يوم في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم

د. عبد الملك القاسم

 المقدمة

الحمد لله الذي بعث رسوله بالهدى ودين الحق، والصلاة والسلام على إمام المرسلين المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن غالب الناس في هذا الزمن بين غالٍ وجافٍ، فمنهم من غلا في الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى وصل به الأمر إلى الشرك -والعياذ بالله- من دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاستغاثة به، وفيهم من غفل عن اتباع هديه - صلى الله عليه وسلم - وسيرته فلم يتخذها نبراسًا لحياته ومعلمًا لطريقه.

ورغبة في تقريب سيرته ودقائق حياته إلى عامة الناس بأسلوب سهل ميسر كانت هذه الورقات القليلة التي لا تفي بكل ذلك. لكنها وقفات ومقتطفات من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - وشمائله، ولم أستقصها، بل اقتصرت على ما أراه قد تفلت من حياة الناس، مكتفيًا عند كل خصلة ومنقبة بحديثين أو ثلاثة، فقد كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - حياة أمة وقيام دعوة ومنهاج حياة.. وهو عليه الصلاة والسلام أمة في الطاعة والعبادة، وكرم الخلق وحسن المعاملة، وشرف المقام، ويكفي ثناء الله عز وجل عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

وأهل السنة والجماعة ينزلون الرسول - صلى الله عليه وسلم - منزلته التي أنزله الله إياها، فهو عبد الله ورسوله وخليله وصفيه، يحبونه أكثر من أولادهم وآبائهم بل أكثر من أنفسهم لكنهم لا يغلون فيه ولا يطرونه وحسبه تلك المنزلة.

ونحن على هذا الأمر سائرون فلا نبتدع الموالد ولا نقيم الاحتفالات، بل نحبه كما أمر ونطيعه فيما أمر، ونجتنب ما نهى عنه وزجر.

فمبلغ العلم فيه أنه بشر

وأنه خير خلق الله كلهم

أغر عليه للنبوة خاتم

من نور يلوح ويشهد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه

إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله

فذو العرش محمود وهذا أحمد

وإن فاتنا في هذه الدنيا رؤية الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وتباعدت بيننا الأيام.. فأدعو الله عز وجل أن نكون ممن قال فيهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «وددت أنا قد رأينا إخواننا» قالوا: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض...»([1]).

أدعو الله عز وجل أن يجعلنا ممن يتلمس أثره - صلى الله عليه وسلم - ويقتفي سيرته وينهل من سنته كما أدعو الله عز وجل أن يجمعنا معه في جنات عدن، وأن يجزيه الجزاء الأوفى جزاء ما قدم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم


 الزيارة

سنعود قرونًا خلت ونقلب صفحات مضت، نقرأ فيها ونتأمل سطورها، ونقوم بزيارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته عبر الحروف والكلمات.. سندخل بيته ونرى حاله وواقعه ونسمع حديثه، نعيش في البيت النبوي يومًا واحدًا فحسب، نستلهم الدروس والعبر ونستنير بالقول والفعل.

لقد تفتحت معارف الناس وكثرت قراءتهم وأخذوا يزورون الشرق والغرب عبر الكتب والرسائل وعبر الأفلام والوثائق، ونحن أحق منهم بزيارة شرعية لبيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - نطل على واقعه جادين في تطبيق ما نراه ونعرفه، ولضيق المقام نعرج على مواقف معينة في بيته، علنا نربي أنفسنا ونطبق ذلك في بيوتنا.

أخي المسلم:

نحن لا نعود سنوات مضت وقرونًا خلت لنستمتع بما غاب عن أعيننا ونرى حال من سبقنا فحسب، بل نحن نتعبد لله عز وجل بقراءة سيرته - صلى الله عليه وسلم - واتباع سنته والسير على نهجه وطريقه، امتثالاً لأمر الله عز وجل لنا بوجوب محبة رسوله الكريم، ومن أهم علامات محبته - صلى الله عليه وسلم - طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر.

يقول الله عز وجل عن وجوب طاعته وامتثال أمره - صلى الله عليه وسلم - وجعله إمامًا وقدوة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([2]).

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾([3]).

وقد ذكر الله طاعة الرسول واتباعه في نحو من أربعين موضعًا في القرآن([4]) ولا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلا باتباع رسوله، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.

وجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حبه من أسباب الحصول على حلاوة الإيمان فقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...»([5]).

وقال عليه الصلاة والسلام: «فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده»([6]).

وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيرة عطرة زكية منها نتعلم وعلى هديها نسير.


 الرحلة

الرحلة إلى حيث بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورؤية دقائق حياته وأسلوب معاملته أمر مشوق للغاية كيف إذا احتسبنا فيه الأجر والمثوبة. إنها عظة وعبرة، وسيرة وقدوة، واتباع واقتداء، وهذه الرحلة رحلة بين الكتب ورواية على ألسنة الصحابة، وإلا فلا يجوز شد الرحال إلى قبر ولا بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا إلى غيره، سوى لثلاثة مساجد ذكرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»([7]).

ويجب أن نمتثل أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلا نشد الرحال إلا لهذه المساجد الثلاثة والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.

ونحن لا نتتبع آثار النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن وضاح: «أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة»([8]).

وقال ابن تيمية رحمه الله عن غار حراء: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل النبوة يتحنث فيه، وفيه نزل عليه الوحي أولاً، لكن من حين نزل عليه الوحي ما صعد إليه بعد ذلك، ولا قربه، لا هو ولا أصحابه، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة لم يزره ولم يصعد إليه، وكذلك المؤمنون معه بمكة، وبعد الهجرة أتى مكة مرارًا في عمرة الحديبية، وعام الفتح، وأقام بها قريبًا من عشرين يومًا وفي عمرة الجعرانة، ولم يأت غار حراء ولا زاره..»([9]).

ها نحن نطل على المدينة النبوية وهذا أكبر معالمها البارزة بدأ يظهر أمامنا، إنه جبل أحد الذي قال عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «هذا جبل يحبنا ونحبه»([10]).

وقبل أن نلج بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونرى بناءه وهيكله، لا نتعجب إن رأينا المسكن الصغير والفراش المتواضع فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أزهد الناس في الدنيا وكان متقللاً منها، لا ينظر إلى زخارفها وأموالها: «بل جعلت قرة عينه في الصلاة»([11]).

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - عن الدنيا: «مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها»([12]).

وقد أقبلنا على بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونحن نستحث الخطى سائرين في طرق المدينة، هاهي قد بدت حجر أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبنية من جريد عليه طين، بعضها من حجارة مرضومة([13]) وسقوفها كلها من جريد.

وكان الحسن يقول: كنت أدخل بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سقفها بيدي([14]).

 إنه بيت متواضع وحجر صغيرة لكنها عامرة بالإيمان والطاعة وبالوحي والرسالة!

***


 صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -

ونحن نقترب من بيت النبوة ونطرق بابه استئذانًا.. لندع الخيال يسير مع من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصفه لنا كأننا نراه، لكي نتعرف على طلعته الشريفة ومحياه الباسم.

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير»([15]).

وعنه رضي الله عنه قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء لم أر شيئًا قط أحسن منه»([16]).

وعن أبي إسحاق السبيعي قال: «سأل رجل البراء بن عازب: أكان وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل السيف؟ قال: لا بل مثل القمر»([17]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: «ما مسست بيدي ديباجًا ولا حريرًا، ولا شيئًا ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - »([18]).

ومن صفاته عليه الصلاة والسلام الحياء حتى قال عنه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كان - صلى الله عليه وسلم - أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه»([19]).

إنها صفات موجزة في وصف خلقة الرسول - صلى الله عليه وسلم -  وخلقه وقد أكمل له الله عز وجل الخلق والخلق بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -.


 كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -

أما وقد رأينا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعض صفاته، لنرا حديثه وكلامه، وما هي صفته وكيف هي طريقته لنستمع قبل أن يتحدث عليه الصلاة والسلام.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بين، فصل، يحفظه من جلس إليه»([20]).

وكان هينًا لينًا يحب أن يفهم كلمه، ومن حرصه على أمته كان يراعي الفوارق بين الناس، ودرجات فهمهم واستيعابهم، وهذا يستوجب أن يكون حليمًا صبورًا.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلامًا فصلاً يفهمه كل من يسمعه»([21]).

وتأمل رفق الرسول وسعة صدره ورحابته وهو يعيد كلامه ليُفهم.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعيد الكلمة ثلاثًا لتعقل عنه»([22]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يلاطف الناس ويهدئ من روعهم، فالبعض تأخذه المهابة والخوف.

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فكلمه فجعل يرعد فرائصه فقال له - صلى الله عليه وسلم -: «هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد»([23]).

