب فأثر في الخبر وأفسد بعض الكلمات حتى أن من رأى الكتاب يظنه قد غمس في ماء، وما هو إلا عرق الخطيب التبريزي([147]).

والسؤال نحو القارئ الحبيب: كم قطرة عرق نزلت من على جبينك طوال سنوات تحصيلك العلمي؟! بل وكم سنة تغربت في طلب حديث أو تفسير آية؟!

هذا إمام أهل السنة الإمام أحمد قد طلب الحديث وهو ابن ست عشرة سنة، وخرج إلى الكوفة سنة ثلاث وثمانين ومائة، وهو أول سفر له، وخرج إلى البصرة سنة ست وثمانين، وخرج إلى سفيان ابن عيينة إلى قلة سنة سبع وثمانين، وهي أول سنة حج فيها الإمام أحمد،


 وخرج إلى عبد الرزاق بصنعاء اليمن سنة سبع وتسعين، ورافق يحيى بن معين في رحلته إليه.

ورحل هشام بن عمار إلى الإمام مالك بن أنس، وهو بالمدينة، ليسمع عنه العلم، قال: فدخلت على مالك وأخبرته خبري، وقلت له: بحديث بحيث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا بل اقرأ أنت علي، فقلت: لا، بل حدثني، فقال: اقرأ، فلما راجعته وراددته في الكلام قال لبعض خدمه: يا غلام! اذهب بهذا واضربه خمسة عشر سوطاً، قال هشام: فذهب بي وضربني ثم ردني إلى مالك، فقلت لمالك: لقد ظلمني؛ ضربتني بغير ذنب اقترفته، ولا أجعلك في حل، فقال مالك: فما كفارة هذا الظلم؟ فقلت: كفارته أن تحدثني بخمسة عشر حديثاً، قال هشام: فحدثني بخمسة عشر حديثاً، فلما فرغ قلت له: زد من الضرب وزد في الحديث، فضحك مالك وقال لي: انصرف([148]).

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ([149])، لم أزل أحصي حتى لما زاد على الألف فرسخ تركته، ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحرين من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشياً، ومن مصر إلى الرملة ماشياً، ومن الرملة إلى بيت المقـدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن


طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرسوس إلى حمص، وكان بقي علي شيء من حديث أبي اليمان فسمعت، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشياً، كل هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة أجول سبع سنين، خرجت من الري سنة ثلاث عشرة ومائتين، قدمنا الكوفة في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة والمقرئ حي بمكة وجاءنا نعيه ونحن بالكوفة، ورجعت سنة إحدى وعشرين ومائتين.

وخرجت المرة الثانية سنة اثنتين وأربعين ورجعت سنة خمس وأربعين، أقمت ثلاث سنين، وقدمت طرسوس سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة([150]).

ومع ما في رحلتهم من حفظ للعلم ونشره فإن إبراهيم بن أدهم يذكرنا بأمر مهم يجلب الخير ويدفع البلاء وهو عبادة الله عز وجل، والتقرب إليه بالأعمال الصالحة؛ ومن أهمها حفظ هذا الدين بالعلم الشرعي: إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أهل الحديث([151]).

وقال ابن الجوزي: لقد طاف الإمام أحمد بن حنبل الدنيا مرتين حتى جمع كتابه المسند([152]).


وانظر إلى علو الهمة وطول الصبر فقد قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حججت خمس حجج، منها ثلاث حجج راجلاً (من بغداد) أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهماً([153]).

وقال محمد بن إسحاق الأرغياني: ما أعلم منبراً من منابر الإسلام بقي علي لم أدخله لسماع الحديث.

وأما محمود بن عمر الزمخشري فقد سافر لطلب العلم، فلما كان ببعض أسفاره في بلاد خوارزم، أصابه برد شديد وثلج كثير في الطريق، فسقطت إحدى رجليه من شدة البرد، وكان الزمخشري بعد ذلك معه محضر فيه شهادة خلق كثير، أن رجله سقطت من البرد، لئلا يظن أحد أنها قطعت في حد من الحدود الشرعية([154]).

وقال يحيى بن معين: خرجت إلى صنعاء أنا وأحمد بن حنبل، لنسمع الحديث عن إمام أهل اليمن عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وفي طريقنا من بغداد إلى اليمن مررنا بمكة فحججنا مع الناس، فبينا أنا في الطواف إذ لقيت عبد الرزاق بن همام وهو يطوف بالبيت، وكان قد حج في ذلك العام، فسلمت عليه وأخبرته أن معي في سفري أحمد بن حنبل، فدعا لأحمد وأثنى عليه خيراً.

قال ابن معين: فرجعت إلى أحمد وقلت له: قد قرب الله خطانا، ووفر علينا النفقة، وأراحنا من السير مسيرة شهر، وهذا عبد الرزاق هاهنا فلنسمع الحديث منه هنا بمكة، فقال أحمد: إني نويـت وأنا


ببغداد أن أسمع من عبد الرزاق بصنعاء، ولا والله لا أغير نيتي أبداً، فلما قضينا حجنا ارتحلنا إلى صنعاء، ثم نفذت نفقة أحمد ونحن بصنعاء، فعرض عليه عبد الرزاق مالاً فرفضه، ولم يقبل مساعدة أحد، وكان يعمل التكك ويقتات من ثمنها([155]).

عن أبان بن أبي عياش قال: قال لي أبو معشر الكوفي: خرجت من الكوفة إليك ـ إلى البصرة ـ في حديث بلغني عنك، قال: فحدثته به([156]). (والمسافة بين الكوفة والبصرة أكثر من 350 كيلومتراً).

ورحل بقي بن مخلد من الأندلس إلى بغداد، على قدميه ماشياً، وقطع القفار والبحار والجبال وكان عمره آنذاك عشرين سنة، وكان مقصوده لقاء الإمام أحمد بن حنبل وسماع الحديث منه، ولما اقترب من بغداد جاءه خبر محنة لإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن، وبلغه أن الإمام أحمد قد منع من التدريس وإقامة الحلقات، وأنه مقيم في بيته رهن الإقامة الجبرية، قال بقي: فاغتممت لذلك أشد الهم والاغتمام، ولكنه أصر على مواصلة رحلته، فلما وصل بغداد وضع متاعه ثم ذهب إلى الجامع الكبير بها، ثم خرج باحثاً عن منزل أحمد، فدل عليه، فطرق الباب ففتح له أحمد، فقال له بقي: أنا رجل غريب الدار وطالب حديث، وما كانت رحلتي إلا إليك، فقال: وأين بلدك؟ قلت: المغرب الأقصى، أجوز من بلدي البحر إلى إفريقية (أي من الأندلس) فقال: إن موضعك لبعيد، ووددت مساعدتك ولـكني في


حيني هذا ممتحن ومحبوس في داري، فقال بقي: يا أبا عبد الله! أنا رجل غريب لا يعرفني أحد من أهل بغداد، فإن أذنت لي أن آتيك كل يوم في زي السؤال، فأطرق الباب وأسال الصدقة، فتخرج إلي فتحدثني ولو بحديث واحد كل يوم، فقال أحمد: نعم بشرط ألا تظهر في الحلق وعند أصحاب الحديث، قال بقي: فكنت آخذ عوداً بيدي وألف رأسي بخرقة، وأجعل ورقي ومحبرتي في كمي، ثم آتي باب الدار فأصيح: الأجر رحمكم الله، فيخرج إلي أحمد، ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة حتى اجتمع لي نحو ثلاثمائة حديث، ثم إن الله رفع المحنة عن الإمام أحمد وسمح له بعقد الدروس والحلقات، فكنت إذا جئته وهو في حلقته أفسح لي المكان وأجلسني بجواره، وقال لتلاميذه: هذا يصدق عليه اسم طالب العلم، ثم يقص عليهم قصتي معه، ثم مرة مرضت فأتاني أحمد يعودني ومعه أصحابه ومعهم أقلامهم يكتبون كلام شيخهم([157]).

وقال الإمام أحمد: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً([158]).

وقال أبو حامد الإسفراييني: لو رحل رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب «التفسير» لمحمد بن جرير لم يكن ذلك كثيراً([159]).

وتفسير ابن كثير الآن بين أيدينا فكم من المسلمين من يقرأه؟!


طواه النسيان، واعتلاه عند أصحاب المكتبات الغبار. أما أولئك فإنهم أصحاب جهاد وصبر.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾([160]).

قال الفضيل: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به([161]).

وتأمل سيرة الأئمة الأعلام كيف يسر الله لهم هذا الطريق وفتح لهم مغاليق الأبواب.

عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا شاب، قلت لشاب من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولنتعلم منهم فإنهم اليوم كثير، فقال لي: يا عجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فيهم؟ قال ابن عباس: فتركت ذلك الرجل وأقبلت أنا على المسألة، وجعلت أتبع الصحابة وأسألهم، فإن كنت لآتي الرجل في طلب حديث واحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأجده قائلاً فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهي التراب (أي تنثره) حتى يخرج، فإذا خرج قال: ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك، فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحببت أن أسمعه منك. قال ابن عباس: فكان ذاك الفـتى الأنـصاري يـراني بعد


ذلك وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني([162]).

وهذا يعقوب بن سفيان يتحدث عن طلبه للعلم وصبره على ذلك ومجاهدته النفس حتى رزقه الله العلم والفقه فيقول: أقمت في الرحل ثلاثين عاماً، ففي إحدى رحلاتي قلت نفقتي، فكنت أعمل بنسخ الكتب ليلاً، وأطلب العلم بالنهار، وفي ذات ليلة بينا أنا جالس أكتب وأنسخ على ضوء السراج، وكان الوقت شتاءً، إذ نزل الماء في عيني، وما عدت أبصر شيئاً فبكيت أسفاً على ذهاب بصري لما سيفوتني من قراءة العلم وكتابته، فغلبتني عيناي فنمت وأنا على تلك الحال، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فناداني وقال: لم بكيت؟ فقلت: ذهب بصري فتحصرت على ما فاتني من العلم، فقال لي: ادن مني، فدنوت منه، فأمر يده على عيني كأنه يقرأ عليها ثم استيقظت فأبصرت، فأخذت نسختي وواصلت الكتابة([163]).

وذكر القاضي عياض أن أبا الوليد الباجي كان أصله من «بطليوس» ثم انتقل إلى «باجة الأندلس» فقيراً حتى احتاج أثناء سفره إلى أن يؤجر نفسه لحراسة درب من الدروب، فكان يستعين بأجره الحراسة على النفقة لطلب العلم، وبضوء مصابيح الدرب على القراءة والمطالعة، ثم إنه تولى ضرب صفائح الذهب وطرقها ودقها لتكون خيوطاً توضح في النسيج والقماش، فكان يخرج إلى بعض تلاميذه


 القلائل وفي يديه أثر المطرقة وصدأ العمل، ثم بعد ذلك فشا علمه واشتهر صيته وذاعت شهرته فأغناه الله من فضله([164]).

أخو العـلم حـي خالد بعـد موتـه

وأوصاله تحت التراب رميم

وذو الجهل ميت وهو ماشٍ على الثرى

يظن من الأحياء وهو عديم

أما عبد الله بن حمود الزبيدي فقد طلب العلم على يد أبي علي الفارسي، ففي ذات مرة نام في بيت الدواب الذي كان خارج دار أبي علي الفارسي، وكانت فيه دابة أبي علي، وإنما فعل الزبيدي ذلك لأجل أن يسبق الطلبة إلى أبي علي الفارسي قبل أن يزدحموا عليه، ففي ذات مرة خرج أبو علي من بيته لصلاة الفجر مبكراً قبل طلوع الفجر، فشعر به الزبيدي فتبعه في الظلام، فخاف أبو علي وظنه لصاً وقال: ويحك من تكون؟ قال أنا تلميذك عبد الله الزبيدي، فصاح فيه: إلى متى تتبعني؟ والله ما على الأرض أحد أعلم بالنحو منك.

وحكى أبو الحسن يوسف بن أبي ذر البخاري أن محمد بن إسماعيل البخاري مرض، فعرضوا ماءه على الأطباء، فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى فإنهم لا يأتدمون، فصدقهم محمد بن إسماعيل وقال: لم آتدم منذ أربعين سنة، فسألوا عن علاجه؟ فقالوا: علاجه الإدام، فامتنع حتى ألح عليه المشايخ وأهل العلم فأجابهم إلى أن يأكل مع الخبز سكرة([165]).


بقدر الكد تكتسب المعالي

ومن طلب العلا سـهر الليالي

تروم العز ثم تنـام لـيلاً

يغوص البحر من طلب اللآلي

أخي القارئ:

لعلك تسير بين السطور لترى رحلة أولئك بين هجير الشمس وزمهرير الشتاء وضيق العيش وكرب السفر.

رحل عبد الله بن فروخ القيرواني إلى أبي حنيفة ليطلب عنده العلم، فبينا عبد الله جالس ذات يوم في منزل أبي حنيفة إذ سقطت آجرة على رأس عبد الله بن فروخ فشجت رأسه وسال دمه، فقال له أبو حنيفة: اختر إما الدية أو ثلاثمائة حديث، فقال عبد الله: بل أختار ثلاثمائة حديث، قال: فحدثني بها([166]).

وقال الإمام أحمد رحمه الله: كنت ربما أردت البكور في طلب الحديث، فتأخذ أمي بثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا([167]).

وحينما سئل أبو القاسم الطبراني عن سبب كثرة حفظه وكتابته للأحاديث فقال: كنت أنام على البواري (أي الحصر التي في المساجد) ثلاثين سنة([168]).


أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟

قال أبو الفضل بن بنيمان: رأيت أبا العلاء الهمذاني في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم لأن السراج كان عالياً([169]).

وقال عمر بن حفص: فقدنا البخاري أياماً من كتابة الحديث بالبصرة، فطلبناه فوجدناه في بيته وهو عريان، وقد نفد ما عنده من مال ولم يبق معه شيء، فجمعنا له دراهم واشترينا له ثوباً، فكسوناه إياه([170]).

نعم هذه حال جامع صحيح البخاري رحمه الله، وأجزل مثوبته، وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.

وتأمل أخي القارئ في طول الصبر والمصابرة والجهد والمجاهدة..

قال مالك: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه.

العلم يحيي أناساً في قبورهم

والجهل يلحق أحياءً بأموات

قال مصعب الزبيري: أوصى يحيى بن زكريا إلي بكتب سليمان بن بلال التي كانت عنده، فأخذ كتب سليمان وخبأتها عندي، فجاء الفأر فبال عليها، فكنت أقرأ ما استبان لي من الكلمات وأدع ما طمسه بول الفأر.

وقال الإمام أحمد: رحلت في طلب العلم والسنة إلى الثـغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمـدينة،


والحجاز، واليمن، والعراقيين جميعاً، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف، ثم عدت إلى بغداد.

وخرجت إلى الكوفة، فكنت في بيت تحت رأسي لبنة‍‍‍! فحممت!

فرجعت إلى أمي رحمها الله ولم أكن استأذنتها، ولو كان عندي تسعون درهماً كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري([171])، وخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج، لأنه لم يكن عندي شيء! ([172]).

وقال الوراق عن الإمام البخاري:

كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ، فكنت أراه يقوم في الليلة الواحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري ناراً بيده ويسرج ويخرج أحاديث فيعلم عليها ثم يضع رأسه، فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني، قال: أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك([173]).

رحمهم الله وأجزل مثوبتهم، ورزقنا من صبرهم وأفاض علينا من علمهم، وجمعنا وإياهم ووالدينا في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.


 حفظ الوقت

رأس مال الإنسان هو وقته، وحال العلماء ومحافظتهم على أوقاتهم يجب الوقوف عندها والتأمل فيها؛ فإن في مراجعتها إحياء للهمم، وتقوية للعزائم، وطرداً للكسل، وإبعاداً للخمول.

ها هو الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما حضرته الوفاة قال لجاريته: ويحك! هل أصبحنا؟ قالت: لا، ثم تركها ساعة، ثم قال: انظري، فقالت: نعم، فقال: أعوذ بالله من صباح إلى النار، ثم قال: مرحباً بالموت، مرحباً بزائرٍ جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، ولظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر([174]).

وهذا الإمام البخاري رحمه الله يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى، حتى كان يتعدد ذلك منه في الليلة الواحدة قريباً من عشرين مرة([175]).

وذكر في ترجمة سليمان بن إبراهـيم العلوي أنه أتى على البخاري


نحواً من مائتين وثمانين مرة قراءة وسماعاً وإقراءً.

وقال أحمد بن حنبل: قال أبو أسامة رحمه الله: كتبت بيدي هذه مائة ألف حديث.

وقال يحيى بن معين ـ رحمه الله ـ كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث([176]).

ما تطعمت لذة العيـش حـتى

صرت للبيت والكتاب جليساً

ليس شيء أعز عندي من العلم

فلم أبتـغ سـواه أنـيـساً

إنما الـذل في مخالطـة الـناس

فدعهم وعش عزيزاً  رئيساً([177])

وذكر عن عباس بن الوليد الفارسي أن بعض إخوانه وجدوا مكتوباً في آخر بعض كتبه: درست هذا الكتاب ألف مرة.

وذكر في ترجمة ابن التبان أنه أخذ العلم عن ابن اللباد وغيره، ودرس كتاب «المدونة» نحو ألف مرة.

وقال محمد بن عبد الله الأبهري: قرأت مختصر ابن عبد الحكم خمسمائة مرة، وكتاب الأسدية خمساً وسبعين مرة، والموطأ خمساً وأربعين مرة، ومختصر البرقي سبعين مرة، والمبسوط ثلاثين مرة.

قال بعض السلف: إذا سمعت المثل فـي القرآن فلم أفهمه بكيت


 على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ([178]).

وقال سعيد بن فيروز: لأن أكون في قوم أتعلم منهم، أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلمهم([179]).

وعندما سئل ابن المبارك: إلى كم تكتب الحديث؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد.

وقال محمد بن إسماعيل الصائغ: مر بنا أحمد بن حنبل ونعلاه في يديه وهو يركض في دروب بغداد ينتقل من حلقة لأخرى، فقام أبي وأخذ بمجامع ثوبه وقال له: يا أبا عبد الله! إلى متى تطلب العلم؟ قال: إلى الموت([180]).

يا طالب العلم:

من علم أن الدنيا دار سباق وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل وزادت المرتبة في دار الجزاء، انتهب الزمان ولم يضيع لحظةً، ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها([181]).

قال عبد الله بن محمد البغوي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر([182]).

أما أبو سعد السمعاني فقد رحل إلى بغداد وعمره ستة عشر عاماً، ليدرك


 أبا نصر الزيني، ليسمع منه حديث علي بن الجعد عن شعبة، فلما وصل بغداد تلقاه نبأ وفاة أبي نصر الزيني، فبكى أبو سعد وجعل يقول: من أين لي علي بن الجعد عن شعبة؟

وكتب أبو علي الفارسي مجموعة من كتب العلم بيده، ثم إنه جاء حريق فالتهم تلك الكتب، فبقي أبو علي شهرين كاملين لا يكلم أحداً، من شدة الهم والحزن على هذه المصيبة، وبقي مدة ذاهلاً متحيراً من هذه الصدمة، ثم صبره الله وعاد إلى رشده.

وفقد الكتاب كفقد الصواب

فيا هول من قد أضاع الكتب

وقديماً قالوا: كتابك الذي تكتبه بيدك هو ولدك المخلد بعد موتك.

وأما هموم الناس اليوم فهي هموم الدنيا وجمع حطامها؛ يصبح الكثير من الناس ويمسي وهو مهموم مغموم من دينار فاته أو درهم خسره.

ونتحدث عن الحماسة لطلب العلم الشرعي، لأننا في زمان ماتت فيه الهمم، وضعفت فيه العزائم، وقلت فيه رغبة الناس في تحصيل العلم الشرعي.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب، فأبيت ساهراً الليل كله فرحاً مني بتلك الفائدة.

وبات محمد بن أحمد النسفي ليلة قلقاً حزيناً لما أصابه من الفقر وركبه من الدين، وكانت قد أشكلت عليه مسألة فقهية لم يعرف جوابها، ففكر فيها في ظلام الليل وهو مهموم حزين ففتحها الله عـليه وعرف جوابها، فقـام يدور في غرفته ويتمايل طرباً، ويقول: أين


الملوك وأهل الدنيا؟ فتعجب امرأته من حاله، وظنت أنه قد وجد سبيلاً للحصول على مال يسد به فقره، فسألته: ما لك؟ فأخبرها الخبر؛ فتعجبت وحزنت.

وعندما سئل الإمام الشافعي: كيف شهوتك للعلم؟ فقال: أسمع بالحرف من العلم لم أسمعها من قبل، فتود أعضائي أن لها آذاناً تتنعم بها بهذه الكلمة كما تنعمت بها أذناي، فقيل له: كيف حرصك على تحصيل العلم؟ فقال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال. فقيل له: فكيف طلبك للعلم؟ فقال: كطلب المرأة التي أضاعت ولدها وليس لها ولد سواه.

وقالوا لبعض السلف: من يؤنسك؟ قال: فضرب بيديه على كتبه وقال: هذه، فقالوا: من الناس؟ قال: الناس الذين فيها.

إني رأيت وفي الأيام تجربـة

للصبر عاقبة محمودة الأثر

عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» ([183]).


قال الخطيب البغدادي:

جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث مراتب الفقهاء والمتفقهين من غير أن يشذ منها شيءٌ؛ فالأرض الطيبة: هي مثل الفقيه الضابط لما روى، الفاهم للمعاني، المحسن لرد ما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة، والأجادب الممسكة للماء التي يستقي منها الناس هي مثل الطائفة التي حفظت ما سمعت فقط، وضبطته وأمسكته، حتى أدته إلى غيرها محفوظاً غير مغيرٍ، دون أن يكون لها فقه تتصرف فيه ولا فهمٌ بالرد المذكور وكيفيته، لكن نفع الله بها في التبليغ، فبلغت إلى من لعله أوعى منها كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رب مبلغٍ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه».

ومن لم يحفظ ما سمع ولا ضبط فليس مثل الأرض الطيبة ولا مثل الأجادب، بل هو محروم، ومثله مثل القيعان التي لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء.

ومع تيسير السبل وسهولة طلب العلم كم فينا من المحرومين منه والغافلين عنه؟!

رحل أسد بن الفرات رحمه الله إلى محمد بن الحسن الشيباني، ولما حضر عنده، قال له: إني رجل غريب قليل النفقة والسماع منك قليل، والطلبة عندك كثير، فقال له محمد بن الحسن: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك فتبيته عندي وأحدثك بالعلم، قال أسد: فكنت أبيت الليل في منزل محمد بن الحسن، فينزل إلي ومعه قدح من الماء، ثم يأخذ ويبدأ في القراءة من كتب العلم وأنـا أستمع إليه، فإن طـال الليل ونعست  ملأ  بالماء ونضح به


وجهي فأنتبه، وهكذا عدة مرات في الليل، حتى أنهيت ما أريد سماعه منه، وكان محمد بن الحسن يتعهد أسد بن الفرات بالنفقة حين علم أن نفقته قد انتهت.

رحمهم الله. لقد صدق عليهم حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث رفعوا للأمة رأساً وللعلم مناراً.

يا طالب العلم باشر الورعا

وباين النوم، واهجر الشبعا

ما ضر عبداً صحت إرادته

أجاع يوماً في الله أو شبعا([184])

قال الحميدي: خرجت مع الشافعي إلى مصر، فكان هو ساكناً في العلو، ونحن في الأوساط، فربما خرجت في بعض الليل فأرى المصباح فأصيح بالغلام فيسمع صوتي فيقول: بحقي عليك ارق، فأرقى فإذا قرطاس وحبر، فأقول: مه يا أبا عبد الله، فيقول: تفكرت في معنى حديث أو في مسألة فخفت أن يذهب علي فأمرت بالمصباح وكتبته([185]).

قال أبو زكريا يحيى بن محمد: دخلت على أبي: محمد بن يحيى الذهلي في الصيف الصائف وقت القائلة، وهو في بيت كتبه، وبين يديه السراج، فقلت: يا أبه!، هذا وقت الصيف، ودخان هذا السراج بالنهار يضرك! فلو نفست عن نفسك؟ فقال لي: يا بني! تقول لي هذا وأنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أصحابه والتابعين؟! ([186]).


أيها الحبيب..

هذه هي مجالسهم وأولئك جلساؤهم.

مجالسهم مثل الرياض أنـيقة

لقد طاب منها الريح واللون والطعم

قال أبو بكر النيسابوري مخبراً عن نفسه: لقد أقمت أربعين سنة لا أنام الليل إلا جاثياً، وصليت الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، إيش أقول لمن زوجني، ثم قال: ما أراد إلا الخير([187]).

وكان هذا السهر والنصب ألذ عند السلف من سائر ملذات الدنيا، ولذا قال قائلهم:

سهري لتنقيح العـلوم ألذ لي

من وصل غانية وطيب عـناق

وتمايلي طرباً لكـل عـويصة

أشهى من النغمات للعـشاق

وألذ من نقـر الفـتاة لدفها

نقري لألقي الرمل عن أوراقي

أأبيت سهران الدجى وتبيته

نوماً وتبغي بعد ذاك لحـاقي؟

سأل طلبة العلم ابن برهان أحمد بن على البغدادي أن يخصص لهم وقتاً ليدرسهم فيه أحد الكتب فقال لهم: لا أجد لكم وقتاً، فكانوا كلما حددوا له وقتاً قال لهم: أنا في هـذا الـوقت  مشـغول  بمذاكرة


الدرس الفلاني. فانتهى بهم البحث إلى أن حددوا لهم درساً معه في نصف الليل([188]).

قال إبراهيم النخعي: إنه ليطول علي الليل حتى ألقى أصحابي فأذاكرهم([189]).

وكان وكيع بن الجراح إذا صلى العشاء ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيتذاكران الحديث، فما يزالان يتذاكران حتى تأتي الجارية وتقول: قد طلع الكوكب([190]).

وعن ابن أبي حاتم قال: حضر قتيبة بن سعيد بغداد، وقد جاءه أحمد بن حنبل، فسأله عن أحاديث فمازالا حتى الصبح.

وقال علي بن الحسن بن شقيق: قمت مع ابن المبارك ليلة باردة ليخرج من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث وذاكرته، فمازال يذاكرني حتى جاء المؤذن فأذن الفجر([191]).

لقد كان هذا سهرهم وتلك رغبتهم.

قال يحيى بن أبي كثير في كلمات صادقة وحكمة مجربة: لا يستطاع هذا العلم براحة الجسد.

لا تحسب المجد تمرأ أنت آكله

لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

قال أبو داود السجستاني: التقى وكيع وعبد الرحمن (ابن مهدي)


في الحرم بعد العشاء فتواقفا، حتى سمعا أذان الصبح([192]).

