وقفات دعوية في رحلة سفير الدعوة الأول مصعب بن عمير إلى المدينة

زيد بن عبد الكريم الزيد


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشِهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

«فإن دراسة السير أحب إلينا من كثير من الفقه»، كما يقول إمام أهل الرأي في الفقه، أبو حنيفة النعمان – يرحمه الله تعالى -. كيف لا والسير تجمع مع الفقه السلوك والخلق، والتفسير والعقائد، بل وكل معارف الحياة.

كل يقرأ كتب السير؛ ويجد فيها ما يروي عطشه. الفقيه يقرأ في السيرة فلا يعدم خلال تلك القراءة الكثير من الأحكام الفقهية، وأصحاب الرقائق والمواعظ لا يجدون لمواعظهم تأثيرًا إلا عندما تقترن بمواقف عملية من السيرة وهكذا.

ولذلك كانت لي بعض القراءات في كتب السير، ووجدتني مأخوذًا بموقف عظيم منها، لا أدري كيف جمع ذلك الموقف؟ على الرغم من قصره أمورًا كثيرة جدًا، هي في صلب الدعوة وأساسها، هذا الموقف الذي قام به مصعب بن عمير – رضي الله عنه – واستفادت منه قبيلة بكاملها، قادها سيدان من سادتها هما: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير – رضي الله عنهما -.

هذا الموقف بفوائده يعيشه داعية اليوم، ويجد فيه ضوءًا ساطعًا، ينير له كثيرًا من الزوايا المظلمة في طريقه، لأجل هذا تتبعت هذا الموقف في عدد من كتب السير، وأحلت إليها في موضعه، وهو حقًا موقف مهم، جدير بالدراسة؛ ويكفيه شهادة بأهميته، قول ابن الأثير – يرحمه الله تعالى – وهو يترجم لمصعب بن عمير – رضي الله عنه -: «وأسلم على يديه أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وكفى بذلك فخرًا وأثرًا في الإسلام»([1]).

وقول النووي – رحمه الله تعالى – وهو يترجم له: «وأسلم على يديه سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وكفى بذلك فضلاً وأثرًا في الإسلام»([2]).

وقدمت بين يدي القصة، بمدخل موجز، ثم بترجمة قصيرة عن رجالها ومحاورها الأربعة، وأحلت على كتب ترجمت لهم، بتوسع لمن رغب المزيد، ثم عرضت القصة كاملة، كما جاءت في سيرة ابن هشام. ثم أتبعت ذلك بالدراسة الدعوية لهذا الموقف، وقبل أن أختم هذا التمهيد لا بد أن أشير إلى أنني حينما أكتب أمثال هذا المواقف الدعوية، فإنما أجمعها لنفسي أولاً، فنفسي أراها نموذج التقصير، وبالتالي منها أبدأ ولا أرى من السائغ وأنا أحاول إصلاح نفسي أن أخفي أو أكتم شيئًا، أرجو به نفع غيري.

وهكذا جمعت هذه الدروس، ثم هكذا ظهرت، فإن عدمت – أخي القارئ – الفائدة فلن تعدم على الأقل نية طلبها.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

المؤلف

* * *


 مدخل

في بيعة العقبة، بايع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اثنا عشر رجلاً من الأوس والخزرج من أهل المدينة على الإسلام، وعادوا إليها وطلبوا من الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن يبعث معهم من يعلمهم أمور دينهم، ويدعو إلى الإسلام من خلفهم هناك.

واختار الرسول صلى الله عليه وسلم، لهذه المهمة العظيمة، أول سفير للدعوة إلى الله، مصعب بن عمير رضي الله عنه([3]).

ويذهب مصعب بن عمير إلى المدينة، وينزل هناك على أسعد بن زرارة – رضي الله عنه – أحد الذين بايعوا الرسول، صلى الله عليه وسلم، بيعة العقبة الأولى، ويبدأ عمله الدعوي متنقلاً بين قبائل المدينة، وأماكن التجمعات فيها، ويثمر عمله أيما ثمرة؛ إذ عاد إلى مكة بعد عام واحد فقط، يقود سبعين رجلاً بايعوا الرسول، صلى الله عليه وسلم، بيعة الحرب، وكونوا مع إخوانهم المهاجرين، النواة الأولى والقاعدة الصلبة، التي حملت الإسلام فيما بعد.

وكان لمصعب في هذا العمل جولات، وجولات، ولكن أعظم جولاته جولته الموفقة؛ التي هي مدار بحثنا هنا، والتي كانت ثمرتها إسلام زعيمين من زعماء المدينة هما: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير.