***


 داخل البيت

أذن لنا واستقر بنا المقام في وسط بيت نبي هذه الأمة عليه الصلاة والسلام، لنجيل النظر وينقل لنا الصحابة واقع هذا البيت من فرش وأثاث وأدوات وغيرها.

ونحن نعلم أن لا ينبغي إطلاق النظر في الحجر والدور، ولكن للتأسي والقدوة نرى بعضًا مما في هذا البيت الشريف، إنه بيت أساسه التواضع ورأس ماله الإيمان، ألا ترى أن جدرانه تخلو من صور ذوات الأرواح التي يعلقها كثير من الناس اليوم؟ فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تصاوير»([24])، ثم أطلق بصرك لترى بعضًا مما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستعمله في حياته اليومية.

عن ثابت قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب، غليظًا مضببًا بحديد([25]) فقال: يا ثابت هذا قدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -([26]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يشرب فيه الماء والنبيذ([27]) والعسل واللبن([28]).

وعن أنس رضي الله عنه: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتنفس في الشراب ثلاثًا»([29]). يعني: يتنفس خارج الإناء.

ونهى عليه الصلاة والسلام «أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه»([30]).

أما ذلك الدرع الذي كان يلبسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جهاده، وفي معاركه الحربية وأيام البأس والشدة، فلربما أنه غير موجود الآن في المنزل، فقد رهنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير اقترضها منه كما قالت ذلك عائشة([31]) ومات الرسول - صلى الله عليه وسلم - والدرع عند اليهودي.

ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - ليفجأ أهله بغتة يتخونهم، ولكن كان يدخل على أهله على علم منهم بدخوله، وكان يسلم عليهم([32]).

وتأمل بعين فاحصة وقلب واع حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع»([33])، وألق بسمعك نحو الحديث الآخر العظيم «من أصبح آمنًا في سربه([34]) معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»([35]).

 الأقارب

لنبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - من الوفاء في صلة الرحم ما لا يفي عنه الحديث؛ فهو أكمل البشر وأتمهم في ذلك، حتى مدحه كفار قريش وأثنوا عليه ووصفوه بالصادق الأمين قبل بعثته عليه الصلاة والسلام، ووصفته خديجة رضي الله عنها بقولها: «إنك لتصل الرحم وتصدق...» الحديث.

هاهو عليه الصلاة والسلام يقوم بحق من أعظم الحقوق وبواجب من أعلى الواجبات، إنه يزور أمه التي ماتت عنه وهو ابن سبع سنين.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: زار النبي - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت»([36]).

وتأمل محبته عليه الصلاة والسلام لقرابته وحرصه على دعوتهم وهدايتهم وإنقاذهم من النار.. وتحمل المشاق والمصاعب في سبيل ذلك.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾([37])، دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريشًا فاجتمعوا فعمَّ وخصَّ، وقال: «يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها([38])»([39]).

وها هو الحبيب - صلى الله عليه وسلم - لم يمل ولم يكل من دعوة عمه أبي طالب فعاود دعوته المرة بعد الأخرى، حتى إنه أتى إليه وهو في سياق الموت: «لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال: «أي عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله عز وجل»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قال: فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به، على ملة عبد المطلب».

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأستغفرن لك مالم أنه عنك» فنـزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾([40]) قال: ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾([41])»([42]).

لقد دعاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته مرات ومرات، وفي اللحظات الأخيرة عند موته، ثم أتبعه الاستغفار له برًا به ورحمة حتى نزلت الآية، فسمع وأطاع عليه الصلاة والسلام وتوقف عن الدعاء للمشركين من قراباته، وهذه صورة عظيمة من صور الرحمة للأمة ثم هي في النهاية صورة من صور الولاء لهذا الدين والبراء من الكفار والمشركين حتى وإن كانوا قرابة وذوى رحم.

نبي أتانا بعد يأس وفترة

من الرسل، والأوثان في الأرض تعبد

فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا

يلوح كما لاح الصقيل المهند

وأنذرنا نارًا وبشر جنة

وعلمنا الإسلام فلله نحمد


 الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيته

بيت الإنسان هو محكه الحقيقي الذي يبين حسن خلقه، وكمال أدبه، وطيب معشره، وصفاء معدنه، فهو خلف الغرف والجدران لا يراه أحد من البشر وهو مع مملوكه أو خادمه أو زوجته يتصرف على السجية وفي تواضع جم دون تصنع ولا مجاملات مع أنه السيد الآمر الناهي في هذا البيت وكل من تحت يده ضعفاء، لنتأمل في حال رسول هذه الأمة وقائدها ومعلمها - صلى الله عليه وسلم - كيف هو في بيته مع هذه المنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة! «قيل لعائشة: ماذا كان يعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته؟ قالت: كان بشرًا من البشر: يفلي ثوبه ويحلب شاته، ويخدم نفسه»([43]).

إنه نموذج للتواضع وعدم الكبر وتكليف الغير، إنه شريف المشاركة ونبيل الإعانة، وصفوة ولد آدم يقوم بكل ذلك، وهو في هذا البيت المبارك الذي شع منه نور هذا الدين لا يجد ما يملأ بطنه عليه الصلاة والسلام.

قال: النعمان بن بشير رضي الله عنه وهو يذكر حال النبي عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم: «لقد رأيت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وما يجد من الدقل([44]) ما يملأ بطنه»([45]).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن كنا آل محمد نمكث شهرًا ما نستوقد بنار إن هو إلا التمر والماء»([46]).

ولم يكن هناك ما يشغل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العبادة والطاعة.. فإذا سمع حي على الصلاة حي على الفلاح لبى النداء مسرعًا وترك الدنيا خلفه.

عن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله عنها، ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع في البيت؟ قالت: «كان يكون في مهن أهله، فإذا سمع بالأذان خرج»([47]).

ولم يؤثر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى الفريضة في منزله ألبتة، إلا عندما مرض واشتدت عليه وطأة الحمى، وصعب عليه الخروج وذلك في مرض موته - صلى الله عليه وسلم -.

ومع رحمته لأمته وشفقته عليهم إلا أنه أغلظ على من ترك الصلاة مع الجماعة فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً أن يصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم»([48]).

وما ذاك إلا من أهمية الصلاة في الجماعة وعظم أمرها. قال - صلى الله عليه وسلم -: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر»([49])، والعذر خوف أو مرض.

فأين المصلون اليوم؟ بجوار زوجاتهم وقد تركوا المساجد!!! أين عذر المرض أو الخوف!!!


 هديه وسمته - صلى الله عليه وسلم -

حركة الإنسان وسكنته علامة على عقله ومفتاح لمعرفة قلبه.

وعائشة أم المؤمنين ابنة الصديق رضي الله عنهما خير من يعرف خلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأدق من يصف حاله عليه الصلاة والسلام فهي القريبة منه في النوم واليقظة والمرض والصحة، والغضب والرضا.

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح»([50]).

وهذا خلق نبي الأمة الرحمة المهداة والنعمة المسداة عليه الصلاة  والسلام يصف لنا سبطه الحسين رضي الله عنه بعضًا من هديه - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: سألت أبي عن سير النبي  - صلى الله عليه وسلم - في جلسائه، فقال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ غليظ ولا صخاب، ولا عياب، ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه»([51])، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام»([52]).

تأمل في سجايا وخصال نبي هذه الأمة واحدة تلو الأخرى.. وأمسك منها بطرف وجاهد نفسك للأخذ منها بسهم فإنها جماع الخير!

وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - تعليم جلسائه أمور دينهم.. ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار»([53]).

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»([54]).

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»([55]).

وقوله عليه الصلاة والسلام: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»([56]).

وعنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: « إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب»([57]).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة»([58]).

وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم»([59]). والإطراء: هو مجاوزة الحد في المدح.

وعن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك»([60]).

وعلى هذا فلا تجوز الصلاة في المساجد التي فيها قبر أو قبور.


 بناته - صلى الله عليه وسلم -

كانت ولادة الأنثى في الجاهلية يومًا أسود في حياة الوالدين، بل وفي حياة الأسرة والقبيلة، وسار الحل بهذا المجتمع إلى وأد البنات وهن أحياء خوف العار والفضيحة، وكان الوأد يتم في صور بشعة، قاسية ليس فها للرحمة موطن ولا للمحبة مكان، فكانت البنت تدفن حية، وكانوا يتفننون في تلك الجريمة فمنهم من إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها دفعًا ويهيل عليها التراب بوحشية وقسوة.

