ولو يشاء الله لانتصر منهم [ وجوب بذل الأسباب لطلب النصر ] ()

 

|

 ولو يشاء الله لانتصر منهم [ وجوب بذل الأسباب لطلب النصر ]

حسن بن محمد آل شريم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فإن الأيام والسنين تمر، والأحداث والخطوب تتوالى، وما تزال جراح أمتنا تنزف ومآسيها تتوالى، وظلمتها تشتد، فلا يخفى على ذي بصر تكالب أعدائها واستشراء الوهن بين أكثر أفرادها، ولكن العاقل لا يشك أن المستقبل لهذا الدين، وسيبلغ ما بلغ الليل والنهار. وأن هذا النصر سيجعله الله تعالى على أيدي المسلمين أنفسهم وبجهودهم.

وكما أن الله سبحانه وتعالى قادر على هداية الناس دون بذلٍ من الدعاة والمصلحين ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾، فإنه سبحانه وتعالى قادر على إهلاك الكفرة بدون بذل أسباب بشرية ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾.

ولكن الله سبحانه وتعالى شَرَعَ لنا الجهاد ليختبرنا ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ليُعلَمْ مَنْ الصادق في البذل لهذا الدين والتضحية من أجل رب العالمين، وصَدَقَ الله إذ قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.

إن المعالي لا تُنال بالأماني، ولا يتأتى النصر إلا على ألوان البذل والتضحية بشتى صنوفها، وإذا عرف أن الابتلاء سنة ماضية تبين أن النصر لا يقوم إلا على البذل في سبيل الحق.

فهل نحن أعز على الله تعالى من رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - إذ أخذ بكافة الأسباب حين أراد الهجرة من مكة، من رفيق الطريق والزاد والدابة واستئجار الدليل، وإخفاء الليالي،؟ كل ذلك والله قادر على إيصاله إلى المدينة بأقل من طرفة عين، لكنها السُنَنُ والمدرسة التي يجب أن نتعلم منها ونتلمس خطاها.

وهل نحن أعز على الله من مريم البتول صاحبة المعجزة العظيمة التي جاءها المخاض فآوت إلى نخلة باسقة عظيمة؟ آوت وهي في ضعف وألم، ومع هذا أمَرَها الله وقال لها: ﴿وَهُزي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَري عَيْنًا ...﴾، فكيف تهز الضعيفة في وقت نفاسها نخلة؟ وماذا ستؤثر فيها...؟ ولكنه السبب الذي تعبدنا الله ببذله توكلاً لا تواكلاً .. كل ذلك والله قادر على الإعطاء من غير سبب.

فماذا عسى كثير من المتواكلين يقولون؟

أم نحن أعز على الله من نبيه موسى عليه السلام حيث خرج بقومه يريد الهرب من فرعون وملئه؟ فعلم بهم فرعون فأتبعهم والقوم يهربون منه، ولكن وقع ما لم يكن في حسبانهم .. لقد بذلوا مع نبيهم موسى عليه السلام الأسباب آخرها الهرب بدينهم، ولكن هاهو فرعون من خلفهم والبحر من أمامهم، فرفعوا أصواتهم بعد أن زاغت أبصارهم يمنة ويسرة، كلٌّ يتساءل: ما نفعل؟ هاهو المشهد يقترب من نهايته والمعركة تصل ذروتها .. إنهم أمام البحر ليس معهم سَفينة، ولا يملكون خوضه، وقد قاربهم فرعون بجنوده يطلبونهم، وقالت دلائل الحال كلها: ألا مفر، والبحر والعدو يحيطون، فقال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، وبلغ الكرب مداه.. العيون زائغة، والقلوب فزعة، وما‏ هي ‏إلا دقائق ثم يهجم الموت ولا مناص، ولكن موسى عليه السلام الذي تلقى الوحي من ربِه لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بالله واليقين بعونه، فقال بلغة الواثق الساكن قلبًا ومعنى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبي سَيَهْدِينِ﴾، لقد قالها: ﴿كَلَّا﴾ في شدة وتوكيد، كلا لن نكون مدركين.. لن نكون هالكين .. لن نكون مفتونين ومعنا الله. إنه الأنس والثقة .. وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع في ليل الكرب وينفتح طريق النجاة من حيث لم يحتسب المحتسبون: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾، بذلاً للسبب وإن كان الله قادرًا على فعل النتيجة دون بذل سبب من البشر، ولكن لابد للبشر من جهد يبذلونه حتى لا يكون النصر رخيصًا. ثم تأتى النتيجة: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾، ووقعت المعجزة وتحقق ما قال عنه الناس: مستحيل، ووقف الماء على جانبي الطريق ووقف فرعون مدهوشًا مما يرى. وتم تدبير الله، فخرج بنو إسرائيل من الشاطئ الآخر بينما كان فرعون وجنوده بين فرقي الماء أجمعين، فأمر الله جنده من الماء أن ترجع ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ﴾.