وقبل أن نلج سويًا في رحاب الحدث، أقدم بتعريفٍ موجزٍ قصيرٍ لرجال هذه الجولة الأربعة.

 الأول: مصعب بن عمير –رضي الله عنه-([4]):

هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، وصفه الذهبي في: «سير أعلام النبلاء» فقال: «السيد الشهيد، السابق البدري، القرشي العبدري»([5])، ولد بمكة، ونشأت فيها بين أبوين يعدان من أثرى أثريائها، فأسر إسلامه، ولما علم والده بذلك، لاقى الحرمان والتعذيب، فصار يحمل على أعواد القوس من الجوع والعري. بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لتعليم ودعوة أهلها. ومات شهيدًا في أحد في السنة الثالثة من الهجرة.

 الثاني: أسعد بن زرارة – رضي الله عنه - ([6]):

هو أسعد بن زرارة بن مالك بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، نقيب بني النجار، أبو أمامة الأنصاري الخزرجي، من كبار الصحابة، قديم الإسلام؛ شهد العقبة الأولى، والثانية، وكان من الفئة الذين لقوا النبي، صلى الله عليه وسلم، قبل بيعة العقبة الأولى بسنةٍ، وكان نقيبًا على قبيلته. وكان هو نقيب النقباء الاثني عشر، الذين بايعوا الرسول، صلى الله عليه وسلم، في بيعة العقبة الكبرى، وقيل: إنه أول من بايع في تلك البيعة. مات – رضي الله عنه – قبل بدر بمرض يأخذ بالحلق، كواه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: «لأبلغن أو لأبلين في أبي أمامة عذرًا»([7]).

 الثالث: سعد بن معاذ – رضي الله عنه - ([8]):

هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، أبو عمر الأنصاري الأوسي الأشهلي، البدري سيد الأوس، رمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرًا، أخرج البخاري في «صحيحه» عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: «نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ – رضي الله عنه – فأرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: «قوموا إلى سيدكم أو خيركم، فقال: هؤلاء – أي: بني قريظة – نزلوا على حكمك، فقال: تقتل مقاتلهم، وتسبي ذراريهم. قال: قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك»([9]).

ولما مات – رضي الله عنه – قال الرسول، صلى الله عليه وسلم: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد»([10]).

 الرابع: أٍسيد بن حضير – رضي الله عنه - ([11]):

هو أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن نافع بن امرئ القيس بن زيد بن الأشهل الأنصاري، الأوسي الأشهلي، أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة الثانية، أسلم قديمًا، وكان أبوه شريفًا مطاعًا، يدعى حضير الكتائب.

وكان رئيس الأوس يوم بعاث، فقتل يومئذ قبل الهجرة بست سنين، وكان أسيد يعد من عقلاء الأشراف، وذوي الرأي، وقد ورد في «صحيح البخاري»: «أن أسيدًا وعباد بن بشر كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخرجا في ليلة مظلمة، وإذا نور بين أيديهما حتى تفرقا، فتفرق النور معهما»([12]).

وأسيد بن حضير هذا هو الذي تنزلت الملائكة على قراءته، كما ذكر ذلك البخاري في «صحيحه» تعليقًا([13]).

وتوفي – رضي الله عنه – سنة 20ﻫ.

* * *


 أولاً: القصة كما أوردها ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق([14])

«قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر.

قال ابن إسحاق: واسم ظفر كعب بن الحرث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، قالا على بئر يقال لها: بئر مرق فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أب لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدمًا.

قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك فأصدق الله فيه، قال: إن يجلس أكلمه، قال: فوقف عليهما متشتمًا، قال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟! اعتزلانا إن كانت لكم بأنفسكم حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن الكريم([15] فقالا فيما يذكر عنهما: «والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله»، ثم قال: «ما أحسن هذا الكلام وأجمله!! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي»، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم قام فركع، ثم قال لهم: إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن: سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته، ثم انصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً قال: أحلف بالله لقد جاءكم أٍسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه. وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك.

قال: فقام سعد مغضبًا، مبادرًا تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين عرف سعد أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، أما والله لولا ما بيني وبينك؛ من القرابة ما رمت هذا منا أتغشانا في دارينا بما نكره؟

وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي، مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان، قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين، قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدًا إلى نادي قومه، ومعه أٍسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلاً قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام، حتى تؤمنوا بالله وبرسوله، قالوا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة». انتهى.

