يا من تماطل في الدَّين قف ()

 

|

 يا من تماطل في الدين قف

سليمان بن عبد الكريم المفرج

يا من تماطل في الدين قف!!

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:

إن المال نعمة من نعم الله تستوجب شكره سبحانه، وقد خلقه الله ليصرف في وجهه الصحيح، وليتوصل به العبد إلى مصالح الدين والدنيا وهو سلاح ذو حدين إن أحسن العبد التصرف فيه كان بركة له وإن لم يحسن ذلك فهو وبال عليه في الدنيا والآخرة.

هذا ولا يذم المال لذاته فهو خير على وجه العموم وهو قوام الآدمي كما قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5].

وقال صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للعبد الصالح».

وقد تنافس الصحابة عليه فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب أهل الدثور والأموال بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضول أموال يتصدقون بها.

قال سعيد بن المسيب: (لا خير فيمن لا يريد جمع المال في حله يكف به وجهه عن الناس ويصل به رحمه ويعطي منه حقه).

وقال أبو إسحاق السبيعي: (كانوا يرون المال عونًا على الدين).

وقال سفيان: (المال في زماننا هذا سلاح المؤمن).

وقال ابن قدامة: (وحاصل الأمر أن المال حية فيها سم وترياق، فترياقه فوائده، وغوائله سمه، فمن عرف فوائده وغوائله أمكنه أن يحترز من شره ويستدر من خيره، أما فوائده الدنيوية فالناس يعرفونها ولذلك تهالكوا في طلبها أما الدينية فهي كثيرة لا حصر لها وقد شرد منها كثير من الناس!!).

وفي هذه العجالة أتحدث عن مشكلة اجتماعية، تشكل جرحًا عميقًا وأثرًا بليغًا في أوساط المجتمع، تدل على قسوة القلب وضعف الإيمان، ضربت جذورها في رقعة واسعة، طالما جلبت همومًا وأحلت غمومًا، وأورثت حرجًا لعلكم تعرفونها، إنها ظاهرة التساهل بالديون وعدم ردها إلى أصحابها.

لا أدري من أين سنتناول هذه القضية وكيف سنتقصي أبعادها وما الطريق إلى لَم شعثها وعلاج مرارتها.

من أين أبتدئ الحكاية يا أخي

كلها غصص تثير كوامن الأشجان

الكلام عن الديون طويل والتعمق فيها عليل، والمسألة تدور بين الدائن والمدين فكلاهما عانيا الأمرين في سبيل المطالبة بحقه أو تبرئة ذمته.

أما الدائن الصادق والمدين الوفي فللاختصار لن أطيل الحديث عنهم، وأكتفي بالكلام عن المدين المماطل الذي يلوذ تارة ويكذب تارة ويخون تارة وينكر أخرى، يجرح أحيانًا ويحرج أيامًا، ويبخس شرًا ويظلم دهرًا.

* معاشر المسلمين:

الدين شين ذل بالنهار وهم بالليل، وصدق من قال: وثقلت الحديد والموازين فلم أجد أثقل من الدين، وذقت المرارات كلها فلم أجد أمر من الحاجة إلى الناس.

لقد تساهل الناس في الديون اليوم تساهلاً ملفتًا للنظر مع أن أمر الدين عظيم في الإسلام وعاقبته وخيمة إن لم يكن مضبوطًا بضوابط شرعية.

إن الدين، من عقود الإرفاق والقربة، وقد ندب الشارع الحكيم إليه لأنه من باب التيسير على المعسرين والتوسعة على المحتاجين والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].

وقال صلى الله عليه وسلم: «من يسر على مسلم في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

فالدائن مأجور على فعله وتفريجه لكربة أخيه والمدين إن كان محتاجًا له ينوي سداده إن يسر الله عليه فهو في عون الله وليبشر بخير فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه».

وإذا كان الله سيؤدي عنه فلا تسأل عن كرم الله حينئذ فالله إذا وعد أنجز الوعد ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3].

وكان عليه الصلاة والسلام يخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «من ترك مالاً فلورثته ومن ترك عيالاً أو دينًا فعليَّ وإلي وأنا ولي المؤمنين».

وقال صلى الله عليه وسلم: «من حمل من أمتي دينًا ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليُّه» متفق عليه.

وأخرج أحمد عن ميمونة أنها استدانت دينًا فقيل لها: تستدينين وليس عندك وفاؤه؟ قالت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من أحد يستدين دينًا يعلم الله عز وجل أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه». وفي رواية: «أعانه الله» رواه أحمد.

وهذا هو الأصل في المسلم إذا استدان أن يرد ما أخذه ويجتهد قدر وسعه في تحصيله وإعادته إلى صاحبه مهما كلفه ذلك لا سيما إذا كان في الدين قد سمي أجله وعلم وقت سداده.