يقول الغزالي رحمه الله: «الجنود التي يخذل الله بها الباطل وينصر بها الحق ليست مقصورة على نوع معين من السلاح ولا صورة خاصة من الخوارق، إنها أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإذا كانت مادية فإن خطرها لا يتمثل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، ومن صنع الله لنبيه يوم الهجرة أن عمى عنه عيون عداته على حد قول أبي بكر رضي الله عنه: «لو نظر أحدهم إلى مواقع قدميه لرآنا» ولكن الواثق بربه العارف به قال بيقين: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، ويقول له: «أن الله معنا»، ومن معه الله فهل يغلب؟ إن ذلك لم يكن محاباة، بل هو مكافأة؛ لأنهم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر إلا اتخذوها، وكم خطة يضعها أصحابها يبلغون بها نهاية الإتقان تمر بها فترات عصيبة لأمور فوق الإرادة أو وراء الحسبان، ثم تستقر أخيرًا وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

إن سنة الله تجري بترتيب النتائج على الأسباب، ولكن الأسباب ليست‏ هي ‏التي تنشئ النتائج، فالفاعل المؤثر هو الله، والله يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته، ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه وأن يبذل جهده وأن يفي بالتزاماته، وبقدر ما يوفي بذلك كله يرتب الله النتائج ويحققها.

إن الأخذ بالأسباب مع تفويض الأمور إلى الله تعالى والثقة به هو من التوكل المأمور به، أما القعود عن الأسباب فليس من التوكل في شيء، وإنما هو اتكال أو تواكل، قال ابن القيم رحمه الله: «التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التوكل، ومن ثمار التوكل عدم الركون إلى الأسباب، بل الاعتماد بعد بذل السبب على الله تعالى» في ميزان: «اعقلها وتوكَّل».

إن الأمة المسلمة اليوم لتشكو إلى الله ضعف قوتها وقلة حيلتها وهوانها على الناس، دماؤها أرخص الدماء، وكرامتها لا بواكي عليها، استأسد من حولها الحَمَل، حتى حُق أن يقول القائل:

أرى حمرًا ترعى وتعلف ما تهوى

وأسدًا جياعًا تظمأ الدهر لا تروى

وآساد قوم لا ينالون قوتهم

وقومًا لئامًا تأكل المن والسلوى

في مثل هذا الضعف الذي استأسد فيه أهل الكفر وهم الأصاغر على المسلمين الذين لا تستقيم الدنيا إلا بقولهم وهداهم، حُق لنا أن نقول:

متى تصل العطاش إلى ارتواء

إذا استقت البحار من الركايا

ومن يثني الأصاغر عن مراد

وقد جلس الأكابر في الزوايا

وإن ترفع الوضعاء يومًا

على الرفعاء من إحدى البلايا

إذا استوت الأسافل والأعالي

فقد طابت منادمة المنايا

حري بالأمة أن تعمل لهذا الدين بذلاً لأسباب النصر، بذلاً بأيدينا، اقرأ قول الله تعالى في قصة نوح عليه السلام: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، والفلك وسيلة للنجاة ولحفظ بذور الحياة السليمة كما يعاد بَذرها من جديد، وقد شاء الله أن يصنع نوح عليه السلام الفلك بيده؛ لأنه لابد للإنسان من الأخذ بالأسباب والوسائل، وبذل آخر ما في طوقه ليستحق المدد من الله، فالمدد لا يتأتى للقاعدين المستريحين المسترخين، الذين ينتظرون دون بذل ولا يزيدون على الانتظار شيئًا.

