وعاد رمضان

ميادة بنت كامل آل ماضي


بسم الله الرحمن الرحيم

عاد رمضان

اللهم سلّمنا إلى رمضان..

وسلّم رمضان لنا..

وتسلّمه منا متقبلا..

الحمد لله الذي جعل }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ{.

}الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{.

}الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ{.

اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق والساعة حق ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حق.

اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا يا ربنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا.

اللهم لك الحمد لما خلقتنا، ولك الحمد بما رزقتنا، ولك الحمد بما هديتنا، ولك الحمد بما علمتنا، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، لك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، فلك الحمد على ذلك كله حمداً كثيراً طيبا مباركاً فيه كما تحب يا ربنا وترضى، لك الحمد كله، وبيدك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره، سبحانه ذي الملكوت، سبحان ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي القدرة والكرم، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله رضي نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان من قدر الأمور، سبحان من علم هاجس الصدور، سبحان من عز فارتفع، وذل كل شيء لعظمته وخضع، سبحان من سن الدين وشرعه، سبحان من نور النور فشعشعه، سبحان من أجرى الماء فأنبعه، سبحان من قدر الرزق ووسعه.

سبحان من أنزل القرآن هدى للمتقين وجعله شفاء للمؤمنين، وهاديا للضالين، سبحان من لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان الله العليم، سبحان الله البصير، سبحان الله الخبير، هو القائل: }وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا{.

سبحان من علم ضعفهم وكثرة ذنوبهم، فوقّت لهم مواقيت مباركة كلما انتهى موسم أقبل آخر، كرامات تترى، رحمة منه وفضلا، فسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، منّ علينا بفضله وإحسانه بشهر كريم، وهو أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، فسبحانه وبحمده، وعد فيه التائبين، المستغفرين، الجادين، المشمرين المخلصين، الموحدين المنيبين، الآيبين، ليغفرن لهم وليرحمنهم، ثم ليعتقنهم من النار تكرما وفضلا وجوداً وإحسانا، فسبحان ذي الجود والإحسان، سبحان من لا شريك له ولا إله معه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأفضلهم وأعبدهم وأبرهم فصلى الله عليه وعلى آله الكرام وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد: أخواتي..

ماذا أقول لكنّ، وكل منا يعلم أن البشرى بانبثاق فجر رمضان قد اقترب، وأن الوليد قد أوشك على رؤية النور، ووالله لست بأفضلكن ولا أعلمكن، وما كتبت إليكن إلا عملا بقوله تعالى: }وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ{ وكما قال بعض أهل الصلاح. لو علوت هذا المنبر بجهلي لبلغت عنان السماء.

أخية ..عاد رمضان

عاد رمضان، في ظل الكثير من الغفلة – إلا من رحم ربي – وكثرة الانشغال بالمال والأهل والولد.

عاد رمضان، وكثير من النفوس التقية المؤمنة الطاهرة النقية، نفوس الأتقياء الأخفياء تشرئب وتحن وتشتاق إلى هذا الموسم العظيم، موسم الرحمة من رب البريات، فحيا الله هذا القادم، الزائر المحبوب، فبالأمس القريب ودعناه بالدموع، وها نحن الآن نستقبله بالفرح والبسمات، ونسأل الله العلي الكريم ألا يحرمنا صيامه وقيامه إيماناً واحتسابا وأن يتسلمه لنا متقبلا.

عاد رمضان، وبأي وجه عاد، وماذا عساه أن يقول؟

عاد رمضان، على أبناء الأمة التي مزقتها وسائل الإعلام المدمرة وشتتها المحن والخطوب، وتخاطفتها أعداء الدين، عاد رمضان لهذه الأمة علها تستجيب لنداء ربها العظيم، }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا{ [آل عمران: 102-103].

عاد رمضان..

*عاد رمضان في زمن قلّ فيه الصابرون، وانعدمت فيه المصابرة.