* * *


 ثانيًا: الدراسة الدعوية للقصة

تمهيــد:

قدم مصعب بن عمير – رضي الله تعالى عنه – إلى المدينة داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يكن خلفه دولة تسنده، ولا ميزانية تدفع له حتى يستطيع أن يشتري بها القلوب، كان وراءه نبي مضطهد، اضطره قومه أن يخرج بنفسه إلى الطائف، وأن يعرض نفسه على القبائل العربية في كل موسم، ويحمل معه رسالة يعتبرها زعماء ذلك العصر خارجة عن القانون، ومطلوبة للعدالة.

لكنه – مع ذلك كله – يحمل قلبًا تشبع بالقرآن الكريم، وروحًا اقتبست من هدي الرسول، صلى الله عليه وسلم، مع ذكاء، وكياسة، وفطنة، يغدى ذلك كله إخلاص لله – سبحانه وتعالى – جعله يتقدم نحو المدينة بخطى متوثبة، يحدوها الشوق والحرص على تبليغ الرسالة، وهداية الأمة، أمة المدينة المتشتتة المتفرقة بحروب داخلية، ونزاعات قبلية، وعداوات دينية، تثيرها القبائل اليهودية في المدينة.

ولا نستبعد أن يكون بعث مصعب بن عمير – رضي الله عنه – إلى المدينة، يقصد منه أيضًا دراسة مجتمع المدينة، والتعرف عليها عن كثب، ودراسة المنطقة دراسة دعوية تركز على التعرف على الأصدقاء والأعداء، وعوامل التأثير في كل منهما، وأنجح الأساليب التي ينبغي أن يركز عليها في هذه المدينة، حتى تكون هجرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك عن علم ومعرفة، للمجتمع الذي سينتقل إليه متى جاءت ساعة الهجرة المنتظرة([16]).

ولكن هذا – مع كونه احتمالاً – فهو أيضًا درس نقدمه في التمهيد، لدعاة العصر للاستفادة منه، سواء أكان هذا المجتمع الذي سيتجه إليه الداعية صغيرًا أم كبيرًا، فإن نجاح الدعوة له علاقة وثيقة بالتعرف المسبق، ومن ثم بالإعداد الملائم، وفق ما لديه من معلومات تمكنه من استثمارها في توجيه عمله الدعوي.

فالداعية يتجه إلى المجالس، ويلقي المحاضرات، ويغشى أماكن التجمعات، ويسافر إلى المدن، بل قد يسافر إلى خارج قارته إلى قارة أخرى. ومتى سبقت إليه تلك المعلومات، كان عمله على نور وبصيرة، وإن كانت الأخرى فمتخبط في ظلماء، وحاطب ليل، لا يدري أين تقع يده.

* * *


 الدراسة الدعوية للقصة

1- يقول ابن إسحاق:

«إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل».

وهنا لا بد من وقفتين:

الوقفة الأولى:

مصعب بن عمير ضعيف على أسعد بن زرارة، فيخرج ٍأسعد بمصعب! لماذا لم يخرج مصعب بنفسه؟

إن الداعية الواعي لدقة عمله وحساسيته، يدرك أهمية استعانته في دعوته بكل ما حوله، مما ييسر عمله، ومن ذلك الاستعانة بالأشخاص الذي يدلونه على أماكن التجمعات، أو يعرفونه بشخصيات المجتمع، أو يحققون له حماية من معارضي الدعوة، كما فعل مصعب بن عمير مع أسيد هنا، إذ كان لأسعد الفضل في الدلالة على المكان الملائم – وأنى لمصعب أن يعرفه، وهو من أبناء مكة، وحديث عهد بالمدينة – ثم كان له الفضل في تعريفه بأصحاب المكانة الاجتماعية، الذين يتوافدون للاستماع للمواعظ، ثم كان له الفضل أيضًا بعد الله في حماية مصعب من معارضي الدعوة وأعدائها، في تلك القبيلة بحكم قرابته لهم، وبالتالي فقد استفاد مصعب من اصطحاب أسعد ثلاثة أمور أساسية، كل واحدٍ فقدها كاف لإعاقة الدعوة:

1- المعرفة بالمكان المناسب للدعوة.

2- المعرفة بالأشخاص ذوي المكانة الاجتماعية للاهتمام بهم.

3- الاستعانة بالأصحاب والاحتماء بهم من الأعداء بعد الله سبحانه وتعالى.