وذكر أبو بكر محمد بن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة، خمس عشرة سنة من دراسة، وخمس عشرة سنة من عبادة([193]).

أين ليل الساهين اليوم؟ ثلاثون سنة ما بين دراسة وعبادة!!

عن فضيل بن غزوان قال: كنت أجلس أنا ومغيرة بن مقسم الضبي وناس آخرون نتذاكر الفقه بعد العشاء، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر فنذهب للوضوء.

وعلق على سهر الليل ومكابدة النوم الخطيب البغدادي فقال: وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك، وكان جماعة منهم يبدأون من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح([194]).

قال الشاعر العالم مبيناً حبه وحرصه على الكتب والقراءة:

لمحـبـرة تجالسـني نهـاري

أحب إلي من أنس الصديق

ورزمة كاغدٍ في البيت عندي

أعز إلي من عدل الـرفيق

ولطمة عـالمٍ في الخـد مـني

ألذ عليَّ من شرب الرحيق

قال بن شميل: لا يجد الرجل لذة العلم حتى يجوع وينسى جوعه([195]).

وقال أبو شهاب الحناط: بعثت أخت سفيان الثوري معي بجراب فيه طعام إلى سفيان، وكان سفيان آنذاك بمكة، فلما قدمت مكة سألت عن مكانه فدلوني عليه فأتيته وكان لي صديقاً، فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يهش في وجهي كالمعتاد، فقلت له: إن أختك قد بعثت إليك بجراب من الطعام، فاستوى سفيان جالساً وقال: عجل به، فلما أكل قلت له: يا أبا عبد الله، أتيتك فسلمت عليك فلم تهش في وجهي وأنا صديقك، ولما أخبرتك أن أختك قد بعثت إليك جراب طعام استويت وكلمتني وأقبلت علي، فقال سفيان: لا تلمني يا أبا شهاب، فإن لي ثلاثة أيام لم أذق فيها طعاماً، قال أبو شهاب: فعذرته([196]).

أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟

قال ابن أبي حاتم الرازي: كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ، فأتينا يوماً أنا ورفيق لي شيخاً فقالوا: هو عليل، فرأيت سمكة أعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا، فلم يزل السمك ثلاثة أيام وكاد ينفني، فأكلناه نياً لم نتفرغ نشويه([197]).

وقال ابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر» مخـبراً عن حاله في أيام


 طلبه للعلم: ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو أحلى عندي من العسل لأجل ما أطلب وأرجو.

ومن تكن العلياء همة نفسـه

فكل الذي يلقاه فيها محبب

كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى ببغداد فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء (لقسوتها وصلابتها) فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق، وكنت أصبح وليس لي مأكل وأمسي وليس لي مأكل، ما أذلني الله لمخلوق قط، ولو شرحت أحوالي لطال الشرح.

ويذكر أبو حاتم رحمه الله تجربة أخرى له فيقول: بقيت بالبصرة ثمانية أشهر لطلب العلم فانتهت نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئاً فشيئاً حتى بقيت بلا نفقة، فجعلت أطوف مع صديق لي على المشايخ، نسمع منهم الحديث فإذا جاء المساء رجعت إلى منزلي الخالي فأشرب الماء من شدة الجوع، فإذا أصبح الصبح غدا علي رفيقي وانطلقنا ندور على المشايخ وبي من الجوع ما الله به عليم، وفي ذات مرة غدا علي لننطلق فقلت له: أنا ضعيف القوى لا يمكنني ذلك، فقال: ما لك؟ قلت قد مضى علي يومان ما ذقت فيهما طعاماً، فأعطاني نصف دينار لأتقوى به([198]).


وكان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق يوماً في صلاته فسأله عبد الرزاق عن سبب سهوه، فقال أحمد: ما ذقت طعاماً منذ ثلاثة أيام، وكانت هذه القصة في أثناء رحلة الإمام أحمد إلى اليمن لطلب العلم([199]).

قال حجاج ابن الشاعر: جمعت لي أمي مائة رغيف فجعلتها في جراب، وانحدرت إلى شبابة بالمدائن، فأقمت ببابه مائة يوم، أغمس الرغيف في دجلة وآكله، فلما نفذت خرجت([200]).

وكان لمحمد بن سحنون جارية يقال لها أم مدام، فكان عندها يوماً وقد شغل بتأليف كتاب إلى الليل، فلما جاء الليل استمر في الانكباب على التأليف، فلما مضى جزء من الليل جاءت له بالطعام ووضعته عنده، فقال لها: أنا مشغول الساعة عن الطعام، واستمر في تأليفه، فلما طالت عليها المدة جعلت تلقمه الطعام بيدها، وهو منكب على كتبه يؤلف ويكتب، واستمر في الكتابة حتى أذن المؤذن لصلاة الفجر، فانتبه وقال لها: شغلنا عنك الليلة يا أم مدام، هات طعامك، فقالت: قد ألقمته كله لك يا سيدي، فقال لها والله ما شعرت بذلك([201]).

في زماننا هذا: أين نحن من هؤلاء؟

قال أبو المعالي الجويني مخبراً عن حاله وقت طلبه للعلم: أنا لا أنـام ولا أحـدد أوقاتاً خاصة للأكل، وإنما  أنام إذا غلبتني عيناي على


النوم ليلاً كان أو نهاراً، وآكل الطعام إذا اشتهيت الطعام في أي وقت كان.

وقال بقي بن مخلد القرطبي مخبراً عن نفسه: إني لأعرف رجلاً كانت تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم ليس له طعام إلا ورق الكرنب الذي يرمى([202]).

وقال إبراهيم بن عمر الجعيري: كنت في أول طلبي للعلم أشتري جزراً بفلس فكان يكفيني ثلاثة أيام.

وحدث الإمام أبو علي البلخي عن رحلته في طلب العلم فقال: لقد كنت بعسقلان أطلب العلم، فقلت نفقتي وبقيت أياماً بلا أكل، فذهبت لأكتب، فعجزت عن الكتابة لما بي من الجوع، فكنت أذهب إلى دكان خباز وأقعد بقربه وأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم يسر الله لي مالاً([203]).

وقال أبو العباس الجرجاني: كان أبو إسحاق الشيرازي لا يملك شيئاً من الدنيا، فبلغ به الفقر مبلغه، حتى كان لا يجد قوتاً ولا ملبساً!

ولقد كنا نأتيه وهو ساكن في القطيعة - حي من أحياء بغداد - فيقوم لنا نصف قومة، ليس يعتدل قائماً من العري! كي لا يظهر منه شيء.

وهذا عيسى بن موسى بن محمد المتوكل يقول: مكثت ثلاثين عاماً، أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور في طلب الحديث.


وقال أبو العباس البكري: جمعت الرحلة في طلب العلم بين محمد بن جرير الطبري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني، فنفدت نفقتهم وافتقروا واشتد عليهم الجوع، فاتفقوا على أن يقدموا واحداً منهم ليدعوا الله أن يفرج عنهم، وييسر لهم طعاماً، والبقية يؤمنون، فكل واحد منهم اعتذر وقال: لست لذلك بأهل، احتقاراً منهم لأنفسهم، فاقترعوا فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لهم: أمهلوني حتى أصلي ركعتين وبعدها أدعوا لكم، فتوضأ وشرع في الصلاة، فبينا هو في صلاته لم يفرغ منها إذ طرق الباب، ففتح أحدهم فإذا عبد مملوك لوالي مصر يقول: أيكم محمد بن نصر المروزي؟ قالوا: هذا، وأشاروا إليه، فأخرج صرة فيها خمسين ديناراً، وفعل نفس الشيء مع محمد بن جرير ومحمد بن هارون ومحمد بن خزيمة ثم قال: إن الأمير كان قائلاً بالأمس فرأى في المنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول له أدرك المحمدين الأربعة؛ فإنهم جياع في مكان كذا وكذا، ثم قال هذا المملوك: وإن الأمير يقسم عليكم إذا نفذ هذا المال أن تبعثوا إليه ليرسل لكم بمال آخر([204]).

وعن علي رضي الله عنه قال: العلم خير من المال، المال تحرسه والعلم يحرسك، والمال تفنيه النفقة والعلم يزكو مع الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة([205]).


يا طالب العلم:

من لم يباشر حر الهجير في طلاب المجد لم يقل في ظلال الشرف([206]).

وانظر ماذا فعل إسماعيل بن عياش عندما طلب العلم والمجد والسؤدد حيث قال: ورثت من أبي أربعة آلاف دينار أنفقتها في طلب العلم([207]).

ومثل المحب للعلم مثل العاشق، فإن العشق يهتم بمحبوبه ويهيم به، وكذلك المحب للعلم، فكما أن العاشق يبيع أملاكه وينفقها على معشوقه فيفتقر، وكذلك محب العلم، فإنه يستغرق في طلبه العمر، فيذهب ماله ولا يتفرغ للكسب([208]).

وسئل عبد الله بن المبارك رحمه الله: من الناس؟ قال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: فمن السفلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين([209]).

أما محبتهم للكتب فهي أكبر من محبة الدينار والدرهم لأهل الدنيا، ومن وجد منهم كتاباً فكأنما وجد كنزاً.

قال طلحة بن مظفر: بيعت كتب ابن الجواليقي في بغداد، فحضرها أبو العلاء الهمداني، وكان عاشقاً محباً للكتب، فعرضوا مجموعة من الكتب بستين ديناراً فاشتراها الهمـداني، ولم يـكن لـديه


آنذاك مال في جيبه، فانطلق إلى مدينته همدان، فلما وصلها عرض داراً له للبيع فبلغت ستين ديناراً، فقال: بيعوا، فقيل له: لو انتظرت يوماً أو يومين فستبلغ قيمة الدار آلافاً، والدار تساوي أكثر من ستين ديناراً، فرفض وقال: بيعوها، فباعوها بستين ديناراً وهي تساوي آلافاً، ثم رجع إلى بغداد فدفع ثمن الكتب وأخذها إلى بيته وما علم بحاله أحد.

أخي القارئ..

لقد قدموا غذاء الفكر على غذاء البطن، ولكن إذا لم يجدوا للبطن شيئاً ماذا يفعلون؟! وكيف نحن اليوم في ظل رغد العيش وبحبوحة الرزق؟!

قال محمد بن طاهر: لما رحلت لطلب العلم أقمت بتنيس مدة، ونفذت نفقتي هناك، ولم يبق معي إلا درهم واحد، وكنت محتاجاً إلى خبز لأسد به جوعي، وإلى ورق لأكتب عليه الحديث، فإن صرفته للخبز فاتني ورق الكتابة، وإن صرفته للكتابة فاتني الخبز، فبقيت ثلاثة أيام بلياليهن متردداً لم أذق فيها طعاماً، فلما كان بكرة اليوم الرابع، قلت لنفسي: لو كان معي ورق ما استطعت أن أكتب فيه، لما بي من الجوع والتعب، فعزمت على أن أشتري به خبزاً، فذهبت إلى السوق وجعلت الدرهم في فمي، فبينا أنا أسير إلى السوق إذ بلعت الدرهم بدون شعور مني، فلما شعرت بذلك جعلت أضحك كثيراً، فلقيني أحد أصدقائي فسألني: ما يضحكك؟ فأبيت أن أخبره، فـألح عـلي فأخبرته الخـبر، فأخـذني إلى مـنزله وأطعمني؛ ثم


 دبر له مالاً من بيت المال أغناه الله به([210]).

قلت للفقر أين أنت مقيم

قال لي في محابر الـعلماء

إن بيني وبينهـم الإخـاء

وعزيز علي قطع الإخاء([211])

وتأمل في مطلب ومقصد أصحاب الهمم الحية والقلوب الصادقة فقد قال الحسن البصري: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة، وقال: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره.

وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل([212]).

إنهم أمة جعلوا دنياهم سبيلاً ومعبراً لآخرتهم، فشمروا عن ساعد العلم والعمل، يتعلمون ويعلمون، يعبدون الله على بصيرة، ويدعون إليه على هدى ونور.

قال خلف بن هشام الأزدي: أشكل علي باب من النحو فلم أفهمه، فأنفقت ثلاثين ألف درهم حتى فهمته وأتقنته.

وقال أبو عبد الله بن الضريس: آخر مرة قدمت فيها إلى البصرة، أعطيت الوراقين ( وهم الذين ينسخون له الكتب) عشرة آلاف درهم.

وأنفق الإمام هشام بن عبد الله الرازي في طلبه للعلم سبعمائة ألف درهم، وسمع عن ألف وسبعمائة شيخ.


أما محمد بن سلام البيكندي فقد قال: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفًا، وأنفقت في نشره أربعين ألفاً.

وقد رحل ابن جرير الطبري لطلب العلم هو ابن ثنتي عشرة سنة، وكان والده يتعاهده بالنفقة بين حين وآخر، قال ابن جرير: فمرة أبطأت عني نفقة والدي وتأخرت، ففتقت كمي قميصي وبعتها واستعنت بثمنها على طلب العلم([213]).

وقال الإمام ابن الجوزي في كتابه «لفتة الكبد في نصيحة الولد»، متحدثاً لولده عن نشأته ومبتدأ حاله:

واعلم يا بني، أن أبي كان موسراً وخلف ألوفاً من المال، فلما بلغت دفعوا لي عشرين ديناراً ودارين، وقالوا لي: هذه التركة كلها، فأخذت الدنانير واشتريت بها كتباً من كتب العلم، وبعت الدارين وأنفقت ثمنها في طلب العلم، ولم يبق لي شيء من المال. وما ذل أبوك في طلب العلم قط، ولا خرج يطوف في البلدان من الوعاظ، ولا بعث رقعةً إلى أحدٍ يطلب منه شيئاً قط، وأموره تجري على السداد: ﴿وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾.