*عاد حاملاً ذكرى أولي العزم، معلما لهم ومربيا على الصبر: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{[آل عمران:200].

*عاد رمضان، في زمن فرط أهله في خصال الخير – إلا من رحم ربي – وابتعدوا عن أحسن الأخلاق وأقومها؛ فعاد رمضان ليذكرهم بأهمية الخلق الحسن وليتأدبوا بأدب أحسن الناس خلقاً، وأكملهم وقدوتهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي امتدحه ربه بقوله: }وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ{.

*عاد رمضان على شباب وشابات ورجال ونساء قد رضوا بسفاسف الأمور واشتغلوا بها عن عليائها، فعاد ليذكرهم بأنهم أحفاد الصحابة والسلف الصالح والتابعين والفاتحين والعلماء الربانيين، الذين كانت أعلى وأغلى أمانيهم الفوز بالجنة والنجاة من النار }فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ{.

*عاد رمضان على عالم قد أسرف أبناؤه على أنفسهم بالمعاصي، فعاد إليهم رمضان عساه يحول بينهم وبين ذلك العصيان، يقومون عن بوق التنصير الذي يسمى (الدش)، ويترفعون عن هذه الشهوات الدنيئة ولتكون الغيرة على الشباب والشابات العفيفات المحصنات، فيعوضهم الله خيرا منه في الدنيا والآخرة.

*عاد لهم رمضان حاملا البشرى }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{.

* عاد رمضان على قلوب قد اشتدت وقست، وأعين قد تحجرت، عاد ليلين بروحانيته تلك القلوب، عاد عسى أن يكون عليه سحائب تجد من تلك الأجفان مخرجاً.

* عاد ليدّبروا قوله تعالى: }اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ{.

* عاد رمضان، على أفئدة جريحة لعله يسهم في تضميد جراحاتها بنفحاته الربانية ممن تجود أنفسهم بالبر والإحسان }لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ{.

}وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ{.

*عاد رمضان، فماذا عساي أن أقول في هذا الشهر الكريم.

شهر الصدقة.

شهر الدعاء.

شهر الرحمة.

شهر المغفرة.

شهر العتق.

شهر الإيمان.

شهر القرآن.

فالله الله في هذا القرآن.

أخيــة:

*عاد رمضان فمن عسانا نكون في هذا الشهر الكريم.

أمن أهل التقوى والتشمير عن الطاعات، الصائمات عن اللغو والثرثرات، الخاشعات القانتات، الذاكرات، الحافظات، العالمات، الداعيات، التائبات، وللقرى تاليات؟

أم من الغافلات المائعات، الفاتنات، المتمشيات بالأسواق، الخاسرات هذا الشهر الكريم؟

إلى أي فئة من هؤلاء أخية تنتمين، وبأي صفة من تلك الصفات ستتحلين }أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{.

أخيــة..

إن أجابتك نفسك بقبول الهدى والرشاد، ووجدت فيها بعض تلك الصفات للمؤمنات فاسعي لكي تكتمل هذه الصفات جميعها في شخصك، واحمدي الله على توفيقه.

أما إن أجابتك هذه النفس الأمارة بالسوء: أن لا حظ لك في إحدى تلك الصفات فشمري عن ساعديك وجددي من همتك، واسعي أن تتصفي بها علّ الله يصلح حالك، وبالتالي مآبك }إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ{.

يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب

حتى عصى ربه في شهر شعبان

لقد أظلك شهر الصوم بعدهما

فلا تصيره أيضا شهر عصيان

لكن أذكري أخية قول القائل:

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة

فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن

فبمن يلوذ ويستجير المجرم

مالي إليك وسيلة إلا الرجا

وجميل عفوك ثم إني مسلم

أخيــة..

