العقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ()

ابن عبد الهادي

العقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية : كتاب للحافظ ابن عبد الهادي - رحمه الله - والذي يُعد من أهم مصادر ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -.

|

 العُقُودُ الدُّرِّيَّةُ فِي ذِكر بعض مَناقِبِ شَيخِ الإسْلامِ ابنِ تَيمِيَّة

تأليف الإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (705 - 744) تحقيق علي بن محمد العمران دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

(المقدمة/1)


راجع هذا الجزء محمد أجمل الإصلاحي جديع بن محمد الجديع

(المقدمة/3)


 مقدّمة التحقيق

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على سيد ولد آدم، المبعوث رحمة وهدى للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا كتاب مفرد في ترجمة شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الدمشقي المتوفى سنة (ت 728) من تأليف تلميذه الإمام الحافظ محمد بن أحمد ابن عبد الهادي المقدسي (المولود سنة 705 - المتوفى سنة 744) ولم يجاوز الأربعين من العمر. وهذا الكتاب يعدُّ من أهم مصادر ترجمة شيخ الإسلام، وهو أصل أكثر الكتب التي جاءت بعده في ترجمة الشيخ، خلا كتاب أبي حفص البزار «الأعلام العلية» فهو كتاب مبتكر ... وهذان العالمان مع الحافظ الذهبي هم الذين ألّفوا في ترجمة الشيخ، من تلاميذه، ووُجِدت مؤلفاتهم، وقد وعد غيرُ واحد منهم بالتأليف في ترجمته، كما هو الحال في الحافظ عماد الدين إسماعيل ابن كثير الدمشقي (ت 774) فقد وعد بذلك (1)، ولا أدري هل وفَّى به أم لا؟ وهذه الترجمة على أنها أطول ترجمة للشيخ وُجِدت إلا أن المؤلف في مقدمته يقول: إنها «نبذةٌ يسيرة مختصرة في ذِكر حال سيِّدنا وشيخنا، _________ (1) في «البداية والنهاية»: (18/ 304).

(المقدمة/5)


شيخ الإسلام، تقيِّ الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية ... وذِكْرِ بعضِ مناقبه وبعض مصنَّفاته». ويؤيده قول الذهبي: إن ترجمة الشيخ تحتمل أن ترصع في مجلدتين (1). وكنتُ قبل سنوات خلت تزيد على العشر نشرتُ بالاشتراك مع الأستاذ المحقق محمد عزير شمس كتاب «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون» في مجلد ضخم، ثم أعيد طبعه ضمن هذا المشروع المبارك ـ إن شاء الله تعالى ـ مع استدراك ما فات، وقد ذكر شيخنا العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد ـ عليه رحمة الله ـ أن ترجمة شيخ الإسلام تستفاد من خمسة مصادر، أحدها هذا «الجامع» وقد طُبع بحمد الله. وثانيها كتاب «العقود الدرية»، ودعا الشيخُ إلى إعادة تحقيقه فقال: «وأرى إعادة تحقيق وطبع «العقود الدرية» ويضمّ إليه ما زاد عليه من كتب التراجم المفردة المذكورة تَحشيةً في محلها المناسب من هذا الكتاب، حتى يغني عنها» (2). فنكون في هذا المشروع المبارك قد جمعنا ما في كتب التراجم في «الجامع»، ثم أتبعناه بـ «العقود الدرية» باعتباره أهمّ كتاب مفرد، ويضم إلى حواشيه ما أشار إليه الشيخ، وبهذا النحو تكتمل ترجمة ابن تيمية، إلى أعمال ثلاثة أخرى مكملة ذكرها الشيخ في مقدمة «الجامع» (ص 35) وفي «المداخل إلى آثار شيخ الإسلام» (ص 12 - 13). _________ (1) نقله المصنف في كتابنا هذا (ص 34). (2) تقديمه لكتاب «الجامع» (ص 35 ط الثالثة).

(المقدمة/6)


وقد طبع هذا الكتاب باسم «العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله سنة 1356 هـ، وبهذا الاسم العَلَميّ اشتهر. واعتمد في تحقيقه على نسخة واحدة متأخرة، وهي المرموز لها بـ (ك) (انظر وصفها ص 46) ثم توالت طبعاته تصويرًا عن هذه الطبعة أو اعتمادًا عليها، ثم طُبع عن قريب طبعتين اعتمدتا على نفس النسخة الخطية مع نسخة القدس (ق) التي تمثّل نصف الكتاب فقط، لكن كلا التحقيقين لم يضيفا جديدًا إلى الكتاب. وتأتي هذه الطبعة أخيرًا بعد طول انتظار مستوفيةً ــ إن شاء الله ــ جوانب خدمة الكتاب؛ من تحرير نصِّه على أهمّ نُسَخه الخطية، والعناية به، والتعليق عليه، وعمل الفهارس الكاشفة لألفاظه وفوائده، والتقديم المُعرّف به. وبين يدي تحقيق الكتاب نقدم عددًا من المباحث، هي: * ترجمة مختصرة للمؤلف. وقد ترجمت له ترجمة مختصرة؛ لأنه قد كُتِب عنه عدّة مرات في دراسات جامعية وغيرها. * التعريف بالكتاب من حيث: - اسمه. - تاريخ تأليفه. - إثبات نسبته إلى المؤلف. - موارده. - مباحث الكتاب، وترتيب المؤلف لها.

(المقدمة/7)


- أهمية الكتاب وأثره فيمن بعده. - مطبوعاته. - مخطوطاته. - منهج التحقيق. - نماذج من النسخ الخطية.

(المقدمة/8)


ترجمة المؤلف (1) - اسمه ونسبه: هو: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، المقدسي، الجماعيلي الأصل، ثم الصالحي، يُرفع نسبه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. - مولده: اختُلف في تحديد تاريخ مولده اختلافًا يسيرًا، فقيل: إنه ولد في رجب سنة خمس وسبعمائة. وقيل: سنة أربع وسبعمائة. والأمر قريب. - نشأته: نشأ ابن عبد الهادي في دمشق، في أسرة علم وصلاح، وكان أبوه من أهل العلم (2)، فاعتنى الوالد بابنه النجيب الذي بدت عليه مخايل الذكاء والنبوغ من صغره. وكانت دمشق إذ ذاك زاخرةً بالعلماء المحققين في كافة _________ (1) أهم مصادر ترجمته: «المعجم المختص» (ص 215)، «تذكرة الحفاظ»: (4/ 1508)، «أعيان العصر»: (4/ 273 - 275)، «الوافي بالوفيات»: (2/ 113 - 114)، «البداية والنهاية»: (18/ 466 - 467)، «الذيل على طبقات الحنابلة»: (5/ 115 - 123)، «الدرر الكامنة»: (3/ 331 - 332)، «الرد الوافر» (ص 63 - 65). و «تاريخ ابن قاضي شهبة»: (2/ 1/395 - 396). ومقدمات تحقيق كتبه: «التنقيح» بطبعتيه، و «مجموع الرسائل». (2) ترجمته في «الدرر الكامنة»: (1/ 195).

(المقدمة/9)


الفنون والتخصصات، فنهل ابن عبد الهادي من علومهم، وظفر بالأخذ من كبار علماء عصره علوًّا في الإسناد، وجلالة في العلم، وتبحرًا في فنونه، وقد تيسر له ملازمة جهابذتهم وأئمتهم (1)، فكان لهذا الأمر، مع ما أعطاه الله من كمال التهيؤ، للعلم أثره المحمود في شخصيته العلمية. - شيوخه: ونشير هنا إلى أبرزهم: 1 - شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728). قال ابن عبد الهادي واصفًا دراسته على ابن تيمية في سنة 721 هـ بعد خروجه من السجن، وكان عمره آنذاك ستة عشر عامًا: «وكنتُ أتردد عليه في هذه المدة أحيانًا، وقرأتُ عليه قطعة من «الأربعين» للرازي، وشَرَحها لي، وكتب لي على بعضها شيئًا، وكان يُقرأ عليه في تلك المدة من كتبه، وهو يصلح فيها، ويزيد وينقص. ولقد حضرتُ معه يومًا في بستان الأمير فخر الدين بن الشمس لؤلؤ، وكان قد عمل وليمة، وقرأت على الشيخ في ذلك اليوم أربعين حديثًا، وكتب بعض الجماعة أسماء الحاضرين، وأخذ الشيخ بعد ذلك في الكلام في أنواع العلوم، فبُهت الحاضرون لكلامه، واشتغلوا بذلك عن الأكل» (2). _________ (1) ولعل هذا هو السبب في عدم رحلة ابن عبد الهادي إلى خارج الشام، فكأنه اكتفى بالأخذ عن جهابذتها عن الرحلة إلى غيرها. (2) «العقود الدرية»: (ص 397).

(المقدمة/10)


وتتجلى علاقة ابن عبد الهادي بشيخه ومدى احتفائه وإعجابه به: أنه صاحب أوسع ترجمة للإمام ابن تيمية من بين تلاميذه ــ وهم كثر ــ ومَن بعدهم. ويتضح أيضًا من عنايته بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية واختياراته، بل وعَدَ بتأليف كتاب مفرد في مؤلفات الشيخ، قال: «وسأجتهد إن شاء الله تعالى في ضبط ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبيّن ما صنّفه منها بمصر، وما ألفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتّبه ترتيبًا حسنًا غير هذا الترتيب، بعون الله تعالى وقوته ومشيئته» (1). 2 - أبو الحجاج يوسف المزِّي (ت 742). الإمام الحافظ، شيخ المحدثين في زمانه، صاحب الكتابين العظيمين: «تهذيب الكمال»، و «تحفة الأشراف». قال ابن عبد الهادي بعد الثناء على شيخه ومدى إفادته منه وتخرّجه عليه: «وصنف كتاب «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» ... ، وهو كتاب حافل عديم النظير، وكتاب «الأطراف»، وأَوْضَح في هذين الكتابين مشكلات لم يُسبق إليها، وقد ملكتُ الكتابين بخطه، والحمد لله. وهو شيخي الذي انتفعت به كثيرًا في هذا العلم، وكان إمامًا في السُّنة، ماشيًا على طريقة سلف الأمة ... وكان صحيح الذهن، حسن الفهم، سريع الإدراك، يرُدّ في الإسناد والمتن ردًّا ينبهر له فضلاء الحاضرين، وربما يكون في أثناء ذلك يطالع وينقل الطِّباق» (2). _________ (1) «العقود» (ص 107). (2) «مختصر طبقات علماء الحديث»: (4/ 266 ــ 267).

(المقدمة/11)


وقد أثنى المزي على تلميذه ابن عبد الهادي ثناء عاطرًا كما سيأتي، مما يدل على توثق العلاقة بينهما، واحتفاء الشيخ بتلميذه الذي يُعدّ من ثمار غرسه. وأما بقية شيوخه فنسرد أسماءهم، ولتراجع تراجمهم. 3 - أبو الفضل سليمان بن حمزة، تقي الدين المقدسي (ت 715). 4 - أبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم المقدسي (ت 718). 5 - يحيى بن محمد سعد الدين الأنصاري المقدسي (ت 721). 6 - محمد بن أحمد بن الزرّاد الصالحي (ت 726). 7 - محمد بن مسلّم شمس الدين الزيني الصالحي (ت 726). 8 - إسماعيل بن محمد بن الفرّاء مجد الدين الحرّاني (ت 729). 9 - أبو العباس أحمد بن أبي طالب الصالحي الحجّار (ت 730). 10 - محمد بن أحمد بن بصخان الدمشقي المقرئ (ت 743). 11 - محمد بن أحمد شمس الدين الذهبي الحافظ (ت 748). 12 - محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيّم الجوزية (ت 751). - ثناء العلماء عليه: 1 - الحافظ المزي (ت 742): وهو من شيوخه، قال ابن ناصر الدين (1): «ولقد كتب الحافظ أبو الحجاج المزي على كتاب «ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية» تأليف ابن عبد الهادي، ما صورته: كتاب مختصر في ذكر حال الشيخ الإمام شيخ _________ (1) في «الرد الوافر» (ص 230).

(المقدمة/12)


الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، وذِكْر بعض مناقبه ومصنفاته رضي الله تعالى عنه، جَمْع الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، أدام الله النفع بفوائده». وقال الحافظ ابن حجر (1): «قال المزي: ما التقيت به إلا واستفدت منه». وستأتي نحو هذه العبارة للذهبي. 2 - الحافظ الذهبي (ت 748): وهو من شيوخه أيضًا، قال (2): «الفقيه البارع، المقرئ المجوِّد، المُحدِّث الحافظ، النحوي الحاذق، صاحب الفنون». وقال: «سمع الكثير ... وعني بفنون الحديث ومعرفة رجاله، وذهنه مليح، وله عدة محفوظات وتواليف وتعاليق مفيدة، كتب عني واستفدت منه، والله يصلحه ويسعده». وقال (3): «الإمام الأوحد الحافظ ذو الفنون شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي ... واعتنى بالرجال والعلل وبرع وجمع وتصدَّى للإفادة والاشتغال في القراءات والحديث والفقه والأصول والنحو، وله توسُّع في العلوم وذهن سَيَّال». _________ (1) «الدرر الكامنة»: (3/ 332). (2) «المعجم المختص» (ص 215). (3) «تذكرة الحفاظ»: (4/ 1508).

(المقدمة/13)


وقال فيما نقله عنه الحسيني (1): «وسمعت شيخنا الذهبي يقول ... : ما اجتمعت به قط إلا واستفدت منه رحمه الله تعالى». 3 - الحافظ الحسيني (ت 765): وهو من أقرانه، قال (2): «الإمام العلامة ... اعتنى بالرجال والعلل وبرع وجمع وصنف وتصدر للإفادة والاشتغال في القراءات والحديث والفقه والأصلين والنحو واللغة». 4 - صلاح الدين الصفدي (ت 764): وهو من أقرانه، قال (3): «لو عُمّر لكان يكون من أفراد الزمان، رأيته يواقف الشيخ جمال الدين المزي ويرد عليه في الرجال، واجتمعت به غير مرة، وكنت أسأله أسئلة أدبية وأسئلة نحوية فأجده كأنه كان البارحة يراجعها لاستحضاره ما يتعلق بذلك، وكان صافي الذهن، جيد البحث، صحيح النظر». وقال أيضًا (4): «الشيخ الإمام الفاضل المتفنن الذكي النحرير ... كان ذهنه صافيًا، وفكره بالمعضلات وافيًا، جيد المباحث، أطرب في نقله من المثاني والمثالث، صحيح الانتقاد، مليح الأخذ والإيراد، قد أتقن العربية، وغاص في لُجَّتها على فوائدها ونكتها الأدبية، وتبحَّر في معرفة أسماء _________ (1) «ذيل تذكرة الحفاظ» (ص 49). (2) المصدر نفسه. (3) «الوافي بالوفيات»: (2/ 161). (4) «أعيان العصر»: (4/ 273).

(المقدمة/14)


الرجال، وضيَّق على المزي فيها المجال ... كان من أفراد الزمان، رأيته يواقف شيخنا جمال الدين المزي ويرد عليه في أسماء الرجال، واجتمعت به غير مرة، وكنت أسأله أسئلة أدبية وأسئلة عربية فأجده فيها سيلاً يتحدَّر، ولو عاش كان عجبًا». 5 - الحافظ ابن كثير (ت 774): وهو من أقرانه، قال (1): «صاحبنا الشيخ الإمام العالم العلامة الناقد البارع في فنون العلوم ... لم يبلغ الأربعين وحصل من العلوم ما لا يبلغه الشيوخ الكبار، وتفنن في الحديث والنحو والتصريف والفقه والتفسير والأصلين والتاريخ والقراءات، وله مجاميع وتعاليق مفيدة كثيرة، وكان حافظًا جيدًا لأسماء الرجال وطرق الحديث، عارفًا بالجرح والتعديل، بصيرًا بعلل الحديث، حسن الفهم له، جيد المذاكرة صحيح الذهن مستقيمًا على طريقة السلف، واتباع الكتاب والسنة، مثابرًا على فعل الخيرات» اهـ. 6 - الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت 795): قال (2): «المقرئ، الفقيه، المحدِّث الحافظ، الناقد، النحوي، المتفنن ... قرأ بالروايات وسمع الكثير ... وعني بالحديث وفنونه، ومعرفة الرجال والعلل، وبرع في ذلك، وتفقه في المذهب وأفتى، وقرأ الأصلين والعربية وبرع فيها». _________ (1) «البداية والنهاية» (18/ 466 ــ 467) (2) «ذيل الطبقات» (5/ 116).

(المقدمة/15)


7 - الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842): قال (1): «الشيخ الإمام العلامة الحافظ، الناقد، ذو الفنون، عمدة المحدثين، متقن المحررين». وقال أيضًا: «قرأ القرآن العظيم بالروايات، وسمع ما لا يحصى من المرويات ... ورافق الحفاظ والمحدثين، وعني بالحديث وأنواعه، ومعرفة رجاله وعلله، وتفقه وأفتى، ودرس وجمع وألف، وكتب الكثير وصنف، وتصدى للإفادة والاشتغال في فنون من العلوم ... وكان إمامًا في علوم: كالتفسير، والقراءات، والحديث، والأصول، والفقه، واللغة العربية». - مصنفاته: يُعَدُّ ابن عبد الهادي ــ على قِصر عمره ــ من المكثرين من التأليف، فقد تجاوز عدد مؤلفاته السبعين عنوانًا، مما دعا عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي ــ أخا المؤلف ــ أن يؤلف كتابًا في أسماء مصنفات أخيه شمس الدين (2). وقد اعتنى مترجموه بذكر مؤلفاته، ولعل أهم قائمتين في ذلك: ما ذكره ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة»، وابن قاضي شهبة في «تاريخه»، وسنذكر هنا ما طبع منها، مع الإشارة إلى معلومات الطبع أو _________ (1) «الرد الوافر» (ص 63). (2) انظر: «الجوهر المنضد» (ص 55).

(المقدمة/16)


تعدد الطبعات باختصار (1). 1 - اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية. طبع مرتين، إحداهما في ضمن هذا المشروع المبارك إن شاء الله تعالى سنة 1424 هـ بتحقيق سامي جاد الله. والثانية بتحقيق حسين عكاشة ضمن مجموع فيه من تراث ابن تيمية (مرتبًا على أبواب الفقه) سنة 1424 هـ. ومرة أخرى ضمن رسائل ابن عبد الهادي (دون ترتيب) سنة 1428 هـ، كلاهما من طبع الفاروق الحديثة. 2 - إقامة البرهان على عدم وجوب صوم يوم الثلاثين من شعبان. طبعت عدة مرات، منها بتحقيق سامي جاد الله عن دار الوطن 1418 هـ. 3 - تعليقة على «العلل» لابن أبي حاتم. طبع مرتين، الأولى بتحقيق مصطفى أبو الغيط، وإبراهيم فهمي عن الفاروق الحديثة سنة 1422 هـ. والثانية بتحقيق سامي جاد الله عن دار أضواء السلف سنة 1423 هـ. 4 - تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق. له عدة طبعات، أكملها وأفضلها طبعة دار أضواء السلف 1428 هـ، في خمسة مجلدات، تحقيق سامي جاد الله، وعبد العزيز الخباني. وكان _________ (1) ولمعرفة بقية قائمة أسماء كتبه راجع مقدمة تحقيق «تنقيح التحقيق» بطبعتيه، ومقدمة تحقيق «مجموع رسائل ابن عبد الهادي».

(المقدمة/17)


الكتاب قد حَقَّق قسمًا منه إلى كتاب الزكاة الدكتور عامر حسن صبري وطبع في مجلدين عن المكتبة الحديثة سنة 1409 هـ، وأكمل باقيه إلا يسيرًا من آخره الصديق الدكتور أحمد القرني في رسالته للدكتوراه. 5 - جزء في المراسيل. طبع ضمن مجموع رسائل المؤلف (ص 113 ــ 140). 6 - جزء في الكلام على حديث: «أفرضكم زيد». طبع ضمن مجموع رسائل المؤلف (ص 43 ــ 81). 7 - رسالة لطيفة في أحاديث متفرقة ضعيفة. طبع عدة مرات، منها طبعة ضمن مجموع رسائل المؤلف (ص 83 ــ 111). 8 - شرح قصيدة ابن فرح الإشبيلي «غرامي صحيح». طبع ضمن مجموع رسائل المؤلف (ص 263 ــ 283). 9 - الصارم المنكي في الردِّ على السبكي. طبع عدة مرات، وهو يحتاج إلى تحقيق علمي يليق بمكانة الكتاب. ومنه نسخ خطية عديدة. 10 - مختصر طبقات علماء الحديث. طبع في مؤسسة الرسالة، في أربعة مجلدات متوسطة الحجم، تحقيق أكرم البوشي، وإبراهيم الزيبق. وهو في غالبه مختصر من «تذكرة الحفاظ» للذهبي، مع إضافات وفوائد.

(المقدمة/18)


11 - الطرفة في النحو. طبع ضمن مجموع رسائل المؤلف (ص 285 ــ 308). 12 - ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، المسمّاة: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية. وهو كتابنا هذا. 13 - فضائل الشام. طبع ضمن مجموع رسائل المؤلف (ص 237 ــ 261). 14 - الكلام على أحاديث لبس الخفين للمحرم. جزء، لم يوجد كاملًا، وطبع ما وُجِد منه ضمن مجموع رسائل المؤلف (ص 141 ــ 158). 15 - الكلام على مسألة الاستواء على العرش. طبع عن دار الفلاح بمصر، تحقيق الدكتور ناصر السلامة. 16 - المحرّر في أحاديث الأحكام. طبع عدة مرات، وأحسنها طبع دار العطاء سنة 1422 هـ في مجلد، تحقيق عادل الهدايا ومحمد علوش. 17 - مناقب الأئمة الأربعة. طبع عن دار المؤيد بالرياض سنة 1416 هـ بتحقيق سليمان بن مسلّم الحرش.

(المقدمة/19)


- وفاته: مرض نحو ثلاثة أشهر بقرحة وحمى سُل، ثم تفاقم أمره، وأفرط به إسهال، وتزايد ضعفه، إلى أن توفي يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى من سنة أربع وأربعين وسبعمائة، ولم يبلغ الأربعين (1). قال ابن كثير (2): «أخبرني والده أن آخر كلامه أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فصُلي عليه يوم الخميس بالجامع المظفَّري، وحضر جنازته قضاةُ البلد وأعيان الناس من العلماء والأمراء والتجار والعامة، وكانت جنازته حافلة مليحة، عليها ضوء ونور، ودفن بالروضة، رحمه الله تعالى». _________ (1) ذكرته في كتابي «العلماء الذين لم يتجاوزوا سن الأشُد» (ص 135)، دار العاصمة، ط الأولى 1418 هـ. (2) «البداية والنهاية»: (18/ 467).

(المقدمة/20)


 التعريف بالكتاب

- اسم الكتاب: وقع اختلاف في اسم الكتاب على عدة أنحاء: 1 - العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية. بهذا العنوان طبع الكتاب أول مرة عام 1356 هـ بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله. وعنه اشتهرت هذه التسمية، ولم يذكر مستنده فيها، مع أن النسخة التي اعتمد عليها ليس عليها عنوان، وهي نسخة الكويت المرموز لها عندنا بـ (ك). لكن وجدنا من ذكره بهذا الاسم قبل الشيخ الفقي، فوجدناه أولًا على نسخة خطية من مخطوطات الحرم المكي الشريف منسوخة سنة 1295 هـ (وسيأتي وصفها ضمن نسخ الكتاب) ونص العنوان فيها: «العقود الدرية في ذكر بعض مناقب ابن تيمية». ووجدنا ثانيًا الشيخ أبا بكر بن محمد خُوقير المكي (ت 1349) قد ذكر الكتاب بهذا الاسم، قال: «وقد ألف الحنابلة في ذلك (يعني ترجمة ابن تيمية) قديمًا وحديثًا، فمنهم تلميذ المؤلف شيخ الإسلام الحافظ ابن عبد الهادي .. له: العقود الدرية في نحو خمسة عشر كراسًا» (1) اهـ. ويمكن أن تكون النسخة التي يشير إليها خوقير هي نسخة الحرم نفسها، والله أعلم. _________ (1) في خاتمة طبعته لكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (ص 40) من الطبعة الأولى سنة 1311 هـ. وقد أوقفني على هذه الفائدة الصديق المحقق عزير شمس.

(المقدمة/21)


فنسخة الحرم وكلام الشيخ خوقير قبل أن يَطبع الشيخُ الفقي الكتاب، فلعله اطلع على ما يشهد لتسميته بهذا الاسم، غير أنه لم يذكر مستنده صراحة، وها نحن قد ذكرناه فأزلنا عنه بعض العتب. وقد اخترتُ الإبقاء على هذا العنوان كما ورد في نسخة الحرم المكي، لوجوده على نسختين خطيتين، ولأن الكتاب طُبع واشتهر بهذا العنوان، ولأن المؤلف لم يضع له عنوانًا عَلَميًّا. 2 - العقود البهية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية. وهذا العنوان ثابت في نسختي مكتبة الملك فهد (ف)، ومكتبة جامعة الملك سعود (د). وهما نسختان متأخرتان ــ كما سيأتي ــ والثانية منسوخة من التي قبلها على ما يظهر. 3 - الدرر البهية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية. نصَّ على هذا الاسم العلامة محمود شكري الآلوسي في كتابه «غاية الأماني في الرد على النبهاني»: (1/ 500 - ط الرشد) قال: «وقد رأيت كتابًا كتب على ظهر ترجمة شيخ الإسلام وبيان مناقبه وهي: الدرر البهية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، للحافظ الشيخ شمس الدين بن عبد الهادي المقدسي .. » اهـ. فقد وقف الآلوسي على نسخة خطية بهذا العنوان. غير أنه لم يصفها لنعرف قيمتها العلمية. 4 - كتاب الانتصار في ذِكْر أحوال قامع المبتدعين وآخر المجتهدين تقي الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية. وهذا العنوان مكتوب على الصفحة الأولى من نسخة القدس (ق)،

(المقدمة/22)


وبه طُبِع الكتاب بتحقيق الدكتور محمد السيد الجليند بالقاهرة سنة 1423 هـ. وقد زعم في مقدمة طبعته (ص 39) أن هذا هو الاسم الصحيح للكتاب، وأنه من ميزات هذه النسخة! ومن ميزات طبعته! ولم يتنبه الأستاذ الفاضل إلى أن هذا العنوان مكتوب بخط مغاير لخط النسخة، فهو إما لأحد المطالعين أو ممن تملّك النسخة الخطية. ويضعف من شأنه أيضًا أن كاتب ذاك العنوان أخطأ في اسم مؤلف الكتاب ــ كما أخطأ في عنوانه ــ فقال: إنه من تصنيف سيدي عبد الرحمن المقدسي! كما أن هذا العنوان الفريد لم يذكره أحد ممن ذكر الكتاب أو نقل منه، ولا هو في أيٍّ من نسخه الخطية العديدة. وعليه فإن غاية الأمر أن يقال: إن ذلك العنوان ليس هو إلا أحد العناوين التي وردت على إحدى مخطوطات الكتاب، وأنه لا مزية له على غيره من العناوين، وأنه في نهاية الأمر من ابتكارات من كتبه فحسب. 5 - كتاب مختصر في ذكر حال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني وذكر بعض مناقبه ومصنفاته. هذا العنوان جاء على صفحة الغلاف من نسخة الأصل ــ كوبريللي، ونسخة (ب). ونسخة الأصل هي أقدم نسخ الكتاب إذ كتبت سنة 758 هـ أي بعد موت المؤلف بأربعة عشر عامًا فقط. وقد نصَّ ناسخُها أنه نقل هذه الترجمة (أي العنوان) من خط الإمام الحافظ جمال الدين المزي (ت 742). وقد اطلع أيضًا على هذه الترجمة بخط المزي الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي ونقلها في كتابه «الرد الوافر» (ص 230). وهذه الترجمة التي كتبها المزي أَتْبعها بذكر مصنِّفها ابن عبد الهادي

(المقدمة/23)


فقال: «جَمْع الشيخ الإمام ... أدام الله النفع بفوائده». وهذا دليل على أن هذه العنوان بخط الحافظ المزي على ظهر نسخة من الكتاب في حياة مؤلفه. وهذا دليل كاف في إثبات أن هذا العنوان هو الأوثق من بين العناوين التي وردت للكتاب، وأن ابن عبد الهادي لم يكتب له عنوانًا مسجوعًا، وأن العناوين المسجوعة السالف ذكرها من صنع النساخ أو غيرهم من متملكي النسخ. وقد ذكره ابن ناصر الدين مرتين أخريين في كتابه (ص 64، 109) ولم يسمه إلا بنحو ذلك الاسم. 6 - مناقب ابن تيمية. ذكره هكذا الشيخ مرعي الكرمي (ت 1033) في كتابيه «الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية» في مقدمته (ص 51). وفي كتابه «الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية» (ص 52). وبعد، فهذه الأسماء التي وردت للكتاب، وتعدُّدها يدلّ على أن المؤلف لم يضع للكتاب اسمًا علَمِيًّا مسجوعًا، بل كان اسم الكتاب هو العنوان الوارد على نسختي الأصل و (ب) وعند ابن ناصر الدين الدمشقي: «كتاب مختصر في ذكر حال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني وذكر بعض مناقبه ومصنفاته». مما دعا بعض النسّاخ أو مُلّاك النسخ إلى اختيار اسمٍ مسجوع له، فتعددت تسمياتهم بحسب اجتهاداتهم في التسمية كما سبق. وقد رأيتُ في طبعتنا هذه أن أبقي على التسمية التي اشتهر بها الكتاب وهي: «العقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية»، خاصةً وقد وجدنا ما يشهد لهذا الاسم في النسخ الخطية للكتاب كما سبقت الإشارة إليه.

(المقدمة/24)


- تاريخ تأليف الكتاب: ليس بين أيدينا نص يحدّد تاريخ تأليف هذا الكتاب بدقة، لكن يمكن القول أنه ألفه بعد سنة 730 هـ وقبل سنة 740 هـ. ويمكن تقريب ذلك بالقول: إن شيخ الإسلام توفي سنة 728 هـ، في العشرين من ذي القعدة، والكثير من مباحث الكتاب تدلنا أن مؤلفه لم يكتبه بعد وفاة الشيخ مباشرة، بل أخذ بعض الوقت في جمع مادة الكتاب ومصادره، سواء من كتب الشيخ أو رسائل تلاميذه أو المعلومات والوثائق والشهادات التي ساقها، ومن أصرح تلك المواضع: ما يتعلق بسرد مؤلفات الشيخ، وما وقع لها من الحفظ والتلف، قال: «ولقد رأيت مِنْ خَرْق العادة في حفظ كتبه، وجمعها وإصلاح ما فسد منها، وردّ ما ذهب منها ما لو ذكرته لكان عجبًا، يعلم به كلّ منصف أن لله عناية به وبكلامه ... » (1). وأيضًا نَقْله لكتاب أبي عبد الله ابن رُشيق (ت 749) في وصف مؤلفات الشيخ وتعدادها، الذي ألفه بعد وفاة الشيخ، وأُرجِّح أنه ألفه بناء على طلب من البعض ومنهم الشيخ عبد الله بن حامد الشافعي، الذي أرسل رسالة لابن رشيق بعد وفاة الشيخ بهذا الخصوص (2). ومنها أيضًا ذِكْر أعداء الشيخ، وأنهم قد وقعت بهم أنواع العقوبات مما كانوا يكيدون به للشيخ رحمه الله، قال ابن عبد الهادي عند كلامه على محنة _________ (1) «العقود» (ص 107 ــ 108). (2) انظرها في «الجامع» (ص 241 - 245).

(المقدمة/25)


الشيخ في مسألة الزيارة وكانت قبل وفاته بقليل: «ولقد اجتمع جماعة معروفون بدمشق وضربوا مشورة في حق الشيخ، فقال أحدهم: يُنْفَى، فنفي القائل. وقال آخر: يُقْطَع لسانه، فقطع لسان القائل. وقال آخر: يُعزَّر، فعزر القائل. وقال آخر: يحبس، فحبس القائل. أخبرني بذلك من حضر هذه المشورة وهو كاره لها» (1). أما كونه ألف نحو سنة 740 هـ فيؤخذ مما جاء على ظاهر نسخة الأصل من كلام الإمام جمال الدين المزي (ت 742) وفيها: «هذا كتاب مختصر في ذكر حال شيخ الإسلام ... جَمْع الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد ابن قدامة المقدسي، أدام الله النفع بفوائده». فهذا دليل أنه ألف قبل وفاة الحافظ المزي بمُدَّة، مما مكَّنه من الاطلاع على الكتاب وكتابة عنوانه. * * * _________ (1) «العقود» (ص 399).

(المقدمة/26)


- إثبات نسبته إلى المؤلف: الكتاب ثابت النسبة لابن عبد الهادي رحمه الله، ودلائل ذلك متعددة، وهي: 1 - أنه منسوب إلى الحافظ ابن عبد الهادي في جميع نسخ الكتاب الخطية، سواء على صفحة العنوان أو في ديباجة النسخة، عدا نسخة القدس (ق) فقد وهم أحد المطالعين أو ملاك النسخة فنسب الكتاب فيها إلى سيدي عبد الرحمن المقدسي! ووضع له عنوانًا مغايرًا لباقي النسخ والمصادر التي ذكرت الكتاب (1). 2 - ما كتبه الحافظ جمال الدين المزي (656 - 742) ــ رفيق شيخ الإسلام صاحب الترجمة، وشيخ ابن عبد الهادي صاحب الكتاب ــ على ظهر نسخة من الكتاب، وفيها ذكر اسم الكتاب وذكر مؤلفه، والدعاء لمؤلفه بإدامة النفع لفوائده (2). وهذا دليل لو انفرد لكان كافيًا في إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه. 3 - أن من ترجم للمؤلف ذكروا هذا الكتاب من جملة مؤلفاته، راجع مصادر ترجمته. 4 - وكذلك مَن اقتبس مِن الكتاب نَسَبه لابن عبد الهادي، كما في «الرد الوافر» (ص 64، 109، 230). وكذلك من لخّصه كالشيخ مرعي _________ (1) انظر ما سبق عند الكلام على اسم الكتاب (ص 21 ــ 23)، وما سيأتي في وصف النسخ الخطية (ص 40). (2) انظر النص كاملًا في مبحث وصف النسخ الخطية (ص 40).

(المقدمة/27)


الكرمي الحنبلي (ت 1033) في كتابه «الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية» كما ذكر في مقدمته (1). واقتبس منه في كتابه «الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية» (ص 52 - 53). 5 - أن ترجمة الشيخ من كتاب «طبقات علماء الحديث»: (4/ 279 - 296) للمؤلف متطابقة مع ترجمته هنا، لا تكاد تغادر منها شيئًا، حتى في العبارات الإنشائية التي هي من تعبيره وإنشائه، وكذلك في المعلومات والفوائد والنقول التي انفرد بها ابن عبد الهادي. مما يدل أنهما لمؤلف واحد. وأرجح أنه ألف الطبقات قبل الترجمة المفردة، بدليل أن لم يذكر في الطبقات أنه أفرد ترجمة الشيخ بكتاب مستقل. ولمَّا ذكر مؤلفاته في الطبقات قال: إنها تحتاج إلى أوراق كثيرة، ولذكرها موضع آخر. * * * - موارده: تعددت موارد المؤلف في كتابه؛ ما بين كتب، وروايات شفوية، ومشاهدات، ورسائل شخصية، أو كتب لصاحب الترجمة، أو مناظرات، وقصائد. ونستطيع القول إن المؤلف بنى كتابه على ثلاثة مصادر: _________ (1) (ص 51).

(المقدمة/28)


المصدر الأول: جماعة من الأعلام المعاصرين لشيخ الإسلام. وقد تعددت طرق نقله عنهم: - فإما أن يصرِّح بمصدر النقل، كما في نقله عن الذهبي من طبقة بخطِّه على كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (ص 15)، وعن ابن الزّمْلكاني مِن خطِّه على كتاب «بيان الدليل على بطلان التحليل» (ص 14)، وعن البِرْزالي من «معجم شيوخه» (ص 19). - أو يصرِّح باسم العَلَم فقط ونعلم بالمقارنة مصدره، كما نَقَل عن الذهبي في المواضع الآتية (ص 9، 33، 35، 168) وهذه النقول من رسالته «الدرة اليتيمية في السيرة التيمية» (1). ونَقَل عن ابن سيِّد الناس اليَعمَري (ص 16 - 19) والنقل من كتابه «أجوبة ابن سيّد الناس على سؤالات ابن أيْبَك الدمياطي». ونَقَل عن البِرْزالي (ص 253، 332، 334، 335، 353، 444) من كتاب «المقتفي لتاريخ أبي شامة». والموضع الأخير ليس في المطبوع من كتاب أبي شامة؛ لأنه ينتهي في سنة 721 هـ. ونقل عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن رُشَيِّق المالكي في (ص 39، 42، 107) من رسالته «أسماء مؤلفات شيخ الإسلام» (2)، والنقل الأخير ليس في المطبوع من كتاب ابن رُشَيّق إذا المطبوع فيه نقص كما بيناه في «مقدمة الجامع». - أو يصرِّح باسم العَلَم ولا نعلم مصدر نقله. كما نقل عن ابن النجّار _________ (1) نَشَرتُها ضمن «تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام». (2) نشرناه ضمن «الجامع لسيرة شيخ الإسلام». وصححنا نسبته لابن رُشَيّق، وكان قد طبع منسوبًا لابن القيم.

(المقدمة/29)


(ص 4)، وابن الزملكاني (ص 13)، والمزِّي (ص 12). - وقد تكون تلك النقول خاصة بالمؤلف، بالسماع المباشر، والنقل الخاص، والمكاتبة، وهذه على نوعين: الأول: أن يصرِّح باسمه، كما قال في موضع: «أخبرني الذهبي» (ص 172)، أو: «كتب إليَّ المقاتليّ» (ص 345)، وقوله: «جلست يومًا إلى قاضي القضاة صدر الدين علي الحنفي» (ص 346). وقوله: «هكذا أخبرني أخوه زين الدين» (ص 443). الثاني: أن يُبهِم المنقول عنه ولا يصرّح باسمه؛ كنقله من نبذة في سيرة شيخ الإسلام لبعض قدماء أصحاب الشيخ (ص 10 - 11). وقوله: «بلغني عن بعض مشايخ حلب» (ص 8). وقوله: «أخبرني غير واحد» (ص 108)، وقوله: «قرأت بخط بعض أصحابه في وقعة التتر» (ص 226 - 233)، وقوله: «قرأت بخط بعض أصحاب الشيخ» (ص 308)، و «أخبرني بعض أصحابنا» (ص 342)، و «أخبرني بذلك مَن حَضَر المشورة» (ص 397)، وقوله: «أُخْبِرت» (ص 307). المصدر الثاني: النصوص والاقتباسات التي أودعها الكتاب. وهذه على نوعين: الأول: نصوص لشيخ الإسلام رحمه الله. وهي كما يلي بحسب ورودها في الكتاب: 1 - نقله للغز الرشيد الفارقي، وحلّ الشيخ له (ص 21 - 29). 2 - نقل مقدمة كتاب «تنبيه الرجل العاقل» (ص 45 - 51).

(المقدمة/30)


3 - نقل مقدمة «الحموية» ومواضع منها (ص 111 - 144). 4 - نقل مناظرات الشيخ مع ابن المرحّل (ص 145 - 167). 5 - نقله لكتاب الشيخ في حادثة غزو التتار لبلاد الشام ومقارنتها بغزوة الأحزاب (ص 173 - 226). 6 - رسالة الشيخ إلى الملك الناصر بعد غزوة جبل كسروان (ص 235 - 247). 7 - نقله لحكاية المناظرة في العقيدة (ص 262 - 306). 8 - رسائل الشيخ إلى أقاربه وهو في مصر (ص 326 - 328، 347 - 350). 9 - فتوى الشيخ في مسألة الزيارة (ص 400 - 410). 10 - ورسائله التي كتبها بالفحم من سجن قلعة دمشق (ص 438 - 442). الثاني: نصوص لغيره. 1 - نقله لكتاب «التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار» لعماد الدين الواسطي المعروف بابن شيخ الحزّامين (ص 356 - 387). 2 - أجوبة العلماء انتصارًا للشيخ في مسألة الزيارة (ص 412 - 434). 3 - قصائد الرثاء والمديح (ص 452 - 590). قلت: وهذه النصوص ــ على طولها إذ بلغت ثلثي حجم الكتاب ــ

(المقدمة/31)


مهمة جدًّا من جهة الإفادة في ترجمة الشيخ، ومن جهة أن كتابنا هذا أصبح المصدر الوحيد لأكثر تلك النصوص المنقولة، فلولا نقله لها لضاعت مع ما ضاع من تراثنا. المصدر الثالث: أخبار يرويها بنفسه من مشاهداته. وهي قليلة مقارنة بحجم الكتاب، وكان من المتوقع أن تكون مصدرًا ثرًّا في الترجمة لقرب ابن عبد الهادي من صاحب الترجمة وتتلمذه عليه. وقد تعددت عباراته في ذلك، كقوله: «جلستُ يومًا إلى قاضي القضاة صدر الدين علي الحنفي» (ص 346)، وقوله: «كنتُ أتردّد عليه، وقرأتُ الأربعين»، و «حضرتُ معه يومًا بستان الأمير الشمس لؤلؤ» (ص 395). وقوله: «بلغني عن بعض مشايخ حلب» (ص 8). وقوله: «أخبرني غير واحد» (ص 108)، وقوله: «قرأت بخط بعض أصحابه في وقعة التتر» (ص 226 - 233)، وقوله: «قرأت بخط بعض أصحاب الشيخ» (ص 308)، و «أخبرني بعض أصحابنا» (ص 342)، و «أخبرني بذلك مَن حَضَر المشورة» (ص 397)، وقوله: «أُخْبِرت» (ص 307). * * * - مباحث الكتاب، وترتيب المؤلف لها: - افتتح المؤلف كتابه بذكر نسب الشيخ ومولده، وانتقاله من حران مع أهله، ثم ذكر بعض شيوخه المسندين، ونشأته العلمية، ونبوغه المبكر، وثناء العلماء عليه وهو في صغره. ثم انتهاء الإمامة إليه في العلم والعمل

(المقدمة/32)


وهو شاب في الثلاثين. ثم ذكر نصوصًا في الثناء عليه للمزي وابن الزملكاني والذهبي وابن سيد الناس والبرزالي. (ص 3 - 20). - ثم استطرد وذكر لغز الرشيد الفارقي وجواب شيخ الإسلام عليه في أسرع وقت وله نحو العشرين. (ص 20 ــ 32). - ثم عقد فصلاً طويلاً في ذكر مصنفات الشيخ، واستفاد من رسالة مؤلفات ابن تيمية لأبي عبد الله بن رُشيّق (ت 749) وقد استوعبها أو كاد. وساق مقتطفات من بعض كتبه، مثل كتاب «تنبيه الرجل العاقل»، و «الحموية». (ص 38 ــ 144). - ثم تطرّق إلى بعض مناظرات الشيخ، فذكر مناظرتين له جرتا مع الشيخ صدر الدين ابن المرحِّل (ت 716) في «الحمد والشكر» ومناظرة في قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}. (ص 145 ــ 167). وعاد من جديد إلى نقل ثناءٍ مطول للذهبي، ثم لابن دقيق العيد. (ص 168 ــ 170). - وانفصل إلى ما فعله الشيخ في نوبة غازان، ومجيء التتار بعد ذلك بعام سنة 700 هـ وقيام الشيخ في ذلك أتم قيام وسفره إلى مصر واستنهاض الهمم إلى مقاتلة التتار ... ثم ساق كتابًا مطولا للشيخ في هذه الحادثة ومقارنتها بما وقع في غزوة الأحزاب. (ص 170 ــ 228). - ثم ذكر ما كان في وقعة شقحب، وما ظهر فيها من نصر المسلمين، وكرامات الشيخ وشجاعته وقوة بأسه. وما وقع بعدها من التجهيز لغزو

(المقدمة/33)


جبل كسروان وتطهيره من أنواع المبتدعة الخارجين عن الشريعة وعلى ولاة الأمور وجماعة المسلمين. وذكر نصّ كتاب الشيخ إلى الملك الناصر بهذا الخصوص (ص 228 ــ 249). - ثم أشار إلى ما وقع للشيخ مع الأحمدية الرفاعية وبيان فساد ما هم عليه. (ص 250 ــ 251). - ثم ذكر من كلام الذهبي (مختصرًا) والبرزالي (مطوّلًا) ما وقع للشيخ من المحنة في تأليف «الحموية» عام 698 هـ، وما جرى من السؤال عن معتقده عام 705 هـ واستدعائه إلى مصر. (ص 251 ــ 263). - وبعده ذكر ما وقع للشيخ من المناظرة في العقيدة في المجالس الثلاثة المعقودة لذلك، وذكر فصلًا طويلًا من تأليف الشيخ في ذلك. (ص 264 ــ 308). - ثم استدعاء الشيخ إلى مصر، وتوجّهه إلى هناك، وما وقع له من السجن والمناظرات وغيرها (ص 309 ــ 317). - ثم ساق المؤلف عدة كتب أرسلها الشيخ من مصر إلى والدته وأقاربه وأصحابه (ص 318 ــ 330، 349 ــ 352). ــ ثم ذكر كتابًا من شرف الدين ابن تيمية إلى أخيه لأمه بدر الدين (ص 338 ــ 343). - وعاد المؤلف إلى ذكر بعض ما وقع للشيخ من أمور وأحداث بمصر مع الصوفية والغوغاء وغيرهم، ثم تسفيره إلى الإسكندرية، ثم

(المقدمة/34)


رجوعه إلى القاهرة ومقابلته للسلطان الملك الناصر معزّزًا مكرّمًا، وما جرى له في مجلسه، وعفوه عمن ظلمه، ثم إفادته للناس وبثه للعلم. (ص 330 ــ 356). - ثم ذكر رجوع الشيخ إلى دمشق ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، بعد غيبته عنها سبع سنين وسبع جُمَع. (ص 356 ــ 358). - بعده ذكر كتابًا للشيخ عماد الدين الواسطي (ت 711) في الثناء على الشيخ والوصاية به، سمّاه «التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار» (ص 358 ــ 389). - ثم ذكر ما كان من الشيخ بعد عودته، مِنْ نَشْر العلم والاجتهاد في الأحكام الشرعية، وتخَلَّص إلى ذكر بعض اختياراته الفقهية التي خالف فيها المذاهب الأربعة أو بعضها. وانفصل إلى ذكر فتياه في الحَلِف بالطلاق وما جرى له فيها من محنة وسجن. (ص 390 ــ 398). - وانتهى به القول إلى ذكر ما وقع للشيخ في مسألة شَدِّ الرحل إلى قبور الأنبياء والصالحين، ومحنة الشيخ وسجنه، وذكر صورة الفتيا التي أوجبت ذلك، ثم ذَكَر انتصار علماء بغداد والشام وغيرهم له في المسألة وإرسالهم بكتب كثيرة بموافقة الشيخ والالتماس من السلطان الإفراج عنه، وأنه لم يخالف العلماء، بل قال ما أداه إليه اجتهاده الذي قد سبق إليه. (ص 398 ــ 437). - ثم ذكر وفاة الشيخ شرف الدين عبد الله ابن تيمية أخي الشيخ سنة 727 هـ (ص 438 ــ 439).

(المقدمة/35)


- ثم وصف حاله في سجنه بقلعة دمشق، وما آل به الحال إلى إخراج الكتب والأوراق والدواة والقلم، وما كان حاله من التعبد والتلاوة والذكر. ثم ذكر أن الشيخ كان يكتب لأصحابه أوراقًا بعضها مكتوب بالفحم، وساق رسالتين منها. (ص 440 ــ 445). - ثم ذكر وفاة الشيخ، ومن دخل عليه وغسله، ووصف جنازته وكثرة اجتماع الناس فيها، كل ذلك من كلام البرزالي. ثم ذكر أبياتًا وجدت بخطه قالها بالقلعة. (ص 446 ــ 453). - وانتهى إلى ذكر بعض المدائح والمراثي التي قيلت في الشيخ، فساق طرفًا صالحًا منها يقارب حجمها خُمس الكتاب. (ص 454 ــ 546). وبعد هذا العرض الموجز لموضوعات الكتاب بحسب ترتيب المؤلف لها أسجّل ملاحظتين: الأولى: أن الكتاب كان بحاجة إلى مزيد من الترتيب والتسلسل في ذكر الأحداث والمواقف، ولعل المنيّة عاجلت المؤلف فلم يتمكن من إعادة النظر فيه إذ توفي شابًا دون الأربعين، ولعل قوله لما ذكر مؤلفاته (ص 107): «وسأجتهد إن شاء الله تعالى في ضبط ما يمكنني من أسماء مؤلفاته في موضع آخر غير هذا ... وأرتبه ترتيبًا حسنًا غير هذا الترتيب .. » يشهدُ لما قُلته. الثانية: هناك حوادث لم يذكرها المؤلف في كتابه، وقد ذُكرت في المصادر الأخرى، وكان من المتوقع أن يذكرها المؤلف لأهميتها وشهرتها، مثل حادثة عسَّاف النصراني وتأليف شيخ الإسلام على إثرها كتاب «الصارم المسلول»، وحادثة تكسيره للأحجار والأصنام التي كانت بدمشق، ووصف ما جرى له في مجلس غازان، إلى غير ذلك من الحوادث والماجَرَيات. وربما يعود

(المقدمة/36)


ذلك أيضًا إلى ما أسلفته في الفقرة السالفة. * * *

  - أهمية الكتاب وأثره فيمن بعده:

سلف القول إن هذا الكتاب هو أهم كتاب في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتتضح أهميته من النقاط الآتية: - أن مؤلفه من تلاميذ شيخ الإسلام، الآخذين عنه، وقد عاصر كثيرًا من الأحداث التي جرت، وأخذ عمن عاصرها. - أنه أوسع كتاب في ترجمة الشيخ، سواء من المعاصرين له أو ممن جاء بعدهم. - أن المؤلف متثبِّت في أخباره وسياقه للنقول، فهو إما يعزو إلى كتاب معروف ذاكرًا اسمه، أو إلى طبقة سماع نقل منها، أو ينقل من خطوط أصحاب الكتب، أو ينقل من خط الشيخ، أو من خط بعض أصحابه. أو يعتمد على سماعاته من الرواة أو مشاهداته. - أنه حفظ لنا نصوصًا عزيزة وكتبًا نادرة لم تعرف إلا من خلال هذا الكتاب، منها مقدمة «تنبيه الرجل العاقل» التي ساقها بتمامها، ومناظرات الشيخ مع ابن الوكيل، وكتاب الشيخ في حادثة غزو التتر، ومقارنتها بما قصّه القرآن يوم الأحزاب، وكتاب عماد الدين الواسطي «التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار»، ورسائل الشيخ إلى أقاربه وأصحابه، ورسائله من السجن، والكثير من القصائد التي مُدِح بها الشيخ. فهذه الميزات جعلت منه عمدة لمن جاء بعده ممن كتب في ترجمته،

(المقدمة/37)


سواء في الكتب المفردة، أو الدراسات المعاصرة، فقد نقل منه: 1 - ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842) في «الرد الوافر» في مواضع (ص 64، 109، 230). 2 - ولخّصه الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي (ت 1033) في كتابه «الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية» كما ذكر في مقدمته (1). 3 - واقتبس منه أيضًا في كتابه «الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية» (ص 52 - 53). 4 - واقتبس منه العلامة محمود شكري الآلوسي (ت 1342) في كتابه «غاية الأماني في الرد على النبهاني»: (1/ 500). 5 - وتوسعت مدى الإفادة منه بعد طبعه سنة 1356 هـ؛ فصار عمدة التراجم التي يرجع إليها، فلا تخلو دراسة عن ابن تيمية من النقل عن هذا الكتاب أو الإشارة إليه. * * * - طبعات الكتاب: للكتاب عدة طبعات: 1 - طبعة مكتبة السنة المحمدية، تحقيق محمد حامد الفقي رحمه الله، وهي الطبعة الأولى للكتاب سنة 1356 هـ. وقد اعتمد فيها _________ (1) (ص 51) فقد كان عمدته مع كتابين آخرين هما: «الأعلام العلية» للبزار، وترجمة ابن فضل الله العمري من كتاب «مسالك الأبصار».

(المقدمة/38)


على نسخة خطية واحدة كانت من ممتلكاته، ثم آلت أخيرًا إلى مكتبة إحياء التراث بدولة الكويت، وهي التي رمزت لها بـ (ك). وقد استفدت منها وأشرت إليها بـ (ط). 2 - طبع بمطبعة المدني، بتقديم علي صبح المدني. بدون تاريخ نشر أو رقم الطبعة. 3 - طبعة الفاروق الحديثة للنشر والتوزيع، سنة 1422 هـ بتحقيق طلعت بن فؤاد الحُلواني. واعتمد فيها على نسختين خطيتين، الأولى نسخة الكويت (ك)، والثانية نسخ القدس (ق). 4 - طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مركز السيرة والسنة النبوية بوزارة الأوقاف بجمهورية مصر العربية، سنة 1423 هـ بتحقيق الدكتور محمد السيد الجليند. بعنوان: كتاب الانتصار في ذكر أحوال قامع المبتدعين وآخر المجتهدين تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية (1). واعتمد في تحقيقه على النسختين السالفتين في طبعة الفاروق. 5 - طبعة دار الكتب العلمية سنة 1426 هـ، بتحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل، ضمن مجموع يحوي خمسة كتب في ترجمة ابن تيمية، وكتابنا هو الثاني من (ص 51 - 316). ولم يذكر على أي شيء كان اعتماده، ويبدو أنه على إحدى طبعات الكتاب. _________ (1) انظر في نقد هذا العنوان ما سبق (ص 21 ــ 22).

(المقدمة/39)


6 - طبعة دار الكتاب العربي، ببيروت، صورة من تحقيق محمد حامد الفقي. * * * -مخطوطات الكتاب: 1 - نسخة كوبريللي «الأصل» رقم (1142): تقع في (166) ورقة، كتبت سنة (758) بخط عبد الرزاق بن محمد بن أحمد بن أبي الفتح بن علي الحلبي البزاز. نصّ على ذلك في صفحة العنوان كما سيأتي نقله. في كل ورقة 20 سطرًا، وخطها نسخي جميل، مضبوط بالشكل، ولا يخلو من خطأ فيه. وقد وقع خَلْط في ترتيب أوراقها من (ق 79 ــ 106)، يبدو أنه ناتج عن انفراط أوراق الكتاب فلم يحسن مَن جَمَعَه ترتيبَ أوراقِهِ، ثم رُقِّمت أوراقه بهذا الخلط، وقد أعدناها إلى الصواب مستفيدين من التعقيبة التي التزمها الناسخ ومن مخطوطات الكتاب الأخرى. جاء عنوان الكتاب كما في ظاهر النسخة: «هذا كتاب مختصر في ذكر حال شيخ الإسلام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني وذكر بعض مناقبه ومصنفاته رضي الله عنه وأثابه الجنة بفضل رحمته آمين». ثم كتب تحتها: «جمع الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن

(المقدمة/40)


عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي، أدام الله النفع بفوائده». ثم كتب تحتها بالخط نفسه: «نقلتُ هذه الترجمة من خط الشيخ جمال الدين المِزِّي رحمه الله ورضي عنه». وعَنى «بالترجمة» عنوان الكتاب، لا النسخة بتمامها كما فهمه ناسخ (ب) وغيره. ثم كُتب بخط مغاير عدة أسطر، مُحِيَت بحيث لم يبق لها أثر يُستدلّ به على ما كان فيها، غير أنّ من محاها أبقى آخرها وهو «وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم». ووضع على هذا الكلام المطموس ختم وقفية الكتاب وفيه: «هذا مما وقفه الوزير أبو العباس أحمد بن الوزير أبي عبد الله محمد عُرِف بكوبرولو، عفى الله عنهما» وبجواره رقمه في المكتبة. ثم أسفل منه من جهة اليمين عبارة قد أتى على بعضها تآكل الورقة: « ... للعبد الحقير ... بن أحمد بن .... من فوائده وفرائده ... مؤلفه بمنه وكرمه». وبجواره ختم صغير كتب عليه: «إنما لكل امرئٍ ما نوى». وبجواره إلى جهة اليسار عبارة لناسخ الأصل ونصها: «كتبه لنفسه بيده الجانية الفانية أحوج عبيد الله إلى المغفرة: عبد الرزاق بن محمد بن أحمد بن أبي الفتح بن علي الحلبي البزار (1). عامله الله بلطفه». _________ (1) لم أعثر على ترجمته. وقد أعاد اسمه في (ق 190) في آخر رسالة عبد الله بن حامد إلى ابن رشيق.

(المقدمة/41)


ثم كتب تحته بخط آخر: «نظر فيه العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن إبراهيم بن نصر الله أحمد بن محمد بن إبراهيم الكناني العسقلاني الحنبلي ... (1). وتحته أيضًا: «نظر فيه الفقير إلى الله تعالى ......... البهوتي الحنبلي لطف الله به آمين ... سنة 974». وينتهي الكتاب بالورقة (166 ب) وفيها قصيدة ابن فضل الله العمري في رثاء شيخ الإسلام. وقال الناسخ: «آخر ما اخْتُصِر من المناقب، والحمد لله رب العالمين، وصلاته على محمد وآله وصحبه أجمعين». ثم ألحق الناسخ بالكتاب عدة رسائل لها تعلق بترجمة شيخ الإسلام وهي: رسالة شيخ الإسلام إلى الملك الناصر (ق 174 ــ 179). ترجمة شيخ الإسلام لابن فضل الله العمري (ق 180 ــ 187). رسالة عبد الله بن حامد إلى ابن رشيق (ق 188 ـ 190). رسالة عبد الله بن حامد إلى ابن بُخيخ (ق 191 ــ 197). وفي آخرها بين تاريخ نسخها قال: «وفُرغ منه يوم الأحد الثاني من شهر جمادى الأولى من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، غفر الله لمن نظر فيه أو سمعه ودعا لكاتبه بالمغفرة والرحمة آمين». _________ (1) (ت 876) من كبار علماء الحنابلة بمصر. ترجمته في «الضوء اللامع»: (1/ 130).

(المقدمة/42)


وقد قسمها الناسخ إلى أجزاء، كل جزء عشر ورقات، يشير إلى ذلك في ركن الورقة الأيسر، فبلغت أجزاء النسخة سبعة عشر جزءًا، عدا ما ألحق بالكتاب من الرسائل السالف ذكرها. وتعتبر هذه النسخة أهم نسخ الكتاب وأقدمها، وهي جيدة، وأخطاؤها قليلة، وعليها علامات التصحيح والمقابلة، مما يدل أنها قد عورضت بأصلها، وقد أثبت الناسخ قيد المقابلة بالأصل كل عشر ورقات من أول الكتاب إلى آخره، انظر (ق 19 ب، 29 ب، 39 ب، 49 وهكذا) ومن عباراته في ذلك (ق 190 ب): «بلغ مقابلة حسب الطاقة، وكتب ليلاً ونهارًا». وهذه النسخة تتفق مع النسخ الأخرى في ترتيب موضوعاتها في عموم الكتاب، مع بعض الزيادات التي انفردت بها، كرسالة شيخ الإسلام إلى أخيه لأمه بدر الدين أبو القاسم. غير أنها تختلف اختلافًا كثيرًا عما في نسخ (ف، ح، ك، د) من حيث عدد قصائد الرثاء وترتيبها وعدد الأبيات. 2 - نسخة القدس (ق): نسخة محفوظة في مكتبة الشيخ خليل الخالدي بالقدس رقم 42/ 429، عدد أوراقها 142 ورقة ــ بترقيمي، في كل ورقة 13 سطرًا، في كل سطر من سبع إلى تسع كلمات فقط. ومنه صورة على ميكروفلم في معهد المخطوطات العربية رقم (913). وهي من منسوخات القرن التاسع تقديرًا. والورقة الأخيرة (ق 142) أُكملت بخط مغاير. على صفحة عنوانها كتب: «كتاب الانتصار في ذكر أحوال قامع المبتدعين وآخر المجتهدين تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية تغمده الله برحمته».