الوقفة الثانية:

أسعد بن زرارة – رضي الله عنه – خرج بمصعب! أي أن الداعية هو الذي يخرج ويبحث، ويسير ويتوجه إلى الناس، ويدعوهم، والداعية هو الذي يغشى مجالس الناس، وليس من شأن الداعية أن يكون له مكتب، وينتظر أن يأتيه الناس فيه، ولا من شأن الداعية أن يحصر عمله في مكان واحد، كالمسجد مثلاً، بل هو يتنقل باحثًا عن أماكن التجمعات، ثم ألا يستفاد من هذا فائدة أخرى، وهي خروج الداعية إلى القرى المجاورة لمدينته للدعوة إلى الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([17]).

2- يقول ابن إسحاق:

«قال سعد لأسيد بن حضير: لا أب لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا».

وأقول: إن هذه الكلمة العجيبة الغريبة، «ليسفها ضعفاءنا» التي قالها سعد بن معاذ يوم كان على شركه لا بد أن نقف عندها ونتساءل ترى هل كان سعد صادقًا في إيثاره هذا؟!

إن سعدًا هنا يتظاهر بأنه مشفق خائف على الضعفاء، وأنه نصير لهم، يحمي حقوقهم، ويخاف عليهم ممن يريد الاعتداء عليهم، وأنه لا يفعل شيئًا لمصلحة نفسه؛ وإنما لمصلحة (ضعفائنا)، وهذا ليس شأن سعد وحده، بل هو شأن كل صاحب سلطة ومكانة يعادي دين الله، فإنه لا يظهر خوفه على نفسه وسلطته، ولكنه يظهر أو يتظاهر بالحرص على شعبه وضعفائه، وهي حجة قديمة قالها فرعون، وقالها ويقولها كل من سار على دربه. يقول تعالى مخلدًا قصة فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾([18]). فخوف فرعون فقط على «أن يبدل دينكم» دين شعبه فقط، ومصلحة شعبه فقط، لم يذكر شيئًا يتعلق به هو لماذا؟ لأن مصلحته لا قيمة لها أمام مصالح الضعفاء.

3- يقول ابن إسحاق:

«...... فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدمًا».

هذا يؤكد ما سبق أن ِأشرت إليه في التعليق رقم (1)، عندما قلت بأهمية الاستفادة من كل الإمكانات المتاحة، ومنها أبناء البلد.

ألم تظهر هنا الفائدة الجلية من مكانة أسعد بن زرارة عند سعد بن معاذ في عدم تجرئه على إيذاء مصعب؟!

4- يقول ابن إسحاق:

«..... ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة، قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه».

هذه فائدة تزيد التعليق رقم (1) وضوحًا وجلاءً، فقد استفاد الداعية مصعب – رضي الله عنه – من اصطحاب أسعد معه إذ أنه عرفه بالمكانة الاجتماعية للأشخاص الذين يأتون إليه، فيتعامل معهم على وفق ذلك.

5- يقول ابن إسحاق:

«.. فلما رآه أسعد بن زرارة، قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه، قد جاءك فأصدق الله فيه».

نعم فرقًا في التعامل – وفي الدعوة بخاصة – بين أصحاب السلطة وغيرهم، فلا بد من معرفة المدعوين من هم؟ فالسلطان له دعوة! واستجابته أعظم فائدة! وغيره له دعوة تلائمه، والداعية الذي لا يفرق بين المدعوين شأنه شأن الطبيب الذي ليس لديه إلا وصفة واحدة، يعطيها لجميع المرضي.

6- يقول ابن إسحاق:

«فوقف عليهما متشمتًا قال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟!».

ليس لهم إلا حجة واحدة سعد قالها، وأسيد هنا أيضًا يقولها، وكل صاحب سلطة معادٍ للإسلام يقولها: «ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟!».

7- يقول ابن إسحاق:

«.. اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة».

تهديد بالموت من أجل الدعوة إلى الإسلام. إن هذا يؤكد الحقيقة التي تقول: «من جهل شيئًا عاداه»! فهو يجهل الإسلام، وبالتالي عاداه هذه العداوة الشديدة، التي دفعته إلى أن يهدد بقتل من يدعو إلى الله. يزيد هذه الحقيقة شهادة وتأييدًا هو ما أصبح عليه حال الرجل يوم ذهبت جهالته، وعرف هذا الدين. ولذلك فإن غالبية أعداء الدين وأكثر المحرفين في العصر الحاضر سبب عدائهم للدين هو جهلهم به. قال قتادة: «أجمع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - على أن كل من عصى الله فهو جاهل، وكذلك قال التابعون ومن بعدهم»([19]).