وفي وسط هذا المجتمع الجاهلي خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا الدين العظيم الذي أكرم المرأة أمًا وزوجة وبنتًا وأختًا وعمة، وقد حظيت البنات بحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان إذا دخلت عليه فاطمة ابنته قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها([61]).

ومع محبة النبي عليه الصلاة والسلام لبناته وإكرامه لهن إلا أنه رضي بطلاق ابنتيه أم كلثوم ورقية صابرًا محتسبًا من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب بعد أن أنزل الله فيه ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب﴾، وأبى - صلى الله عليه وسلم - أن يترك أمر الدعوة أو أن يتراجع فإن قريشًا هددت وتوعدت حتى طلقت بنتي الرسول عليه الصلاة والسلام وهو ثابت صابر لا يتزعزع عن الدعوة لهذا الدين.

ومن صور الترحيب والبشاشة لابنته ما روته عائشة رضي الله عنها حيث قالت: كن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده، فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي ما تخطيء مشيتها من مشية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا فلما رآها رحب بها وقال: «مرحبًا بابنتي» ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله([62]).

ومن عطفه ومحبته لبناته زيارتهن وتفقد أحوالهن وحل مشاكلهن.. أتت فاطمة رضي الله عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادمًا، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فلما جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرته قال علي رضي الله عنه: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: «مكانكما» فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: « ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما، أو أخذتما مضاجعكما، فكبرا أربعًا وثلاثين وسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين فهذا خير لكما من خادم»([63]).

ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة في صبره وعدم جزعه فقد توفي جميع أبنائه وبناته في حياته -عدا فاطمة رضي الله عنها- ومع هذا فلم يلطم خدًا ولم يشق ثوبًا ولم يقم المآدب وسرادقات التعزية، بل كان عليه الصلاة والسلام صابرًا محتسبًا راضيًا بقضاء الله وقدره.

وقد عهد إلينا بوصية عظيمة وأحاديث جليلة هي سلوة للمحزون وتنفيس للمكروب، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها»([64]) . وقد جعل الله عز وجل كلمات الاسترجاع وهي قول المصاب: «إنا لله وإنا إليه راجعون» ملاذًا وملجأ لذوي المصائب، واجزل المثوبة للصابرين وبشرهم بثواب من عنده تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

***


 معاملة الزوجة

في دوحة الأسرة الصغيرة تبقى الزوجة مربط الفرس وجذع النخلة والسكن والقرب.

يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة»([65]).

ومن حسن خلقه وطيب معشره عليه الصلاة والسلام، نجده ينادي أم المؤمنين بترخيم اسمها ويخبرها خبرًا تطير له القلوب والأفئدة!

قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا: « يا عائش! هذا جبريل يقرئك السلام»([66]).

بل هذا نبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - وأكملها خلقًا وأعظمها منزلة، يضرب صورًا رائعة في حسن العشرة ولين الجانب ومعرفة الرغبات العاطفية والنفسية لزوجته، وينزلها المنزلة التي تحبها كل أنثى وامرأة لكي تكون محظية عند زوجها!

قالت عائشة رضي الله عنها: « كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرق العرق([67]) فيتناوله ويضع فاه على موضع في»([68]).

ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - كما زعم المنافقون واتهمه المستشرقون بتهم زائفة وادعاءات باطلة.. بل ها هو يتلمس أجمل طرق العشر الزوجية وأسهلها.

عن عائشة رضي الله عنها: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ»([69]).

والرسول - صلى الله عليه وسلم - في مواطن عدة يوضح بجلاء مكانة المرأة السامية لديه وأن لهن المكانة العظيمة والمنزلة الرفيعة، ها هو - صلى الله عليه وسلم - يجيب على سؤال عمرو بن العاص رضي الله عنه ويعلمه أن محبة الزوجة لا تخجل الرجل الناضج السوي القويم.

عن عمرو بن العاص أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»([70]).

ولمن أراد بعث السعادة الزوجية في حياته عليه أن يتأمل حديث أم المؤمنين رضي الله عنها وكيف كان عليه الصلاة والسلام يفعل معها.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد»([71]).

ونبي هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - لا يترك مناسبة إلا استفاد منها لإدخال السرور على زوجته وإسعادها بكل أمر مباح.

تقول عائشة رضي الله عنها: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: «تقدموا» فتقدموا ثم قال: «تعالي حتى أسابقك» فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى حملت اللحم، وبدنت وسمنت وخرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس «تقدموا» ثم قال: «تعالي أسابقك» فسبقني، فجعل يضحك ويقول: «هذه بتلك»([72]).

إنها مداعبة لطيفة واهتمام بالغ، يأمر القوم أن يتقدموا لكي يسابق زوجته، ويدخل السرور على قلبها، ثم ها هو يجمع لها دعابة ماضية وأخرى حاضرة، ويقول: «هذه بتلك»!

ومن ضرب في أرض الله الواسعة اليوم وتأمل حال علية القوم ليعجب من فعله - صلى الله عليه وسلم - وهو  نبي كريم وقائد مظفر وسليل قريش وبني هاشم، في يوم من أيام النصر قافلاً عائدًا منتصرًا يقود جيشًا عظيمًا، ومع هذا فهو الرجل الودود اللين الجانب مع زوجاته أمهات المؤمنين، لم تنسه قيادة الجيش ولا طول الطريق ولا الانتصار في المعركة أن معه زوجات ضعيفات يحتجن منه إلى لمسة حانية وهمسة صادقة تمسح مشقة الطريق وتزيل تعب السفر!

روى البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة خيبر وتزوج صفية بنت حيي رضي الله عنها كان يدير كساء حول البعير الذي تركبه يسترها به، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب.

كان هذا المشهد مؤثرًا يدل على تواضعه - صلى الله عليه وسلم -، لقد كان - صلى الله عليه وسلم - وهو القائد المنتصر والنبي المرسل يعلم أمته أنه لا ينقص من قدره ومن مكانته أن يوطئ أكنافه لأهله وأن يتواضع لزوجته، وأن يعينها ويسعدها.

ومن وصاياه عليه الصلاة والسلام لأمته: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا»([73]).


 تعدد الزوجات

تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى عشرة امرأة، تدثرن باسم أمهات المؤمنين، ومات عن تسع نساء وياله من شرف عظيم ومنزلة رفيعة حظيت بها تلك النساء الكريمات، ولقد تزوج الرسول - صلى الله عليه وسلم - المرأة الكبيرة، والأرملة والمطلقة والضعيفة، ولم يكن بين تلك الزوجات بكرًا إلا عائشة رضي الله عنها.

تزوج الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين وجمع بينهن فكان مثالاً في العدل والقسمة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول لله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها»([74]).

ومن صور العدل ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه:

«كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتمي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة فجاءت زينب فمد يده إليها فقالت عائشة: هذه زينب، فكف النبي - صلى الله عليه وسلم - يده»([75]).

وهذا البيت النبوي العظيم لم يكن كذلك لولا ما كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من توفيق ربه وإلهامه إياه.

وها هو - صلى الله عليه وسلم - يشكر ربه قولاً وفعلاً كان - صلى الله عليه وسلم - يحث نساءه على العبادة ويعينهن على ذلك امتثالاً لأمر الله عز وجل:﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾([76]).

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه فإذا أراد أن يوتر أيقظني»([77]).

وقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمر قيام الليل وإعانة الزوج والزوجة لبعضهما حتى تأخذ منحى جميلاً في نضح الماء من الزوج أو الزوجة لا فرق. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء»([78]).

ومن كمال المسلم والتزامه بدينه، اعتناؤه بمظهره الخارجي إتمامًا لصفاء داخله ونقائه.

كان عليه الصلاة والسلام طاهر القلب نظيف البدن طيب الرائحة يجب السواك ويأمر به قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»([79]).

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من النوم يشوص([80])، فاه بالسواك([81]).

وعن شريح بن هاني قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان يبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك([82]).

فما أجملها من نظافة واستعداد لاستقبال أهل البيت!

وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول عند دخول المنزل: «بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى ربنا توكلنا، ثم يسلم على أهله»([83]).

وليهنأ أهل بيتك بالدخول بالنظافة والبدء بالسلام، ولا تكن أخي المسلم ممن استبدل هذا بالعتاب واللوم والتقريع.


 مزاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

النبي القائد - صلى الله عليه وسلم - مهموم بأمر أمته، وبجيوشه، وقواده، وبأهل بيته، وبالوحي تارة وبالعبادة أخرى، وهناك هموم أخرى، إنها أعمال عظيمة تجعل أي رجل عاجزًا عن الوفاء بمتطلبات الحياة وبث الروح فيها، ولكنه عليه الصلاة والسلام أعطى كل ذي حق حقه فلم يقصر في حق على حساب آخر وفي جانب دون غيره، فهو - صلى الله عليه وسلم - مع كثرة أعبائه وأعماله جعل للصغار في قلبه مكانًا، فقد كان عليه الصلاة والسلام يداعب الصغار ويمازحهم ويتقرب إلى قلوبهم ويدخل السرور على نفوسهم كما يمازح الكبار أحيانًا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله: إنك تداعبنا([84] قال: «نعم. غير أني لا أقول إلا حقًا»([85]).