(المقدمة/43)


ثم كتب تحتها: «تصنيف العلامة الأوحد الفهامة سيدي الشيخ عبد الرحمن المقدسي عفى الله عنه آمين». وبمحاذاة العنوان من جهة اليسار كتب تملّكٌ نصّه: «في نوبة الفقير عبد الله الحنبلي عُفي عنه». وهذا العنوان وما بعده بخط مغاير لخط النسخة، فلعله بخط أحد المطالعين أو متملّكي النسخة، فإما أن يكون قد رأى النسخة غُفْلاً من العنوان، أو سقطت منها ورقة العنوان، فاجتهد في كتابة عنوان الكتاب واسم مؤلفه، فلم يصب في شيء منهما! فأما العنوان فسبق الكلام عليه في مبحث مفرد، وأما المؤلف فواضح الأمر. والنسخة ناقصة الآخر، تنتهي عند قوله: «وفي ثاني يوم بعد صلاة الجمعة جمع القضاة وأكابر الدولة بالقلعة لمحفل الشيخ، وأراد الشيخ أن يتكلم، فلم يمكَّن من البحث والكلام» (ص 305) من طبعتنا. وهي نسخة جيدة يغلب عليها الصحة، وإن لم تخل من أوهام. لكن أُقْحِم في أثناء النسخة (ق 8 ــ 60) كتاب «الحموية» لشيخ الإسلام رحمه الله، فقد ساق المؤلف مقدمته وبعضًا من مباحثه، لكنها هنا مستوفاة بتمامها. والذي يظهر لي أن نسخة «الحموية» هنا ليست من الكتاب بل ولا من ناسخه، بل هي ملفّقة وأدخلت في هذا الكتاب وهي ليست منه، إما ممن جلّد الكتاب أو ممن رتب أوراقه، بدليل واضح وهو اختلاف الخط واختلاف مقاس الصفحة وعدد الأسطر، بحيث لا يبقى أدنى شك في أن هذه النسخة من الحموية ليست من الكتاب في شيء، بل هي مقحمة فيه. أما من قال: إن سياقها بتمامها يعتبر الإخراج الأول للمؤلف ثم رأى في

(المقدمة/44)


الإخراج الثاني الاكتفاء ببعضها (1)؛ فهو قول بعيد مجانب للتحقيق. وقد وقع فيها بعض العيوب في مواضع، منها: طمس نصف صفحة (ق 54)، ووقع سقط في موضع آخر (ق 15 ــ 18). 3 - نسخة مكتبة الملك فهد (ف): كتب عنوانها: «كتاب العقود البهيّة في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية». تأليف الشيخ الإمام الحافظ المحقق أبي عبد الله بن محمد بن عبد الهادي رحمه الله تعالى ورضي عنه آمين، وسائر المسلمين، وصلى الله على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين. ثم كتب تحته بالخط نفسه تاريخ 1285 هـ. وعلى صفحة الغلاف ختمان، الأول: كتب عليه: «وقف الشيخ محمد بن عبد اللطيف 1381». والثاني: كتب عليه: «مكتبة الرياض العامة السعودية رقم 524/ 86، بتاريخ 15/ 10/ 1392 هـ. ثم آل أخيرًا إلى مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، ومنها حصلنا على هذه الصورة، أحسن الله إليهم. عدد صفحاتها (218 صفحة) أي 109 ورقات، وهي كاملة، كتبت سنة (1284) كما جاء في خاتمتها: «وكان الفراغ منها صبيحة يوم الجمعة حادي عشر من ذا (كذا) القعدة سنة 1284». وهي نسخة جيدة في الجملة، وإن لم تخل من التصحيف أو السقط _________ (1) انظر مقدمة د. الجليند لطبعته (ص 37).

(المقدمة/45)


وعلى هوامشها أنواع من التقييدات، فمنها: اجتهادات للناسخ في قراءة بعض الكلمات، كان يقول: «لعله كذا ... »، وبعض الاستدراك للسقط مما يدل أنها قد قُوبلت، وبعض التوضيح للكلمات مصحوبة بكلمة (بيان)، وبعض العناوين للمباحث الواردة في الكتاب، وبعض التقييد للفروق بين النسخ مما يدل أن الناسخ كان بين يديه نسخة أخرى، أو كانت هذه التقييدات على نسخة الأصل فنقلها كما هي، ويشير إلى ذلك إما بـ (ن) أو (خ). وهناك رمز آخر وهو (ظ) يشير إليه غالبًا إلى إشكال في الكلمة أو بيت الشعر. 4 - نسخة الكويت (ك): نسخة محفوظة في مركز المخطوطات والتراث والوثائق بالكويت رقم (97 ــ 64) تقع في (165) صفحة من القطع الكبير، يتفاوت عدد الأسطر من 28 ــ 33 سطرًا. وهي بخط فارسي جميل واضح محرر. وقد كانت من ممتلكات الشيخ محمد حامد الفقي ثم آلت إلى المركز المذكور. وتاريخ نسخها ــ كما جاء في آخرها ــ يوم الاثنين 12 شوال سنة 1312 هـ. وقد تعاور على نسخها أخوان عالمان، جاء في آخرها ما نصه: «وقع الفراغ التام من نسخ الكتاب المستطاب من أوله إلى صفحة 115 بيد أبي عبد الله محمد بن حسن (1) سلمه ربه. ومن صفحة 116 إلى آخره بيد أبي إسماعيل يوسف حسين بن محمد حسن الصابر الحنيف السني المحمدي، رواح يوم الاثنين 12 شوال سنة 1312 الهجرية، على صاحبها أنمى الصلاة وأزهى التحية. _________ (1) فوقها (رح) في الموضعين، يقصد الترحم على والده حسن.

(المقدمة/46)


ستبقى خطوطي في الدفاتر برهة ... وأنملتي تحت التراب رميم والحمد لله» اهـ. ترجمة الناسِخَين: 1 ــ محمد بن محمد حسن الخانـپـوري: من علماء الهند، من تلاميذ الشيخ نذير حسين الدهلوي، له مناظرات كثيرة وبعض التصانيف، ترجم له ابنُه ترجمة طويلة في كتاب «تذكرة علماء خانـپـور- بالأوردية» (ص 143 ــ 191). 2 ــ يوسف حسين بن محمد حسن الخانـپـوري: من علماء الهند، ومن تلاميذ الشيخ نذير حسين الدهلوي، له مصنفات كثيرة بالعربية والأردية، وهوممن له عناية بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ترجم له ابن أخيه ترجمة طويلة في «تذكرة علماء خانـپـور» (ص 193 ــ 249) (1). وقد ذكر الشيخ الفقي في تقدمته للعقود (ص 13) أن للكتاب نسخة وحيدة ــ فيما يعلم ــ في المكتبة الظاهرية بدمشق، وعنها أخذت هذه النسخة (ك) ونقلها هذان العالمان الهنديان. أقول: وليس في خاتمة هذه النسخة ذِكْر للأصل الذي نُسِخت منه. _________ (1) وله ترجمة في «نزهة الخواطر»: (8/ 1404 - ابن حزم).

(المقدمة/47)


ولا في المكتبة الظاهرية ــ الأسد الآن ــ أثر لهذه النسخة التي ذكرها الشيخ الفقي! فالله أعلم. وهذه النسخة على تأخّرها نسخة جيدة، تستحق أن يقابل عليها ويُستفاد منها، وقد رفع من شأنها أنها بخط عالمين من علماء الهند، وقد قوبلت على نسخة أخرى كما يظهر من بعض هوامشها الإشارة إلى ذلك، ويحتمل أن هذه الفروق منقولة من نسخة الأصل، كما هو مصرح به في مواضع من النسخة. وعن هذه النسخة طُبع الكتاب أول ما طُبع. وللشيخين الفاضلين يوسف العلي ووليد العَلي أجمل الثناء لتفضلهما بتصوير النسخة وإرسالها. ولصاحبنا الشيخ زاهر بالفقيه أيضًا شكر موصول لمقابلته الجيدة لأكثر هذه النسخة ونسخة (ف). 5 - نسخة مكتبة الحرم المكي (ح). نسخة محفوظة في مكتبة الحرم المكي رقم (2854 تراجم). وهي في (155 ورقة) من القطع الصغير. وينتهي الكتاب إلى الورقة 153 وبعده ورقتان بهما فوائد من كتب أخرى. وهي نسخة تامة، كتبت في جمادى الآخرة سنة 1295 هـ بخط عبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد بن فوزان. كتب عنوانها هكذا: «العقود الدرية في ذكر بعض مناقب ابن تيمية». وهذا من فوائد هذه النسخة على تأخرها، إذ لم ترد هذه التسمية إلا في هذه النسخة.

(المقدمة/48)


ولمدير مكتبة الحرم وافر الشكر على الإذن بتصوير نسخة منها على cd. 6 - نسخة الملك سعود (د): نسخة في جامعة الملك سعود بالرياض رقم (1639 ــ مجاميع)، وهي ضمن مجموع يحوي تسع رسائل، ويقع كتابنا في (ق 31 ــ 128) أي نحو 100 ورقة. وهي نسخة متأخرة جدًّا كُتبت سنة (1352 هـ) بخط ناسخ المجموع عبد الله بن إبراهيم بن محمد الربيعي (1). كتب على ورقة العنوان: «كتاب العقود البهية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف الشيخ الإمام الحافظ المحقق أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي رحمه الله تعالى، ورضي عنه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء، آمين». ثم كتب بشكل دائري يحيط بالعنوان: «مما منَّ الله به على عبده وابن عبده وأمَتِه عبد الله بن إبراهيم الربيعي، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولمن أحسن إليه والمسلمين أجمعين آمين». وجاء في آخرها: «تم هذا المجموع المبارك ضحوة الأربعاء سادس _________ (1) وقد لقب نفسه في آخر رسالة شيخ الإسلام في العلو التي بخطه بـ «الحنبلي السلفي». وهو ناسخ معروف من أهل القصيم ثم انتقل إلى الرياض واشتغل بنسخ الكتب (ت 1368). انظر «مجلة الدرعية» عدد 6، 7، س 2، سنة 1420 ص 140 ــ 180، بحث للدكتور راشد القحطاني. وعنه «ناسخو المخطوطات النجديون» (ص 110) لخالد المانع.

(المقدمة/49)


رجب الفرد من سنة اثنتين وخمسين بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة. نقل من نسخة كثيرة الغلط، اجتهد الكاتب فيما تيقَّن من تصليح غلط الكاتب الأول. فجزى الله الجميع خير الجزاء، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم آمين». وقد قابلها الناسخ على نسخة أخرى، وعلق الفروق على طرر النسخة، وكان يشير إليها بـ (ن)، وقد أشار في آخرها إلى أنه قابلها على نسختين غير الأصل. والغريب أنه قد قابلها على النسخة المطبوعة، كما نصَّ على ذلك في (ق)، وكان يصلح النص منها فيما يظهر لموافقة إصلاحاته للنسخة المطبوعة في مواضع كثيرة. ولجامعة الملك سعود الموقرة خالص الشكر؛ إذ أتاحت الإفادة من ذخيرة مكنوناتها العلمية على الشبكة. 7 - نسخة باريس (ب): وهي نسخة محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس برقم (566)، وتقع في (35 ورقة) من القطع الكبير. في كل ورقة 35 سطرًا تقريبًا. حصلت على نسخة منها من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية جزاهم الله خيرًا. جاء عنوانها مطابقًا لعنوان نسخة الأصل «هذا كتاب مختصر في ذكر حال الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن

(المقدمة/50)


عبد الحليم ابن تيمية الحراني ... ». ثم كتب تحته: «نقلت هذه الترجمة من نسخة نُقِلت من خط الشيخ جمال الدين المزي». فالظاهر أنها منقولة من نسخة الأصل (كوبريللي)؛ لأنها كثيرة الموافقة لها في القراءة والترتيب. وفهم ناسخها أن نسخة الأصل منقولة من خطّ المزّي، وليس كذلك، فليس المنقول من خطِّه إلا عنوان النسخة، واسم مؤلفها فقط. إلا أن ناسخها عَمَد إلى اختصار جملة من نصوص الكتاب، وهي تلك النصوص التي يذكرها المؤلف نقلاً من كتب شيخ الإسلام، كما هو الحال في نقله لمواضع من «الحموية»، أو للمناظرات مع ابن الوكيل، أو رسالة الشيخ في واقعة التتار وموافقتها لما وقع في غزوة الأحزاب .. فكان يختصر هذه المواضع ويشير إلى ذلك بقوله: «ثم ساق المؤلف بقية ... وحذفناه اختصارًا» أو نحو هذه العبارة. وقد أشرت إلى كل هذه الاختصارات في هوامش الكتاب. وتنتهي النسخة (ص 512) من المطبوعة، ولم يُشْعِر الناسخ بانتهائها إلا بعلامة الدائرة المنقوطة|⊙|ويظهر على صفحة عنوانها عدة تملّكات أحدها مؤرخ في غرة رجب سنة 1082. تنبيه: ذكر الشيخ زهير الشاويش في (ص 64) هامش 3 من تحقيقه لـ «الرد الوافر» عن الشيخ الألباني قوله: إن من هذا الكتاب نسخة جيدة في مكتبة أوقاف حلب، كما في الفهرس الذي كنت قد جمعت فيه منذ سنين

(المقدمة/51)


منتخبًا من كتب الحديث في المكتبة المذكورة. اهـ. ولا أعلم مِنْ أمر هذه النسخة شيئًا. * * *

  - منهج التحقيق:

سبق أن شرحت طريقة التحقيق في غير كتاب حققته ضمن هذا المشروع المبارك بإذن الله، فالقول هنا كالقول هناك، غير أني أذكر هنا ما يخص هذا الكتاب فأقول: قد توفر لنا بحمد الله تعالى مجموعة من نسخ الكتاب الخطية، أقدَمها نسخة كوبريللي بتركيا، فقد كُتِبت بعد موت المؤلف بأربعة عشر عامًا، فعليها كان الاعتماد في إثبات النص، ولم نكن نعدل عنها إلا لخطأ بيِّن أو سقط يخل بالكلام. وكانت نسخة باريس (ب) تتفق مع الأصل في كثير من المواضع، وكذلك نسخة القدس (ق)، فلعل هذه النسخ تعود إلى أصل واحد. وأثبتّ فروق النسخ الأخرى في هامش النص، وكذلك الزيادات التي تفرَّدتْ بها عن الأصل ما لم يكن النص يقتضيها كما سلف. وكانت نسختا (ف) و (ك) غالبًا ما تتفق، وإن كان بينهما خلاف في مواضع دَلَّني على أن (ك) لم تنسخ من (ف). أما نسختا مكتبة الحرم المكي (ح) ومكتبة الملك سعود (د) فكنت أراجعهما عند الإشكال أو للتأكد من صحة كلمة أو نحوها، ولم أثبت فروقهما في الهوامش إلا في مواضع قليلة، وهما منسوختان في غالب

(المقدمة/52)


الظن من نسخة (ف) وإن لم تنصَّا على ذلك. وجريتُ في إثبات نص الكتاب على ما في نسخة الأصل، ولم يكن الخلاف بين النسخ واسعًا في ترتيب مباحث الكتاب بل كان محدودًا، إلا في آخر الكتاب عند ذكر القصائد التي رُثي بها الشيخ رحمه الله، فقد كانت نسخة الأصل تخالف من حيث الترتيب وعدد القصائد بقية النسخ، فاعتمدنا ما فيها عددًا وترتيبًا، ثم ألحقتُ في آخر الكتاب القصائد التي لم ترد في الأصل وجاءت في النسخ الأخرى، حتى لا تفوت الفائدة. وقد استفدت كثيرًا في تقويم نصوص الشعر ــ وقد بلغت في الكتاب أكثر من 150 صفحة ــ من أخويّ الفاضلين: الشيخ محمد أجمل الإصلاحي، والشيخ محمد عزير شمس. وواضح من نسخة الأصل أن الكتاب ينتهي عند هذا العدد من القصائد، ولعل هذا العدد هو الذي كتبه المؤلف رحمه الله، ثم جاء مَنْ بعده فأضاف ما وجده من قصائد وألحقها بالكتاب، فنُسِخت بعد ذلك على أنها منه. وقلْ مثل ذلك في رسالة الشيخ عبد الله بن حامد الشافعي، والقصيدة التائية في القَدَر، فلا وجود لهما في الأصل، وهما في النسخ الأخرى. وقد جاءت أيضًا في النسخ في غير مكانها المناسب، فجاءت رسالة عبد الله بن حامد في أثناء قصائد الرثاء، والتائية في القَدَر في أول قصائد الرثاء بعد ذِكْر وفاة الشيخ. ولم نذكرهما في ملحق الكتاب؛ لأن التائية مطبوعة في

(المقدمة/53)


«الفتاوى»: (8/ 245 ــ 255) (1)، ورسالة عبد الله بن حامد مطبوعة في «الجامع»: (ص 241 ــ 245). وأُشير أيضًا إلى أني قد قابلت نصوص الرسائل التي ينقلها المؤلف أو ينقل بعضها بأصول أخرى، فمثلًا «الحموية» قابلت ما نقله المصنّف منها بنسخة خطية قديمة لم تُستخدم في أيّ من طبعاته، وذكرتُ فروقها في الهامش. والمناظرات مع ابن الوكيل قابلتها بما في «الفتاوى»، و «التذكرة والاعتبار» قارنتها بما في «الجامع» وهكذا. هذا ما يتعلق بنسخ الكتاب وإثبات النص منها. أما التعليق على النص، فقد حَرَصت على ذكر ما لم يذكره المؤلف من مصادر الترجمة الأخرى ما لم تكن في «الجامع»، أو كانت وكان النص يقتضي التعليق عليها، وهي فوائد قليلة. وترجمتُ للأعلام الذين ذكرهم المؤلف تراجم موجزة. أما كتب شيخ الإسلام التي ذكرها المؤلف في مبحث طويل، فقد أوليتها بعض العناية، فذكرتُ مَن ذكر الكتاب غير المؤلف، وذكرت المطبوع منها وأين طُبع، وأشرت إلى أحسن الطبعات للكتاب غالبًا إن تعددت طبعاته، وحرصت على المقارنة بين ما ذكره المؤلف وبين رسالة أبي عبد الله ابن رُشَيّق في «أسماء مؤلفات شيخ الإسلام» (2)، كلّ ذلك بألطف إشارة وأقرب عبارة. _________ (1) المطبوعة في «الفتاوى» تزيد على التي في نسخ «العقود» بنحو عشرين بيتًا. (2) وهو بتمامه في «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص 282 ــ 311).

(المقدمة/54)


وعلقتُ على نصّ الكتاب بما رأيته يفيد القارئ ولا يطيل الكتاب، فأرجو أن أكون وفقت في ذلك أو في بعضه. ثم ختمت نصّ الكتاب بأمرين هما: أولاً: القصائد التي لم تذكر في نسخة الأصل وهي في النسخ الأخرى. ثانيًا: ختمته بفهارس كاشفة لفظية وعلمية. ثم ألحقتُ به: كتاب «الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» لأبي حفص عمر بن علي البزّار (ت 749). وبيّنتُ هناك في مقدمته (ص 731) سبب إلحاقه بـ «العقود الدرية». وقدّمتُ قبل ذلك مقدمةً ذكرتُ فيها ترجمة مختصرة لمؤلف الكتاب، ثم عرفت بالكتاب بعدة مباحث. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وكتب علي بن محمد العمران في مكة المكرمة حرسها الله 14/ 5/ 1431 هـ [email protected]

(المقدمة/55)


نماذج من النسخ الخطية

(المقدمة/57)


ورقة العنوان من نسخة كوبريللي (الأصل)

(المقدمة/59)


الورقة الأولى من نسخة كوبريللي (الأصل)

(المقدمة/60)


الورقة الأخيرة من نسخة كوبريللي (الأصل)

(المقدمة/61)


ورقة العنوان من نسخة المكتبة الخالدية بالقدس (ق) ويبدو واضحًا أنه بخط مغاير، والخطأ في اسم المؤلف

(المقدمة/62)


الورقة الأولى من نسخة المكتبة الخالدية بالقدس الشريف (ق)

(المقدمة/63)


ورقة العنوان من نسخة مكتبة الملك فهد الوطنية (ف)

(المقدمة/64)


الورقة الأولى من نسخة مكتبة الملك فهد الوطنية (ف)

(المقدمة/65)


الورقة الأخيرة من نسخة مكتبة الملك فهد الوطنية (ف)

(المقدمة/66)


الورقة الأولى من نسخة الكويت - مركز إحياء التراث (ك)

(المقدمة/67)


الورقة الأخيرة من نسخة الكويت - مركز إحياء التراث (ك)

(المقدمة/68)


ورقة العنوان من نسخة باريس (ب)

(المقدمة/69)


الورقة الأولى من نسخة باريس (ب)

(المقدمة/70)


الورقة الأخيرة من نسخة باريس (ب)

(المقدمة/71)


ورقة العنوان من نسخة مكتبة الحرم المكي الشريف ويبدو الاسم واضحا (العقود الدرية)

(المقدمة/72)


الورقة الأخيرة من نسخة مكتبة الحرم المكي الشريف (ح)

(المقدمة/73)


ورقة العنوان من نسخة الملك سعود (د)

(المقدمة/74)


الورقة الأولى من نسخة الملك سعود (د)

(المقدمة/75)


الورقة الأخيرة من نسخة الملك سعود (د)

(المقدمة/76)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على نبيِّه محمد وآله وسلم تسليمًا. قال الشيخ الإمام الحافظ المحقِّق أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، رحمه الله ورضي عنه، وأثابه الجنةَ بفضله ورحمته، وإيَّانا وسائر المسلمين (1). الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (2). أما بعد، فهذه نبذةٌ يسيرة مختصرة في ذِكر حال سيِّدنا وشيخنا، شيخ الإسلام، تقيِّ الدين أبي العباس أحمد (3) ابن تيميَّة ــ رحمه الله ورضي عنه، وأدخله (4) الجنةَ برحمته ــ وذِكْرِ بعضِ مناقبه وبعض مصنَّفاته. هو الشيخ الإمام الربَّاني، إمام الأئمة، ومفتي الأمَّة، وبحر العلوم، سيِّدُ _________ (1) هذه الديباجة من الأصل، وهي بنحوها في (ك، ف) بدون التصلية. وبعد البسملة في (ق): «حسبي الله»، وزاد في (ك): «ونعم الوكيل». وفي (ف): «بفضل رحمته». (2) ليست في (ب). (3) ليست في (ب). (4) (ك): «وأثابه».

(الكتاب/3)


الحفَّاظ، وفارس المعاني والألفاظ، سيِّدُ (1) العصر وقريعُ الدهر (2)، شيخ الإسلام، بَركةُ الأنام علَّامة الزمان وتَرْجمان (3) القرآن، عَلَم (4) الزُّهّاد وأوحد العُبَّاد، قامعُ المبتدعين وآخِر المجتهدين: تقيُّ الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن أبي محمد عبد الله ابن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله (5) ابن تيميَّة الحرَّاني. نزيلُ دمشق، وصاحبُ التصانيف التي لم يُسْبَق إلى مثلها. قيل: إن جدَّه محمد بن الخضر حجَّ على دَرْب تَيْماء (6)، فرأى هناك طِفْلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت [ق 2] له بنتًا فقال: يا تيميَّة يا تيميَّة! فلُقِّب بذلك. _________ (1) بقية النسخ عدا الأصل: «فريد». (2) «وقريع الدهر» سقطت من (ف). (3) (ب، ق): «ترجمان» بدون واو. (4) من هنا إلى قوله ص 12: «ثم ذكر» ساقط من (ق). (5) (ف): «بن محمد بن علي عبد الله». (6) تَيماء: بالفتح والمد. بلدة في أطراف جزيرة العرب بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق. انظر «معجم البلدان»: (2/ 67). وهي الآن تابعة لأمارة مدينة تبوك وبينهما (264) كيلًا. انظر «المعجم الجغرافي للسعودية» (1/ 322 ــ المختصر). وقال ابن ناصر الدين الدمشقي في «التبيان لبديعة البيان ــ الجامع» (ص 492): «ومن زعم أن أمهم من وادي التيم فقد تقوَّل، وليس بصحيح ما عليه عوَّل».

(الكتاب/4)


وقال (1) ابنُ النجَّار (2): ذُكِرَ لنا أن جدَّه محمدًا كانت أمه تسمى تيميَّة، وكانت واعظة، فنُسِب إليها وعُرِفَ بها. ولد شيخُنا أبو العباس بحرَّان (3) يوم الاثنين عاشر ــ وقيل: ثاني عشرـ ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة. هاجر والدُهُ (4) به وبإخوته إلى الشام عند جَور التتار، فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلةٍ لعدم الدوابِّ (5)، فكاد العدوُّ يلحقهم ووقفت العجلة (6)، فابتهلوا إلى الله واستغاثوا به، فنَجَوا وسَلِموا. وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين وستمائة (7)، فسمعوا من الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نِعْمة المقدسي «جزءَ ابن _________ (1) (ك): «قال». (2) لعله في كتاب «المتفق والمفترق»، أو كتاب «انتساب المحدثين إلى الآباء والبلدان» كما يدل عليه نقل ابن ناصر الدين الدمشقي عنه في «التبيان». (3) حرَّان: بتشديد الراء وآخره نون، والنسبة إليها: حرناني على غير قياس، والقياس حرَّاني والعامة عليها. وكانت مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور، وهي قصبة ديار مُضر، بينها وبين الرُّها يوم، وبين الرقة يومان. انظر «معجم البلدان»: (2/ 235 - 236). وهي الآن إحدى محافظات ولاية أورفه بجمهورية تركيا. انظر «المعجم الجغرافي للأمبراطورية العثمانية» (ص 250). (4) (ف): «وقدم والداه». و (ك): «وسافر والداه». ويؤيد ما في الأصل ما في «مختصر علماء الحديث ــ الجامع» (ص 249) للمؤلف. (5) قال الذهبي في «ذيل تاريخه ــ الجامع» (ص 267): «فإن العدو ما تركوا في البلد دواب سوى بقر الحرث، وكلَّت البقر من ثقل العجلة، ووقف الفران (كذا)». (6) «ووقفت العجلة» ليست في (ب). (7) «وستمائة» ليست في (ق).

(الكتاب/5)


عَرَفَة»، وغير ذلك (1). ثم سمع شيخُنا الكثيرَ من ابن (2) أبي اليُسْر، والكمال ابن عَبْدٍ، والمَجْد ابن عساكر، وأصحاب الخُشُوعي (3)، ومن الجمال يحيى ابن الصيرفي، وأحمد ابن أبي الخير سلامة (4)، والقاسم الإربلي (5)، والشيخ فخر الدين ابن البخاري، والكمال عبد الرحيم، وأبي الغنائم (6) بن علَّان، وأحمد بن شيبان، وخلق كثير (7). _________ (1) سقطت «وغير» من (ك). وتنبه الناسخ لذلك فأشار إليه بوضع ثلاث نقط ( ... ) في موضع السقط وفي الهامش. واستشكلها في (ط) فغيرها إلى «ابن عرفة كله»! وموضع «ابن عرفة وغير» في (ف) بياض. (2) سقطت من «الأصل». (3) هو: أبو طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الدمشقي الخُشُوعي الأنماطي المعمر مسند الشام (ت 598). والخُشُوعي نِسْبة إلى الجد الأعلى الذي كان يؤم الناس، فتوفي في المحراب، فسمِّي الخشوعي انظر «سير النبلاء»: (21/ 355 - 358) وحاشيته. (4) «سلامة» ليست في (ف، ك). وانظر ترجمته في «ذيل تاريخ الإسلام» (ص 150) للذهبي، «الدرر الكامنة»: (1/ 140). (5) في (ب) زيادة «والشيخ شمس الدين ابن أبي عمر». وابن أبي عمر هذا ذكره المصنف في «مختصر علماء الحديث ــ الجامع» (ص 249) بلقبه شمس الدين الحنبلي. (6) تحرفت في (ك) إلى «القاسم». (7) زاد المصنف في «مختصر علماء الحديث ــ الجامع» (ص 249): «القاضي شمس الدين ابن عطاء الحنفي، والنجيب المقداد، وأبي بكر الهروي، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي».

(الكتاب/6)


وشيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ. وسمع «مسند الإمام أحمد بن حنبل» مرات، وسمع الكتب (1) الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته «معجم الطبراني الكبير» (2). وعُنِي بالحديث، وقرأ ونسخ وانتقى (3)، وتَعَلَّم الخطَّ والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ أيامًا في العربية (4) على ابن عبد القوي (5)، ثم فهمها، وأخذ يتأمل «كتاب سيبويه» حتى فهمه وبرع في النحو (6)، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا حتى حاز فيه قَصَب السَّبْق، وأحْكَم (7) أصولَ الفقه، وغير ذلك. _________ (1) في (ك) زيادة «الستة». (2) انظر نموذجًا من مسموعاته وقراءاته على شيوخه وهو دون العشرين «سماعات البرزالي ــ الجامع» (ص 216 - 223)، ومما قرأه الشيخ في مجلس واحد: «الغيلانيات» ذكره المصنف في «مختصره» السالف. (3) ليست في (ف، ك). أقول: فمما نسخه «سنن أبي داود» ذكره الذهبي في «ذيل تاريخه ــ الجامع» (ص 268)، ومما انتقاه: مئة حديث من عوالي «صحيح البخاري» وقد طبعت مرارًا. (4) (ك): «وقرأ العربية». (5) هو: محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد الله المقدسي، المرداوي، شمس الدين أبو عبد الله، الفقيه المحدث النحوي (ت 699). وقد ذكر ابن رجب قراءة ابن تيمية عليه. انظر «تاريخ الإسلام». (وفيات 699 ص 446 - 447)، و «ذيل طبقات الحنابلة»: (4/ 307 ــ 309). (6) (ف، ك): «حتى فهم في النحو». (7) سقط من (ف).

(الكتاب/7)


هذا كلُّه (1) وهو بعدُ ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاءُ (2) من فَرْط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوَّة حافظته، وسرعة إدراكه! ولقد بلغني (3) أن بعض مشايخ العلماء بحلب قَدِم إلى دمشق وقال: سمعت في البلاد بصبيٍّ يقال له: أحمد (4) ابن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصدًا لعلِّي أراه. فقال له خياطٌ: هذه طريق كُتَّابِه، وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا الساعة يجيء يعْبُر علينا ذاهبًا إلى الكُتّاب؛ فجلس الشيخُ الحلبيُّ قليلًا، فمرَّ صبيانٌ، فقال الخياط للحلبي: هذاك (5) الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد ابن تيميَّة، فناداه الشيخ، فجاء إليه، فتناول الشيخُ اللوحَ فنظر فيه، ثم قال: يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئًا تكتبه، فَفَعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحَدَ عشر أو ثلاثة عشر حديثًا، وقال له: اقرأ هذا، فلم يَزِد على أن نظر فيه (6) مرة بعد كتابته إياه، ثم دفعه إليه وقال: أسْمِعه عليَّ، فقرأه عليه عرضًا كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل فأملى (7) عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه كما فعل أول مرة، فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا _________ (1) «هذا كله» ليس في (ب). (2) (ف): «فانبهر أهله»، (ك): «أهل دمشق». (3) (ك): «واتفق» بدل «ولقد بلغني». (4) ليست في (ف). (5) (ف): «هذا». (6) (ك): «على أن تأمله». (7) (ب): «ثم أملى».

(الكتاب/8)


الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإنّ هذا لم يُر مثلُه. أو كما قال (1). وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (2): نشأ ــ يعني الشيخ تقي الدين رحمه الله ــ في تصوُّن تامٍّ وعفافٍ وتعبُّد، واقتصاد في الملبس والمأكل. وكان يحضر المدارس والمحافل في صِغَره [ق 3] ويناظر (3) ويُفْحِم الكبار، ويأتي بما يتحيَّرُ منه أعيان البلد في العلم، فأفتى وله تسع عشرة سنة (4)، بل أقل. وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكبَّ على الاشتغال. ومات والده ــ وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم ــ فدرَّس بعدَه بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمرُه وبَعُدَ صيتُه في العالم. وأَخَذ في تفسير الكتاب العزيز أيام (5) الجُمَع على كرسيٍّ من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم (6)، وكذا كان يوردُ (7) الدَّرسَ بِتُؤَدة وصوت جَهْوَريّ فصيح (8). _________ (1) «أو كما قال» ليست في (ب). (2) في «الدرة اليتيمية ــ ضمن تكملة الجامع» (ص 37). (3) (ب): «فيتكلَّم ويناظر ... ». (4) في «مختصر علماء الحديث ــ الجامع» (ص 250): «وله نحو سبع عشرة سنة». وفي غيره: «وهو دون التاسعة عشرة»، أو «دون العشرين» فيحتمل أن سبعة عشر وتسعة عشر مصحفة إحداهما عن الأخرى، أو هما قولان، ومن عبر بـ «دون العشرين» لم يجزم بتاريخ محدّد. (5) ليست في (ف)، وفي (ك): «في». (6) (ك): «يتعلثم» تحريف. (7) سقطت من (ف، ك). (8) بعده في كتاب الذهبي: «فيقول في المجلس أزيد من كراسين أو أقل، ويكتب على الفتوى في الحال عدة أوصال بخط سريع إلى غاية التعليق والإغلاق».

(الكتاب/9)


وقال بعض قدماء أصحاب شيخنا ــ وقد ذكر نبذةً من سيرته ــ: أمَّا مبدأ أمرِه ونشأته، فإنّه (1) نشأ مِن حين نشأ في حجور العلماء، راشفًا كؤوس الفهوم (2)، راتعًا في رياض التفقُّه ودوحات الكتب الجامعة لكل فنٍّ من الفنون، لا يلوي إلى غير المطالعة والاشتغال والأخذ بمعالي الأمور، خصوصًا علم الكتاب العزيز والسنة النبوية ولوازمهما ولم يزل على ذلك خَلَفًا صالحًا سلفيًّا متألّهًا، برًّا بأُمِّه، ورعًا عفيفًا عابدًا ناسكًا صوَّامًا قوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كلِّ أمر وعلى كلِّ حال، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر بالمعروف. لا تكاد نفسُه تشبع من العلم، ولا (3) تَرْوى من المطالعة، ولا تملُّ من الاشتغال، ولا تكلُّ عن (4) البحث. وقلَّ أن يدخل في علم من العلوم من باب من أبوابه إلا ويُفْتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك مستدركات في ذلك العلم على حُذَّاق أهله، معضودةً بالكتاب (5) والسنة. ولقد سمعته في مبادئ أمره يقول: إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء (6) أو الحالة التي تُشكل عليَّ، فأستغفر الله تعالى ألف مرَّة أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر وينحلّ إشكال ما أشكل. _________ (1) (ك): «فقد». (2) (ك): «الفهم». (3) (ك): «فلا». (4) (ب، ف، ك): «من». (5) (ك): «مقصودة بالكتاب». (6) (ب، ف، ك): «أو الشيء».

(الكتاب/10)


قال: وأكون إذ ذاك في السوق أو (1) المسجد أو الدَّرْب أو المدرسة، لا (2) يمنعني ذلك من الذِّكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي (3). قال هذا الصاحب: ولقد كنت في تلك المدة وأول النشأة إذا اجتمعتُ في خَتْمة أو مجلس ذِكْر خاصٍّ مع أحد المشايخ المذكورين، وتذاكروا وتكلم ــ مع حداثة سنه ــ أجدُ لكلامه صَولةً على القلوب، وتأثيرًا في النفوس، وهيمنة (4) مقبولةً ونفعًا يظهر أثره وتنفعل له النفوس التي سمعَتْه أيامًا كثيرةً بِعَقبه، حتى كأنَّ مقاله بلسان حالِه، وحالُه ظاهر له في مقاله. شهدْتُ منه ذلك (5) غير مرَّة. قلت: ثم لم يبرح شيخُنا رحمه الله في ازديادٍ من العلوم وملازمة للاشتغال (6) والإشْغال، وبثّ (7) العلم ونشره، والاجتهاد في سُبُل (8) _________ (1) (ب): «أو في». (2) (ب): «ولا». (3) تَعَلُّق شيخ الإسلام بالذكر أمرٌ مشهور، نقَلَه طلابه الملازمون له، قال ابن القيم في «الوابل الصيب» (ص 96): «وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنِيَّة إجمام نفسي وإراحتها لأستعدّ بتلك الرّاحة لذكرٍ آخر». وانظر ما ذكره تلميذه أبو حفص البزار في «الأعلام العلية» (ص 38). (4) (ك): «وهيبة». (5) (ف، ك): «ذلك منه». (6) (ب، ف، ك): «الاشتغال». (7) (ف): «ببث». (8) (ب): «سبيل».

(الكتاب/11)


الخير. حتى انتهت إليه الإمامةُ في العلم والعمل، والزُّهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحِلم (1) والإنابة، والجلالة والمهابة (2)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد، مع الصِّدق والأمانة (3)، والعِفَّة والصّيانة، وحُسْن القصد [ق 4] والإخلاص، والابتهال إلى الله، وكثرة الخوف منه، وكثرة (4) المراقبة له، وشدّة التمسّك بالأثر، والدّعاء إلى الله، وحُسْن الأخلاق، ونَفْع الخلق والإحسان إليهم، والصبر على من آذاه والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير. وكان رحمه الله سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجًى في حلوق أهل الأهواء المبتدعين (5)، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونُصْرة الدين. وكان بحرًا لا تكدِّره الدِّلاء، وحِبْرًا يقتدي به الأخيار (6) الأَلبَّاء، طنَّت بذكره الأمصار، وضَنَّت بمثله الأعصار. قال شيخُنا الحافظ أبو الحجَّاج (7): ما رأيتُ مثله ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتْبَعَ لهما منه. _________ (1) (ف): «والحكم». (2) سقطت من (ب). (3) سقطت من (ك). (4) (ب): «ودوام». (5) (ف): «هولاء المبتدعين». (6) (ف): «الأخبار». (7) هو: يوسف بن عبد الرحمن المِزِّي (ت 742) صاحب الكتابين العظيمين: «تهذيب الكمال» و «تحفة الأشراف». ترجمته في «ذيل تاريخ الإسلام» (ص 381 - 386). و «طبقات الشافعية»: (10/ 395) للسبكي.

(الكتاب/12)


وقال العلامة كمال الدين ابن الزَّمْلَكاني (1): كان إذا سئل عن فنٍّ من العلم ظنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفنّ، وحَكَم أنّ أحدًا لا يعرفه مثله (2). وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلَّم في علم من العلوم، سواءٌ كان من علوم الشرع أو غيرها إلّا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه. وكانت له اليد الطُّولى في حُسْن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين. ووقعت مسألة فرعية في قسمة (3) جرى فيها اختلاف بين المفتين في العصر، فكتب فيها مجلّدةً كبيرة. وكذلك وقعت مسألة في حدٍّ من الحدود، فكتب فيها مجلَّدة كبيرة أيضًا (4). ولم يخرج في كلّ واحدة عن _________ (1) هو: محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري الشافعي الدمشقي، قاضي حلب (ت 727). «طبقات الشافعية»: (9/ 190) للسبكي، و «الدرر الكامنة»: (4/ 74 - 76). وقد كان ابن الزملكاني ممن يُثني على الشيخ، ثم صار من مناوئيه كما سيأتي. (2) (ف): «غيره مثله». (3) «في قسمة» سقطت من (ب). وهو ما سيذكره المصنف لاحقًا بعنوان «التحرير في مسألة حفير». (4) «أيضًا» ليست في (ك، ف). ولعله يعني «الصارم المسلول على شاتم الرسول - صلى الله عليه وسلم -» فإنه ألفه عقب حادثة عسَّاف النصراني لمّا سبّ الرسول - صلى الله عليه وسلم -. انظر «البداية والنهاية ــ الجامع» (ص 406 - 407). وقد كتب ابن الزملكاني على ظهر نسخة (الصارم) التي بخط البرزالي ترجمةً للشيخ، كما صنع مع كتبه الأخرى التي سيذكرها المصنف. انظر مقدمة تحقيق «الصارم المسلول»: (1/ 187 - 188).

(الكتاب/13)


المسألة، ولا طَوَّل (1) بتخليط الكلام والدخول في شيء والخروج من شيء، وأتى في كلّ واحدة بما لم يكن يجري في الأوهام والخواطر. واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. (2) وقرأت بخطِّ الشيخ كمال الدين أيضًا على كتاب «بيان الدليل على إبطال التحليل» (3) لشيخنا ــ وقد ذكر ترجمةً (4) ــ فقال: من مصنفات سيدنا وشيخنا وقدوتنا، الشيخ السيد الإمام (5) العلامة، الأوحد البارع الحافظ، الزاهد الورع القدوة، الكامل العارف، تقي الدين شيخ الإسلام ومفتي الأنام، سيّد العلماء قدوة الأئمة الفضلاء، ناصر السنة قامع البدعة حُجَّة الله على العباد (6)، رادّ أهل الزَّيغ والعناد، أوحد العلماء العاملين، آخر المجتهدين، أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم ابن محمد ابن تيميَّة الحرَّاني. حفظ الله على المسلمين طول حياته، وأعاد عليهم من بركاته، إنه على كل شيء قدير. وقرأتُ أيضًا بخطّه على كتاب «رَفْع الملام على الأئمة الأعلام»: _________ (1) (ف): «طولب». (2) من هنا إلى قوله (ص 16) «رضي الله عنه» سقط من (ب). (3) وهذه النسخة التي كَتَب عليها ابن الزملكاني هذا التصدير محفوظة في مكتبة شيخنا الأستاذ محمد زهير الشاويش، والتقريظ موجود على ظاهرها، وقد كُتبت سنة 714 هـ وقد تفضّل شيخنا وأرسل صورةً منها جزاه الله خيرًا. (4) (ف، ك): «ترجمته». (5) بخط الزملكاني زيادة: «العالم». (6) بخط الزملكاني: «في عصره».

(الكتاب/14)


تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة، الأوحد الحافظ المجتهد، الزاهد العابد القدوة، إمام الأئمة، قدوة الأمة، علّامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، بُرْهان المتكلمين، قامع المبتدعين، محيي السنة ومَنْ عَظُمت به لله علينا المِنّة (1)، وقامت به على أعدائه الحجّة، واستبانت ببركته وهديه المَحجّة: تقيّ الدين أبي العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني. أعلى الله منارَه وشيَّد به من الدين أركانَه. ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلَّت عن الحصر [ق 5] هو حُجّةٌ لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدَّهر هو آيةٌ للخلق ظاهرة ... أنوارُها أربت على الفجر وقرأتُ على آخر هذا الكتاب طَبقة (2) بخطّ الذَّهبي يقول فيها: سمع جميعَ هذا الكتاب على مؤلِّفه شيخِنا الإمام العالم العلامة الأوحد، شيخ الإسلام، مفتي الفِرَق، قدوة الأمّة، أعجوبة الزّمان، بحر العلوم، حبر القرآن، تقي الدين سيد العُبَّاد: أبي العباس (3) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميَّة الحراني رضي الله عنه. _________ (1) (ف): «ومن علينا به الله المنة». (2) الطبقة أو الطِّباق: مصطلح عند المحدثين يعنون به ما يُكتب في آخر نسخة الكتاب ــ غالبًا ــ من أسماء من حضر مجالس القراءة والسماع وتواريخها وإجازة المسمّع لهم. وتسمى «السماعات» أيضًا. انظر «عناية المحدثين بتوثيق المرويات» (ص 14 - 23) لأحمد نور سيف، و «توثيق النصوص» (ص 68 - 75) لموفق عبد القادر. (3) «أبي العباس» ليست في (ك).

(الكتاب/15)


وقال (1) الحافظ فتح الدّين أبو الفتح (2) ابن سيِّد الناس اليَعْمَري المصري (3) ــ بعد أن ذكر ترجمة شيخنا الحافظ جمال الدين أبي الحجَّاج المِزِّي ــ: وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام (4) ابن تيميَّة، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلَّم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مُدْرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب عِلْمِه وذو روايته (5)، أو حاضر بالنِّحَل والمِلَل لم يُرَ (6) أوسع من نِحْلَته في ذلك ولا أرفع من درايته. بَرَّز في كلّ فنٍّ على أبناء جنسه، ولم تر عينُ من رآه مثله، ولا رأت عينُه مثلَ نفسه. كان يتكلَّم في التفسير فيحضر مجلسَه الجمُّ الغفير، ويَرِدون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى أن دبَّ إليه من أهل بلده داءُ الحَسَد، وأكبّ (7) أهلُ النظر منهم على ما يُنْتَقد عليه (8) من أمور المُعْتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلامًا، أوسعوه بسببه ملامًا، وفوّقوا لتبديعه _________ (1) (ف، ك): «وقال الشيخ ... ». (2) «أبو الفتح» ليست في (ب). (3) في كتاب «أجوبة ابن سيد الناس على سؤالات ابن أيبك الدمياطي»: (2/ 221 - 224). وانظر «الجامع» (ص 188 - 190). (4) «بن عبد السلام» سقطت من (ب). (5) (ف): «رايته». (6) (ب، ف، ك): «تر». (7) (ب): «وألب». (8) بعدها كلمة غير واضحة في (ف) وفي (ك) بياض بمقدار كلمة ثم «حنبليته».

(الكتاب/16)


سهامًا، وزعموا أنه خالف طريقتهم وفَرَّق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضَهم وقاطعوه. ثم نازعَ طائفةً أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدقِّ باطن منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذَكَر لها على ما زعم بوائق، فآضت (1) إلى الطائفة الأولى من مُنازعيه، واستعانت بذوي الضِّغْن (2) عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأَعْمَل كلٌّ منهم في كُفره فِكْره (3)، فكتبوا (4) محاضر، وألَّبوا الرُّويبضة للسعي بها بين الأكابر، وَسَعوا في نقله إلى حضرة المملكة بالديار المصرية، فنُقِل وأُودِعَ السجن ساعةَ حضوره واعْتُقِل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قومًا من عُمَّار الزوايا (5) وسُكَّان المدارس؛ من مُجامل (6) في المنازعة مخاتل بالمخادعة، ومن مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون، وربُّك يعلم ما تُكِنّ صدورهم وما يعلنون (7). وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالًا من المخاتل. _________ (1) (ب): «فأفضت». آض أي: صار. (2) (ف، ك): «الظعن». (3) الأصل: «في كفرةً فكفره» تحريف. (4) (ب): «فرتبوا». (5) (ف) زيادة في: «سكان الزوايا». (6) الأصل، و (ك): «محامل». (7) اقتباس من الآية 69 سورة القصص.

(الكتاب/17)


وقد دَبَّت إليه عقاربُ مكره، فردَّ الله كيد كلٍّ في نحره، فنجَّاه (1) على يد من اصطفاه، والله غالب على أمره. ثم لم يَخْلُ بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلّا إلى محنة، إلى أن فُوِّض أمرُه لبعض القضاة فتقلّد ما تقلَّد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه (2) ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله، وإلى الله تُرْجَع الأمور، وهو المطَّلع على خائنة الأعين وما تُخْفي الصدور. وكان يومه مشهودًا؛ ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها (3) المسلمون [ق 6] من كلِّ فجٍّ عميق، يتبرّكون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسَّكون بشَرْجَعِه (4) حتى كسروا تلك الأعواد، وذلك في ليلة العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، بقلعة دمشق المحروسة. وكان مولده بحرّان في عاشر شهر (5) ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمائة رحمه الله تعالى (6). ثم قال: قرأت على الشيخ الإمام، حامل راية العلوم، ومُدْرِك غاية الفهوم، تقيّ الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن _________ (1) (ب، ف، ك): «ونجاه». (2) (ف): «بمجلسه». (3) (ف): «وانتحابه». (4) الشرجع: السرير الذي يُحمل عليه الميت. «لسان العرب» (8/ 179). (5) «شهر» ليست في (ب، ف، ك). (6) (ف، ك، ب): «رحمه الله وإيانا».

(الكتاب/18)


تيميَّة رحمه الله بالقاهرة ــ قدم علينا ــ قلت له: أخبركم الشيخ الإمام زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي، ثم ذكر حديثًا من «جزء ابن عرفة» (1). وقال الشيخ عَلَم الدين البِرْزالي في «معجم شيوخه» (2): أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله (3) ابن أبي القاسم بن محمد ابن تيميَّة الحراني، الشيخ تقي الدين أبو العباس، الإمام المُجْمع على فضله ونُبْله (4) ودينه، قرأ القرآن (5) وبرع فيه، والعربية والأصول، ومَهَر في عِلْمَي التفسير والحديث، وكان إمامًا لا يُلْحَق غبارُه في كلّ شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين. وكان إذا ذَكَر (6) التفسير أبْهَتَ الناسَ من كثرة محفوظه وحُسْن إيراده، _________ (1) من قوله: «ثم قال .... » إلى هنا سقط من (ب). (2) نقل هذا النص أيضًا من «معجم شيوخ البرزالي» ابن ناصر الدين في «الرد الوافر» (ص 218). وهذا المعجم خَرَّجه البرزالي لنفسه وذكر فيه ثلاثة آلاف شيخ: ألفان بالسماع وألف بالإجازة. وقد أنشد فيه الذهبي: إن رمتَ تفتيش الخزائن كلها ... وظهور أجزاء حوت وعوالي ونعوت أشياخ الوجود وما رووا ... طالع أو اسمع معجم البرزالي انظر «الدرر الكامنة»: (3/ 237)، و «الرد الوافر» (ص 217). (3) «بن عبد الله» سقط من (ب). (4) (ك): «ذبله» تحريف. (5) (ف، ك): «قرأ الفقه». (6) (ف): «ذاكر».

(الكتاب/19)


وإعطائه كلَّ قولٍ ما يستحقّه من الترجيح والتضعيف والإبطال، وخوضه في كلِّ علم. كان الحاضرون يقضون منه العجب، هذا مع انقطاعه إلى الزّهد والعبادة والاشتغال بالله تعالى، والتجرّد من أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى. وكان يجلس في صبيحة كلِّ جمعة على الناس يُفَسِّر القرآن العظيم، فانتفع بمجلسه، وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه، وصدق نيته، وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قوله لعمله، وأنابَ إلى الله خلقٌ كثير. وجرى على طريقة (1) واحدة من اختيار الفقر والتقلُّل (2) من الدنيا، وردّ ما يُفْتَح به عليه. وقال في موضع آخر: كان قد نظم شيئًا يسيرًا في صغره وكتبت عنه إذ ذاك، ثم إنه ترك ذلك وأعرض عنه. وسُئل عن مسألةِ القَدَر بنظمٍ، فأجاب فيها بنظم (3)، وقد قُرئ عليه وسُمِع منه. وحلّ لُغز الرّشيد الفارقيّ بأبيات تشتمل على نحو مائة بيت على وزن اللغز، وذلك في حياة والده رحمه الله تعالى، وله نحو العشرين من العمر، _________ (1) (ف، ك): «طريق». (2) (ف): «والتقليل». (3) يعني الأبيات التي نُظِمت على لسان ذمّي في إنكار القدر، ومطلعها: أيا علماء الدين ذِمّي دينكم ... تحيَّر دلّوه بأعظم حجة وهي في «مجموع الفتاوى»: (8/ 245 ــ 255). وقد سأل شيخَ الإسلام عيسى بن إبراهيم الماردي الشاعر سؤالًا منظومًا في القدر في عدة أبيات، فأجاب عنه الشيخ نثرًا. انظر «مجموع الفتاوى»: (8/ 448 ــ 516)، و «الدرر الكامنة»: (3/ 200 ــ 201).

(الكتاب/20)


وكان حَلُّه له (1) في (2) أسرع وقت. قلت: هذا اللغز الذي أشار إليه الشيخ عَلَم الدين نظمه الشيخ الإمام العلامة رشيدُ الدين أبو حفص عمر بن إسماعيل بن مسعود الفارقي (3) في اسمٍ أَلْغَزَه، بوصف أَبْرَزه، في لفظٍ أوجزه، لفهمٍ أَعْجَزه، وهي هذه (4): ما اسمٌ ثلاثيّ الحروف فثُلْثه ... مِثلٌ له والثلث ضِعْف جميعه والثلث الآخر جوهرٌ حلَّت به الـ ... أعراض جمعًا فاعجبوا لبديعه وهو المثلَّث جذرُه مثلٌ له ... وإذا يربَّع بان في تربيعه _________ (1) «له» سقطعت من (ك). (2) من هنا إلى قوله (ص 23): «ابن عبد السلام» ساقط من (ق). (3) (ت 689). ترجمته في «تاريخ الإسلام»: (وفيات 689، ص/376 - 381) للذهبي، و «الوافي بالوفيات»: (22/ 129 - 131) للصفدي. وقد ذكر الصفدي هذا اللغز ــ ووصفه بالمشهور ــ بتمامه، وأشار إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد حلَّه في «عِلْم» بنحو مئة بيت وذكر أن أولها قوله: بغزيرِ علمٍ وامتنانٍ واسعٍ ... ألغزتَ (علمًا) في فنون وسيعه وهذا البيت هو السابع في جواب شيخ الإسلام الذي ذكره المصنف هنا. وأشار الصفدي إلى اللغز أيضًا باختصار في «أعيان العصر»: (1/ 246). أقول: وللعلامة ابن الخشّاب النحوي (ت 567) قصيدة تُعرف بـ «القصيدة البديعة الجامعة لأشتات الفضائل» وهي نحو 112 بيتًا فيها مسائل زعموا أن أحدًا من أرباب العلوم لم يستطع الإجابة عنها. قال ناقلها: إن شيخ الإسلام ابن تيمية وقف عليها وقال: يمكن الإجابة عما فيها من المسائل لكن ليس لي فراغ للإجابة عنها. انظر حاشية أستاذنا العلامة عبد الرحمن العثيمين على «المقصد الأرشد»: (2/ 10 ــ 14) فقد أورد نماذج منها، وعنه استفدنا هذه الفائدة. (4) «وهي هذه» ليست في (ف، ك)، وفي (ب) بدلًا منها: «فقال».

(الكتاب/21)


جزء من الفلك العليّ وإنما ... باقيه خوفٌ أو أمان (1) مروعه حيٌّ جمادٌ ساكن متحرِّك ... إن كنتَ ذا نظر إلى تنويعه وتراه مع خُمْسيه علة كونه ... معلوله سرًّا لغير (2) مذيعه وبغير خمسيه بغير النحو مو ... جودٌ ومحمول على موضوعه وبحاله فعل مضى مستقبلًا ... حُمِدت صناعته بحمد (3) صنيعه [ق 7] قيدٌ لمطْلَقِه (4) خصوص عمومه ... زيدٌ لمفرده على مجموعه شيء مقيم في الرَّحيل وممكن ... كالمستحيل بطيئه كسريعه وأهمّ ما في الشرع والدين اسمه ... ومضافه بأصوله وفروعه ودقيق معناه الجليل مناسبٌ ... علم الخليل وليس من تقطيعه وإذا عروضيٌّ تطلَّب حلَّه ... ألفاه في المفروق أو مجموعه وإذا ترصِّعه بدرِّ (5) فريدة ... عِقْدًا يَزِين الدّرَّ في ترصيعه للمنطقيّ وللحكيم نتاجه ... وعلاجه بذهابه ورجوعه وله شِعارٌ أشعريٌّ واعتقا ... دٌ حنبليٌّ فاعجبوا لوقوعه وتمامُه في قول شاعر كندة: ... ما حافظ للعهد مثل مُضِيعه يُرويك في ظمأٍ ندى بوروده ... ويريك في ظُلمٍ هُدًى بطلوعه _________ (1) تحتمل في (ك): «أبان». (2) (ك): «بغير». (3) (ك): «لحمد». (4) (ف): «لمطلع». (5) ضبطها في الأصل: «بدُرٍّ» ويمكن أن يضبط هذا الشطر «وإذا يرصّعه بدرِّ فريده .. ».

(الكتاب/22)


ولقد حللتُ اللغزَ إجمالًا وفي ... تفصيله تفصيل روض ربيعه فاسْتَجْل بكرًا من وليٍّ بالحُلى ... تُهدى لكُفء الفضل بين رُبوعه فأجاب العبد الفقير إلى ربه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميَّة حلًّا لمعضله، وفصلًا لمجمله، وفتحًا لمقفله، وشرحًا لمشكله: يا عالمًا قد فاق أهلَ زمانه ... بفنونه وبيانه وبديعه وغدا لأعلام العلوم منارَهم ... يَهدي الُهداةَ إلى منار ربوعه وأجاد نظمًا عقد جيد عقيلةٍ ... من درِّ بحر العلم في ترصيعه وجلا (1) المعارف في عوارف لفظه (2) ... أخذًا لعَرْف (3) العلم من ينبوعه وأبان عما قد حوى من كلّ فنـ ... ـن قد أحاط بأصله وفروعه ببيانه السِّحرِ الحلال ولفظه الـ ... ـعذب الزُّلال ولفظ (4) حُسْن صنيعه ... ج بغزير علمٍ وافتنانٍ واسع ... ألغزتَ (علمًا) في فنون وسِيعه حلّيته بدقيق وصفٍ صُنته ... بجليل لفظٍ ناءَ عن موضوعه ووصفته بِحُلى العلوم وأهلها ... ونعتَّه بضروبه وضروعه (5) وجمعتَ في أوصافه الأضدادَ حَتْـ ... ـتَى استيأسَ الطلَّاب من تتبيعه والعبدُ لمّا أن تأمّل نظمَكم ... بنظامه أُلقِيْ له في رُوعه _________ (1) الأصل: «وحكى»، والمثبت من (ب، ق، ك)، و (ف): «وأجلى». (2) (ب، ق): «فضله». (3) (ق): «لغرف». (4) (ب، ق): «ولطف». (5) (ق): «وصروعه» بالمهملة. وضروعه: أي وأشباهه.

(الكتاب/23)


أن الذي ألْغَزْتُمُ «عِلْم» ولمـ ... ـا يجعل المظنون من مقطوعه لكنه أمسى يُحلّيه بما ... حلَّيتمُ (1) ويغوص في توقيعه حتى تجلَّى الحقُّ من ظَلْمائه (2) ... في ليلةٍ من قبل وقت هُجُوعه فإذا الذي قد عنَّ أول مرةٍ ... حقٌّ تبلَّجَ فجره بطلوعه ورأيتُ فيه الوصف إما باديًا ... أو خافيًا معناه في مسموعه لدقيق مغزاه ولطف إشارة ... فيه (3) وبُعد حُلاه عن موضوعه فغدوتُ أكشفُ عنه كشفًا موجزًا ... بإشارةٍ تهدي لشَطْر بقيعه فاسمع لحلِّ حُلاه في تفصيله ... واشهد بقلبٍ مقبلٍ بهطوعه «العلم» لفظ ذو ثلاثة أحرف ... وهجاء كلٍّ مثل ما مجموعه فإذا يكون مركبًا من تسعة ... جذرًا لها فانظر إلى تربيعه ومربعًا ساواه جذر حسابه ... ومثلّثًا بحدوده وضلوعه ويكون أثلاثًا فثلثٌ مثلُه ... هو لامه إن خُضْت في توزيعه والميمُ في الجمل الكبير حسابه ... هو أربعون بقول أهل ربيعه والميم (4) في الجمل الصغير حسابه ... عشرون هذا الثلث ضعف جميعه والثلثُ عينٌ عينُ كلٍّ ذاته ... هو جوهرٌ والوصفُ في موضوعه إذ كانت الأعيانُ قائمةً بها الـ ... أعراض جمعًا فافطنوا لجموعه _________ (1) (ك): «حليته». (2) (ف): «ظلماته». (3) سقطت من (ك). (4) جميع الأصول «والعلم». والمثبت هو الصواب.