أين شباب الأمة اليوم وأين طلب العلم في حياتهم؟!

إذا رأيت شباب الحي قد نشأوا

لا ينقلون قلال الحـبر والورقا

ولا تراهم لدى الأشياخ في حلقٍ

يعون من صالح الأخبار ما اتسقا

فذرهم عنك واعلم أنهم همـجٌ

قد بدلوا بعـلو الهمـة الحمـقا


أين أصحاب الهمم العالية والوجوه المتطلعة؟! أكثر الشباب همماً طالما ماتت، وقلوباً طالما نامت. تأمل في من يطلب العلم مع قرب العلماء والمراجع والكتب وسهولة الوصول إليها والحصول عليها تجد عجباً!!

قال عبد الله بن القاسم: انتهى وأفضى طلب العلم بالإمام مالك إلى أن نقض سقف بيته وباع خشبه ثم مالت عليه الدنيا بعد ذلك([214]).

قال الإمام مالك: لا ينال هذا الأمر حتى يذاق فيه طعم الفقر([215]).

وكان صالح بن أحمد يملي على الناس الحديث بهمدان، وكانت له أرض فباعها بسبعمائة دينار، فلما استلم الدنانير فرقها ونثرها على محابر تلاميذه من أصحاب الحديث.

قال شعبة بن الحجاج : لقد بعت طست أمي بسبعة دنانير([216]).

وقال الإمام أحمد: أقام شعبة عند الحكم بن عتبة ثمانية عشر شهراً حتى باع جذوع بيته([217]).

الأموال الطائلة أين تصرف؟! والذهب والفضة أين يضيع؟! سؤال اليوم واضح الجواب، ولكن كيف حال سلفنا وماذا فعلوا بما تحتهم من الأموال؟!


ورث يحيى بن معين ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث، حتى لم يبق له نعلٌ يلبسه! ([218]).

زاده الله شرفاً، ورحم أقداماً طالما تغبرت في سبيل الله.

وذكر ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري» في ترجمة محمد بن الحسين النيسابوري: أنه كان يعلق دروسه ويطالع كتبه ويقرأها في ضوء القمر، لأنه كان فقيراً لا مال لديه ليشتري به دهناً ليوقد به السراج، ومع ذلك كان لا يأخذ من مال الشبهة شيئاً.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: فقر العلماء فقر اختيار، وفقر الجهلاء فقر اضطرار.

وإليك قصة أحد العلماء قال أبو عبيدة: ضاقت المعيشة على النضر بن شنيل البصري بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة نحوٌ من ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلا محدثٌ أو نحويٌ أو لغوي أو عروضي أو أخباري، فلما صار بالمربد ـ مربد البصرة ـ جلس وقال: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم والله لو وجدت كل يوم كيلجة باقلي ما فارقتكم، وسار حتى وصل إلى خراسان.

قال النضر: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت ذات ليلة وعلي ثوبٌ مرقع، فقال: يا نضر، ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعـيف، وحـر مروٍ شديدٌ، فـأتبرد بهـذه الخلقان، قال لا، ولكنك


رجل متقشفٌ، ثم أجرينا الحديث، فأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها؛ كان فيه سدادٌ من عورٍ»، فأورده بفتح السين (سداد من عور)، فقلت: صدق هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة، عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها؛ كان فيها سدادٌ من عورٍ».

قال: وكان المأمون متكئاً، فاستوى جالساً، وقال: يا نضر، كيف قلت: سِدَاد؟ قلت: لأن السَّداد ههنا لحنٌ، قال: أو تلحنني؟ قلت: إنما لحن هشيم، وكان لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بالفتح: القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد، قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:

أضاعوني وأي فـتى أضـاعوا

ليوم كريهة وسداد ثغر

فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له! وأطرق ملياً، ثم قال: ما لك يا نضر؟ قلت: أريضة بمرو أتصابها وأتمززها، قال: أفلا نفيدك مالاً معها؟ قلت: إني إلى ذلك لمحتاجٌ، فأخذ القرطاس، وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل بن سهل، فلما قرأ الفضل القرطاس؛ قال: يا نضر، إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسـين ألف درهم، فما كان  السبب  فيه؟ فأخبرته، ولم أكذبه، فأمر


لي بثلاثين ألف درهم، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني"([219]).

ورحم الله من قال:

نعم المحدث والرفيق كتاب

تلهو به إن خانك الأصحاب

لا مفشياً للسر إن أودعته

وينال منه حكمة وصـواب


 استغل وقتك في الأنفس من العلوم

ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفاً إلى الحفظ والإعادة. فلو صح صرف الزمان إلى ذلك كان الأولى، غير أن البدن مطية، وإجهاد السير مظنة الانقطاع.

ولما كانت القوى تكل فتحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لابد منه، مع أن المهم الحفظ، وجب تقسيم الزمان على الأمرين، فيكون الحفظ في طرفي النهار وطرفي الليل، ويوزع الباقي بين عمل بالنسخ والمطالعة، وبين راحة للبدن وأخذ لحظه.

ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثر الغبن وبان أثره، وإن النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛ لأن ذلك أشهى وأخف عليها.

فليحذر الراكب من إهمال الناقة، ولا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق.

ومع العدل والإنصاف يتأتى كل مراد.

ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه.

ومن طوى منازل في منـزل أوشك أن يفوته ما جد لأجله، على أن الإنسان إلى التحريض أحوج؛ لأن الفتور ألصق به من الجد.

وبعد، فاللازم في العلم طلب المهم، فرب صاحب حديث حفظ مثلاً لحديث: من أتى الجمعة فليغتسل: عشرين طريقاً، والحـديث قـد


ثبت من طريق واحد، فشغله ذلك عن معرفة آداب الغسل.

والعمر أقصر وأنفس من أن يفرط منه في نفس.

وكفى بالعقل مرشداً إلى الصواب، وبالله التوفيق([220]).

أخي المسلم:

هذا أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن القصري كان يقول: لي أربع وسبعون سنة ما جف لي قلم. وكان ربما باع بعض ثياب فاشترى بثمنها كتاباً.

وعندما وصل أبو جعفر القصري إلى مدينة سوسة لزيارة صديق له، فوجد صديقه هذا قد ألف كتاباً، ولم يكن مع أبي جعفر مال يشتري به ورقاً لينقل فيه هذا الكتاب، فباع أبو بكر قميصه الذي كان عليه واشترى بثمنه ورقاً كتب فيه الكتاب ورجع به معه إلى القيروان.

ورحل عبد الله بن القاسم إلى مالك بن أنس رحمه الله بالمدينة، ليطلب العلم على يديه، قال ابن القاسم: فكنت آتي مالكاً غلساً (آخر الليل) فأسأله مسألة أو ثلاثاً أو أربعاً، وكنت أجد منه في ذلك الوقت انشراح صدر، فكنت آتيه في كل سحر، فتوسدت مرة عتبة بابه أنتظر خروجه لصلاة الفجر لأسأله عن مسائل، فغلبتني عيناي فنمت، وخرج الإمام مالك إلى المسجد ولم أشعر به، فجاءت جارية مالك السوداء، فركضتني برجلها وقالت: إن مولاك أيها العبد قد خرج للمسجد، ليس يغفل كما أنت تغفل، له اليوم تسع وأربعون سنة ما صلى الفجر إلا بوضوء العشاء([221]).


قال ابن الجوزي: تأملت عجباً، وهو أن كل شيء نفيس خطير، يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله، فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي أكل الهريسة ولا أقدر؛ لأن وقت بيعها هو وقت سماع الدرس.

وقد أحسن من قال:

لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والإقدام قتال

وقال أبو محمد الثقفي: سمعت جدي يقول:

جالست أبا عبد الله المروذي أربع سنين؛ فلم أسمعه طول تلك المدة يتكلم في غير العلم([222]).

قال أبو أحمد نصر بن أحمد السمرقندي: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته([223]).

قال ابن جماعة معلقاً على هذا الكلام: وهذا كله، وإن كانت فيه مبالغة، فالمقصود به أنه لابد لطلب العلم من جمع القلب واجتماع الفكر([224]).

قال الزبير بن بكار: قالت ابنة أختي لأهلنا: خالي خير رجلٍ لأهله، لا يتخذ ضـرةً ولا يشتـري جارية. فقالت  المرأة: لهذه الكتب


أشد علي من ثلاث ضرائر وأصعب! ([225]).

وقال جعفر بن درستويه: كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني، وقت العصر اليوم لمجلس غدٍ، فنقعد في أماكننا طوال الليل، مخافة ألا نلحق من الغد موضعاً نسمع فيه الحديث، فرأيت شيخاً في المجلس يبول في طيلسانه، ويدرج الطيلسان، وذلك مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام ليبول([226]).

وقد أقام أبو طاهر في الإسكندرية من عام 511هـ إلى عام 576هـ لطلب العلم، وكان يقول عن نفسه: لي ستون سنة ما رأيت منارة الإسكندرية (وكانت من عجائب الدنيا) إلا من الطاقة.

وجاء شعبه بن الحجاج إلى خالد الحذاء، فقال شعبة لخالد: حديث بلغني عنك فحدثنيه، وكان خالد آنذاك مريضاً، فقال لشعبة: أنا الآن مريض ولا أستطيع أن أحدثك به، فقال شعبة: إنما هو حديث واحد فحدثني به، فحدثه به خالد الحذاء. فلما فرغ من الحديث قال له شعبة: مت الآن إن شئت.

وحالهم لفقد بعض العلم أو العلماء حال من فقد حبيباً أو عزيزاً.

فهذا شعبة بن الحجاج يقول: إني لأذكر الحديث يفوتني لم أسمعه فأمرض.

وقد ذكر لشعبة حديثٌ لم يسمعه فجعل يقول: واحزناه واحزناه.

ورحل عبد الرحمن بن أحمـد البـغياني مـع أبيه إلى المحـدث


 المشهور ابن خلف الشيرازي بشيراز، فلما دخلها أحمد ذهب يعدو إلى بيت ابن خلف ليسمع منه الحديث، فلقيه أحد أصدقائه فقال له: تعال أولاً لنتغدى عندي، فلما فرغا من الطعام قال له صديقه: لقد مات ابن خلف قبل فترة وأنا الذي دفنته. قال عبد الرحمن: فلما سمعت بموته كادت مرارتي أن تنشق.

لقد كان العلم همهم الأول وشغلهم الشاغل، قدموه على أمور الدنيا ومحبوباتها، يجالدون لذلك الأيام، ويصبرون على حرها وقرها.

قال عبيد بن يعيش: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي في الليل؛ لأني كنت مشغولاً بكتابة الحديث، فكانت أختي تلقمني الطعام بيدها([227]).

وقال يحيى بن البناء: كان الحميدي، من اجتهاده في العلم، ينسخ ويكتب العلم بالليل في شدة الحر، فكان يجلس في طست فيه ماء فيتبرد به ثم يشرع في الكتابة والنسخ([228]).

إذا كنت تؤذى بحر المصيف

ويبس الخريف وبرد الشتاء

ويلهيك حسن زمان الربيع

فأخذك للعلم قل لي متى([229])

عن أحمد بن سلمة قـال: عقد للإمام مـسلم بن الحجاج صاحب


الصحيح مجلسٌ لمذاكرة الحديث، فذكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله ودخل غرفته وأوقد السراج وقال لأهله: لا يدخلن أحد منكم علي في هذه الغرفة، فقالوا له: قد أهديت لنا سلة بها تمر، فقال: قدموها إلي، فقربوها إليه وانصرفوا، فجعل يبحث عن ذاك الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فنى التمر، ووجد الحديث، فكان مرضه من تلك الأكلة ثم مات بسببها([230]).

وقد ذكر الإمام الزرقاني أن يحيى بن يحيى الليثي كان تلميذاً عند إمام دار الهجرة مالك بن أنس في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء فيل عظيم بجانب المسجد، فخرج الطلاب لرؤيته ولم يبق إلا يحيى بن يحيى الليثي، فقال له الإمام مالك: لم لم تخرج لترى الفيل وهو لا يكون ببلادك؟ فقال يحيى: جئت من الأندلس لأراك لا لأرى الفيل، إنما رحلت لأتعلم من علمك وهديك، فأعجب به الإمام مالك وقال له: أنت عاقل الأندلس.

وأكثر أهل الدنيا اليوم يشدون الرحال ويفارقون الأوطان لرؤية الفيل والنعام!!

وهذا ابن المكوي القرطبي أحمد بن عبد الملك، وكان قد حبب إليه الدرس مدة عمره، لا يفتر عنه ليله ونهاره، وجعلت فيه لذته، حتى أنه في أحد الأعياد جاءه صديق له ليهنئه، فوجد بابه مفتوحاً فدخل الدار وأرسل إليه خادمه ليخرج إليه، فأبطأ عليه ابن المكوي ولم يخـرج إلـيه، فأرسل إليه  خادمه مرة أخرى، وبعد قليل خرج إليه


ابن المكوي ومعه كتاب يقرأ فيه، ولم يشعر بصديقه الذي ينتظره حتى اصطدم به، لانشغاله بالقراءة في الكتاب، فانتبه ابن المكوي حينئذ وسلم على صديقه، واعتذر إليه عما حصل بأنه كان مشغولاً ببحث مسألة مهمة، فلم يتركها حتى فتحها الله عليه، فقال له صديقه: أتقرأ في يوم عيد ويوم راحة؟! فقال: والله ما لي راحة ولا لذة إلا في طلب العلم والنظر في الكتب.