حري بالأمة أن تعود إلى أصالتها موجهة للدنيا وأستاذة للإنسانية وداعية للحق. في غزوة بدر التي قاد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عددًا من المقاتلين لا يزيد على ثلاثمائة وثلاثة عشرة، مقابل جيش فيه ألف محارب، فزع نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الله في إنابة نبي وإلحاح عبد ودعاء مضطر، في كلمات صريحة واضحة،‏ هي ‏خير تعريف بهذه الأمة ومهمتها، التي أخرجت من أجلها، وغاية التغيير الذي حملت أمانته، لم يقل - صلى الله عليه وسلم -: لو هلكت هذه العصابة وكانت فريسة أقفرت المدينة وأوحشت الأسواق وكسدت التجارة، ولم يكن المجتمع حضاريًا وفات العالمين فرصة حضارة وثَّابة؛ لم يقل ذلك لأنه يشعر أن أمانته أعظم وأهدافه أكبر، فقال: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض» فكأنما بقاء المسلمين مشروطًا بقيام حياة العبودية بهم وقيامهم بها.

فكان إنجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه المثل رجالاً وعوا الرسالة واستوعبوا القضية، فخرجوا إلى الناس يقولون: «ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام»، وكان إنجازهم أن أدوا مهمتهم على التمام، فخلصوا الأمة الرومية من عبادة المسيح والصليب، فدخل منهم مَن شاء الله إلى الإسلام، وخلصوا الأمة الفارسية من عبادة النار، وخلصوا الهنود من عبادة البقر؛ أخرجوهم حقًّا من جور الأديان إلى عدل الإسلام.

حري بالأمة -وقد طال عليها ليل الظلمة- ألا تيأس، فإن صبحها قريب، وقد قيل: «عند اشتداد الظلمة تبدو تباشير الصباح» إن الذي ييأس عند الضر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة وكل نسمة رخية وكل رجاء في الفرج، ويستبد به الضيق ويثقل على صدره الكرب؛ إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء، ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله، ولا سبيل إلى الاستعلاء إلا بالاستعانة بالله، ألم يقل الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، فهو راصد لتسلط الأعداء وأعمالهم حتى يكثر منهم الفساد، وحينئذ يصب عليهم عذابه سوطًا على رؤوسهم وأعمالهم. إنه لهم بالمرصاد بكل ما تحمل هذه الكلمة من الطمأنينة والوعد، فليطمئن بال المؤمن ولينم ملء جفونه، فالله هناك بالمرصاد.

أليست عاد كانت تقول: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾؟ فأرسل الله عليها الريح.

ألم تطغَ ثمود حتى عقرت الناقة وعتت عن أمر ربها؟ فأهلكها الله بالصيحة.

ألم يتجبر أبرهة الأشرم حتى عزم على هدم الكعبة وخرج من اليمن لذلك؟ والله يمهله حتى جمع خيله وفيله ورجله حول البلد الحرام، فأرسل الله عليه ومن معه طيرًا أبابيل فقضى عليهم.

ألم يتجرأ فرعون حتى ادعى الربوبية، وأن الأنهار تجري من تحته؟ فأجراها الله عليه -لما طغى وتكبر- من فوقه ومن تحته، ليكون لمن خلفه آية.

فعلام اليأس والنصر قادم لا محالة، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.

فلتحيا النفوس بالأمل، ولتبعث الهمة بالعمل لهذا الدين ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ولن يغلب عسرٌ يسرين، فلتطمئن النفوس بنصر الدين، وواجب عليها العمل من دون استعجال الثمرة؛ روى البخاري وأبو داود والنسائي ‏عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعله نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه - ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».

نعم «لكنكم تستعجلون» استدراك عجيب ليخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته أن الصبر هو الوسيلة العظمى والزاد النافع لهم في طريقهم الطويل الصعب الشاق الوعر. أخبرهم أن النصر وهداية الناس‏ هي ‏بيد الله، وانتظارهما ليس من الطموح ولا من الهمة العالية، بل هو من الاستعجال الذي وقعت فيه الأمة فتملكها اليأس وقعدت عن العمل واستسلمت للواقع. وما كان لهم إلا أن يمضوا ولا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله ورحمته، وهذه‏ هي ‏الثمرة الحلوة، وأما ما وراء ذلك من التمكين والنصر فليس لهم منه إلا بذل السبب ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.

إن الباطل لينتفش ويسحر العيون ويسترهب القلوب ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ حتى ينفثئ كالفقاعة وينكمش كالقنفذ وينطفئ كشعلة الهشيم، وإذا الحق راجح الوزن ثابت القواعد عميق الجذور، فوقع حينئذ الحق واستقر وثبت.