(الكتاب/24)


حكمٌ يخصُّ العين حرفًا واحدًا ... من بين جنس الحرف في تنويعه [ق 8] هو تسعةٌ في أصله والعالم العُلْـ ... ـوي منه تسعة برقيعه العرش والكرسيّ والسبع السمـ ... ـوات الطّباق فالاسم جزء رفيعه من عالم الملكوت أعني الغيب إذ ... عنه كنَى لعلوِّ شأن ضليعه (1) لم يبق إلا جنةٌ أو جاحِمٌ ... فيه المخافة أو أمان مروعه بالعلم يُحيي الله قلبًا ميتًا ... يسري كنورٍ ضاء حين سُطوعه فلأنَّه يحيى اسمه حيٌّ (2) إذ الـ ... أحياءُ فرعُ حياة ربّ صنيعه ولأنه يسري اسمه متحرّك ... لوحًا تنقّله بذهن قريعه ذا الوصفُ عقليّ وفي حِسّيه ... هو جامد هو ساكن بربوعه إذ كان نوع العلم معنى جنسه ... عَرَض يقوم بمستوى موضوعه والحيُّ والمتحرّك الوصفان يخـ ... ـتصَّان شخصًا جوهرًا ببقيعه إذ كان في المحسوس ليس بقائم ... عرضٌ بآخر مثله وتبيعه أما إذا ما جُرّد المعقول فالـ ... ـوصفان في المعنى له بربيعه ثلثاه حرفا العين والميم هما ... في اللفظ من عدم وفي تنويعه وإذا جمعتَ حسابه في أكبر (3) ... وأضفت خمسيه إلى مجموعه _________ (1) كذا بجميع النسخ. (2) (ف): «حتى». (3) (ف، ك): «أكثر»، وكتب فوقها في (ك): لعله، وفي هامشها: «لعله: أكبر». وهي غير محررة في (ق).

(الكتاب/25)


فمربعًا يُضحي ويُضحي (1) جذره ... مع أربع عشرًا لدى (2) تربيعه فالجذر عِلّته ومعلول له ... من حيث ما هو علة لوقوعه فالجذر معلول لجذرٍ كائن ... معلوله فافهم مدار رجيعه فلكونه معلولَ معلولٍ (3) له ... قد صار معلولًا له برجوعه ويقول إن العلم (4) منه النحو هـ ... ـذا إن تُرِد حملًا على موضوعه فإذًا يكون الضمّ علة كون هـ ... ـذا الجمع علةَ نفسه وجميعه وبغير خُمْسيه يعود لأصله ... علمًا وعلم النحو بعضُ فروعه وإذا اعتبرتَ حروفه ألفيته ... فعلًا مضى لغةً وفي موضوعه (5) حكمٌ على المستقبلات وغيرها ... لعمومه متعلّقًا وذيوعه إذ من خصائصه تعلُّقه بكُلْ ... ـلِ محقق معَ سَبْقه لوقوعه أكْرِم به أمرًا عظيمًا نفعُه ... حُمِدت صناعته بحمد صنيعه والفعل فيه مصدرٌ وزمانه ... وضعًا وملزومٌ لربّ صنيعه (6) فلذاك كان مقيدًا ومخصّصًا ... لعموم جنس العلم في تنويعه هو مفردٌ (7) نوعٌ حوى أشخاصه ... فإذا تركَّبَ خُصّ في تجميعه _________ (1) (ق): «يصحي». (2) ما عدا الأصل: «لذي». (3) (ف): «معلولًا»، (ق): «معلولٌ». (4) (ب، ق): «ونقول ... »، (ك): «ويقول ... »، (ف): «ويقولو أهل ... ». (5) الأبيات الثلاثة سقطت من (ف). (6) البيت ساقط من (ف). (7) (ب، ق، ف): «مفردًا».

(الكتاب/26)


فيصحُّ حينئذٍ مقالة قائل ... قد زاد مُفرده على مجموعه هو ثابتٌ في كلّ حال ممكن ... ذو عِزّة صعب على مُسْطيعه حتى يُنال فيَحْمَد القومُ السُّرى ... وإذًا يقال: بطيئه كسريعه فالبُطْءُ والإسراع ليس بنفسه ... بل في الطريق وفي اقتناص منيعه والعلمُ بالرحمن أول واجبٍ (1) ... وأهمُّ فرض الله في مشروعه وأخو الديانة طالبٌ لمزيده ... أبدًا ولمّا ينهه بقطوعه والمرء فاقته إليه أشدّ من ... فقر الغذاء لعِلْم حُكم صنيعه في كلِّ وقتٍ، والطعام فإنما ... يحتاجه في وقت شِدَّةِ جوعه وهو السبيل إلى المحاسن كلِّها ... والصالحات فسوأة لمضيعه وإليه يُسْنَد كلُّ فنٍّ نافع ... بل فارع بأصوله وفروعه لجلالة المعلوم واللطف (2) الذي ... للعلم كان مناسبًا لبديعه فالعلم ميزانُ الحقائق والعرو ... ض كذاك (3) ميزان لدى تقطيعه والاسم بالتحريك (4) من مفروقه ... والفعل بالتسكين من مجموعه [ق 9] هو واسطٌ (5) عِقْد الفضائل كلّها ... وبه يُزان الحَلْي في ترصيعه _________ (1) (ف، ك): «صاحب». (2) (ف): «واللفظ». (3) (ك): «وكذاك». (4) كذا في الأصول. وبهامش الأصل: «صوابه: بالتسكين». أقول: وكذلك في الشطر الثاني «والعقل بالتحريك». ولعل مراد المؤلف أن اسم «عِلْمَ» (وتد مفروق)، أي متحرك بينهما ساكن. والفعل عَلِمَ (وتد مجموع) متحركان ثم ساكن أو متحرك. (5) (ف): «واسطة».

(الكتاب/27)


وعلاجه بالجدِّ في تحصيله ... بمقدمات نتاجه وينوعه ولكلّ قومٍ منه حظٌّ وافر ... وحقائق التوحيد (1) في مشروعه بشعائر لمشاعر وقواعدٍ ... لعقائد المعقول في مسموعه وجميعُه متفرِّق في قوله: ... ما حافظ للعهد مثل مُضِيعه فلِعَينه وللامه ولميمه ... من ذا الكلام الحظ في تبضيعه (2) يُرْوي بماء حياته في وِرْده ... ظمآن تحقيق إلى ينبوعه ويُري بنور هداه في تبيينه ... حَيران تدقيق طلوع سطيعه كطلوعه لمّا أبان بنوره ... قصدَ السبيل لحلّ عقد بديعه جلّى المُجلّى بَعْد بُعْد بُدُوِّه ... مع فتح مُقْفله وقرب شَسوعه (3) وأبان مجملَه وفصَّل عِقْدَه ... ولروضِه الأُنف ارتعى برتوعه وجَلَى (4) جمال البكر في حَلْي الحلى ... فافتضَّها كُفء ثَوَت بربوعه فخُذ الجوابَ مخلَّصًا فيه اللبا ... بُ مُلخّصًا في نظمه لسميعه مع أنّ نظم الشعر غير مُحصِّل ... لكمال مغزاه (5) وشرح جميعه من خاطرٍ مستعجل مستوفزٍ ... لم يُنْعِم (6) التفكير في مرجوعه _________ (1) بقية النسخ: «التحقيق». (2) البيت ليس في الأصل. (3) الأصل: «شيوعه»، (ف): «هسوعه»، (ك): «مع قرب ... مسوعه». ولعله ما أثبت أي: بعيده. (4) (ك): «وحلى» بالمهملة. (5) (ك): «معزاه». (6) (ب، ق، ك): «يمعن».

(الكتاب/28)


لم يجعل التحليل من مقصوده (1) ... كلَّا ولا الفضلات من مصنوعه إذ كان مخلوقًا لأكبر غايةٍ ... دار القرار جميله وقطيعه وعليه من أمر الإله ونهيه ... ما يلفت المعقول عن تضييعه لكنه لا بدّ للمصدور من ... نفثٍ يُريح فؤادَه بنخوعه مع أنه مُزْجى البضاعة نظمُه ... غِرّ بحكم اللفظ في تسجيعه (2) عبدٌ ذليل عاجز مُتضعِّف ... في حال مبداه وحال رجوعه لكنه لما استعان بربِّه ... ثم استكان له بذلِّ خضوعه فأعانه يُسْر الجواب فإن يكن ... حقًّا بوفق (3) الوصف في توقيعه فالحمد والفضل العظيم لربنا ... شكرًا على محمود حُسْن صنيعه إذْ ما بِنا من نعمة فَبِمنِّه ... والخير منه جميعه بهموعه أو إن يكن خطأً فمني حيث إن ... لم أستطع متناولًا لرفيعه فالنقصُ للإنسان وصفٌ لازم ... إنْ كان يعرفُ نفسَه بنخوعه والحمد لله الرحيم بخلقه الـ ... ـبرّ الودود بعبده ومُطيعه ومُيسّر الخَطْب العسير بلطفه ... من بعد منعته وبعد منيعه ثم الصلاةُ على النبيّ وآله ... والمُصْطَفَين من الأنام جميعه وعليهم التسليم منّا دائمًا ... ما اهتزَّ وجه الأرض بعد خُشُوعه _________ (1) (ك): «مصنوعه». (2) (ق، ب): «تشجيعه». (3) (ك): «برفق».

(الكتاب/29)


فلما وقفَ الشيخ رشيد الدين (1) على هذا الجواب كتب إلى منُشئه الشيخ تقي الدين (2): أحْسَنَ في حلّ المسمَّى وما ... سمّى ولكن جاء بالمِثْل (3) وجاوز الجوزاء بالنطق والشْـ ... ـشِعْرَى بشعرٍ رائقٍ جَزْل جَلَّت معانيه فشكري (4) له ... مُصَحّف والحلّ كالحلّ أحمدُ وزنُ الفعل فيه وفي التْـ ... ـتَقيِّ وزنُ القول والفعل كأنما أحرفه مُثِّلت (5) ... تُمْلي عليه وهو يستملي ... ج وحُقّ بالفخر فتًى (6) جدُّه الـ ... مجد وقد بورك في النَّسْل فسهَّل الله لمن في اسمه الـ ... ـعدل مكافاة (7) على الفضل فنظر والد الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة بعد ذلك في اللُّغز (8)، وحلَّه في لفظة أخرى، ونَظَم في ذلك قصيدة، فكتب إليه الشيخ رشيد الدين جوابًا لها: [ق 10] ماثَلَ (9) لُغزي ولم يُسم به ... مَنْ لم يماثَل في الفَضْل والأدب _________ (1) (ك): «رشيد». (2) بعده في (ف، ك): «ابن تيمية رضي الله عنه». (3) (ف): « ... في المسمى .. ولكن جاد ... ». (4) (ف، ك): «فشكرًا». (5) (ب، ف): «مثلث». (6) (ف): «وحق بفتى». (7) (ك): «مكافآت». (8) الأصل: «اللفظ»، والمثبت من النسخ، وفي (ف): «ذلك اللغز». (9) (ف، ك): «ما مثل».

(الكتاب/30)


بخاطرٍ حاضرٍ (1) يضيء ولا ... يُنكر ضوءٌ لواحدِ (2) الشُّهُب شيخُ شيوخ الإسلام قاطبةً ... مفتي الفريقين حُجّة العَرَب شنَّف سمعي بالدُّرّ من كلِمٍ ... تُرْوَى فتُرْوي (3) بالدّر من سحب حلًّا كحلٍّ فنشوتي نشأت ... من ضرب مثلٍ أحلى من الضَّرَب وكان لغزي من فضّةٍ فعلا ... سِعرًا (4) وشعرًا وصار من ذهب فالفخر للمجد بالشّهاب وللشـ ... ـهاب بالمجد ذروة النسب ذروةٌ والعنان (5) يحسبها ... ذُرّية للشروق في الحَسَب (6) وإن تعفَّت رسومُ بلدته ... وهي خيار البلاد والتُّرَب فبلدة الأفق حلّها عوضًا ... عنها بفضل يسمو على الرُّتَب (7) وإن قلبي أضحى له وطنًا ... وفيه أُنْسٌ لكلِّ مغترب (8) هذا ثنائي مع الخمول وإن ... نُبِّهَ حظّى (9) أربى على الأرب وعِشْ طويلًا مكمّلًا أدبًا ... بسيط فضلٍ ناءٍ ومقترب _________ (1) سقطت من (ف). (2) (ب، ق): «لواجد». (3) الأصل: «فتردى»، (ف): «ترى»، (ك): «فترى». (4) (ف، ك): «فعلى شعرًا». (5) (ق، ب): «ذرية والعيان». (6) (ف، ك): «السحب». (7) (ك): «الترب». (8) (ق، ب): «مقترب». (9) الأصل: «نية»، و (ق، ب، ك): «نبه خطي».

(الكتاب/31)


وقال الشيخ علمُ الدين: رأيت في إجازة لابن الشَّهْرزوري (1) الموصلي خطَّ الشيخ تقيّ الدين ابن تيميَّة، وقد كتب تحته (2) الشيخُ شمسُ الدين الذهبي: هذا خطّ شيخنا الإمام العلّامة (3)، شيخ الإسلام، فَرْد الزّمان، بحر (4) العلوم، تقي الدين. مولده عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقرأ القرآن والفقه، وناظر واستدلّ وهو دون البلوغ، وبرع في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وله نحو العشرين سنة (5). وصنَّف التصانيف، وصار من كبار (6) العلماء في حياة شيوخه، وله من (7) المُصنَّفات الكبار التي سارت بها الرُّكبان، ولعلّ تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كرَّاس وأكثر (8). وفسَّر كتابَ الله تعالى مُدَّة سنين من صدره أيام الجُمَع، وكان يتوقَّد ذكاءً، _________ (1) (ف): «الشهروي» تحريف. وهو: محمد بن عبد القاهر بن عبد الرحمن محيي الدين الشيباني الشهرزوري الموصلي الشافعي (ت 778). ترجمته في «الوافي»: (3/ 225 - 227)، و «الدرر الكامنة»: (4/ 21)، و «إنباء الغمر»: (1/ 220). وقد نقل هذا الثناء أيضًا ابن ناصر الدين في «الرد الوافر» (ص 69). (2) سقطت من (ف). (3) من الأصل فقط. (4) (ف): «محيي». (5) «سنة» ليست في (ب، ق). (6) (ب، ق، والرد): «أكابر». (7) «من» ليست في (ب، ق، والرد). (8) «وأكثر» ليست في (ب، ق).

(الكتاب/32)


وسماعاته (1) من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصِحّته وسقمه فما يُلْحَق فيه. وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين ــ فضلًا عن مذاهب (2) الأربعة ــ فليس له فيه نظير (3). وأما معرفته بالملل والنِّحَل، والأصول والكلام، فلا أعلم له فيه نظيرًا، ويدري جملةً صالحة من اللغة، وعربيته (4) قويّة جدًّا، ومعرفته بالتاريخ والسِّيَر فعجبٌ عجيب!! وأما شجاعته وجهاده وإقدامه، فأمرٌ يتجاوز الوصف ويفوق النعت. وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يُضْرَب بهم المثل، وفيه زهد وقناعة باليسير في المأكل والمَلْبس. وقال الذهبيُّ في موضع آخر ــ وقد ذكر الشيخ رحمه الله ــ: كان آيةً في (5) الذكاء وسُرْعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسنة والاختلاف، بحرًا في النقليات. هو في زمانه فريد عصره علمًا وزهدًا، وشجاعةً وسخاءً، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكثرةَ تصانيف. قرأ وحصَّل، وبرع في الحديث والفقه، وتأهَّل للتدريس والفتوى وهو ابن سبع [ق 11] عشرة سنة. وتقدَّم في علم التفسير والأصول وجميع علوم _________ (1) (ب، ق): «وسماعًا». (2) (ك): «المذاهب». (3) (ب، ك): «فليس فيه»، (ف): «فليس له نظير». (4) (ك): «عربية». وسيأتي قول الذهبي: «وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة». (5) الأصل: «من».

(الكتاب/33)


الإسلام؛ أصولها وفروعها، ودِقّها وجِلّها سوى علم القراءات (1). فإن ذُكِرَ التفسير فهو حامل لوائه (2)، وإن عُدّ الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفَّاظ نطقَ وخَرِسوا، وسَرَد وَأَبْلَسوا، واستغنى وأفلسوا. وإن سُمِّي المتكلّمون فهو فَرْدهم وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يَقْدم الفلاسفة فلَّسهم (3) وتيَّسَهم، وهتك أستارهم، وكشف عُوارهم (4)، وله يدٌ طولى في معرفة العربية والصرف واللغة. وهو أعظم من أن تَصِفه (5) كَلِمي، أو يُنبِّه على شأوه قلمي، فإنَّ سيرته وعلومه ومعارفه ومِحَنَه وتنقّلاته يحتمل (6) أن ترصَّع (7) في مجلّدتين. وهو بَشَرٌ من البشر له ذنوب، فالله تعالى يغفر له ويُسكنه أعلى جنته؛ فإنه كان ربَّاني الأمة، وفريد الزمان، وحامل لواء الشريعة، وصاحب معضلات المسلمين. وكان رأسًا في العلم (8)، يبالغ في إطراء (9) قيامه في _________ (1) (ف): «القرآن» خطأ. (2) (ب، ق): «رايته». (3) (ك): «فلسفهم». (4) (ب): «عورائهم». (5) (ف، ك): «يصقه». (6) (ف، ك): «تحتمل». (7) (ب، ق، ف): «توضع». (8) «وكان» ليست في (ب، ق، ف). و (ب): «الذكاء» بدلًا من «العلم». وزاد في (ق): «رأسًا في الذكاء». (9) كذا في الأصول الخطية، وكذا نقله الكرمي في «الكواكب» (ص 63). ولكن في «الشهادة الزكية» (ص 43) له أيضًا: «في أمر قيامه ... » فإن صحّ ما في النسخ، فلعلّ الذهبي قصد ما وقع للشيخ في مجالس المناظرة من الثناء على نفسه لما احتاج إلى ذلك، فإنه قال: «وتكلمت بكلام احتجت إليه مثل أن قلت: من قام بالإسلام في أوقات الحاجة غيري؟ ومن الذي أوضح دلائله وبينه؟ وجاهد أعداءه وأقامه لما مال؟ حين تخلى عنه كل أحد، فلا أحد ينطق ولا أحد يجاهد عنه، وقمت مظهرًا لحجته، مجاهدًا عنه، مرغّبًا فيه. فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام فيّ فكيف يصنعون بغيري»؟ ! انظر ما سيأتي في كتابنا هذا (ص 268)، و «مجموع الفتاوى»: (3/ 163).

(الكتاب/34)


الحق والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبالغةً ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد ولا لَحَظْتها في فقيه. وقال في مكان آخر ــ ذَكَر فيه ترجمةً طويلة للشيخ قبل وفاة الشيخ بدهر طويل (1) ــ: «قلت: وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الذي انفردَ به، فلا يبلغ أحدٌ في العصر رتبتَه ولا يقاربه. وهو عجَبٌ في استحضاره واستخراج الحُجَج منه، وإليه المنتهى في عَزْوه (2) إلى الكتب الستة و «المسند»، بحيث يَصْدُق عليه أن يقال: كلُّ حديثٍ لا يعرفه ابن تيميَّة فليس بحديث، ولكنَّ الإحاطة لله، غير أنه يغترف فيه (3) من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي. _________ (1) في «الدرة اليتيمية ــ ضمن تكملة الجامع» (ص 38 - 40). ومن قوله: «وقال في مكان .. » إلى هنا سقط من (ب). (2) ضبطها في الأصل «عُزُوِّه»! (3) ليست في (ب، ق، ك).

(الكتاب/35)


وأما التفسير فمسلَّمٌ إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن وقتَ إقامة الدَّليل بها على المسألة قوَّة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحيَّر فيه. ولِفَرْط إمامته في التفسير ولعَظَمة اطِّلاعه يبيّن خطأ كثيرٍ (1) من أقوال المفسِّرين، ويوهِّي أقوالًا عديدة، وينصر قولًا واحدًا موافقًا لما دلَّ عليه القرآنُ والحديث. ويكتب في اليوم والليلة (2) من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين (3) أو من الرَّدّ على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أَزْيَد. وما أُبْعِد أنَّ تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلدة (4). وله في غير مسألةٍ مصنَّف مفرد (5) في مجلد ــ ثم ذكر بعض تصانيفه ــ وقال: ومنها كتابٌ في الموافقة بين المعقول والمنقول، في مجلدتين (6). قلت: هذا الكتاب ــ وهو كتاب «درء تعارض العقل والنقل» ــ في أربع مجلدات كبار، وبعض النُّسَخ به في أكثر من أربع مجلدات. وهو كتابٌ _________ (1) بقية النسخ: «وعظمة ... كثيرًا». (2) (ك): «والليل». (3) (أ، ف، ك): «الأصولين». والمثبت من (ب، ق، جزء الذهبي). (4) (ف): «مجلد». (5) زيادة «مفرد» من بقية النسخ، وجزء الذهبي. وفي (ك): « .. غير المسألة». والكتب المفردة التي ذكرها الذهبي هي: مصنف في مسألة التحليل (بيان الدليل في بطلان التحليل)، ومصنف في مسألة حفير، ومصنف في من سبّ الرسل (الصارم المسلول)، واقتضاء الصراط المستقيم. وانظر ما سبق (ص 14 - 15). (6) (ك): «مجلدين». هنا انتهى النقل عن الذهبي.

(الكتاب/36)


حافلٌ عظيم المقدار، ردَّ الشيخُ فيه على الفلاسفة والمتكلِّمين (1). وله كتابٌ في نحو مجلد أجاب فيه عمَّا أورده [ق 12] كمال الدين ابن الشَّرِيشي (2) على هذا الكتاب (3). وللشيخ رحمه الله من المصنَّفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرَّسائل، وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من متقدِّمي الأئمة (4) ولا متأخِّريها جَمَع مثل ما جمع، ولا صنَّف نحوَ ما صنَّف ولا قريبًا من ذلك (5)، مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثيرًا منها صنَّفه في الحبس (6)، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب. _________ (1) طبع الكتاب في جامعة الإمام بالرياض في أحد عشر مجلدًا، بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم. وفيه يقول ابن القيم في نونيته: واقرأ كتاب (العقل والنقل) الذي ... ما في الوجود له نظير ثاني (2) هو: أحمد بن محمد بن أحمد البكري كمال الدين الشريشي الشافعي القاضي (ت 718). انظر «ذيل تاريخ الإسلام» (ص 150 - 151)، و «الدرر الكامنة»: (1/ 252). (3) ذكره ابن رشيق (ص 295 - ضمن الجامع). (4) كذا في الأصل ومختصره «الكواكب» (ص 77)، وفي بقية النسخ: «الأمة»، و (ف): «متقدم الأمة». (5) قال الحافظ الذهبي في «السير»: (21/ 367) في ترجمة ابن الجوزي: «ما عرفت أحدًا صنف ما صنف». أقول: المكثرون من التصانيف جمعهم جميل العظم في «عقود الجوهر»، ومحمد خير في رسالة له في ذلك. ولا ريب أن شيخ الإسلام من أكثرهم تصنيفًا، وأقواهم مادة وبحثًا. (6) (ف): « ... بالحبس». (ك): «وكثير .. ».

(الكتاب/37)


[مصنفات الشيخ رحمه الله] وها أنا أذكرُ بعضَ مصنفاته، ليقف عليها من أحبَّ معرفتَها. فمن ذلك ما جمعه في تفسير القرآن العظيم، وما جمعه من أقوال مفسِّري السَّلف الذين يذكرون الأسانيد في (1) كتبهم، وذلك (2) أكثر من ثلاثين مجلدًا (3)، وقد بيَّض أصحابُه بعضَ ذلك، وكثيرًا منه لم يكتبوه بعدُ (4). وكان رحمه الله يقول: ربَّما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير (5)، ثم أسأل الله الفهم وأقول: يا مُعَلِّم (6) إبراهيم علِّمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها (7) وأمرِّغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلِّم إبراهيم فهِّمْني، ويذكر قصَّة معاذ بن جبل وقوله لمالك بن يَخامِر لمَّا بكى عند موته وقال: إني لا أبكي على دنيا _________ (1) (ب، ق): «من». (2) بعده في (ك): «في». (3) زاد في «الكواكب»: «ولو كتب كله لبلغ خمسين مجلدًا». وقال ابن القيم في «النونية» (3679): إنه لا يقل عن عشر مجلدات كبار. (4) (ب، ق): «بعد ذلك». (5) وذكر ابن رشيق (ص 383) أن شيخ الإسلام قال له مرة: وقفت على نحو خمسة وعشر (كذا ولعلها: وعشرين) تفسيرًا مسندًا. (6) (ف): «يا معلم آدم ويا معلم ... ». (ك): «يا معلم آدم وإبراهيم». (7) (ب، ق): «وغيرها».

(الكتاب/38)


كنت أصيبها (1) منك ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذَين كنت أتعلمهما منك. فقال: إنَّ العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما فاطلب العلم عند أربعة ــ وسمَّاهم ــ فإن أعياك العلم عند هؤلاء، فليس هو في الأرض (2)، فاطلبه من معلِّم إبراهيم (3). قال الشيخ أبو عبد الله بن رُشَيِّق (4) ــ وكان من أخصِّ أصحاب _________ (1) (ب): «ذنب ... أصبتها». (ق): «أصبتها». (2) «فليس هو في الأرض» سقطت من (ف). (3) الأصل: «قاطبة من معلم». هذا كله ذكره ابن رشيق (ص 283) وسمى الأربعة: «عند أبي الدرداء، وعبدالله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وعبدالله بن سلام». وذكره ابن القيم في «إعلام الموقعين»: (6/ 197). أقول: هذا الأثر لم أقف عليه من رواية مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، ورواه عن معاذ جماعة، أشهرها رواية يزيد بن عَميرة الهَمْداني عن معاذ، أخرجه الترمذي (3804)، والنسائي في «الكبرى» (8196)، وأحمد (22104)، وابن حبان (7165)، والحاكم: (1/ 98)، والبيهقي في «المدخل» (102)، وابن سعد (2/ 304) وغيرهم بألفاظ مختلفة. قال الترمذي: حسن غريب. كما في «تحفة الأشراف»: (8/ 418)، ونسخة الكروخي (ق 258)، وفي المطبوع: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقد نسبه شيخ الإسلام لمالك بن يخامر كما في «مجموع الفتاوى»: (4/ 531)، وتابعه تلميذه ابن القيم في «إعلام الموقعين»: (2/ 23، 6/ 197). (4) هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد، سبط ابن رُشَيِّق المالكي (ت 749) كاتب شيخ الإسلام، يقول ابن كثير: كان أبصر بخط الشيخ منه .. انظر ما كتبناه عنه في «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص 59). وهذ النقل من رسالته ــ المنسوبة خطأً لابن القيم ــ «أسماء مؤلفات ابن تيمية»: (ص 283 وما بعدها - ضمن الجامع).

(الكتاب/39)


شيخِنا وأكثرهم كتابة لكلامه وحرصًا على جمعه ــ: كتب الشيخ رحمه الله نقولَ السَّلف مجرَّدَةً (1) عن الاستدلال على جميع القرآن. وكتب في أوَّله قطعةً كبيرة (2) بالاستدلال. ورأيتُ له سورًا وآياتٍ يفسِّرها ويقول في بعضها (3): كتبته للتذكُّر ونحو ذلك. ثم لما حُبِس في آخر عمره كتبتُ له أن يكتب على جميع القرآن مرتَّبًا (4) على السور، فكَتَبَ يقول: إن القرآن فيه ما هو بيِّن بنفسه، وفيه ما قد بيّنه المفسرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أشكل تفسيرُها على جماعةٍ من العلماء، فربّما يطالع الإنسان عليها (5) عدَّة كتبٍ ولا يتبيّن له تفسيرُها، وربَّما كتب المصنف الواحدُ في آية تفسيرًا ويفسِّر نظيرها بغيره (6)، فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل لأنه أهم من غيره (7)، وإذا _________ (1) الأصل: «مخرَّجة». (2) (ف): «يسيرة». (3) (ب): «بعض». (4) (ف): «شيئًا».وموضعه بياض في (ك)، وبدا طرف الكلمة (تنا) ومقابله في الهامش بخط مغاير: «تفسير مرتبًا». (5) «عليها» ليست في (ب، ق). (6) (ك): «يفسر غيرها بنظيره». (7) طبعت فصول من هذه الآيات ضمن «مجموع الفتاوى» المجلدات (14، 15، 16)، ثم طبعت مستقلة مع غيرها بعنوان «تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها القول الصواب بل لا يوجد فيها إلا ما هو خطأ». في مجلدين، بتحقيق عبد العزيز الخليفة. وانظر ما سيأتي (437).

(الكتاب/40)


تبيّن معنى آية تبيّن معاني نظيرها (1). وقال: قد فتح الله عليَّ في هذا الحِصْن في هذه المرَّة (2) من معاني القرآن وأصول (3) العلم بأشياء مات كثير من العلماء يتمنَّونها، وندمتُ على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا (4). وأرسل إلينا شيئًا يسيرًا مما كتبَه من هذا الجنس (5)، وبقي شيءٌ كثير في سَلَّة (6) الحُكْم عند الحُكَّام لمَّا أخرجوا كتبه من عنده، وتوفي وهي عندهم [ق 13] إلى هذا الوقت، نحو أربع عشرة رِزْمة (7). _________ (1) (ق، ف، ك): «نظائرها». (2) (ب، وابن رشيق): «المدة». (3) (ب، ف، ك): «ومن أصول». (4) انظر ما كتب الأستاذ محمد بن عبد الله أبو الفضل القونوي حول هذه الكلمة «وندمت على تضييع ... » في كتابه الماتع «موقف خليل الصفدي من ابن تيمية»: (ص 93 - 94). (5) (ك): «في هذا الحبس». (6) (ف): «مسئلة»، و (ك): «سنلة» تحريف. وسلة الحكم: هو المكان الذي تحفظ فيه الوثائق ونحوها، بحيث لا يخرجها ولايَطَّلع عليها إلا القاضي أو من يأذن له. (7) سيذكر المصنف (ص 445) «أن هذه الكتب حُملت إلى القاضي علاء الدين القونوي (ت 729)، وجُعلت تحت يده في المدرسة العادلية». وتوفي القونوي بعد الشيخ بسنة، فبقيت الكتب عند القاضي الشافعي، حتى خلصها منه الأمير قطلوبغا الفخري بعد أربعة عشر عامًا. قال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»: (18/ 440): «وفي يوم السبت ثالثه (أي ثالث شهر رجب من عام 742) استدعى قطلوبغا الفخريُّ (الأمير قطلوبغا) القاضيَ الشافعيَّ، وألحَّ عليه في إحضار الكتب المُعْتَقَلة في سلَّة الحُكم، التي كانت أُخِذت من عند الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله من القلعة المنصورة في أيام جلال الدين القزويني، فأحضرها القاضي بعد جهد ومدافعة، وخاف على نفسه منه، فقبضها منه الفخري بالقصر، وأذن له في الانصراف من عنده، وهو متغضِّب عليه، وربما همَّ بعزله لممانعته إياها، وربما قال قائل: هذه فيها كلام يتعلق بمسألة الزيارة، فقال الفخري: كان الشيخ أعلم بالله وبرسوله منكم. واستبشر الفخري بإحضارها إليه، واستدعي بأخي الشيخ زين الدين عبد الرحمن، وبالشيخ شمس الدين عبد الرحمن ابن قيم الجوزية، وكان له سعي مشكور فيها، فهنأهما بإحضاره الكتب، وبيَّت الكتبَ تلك الليلة في خزانته للتبرُّك، وصلى به الشيخ زين الدين أخو الشيخ صلاة المغرب بالقصر، وأكرمه الفخري إكرامًا زائدًا لمحبته الشيخ رحمه الله» اهـ.

(الكتاب/41)


ثم ذكر الشيخ أبو عبد الله ما رآه ووقف عليه من تفسير الشيخ (1). قلت: ومن مصنَّفاته: كتاب «بيان (2) تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية» في ستّ مجلدات، وبعض النسخ منه (3) في أكثر من ذلك. وهو كتاب جليل المقدار، معدوم النَّظير، كشف الشيخُ فيه أسرار الجهمية، وهتَكَ أستارَهم. ولو رحل (4) طالب العلم لأجل تحصيله من (5) _________ (1) انظر ما ذكره ابن رشيق في كتابه (ص 284 - 294 - ضمن الجامع). وبهامش (ك) دون علامة لحق أو تصحيح ما نصه: «ومن مصنفاته تفسير سورة الصمد، وجواب سؤال عن كلام الله تعالى هل يتفاضل». (2) «بيان» ليست في (ب، ق). (3) بقية النسخ: «به». وهذا الكتاب ردٌّ على كتاب «أساس التقديس» للرازي. ذكره ابن رشيّق (ص 295). وقد طبع ما وجد من كتاب الشيخ في عشر مجلدات عن مجمع الملك فهد، بتحقيق مجموعة من الباحثين. (4) (ك): «رحل رجل». (5) (ط): «إلى».

(الكتاب/42)


الصين ما ضاعت رحلتُه (1). ومنها: كتاب «منهاج السنَّة النبويَّة في نقضِ كلام الشِّيَعِ القدرية» (2) في ثلاث مجلَّدات، وبعض النسخ في أربع مجلدات (3). ردَّ فيه على ابن المُطَهَّر الرَّافضي (4)، وبيَّن جهل الرَّافضة وضلالتَهم (5)، وكذبَهم وافتراءَهم. ومنها: كتاب «جواب الاعتراضات المصريَّة على الفُتْيا الحمويَّة» في أربع مجلَّدات، وبعض النُّسَخ به (6) في أقلّ (7). _________ (1) وذكره ابن القيم في النونية فقال: وكذلك التأسيس أصبح «نقضه» ... أُعجوبة للعالم الرباني (2) (ف): «والقدرية»، (ط): «الشيعة». وقد نص الشيخ في أثناء كتابه على اسمه فقال: «ولهذا جُعِل هذا الكتاب: منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشِّيَع والقدريَّة». «المنهاج»: (2/ 199). (3) صدر في تسع مجلدات عن جامعة الإمام بالرياض، بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم. (4) هو: حسن (أو حسين) بن يوسف بن مطهر الحلي العراقي أبو منصور (ت 726) له تصانيف كثيرة. وكتابه المردود عليه هو «منهاج الكرامة ــ ويقال: الاستقامة ــ في معرفة (أو إثبات) الإمامة». ترجمته في «البداية والنهاية»: (18/ 271 - 272) و «الدرر الكامنة»: (2/ 71 - 72). (5) (ب، ق): «وضلالهم». (6) ليست في (ب، ق). (7) وكذا قال ابن رشيق (ص 294): في أربع مجلدات، وقيل: في ست مجلدات كما قال ابن القيم في نونيته: وكذاك أجوبة له مصرية ... في ست أسفار كُتِبْن سمان والمردود عليه هو: القاضي شمس الدين أحمد بن إبراهيم السَّرُوجي الحنفي (ت 710) وصفه شيخ الإسلام بأفضل القضاة المعارضين. انظر «بيان تلبيس الجهمية»: (1/ 6). وترجمته في «الجواهر المضية»: (1/ 123) للقرشي، و «البداية والنهاية»: (18/ 107). وقد نُشِرت منه قطعتان في مجلد لطيف ضمن هذا المشروع (آثار شيخ الإسلام ابن تيمية)، بتحقيق صديقنا البحاثة الشيخ محمد عزير شمس.

(الكتاب/43)


وهو كتاب عزيز الفوائد سهل التناول. ومنها: كتاب الردّ على النصارى سمَّاه «الجواب الصّحيح لمن بدَّل دينَ المسيح» في مجلدين، وبعض النسخ منه (1) في ثلاث مجلدات، وبعضها في أكثر (2). وكذلك كثير من كتبه الكبار تختلف النُّسَخُ بها. وهذا الكتاب من أجلِّ الكتب وأكثرها فوائد، ويشتمل على تثبيت النبوات وتقريرها بالبراهين النَّيِّرة الواضحة، وعلى تفسير آيٍ كثير من القرآن، وعلى غير ذلك من المهمَّات. ومنها: كتاب «الإيمان» في مجلد (3). وهو كتاب عظيم لم يُسْبَق إلى _________ (1) (ق، ف، ك): «به». وسقطت «منه» من (ب)، و «في» سقطت من (ف). (2) وقد كتبه الشيخُ ردًّا على كتاب ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى بما يحتجّ به علماء دينهم قديمًا وحديثًا. كما ذكر في مقدمته: (1/ 98). وقد صدر الكتاب عن دار العاصمة محققًا في سبع مجلدات، بتحقيق ثلاثة من الباحثين. (3) مطبوع في «الفتاوى»: (7/ 4 - 460)، وطبع مستقلاًّ مرات، وحقق في رسالة جامعية ولم تطبع حتى الآن. ويسمى «الإيمان الكبير»، وهو غير «الإيمان الأوسط» الآتي ذكره (ص 105).

(الكتاب/44)


مثله. ومنها: كتاب «الاستقامة» في مجلدين (1). وهو من أجلِّ الكتب وأكثرها نفعًا. ومنها: كتاب «تنبيه الرَّجل العاقل على تمويه الجدل (2) الباطل» في مجلد (3). وهو من أحسن الكتب وأكثرها فوائد. قال في خُطبته: «الحمد لله العليم القدير الخالق، اللطيف الخبير الرَّازق، السميع البصير الحكيم (4) الصّادق، العليّ الكبير الفاتق الرَّاتق (5)، الذي يسنُّ المناهجَ (6) والشرائع ويُبيِّن الطرائق (7)، ويَنْصِبُ الأعلامَ الطوالعَ لكشف الحقائق، ويُنزِّل الآيات والدَّلائل لبيان الجوامع _________ (1) والكتاب أكثره في الرد على كتاب «الرسالة» للقشيري، ومناقشة ما فيه من أخطاء. وقد طبع بجامعة الإمام بالرياض في مجلدين، بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم. (2) (ف): «الجدال». (3) والكتاب ردّ على برهان الدين النسفي (ت 687) في كتابه «فصول في الجدل» ويقال: المقدمة في الجدل، أو المقدمة البرهانية. وقد طبع الكتاب في مجلدين ضمن هذا المشروع المبارك، بتحقيق محمد عزير شمس وعلي بن محمد العمران. وقد فقدت مقدمته من نسخة الكتاب الخطية، وحفظها لنا ابن عبد الهادي في كتابه هذا، ولله الحمد والمنة. وقد كتبنا مقالًا مفصلًا في إثبات نسبة الكتاب الذي نشرناه إلى شيخ الإسلام في مقدمة الطبعة الثانية، ونُشر على الشبكة، فليراجعه من أحبّ. (4) (ف، ك): «الحليم». (5) (ك): «الفائق الرائق» تحريف. (6) (ف): «المنهاج». (7) (ف): «الطريق».

(الكتاب/45)


والفوارق، ويقذفُ بالحقِّ على الباطل فيدْمَغُه فإذا هو زاهق. أحمده ثناءً عليه بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلى وشكرًا له على نعمه البواسق (1). وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ربّ المغارب والمشارق، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله المؤيَّد بالمعجزات الخوارق، الموضِّح لسبيل الحقِّ في الجلائل والدقائق، صلى الله عليه وعلى آله (2) وسلم صلاة وتسليمًا باقيَين ما بقيت الخلائق. أما بعد، فإنَّ الله سبحانه علمَ ما عليه بنو آدم من كثرة الاختلاف والافتراق، وتبايُن العقول والأخلاق، حيث خُلِقوا من طبائع ذات تنافر، وابتلوا بتشعُّب (3) الأفكار والخواطر. فبعث الله الرُّسل مبشِّرين ومنذرين ومبيِّنين للإنسان ما يُضلُّه ويهديه، وأنزل معهم الكتاب بالحقِّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وأمرهم بالاعتصام [ق 14] به حذرًا من الافتراق (4) في الدِّين، وحضَّهم عند التنازع على الرَّدّ إليه وإلى رسوله المبين. وعَذَرهم بعد ذلك فيما يتنازعون فيه من دقائق الفروع العملية (5)، لخفاء مَدْرَكها وخفَّة مَسْلكها وعدم إفضائها إلى بليَّة، وحضَّهم على المناظرة والمشاورة، _________ (1) (ف، ك): «السواسق». (2) (ف) زيادة: «وصحبه». (3) (ف): «بتشعُّث». (4) (ك): «التفرق». (5) (ف، ك): «العلمية».

(الكتاب/46)


لاستخراج الصّواب في الدّنيا والآخرة، حيث يقول لمن رضي دينهم: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، كما أمرهم بالمجادلة والمقاتلة لمن عَدَل عن السبيل العادلة، حيث يقول آمرًا وناهيًا لنبيِّه والمؤمنين، لبيان ما يرضاه منه ومنهم: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46]. فكان أئمة الإسلام ممتثلين لأمر المليك (1) العلَّام، يجادلون أهلَ الأهواء المضلَّة، حتى يردُّوهم (2) إلى سواء المِلَّة، كمجادلة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج المارقين، حتى رجع كثيرٌ منهم إلى ما خرج عنه من الدين، وكمناظرة كثير من السلف الأولين لصنوف المبتدعة الماضين، ومن في قلبه ريبٌ يخالفُ اليقين، حتى هدى الله من شاء من البَشَر، وعَلَن (3) الحقُّ وظَهَر، ودَرَس ما أحدثه المبتدعون واندَثَر. وكانوا يتناظرون في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، بالأدلة المرضيَّة والحُجَج القويَّة، حتى كان قلَّ مجلسٌ يجتمعون فيه (4) إلا ظهر الصواب، ورجع راجعون إليه؛ لاستدلال المستدلِّ بالصّحيح من الدلائل، وعِلْمِ المنازعِ (5) أنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل. كمجادلة الصّدّيق لمن نازعه في قتال مانعي الزَّكاة حتى رجعوا إليه، _________ (1) (ب، ق): «الملك». (2) (ف، ك): «يردونهم». (3) (ف): «وأعلن». (4) بقية النسخ: «عليه». (5) ضبطها في الأصل و (ف): «وعَلِمَ المنازعُ».

(الكتاب/47)


ومناظرتِهم في جَمْع المُصحف حتى اجتمعوا عليه، وتناظُرِهم (1) في حدِّ الشّارب وجاحد التحريم، حتى هُدوا إلى الصراط المستقيم. وهذا وأمثاله يجلُّ عن العدِّ والإحصاء، فإنَّه أكثرُ من نجوم السّماء. ثم صار المتأخِّرون بعد ذلك قد يتناظرون في (2) أنواع التأويل والقياس بما يُؤثِّر في ظنِّ بعض الناس، وإن كان عند التحقيق يؤول إلى الإفلاس، لكنَّهم لم يكونوا يقبلون من المناظر إلا ما يفيد ولو ظنًّا ضعيفًا للنَّاظر، واصطلحوا على شريعةٍ من الجدل، للتعاون على إظهار صواب القول (3) والعمل، ضبطوا بها قوانينَ الاستدلال، لتسلم عن الانتشار والانحلال. فطرائقهم وإن كانت بالنسبة إلى طرائق (4) الأوَّلين غيرَ وافيةٍ بمقصود الدّين، لكنَّها غيرُ خارجةٍ عنها بالكليَّة ولا مشتملة على مالا يُؤثِّر في القضيَّة، وربَّما كسَوها من جَودة العبارة، وتقريب الإشارة، وحُسْن الصِّياغة (5)، وصنوف البلاغة ما يُحَلِّيها عند النّاظرين، ويُنْفِقُها عند المتناظرين، مع ما اشتملت عليه من الأدلَّة السَّمعية والمعاني الشرعيّة (6)، وبنائها على الأصول الفقهيَّة والقواعد المرضيَّة (7)، والتحاكم فيها إلى _________ (1) (ب، ق): «ومناظرتهم». (2) الأصل و (ب، ق): «من». (3) (ف): «التأول». (4) (ق): «أدلة». (5) (ب، ق): «الصناعة». (6) الأصل: «الشريعية». (7) (ك): «الشرعية».

(الكتاب/48)


حاكم (1) الشّرع الذي لا يُعْزَل، وشاهد العقل المُزَكَّى المعدَّل. وبالجملة [ق 15] لا تكاد تشتمل على باطل مَحْض ونُكْرٍ (2) صِرْف، بل لا بدَّ فيها من مَخِيلٍ للحقِّ ومشتملٍ على عُرْف. ثم إن بعض طلبةِ العلوم من أبناء فارس والروم صاروا مولَعين (3) بنوعٍ من جَدَل المُمَوِّهين استحدثه طائفةٌ من المشرقيِّين (4)، وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا (5) فيه مراوغة الثَّعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللَّاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنَّهم وضعوها في غير مواضعها المستحقَّة لها، وألَّفوا الأدلَّة تأليفًا غير مستقيم، وعَدَلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم. غير أنَّهم بإطالة العبارة، وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة والمجازيَّة في المقدِّمات، ووضع الظنيَّات موضع (6) القطعيَّات، والاستدلال بالأدلة العامَّة حيثُ ليس (7) لها دلالة، على وجهٍ يستلزمُ الجمعَ بين النقيضين مع الإحالةِ والإطالة، وذلك مِنْ فِعْل غالطٍ أو (8) _________ (1) (ب): «حاكم». (2) (ب، ف، ك): «مكر». وغير واضحة في (ق). (3) رسمها في الأصل: «مولفين». (4) من بقية النسخ، وفي الأصل: «المسرفين». (5) (ب، ف): «راغو». (6) (ف): «مواضع». (7) (ف، ك): «ليست». (8) (ف، ك): «و».

(الكتاب/49)


مُغالطٍ للمُجادل، وقد نهى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - عن أغلوطات المسائل (1) = نَفَق ذلك على الأغْتام الطَّماطِم، وراج رواج البَهْرج على الغِرِّ العادِم، واغترَّ به بعضُ الأغْمار الأعاجم، حتى ظنُّوا أنَّه من العلم بمنزلة الملزوم من اللازم، ولم يعلموا أنه والعلم المقرِّب من الله (2) متعاندان متنافيان، كما أنَّه والجهل المركَّب متصاحبان متآخيان (3). فلما استبان لبعضهم أنّه كلامٌ ليس له حاصل، لا يقوم بإحقاقِ حقٍّ ولا إبطال باطل= أخَذَ يطلبُ كشفَ مُشكِله وفتحَ مُقفَله، ثم إبانة علله وإيضاح زَلله، وتحقيق خطئه وخلله (4)؛ حتى يتبيَّن (5) أنَّ سالكَه يسلك في الجَدَل مسلك اللَّدَد، وينأى عن مسالك (6) الهدى والرَّشَد، ويتعلَّق من الأصول بأذيالٍ لا توصل إلى حقيقة، ويأخذ من الجدل الصحيح رسومًا يموِّه بها على أهل الطّريقة. ومع ذلك فلا بدَّ أن يدخل في كلامهم قواعدُ صحيحة، ونُكتٌ من _________ (1) أخرجه أحمد (23688)، وأبو داود (3656)، وغيرهما، من طرق عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الحديث. وفي سنده عبد الله بن سعد مجهول، وضعف الحديث ابن القطان في «بيان الوهم»: (4/ 66)، وقواه الحافظ في «فتح الباري»: (10/ 407). (2) «من الله» من الأصل فقط. (3) (ف): «ومتآخيان». (4) بقية النسخ: «وخطله». (5) (ف): «تبين». (6) (ف، ك): «مسلك».

(الكتاب/50)


أصول الفقه مليحة، لكن إنَّما أخذوا ألفاظَها ومبانيها دون حقائقها ومعانيها، بمنزلة ما في الدِّرْهم الزّائف من العين، ولولا ذلك لما نَفَق على من له عين. فلذلك آخذُ في تمييز حقِّه من باطله، وحاليه من عاطله، بكلام مختصر مرتجل، كتبه كاتبُه على عَجَل. والله الموفِّق لما يحبّه ويرضاه، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله». انتهت خطبة هذا الكتاب. ومن مصنفاته أيضًا: كتاب «بيان الدّليل على بطلان التّحليل» (1). وكتاب «الصّارم المسلول على شاتم الرّسول» (2). وكتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة (3) أصحاب الجحيم» (4). وكتاب «تحرير الكلام في حادثة الاقتسام» (5)، وسماه بعضهم: كتاب _________ (1) طبع عدة مرات، أفضلها بتحقيق الدكتور أحمد الخليل، دار ابن الجوزي. وطبع مختصره للبعلي ضمن هذا المشروع بتحقيقي. (2) طبع مرارًا، وأفضلها بتحقيق الشيخين محمد الحلواني ومحمد شودري، عن دار رمادي، الطبعة الأولى 1417 هـ في ثلاث مجلدات. وطبع مختصره للبعلي بتحقيقي. (3) (ب، ق، ف): «في مخالفة». وعند ابن رشيّق (ص 305): «في الرد على أصحاب .. ». (4). طبع عدة مرات، آخرها بتحقيق الدكتور ناصر العقل في مجلدين. وطبع مختصره للبعلي بتحقيقي. (5) (ك): «الأقسام». انظر ما قاله ابن الزملكاني (ص 13 ــ 14) عن الكتاب، وقال ابن رجب في «الذيل»: (ص 384 - الجامع): إنه مجلد في مسألة من القسمة كتبها اعتراضًا على الخويي في حادثة حكم فيها.

(الكتاب/51)


«التحرير في مسألة حفير» (1). وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (2). وكتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» (3). وكتاب «تفضيل صالح الناس على سائر الأجناس» (4). وكتاب «التحفة العراقية في الأعمال القلبية» (5). وكتاب [ق 16] «المسائل (6) الإسكندرية في الردّ على الملاحدة والاتحادية» (7). وتعرف بـ «السبعينية» لاشتمالها على الردّ على ابن سبعين _________ (1). وقع عند ابن رشيّق (ص 306): «مسألة الخضر» تحريف. (2) عند ابن رشيّق (ص 306): «دفع الملام ... مجلد لطيف».طبع مرارًا، وهو في «مجموع الفتاوى»: (20/ 231 - 293). (3) ذكره ابن رشيّق (ص 306). وطبع مختصره مرارًا، وهو في «مجموع الفتاوى»: (28/ 244 - 397). وطبع كاملًا لأول مرة ضمن مشروع آثار شيخ الإسلام ابن تيمية في مجلد، بتحقيقي. (4) ذكره ابن رشيق (ص 298 - الجامع) وغيره. ولعله ما في «مجموع الفتاوى»: (4/ 350 - 392). (5) قال ابن رشيّق (ص 298): «نحو ستين ورقة». وقد طبع مرارًا، آخرها بتحقيق د. يحيى الهنيدي، عن مكتبة الرشد بالرياض. وهو في «مجموع الفتاوى»: (10/ 5 - 90). (6) (ف، ك): «مسائل». (7) قال ابن رشيّق (ص 295): «رد فيه على ابن سبعين وغيره، مجلد». طبع بعنوان «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد» بتحقيق د. موسى الدويش، عن دار العلوم والحكم 1408. وقد ذكر أن هذا العنوان من النساخ، وأن المؤلف قد ذكره في كتبه بعدة أسماء، وكذلك تلاميذ الشيخ ومن بعدهم ذكروه بعناوين أخرى. راجع مقدمة التحقيق (ص 53 - 57).

(الكتاب/52)


وأضرابه. وكتاب «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (1). وكتاب «فضائل القرآن» (2). وكتاب «أقسام القرآن» (3). وكتاب «أمثال القرآن» (4). وهذه المصنَّفات بعضها مجلد كبير، وبعضها مجلد صغير. وله كتاب في الردّ على المنطق، مجلد كبير (5). _________ (1) قال ابن رشيّق (ص 302): «مجلد لطيف». طبع عدة مرات، ومن آخرها طبعة مكتبة الرشد بتحقيق د. عبد الرحمن اليحيى. وهو في «مجموع الفتاوى»: (11/ 156 - 310). وتأخر ذكر هذا الكتاب في (ب، ق) إلى ما بعد «أمثال القرآن». (2) ذكره ابن رشيق (ص 294 - الجامع) بعنوان «قاعدة في فضائل القرآن». (3) ذكره ابن رشيق (ص 294) بعنوان «قاعدة في أقسام القرآن». وهو في «مجموع الفتاوى»: (13/ 314 - 328) بعنوان «فصل في ... ». (4) ذكره ابن رشيق (ص 294) بعنوان «قاعدة في أمثال القرآن». (5) ذكره ابن رشيّق (ص 295). وطبع بتحقيق الشيخ عبد الصمد شرف الدين رحمه الله، عن الدار القيمة بالهند عام 1368 هـ، بعنوان «الرد على المنطقيين». وهذا هو عنوانه الصحيح؛ لأنه هو المكتوب على غلاف نسخته الخطية التي قرئت على المصنف، وعليها خطه في مواضع عديدة. ويسمى أيضًا «نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق القرآن» وقد لخصه السيوطي وطبع تلخيصه في «مجموع الفتاوى»: (9/ 82 - 254).

(الكتاب/53)


وله مصنفان آخران في الردّ على المنطق، نحو مجلد (1). وله كتاب في محنته بمصر (2)، مجلَّدان، ردَّ فيه على القائلين (3) بالكلام النفسيّ من نحو ثمانين وجهًا (4). وله في مسألة القرآن مؤلفات كثيرة وقواعد وأجوبة وغير ذلك، إذا _________ (1) ذكر الصفدي في «أعيان العصر»: (ص 354 - الجامع)، و «الوافي»: (ص 477 - الجامع) أن للشيخ مصنّفًا في المنطق في مجلد، ثم قال: وآخر في مجلد لطيف. أقول: وللشيخ فصل في ضبط كليات المنطق والخلل فيه، طبع ضمن «مجموع الفتاوى»: (9/ 255 - 319). أما الكتاب المطبوع باسم «نقض المنطق» فليس عنوانه من وضع الشيخ بل من اجتهاد الطابع، وليس موضوعه في المنطق، بل غالب الكتاب في عقيدة أهل الحديث، وفي آخره جواب عن المنطق وهل هو فرض كفاية؟ (ص 155 - 209)، وقد استلّ هذا القسم وطبع في «مجموع الفتاوى»: (9/ 5 - 82). (2) وهو الكتاب المسمى بـ «التسعينية»، وسمي بذلك؛ لأن الشيخ ردّ على القائلين بالكلام النفسي من نحو تسعين وجهًا، طبع أولاً في «مجموعة فتاوى ابن تيمية»: (5/ 2 - 288)، ثم طبع بتحقيق د. محمد العجلان، في ثلاثة مجلدات عن دار المعارف بالرياض عام 1420 هـ. واختلف في تسميته على أقوال. انظر مقدمة تحقيقه: (1/ 56 - 59). (3) من هنا طمس في (ق) أكثر من نصف صفحة. (4) ذكر أنها من ثمانين وجهًا ابن رشيق: (ص 296 - الجامع)، والصفدي: (ص 354 - الجامع). وذكر أنها من تسعين وجهًا ابن القيم في «النونية»: (ص 341 - الجامع) وغيره. واختلافهم عائد إلى احتساب بعض الأوجه أو التفريعات في العد، أو عدم احتسابها.

(الكتاب/54)


جُمِعَت (1) بلغت مجلدات كثيرة، منها ما بُيِّض ومنها ما لم يُبَيض. فمن مؤلفاته في ذلك: الكيلانية (2). والبغدادية (3). والقاهرية (4). والأزهرية (5). والبعلبكية (6). والمصرية (7). _________ (1) (ك): «اجتمعت». (2) (ف): «الكلابية» تحريف. قال ابن رشيق: (ص 296 - الجامع): «وهو جواب في مسألة القرآن، في مجلد لطيف». وهو في «مجموع الفتاوى»: (12/ 323 - 501). وسميت كذلك؛ لأن السؤال ورد من كيلان، وكِيلان أو جِيلان إحدى محافظات إيران الآن على حدود بحر قزوين، وهي اسم لبلاد كثيرة من وراء بلاد طبرستان. وليس في جيلان مدينة كبيرة إنما هي قرى في مروج بين جبال، ينسب إليها: جيلاني وجيلي، والعجم يقولون: كيلان، وقد نسب إليها من لا يحصى من أهل العلم في كل فن. انظر «معجم البلدان»: (2/ 201). (3). قال ابن رشيق: (ص 297 - الجامع): «وهي مسألة في القرآن». وللشيخ رسالة بعنوان «البغدادية فيما يحل من الطلاق ويحرم» في «مجموع الفتاوى»: (33/ 5 - 43). (4) (ب، ف، ك): «والقادرية» وكذا عند ابن رشيق: (ص 297 - الجامع)، وقال: «وهي مسألة في القرآن، نحو عشر ورقات». والمثبت من الأصل، وهو المناسب لتسمية كتب المؤلف بأسماء البلدان التي وردت منها الأسئلة. (5) قال ابن رشيّق (ص 297): «بضع وعشرون ورقة». اقتبس نصوصًا منها الفتوحي في «شرح الكوكب»: (2/ 34 - 40)، والمرداوي في «التحبير»: (3/ 1278 - 1282). ثم ضمت إلى «جامع المسائل-المجموعة الخامسة»: (5/ 123 - 129). (6) قال ابن رشيّق (ص 296): «تكلم فيها على اختلاف الناس في الكلام، نحو عشرين ورقة». وقد طبعت عدة مرات، آخرها رسالة ماجستير بجامعة أم القرى، عن نسخة عليها خطّ المؤلف. وهي في «مجموع الفتاوى»: (12/ 117 - 161) ولم تعنون فيه، وتبدأ بقوله: «فصل في أن القرآن العظيم كلام الله وليس شيء منه كلامًا لغيره». (7) قال ابن رشيق (ص 296): «جواب في مسألة القرآن، وردت من مصر، نحو سبعين ورقة». وهي في «مجموع الفتاوى»: (12/ 162 - 234). ومما ذكره ابن رشيق ولم يذكره المصنف: «جواب مسألة في القرآن، هل هو حرف وصوت أم لا؟ نحو ثلاثين ورقة».

(الكتاب/55)


وله في الردِّ على الفلاسفة مجلدات وقواعد أملاها مفردة غير ما (1) تضمَّنته كتبه. منها: إبطال قولهم بإثبات الجواهر العقلية (2). ومنها: إبطال قولهم بقدم العالم، وإبطال ما احتجّوا به (3). ومنها: إبطال قولهم: إنَّ (4) الواحد لا يصدر عنه إلا واحد (5). وله كتاب في الوسيلة، مجلد (6). وكتاب الردّ على البكري في الاستغاثة، مجلد (7). وكتاب شرح أول كتاب الغزنوي في أصول الدين، مجلد لطيف (8). _________ (1) (ب): «وغيرها». (2) ذكره ابن رشيق (ص 297). (3). قال ابن رشيق (ص 297): «في مجلد كبير». (4) «إبطال» ليست في (ف)، و (ب، ك): «في إن». (5). ذكره ابن رشيق (ص 397). (6) ذكره ابن رشيّق (ص 295). وطبع مرات باسم «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة»، وهو في «مجموع الفتاوى»: (1/ 142 - 368). وفي «جامع المسائل-الخامسة»: (5/ 95 - 122) قاعدة في الوسيلة. (7) ذكره ابن رشيّق (ص 295). وطبع عدة مرات، آخرها بتحقيق د. عبد الله السهلي في مجلد، والكتاب ناقص من أوله. واختصره الحافظ ابن كثير. وطبع أيضًا. (8) ذكره ابن رشيّق (ص 295). والغزنوي هو جمال الدين أحمد بن محمد الحنفي (ت 593) وكتابه طبع في مجلد لطيف بعنوان: «أصول الدين»، عن دار البشائر عام 1418 هـ بتحقيق عمر الداعوق.