هذا الأول وهو الدائن وهذا هو الثاني وهو المستدين إن صدقا وأخلصا بورك لهما وأجرا على فعلهما، أما الثالث فهو من يستدين ولا يوفي ويعد ولا يفي وهو الذي نحن بصدد الحديث عنه وتقبيح فعله، نتطرق إليه ويحدونا الأسى ويقطعنا الألم، وكم كنا نتمنى أنه لا يوجد أمثاله في مجتمعنا وكم نغض الطرف عمن وجد من أشكاله ولكن لكل شيء حدود وقد اتسع الخرق على الراقع وما أكثر الذين يفعلون مثله ويتزيون بزيه.

لهذا وذاك كان لا بد من التطرق إلى هذه الحركة البشعة ألا وهي (الاستدانة بنية عدم الوفاء والممطالة النكراء) فإلى كل من يستدين ولا يفي رسالة من الأعماق مجللة بأحر التعازي على موت الضمير وانعدام الخوف من النذير أشدد فيها النكير وأسأل الله المولى القدير أن يجعل بهذه الكلمات فرجًا وأن يفتح بها مخرجًا وأسأل أن تدخل شغاف النفس وتعمل بها لترجعها إلى الطريق المستقيم قبل دخول الرمس.

فيا رعاك الله إن هذه الطريقة ظاهرة سيئة ومؤلمة لها شؤم عظيم وخطر جسيم أتوقع أنك تعرف كنهها أكثر مني وليس من أخبر كمن عاين.

تأتي وكأنك حمل وديع وتدعي الحاجة فتطلب ألفًا أو ألفين أو أكثر أو أقل والموعد آخر الشهر، فمسكين أنت يا آخر الشهر الظلم تعدى إليك، ظلموك وجعلوك شماعة تعلق فيها الذمم الكاذبة الخائنة، ثم يذهب الشهر والشهران والسنة والسنتان، فهل فكرت بسداد ما عليك؟! هل تذكرت حالك عندما طلبت المال من صاحبه؟! هل قارنت حالك الآن وأنت تتجاهله؟! كم تناسيت اليد الحانية التي خلصتك من مأزق بإذن الله. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! وإذا رمقك صاحب الدين أدرت الوجه والمنكب والعينين، وإذا طالبك به قلت له: بعد أسبوع أو أسبوعين، وإذا عاودك قلت: بعد يوم أو يومين وإذا ألح بحقه سئمت منه وقلت له: أزعجتنا على ألف وألفين!!

يأتيك يحلف إنه بك واثق

وإذا توارى عنك فهو العقرب

يعطيك من طرف اللسان حلاوة

ويروغ منك كما يروغ الثعلب

إن صاحب الحق اليوم إذا لم يطالب بحقه فإنه يضيع والواقع شاهد بذلك، بل يا ليت أنه يحصل على شيء إذا طالب بحقه، لأنه قد يتعب نفسه بدون طائل والواقع أيضًا دليل على ذلك.

ولكن الضرورة أحيانًا تدفعه إلى أخذ حقه فإذا ما أتى إليك كان يمشي على استحياء لأن المجتمع أجبره على ذلك. وأنت تتهرب منه، الطامة الكبرى إذا سمح لك ضميرك أن تنكر الحق كله عيانًا بيانًا، فإن ذهب المسكين يشكوك أحرجه الناس، وإن سكت فلن يحصل على شيء لأن حقه أصبح كقطيع عدا عليه ذئب في غفلة الراعي فما ظنك بحال القطيع بعد هذا العدو؟ أظن الطفل يعرف الحال، ولكن الذئب لو سألته وهو أعرف لتجاهل المقال فحسبنا الله الكبير المتعال.

أعلمه الرماية كل يوم

فلما اشتد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي

فلما قال قافية هجاني

أما علمت أن هذا من المماطلة، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «ومطل الغني ظلم» متفق عليه.

أما يزجرك قوله صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله» رواه البخاري.

ولا تسأل عن معنى (أتلفه الله) فأنت أعلم الناس بها، ألا ترى مشاكلك مع زوجك وأولادك؟ ألا ترى أن دخلك الشهري يفوق العشرة آلاف ريال وليس فيه بركة؟ ألا ترى نفور الناس منك؟ ألا ترى عدم توفيق الله لك؟ حياتك مريرة وفي الليل تغشاك القشعريرة صدرك ضيق، هموم في وظيفتك وغموم في منزلك وتضارب في نفسيتك وانفصام في شخصيتك، تزعم أنك سعيد والموت أقرب إليك من حبل الوريد، أسألك ألا تعيش هذه الأحوال في كل أيامك؟ حتمًا ستقول: بلى. لماذا؟ لأن كل ذلك يدخل في قوله آنفًا (أتلفه الله)؟ إذن فالأمر ليس بالهين ولكن بما ضعف الإيمان وقل الخوف من الرحمن حسبته كذلك ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].