ومن مزاحه - صلى الله عليه وسلم - ما رواه أنس بن مالك قال: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا ذا الأذنين»([86]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: «كان ابن لأم سليم يقال له أبو عمير كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ربما مازحه إذا جاء فدخل يومًا يمازحه، فوجده حزينًا، فقال: «مالي أرى أبا عمير حزينًا» فقالوا: يا رسول الله مات نغره الذي كان يلعب به، فجعل يناديه: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟»([87]).

ومع الكبار كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - مواقف يروي أحدها أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول: إن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحبه وكان دميمًا، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصر: فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عرفه، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من يشتري العبد» فقال: يا رسول الله إذا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي: «لكن عند الله أنت غال»([88]).

إنه حسن خلق من كريم سجاياه وشريف خصاله عليه الصلاة والسلام.

ومع تبسط الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أهله وقومه فإن لضحكه حدًا فلا تراه إلا مبتسمًا كما قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله مستجمعًا قط ضاحكًا حتى ترى منه لهواته([89])، وإنما كان يبتسم»([90]).

ومع هذه البشاشة وطيب المعشر إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - يتمعر وجهه إذا انتهكت محارم الله قالت عائشة رضي الله عنها: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هتكه وتلون وجهه وقال: «يا عائشة: أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله»([91]).

 فدل هذا على تحريم اتخاذ الصور في البيت إذا كانت بارزة، وأشد منه تحريمًا الصور المعلقة في الجدار أو التماثيل المنصوبة في الأركان وعلى الأرفف والمناضيد، فإن ذلك مع الإثم المترتب عليه يحرم أهل البيت من دخول ملائكة الرحمة في ذلك البيت.


 نوم النبي - صلى الله عليه وسلم -

عن أبي رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ داخلة إزاره -أي طرفه- فلينفض بها فراشه وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفس فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين»([92]).

وكان من توجيهه - صلى الله عليه وسلم - لكل مسلم ومسلمة: « إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن»([93]).

وعن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات»([94]).

عن أنس بن مالك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي»([95]).

وعن أبي قتادة: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عرس([96]) بليل اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه»([97]).

ومع نعم الله عز وجل التي أغدقها علينا، تأمل أخي الحبيب في فراش سيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل الخلق أجمعين خير من وطأت قدمه الثرى.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إنما كان فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف»([98]).

ودخل عليه نفر من أصحابه ودخل عمر، فانحرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ير عمر بين جنبيه وبين الشريط ثوبًا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى عمر، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما يبكيك يا عمر»؟ قال: والله إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله عز وجل من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه، وأنت رسول الله بالمكان الذي أرى! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة»؟ قال عمر: بلى، قال: «فإنه كذلك»([99]).

 قيام الليل

قد أقبل ليل المدينة وخيم بسواده عليها، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أضاء جوانحه بالصلاة وذكر الله وقام ليله يتهجد ويناجي رب الأرض والسموات ويدعو من بيده مقاليد الأمور استجابة لأمر خالقه وبارئه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾([100]).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم يصلي حتى تنتفخ قدماه، فيقال له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»([101]).

وعن الأسود بن يزيد قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل فقالت: «كان ينام أول الليل ثم يقوم فإذا كان له حاجة ألم بأهله، فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبًا أفاض عليه من الماء وإلا توضأ وخرج إلى الصلاة»([102]).

وصلاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالليل فيها من العجب ما يجعلنا نتأمل في طولها ونتخذها قدوة وأسوة.

عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: «صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح آل عمران فقرأها، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، يقرأ مترسلاً([103])، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه»([104]).

***


 بعد الفجر

بعد هدوء ليل المدينة ومع إشراقات الفجر حيث تم أداء صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد كان عليه الصلاة والسلام يجلس بعد صلاة الفجر لذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنًا»([105]).

وقد حث عليه الصلاة والسلام على الإتيان بهذه السنة العظيمة وذكر بما فيها من الأجر والمثوبة.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من صلى الفجر في جماعة،ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة، تامة، تامة، تامة»([106]).


 صلاة الضحى

قد انتصف النهار واشتدت حرارة الشمس، وأقبلت السموم الحارقة تلفح الوجوه، إنها فترة الضحى، وقت عمل وقضاء حوائج، ومع كثرة أعباء الرسالة ومقابلة الوفود، وتعليم الصحابة، وحقوق الأهل، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يتعبد الله عز وجل.

قالت معاذة: قلت لعائشة رضي الله عنها: أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى؟ قالت: «نعم أربع ركعات ويزيد ما شاء الله عز وجل»([107]).

وقد أوصى بها - صلى الله عليه وسلم - فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد»([108]).


 صلاة النوافل في البيت

هذا البيت العامر بالإيمان، المليء بالعبادة والذكر، يوصي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون لبيوتنا مثل ذلك، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا»([109]).

قال ابن القيم رحمه الله: وكان - صلى الله عليه وسلم - يصلي عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته، لاسيما سنة المغرب فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد ألبتة، ولصلاة النوافل في البيت فوائد منها: اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعليم النساء والأطفال كيفية الصلاة، وطرد الشياطين منه بسبب الذكر والقراءة وأدعى للإخلاص والبعد عن الرياء.


 بكاء النبي - صلى الله عليه وسلم -

كثير من الرجال والنساء يبكون لكن يا ترى كيف يكون البكاء ولمن يكون؟! نبينا عليه الصلاة والسلام كان يبكي مع أن الدنيا في يده لو أرادها، والجنة أمامه وهو في أعلى منازلها، نعم كان يبكي عليه الصلاة والسلام ولكنه بكاء العباد، كان يبكي وهو يناجي ربه في الصلاة وعند سماع القرآن وما ذاك إلا من رقة القلب وصلاح السريرة، ومعرفة عظمة الله عز وجـل وخشيـة منـه سبحانه.

عن مطرف -وهو ابن عبد الله بن الشخير- عن أبيه قال: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء»([110]).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقرأ علي» فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت سورة النساء حتى بلغت ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: «فرأيت عيني رسول الله تهملان»([111]).

بل تأمل في شعرات بيض تعلو مفرق رسول الله وما يقارب من ثمانية عشر شيبة في لحيته الشريفة، وارع قلبك لتسمع من لسانه الشريف سبب تلك الشعيرات البيض: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله قد شبت! قال - صلى الله عليه وسلم -: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت([112]).


 تواضعه - صلى الله عليه وسلم -

كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقًا وأكملهم قدرًا فخلقه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن»([113]) ولقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»([114]).

ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام عدم محبته للمدح والثناء والإطراء.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»([115]).

وعن أنس رضي الله عنه: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل»([116]).

وبعض الناس يطري النبي - صلى الله عليه وسلم - غاية الإطراء فيعتقد أنه يعلم الغيب أو أن بيده الضر والنفع ويجيب الحوائج ويشفي المرضى، والله عز وجل نفى ذلك كله فقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾.

وهذا النبي المرسل خير من أقلته الغبراء وأظلته الخضراء، دائم الإخبات والإنابة إلى ربه، لا يحب الكبر، بل هو رأس المتواضعين وسيد المنكسرين لربه.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك»([117]).

وألق بطرفك لنبي الأمة عليه الصلاة والسلام في تواضع عجيب وحسن خلق نادر يتواضع فيه للمرأة المسكينة ويمنحها من وقته المليء بالأعمال.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: إن لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أي طريق المدينة شئت أجلس إليك»([118]).

يروح بأرواح المحامد حسنها

فيرقى بها في ساميات المفاخر

وإن فض في الأكوان مسك ختامها

تعطر منها كل نجد وغائر

وكان عليه السلام رأس أهل التواضع وعلمهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت»([119]).

وللمتكبرين في كل عصر وحين يبقى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - حاجزًا لهم ورادعًا لكبرهم واستعلائهم.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»([120]).

والكبر طريق إلى النار والعياذ بالله، حتى وإن كان مثقال ذرة، وتأمل في عقوبة متكبر يختال في مشيته، كيف سخط الله عز وجل عليه وأنزل به غضبه وأليم عقابه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل رأسه([121]) يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل([122]) في الأرض إلى يوم القيامة»([123]).