(الكتاب/56)


وكتاب «شرح عقيدة الأصبهاني»، يسمى: «الأصبهانية»، مجلد (1). وكتاب شَرَح فيه بضع عشرة مسألة من كتاب «الأربعين» للفخر الرازي، أكثر من مجلدين (2). وكتاب يُعرف بـ «الصفديَّة» في الردِّ على الفلاسفة في قولهم: إن معجزات الأنبياء عليهم السلام قُوى نفسانيَّة، وفي إبطال (3) قولهم بقدم العالم (4). وله كتاب شرح أول المحصَّل، مجلد (5). _________ (1) «الأصبهاني يسمى» من (ف، ك)، وسقط «مجلد» من (ك). ذكره ابن رشيّق (ص 295). وطبع عدة مرات، لكنه ناقص بمقدار الثلث. وحققه محمد السعوي رسالة دكتوراه على نسخة تامة وطبع بدار المنهاج أخيرًا في مجلد كبير. (2) ذكره ابن رشيّق (ص 295). وكتاب الرازي «الأربعين في أصول الدين» مطبوع في مجلد كبير. سيأتي (ص 87) أن للمؤلف فصلًا في الرد على الرازي في الأربعين في مسألة الصفات الاختيارية، وهو مطبوع في «الفتاوى» (6/ 273 - 287). (3) «نفسانية وفي إبطال» سقطت من (ف). (4). طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم في مجلدين، ثم طبع في مكتبة أضواء السلف سنة 1423 هـ في مجلد واحد، وفيها تصحيحات واستدراكات على الطبعة السابقة. (5) ذكره ابن رشيّق (ص 295). وكتاب «المحصل» مطبوع في مجلد. وقد ذكر شيخ الإسلام أن بعضهم كان ينشد فيه كما في «منهاج السنة»: (5/ 433): محصَّل في أصول الدين حاصله ... من بعد تحصيله علمٌ بلا دين أصل الضلالة والإفك المبين فما ... فيه فأكثره وحي الشياطين

(الكتاب/57)


وكتاب الردّ على أهل كسروان الرافضة، مجلدان (1). وكتاب يسمى: الهلاوونية (2). وهو جواب سؤال ورَدَ على لسان هولاكو ملك التتار، مجلد. وله في الردّ على من قال: إن (3) الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، عدّة مصنفات. وله في الردّ على منكري المعاد قواعد كثيرة. وله تعليقة على كتاب «المحرّر» في الفقه، لجده الشيخ مجد الدين، في عدة مجلدات (4). وله كتابٌ شرَح فيه قطعةً من كتاب «العمدة» في الفقه، للشيخ موفَّق الدين، في مجلدات (5). _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 295). وهو كتاب آخر غير «منهاج السنة النبوية». وانظر ما كتبه شيخ الإسلام عن أحوال الكسروانيين وعقائدهم بعد فتح ديارهم من جيش المسلمين في «مجموع الفتاوى»: (28/ 398 - 409). (2) (ق): «الهلاكونية». و (ب، ك): «الهلاونية». و (ف): «الهلاوكية». وذكره ابن رشيّق (ص 295). (3) سقطت من (ق، ب). (4) سماها ابن رشيق (ص 305): «شرح المحرر». (5) قال ابن رشيّق (ص 305): «شرح العمدة، في أربع مجلدات». وقد شرح منه الشيخ العبادات إلى كتاب الحج، وطبع ما وجد منه سوى شرح كتاب الزكاة فلم يُعثر عليه. طبع قسم الطهارة بتحقيق د. سعود العطيشان، والصلاة بتحقيق د. خالد المشيقح، وقطعة من كتاب الصلاة بتحقيق الشيخ عبد العزيز المشيقح، والصيام بتحقيق الشيخ زايد النشيري، والحج بتحقيق د. صالح الحسن. وسيعاد تحقيقه ضمن هذا المشروع إن شاء الله تعالى.

(الكتاب/58)


وله قواعد كثيرة في فروع الفقه لم تبيَّض بعد، ولو بُيّضت كانت مجلدات عدة. وقد جمع بعضُ أصحابه جملةً كثيرة (1) من فتاويه الفروعية وبوَّبها على أبواب الفقه في مجلدات كثيرة، تعرف بـ «الفتاوى المصرية». وسماها (2) بعضهم «الدّرر المضيَّة من فتاوي ابن تيميَّة» (3). وله مؤلفات في صفة حجّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، والجمع بين النصوص في ذلك. والكلام على (4) مُتعة الحج. _________ (1) بقية النسخ: «قطعة كبيرة». (2) (ف، ك): «سماها». (3) قال ابن رجب: إنها سبعة مجلدات «الجامع» (ص 482). وقد طبع منه أربعة مجلدات، وبقي اثنان أو ثلاثة، أما المطبوع في خمسة مجلدات بعنوان (مجموعة فتاوى) فقد أدخل فيها ما ليس من الفتاوى المصرية بل هي كتب مستقلة؛ كالتسعينية، وبغية المرتاد، والقواعد النورانية، وإبطال التحليل. وبالمقارنة مع مختصره المطبوع باسم «مختصر الفتاوى المصرية» للبعلي في مجلد واحد يتبين ترتيب الكتاب ومقدار النقص. وانظر مقدمة «جامع المسائل-الرابعة»: (4/ 5 - 9). ... وذكر ابن القيم في «النونية» (3676 - 3678) أن فتاواه تبلغ ثلاثين مجلدًا بعدد أيام الشهر، وأنّ الذي فاته منها بلا حُسبان. فلعلّه يعني مجمل فتاواه المصرية وغيرها. والله أعلم. (4) (ك): «في».

(الكتاب/59)


والعمرة المكيَّة (1). وطواف الحائض (2) وما يتعلّق بذلك= أكثر من مجلّدين (3). وله مصنَّفات في زيارة القبور هل (4) تُباح للنساء؟ والفرق بين الزّيارة الشرعية والزّيارة [ق 17] البدعية. وفي المشاهد متى حدثت، وفي النذور (5) لها (6). وفي المشهد المنسوب للحسين (7). وفي قبر علي رضي الله عنه، وغير ذلك= عدة مجلدات (8). _________ (1) قال ابن رشيّق (ص 304): «قاعدة في العُمَر المكية، وهل الأفضل للمجاور وأهل مكة الاعتمار أو الطواف؟ نحو أربعين ورقة». (2) «وطواف الحائض» تأخرت في (ف، ك) إلى بعد «بذلك». وذكر ابن رشيّق (ص 308) أن للشيخ قاعدة في طواف الحائض. (3) في المجلد السادس والعشرين من «مجموع الفتاوى» عدة رسائل تتعلق بالحج ومسائله، منها: «التمتع والقران أيهما أفضل»: (26/ 33 - 78)، و «منسك شيخ الإسلام»: (26/ 98 - 158)، و «طواف الحائض والجنب والمحدث»: (26/ 176 - 217)، و «مسائل في الحيض يبتلى بها النساء في الحج»: (26/ 219 - 242)، و «العمرة المكية»: (26/ 248 - 301). (4) (ف، ك): «وهل». (5) بقية النسخ: «النذر». (6) «جامع المسائل-الثالثة»: (3/ 117 - 141)، و (الرابعة): (4/ 154 - 171). (7) كتب فوقها في (ك): «رض». (8) في المجلد السابع والعشرين من «مجموع الفتاوى» عدة رسائل، منها: «[مكان] رأس الحسين»: (27/ 450 - 489)، و «سؤال القبور ومن يستنجد بها»: (27/ 64 - 105) «سؤال عن استجابة الدعاء عند القبور»: (27/ 12 - 149)، وآخر نحوه: (27/ 151 - 179).

(الكتاب/60)


وله في مسألة شدِّ الرِّحال ولوازمها التي حبس ومات في الحبس (1) بسببها شيء كثير، بُيّض منه مجلدات عديدة (2). وله في مسائل الطلاق والخُلْع (3) وما يتعلق بذلك من الأحكام شيء كثير ومصنفات عديدة، بيَّض الأصحابُ من ذلك كثيرًا، وكثيرٌ منه لم يبيَّض (4)، ومجموع ذلك نحو العشرين مجلدًا (5). وله قواعد كثيرة في (6) سائر أنواع العلوم؛ منها: قاعدة في الصفات والقَدَر تسمى: «تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، _________ (1) بقية النسخ: «السجن». وطمست هي وما بعدها في (ف). (2) منها: «الجواب الباهر في زوّار المقابر» طبع مفردًا، وفي «مجموع الفتاوى»: (27/ 314 - 443). ومنها «الرد على الإخنائي في مسألة الزيارة» طبع في مجلد، وطبع مختصره في «مجموع الفتاوى»: (27/ 214 - 288). وله ردّ على ابن الزملكاني في المسألة كتاب كبير. ذكر ابن رشيّق (ص 311) كتابًا بعنوان: «الدر المنثور في زيارة القبور». (3) (ف، ك): «الطلاق ومسائل الخلع». (4) (ب، ق): «يبيضوه». (5) وقال الصفدي: (ص 381 - الجامع): إنها خمسة عشر مجلدًا. وفي المجلد الثالث والثلاثين من «مجموع الفتاوى» عدة رسائل، وكذا في «جامع المسائل-المجموعة الأولى» الرسائل رقم (17 - 22). (6) الأصل: «من».

(الكتاب/61)


وحقيقةُ الجمع بين القَدَر والشرع»، وهي المعروفة بـ «التدمريَّة» (1). وقاعدة في أنَّ مخالفة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - لا تكون إلا عن (2) ظنٍّ واتباع هوى (3). وقاعدة في أن الإيمان والتوحيد يشتمل على مصالح الدنيا والآخرة (4). وقاعدة في إثبات كرامات الأولياء (5). وقاعدة في أنّ خوارق العادات لا تدل على الولاية (6). وقاعدة في الصبر والشكر (7). وقاعدة كبيرة في الرِّضا (8). _________ (1) ذكرها ابن رشيّق (ص 296). وطبعت مرات، منها طبعة بتحقيق محمد السعوي، في مجلد. وهي في «مجموع الفتاوى»: (3/ 1 - 128). (2) سقطت من (ب، ق). (3) ذكره ابن رشيق (ص 297). (4) ذكره ابن رشيّق (ص 297). وفي «جامع المسائل-السادسة»: (6/ 131 - 199) رسالة بعنوان: فصل في أن التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خير من علم نافع وعمل صالح. (5) قال ابن رشيق (ص 297): «عشرون ورقة». (6) ذكره ابن رشيّق (ص 297). ولعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (11/ 311 - 362) بعنوان: قاعدة شريفة في المعجزات والكرامات. (7) قال ابن رشيق (ص 298): «نحو ستين ورقة». وطبع للشيخ في الشكر رسالة في «مجموع الفتاوى» (1/ 103 - 118)، وفي: «جامع المسائل-الأولى»: (1/ 163 - 168). (8) قال ابن رشيق: (ص 298): «مجلد لطيف». وطبعت في «جامع المسائل-الثالثة»: (3/ 211 - 217) رسالة صغيرة في الرضا.

(الكتاب/62)


وقاعدة في الشُّكر والرِّضا. وقاعدة في أنَّ كلَّ آيةٍ يحتجُّ بها مبتدع، ففيها (1) دليل على فساد قوله. وقاعدةٌ في أنَّ كلَّ دليل عقليّ يحتجّ به مبتدع، ففيه دليل على بطلان قوله (2). وقاعدة في الخلوات، وما يلقيه الشيطان لأهلها من الشُّبَه، والفرق بين الخَلوة الشرعية والبدعية (3). وقاعدة في الفقراء والصوفية، أيُّهم أفضل؟ (4). وقاعدة في الفقير الصابر والغنيّ الشاكر، أيُّهم (5) أفضل؟ (6). وقاعدة في أهل الصُّفَّة ومراتبهم وأحوالهم (7). _________ (1) (ق): «منها». (2) «قوله» سقطت من (ف). قال ابن رشيق (ص 298): «مائة ورقة». وفي «مجموع الفتاوى»: (6/ 288 - 338): «فصل: فيه قاعدة شريفة، وهي: أن جميع ما يحتجّ به المُبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق لا تدل على قول المبطل». فلعله يكون هذا. (3) ذكره ابن رشيّق (ص 298). (4) ذكره ابن رشيّق (ص 298). وطبعت في «مجموع الفتاوى»: (11/ 5 - 24). (5) بقية النسخ: «أيهما». (6) ذكره ابن رشيّق (ص 311). وهو في «مجموع الفتاوى»: (11/ 122 - 132). وجواب آخر في: (11/ 119 - 121). (7) طبعت في «مجموع الفتاوى»: (11/ 37 - 70).

(الكتاب/63)


وقاعدة كبيرة في محبة الله للعبد ومحبة العبد لله (1). وقاعدة في الإخلاص والتوكُّل (2). وقاعدة في الإخلاص وتقريرُه (3) بالعقل. وقاعدة في الشيوخ الأحمدية وما يظهرونه (4) من الإشارات (5). وله قواعد وأجوبة في تحريم السماع أكثر (6) من مجلدين (7). وقاعدة في شرح أسماء الله الحسنى (8). _________ (1) قال ابن رشيق (ص 298): «مجلد لطيف». وهي في «جامع الرسائل»: (2/ 191 - 401) تحقيق محمد رشاد سالم. (2) قال ابن رشيق (ص 298): «نحو خمسين ورقة». وذكرها (ص 304) وقال: «قاعدة في التوكل والإخلاص، نحو أربعين ورقة». فهل هما رسالتان؟ وفي «جامع المسائل-السادسة»: (6/ 3 - 42) رسالة بعنوان: «قاعدة في الإخلاص لله تعالى». وأخرى: «في تحقيق التوكل» طبعت في «جامع الرسائل»: (1/ 85 - 100) تحقيق د. محمد رشاد سالم. (3) (ف، ك): «وتقديره». (4) (ف): «يظهرون». (5) قال ابن رشيق (ص 298): «نحو خمسين ورقة». (6) (ف، ك): «أكبر». (7) ذكر ابن رشيق رسالتين «قاعدة في تحريم السماع، نحو عشرين ورقة، وتحريم السماع، في مجلد». وقد طبعت عدة رسائل في السماع في «مجموع الفتاوى»: (11/ 557 - 586، 587 - 602). وفي «جامع المسائل- الثالثة»: (3/ 387 - 389). (8) ذكره ابن رشيق (ص 299).

(الكتاب/64)


وقاعدة في الاستغفار وشرحه وأسراره (1). وقاعدة في أن (2) الشريعة والحقيقة متلازمان (3). وقاعدة في الخُلَّة والمحبة أيهما أفضل؟ (4) وقاعدة في العلم المحكم (5). وقواعد وأجوبة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه (6). وقاعدة في وجوب نصيحة أولي الأمر والدعاء لهم. وقاعدة في أحوال الشيخ يونس القُنَيِّي (7)، والشيخ أحمد بن (8) _________ (1) ذكره ابن رشيق (ص 299). وقد طبع لشيخ الإسلام في مسألة الاستغفار رسالتان في «جامع المسائل-الأولى»: (1/ 157 - 162) بعنوان: «فصل في قوله - صلى الله عليه وسلم - : «سيد الاستغفار ... »، وفيها أيضًا: (السادسة): (6/ 273 - 279) بعنوان: «مسألة في الاستغفار». (2) «أن» من الأصل. (3) ذكره ابن رشيق (ص 299). (4) قال ابن رشيق (ص 299): «في مجلد». (5) قال ابن رشيق (ص 299): «مجلد». (6) قال ابن رشيق (ص 299): «مجلد». وطبعت في «جامع المسائل- السابعة»: (7/ 261 ــ 271) رسالة بعنوان: مسألة في تقديم عليّ على أبي بكر. (7) رسمها في الأصل: «الفيتتي»، و (ب، ق، ف): «القنني»، و (ك): «الغيبي». تحريفات، وصوابه ما أثبت نِسبة إلى القُنَيّة، قرية من أعمال دارا من نواحي ماردين. والشيخ يونس هو ابن يوسف بن مساعد الشيباني المخارقي الجزري، شيخ اليونسية (ت 619) قال الذهبي: «كان ذا كشف وحال، ولم يكن عنده كبير علم، وله شطح وشعر ملحون ... ». ترجمته في «السير»: (22/ 178 - 179)، و «وفيات الأعيان»: (7/ 256). (8) «بن» ليست في (ف). وهو أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن رفاعة المغربي ثم البطحائي، شيخ الرفاعية (ت 578)، قال الذهبي في «العبر»: (3/ 75) بعد ثنائه على الرفاعي: «ولكن أصحابه فيهم الجيد والرديء، وقد كثر الزغل فيهم، وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتارُ العراق؛ من دخول النيران وركوب السباع، واللعب بالحيات. وهذا لا عرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه، فنعوذ بالله من الشيطان» اهـ. وانظر «السير»: (21/ 78 - 80)، و «تاريخ الإسلام».

(الكتاب/65)


الرِّفاعي. وقاعدة وأجوبة في عصمة الأنبياء عليهم السلام (1). وقاعدة في الاستطاعة هل هي مع الفعل (2) أو قبله؟ (3) وقاعدة في العدم واستطاعته (4). وقاعدة في وجوب العدل على كلّ أحدٍ لكلِّ أحد (5) في كلِّ حال (6). وقاعدة في فضل السلف على الخَلَف في العلم (7). وقاعدة في حق الله وحق رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحقوق عباده، وما وقع في ذلك من التفريط (8). _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 300) وعنده: «رسالة في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هل هي من الصغائر؟ وهل يكفر المنازع في تجويز الصغائر عليهم؟ نحو ثلاثين ورقة». (2) (ب، ق): «العقل». (3) ذكره ابن رشيّق (ص 300). (4) في «جامع المسائل-السادسة»: (6/ 201 - 215) رسالة في الموضوع. (5) «لكل أحد» سقطت من (ف). (6) ذكره ابن رشيق (ص 301). (7) المصدر نفسه. (8) ذكره ابن رشيّق (ص 301). وفيه: «قاعدة في حق الله وحق عباده، بضع عشرة ورقة». وطبع للشيخ في هذا البحث رسالتان: في «جامع المسائل-الثالثة»: (3/ 49 - 65) بعنوان: «فصل في حق الله وحق عبادته وتوحيده»، وفي (السادسة): (6/ 43 - 67) بعنوان: «فصل في حق الله على عباده وقِسمه من أم القرآن».

(الكتاب/66)


وقاعدة في أنّ مَبدأ العلم الإلهي عند النبي [ق 18] - صلى الله عليه وسلم - هو الوحي، وعند أتباعه هو الإيمان (1). وقاعدة في أنَّ الحمد والذمَّ والثواب والعقاب بالجهاد (2) والحدود تتعلق (3) بأفعال العباد لا بأنسابهم. وقاعدة في أنّ كلّ حمد وذمٍّ للمقالات والأفعال لا بد أن يكون بكتاب الله وسنة رسوله (4). وقاعدة فيما لكل أمة من الخصائص، وخصائص هذه الأمة (5). وقاعدة في الكليَّات (6). وقواعد في الفناء والاصطلام (7). _________ (1) ذكره ابن رشيق (ص 301). (2) كذا بالأصل وغير واضحة في (ق). (3) (أ، ف): «يتعلق». (4) ذكره ابن رشيق (ص 301). (5) ذكره ابن رشيق (ص 301). (6) قال ابن رشيق (ص 301): «مجلد لطيف». وفي «جامع المسائل-السابعة»: (7/ 467 ــ 475) رسالة بعنوان: «مقاصد الكليات». (7) قال ابن رشيق (ص 301): «نحو ثلاثين ورقة». ولعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (10/ 337 - 443) بعنوان: «فصل الفناء الذي يوجد في كلام الصوفية» ... وفي «جامع المسائل ــ السابعة»: (7/ 157 ــ 196) رسالة بعنوان: «قاعدة في الفناء والبقاء».

(الكتاب/67)


وقاعدة في العلم والحلم (1). وقاعدة في الاقتصاص من الظالم (2) بالدعاء وغيره، وهل هو أفضل من العفو؟ (3) وله قاعدتان في قُرْب الرَّب من عابديه وداعيه (4). وقاعدة في تزكية النفوس (5). وقاعدة في (6) كلام ابن العريف في التصوّف (7). وقاعدة في الصراط المستقيم في الزهد والورع (8). _________ (1) قال ابن رشيق (ص 301): «نحو عشرين ورقة». (2) بقية النسخ: «المظالم». (3) قال ابن رشيق (ص 302): «مجلد». (4) ذكر ابن رشيق (ص 300) رسالة واحدة وقال: «مجلد لطيف». (5) (ف، ك): «النفس». قال ابن رشيق (ص 302): «نحو ثلاثين ورقة». وهي ضمن «مجموع الفتاوى»: (10/ 625 - 640). ونشرها د. محمد القحطاني مفردة، وفيها زيادات عما في الفتاوى. (6) بقية النسخ): «على». (7) قال ابن رشيق (ص 302): «كراسة». وتحرّفت فيه إلى «ابن الشريف». وابن العريف هو: أبو العباس أحمد بن محمد ابن عطاء الله الصنهاجي الصوفي (ت 536) له كتاب «محاسن المجالس» في التصوف. انظر «الصلة»: (1/ 81)، و «السير»: (20/ 111 - 114). (8) قال ابن رشيق: «نحو ثلاثين ورقة»، وهي في «مجموع الفتاوى»: (10/ 568 - 624).

(الكتاب/68)


وقاعدة في الإيمان والتوحيد، وبيان ضلال من ضل (1) في هذا الأصل (2). وقاعدة في أمراض القلوب وشفائها (3). وقاعدة في السياحة ومعناها في هذه الأمة (4). وقاعدة في خُلَّة إبراهيم الخليل عليه السلام، وأنه الإمام المطلق (5). وقواعد (6) في الشهادتين (7). وقواعد كثيرة فيمن امْتُحِنَ في الله وصبر (8). وقاعدة في الصفح الجميل والهجر الجميل (9). وقاعدة فيما يتعلَّق بالوسيلة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، والقيام بحقوقه الواجبة على _________ (1) (ف): « ... في الإبان والتوحيد وبيان من ضل». (2) ذكره ابن رشيق (ص 302). (3) قال ابن رشيق (ص 302): «نحو أربعين ورقة». وقد طبعت ضمن «مجموع الفتاوى»: (10/ 91 - 148). (4) ذكره ابن رشيق (ص 302). (5) ذكره ابن رشيق (ص 302). (6) (ف، ك): «عدة في». (7) عند ابن رشيق (ص 300): «كتاب في الشهادتين وما يتبع ذلك، في مجلد». (8) (ب): «امتحن وصبر». ذكره ابن رشيق (ص 303) وعند: قاعدة فيمن ... (9) (ف): «في الصبر و ... ». ذكره ابن رشيق (ص 303) وفيه زيادة: «والصبر الجميل». وهي في «مجموع الفتاوى»: (10/ 666 - 677).

(الكتاب/69)


أُمَّته في كل زمان ومكان، وبيان خصائصه التي امتاز بها على جميع العالمين، وبيان فضل أمته على جميع الأمم (1). وقاعدة (2) تتعلق بالصبر المحمود والمذموم (3). وقاعدة تتعلق برحمة الله تعالى في إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن إرساله أجلّ النعم (4). وقاعدة في الشكر لله، وأنه يتعلق بالأفعال الاختيارية (5). وقاعدة في المقربين هل يسألهم مُنكرٌ ونكير. وقاعدة في الفتوَّة الاصطلاحية وأنه ليس لها أصل في الأحكام الشرعية (6). وقاعدة في الكلام على المُرْشدة التي ألفها ابن التومرت (7). وله أجوبة تتعلق بها أيضًا. وقاعدة في كلام الجُنَيد لما سئل عن التوحيد فقال: (8) إفراد _________ (1) (ف): «الأمة».ذكره ابن رشيق (ص 303). (2) (ف): «وكذا قاعدة». (3) ذكرها ابن رشيق (ص 303). (4) نفسه. (5) ذكرها ابن رشيق (303). وللمصنف عدة رسائل في الشكر كما سيأتي، وقد طبعت له رسالة في «جامع الرسائل»: (1/ 101 - 118) تحقيق محمد رشاد سالم. (6) طبعت رسالة في هذا البحث في «جامع المسائل-الأولى»: (1/ 175 - 180). (7) ذكرها ابن رشيّق (ص 304). وهي في «مجموع الفتاوى»: (11/ 476 - 491). (8) بقية النسخ: «هو إفراد».

(الكتاب/70)


الحدوث عن القِدَم (1). وقاعدة في التسبيح والتحميد والتهليل (2). وقاعدة في أن الله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته (3). وقاعدة في الكلام على قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ... } الآية [البقرة: 21]، تسمى: «العبودية»، وهي جليلة القدر (4). وقاعدة فيما أحدثه (5) الفقراء المجرَّدون. وقاعدة في القدرية وأنهم ثلاثة أقسام مجوسية ومشركية وإبليسية (6). وقاعدة في بيان طريقة القرآن في الدعوة والهداية النبوية، وما بينها (7) وبين الطريقة الكلامية والطريقة الصوفية (8). وقاعدة في وصية لقمان لابنه (9). وقاعدة في تسبيح المخلوقات من الجمادات وغيرها، هل هو بلسان _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 304). (2) ذكره ابن رشيّق (ص 304). (3) بعده في (ك) زيادة: «وقاعدة في الكلام». ذكره ابن رشيّق (ص 304). (4) طبعت في «مجموع الفتاوى»: (10/ 149 - 236). وطبعت مستقلة مرات. (5) (ق): «أحدثته». (6) لعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (8/ 256 - 261). (7) (ف): «بينهما». (8) ذكره ابن رشيّق (ص 304). (9) ذكره ابن رشيّق (ص 304).

(الكتاب/71)


الحال أم لا؟ (1). وقاعدة تعرف بـ «الصعيدية» تتعلق (2) بالثنوية (3). وقاعدة في لباس الخرقة هل له أصل شرعي؟ وفي الأقطاب ونحوهم (4). وقاعدة [ق 19] في القضايا الوهمية (5). وقاعدة فيما يتناهى وما لا يتناهى (6). وقاعدة في الخُلْطة والعُزلة (7). وقاعدة في مشايخ العلم ومشايخ الفقراء أيّهم أفضل؟ (8). وقاعدة في تعذيب المرء (9) بذنب غيره (10). _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 304). (2) (ق): «وقاعدة في». (ب): «بالصعيدية الثنوية». (3) عند ابن رشيّق (ص 298): «بالتوبة». والثنوية: فرقة يقولون: إن العالم صادر عن أصلين: النور والظلمة، والنور إله الخير المحمود، والظلمة إله الشر المذموم. «الملل والنحل»: (ص 245)، و «الجواب الصحيح»: (1/ 351). (4) ذكره ابن رشيّق (ص 298). وفي «جامع المسائل ــ الثامنة» سؤال عن الخرقة. (5) ذكره ابن رشيّق (ص 297). (6) ذكره ابن رشيّق (ص 297). (7) عند ابن رشيّق (ص 305): «قاعدة في السياحة والعزلة، وفي الفقر والتصوف، هل هما اسمان شرعيان». وفي «مجموع الفتاوى»: (10/ 425 ــ 429) جواب عن العزلة والخلطة. (8) ذكره ابن رشيّق (ص 305). (9) (ف، ك): «المريد»! (10) ذكره ابن رشيّق (ص 305).

(الكتاب/72)


وقاعدة في قوله - صلى الله عليه وسلم - : «ستفترق أُمَّتِي على ثلاث وسبعين فرقة» (1). وقاعدة في أن جِماع الحسنات العدل، وجِماع السيئات الظلم، ومراتب الذنوب في الدنيا (2). وقاعدة في أن (3) الحسنات تعلَّل بعلَّتين: جلب المنفعة ودفع المضرة، والسيئات بالعكس (4). وقاعدة في فضائل عشر ذي الحجة (5). وقاعدة في رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الجن والإنس (6). وقاعدة في أن جميع البدع ترجع إلى شعبة من شعب الكفر (7). وقاعدة (8) في الكلام على السنة والبدعة، وأنَّ كلَّ بدعة ضلالة (9). _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 299). وطبع في «مجموع الفتاوى»: (3/ 345 - 358). (2) ذكره ابن رشيّق (ص 305). ولعله ما في «مجموع الفتاوى»: (1/ 86 ــ 96). (3) «أن» ليست في (ب، ق). (4) لعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (20/ 192 ــ 195)، وفيه أيضًا: (20/ 48 ــ 84) رسالة بعنوان: «تعارض الحسنات والسيئات». (5) قال ابن رشيّق (ص 305): «وذكر نحو عشرين فضيلة». (6) ذكره ابن رشيّق (ص 305). ولعلها ما في «جامع المسائل-الثالثة»: (3/ 227 - 243) بعنوان: «قاعدة في شمول آي الكتاب والسنة والإجماع أمر الثقلين الجن والإنس». ونحوها رسالة في «مجموع الفتاوى»: (19/ 9 ــ 65). (7) ذكره ابن رشيّق (ص 305). (8) (ف، ك): «وقواعد». (9) ذكره ابن رشيّق (ص 306).

(الكتاب/73)


وقاعدة في الإجماع، وأنه ثلاثة أقسام (1). وقاعدة كبيرة في أصول الفقه غالبها نقل أقوال الفقهاء. وقاعدة فيما يُظَنّ من تعارض النصّ والإجماع (2). وقواعد (3) فقهية في مسائل من النذور والأيمان (4). ونكاح الشِّغار، وما يستقرُّ به المهر، ونحو ذلك= مجلد. وقواعد في المغالبات وما يحلّ من الرّهن، وهل يفتقر إلى محلِّل؟ مجلد. وقواعد في المائعات والمياه (5) وأحكامها (6). وفي الميتة إذا وقعت في المائعات (7). والكلام على حديث القلتين، وما يتعلق بذلك= شيء كثير. وقواعد في الوقف، وشروط الواقفين، وما يعتبر منها، وفي إبداله بأجود منه، وفي بيعه عند تعذُّر الانتفاعِ ونحو ذلك، أكثر من مجلد (8). _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 305). (2) ابن رشيق (ص 306). (3) (ب، ق): «وقاعدة». (4) عند ابن رشيّق (ص 307): «قواعد في مسائل من النذور والضمان (كذا ولعلها: الأيمان)». (5) ساقط من (ب، ق). (6) قال ابن رشيّق (ص 307): «نحو ستين ورقة». (7) قال ابن رشيّق (ص 307): «نحو عشرين ورقة». (8) ذكره ابن رشيّق (ص 307).

(الكتاب/74)


وقاعدة كبيرة في تفضيل (1) مذهب الإمام أحمد وذِكْر محاسنه، نحو مجلد (2). وقاعدة في تفضيل مذهب (3) أهل المدينة تسمى: «المالكية» (4). وقواعد في الاجتهاد والتقليد (5). وفي الأسماء التي علّق الشارعُ بها الأحكام، مجلد (6). وقواعد في المجتهد في الشريعة، هل يأثم إذا أخطأ الحقَّ؟ وهل المصيب واحد؟ ونحو ذلك، أكثر من مجلد (7). وقاعدة في الاستحسان (8). _________ (1) سقطت من (ب). (2) ذكره ابن رشيّق (ص 307). (3) سقطت من (ب، ق). (4) قال ابن رشيّق (ص 308): «نحو خمسين ورقة». وهي في «مجموع الفتاوى»: (20/ 294 - 396) باسم: «صحة مذهب أهل المدينة». (5) ذكره ابن رشيّق (ص 308) وقال: قواعد ... وفي «مجموع الفتاوى»: (19/ 260 - 279) رسالة في الموضوع. (6) في «مجموع الفتاوى»: (19/ 235 - 259) رسالة بعنوان: «الأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة». (7) ذكره ابن رشيّق (ص 308). وفي «مجموع الفتاوى»: (19/ 203 - 227) رسالة في ذلك. (8) (ب، ق): «وقواعد في ... »، (ف، ك): «الإحسان» تحريف. نشرها الأستاذ محمد عزير شمس مفردة، ثم ضمت إلى «جامع المسائل-الثانية»: (2/ 17 - 228).

(الكتاب/75)


وقاعدة (1) في شمول النصوص للأحكام (2). وقاعدة في تقرير القياس في (3) مسائل عدة، والردّ على من يقول: هي على خلاف القياس (4). وقاعدة في شرح رسالة ابن عبدوس (5). وهي متضمّنة لكلام الإمام أحمد في أصول الدين. وقاعدة في لعب الشِّطْرَنْج، وأنه حرام (6). وقواعد كثيرة في السفر الذي يجوز فيه القصر والفطر، هل له حدٌّ (7). وفي الجمع بين الصلاتين (8). وفي ذوات الأسباب هل تُصلَّى في وقت النهي؟ (9). _________ (1) (ب، ق): «وقواعد». (2) ذكره ابن رشيّق (ص 308). وطبعت في «جامع المسائل-الثانية»: (2/ 231 - 349). وفي «مجموع الفتاوى»: (19/ 280 ــ 289) جواب في المسألة. (3) (ق): «وقاعدة في مسائل». (4) للمؤلف رسالة في القياس في «مجموع الفتاوى»: (20/ 504 - 585). (5) ذكره ابن رشيّق (ص 301). (6) ذكره ابن رشيّق (ص 308) وليس فيه: «وأنه حرام». ولعله ما في «مجموع الفتاوى»: (32/ 216 ــ 239). (7) ذكره ابن رشيّق (ص 308) بلفظ: قاعدة ... وفي «مجموع الفتاوى»: (22/ 77 ــ 92، 24/ 33 ــ 162) رسائل تتعلق بذلك. (8) ذكره ابن رشيّق (ص 308). وفي «جامع المسائل-السادسة»: (6/ 319 - 367) رسالة بعنوان: «فصل في المواقيت والجمع بين الصلاتين». (9) في «مجموع الفتاوى»: (23/ 178 ــ 218) رسالتان في هذه المسألة.

(الكتاب/76)


وفي مواقيت الصلاة (1). وفي أن أول ما يحاسب به العبد الصلاة. وفي تارك الصلاة وفي (2) تفصيل القول فيه. وفي أن الصلاة أول الأعمال. وفي تارك الطمأنينة= وذلك شيء كثير جدًّا (3). وقواعد في الكنائس وأحكامها، وما يجوز هدمُه منها وإبقاؤه، وما يجب هدمه (4)، وأجوبة نحو مجلَّدين (5) تتعلق بذلك (6). وقواعد في رجوع المغرور على من غرَّه (7). وفي استقرار الضمان. _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 309). وفي «جامع المسائل-السادسة»: (6/ 319 - 367) رسالة بعنوان: «فصل في المواقيت والجمع بين الصلاتين». (2) من الأصل فقط. وانظر «جامع المسائل ــ الرابعة»: (4/ 102 ــ 126، 139 ــ 145). (3) انظر «مجموع الفتاوى» (22/ 526 ــ 600)، و «جامع المسائل ــ السادسة»: (6/ 281 - 298). (4) (ف، ك): «هده». (5) (ف، ك): «تتعلق بذلك نحو مجلدين». (6) ذكره ابن رشيّق (ص 309) بعنوان: «قاعدة في الكنائس وما يجوز هدمه منها، في مجلد». وطبعت رسالة في الكنائس ضمن «مجموع الفتاوى»: (28/ 632 - 646)، ثم حققها د. علي الشبل واستدرك سقطًا في آخرها. ورسالة أخرى في «جامع المسائل-الثالثة»: (3/ 361 - 369) وأصلها ساقه ابن القيم في «أحكام أهل الذمة». (7) ذكره ابن رشيّق (ص 306).

(الكتاب/77)


وفي بيع الغرر، والشروط (1) في البيع والنكاح وغير ذلك، نحو مجلد (2). وقاعدة في فضائل الأئمة الأربعة، وما امتاز به كلُّ إمام من الفضيلة (3). وقاعدة في مقدار الكفَّارة في اليمين (4). وقاعدة في لفظ الحقيقة والمجاز، وفي العام إذا خُصّ هل يكون حقيقةً أو مجازًا؟ والبحث مع السيف الآمدي في ذلك (5). وقاعدة كبيرة (6) في أنّ جنس فعل المأمور (7) به أفضل من جنس تَرْك المنهيّ عنه (8). وقاعدة في طهارة بول ما يُؤكَل لحمُه، ذكر فيها نحو ثلاثين حُجَّة على ذلك (9). _________ (1) (ف، ك): «الشرط». (2) (ب): «مجلدين». (3) ذكره ابن رشيّق (ص 306). (4) قال ابن رشيّق (ص 306): «نحو خمسين ورقة». وفي «مجموع الفتاوى»: (35/ 241 ــ 353) قواعد وفصول في الأيمان. (5) قال ابن رشيّق (ص 306): «نحو ثمانين ورقة». وللشيخ بحوث في الحقيقة والمجاز انظر «مجموع الفتاوى»: (20/ 400 - 497). (6) (ب، ق): «وقواعد». (ق): «كثيرة». (7) (ف، ك): «جنس فعل ... ». (8) قال ابن رشيّق (ص 307): «في مجلد لطيف». وطبعت ضمن «مجموع الفتاوى»: (20/ 85 - 158). (9) قال ابن رشيّق (ص 307): «نحو سبعين ورقة». ولعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (21/ 534 ــ 603).

(الكتاب/78)


وقاعدة في في تطهير العبادات (1) من الفواحش والمنكرات. وقواعد وأجوبة في تحريم نكاح الزانية (2). وقاعدة في معاهدة (3) الكفار المُطْلَقة والمقيَّدة (4). وقاعدة في مفطِّرات الصائم (5). وقاعدة فيما شرعه الله تعالى بوصف العموم والإطلاق، هل يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد (6). وقاعدة في أن العامِّي هل يجب عليه تقليد (7) مذهب معيَّن أم لا؟ (8). وقاعدة في تعليق العقود والفسوخ بالشرط. وقاعدة في الجهاد والترغيب فيه (9). وقاعدة في ذمّ الوَسْواس (10). _________ (1) زاد في المطبوع: «النفس». (2) انظر «مجموع الفتاوى»: (32/ 109 ــ 134). (3) (ف، ك): «معاهد». (4) ذكره ابن رشيّق (ص 307). (5) ذكره ابن رشيّق (ص 308). وانظر «مجموع الفتاوى»: (25/ 219 ــ 258). (6) ذكره ابن رشيّق (ص 308). وانظر «مجموع الفتاوى»: (20/ 196 ــ 198). (7) «تقليد» سقطت من (ب، ق). (8) ذكره ابن رشيّق (ص 309). ولعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (19/ 260 ــ 279). (9) ذكره ابن رشيّق (ص 308). ولعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (28/ 7 ــ 25)، و «جامع المسائل ــ الخامسة»: (5/ 337 ــ 379). (10) ذكره ابن رشيّق (ص 309).

(الكتاب/79)


وقاعدة في الأنبذة والمُسْكرات (1). وقاعدة في الحِسْبة (2). وقاعدة في المسألة الشُّريحية (3). وقاعدة في حلِّ الدَّور، ومسائل في (4) الجبر والمقابلة (5). وقاعدة في أنّ كلّ عمل (6) صالح أصله اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - (7). وقاعدة في الأطعمة وما يحلّ منها وما يحرُم، وتحرير الكلام على الطيّبات والخبائث (8). وقاعدة في اشتراط التسمية على الذبائح والصيد (9). وقاعدة في دم الشهداء ومِداد العلماء، تتضمَّن (10) أيّ الطائفتين _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 309). وانظر «مجموع الفتاوى»: (34/ 186 ــ 192 و 204 ــ 210). (2) ذكرها ابن رشيّق (ص 309). وهي في «مجموع الفتاوى»: (28/ 60 - 120). (3) بقية النسخ: «السريجية». وكذا عند ابن رشيّق (ص 309). (4) ليست في (ف، ك). (5) ذكره ابن رشيّق (ص 309). (6) «عمل» سقطت من (ب، ق). (7) ذكره ابن رشيّق (ص 308). ولعله ما في «جامع المسائل ــ الخامسة»: (5/ 207 ــ 238) و (6/ 131 ــ 199). (8) ذكره ابن رشيّق (ص 308) وليس في: «وتحرير ... ». (9) ذكره ابن رشيّق (ص 308). وفي «جامع المسائل-السادسة»: (6/ 375 - 389) رسالة بعنوان: «مسألة في التسمية على ذكاة الذبيحة». (10) (ف، ك): «يتضمن». وسقطت من (ب، ق).

(الكتاب/80)


أفضل؟ (1) وقاعدة في الانغماس في العدوِّ هل (2) يباح؟ (3) وقاعدة في ضمان البساتين (4) هل يجوز أم لا؟ (5) وله قواعد في النهي هل يقتضي فساد المنهي عنه؟ وقاعدة في زكاة مال الصبي. وقاعدة في الإيمان المقرون بالإحسان، وفي الإحسان المقرون بإسلام (6) الوجه. وقاعدة في اقتران الإيمان بالاحتساب (7). وقواعد (8) وأجوبة في النجوم هل لها تأثير عند الاقتران والمقابلة وفي الكسوف؟ وهل (9) يُقبل قول المنجمين فيه؟ و (10) في رؤية الهلال ونحو _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 308). (2) (ب، ق، ك): «وهل». (3) طبعت في «جامع المسائل-الخامسة»: (5/ 307 - 334). (4) سقطت من (ب، ق). (5) طبعت في «جامع المسائل-السادسة»: (6/ 405 - 422). (6) (ك): «بالإسلام». (7) كذا في الأصول وكتاب ابن رشيق (ص 303)، وفي هامش (ك): «لعله: الإحسان». (8) (ف، ك): «وقاعدة». (9) (ف، ك): «هل». (10) «فيه و» سقطت من (ب، ق).

(الكتاب/81)


ذلك، نحو مجلد (1). وقاعدة في الأقراء هل هي الحيض أو الأطهار؟ واختار أنها الحيض. وقاعدة في الشُّكر (2) وأسبابه وأحكامه. وقاعدة في الاستفتاحات في الصلاة (3). وقاعدة تتضمَّن ذِكر ملابس النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلاحه ودوابه، وهي «القرمانية» (4). وقاعدة تتعلق بمسائل من التيمُّم والجمع بين الصلاتين، تسمى: «تيسير العبادات لأرباب الضرورات» (5). وقاعدة في النُّصَيرية وحكمهم (6). وقاعدة في تحريم الشبَّابة (7). [ق 21] وقاعدة في العقود اللازمة والجائزة. _________ (1) للشيخ رسالة في الهلال في «مجموع الفتاوى»: (25/ 126 - 202). (2) (ك): «السكر»! وسبق ذكر بعض المؤلفات في الشكر (ص 70). (3) هي ضمن «مجموع الفتاوى»: (22/ 376 - 397)، ونشرها الشيخ عبد الصمد شرف الدين عام 1381 هـ بالهند. (4) طبعت ضمن «جامع المسائل-السابعة»: (7/) بتحقيقي. (5) طبعت مفردة، وهي في «مجموع الفتاوى»: (21/ 449 - 462، 24/ 10 - 13). (6) طبعت في «مجموع الفتاوى»: (35/ 145 - 160) بعنوان: «فتوى في النصيرية». (7) في (ق) بين الأسطر: (وهو الميراع). والشبّابة: نوع من المزامير يُصنع من القصب، وينفخ فيه. انظر «تكملة المعاجم»: (6/ 231)، و «مقدمة ابن خلدون»: (2/ 891).

(الكتاب/82)


وله قاعدة جليلة في وجوب الاعتصام بالرسالة، وأنّ كلّ خير في العالم فأصله متابعة الرّسل، وكلّ شرّ فمن مخالفتهم، إما جهلًا أو عمدًا (1). وقاعدة في تحزيب القرآن وما يتعلق بذلك وما ورد فيه من الآثار (2). وقاعدة في الكلام على الممكن. وقاعدة في ذبائح أهل الكتاب (3). وقاعدة في تعليل الأفعال (4). وقاعدة في الكلام على العِدَد. وله رسائل تشتمل على علوم كثيرة منها: رسالة كتبها إلى الشيخ نصر المَنْبِجي (5)، تسمى «المصرية» (6). ورسالة كتبها إلى الشيخ شمس الدين الدِّباهي تسمى «المدنيَّة» (7). _________ (1) وهي في «مجموع الفتاوى»: (19/ 193 - 105). وفيه رسالة أخرى أيضًا (19/ 66 - 75) بعنوان: «الاكتفاء بالرسالة والاستغناء بالنبي عن اتباع ما سواه». (2) لعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (13/ 405 ــ 416). (3) ذكره ابن رشيّق (ص 306). (4) قال ابن رشيّق (ص 296): «جواب في تعليل مسألة الأفعال، نحو ستين ورقة». (5) «نصر» سقطت من (ب، ق)، و (ك): «المنيحي» تحريف. (6) هذه الرسالة تأخرت في باقي النسخ على التي تليها. ذكرها ابن رشيّق (ص 310) ولم يذكر إلى من أرسلت. وهي في «مجموع الفتاوى»: (2/ 452 - 479). (7) ذكرها ابن رشيّق (ص 310) ولم يذكر إلى من أرسلت. وهي في «مجموع الفتاوى»: (6/ 351 - 373). وحققها مفردة د. الوليد الفريان.

(الكتاب/83)


ورسالة كتبها إلى أهل بغداد. ورسالة كتبها إلى أهل البصرة. ورسالة كتبها إلى القاضي شمس الدين السَّروجي قاضي الحنفية بمصر (1). ورسائل (2) إلى غيره من القضاة والعلماء. ورسالة كتبها إلى بيت الشيخ عديّ بن مُسافر، تسمى «العدوية» (3). ورسالة كتبها إلى [بيت] (4) الشيخ جاكير (5). وأرسل إليهم أجوبةً في مجلد غير الرسالة. ورسالة كتبها إلى ملك قبرص في مصالح المسلمين، تتضمن علومًا (6). _________ (1) ذكر هذه الرسائل ابن رشيّق (ص 310). (2) (ب، ق): «ورسالة».زاد في (ب): «كتبها». (3) قال ابن رشيّق (ص 303): «بقدر أربعين ورقة» وأعاد ذكرها (ص 310). وهي في «مجموع الفتاوى»: (3/ 363 - 430). وتسمى أيضًا: «الوصية الكبرى». (4) من بقية النسخ. (5) (ق): «جاكريه». ذكرها ابن رشيّق (ص 310). والشيخ جاكير هو: محمد بن دشم (وقيل غير ذلك) الكردي الحنبلي، وجاكير لقب، من مشايخ العراق، صاحب أحوال وتأله (ت 590). انظر «السير»: (21/ 261)، و «طبقات الأولياء»: (ص 425) وجعل وفاته سنة (679). (6) (ف، ك) زيادة: «نافعة». ذكرها ابن رشيّق (ص 311). وهي في «مجموع الفتاوى»: (28/ 601 - 630). وذكر ابن رشيق (ص 303) رسالة أخرى بعنوان: «رسالة لأهل قبرص تتضمن قواعد دينية أصولية، بقدر ثلاثين ورقة».

(الكتاب/84)


وله رسائل (1) إلى البحرين (2). وإلى ملوك العرب. وإلى ثغور الشام، إلى طرابلس وغيرها تتعلَّق بمصالح (3) المسلمين. وأجوبة عن مسائل كُتِبت إليه في أمرٍ (4) بمعروف ونهيٍ عن منكر. ورسالة لأهل (5) تدمر (6). ورسائل للملوك: ملك مصر، وملك حماة، وغيرهما (7). ورسائل (8) إلى الأمراء الكبار (9). ورسالة إلى طبرستان وجيلان (10). _________ (1) (ب، ق): «رسالة». (2) طبعت رسالته إلى أهل البحرين في «مجموع الفتاوى»: (6/ 485 - 506، و 24/ 163 - 176). (3) (ب، ق، ف): «وغيرها بمصالح تتعلق بالمسلمين». (4) ليست في (ف، ك). (5) (ب، ق): «إلى أهل». (6) ذكرها ابن رشيّق (ص 305). وهي غير «التدمرية» التي سبق ذكرها (ص 63). (7) ذكر رسائله إلى ملوك العرب ومصر وحماة ابن رشيّق (ص 311). ورسالته إلى ملك مصر (الملك الناصر) موجودة في كتابنا بتمامها (ص 237 ــ 249). وفي «مجموع الفتاوى»: (28/ 398 ــ 409). (8) (ب، ق): «رسالة». (9) مثل الأمير سنقر شاه، والأمير آقش المنصوري، والأمير حسام الدين لاجين. (10) الأصل: «طوستان» تحريف. وسقطت «جيلان» منه وهي في بقية النسخ. ذكر ابن رشيّق (ص 303) أن له «رسالة في الأصول لأهل جيلان، نحو خمسين ورقة». وفي «جامع المسائل ــ السابعة»: (7/ 389 ــ 393) ورقات في عقيدة أهل كيلان.

(الكتاب/85)


ورسائل كثيرة كتبها إلى الصُّلحاء من إخوانه من مصر إلى دمشق، ومن دمشق إلى غيرها، ومن السجن= شيء كثير يحتوي على مجلدات عدة (1). وله من الكلام على مسائل العلوّ والاستواء والصفات الخبرية، وما يتعلّق بذلك من الردِّ على الجهمية والقدرية والجبرية وغيرهم من أهل الأهواء والبدع، ما يشتمل على مجلدات كثيرة. وله من الكلام على فروع الفقه والأجوبة المتعلقة بذلك شيء كثير يشقُّ إحصاؤه ويعسُر ضبطُه. ومن مؤلفاته: الكلام على دعوة (2) ذي النون، في مجلَّد لطيف (3). وكتاب فيه الكلام على إرادة الرب تبارك وتعالى وقدرته، وتحرير القول في ذلك على كلام الرازي في «المطالب العالية» (4). _________ (1) انظر بعض رسائله إلى والدته والتشوّق إليها وسبب بقائه في مصر، وإلى أصحابه وإخوانه في طلب بعض الكتب من بيته، وخصّ منهم الحافظ جمال الدين المزي، وفي الوصية بهم وإصلاح ما بينهم، وألا يؤذى أحد بسبب الشيخ. انظرها فيما سيأتي من هذا الكتاب (ص 318 فما بعدها)، وفي «مجموع الفتاوى»: (28/ 30 - 59). وأفردت في رسالة مستقلة. (2) «دعوة» ليست في (ف). (3) طبعت في «مجموع الفتاوى»: (10/ 237 - 336). (4) قال ابن رشيّق (ص 296): «نحو مائة ورقة». و «المطالب العالية» في علم الكلام للرازي مطبوع في ثلاثة مجلدات. وانظر «مجموع الفتاوى»: (8/ 7 ــ 57).

(الكتاب/86)


ومسألة في العلوّ، أجاب فيها عن شُبَه المخالفين، وهي مفيدة (1). وأخرى في الصفات تسمى: «المرّاكشية»، وتشتمل على نقول كثيرة (2). وقاعدة تتضمن صفات الكمال وما الضابط فيها، مما يستحقّه الربُّ عزّ وجل، تسمّى «الأكمليّة» (3). والإحاطة الكبرى. والإحاطة الصغرى (4). وعقيدة الفرقة الناجية، وتعرف بـ «الواسطية» (5). والجواب عما أُورِدَ عليها عند المناظرة بقصر الإمارة بدمشق (6). _________ (1) لعلها ما ذكره ابن رشيّق (ص 296): «فتيا في مسألة العلو، نحو خمسين ورقة». وقد طبعت عدة رسائل في العلو في «مجموع الفتاوى»: (5/ 121 - 135، 136 - 152). وفي «جامع المسائل-الأولى»: (1/ 61 - 64)، و (الثالثة): (3/ 181 - 191) وأخرى: (3/ 193 - 208)، و (السابعة): (7/ 343 ــ 351). (2) قال ابن رشيّق (ص 296): «خمسون ورقة». وهي في «مجموع الفتاوى»: (5/ 153 - 193). (3) قال ابن رشيّق (ص 296): «نحو ستين ورقة». وهي في «مجموع الفتاوى»: (6/ 68 - 140). (4) في فهرس «مجموع الفتاوى»: (6/ 626) ذكر أن رسالة العرش تسمى أيضًا: «الإحاطة». وسيأتي ذكر الرسالة العرشية (98). (5) قال ابن رشيّق (ص 296): «نحو ثلاثين ورقة». طبعت مرارًا، وهي في «مجموع الفتاوى»: (3/ 129 - 159). (6) طبع في «مجموع الفتاوى»: (3/ 160 - 193).

(الكتاب/87)


والكلام على حديث عِمران بن حُصين الذي فيه: «جئنا نسألك عن أول هذا الأمر». وهو [ق 22] مؤلف مفيد (1). والكلام على حديث عبد الله بن خليفة عن عمر (2)، وهل هو ثابت أم لا؟ وأيّ ألفاظه هو المحفوظ؟ وكتابٌ في نزول الرَّب تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، والجواب عن اختلاف وقته (3) باختلاف البلدان والمطالع (4). وجواب في اللقاء وما ورد فيه (5) في القرآن وغيره (6). وجواب في الاستواء والنزول هل هو حقيقة أم لا؟ تسمى «الإربلية» (7). _________ (1) طبع في «مجموع الفتاوى»: (18/ 210 - 243). (2) وهو: أن امرأة أتت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظّم الرب وقال: إنّ كرسيه وسع السماوات والأرض، وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا رُكب من ثِقَله». أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (574)، وابن خزيمة (1/ 245)، والبزار (325). وانظر كلام ابن تيمية عليه في «الفتاوى»: (16/ 434 - 435). (3) (ب): «فيه». (4) ذكره ابن رشيّق (ص 300) وفيه: «مسألة الزوال .. » خطأ وصوابه: النزول. وهو في «مجموع الفتاوى»: (5/ 321 ــ 582)، وحققه د. محمد الخميس، وطبع مفردًا بعنوان «شرح حديث النزول». (5) «فيه» ليست في (ف، ك). (6) قال ابن رشيّق (ص 300): «نحو عشرين ورقة». وهو في «مجموع الفتاوى»: (6/ 461 - 484). (7) ذكره ابن رشيّق (ص 300). ولعله ما في «مجموع الفتاوى»: (5/ 194 - 213) وبقيتها في (20/ 217 - 219).

(الكتاب/88)


وجواب في الاستواء وإبطال قول من تأوَّلَه بالاستيلاء، من نحو عشرين وجهًا (1). ومسألة في المباينة بين الله تعالى وبين خلقه (2). وله أجوبة أخر في مباينة الله تعالى لخلقه، وفيمن يقول: إنه سبحانه على عرشه بذاته، وأقوال السلف في ذلك (3). وله مسائل كثيرة في الأفعال الاختيارية المسمَّاة عند بعض المتكلمين بـ «حلول الحوادث» (4). منها كلام مفرد على كلام الرَّازي في «الأربعين» (5). وله مسائل وأجوبة في مسألة القدر، والردّ على القدريَّة وعلى (6) الجبرية، أكثر من مجلدين (7). وله مسائل (8) في محلّ الشِّعْر والعلوم، وغيرها هل هو واحد أو متعدّد؟ _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 300). وهو في «مجموع الفتاوى»: (5/ 136 - 149). (2) قال ابن رشيق (ص 303): «نحو أربعين ورقة». ولعله ما في «مجموع الفتاوى»: (5/ 267 ــ 320). (3) منها عدة قواعد وأجوبة في المجلد الخامس من «مجموع الفتاوى». (4) انظر «الفتاوى»: (6/ 217 ــ 267). (5) وهو مطبوع في «مجموع الفتاوى»: (6/ 273 - 287)، وانظر ما سبق (ص 57). (6) «القدرية وعلى» من بقية النسخ. (7) بقية النسخ «مجلد». وله في «مجموع الفتاوى»: (8/ 81 - 158 و 8/ 303 - 370) رسالتان في القضاء والقدر والحكمة والتعليل. (8) بقية النسخ «مسألة».وسقطت «محل» من (ب، ق).

(الكتاب/89)


وله درس السّكريَّة في (1) البسملة، جزء. ودرس الحنبلية في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] جزء حسن. ومسألة فيمن يدَّعي أن للقرآن باطنًا، وأنَّ لذلك الباطن باطنًا (2) إلى سبعة أبْطُن. ومسألة في عَقْل الإنسان وروحه. والحَلَبية (3) في الصفات، وهل (4) هي زائدة على الذَّات أم لا؟ والردّ على ابن سينا في رسالته الأضحويّة، نحو مجلد (5). وجواب في العزم على المعصية هل يعاقب عليه العبد؟ (6). وجواب على حزب أبي الحسن (7) الشّاذلي وما يشبهه، مجلد لطيف (8). _________ (1) (ف، ك): «بالبسملة». (2) «وأن لذلك الباطن باطنًا» سقطت (ف، ك). ولعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (13/ 230 ــ 269). (3) الأصل: «والحِلْية» ولعله تحريف. ولعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (6/ 339 ــ 350). (4) (ف، ك): «وهل». (5) ذكره ابن رشيّق (ص 296). ورسالة «الأضحوية» في إنكار المعاد وتأويل الأدلة في ذلك، وهي مطبوعة بتحقيق د. سليمان دنيا. (6) قال ابن رشيّق (ص 297): «نحو عشرين ورقة». وهو في «مجموع الفتاوى»: (10/ 720 ــ 769). (7) «أبي الحسن» من الأصل فقط. (8) طبع ضمن هذا المشروع المبارك بتحقيقي بعنوان «الرد على أبي الحسن الشاذلي في حِزْبيه وما صنفه في آداب الطريق» في مجلد واحد عام 1429 هـ.

(الكتاب/90)


وجواب في الكفّار من التتر وغيرهم، وهل لهم خُفَراء (1) بقلوبهم لهم تأثير؟ وله شرح كلام الشيخ عبد القادر في غير موضع، نحو مجلد (2). وقاعدة في قوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لن يدخلَ أحدٌ منكم الجنَّة بعملِه» (3). وله جواب في يزيد بن معاوية وهل يجوز سَبُّه أم لا؟ (4). وله قاعدة في فضل معاوية (5). وجواب في الخضر هل مات أو هو حي؟ (6) واختار أنه مات. _________ (1) «خفراء» مهملة النقط في الأصل، وتحرفت في (ف) إلى «خضراء». و «وهل لهم» سقطت من (ب). (2) ومنها تعليقة على «فتوح الغيب» ذكرها ابن رشيّق (ص 298). وطبعت في «مجموع الفتاوى»: (10/ 455 - 548). وفي «جامع الرسائل»: (2/ 73 - 189) تحقيق محمد رشاد سالم. (3) أخرجه البخاري (6463)، ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقد طبعت في «جامع الرسائل»: (1/ 143 - 152). (4) ذكره ابن رشيّق (ص 299). طبع في «مجموع الفتاوى»: (4/ 481 ــ 488)، وأخرى في «جامع المسائل-الخامسة»: (5/ 139 - 158)، وفي (السادسة): (6/ 253 - 267) بعنوان: «مسألة في قتل الحسين وحكم يزيد». (5) في «مجموع الفتاوى»: (4/ 453 - 480) جواب سؤالٍ عن إيمان معاوية رضي الله عنه. (6) ذكره ابن رشيّق (ص 299). وانظر «جامع المسائل-الخامسة»: (5/ 131 - 137)، و «مجموع الفتاوى»: (4/ 337، 27/ 100). أما ما وقع في «مجموع الفتاوى»: (4/ 339) من القول بحياته، فهي فتوى مخالفة لكلام الشيخ المفصَّل في مواضع عدة، ومخالف لما نقله تلاميذه، ومنهم المصنف هنا وابن القيم في «المنار المنيف» (ص 64). ولقطب الدين الخيضري الشافعي (ت 894) رسالة في الخضر مخطوطة، وذكر فيها أن بعضهم نقل عن ابن تيمية القول بحياة الخضر، فردّ عليه بأن هذه الفتوى التي نقل منها هذا القائل إنما هي حكاية على لسان من يرى حياته، وليس هو قول الشيخ، وأنه قد تتبع فتاوى ابن تيمية بهذا الخصوص فوجدها متفقة على القول بموته. راجع مقدمة «جامع المسائل- المجموعة الخامسة»: (ص 8 - 9).