ليكن العزم الصادق والنية النصوح أن نستهل رمضان بقلوب خاشعة، ذليلة، منكسرة بين يدي الله، بعيون باكية من خشية الله، وبلسان رطب من ذكر الله، وآذان صاغية لكلام الله، وأيد سخية جوادة بالبذل والعطاء في سبيل الله،  وبأقدام حثيثة إلى بيوت الله، نتلو آيات الله ونرتل وتتغني بكتاب الله، نتوقف عند آيات الوعد والوعيد، والجزاء والثواب، ونذكر أن رمضان شهر القرآن }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ{، نسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يحرم جسدنا بفضله على النار.

يا منزل الآيات والفرقان

بيني وبينك حرمة القرآن

اشرح به صدري لمعرفة الهدى

واعصم به قلبي عن الشيطان

يسر به أمري واقض مآربي

وأجر به جسدي من النيران

واحطط به وزري واخلص نيتي

واشدد به أزري وأصلح شاني

واكشف به ضري وحقق توبتي

وأربح به بيعي بلا خسران

طهر به قلبي وصفّ سريرتي

أجمل به ذكري وأعل مكاني

أسهر به ليلي وأظلم جوارحي

أسبل بفيض دموعها أجفاني

امزجه يا رب بلحمي مع دمي

واغسل به قلبي من الأضغان

أخيــة..

ليكن العزم في رمضان على الصفح والتسامح والمصالحة والعفو عن المسيء، والإحسان وتصفية النفوس من الضغائن والأحقاد، وليكن شأننا التحاب والتواد في الله، فلن ينظر لمتشاحن ولو قام الليل وصام النهار.

ولا ننسى بر الوالدين، فلن ينظر لعاق ولو قام الليل وصام النهار، وكذلك (صلة الأرحام) والله الله في (صلة الأرحام) فقد اشتق اسمها من اسم الرحمن، ولن ينظر لقاطع رحم ولو قام الليل وصام النهار. وبهذه الأمور نحقق الحكمة من الصيام عملا بقوله تعالى: }كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{، فهذه والله هي الحكمة العظيمة المطلوب تحقيقها، ألا وهي التقوى فلرب صائم قائم لا يناله إلا الجوع والعطش والتعب والنصب؛ لأنه لم يحقق معنى التقوى.


 وقفات حكيمة مع شهر الصوم

 الوقفة الأولى: تحقيق التقوى:

إن الحكمة من العلي القدير لهذا الصوم هي كف الجوارح الظاهرة والباطنة عن المنهيات الموجبة لعذاب الله سبحانه وتعالى، فلا يجزي الصوم الظاهر عن الباطن، ولا الباطن، عن الظاهر، فلا بد من الامتناع عن كل ما حرم الله، وعن كل ما يوجب سخط الرحمن وعذابه، فيتذكر الصائم الدار الآخرة ويصوم عما يوجب العذاب فيها، فإن كل ذنب يقع فيه العبد؛ يفتح على نفسه منه بابا إلى النار.

 الوقفة الثانية: شهر الدعاء:

والدعاء استعانة من عاجز ضعيف بقوي قادر، واستغاثة من ملهوف برب رؤوف، وتوجه ورجاء إلى مصرف الكون ومدر الأمور ليرفع غمه، أو يكشف كربة أو يحقق رجاء، فهو دواء يشفي القلوب ويريح النفوس، وقد دعانا سبحانه وتعالى إلى دعائه وسؤاله والتضرع له فقال جل شأنه: }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{.

ليكن دأبنا كما كان دأب السلف الصالح باستهلال الدعاء ابتداء من رجب أن يبلغوا رمضان، ونحن كذلك من الآن، نبتهل بالدعاء والتبتل إلى رب البريات أن يبلغنا رمضان، وأن يسهل علينا صيامه وقيامه إيمانا واحتساباً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اشترط في صيامه وقيامه الإيمان والاحتساب.

*أما الإيمان فهو التصديق بأنه أحد أركان الإسلام الذي لا يقوم إلا به.