 خادمه - صلى الله عليه وسلم -

هذا الخادم المسكين الضعيف أنزله الرسول - صلى الله عليه وسلم - منزلة تليق به، قياسًا على دينه وتقواه لا على عمله وضعفه قال عليه السلام والصلاة عن الخدم والأجراء: «هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم»([124]).

ثم تأمل في خادم يروي عن سيده كلامًا عجيبًا وشهادة مقبولة وثناء عطرًا وهل رأيت خادمًا يثني على سيده مثل ما قال خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لي لشيء صنعته [لم صنعته؟] ولا لشيء تركته لم تركته؟»([125]).

عشر سنوات كاملة ليست أيامًا أو شهورًا إنه عمر طويل فيه الفرح والترح، والحزن والغضب وتقلبات النفس واضطرابها وفقرها وغناها، ومع هذا فلم ينهره ولم يأمره -بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام- بل ويكافئه ويطيب خاطر خادمه ويلبي حاجته وحاجة أهله ويدعو لهم.

قال أنس رضي الله عنه: قالت أمي: يا رسول الله خادمك ادع الله له، قال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته»([126]).

ومع شجاعته عليه الصلاة والسلام فإنه لم يهن ولم يضرب إلا في حق، ولم يقس على الضعفاء الذين تحت يده من زوجة وخادم.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا ضرب خادمًا ولا امرأة»([127]).

بل ها هي أم المؤمنين رضي الله عنها تكرر الشهادة لخير الخلق وصفوة الناس أجمعين وقد سارت الركبان بالحديث عن حسن سيرته ونبل معشره حتى شهد له كفار قريش.

تقول رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتصرًا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء، فإذا انتهك من محارم الله تعالى شيء، كان من أشدهم في ذلك غضبًا، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثمًا»([128]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - ينادي بالرفق والأناة قال عليه الصلاة والسلام: « إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»([129]).


 الهدية والضيف

في حياة البشر حاجات عاطفية ودخائل نفسية تظهر الحاجة إليها دومًا في المجتمع والأسرة والبيت، ومن الأمور التي تقرب القلوب وتذيب إحن النفوس الهدية، عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل الهدية ويثيب عليها»([130]) وهذا الإهداء والشكر من كرم النفوس وصفاء الصدور.

وخلق الكرم من أخلاق الأنبياء وسنن المرسلين، ولرسولنا - صلى الله عليه وسلم - قصب السبق والقدح المعلى في ذلك أليس هو القائل: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه؟»([131]).

ووالله لم تشهد الغبراء ولا وهادها ولم ير الحجاز ولا الجزيرة، بل ولا الخافقين أنبل أخلاقًا وأكرم صفاتٍ منه - صلى الله عليه وسلم - كحل عينيك -أيها القارئ- لترى موقفاً من مواقفه العظيمة بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام!!

عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن امرأة جاءت إلى رسول الله ببردة منسوجة فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها فقال: «نعم» فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - محتاجًا إليها، ثم سألته، وعلمت أنه لا يرد سائلاً، فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني قال سهل: فكانت كفنه»([132]).

ولا تعجب من خلق من اصطفاه الله عز وجل ورباه على عينه وجعله القدوة، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضرب أروع الأمثلة في السخاء والجود، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى»([133]).

وصدق الشاعر:

وله كمال الدين أعلى همة

يعلو ويسمو أن يقاس بثاني

لما أضاء على البرية زانها

وعلا بها فإذا هو الثقلان

فوجدت كل الصيد في جوف الفرا

ولقيت كل الناس في إنسان

عن جابر رضي الله عنه قال:ما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء قط فقال، لا([134]).

ومع هذا العطاء والسخاء في اليد إلا أن سخاءه منقطع النظير في الجود والبذل وطيب النفس وحسن المعاشرة وصدق المحبة.

كان من عادته أن يبش (يبتسم) إلى كل من يجلس إليه، حتى يظن أنه أحب أصحابه إلى قلبه.

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا رآني منذ أسلمت إلا تبسم»([135]).

ولك في وصف شاهد كفاية وعبر.

وعن عبد الله بن الحارث قال: «مارأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»([136]).

ولماذا تعجب أيها الحبيب وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»([137]).

أما خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنس رضي الله عنه فقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصفات عظيمة قل أن تجد بعضها في رجل أو أن تجتمع في أناس، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس لطفًا فما سأله سائل قط إلا أصغى إليه فلا ينصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يكون السائل هو الذي ينصرف وما تناول أحد يده قط إلا ناوله إياها فلا ينزع - صلى الله عليه وسلم - يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منها»([138]).

مع إكرامه - صلى الله عليه وسلم - لضيفه والتطلف معه إلا أنه كان رءوفًا بأمته، ولذا فهو ينكر المنكر ولا يقبله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»([139]).


 الرحمة بالأطفال

أهل القلوب القاسية لا يعرف الرحمة وليس للعاطفة في صدورهم مكان إنهم كالحجارة الصماء، جفاف في العطاء والأخذ، وبخل بأرق المشاعر والعوطف الإنسانية أما من منحه الله عز وجل قلبًا رقيقًا وحنانًا دافقًا فهو صاحب القلب المثالي الحنون، تكسوه الرحمة وتحركه العاطفة.

عن أنس رضي الله عنه: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ ولده إبراهيم فقبله وشمه»([140]).

وهذه الرحمة ليست خاصة لأقاربه فحسب بل عامة لأبناء المسلمين، قالت أسماء بنت عميس زوجة جعفر رضي الله عنها: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا بني جعفر فرأيته شمهم، وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، أبلغك عن جعفر شيء؟ قال: «نعم، قتل اليوم» فقمنا نبكي ورجع فقال: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد جاء ما يشغلهم»([141]).

ولما كانت عيناه - صلى الله عليه وسلم - تفيض لموتهم سأله سعد بن عبادة رضي الله عنه: يا رسول الله ما هذا؟ فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»([142]).

وعندما ذرفت عيناه - صلى الله عليه وسلم - لوفاة ابنه إبراهيم قال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «وأنت يا رسول الله »؟ فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى» وقال: إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون»([143]).

وخلق الرسول العظيم مدعاة إلى الأخذ به والسير على خطاه فنحن في زمن فقدنا فيه الإحساس بمحبة الصغار وإنزالهم منزلتهم فهم الآباء غدا وهم رجال الأمة وفجرها المنتظر بلغ بنا الجهل والكبر وقلة الرأي وقصر النظر إلى أن تركنا مفتاح القلوب مغلقًا ومضيعًا مع الأطفال والناشئة، أما الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن المفتاح بيده وعلى لسانه، هاهو يجعل الصبي يحبه ويجعله ويقدره وهو - صلى الله عليه وسلم - ينزل الناشئ منزلة رفيعة.

كان أنس رضي الله عنه إذا مر على صبيان سلم عليهم وقال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله»([144]).

وكما أن للأطفال مشقتهم وتعبهم وكثرة حركتهم إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغضب ولا ينهر الصغير ولا يعاتبه، كان يأخذ - صلى الله عليه وسلم - بمجامع الرفق وبخطام وزمام السكينة.

عن عائشة رضي الله عنها: قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالصبيان فيدعو لهم فأتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله»([145]).

أما خطر في بالك أيها القارئ وأنت تتشرف بالجلوس في بيت النبوة أن تداعب صغارك وتمازح أبناءك وتسمع ضحكاتهم وجميل عباراتهم؟ كان نبي الأمة يفعل ذلك كله بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدلع لسانه للحسن بن علي، فيرى الصبي حمرة لسانه، فيهش له»([146]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلاعب زينب بنت أم سلمة، وهو يقول: يا زوينب، يا زوينب، مرارًا»([147]).

ورحمته تطال الصغار حتى وهو في عبادة عظيمة «فقد كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها»([148]).

وعن محمود بن الربيع رضي الله عنه قال: «عقلت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجة مجها في وجهي من دلو، من بئر كانت في دارنا، وأنا ابن خمس سنين»([149]).

وهو عليه الصلاة والسلام يعلم الكبير والصغير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا فقال: « يا غلام، إني أعلمك كلمات:احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله»([150]).

بعد أن عشنا مع بعض شمائله الكريمة وسيرته العطرة لعلنا  نحيي بها القلوب ونقتفي خلفها الأثر في مسيرة الحياة، فبيوتنا تزهر بالصغار، والأطفال الذين يحتاجون إلى حنان الأبوة وعاطفة الأمومة وإدخال السرور على قلوبهم الصغيرة، فينشأ سوي العاطفة سوي الخلق يقود الأمة رجلاً صنعه الرجال والأمهات بعد توفيق الله عز وجل.