(الكتاب/91)


وله جواب في أنَّ الذَّبيح من ولد إبراهيم عليه السلام هو إسماعيل، واحتجَّ لذلك بأدلة كثيرة (1). وله (2) جواب في زيارة القدس يوم عرفة للتعريف به (3). وله أجوبة كثيرة في هذا المعنى. وجواب في احتجاج الجهمية والنصارى بالكلمة (4). وجواب فيمن عزم على فعل محرَّم ثم مات (5). وجواب في الذوق والوجد الذي يذكره الصوفية (6). _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 299). وهي في «مجموع الفتاوى»: (4/ 331 ــ 336). (2) «وله» ليست في (ف، ك). (3) طبعت رسالتان في «مجموع الفتاوى»: (27/ 5 - 24). وفي «جامع المسائل- السابعة»: (7/). (4) ذكره ابن رشيّق (ص 299). (5) (ف، ك): «تاب». ذكره ابن رشيّق (ص 299). (6) ذكره ابن رشيّق (ص 299).

(الكتاب/92)


وجواب في قوله - صلى الله عليه وسلم - : «من قال: أنا خير من يونس بن متَّى فقد كذب» (1). وجواب في التشاغل بكلام الله وأسمائه وذكره أيُّ ذلك أفضل (2)؟ وجوابٌ في غضّ البصر وحفظ الفرج (3). وجواب في المعيَّة وأحكامها. وله في (4) مسائل [ق 23] الرُّوح وهل يُعذَّب في القبر مع الجسد؟ وهل يفارق البدنَ بالموت، وهل يتصوَّر بصورة ويعقل (5) بعد الموت، ونحو ذلك، نحو (6) مجلد. وله جواب هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الرسالة نبيًّا؟ وهل يسمّى من صَحِبه إذ ذاك صحابيًّا؟ (7). _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 299). والحديث أخرجه البخاري (4604) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (2) ذكره ابن رشيّق (ص 299). ولعلها ما في «جامع المسائل-الثالثة»: (3/ 383 - 385) بعنوان: «مسألة في تلاوة القرآن والذكر أيهما أفضل؟ ». (3) ذكره ابن رشيّق (ص 299). (4) من بقية النسخ. (5) (ك) الأفعال «يعذب ... يتصور ... يعقل» بتاء التأنيث. و «الروح» مذكَّر في قول الأكثر، وقيل: يذكر ويؤنّث. «تاج العروس»: (4/ 57). (6) ليست في (ك). وفي «مجموع الفتاوى»: (4/ 216 ــ 299 و 24/ 363) مسائل عن الروح. (7) ذكره ابن رشيّق (ص 300).

(الكتاب/93)


وجواب هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الوحي متعبّدًا بشرع من كان (1) قبله من الأنبياء؟ (2). وله جواب في كفر فرعون، والردّ على من لم يكفِّره (3). وجواب في ذي الفِقَار هل كان سيفًا لعلي رضي الله عنه؟ (4). وله قواعد وأجوبة في الإيمان هل يزيد وينقص؟ وما يتبع ذلك، نحو مجلد (5). وله جواب في عقيدة الأشعرية وعقيدة الماتريدي وغيره من الحنفية، تسمى «الماتريدية» (6). وله عقيدة تسمى (7) «الحَوفية» (8). وله أجوبة في العرش والعالم، هل هو كُريّ الشكل أم لا؟ (9). _________ (1) من الأصل فقط. (2) ذكره ابن رشيّق (ص 300). (3) ذكره ابن رشيّق (ص 300). وهي في «جامع الرسائل»: (1/ 201 ــ 216 ت ـ رشاد سالم). (4) ذكره ابن رشيّق (ص 300). (5) ذكره ابن رشيّق (ص 301). (6) قال ابن رشيّق (ص 301): «نحو خمسين ورقة». (7) «الما تريدية. وله عقيدة تسمى» سقطت من (ف). (8) قال ابن رشيّق (ص 301): «نحو عشرين ورقة». و «الحَوفية» بالفتح وسكون الواو، نسبةً إلى الحَوْف، والحوف بمصر حَوفان الشرقي والمغربي، ويشتملان على بلدان وقرى كثيرة. انظر «معجم البلدان»: (2/ 322). (9) ذكره ابن رشيّق (ص 301)، وأعاد ذكره في (ص 311) بعنوان: رسالة العرش. وهي في «مجموع الفتاوى»: (6/ 545 - 583) بعنوان: «الرسالة العرشية».

(الكتاب/94)


وفي قصد القلوب العلوّ ما سببه (1)؟ وله في الكلام على توحيد الفلاسفة على نظم ابن سينا، مجلد لطيف (2). وله في جواب محيي الدين الأصبهاني، عدّة كراريس (3). وله جواب في الفرق بين ما يتأوّل من النصوص وما لا يتأوّل (4). ومسألة في قوله: «أُمِرْتُ أن أخاطب الناسَ على قَدْر عقولهم»، هل (5) هو كلامه - صلى الله عليه وسلم - ؟ (6) وقاعدة في الردِّ على أهل الاتحاد (7). وله مؤلَّف في الردّ على ابن عربي (8). _________ (1) الأصل «ماشية»! (2) ذكره ابن رشيّق (ص 302). (3) (ك): «في عدة». قال ابن رشيّق (ص 302): «نحو ستين ورقة». (4) قال ابن رشيّق (ص 302): «نحو عشرين ورقة». (5) (ف) زيادة «من». (6) ذكره ابن رشيق (ص 303). وفي «مجموع الفتاوى»: (18/ 336 - 339) سؤال عن أحاديث، ومنها هذا الحديث. وقال في جوابه: «فهذا لم يروه أحد من علماء المسلمين الذين يُعتمد عليهم في الرواية، وليس هو في شيء من كتبهم». والظاهر أن ما ذكره المؤلف كتاب آخر غير هذا الجواب المختصر. وانظر «المقاصد الحسنة»: (ص 93 - 94). (7) قال ابن رشيق (ص 303): «وهي جواب الطوفي، في مجلد لطيف». وللشيخ في الاتحادية كلام كثير انظر «مجموع الفتاوى»: (2/ 134 - 285). (8) (ك): «العربي». في «مجموع الفتاوى»: (2/ 362 - 451) رد عليه بعنوان: «الرد الأقوم على فصوص الحكم». وله مَحْضر حول الاعتقاد فيه ضمن «جامع المسائل- السابعة»: (7/ 241 ــ 257).

(الكتاب/95)


وجواب على حال الحلاج، ورفع ما وقع فيه من اللَّجاج (1). وله مسائل وقواعد في الاستغاثة غير ما تقدَّم ذكرُه. وجواب في الرِّضا على كلام أبي سليمان الداراني (2). وجواب في رؤية النساء ربهم في الجنة سأله عنه الشيخ إبراهيم الرقِّي رحمه الله. وجواب في العباس وبلال رضي الله عنهما أيهما أفضل؟ (3) وجواب في الكتاب الذي همَّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه (4). وجواب فيمن يقول: إن بعض المشايخ أحيا ميتًا (5). وله أجوبه في مسائل وردت من أصبهان (6). وجواب عن مسائل وردت من الأندلس (7). _________ (1) ذكره ابن رشيق (ص 303) وعنده: «رسالة في حال الحلاج، ودفع ما وقع به التحاج». وطبع للشيخ في شأن الحلاج رسالة في «مجموع الفتاوى»: (2/ 480 ــ 487)، (35/ 108 ــ 119)، وفي «جامع الرسائل»: (1/ 185 - 199)، وفي «جامع المسائل-السابعة»: (7/ 447 ــ 465) بتحقيقي. (2) لعله ما في «مجموع الفتاوى»: (10/ 678 ــ 719). (3) ذكره ابن رشيّق (ص 305). (4) وللشيخ جواب عنه في «منهاج السنة»: (6/ 8 - 14). (5) ذكره ابن رشيّق (ص 305). (6) «في مسائل» ليست في (ب، ق). ذكره ابن رشيّق (ص 307). (7) ذكره ابن رشيّق (ص 307).

(الكتاب/96)


وجواب عن سؤال ورد من الرَّحْبة (1). وجواب عن سؤال ورد من ماردين (2). وجواب عن سؤال ورد من زُرَع. وأجوبة كثيرة عن مسائل وردت من بغداد (3). وأجوبه كثيرة (4) عن مسائل وردت من الصّلْت (5). وجواب في أرض الموات إذا أحياها الرّجل ثم عادت مواتًا هل تُمْلَك بالإحياء مرّةً أُخرى؟ (6). وله وصايا عدَّة يُسأل عنها. فكتب منها وصية لابن المهاجري، في كراريس؟ (7). _________ (1) هذا الجواب متأخر على تاليه في (ب، ق). ذكره ابن رشيّق (ص 307). وهي واحد وأربعون سؤالًا وردت من الرحبة، وهو ضمن «جامع المسائل-السابعة»: (7/ 3 ــ 119) بتحقيقي. (2) لعله «المسائل الماردينية» وهي أربعون سؤالًا في مسائل الفقه، طبعت مرارًا وهي في «مجموع الفتاوى» مفرقة على الأبواب. (3) هذا الكتاب سقط من (ف، ك). (4) «كثيرة» ليست في (ب، ق). (5) ذكره ابن رشيّق (ص 307). وفيها ستة وعشرون سؤالًا، طبعت في «جامع المسائل-الرابعة»: (4/ 347 - 385). (6) ذكره ابن رشيّق (ص 307). (7) (أ، ف، ك): «وكتب». ذكر الوصيتين ابن رشيّق (ص 310) وزاد «ووصية لأبي القاسم يوسف السَّبْتي». وهذه الأخيرة هي المعروفة بالوصية الصغرى، وهي في «مجموع الفتاوى»: (10/ 653 - 665).

(الكتاب/97)


ووصية كتبها للتُّجِيبي. وله إجازات منها (1): إجازة لأهل (2) سَبْتة ذكر (3) فيها مسموعاته. وإجازة كتبها لبعض أهل توريز (4). وإجازة لأهل غرناطة. وإجازة لأهل أصبهان. وله قواعد وأجوبة في الفقه كثيرة جدًّا، منها: قاعدة في الجمعة هل يُشْترط لها الاستيطان؟ وقاعدة في المسح على الخُفّين، وهل يجوز على المقطوع؟ (5). وقاعدة [ق 24] في حلق الرّأس هل يجوز في غير النُّسُك لغير عذر؟ (6). وقواعد في الاستجمار، وفي الأرض هل تَطْهُر بالشمس وبالرِّيح (7)؟ _________ (1) ذكر الإجازات ابن رشيّق (ص 310). (2) تحرفت في الأصل إلى «لابن». (3) (ف، ك): «وذكر». (4) هي مدينة تبريز. (5) في «مجموع الفتاوى»: (21/ 172 - 212). (6) ذكره ابن رشيّق (ص 309). (7) بقية النسخ: «والريح». ذكره ابن رشيّق (ص 307). وانظر «مجموع الفتاوى»: (21/ 474 ــ 482).

(الكتاب/98)


 وقواعد في نواقض الوضوء (1).

وفي المحرَّمات في النكاح (2). وقاعدة في الجدِّ هل يُجبر البكر على النكاح؟ وفي الاستئذان من الأب هل يجب؟ (3). وجواب في المظالم المشتركة وأحكامها (4). وجواب عن (5) أهل البدع هل يصلَّى خلفهم؟ ومسائل وأجوبتها في قتال التتار الذين قدموا مع غازان وغيره (6)، وفي قتال أهل البيعات (7) من النصارى، ونصارى ملطية، وقتال الأحلاف والمحاربين، نحو مجلَّد. وقاعدة في قوله: «استحللتم فروجهنَّ بكلمة الله» (8). وقاعدة في العِينَة والتورُّق ونحوهما من البياعات. _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 308). (2) انظر «مجموع الفتاوى»: (32/ 62 ــ 67). (3) ذكره ابن رشيّق (ص 309) وليس فيه: «وفي الاستئذان ... ». (4) طبعت في «مجموع الفتاوى»: (30/ 337 - 355). (5) (ق): «في». وانظر «مجموع الفتاوى»: (23/ 342 ــ 350 و 355 ــ 356). (6) في «مجموع الفتاوى» المجلد الثامن والعشرين أجوبة عدة في قتال التتار. (7) غير محررة في الأصل، وفي (ق، ب): «التينات»، و (ك): «السات»، ومهملة النقط في (ف). (8) الحديث أخرجه مسلم (1218).

(الكتاب/99)


وقاعدة في القراءة خلف الإمام (1). وقاعدة في قوله - صلى الله عليه وسلم - : «من (2) بكَّر وابتكر، وغسَّل واغتسل» (3). وأجوبة في الصلوات المبتدعة، كصلاة الرغائب، ونصف شعبان، ونحو ذلك (4). وأجوبة في النهي عن أعياد النصارى (5)، وعما يُفعل من البدع يوم عاشوراء، نحو مجلد. وله مسألة في أنّ الجدَّ يُسقط الإخوة. وقاعدة في توريث ذوي الأرحام. ومسألة في بيع المُسْلَم فيه قبل قبضه، هل يجوز؟ وله أجوبة في رؤية هلال ذي الحِجَّة إذا رآه بعضُ الناس، ما حكمهم في الأضحية؟ وفي قوله: «صومكم يوم تصومون» (6)، وفيما إذا غُمَّ هلالُ رمضان ليلة _________ (1) ذكره ابن رشيّق (ص 309). ولعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (23/ 265 - 328). (2) سقطت من (ك). (3) أخرجه أحمد (16272)، وأبو داود (345)، والترمذي (496)، وابن ماجه (1087)، والنسائي (1318)، وابن خزيمة (1758) من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه، قال الترمذي: «حديث حسن». (4) انظر «مجموع الفتاوى»: (23/ 131 - 135). (5) منها رسالة في «جامع المسائل ــ الثالثة»: (3/ 371 ــ 377). (6) الحديث أخرجه الترمذي (697) من حديث أبي هريرة وقال: «هذا حديث حسن غريب». وفي إغمام هلال رمضان انظر «مجموع الفتاوى»: (25/ 98 - 103).

(الكتاب/100)


الثلاثين، هل يجب (1) الصوم أم لا؟ وجواب (2) في الإجارة، هل المعقود عليه تهيؤ العين وصلاحيتها (3) لنفع المستأجر؟ وهل ما يحدث في العين على ملكه؟ وهل هي على وَفْق القياس؟ وله قاعدة في أنّ ما كان داعيًا إلى الفُرْقة والاختلاف يجب النهي عنه (4). وجواب في التسمية على الوضوء. وقواعد في سباق الخيل، ورمي النُّشَّاب (5). وقواعد وأجوبة في النية في الصلاة، وغير ذلك من العبادات (6). وأجوبة في صلاة بعض أصحاب المذاهب خلف بعض، وأنه جائز (7). وجواب فيمن تفقَّه على مذهب، ثم يجد حديثًا صحيحًا بخلاف مذهبه (8). _________ (1) (ف): «يجزئ». (2) (ب، ق، ف): «وله جواب». (3) (ب، ق): «صلاحها». (4) لعلها ما في «مجموع الفتاوى»: (1/ 12 ــ 17). (5) في «جامع المسائل-السابعة»: (7/ 297 ــ 305) بعنوان: «مسألة في الرمي بالنشاب». (6) انظر «مجموع الفتاوى»: (22/ 217 - 258). (7) في «جامع المسائل-الخامسة»: (5/ 269 - 279) رسالة بعنوان: «المسألة الخلافية في الصلاة خلف المالكية». (8) ستطبع قريبًا ضمن «جامع المسائل-الثامنة». ورسالة أخرى في «مجموع الفتاوى»: (20/ 210 ــ 230).

(الكتاب/101)


وجواب فيمن (1) يقول: أنا مذهبي غير موافق للأربعة. وجواب لمن (2) يقول: من لا شيخَ له فشيخُه الشيطان. وجواب في (3) المخلوقة من ماء الزّاني هل له أن يتزوَّج بها؟ وجواب في صلاة (4) الركعتين جالسًا بعد الوتر (5). وجواب في القنوت في الصبح والوتر (6). وجواب عن المرازقة وما يفعلونه من أعمال، والردّ عليهم فيما أخطأوا فيه (7). وقاعدة في الحمَّام والاغتسال. وقاعدة في الصلاة بين الأذانين يوم الجمعة (8). وجواب في قوله: «خير القبور (9) الدوارس» (10). _________ (1) (ب، ق): «من». (2) (ف، ك): «فيمن». (3) سقطت من الأصل. (4) سقطت من (ف). (5) في «مجموع الفتاوى»: (23/ 92 - 98). (6) في «مجموع الفتاوى»: (23/ 98 - 116). (7) في «مجموع الفتاوى»: (23/ 351 - 356). (8) طبعت في «مجموع الفتاوى»: (12/ 188 - 196). (9) (ب): «النفور»، وفي المطبوعة: «القرون». (10) قال العجلوني في «كشف الخفاء»: (1/ 477): «هذا مشهور على الألسنة، وليس معناه بظاهره صحيحًا، فإنه يُسنّ أن يجعل على القبر علامة ليُعرف فيُزار ... ». وانظر «أحكام الجنائز»: (ص 209) للألباني.

(الكتاب/102)


وجواب في نصرانية ماتت وفي بطنها ولد من مسلم. وجواب في امرأة مسلمة ماتت وفي بطنها إذ ذاك ولدٌ حيٌّ متحرِّك. وجواب مبسوط في السجَّادة (1) التي تُفْرَش في المسجد قبل الجمعة قبل مجيء المصلي (2). وجواب في ساعة الجمعة، هل هي (3) مقدَّرة بالدَّرَج؟ وله أجوبة في الوقف في مُنقطع الوسط وغيره (4). وله مسألة تسمى «الواسطة» (5). وله «إبطال الكيمياء». ومسألة الشفاعة. ومسألة الشهادة بالاستفاضة. ومسألة في الإجازة على كتاب «المصابيح» للبغوي. وأخرى على كتاب «المصابيح» أيضًا. _________ (1) (ف): «السجادات». (2) في «مجموع الفتاوى»: (22/ 163 - 192). (3) «هي» سقطت من (ف، ك). و «الدَّرَج» جمع درجة، وهي في علم الفلك: جزء من ثلثمائة وستين جزءًا من دورة الفلك. «المعجم الوسيط»: (ص 287)، و «ألفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري»: (ص 190). (4) في «مجموع الفتاوى»: (31/ 100 - 180) وهذا المجلد من أوله إلى ص 268 في مسائل الوقف. (5) (ب، ق): «الواسطية» خطأ. فالواسطية تقدم ذكرها (ص 87)، وهذه طبعت في «مجموع الفتاوى»: (1/ 121 ــ 138) وتسمى «الواسطة بين الخلق والحق».

(الكتاب/103)


وله في الأحاديث وشرحها شيء (1) كثير جدًّا، منها ما بُيّض ومنها ما لم يبيض، ولو بُيِّض لبلغ مجلدات عديدة. وكتب كثيرًا من «مسند الإمام أحمد» وغيره على أبواب الفقه. وله مختصر في الكَلِم الطيّب، جمع فيه الأذكار المستعملة طَرَفي النهار وغير ذلك (2). وشرح حديث أبي ذرٍّ الذي أوله: «يا عبادي إني حَرَّمت الظلم على نفسي» (3). وحديث: «الأعمال بالنيّات» (4). وحديث: «بدأ الإسلام غريبًا» (5). وحديث: «لا يرث المسلم الكافر» (6). وحديث الدعاء الذي علَّمَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا» (7). _________ (1) سقطت من الأصل. (2) طبع مرات، من آخرها بتحقيق د. رفعت فوري عبد المطلب بدار الخانجي. (3) طبع في «مجموع الفتاوى»: (18/ 136 - 209). (4) طبع في «مجموع الفتاوى»: (18/ 244 - 285). (5) طبع في «مجموع الفتاوى»: (18/ 291 - 305). (6) الحديث أخرجه البخاري (6764)، ومسلم (1614) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. (7) ذكره ابن رشيّق (ص 311). طبع ضمن «جامع المسائل-الرابعة»: (4/ 21 - 69).

(الكتاب/104)


وحديث جبريل في الإيمان والإسلام (1)، غير كتاب «الإيمان» المتقدم، في مجلد لطيف (2). وحديث: «لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن» شرحه مرات عديدة (3). وحديث: «أنزلَ القرآنُ على سبعة أَحْرف» شَرَحه غير مرَّة (4). وحديث النزول، شرحه مرّات (5). وحديث الأولياء الذي رواه البخاري (6) منفردًا به: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة». شرحه مرات. تارةً يُسأل عن مجموعه، وتارة يُسأل عن التردُّد المذكور فيه. وحديث حكيم بن حزام: «أسْلَمْت على ما أَسْلَفْت من خير» (7). وحديث ابن مسعود في درء الهمِّ. _________ (1) «والإسلام» من بقية النسخ. (2) طبع في «مجموع الفتاوى»: (7/ 461 - 622). وطبع مفردًا بتحقيق د. علي الزهراني في مجلد، عن دار ابن الجوزي عام 1423 هـ. ويسمى «الإيمان الأوسط». (3) طبع ضمن «جامع المسائل-الخامسة»: (5/ 239 - 259). (4) طبع في «مجموع الفتاوى»: (13/ 389 - 403). (5) طبع في «مجموع الفتاوى»: (5/ 321 - 582). وحققه مفردًا د. محمد الخميس. (6) رقم (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (7) طبع في «مجموع الفتاوى»: (11/ 701 - 702). والحديث في مسلم (194).

(الكتاب/105)


وحديث معاذ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - له (1): «لا تدعنَّ دُبُر كلِّ صلاةٍ». وحديث بَرِيرة، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة (2): «اشترطي لهم الولاء». وحديث: «فحجَّ آدمُ موسى» شرحه مرَّات (3). وحديث: «لا يضرب أحدٌ (4) فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله». وحديث: «من جُعِل قاضيًا فقد ذُبح بغير سِكِّين» (5). وحديث: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم» (6). وشرحَ أحاديثَ كثيرة غير (7) ما ذُكِر. _________ (1) من الأصل فقط. وقد سُئل شيخ الإسلام عن هذا الحديث وغيره كما في «مجموع الفتاوى»: (22/ 492، 500 - 504). (2) ليست في (ق). وللشيخ فصل في هذا الحديث في «مجموع الفتاوى»: (29/ 337 - 356). (3) منها في «مجموع الفتاوى»: (8/ 303 - 336). (4) سقطت من (ك). والحديث أخرجه البخاري (6850)، ومسلم (1708). من حديث أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه. (5) هذا الكتاب سقط من (ك). والحديث أخرجه أبو داود (3571)، والترمذي (1325)، والنسائي (5892 ــ الكبرى)، وابن ماجه (2308) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (6) عند ابن رشيّق (ص 306): «رسالة في قوله: كما صليت على إبراهيم، وفي أن المشبه به أعلى من المشبَّه». وهو في «مجموع الفتاوى»: (22/ 454 - 467). (7) الأصل: «على».

(الكتاب/106)


وشرح ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: نِعْم العبدُ (1) صُهيب لو لم يخفِ اللهَ لم يعْصِه. وتكلم على (لو) (2). وشرح قول علي رضي الله عنه: لا يرجونَّ أحدٌ (3) إلا ربَّه ولا يخافنَّ إلا ذنبه (4). وله أجوبة كثيرة في أحاديث يُسأل عنها، من صحيحٍ يشرحه، وضعيفٍ يبيّن ضعفه، وباطل ينبّه على بطلانه. وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدَّم ذكره يشقّ ضبطُه وإحصاؤه، ويعسُر حصرُه واستقصاؤه. وسأجتهد [ق 26] إن شاء الله تعالى في ضبط ما يمكنني من أسماء (5) مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبيّن ما صنَّفه منها (6) بمصر وما ألَّفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتِّبه ترتيبًا حسنًا غير هذا الترتيب، بعون الله وقوَّته ومشيئته. قال الشيخ أبو عبد الله (7): لو أراد الشيخ تقي الدين رحمه الله أو غيره _________ (1) (ب، ق): «الرجل». (2) طبع في «جامع المسائل-الثالثة»: (3/ 313 - 320). (3) (ق، ف، ك): «عبدٌ». (4) طبع في «مجموع الفتاوى»: (8/ 161 - 180). (5) (ك): «من ضبط مؤلفاته». وسقط «ما يمكنني من أسماء» من (ف). (6) ليست في (ب، ق). (7) يعني: ابن رشيّق، انظر ما سبق (ص 41).

(الكتاب/107)


حصرها ــ يعني مصنفات (1) الشيخ ــ لما قدروا (2)؛ لأنه ما زال يكتب، وقد مَنَّ الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل. وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدًا لطيفًا في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر. وأحْصيتُ ما كتبه في يوم وبَيَّضتُه (3) في يوم فكان ثمان كراريس، في مسألة من أشكل المسائل. وكان يكتب على السؤال الواحد مجلدًا. وأما جوابٌ يَكْتب فيه خمسين ورقة، وستين، وأربعين، وعشرين، فكثير. ويكتبُ الجوابَ، فإن حضر من يبيّضه وإلا أخذ السائلُ خطَّه وذهب. ويكتب قواعدَ كثيرة في فنونٍ من العلم؛ من (4) الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وُجِد من ينقله (5) من خطِّه وإلا لم يشتهر ولم يُعْرَف. وربما أخذه بعضُ أصحابه فلم (6) يقدر على نقله، ولا يردّه إليه فيذهب. وكان كثيرًا ما يقول: قد كتبت في كذا وفي كذا. ويُسأل عن الشيء، فيقول: قد كتبتُ في هذا، فلا يُدرى أين هو، فيلتفت _________ (1) (ق، ف، ك): «مؤلفات». وفي الهامش (الأصل وب): «مؤلفات» في نسخة. (2) (ب، ق): «قدر». (3) كذا في الأصل و (ق)، وتحتمل في (ب): «وبيضه». و (ف، ك): «ما كتبه وبيّضه في اليوم ... ». (4) بقية النسخ: «في». (5) (ف، ك): «نقله». (6) (ك): «فلا».

(الكتاب/108)


إلى أصحابه ويقول: ردّوا خطي وأظهروه لينقل. فمِن حرصهم عليه لا يردُّونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه ولا أين هو (1). فلهذه الأسباب وغيرها تعذَّر إحصاءُ ما كتبه وما صنفه. وما كفى هذا، إلا أنه لما حُبِس تفرَّقت (2) أتباعُه، وتفرَّقت كتبُه، وخوَّفوا أصحابه من أن يُظهروا كتبه= ذهبَ كلُّ أحدٍ بما عنده وأخفاه ولم يظهروا كتبه (3)، فبقي هذا يهرب بما عندَه، وهذا يبيعه أو يهبه (4)، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تُسْرَق كتبه أو تُجْحَد، فلا يستطيع أن يطلبها ولا يقدر على تحصيلها (5)! ! فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف كلَّ تمزّق (6)! ولولا أنَّ الله تعالى لطفَ وأعان ومنَّ وأنعم، وخَرَق (7) العادةَ في حِفْظ أعيان كتبه وتصانيفه لما أمكن أحدًا أن يجمعها. ولقد رأيتُ من خَرْق العادة في حفظ كتبه وجمعها، وإصلاح ما فَسَد منها، وردّ ما ذهب منها= ما لو ذكرتُه لكان عجبًا، يعلم به كلُّ منصف (8) أنَّ لله _________ (1) «ولا أين هو» ليست في (ك). (2) (ب، ق، ف): «وتفرق»، (ك): «تفرق». (3) «ذهب كل ... كتبه» سقط من (ب). (4) «أو يهبه» سقط من (ب، ق). (5) بقية النسخ: «تخليصها». (6) «كل تمزق» ليست في (ك). (7) (ف، ك): «وجرت». (8) (الأصل وف): «مصنف» خطأ.

(الكتاب/109)


عنايةً به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. قلت: ومن مؤلفاته أيضًا: قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل (1). وقاعدة في تبديل السيئات حسنات. وقاعدة في المتشابهات. وقاعدة في إبطال المجرّدات (2). وقاعدة في إثبات الرؤية والردّ على نُفاتها (3). وقاعدة [ق 27] في وجوب تقديم محبَّة الله ورسوله على النَّفْس والأهل والمال. وقاعدة في لفظ الجسم، واختلاف الناس واصطلاحاتهم في هذا الاسم (4). وقاعدة في تحريم الحشيشة، وبيان حكم آكلها، وماذا يجب عليه (5). _________ (1) لعله الكتاب المطبوع باسم «النبوات»، وأحسن طبعاته بتحقيق د. عبد العزيز الطويان في مجلدين ــ دار أضواء السلف. وفي «مجموع الفتاوى»: (10/ 430 - 453) رسالة بعنوان: «اتباع الرسول بطريق المعقول». (2) (ق): «وقاعدة المجردات». وهذا الكتاب مقدم على الذي يليه في (ب، ق). (3) وهي في «مجموع الفتاوى»: (6/ 401 ــ 460). (4) (ف): «الأصل». (5) في «مجموع الفتاوى»: (34/ 213 - 214) سؤال وجوابه عن الحشيشة.

(الكتاب/110)


وقاعدة في الردِّ على من قال بفناء الجنة والنار (1). وله «الحموية الكُبرى» (2). و «الحموية الصُّغرى» (3). فأما «الحموية الكبرى» فأملاها ما (4) بين الظهر والعصر، وهي جواب عن سؤال ورد من حماة سنة ثمان وتسعين وستمائة، وجرى بسبب تأليفها أمور ومحن. وتكلَّم الشيخُ فيها على آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك، وقال في مقدَّمتها ــ وهي عظيمة جدًّا ــ: «قولنا فيها ما قال (5) الله ورسوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد (6) هؤلاء الذين _________ (1) قال ابن رشيّق (ص 287): «نحو عشرين ورقة» وذكر أنه ألفها في محبسه الأخير. وقد طبعت بتحقيق د. محمد السمهري عن دار بلنسية في (118 ص). (2) قال ابن رشيّق (ص 296): «الفتيا الحموية، ستون ورقة، كتبها بين الظهر والعصر». وهي في «مجموع الفتاوى»: (5/ 5 - 120). وطبعت مفردة بتحقيق حمد التويجري ــ دار الصميعي. (3) طبعت في الهند سنة 1295 هـ. والذي يظهر أن الشيخ أملى «الحموية الصغرى» أولًا، ثم بعد ذلك أضاف إليها كثيرًا من النصوص والاقتباسات عن المتكلمين والفلاسفة بما يعادل ثلث الكتاب، فصارت هذه النسخة المزيدة هي «الحموية الكبرى». والله أعلم. قلت: وقد قابلنا ما ساقه المصنف من «الحموية» على مطبوعة الفتاوى ورمزت لها بـ (ط) وعلى مخطوطة تركية كتبت سنة 730 هـ ورمزت لها بـ (خ). (4) «ما» ليست في (ف، ك). (5) بقية النسخ وخ: «قاله». (6) (ف، ك): «من بعد».

(الكتاب/111)


أجمعَ المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وفي غيره. فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه (1) بإذنه وسراجًا منيرًا، وأمره أن يقول: {هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 80]. ومن المُحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أَخرجَ (2) به الناسَ من الظلمات إلى النور، وأنزلَ معه الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمرَ الناسَ أن يردّوا ما تنازعوا فيه من (3) دينهم إلى ما بُعِثَ به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه (4) على بصيرة، وقد أخبر الله أنه أكمل له ولأمته دينهم وأتمَّ عليهم نعمته =محالٌ (5) مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به مُلتبسًا مشتبِهًا، ولم يميّز ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العُلى، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه. فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصَّلته النفوس وأدركته العقول. _________ (1) (ب، ق): «أنه بعثه ... ». و «إليه» سقطت من (ف). (2) (ك) كتب فوقها بخط دقيق «الله». (3) في (ك) بخط دقيق مغاير: «من أمر». (4) (ب، ق): «بأنه». وكتبت في (ك) بخط دقيق مغاير. و «بإذنه» ليست في (خ). (5) (ف): « .. نعمته عليهم ومحال ... ».

(الكتاب/112)


فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول، وأفضل خَلْق الله بعد النبيين لم يُحْكِموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا. ومن المحال أيضًا أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علَّم أمته كلَّ شيء حتى الخِراءة (1). وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (2). وقال ــ فيما صح عنه أيضًا ــ: «ما بعث الله من نبيّ إلا كان حقًّا عليه (3) أن يدلَّ أمته على خير ما يَعْلَمه لهم وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم» (4). وقال أبو ذرّ: لقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذَكَّرنا (5) منه علمًا (6). _________ (1) كما جاء في حديث سلمان الفارسي عند مسلم (262). (2) أخرجه أحمد (71742)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وابن حبان (45)، والحاكم: (1/ 95 - 96) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. قال الترمذي: «حسن صحيح». وصححه ابن حبان والحاكم والبزار وغيرهم. (3) ليست في (ب، ق). (4) أخرجه مسلم (1844) ضمن حديث طويل من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه. (5) هكذا في جميع النسخ و (خ) ومصادر التخريج، وغيّرها أحد المطالعين في (ف) إلى «ذكرلنا» وهي كذلك في طبعة الفتاوى: (5/ 8). (6) أخرجه أحمد (21361، 21439) بنحوه، والطبراني في «الكبير»: (2/ 155) من حديث أبي ذر. قال الهيثمي في «المجمع»: (8/ 263): «رجال الطبراني رجال الصحيح ... وفي إسناد أحمد من لم يسمّ».

(الكتاب/113)


وقال [ق 28] عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقامًا فذكر بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم. حفظ ذلك من حَفِظَه، ونَسِي ذلك (1) من نسيه. رواه البخاري (2). مُحال مع هذا ومع (3) تعليمهم كلّ شيء لهم فيه منفعة في الدين ــ وإن دقَّت ــ أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم وقلوبهم (4) في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزُبْدة الرسالة الإلهية. فكيف يتوهَّم من في قلبه أدنى مُسْكَة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على غاية التمام؟ ! ثم إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المُحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصَّروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه. ثم من المُحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة؛ القرن الذي بُعِث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كانوا غير عالمين (5) وغير قائلين في هذا الباب بالحقِّ المبين؛ لأنّ ضدّ ذلك إما عدم العلم والقول، وإما _________ (1) (ب، ق، ف): «ونسيه من». (2) بعد رقم (3192) معلقًا، وانظر «تغليق التعليق»: (3/ 486 - 488) لابن حجر. (3) «مع» ليست في (ق، ف، ك). (ب): «وبتعليمهم». و (خ): «محال مع تعليمهم». (4) (ف، ك): «ويعتقدونه بقلوبهم». (5) «ثم الذين يلونهم» ليست في (ق)، وكُتِب فوق «عالمين» في (ك): «لعله» وفي الهامش: «بدله: العالمين».

(الكتاب/114)


اعتقاد نقيض الحقّ وقول خلاف الصِّدْق، وكلاهما ممتنع. أما الأول؛ فلأنَّ من في قلبه أدنى حياة، وطلبٍ للعلم، ونَهْمة في العبادة؛ يكون البحثُ عن هذا الباب والسؤالُ عنه ومعرفةُ (1) الحقّ فيه أكبر (2) مقاصده وأعظم مطالبه (3). وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية (4). فكيف يتصوَّر مع قيام هذا المقتضي ــ الذي هو من أقوى المقتضيات ــ أن يتخلَّف عنه مقتضاه في أولئك (5) السادة في مجموع عصورهم (6)؟ ! هذا لا يكاد يقع في أبْلَد الخلق، وأشدّهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع في أولئك؟ وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عَرَف حالَ القوم. ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن أن يُسَطَّر في هذه الفتيا أو أضعافها، يَعرف ذلك من طلبَه وتتبَّعه. ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما قد يقوله _________ (1) (ف): «عن معرفة». (2) (ف، خ): «أكثر». (3) في (خ، والفتاوى) زيادة: «أعني بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته». (4) في هامش (ك): «الوجدانية». و (خ): «الوجودية». (5) (ك): «مقتضاه لأولئك». (6) الأصل: «عمورهم» خطأ. و (ف، ك): «عصرهم».

(الكتاب/115)


بعضُ الأغبياء ممن لم يَقْدُر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها؛ من أنَّ طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم. فإن هؤلاء المبتدعة الذين يُفضِّلون طريقة (1) الخَلَف (2) على طريقة السلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرَّد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقهٍ لذلك. بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة/78] [ق 29] وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظنُّ الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. وسبب ذلك: اعتقادُهم أنه ليس [لله] (3) في نفس الأمر صفة دلَّت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شَركوا (4) فيها إخوانهم من الكافرين. _________ (1) ليست في (ق). (2) بعده في هامش (ك) بخط مغاير: «من المتفلسفة ومن حذا حذوهم». (3) زيادة «لله» من (خ وط) وليست في الأصول. (4) في هامش (ن)، و (خ، ط): «شاركوا».

(الكتاب/116)


فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان ــ مع ذلك ــ لابدّ للنصوص من معنى، بقوا متردّدين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها: طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معانٍ (1) بنوع تكلُّف، وهي التي يسمونها: طريقة الخلف؛ وصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا (2) فيه على أمور عقلية ظنوها بيَّنات وهي شبهات، والسمع حرَّفوا فيه الكَلِمَ (3) عن مواضعه. فلما انْبَنى (4) أمرُهم على هاتين المقدِّمتين الكاذبتين الكُفْريتين، كانت النتيجة استجهال السابقين الأوّلين (5) واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا (6) أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحَّروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطَّنوا لدقيق (7) العلم الإلهي، وأن الخَلَفَ الفضلاء حازوا قَصَب السَّبْق في هذا كله. وهذا (8) القول إذا تدبَّره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخِّرون ــ لاسيما والإشارة بالخَلَف إلى _________ (1) (أ، ب، ق): «معاني» وزاد في المطبوعة «أخرى». (2) الأصل: «اعتقدوا». (3) (خ): «حرفوا الكلام فيه». (4) (ب، ق): «انتهى». (ك): «ابتنى». (5) «الأولين» ليست في (ف، خ). (6) ليست في (ك). (7) (خ، ط): «لدقائق». (8) (خ): «فإن هذا»، (ط): «ثم هذا».

(الكتاب/117)


ضَرْب من المتكلمين ــ الذين كَثُر (1) في باب الدين اضطرابُهم، وغَلُظ عن معرفة الله حجابُهم، وأخبر الواقفُ على نهايات (2) إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم (3) حيث يقول: لعمري لقد (4) طُفت المعاهد كلّها ... وسيّرت طَرْفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعًا كفَّ حائرٍ ... على ذَقَنٍ أو قارعًا سنَّ نادم (5) وأقرُّوا على أنفسهم بما قالوه متمثِّلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم (6)، كقول بعض رؤسائهم: نهاية إقدام العقولِ عقالُ ... وأكثرُ سَعْي العالمين ضلال وأرواحُنا في وَحْشةٍ من نفوسنا (7) ... وحاصل دنيانا أذًى ووبال ولم نستفد في (8) بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا (9) _________ (1) الأصل: «كبر». (2) (ف، ك، ط): «نهاية». (3) (خ، ط): «أمرهم». (4) الاصل: «قد». (5) تنسب لابن سينا، وقيل للشهرستاني، ذكرهما الأخير في «نهاية الإقدام» (ص 3)، وانظر «وفيات الأعيان» (2/ 161، 4/ 274). (6) «من كتبهم» من بقية النسخ و (خ، ط). (7) بقية النسخ و (خ، ط): «جسومنا». وبعده في (خ): «غاية دنيانا». (8) (ك): «من». و (خ): «وما نالنا في ... ». (9) (ب، ق، ف، خ): «وقال». والأبيات للرازي، انظرها في «طبقات الأطباء»: (2/ 42 ــ 43)، و «وفيات الأعيان»: (4/ 250).

(الكتاب/118)


لقد تأملت الطرق الكلامية (1)، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها (2) تشفي عليلًا ولا تُرْوي غليلًا، ورأيتُ أقربَ الطرق طريقة القرآن؛ أقرأ في الإثبات: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وأقرأُ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]. قال: ومن جَرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. ويقول الآخر منهم (3): لقد خُضْت البحر الخِضَمّ (4)، وتركتُ أهلَ الإسلام وعلومهم، وخضت في [ق 30] الذي نهوني (5) عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته (6) فالويل لفلان، وها أنذا (7) أموت على عقيدة أمي. ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكًّا عند الموت أصحاب (8) الكلام. ثم هؤلاء المتكلِّمون (9) المخالفون للسلف إذا حُقِّق عليهم الأمر، لم _________ (1) تحرفت في (ف) إلى: «الكلابية»! (2) (خ): «فلم أجدها». ثم قدم آيات النفي على الإثبات. (3) هو إمام الحرمين الجويني، انظر «السير»: (18/ 471). (4) سقطت من (ف). وكتبت في (ك) بخط دقيق مغاير. (5) (خ): «نهوا». (6) (ف): «يداركني ... رحمته». (7) «ذا» ليست في (ب، ف، ك). (8) سقطت من (ب). وهذه المقولة نسبها شيخ الإسلام للغزالي، انظر «نقض المنطق» (ص 25). (9) سقطت من (ف).

(الكتاب/119)


يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله، وخالص المعرفة به خَبَر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر. = كيف يكون هؤلاء المحجوبون، المنقوصون، المسبوقون المفضولون (1)، الحيارى، المتهوِّكون (2) أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، من (3) ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدُّجى، الذين بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جُمِعَت حكمةُ غيرهم إليها لاستحيى من يطلب المقابلة؟ ! ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة، لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ ! أم كيف يكون أفراخُ المتفلسفة، وأتباع الهند واليونان، وورثة (4) _________ (1) (ق): «هؤلاء المحجبون .. »، (ف): « ... المسبوقون المفصلون»، و «المفضولون» ليست في (خ). (2) الأصل: «المهوكون»، (ب، ق): «المهتوكون». (3) «من» ليست في (خ). (4) (ف، ك): «ورثة».

(الكتاب/120)


المجوس والمشركين، وضُلَّال اليهود والنصارى (1) والصابئين، وأشكالهم وأشباههم، أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟ ! . وإنما قدَّمت هذه المقدمة لأن من استقرت عنده هذه المقدمة (2) عَلِم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوُّك (3) إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عمَّا بعث الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين، والتماسهم عِلْم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة (4) الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة. وليس غرضي واحدًا معيَّنًا وإنما أصفُ نوع هؤلاء ونوع هؤلاء (5). وإذا كان كذلك، فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة (6) مملوء بما هو إما نصّ وإما ظاهر في أن الله هو العليّ الأعلى (7)، وهو فوقَ كلّ شيء، وهو عال على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، مثل قوله: _________ (1) سقطت من (ف). (2) «لأن ... المقدمة» سقطت من (ف). (3) (ف): «والهتوك». (4) (ف، ق): «وشهادة». (5) «ونوع هؤلاء» ليست في (ب، ق، خ) وبعده في (خ) زيادة: «والعاقل يسير فينظر». (6) (ب، ق): «الأمة». (7) «هو العلي الأعلى» ليست في (خ).

(الكتاب/121)


{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (1) (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الملك: 16 - 17]، {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [آل عمران: 158]، {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]. [ق: 31]، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5]، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في ستة مواضع {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (2) [طه: 5] {يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ (3) ... إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا (4)} [غافر: 36 - 37]، {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، {مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ} [الأنعام: 14]. إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يُحصى إلا بِكُلْفة. وفي الأحاديث الصحاح ما لا يكاد يُحْصى إلا بكُلْفة (5)، مثل قصة معراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه (6)، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، _________ (1) «فإذا هي تمور» سقطت من (ق، ف، ك، خ). (2) قوله: «في ستة مواضع» والآية سقطت من (ب، ق). (3) ضبطها في الأصل: (فأطَّلِعَُ) بالضبطين، وكتب فوقها: (معًا)، وقراءة النصب قراءة حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالضم. انظر «المبسوط»: (ص 327) لابن مهران. (4) الآية في (ب، ق) إلى قوله: «إله موسى» .. (5) (ف، ك، خ، ط): «الصحاح والحسان ما لا يحصى ... ». و «وفي الأحاديث ... بكلفة» سقط من (ب). (6) القصة أخرجها البخاري (346)، ومسلم (163).

(الكتاب/122)


وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل (1) والنهار: «فتعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم ... » (2). وفي «الصحيح» (3) في (4) حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً». وفي حديث الرُّقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله (5) الذي في السماء تقدَّس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رَحْمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حُوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطيبين، أنزِلْ رحمةً من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع (6)» (7). قال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا اشتكى أحدٌ منكم أو اشتكى أخٌ له فليقل: ربّنا الله الذي في السماء ... » وذَكَره. وفي حديث الأوعال: «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم _________ (1) الأصل: «في الليل». (2) أخرجه البخاري (3223)، ومسلم (632) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (3) أخرجه البخاري (4351)، ومسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (4) نسخ الكتاب: «من» والمثبت من (خ، ط). (5) من بقية النسخ و (خ، ط). وكذا في اللفظ الآتي. (6) كتب بين الأسطر في (ق): «فيبرأ». وهي واردة في مصادر الحديث. (7) أخرجه أبو داود (3892)، والنسائي في «الكبرى» (10809)، والحاكم: (1/ 343 - 344) وغيرهم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، ومداره على زياد بن محمد، وهو منكر الحديث، وقد تفرَّد به. وحسَّنه شيخ الإسلام في «الفتاوى»: (3/ 139).

(الكتاب/123)


ما أنتم عليه» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (1). وقوله في الحديث الصحيح (2) للجارية: «أين الله؟ » قالت: في السماء، قال: «من أنا؟ ». قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وقوله في الحديث الصحيح: «إنَّ الله لما خلق الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» (3). وقوله في حديث قَبْض الروح: «حتى تعرج به (4) إلى السماء التي فيها الله عز وجل». وقول عبد الله بن رَواحة الذي أنشده للنبي وأقرَّه عليه: _________ (1) أخرجه أحمد (1770)، وأبو داود (4723)، والترمذي (332)، وابن ماجه (193) وغيرهم من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه. والحديث ضعيف انظر حاشية (المسند: 3/ 293). لكن قال شيخ الإسلام ــ في بعض نسخ الحموية (ص 222 - 223 ــ ط الصميعي): «وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن كأبي داود وابن ماجه والترمذي وغيرهم، فهو مرويّ من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» (1/ 334) الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - » اهـ. وانظر «تهذيب السنن»: (4/ 2158 - 2163) لابن القيم. وفي (خ): «رواه أبو داود» فقط. (2) «في الحديث الصحيح» من بقية النسخ. والحديث في «صحيح مسلم» (537) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. (3) أخرجه البخاري (7422) بنحوه، ومسلم (2751) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا الحديث والذي قبله سقط من (خ). (4) (ف، ك): «يعرج إلى».

(الكتاب/124)


شهدتُ بأنّ وعْدَ الله حقّ ... وأنّ النارَ مثوى الكافرينا (1) وأنَّ العرش فوقَ الماء طافٍ ... وفوق العرش ربّ العالمينا (2) وقول أمية بن أبي الصَّلْت الذي أنشده (3) للنبي - صلى الله عليه وسلم - هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال: «آمن شِعْرُه، وكفر قلبُه». مجِّدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق النـ ... ـاس (4) وسوَّى فوق السماء سريرا شرجعًا ما يناله بصر الـ ... ـعين تُرى دونه الملائكُ صورا (5) وقوله في الحديث الذي في «السنن»: «إن الله حيِيٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا» (6). وقوله: «يمدّ يديه إلى السماء يا ربّ يا ربّ» (7). _________ (1) في النسخ عدا (ف): «الكافرين ــ العالمين»، والقافية بألف الإطلاق. (2) ذكر القصة والشعر ابن عبد البر في «الاستيعاب»: (2/ 296 - 297 - بهامش الإصابة) وقال: إنها رويت من وجوه صحاح. وأخرجها ابن عساكر في «تاريخه»: (28/ 112). (3) (ك): «أنشد». (4) (خ): «الخلق». (5) «ديوان أمية بن أبي الصلت»: (ص 41). (6) أخرجه أبو داود (1488)، والترمذي (3556). وابن ماجه (3865)، وابن حبان (876)، والحاكم: (1/ 497). وغيرهم من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه. قال الترمذي: «حسن غريب»، وصححه ابن حبان، والحاكم وقال: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين». (7) من حديث أخرجه مسلم (1015) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(الكتاب/125)


إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ التواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علمًا يقينيًّا (1) من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول المبلِّغ عن الله ألقى إلى أمته المَدْعوّين: أن الله سبحانه على العرش، وأنه [ق 32] فوق السماء، كما فَطَر (2) على ذلك جميع الأمم: عَرَبهم وعَجَمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اختالته (3) الشياطين عن فطرته. ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جُمِعَ لبلغ مئين و (4) ألوفًا. ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا عن أحدٍ من سلف الأمة، لا (5) من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف = حَرْفٌ واحد (6) يخالف ذلك لا نصًّا ولا ظاهرًا، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان (7)، ولا أنَّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه (8) _________ (1) (ف): «يقينا». (2) (ف، ك، خ، ط): «فطر الله». (3) (ف، ك، خ، ط): «اجتالته». يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (2865): «خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ... ». وقوله: «فاجتالتهم» بالجيم، وروي بالخاء المعجمة، أي أزالتهم وأذهبتهم. انظر «شرح النووي»: (17/ 197). (4) (ف، ق، خ، ط): «أو». (5) (ف): «ولا». (6) (ف، ك): «حرفًا واحدًا». (7) «ولا إنه بذاته في كل مكان» ليست في (خ). (8) (ف، ك): «وأنه لا».

(الكتاب/126)


لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز إليه الإشارة الحسية (1). بل قد ثبت في «الصحيح» (2) عن جابر بن عبد الله أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال (3) لمَّا خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مَجْمع حَضَره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل يقول: «ألا هل بلَّغْت». فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء ويَنْكُتها (4) إليهم ويقول: «اللهم اشهد» غير مرة، وأمثال ذلك كثير. فإن كان الحقُّ ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة بالكتاب والسنة من هذه (5) العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إمّا نصًّا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله تعالى، ثم على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم على خير الأمة = أنهم يتكلَّمون دائمًا بما هو (6) نصّ أو ظاهر في خلاف الحق! ثم الحقّ الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلّون عليه لا نصًّا ولا ظاهرًا، حتى تجيء أنباطُ الفرس والروم، وفراخ اليهود (7) والفلاسفة، _________ (1) بعده في (خ، ط) و (ك) من هامشها: «للأصابع ونحوها». (2) «صحيح مسلم» (1218) من حديث جابر رضي الله عنه. (3) من الأصل فقط. (4) (ب، ف، ك): «وينكبها». (5) العبارة في (ق): «كان ما يقوله ... الثابتة فيما في الكتاب والسنة هذه» و (ب): «الحق مما يقوله ... الثابتة في الكتاب والسنة هذه». (6) زاد في (ك): «إما». (7) (ب، ق، ف، خ، ط): «وفروخ اليهود». وفي هامش (ك) بخط دقيق زيادة «والنصارى».

(الكتاب/127)


يبيّنون (1) للأمة العقيدة الصحيحة، التي يجب على كلِّ مكلَّف أو كلّ فاضل أن يعتقدها! لئن كان الحقُّ ما يقوله هؤلاء المتكلّمون (2)، وهو الاعتقاد الواجب، وهم مع (3) ذلك أُحيلوا في معرفته على مجرَّد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دلَّ عليه الكتاب والسنة نصًّا أو ظاهرًا= لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير! بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين! فإنّ (4) حقيقة الأمر ــ على ما يقوله هؤلاء ــ: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقّه من الصفات نفيًا وإثباتًا، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقًّا له من الصفات فصِفوه به، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًّا له في عقولكم فلا تصفوه به. ثم هم ههنا فريقان؛ أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه. ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياسُ عقولكم ــ الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافًا أكثر [ق 33] من جميع اختلافٍ على وجه الأرض ــ _________ (1) (خ): «يثبتون». (2) في (خ) زيادة: «المتكلمون». وهي في هامش (ك) بخط دقيق، وكتب فوقها: نسخة. (3) (ب، ق): «في». (4) (خ): «فإن كان ... ».

(الكتاب/128)


فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبَّدتكم به (1)! وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما (2) يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم ــ على طريقة أكثرهم ــ فاعلموا أني امتحنتكم (3) بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذِّ اللغة، ووَحْشيّ الألفاظ، وغرائب الكلام، أو أن (4) تسكتوا عنه مفوِّضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات! هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين. وهذا الكلام قد رأيته صرَّح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيدَ عنه. ومضمونه: أنَّ كتابَ الله لا يُهتدَى به في معرفة الله، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسلَه، وأن الناس عند التنازع لا يردُّون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة، وهم المشركون والمجوس وبعض الصابئين، وإن كان هذا الردّ (5) لا يزيد الأمر إلا شدَّة ولا يرتفع الخلافُ به؛ إذ لكلِّ فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا _________ (1) (خ): «يُعبد ربكم به». (2) ليست في (ك). (3) (خ، ط): «أمتحنكم». (4) (ب، ق، ك، خ): «وأن». (5) أي: إلى غير الكتاب والسنة.

(الكتاب/129)


إليهم، وقد أُمِروا أن يكفروا بهم (1). وما أشبه حالَ هؤلاء المتكلِّفين بقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا (2) بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 60 - 62]. فإنَّ هؤلاء إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول ــ والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته ــ أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية. ثم عامة هذه الشُّبهات التي يسمُّونها دلائل إنما تقلَّدوا أكثرها عن طاغوت (3) من طواغيت المشركين والصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أُمِروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه (4) قلوبهم (5): _________ (1) كتب فوقها في (ق): «بها». (2) من قوله: «بهم وما أشبه ... » إلى هنا سقط من (ف). (3) (ب، ق): «طواغيت». (4) المطبوعة: «في تشابه». (5) بعده في (خ): «يعني: فلاسفة الهند واليونان كأرسطو ونحوه».

(الكتاب/130)


{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} (1) [البقرة: 213]. ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتابُ هدىً للناس، ولا بيانًا ولا شفاءً لما في الصدور، ولا نورًا ولا مردًّا عند التنازع؛ لأنّا نعلم [ق 34] بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلِّفون أنه الحقّ الذي يجب اعتقاده= لم يدلّ عليه الكتابُ ولا السنةُ لا نصًّا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المُتَحَذّق (2) منهم أن يستنتج هذا من قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4]، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]. وبالاضطرار يعلمُ كلُّ عاقل أنَّ من دلَّ الخلقَ على أنَّ الله ليس فوق العرش، ولا فوق السموات، ونحو ذلك بقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} لقد أبعد النُّجْعة، وهو إمَّا مُلْغز وإما مدلِّس، لم يخاطبهم بلسانٍ عربّي مبين. ولازم هذه المقالة: أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مرَدَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عَمًى _________ (1) أكملَ الآيةَ في (ف). (2) (ف، ك، خ، ط): «المتحذلق». والمتحذّق: الذي يتظاهر بالحذق ويتكلّفه.

(الكتاب/131)


وضلالًا (1)! يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسولُ يومًا من الدَّهر، ولا أحدٌ من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلَّت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، واعتقدوا (2) كذا وكذا فإنه الحق. وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره وانظروا فيها، فما وافقَ قياسَ عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقَّفوا فيه وانفوه (3)! ثم الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بأن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة (4)، فقد عَلِم ما سيكون، ثم قال: «إني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكْتم به لن تضلّوا: كتاب الله» (5). ورُوِي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية: «هو (6) من كان على مثل ما أنا _________ (1) (خ، ط): «وضلالة». (2) (ق، ف، ك، خ، ط): «أو اعتقدوا». (3) (ب، ق، ط): «أو انفوه». (4) حديث الافتراق جاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، أقواها حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد (2/ 332)، وأبو داود (4596)، والترمذي (2640)، وابن ماجه (3991)، وابن حبان (6731)، والحاكم: (1/ 128). قال الترمذي: «حسن صحيح». وصححه ابن حبان، والحاكم على شرط مسلم، وصححه المصنف في «الفتاوى»: (3/ 345). (5) أخرجه مسلم (1218) من حديث جابر الطويل. (6) الأصل: «هي»

(الكتاب/132)


عليه اليوم وأصحابي (1)» (2). فهلَّا قال: من تمسَّك بالقرآن، أو بدلالة القرآن، أو بمفهوم القرآن، أو (3) بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يُحْدِثه المتكلِّمون منكم بعد القرون الثلاثة! وإن كان نَبَغَ (4) أصلُ هذه المقالة في أواخر عصر التابعين. ثم أصل هذه المقالة ــ مقالة التعطيل للصفات ــ إنما هو مأخوذ من (5) تلامذة اليهود والمشركين، وضُلَّال الصابئين. فإنَّ أول (6) من حُفِظَ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام (7): هو الجَعْد بن درهم، وأخذها (8) عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنُسِبَت مقالته (9) الجهمية إليه. وقد قيل: إنَّ الجَعْد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من _________ (1) (ب، ق): «عليه وأصحابي». (2) هذا اللفظ جزء من حديث الافتراق المتقدم. (3) «بالقرآن ... أو» سقط من (خ). (4) الأصل: «تَبِعَ»، : (ف): «نبع». (5) (ف، ك، خ، ط): «عن». (6) (ف، ك): «فأول». (7) بعده في (خ): «أعني: أن الله ليس على العرش حقيقة، وإنما استوى بمعنى استولى، ونحو ذلك، أول ما ظهرت هذه المقالة من الجعد ... ». (8) (ب، ق): «واخذ». (ف، ك): «فأخذها». (9) (ب، ق، ك، خ، ط): «مقالة».

(الكتاب/133)


طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن أعصم اليهودي الساحر، الذي سَحَر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ». ثم أطال الشيخ رحمه الله الكلامَ إلى أن قال: «والفتوى لا تحتمل البسطَ في هذا الباب، وإنما أُشير إشارةً إلى مبادئ الأمور، والعاقل يسير فينظر، وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة، لا يمكن أن نذكر هنا إلا قليلًا منه». إلى أن قال: «وإذا كان أصلُ هذه المقالة ــ مقالة (1) التعطيل والتأويل ــ مأخوذًا (2) عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيبُ نفسُ مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ [ق 35] سبيلَ (3) هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، ويدعَ سبيلَ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟ ! ». قال: «ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصَفَ اللهُ بما وصف به نفسَه أو وصفَه به رسولُه، و (4) بما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز (5) القرآنَ والحديثَ (6). _________ (1) سقطت من (ف). (2) (ب، ق، ك): «مأخوذ». (3) سقطت من (ف). (4) (ك): «أو». (5) (ف): «لا يتجاوزون». (6) بعده في (ك) بخط دقيق وعليه علامة اللحق: «قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله لا يتجاوز القرآن والحديث». وهي موجودة في (خ، ط). والظاهر أن المصنف تركها اختصارًا.

(الكتاب/134)


ومذهب السلف: أنهم يصفون اللهَ بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل». ثم ذكر الشيخ رحمه الله جُملًا نافعةً وأصولًا جامعةً في إثبات الصفات والردِّ على الجهمية، وذَكَر من النقول عن سلف الأمة وأئمتها في إثبات العلوّ وغيره ما يضيق هذا الموضع عن ذكره. ثم قال في آخر كلامه: «وجِماع الأمر: أن الأقسامَ الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كلُّ قسم عليه طائفة من أهل القبلة؛ قسمان يقولون (1): تُجْرَى على ظاهرها، وقسمان يقولون: هي على خلاف ظاهرها، وقسمان يسكتون. أما الأولون (2) فقسمان: أحدهما: من يُجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرَها من جنس صفات المخلوقين. فهؤلاء هم المشبِّهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليهم توجَّه الردُّ بالحق. والثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى، كما يجري _________ (1) كذا في الأصول، وفي (خ، ط): «يقولان». (2) (ف): «الأولان».