أخي: إن حقوق الله عظيمة والإنسان خطاء لكن قد يخرج من حق ربه وخطئه عليه بالتوبة الصادقة، أما الحقوق بينه وبين العباد فلا مناص من أدائها قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي لا يتقاضى فيه بالريال ولا بالدينار إنما بالحسنات والسيئات.

أخي: إن الديون أمانة في عنقك، والله ﴿يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]، ﴿لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].

ولا تتصف ببعض صفات اليهود والنصارى فقد قال الله عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: 75].

(أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)، ولا إيمان لمن لا أمانة له، ومن ضيع الأمانة ورضي بالخيانة فقد تبرأ من الديانة.

وارع الأمانة والخيانة فاجتنب

واعدل ولا تظلم يطيب المكسب

إذا قلت في شيء (نعم) فأتمه

فإن (نعم) دين على الحر واجب

وإلا فقل (لا) تسترح وترح بها

لئلا يقول الناس إنك كاذب


وليكن لسان حالك:

أرعى الأمانة لا أخون أمانتي

إن الخؤون على الطريق الأنكب

واعلم أن شهيد المعركة مع ما له من المزايا العظيمة والأجر الجزيل والمرتبة العالية لا يسلم من تبعة الدين يقول صلى الله عليه وسلم: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» رواه مسلم.

اعلم رعاك الله أن التهاون في الدين يقسي الفؤاد ويعمي البصيرة ويورث العداوة ويجلب الهم، فحذار حذار أن تتساهل فيه فكل واحدة مما ذكر توجع القلب وتجر إلى الشقاء.

اعلم حفظك الله، أن الدين يلاحق المدين حتى في قبره فهو من أسباب عذاب القبر، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على من عليه دين حتى يقضى عنه إلا أنه بعد الفتوحات الإسلامية والغنائم صار النبي صلى الله عليه وسلم يسد دين المدين ثم يصلي عليه، وقد ورد أن رجلاً مات وعليه دين، قيل: ديناران وقدمه أهله ليصلى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل عليه دين؟» قالوا: نعم. قال: «صلوا على صاحبكم» فتكفل أحد الأنصار وهو أبو قتادة بالسداد عنه فصلى عليه رسول الله، فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي قتادة: «هل قضيت ما على صاحبك؟» قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآن بردت عليه جلدته» أي في القبر.

فانظر أخي إلى خطورة الدين. هذا مع عدم التهاون فيه فكيف مع التهاون وكيف مع المماطلة!! بل إن الدين يلحق صاحبه فيحبسه ويأسره عن الجنة، ورد عن سعد بن الأطول أن أخاه مات وعليه دين وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالاً قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخاك محبوس بدينه فاذهب واقض عنه فذهب وقضاه» رواه أحمد وابن ماجه.

وورد عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فلما انصرف قال لأهله: «إن صاحبكم مأسور بدينه عن الجنة فإن شئتم فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله، فذهب أهله وتحروا حتى قضوا دينه» رواه أبو داود والنسائي.

أخي الكريم: إن بعض الناس يحسبون المماطلة تجارة وحنكة وذكاء فتراهم يبرعون في التخطيط لتصريف الدائن ومماطلته بشتى الوسائل، وإنهم وإن استطاعوا الإفلات من صاحب الدين إلا أنهم لن يفلتوا من قبضة الجبار جل جلاله.

فخف القصاص غدًا إذا وفيت ما

كسبت يداك اليوم بالقسطاس

في موقف ما فيه إلا شاخصًا

أو مهطعٌ أو مقنع للراس

إن تمطل اليوم الحقوق مع الغنى

فغدًا تؤديها مع الإفلاس

إياك أخي وموت الضمير فهو والله مصيبة وطامة كبرى، فإن الذمم ما دامت مشغولة بالحرام فهذا والله من الحرمان، ووالله لو أن الإنسان تفكر في هذه الدنيا وسرعة زوالها وانقضاء أيامها وأن الموت أمامه لما أكل مالاً حرامًا ولو كان ريالاً واحدًا، ولكن القلوب مريضة غرتها الدنيا بحلاوتها والتي هي حلاوة ممزوجة بمرارة.

والله لو أن القلوب سليمة

لتقطعت أسفًا من الحرمان

لكنها سكرى بحب حبيبها

أو بالملذة والحطام الفان

إن الإنسان بلا ضمير يدله على الخير، فإن مطمع الشيطان فيه كبير فكيف بمن مات ضميره فإن فرصة الشيطان في الطمع ستكون أكبر.