 الحلم والرفق والصبر

البطش وأخذ الحقوق قهرًا وجبرًا من سمات الظلمة وأهل الجور ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام أرسى قواعد العدل والنصرة لكل صاحب حق حتى ينال حقه ويأخذه، وقد سير - صلى الله عليه وسلم - ما منحه الله عز وجل من أمر ونهي للخير وفي سبيل الخير، فنحن لا نخشى في بيته - صلى الله عليه وسلم - مظلمة ولا بطشًا، ولا تعديًا ولا نهبًا.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى»([151]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: «يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه، فضحك ثم أمر له بعطاء»([152]).

ولما قفل رسول - صلى الله عليه وسلم - من غزوة حنين تبعه الأعراب يسألونه فالجئوه إلى شجرة فخطفت رداءه، وهو على راحلته، فقال: «ردوا علي ردائي، أتخشون علي البخل؟ فقال: فوالله لو كان لي عدد هذه العضاة([153]) نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جبانًا ولا كذابًا»([154]).

ومن أنصع صور التربية وجميل التعليم، الرفق في جميع الأمور ومعرفة المصالح ودرء المفاسد.

أخذت الغيرة الصحابة وهم يرون من يخطئ وتزل قدمه وسارعوا إلى الإنكار وحق لهم ذلك، ولكن الحليم الرفيق - صلى الله عليه وسلم - منعهم من ذلك لجهل الفاعل وللضرر المترتب فكان الأولى ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين»([155]).

وصبر الرسول على أمر الدعوة مدعاة إلى التأسي به والسير على نهجه، وعدم الانتصار للنفس، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هل أتى عليك يوم كان أشد من أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك وقد بعثت إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين»([156]). فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»([157]).

وبعض النفوس اليوم تتعجل أمر الدعوة وتأمل في حصد النتائج سريعًا، والانتصار للنفس قدحًا في الدعوة وإخلاصها ولهذا فشلت بعض الدعوات لفشو هذا الأمر بين أفرادها فأين الصبر والتحمل؟!

وبعد سنوات طويلة وقع ما أمله الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد معاناة وصبر وطول جهاد.

وكيف يسامى خير من وطيء الثرى

وفي كل باع عن علاه قصور

وكل شريف عنده متواضع

وكل عظيم القريتين حقير

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»([158]).

وذات يوم جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في جنازة مع أصحابه يهودي اسمه زيد بن سعنة، يتقاضاه دينًا، فأخذ بمجامع قميصه وردائه، ونظر إليه بوجه غليظ، وقال: يا محمد ألا تقضني حقي؟ وأغلظ في القوم، فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونظر إلى زيد وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أسمع، وتفعل ما أرى؟! فوالذي بعثه بالحق لو لا ما أحاذر من لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة ثم قال: «يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فأعطه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمر».

يقول زيد اليهودي لما زاده عمر عشرين صاعًا من تمر قال: ما هذه الزيادة يا عمر؟ قال عمر: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أزيدك مكان نقمتك قال زيد: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا من أنت؟ قال: زيد بن سعنة.

قال: الحبر؟" قلت: الحبر، قال: فما دعاك أن فعلت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعلت، وقلت له ما قلت؟ قال زيد: يا عمر لم يكن له من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نظرت إليه إلا اثنين لم أخبرهما منه: هل يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا فقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينًا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًا وأشهدك أن شطر مالي صدقة على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر رضي الله عنه أو على بعضهم فإنك لا تسعهم، قال زيد: أو على بعضهم فرجع زيد اليهودي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وآمن به وصدقه([159]).

ونحن نتأمل الموقف ونهايته والحوار الطويل فيه لعل لنا نصيبًا من التأسي بقدوتنا محمد عليه الصلاة والسلام، والصبر على الناس ودعوتهم برفق وحلم.

وتشجيعهم إذا أحسنوا وبث روح التفاؤل في نفوسهم عن عائشة رضي لله عنها قالت: «اعتمرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة حتى إذا قدمت مكة، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت، قال: «أحسنت يا عائشة» وما عاب علي»([160])


 طعامه - صلى الله عليه وسلم -

الموائد والجفان تروح وتغدو في بيوت علية القوم وأهل الأمر والنهي فيها.. ونبي هذه الأمة تحت يده، البلاد والعباد وترد إليه الإبل محملة بالأرزاق ويفيض بين يديه الذهب والفضة، يا ترىكيف مطمعه ومشربه، أعيشة الملوك أم أرفع وأعظم؟ أطعام الأغنياء والموسرين أم أكمل وأتم؟ لا تعجب وأنت تتأمل طعام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقلته وتقشفه يحدثنا أنس رضي الله عنه حيث قال: « إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف»([161]).

والضفف: قلة المأكول وكثرة الأكلة، والمعنى أنه لم يشبع إلا بضيق وشدة، أو ما شبع في زمن من الأزمان إلا إذا نزل به الضيوف، فيشبع حينئذ لضرورة الإيناس والمجابرة.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»([162]).

وفي رواية: «ما شبع آل محمد منذ قام المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض»([163]).

بل كان عليه الصلاة والسلام لا يجد ما يأكل وينام طاويًا لا يدخل جوفه اللقمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: « كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت الليالي المتتابعة طاويًا هو وأهله،لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير»([164]).

وليس الأمر من قلة وندرة، بل كانت تفيض الأموال من تحت يده وتفد إليه النجائب محملة، ولكنه الله عز وجل اختار لنبيه - صلى الله عليه وسلم - الحال الأكمل والأقوم.

قال عقبة بن الحارث رضي الله عنه:  صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر فأسرع ثم دخل البيت فلم يلبث أن خرج فقلت أو قيل له فقال: «كنت خلفت في البيت تبرًا -أي ذهبًا- من الصدقة فكرهت أن أبيته فقسمته»([165]).

والسخاء العجيب والعطاء المنقطع النظير هو ما يخرج من يد نبي هذه الأمة، عن أنس رضي الله عنه قال: ما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل، فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: «يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر»([166]).

ومع هذا العطاء والسخاء، تأمل حال نبي هذه الأمة عن أنس رضي الله عنه قال: « لم يأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خوان حتى مات، وما أكل خبزًا مرققًا حتى مات»([167]).

وذكرت عائشة رضي الله عنها أنه كان يأتيها فيقول: «أعندك غداء»؟ فتقول: لا، فيقول: «إني صائم»([168]).

وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقيم الشهر والشهرين، لا يعيشه هو وآل بيته إلا الأسودان: التمر والماء([169]).

ومع هذه القلة في الطعام والندرة في المأكولات فإن خلقه الرفيع وأدبه الإسلامي يدعوه إلى شكر نعمة الله ثم شكر من أعدها وعدم تعنيفه إن أخطأ، فقد اجتهد ولم يصب، ولهذا كان عليه الصلاة والسلام لا يعيب طعامًا ولا يلوم طابخًا ولا يرد موجودًا ولا يطلب مفقودًا، إنه نبي الأمة لم يكن همه بطنه ومأكله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه»([170]).

وللأحبة الكرام من تأخذهم المآكل والمشارب أسوق قول شيخ الإسلام ابن تيمية مختصرًا:

وأما الأكل واللباس: فخير الهدي هدى محمد - صلى الله عليه وسلم - وكن خلقه في الأكل أن يأكل ما تيسر إذا اشتهاه، ولا يرد موجودًا، ولا يتكلف مفقودًا، فكان إذا حضر خبز ولحم أكله، وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله، وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله، ولم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين، ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة، وفي الحديث - صلى الله عليه وسلم -: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني».

وأمر الله عز وجل بأكل الطيبات والشكر لله فمن حرم الطيبات كان معتديًا، ومن لم يشكر كان مفرطًا مضيعًا لحق الله، وطريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي أعدل الطرق وأقومها والانحراف عنها إلى وجهين: قوم يسرفون فيتناولون الشهوات مع إعراضهم عن القيام بالواجبات، وقوم يحرمون الطيبات ويبتدعون رهبانية لم يشرعها الله تعالى، ولا رهبانية في الإسلام.

ثم قال رحمه الله: وكل حلال طيب، وكل طيب حلال فإن الله عز وجل أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، لكن جهة طيبه كونه نافعًا لذيذًا، والله حرم علينا كل ما يضرنا، وأباح لنا كل ما ينفعنا.

ثم قال رحمه الله: والناس تتنوع أحوالهم في الطعام واللباس والجوع والشبع، والشخص الواحد يتنوع حاله، ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع، ولصاحبه أنفع([171]).