(الكتاب/135)


اسم (1) العليم والقدير، والربّ والإله، والموجود والذات، ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى. فإنَّ ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين إما جوهر محدَث وإما عَرَض قائم به (2). فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب، ونحو ذلك في حق العبد: أعْراض. والوجه واليد والعين في حقّه: أجسام. فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأنَّ له علمًا وقدرة، وكلامًا ومشيئة، وإن لم تكن أعراضًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين، جاز أن يكون وجه الله ويداه ليست أجسامًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين (3). وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطَّابي وغيره عن السلف، وعليه يدلُّ كلامُ جمهورهم، وكلامُ الباقين لا يخالفه (4). وهو أمر واضح، فإنَّ الصفات كالذات، فكما أنَّ ذاتَ الله ثابتةٌ حقيقةً من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين (5)، [فصفاته ثابتةٌ حقيقةً من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين] (6). _________ (1) (خ، ط): «ظاهر اسم». (2) (خ): «حق المخلوق إما جوهر وإما عَرَض». (3) «جاز ... المخلوقين» سقط من (خ). (4) «وكلام ... يخالفه» سقطت من (ف). (5) (ف، ك، خ، ط): «جنس المخلوقات». (6) ما بينهما ساقط من الأصل و (ب، ق)، وهو انتقال نظر، وثابت في (ف، ك، خ، ط). وفي الأخيرتين «المخلوقات».

(الكتاب/136)


فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودَين (1). قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ! ومن المعلوم أن صفات كلِّ موصوفٍ تناسب ذاتَه وتلائمُ حقيقتَه، فمن لم يفهم من صفات الربّ الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضلَّ في عقله ودينه. وما أحسن ما قال بعضُهم: إذا قال لك الجهميُّ: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك. فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا يعلم ما هو [ق 36] إلا هو، وكُنْه الباري غير معلوم للبشر. فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم (2) للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن يُعْلَم (3) كيفية صفةٍ لموصوفٍ (4) لم تُعْلم كيفيته؟ وإنما تُعلم الذات والصفات من حيث الجملة، على الوجه الذي ينبغي لك. بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» (5). وقد أخبر الله تعالى أنه: _________ (1) الأصل: «المعهودتين». (2) الأصل: «يستلزم». و (خ): «الصفة مسبوق بكيفية». (3) (ك): «تعلم». (4) «فكيف ... لموصوف» سقطت من (ب). و (ك): «أن تعلم». (5) أخرجه ابن جرير: (1/ 416) وغيره كما في «الدر المنثور»: (1/ 82).

(الكتاب/137)


{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلبِ بشر» (1). فإذا كان (2) نعيم الجنة ــ وهو خلقٌ من خلق الله ــ كذلك، فما الظن بالخالق سبحانه وتعالى؟ ! وهذه الرُّوح التي في بني آدم، قد عَلِم العاقلُ اضطرابَ الناسِ فيها، وإمساك النصوص عن بيان (3) كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع أن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تُسَلُّ منه وقت النَّزْع، كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة. لا نغالي (4) في تجريدها غلوّ المتفلسفة ومن وافقهم، حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبَّطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته. فعَدَم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها (5) بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونوا قد أخطأوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟ ! (6) _________ (1) أخرجه البخاري (4779)، ومسلم (2824) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (2) بعده في (ف): «هذا». (3) «عن بيان» في (ف): «على». (4) (خ): «لا يقال». (5) ليست في (ب، ق). (6) بعده في (ط- الفتاوى) نص في أربعة أسطر ليس في نسخ العقود ولا (خ) ولا نسخ الحموية الأخرى.

(الكتاب/138)


وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ــ أعني (1) الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة لله تعالى قطّ، وأنَّ الله لا صفةَ له ثبوتية، بل صفاته إما سلب وإما إضافة (2) وإمَّا مركَّبة منهما. أو يثبتون بعض الصفات، وهي السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر. أو يثبتون الأحوال دون الصفات، على ما قد عُرِف من مذاهب المتكلِّمين (3)؛ فهؤلاء قسمان: قسم يتأوَّلونها ويعيّنون المراد، مثل (4) قولهم: «استوى» بمعنى «استولى»، أو بمعنى: علوّ المكانة والقدر (5)، أو بمعنى: ظهور نوره للعرش، أو بمعنى (6): انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلِّفين (7). وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها لكنَّا نعلم أنه لم يُرِد إثبات صفة خارجةٍ عما علمناه. وأما القسمان الواقفان؛ فقسم يقولون: يجوز أن يكون المراد ظاهرها _________ (1) الأصل: «عن»! (2) (ب، ق): «سلب وإضافة». (3) (خ): «من مذاهبهم». (4) (ف): «بمثل». (5) (خ): «مكانه والقدرة». (6) «علو ... بمعنى» سقطت من (ف)، وهي لحق في هامش (ك) بخط دقيق مغاير. (7) الأصل: «المتكلمين» قراءة مرجوحة.

(الكتاب/139)


اللائق بالله تعالى، ويجوز أن لا يكون المراد (1) صفةً لله تعالى، ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم (2) يمسكون عن هذا كلِّه، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات. فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرجَ الرجلُ عن قسم منها. والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثانية (3)؛ كالآيات والأحاديث الدالة على أنه [ق 37] سبحانه فوق عرشه، ويُعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك دلالةً لا تَحْتمل (4) النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض. وتردُّد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40]. ومن اشتبه ذلك عليه أو غيره، فلْيَدْعُ بما رواه مسلم في «صحيحه» (5) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يصلي يقول: _________ (1) «ظاهرها ... المراد» سقط من (ب، ق). (2) المطبوعة: «وقسم». (3) (ب): «الثابتة». (4) (ق): «لا يشتمل النقيض ... مع اشتمال .. ». (5) رقم (770).

(الكتاب/140)


«اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وفي رواية لأبي (1) داود: أنه كان يكبِّر في صلاته ثم يقول ذلك. فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدْمَن النظرَ في كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين= انفتح له طريقُ الهدى. ثم إن كان قد خَبَر نهايات (2) إقدام المتفلسفة والمتكلِّمين في هذا الباب، وعَلِم (3) غالبَ ما يزعمونه برهانًا وهو شُبهة (4)، ورأى أن غالبَ ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركَّبة (5) من قياس فاسد، أو قضيَّة كُلّية لا تصحّ إلا جُزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، والتمسّك (6) في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة. ثم إن ذلك إذا رُكِّب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم (7) يعرف _________ (1) (ب): «وفيما رواه أبو .. ». (ق): «رواية أبي .. ». والرواية في «السنن» رقم (768). (2) (ف): «بنهايات». (3) بقية النسخ، خ، ط: «وعرف». (4) (ق): «شبه». (5) (ب، ق): «شبه مرة». (6) (ف، ك): «والتمثيل». (ط): «أو التمسك». (7) (خ): «غرّ من لم».

(الكتاب/141)


اصطلاحهم أوهَمَت الغِرَّ ما يوهم (1) السَّرابُ للعطشان= ازداد إيمانًا وعلمًا بما جاء به الكتاب والسنة. فإن الضدَّ يُظْهر حُسْنَه الضدُّ. وكلُّ من كان بالباطل أعلم كان للحق أشدَّ تعظيمًا وبقدره أعْرَف (2). فأما المتوسِّط من المتكلّمين فيُخاف عليه ما لا يُخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته. فإنَّ من لم يدخل فيه هو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية، فما بقي يخاف (3) من شيء آخر. فإذا ظهر له الحقّ وهو عطشان إليه قَبِلَه. وأمّا المتوسِّط فمتوهِّم بما تلقَّاه (4) من المقالات المأخوذة، تقليدًا لمعظَّمِه وتهويلًا. وقد قال الناس: أكثر ما يفسدُ الدنيا: نصفُ متكلِّم، ونصف متفقِّه، ونصف متطبِّب، ونصف نحوي. هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان. ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة (5) وغيرهم ــ في الغالب ــ في قولٍ مختلف (6)، يؤفَكُ عنه من أُفِك، يعلم الذكيُّ منهم العاقلُ أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حُجَّته ليست بيّنة، وإنما هي كما قيل فيها: _________ (1) (ف، ك، خ، ط): «يوهمه». (2) بعده في (ط ــ الفتاوى): «إذا هُدي إليه». (3) (ف، ك): «يخاف عليه». (4) (ق، ف، ك، خ): «يلقاه». و (ط): «يتلقاه». (5) (ب، ق): «المتفلسفين». (6) (ب، ق، ف): «مؤتفك».

(الكتاب/142)


حُججٌ تَهافَتُ كالزّجاج تخالها ... حقًّا وكلٌّ كاسِرٌ مكسور (1) ويعلمُ البصير العالم أنهم من وجه مستحقُّون ما قاله الشافعي رضي الله عنه حيث قال: «حُكْمي في أهل الكلام أن [ق 38] يضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم (2) في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام». ومن وجه آخر إذا نظرتَ إليهم بعين (3) القدر ــ والحيرةُ مستوليةٌ عليهم، والشيطانُ مستحوذٌ عليهم ــ رَحِمْتَهم ورقَقْتَ لهم (4). أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاء، وأُعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدةً {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 26]. ومن كان عالمًا (5) بهذه الأمور تبيَّن له بذلك حِذْق السلف وعلمهم _________ (1) ذكره الخطابي في «الغنية» (ص/41)، وقريب منه من أبيات لابن الرومي في «ديوانه»: (3/ 1139): لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضلّ عن الهدى وتجورُ وهنَّ كآنية الزِّجاج تصادمت ... فهوَت وكلٌّ كاسرٌ مكسور فالقاتل المقتول ثَمَّ لضعفه ... ولوَهْيه والآسرُ المأسور (2) (ف): «عليهم». وكلمة الشافعي أخرجها ابن عبد البر في «الجامع»: (2/ 941). (3) سقطت من (ب، ق). (خ): «بعين العُذْر». (4) (ف، ك، ب، ق، خ): «عليهم». و (ك): «ورفقت». (5) (خ، ط): «عليمًا».

(الكتاب/143)


وخبرتهم، حيث حذَّروا عن (1) الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم. وعَلِمَ أنّ من ابتغى الهدى من (2) غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بُعدًا. فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين». هذا آخر «الحموية الكبرى» وهي في ستة (3) كراريس بقطع نصف البلدي، ألفها الشيخ رحمه الله قبل سنة سبعمائة، وعمره إذ ذاك دون الأربعين سنة، ثم انفتح له بعد ذلك من الردِّ على الفلاسفة والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع، ما لا يوصف ولا يعبَّر عنه. وجرى له من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة، في كتبه وغير كتبه، مع أقرانه وغيرهم، في سائر أنواع العلوم ما تضيق العبارة عنه. وقد ذكرنا عن ابن الزَّمْلَكاني ــ فيما تقدم ــ أنه قال: ولا يعرف أنه (4) ناظر أحدًا فانقطع معه. _________ (1) (ف): «من». (2) (خ، ط): «في». (3) «في» ليست في (ف، ك). و (ب، ق، ف): «ست». (4) سقطت من (ك).

(الكتاب/144)


[مناظرة في الحمد والشكر مع ابن المرحِّل] وقد رأيت بخطِّ بعض (1) أصحابه ما صورته: «تلخيص مبحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة رحمه الله وبين ابن المُرَحِّل (2): كان الكلام في الحَمْد والشكر، وأن الشكر يكون بالقلب (3) واللسان والجوارح (4)، والحمد لا يكون إلا باللسان. فقال ابنُ المُرحِّل: قد نقل بعض المصنِّفين ــ وسمّاه ــ: أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد، ومذهب الخوارج: أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل. وبنوا على هذا أن من ترك الأعمال يكون كافرًا؛ لأن الكفر نقيض الشكر، فإذا لم يكن شاكرًا كان كافرًا. قال الشيخ تقي الدين: هذا المذهب المحكيُّ عن أهل السنة (5) خطأ، _________ (1) سقطت من (ف). (2) «المرحل» تكررت في (ك)، و «ابن» سقطت من (ف) وفي هامشها إشارة إلى التصحيح. وابن المرحِّل هو: محمد بن عمر بن مكي صدر الدين المعروف بابن الوكيل الشافعي (ت 716). قيل: كان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحد سواه. انظر «أعيان العصر»: (5/ 5 - 33)، و «الدرر الكامنة»: (4/ 115 - 123). وهذا المبحث موجودٌ في «مجموع الفتاوى»: (11/ 135 - 145) وهو مأخوذ من هنا. (3) (ف): «في القلب» (4) سقطت من (ب). (5) (ف): «السنة والجماعة».

(الكتاب/145)


والنقلُ فيه (1) عن أهل السنة خطأ، فإنّ مذهب أهل السنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، قال الله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13]. وقام النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غَفَر الله لك (2) ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ » (3). قال ابن المُرحِّل: أنا لا أتكلَّم في الدليل، وأُسلِّم ضعف هذا القول، لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة. قال الشيخ تقي الدين: نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ، فإنَّ القول إذا ثبت ضعفه كيف يُنْسَب إلى أهل [ق 39] الحقِّ؟ ثم قد صرَّح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول (4) والعمل، وقد دلَّ على ذلك الكتابُ والسنة. قلت: وباب سجود الشكر في الفقه (5) أشهر من أن يُذْكر، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سجدة (ص): «سجدها داودُ توبةً ونحن نسجدها شكرًا» (6). ثم مَن _________ (1) «فيه» ليست في (ب، ق) وفي هامش (ق): لعله «والناقل له أو». و «والنقل فيه» سقطت من (ف). (2) (ف): «أتفعل ذلك وقد غُفِر لك». (3) أخرجه البخاري (1130)، ومسلم (819) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. (4) ليست في (ب، ق). (5) «في الفقة» سقطت من (ب، ق). (6) أخرجه النسائي (957)، وفي «الكبرى» (1031، 11374) من حديث ابن عباس مرفوعًا، وأخرجه الشافعي في القديم كما في «معرفة السنن»: (2/ 155 - 156) وفي القديم مرسلًا وموصولًا. قال البيهقي: والمحفوظ المرسل، والموصول ليس بالقوي. وكذا قال المنذري. انظر «البدر المنير»: (4/ 250 - 251).

(الكتاب/146)


الذي قال من أئمة السنة: إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد؟ قال ابن المُرحِّل: هذا قد نُقل، والنقل لا يُمْنَع لكن يُسْتَشْكل، ويقال: هذا مذهبٌ مُشكل. قال الشيخ تقيُّ الدين ابن تيميَّة: النقل نوعان: أحدهما: أن يَنقل ما سَمِع أو رأى. والثاني: ما يُنقل باجتهادٍ واستنباط. وقول القائل: مذهب فلان كذا، أو مذهب أهل السنة كذا، قد يكون نسبَه إليه لاعتقاده (1) أن هذا مقتضى أصوله، وإن لم يكن فلانٌ قال ذلك. ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرًا (2). ألا ترى أن كثيرًا من (3) المصنِّفين يقول (4): مذهبُ الشافعي أو غيره كذا، ويكون منصوصه بخلافه، وعُذْرهم في ذلك: أنهم رأوا أن أصولَه تقتضي ذلك القول، فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط لا من جهة النص. وكذلك هذا لمَّا كان أهل السنة لا يُكَفِّرون بالمعاصي، والخوارج _________ (1) (ب، ق): «لاعتقاد». (2) سقطت من (ب، ق). (3) زاد في (ب): «المتعلمين». (4) (ف): «يقولون».

(الكتاب/147)


يكفِّرون بالمعاصي، ثم رأى المصنِّف أنَّ (1) الكفر ضد الشكر = اعتقدَ أنَّا إذا جعلنا الأعمال شكرًا لزم انتفاء الشكر بانتفائها، ومتى انتفى الشكر خَلَفه الكفر، ولهذا قال: إنهم بنوا على ذلك التكفير بالذنوب، فلهذا عزى إلى أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر. قلت: كما أن كثيرًا من المتكلِّمين أخرج الأعمال عن الإيمان لهذه العلة. قال: وهذا خطأ؛ لأن الكفر (2) نوعان؛ أحدهما: كفر النِّعمة، والثاني: الكفر بالله. والكفرُ الذي هو ضدّ الشكر إنما هو كفر النعمة لا الكفر بالله، فإذا زال الشكر خَلَفه كفر النّعمة لا الكفر بالله (3). قلت: على أنه لو كان ضدّ (4) الكفر بالله، فَمَن ترك الأعمال شاكرًا بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله، والكفرُ إنما يثبت إذا عُدِم الشكرُ بالكلية، كما قال أهل السنة: إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا حتى يترك أصل (5) الإيمان، وهو الاعتقاد. ولا يلزم من زوال فروع (6) الحقيقة التي هي ذات شُعَب وأجزاء زوال اسمها، كالإنسان إذا قُطِعت يدُه، أو الشجرة إذا قُطِع بعض فروعها. _________ (1) ليست في (ف). (2) (ف، ك): «التكفير». (3) عبارة «فإذا زال ... الله» تكررت في (أ، ف، والمطبوعة، والفتاوى). (4) (ف، ك): «ضده». (5) باقي النسخ: «أصول». (6) سقطت من (ب، ق).

(الكتاب/148)


قال الصَّدْر ابن المُرحِّل: فإن أصحابك قد خالفوا الحسن البصري في تسمية الفاسق «كافر النعمة»، كما خالفوا الخوارج في جعله كافرًا بالله (1). قال الشيخ تقي الدين: أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا، فعمَّن تنقل من أصحابي هذا (2)؟ بل يجوز عندهم أن يسمَّى الفاسق «كافر النعمة» حيث أطلقته الشريعة (3). قال ابن المُرحِّل: أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا [ق 40] لكن أصحابي قد خالفوا الحسن في هذا. قال الشيخ تقي الدين: ولا أصحابك خالفوه، فإن أصحابك قد تأوَّلوا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التي أُطْلق فيها الكفر على بعض الفسوق، مثل ترك الصلاة، وقتال المسلمين، على أن المراد به كفر النعمة؛ فعُلِم (4) أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة، فعُلِم أنهم موافقو (5) الحسن لا مخالفوه. ثم عاد ابن المُرحِّل فقال: أنا أنقل هذا عن المصنف، والنقلُ ما يُمْنع لكن يُسْتَشكل. _________ (1) سقط من (ب، ق). (2) ليست في (ب). (3) (ق): «الشرع». (4) سقطت من (ب، ق). (5) (ف): «موافقون».

(الكتاب/149)


قال الشيخ تقي الدين: إذا دار الأمر بين أن يُنْسَب إلى أهل السنة مذهب باطل، أو يُنْسَب الناقلُ عنهم إلى تصرّفه في (1) النقل، كان نسبة الناقل إلى التصرُّف أولى من نسبة الباطل إلى طائفة الحق، مع أنهم قد صرَّحوا في غير موضع أن الشكر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، وهذا أظهر من أن يُنْقَل عن واحدٍ بعينه. ثم إنَّا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق إخراج الأعمال أن تكون شكرًا لله، بل قد نصَّ الفقهاء على أن الزكاة شكر نعمة المال. وشواهد هذا أكثر من أن تحتاج إلى نقل. وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل في الكتب التي يُتكلَّم فيها على لفظ (الحمد والشكر) مثل (2) كتب التفسير واللغة وشروح الحديث، يعرفه آحاد الناس، والكتاب والسنة قد دلَّا على ذلك. فخرج ابن المُرحِّل إلى شيء غير هذا فقال: الحَسَن (3) يسمِّي الفاسق منافقًا، وأصحابك لا يسمونه منافقًا. قال الشيخ تقيُّ الدين له: بل يسمّونه منافقًا النفاق الأصغر لا النفاق الأكبر، والنفاقُ يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار (4) الكفر، وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السرِّ والعلانية في الواجبات. _________ (1) (ب، ق): «إلى». (2) سقطت من (ب، ق). (3) (ف، ك) زيادة: «البصري». (4) الأصل: «إصرار».

(الكتاب/150)


قال له ابن المُرحِّل: ومن أين قلت: إن الاسم يُطلق على هذا وعلى هذا؟ قال الشيخ تقي الدين: هذا (1) مشهور عند العلماء، وبذلك فسَّروا قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وَعَد (2) أخْلَف، وإذا ائتُمِنَ خان» (3). وقد ذكر ذلك الترمذيُّ وغيره، وحكوه عن العلماء (4). وقال غير واحد من السلف: كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك. وإذا كان النفاقُ جنسًا تحته نوعان، فالفاسق داخلٌ في أحد نوعيه. قال ابن المُرحِّل: كيف تجعل النفاق اسم جنس، وقد جَعَلْته (5) لفظًا مشتركًا؟ وإذا كان اسم جنس كان (6) متواطئًا، والأسماء المتواطئة غير المشتركة، فكيف تجعله مشتركًا (7) متواطئًا؟ قال الشيخ تقي الدين: أنا لم أذكر أنه مشترك، وإنما قلت: يُطلق على هذا _________ (1) من قوله: «له: بل يسمونه ... » إلى هنا ساقط من (ق). (2) (ب): «أوعد». (3) أخرجه البخاري (33)، ومسلم (59) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (4) قال الترمذي في «الجامع» عقب حديث (2632): «وإنما معنى هذا عند أهل العلم: نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب» اهـ. (5) الأصل «جعله». (6) «إذا كان اسم جنس كان» سقط من (ف). (7) «وإذا كان ... مشتركًا» سقط من (ب، ق).

(الكتاب/151)


وعلى هذا، والإطلاق أعمّ. ثم لو قلتُ: إنه مشترك لكان الكلام صحيحًا، فإن اللفظ الواحد قد يُطلق على شيئين (1) بطريق التواطؤ، وبطريق الاشتراك، فأطلقتُ لفظ النفاق على إبطان الكفر وإبطان المعصية، تارةً بطريق الاشتراك، وتارةً بطريق التواطؤ. كما أنَّ لفظ «الوجود» يطلق على الواجب والممكن، عند قوم باعتبار الاشتراك، وعند قومٍ باعتبار التواطؤ؛ ولهذا سمّي مشكّكًا. قال ابن المُرحِّل: كيف يكون هذا؟ وأخذَ في كلامٍ (2) لا يَحْسُن ذِكْره! قال (3) الشيخ تقي الدين: المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر. وذلك أن الماهيَّتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يُطلق على كلٍّ منهما، فقد يطلق عليهما باعتبار (4) ما به تمتاز كلُّ ماهيَّة عن الأخرى، فيكون مشتركًا الاشتراك اللفظي. وقد يكون مطلقًا باعتبار القَدْر المشترك بين الماهيَّتين، فيكون لفظًا متواطئًا. قلت: ثم إنه في اللغة يكون موضوعًا للقدر المشترك، ثم يغلب عُرْف الاستعمال على استعماله في هذا تارةً وفي هذا تارة. فيبقى دالًّا بِعُرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز. وقد تكون قرينة مثل لام التعريف أو الإضافة تكون هي الدالَّة على ما به الامتياز. _________ (1) (ب، ق): «مشترك». (2) (ق، ف): «بكلام». (3) (ك): «قال له». (4) سقطت من (ف).

(الكتاب/152)


مثال ذلك: اسم الجنس إذا غلب في العُرْف على بعض أنواعه، كلفظ «الدابة» إذا غلب على الفَرَس، قد نُطلقه على الفَرَس باعتبار القَدْر المشترك بينها (1) وبين سائر الدواب، فيكون متواطئًا. وقد نُطلقه (2) باعتبار خصوصية الفَرَس، فيكون مشتركًا بين خصوص الفَرَس وعموم سائر الدواب، ويصير استعماله في الفَرَس تارةً بطريق التواطؤ (3)، وتارة بطريق الاشتراك. وهكذا اسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار عَلَمًا بالغَلَبة، مثل ابن عُمر (4) والنجم، فقد نُطلقه عليه باعتبار القَدْر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بني عمر، فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ، وقد نطلقه (5) باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم، ومن بني عمر، فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي، وبين المعنى النوعي. وهكذا كلّ اسمٍ عامّ غلب على بعض أفراده، يصحّ استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول العام فيكون بطريق التواطؤ، وبالوضع (6) الثاني فيصير بطريق الاشتراك. ولفظ «النفاق» من هذا الباب؛ فإنه في الشرع: إظهار الدين وإبطان _________ (1) (ف): «بينهما». (2) (ب، ق): «يطلقه». وكذا ما يأتي بعد خمسة أسطر. (3) «تارة بطريق التواطؤ» في (ب، ق، ف) بعد «الاشتراك». (4) (ك) في جميع المواضع: «عمرو». (5) (ف، ك) زيادة: «عليه». (6) (ف، ك): «بالوضع».

(الكتاب/153)


خلافه. وهذا المعنى الشرعيّ أخصّ من مسمّى النفاق في اللغة، فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين. ثم إبطان (1) ما يخالف الدين، إما أن يكون كفرًا أو فسقًا، فإذا (2) أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر الذي أُوعِدَ صاحبه بأنه في الدَّرْك الأسفل من النار. وإن أظهر أنه صادق أو موف أو أمين، وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك، فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقًا. فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق التواطؤ. وعلى هذا؛ فالنفاق اسم جنس تحته نوعان. ثمّ إنه قد يراد به النفاق في أصل الدين، مثل قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]، و {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]. والمنافق هنا (3): الكافر. وقد يراد به [ق 42] النفاق في فروعه، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - : «آية المنافق ثلاث» (4)، وقوله: «أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا» (5). وقول ابن عمر فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث (6)، ثم يخرج فيقول بخلافه: «كنّا نعدّ هذا _________ (1) (ف): «إبطال». (2) (ب، ق): «فإن». (3) (ب، ق): «هو». (4) تقدم تخريجه. (5) أخرجه البخاري (34)، ومسلم (58) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (6) ليست في (ب، ق).

(الكتاب/154)


على عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نفاقًا» (1). فإذا أردتَ به أحدَ النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظيّة، مثل لام العهد والإضافة، فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئًا، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنَى به: قاضي بلده، لكون اللام للعهد، كما قال سبحانه: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 16] أن اللام هي أوجبت قَصْر الرسول على موسى، لا نفس لفظ «رسول». وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص، فكذلك قوله: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر، إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد، والمنافق المعهود هو الكافر، أو تكون (2) لغلبة هذا الاسم في الشرع على نفاق الكفر. وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاثٌ من كنَّ فيه كان منافقًا ... » يعني به (3) منافقًا بالمعنى العام، وهو إظهاره من الدين خلاف ما يُبْطن. فإطلاق لفظ «النفاق» على الكافر وعلى الفاسق، إن أَطلَقْتَه باعتبار المعنى العام كان متواطئًا، وإن أَطْلَقْتَه على الكافر باعتبار (4) ما يمتاز به عن الفاسق كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك. وكذلك يجوز أن _________ (1) أخرجه البخاري (7178). (2) (ب، ق): «ويكون». (3) «يعني به» ليست في (ب). (4) «المعنى ... باعتبار» سقطت من (ف، ك)، و «باعتبار» ليست في (ب، ق) ومكانها في (ق): «بما».

(الكتاب/155)


يُراد به الكافر خاصة، ويكون متواطئًا إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ «منافق» بل لام التعريف. وهذا البحث (1) الشريف جار في كلّ لفظ عام اسْتُعْمل في بعض أنواعه؛ إما لغلبة الاستعمال، أو لدلالة لفظية خصَّته بذلك النوع، مثل تعريف الإضافة، أو تعريف اللام؛ فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال: إن اللفظ مشترك (2)، وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ باقيًا على مواطأته. فلهذا صحّ أن يقال: النفاق (3) اسم جنس تحته نوعان، لكون اللفظ في الأصل عامًّا متواطئًا. وصحَّ أن يقال: هو مشترك بين النفاق (4) في أصل الدين، وبين مطلق النفاق في الدين، لكونه في عُرْف الاستعمال الشرعي غلب على نفاق الكفر. _________ (1) (ف): «اللفظ». (2) مكانها في الأصل علامة لحق، لكن لم يظهر على هامش النسخة. (3) (ف): «إن النفاق». (4) «بين النفاق» سقطت من (ب، ق).

(الكتاب/156)


بحثٌ ثانٍ جرى (1) أَنَّ الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص؛ فالحمد أعمّ من جهة أسبابه التي يقع عليها، فإنه يكون على جميع الصفات، والشكر لا يكون إلا على الإحسان. والشكر أعمُّ من جهة ما به يقع، فإنه يكون بالاعتقاد والقول والفعل، والحمد يكون بالفعل (2) أو بالقول أو بالاعتقاد (3). أورد الشيخ الإمام زين الدين ابن المنجَّى الحنبلي (4): أن هذا الفرق إنما هو من جهة مُتعلَّق الحمد والشكر؛ لأنَّ كونه يقع على كذا ويقع بكذا خارج عن ذاته، فلا يكون فرقًا في الحقيقة، والحدود إنما يتعرَّض فيها لصفات الذات، لا لما خرج عنها. فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة: المعاني على قسمين: مفردة ومضافة [ق 43] فالمعاني المفردة حدودها _________ (1) في نسخة (ب) في هذا الموضع ما نصه: «وذكر الشيخ شمس الدين بن عبد الهادي رحمة الله عليه مؤلف هذه الترجمة بحوثًا أخر تركتها اختصارًا» اهـ. ونهاية الاختصار في ص 173. وهذا البحث في «مجموع الفتاوى»: (11/ 146 - 155) وهو مأخوذ من هنا. (2) الأصل، (ف): «بالقول» سبق قلم. (3) «والقول ... بالاعتقاد» سقط من (ق). (4) هو: المنجَّى بن عثمان بن أسعد بن المنجَّى أبو البركات الدمشقي الحنبلي، عالم، مشارك في عدة فنون، وأحد شيوخ ابن تيمية، انتهت إليه رئاسة المذهب بالشام، (ت 695). «ذيل طبقات الحنابلة». (4/ 271 - 274)، و «المقصود الأرشد»: (3/ 41 - 42).

(الكتاب/157)


لا تؤخذ (1) عنها متعلَّقاتها (2)، وأما المعاني الإضافية فلا بد أن يوجد في حدودها تلك الإضافات، فإنها داخلة في حقيقتها ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلَّقات، فتكون المتعلَّقات (3) جزءًا من حقيقتها فيتعيَّن (4) ذكرها في الحدود. والحمد والشكر معنيان متعلَّقان (5) بالمحمود عليه والمشكور عليه (6) فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلّقهما، فيكون متعلقهما داخلًا في حقيقتهما. فاعترض الصدر ابن المُرحِّل (7) بأنه ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، فلا يكون للحمد والشكر من متعلقهما صفة ثبوتية، فإن التعلُّقَ (8) صفة نسبية (9)، والنِّسَب أمورٌ عدمية، وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة؛ لأن العدم لا يكون جزءًا من الوجود. _________ (1) (ف، ك) في هذا الموضع: «توجد»، وفي الموضع الثاني (ف، ق): «توجد»، (ك): «يوجد». (2) (ف، ك): «فيها بتعلقاتها». (3) (ف): «التعليقات ... للتعلقات». (4) (ق): «فتعين». (5) «متعلقان» ليست في (ف)، و (ق، ك): «معينان متعلقان» ووضع في (ك) خطًّا على «معينان» ثم كتب في الهامش: لعله متعلقان .. (6) (ق): «والشكر ... »، و «عليه» ليست في (ف). (7) تقدم التعريف به (ص 145). (8) (ف، ك): «المتعلق». (9) (ف): «تشبيه».

(الكتاب/158)


فقال الشيخ تقي الدين: قولك: «ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية»، ليس على العموم، بل قد يكون للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية (1)، [وقد لا يكون، وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين: ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية] (2). ثم الصفات المتعلِّقة نوعان: أحدهما: إضافة محضة، مثل الأبوَّة والبنوَّة والفوقية والتحتية، ونحوها. فهذه الصفة التي (3) يقال فيها: هي مجرّد نسبة وإضافة، والنِّسَب أمور عدمية. والثاني: صفة ثبوتية مضافة إلى غيرها كالحبّ والبغض، والإرادة والكراهة، والقدرة، وغير ذلك من الصفات، فإن الحبّ صفة ثبوتية متعلقة بالمحبوب. فالحب معروض للإضافة، بمعنى أن الإضافة صفة عرضَتْ له، لا أنَّ (4) نفس الحبّ هو الإضافة. ففرقٌ بين ما (5) هو إضافة وبين ما هو صفة مضافة، فالإضافة يقال فيها: إنها عَدَمية، وأما (6) الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب (7). _________ (1) «ليس على ... ثبوتية» سقط من (ف). (2) مابين المعكوفين سقط من الأصل، وهو انتقال نظر. (3) (ف، ك): «هي التي». (4) (ق): «لأن». (5) (ف، ك): «بينهما» وفي هامش (ك): لعله «بينهما» في الموضعين. (6) (ط): «قال: وأما». (7) «كالحب» ساقطة من (ق). وفي (ك) تكررت عبارة: «وأما الصفة ... كالحب».

(الكتاب/159)


قال ابن المُرحِّل: الحبُّ أمر عَدَميّ؛ لأن الحبّ نسبة، والنِّسَب (1) عدميّة. قال الشيخ تقيّ الدين: كون الحب والبغض والإرادة والكراهة أمرًا عدميًّا باطلٌ بالضرورة، وهو خلاف إجماع العقلاء. ثمّ هو مذهبُ بعض المعتزلة في إرادة الله؛ فإنه (2) زعم أنها صفة سلبية، بمعنى أنه غير مغلوب ولا مُسْتَكره، وأطبق الناسُ على بطلان هذا القول. وأما إرادة المخلوق وحبّه وبُغْضه فلم نعلم أحدًا من العقلاء قال: إنه أمرٌ (3) عدميّ. فأصرَّ ابنُ المُرحِّل على أن الحبّ الذي هو ميل القلب إلى المحبوب أمر عدمي، وقال: المحبة أمر وجودي. قال الشيخ تقي الدين: المحبّة هي الحبّ، فإنه يقال: أحبّه وحبّه حبًّا ومحبّةً، ولا فرق، وكلاهما مصدر. قال ابن المُرحِّل: وأنا أقول: إنهما إذا كانا مصدَرَين فهما أمرٌ عَدَميّ. قال له الشيخ تقي الدين: الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتمّ، وكون الحبّ والبغض أمرًا وجوديًّا معلومٌ بالاضطرار، فإنّ كلَّ أحدٍ يعلم أن الحيَّ إن (4) كان خاليًا عن الحبّ كان هذا الخُلوّ (5) صفةً _________ (1) الأصل: «والنسبة». (2) تكررت في الأصل. (3) ليست في (ف، ك). (4) (ف): «إذا». (5) (ف، ك): «الخلق».

(الكتاب/160)


عدمية، فإذا صار محبًّا فقد تغير الموصوف وصار له صفة ثبوتية (1) زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحبّ، وهو (2) يحس ذلك من نفسه [ق 44]، يجده كما يجد شهوته ونُفْرته، ورضاه وغضبه، ولذَّته وألَمَه. ودليل ذلك: أنك تقول: أحبَّ يُحب محبَّة، ونقيض «أحبّ»: لم يحب، و «لم يحب» صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات. قال ابن المُرحِّل: هذا ينتقض بقولهم: امتنع يمتنع، فإنّ نقيض الامتناع: لا امتناع، [والامتناع] (3) صفة عدمية. قال الشيخ تقي الدين: الامتناع أمرٌ اعتباري عقلي، فإنّ الممتنع ليس (4) له وجود خارجي حتى تقوم به صفة، وإنما هو معلوم بالعقل باعتبار (5) كونه معلومًا له ثبوتٌ علمي. وسَلْب هذا الثبوت العلمي: عدم هذا الثبوت، فلم يَنْقُضْ هذا قولَنا: نقيض العدم ثبوت. وأما الحبّ فإنه صفة قائمة بالمحبّ، فإنك تشير إلى عينٍ خارجةٍ وتقول: هذا الحيّ صار محبًّا بعد أن لم يكن محبًّا، فتخْبِر عن الوجود الخارجي بصفةٍ (6)، فإذا كان نقيضها عدمًا خارجيًّا، كانت وجودًا (7) خارجيًّا. _________ (1) ليست في (ق). (2) (ف، ك): «ومن». (3) سقطت من الأصل. (4) سقطت من (ق). (5) (ف، ك): «وباعتبار». (6) ليست في (ك). (7) (ف): «وجوديًّا».

(الكتاب/161)


وفي الجملة فكون الحبّ والبغض صفةً ثبوتيةً وجودية معلوم بالضرورة، فلا يُقبل فيه نزاع ولا يُناظَر صاحبه إلا مناظرة السّوفسطائية. قلت: وإذا كان الحبُّ والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلقة بالغير صفاتٍ وجودية، وظهر الفرقُ بين الصفات التي هي إضافة ونسبة، وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة، فالحمد والشكر من القسم الثاني. فإن الحمد أمر وجوديّ متعلِّق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلقة بالغير، وتلك الصفة داخلة في حقيقتهما. فإذا كان متعلَّق أحدهما أكبر (1) من متعلَّق الآخر، وذلك التعلق إنما هو (2) عارض لصفة ثبوتية لهما = وجبَ ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما. والدليل على هذا: أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر، فعُلِم أن تصوّر متعلَّق الشكر داخل في تصوّر الشكر. قلت: ولو قيل: إنه ليس هذا إلا أمرًا عدميًّا فالحقيقة إن كانت مركَّبة من وجودٍ وعدم، وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة، كما أنَّ من عرَّف الأبَ من حيث هو أب، فإنّ تصوّره موقوف على تصوّر الأبوَّة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأبُ أمرًا وجوديًّا. فالحمد والشكر متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وإن لم يكن _________ (1) (ق): «أكثر». (2) سقطت من (ف، ك).

(الكتاب/162)


هذا التعلُّق عارضًا (1) لصفة ثبوتية، فلا يُفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا التعلّق، كما لا يُفهَم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوَّة، الذي هو التعلق. وكذلك الحمد والشكر أمران متعلّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه. وهذا التعلُّق جزء من هذا المسمى، بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد، ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر. فإذا كان فهمهما موقوفًا على فهم متعلَّقهما، فوقوفه على فهم التعلّق أولى، فإن التعلّق فرع على المتعلّق وتبع (2) له، فإذا توقَّف فهمهما على فهم المتعلّق الذي هو أبعد عنهما من التعلق، فتوقّفه على فهم المتعّلق (3) أولى، وإن كان المتعلّق أمرًا عدميًّا، والله سبحانه أعلم. [ق 45] مبحث ثالث ادّعى مُدّعٍ أن قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] عامٌّ (4) في كلِّ ما يسمّى بيعًا. قال له الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة: قوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} قد أُتْبع بقوله: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} وعامة أنواع الربا يسمى بيعًا، والربا إنْ كان اسمًا مجملًا فهو مجهول، واستثناء المجهول من المعلوم يوجب جهالة _________ (1) (ف، ك): «المتعلق» وكذا مابعدها، و (ك): «عارض». (2) الأصل: «ومنع»! (3) (ف، ك): «التعلق» وكذا ما بعدها. (4) «عام» ليست في (ب، ق).

(الكتاب/163)


المستثنى (1)، فيبقى المراد إحلال (2) البيع الذي ليس بربًا. فما لم يثبت أن الفرد المعيّن ليس بربًا لم يصحّ إدخاله في البيع الحلال، وهذا يمنع دعوى العموم. وإن كان الربا اسمًا عامًّا فهو مستثنًى من البيع أيضًا، فيبقى البيع لفظًا مخصوصًا، فلا يصح ادعاء العموم على الإطلاق فيه (3). قال ابن المُرحِّل: هذا من باب التخصيص، وهنا عمومان تعارضا، وليس من باب (4) الاستثناء، فإنّ صِيَغ الاستثناء معلومة، وإذا كان هذا تخصيصًا لم يُمنع ادعاء العموم فيه. قال الشيخ تقي الدين: هذا كلام متصل بعضه ببعض، وهو من باب التخصيص المتصل، وتسميه الفقهاء: استثناء، كقوله: له هذه الدار ولي منها هذا البيت، فإن هذا بمنزلة (5): إلا هذا البيت، وكذلك لو قال: أكرم هؤلاء القوم ولا تكرم فلانًا، وهو منهم، كان بمنزلة قوله: إلا فلانًا، وإذا كان كذلك صار بمنزلة قوله: أحلَّ (6) الله البيع إلا ما كان منه ربًا. فمن ادعى بعد هذا أنه عامّ في كلّ ما يسمى بيعًا فهو مخطئ. قال ابن المُرحِّل: أنا أسلِّم أنه إنما هو عامّ في كل بيع لا يسمى ربًا. _________ (1) (ق، ف، ك): «المستبقى». (2) (ق): «حلال». (3) ليست في (ك) (4) «التخصيص ... من باب» سقط من (ف). (5) (ق، ف، ك) زيادة: «قوله». (6) (ف، ك): «وأحل».

(الكتاب/164)


قال له الشيخ تقي الدين: وهذا كان المقصود، لكن (1) بطل بهذا دعوى عمومه على الإطلاق، فإن دعوى العموم على الإطلاق تنافي (2) دعوى العموم في بعض الأنواع دون بعض، وهذا كلام بيِّن. وادعى مدّع أن فيه قولين، أحدهما: أنه عام مخصوص، والثاني: أنه عموم مراد. فقال الشيخ تقي الدين: فإنَّ دعوى أنه عموم مراد، باطل قطعًا، فإنّا نعلم أن كثيرًا من أفراد البيع حرام. فاعترض ابنُ المُرحِّل بأن تلك الأفراد حُرِّمت بعد ما أُحِلّت، فيكون نسخًا. قال الشيخ تقي الدين: فيلزم من هذا أن لا نحرم شيئًا من البيوع بخبر واحد ولا بقياس، فإنّ نسخ القرآن لا يجوز بذلك، وإنما يجوز تخصيصه به، وقد اتفق العلماء (3) على التحريم بهذه الطريقة. قال ابن المُرحِّل: رجعتُ عن هذا السؤال، لكن أقول: هو عموم مراد في كلِّ ما يسمى بيعًا في الشرع، فإن البيع من الأسماء المنقولة إلى كل بيع صحيح شرعي. قال الشيخ تقي الدين: «البيع» ليس من الأسماء المنقولة، فإن مسماه في الشرع والعرف هو المسمى اللغوي، لكنَّ الشارع اشترط لِحِلّه وصحته _________ (1) (ف، ك): «ولكن». (2) (ق، ف، ك): «ينافي». (3) (ك): «الفقهاء».

(الكتاب/165)


شروطًا، كما قد كان أهلُ الجاهلية لهم شروط (1) أيضًا بحسب اصطلاحهم، وهكذا سائر أسماء العقود، مثل الإجارة والرهن والهبة والقرض والنكاح، إذا أريد به العقد وغير ذلك هي باقية على مسمّياتها، والنقل إنما يُحْتاجُ إليه إذا أحدث الشارعُ معاني لم تكن العربُ [ق 46] تعرفها مثل الصلاة والزكاة والتيمم، فحينئذٍ يحتاج إلى النقل، ومعاني هذه العقود ما زالت معروفة. قال ابن المُرحِّل: أصحابي قد قالوا: إنها منقولة. قال الشيخ تقي الدين: لو كان لفظ البيع في الآية المراد به البيع الصحيح الشرعي لكان التقدير: أحلّ الله البيع الصحيح الشرعي، أو أحل الله البيع الذي هو عنده حلال. وهذا مع أنه تكرر (2) فإنه يمنع الاستدلال بالآية، فإنا لا نعلم دخول بيع من البيوع في الآية حتى نعلم أنه بيع صحيح شرعي، ومتى علمنا ذلك استغنينا عن الاستدلال بالآية. قال ابن المُرحِّل: متى ثبت أنَّ هذا الفرد يسمى بيعًا في اللغة قلتُ: هو بيع في الشرع؛ لأن الأصل عدم النقل، وإذا كان بيعًا في الشرع دخل في الآية. قال الشيخ تقي الدين: هذا إنما يصح لو لم يثبت أن الاسم منقول، أما إذا ثبت (3) أنه منقول، لم يصحّ إدخال فردٍ فيه حتى يثبت أن الاسم (4) المنقول _________ (1) (ك): «شروطًا». (2) (ق، ف، ك): «تكرير». (3) (ق): «ثبتت». (4) «منقول ... أن الاسم» سقط من (ق).

(الكتاب/166)


واقع عليه، وإلا فيلزم من هذا أن كلَّ ما سمي في اللغة صلاة وزكاة وتيممًا وصومًا وبيعًا وإجارةً ورهنًا أنه يجوز إدخاله في المسمى الشرعي بهذا الاعتبار، وعلى هذا التقدير فلا يبقى فرقٌ بين الأسماء المنقولة وغيرها، وإنما يقال: الأصل عدم النقل إذا لم يثبت، بل متى ثبت النقل فالأصل (1) عدمُ دخول هذا الفرد في (2) الاسم المنقول حتى يثبت (3) أنه داخل فيه بعد النقل. قلت: أصل (4) هذه الأبحاث الثلاثة، وكل ما فيها (قلت) فإنه من كلام الشيخ تقي الدين قرَّره بعد المناظرة (5). _________ (1) الأصل: «والأصل». (2) (ف، ك): «في هذا». (3) الأصل: «ثبت». (4) (ق): «فليتأمل»، (ف، ك): «فلتُتامل»، والمثبت من الأصل. (5) هنا نهاية الاختصار في نسخة (ب) وبدايته ص 162.

(الكتاب/167)


[عودة إلى ترجمة شيخ الإسلام] وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (1) ــ في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ رحمه الله ــ: وله باعٌ طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، وقلَّ أن يتكلَّم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب (2) الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنَّف فيها واحتجَّ لها بالكتاب والسنة. ولما كان مُعتقلًا بالإسكندرية التمسَ منه صاحب سَبْتة أن يجيز له مرويَّاته، وينصّ (3) على أسماء جملة منها، فكتب في عشر ورقات جملةً من ذلك بأسانيدها من حفظه، بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر مُحَدِّث (4). وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معيَّن، بل بما قام الدليلُ عليه عنده. ولقد نَصَر السُّنةَ المَحْضة، والطريقةَ السلفية، واحتجَّ لها ببراهين ومقدّمات وأمور لم يُسْبَق إليها. وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجَسَر (5) هو عليها، حتى قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيدَ عليه، وبدَّعوه وناظروه وكابروه (6)، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحقَّ المرَّ _________ (1) في «الدرة اليتيمية»: (ص 40 ـ تكملة الجامع). (2) «الصحابة ... مذاهب» سقط من (ف). (3) (ق، ف): «وبيض». (4) (ق، ف، وجزء الذهبي) زيادة: «يكون». (5) في الأصل «وحسر» والحاء عليها علامة الإهمال تحتها حاء صغيرة. (6) (ب، ق): «وكاتبوه».

(الكتاب/168)


الذي أدَّاه إليه اجتهادُه، وحِدَّة ذهنه، وسَعَة دائرته في السنن والأقوال. مع ما اشتهر عنه (1) من الورع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله العظيم (2)، والتعظيم لحرمات الله. فجرى بينه وبينهم [ق 47] حَمَلات حربية، ووقائع شامية ومصرية، وكم من نوبةٍ قد رموه بها (3) عن قوسٍ واحدة، فينجِّيه الله! فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، قويُّ التوكُّل، ثابت الجأش، له أورادٌ وأذكار يُدْمِنها بكيفيَّةٍ (4) وجمعيّة. وله من الطرف الآخر محبُّون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء. وسائر العامةِ تحبُّه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه. وأما شجاعته؛ فبها تُضرب الأمثال، وببعضها يتشبَّه (5) أكابر الأبطال. فلقد أقامه الله في نوبة (6) غازان، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع _________ (1) (ب، ق، ف): «ومنه». (2) ليست في (ف، ك، وجزء الذهبي). (3) من الأصل. (4) الأصل: «بكفية»! (5) بقية النسخ: «تتشبّه». (6) (ف): «ولقد أقامه الله نوبة».

(الكتاب/169)


وخرج، واجتمع بالملك (1) مرتين، وبخطلوشاه (2) وببولاي (3). وكان قَبْجَق (4) يتعجَّب من إقدامه وجرأته على المغول. وله حِدّة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنَّه ليثٌ حَرِب (5). وهو أكبر من أن ينبِّه مثلي على نعوته، فلو حُلِّفْتُ بين الرُّكن والمقام لحَلَفتُ أنِّي ما رأيت بعيني مثله، ولا والله رأى (6) هو مثل نفسه في العلم! قلت: ما فعله الشيخ رحمه الله في نوبة غازان من جميع أنواع الجهاد، وسائر أنواع الخير؛ من إنفاق الأموال، وإطعام الطعام، ودفن الموتى، وغير _________ (1) هو ملك التتار غازان ــ والعامة تقول: قازان ــ محمود بن أرغون، سار سيرة جده الأعلى جنكيزخان، وهو صاحب الحملات المتكررة على بلاد المسلمين، آخرها معركة شقحب التي مُني فيها بالهزيمة، وتوفي على إثرها سنة (703). انظر «أعيان العصر»: (4/ 5 - 18)، و «الدرر الكامنة»: (3/ 212 - 214). (2) خطلوشاه ــ ويقال: قطلوشاه بالقاف ــ من كبار أمراء التتار، وهو مقدّمهم في وقعة شقحب المشهورة سنة (702) التي شارك فيها ابن تيمية، وهُزم فيها التتر هزيمة نكراء. قتل سنة (707). انظر «أعيان العصر»: (2/ 321 - 322)، و «الدرر الكامنة»: (2/ 85). (3) بولاي: أحد مقدمي التتار الذين حضروا مع غازان لغزو الشام. قال الصفدي: اسمه الصحيح «مولاي» وإنما الناس يُحرّفونه تهكّمًا به وبأمثاله. انظر «أعيان العصر»: (2/ 70 - 71). (4) قبجق المنصوري، أصله من المغل، وتذبذب أمره في الالتحاق بالمغول أو بالمسلمين، إلى أن استقر أمره على قتال المغول فأبلى حسنًا، وكان شجاعًا مقدامًا ت (710). انظر «أعيان العصر»: (4/ 61 - 72)، و «الدرر الكامنة»: (3/ 241 - 243). (5) قيدها في الأصل: «ليثُ حرب»، وفي (ف): «حُرِب». (6) (ف، وجزء الذهبي) والمطبوعة: «ما رأى». وبهذه الفقرة ينتهي كلام الذهبي.

(الكتاب/170)


ذلك، معروف مشهور. ثم بعد ذلك بعام سنة سبعمائة، لما قدم التتار إلى أطراف البلاد، وبقي الخلق في شدَّة عظيمة، وغَلَب على ظنّهم أن عسكر مصر قد ارتحلوا (1) عن الشام = ركب الشيخ، وسار (2) على البريد إلى الجيش المصري في سبعة أيام، ودخل القاهرة في اليوم الثامن، يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، وأطْلابُ المصريين داخلة، وقد دخل السلطان الملك الناصر. فاجتمع بأركان الدولة، واسْتَصْرخ بهم، وحضَّهم على الجهاد، وتلا عليهم الآيات والأحاديث، وأخبرهم بما أعدَّ الله للمجاهدين من الثواب، فاستفاقوا وقويت هممهم، وأبدَوا له العذر في رجوعهم مما قاسوا من المطر والبرد بيد عرش (3) ونودي بالغزاة، وقَوي العزمُ، وعظَّموه وأكرموه، وتردد الأعيان إلى زيارته. واجتمع به في هذه السنة الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد وسمع كلامه، وذُكِر أنهم سألوه عنه (4) بعد انقضاء المجلس فقال: هو رجل حُفَظَة (5). _________ (1) كذا في الأصل، وفي (ب، ق، ف، ك): «تخلوا». (2) الأصل و (ب، ق): «وساق». (3) (ب): «مد غرش»، (ف): «نيد عرس» ومهملة النقط في (ك)، و (ح): «يثد عرس». و (ط): «منذ عشرين»! والذي في المصادر «بَدْعَرش». انظر «ذيل مرآة الزمان»: (1/ 457) و «تاريخ الإسلام»: (52/ 100)، و «أعيان العصر»: (1/ 472)، غيرها. ويفهم من المصادر أنها قرية بقرب قاقون، إحدى محافظات طولكرم في فلسطين. انظر على الشبكة: www.palestineremembered.com (4) ليست في (ك). (5) يعني: كثير المحفوظ. وفي مصادر أخرى أنه قال لما اجتمع به: «رأيت رجلًا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد». «الجامع»: (ص 320، 335، 514).

(الكتاب/171)


قيل له: فهلَّا تكلَّمتَ معه؟ فقال: هذا رجل يحبُّ الكلام، وأنا أحبّ السكوت. ولقد أخبرني الذهبيّ عن الشيخ رحمه الله أنه أخبره أنّ ابنَ دقيق العيد قال له بعد سماع كلامه: ما كنت أظنُّ أن الله بقي (1) يخلق مثلك (2)! وفي اليوم السابع والعشرين من شهر جمادى المذكور، وصل (3) الشيخ إلى دمشق على (4) البريد. _________ (1) ليست في (ف). (2) والمعنى: ما كنت أظن أن سيأتي مثلك في العلم والحفظ، وهي نحو كلمة المزي وغيره: إنه لم ير مثله من نحو خمسمائة سنة. وهذه الكلمة جاءت في عدة مصادر بمثل سياق المؤلف، وأقربها إلى المعنى الذي ذكرته لفظ ابن كثير: «ما أظن بقي يُخلَق مثلك». انظر «الجامع»: (ص 417، 470، 484، 603، 671، 722). وإن كان الأولى ترك هذا اللفظ لما يوهم ظاهره. انظر «معجم المناهي اللفظية» (ص 488 ــ 489). (3) (ك): «وفي يوم ... »، و (ب): « ... والعشرين وصل». (4) (ف، ك): «على باب».

(الكتاب/172)


 [كتاب الشيخ في حادثة غزو التتار لبلاد الشام]

وكتب في هذه الحادثة كتابًا (1) وصورته (2): إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين. سلامٌ (3) عليكم ورحمة الله [ق 48] وبركاته، فإنَّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أَهْل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على صفوته من خلقه (4)، وخِيرته من بَرِيَّته محمد عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه (5) وسلم تسليمًا. أما بعد، فقد صدق الله وعدَه، ونصر عبدَه، وأعزَّ جندَه، وهزم الأحزابَ وحدَه، {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] والله تعالى يحقِّق لنا تمامَ الكلام (6) بقوله: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي _________ (1) من هنا إلى ص 233 مختصر في (ب) وقال ناسخها: «وذكر الشيخ شمس الدين رحمه الله مؤلف هذه الترجمة الكتاب بطوله حذفته من هذه النسخة للاختصار». (2) بعده في (ف، ك): «بسم الله الرحمن الرحيم [هذا (من ف وفي ك قبل البسملة)] صورة كتاب كتبه شيخ الإسلام علامة الزمان تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه». (3) (ك): «سلام الله». (4) (ف، ك): «خليقته». (5) ليست في (ق، ك)، و (ف): «وصحبه». (6) (ق): «لنا التمام».

(الكتاب/173)


قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 26 - 27]. فإنَّ هذه الفتنة التي ابتلي بها المسلمون مع عدُوِّهم (1)، العدوّ المفسد الخارج عن شريعة الإسلام، قد جرى فيها شبيهٌ بما جرى للمسلمين مع عدوّهم على (2) عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المغازي التي أنزل الله فيها كتابه، وابتلى بها نبيَّه والمؤمنين مما (3) هو أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا إلى يوم القيامة، فإنَّ نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - يتناولان (4) عموم الخلق بالعموم اللفظيّ والمعنويّ، أو بالعموم المعنويّ. وعهودُ الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخرَ هذه الأمة كما نالت أوَّلها. وإنما قصَّ الله علينا قَصَص مَن قبلنا من الأمم، لتكون عبرةً لنا فنشبِّه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المستأخرين شَبَه بما كان للمؤمن (5) من المستقدمين (6)، ويكون للكافر والمنافق من المستأخرين شَبَهٌ بما كان للكافر والمنافق من المستقدمين (7)، كما قال تعالى _________ (1) (ف، ك): «مع هذا»، وسقطت «هذا» من (ق). (2) (ق): «جرى شبيه ... للمسلمين على ... ». (3) (ف): «والمؤمنون ما»، و (ك): «ما». (4) (ف): «نبينا ولان» تحريف. (5) (ق): «للمؤمنين». (6) (ك): «المتقدمين». (7) (ك): «المتقدمين».

(الكتاب/174)


ــ لمَّا قصَّ قصة يوسف مفصَّلةً وأجمل ذكر قصص الأنبياء (1): {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} [يوسف: 111] أي هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة، كنحو ما يُذْكر في الحروب في (2) السِّيَر المكذوبة. وقال تعالى لما ذكر قصة فرعون: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات: 25 - 26]. وقال في سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مع أعدائه ببدرٍ وغيرها: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]. وقال تعالى في محاصرته لبني النضير: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]. فأمرنا أن نعتبر بأحوال المستقدمين (3) علينا من هذه الأمة، وممن (4) _________ (1) بعده في (ف، ك): «ثم قال». (2) (ف): «وفي». (3) (ك): «المتقدمين». (4) (ق، ف): «ومن».

(الكتاب/175)


قبلها [ق 49] من الأمم. وذكر في غير موضع أن سنته في ذلك سنة مُطَّرِدة وعادته مستمرة؛ فقال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ... } إلى قوله: {اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 60 - 62]. وقال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 22 - 23]. وأخبر سبحانه أنَّ دأب الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من المستقدمين. فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طَبَّقَ الخافقين خَبَرُها، واستطار في جميع ديار المسلمين (1) شرَرُها، وأطلع فيها النفاقُ ناصيةَ رأسه، وكَشَر فيها الكفرُ عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيه (2) عمود الكتاب أن يُجْتَثَّ ويُخْتَرم، وحَبْل الإيمان أن يُقْطَع (3) ويُصْطَلم، وعُقْر دار المؤمنين أن يحلّ بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفَجَرة التتار، وظنَّ المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنْ ما وعدهم الله ورسولُه إلا غرورًا، وأن لن ينقلب حزبُ الله ورسوله إلى أهليهم أبدًا، وزُيّن ذلك في قلوبهم، وظنوا ظنَّ السَّوء وكانوا _________ (1) (ك): «الإسلام». (2) (ف، ك): «فيها». (3) (ف، ك): «ينقطع».

(الكتاب/176)


قومًا بورًا. ونزلت فتنةٌ تركت الحليمَ (1) فيها حيران، وأنزلت الرجلَ الصاحي منزلةَ السَّكْران، وتركت الرجلَ اللبيبَ لكثرة الوَسْواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، وبقي (2) للرجل بنفسه شُغل عن أن يُغيث اللهفان. ومَيَّز الله فيها أهلَ البصائر والإيقان، مِنَ الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان. ورفع بها أقوامًا إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقوامًا إلى المنازل الهاوية، وكفَّر بها عن آخرين أعمالَهُم الخاطئة. وحَدَث من أنواع البلوى ما جعلها قيامةً مُختصرةً (3) من القيامة الكبرى، فإنَّ الناسَ تفرَّقوا فيها ما بين شقيٍّ وسعيد (4)، كما يتفرقون كذلك في اليوم الموعود. وفرَّ الرجلُ فيها من (5) أخيه وأمّه وأبيه؛ إذ كان لكلّ امرئ منهم (6) شأنٌ يغنيه، وكان من الناس من أقصى همته النجاةُ بنفسه، لا يَلْوي على ماله ولا ولده ولا غرسه (7)، كما أنَّ فيهم (8) من فيه قوة على تخليص الأهل والمال، وآخرُ فيه _________ (1) (ق): «الحكيم». (2) (ق، ف، ك): «حتى بقي». (3) (ك): «محتضرة». (4) في هامش الأصل: في نسخة «ومسعود» صح. (5) (ق، ف، ك): «عن». (6) (ق): «لكل منهم». (ف): «منهم يومئذٍ». (7) (ك): «عرسه». (8) (ق، ف): «منهم».