وعندما يشعر الداعية بهذا الشعور فإنه يتهم نفسه بالقصور، وبالتالي يندفع نحو البيان والبلاغ والدعوة.

8- يقول ابن إسحاق:

«فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال: أنصفت».

هل يملك الفرد – أيًا كان هذا الفرد – أمام هذا العرض، وأمام هذا الأسلوب الأخاذ إلا أن يقول ما قاله أسيد بن حضير «أنصفت»؟ وفي هذا بيان قوي جلي لأهمية الأسلوب في الدعوة، وأنه هو الخطوة الأولى لنجاح الداعية في عمله، فإن ٍأسيدًا هنا لا يزال يجهل الموضوع، ومع ذلك أعطى خطوة قوية في الاستجابة. وما دفعه للإنصات سلامة الفكرة؛ لأنها لم تعرض بعد.

ولذلك يقال لكل من يتعجل أمر إبلاغ الدعوة مركزًا على موضوع الدعوة متناسيًا أو غافلاً عن الأسلوب، يقال له: إن الأسلوب لا يقل أهمية عن الموضوع. ولا يكفي من الداعية أن يحدد الفكرة التي سيعرضها بل لا بد مع ذلك أن يحدد أسلوب عرضها، وكم من فكرة سليمة ناصعة شوهها أسلوب عرضها، وفي مقابل هذا كم من فكرة باطلة خدع الناس بها، وانساقوا خلفها بسبب أسلوب عرضها الشائق؟!

أليست مشكلة عصرنا هي مشكلة أسلوب عرض؟ إن الإعلام المعاصر «يبث من الباطل أكثر مما يبث من الحق، وهو يخدع الناس بهذا الباطل، إذ يزينه لهم بالصورة واللون، والحركة والإخراج، والماكياج والبسمة والتظرف!! حكاية عن ممثلة تخرج في برنامج تلفزيوني ملون، يحف بها ديكور أنيق، ويقدمها مذيع لبق، بينما يعرض الإيمان في كتاب ذي ورق رديء، وتنفيذ باهت. أو يعرض الإيمان في خطبة يعوزها قوة المعنى وجمال الأداء، وليس هذا منهج القرآن الكريم»([20]).

فجمال العرض فصل في قبول الفكرة أو ردها عند كثير من الناس، والهجوم على الناس لا يولد إلا هجومًا، لا يولد استحسانًا ولا قبولاً.

9- يقول ابن إسحاق:

«.. ثم قال: إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه».

في هذا دلالة على أهمية الاعتناء بصاحب السلطة في الدعوة، وأن استجابته ليست كاستجابة سائر الناس، فإنه إذا استجاب «لم يتخلف عنه أحد من قومه». كما قال أسيد. لذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج يعرض نفسه على القبائل، ويخرج معه أبو بكر – رضي الله عنه – نسابة قريش، ليعرفه بشيوخ القبائل، ليبدأ بهم الرسول صلى الله عليه وسلم. ونراه صلى الله عليه وسلم يوم دخل الطائف بدأ بأشياخها، وليس في هذا تعارض مع قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. فإن هذا في موضوع الاهتمام بأصحاب المكانة على حساب الضعفاء، كما يقول المراغي في تفسيره: «وقصارى ذلك لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم، والاشتغال بدعوتهم أن تعرض عن الذين سبقت لهم منا الحسنى»([21]). فأما ولا تعارض، فلا شك بأولوية أصحاب السلطة وأهمية تقديمهم.

10- يقول ابن إسحاق:

«ثم قال: إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما».

حقًا لقد وقفت طويلاً عند هذه العبارة، لما أرى فيها من عجيب القول إنه يقول: «سأرسله إليكما»، وأمام هذا سؤالان:

الأول: أن السؤال المطروح هو: لماذا جاء هذا الرجل إليهما؟ إنه جاء لطردهما بل لتهديدهما بالقتل، إن لم يسرعا بالخروج، فما أعجب سرعة هذا التحول؟! جاء عَدُوًّا وعاد داعية إلى الله، فما هو ذا أسيد يبادر في الدقائق الأولى من إسلامه إلى الدعوة إلى الله، وكأنه يشعر أن عمل الدعوة لا يقل أهمية عن سائر الواجبات الإسلامية التي رضيها وبدأ يؤديها.

وكم في مجتمعنا الآن مَن مَرَّت عليه السنوات ما دعا إلى الله؟! بل ويشمئز من كلام الدعاة في المجالس، ويهمس إلى جاره وهم في المجلس: «الدعوة ليست هنا الدعوة في المساجد».