*وأما الاحتساب فلأن يقبل العبد على العبادة خاشعاً لله، ناويا الثواب من الله، عالما أنه إنما يفعل هذا طاعة وامتثالا لأوامر الله، عارفا لهذا الشهر حرمته، فيحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة، وعن الخوض فيما لا داعي له، وعن الإسراف في المباحات والفضولات، ثم يحفظ الجوارح عن الخطايا والزلل، ويحفظ القلب عن الحسد وعورات المسلمين.

*ثم تذكري أن هذا الصوم إنما هو بمثابة الهدية التي ترفع لأجل وأعظم حبيب سبحانه وتعالى،  فلا ينبغي أن ترفع الهدية مرقعة بما لا يرضى الله، فالله سبحانه وتعالى يقول: «الصوم لي وأنا أجزي به» فهل تقبلين أن ترفعي صياماً مرقعاً هدية لمولاك، وأنت والله تأبين أن ترفعي مثلها لقريبة أو صديقة حبيبة؟ فكيف بالله سبحانه وتعالى ولله المثل الأعلى؟!

*إذًا: ألحي بالدعاء من الآن، تدرين كم تتيسر لك الأمور بعد ذلك بإذن الله فرب شعبان هو رب رمضان، ورب كل الشهور، فاسأليه سبحانه وألحي عليه السؤال ليمر عليك رمضان بخير ويسر وعطاء عظيم بإذن المولي الكريم. ولا يستوي من يدعو ربه ويبتهل إليه مع الذي لا يدعو، فالدعاء هو العبادة، ولتكن هذه وصية لكل عبادة نريد فعلها أن نقدم الدعاء قبلها والله الموفق.

*لمن أرادت العمرة أقول لها، أدعي من الآن دعاء خضوع واستنزلي رحمة الله، فإن تيسرت لك فسترين اليسر إن شاء الله.

*ولمن أرادت القيام والتهجد والاستغفار الذي هو من صفات أهل الجنة، وتذكرت ما للقائمين المتهجدين عند ربهم من جزيل الثواب، فلتدع الله من الآن ليسهل عليها التهجد والقيام، ولا تنسي أن الدعاء من أقوى الأسباب لجلب منفعة أو دفع مضرة؛ ولكن قد لا يحصل تأثيره غما بسببنا وضعفنا في الدعاء، أو أن يكون الدعاء فيما لا يحبه الله، أو لضعف في قلوبنا وعدم إقبالنا على الله وقت الدعاء فيكون كالقوس الذي وتره فإن سهمه يخرج ضعيفاً.

*ولا بد لك من العودة إلى أسباب إجابة الدعاء وآدابه من الكتيبات التي تكلمت في هذا لتكوني على علم وبينة وفقني الله وإياك.

 الوقفة الثالثة: العلم.

كما أنك إذا أردت عمل عملٍ دنيوي كطهي أكله جديدة لابد لك من السؤال عن كيفية طهيها كذلك، وهذا أمر أهم لأنه شرعك وعبادتك التي يتوقف عليها قبول عملك لابد إذًا من أن تعلمي أحكام صيام هذا الشهر، وأحكام حيضك وطهرك، وهل أنت ممن يتناولن أدوية خاصة بالصدر وغير ذلك؟ فلا بد لك من معرفة أحكام كل منها.

 الوقفة الرابعة: من سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم -:

السحر من أجمل الأوقات وفي رمضان لا شك نستيقظ للسحور فأين نحن:

أ-من ركعتين نركعهما في ظلمة الليل، فكثير من الناس يتصور أنه إذا صلى التراويح مع الناس وأوتر في أول الليل، انتهت صلاة الليل واكتفي بذلك وحرم نفسه من هذه الأوقات الثمينة والدقائق الغالية، فالله الله في استغلال السحر فإن من صفات المتقين أصحاب الجنات والعيون قوله تعالى: }وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ{

}وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{، ولا تنسي سيد الاستغفار.