(الكتاب/177)


زيادةُ معونةٍ لمن هو منه ببال، وآخر منزلتُه منزلة الشفيع المطاع، وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع. ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعملُ الصالح (1)، والبرّ والتقوى، وبُلِيَت فيها السرائر، وظهرت الخبايا التي كانت تُكِنُّها (2) الضمائر، وتبيّن أنَّ البَهْرج من الأقوال والأعمال، يخون صاحبه أحوجَ ما كان إليه في المآل. وذمَّ سادتَه وكبراءَه من أطاعهم فأضلّوه السبيلا (3)، كما حمدَ ربَّه من صَدَق في إيمانه فاتخذ مع الرسول [ق 50] سبيلًا، وبان صدقُ ما جاءت به الآثارُ النبوية من الإخبار بما يكون، وواطأتها قلوبُ الذين هم في هذه الأمة محدَّثون، كما تواطأت عليه (4) المبشِّرات التي أُرِيَها المؤمنون، وتبيّن فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين، الذين لا يضرُّهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة. حيث تحزَّب الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين، وآخر خاذلٌ له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام. وانقسم الناسُ ما بين مأجور ومعذور، وآخر قد غرَّه بالله الغَرور، وكان هذا الامتحانُ تمييزًا من الله وتقسيمًا، {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 24]. _________ (1) (ق): «الخالص». (2) (ف): «ظهرت فيها ... »، (ق): «وظهرت الجنايا»، (ف، ك): «كانت تكتمها». (3) (ق): «السبيل». (4) (ف): «علم».

(الكتاب/178)


ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة: أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليُظْهِره على الدين كلِّه، وشرع له الجهاد إباحةً (1) أولًا ثم إيجابًا ثانيًا؛ لمَّا هاجر إلى المدينة وصار له فيها أنصار ينصرون الله ورسولَه، فغزا بنفسه - صلى الله عليه وسلم - مدَّة مُقامه بدار الهجرة ــ وهو نحو عشر سنين ــ بضعًا وعشرين غزوة، أوّلها بدر وآخرها غزوة (2) تبوك. أنزل الله في أول مغازيه سورة الأنفال، وفي آخرها سورة براءة، وجمع بينهما في المصحف ليشابه (3) أول الأمر وآخره، كما قال أمير المؤمنين عثمان لما سُئل عن القِران بين السورتين من غير فصل بالبسملة (4). وكان القتال منها في تسع غزوات. فأوَّل غزوات القتال بدر، وآخرها حُنَين والطائف. وأنزل الله فيهما (5) ملائكته، كما أخبرَ به القرآن، ولهذا (6) صار الناس يجمعون بينهما في القول، وإن تباعَدَ ما بين الغزوتين مكانًا وزمانًا. فإنَّ بدرًا كانت في شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ما بين المدينة ومكة، شاميَّ مكة. وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة. وحنين وادٍ قريب من الطائف شرقيّ مكة. _________ (1) بعدها في (ق، ف، ك): «له»، وكذا بعد «إيجابًا». (2) ليست في (ك). (3) (ف، ك): «لتشابه». (4) أخرجه أحمد (399)، وأبو داود (786)، والترمذي (3086)، والحاكم: (2/ 221)، وابن حبان (43). وحسنه الترمذي وصححه الحاكم وابن حبان. (5) (ق): «معه فيها»، (ف، ك): «فيها». (6) (ف): «بهذا».

(الكتاب/179)


ثم قَسَم النبي - صلى الله عليه وسلم - غنائمها (1) بالجِعِرَّانة، واعتمر عمرة الجِعِرّانة. ثم حاصر الطائف فلم يقاتله أهلُ الطائف زحفًا وصفوفًا (2)، وإنما قاتلوه من وراء جدار. وآخر (3) غزوةٍ كان فيها القتال زحفًا واصطفافًا هي غزوة حُنَين. وكانت غزوة بدر أول غزوة ظهر فيها المسلمون على صناديد الكفار، وقَتَل (4) الله وأَسَر رؤوسَهم مع قلة المسلمين وضعفهم، فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، ليس معهم إلا فَرَسان، وكان يَعْتَقِب الاثنان والثلاثة على البعير الواحد، وكان عدوّهم بقدرهم أكثر من ثلاث مرات في قوَّة وعُدّة وهيبةٍ (5) وخُيَلاء. فلما كان من العام المقبل غزا الكفارُ المدينةَ وفيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابهُ فخرج [ق 51] إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه (6) في نحوٍ من ربع الكفار، وتركوا عيالهم بالمدينة لم ينقلوهم إلى موضع آخر. وكانت أولًا الكَرَّة للمسلمين عليهم، ثم صارت للكفار (7)، فانهزم عامة عسكر المسلمين إلا نفرًا قليلًا حول النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم من قُتِل، ومنهم من جُرِح. وحَرَصوا على قتل النبي _________ (1) (ف): «غنائمًا». (2) (ف): «ولا صفوفًا». (3) (ق، ف، ك): «فآخر». (4) (ق): «وقتلهم». (5) (ف): «وهيئة». (6) «فخرج ... وأصحابه» سقط من (ف). (7) (ك): «لكفار».

(الكتاب/180)


- صلى الله عليه وسلم - (1) حتى كسروا رَباعيته، وشجّوا جبينه، وهشموا البيضةَ على رأسه، وأنزل الله فيها نحوًا من شطر سورة آل عمران، من قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121] إلى أن قال فيها: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]، وقال فيها: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152]، وقال فيها: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]. وكان الشيطان قد نَعَق في الناس: أنّ محمدًا قد قُتل، فمنهم من تزلزل لذلك فهرب، ومنهم من ثبت فقاتل، فقال الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]. وكان (2) هذا مثل حال المسلمين لما انكسروا في العام الماضي، وكانت هزيمة المسلمين في العام الماضي بذنوبٍ ظاهرة وخطايا واضحة؛ مِن فساد _________ (1) «منهم ... - صلى الله عليه وسلم - » سقطت من (ق). (2) (ق): «فكان».

(الكتاب/181)


النيّات، والفخر والخيلاء، والظلم والفواحش، والإعراض عن حكم الكتاب والسنة، وعن المحافظة على فرائض الله، والبغي على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة (1) والروم. وكان عدوُّهم في أول الأمر راضيًا منهم بالموادعة والمسالمة، شارعًا في الدُّخول في الإسلام. وكان مبتدئًا في الإيمان والأمان، وكانوا هم قد أعرضوا عن كثير من أحكام الإيمان = فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم بما ابتلاهم به ليُمَحِّص (2) الله الذين آمنوا ويُنِيبوا إلى ربِّهم، وليظهر من عدوِّهم ما ظهر منه (3) من البَغْي والمَكْر والنَّكْث، والخروج عن شرائع الإسلام، فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر وبعدوِّهم ما يستوجب به الانتقام. فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيَّتهم من الشرِّ الكبير ما لو يقترن (4) به ظَفَرٌ بعدوِّهم ــ الذي هو على الحال المذكورة ــ لأوجب لهم ذلك من فساد الدِّين والدنيا مالا يوصف. كما أن نَصْر الله للمؤمنين يومَ بَدْر كان رحمةً ونعمة (5)، وهزيمتهم يوم أُحدٍ كان باطنها رحمةً ونعمةً (6) على المؤمنين. _________ (1) أي: جزيرة ابن عمر التغلبي، وهي بلدة فوق الموصل، انظر «معجم البلدان»: (2/ 138). تقع الآن بجمهورية تركيا جنوب شرق الأناضول، على الحدود السورية. (2) (ق): «أن ابتلاهم به فيمحص». (3) ليست في (ق). (4) (ق): «اقترن». (5) (ك): «للمسلمين يوم ... »، (ق): «كان من رحمة الله ونعيمه». (6) (ف، ك): «نعمة ورحمة»، و «باطنها» ليست في (ك).

(الكتاب/182)


فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ فشكر الله كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء [ق 52] فصبر كان خيرًا له» (1). فلما كانت حادثةُ المسلمين عامَ أوَّل شبيهةً بأحدٍ، وكان بعد أُحد بأكثر من سنة ــ وقيل بسنتين ــ قد ابتلي المسلمون بغزوة الخندق= كذلك في هذا العام ابتُلي المسلمون (2) بعدوِّهم، كنحو ما ابتُلي المسلمون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الخندق، وهي غزوة الأحزاب التي أنزل الله فيها سورة الأحزاب. وهي سورة تضمَّنت ذِكْر هذه الغَزَاة التي نصر الله فيها عبدَه - صلى الله عليه وسلم - وأعزَّ فيها جندَه المؤمنين (3)، وهزم الأحزاب الذين تحزَّبوا عليهم وَحْدَه (4) بغير قتال، بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوِّهم. ذُكِرَ فيها خصائصُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحقوقُه وحُرْمتُه (5)، وحُرمة أهل بيته؛ لمَّا كان هو القلبُ الذي نصره الله فيها بغير قتال، كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء (6). وظهر فيها سرّ تأييد (7) الدين كما ظهر في غزوة الخندق، وانقسم الناس فيها كانقسامهم عام الخندق. _________ (1) أخرجه مسلم رقم (2999) من حديث صهيب رضي الله عنه بنحوه. (2) (ف، ك): «المؤمنون». (3) (ف، ك): «المؤمنون»، وصححها في الهامش من (ك). (4) (ك): «عليه»، و «وحده» ليست في (ق). (5) (ق): «ورحمته». (6) فوقها في الأصل حرف (حد) ينظر (7) (ف): «سواء، وأهل ظهر ... تأبيد».

(الكتاب/183)


وذلك أن الله تعالى منذ (1) بعثَ محمدًا وأعزَّه بالهجرة والنُّصرة؛ صار الناس ثلاثة أقسام: قسمًا مؤمنين، وهم الذين آمنوا به ظاهرًا وباطنًا. وقسمًا كفَّارًا، وهم الذين أظهروا الكفر به. وقسمًا منافقين، وهم الذين آمنوا به ظاهرًا لا باطنًا. ولهذا افتتح الله (2) سورة البقرة بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وثلاث عشرة آية في صفة المنافقين. وكلُّ واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشُعَب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وكما فسَّره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الحديث المأثور عنه في الإيمان ودعائمه وشُعَبه (3). فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدَّرْك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبيّ وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول، أو جحودَ بعض ما جاء به أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرَّة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوًّا لله ورسوله. _________ (1) (ق): «مذ». (2) لفظ الجلالة ليس في (ك). (3) أخرجه اللالكائي في «شرح الاعتقاد» رقم (1570)، وابن عساكر في «تاريخه»: (42/ 515). تفرد به سليمان بن الحكم وهو ضعيف، وذكره الذهبي في «الميزان»: (2/ 389) من منكراته.

(الكتاب/184)


وهذا القَدْر كان موجودًا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما زال بعده (1)، بل هو بعده أكثر منه على عهده (2)؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى. فإذا كانت مع قوَّتها كان النفاق (3) موجودًا، فوجوده فيما دون ذلك أولى. وكما أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم بعضَ المنافقين ولا يعلم بعضهم، كما بيَّنه قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] كذلك خلفاؤه بعده وورثته قد يعلمون بعضَ (4) المنافقين ولا يعلمون بعضًا (5). وفي المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون في الخاصة والعامة، ويسمّون الزنادقة. وقد اختلف العلماء في قبول توبتهم في الظاهر، لكون ذلك لا يعلم، إذ هم دائمًا يُظهِرون الإسلام، وهؤلاء يَكْثُرون في المتفلسفة [ق 53] من المنجِّمين ونحوهم، ثم في الأطباء، ثم في الكتّاب أقل من ذلك. ويوجدون في المتصوِّفة والمتفقِّهة و (6) المقاتلة والأمراء، وفي العامة أيضًا. ولكن يوجدون كثيرًا في نِحَل أهل البدع لاسيما الرافضة، ففيهم من _________ (1) ليست في (ق). (2) تحرفت في (ق): «هذه». (3) بعده في (ف، ق): «معها». (4) الأصل: «بعض»، و (ق): «ببعض». (5) الأصل: «بعضَ»، و (ف، ك، ح): «بعضهم». وسقطت من (ق). (6) (ف، ق، ك): «وفي».

(الكتاب/185)


الزنادقة والمنافقين، ما ليس في أحدٍ من أهل النِّحَل، ولهذا كانت الخُرَّمِيّة والباطنية والقرامطة والإسماعيلية والنُّصيرية، ونحوهم من المنافقين الزنادقة منتسبةً إلى الرافضة. وهؤلاء المنافقون ــ في هذه الأوقات ــ لكثيرٍ (1) منهم مَيل إلى دولة هؤلاء التتار؛ لكونهم لا يلزمونهم شريعة الإسلام، بل يتركونهم وما هم عليه. وبعضهم إنما ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم في الدنيا، واستيلائهم على الأموال، واجترائهم على الدِّماء والسبي، لا لأجل الدين. فهذا ضربُ النّفاق الأكبر. وأما النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها، مثل أن يكذب إذا حدَّث، أو (2) يُخْلِف إذا وعد، ويخون إذا ائتمن، أو يَفْجُر إذا خاصم، ففي «الصحيحين» (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (4) قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا وعَدَ أخْلَف، وإذا ائتمن خان». وفي رواية صحيحة: «وإن صام وصلَّى وزعم أنه مسلم». وفي «الصحيحين» (5) عن عبد الله بن عَمْرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَصْلة منهن كانت فيه خَصْلة من _________ (1) (ف): «كثير». (2) (ك): «و». (3) البخاري رقم (33)، ومسلم رقم (59) وقد تقدم. ووقع في (ك): «وإن صلى وصام». (4) ليست في (ق، ف، ك). (5) البخاري (34)، ومسلم (58). وقد تقدم.

(الكتاب/186)


النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد (1) أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَر». ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ مات ولم يغز ولم يحدِّث نفسَه بالغزو مات على شعبةٍ من نفاق» رواه مسلم (2). وقد أنزل الله سورة براءة التي تسمى «الفاضحة» لأنها فضحت المنافقين. أخرجاه في «الصحيحين» (3) عن ابن عباس قال: هي الفاضحة، ما زالت تنزل (ومنهم، ومنهم) حتى ظنوا أن لا يبقى أحدٌ إلا ذكر فيها. وعن المقداد بن الأسود قال: هي سورة البحوث؛ لأنها بحثت عن سرائر (4) المنافقين. وعن قتادة قال: هي المثيرة؛ لأنها أثارت مخازي المنافقين. وعن ابن إسحاق (5) قال: هي المُبَعْثرة. والبعثرة والإثارة متقاربان. وعن ابن عمر: أنها المُقَشْقِشَة؛ لأنها تبرئ من مرض النفاق. يقال: تَقَشْقَش المريضُ إذا برأ. وقال الأصمعي: وكان يقال لسورتي الإخلاص: المُقَشْقِشتان؛ لأنهما _________ (1) الأصل: «عاهد»، سبق قلم، والمثبت من النسخ الأخرى ومن مصادر الحديث. (2) رقم (1910) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (3) البخاري كتاب التفسير، باب الجلاء، ومسلم (3031). (4) (ق): «سائر». (5) الأصل: «أبي» خطأ، (ك): «ابن عباس».

(الكتاب/187)


يُبْرِئان من النفاق (1). وهذه السورة نزلت في آخر مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ غزوة تبوك ــ عام تسع من الهجرة، وقد عزَّ الإسلامُ وظهر، فكشف الله فيها أحوالَ المنافقين، ووصفهم فيها بالجُبْن وترك الجهاد، ووصفهم (2) بالبخل عن النفقة في سبيل الله، والشحِّ على المال. وهذان داءان (3) عظيمان: البُخْل والجُبْن (4). قال النبي - صلى الله عليه وسلم - [ق 54]: «شرُّ ما في المرء شحُّ هالع وجُبْن خالع» (5) حديث صحيح. ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار كما دل عليه قوله: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] وقال تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 16]. وأما (6) وصفهم بالجبن والفزع؛ فقال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ _________ (1) انظر لهذه الأسماء «الدر المنثور»: (3/ 376 - 377). (2) (ف): زيادة «فيها». (3) الأصل: «رذءان» (4) (ك): «الجبن والبخل». (5) أخرجه أحمد (8010، 8263)، وأبو داود (2511)، وابن حبان (3250)، والبيهقي: (9/ 170)، وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (6) (ق، ف، ك): «فأما».

(الكتاب/188)


مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 56 - 57]. فأخبر سبحانه أنهم وإن حلفوا أنهم من المؤمنين، فما هم منهم، ولكن يفزعون من العدوِّ فـ {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} يلجأون إليه مثل (1) المعاقل والحصون التي يفرُّ إليها من يترك الجهاد {أَوْ مَغَارَاتٍ} وهي جمع مغارة (2)، سُمّيت بذلك لأن الداخل يغور فيها أي: يستتر، كما يغور الماء. {أَوْ مُدَّخَلًا} وهو الذي يُتَكَلَّف الدخول إليه إما لضيق بابه أو غير (3) ذلك أي: مكانًا يدخلون إليه (4) ولو كان الدخول بِكُلْفة ومشقَّة {لَوَلَّوْا} عن الجهاد {إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أي: يسرعون إسراعًا لا يردُّهم شيء، كالفرس الجَمُوح الذي إذا حمل لا يردُّه اللجام. وهذا وصف منطبق على أقوامٍ كثيرين في حادثتنا، وفيما قبلها من الحوادث وبعدها. وكذلك قال في سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - : {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ} أي: فبُعدًا (5) لهم {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ _________ (1) (ك): «من». (2) سقطت (أو مغارات) من (ف)، و (ف، ك): «مغارة ومغارات سميت ... ». (3) (ق، ف، ك): «لغير». (4) (ف): «فيه». (5) (ف): «بعدًا».

(الكتاب/189)


صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 20 - 21]. وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] فحَصَر المؤمنين فيمن آمن وجاهد. وقال تعالى: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 44 - 45]. فهذا إخبارٌ من الله بأنّ المؤمن لا يستأذن الرسول في ترك الجهاد، وإنما يستأذنه الذي لا يؤمن. فكيف بالتارك من غير استئذان؟ ومن تدبر القرآن وجد نظائر هذا متضافرة على هذا المعنى. وقال في وصفهم بالشحِّ: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54]. فهذه حال من أنفق كارهًا، فكيف من (1) ترك النفقة رأسًا؟ ! وقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58]. _________ (1) (ف، ك): «بمن».

(الكتاب/190)


وقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [التوبة: 75 - 76]. [ق 55] وقال في السورة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34 - 35]. فانتظمت هذه الآية حالَ من أخذ المال بغير حقِّه، أو منعه عن مستحقِّه من جميع الناس؛ فإنَّ الأحبار هم العلماء، والرُّهبان هم العُبَّاد. وقد أخبر أنَّ كثيرًا منهم يأكلون أموالَ الناس بالباطل، ويَصدُّون أي: يُعرضون ويَمنعون، يقال: صدَّ عن الحق صدودًا وصدَّ غيره صدًّا (1). وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل، مِنْ وَقْفٍ أو عطيَّة على الدين، كالصِّلات (2) والنذور التي تُنْذَر لأهل الدين، ومن الأموال المشتركة كأموال بيت المال ونحو ذلك. فهذا فيمن يأكلُ المال بالباطل بشُبْهَة دين. _________ (1) لسيت في (ك). (2) (ف): «كالصلاة».

(الكتاب/191)


ثم قال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ} فهذا يندرج فيه مَن كَنَز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله، والجهادُ أحقُّ الأعمال باسم «سبيل الله» سواءً كان مَلِكًا أو مقدَّمًا أو غنيًّا أو غير ذلك. وإذا دَخَل في هذا ما كُنِز من المال (1) الموروث والمكسوب، فما كُنِز من الأموال المشتركة التي يستحقُّها عمومُ الأمة، ويستحقُّها (2) مصالحهم أَوْلى وأحْرى. *** فصل فإذا تبيَّن بعضُ معنى المؤمن والمنافق، فإذا قرأ الإنسان سورة الأحزاب، وعَرَف من المنقولات في الحديث والتفسير والفقه والمغازي كيف كانت صفةُ الواقعة التي نزل بها القرآن، ثمَّ اعتبر هذه الحادثة بتلك = وجد مصداق ما ذكرنا (3)، وأن الناس انقسموا في هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة، كما انقسموا في تلك، وتبيَّن له كثير من المتشابهات. افتتح الله السورة بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1] وذكر في أثنائها قوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا _________ (1) (ق): «في هذا الباب». (2) (ق، ف، ك): «ومستحقها». (3) (ق، ف): «ما ذكرناه».

(الكتاب/192)


(47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 47 - 48] ثم قال: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 2 - 3]. فأمره باتباع ما أُوحِي إليه من الكتاب والحكمة ــ التي هي سُنَّته ــ وبأن يتوكل على الله. فبالأول (1) تحقق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. وبالثانية تحقق قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. ومثل ذلك قوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. وهذا وإن كان مأمورًا به في جميع الدين، فإنَّ ذلك في الجهاد أَوْكَد؛ لأنه يحتاج إلى أن يُجاهد الكفار والمنافقين، وذلك لا يتمّ إلا بتأييد قويّ من الله، ولهذا كان الجهادُ سنام العمل، وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة. ففيه سنام المحبة كما في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ق 56] وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54]. وفيه سنام التوكُّل وسنام الصبر، فإنّ المجاهدَ أحوجُ الناس إلى الصبر والتوكل، ولهذا قال: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا _________ (1) الأصل: «فبأول» وهو سهو، وفي (ف، ك): «فبالأولى»، ومابعدها «الثانية».

(الكتاب/193)


حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 41 - 42] و {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]. ولهذا كان الصبر واليقين ــ الذي هو (1) أصل التوكّل ــ يوجبان الإمامة في الدين، كما دلَّ عليه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ (2) أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]. ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي مُحِيْطة بأبواب العلم، كما دلَّ عليه قوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]. فجعل لمن جاهد فيه هدايته جميع سُبله (3) تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر، فإنَّ الحقّ معهم؛ لأن الله تعالى قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (4). وفي الجهاد أيضًا: حقيقة الزُّهد في الحياة الدنيا (5). _________ (1) كذا في جميع الأصول. (2) الأصول: «وجعلناهم .. ». (3) (ق): «سبيله». (4) «فجعل لمن ... سبلنا» سقط من (ف، ك). (5) بعده في (ق، ف، ك): «وفي الدار الدنيا».

(الكتاب/194)


وفيه أيضًا: حقيقة الإخلاص، فإنَّ الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرِّياسة، ولا سبيل المال، ولا سبيل الحَمِيَّة، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدِّين كلّه لله (1). وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111]. والجنةُ اسمٌ للدار التي حَوَت كلَّ نعيم، أعلاه النظر إلى الله، إلى ما دون ذلك مما تَشْتهيه الأنفس وتَلَذُّ الأعين مما قد نعرفه وقد لا نعرفه، كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله: «أعْدَدْت لعباديَ الصالحين مالا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر» (2). فقد تبيَّن بعضُ أسباب افتتاح هذه السورة بهذا. ثم إنه قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9]. وكان مختصر (3) القصة: أن المسلمين تحزَّب عليهم (4) عامَّةُ المشركين الذين حولهم، وجاءوا _________ (1) (ق): «ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة ... »، وفي (ف، ك) تقديم وتأخير في الكلام. (2) أخرجه البخاري (3244)، ومسلم (2824) من حديث أبي هرير رضي الله عنه. (3) (ق): «مختصر هذه». (4) ليست في (ف).

(الكتاب/195)


بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين، فاجتمعت قريشٌ وحلفاؤها ومواليها من كنانة وأهل نجد والأحابيش، واجتمعَتْ غَطَفان وحلفاؤها (1) من بني أسد وأشْجَع وفَزارة وغيرهم من قبائل نجد. واجتمعت أيضًا اليهودُ من قُرَيظة والنضير، فإنّ بني النضير كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجلاهم قبل ذلك، كما ذكره الله في سورة الحشر، فجاءوا في الأحزاب إلى قُرَيظة، وهم متعاهدون (2) للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومجاورون له قريبًا من المدينة، فلم يزالوا بهم (3)، [ق 57] حتى نَقَضت قريظةُ العهد ودخلوا في الأحزاب، فاجتمعت هذه الأحزاب العظيمة، وهم بِقَدْر المسلمين مرَّات متعددة، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة، وهي مثل الجواسق، ولم ينقلهم إلى مواضع أُخر، وجعل ظهرهم (4) إلى سَلْع وهو الجبل القريب من المدينة من ناحية الغرب والشام، وجعل بينه وبين العدو خندقًا، والعدوُّ قد أحاط بهم من العالية والسافلة، وكان عدوًّا شديد العداوة، لو تَمَكَّن من المؤمنين لكانت نكايتُه فيهم أعظمَ النِّكايات. * وفي هذه الحادثة تحزَّب هذا العدوّ من مُغل وغيرهم من أنواع الترك، ومن فُرْس ومُسْتَعربة، ونحوهم من أجناس المُرْتدَّة، ومن نصارى من الأرمن وغيرهم، ونزل هذا العدوُّ (5) بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام _________ (1) «ومواليها ... وحلفاؤها» سقطت من (ف، ك) .. (2) (ق، ف، ك): «معاهدون». (3) ليست في (ف، ك). (4) (ف): «موضع آخر»، (ق): «جعل ظهورهم». (5) «من فعل ... العدو» سقطت من (ف).

(الكتاب/196)


والإحْجام، مع قِلَّة مَنْ بإزائهم من المسلمين، وقصدهم (1) الاستيلاء على الدار، واصطلام أهلها. كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المؤمنين (2). ودامَ الحصارُ على المسلمين عام الخندق ــ على ما قيل ــ بضعًا وعشرين ليلة، وقيل: عشرين ليلة. وهذا العدوُّ عَبَر الفراتَ سابع عشر ربيع الآخر، وكان أول انصرافه راجعًا عن حلب، لما رجع مُقَدَّمهم الكبير غازان بمن معه يوم الاثنين حادي أو ثاني عشر جمادى الأولى (3) يوم دخل العسكر ــ عسكر (4) المسلمين ــ إلى مصر المحروسة، واجتمع بهم الداعي، وخاطبهم في هذه القضية. وكان الله سبحانه وتعالى لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى، من الاهتمام والعزم= ألقى في قلوب عدوِّهم الرَّوعَ والانصراف. وكان عامَ الخندقِ بردٌ شديد، وريح شديدة منكرة، بها صَرَف الله الأحزاب عن المدينة، كما قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9]. وهذا (5) العام أكْثَرَ الله فيه الثلجَ والمطر والبَرْد، على خلاف أكثر _________ (1) (ف، ك): «ومقصودهم». (2) (ق): «أولئك بضواحي المدينة ودام ... ». (3) الأصل و (ق): «ثاني جمادى» (4) (ق): «دخل عسكر». (5) (ق، ف، ك): «وهكذا هذا».

(الكتاب/197)


العادات، حتى كره أكثر الناس ذلك، وكنّا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك، فإن لله فيه حكمةً ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله به (1) العدوَّ، فإنه كَثُر عليهم الثلج والمطر والبرد، حتى هلك من خيلهم ما شاء الله، وهلك أيضًا منهم من شاء الله، وظهر فيهم وفي بقية خَيلهم الضَّعْفُ (2) والعَجْزُ بسبب البرد والجوع = ما رأوا أنهم (3) لا طاقة لهم معه بقتال. حتى بلغني عن بعض كبار المقدَّمين في أرض الشمال (4) أنه قال: لا بيَّض الله وجوهنا، عدوُّنا في الثلج إلى شعره، ونحن نعودُ ولا نأخذهم! (5). وحتى علموا أنهم كانوا صيدًا للمسلمين لو يصطادونهم، لكن كان لله في تأخير (6) اصطيادهم حكمةٌ عظيمة. وقال الله في شأن الأحزاب: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 - 11]. _________ (1) (ق): «بها». (2) كذا في الأصل، وبقية النسخ: «من الضعف». (3) (ف): «أنه». (4) (ف، ك): «الشام». (5) (ك): «ونحن قعود ولا نأخذهم»، و (ق) مثلها لكن بدون الواو في «ولا نأخذهم»، (ق) كما هو مثبت، لكن شاركت (ف) في حذف الواو. (6) (ق): «لكن لله في تأخير ... »، (ف): «لكن لله في تأخير الله»، (ك): «لكن في تأخير الله ... ».

(الكتاب/198)


* وهكذا هذا العام؛ جاء العدوُّ من ناحيتي علوّ الشام، وشمالي (1) الفرات، وقِبْلي (2) الفرات؛ فزاغت الأبصارُ زيغًا عظيمًا [ق 58] وبلغت القلوب الحناجرَ لعظم البلاء، لاسيّما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وبِقُرْب (3) العدوِّ، وتوجُّهه إلى دمشق، وظنَّ الناس بالله الظنون (4): هذا يظنُّ أنه لا يقف قُدَّامهم أحد من جند الشام، حتى يصطلموا أهل الشام. وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم شرَّ كِسْرة، وأحاطوا بهم إحاطةَ الهالة بالقمر. وهذا يظنُّ أن أرض الشام ما بقيت تُسْكَن، ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذا يظن أنهم يأخذونها، ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، فلا يقف قُدّامهم أحد، فيحدِّث نفسَه بالفرار إلى اليمن ونحوها. وهذا ــ إذا أحسن ظنَّه ــ قال: إنهم (5) يملكونها العام، كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين. ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم، كما خرج ذلك العام. وهذا (6) ظنُّ خيارِهم. _________ (1) (ف، ك): «وهو شمالي». (2) (ف، ك): «وهو قبلي». (3) بقية النسخ: «وتقرب». (4) بقية النسخ: «الظنونا». (5) (ق): «وهذا أحسن ... إنهم لا ... ». (6) (ق): «هكذا».

(الكتاب/199)


وهذا يظنّ أنَّ ما أخبره به أهل الأثارة (1) النبوية، وأهل التحديث والمبشِّرات أمانيّ كاذبة، وخرافات لاغية (2). وهذا قد استولى عليه الرُّعب والفَزَع، حتى يمرُّ الظنُّ من فؤاده (3) مرَّ السَّحاب (4)، ليس له عقلٌ يتفهَّم ولا لسانٌ يتكلَّم. وهذا قد تعارَضَت عندَه الأمارات، وتقابلت عنده (5) الإرادات، لاسيما وهو لا يفرِّق من المبشِّرات بين الصادق والكاذب، ولا يميّز في التحديث بين المخطئ والصائب، ولا يعرف النصوصَ الأثرية معرفة العلماء، بل إما أن يكون جاهلًا بها أو قد سمعها سماعَ الغبراء (6). ثم قد لا يتفطَّن لوجوه دلالتها الخفيَّة، ولا يهتدي (7) لدفع ما يتخيَّلُ أنه معارض لها في بادِئ (8) الرويَّة. فلذلك استولت الحيرةُ على مَن كان مُتَّسِمًا بالاهتداء، وتراجمت به الآراءُ تراجمَ الصبيان بالحصباء= {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا _________ (1) كذا بالأصل و (ق) ويشهد له ما سيأتي في الصفحة التالية من قوله: « ... أهل الوراثة النبوية»، وفي (ف، ك): «الآثار». وتحتمل: «الإيالة» يعني: السياسة. وقد استخدمه شيخ الإسلام في مواضع، انظر «السياسة الشرعية» (ص 4 - بتحقيقي)، و «مجموع الفتاوى»: (22/ 463). (2) الأصل: «لاعبة» والمثبت من باقي النسخ. (3) بقية النسخ: «بفؤاده». (4) الأصل: «من السخاف» تحريف. (5) «الأمارات ... عنده» سقط من (ق). (6) (ق): «العيرا»، (ف): «وقد ... العبرا»، (ك): «العبر». (7) (ق): «يهدي». (8) في الأصل و (ق): «نادي» والمثبت من باقي النسخ.

(الكتاب/200)


شَدِيدًا} [الأحزاب: 11] ابتلاهم الله بهذا البلاء (1) الذي يُكَفِّر به خطيئاتهم (2)، ويرفع به درجاتهم، وزُلْزِلوا بما حصل (3) لهم من الرَّجَفات، ما استوجبوا به أعلى (4) الدرجات. قال الله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12]. * وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية، والخلافة الرِّسالية، وحزب الله المُحَدَّثون عنه، حتى حصل لهؤلاء التأسِّي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم. وأمّا الذين في قلوبهم مرض فقد تكرَّر ذكرُهم في هذه السورة، فذُكِروا هنا وفي قوله: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} [الأحزاب: 60]، وفي قوله: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]. وذكر الله مرضَ القلب في مواضع، فقال تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ _________ (1) (ف، ك): «الابتلاء». (2) (ق): «خطاياهم». (3) (ك): «يحصل». (4) (ف): «عليّ».

(الكتاب/201)


فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10]، وقال تعالى (1): {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} [الأنفال: 49]. والمرض في القلب كالمرض في الجَسَد، فكما أنَّ هذا هو ما أحالَه (2) عن الصِّحَّة والاعتدال من غير [موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال من غير] (3) أن يموت القلب، سواءٌ أفْسَد (4) إحساسَ [ق 59] القلبِ وإدراكَه، أو أفْسَد عملَه وحركَتَه. وذلك ــ كما فسّره هو (5) ــ من ضعف الإيمان؛ إمّا يُضْعِف (6) علم القلب واعتقاده، وإما يُضْعِف عملَه وحركته، فيدخل فيه مَنْ ضَعُفَ تصديقه ومَنْ غلب عليه الجُبْن والفزع، فإنَّ أدواء القلب؛ من الشهوة المحرَّمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك، كلها أمراض. وكذلك الجهل والشّكوك (7) والشبهات التي فيه. وعلى هذا فقوله: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32] هو إرادة الفجور، وشهوة الزنا ــ كما فُسِّرَ به (8) ــ ومنه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : «وأيُّ داءٍ أدوى _________ (1) «في قلوبهم ... تعالى» ليست في (ف، ك). (2) «ما» ليست في (ف، ك)، و (ف): «حاله». (3) ما بينهما ساقط من الأصل. (4) (ق): «فسد»، وكذا التي تليها. (5) (ق): «فسّروا به»، (ف، ك): «فسّروه». (6) الأصل: «إنّما»، وبقية النسخ: «بضعف» وكذا ما بعده. (7) الأصل و (ق): «الشكوى». والمثبت من باقي النسخ. (8) بقية النسخ: «فسّروه به».

(الكتاب/202)


من البُخل» (1)، وقد جعل الله كتابَه شفاءً لما في الصدور (2). وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «إنما شِفاءُ العِيِّ السؤال» (3)، وكان يقول في دعائه: «اللهمَّ إني أعوذُ بك من منكرات الأخلاق والأهْواء والأدْواء» (4). ولن يخاف الرجلُ غيرَ الله إلا لمرضٍ في قلبه، كما ذكروا أن رجلًا شكا إلى أحمد بن حنبل خَوفَه من بعض الوُلاة، فقال: لو صَحَحْتَ لم تخَفْ أحدًا (5). أي: خوفُك من أجل زوال الصِّحة من قلبك. ولهذا (6) أوجبَ الله على عباده أن لا يخافوا حِزْبَ الشيطان، بل لا يخافوا (7) غيره، فقال: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]. أي: يُخَوِّفكم أولياءَه. _________ (1) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (296) من حديث جابر بن عبد الله، والحاكم في «المستدرك»: (3/ 219) من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح على شرط مسلم. (2) الورقة (93 ب) من نسخة (ق) مشوشة الكتابة غير ظاهرة، ومثلها (ق 96 ب-97 أ). (3) أخرجه أحمد (3057)، وأبو داود (337)، وابن ماجه (572)، والدارمي (779)، وابن حبان (1314)، وغيرهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (4) أخرجه الترمذي (3591)، والحاكم: (1/ 532)، والطبراني في «الكبير»: (19/ 19)، وغيرهم من حديث قُطبة بن مالك رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط مسلم. (5) ذكر القصة عن أحمد شيخُ الإسلام في عدد من كتبه، انظر «الفتاوى»: (10/ 100، 28/ 36، 449)، وابن مفلح في «الآداب الشرعية»: (2/ 32 ــ الرسالة). (6) ليست في (ف). (7) (ف، ك): «يخافون».

(الكتاب/203)


وقال لِعموم بني إسرائيل تنبيهًا لنا: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40]. وقال: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44]، وقال (1): {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [البقرة: 150]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 3]، وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18]، وقالَ: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39]، وقال: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ... } إلى قوله: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} [التوبة: 13]. فدلَّت هذه الآية، وهي (2) قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأنفال: 49] على أنَّ المرضَ والنفاقَ في القلب يوجب الرَّيبَ في الأنْباءِ الصادقة التي توجِبُ أمْنَ (3) الإنسانِ من الخوف، حتَّى يظنوا أنها كانت غُرورًا لهم، كما وقع في حادثتنا هذه سواء. ثم قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مَقَامَ (4) لَكُمْ فَارْجِعُوا} _________ (1) (ف، ك): «قال لنا». (2) (ف، ك»: «وهو». (3) (ف، ك»: «كفر». (4) قرأ عامة القراء بالفتح (مَقام)، وقرأ حفص عن عاصم وحده بالضم (مُقام). انظر «المبسوط في القراءات العشر»: (ص 300) لابن مِهران. وقراءة الفتح هي التي ذكرها المؤلف كما هو واضح مما سيأتي.

(الكتاب/204)


[الأحزاب: 13]. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد عَسْكَرَ بالمسلمين عند سَلْعٍ، وجعل الخَنْدَق بينه وبين العدوِّ، فقالت طائفةٌ منهم: لا مَقَامَ لكم هنا لكثرة العدوِّ، فارجعوا إلى المدينة. وقيل: لا مَقام لكم على دين محمد فارجعوا [إلى دين الشرك وقيل: لا مَقام لكم على القتال] (1) فارجعوا إلى الاستيمان والاستجارة (2) بهم. وهكذا لما قَدِمَ (3) العدوُّ؛ مِنَ المنافقينَ مَنْ قال: ما بقيتِ الدَّولة الإسلامية تقوم، فينبغي الدُّخول في دولةِ التتار. وقال بعضُ الخاصَّة: ما بقيت أرضُ (4) الشام تُسْكَنُ، بل ننتقل (5) عنها إما إلى الحجاز واليمن، وإما إلى مصر. وقال بعضهم: بل المصلحةُ الاستسلام لهؤلاء، كما قد استسلم لهم أهلُ العراق، والدخولُ تحت حُكمهم. * فهذه [ق 60] المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأهل دِمَشْق خاصَّة والشام عامَّة: لا مُقام لكم بهذه الأرض. _________ (1) ما بينهما ساقط من الأصل. (2) الأصل: «الاستيمار» وبعده في (ف): «والاستخارة». (3) بقية النسخ: «قدم هذا ... ». (4) ليست في (ق). (5) (ق): «يُنْتقل».

(الكتاب/205)


ونفي المَقام بها أبلغ من نفي المُقام، وإن كانت (1) قد قُرئت بالضَّمِّ أيضًا (2). فإنَّ من لا (3) يقدرُ أنْ يقومَ بالمكان فكيف يُقيم فيه (4)؟ قال الله: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13]. كان قومٌ من هؤلاء المذمومين يقولون ــ والناسُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عند سَلْع داخل الخندق، والنساء والصبيان في آطام المدينة ــ: يا رسول الله إنّ بيوتنا عورة، أي مكشوفة، ليس (5) بينها وبين العدوّ حائل. وأصل العورة: الخالي الذي يحتاج إلى حفظ وسَتْر، يقال: اعورَّ مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره. ومنه: عورة العدوّ. وقال مجاهد والحسن: أي ضائعة، نخشى (6) عليها السُّرَّاق. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا ممّا يلي العدوّ، ولا نأمن على أهلنا، فأذَنْ لنا لنذهب إليها (7)، لحفظ النساء والصِّبيان (8). _________ (1) (ف، ك): «كان». (2) انظر الصفحة السابقة حاشية (3). (3) (ق): «لم». (4) (ك): «به». (5) (ف، ك): «فليس». (6) (ك): «يخشى». (7) (ف، ك): «فلا نأمن ... أن نذهب ... ». (8) أخرجها ابن جرير: (19/ 44)، وانظر «الدر المنثور»: (5/ 159).

(الكتاب/206)


قال الله تعالى: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ}؛ لأنَّ الله يحفظها {إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}، فهم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجُّون بحجَّة العائلة. * وهكذا أصاب كثيرًا من الناس في هذه الغَزاة، صاروا يفرُّون من الثغر إلى المعاقل والحصون، وإلى الأماكن البعيدة، كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلاّ حفظ العيال، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك. فقد كان يمكنهم جعلهم في حِصْن دمشق لو دنا العدوُّ، كما فعل المسلمون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد، فكيف بمن فرَّ بعد إرسال عياله (1)؟ قال الله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب: 14]. فأخبر أنه لو دُخِلَت عليهم المدينة من جوانبها، ثم طُلِبَت منهم الفتنة ــ وهي الافتتان عن الدين بالكفر، أو (2) النفاق ــ لأعطَوا الفتنةَ، ولجاءوها من غير توقُّف. * وهذه حالة (3) أقوام لو دَخَل عليهم هذا العدوُّ المنافق المجرم، ثم طُلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام ــ وتلك فتنةٌ عظيمة ــ لكانوا معه على ذلك، كما ساعدهم (4) في العام الماضي أقوام _________ (1) (ف): «إرساله». (2) (ق، ف): «و». (3) بقية النسخ: «حال». (4) (ق): «ساعدوهم».

(الكتاب/207)


بأنواعٍ من الفتنة في الدين والدنيا، ما بين ترك واجباتٍ، وفعل محرَّمات، إمّا في حقِّ الله، وإمّا (1) في حق العباد؛ كترك الصلاة، وشُرب الخمور، وسبِّ السَّلف، وسبِّ جنود المسلمين، والتجسُّس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين وحريمهم، وأخذ أموال الناس وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين (2) منهم، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا (3) عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} [الأحزاب: 15]. * وهذه حالة (4) أقوام عاهدوا ثم نكثوا قديمًا وحديثًا في هذه [ق 61] الغزوة؛ فإنّ العام الماضي وفي هذا العام ــ في أوّل الأمر ــ مِنَ الناس (5) من أصنافِ الناس مَنْ عاهد على أن يُقاتل ولا يفرَّ، ثم فرَّ منهزمًا لما اشتدّ الأمرُ. ثمَّ قال تعالى: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 16]. فأخبر الله أنّ الفرار لا ينفع لا من (6) الموت ولا من القتل، فالفرار _________ (1) «في حق الله وإما» سقطت من (ف). (2) (ف): «المؤمنين». (3) «كانوا» سقطت من الأصل. (4) بقية النسخ: «حال». (5) كذا في جميع الأصول، وغيَّر «من الناس» في المطبوع إلى «كان». (6) (ف): «لا ينفع من».

(الكتاب/208)


من الموت كالفرار من الطاعون، ولذلك (1) قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» (2). والفرارُ من القتل كالفرار من الجهاد. وحرف «لن» ينفي الفعل في الزمن المستقبل، والفعلُ نكرة، والنكرةُ في سياق النفي تعمُّ جميع أفرادها، فاقتضى ذلك: أنّ الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة (3) أبدًا. وهذا خبر الله الصادق، فمن اعتقد أنّ ذلك منفعة فقد كذَّبَ الله في خبره. * والتَّجربة تدلُّ على مثل ما دلّ عليه القرآن، فإنَّ هؤلاء الذين فرُّوا في هذا العام لم ينفعهم فرارُهم، بل خسروا الدِّين والدنيا، وتفاوتوا في المصائب. والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدِّين والدنيا، حتَّى الموت الذي فرُّوا منه كَثُرَ فيهم، وقلَّ في المقيمين، فمات مع الهرب مَن شاء الله. والطالبون للعدوِّ والمعاقبون لهم لم يمت منهم أحد ولا قُتِل، قلَّ الموتُ جدًّا في البلد (4) من حين خرج الفارُّون (5). وهكذا سُنَّة الله قديمًا وحديثًا. ثم قال تعالى: {وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا}، يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياةً قليلة ثم تموتون، فإنّ الموت لا بُدَّ منه. وقد حُكِيَ عن بعض الحمقى أنَّه قال: فنحن نريد ذلك القليل! _________ (1) (ف، ق): «وكذلك». (2) أخرجه البخاري (5729)، ومسلم (2219) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (3) في هامش (ك): نسخة «ينفعه». (4) (ك): «بل الموت قل في البلد»، و (ف): «بل الموت جدًّا بالبلد». (5) الأصل: «الغازون» خطأ.

(الكتاب/209)


وهذا جهلٌ منه بمعنى الآية، فإنّ الله لم يقل: إنّهم يُمتَّعون بالفرار قليلًا، لكن (1) ذكر أنه لا منفعة فيه أبدًا. ثم ذكر جوابًا ثانيًا: أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل (2). ثم إنّه ذكر جوابًا ثالثًا: وهو أنّ الفارَّ يأتيه ما قُضِي له من المضرَّة، ويأتي الثابت ما قُضِي له من المسرَّة، فقال: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 17]. ونظيره قوله في سياق آيات الجهاد: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]، وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156]. فمضمون الأمر: أنّ المنايا محتومة، فكم ممّن حضر الصفوف فسلم، وكم ممَّن (3) فرَّ من المنيَّة فصادفته. كما قال خالد بن الوليد لمّا احْتُضِر: «لقد حضرتُ كذا وكذا صفًّا (4)، وإنّ ببدني (5) بضعًا وثمانين، ما بين ضَرْبة بسيف، _________ (1) (ف، ك): «لكنه». (2) بهامش (ك): «لعله قليلًا». (3) «حضر ... ممن» سقط من (ف). (4) «صفًّا» ليست في (ق) (5) في هامش الأصل: «نسخة: جسدي».

(الكتاب/210)


وطَعْنة برمح، ورَمْية بسهم. وهأنذا أموت (1) على فراشي كما يموت العَيْرُ (2). فلا قرَّت أعينُ الجبناء» (3). ثم قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: 18]. قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق [ق 62] فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحدٌ قالوا له: ويحك، اجلس فلا تخرج. ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أنِ ائتونا بالمدينة فإنّا ننتظركم، يُثبِّطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بُدًّا، فيأتون العسكر ليرى الناسُ وجوهَهم، فإذا غُفِلَ عنهم عادوا إلى المدينة. فانصرف بعضهم من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ، فقال له (4): أنت ههنا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الرماح والسيوف؟ ! فقال: هلُمَّ إليَّ، فقد أُحيط بك وبصاحبك. فوصف المثبِّطين (5) عن الجهاد وهم صنفان؛ لأنّهم إمّا أن (6) يكونوا في بلد الغُزاة أو في غيره، فإن كانوا فيه عَوَّقوهم عن الجهاد بالقول أو بالعمل أو _________ (1) (ف): «وها أموت». (2) (ف): «العنز»، (ك): «الغز» وفسرها في الهامش: هو «حمار الوحش». (3) أخرجه الدينوري في «المجالسة»: (3/ 194)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (16/ 273). (4) «له» ليست في (ف، ك). (5) الأصل: «المتثبطين»، والمثبت من باقي النسخ. (6) (ف): «لإنهم إنما» (ك): «إنما أن».

(الكتاب/211)


بهما. وإن كانوا في غيره راسلوهم و (1) كاتبوهم بأن يخرجوا إليهم من بلد الغُزاة؛ ليكونوا معهم بالحصون أو بالبُعد، كما جرى في هذه الغزاة. فإنَّ أقوامًا في العسكر والمدينة وغيرهما (2) صاروا يُعوِّقون من أراد الغزو، وأقوامًا بعثوا من المعاقل والحصون أو غيرها إلى إخوانهم: هلُمَّ إلينا. قال الله تعالى فيهم: {وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ}. أي: بخلًا (3) عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل الله. وقالوا: بخلًا عليكم بالخير والظَّفَر والغنيمة (4). وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شحَّ عليهم بفضل الله؛ من نَصْره ورزقه الذي يُجريه بفعل غيره. فإنَّ أقوامًا يَشُحُّون بمعروفهم، وأقوامًا يشُحُّون بمعروف الله وفضله، وهم الحُسَّاد. {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19] من شدة الرُّعب الذي في قلوبهم يُشْبِهون المُغْمى عليه وقت النّزْع، فإنَّه يخاف ويذهل عقله، ويَشْخَص بصره ولا يَطْرِف، فكذلك هؤلاء؛ لأنّهم يخافون القتل. {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}. _________ (1) (ف، ك): «أو». (2) بقية النسخ: «وغيرها». (3) (ق): «قالوا: بخلًا»، (ف، ك): «بخلاء» وكذا ما بعدها في (ك). (4) انظر تفسير الطبري: (19/ 51 - 52).

(الكتاب/212)


ويقال في اللغة: «صلقوكم» وهو رفع الصوت بالكلام المؤذي. ومنه: «الصالقة» وهي التي ترفع صوتها بالمصيبة. يقال: سَلَقه، وصَلَقه (1) ــ وقد قرأ طائفة من السَّلف بها، لكنها خارجةٌ عن المصحف (2) ــ إذا خاطبه خطابًا شديدًا قويًّا. ويقال: «خطيب مِسْلاق»، إذا كان بليغًا في خطبته. لكنَّ الشدَّة هنا في الشرِّ لا في الخير، كما قال: {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ}. وهذا السَّلق بالألسنة الحادّة (3) يكون بوجوه: تارةً يقول المنافقون للمؤمنين (4): هذا الذي جرى علينا بشؤمكم، فإنّكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم. فإنَّ هذه (5) مقالةُ المنافقين للمؤمنين من الصحابة. وتارةً يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمُقام هنا، والثبات بهذا بالثَّغْر إلى هذا الوقت، وإلاّ فلو كنَّا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا. وتارة يقولون: أنتم مع قِلَّتكم وضَعْفكم تريدون أن تكسروا العدوَّ، وقد غرَّكم دينكم، كما قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ [ق 63] دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49]. _________ (1) (ك): «صلقه وسلقه». (2) انظر «معاني القرآن»: (2/ 339) للفراء، وتفسير القرطبي: (14/ 101). (3) بعده في (ف، ك): «وهذا». (4) ليست في (ف). (5) بقية النسخ: «هذا».

(الكتاب/213)


وتارةً يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم! تريدون أن تُهلِكُوا أنفسكم والناسَ معكم. وتارةً يقولون أنواعًا من الكلام المؤذي الشديد، وهم مع ذلك أشحَّةٌ على الخير، أي: حِراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم. قال قتادة: إذا (1) كان وقت قِسْمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون: أعطونا، فلستم بأحقَّ بها منَّا. فأمَّا عند البأس (2) فأجْبَنُ قومٍ وأخذلهم للحقّ. وأما عند الغنيمة فأشحُّ قومٍ. وقيل: {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} أي: بُخلاء به، لا ينفعون، لا بنفوسهم ولا بأموالهم. وأصلُ الشُّحِّ: شدّة الحرص الذي يتولَّد عنه البخل والظلم؛ من مَنْع الحقِّ، وأخذ الباطل، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إيّاكم والشحَّ، فإنَّه (3) أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبُخل فبَخِلوا، وأمرهم بالظُّلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» (4). فهؤلاء أشحَّاءُ على إخوانهم، أي: بُخلاءُ عليهم، وأشحَّاءُ على الخير، _________ (1) (ف، ك): «إن». (2) الأصل: «الناس» تصحيف، والمثبت من النسخ. (3) (ف، ك): «فإن الشح». (4) أخرجه أحمد (6487)، وأبو داود (1698)، والنسائي في «الكبرى» (11519)، والدارمي (2516)، وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وروي أيضًا من حديث جابر وأبي هريرة.

(الكتاب/214)


أي: حِراصٌ عليه فلا يُنْفقونه، كما قال: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]. ثم (1) قال تعالى: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 20]. فوصفهم بثلاثة (2) أوصاف: الأول (3): أنَّهم لِفَرْطِ خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذه حالُ الجَبان الَّذي في قلبه مَرض، فإنَّ قلبَه يُبادرُ (4) إلى تصديق الخبر الَمخُوف، وتكذيبِ خبر الأمْن. الوصف الثاني: أنَّ الأحزابَ إذا جاءوا تَمنّوا أن لا يكونوا بينكم، بل يكونون في البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم: أيْشٍ خَبَرُ المدينة؟ وأيْشٍ جرى للناس؟ والوصف الثالث: أن الأحزابَ إذا أتوا وهم فيكم، لم يقاتلوا إلا قليلًا. * وهذه الصفات الثلاث منطبقةٌ على كثير من الناس في هذه الغزوة، كما يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه (5) منهم مَنْ خَبَرَهم. _________ (1) الأصل: «كما». (2) (ف): «فوصفهم الله ثلاثة». (3) (ف، ك): «أحدها». (4) (ق): «مبادر». (5) (ف، ك): «ويعرفونه».

(الكتاب/215)


ثم قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. فأخبر ــ سبحانه ــ أنَّ الذين يُبتلون بالعدوِّ، كما ابْتُلِي به (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلهم فيه إِسْوة حسنة، حيث أصابهم مثل ما أصابه، فليتأسَّوا به في التوكُّل والصَّبر، ولا يظنُّوا أنّ هذه المصائب نقمة لصاحبها (2) وإهانة له، فإنه لو كان كذلك ما ابتُلِي بها خير الخلائق، بل بها تُنالُ الدَّرجات العالية، وبها يُكَفِّرُ الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا. وإلاّ فقد ابتُليَ بذلك من ليس كذلك، فيكون في حقِّه عذابًا، كالكفار والمنافقين. ثمّ قال تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]. قال العلماء: كان الله قد أنزل في [ق 64] سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. فبيّن الله سبحانه ــ منكرًا على من حَسِب خلاف ذلك ــ أنّهم لا يدخلون الجنّة إلاّ بعد أن يُبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم بـ «البأساء» وهي الحاجة والفاقة؛ و «الضراء» وهي الوجع والمرض، و «الزلزال» وهي زلزلة العدوّ. _________ (1) ليست في (ك). (2) «به ... لصاحبها» سقط من (ف). و (ك): «هذه نقم لصاحبها».

(الكتاب/216)


فلمّا جاء الأحزابُ عام الخندق فرأوهم (1) قالوا: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}، وعلموا أنَّ الله قد ابتلاهم بالزلزال. وأتاهم مَثَل الذين من قبلهم، وما زادهم إلّا إيمانًا وتسليمًا لحكم الله وأمره. * وهذا حالُ أقوامٍ في هذه الغزوة قالوا ذلك. وكذلك قوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} [الأحزاب: 23]. أي: عهده الذي عاهد الله عليه، فقاتل حتى قُتِل أو عاش. «والنَّحبُ»: النَّذرُ والعهد ــ وأصله من النَّحِيْب (2)، وهو الصوت. ومنه: الانتحاب في البكاء ــ وهو الصوت الذي تكلَّم به في العهد. ثمّ لمّا كان عهدهم هو نَذْر (3) الصِّدق في اللقاء ــ ومن صَدَق في الِّلقاء فقد يُقتَل ــ صار يُفْهَمُ من قوله: {قَضَى نَحْبَهُ} أنه استُشْهِد، لاسيّما إذا كان النَّحْب (4) نَذْر الصّدق في جميع المواطن، فإنَّه لا يقضيه إلّا بالموت. وقضاءُ النَّحْب هو الوفاء بالعهد، كما قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} أي: أكمل الوفاء، وذلك لمن _________ (1) الأصل: «فزادهم». (2) (ف): «التنحب». (3) (ف، ك): «نذره». (4) (ق): «النحيب».

(الكتاب/217)


كان عهده مطلقًا بالموت أو القتل. ومنهم من ينتظر قضاءه إذا كان قد وفَّى البعضَ. فهو ينتظر إتمام (1) العهد. وأصل القضاء: الإكمال والإتمام (2). {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 24]. بيّن الله ــ سبحانه وتعالى ــ أنّه أتى بالأحزاب ليجزي (3) الصادقين بصدقهم، حيثُ صدقوا في إيمانهم، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]. فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين، وأخبر أنهم هم الصادقون في قولهم: آمنَّا. لا كما (4) قالت الأعراب: (آمنّا)، والإيمانُ لم يدخل في قلوبهم، بل انقادوا واستسلموا. وأمّا المنافقون فهم بين أمرين: إما أن يعذِّبهم، وإمّا أن يتوب عليهم. فهذا حالُ الناس في الخندق وفي هذه الغزاة (5). _________ (1) (ف، ك): «تمام». (2) (ف): «الإتمام والإكمال». (3) (ف، ك): «ليجزي الله». ومثلها في (ف) فيما يأتي بعد أسطر. (4) بقية النسخ: «لا من قال كما». (5) (ف): «الغزوة».

(الكتاب/218)


وأيضًا: فإنَّ الله ابتلى الناس بهذه الفتنة؛ ليجزي الصادقين بصدقهم، وهم الثابتون (1) الصابرون، لينصروا الله ورسوله، ويعذِّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم. ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلقٍ كثير من هؤلاء المذمومين (2)، فإنّ منهم من ندم، والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد «فتح الله للتوبة بابًا من قِبَل المغرب عرضُه أربعون سنةً، لا يُغلقه حتى تطلع الشمس من قِبَله» (3). وقد ذكر [ق 65] أهل المغازي ــ منهم ابن إسحاق ــ أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الخندق: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» (4) فما غزت (5) قريشٌ ولا غطفانُ ولا اليهودُ المسلمين بعدها، بل غزاهم المسلمون ففتحوا (6) خيبر، ثم فتحوا مكة. كذلك إن شاء الله هؤلاء الأحزابُ من المُغْلِ وأصناف التُّرْك، ومن الفُرس، والمُستَعْرِبة، والنصارى، ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة _________ (1) (ق، ف): «التايبون». (2) (ك): «ومن هذه المذمومين» وأشار في هامشه إلى نسخة فيها: «على خلق كثير من هؤلاء المؤمنين كذا». و (ف): «من هذه الفرقة». (3) هذا لفظ حديث أخرجه أحمد (18100)، والترمذي (3536) وغيرهما من حديث صفوان بن عسّال رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن صحيح. (4) أخرجه البخاري (4109) من حديث سليمان بن صُرَد رضي الله عنه. (5) (ف): «عبرت». (6) (ف، ك): «ففتح».

(الكتاب/219)


الإسلام = الآن نغزوهم ولا يغزونا. ويتوب الله على من يشاء (1) من المسلمين، الذين خالط قلوبَهم مرضٌ أو نفاق، بأن يُنيبوا إلى ربهم ويحسن ظنُّهم في الإسلام، وتقوى عزيمتهم على جهاد عدوِّهم. فقد أراهم الله من (2) الآيات ما فيه عبرةٌ لأُولي الأبصار، كما قال: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25]. فإنّ الله صَرَف الأحزابَ عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصَّبا ــ ريحٍ شديدةٍ باردةٍ ــ وبما فرَّق به بين قلوبهم، حتَّى شَتَّت شَمْلهم، ولم ينالوا خيرًا، إذ كان هِمّتُهم فتح المدينة والاستيلاء على الرسول والصحابة، كما كان همة هذا العدوِّ فتح الشَّام والاستيلاء على من بها من المؤمنين= فرَدَّهم الله بغيظهم، حيث أصابهم من الثَّلج العظيم، والبرد الشديد، والرِّيح العاصف، والجزع (3) المزعج، ما الله به عليم. وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التي وقعت في هذا العام، حتَّى طلبوا الاستصحاء غير مرَّة، وكنا نقول لهم: هذا فيه خِيْرَةٌ عظيمة، وفيه لله حكمة وسرٌّ فلا تكرهوه، وكان (4) من حكمته أنه ــ فيما قيل ــ أصاب غازان وجنودَه حتّى أهلكهم. وهو كان ــ فيما قيل ــ سبب رحيلهم، _________ (1) (ف، ك): «شاء». (2) (ك): «أراهم من». (3) كذا بالأصل، وفي (ق، ف، ك): «الجوع». (4) (ق): «تكرهونه ... »، (ف): «فكا»، (ك): «فكان».