ليتنا جميعًا نعتبر من قصة أسيد هنا، يوم نهض من أول مجلس يعلن فيه إسلامه، ويعلن فيه أنه داعية إلى الله، لا مسلمًا في نفسه فقط. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

الثاني: والسؤال الآخر المطروح هنا أيضًا، لماذا لم يحمل أسيد الدعوة بنفسه إلى سعد بن معاذ؟ لماذا لم يتول نقل الآيات التي سمعها من مصعب إلى سعد بدلاً من قوله: «سأرسله إليكما». كما يفعل كثير منا الآن؟! ولماذا الإرسال؟ كأنه يدرك أن إبلاغ مصعب سيكون أقوى أثرًا في نفس سعد منه خاصة، وهو حديث عهد بالإسلام، فقد لا يحسن عرضه العرض المطلوب، والغاية إدخال سعد في الإسلام، لا من الذي يدخله؟! وبالتالي إن أسيدًا – رضي الله عنه – يذكرنا بقضية مهمة جدًا، وهي أن من لا يحسن التعريف بالإسلام، لا ينبغي له أن يتولى أداء ذلك بنفسه، ولا يعني هذا إعفاءه من الدعوة بالكلية، بل يشارك الدعاة كما شارك أسيد، وذلك بالتعريف بهم، والدلالة عليهم، والإرسال إليهم.

ومن هذا القبيل لا يَحسن من الداعية أن يتصدى مثلاً للرد على الشبهات، وهو غير متمكن من الرد عليها، فقد يتلمس الإحسان في ذلك، ثم يكون قوله حجة عليه وعلى المسلمين، وضرره أكثر من نفعه، ولو سلك منهج أسيد في الدلالة على أصحاب الاختصاص لكان أجدى وأصلح.

11- يقول ابن إسحاق:

«... وسأرسله إليكما الآن».

لماذا قال أسيد بن حضير – رضي الله عنه – [الآن]؟ ولم لا يكون غدًا أو بعد غد، الأسبوع القادم، أو العام القادم، إن طبيعة عمل الدعوة تقتضي المبادرة، إنها خير، وخير عظيم، تدل الناس عليه، فمن اكتشف عينًا جارية في صحراء وهو يعلم أن عشيرته وقومه يتساقطون من العطش على مقربة من العين هل يؤخر إبلاغهم بمكانها إلى حين؟ أم تراه يبادر من لحظته لإنقاذ من تبقى منهم؟! كأني بأسيد – رضي الله عنه – يسعى نحو قومه لإنقاذهم من الجهالة الجهلاء، التي هم فيها، ولا يدركها إلا مثله، لأنه رأى الحق ولا يعرف الإسلام إلا من عاش في الجاهلية.

فكما يقول أٍسيد لمصعب: سأرسله إليكما الآن، فلا تأخير ولا تأجيل، إذن لا تأجيل، ولا تسويف، ولا تأخير، بل الآن الآن.

12- يقول ابن إسحاق:

«فقام سعد مغضبًا مبادرًا تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة».

هذا إشاعة عن مجيء قبيلة بني حارثة إلى أسعد بن زرارة ومصعب، ثم يهب سعد لنجدتهما، لماذا؟ حماية لابن خالته، ومن هذا الحماية، أو من هذه الحمية استفاد مصعب بن عمير – رضي الله عنه – وهذا يؤكد التعليق رقم (1) السابق.

13- يقول ابن إسحاق:

«... فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة. فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله».

لا بد هنا من وقفتين:

الوقفة الأولى:

ما أعظم إيمان هؤلاء الرجال؟ إن إيمانهم كان حدًا فاصلاً بين الإيمان والكفر، فأسيد بن حضير يبادر في الدقائق الأولى لإيمانه إلى دعوة سعد بن معاذ، وسعد بن معاذ هنا أيضًا يفاصل قومه، ويعلن المقاطعة التامة لهم رجالاً ونساءً حتى يؤمنوا، ما أحوجنا إلى هذا العمق الإيماني في دقائقه الأولى، لا يرضى مقرًا إلا منتهى جذور القلب.