وكان ابن المبارك يكثر من الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه([231]).

قال شقيق البلخي: قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس([232]).

وهذا طالب العلم يتحدث عن نفسه ويدفع التهمة بعيداً عن أرضه:

يقولون لي فيك انقـباض وإنمـا

رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم

ومن أكـرمته عـزة النفس أكرما

ولم أقض حق العلم إن كنت كلما

بدا مطـمـع صيرتـه لي سـلما

وأكرم نفسي أن  أضاحك عابساً

وأن أتـلـقى بالمـديح مـذممـا

ولم أبتذل في  خدمة العلم مهجتي

لأخدم من لاقيت لـكـن لأخدما

أأشقى به  غـرساً وأجنـيه ذلةً

إذاً فاتبع الجهل كـان أحـزمـا

فإن قلت زنـد العلم كاب فإنما

كبا حين لم نحرس حمـاه وأظلـما

قال مكحول: ما عبد الله بشيء أفضل من الفقه.

قال الحسن البصري: يوزن مداد العلماء بدم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء([233]).

وعن مسعر بن كدام قال: أتيت أبا حنيفة في مسجده فرأيته يصلي الغداة، ثم يجلس يعلم الناس العلم إلى الظهر، ثم يصلي ويجلس للناس طول نهاره إلى العشاء، فقلت في نفسي: متى يتفرغ هذا للعبادة، لأتعاهدنه الليلة، فتعاهدته، فلما كان الليل انتصب في المسجد قائماً إلى الصباح فصلى الفجر ثم جلس للناس إلى العشاء الآخرة، ثم فعل في الليلة الآتية كفعلة في الماضية، ثم تعاهدته ففعل ذلك أياماً كثيرة، فقلت: لألزمنه حتى أموت. فيقال: إن مسعرًا مات في مسجد أبي حنيفة وهو ساجد([234]).

ولأن طلب العلم عبادة وتعليمه قربة إلى الله عز وجل فلابد له من آداب وأخلاق.


ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية([235]).

وتأمل ذلك في علماء بعض الأمصار تجد أن لديهم علماً شرعياً وافراً ولكن لا ترى أثر ذلك عليهم في مظهرهم ومخبرهم. فذاك مسبل ثيابه، وآخر يجاهر بشرب الدخان، وثالث خالف أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحلق لحيته!!

قال ابن المبارك: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا([236]).

وقال الحسن مبيناً أثر العلم على من حمله: قد كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه، وفي لسانه وبصره وبره([237]).

عن أبي عصمة بن عصام البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد بن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر في الماء فإذا هو كما كان فقال: سبحان الله، رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل([238]).

وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول: ما بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث قط إلا عملت به ولو مرة([239]).

لما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه، لما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية([240]).


وقال الإمام أحمد: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى أبا طيبة ديناراً، فأعطيت الحجام ديناراً حين احتجمت([241]).

عن أبي سلمة الخزاعي قال: كان مالك إذا أراد أن يخرج يحدث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -([242]).

وعن معن بن عيسى قال: كان مالك إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل، وتبخر، وتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه قال: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فمن رفع صوته عند حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -([243]).

ويجب على طالب العلم الحذر من المعاصي والابتعاد عن المحرمات؛ فإن هذا العلم نور لا يجتمع مع المعصية، بل إنها تنازعه البقاء في القلب.

قال الإمام مالك: إنما يصلح لهذا الحفظ ترك المعاصي.

وقال الشافعي:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأرشدني إلى ترك المعاصي

وقال: أعلم بأن العلم فضل

وفضل الله لا يؤتاه عاصي([244])

قال وكيع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به([245]).

قال سعيد بن جبير: ربما أتيت ابن عباس، فكتبت في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيته فلم أكتب حديثاً حتى أرجع، لا يسأله أحدٌ عن شيء([246]).

وقال سفيان بن عيينة: من عمل بما يعلم كفي ما لم يعلم([247]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل عاص لله فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع لله، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من الله، إذ لو تم خوفه من الله لم يعصه([248]).

كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله: فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم، فافعل([249]).

وكان طلب العلم عندهم طريقاً إلى الآخرة وسلماً إلى الدرجات العلا. ولذا هجروا ما يبعد عن الله عز وجل والدار الآخرة.


قال عيسى يونس: لم يكن في أسناني أبصر بالنجوم مني، فدخلني منه نخوة فتركته([250]).

ولهذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لميمون بن مهران: إياك والنظر في النجوم؛ فإنها تدعو إلى الكهانة، وإياك والقدر، فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أحد من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فيكبك الله في النار على وجهك([251]).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه للخطيئة يعملها.

وقال وكيع: استعينوا على الحفظ بترك المعصية([252]).

قال وهيب بن الورد: عجباً للعالم كيف تجيبه دواعي قلبه إلى ارتياح الضحك، وقد علم أن له في القيامة روعات ووقفات وفزعات([253]).

وقال الإمام الشافعي: من أحب أن يفتح الله له قلبه أو ينوره فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه، وترك الذنوب واجتناب المعاصي، ويكون له فيما بينه وبين الله خبيةٌ من عمل، فإنه إذا فعل ذلك فتح الله عليه من العلم ما يشغله عن غيره، وإن في الموت لأكثر الشغل([254]).

قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا ويخالطون


الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس([255]).

وقال الإمام مالك للشافعي أول ما لقيه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية([256]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعلم النافع، كقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وقال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ([257]).

عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه قال: من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، وإن وجد من يكفيه فإن في الاستماع سلامة وزيادة في العلم، والمستمع شريك المتكلم في الكلام، إلا من عصم الله، ترمق وتزيد وزيادة ونقصان([258]).

عن أيوب العطار أنه سمع بشراً (ابن الحارث) يقول: حدثنا حماد بن زيد ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء([259]).


وقال الإمام سحنون: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال([260]).

وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه «مدارج السالكين» في منزلة الخشوع: ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا في شيء، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:

أنا المكدي وابن المكدي

وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً.

قدس الله روحه. فهو يرسم صوراً عملية من التواضع، وإلا فهو من أئمة السلف ومن عائلة علم ودين نفع الله بها الإسلام والمسلمين، ولا تزال مؤلفات عائلة ابن تيمية في الأمة، تصدر عنها وترجع إليها؛ لما فيها من علم والتزام بمنهج السلف الصالح القائم على الكتاب والسنة.

روي عن بشر بن الحارث أنه قيل له: ألا تحدث؟ قال: أنا اشتهي أن أحدث، وإذا اشتهيت شيئاً تركته([261]).

وعن أبي داود السجستاني قال: لم يكن أحمد بن حنبل يخوض في شيء يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم.


ولما عزم الإمام مالك على تصنيف «الموطأ» قيل له: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب، وقد عمل العلماء الموطآت؟! فقال: ما كان لله بقي.

أيها الحبيب:

من علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته، وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم.

وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في علمه زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه. وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام([262]).

قال ابن الجوزي مفصلاً الأمر:

ما أعرف للعالم قط لذة ولا عزًا ولا شرفاً ولا راحة ولا سلامة أفضل من العزلة؛ فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله عز وجل وعند الخلق؛ لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم، ولا يعظم عندهم قدر المخالط لهم، ولهذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم.


وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصاً في أمر مباح هان عندهم.

فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة قدر العلم عندهم.

فقد قال بعض السلف: كنا نمزح ونضحك، فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك.

وقال سفيان الثوري: تعلموا هذا العلم واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب.

فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر.

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «لولا حدثان قومك في الكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين».

وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب: رأيت الناس يكرهونهما فتركتها.

ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هذه صيانة للعلم.

وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس أو في يده كسرة يأكلها قل عندهم وإن كان مباحاً، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية.

فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام حفظاً لهم، ومتى أراد مباحاً فليستتر به عنهم.

وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قدم الشام راكباً على حمار ورجلاه من جانب، فقال: يا أمير المؤمنين! يتلقاك عظماء الناس. فما أحسن ما لاحظ!

إلا أن عمر رضي الله عنه أراد تأديب أبي عـبيدة بحـفظ الأصل


 فقال: إن الله أعزكم بالإسلام، فمهما طلبتم العز في غيره أذلكم.

والمعنى: ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال، وإن كانت الصور تلاحظ؛ فإن الإنسان يخلو في بيته عرياناً، فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين وعمامة ورداء. ومثل هذا لا يكون تصنعاً ولا ينسب إلى كبر.

وقد كان مالك بن أنس يغتسل ويتطيب ويقعد للحديث.

ولا تلتفت يا هذا إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين، فإن العزلة أصون للعالم والعلم، وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه.

وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة، وعن قول هذا سكتوا عنه، وهذا فعل الحازم.

فإن أردت اللذة والراحة فعليك أيها العالم بقعر بيتك، وكن معتزلاً عن أهلك يطب لك عيشك، واجعل للقاء الأهل وقتاً، فإذا عرفوه تصنعوا للقائك، فكانت المعاشرة بذلك أجود.

وليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك. واحترس من لقاء الخلق وخصوصاً العوام.

واجتهد في كسب يعفك عن الطمع، فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا.

وقد قيل لابن المبارك: ما  لك لا تجالسنا؟ فقال: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين، وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه.

ومتى رزق العالم الغني عن الناس والخلوة، فإن كان له فهم يجلب


التصانيف فقد تكاملت لذته، وإن رزق فهماً يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات.

نسأل الله عز وجل همة عالية تسمو إلى الكمال، وتوفيقاً لصالح الأعمال، فالسالكون طريق الحق أفراد([263]).

قال ابن مسعود: لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله؛ فإنه يبقى ويذوب ما سواه([264]).

أيها المسلم:

لقد كان همهم من هذا العلم إيصال الحق ونشره، فلا حظوظ للنفس، ولا مباهاة بالعلم، ولا جدالاً ومراء، ولا استعلاء وزهواً.

قال الشافعي: ما نظرت أحداً فأحببت أن يخطئ([265]).

كان مالك يقول: المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل([266]).

وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن.


وقال الشافعي: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم -يعني كتبه- على أن لا ينسب إلي منه شيء([267]).

وهذه الصفات الحميدة والأخلاق السامية تزينها وتجملها صفات عملية في مجالسهم، فهي وإن كانت طاعة لله عز وجل أولاً فإنها تربية عملية لتلاميذهم وطلابهم.

قال مسلم بن جنادة: جالست وكيعاً ( ابن الجراح) سبع سنين فما رأيته بزق ولا مس حصاة، ولا جلس مجلسه فتحرك،  ولا رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله([268]).

وقال الحسن: اطلبوا العلم، وزينوه بالوقار والحلم([269]).

وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: ضحكت مرة وأنا من النادمين على ذلك، وذك أني ناظرت عمرو بن عبيد القدري، فلما أحسست بالظفر ضحكت، فقال لي: تتكلم في العلم وتضحك، فلا أكلمك أبداً. وأنا من النادمين على ذلك، إذ لو لم يكن ضحكي لرددته إلى قولي، فكان في ذلك صلاح العلم([270]).

وإذا كان الله عز وجل بمنه وتوفيقه قد جمع  للعالم علماً وخلقاً، فهل يليق به أن يتنكر لذلك ويترك الناس على جهلهم وقلة علمهم، أم أنه من ورثة الأنبياء الذين يبلغون الرسالة ويؤدون الأمانة؟!


قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه([271]).

أخي الحبيب:

كم لدينا ممن معهم من العلم ما يكفي لإلقاء الدروس والمواعظ؟ بل كم لدينا ممن يحسنون قراءة الفاتحة وقصار السور ونرى حولهم من كبار السن من يجهلون أم الكتاب؟! ولكن أين هم؟! وهل يعذرون أمام الله عز وجل؟!

قال أبو بكر بن عياش: الدخول في العلم سهل، ولكن الخروج منه إلى الله شديد([272]).

وعندما سئل يحيى بن معين: أيفتي الرجل إذا كان حافظاً لمائة ألف حديث؟ قال: لا، قلت: ومن مائتي ألف حديث؟ قال: لا، قلت: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو، أي إذا كان حافظاً خمسمائة ألف حديث يفقهها وأحكامها فهذا هو العالم حقاً الذي ينبغي أن يعتد بقوله ويعمل بفتواه.

وروى ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد عن عبد الرحمن البغوي قال: مر علي أحمد بن حنبل جائياً من الكوفة ومعه كيس فيه كتب فقلت له: إلى متى وأنت تطلب العلم؟ إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث ألا يكفيه ذلك؟ فسكت عني، فقلت: ستين ألف؟ فسكت عني، فقلت: مائة ألف حديث؟ فقال أحمد: إذا كتـب مـائة ألف حـديث


فحينئذ يكون قد عرف شيئاً من العلم.

هذه هي بعض صفات العلماء فقل لي بربك: كم شخصاً في هذا الزمان يستحق أن يلقب بالعالم؟ وإذا أردت أن تعرف من هم العلماء؟ فاستمع إلى الشعبي رحمه الله وهو يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء قط إلا حفظته، وما سمعت من رجل حديثاً فأردت أن يعيده علي، وإني الآن لكأني أنظر إلى أكثر من سبعين ألف حديث في كتابي([273]).

هؤلاء حقاً هم العلماء وهم الحفاظ! ثم تأمل قلة عدد العلماء من بين سائر أفراد الأمة ثم هؤلاء العلماء، ما أقل العاملين فيهم بعلمهم الذين يرى عليهم!