ب-سنة مهجورة ألا وهي أكلة السحر ورسولك يقول: «تسحروا فإن في السحور بركة»، فلا يكون آخر عهدك طعام العشاء، ثم النوم إلى الفجر. حتى ولو بشربة ماء بنية السحور. وتذكري قوله عليه الصلاة والسلام: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» [رواه مسلم].

ج-يستحب تأخير السحور وتعجيل الفطور، قال تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أحب عبادي إلى أعجلهم فطراً»، ولا تنسي الدعاء أثناء إفطارك؛ لأن للصائم دعوة لا ترد، ويستحب القول: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله».

د-لتعزمي أمرك على الاجتماع بأبنائك وبناتك والتحدث إليهم عن فضل هذا الشهر العظيم، ومتى فرض؟ وعن بركته والأحداث المهمة التي حدثت به (كغزوة بدر) (وفتح مكة)، لتكون تربيتهم تربية إيمانية وعقيدة صحيحة منذ نعومة أظفارهم، ازرعي فيهم محبة الله ومحبة محابّه، وكره سخطه وعصيانه، ثم بعد ذلك توكلي على الله ولا تخافي عليهم، فإن كان الله قد كتب لهم الهداية فلن يشقيهم أبدا، وهو الرحيم الغفور، وهنا أيضا لا تنسي أن تعودي أولادك الصغار على الصيام عملا بفعل (الربيع بنت معوذ الصحابية الجليلة رضي الله عنها) كنا نعود أولادنا الصيام فإذا جاعوا ألهيناهم بالألعاب حتى يأتي وقت الفطور.

هـ-تعاهد القرآن ومدارسته وتدبره، فلا يهد هد الشعر، بل يرتل ترتيلا اقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كان جبريل عليه السلام يدارس الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان.

و-كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جواداً، وكان أجود ما يكون في رمضان فكان عليه الصلاة والسلام كالريح المرسلة؛ لأن شهر رمضان شهر الإنفاق،  فكان عليه الصلاة والسلام يقول: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم (يعني ينظر عن شماله) فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يري إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة».

فائدة عظيمة:

من أرادت التصدق والإنفاق ثم راودتها نفسها بالشح والبخل فلتذكر أن الله سبحانه وتعالى هو الذي (يطعم ولا يطعم)، فإذا ذكرت أن هذه هي صفة الحق تبارك وتعالى وأنه سبحانه يطعم ولا يطعم هان عليك الاتصاف بشيء من تلك الصفة، على قدر طاقتك فتطعمي الجياع والمساكين والأرامل والفقراء، بكرم وجود دون تردد أو خوف من قصر ذات اليد (ولو بشق تمرة).

تنبيه:

أ-إن بعض الناس تحصل لديهم وسوسة في النية، والوسوسة في النية من أخطر أنواع الوساوس فنرى البعض يتكلفون ويشككون في تبييتهم لنية الصيام، وهذا من تلبيس إبليس الذي يجب ألا يلتفت إليه الصائمون، فبمجرد دخول رمضان تستقر نفوسنا أننا سنصومه كله وهذا يكفي.

ب-ليعلم أن الليل يشمل جميع المدة التي بعد العشاء وقبل طلوع الفجر، فلو نام أحد من الليل دون أن يعلم أن تلك الليلة من رمضان واستيقظ قبل طلوع الفجر بدقائق، وعلم فتناول ما تيسر ثم أمسك لكان ذلك كافيا.


 وفي الختام:

فإن الصيام جُنة من النار، وإنه جُنة من الشهوات، وإن في الجنة بابا يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، وإن الصيام شفيع لصاحبه. وهو كفارة ومغفرة من الذنوب، وأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصيام سبب للسعادة في الدارين رزقنا الله السعادة في الدنيا والآخرة.

اللهم..

اللهم  بلغنا رمضان. اللهم بلغنا رمضان. اللهم بلغنا رمضان.

واجعلنا من الصائمين القائمين فيه يا أرحم الراحمين.

اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين.

اللهم انفعنا وانفع بنا، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.