نسي الخير حين أوغل في الشر

فداس الضمير في عصيانه والمكر

أخي المبارك إياك والظلم فعاقبته وخيمة ومرده مخز وفاضح.

إياك والظلم مهما استطعت

فظلم العباد شديد الوخم

فأكل أموال الناس بهذه المماطلة من أكبر الظلم والظلم ظلمات يوم القيامة، إننا لنحزن يا أخي عندما نرى هذه الصورة التي تتكرر مع الكثيرين من الناس، فزمجر الظالمون وأصبح لهم صولة وجولة إما لأنهم وجدوا من يناصرهم أو يحميهم أو لسكوت المجتمع عنهم أو لعجز المظلوم عن أخذ حقه منهم، فطغى المدين لما رأى ذلك وربما استغل طيبة صاحب الدين فكأن لسان حاله يقول:

خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري

فاستغل الظالم هذه الظروف ليفتل عضلات التسلط، ولكن من السبب في هذه المماطلة المشينة؟ إن الكثير منا يعزوه إلى الزمان فيقول: الزمان فسد والزمان تغير، ووالله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ [الكهف: 5].

يقولون الزمان به فسادٌ

وهم فسدوا وما فسد الزمان

وكم نرى ونسمع من الحكايات ما يتفطر له القلب ألما وأسى، ويندى له الجبين خجلاً ونقف حيارى مكتوفي الأيدي نطالع فقط ولا نجد حلاً قاطعًا لهذه الظاهرة البشعة من العدوان والتضييق وإهدار الحقوق.

ولو سألت كل واحد منكم لقال: لي دين عند فلان ولم أحصل عليه بعد أو قال: عليَّ دين ولم أوفه إلى صاحبه بعد، إلا أن يشاء الله، والدين نفسه قد لا يكون مشكلة إذا اضطر إليه الإنسان ولكن المشكلة الكبيرة أن يماطل في سداده، وإلا فالكثير منا عليه ديون ولكن يبقى السؤال هل المدين يفي أو يماطل؟!

وهذا هو بيت القصيد ومحط الركب فيا أخي يا من تماطل اتق دعوة من به تماطل فدعوته مستجابة يرفعها الله فوق الغمام ويقول الملك العلام: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).

كان البرمكي سلطانًا ظالمًا غاشمًا يأكل حقوق الناس ويأمر وينهى وفي يوم من الأيام انقلب عليه ملكه وسلبت أمواله وعزل عن الحكم وأودع السجن فزارته ابنته في السجن وهي تبكي وتقول: يا أبت قد كنا في عز فما بالنا اليوم في ذل؟ قال: يا بنية دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون ثم أنشد وكان شاعرًا:

رب قوم أمنوا زمنًا

والدهر ريان غدق

سكت الدهر زمانًا عنهم

ثم أبكاهم دمًا حين نطق

وحكي أن الرشيد حبس أبا العتاهية ظلمًا وسلب حقه عدوانًا، فكتب أبو العتاهية على جدار السجن:

أما والله إن الظلم شؤم

وما زال المسيء هو الظلوم

إلى الديان يوم الدين نمضي

وعند الله تجتمع الخصوم

ستعلم في الحساب إذا التقينا

غدًا عند المليك من الظلوم

تنام ولم تنم عنك المنايا

تنبه للمنية يا نؤوم

لهوت عن الفنا وأنت تفنى

وما حي على الدنيا يدوم

تروم الخلد في دار المنايا

وكم قد رام غيرك ما تروم

سل الأيام عن أمم تقضت

ستخبرك المعالم والرسوم

فأخبر الرشيد بذلك فبكى بكاءً شديدًا ودعاه واستحله ووهب له ألف دينار لحبسه له دون موجب شرعي.

وحقًا: إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك.

يقول صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة» فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله قال: «وإن قضيبًا من أراك» أي وإن كان مسواكًا.

وهذا أحد الطغاة المعاصرين ممن يتلذذون بسلب الأموال والتطاول على أولياء الرحمن – ولا داعي لذكر الأسماء – كان يعذب المؤمنين ويقول لهم وهم يستغيثون الله ويتبجح بقوله: أين إلهكم الذي تستغيثون به لأضعنه معكم في الحديد – جل الله وتعالى عما يصفون - ويخرج ويركب سيارته وظن أنه بعيد عن قبضة الله، وإذ به يرتطم بسيارة كبيرة ليدخل الحديد في جسده فما يخرجونه منه إلا قطعة قطعة وصدق القائل:

كل نطاح من الناس له يوم نطوح

نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح

وهذا مماطل آخر سلب الإمام أحمد وأهانه وعذبه فرفع الإمام أحمد يديه إلى من ينصر المظلوم وقال: اللهم إنه ظلمني وما لي من ناصر إلا بك، اللهم احبسه في جلده وعذبه، فما مات هذا الظالم حتى أصابه الفالج فيبس نصف جسمه وبقى نصفه الآخر، دخلوا عليه وإذ به يخور كما يخور الثور ويقول: أصابتني دعوة الإمام أحمد: ما لي وللإمام أحمد ما لي وللإمام أحمد: ثم يقول: والله لو وقع ذباب على نصف جسمي لكأن جبال الدنيا قد وقعت عليه، أما النصف الآخر فلو قرض بالمقارض ما أحسست به، فالله أكبر: كيف بك أيها المماطل لو رفع المدين يده في آخر الليل ووجه لك سهمًا لا يخطئك وقال: اللهم إنه ظلمني وأكل مالي وما لي من ناصر إلا بك، بل وتخيل نفسك وأنت تصرخ وتقول: ما لي لفلان ما لي لفلان عندما تقع عليك عاقبة الظلم.

أخي الفاضل: إياك وإحراج صاحب الدين فإن بعض أصحاب الديون عندهم حياء لا يجرئه حتى على طلب دينه، وربما ترك بعض حقه لأنه محرج وقد يتنازل عنه، فانتبه رعاك الله واعلم أن ما أخذ بسيف الحياء فهو باطل.

أخي تجنب الكذب ولا تحلف به وإياك ثم إياك أن تجعل الله عرضة ليمينك فالدنيا لن تغني عنك شيئًا.

يقول صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان».

لا يكذب المرء إلا من مهانته

أو عادة السوء أو قلة الأدب

والكذب كرة ثلجية تكبر كلما دحرجتها وحبل الكذب قصير.

أخي استشعر أنك بمماطلتك تتعرض لسخط الله ومقته واعلم أن من تجرأ على إسخاط ربه وتساهل بحقوق عباده فهو سفيه لا يعرف مصلحة نفسه ولا الطريق لنجاته وهو غير راشد في تصرفه، والله له سطوات وانتقامات ليست بعيدة من ظالم عبده.

أخي عامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملوك به، ولا تكن أنانيًا تريد الناس أن يعاملوك بأفضل معاملة ولا يهمك أن تعاملهم بأدنى معاملة، ولتكن منصفًا من نفسك فإما أن تكف عما تفعل أو ترضى بأن يفعل فيك مثلما تفعل ولا شك أن الأول أسهل.

ومن الجفاء أن تعامل الناس بنقيض ما يعاملونك به وهذا من التطفيف في الكيل والبخس من الوزن والله يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].

يقول عمر بن الخطاب في خطبته: (لا يعجبنكم من الرجل طفطفته ولكن من أدى الأمانة وكف عن المماطلة فهو الرجل).

أخي: لابد من مخافة الله ومراقبته وتقواه فإن تقوى الله تعالى تمنع صاحبها من ارتكاب المعاصي كلها، وتكون واقيًا له من الانغماس في الشهوات؛ لأن العبد كلما هم بمعصية جعل أمامه ربه كأنه يراه فخاف منه فانزجرت نفسه عن الوقوع فيما نهاه.

وإذا خلوت بريبة في ظلمة

والنفس داعية إلى العصيان

فاستح من نظر الإله وقل لها

إن الذي خلق الظلام يراني

يقول أحد السلف: إن العبادة ليست في كثرة صلاة وصيام ولكن بالصدق مع الله وعدم مماطلة عباده.

أخي: إياك وإخلاف الوعد فقد سئمنا والله منه في أفراد مجتمعنا، وهو خصلة من خصال المنافقين كما قال الصادق الوفي الأمين: «آية المنافق ثلاثة -ذكر منها- إذا وعد أخلف».

فإن قلت (نعم) فاصبر لها

بنجاح الوعد إن الخلف ذم

واعلم بأن الذم نقص للفتى

ومن لا يتق الذم يذم

بادر أخي إلى الوفاء واتق الله جل وعلا، وإننا لنشكو أوضاع المسلمين وقلة وفائهم إلى الله.

غاض الوفاء من الصدور فظله

في الناس ظل الجود في البخلاء

عش ألف عام للوفاء وقلما

ساد امرؤ إلا بحفظ وفائه

فيا من أعله المرض والسقم ويا من في صدره ألم ويا من صارت مشاكله مع أسرته علم، ويا من ركبه الدين وادلهم فأتلفه الله من كل وجه ولم يخصص بل عم أتريد الراحة بعد السقم والنور بعد العتم، والفرحة بعد الندم؟ أقبل على ذي الجلال والكرم وقل: اللهم إني أدفع ما حل بي من هم وبلاء بالتضرع إليك والدعاء، اللهم أصلح حالي وصف قلبي وأعني على نفسي واجعلني لا آكل غير حقي، إلهي ما عندي وعندهم يفنى وما عندك يبقى فتب علي ولا تجعل لي نصيبًا من النار ولا حظًا.