إن النفس حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان تستعلي على قوة الأرض وتستهين بظلم الطغاة، وتنتصر فيها العقيدة على الحياة وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم.

إنها لا تقف لتسأل: ما الثمن؟ وماذا ستأخذ أو تدع؟ وماذا ستلقى من صعاب وتضحيات؛ لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك، فهي لا تنظر إلى شيء دونه في الطريق، كما حصل من أنصار رسول الله في بيعة العقبة لما عرفوا الثمن استعلوا بالإيمان الذي لا يتزعزع ولا يفزع كما أنه لا يخضع ولا يخنع، الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها ويستيقن من الرجعة إلى الله فيطمئن.

إن أخوف ما نخاف على أنفسنا أن تثقلها ثقلة الأرض ومطامع الأرض وتصورات الأرض، ثقلة الخوف على الحياة والمال واللذائذ، ثقلة الدعة والراحة والاستقرار، ثقلة الذات والأجل المحدود والهدف القريب، ثقلة اللحم والدم والشراب. لتؤخرنا بكل أثقالها عن السير في الركب السائر لتحقيق موعود الله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

إن الوعد بالنصر والتمكين سنة من سنن الله الكونية، سنة ماضية كما تمضى الكواكب والنجوم في دورتها المنتظمة، ولكنها مرهونة بتقدير الله يحققها كيف يشاء وحين يشاء، ولقد تبطئ آثارها الظاهرة ولكنها لا تختلف أبدًا، وقد يدركها البشر وقد لا يدركونها، ولكنه الوعد الذي لا يتخلف، يُخلص الجند وتتجرد الأمة فتكون غالبة منصورة، مهما وُضعت من عوائق وقامت من عراقيل، ومهما رصد لها الباطل من قوى الحديد وقوى الدعاية، وإن‏ هي ‏إلا معارك تختلف نتائجها ثم تنتهي إلى الوعد الذي وعده الله والذي لا يخلف، ولو قامت كل قوى الأرض في طريقه ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

وأَن سنة النصر لا تتخلف متى استوفت الشروط من الاستقامة على منهج الله بطاعة أمره واتباع رسوله ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وجاءت عوامل النصر جلية واضحة في قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ومن السنة الربانية مداولة الأيام بين الناس من الشدة إلى الرخاء ومن الرخاء إلى الشدة ومن النصر إلى الهزيمة ومن الهزيمة إلى النصر، ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.

إن معرفة السنن لا تفهم حق الفهم إلا بمعرفة الله وتوحيده، فإنه سبحانه لا يريد بعباده إلا الخير والرحمة، ولو تسلط الأعداء في وقت ما فإن عاقبة هذا التسلط‏ هي ‏الخير والتمكين؛ وذلك أن المؤمنين عندما يتسلط عليهم أعداؤهم وينالونهم بالأذى يدركون من واقع قوله تعالي: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أن ما أصابهم إنما هو بذنوبهم فيكون الخير في تسلط الأعداء هو تغيير ما بالنفوس من خلل وإحداث التوبة والاستغفار، وترك ما أوجب حلول المصيبة وهذا خير في حد ذاته، لم يكن ليظهر لو استمر النصر والتمكين مع وجود المعاصي وضعف الإيمان، وهذا هو معنى السنة الثابتة التي لا تتغير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

إن من أكبر أسباب النصر: إحسان الظن بالله عز وجل، والثقة في حكمته ورحمته، وأنه ناصرهم لا محالة، وهذا بدوره يبث الأمل في النفوس ويبث الأمل في الأمة بأن المستقبل لهذا الدين مهما تسلط أعداؤه عليه وكادوا له: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾.

ألا وإن من أسباب النصر: إدراك أن العاقبة للمتقين بكل ما تعنيه من معنى وشعور، فإن وعد الله لا يتخلف، وكلمته لا تتبدل، وإن تأخر وأبطأ فلحكمة يعلمها الله، فقد يتأخر النصر «لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد ولم يتم تمامها، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكًا.

وقد يتأخر النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة وآخر ما تملكه من رصيد.

وقد يتأخر النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها.

وقد يتأخر النصر لتزيد الأمة من صلتها بالله وهي تعاني وتتألم وتبذل.

وقد يتأخر النصر؛ لأن الأمة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها.