 الذب عن أعراض الآخرين

أكرم المجالس مجالس العلم والذكر، فما بالك إذا توسط صفوة ولد آدم ومعلم الأمة بحديثه وتعليمه وتوجيهه؟ كان من صفاء مجلسه ونقاء سريرته عليه الصلاة والسلام أن يرد المخطئ ويعلم الجاهل وينبه الغافل ولا يقبل في مجلسه إلا كل خير، وإن كان - صلى الله عليه وسلم - مستمعًا منصتًا لمحدثه إلا أنه لا يقبل غيبة ولا يرضى بنميمة ولا بهتان ولذا فهو يرد عن أعراض الآخرين.

عن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي فقال: «أين مالك بن الدخشم»؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يحب الله ولا رسوله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تفعل ذلك، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله، وإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»([172]).

وكان - صلى الله عليه وسلم - يحذر من شهادة الزور واقتطاع الحقوق، عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر»؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور» فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت»([173]).

ومع محبته لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلا أنه أنكر عليها الغيبة، وأوضح لها عظم خطرها.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - حسبك من صفية كذا وكذا، قال بعض الرواة: تعني قصرها، فقالت: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»([174]).

وقد بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - من يذب عن أعراض إخوانه فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه من النار»([175]).


 كثرة ذكر الله تعالى

للمربي الأول نبي هذه الأمة شأن عظيم مع العبادة ومواصلة القلب بالله عز وجل، فهو لا يدع وقتًا يمر دون ذكر لله عز وجل وحمده وشكره والاستغفار والإنابة، ومع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو العبد الشكور والنبي الشاكر والرسول الحامد، عرف قدر ربه فحمده ودعاه وأناب إليه وعلم قيمة زمنه فاستفاد منه وحرص أن يكون عامرًا بالطاعة والعبادة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله تعالى على كل أحيانه»([176]).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»([177]).

قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»([178]).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مائة مرة «رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»([179]).

وتقول أم المؤمنين أم سلمة عن أكثر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان عندها: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»([180]).


 الجار

أكرم به جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان الجار له منزلة عظيمة في نفس الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»([181]).

وأوصى - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر رضي الله عنه بقوله: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك»([182]).

وحذر من أذية الجار فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه»([183]).

وهنيئًا لجار قال عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره»([184]).


 حسن المعاشرة

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام كذا وكذا؟»([185]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه أثر صفرة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قل ما يواجه رجلاً في وجهه شيء يكرهه، فلما خرج قال: “لو أمرتم  هذا أن يغسل ذا عنه»([186]).

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ ترحم على كل قريب هين لين سهل»([187]).


 أداء الحقوق

الحقوق على الإنسان كثيرة، فهذا حق لله وآخر للأهل وثالث للنفس وهناك حقوق للعباد فكيف يا ترى قسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقته واستفاد من يومه؟

عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»([188]).


 شجاعته وصبره - صلى الله عليه وسلم -

لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - السهم الوافر والقدح المعلى في الشجاعة نصرة لهذا الدين وإعلاء لكلمة الله عز وجل، وجعل ما أنعم الله عليه من نعم في مكانها الصحيح فهذه عائشة رضي الله عنها تقول: «ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا ضرب خادمًا ولا امرأة»([189]).

ومن شجاعته - صلى الله عليه وسلم - وقوفه وحيدًا يدعو لهذا الدين أمام كفار قريش وصناديدها وثباته على هذا الدين حتى نصره الله ولم يقل ليس معي أحد، والقوم كلهم ضدي، بل اعتمد على الله عز وجل واتكل عليه وصدع بأمر الدعوة، وكان - صلى الله عليه وسلم - أشجع الناس وأمضاهم عزمًا وإقدامًا، كان الناس يفرون وهو ثابت.

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعبد في غار حراء ولم ينله أذى ولم تحاربه قريش ولم ترم أمم الكفر بسهم واحد من كنانتها إلا عندما صدع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمر التوحيد ووجوب إفراد العبادة لله عز وجل وتعجب الكفار بقولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ فهم يتخذون الأوثان وسائط بينهم وبين الله عزوجل كما قال تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وإلا فهم مقرون بتوحيد الربوبية ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

وتأمل أخي المسلم في الشرك الذي عم وطم في بلاد المسلمين من دعاء الأموات والتوسل بهم والنذر لهم والخوف والرجاء حتى تقطعت حبالهم مع الله عز وجل بسبب شركهم وإنزال الأموات منزلة الحي الذي لا يموت ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾.

ونطل من بيته إلى الجبل المقابل من الجهة الشمالية: إنه جبل أحد حيث الموقعة العظيمة التي تبدت فيها شجاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وثباته وصبره على الجراح التي أصابته في تلك الموقعة العظيمة حيث أدمي وجهه الشريف وكسرت رباعيته وشج رأسه عليه الصلاة والسلام.

يحدثنا سهل بن سعد رضي الله عنه عن جرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: «أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تغسله وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعًا من حصير وأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم وكسرت رباعيته وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه»([190]).

والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه يقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معركة حنين: لما انطلق المسلمون مدبرين طفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة ألا تسرع، وكان يقول حينئذ: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»([191]).

أما الفارس الشجاع صاحب المواقف المشهورة والوقائع المعروفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو يقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه»([192]).

ولصبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر الدعوة مضرب المثل والقدوة الحسنة، حتى أقام الله عز وجل صروح هذا الدين وطفقت خيله تجول الجزيرة وبلاد الشام وما وراء النهر، وحتى لا يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليل وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواري إبط بلال»([193]).

ورغم ما ورد إليه من الأموال والغنائم وما فتح الله على يديه فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يورث دينارًا ولا درهمًا إنما ورث هذا العلم وهو ميراث النبوة فمن شاء أن يأخذ من هذا الميراث فليقدم وليهنأ به من ميراث.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دينارًا ولا درهمًا، ولا شاةً، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء»([194]).

***


 دعاؤه - صلى الله عليه وسلم -

الدعاء عبادة عظيمة لا يجوز صرفها لغير الله عز وجل، والدعاء إظهار الافتقار إلى الله والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل، وإضافة الجود والكرم إليه ولذلك قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «الدعاء هو العبادة»([195]).

وكان عليه الصلاة والسلام كثير الدعاء والتضرع وإظهار الافتقار إلى الله عز وجل يستحب جوامع الكلم والدعاء.

وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمر، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليه معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر»([196]).

ومن دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض، رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفس سوءًا أو أجره إلى مسلم»([197]).

وأيضًا من دعائه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك »([198]).

ومن دعائه لربه عز وجل: «اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى»([199]).

وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه كثيرًا في الرخاء والشدة وقد سقط رداءه من على منكبيه وهو يدعو يوم بدر بالنصر للمسلمين والهزيمة للمشركين، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو لنفسه ولأهل بيته ولأصحابه ولعامة المسلمين.


 نهاية الزيارة

بعد أن تعطرت الأسماع بذكر أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحسن سيرته وجهاده وبلائه، فإن للنبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - حقوقًا يجب أن تؤدى له حتى نكون أتممنا الخير وأخذنا الطريق السوي، ومن حقوقه على أمته.:

الإيمان الصادق به قولاً وفعلاً وتصديقه في كل ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - ووجوب طاعته والحذر من معصيته - صلى الله عليه وسلم -، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه، وإنزاله منزلته - صلى الله عليه وسلم - بلا غلو ولا تقصير، واتباعه واتخاذه قدوة وأسوة في جميع الأمور، ومحبته أكثر من الناس والأهل والمال والولد والناس جميعًا، واحترامه وتوقيره ونصرة دينه والذب عن سنته - صلى الله عليه وسلم - وإحياؤها بين المسلمين ومحبة أصحابه الكرام والترضي عنهم والذب عنهم وقراءة سيرتهم، ومن محبته - صلى الله عليه وسلم - الصلاة عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه: خلق آدم، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليَّ» فقال رجل: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»([200]).

وعلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن لا تكون بخيلة في حق هذا النبي الكريم فقد قال عليه الصلاة والسلام: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ»([201]).

وقال عليه الصلاة والسلام: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليه ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم»([202]).


 الوداع

ونحن نغادر هذا البيت العامر بالإيمان القائم على الطاعة، تبقى لنا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلمًا لمن أراد النجاة وطريقًا  لمن أراد الهداية، ولنا وقفات مع علماء السلف وحرصهم على الاتباع لهذه السنة العظيمة، لعل الله أن يرزقنا حسن التأسي وجميل الاقتداء.

قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله: ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت([203]).

وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول:ما بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث قط إلا عملت به ولو مرة.

وعن مسلم بن يسار قال: إني لأصلي في نعلي وخلعهما أهون علي، وما أطالب بذلك إلا السنة([204]).