استمع إلى مكانة أهل العلم في قلوب الناس يحدثك عنها الإمام أبو هلال العسكري فيقول: إذا كنت أخي ترغب في سمو القدر ونباهة الذكر، وارتفاع المنزلة بين الخلق، وتلتمس عزاً لا تثلمه الأيام والليالي، وإذا كنت تلتمس هيبة من غير سلطان، وغنى من غير مال، ومنعة بغير سلاح، وعلاء من غير عشيرة، وأعواناً بغير أجر، وجنداً بلا ديوان وفرض «أي راتب» فعليك بالعلم، فاطلبه في مظانه تأتيك المنافع عفواً، وتلق ما يعتمد منها صفواً، واجتهد في تحصيله ليالي قلائل، ثم تذوق حلاوة الكرامة مدة عمرك.

واستمع إلى هذه القصة العجيبة التي تروى عن الوزير نظام الملك، فقد كان يملي الحديث على الناس في الري مع كونه وزيراً، فلما فرغ قال: إني أعلم أني لست أهلاً لما أقوم به من إملاء حـديث رسـول الله


- صلى الله عليه وسلم - ، لكني أريد أن أربط نفسي على قطا نقلة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ولقد بلغ من إجلال الناس لأهل العلم، أن أولاد الخليفة كانوا يقدمون للعالم حذاءه إذا أراد الانصراف؛ فقد كان الفراء يعلم ويؤدب ولدي الخليفة المأمون، فلما كان ذات يوم قام الفراء لينصرف، فاستبق ولدا الخليفة إلى نعليه، كل منهما يريد أن يقدمها له، فتنازعا أيهما يقدمها له، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهم فردة، فقدماها. ووصل الخبر إلى الخليفة المأمون، فاستعدى الفراء، فلما دخل عليه قال له المأمون: من أعز الناس؟ فقال: ما أعرف أحداً أعز من أمير المؤمنين، فقال المأمون: بلى، من إذا نهض تقاتل ولياً عهد المسلمين على تقديم نعليه إليه، حتى رضي كل منهما أن يقدم فردة، فقال الفراء: لقد أردت منعهما من ذلك، فقال المأمون: لو منعتهما لغضبت عليك، ولقد زاد ما فعلاه من شرفهما عندي([274]).

وهذا أسد بن الفرات رحمه الله أحد القادة الفاتحين رحل وهو في الثامنة عشرة من عمره إلى المدينة، وسمع كتاب الموطأ على الإمام مالك، ثم رحل إلى العراق ودرس عند محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، ثم رحل إلى مصر، ثم رجع إلى بلدة القيروان وتولى منصب القضاء، وفي عام 212 هـ ولاه الأمير قيادة الجيش الإسلامي المتوجه لغزو صقلية، فلما خرج الجيش خرج الناس يودعونه في موكب عظيم، فلما رأى أسد بن الفرات الناس أمامه وخلفه يودعونه  خطبـهم  فحمـد الله ثم قـال: يا مـعشر الناس! لا


إله إلا الله وحده لا شريك له والله ما ولي لي أب ولا جد ولاية قط، ولا أحد من سلفي رأى هذا قط (يعني الاحترام والتكريم) وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم، وأتبعوا أبدانكم في طلب العلم وتدوينه، واصبروا على شدته؛ فإنكم تنالون به خيري الدنيا والآخرة.

واستمع إلى الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «مفتاح دار السعادة» وهو يحدثك عن سلطان العلم وهيبته وعزته في النفوس والقلوب فيقول: سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجة تنقاد لها القلوب، وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده، بل سلطان الجاه إذا لم يكن معه علم يساس به فهو بمنزلة سلطان السباع والأسود ونحوها، قدرة بلا علم ولا رحمة، بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمه وحكمة.

وسلطان العلم نراه واقعاً ملموساً في حياتنا لا يحتاج إلى بسط وإيضاح، فمن يذهب للعلماء للسلام عليهم أكثر بكثير ممن يذهب إلى الوزراء والحكام وغيرهم من أهل الدنيا!!

قال سالم ابن أبي الجسد: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم وأعتقني فقلت: بأي شيء أحترف؟ فاحترفت العلم، فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له([275]).

وقال حماد بن سليمان: دخلت على  حماد بن سلمة، فإذا ليس في


البيت إلا حصير، وهو جالس وفي يده مصحف يقرأ فيه وجراب فيه علمه، ومطهرة يتوضأ منها، فبينما أنا جالس إذ دق الباب، فقال حماد: يا حبيبة! اخرجي فانظري من هذا؟ فقالت: رسول محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة، فأذن له فدخل، فقال بعد أن سلم: أما بعد، فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، وقعت مسألة، فأتنا نسألك عنها والسلام، فقال: يا حبيبة! هلم الدواة، ثم قال لي: اقلب كتابه واكتب: أما بعد، فأنت صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً، فإن وقعت لك مسألة فأتنا وسل ما بدا لك، فإن أتيتني فلا تأتني بخيلك ورجالك، فلا أنصح لك ولا أنصح إلا نفسي، والسلام.

فبينما أنا جالس إذ دق الباب، فقال: يا حبيبة! اخرجي فانظري من هذا؟ قالت: محمد بن سليمان. قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وجلس بين يديه ثم ابتدأ فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت منك رعباً؟

قال حماد: حدثني ثابت البناني قال: سمعت أنساً يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإذا أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء». فقال: ما تقول رحمك الله في رجل له ابنان وهو عن أحدهما أرضى، فأراد أن يجعل له في حياته ثلثي ماله؟ فقال حماد: لا يفعل رحمك الله، فإني سمعت أنساً يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا أراد الله أن يعذب عبداً من عباده في حياته وفقه إلى وصية جائرة» فعرض عليه مالاً فلم يقبل وخرج.


وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنة! وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد. وكان أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمي! ففي جسمه ستة عيوب، ولكنه كان ركناً من أركان العلم والدين والصلاح والقدوة، وكان ثقة فقيهاً، حج نيفا على سبعين حجة([276]).

قال الزبير بن أبي بكر: كتب إلي أبي وهو بالعراق يقول لي: عليك بالعلم؛ فإنه إن افتقرت كان لك مالاً، وإن استغنيت كان لك جمالاً.

وقد جمع معاذ بن جبل رضي الله عنه فضائل العلم فقال: تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، ألا إن العلم سبيل منازل أهل الجنة، وهو المؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء، والمعين على الضراء، والزين عند الأخلاء، والسلام على الأعداء، يرفع الله له أقواماً فيجعلهم في الخير قادة أئمة، تقتفى آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسهم، ويصلي عليهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوام الأرض وسباع البر والبحر والأنعام، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، ويبلغ بالعبد منازل الأخيار والأبرار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه


 يعدل بالصيام، ومذاكرته تعدل بالقيام، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام والعمل تابعه، ويلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء([277]).

وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك([278]).

وكان سليمان بن حرب أحد شيوخ الإمام البخاري، قد وضع له منبر خاص في بغداد على مقربة من قصر الخلافة، في مكان مرتفع، لكي يجلس عليه، ويملي الأحاديث، وكان أمير المؤمنين مأمون الرشيد وجميع أفراد الخلافة يحضرون مجلسه، وكل كلمة كانت تخرج من فم سليمان بن حرب يكتبها أمير المؤمنين بيده، وقد عد الحاضرون فكان أربعين ألف نسمة([279]).

أما أهمية العلم والعلماء وحاجة الناس إليهما فهو كما ذكره الإمام أحمد بن حنبل: الناس يحتاجون إلى العلم مثل الخبز والماء؛ لأن العلم يحتاج إليه في كل ساعة، والخبز والماء في كل يوم مرة أو مرتين([280]).

ولذلك قال ابن القيم في مدح الفقهاء والعلماء:

فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعـد الحـلال مـن الحرام،


فهم في الأرض بمنـزلة النجوم في السماء، بهم يهتدى في الظلماء، حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما في إحدى الروايتين عنه، وجابر بن عبد الله، والحسن البصري وأبو العالية، وعطاء والضحاك، ومجاهد في إحدى الروايتين عنه: أولو الأمر هم العلماء. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: هم الأمراء. وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس. والتحقيق: أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء([281]).

إذا كانت هذه منزلتهم وهذه مكانتهم فإن الأمر في طاعتهم ومحبتهم كما قال علي رضي الله عنه: ومحبة العالم دين يدان بها.

وكثير من جهلة الناس اليوم يثنون أبناءهم عن دراسة العلوم الشرعية وأنها لا فائدة منها، وما علموا أنها أساس الفلاح والصلاح!! ولو رأوا حال أصحاب العلوم الأخرى لما فعلوا. فهذا الوزير، وذاك القائد، وكأن على رؤوسهم الطير إذا دخل في المجلس عالم. فالناس تتجه له وتسأله وتنسى الوزير والكبير. أليس كذلك؟!!

قال سهل التستري: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم سكارى إلا العاملون بالعلم، والعاملون مغرورون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر.

قال الإمام الآجري: فما ظنكم -رحمـكم الله- بطريق فيه آفات


كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس، لابد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبد به خلقه إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحير الناس، ودرس العلم بموتهم، وظهر الجهل([282]).

واستمع إلى أبي الوفاء ابن عقيل وهو يصف ما لأهل العلم عند الله تعالى فيقول: حاشا المبدئ الخالق لهم على تلك الأشكال والعلوم، أن يرضى لهم بتلك الأيام اليسيرة، لا والله لا رضي لهم إلا بضيافة تجمعهم على مائدة تليق بكرمه سبحانه، نعيم بلا ثبور، وبقاء بلا موت، واجتماع بلا فرقة، ولذات بغير نغصة.

بل لقد بلغ من شرف العلم عند الناس أن ملوك الأرض وسلاطينها كانوا يتمنون أن يكونوا من أهل العلم، فمن ذلك ما رواه ابن عساكر عن محمد بن سلام الجمحي قال: قيل للخليفة المنصور: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تحصله؟ فقال: بقيت خصلة أن أقعد على سرير المدرس وحولي طلاب الحديث فيقول المستملي: حدثنا، فأقول: حدثنا فلان عن فلان..... عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال محمد بن سلام: فلما كان الصباح غدا الوزراء وأبناؤهم، ومعهم المحابر  والدفـاتر، ودخـلوا


على المنصور ليكتبوا عنه الحديث ويحققوا له ما تمناه، فلما رآهم المنصور قال: لستم بأصحاب الحديث الذين أريدهم إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الرحالون في البلدان([283]).

قال الأعمش: إذا رأيت الشيخ لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث فاصفع له (أي الطمه)، فإنه من شيوخ القمراء، قيل: وما شيوخ القمراء؟ قال أبو جعفر: هم شيوخ دهريون، يجتمعون في ليالي القمر، يتذاكرون أيام الناس ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ للصلاة([284]).

وقال مبيناً قدر نفسه وقدر العلم الذي يحمله والذي رفع قدره وأنزله منزلة عالية: لولا القرآن وهذا العلم عندي لكنت من بقالي الكوفة([285]).

قال المزني: كان الشافعي رحمه الله إذا رأى شيخاً (أي كبير السن) سأله عن الحديث والفقه، فإن كان عنده شيء من العلم سكت عنه وإلا قال له: لا جزاك الله خيراً عن نفسك ولا عن الإسلام، قد ضيعت نفسك وضيعت الإسلام([286]).

والعلماء لهم سهام من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، يجري لهم الخير حتى بعد موتهم لما نشروه من العلم وما بينوه للناس.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا مات الإنسان (وفي رواية ابن آدم) انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.


 قال كميل النخعي: خرجت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الجبانة (أي الخلاء) فقال لي: يا كميل! الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وسائر الناس همج رعاع؛ أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح. العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.

وكان الإمام البخاري كلما حل مدينة أو نزل أرضاً كان المسلمون يزدحمون حوله حيث يفوق الوصف والبيان.

وكان الناس بعد ما سمعوا تلك الأوصاف الخارقة التي وهبها الله لهذا الإمام الجليل؛ من فقه عديم النظير، وذاكرة خارقة، وتبحر في العلم، كانوا يتمنون رؤيته. فإذا نزل مكاناً تجمعوا حوله بحيث لا يكاد يوجد موضع قدم من شدة الزحام وكثرة الناس.

ولما رجع إلى بخارى عائداً من رحلته الدراسية نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهل البلد، حتى لم يبق مذكور إلا ونشر عليه الدراهم والدنانير.

وجرى معه مثل هذا في نيسابور.

قال الإمام مسلم:

لما قدم محمد بن إسماعيل (البخاري) نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث([287]).

وكان الإمام عاصم بن علي يجلس على سطـح في رحبة النخل


 خارج بغداد، وكان مستميله هارون يركب نخلة معوجة، وذات مرة أرسل الخليفة المعتصم بالله من يحرز له عدد الحاضرين في مجلسه، فكان عددهم عشرين ومائة ألف([288]).

وكانت طريقة إيصال العلم عن طريق الشيخ بوجود من يبلغ ما قال حتى ينقطع الصوت، ويقوم بهذا العمل عدد من المستملين.

ولما قدم أبو مسلم الكجي بغداد أملى في رحبة غسان، فكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم الآخر، ويكتب الناس عنه قياماً، ثم مسحت الرحبة، وحسب من حضر بمحبرة، فبلغ ذلك نيفاً وأربعين ألف خبرة سوى النظارة.

وأما الذين كانوا يسمعون فقط ولا يكتبون، كانوا خارجين من عدادهم([289]).

قال الفربري: إن تسعين ألف رجل أخذ من البخاري صحيحه في حياته واستجازوه روايته.