الوقفة الثانية:

إن سعدًا – رضي الله عنه – يعطينا درسًا قويًا في الولاء والبراء، الذي هو أوثق عرى الإيمان موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين، فكما يبادر أسيد إلى الدعوة في خطواته الأولى، ليبين لنا أهميتها، هنا أيضًا يبادر سعد إلى الولاء والبراء، ليبين لنا أهميته فليس الإسلام صلاة وقيامًا، وزكاة فحسب، ثم بعد ذلك المحبة والتآلف والتآخي مع من حارب الله ورسوله!! لا .. إن الولاء والبراء عميق في ديننا، أصيل فيه لا بد أن يبادر وما زاد على ذلك فهو تفريط، شأنه شأن تأخير الفريضة عن وقتها.

ونحن نرى اليوم كثيرًا من أبناء الإسلام أشتاتًا فيما بينهم، ولا نراهم يتفقهون إلا في احترام أعدائهم، والتأسي بهم، فما أحوجنا إلى وقفة – ولو قصيرة – للاستفادة من هذه النماذج.

ولا ننسى في هذا الموقف من سعد أنه يركز على البراء، فهو يعلن المقاطعة، «كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا». ومجتمعنا أشد فقرًا، وأشد خصاصة في قضية البراء منه في قضية الولاء، فقد نرى ولاء بين بعض الفئات المؤمنة، لكن هل رأيت براء؟ أخبرني؛ فإني منذ فترة أبحث عنه فهو عنقاء زماننا!!

14- يقول ابن إسحاق:

«قالوا فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا، أو مسلمة».

يبدو هنا حسن استغلال سعد – رضي الله عنه – لسلطته، ومكانته الاجتماعية في الدعوة إلى الله، وهذا يذكر بأمرين:

الأول: وقد سبق الإشارة إليه، وهو عظيم أثر التركيز على السلطة في الدعوة إلى الإسلام، فصاحب السلطة لا يمكن مساواته بالرجل العادي؛ ومتى كان يملك فردًا عاديًا أن يقول لقبيلته بكاملها: «كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا» ثم يستجيبوا إليه جميعًا.

الثاني: كل منا صاحب سلطة أو مكانة اجتماعية أدناها في المنزل، وتتدرج هذه المكانة على مستويات مختلفة، فمن منا سخر مكانته هذه في نشر الإسلام، والدعوة إلى الله سبحانه، ألسنا رعاة؟ «وكلكم راع وكل مسئول عن رعيته».

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

* * *


 خاتمـــة

هذه مواقف في قصة دعوية واحدة، وما أكثرها تلك القصص الدعوية المتجددة، تجدد الدعاة إلى الله.

وما أكثر المواقف الدعوية العظيمة في سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ثم في سيرة صحابته – رضوان الله تعالى عليهم – ومن بعدهم من السلف الصالح الذين أدركوا فضل الدعوة إلى الله، فكانت حياتهم كلهم في الدعوة إلى الله، وبالتالي كانت كلها مواقف دعوية، تستلهم منها الدروس لملتمسي هذا الطريق.

ومواقف القصة كانت عجيبة، يوم أجابت في طياتها وثناياها على تساؤلات تدور في أذهان الكثير، فهي إذن متجددة حية، تعايش واقع الحياة، وتلامس مشكلات اليوم.

ألم تجب القصة في مواقفها على نقطة الداعية من أين يبدأ؟ وإلى أين يتجه؟ وكيف يتحدث، وما حجج الخصوم والأعداء؟ وما سبب عداوتهم؟ ثم كيف يتجاوز الحاجز النفسي، ليسمعوا قوله، ثم قبوله؟

ألم نجد في القصة سرعة التحول وقوته وآثاره.. إلخ؟

لقد رأينا فيها أن الداعية إلى الله هو الذي يخرج للدعوة، ويستفيد من كل الإمكانات المتاحة له، ويقصد مجامع الناس بأنواعها، وهو يعلم أن له أعداء ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾([22]).

وهو لا يحاول أن يبرئ نفسه، بل هو مقر بالتقصير، يدرك أن عداوة من حوله قد يكون من أبرز أسبابها جهل هؤلاء بحقيقة هذا الدين، فلا يزيده هذا إلا حماسًا، وانطلاقًا نحو المزيد من العمل والدعوة، وهو في هذا كله مشفق يبحث عن ألين الكلام وأطيبه، فلا يملك سامعه بعد ذلك إلا الرد عليه بمثله، وهذا هو مفتاح الاستماع، ثم الإجابة، ثم إذا استجاب فلا تتوقف هذه الاستجابة عند امتثال شعائر تعبدية محدودة، فقط، بل هي أيضًا تتسع ليتحول هذا المستجيب في أولى خطواته إلى مسلم، عاملٍ في ميدان الدعوة وفق ما أوتي من إمكانات، تأتي في أدنى درجاتها الدلالة والتوجيه إلى الدعاة أصحاب الاختصاص.