وللأخ الحبيب في الختام حديث عظيم، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»([205]).

اللهم ارزقنا حب نبيك - صلى الله عليه وسلم - وموافقته على الطريق المستقيم، لا ضالين ولا مضلين اللهم صل على محمد ما تعاقب الليل والنهار، اللهم صل على محمد ما ذكره الذاكرون الأبرار، اللهم اجمعنا مع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - في الفردوس الأعلى وأقر أعيننا برؤيته والشرب من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



([1]) رواه مسلم.

([2]) سورة آل عمران، الآية: 31.

([3]) سورة الأحزاب، الآية: 21.

([4]) مجموع فتاوى ابن تيمية 1/4.

([5]) متفق عليه.

([6]) رواه مسلم.

([7]) متفق عليه.

([8]) القصة في البخاري ومسلم.

([9]) مجموع الفتاوى 27/251.

([10]) متفق عليه.

([11]) رواه النسائي.

([12]) رواه الترمذي.

([13]) مرضومة: أي بعضها فوق بعض.

([14]) الطبقات الكبرى لابن سعد 1/499، 501، وانظر السيرة النبوية لابن كثير 2/274.

([15]) رواه البخاري.

([16]) رواه البخاري.

([17]) رواه البخاري.

([18]) متفق عليه.

([19]) رواه البخاري.

([20]) رواه أبو داود.

([21]) رواه أبو داود.

([22]) رواه البخاري.

([23]) رواه ابن ماجه.

([24]) رواه البخاري.

([25]) مضببًا بحديد: أي مشدودًا بضباب من حديد لكي لا يتفرق الخشب.

([26]) رواه الترمذي.

([27]) قال الحافظ في الفتح: المراد بالنبيذ المذكور: تمرات نبذت في ماء، أي: نقعت فيه، كانوا يفعلون ذلك لاستعذاب الماء.

([28]) رواه الترمذي.

([29]) متفق عليه.

([30]) رواه الترمذي.

([31]) متفق عليه.

([32]) زاد المعاد 2/381.

([33]) رواه الترمذي.

([34]) سربه: أي نفسه، وقيل: قومه.

([35]) رواه الترمذي.

([36]) رواه مسلم.

([37]) سورة الشعراء، الآية: 214.

([38] أي: أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئًا.

([39]) رواه مسلم.

([40]) سورة التوبة، الآية: 113.

([41]) سورة القصص، الآية: 56.

([42]) رواه أحمد والبخاري ومسلم.

([43]) رواه أحمد والترمذي.

([44]) الدقل: رديء التمر.

([45]) رواه مسلم.

([46]) رواه البخاري.

([47]) رواه مسلم.

([48]) متفق عليه.

([49]) رواه ابن ماجه وابن حبان.

([50]) رواه أحمد.

([51]) أي: أعينوه.

([52]) رواه الترمذي.

([53]) رواه البخاري.

([54]) متفق عليه.

([55]) رواه الترمذي وأبو داود.

([56]) رواه أبو داود.

([57]) متفق عليه.

([58]) رواه مسلم.

([59]) متفق عليه.

([60]) رواه مسلم.

([61]) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.

([62]) رواه مسلم.

([63]) رواه البخاري.

([64])  رواه مسلم.

([65]) صحيح الجامع الصغير.

([66]) متفق عليه.

([67]) أي آخذ ما على العظم من اللحم.

([68]) رواه مسلم.

([69]) رواه أبو داود والترمذي.

([70]) متفق عليه.

([71]) رواه البخاري.

([72]) رواه أحمد.

([73]) رواه مسلم.

([74]) رواه الترمذي.

([75]) رواه مسلم.

([76]) سورة طه 132.

([77]) متفق عليه.

([78]) متفق عليه.

([79]) رواه أحمد.

([80]) رواه مسلم.

([81]) الشوص: الدلك.

([82]) رواه مسلم.

([83]) رواه مسلم.

([84]) تداعبنا: يعني تمازحنا.

([85]) رواه أحمد.

([86]) رواه أبو داود.

([87])  متفق عليه.

([88]) رواه أحمد.

([89]) اللهوات: جمع لهات: وهي اللحم التي في أقصى سقف الفم.

([90]) متفق عليه.

([91]) متفق عليه، والسهوة كالصفة بين يدي البيت، والقرام، ستر رقيق هتكه: أي أفسد الصورة التي فيه.

([92]) رواه مسلم.

([93]) متفق عليه.

([94]) رواه البخاري.

([95]) رواه مسلم.

([96]) التعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم والراحة.

([97]) رواه مسلم.

([98]) رواه مسلم.

([99]) رواه الإمام أحمد.

([100]) سورة المزمل الآيات 1-4.

([101]) رواه ابن ماجه.

([102]) رواه البخاري.

([103]) مترسلاً: أي بتبين الحروف وأداء حقها.

([104]) رواه مسلم.

([105]) رواه مسلم، ومعنى حسنًا مرتفعة.

([106]) رواه الترمذي.

([107]) رواه مسلم.

([108]) متفق عليه.

([109]) رواه البخاري.

([110]) رواه أبو داود.

([111]) رواه البخاري.

([112]) رواه الترمذي.

([113]) رواه مسلم.

([114]) رواه أحمد.

([115]) رواه أبو داود.

([116]) رواه النسائي.

([117]) رواه أحمد.

([118]) رواه أبو داود.

([119]) رواه البخاري.

([120]) رواه مسلم.

([121]) مرجل رأسه: أي ممشطه.

([122]) يتجلجل: أي يغوص وينزل.

([123]) متفق عليه.

([124]) رواه مسلم.

([125]) رواه مسلم.

([126]) رواه البخاري.

([127]) رواه مسلم.

([128]) رواه البخاري.

([129]) متفق عليه.

([130]) رواه البخاري.

([131]) رواه البخاري.

([132]) رواه البخاري.

([133]) متفق عليه.

([134]) رواه البخاري 6034.

([135]) رواه البخاري.

([136]) رواه الترمذي.

([137]) رواه الترمذي.

([138]) رواه أبو نعيم في الدلائل.

([139]) رواه مسلم.

([140]) رواه البخاري.

([141]) أخرجه ابن سعد، والترمذي وابن ماجه.

([142]) رواه البخاري.

([143]) رواه البخاري.

([144]) متفق عليه.

([145]) رواه البخاري.

([146]) السلسة الصحيحة رقم 70.

([147]) الأحاديث الصحيحة 2141، صحيح الجامع 5025.

([148]) رواه البخاري ومسلم.

([149]) رواه البخاري ومسلم.

([150]) رواه الترمذي.

([151]) رواه أحمد.

([152]) متفق عليه.

([153]) العض: الشجر الغليظ يبقى في الأرض.

([154]) رواه البغوي في شرح السنة وصححه الألباني.

([155]) رواه البخاري.

([156]) الأخشبان: الجبلان المحيطان بمكة والأخشب: الجبل الغليظ.

([157]) متفق عليه.

([158]) متفق عليه.

([159]) أخرجه النسائي في مستدركه وصححه.

([160]) رواه النسائي.

([161]) رواه الترمذي.

([162]) رواه مسلم.

([163]) متفق عليه.

([164]) رواه الترمذي.

([165]) رواه مسلم.

([166]) رواه مسلم.

([167]) رواه البخاري.

([168]) رواه مسلم

([169]) رواه البخاري، ومسلم.

([170]) متفق عليه.

([171]) مجموع الفتاوى 22/310 باختصار.

([172]) متفق عليه.

([173]) متفق عليه.

([174]) رواه أبو داود.

([175]) رواه أحمد.

([176]) رواه مسلم.

([177]) رواه أبو داود.

([178]) رواه البخاري.

([179]) رواه الترمذي.

([180]) رواه الترمذي.

([181]) رواه البخاري، ومسلم.

([182]) رواه مسلم.

([183]) وراه مسلم، البوائق: الغوائل والشرور.

([184]) رواه مسلم.

([185]) أخرجه الترمذي.

([186]) أخرجه أبو داود وأحمد.

([187])  رواه الترمذي.

([188]) متفق عليه.

([189]) رواه مسلم.

([190]) رواه البخاري.

([191]) رواه مسلم.

([192]) رواه البغوي في شرح السنة، وانظر صحيح مسلم 3/1401.

([193]) رواه الترمذي وأحمد.

([194]) رواه مسلم.

([195]) رواه الترمذي

([196]) رواه مسلم.

([197]) رواه أبو داود.

([198]) رواه الترمذي.

([199]) متفق عليه.

([200]) أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني.

([201]) رواه الترمذي.

([202]) رواه الترمذي.

([203]) السير 11/213.

([204]) السير 7/242، كتاب الزهد للإمام أحمد ص 355.

([205]) رواه البخاري.