نعم تسعون ألفاً أخذوا إجازة في الحديث من الإمام البخاري رحمه الله، واليوم كم لدينا من قرأ صحيح البخاري نظراً... بل جزءاً منه؟!

قال يحيى بن جعفر: إن مجلس علي بن عاصم كان يحضره ثلاثون ألف نسمة([290]).


ولما جاء يزيد بن هارون ودرس في بغداد قدر عدد الحاضرين بسبعين ألف نسمة.

وعندما عقد الفريابي أحد شيوخ الإمام البخاري مجلس إملائه في بغداد كان عدد المستملين ثلاثمائة وستة عشر الذين كانوا يبلغون لفظ الشيخ للناس، وقدر عدد الحاضرين بثلاثين ألفاً([291]).

قال الله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ فهل يستوي العالم والجاهل؟!

وكل ضرر يصيب العبد في دنياه أو أخراه سببه الجهل، ولذا أخبر الله تعالى أن الجهال هم شر الدواب فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ بل جعل الله الجهال بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَّعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ فالجهل أصل الأخلاق الرديئة من الكبر والفخر والظلم والفساد في الأرض.

وقد توعد الله عز وجل من أعرض عن العلم الواجب عليه وعن تعلمه بوعيد شديد فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾.

قال ابن القيم رحمه الله والمعنى أن من نسي ربه أنساه الله ذاته ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، فصار معطلاً مهملاً بمنـزلة الأنـعام


السائبة، بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه. ونسيان الإنسان لربه بمعنى إعراضه عن دينه وتركه لتعلم شرعه وأوامره.

واستمع إلى الإمام ابن القيم وهو يبين لك حال الجاهل فيقول: العلم حياة ونور، والجهل موت وظلمة، والإنسان إنما يتميز عن غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان، وإلا فغيره من الدواب والسباع أكثر أكلاً منه وأقوى بطشاً، وإنما ميز على الحيوانات بعلمه، فإذا عدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم. والمقصود أن الإنسان إذا لم يكن له علم بما يصلحه في معاشه ومعاده كان الحيوان البهيم خيراً منه لسلامته في المعاد مما يهلكه دون الإنسان الجاهل.

ورحم الله من قال:

فليجتهد رجل في العلم يطلبه

كيلا يكون شبيه الشاء والبقر

قال عمر بن الخطاب: إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة، فإذا سمع العالم خاف، واسترجع عن ذنوبه، وانصرف إلى منزله وليس عليه ذنب. فلا تفارقوا مجالس العلماء؛ فإن الله عز وجل لم يخلف على وجه الأرض تربة أكرم من مجالس العلماء([292]).

قال الإمام أحمد: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشـراب؛ وذلك لأن الـرجل قد يحتاج إلى الطعام والشراب مرة أو


مرتين، أما حاجته للعلم فهي بعدد أنفاسه([293]).

قال الحسن رحمه الله: لولا العلماء لصار الناس كالبهائم([294]).

يا طلاب العلم:

كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في السماء وتخفون على أهل الأرض.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبي! أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال لي: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو منهما عوض؟ ([295]).

وقال كعب الأحبار: لو أن ثواب مجالس العلماء بدا للناس لاقتتلوا عليه حتى يترك كل ذي إمارة إمارته وكل ذي سوق سوقه([296]).

وقال سفيان الثوري: العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا اجتر الطبيب الداء إلى نفسه، فمتى يداوي غيره؟ ([297]).

ونحن نسير في رحاب العلماء، وهم ملء السمع والبصر ماضياً وحاضراً، نسترشد بقول الإمام أبي حنيفة رحمه الله: الحكـايات عـن


العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم([298]).

وقد حدد وضح العلماء منهج الطلب وسير المجد فقال سفيان الثوري: أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره([299]).

ثم بعد كل هذا انظر وتأمل واعتبر في قول أحدهم.

قال أبو عمرو بن العلاء: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن له في الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون فيها، وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس([300]).


 توقير العلماء واحترامهم

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا جلوساً في المسجد إذ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس إلينا فكأن على رؤوسنا الطير لا يتكلم أحد منا([301]).

وهذا عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما، مع جلالته ومنزلته، كان يأخذ بركاب دابة زيد بن ثابت الأنصاري ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا([302]).

وكان كثير من السلف يقول: ما صليت إلا ودعيت لوالدي ولمشايخي جميعاً([303]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا كان الرجل قد علمه أستاذ؛ عرف قدر إحسانه إليه وشكره([304]).

فلا يجتمع التعلم مع الكبر، ولا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾([305]).

قال الغزالي: ومعنى كونه ذا قلب أن يكون قابلاً للعلم والفهم، ثم


 لا تعنيه القدرة على الفهم حتى يلقي السمع وهو شهيد حاضر القلب؛ ليستقبل كل ما ألقي إليه بحسن الإصغاء والضراعة والشكر والفرح وقبول المنة. وليكن المتعلم لمعلمه كأرض دمثة ـ أي لينة سهلة ـ نالت مطراً غزيراً فتشربت جميع أجزائها وأذعنت لقبوله، ومهما أشار إليه المعلم بطريق في التعلم فليتبعه، وليترك رأيه، إذ التجربة تطلع على دقائق يستغرب سماعها مع أنه يعظم نفعها. فكم من مريض محرور يعالجه الطبيب في بعض أوقاته بالحرارة ليزيد في قوته إلى حد يحتمل صدمة العلاج فيعجب منه من لا خبرة له به([306]).

وهذا الإمام مالك رحمه الله قال لفتى من قريش:

يا ابن أخي! تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم([307]).

وهذا الليث بن سعد لما أشرف على أصحاب الحديث فرأى منهم شيئاً فقال: ما هذا؟! أنتم إلى يسير من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم([308]).

وقد قال الإمام الشافعي: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح([309]).

فإن رسوب العلم في نفراته


اصبر على مر الجفا من معلم

تجرع ذل الجهل طول حياته

ومن لم يذق مر التعلم ساعة

فكبر عليه أربعـاً لوفاته([310])

ومن فاته التعليم وقت شبابه

قال الربيع بن سليمان صاحب الشافعي وتلميذه المشهور: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له.

قال أحمد بن حنبل: لزمت هشيماً (ابن بشير) أربع سنين ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له([311]).

ولذا ينبغي للمستفتي أن يحفظ الأدب مع المفتي، ويبجله في خطابه وسؤاله، ونحو ذلك، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا وكذا؟ وما مذهب إمامك الشافعي في كذا وكذا؟ ولا يقل إذا أجابه: هكذا قلت أنا أو كذا وقع لي، ولا يقل له: أفتاني فلان، أو أفتاني غيرك بكذا وكذا، ولا يقل إذا استفتى في رقعة: إن كان جوابك موفقاً لما أجاب فيها فاكتبه، وإلا فلا تكتب([312]).

وما ذاك إلا لمعرفة قدرهم وجمع شملهم، والاستفادة من علمهم بحسن الأدب والتلطف في السؤال.

بل لقد كان الشافعي يقول: إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث كأني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ([313]).


العلم ميراث النبي كـما أتـى

في النص والعلماء هم ورثه

ما خلف المختار غير حديثه فينا

فـذاك مـتاعـه وأثـاثه

والهدى الصالح قبس ونور من مشكاة النبوة، فقد روى عبد الله بن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة»([314]).

قال يحيى بن معاذ: العلماء أرحم بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من آبائهم وأمهاتهم، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة([315]).

وعندما مر أعرابي وابن مسعود يعلم ويحدث طلابه وهم حوله مجتمعون قال الأعرابي: علام اجتمع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: على ميراث محمد - صلى الله عليه وسلم - يقتسمونه بينهم([316]).

وقال أبو داود الطيالسي: لولا هذه العصابة (أي الفئة والجماعة وهم أهل العلم) لا ندرس الإسلام.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله:

وينبغي للمتعلم أن يحسن الأدب مع معلمه، ويحمد الله إذ يسر له من يعلمه من جهله، ويحييه من موته، ويوقظه من سنته، وينتهز الفرصة كل وقت في الأخـذ عنه، ويكثر من الدعاء له حاضراً وغائباً؛


فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم كافأتموه». وأي معروف أعظم من معروف العلم والنصح والإرشاد؟! فكل مسألة استفيدت عن الإنسان فما فوقها حصل بها نفع لمتعلمها وغيره فإنه معروف وحسنات تجري لصاحبها، وقد أخبرني صاحب لي كان قد أفتى في مسألة في الفرائض، وكان شيخه قد توفي، أنه رآه في المنام يقرأ في قبره، فقال: المسألة الفلانية التي أفتيت فيها وصلني أجرها([317]).

وهذا أمر معروف في الشرع، «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».

أخي المسلم:

طلب العلم متيسر وقريب المنال. ومن تلك السبل:

1-                  الالتحاق بالكليات الشرعية.

2-                  حضور الدورات الشرعية التي تعقد بين حين وآخر.

3-                  المداومة على دروس العلماء فهي بلسم للجروح ودواء للمرضى.

4-                  سؤال العلماء مقابلة أو مهاتفة.

5-                  مصاحبة الأخيار والصالحين.

6-                  زيارة العلماء والاستماع إلى علمهم ونصحهم.

7-                  قراءة مؤلفات السلف الصالح والسؤال عما أشكل عليك فيها.

8-                  الاستماع إلى أشرطة الدروس العلمية لعلمائنا الأجلاء.

ولا تكن كمن قيل له:

جهلت فعاديت العلوم وأهلهـا

كذا يعادي العلـم من هـو جاهله

ومن كان يهوى أن يرى متصدرا

ويكره «لا أدري» أصيبت مقاتله([318])

ذكر أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه، فقال: يا عم، ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر، واشتغلنا في الكبر، فقال: لم لا تتعلمه اليوم؟ قال: أويحسن بمثلي طلب العلم؟ قال: نعم، والله لأن تموت طالباً للعلم خير من أن تعيش قانعاً بالجهل([319]).

أخي الحبيب:

قال سهل بن عبد الله: اجهدوا أن لا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر([320]).

وعليكم بقول ابن المبارك عندما سئل: لو أوحي إليك أنك ميت العشية، ما أنت صانع اليوم؟ قال: أطلب فيه العلم([321]).

وحينما رأى بعض الحكماء رجلاً قد جلس على كتاب، فقال: سبحان الله! يصون ثيابه ولا يصون كتابه، لصون الكتاب أولى من صون الثياب([322]).


 كان أيوب السختياني إذا بلغه موت رجل من أصحاب الحديث، حزن لذلك حتى يرى أثره فيه، وإذا بلغه موت عابد لم ير ذلك فيه([323]).

ويقال: العلماء سراج الأزمنة، فكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره. فكن سراج زمانك، بل وسراج بيتك، وسراج نفسك([324]).

وقال أبو الدرداء: وكأنه يطل على كثير من الناس في زماننا هذا: اطلبوا العلم فإن لم تطلبوه فحبوا أهله، فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم([325]).

قال علي بن أبي طالب: العالم أفضل من الصائم القائم الساجد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه([326]).

ومع كل هذه المنزلة والمكانة للعالم فإن ذلك لم يتم له إلا بعد تيسير الله عز وجل له وتوفيقه عليه كما قال الشافعي: ينبغي للفقيه أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله، وشكراً له([327]).



([1]) مقدمة الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية.

([2]) سورة آل عمران، الآية: 18.

([3]) الجامع لأحكام القرآن 4/41.

([4]) سورة المجادلة، الآية: 11.

([5]) فتح القدير 5/232.

([6]) سورة الحديد، الآية: 21.

([7]) سورة الزمر، الآية: 9.

([8]) الإحياء 1/15.

([9]) سورة محمد، الآية: 19.

([10]) سورة الأنعام، الآية: 38.

([11]) فتح الباري 1/141.

([12]) سورة طه، الآية: 114.

([13]) من حديث رواه أحمد والترمذي.

([14]) الإحياء 11/16.

([15]) رواه ابن ماجه بإسناد حسن كما قال المنذري.

([16]) رواه أحمد وابن حبان.

([17]) رواه الترمذي.

([18]) رواه مسلم.

([19]) حلية الأولياء 7/281.

([20]) رواه أحمد وابن ماجه.

([21]) معالم السنن.

([22]) رواه البخاري.

([23]) أخلاق العلماء ص94.

([24]) رواه الترمذي.

([25]) الإحياء 1/17.

([26]) رواه ابن ماجه.

([27]) حاشية ثلاثة الأصول للشيخ عبد الرحمن بن قاسم ص10.

([28]) رواه الترمذي.

([29]) جامع بيان العلم وفضله 1/54.

([30]) رواه البخاري.

([31]) بهجة قلوب الأبرار ص44.

([32]) شذرات الذهب 7/103.

([33]) الفوائد ص266.

([34]) الإحياء 1/323.

([35]) الفتاوى الكبرى 2/235.

([36]) تذكرة الحفاظ 2/722.

([37]) جامع بيان العلم وفضله ص526.

([38]) الجامع لأخلاق الراوي 1/106.

([39]) وقد ذكر والدي ـ حفظه الله وأجزل مثوبته ـ أنه عندما أراد في أول عمره مساعدة جدي ـ رحمه الله ـ في جمع وترتيب مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية اشترط عليه أن يتم حفظ القرآن أولاً، قال والدي: فأتممت حفظ القرآن كاملاً في ستة أشهر وبدأت في مساعدته في إنجاز هذا المجموع العظيم.

([40]) مقدمة المجموع شرح المهذب 1/38.

([41]) المجموع 1/38.