ثم هو مدرك لعمق الترابط الجديد بين أفراد هذه الأسرة المسلمة، التي تقوم كل علاقاتها على قاعدة الأخوة الإيمانية، يوالي فيها ويعادي من أجلها، لتكتمل فيه أوثق عرى الإيمان.

والله من وراء القصد، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وسلم.



([1]) ابن الأثير «أسد الغابة»: (4/269).

([2]) النووي «تهذيب الأسماء واللغات»: (2/2).

([3]) هذا هو القول الأرجح في ذلك، وإلا فقد قيل: إنه أرسل ابن أم مكتوم، وقيل: أرسلهما معًا.

([4]) لمزيد الترجمة يرجع إلى: «سير أعلام النبلاء»: (1/145)، «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي: (2/96)، «والطبقات الكبرى» لابن سعد: (3/116)، «حلية الأولياء» للأصبهاني: (1/106)، و«الإصابة» لابن حجر: (6/101)، و«أسد الغابة» لابن الأثير: لمحمد حسن بريغش، و«صاحب اللواء مصعب بن عمير» لعبد السلام العشري.

([5]) الذهبي «سير أعلام النبلاء»: (1/145).

([6]) ينظر لمزيد الترجمة: «سير أعلام النبلاء»: (1/299)، و«الإصابة»: (1/32)، و«البداية والنهاية»: (2/299)، و«الفتح الرباني»: (20/ 374).

([7]) «صحيح ابن ماجه» للألباني: (20/ 274).

([8]) لمزيد الترجمة يرجع إلى: «سير أعلام النبلاء»: (1/279)، و«الإصابة»: (3/87)، و«البداية والنهاية»: (4/127).

([9]) «صحيح البخاري»، كتاب المغازي (46)، باب (30): (5/50).

([10]) «صحيح البخاري»، كتاب المناقب (63)، مناقب سعد (12): (4/227).

([11]) لمزيد الترجمة يرجع إلي: «سير أعلام النبلاء»: (1/340)، و«الإصابة»: (1/48)، و«البداية والنهاية»: (7/101).

([12]) «صحيح البخاري»، كتاب مناقب الأنصار (63)، باب (13): (4/227، 228).

([13]) «صحيح البخاري»، كتاب فضائل القرآن (66)، باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن (15): (6/106).

([14]) القصة وردت في غالب كتب السير المطولة، ونصها مأخوذ من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لابن هشام: (2/43 – 45). وقد رواها عن ابن إسحاق عدد من كتب السير منها:

«البداية والنهاية» لابن كثير: (3/152).

و«وفاء الوفاء» للسمهودي: (1/225 – 227)، وزاد رواية أخرى عن الطبراني بزيادة ونقص.

و«السيرة النبوية» للذهبي: (ص/196 – 198)، وزاد رواية أخرى عن عقبة بن شهاب بزيادة ونقص.

و«عيون الأثر» لابن سيد الناس: (1/159 – 161).

و«مختصر سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم» لمحمد بن عبد الوهاب: (ص/85).

انظر: «مجمع الزوائد»: (6/41، 42)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات، وقال ابن حجر في: «تقريب التهذيب»: (1/444) عن ابن لهيعة: (صدوق خلط بعد احتراق كتبه، وله في مسلم بعض شيء مقرون).

وقال الخزرجي في: «خلاصة التهذيب»: «قال أحمد احترقت كتبه وهو صحيح الكتاب، ومن كتب عند قديمًا فسماعه صحيح»، قال يحيى بن معين: «ليس بالقوى». وقال مسلم: «تركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي»، قرنه الإمام مسلم بآخر وروى له البخاري والنسائي ولم يصرحا باسمه: (ص/ 211).

([15]) وورد في كتاب «وفاء الوفاء»: (1/225) أنه قرأ عليه من سورة الزخرف }حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{.

([16]) انظر: على جابر الحربي، «منهج الدعوة النبوية في المرحلة المكية»: (ص/424).

([17]) سورة التوبة: آية 122.

([18]) سورة غافر: آية 26.

([19]) ابن تيمية، «الفتاوى»: (14/291).

([20]) زين العابدين الركابي، بحث بعنوان: «النظرية الإسلامية في الإعلام والعلاقات الإنسانية»: (ج316) من بحوث الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

([21]) المراغي، «تفسير المراغي»: (30/41).

([22]) سورة الأنعام: آية 112.