خفض عليك من الديون فإنما

يحظى براحة دهره من خفضا

أخي حفظك الله: بينما أنت كذلك أتجه بك إلى أناس لم يكن للشيطان عليهم سلطان، استدانوا مثلك ولكن لديهم ضمير حي وإيمان قوي، يعدون ويوفون، ويقولون ولا يكذبون، يرون الدين جمرة في حلوقهم تكويهم وتحدوهم إلى السداد، يتقلبون في فرشهم عندما يتذكرون الدين وإليك هذه الصور المشرفة:

* القصة الأولى:

اشترى رجل من رجل عقارًا، فوجد المشتري في العقار جرة من الذهب، فأخذه وذهب إلى البائع وقال له: خذ ذهبك إنما اشتريت منك العقار فقط، ولم أشتر منك الذهب، قال البائع: لقد بعتك العقار بما فيه: (كلّ يريد أن يسلم ويتورع).

فتحاكما إلى رجل فقال لهما: ألكما ولد؟ قال أحدهما: نعم لي ولد، وقال الآخر: لي بنت، قال الحاكم: زوجا الولد بالبنت من هذا المال، وما بقي لهما، ففعلا ذلك، فيا له من حكم ويا لها من خصومة!!

وسبحان الله إن الأحداث في عصرنا هذا شاهدة بأن المستدين يحاول الفرار بما معه من مال كي لا يسد صاحب الدين إلا من رحمه الله، ولا تستغرب إذا أرسل المدين عليك من يطلب منك أن تسامحه في الدين كله؟! وإذا لم تستح فاصنع ما شئت!!

* القصة الثانية:

ذكر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني إسرائيل سأل آخر أن يسلفه ألف دينار، فقال له: ائتني بشاهد أشهده قال: كفى بالله شهيدًا، قال ائتني بكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت. فأعطاه ألف دينار إلى أجل مسمى.

ذهب الرجل عبر البحر إلى قريته، ولما حان الأجل المسمى كان لزامًا على الرجل أن يرد الدين لأنه جعل الله شهيدًا وكفيلاً، فبحث عن مركب يعبر به البحر فلم يجد، فأخذ خشبة فنقرها وأدخل فيها ألف دينار ومعها ورقة مكتوب فيها كلام لصاحب الدين، ثم وضع الخشبة في البحر وقال: اللهم إنك قد علمت أني استلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً فرضي، وسألني شهيدًا. فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضي، وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه بالذي أعطاني، فلم أجد، وإني استودعتك هذا المال، فلما رمى الخشبة إلى البحر ولجت فيه، ثم انصرفت وهو يبحث عن مركب، وصاحب الدين خرج إلى البحر ينتظر المدين لعله يأتي على مركب، لأن المدين ودعه أن يحضر المبلغ في الموعد، فإذا الخشبة التي رماها المدين أمامه، فأخذها ليجعلها حطبًا للنار، فلما كسرها وجد المال والورقة، ثم بعد فترة قدم المدين ومعه ألف دينار يريد أن يعطيها صاحب الدين ولم يعلم أن الخشبة وصلت قبله، وقال لصاحب الدين معتذرًا عن التأخير: والله ما زلت جاهدًا أبحث عن مركب لآتيك بالمال فما وجدت، قال صاحب الدين: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: نعم. قال صاحب الدين: قد وصل وإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بألفك راشدًا.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه» الله أكبر إنها أمانة قل مثيلها فلله درك من دائن ولله درك من مدين، إنها صورة تحمل في طياتها الأمل تارة لمن أراد التأسي بها، وتحمل الألم أخرى لمن لم يتسع عقله لإدراكها والعمل ولو بأقل منها.

* القصة الثالثة:

عن جابر t، أن أباه استشهد يوم أحد وترك ست بنات، وترك عليه دينًا مقداره ثلاثون وسقا فطالبه الغرماء بحقوقهم، فلما حضره جداد النخل قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينًا كثيرًا وإني أحب أن يراك الغرماء. قال: «اذهب فبيدر كل تمر على حدة» ففعلت، ثم عدت، فغدا رسول الله حين أصبح فلما نظر ورأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرًا ثلاثًا ودعا في ثمرها بالبركة.