وقد يتأخر؛ لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا، وقد ينخدع به البعض لعدم إدراكهم لزيفه وفساده.

وقد يتأخر النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير، فلو انتصرت حينئذ للقيت المعارضة.

من أجل هذا كله ومن أجل غيره مما يعلمه الله قد يتأخر النصر، فتتضاعف التضحيات والآلام مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية».

إنه لا تزال كما قال - صلى الله عليه وسلم - «... طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» وهذه الطائفة تجتمع فيها أسباب النصر المعنوية والمادية، التي خلقها الله من علم صحيح وسلوك مستقيم، وأخذ بالمقدمات التي جعلها الله وسيلة موصلة إلى نتائجها المرجوة.

ألا وإن الخشية على الأمة ألا تؤدي دورها المرجو منها وإلا كان الهلاك ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ قال عليه الصلاة والسلام حين سُئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث» وعلى هذا فلابد للأمة من إيمان حقيقي يُربي النفوس على عدم الخوف من أحد مهما كان إلا الواحد القهار ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

لقد تحدى السحرة فرعون بالإيمان ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالذي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. وبهذا الإيمان صرح مؤمن آل ياسين: ﴿إني آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، أذن بها في سمع الدنيا فقتلوه ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ﴾.

وكذلك استعلى بالإيمان أصحاب الأخدود ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.

ومما يجب أن تدركه الأمة كذلك: فهم حقيقة التوكل وأنه من الإيمان الحق ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾.

جاء في الأثر: «من أجب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتقِّ الله».

ومن أسباب النصر: تفويض الأمور إلى الله بعد بذل الأسباب الممكنة شرعًا، ومن فوّض أمره إلى الله وقاه وهداه، انظر إلى تفويض مؤمن آل فرعون ونتائجه وهو القائل: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْري إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾.

ومن ذلك: الصبر على الأذى: ﴿... حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، إن الصبر على الضراء والشكر على السراء فوق ما فيه من تقوية للمؤمن فهو يقطع عنه كل علاقة بعطاء الدنيا ولا يتضجر من البلاء «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» ولله در القائل حيث قال لما ضاقت به السبل ثم انفرجت:

ولرب نازلة يضيق بها الفتى

ذرعًا وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فرجت وكنت أظنها لا تفرج

ومن الأسباب في استجلاب النصر الدعاء فهو أمضى سلاح فرطت فيه الأمة، والله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادي عَنِّى فَإني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لي وَلْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، والله تعالى هو المدعو عند الشدائد والمرجو عند النوازل ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. فهو ﴿خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. إن الضعيف يقوى إذا احتمى بالله وركن إليه، فالدعاء الدعاء فالأمة أحوج ما تكون في ظلمتها إلى صلاة في جوف الليل، وأنة في سَحر في وقت التنزل الإلهي، ورفعة يد إلى السماء بأن ينصر الله الإسلام والمسلمين.

على الأمة أن تراجع نفسها في علاقتها بربها؛ عبادة ومنهج حياة ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ إني هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.

يقول ابن جبير عن أبيه: لما فتحت قبرص فُرق بين أهلها فبكى أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء صاحب رسول الله جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هم أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى. إن المؤمن لا يهاب ولا يخاف، يضحك للموت إن أتاه ويبكى إذا نأى عنه الاستشهاد.

المؤمنون على عناية ربهم يتوكلون

لا خوف يفزعهم ولا هم في الحوادث يحزنون

لو مر أضعفهم على فرعون يحتز الرؤوسا

لأراك في الإفصاح هارونًا وفي الإيمان موسى

المؤمن الوثاب تعصمه من الهول السكينة

والخائف الهياب يغرق وهو في ظل السفينة

ومن أسباب النصر: تجرد الكلمة والهمة والسيف لله تعالى، فما كان لله يبقى ومن أخلص لله هانت في نفسه عوائق الطريق وتلذذ بما يصاب في الله تعالى.

وختامًا: لا يزال صلاح آخر الأمة ممكنًا بإذن الله بما صلح به أولها، فلدينا رصيد الفطرة والتجربة، ولدينا الطموح الكبير لإعادة العزة لمجتمع المسلمين ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

والحق منصور وممتحن فلا

تعجب فهذي سنة الرحمن

والحمد لله أولاً وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد آله وصحبه وسلم.

* * * *