([42]) مجموع الفتاوى 10/54.

([43]) البداية والنهاية 9/359.

([44]) ترتيب المدارك ص2.

([45]) رواه الطبراني.

([46]) سورة السجدة، الآية: 22.

([47]) رواه البيهقي.

([48]) الإحياء 1/20.

([49]) شرف أصحاب الحديث ص86.

([50]) شرح السنة 1/278.

([51]) روضة العقلاء ص33.

([52]) السير 11/228.

([53]) تلبيس إبليس ص149

([54]) الإحياء 1/20.

([55]) وراه البيهقي.

([56]) الآداب الشرعية 2/41.

([57]) رواه البيهقي.

([58]) مناقب الشافعي ص97.

([59]) الآدب الشرعية 2/37.

([60]) مجموع الفتاوى 23/55.

([61]) المجموع 1/21.

([62]) سورة الأعراف، الآية: 205.

([63]) سورة الكهف، الآية: 28.

([64]) الفوائد ص 211.

([65]) مفتاح دار السعادة 1/48.

([66]) سورة النحل، الآية: 78.

([67]) صفة الصفوة 2/332.

([68]) مدارج السالكين 1/225.

([69]) الآداب الشرعية 2/229.

([70]) الأمالي للبغدادي.

([71]) السير 20/456.

([72]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص31.

([73]) مناقب الإمام أحمد ص32.

([74]) مناقب الإمام أحمد ص28.

([75]) السير 8/114.

([76]) أعلام الموقعين 1/87.

([77]) الآداب الشرعية 2/125.

([78]) الجامع لأخلاق الرواة رقم 1612.

([79]) طبقات الحنابلة 1/41.

([80]) الآداب الشرعية 2/69.

([81]) الكفاية في علوم الرواية ص4.

([82]) صيد الخاطر ص130.

([83]) مجموع الفتاوى 10/664.

([84]) السير 10/54.

([85]) لفتة الكبد في نصيحة الولد ص49.

([86]) تذكرة الحفاظ 1/317.

([87]) روضة العقلاء ص39.

([88]) لفتة الكبد في نصيحة الولد لابن الجوزي ص46.

([89]) الكفاية في علم الرواية ص112، السير 8/404.

([90]) جامع بيان العلم وفضله 2/53.

([91]) جامع بيان فضل العلم وأهله 1/98.

([92]) صفة الصفوة 3/189.

([93]) مقدمة الفتح ص478، مقدمة القسطلاني 1/27.

([94]) صفة الصفوة 2/250.

([95]) تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/50.

([96]) الإحياء 1/50.

([97]) صيد الخاطر ص571.

([98]) تاريخ بغداد 13/501.

([99]) هو التمر يخلط بالسمن والأقط ويعجن شديداً، وربما جعل فيه السويق.

([100]) ضرب من الرياحين ينبت في المياه الراكدة.

([101]) ثاب في نسجها رقة، وخيوطها غلاط، تتخذ من مشاقة الكتان، تلبس في الحر عند النوم.

([102]) قواعد التحديث للقاسمي ص262.

([103]) لفتة الكبد في نصيحة الولد ص3.

([104]) تذكرة الحفاظ 1/199.

([105]) سورة النساء، الآية: 115.

([106]) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر ص104.

([107]) الفوائد ص13.

([108]) اسم لمكان بينه وبين مكة مسيرة خمس ليال.

([109]) السير 2/342.

([110]) الدرر السنية 12/48.

([111]) تذكرة الحفاظ 2/711.

([112]) شذرات الذهب 5/28.

([113]) تذكرة الحفاظ 2/712.

([114]) تذكرة الحفاظ 4/1344.

([115]) صيد الخاطر ص230 وما بعدها باختصار.

([116]) معرفة علوم الحديث ص2.

([117]) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

([118]) رواه ابن ماجه.

([119]) رواه البخاري.

([120]) فتح الباري 1/192.

([121]) تذكرة الحفاظ 3/1032.

([122]) تذكرة الحفاظ 3/974.

([123]) سنن الدارمي 1/142.

([124]) تدريب الراوي 2/142.

([125]) ديوان الشافعي ص81.

([126]) تاريخ بغداد 2/4.

([127]) تاريخ بغداد 2/10.

([128]) الفرسخ: نحو خمسة كيلو مترات.

([129]) تذكرةالحفاظ 2/567 بتصرف.

([130]) تذكرة الحفاظ 2/568 بتصرف.

([131]) الأمالي لأبي علي القالي 1/113.

([132]) تقارب 150 كم.

([133]) تذكرة الحفاظ 4/1238 بتصرف.

([134]) سنن الدارمي 1/140.

([135]) ميزان الاعتدال للذهبي جـ 2.

([136]) الطبقات الكبرى للسبكي 2/227.

([137]) تذكرة الحفاظ 4/1243.

([138]) البداية والنهاية 9/11.

([139]) البداية والنهاية 9/111، تذكرة الحفاظ 1/56.

([140]) مدينة تقع في مقاطعة خراسان شمال شرق إيران حالياً.

([141]) تذكرة الحفاظ 2/524 بتصرف.

([142]) مناقب الإمام أحمد ص226.

([143]) البداية والنهاية 10/329.

([144]) تذكرة الحفاظ 2/631.

([145]) السير 4/300.

([146]) الفوائد ص131.

([147]) وفيات الأعيان 2/233.

([148]) معرفة القراء الكبار للذهبي.

([149]) أكثر من 5000 كيلومتر.

([150]) الجرح والتعديل 1/359.

([151]) شرف أصحاب الحديث.

([152]) صيد الخاطر ص246.

([153]) تهذيب التهذيب لابن حجر 1/73.

([154]) وفيات الأعيان 5/169.

([155]) المنهج الأحمد في ترجمة الإمام أحمد 9/393.

([156]) الرحلة في طلب الحديث ص148.

([157]) السير 13/292.

([158]) فتح الباري 8/438.

([159]) طبقات الفقهاء لابن الصلاح 1/109.

([160]) سورة العنكبوت، الآية: 69.

([161]) تفسير النسفي 2/1307.

([162]) البداية والنهاية 8/298، وابن عبد البر في بيان العلم وفضله 1/106.

([163]) تهذيب التهذيب 11/387 بتصرف.

([164]) ترتيب المدارك 4/804.

([165]) مقدمة الفتح481.

([166]) ترتيب المدارك ص3.

([167]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص31.

([168]) تذكرة الحفاظ 3/915.

([169]) تذكرة الحفاظ 4/1325.

([170]) تاريخ بغداد 2/13.

([171]) من مدن إيران حالياً.

([172]) مناقب الإمام أحمد ص25، البداية والنهاية 10/336.

([173]) تاريخ بغداد 2/13.

([174]) جامع بيان العلم وفضله 1/57.

([175]) البداية والنهاية 11/28.

([176]) تقييد العلم للخطيب.

([177]) شذرات الذهب 9/57.

([178]) سورة العنكبوت، الآية: 43 ـ تفسير ابن كثير.

([179]) مفتاح دار السعادة جـ1.

([180]) شرف أصحاب الحديث ص68.

([181]) الآداب الشرعية 1/241.

([182]) مناقب الإمام أحمد ص31.

([183]) رواه البخاري ومسلم.

([184]) روضة العقلاء ص35.

([185]) مناقب الشافعي ص43.

([186]) تاريخ بغداد 3/419.

([187]) تذكرة الحفاظ 3/820.

([188]) طبقات الشافعية للسبكي 6/30  بتصرف.

([189]) الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي ص2.

([190]) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.

([191]) تذكرة الحفاظ 1/277.

([192]) السير 9/195.

([193]) ترتيب المدارك 3/122.

([194]) المجموع 1/38.

([195]) تذكرة الحفاظ 3/830.

([196]) الطبقات الكبرى 6/372.

([197]) تذكرة الحفاظ 1/314.

([198]) الرحلة لطلب الحديث للخطيب البغدادي، الجرح والتعديل ص363.

([199]) طبقات الحنابلة 1/97.

([200]) السير 12/302، وطبقات الحنابلة ص148.

([201]) ترتيب المدارك للقاضي عياض 3/114.

([202]) السير 13/292.

([203]) تذكرة الحفاظ 4/1173.

([204]) تذكرة الحفاظ 2/753.

([205]) جامع بيان العلم وفضله 1/57.

([206]) الفوائد ص56.

([207]) تذكرة الحفاظ 1/254.

([208]) الآداب الشرعية 1/238.

([209]) الإحياء 1/18.

([210]) تذكرة الحفاظ ص4.

([211]) شذرات الذهب 8/170.

([212]) لطائف المعارف.

([213]) تذكرة الحفاظ 2/713.

([214]) ترتيب المدارك 1/130.

([215]) ترتيب المدارك 2/68.

([216]) تذكرة الحفاظ 1/195.

([217]) العلل ومعرفة الرجال.

([218]) المنهج الأحمد 1/95.

([219]) وفيات الأعيان 2/161.

([220]) صيد الخاطر ص279.

([221]) ترتيب المدارك 3/250.

([222]) معرفة علوم الحديث ص82.

([223]) الجامع لأخلاق الراوي 2/174.

([224]) تذكرة السامع والمتكلم ص71.

([225]) تاريخ بغداد 8/471.

([226]) الجامع لأخلاق الراوي.

([227]) تقييد العلم للخطيب البغدادي.

([228]) تذكرة الحفاظ 4/1219 بتصرف.

([229]) السير 17/106.

([230]) تاريخ نيسابور.

([231]) السير 8/382.

([232]) السير 8/398.

([233]) الإحياء 1/18.

([234]) تاريخ بغداد 13/356.

([235]) الفوائد ص193.

([236]) صفة الصفوة 4/145.

([237]) الزهد لأحمد ص228.

([238]) صفة الصفوة 2/339.

([239]) السير 7/242.

([240]) الجواب الكافي ص98.

([241]) السير 11/213.

([242]) تهذيب الأسماء واللغات 2/76.

([243]) تهذيب الأسماء واللغات 2/76.

([244]) الجواب الكافي ص98.

([245]) الباعث الحثيث ص158.

([246]) السير 4/335.

([247]) السير 8/467.

([248]) الإيمان ص19.

([249]) السير 3/222.

([250]) تذكرة الحفاظ 1/280.

([251]) أخرجه أبو نعيم في الحلية.

([252]) روضة العقلاء ص29.

([253]) حلية الأولياء 8/141.

([254]) مناقب الشافعي للبيهقي 2/171.

([255]) التذكرة ص149.

([256]) إعلام الموقعين 4/251.

([257]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 14/152.

([258]) الصمت ص89.

([259]) السير 10/470.

([260]) السير 12/69.

([261]) السير 10/470.

([262]) الفوائد ص203.

([263]) صيد الخاطر ص312.

([264]) جامع العلوم والحكم ص18.

([265]) صفة الصفوة 2/251.

([266]) جامع العلوم والحكم ص113.

([267]) السير 10/29.

([268]) تذكرة الحفاظ 1/307.

([269]) الإحياء 3/189.

([270]) تنبيه الغافلين 1/15.

([271]) رواه البخاري في ترجمة باب 1/162.

([272]) السير 8/305.

([273]) الجامع لأخلاق الراوي جـ 2.

([274]) تاريخ بغداد 14/15.

([275]) الإحياء 1/19.

([276]) تذكرة الحفاظ 1/98 بتصرف.

([277]) تنبيه الغافلين 2/466.

([278]) الإحياء 1/18.

([279]) تذكرة الحفاظ 1/393.

([280]) شذرات الذهب 2/176.

([281]) إعلام الموقعين لابن القيم 1/9.

([282]) أخلاق العلماء ص96.

([283]) تاريخ الخلفاء ص177.

([284]) مفتاح دار السعاد جـ 2.

([285]) السير 6/229.

([286]) مفتاح دار السعادة جـ 2.

([287]) مفدمة الفتح ص493.

([288]) تذكرة الحفاظ 1/397.

([289]) تذكرة الحفاظ 2/621.

([290]) تذكرة الحفاظ 1/317.

([291]) تاريخ بغداد 7/203.

([292]) الإحياء 1/413.

([293]) تهذيب مدارج السالكين.

([294]) الفوائد ص193.

([295]) تهذيب الكمال 24/371.

([296]) الإحياء 1/413.

([297]) روضة العقلاء ص43.

([298]) تذكرة السامع والمتكلم ص50.

([299]) روضة العقلاء ص43.

([300]) مجموع الفتاوى 11/43.

([301]) رواه البخاري.

([302]) أخرجه الحاكم.

([303]) السير 10/82.

([304]) مجموع الفتاوى 28/17.

([305]) سورة ق، الآية: 37.

([306]) الإحياء 1/50.

([307]) حلية الأولياء 6/330.

([308]) شرف أصحاب الحديث ص170.

([309]) مجموع الفتاوى 1/35.

([310]) ديوان الإمام الشافعي ص29.

([311]) تذكرة الحفاظ 1/249.

([312]) أدب المفتي والمستفتي ص168.

([313]) شرف أصحاب الحديث.

([314]) رواه أحمد.

([315]) الإحياء 1/22.

([316]) شرف أصحاب الحديث.

([317]) الفتاوى السعدية ص101.

([318]) أدب الدنيا والدين ص42.

([319]) أدب الدنيا والدين ص49.

([320]) شذرات الذهب 2/182.

([321]) تنبيه الغافلين 2/467.

([322]) تقييد العلم ص147.

([323]) شرف أهل الحديث.

([324]) تنبيه الغافلين 2/468.

([325]) كتاب الزهد للإمام أحمد ص200.

([326]) الإحياء 1/18.

([327]) السير 10/53.