ثم جلس عليه ثم قال: ادع أصحابك فما زال يكيل لهم حتى أدى أمانة والدي، وأنا والله راضٍ أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة فسلمت والله البيادر كلها حتى أني أنظر إلى البيدار الذي عليه رسول الله كأنه لم ينقص تمرة واحدة، فوافيت مع رسول الله المغرب فذكرت له ذلك فضحك وقال: «ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما، فقالا: لقد علمنا ما صنع رسول الله» رواه البخاري وغيره.

* القصة الرابعة:

دخل ثلاثة من بني إسرائيل في غار فانطبقت عليهم الصخرة ولا سبيل للخروج فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أجراء فأعطيت كل واحد منهم أجره، إلا واحدًا تركه أمانة عندي وذهب، فلما عاد بعد زمن طويل قال: أين الأمانة؟ قلت: هذه هي الأمانة وادٍ من الإبل والبقر والغنم. قال: أتهزأ بي يا عبد الله؟ قلت: لا. فاستاقه كله ولم آخذ منه شيئًا. اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك وابتغاء مرضاتك اللهم فافرج عنا ما نحن فيه من هذه المحنة فاستجاب الله دعاءه فكان فعله سببًا للفرج عنهم وكشف كربتهم. فانظر أخي إلي الأمانة عند هؤلاء ولتقتد بهم.

ذكر لي أحد المعلمين أن رجلاً أتاه ومعه ريالا واحد وقال له: هذا الريال لك أخذته منك قبل عشرين سنة عندما كنت طالبًا في المدرسة فأخذه المعلم والدهشة تعلوه ولم يكن همه الريال ولكن كان جل همه هذه الأمانة الفريدة فلله درك من مدين.

أخي أين أنت من الذي دخل السوق فاشترى سلعة ثم لما أراد أن يدفع قيمتها لم يجد في جيبه ولا ريالاً واحدًا، فلم يأخذها رغم أن البائع قال له أحضر المبلغ في وقت لاحق إلا أنه أبى وقال: لا أدري والله هل سأرجع إليك أو تخطفني المنايا فتركها وانصرف.

أين أنت من الذي اشترى السلعة وقيمتها ريال واحد وكان معه خمسون ريالاً فدفعها إلى البائع فاعتذر البائع بأنه ليس معه صرف وقال له: أحضر الريال فيما بعد قال: لا أدري أأعود إليك أو لا، ولكن خذ أنت الخمسين وبدل أن يبقى علي ريال يبقى عليك تسعة وأربعون ريالاً، إن عدت إليك أخذتها وإن لم أعد فأنت في حل منها. الله أكبر، إنها خشية الله ومراقبته.

الموت لنا بالمرصد

إن لم يفاجئ اليوم فاجأ في غد

أيها المماطل وبعد أن علمت شناعة مماطلتك وقبح عاقبة فعلك وما ورد من الوعيد الشديد في حقك، لا يسعك إلا أن تتوب إلى الله واعلم أنك إن ضحكت اليوم على الناس فلن تضحك على رب الناس، واعلم أنك إن لم تتب فإن من لديهم حقوق عليك سيخاصمونك أمام العدل الإلهي فهذا يأخذ بيدك وهذا يقبض على ناصيتك وهذا يتعلق برقبتك فمن قائل: يا رب لقد ظلمني. ومن قائل: إلهي أخذ أموالي، مطل حقي، أنكر ديني، كذب علي، فبينما أنت على تلك الحال المخيفة التي لا يرى فيها بعضك من كثرة من تعلق بك من الغرماء وقد ضعفت عن مقاومتهم، وقد كنت في الدنيا شديدًا عليهم ومددت عنق الرجال لعلهم يعفونك وقد كنت تسل سيفك لسانك فوق أعناقهم.

أين تفر إذا قرع سمعك نداء الجبار جل جلاله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: 17]، فعند ذلك ينخلع قلبك وتضطرب أعضاؤك، فما أكبرها من حسرة وما أعظمها من ندامة إذا شوفه المماطل بالخطاب فلم يقدر أن يرد حقًا ولم يستطع أن يظهر عذرا.

فأعدَّ لسؤال الله جوابًا وللجواب صوابًا، فإنك ستموت والسؤال ماذا بعد الموت؟

كأنك يا أخي بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق والجناح وقد علق، كم أخرج الموت نفسًا من دارها لم يدارها، وكم أنزل أجسادًا بجارها لم يجارها، وكم أجرى العيون كالعيون بعد قرارها.

يا معرضًا بوصال عيش ناعم

ستصد عنه طائعًا أو كارهًا

إن الحوادث تزعج الأحرار عن

أوطانها والطير عن أوكارها

نازله الموت ولم يحاشه، وأذله بالقهر بعد عز جاشه، وأبدله خشن التراب بعد لين فراشه، وخرقه الدود في قبره كتخريق قماشه، وبقي في ضنك شديد من معاشه، وبعد الصديق فكأنه لم يماشه، ما نفعه والله الاحتراز ولا ردت عنه الركاز وصار والله عبرة للمجتاز، وقطع شاسعًا من السبل والأوفاز، وبقي رهينًا لا يدري أهلك أم فاز، وهذا لك أيها المماطل بعد أيام، وما أنت فيه الآن أحلام، وما سمعت ستراه على التمام، ويحك أما يؤثر فيك الكلام!

فإن لم ينفع معك لا هذا ولا هذا فإني أحذرك من مغبة تصرفك.

من يزرع النار لم تسلم أصابعه

ومن يعش أهواجًا أودى به الهوج

أخيرًا أخي إني أعاتبك واسمح لي في هذا العتاب فقد بلغ السيل الزبى، وما حدا بي إلى ذلك إلا أنني أحبك وأريد الخير لك، فأنت قد تكون من إخواننا واصحابنا وزملائنا وعيب على الإنسان أن يرى صاحبه يماطل الناس ولا يتفضل عليه ولو بنصيحة.

ينبغي عليك أن تعود إلى الله وتنتهي من هذا العمل، واعلم أن قبول النصيحة والعظة حين قراءة هذه الكلمات فقط لا يجدي إن لم يترجم واقعيًا في حياتك.

وليس عتاب الناس للمرء نافعًا

إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه

* أيها الأحبة..

إن بعض الناس يريدون السداد والوفاء ولكن المشكلة أن الشيطان سول لهم بأنه ما دام في نيتهم الوفاء فليس عليهم شيء ويعتقدون أنهم من الذين يشملهم قوله صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه» فيتعللون بذلك ولكن هم في الحقيقة مفرطون مماطلون خدعهم الشيطان فأصبحوا يسوفون فهؤلاء وإن ادعوا أنهم لا يماطلون إلا أن تصرفاتهم تحكي أنهم معتدون، فمن صور تفريطهم أن يقول الواحد منهم لصاحب الدين: سأكتب الدين في الوصية قبل الموت وبعضهم يبدد ماله يمنة ويسرة يعمل الولائم بين حين وآخر التي تكلف الآلاف وربما كله مجاملة لفلان وعلان وإذا أتى صاحب الدين يطلبه قال: ليس معي الآن شيء.

وبعضهم يحلو له أن يجدد أثاث المنزل لأنه مضى عليه سنة واحدة فقط! فيتكلف ولا يسد صاحب الدين والأمثلة كثيرة، ولكن لو أنه استغل هذا المال وأعطى أصحاب الديون حقهم لنفس عن نفسه وارتاح من الدين ولكن!! أليس هذا من التفريط بل ربما المماطلة.

ومن هذا القسم أناس يذهبون إلي الحج وعليهم ديون حالة وقد كان الأولى أن يسد المدين الدين ولا يحج فيخفف عن نفسه من الدين، والأشد من ذلك أن بعض الناس – وهم كثر – يفتح حسابًا في البقالة التي بجوار بيته فيأخذ أهله منها ما هب ودب وفي آخر كل شهر يدفع المبلغ آلافًا أو يماطل فيها، إنها إحدى وسائل التفريط فيصبح ماله في يد غيره وربما أضاف صاحب البقالة ديونًا عليه من حيث لا يدري، وصدقوا إذا قالوا: المال السائب يعلم السرقة.

أيها الناس: إننا والله نريد أن نحظى بأجر الإقراض وتنفيس الكربة عن المحتاج ولكن اليوم لسان الواحد منا يقول: لن أقرض أحدًا ولو ريالاً لأنه سيكذب علي ولا يرد حقي، وهذا هو الواقع المرير الذي نحكي عنه، وصدق الناس حيث يقولون: الطالح أفسد على الصالح، فأصبحت ترى الناس صالحهم وطالحهم سواء في موضع الديون، ولا لوم عليك في ذلك.

ولما صار ود الناس حبًا

جزيت على ابتسام بابتسام

وصرت أشك فيمن أصطفيه

لعلمي أنه بعض الأنام

لذلك فإن المجتمع يعيش في فوضى اليوم من جراء الكذب وإخلاف الوعد والمماطلة وكل منا قد أخذ درسًا موجعًا من بعض الناس!

قل للثقات فما أدري بمن أثق

لم يبق في الناس إلا الزور والملق

وليس كلهم طبعًا ولكن أقول بعضهم.

أسأل الله أن تطرق هذه الكلمات أذن كل مماطل فتعمل في قلبه، وتبني قواعد الندم في نفسه.

اللهم ارزقنا الإخلاص واعصمنا من فتنة القول والعمل وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

وكتبه/ سليمان بن عبد الكريم المفرج

الجوغ – دومة الجندل – 15/2/1422هـ

جوال: 055389153