(الكتاب/220)


وابتلي به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه (1) ممّن يفرّ عن طاعته وجهاد عدوِّه. وكان مبدأُ رحيل غازان فيمن معه من أرض الشام وأراضي (2) حلب يوم الاثنين، حادي عشر جمادى الأولى، يوم دخلت مصر (3) واجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ما ألقاه، فلمّا ثبَّت الله قلوبَ المسلمين صرف العدوَّ، جزاءً ومنَّةً (4)، وبيانًا أنّ النية الخالصة والهمَّة الصَّادقة ينصر الله بها، وإن لم يقع الفعل، وإن تباعدت الدِّيار. وذكر أنَّ الله تعالى فرَّق بين قلوب هؤلاء المُغْل والكرْج وألقى بينهم تباغضًا وتعاديًا، كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وغطفان، وبين اليهود. كما ذكر ذلك أهل المغازي (5). فإنّه لم (6) يتَّسع هذا المكان لأنْ نَصِفَ فيه قصة الخندق، بل من طالعها علم صحة ذلك، كما (7) ذكره أهل المغازي، مثل عروة بن الزبير، والزُّهريِّ، وموسى بن عُقبَة، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ، ومحمد بن إسحاق، والواقدي، وغيرهم. _________ (1) (ق): «وحكمته». (2) (ك): «أراضي»، (ف): «إلى أراضي». (3) بعده في (ف): «عقيب الأسكر»، و (ك): «عقيب العسكر». (4) في غير الأصل: «جزاءً مِنْه ... ». (5) انظر «السيرة النبوية»: (ق 2/ 3/230 - 231) لابن هشام. (6) سقطت من (ف). (7) (ف، ك): «كما قد».

(الكتاب/221)


ثم تبقّى بالشام (1) بقايا، سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم، مضافًا إلى عسكر حماة وحلب، وما هنالك. وثبت المسلمون بإزائهم، وكانوا أكثر من المسلمين بكثير، لكن في ضعف شديد، وتقرّبوا [ق 66] إلى حماة وأذلَّهم الله تعالى، فلم يَقْدموا على المسلمين قط، وصار من المسلمين من يريد الإقدام عليهم، فلم يوافقه غيره، فجرت مناوشات صغار، كما كان قد جرى (2) في غزوة الخندق، حيث قَتَل عليُّ بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ فيها عَمْرو بن عبد وُدٍّ العامريَّ لما اقتحم الخندق هو ونفرٌ قليل من المشركين. كذلك صار يتقرَّبُ بعضُ العدوّ فيكسرهم المسلمون، مع كون العدوِّ المتقرِّب أضعافَ من قد يسري (3) إليه من المسلمين، وما من مرّة إلا وقد كان المسلمون مستظهرين (4)، وساق المسلمون خلفهم في آخر النوبات، فلم يدركوهم إلا عند عبور الفرات، وبعضهم في جزيرةٍ فيها، فرأوا أوائلَ المسلمين فهربوا منهم وخالطوهم، وأصاب المسلمون بعضَهم (5). وكان عبورهم وخلوّ الشام منهم في أوائل رجب، بعد أن جرى ما بين عبور غازان أوَّلًا وهذا العبور رَجَفات ووَقَعات صغار، وعزمنا على الذهاب إلى حماة غير مرّة لأجل الغزاة، لمّا بلغنا أنّ المسلمين يريدون غَزْوَ الذين _________ (1) (ق، ف): «تبقى منهم ... »، (ك): «تبقى بالشام منهم». (2) (ق، ك): «كما قد كان يجري». (3) (ف، ك): «سرى». (4) (ف، ك): «مستظهرون». وكتب في هامش (ك): لعله «مستظهرين». (5) بعده في بقية النسخ: «وقيل: إنه غرق بعضهم».

(الكتاب/222)


بقوا، وثبت بإزائهم المقدَّم الذي بحماة ومن معه من العَسْكر، ومن أتاه من مَدَد (1) دمشق، وعزموا على لقائهم، ونالوا أجرًا عظيمًا. وقد قيل: إنهم كانوا عدة طمانات (2)، إما ثلاثة، أو أربعة، وكان من المقدَّر أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون الله يُلْقِي في قلوب عدوِّهم الرُّعبَ فيهربون، لكن أصابوا من البُليدَات (3) بالشَّمال مثل تيزين (4)، والفُوعة، ومعرَّة مَصْرِين، وغيرها ما لم يكونوا وَطِئوه في العام الماضي. وقيل: إنَّ كثيرًا من تلك البلاد كان فيهم مَيلٌ إليهم بسبب الرَّفض، وأنَّ عند بعضهم قرابين (5) منهم، لكن هؤلاء ظَلَمة، ومَنْ أعان ظالمًا بُلي به، والله تعالى يقول: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]. وقد ظاهروهم (6) على المسلمين: الذينَ كفروا من أهل الكتاب، من أهل سيس (7) والإفرنج. فنحن نرجو من الله أن يُنْزِلَهم من صياصيهم ــ وهي _________ (1) ليست في (ف، ك). (2) كذا بالأصل، وفي (ق): «ظمانات»، و (ك): «لحمانات»، وفي «الفتاوى»: (28/ 465): «كمانات». (3) (ف): «البلدان». (4) بالأصل: «تبريز»، و (ق): «نرامين» كلاهما تحريف. وكلّها من قرى حلب. انظر «معجم البلدان»: (2/ 66، 4/ 280، 5/ 155) على التوالي. (5) كذا في الأصل و (ق)، وفي (ف، ك): «فرامين» ولعله الأنسب، والفرامين جمع فرمان، وهو المرسوم السلطاني. انظر «معجم المصطلحات والألقاب التاريخية» (ص 338). (6) (ف، ك): «ظاهرهم». (7) سيسة وعامة أهلها يقولون: سيس. كانت من أعظم مدن الثغور الشامية بين أنطاكية وطرسوس. «معجم البلدان»: (3/ 297). وقال شيخ الإسلام ــ عن طرسوس وهي بأرض سيس ــ في «مجموع الفتاوى»: (13/ 183): «وكانت إذ ذاك أعظم ثغور بغداد ومن أعظم ثغور المسلمين، يقصدها أهل الدين من كل ناحية ويرابطون بها، رابط بها الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، والسّرِيّ السقطي، وغيرهما، وتولى قضاءها أبو عبيد، وتولى قضاءها أيضًا صالح بن أحمد بن حنبل، ولهذا ذُكِرت في كتب الفقه كثيرًا، فإنها كانت ثغرًا عظيمًا».

(الكتاب/223)


الحصون، ويقال للقرون: الصياصي ــ ويقذفَ في (1) قلوبَهم الرُّعبَ، وقد فعل. ويفتح (2) الله تلك البلاد، ونغزوهم إن شاء الله تعالى، فَنَفْتَح (3) أرض العراق وغيرها، وتعلو كلمةُ الله ويظهر دينُه. فإنّ هذه الحادثة كان فيها أمورٌ عظيمة جازت حدَّ القياس. وخَرَجت عن سَنَن العادة، وظهر لكلِّ ذي عقلٍ من تأييد الله لهذا الدين، وعنايته بهذه (4) الأمة، وحفظه للأرض (5) التي بارك فيها للعالمين، بعد أن كاد الإسلام أن (6)، _________ (1) «في» سقطت من (ك). (2) (ف، ك): «الرعب وقد فتح». (3) (ف، ك): «فيفتح». (4) (ف، ك): «لهذه». (5) (ق): «الأرض». (6) بعده في (ف، ك) بياض بمقدار كلمة، وكذا بعد قوله: «يلووا على» في (ف). وهذا اجتهاد من النسّاخ ظنًّا منهم أن كلمةً سقطت من النص، وإلى ذلك أشار ناسخ (ك) في هامش نسخته. وليس كذلك، بل هو من باب حذف الخبر إذا كان معلومًا، وهو أبلغ في الكلام، ليذهب في تقديره كلّ مذهب. كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى}. انظر: «خزانة الأدب»: (11/ 46). فتقدير الكلام: بعد أن كاد الإسلام أن يضعف أو يضمحل ... ومثلها في التقدير ما بعدها.

(الكتاب/224)


وكرَّ (1) العدوُّ كرَّةً فلم يَلْوِ عن، وخُذِلَ الناصرون فلم يلووا على، وتحيَّر السائرون فلم يدروا مِنْ ولا إلى، وانقطعت الأسبابُ الظاهرة، وأهطعت الأحزابُ القاهرة، وانصرفت الفئةُ الناصرة، وتخاذلت القلوب المتناصرة، وثبتت الفئة الصابرة، وأيقنت (2) بالنصر القلوبُ الطاهرة، واستنجزت من الله وعدَه للعصابة (3) المنصورة الظاهرة. ففتحَ الله أبوابَ سماواته لجنوده القاهرة، وأظهر على الحقّ آياته الباهرة، وأقام عمود الكتاب بعد ميله. وثبّت لواء الدين بقوّته وحوله، وأرغم معاطس أهل الكفر [ق 67] والنفاق، وجعل ذلك آيةً للمؤمنين إلى يوم التلاق. فالله تعالى يُتمُّ هذه النعمة بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل الطُّغْيان، ويجعل هذه المِنَّة الجسيمة مَبْدأً لكلِّ منحةٍ كريمة، وأساسًا (4) لإقامةِ الدعوة النبوية القويمة، ويشفي صدور المؤمنين من أعدائهم (5)، ويمكِّنهم من دانيهم وقاصيهم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على (6) محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا (7). _________ (1) كذا في النسخ، ورسمها في الأصل «ركز». (2) (ف، ك): «الناصرة وأيقن»، (ق): «وأيقن». (3) (ك): «العصابة». (4) (ق): «وأمنًا شاملًا». (5) (ف، ك): «أعاديهم». (6) (ف، ك): «على سيدنا». (7) ليست في (ف).

(الكتاب/225)


قال الشيخ (1) رحمه الله: كتبتُ أوّل هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده، لما رجعت من مصر في جمادى الآخرة، وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد، ثمّ لما بقيت تلك الطائفة اشتغلنا بالاهتمام بجهادهم، وقصد الذهاب إلى إخواننا بحماة، وتحريض الأمراء على ذلك، حتّى جاءنا الخبرُ بانصراف المتبقين منهم، فكملته في رجب (2). *** قلتُ: وفي أول شهر رمضان من سنة اثنتين وسبعمائة كانت وقعة شَقْحَب (3) المشهورة، وحصل للناس شدَّة عظيمةٌ، وظهر فيها من كرامات الشيخ، وإجابة دعائه، وعظيم جهاده، وقوّة إيمانه، وفَرْطِ (4) نصحه للإسلام، وفرط شجاعته، ونهاية كرمه، وغير ذلك من صفاته= ما يفوق النعت، ويتجاوز الوصف. ولقد قرأتُ بخطِّ بعض أصحابه ــ وقد ذكر هذه الوَقْعة (5)، وكثرة من حَضَرها من جيوش المسلمين ــ قال: واتفقت كلمة إجماعهم على تعظيم الشيخ تقيّ الدين ومحبته، وسماع كلامه ونصيحته، واتّعظوا بمواعظه، وسأله بعضُهم مسائل في أمر الدِّين، ولم يبق من ملوك الشام تركيٌّ ولا عربيٌّ إلا _________ (1) (ف، ك): «قال المؤلف» أي ابن تيمية. (2) بعده في (ف، ك): «والله أعلم، والحمد لله وحده، وصلى الله على أشرف خلقه (ك: الخلق محمد) وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين». (3) شقحب: قرية جنوب غربي دمشق، على بعد 40 كيلًا تقريبًا. (4) (ف، ك): «وشدة». (5) (ك): «الواقعة». وكلام هذا الصاحب من هنا إلى (ص 233).

(الكتاب/226)


واجتمع بالشيخ في تلك المدّة (1)، واعتقد خيرَه وصلاحَه ونصحَه لله ولرسوله وللمؤمنين. قال: ثم ساق الله ــ سبحانه ــ جيش الإسلام العَرَمْرَم المصريِّ، صحبةَ أمير المؤمنين والسلطان الملك الناصر، وولاة الأمر (2)، وزعماء الجيش، وعظماء المملكة، والأمراء المصريين عن آخرهم، بجيوش الإسلام= سَوقًا حثيثًا للقاء التتار المخذولين، فاجتمع الشيخ المذكور بالخليفة والسلطان، وأرباب الحلِّ والعقد، وأعيان الأُمراء عن آخرهم (3). وكلُّهم (4) بمَرْجِ الصُّفَّر قِبْليَّ دمشق المحروسة، وبينهم وبين التتار أقل من مقدار ثلاث ساعات مسافةً. ودار بين الشيخ المذكور وبينهم ما دار بينه وبين الشاميين، وكان منهم وبينهم كأحد (5) أعيانهم. واتفق له من اجتماعهم مالم يتفق لأحد قبله من أبناء جنسه، حيث اجتمعوا بجملتهم في مكانٍ واحدٍ في يومٍ واحد، على أمرٍ جامعٍ لهم وله، مهمٍّ عظيمٍ يحتاجون (6) فيه إلى سماع كلامه. هذا توفيقٌ عظيم كان من الله تعالى له، لم يتفق لمثله. _________ (1) (ق): «تلك هذه المدة»! (2) (ب، ق): «والأمراء» بدل «ولاة الأمر». (3) «بجيوش ... آخرهم» سقط من (ف). (4) (ق): «وكلمهم». (5) «وبينهم» من بقية النسخ. (ك): «ما دار بين الشاميين وبينه، وكان بينهم ومعهم كأحد ... ». (ب، ق): «وكان معهم ... ». (6) (ق): «منهم يحتاجون».

(الكتاب/227)


وبقي الشيخ المذكور هو وأخوه وأصحابه ومن معه من الغزاة قائمًا بظهوره وجهاده ولأْمَةِ حَرْبه، يوصي الناس بالثبات، ويَعِدُهم النصرَ (1)، ويُبشِّرهم بالغنيمة والفوز بإحدى الحُسنيين، إلى أن صدق الله وعدَه، وأعزَّ جندَه، وهزمَ التتارَ وحدَه، ونصر المؤمنين، وهُزِمَ الجمعُ وولَّوا الدُّبر، وكانت (2) كلمة الله العُليا، وكلمة الكفار السُّفلى، وقُطِع دابرُ [ق 68] القوم الكفار، والحمد لله ربِّ العالمين. ودخل جيشُ الإسلام المنصور إلى دمشق المحروسة، والشّيخُ في أصحابه شاكًّا (3) في سلاحه، داخلًا معهم، عاليةً كلمتُهُ، قائمةً حُجَّتُه، ظاهرةً ولايتُه، مقبولةً شفاعتُه، مجابةً دعوتُه، مُلْتَمَسَةً بركتُه، مُكرَّمًا مُعَظّمًا، ذا سلطانٍ وكلمةٍ نافذةٍ. وهو مع ذلك يقول للمدّاحين (4) له: أنا رجلُ مِلَّةٍ، لا رجُلُ دولةٍ. ولقد أخبرني حاجبٌ من الحُجّاب الشاميين، أميرٌ من أمرائهم، ذو دينٍ متين، وصدق لهجةٍ، معروفٌ في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء، ونحن بمَرْج الصُّفَّر، وقد تراءى الجمعان: يا فلان الدِّين (5)، أوقِفْني موقفَ (6) الموت. _________ (1) (ف، ك): «بالنصر». (2) (ب، ق): «وكان». (3) (ب، ق): «والشيخ وأصحابه»، وفي هامش (ك): «شاكيًا». (4) (ب، ق): «للمداخلين». (5) (ب، ق): «فلان» بدون «يا». و (ط) حذف «الدين» لظنه أنها لا معنى لها، وليس كذلك. (6) (ق): «في موقف».

(الكتاب/228)


قال: فسُقْتُه إلى مقابلة العدوّ، وهم مُتحدّرون (1) كالسّيل، تلوحُ أسلحتُهم (2) من تحت الغبار المنعقد عليهم. ثم قلت له: يا سيدي! هذا موقف الموت، وهذا العدوّ قد أقبل تحت هذه الغَبَرة المنعقدة، فدونك وما تريد. قال: فرفع طَرْفَه إلى السماء، وأشخصَ بصرَه (3)، وحرّك شفتيه طويلًا، ثم انبعثَ وأقدم على القتال. وأما أنا فخُيِّل إليَّ (4) أنّه دعا عليهم، وأنّ دعاءه استُجيب منه في تلك الساعة. قال: ثم أحال (5) القتال بيننا والالتحام، وما عدتُ رأيتُه، حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار إلى جبل صغير، عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين تلك الساعة، وكان آخر النهار. قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما، تحريضًا على القتال، وتخويفًا للناس من الفرار. فقلت له: يا سيدي! لك البشارةُ بالنصر، فإنّه قد فتح الله ونصر، وهاهم التتار محصورون بهذا السّفْح، وفي غدٍ ــ إن شاء الله ــ يُؤخَذون عن آخرهم. _________ (1) (ب، ق): «منحدرون»، (ف، ك): «متحدون». (2) (ق): «أسلاحتهم». (3) (ب، ق): «ببصره». (4) (ف): «لي». (5) كذا في النسخ، ولعلها: «حال» أي: منع. أما «أحال» فمعناها: تحوّل.

(الكتاب/229)


قال: فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ودعا لي في ذلك الموطن دعاءً (1) وجدت بركته في ذلك الوقت وبعده. هذا (2) كلام الأمير الحاجب. قال (3): ثمّ لم يزل الشيخ بعد ذلك على زيادةٍ في الحال والقال والجاه، والتعمُّق (4) والتحقيق في العلم والعرفان، حتّى حرَّك الله عَزَمات نفوس ولاةِ الأمر لقتال أهل جبل كسروان. وهم الذين بَغَوا وخرجوا على الإمام، وأخافوا السَّبيل (5)، وعارضوا المارّين بهم من الجيش بكلِّ سوء. فقام الشيخ في ذلك أتمّ قيام (6)، وكتبَ إلى أطراف الشام في الحثّ على قتال المذكورين، وأنها غَزاةٌ في سبيل الله. ثم تجهّز هو بمن (7) معه لغزوهم بالجبل، صُحْبَةَ وليّ الأمر نائب المملكة (8) المعظّمة ــ أعزّ الله نصره ــ والجيوش الشامية المنصورة، وما زال _________ (1) (ب، ق): «بدعاء». (2) (ف): «فهذا». (3) ليست في (ك). والقائل هو صاحب الشيخ تقي الدين الذي بدأ كلامه (ص 228). (4) ليست في (ك). (5) (ف، ك): «السبل». (6) «أتمّ قيام» ليست في (ف). (7) (ق): «ومن». (8) (ب، ق): «السلطنة»، وفي (ق) كتب فوق «نائب»: (الأفرم). وكان نائب السلطنة آنذاك: جمال الدين آقُش الأفرم الجركسي، تولى عدّة مناصب منها نيابة دمشق، وحُمِدت فيها ولايته، (ت بعد 720). انظر «أعيان العصر»: (1/ 561 - 572)، و «الدرر الكامنة»: (1/ 396 - 398).

(الكتاب/230)


مع وليِّ الأمر في حصارهم وقتالهم، حتّى فتح الله الجبل وأجلى أهله. وكان من أصعب الجبال مسلكًا، وأشقِّها (1) ساحة. وكانت الملوكُ المتقدِّمة لا تُقْدِم على حصاره، مع علمها بما أهله عليه من البغي والخروج على الإمام والعصيان (2)، وليس إلاّ لصعوبة المسلك، ومشقّة النزول عليهم. وكذلك لما حاصرهم بَيْدَرَا (3) بالجيش رحلَ عنهم، ولم ينل منهم (4) منالًا، لذلك السبب ولغيره، وذلك عقيب [ق 69] فتح قلعة الروم، ففتحه (5) الله على يدي وليّ الأمر، نائب الشام المحروس ــ أعزّ الله نصره ــ. وكان فتحُه أحدَ المكرمات والكرامات المعدودة (6) بسببين (7) ــ على ما يقوله الناس ــ: أحدهما: لكون أهل هذا الجَبَل بُغاةً رافضة (8) سبّابة، تَعَيّن قتالُهم. _________ (1) «مسلكًا» ليست في (ك). و «أشقها» تحتمل في (ق) «وأمنعها». (2) «والعصيان» من بقية النسخ. (3) بَيْدَرا: بفتح الباء الموحّدة وسكون الياء آخر الحروف ودال مهملة وبعدها راء وألف مقصورة. الأمير سيف الدين العادلي، وكان من الأمراء بدمشق (ت 714). انظر «أعيان العصر»: (2/ 97)، و «الدرر الكامنة»: (1/ 513). (4) (ف): «ولم منهم». (5) (ف): «فتحه». (6) بعده في بقية النسخ «للشيخ». (7) (ب، ق): «بشيئين». (8) (ب، ق): «ورافضة».

(الكتاب/231)


والثاني: لأنّ أهل (1) جبل الصالحية لمّا استولت الرافضةُ عليه (2) ــ في حال استيلاء الطاغية غازان ــ أشار بعض كُبرائهم بنهب الجبل، وسَبْي أهله وقَتْلهم وحَرْق (3) مساكنهم، انتقامًا منهم لكونهم سُنّة، وسمّاهم ذلك المُشير: نواصب (4). فكان (5) ما كان من أمر جبل الصالحية بذلك القول، وتلك الإشارة. قالوا: فكوفئ الرافضةُ بمثل ذلك، بإشارةِ كبير من كبراء أهل السنة، وزنًا بوزنٍ، جزاءً على يد وليِّ الأمر وجيوش الإسلام، والمشير المذكور هو (6) الشيخُ المشارُ إليه. ولمّا فُتِحَ الجبلُ، وصار الجيشُ بعد الفتح إلى دمشق المحروسة، عكف خاصُّ الناس وعامُّهم على الشيخ بالزيارة له، والتسليم له (7)، والتهنئة بسلامته، والمسألة له منهم عن كيفية الحِصار للجبل، وصورة قتالِ أهله، وعمّا وقع بينهم وبين الجيش من المراسلات وغيرها؟ فحكى الشيخ ذلك. _________ (1) «أهل» ليست في (ف، ك). (2) «عليه» ليست في (ق، ف، ك). (3) (ق، ف، ك): «وحريق». (4) (ق): «انتقامًا لكونهم ... وسماهم نواصب»، (ك): «انتقامًا لكونهم سنية ... ». (5) الأصل: «كان»، و (ب): «وكان». (6) (ف، ك): «وهو». (7) (ب، ق): «وعامتهم ... »، وفي بقية النسخ: «والتسليم عليه».

(الكتاب/232)


وحكى أيضًا أنّه تجادل معه (1) كبيرٌ من كبراءِ أهلِ جبل كسروان، له (2) اطلاع على مذهب الرافضة. قال: وكان الجدلُ والبحثُ في عصمة الإمام وعدم عصمته، وفي أنّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ معصومٌ من الكبائر والصغائر (3)، في كلِّ قولٍ وفعل ــ هذه (4) دعوى الجَبَلي ــ وأنَّ الشيخَ حاجَّه في أنَّ العصمة لم تثبُت إلاّ للأنبياء ــ عليهم السلام ــ. قال: وإنّني قلتُ له: إنَّ عليًّا وعبدالله بن مسعود اختلفا في مسائل وقعت، وفتاوى أفتيا (5) بها، وأنّ تلك الفتاوى والمسائل عُرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصوَّب فيها قولَ ابنِ مسعود ــ رضي الله عنه ــ. هذا معنى كلام الشيخ في حديثه عن المجادلة مع الرافضيِّ الجبليِّ، وإن اختلفت العبارة. انتهى ما ذكره. وكان توجُّه الشيخِ تقيِّ الدِّين إلى الكسروانيين في مُسْتَهَلِّ ذي الحجة من سنة أربعٍ وسبعمائة، وصحبته الأمير قراقوش (6)، وتوجَّه نائبُ السلطنة _________ (1) (ف): «مع». (2) (ب): «وأنّ له». (3) (ك): «الصغائر والكبائر». (4) (ف): «كل وقت»، (ف، ك): «وهذه». (5) (ف، ك): «أفتى». (6) هو: بهاء الدين قراقوش المنصوري. له ترجمة مقتضبة في «أعيان العصر»: (4/ 100 - 101) للصفدي.

(الكتاب/233)


الأميرُ جمالُ الدين الأفرم بمن تأخَّر من عسكر دمشق إليهم، لغزوهم واستئصالهم في ثاني شهر المحرَّم من سنة خمسٍ وسبعمائة (1). وكان قد توجّه قبله العَسْكَرُ، طائفة بعد طائفة في ذي الحجة. في (2) يوم الخميس سابع عشر صَفَر (3) وصَلَ النائبُ والعسكرُ معه إلى دمشق، بعد أن نصرهم الله على حزب الضُّلاَّل من الروافض والنُّصَيرية وأصحاب العقائد الفاسدة، وأبادهم اللهُ من تلكَ الأرض، والحمدُ لله ربِّ العالمين. _________ (1) «وسبعمائة» ليست في (ب، ق، ف). (2) «في» من بقية النسخ. (3) ليس في (ك).

(الكتاب/234)


[رسالة الشيخ إلى الملك الناصر] (1) ثمّ إنّ الشيخ ــ رحمه الله ــ بعد وقعة جبل كسروان أرسل رسالة إلى السلطان الملك الناصر، يذكر فيها ما أنعم الله على السلطان وعلى أهل الإسلام، بسبب فتوح الجبل المذكور. وهي هذه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من الداعي أحمد ابن تيمية إلى سلطان المسلمين، ومن أيّد الله في دولته الدين، وأعزّ (2) بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين والخوارج المارقين، نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه أمور الخاص والعام، وأحيا به معالم الإيمان، وأقام به شرائع القرآن، وأذلّ به أهل الكفر والفسوق والعصيان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلّ شيء قدير. ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. أمّا بعد، فقد صدق الله وعده، ونصر عبدَه، وأعزَّ جُندَه، وهزم الأحزابَ _________ (1) هذه الرسالة ليست في الأصل و (ب، ق)، بل هي ملحقة في آخر نسخة الأصل. وهي في (ف، ك، ح، د). والعنوان من هامش (ف). وقد أشار إليها المؤلف (ص 85). وهي ضمن «مجموع الفتاوى»: (28/ 398 - 409). (2) (ك): «أعز».

(الكتاب/235)


وحده. وأنعم الله على السلطان، وعلى المؤمنين في دولته نعمًا لم تُعهد في القرون الخالية. وجُدِّد الإسلام في أيامه تجديدًا بانت فضيلته على الدول الماضية. وتحقّق في ولايته خبر الصادق المصدوق، أفضل الأولين والآخرين، الذي أخبر فيه عن تجديد الدين في رؤوس المئين، والله تعالى يُوزِعُهُ والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة في الدنيا والدين، ويُتِمُّها بتمام النصر على سائر الأعداء المارقين. وذلك أنّ السلطان ــ أتمَّ الله نعمته ــ حصل للأمة بيُمنِ ولايته وحُسْن نيته، وصحة إسلامه وعقيدته، وبركة إيمانه ومعرفته، وفضل همته، وشجاعته، وثمرة تعظيمه للدّين وشرعته، ونتيجة اتباعه لكتاب الله وحكمته = ما هو شبيه بما كان يجري في أيام الخلفاء الراشدين وما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين، من جهاد أعداء الله المارقين من الدين، وهم صنفان: أهل الفجور والطغيان، وذوو الغَيِّ والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان، طلبًا للعلوّ في الأرض والفساد، وتركًا لسبيل الهدى والرشاد. وهؤلاء هم التتار، ونحوهم من كل خارج عن شرائع الإسلام وإن تمسَّك بالشهادتين، أو ببعض سياسة الأنام (1). والصنف الثاني (2): أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون، الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشِّرْعَة والطاعة. مثل هؤلاء الذين غُزُوا بأمر السلطان من أهل الجبل، والجرد، والكسروان. فإنّ ما منَّ الله _________ (1) (ط): «الإسلام». (2) (ف، ك): «الباقي»، وفي هامش (ف): «الثاني».

(الكتاب/236)


به من الفتح والنصر على هؤلاء الطَّغَام، هو من عزائم (1) الأمور التي أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام. وذلك أنَّ هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين، فإن اعتقادهم: أنَّ أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بَدْر وبَيْعة الرِّضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماءَهُم، أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعُبَّادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوامَّ المسلمين وأفرادهم. كل هؤلاء عندهم كُفَّار مرتدُّون، أكفر من اليهود والنصارى؛ لأنهم مُرتدّون عندهم، والمرتدُّ شَرٌّ من الكافر الأصلي. ولهذا السبب يُقدِّمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان. ولهذا لمّا قَدِم التتار إلى البلاد، فعلوا (2) بعسكر المسلمين ما لا يحصى من الفساد، وأرسلوا إلى أهل قُبْرُس (3) فملكوا بعض الساحل، وحملوا راية الصَّليب، وحملوا إلى قبرس من خيل المسلمين وسلاحهم وأسْراهم ما لا يُحصي عَدَدَه إلا الله، وأقام سوقهم بالساحل عشرين يومًا يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرس، وفرحوا بمجيء التتار، هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون، مثل أهل جِزِّين (4) وما حواليها، وجبل _________ (1) (ف): «عظائم». (2) (ف): «وفعلوا». (3) قُبْرُس: جزيرة في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، بها دولة قائمة الآن، أغلب سكانها من اليونان والأتراك. وانظر «معجم البلدان»: (4/ 305). (4) أحد أقاليم مدينة صيدا في لبنان، أهلها مشهورون بالرفض. انظر «نزهة المشتاق»: (ص 119)، و «توضيح المشتبه»: (3/ 237).

(الكتاب/237)


عاملة (1) ونواحيه. ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية، ظهر فيهم من الخزي والنكال ما عرفه الناس منهم. ولما نصر الله الإسلام النُّصرة العظمى عند قدوم السلطان، كان بينهم شبيه بالعزاء. كل هذا، وأعظم منه، عند هذه الطائفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج جَنكِخان إلى بلاد الإسلام، وفي استيلاء هُولاكو على بغداد، وفي قدومه إلى حلب، وفي نَهْب الصَّالحية (2)، وفي غير (3) ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله؛ لأن عندهم أَنّ كلّ من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد. ومن استحلّ الفُقَّاع (4) فهو كافر. ومن مسح على الخُفّين فهو عندهم كافر. ومن حَرَّم المتعة فهو عندهم كافر. ومن أحبَّ أبا بكْر أَو عمر، أَو عثمان، أو ترضَّى عنهم أو عن (5) جماهير الصحابة، فهو عندهم كافر. ومن لم _________ (1) جبل عاملة أو عامل بحذف تاء التأنيث تخفيفًا، وعاملة نسبة إلى قبيلة عاملة بن سبأ اليمانية: جبل كبير قرب صيدا في جنوب لبنان، فيه بلدات وقرى عديدة، وغالب من يسكنه من الشيعة الإمامية. انظر «خطط جبل عامل» لمحسن الأمين. (2) انظر «تاريخ الإسلام»: (52/ 81 - 82) للذهبي، و «البداية والنهاية»: (17/ 730)، وما سبق (ص 233). (3) (ف): «وغير». (4) «الفُقَّاع» كرُمَّان. شراب يُتخذ من الشعير يُخمّر حتى تعلوه فقاعاته. انظر «لسان العرب» (8/ 256). وانظر جواب الشيخ في جواز شربها لأنها غير مسكرة في «الفتاوى»: (35/ 210). (5) (ف): «وعن».

(الكتاب/238)


يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر (1)! وهذا المنتظر صبيٌّ (2) عمره سنتان، أو ثلاث، أو خمس. يزعمون أنه دخل السِّرداب بسامرَّاء من أكثر من أربعمائة سنة. وهو يعلم كلّ شيء، وهو حجّة الله على أهل الأرض، فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر. وهو شيء لا حقيقة له. ولم يكن هذا في الوجود قط. وعندهم من قال: إن الله يُرى في الآخرة فهو كافر. ومن قال: إن الله تكلَّم بالقرآن حقيقة فهو كافر. ومن قال: إن الله فوق السموات فهو كافر، ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، وأن الله يُقلِّب قلوب عباده، وأن الله خالقُ كلِّ شيء فهو عندهم كافر. وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر. هذا هو المذهب الذي تُلقِّنُهُ لهم أئمتهم، مثل بني العُود. فإنهم شيوخ أهل هذا الجبل. وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين. ويُفتونهم بهذه الأمور. وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العُود (3) _________ (1) انظر «منهاج السنة»: (3/ 269). (2) تكررت في (ف). (3) هو: أبو القاسم بن الحسين بن العود الحلّي المتكلم شيخ الشيعة (ت 677 أو بعدها). قال الذهبي في «تاريخه»: (50/ 337): «قدم حلب وتردد إلى الشريف عز الدين مرتضى نقيب الأشراف، فاسترسل معه يومًا، ونال من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فزبره النقيب وأمر بجرّه بين يديه، وأُرْكِب حمارًا مقلوبًا، وصُفع في الأسواق. فحدثني أبو الفضل بن النحاس الأسدي: أن فاميًّا نزل من حانوته وجاء إلى مزبلة، فاغترف غائطًا ولطخ به ابن العود. وعظم النقيب عند الناس، وتسحب ابن العود من حلب. ثم إنه أقام بقرية جزين مأوى الرافضة، فأقبلوا عليه وملكوه بالإحسان». وانظر «البداية والنهاية»: (17/ 556).

(الكتاب/239)


وغيره. وفيها هذا وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علَّموهم وأمروهم، لكنهم مع هذا يُظهرون التّقيَّة والنفاق، ويتقرَّبون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم. وهكذا كان عادة هؤلاء الجَبَلِيَّة، فإنما أقاموا بجَبَلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق ويبذلونه من البِرْطِيل (1) لمن يقصدهم. والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة. ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله؛ ولهذا كثر فسادُهم؛ فقتلوا من النفوس وأخذوا من الأموال ما لا يعلمه إلا الله. ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمر لا يُضْبط شرُّه، كل ليلة تنزل (2) عليهم منهم طائفة، ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. وكانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عُرِفت من أهل الجنايات، يرد إليهم النصارى من أهل قبرس فيضيفونهم _________ (1) البرطيل: الرشوة. وقد شرحه شيخ الإسلام في «السياسة الشرعية»: (ص 91 - بتحقيقي) قال: «وأصل البرطيل هو الحجر المستطيل، سميت به الرشوة لأنها تلقم المرتشي عن التكلم بالحق كما يلقمه الحجر الطويل، كما قد جاء في الأثر: إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكُوَّة. يعني الطاقة». وانظر في تعليقي فائدة في أول من أظهر البرطيل بالشام. (2) (ف): «ينزل».

(الكتاب/240)


ويعطونهم سلاح المسلمين، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين؛ فإما أن يقتلوه أو يسلبوه، وقليل (1) منهم من يفلت منهم بالحيلة. فأعان الله ويَسَّرَ، بحسن نية السلطان، وهِمَّته في إقامة شرائع الإسلام، وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة شرعية، كما أمر الله ورسوله، بعد أن كُشِفَت أحوالهم، وأُزِيحَت عللهم، وأُزِيلَت شُبْهتهم (2)، وبُذل لهم من العدل والإنصاف ما لم يكونوا يطمعون به، وبُيِّن لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قتاله الحروريَّة المارقين، الذين تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بقتالهم، ونَعْت حالهم من وجوه متعددة. أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه: من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخُدْري، وسَهْل بن حُنَيف، وأبي ذَرٍّ الغِفَاري، ورافع بن عَمرو، وغيرهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال فيهم: «يَحْقِر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرُق السهم من الرَّميَّة، لئن أدْرَكتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عاد، لو يعلم الذين يُقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - لاتَّكلوا (3) عن العمل، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، _________ (1) سقطت من (ف). (2) سقطت من (ف). (3) (ك): «للتَكّلوا»، (ف): «لتكلوا» وكتب فوقها: كذا.

(الكتاب/241)


شرُّ قتلى (1) تحت أديم السَّماء، ـ خير قتلى من قتلوه» (2). وأوّل ما خرج هؤلاء زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وكان لهم من الصلاة والصيام والقراءة والعبادة والزَّهادة ما لم يكن لعموم الصحابة، لكن كانوا خارجين عن سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن جماعة (3) المسلمين. وقتلوا من المسلمين رجلًا اسمه عبد الله بن خبَّاب وأغاروا على دوابِّ المسلمين (4). وهؤلاء القوم كانوا أقلّ صلاةً وصيامًا، ولم نجد في جَبَلهم مصحفًا، ولا فيهم قارئ للقرآن، وإنّما عندهم عقائدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، وأباحوا بها دماء المسلمين، وهم مع هذا قد سفكوا من الدماء، وأخذوا من الأموال ما لا يحصي عددَه إلاّ الله تعالى. فإذا كان علي بن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج، مع أنّه قتلهم جميعهم، كان هؤلاء أحقَّ بأخذ أموالهم. وليس هؤلاء بمنزلة المتأوِّلين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم الجمل: «أنّهُ لا يقتل مُدْبِرهم، ولا يُجْهَز على جريحهم، ولا يُغنم لهم مال (5) ولا يُسْبى لهم ذرية» (6)؛ لأنّ مثل أولئك لهم تأويل سائغ، وهؤلاء ليس لهم تأويل _________ (1) (ف): «قتل». (2) أخرجه البخاري (3611)، ومسلم (1066) من حديث علي رضي الله عنه. (3) (ف): «جماعة من». (4) (ك): «للمسلمين». (5) سقطت من (ف). (6) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (38933)، وابن سعد في «الطبقات»: (7/ 94 - 95).

(الكتاب/242)


سائغ، ومثل أولئك إنّما يكون خارجًا (1) عن طاعة الإمام، وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنته، وهم شرٌّ من التَّتار من وجوه متعدّدة، لكن التتر أكثر وأقوى، فلذلك ظهر شرُّهم. وكثير من فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء لهم، كما كان في زمن قازان وهولاكو وغيرهما، فإنهم أخذوا من أموال (2) المسلمين أضعاف ما أخذوا من أموالهم، وأرضهم فيءٌ لبيت المال. وقد قال كثيرٌ من السلف: إنّ الرّافضة لا حقَّ لهم من الفيء؛ لأنّ الله إنّما جعل الفيء للمهاجرين والأنصار {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10]، فمن لم يكن قلبه سليمًا لهم، ولسانه مستغفرًا لهم، لم يكن من هؤلاء (3). وقطعت أشجارهم؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا حاصر بني النضير قطع أصحابُه نخْلَهم وحرَّقوه، فقال اليهود: هذا فساد، وأنت يا محمد تنهى عن الفساد، فأنزل الله في القرآن: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 5]. وقد اتّفق العلماء على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر عند الحاجة _________ (1) تكررت «يكون» في (ف)، وفي (ط): «يكونون خارجين». (2) سقطت من (ف). (3) انظر «الدر المنثور»: (6/ 293 - 294).

(الكتاب/243)


إليه، فليس ذلك بأولى من قتل النفوس. وما أمكن غير ذلك؛ فإنّ القوم لم يحضروا كلّهم من الأماكن التي اختفوا فيها، وأيسوا من المقام في الجبل إلا حين قُطعت الأشجار، وإلاّ كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم، وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم؛ لأن التركمان إنّما قصدُهم الرَّعي، وقد صار لهم مرعى، وسائر الفلَّاحين لا يتركون عمارة أرضهم ويجيئون إليه. فالحمد لله الذي يسَّر هذا (1) الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه وأمره، وإخلاء الجبل منهم، وإخراجهم من ديارهم. وهم يشبهون ما ذكره الله في قوله: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: 2 ــ 5]. وأيضًا فإنَّه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق ما يرفع الله به درجات السلطان، ويُعِزُّ به أهل الإيمان. _________ (1) (ك): «بهذا».

(الكتاب/244)


فصل تمام هذا الفتح وبركته تقدُّم مراسم (1) السلطان بحسم مادّة أهل الفساد، وإقامة الشريعة في البلاد، فإنَّ هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قُرى كثيرة مَنْ يقتدون به وينتصرون (2)، وفي قلوبهم غلٌّ عظيم، وإبطان معاداة شديدة، لا يُؤمَنون معها على ما يمكنهم، ولو أنَّه مباطنة العدوّ، فإذا أمسك رؤوسهم الذين يُضِلونهم ــ مثل بني العُود ــ زال بذلك من الشرّ ما لا يعلمه إلا الله. ويُتقدَّم إلى قُراهم، وهي قُرى متعدّدة بأعمال دمشق، وصَفَد، وطرابلس، وحماة، وحمص (3)، وحلب= بأن يُقام فيهم شرائع الإسلام: الجمعة والجماعة وقراءة القرآن، ويكون لهم خطباء ومؤذِّنون، كسائر قرى المسلمين، وتُقرأ فيهم الأحاديث النبوية، وتُنشر فيهم المعالم الإسلامية، ويُعاقب من عُرِفَ منه البدعة (4) والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام. فإنَّ هؤلاء المحاربين (5) وأمثالهم قالوا: نحن قوم جهال، وهؤلاء كانوا يعلمونا ويقولون لنا: أنتم إذا قاتلتم هؤلاء تكونون مجاهدين، ومن قُتل منكم فهو شهيد. _________ (1) (ف): «مراسيم». (2) (ط): «بهم وينتصرون لهم». (3) (ف): «حمص وحماة». (4) (ط): «منهم بالبدعة». (5) يعني: التتار.

(الكتاب/245)


وفي هؤلاء خلقٌ كثير لا يقرُّون بصلاة، ولا صيام، ولا حجّ ولا عمرة، ولا يُحَرِّمون الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنّة والنّار، من جنس الإسماعيلية، والنُّصيرية (1)، والحاكميّة، والباطنيّة، وهم كفّار أكفر من اليهود والنصارى بإجماع المسلمين. فتقدُّمُ المراسيم السلطانية بإقامة شعائر الإسلام: من الجمعة، والجماعة، وقراءة القرآن، وتبليغ أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في قُرى هؤلاء من أعظم المصالح الإسلامية، وأبلغ الجهاد في سبيل الله. وذلك سبب لانقماع من يُباطن العدوَّ من هؤلاء، ودخولهم في طاعة الله ورسوله، وطاعة أولي الأمر من المسلمين. وهو من الأسباب التي يعين الله بها على قمع الأعداء. فإنَّ ما فعلوه بالمسلمين في أرض «سيس» (2) نوع من غدرهم الذي به ينصر الله المسلمين عليهم. وفي ذلك لله حكمة (3) عظيمة، ونصرة للإسلام جسيمة. قال ابن عباس: «ما نقض قومٌ العهد إلا أُديل عليهم العدوّ» (4). ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوّة الإيمان، وللعدوّ من الخذلان، ما ينصر الله به المؤمنين، ويُذلُّ به الكفار والمنافقين. _________ (1) (ف): «النصرانية» خطأ. (2) انظر ما سبق (ص 233). وانظر بعض الأحداث التي جرت في سيس «تاريخ الإسلام»: (43/ 12، 49/ 6) للذهبي. (3) (ف): «ذلك حكمة». (4) أخرجه البيهقي في «الكبرى»: (3/ 346) بنحوه.

(الكتاب/246)


والله هو المسئول أن يُتمَّ نعمته على سلطان الإسلام خاصة، وعلى عباده المؤمنين عامّة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. عنوان الكتاب ظاهره: سلطان المسلمين، ومن أيَّد في دولته الدِّين، وقمع الكفَّار والمنافقين، أَيَّد الله به الإسلام، ونشر عدله في الأنام.

(الكتاب/247)


 [مناظرة الشيخ مع الأحمدية]

وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى (1) من هذه السنة ــ سنة خمسٍ ــ اجتمعَ جماعةٌ من الأحمدية الرِّفاعية (2) عند نائب السلطنة بالقصر، وحضر الشيخ تقيُّ الدِّين، وطلبوا أن يُسَلِّم إليهم حالهم، وأنَّ الشَّيخ تقيَّ الدِّين لا يُعَارضهم ولا يُنكر [ق 70] عليهم، وأرادوا أن يُظْهروا شيئًا ممَّا يفعلونه، فانتدبَ لهم الشيخ، وتكلّم باتباع الشريعة، وأنَّه لا يسعُ أحدًا (3) الخروج عنها بقولٍ ولا فعلٍ (4)، وذكر أنَّ لهم حيلاً يتحيَّلون بها في دخول النَّار، وإخراج الزّبدة من الحلوق. وقال لهم: من أراد دخول النار فليغسل جَسَدَه في الحمام، ثمّ يَدْلكه بالخَلِّ، ثم يدخل (5)، ولو دخل لا يُلتفت إلى ذلك، بل هو نوعٌ من فعل الدجَّال عندنا. وكانوا جمعًا كثيرًا. وقال الشيخ صالح شيخ المُنَيبِع (6): نحن أحوالنا تَنْفُقُ عند التتار ما تنفق _________ (1) (ب، ق): «الأول». (2) (ف): «والرفاعية». (3) (ب، ق، ف): «أحد». (4) (ب، ق): «عنها ولا يفعل». (5) «ثم يدخل»: ليست في (ب، ق). (6) الأصل: «الينبع»، و (ب): «المنيع»، و (ف): «المينبيع»، و (ك): «المنيبيع». والمثبت من (ق) والمصادر. وهي قرية بقرب دمشق، وهي ما كان يعرف بـ «صنعاء دمشق»، ومكانها اليوم جامعة دمشق. انظر «توضيح المشتبه»: (4/ 94)، و «خطط دمشق» (443) للعُلَبي. والشيخ صالح هو الأحمدي الرفاعي، شيخ المنيبع. قال ابن كثير: «كان التتار يكرمونه لما قدموا دمشق، ولما جاء قطلوشاه نائب ملك التتار نزل عنده .. » ثم ذكر عبارته هذه. توفي سنة (707). انظر «البداية والنهاية»: (18/ 77). و «الدرر الكامنة»: (2/ 201 - 202).

(الكتاب/248)


قُدَّام الشَّرْع. وانفصلَ المجلسُ على أنَّهم يخلعون أطواقَ (1) الحديد، وعلى أنَّ من خرج عن الكتاب والسُّنَّة ضُرِبَت عُنُقه (2)، وحَفِظ هذه الكلمة الحاضرون من الأمراء والأكابر وأعيان الدولة. وكتب الشيخُ عقيب هذه الواقعة جزءًا في حال الأحمدية ومبدئهم، وأصل طريقتهم (3)، وذِكْرِ شيخهم، وما في طريقهم من الخير والشرّ، وأوضح الأمرَ في ذلك.

  [ملخص محنة الشيخ بسبب الحموية وما جرى له في مصر]

وقال الذهبيُّ في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ (4): ولمّا صنَّف «المسألة الحموية» في الصفات سنة ثمان وتسعين، تحزَّبوا له، وآل بهم الأمرُ إلى أن طافوا بها (5) على قصبة من جهة القاضي الحنفي، ونُودي عليه بأن لا يُسْتَفتى. ثم قام بنصره طائفةٌ آخرون، وسلَّم الله. _________ (1) (ب، ق، ف): «الأطواق». (2) (ف، ك): «رقبته». (3) (ف): «طريقهم». (4) «في ترجمة الشيخ» سقطت من (ف)، وتكرر قوله: «في أثناء كلامه». وكلام الذهبي في «الدرة اليتيمية - ضمن تكملة الجامع»: (ص 42). (5) (ف، ك): «به».

(الكتاب/249)


فلمّا كان سنة (1) خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يُسأل عن مُعْتقده، فجُمِعَ له القُضاةُ والعلماءُ بمجلس نائب دمشق الأفرم. فقال: أنا كنتُ سُئِلْتُ عن مُعتقد السنَّة (2)، فأجبتُ عنه في جزءٍ من سنين، وطَلَبه من داره، فأُحضِرَ، وقرأه. فنازعوه في موضعين أو ثلاثة منه، وطال المجلس، فقاموا واجتمعوا مرَّتين أيضًا لتتمة الجزء، وحاققوه، ثم وقع الاتفاقُ على أنَّ هذا مُعْتَقدٌ سلفيٌّ جَيِّد. وبعضُهم قال ذلك كُرْهًا. وكان المصريُّون قد سَعَوا في أمر الشيخ، ومالأوا الأمير رُكن الدين الشاشنكير (3) ــ الذي تَسَلْطن ــ عليه، فطُلِب إلى مصر على البريد. فثاني يوم دخوله اجتمعَ القُضاة والفقهاء بقلعة مصر، وانتصبَ ابنُ عَدْلان (4) له خصمًا، وادَّعى عليه عند القاضي ابن مخلوفٍ (5) المالكي: أنَّ _________ (1) (ق، ف، والدرة): «في سنة». (2) (ق، ف، ك، والدرة): «كنت قد .. ». و (ف، ك): «معتقد أهل السنة». (3) هو: بيبرس بن عبد الله المنصوري، ركن الدين. كان من أمراء المماليك، تسلطن بعد خلع الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 708، ولم يطل أمره في الملك فلم يكمل السنة، وأمسكه الملك الناصر وأُحْضِر بين يديه وخَنَقه بوترٍ كان بيده سنة (709). انظر «أعيان العصر»: (2/ 71 - 75)، و «مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة»: (2/ 59 - 63). (4) هو: محمد بن أحمد بن عثمان، الكناني المصري الشافعي، من الفقهاء، كان مقربًا من الجاشنكير، له شرح على مختصر المزني ــ مخطوط. توفي سنة (749) عن نحو تسعين عامًا. انظر «أعيان العصر»: (4/ 297 - 299). و «الدرر الكامنة»: (3/ 333 - 334). (5) (ك): «ابن مخلوف القاضي». وهو: علي بن مخلوف بن ناهض النُّويري المالكي، ولي القضاء، وعيب عليه قلة العلم، والتسرّع في الأحكام (ت 718). انظر «رفع الإصر»: (2/ 405 - 406)، و «أعيان العصر»: (3/ 543 - 545). وقد قال عنه شيخ الإسلام: إنه قليل العلم والدين. «مجموع الفتاوى»: (3/ 235).

(الكتاب/250)


هذا يقول: إنَّ الله تكلَّم بالقرآن بحرفٍ وصوتٍ، وأنَّه تعالى على العرش بذاته، وأنَّ الله يُشارُ إليه الإشارة الحِسِّيَّة. وقال: أطلبُ عقوبته على ذلك. فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه. فقيل له: أسْرِع، ما أحضرناك لتخْطُب! فقال: أُمْنَع من الثناء على الله؟ ! فقال القاضي: أجِبْ، فقد حمدتَ اللهَ. فسكتَ، فألحَّ عليه. فقال: مَن الحاكم فيَّ (1)؟ فأشاروا له إلى القاضي ابن مخلوف. فقال: أنت خَصْمي، كيف تحكمُ فيَّ؟ وغضبَ وانزعجَ، وأُسْكِتَ القاضي. فأقيمَ الشيخُ وأخواه، وسُجنوا بالجُبِّ بقلعة الجبل، وجرت أمورٌ طويلة. وكُتِبَ إلى الشام كتابٌ سلطانيٌّ بالحطِّ (2) عليه، فقرئ بالجامع، وتألَّم _________ (1) (ب، ق، ف): «فمن الحاكم ... »، و «فيّ» سقطت من (ب، ق). (2) (ك): «بالخط».

(الكتاب/251)


الناسُ له. ثم بقي سنةً ونصفًا، وأُخرج، وكتب لهم ألفاظًا اقترحوها عليه، وهُدِّد أو (1) تُوُعِّد بالقتل إن لم يكتبها (2). وأقام بمصر يُقرئ العلمَ ويجتمع خلقٌ (3) عنده، إلى أن تكلَّم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، وهم ابنُ سبعين وابنُ عربي والقُونويُّ وأشباههُم (4)، فتحزَّب عليه صوفيَّةٌ وفقراءُ، وسعوا فيه، وأنَّه تكلَّم (5) في صفوة الأولياء. فعُمِل له محفل، ثم أخرجوه على البريد، ثم ردُّوه على مرحلةٍ من مصر، ورأوا مصلحَتهم في اعتقاله، فسجنوه في حبس القُضاة سنةً ونصفًا. _________ (1) بقية النسخ: «وهُدّد وتُوعد». (2) في تفصيل هذه الحادثة، وتحرير ما وقع فيها انظر مقدمة «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية ــ ط الثالثة»: (ص 39 - 47). (3) (ك): «عنده خلق». (4) ابن سبعين هو: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد الأشبيلي، من متصوّفة الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود، له تصانيف في التصوف والفلسفة (ت 669). انظر «تاريخ الإسلام»: (15/ 168). وابن عربي هو: محمد بن علي بن محمد بن عربي الطائي الأندلسي، محيي الدين الحاتمي، يلقب بالشيخ الأكبر، من كبار المتصوّفة القائلين بوحدة الوجود، له تصانيف كثيرة. (ت 638). انظر «تاريخ الإسلام»: (14/ 273). والقونوي هو: محمد بن إسحاق بن محمد، صدر الدين القونوي الرومي، من كبار تلاميذ ابن عربي، تزوّج ابنُ عربيّ أمَّه وربّاه، وله مصنفات كثيرة في التصوف (ت 673). انظر «تاريخ الإسلام»: (15/ 266). (5) (ب، ق): «يتكلم».

(الكتاب/252)


فجعل أصحابُه يدخلون إليه في السِّرِّ، ثم تظاهروا، فأخرجته الدولة على البريد إلى الإسكندرية، وحُبِس ببرج منها، وشِيْع (1) بأنه قتل، وأنَّه غرق، غيرَ مرَّةٍ. فلما عادَ السلطانُ ــ أيَّده الله ــ من الكَرْك، وأبادَ أضْدَادَه، بادر باستحضار الشيخ إلى القاهرة مكرَّمًا. واجتمعَ به وحادَثَه، وسارَّه بحضرة القضاة والكبار، وزادَ في إكرامه. ثم نزلَ وسكنَ في دارٍ، واجتمع بعد ذلك بالسلطان، ولم يكن الشيخ من رجال الدُّوَل، ولا يسلك معهم تلك النواميس، فلم (2) يعد السلطانُ يجتمع به، فلما قَدِمَ السلطانُ لكشف العدو عن الرَّحَبة جاء الشيخُ إلى دمشق سنة اثنتي عشرة وسبعمائة (3). ثم جَرَت أمورٌ ومِحَن. انتهى كلامه. [مفصَّل محنة الشيخ بسبب «الحموية»] وقال الشيخُ عَلَمُ الدين: وفي شهر ربيع الأول من سنة (4) ثمان وتسعين وستمائة وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقيِّ الدين ابن تيميّة، وكان الشروع فيها من أول الشهر، وظهرت يومَ الخامس منه، واستمرَّت إلى آخر الشهر. وملخَّصُها: أنه كان كتَب جوابًا سُئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهبَ السلف، ورجَّحَه على مذهبِ المتكلِّمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكرَ _________ (1) في الأصول: «وشنع»، والتصحيح من «الدرة اليتيمية - ضمن تكملة الجامع» (ص 44). (2) «الشيخ ... فلم» سقطت من (ف، ك). (3) «وسبعمائة» ليست في بقية النسخ. (4) (ب، ق): «وفي سنة .. ». وانظر «المقتفى»: (2/ 570).

(الكتاب/253)


أمر المنجِّمين، واجتمع بسيف الدين جاغان (1) في ذلك، في (2) حال نيابته بدمشق وقيامه مقام (3) نائب السلطنة. وامتثلَ أمرَه وقَبِلَ قولَه، والتمس منه كثرةَ الاجتماع به. فحصلَ بسبب ذلك ضيقٌ لجماعة، مع ما كان عندهم قبل ذلك (4) من كراهية الشيخ، وتألُّمِهم (5) لظهوره وذِكْره الحَسَن. فانضافَ شيءٌ إلى أشياء، ولم يجدوا مساغًا إلى الكلام فيه، لزهده وعدمِ إقباله على الدنيا، وتركِ المزاحمة على المناصب، وكثرةِ علمه، وجودةِ أجوبته وفتاويه، وما يظهرُ فيها من غزارة العلم (6)، وجَوْدَة الفهم. فعَمَدوا إلى الكلام في العقيدة؛ لكونهم يرجِّحُون مذهبَ المتكلِّمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب. فأخذوا الجوابَ الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقًا في ردِّه، ثم سَعَوا السَّعيَ الشديدَ إلى القضاة والفقهاء (7) واحدًا واحدًا. [ق 72] وأَغْرَوا به (8) خواطرَهم، _________ (1) جاغان: هو الأمير سيف الدين جاغان المنصوري الحسامي. قال الذهبي: كان فيه دين وعقل. (ت 700). انظر «تاريخ الإسلام»: (52/ 396) للذهبي. (2) ليست في (ف). (3) (ف، ك): «فقام». (4) «قبل ذلك» ليس في (ب، ق). (5) (ب): «وتأملهم». (6) سقطت من (ق). (7) ليست في (ب). (8) «به» من الأصل فقط.

(الكتاب/254)


وحَرَّفوا الكلامَ، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم ــ وحاشاه من ذلك ــ وأنَّه قد أوعز (1) ذلك المذهب إلى أصحابه، وأنَّ العوامَّ قد فسدت عقائدُهم بذلك، ولم يقع من ذلك شيء والعياذ بالله! وسَعَوا في ذلك سعيًا شديدًا، في أيامٍ كثيرة المطر والوَحْل والبرد (2). فوافقهم جلالُ الدّين الحنفيُّ ــ قاضي الحنفية يومئذٍ ــ على ذلك، ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفيَّة، وطلب حضورَه، وأرسل إليه، فلم يحضر. وأرسل إليه (3) في الجواب: إنَّ العقائد ليس أمرُها إليك، وإن السلطان إنّما ولاَّك لتحكمَ بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس ممَّا (4) يختصُّ به القاضي. فوصلت إليه هذه الرسالة، فأوْغَروا (5) خاطرَه، وشوَّشوا قلبَه، وقالوا: لم يحضر، وردَّ عليك. فأمرَ بالنِّداء على بطلان عقيدته في البلدة، فأجيب (6) إلى ذلك، فنودي في بعض البلد (7). ثم بادرَ سيفُ الدّين جاغان، وأرسل طائفةً، فضُرِبَ المنادي وجماعةٌ _________ (1) (ق): «أوغر». (2) «في أيام ... والبرد» ليست في (ف)، وفي (ك) تكررت عبارة: «وسعوا ... شديدًا». (3) «وأرسل ... إليه» سقطت من (ب). (4) (ف): «من لم». (5) (ب): «فأوعزوا»، (ف، ك): «فأغروا». (6) المثبت من (ب)، وبقية النسخ: «فأجاب». (7) انظر «الدرة اليتيمية ــ تكملة الجامع»: (ص 42)، و «تاريخ الإسلام»: (52/ 61).

(الكتاب/255)


ممن حولَه، وأخْرَق بهم، فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة! ثم طلب سيفُ الدين جاغانُ من قام في ذلك وسعى فيه، فدارت الرسلُ والأعوانُ عليهم في البلد، فاختفوا، واحتمى مُقدَّمهم ببدر الدِّين الأتابكي، ودخل عليه في داره، وسأل منه أن يجيره (1) من ذلك. فترفَّق في أمره، إلى أن سكن غضب (2) سيفُ الدّين جاغان. ثُمَّ إنّ الشيخ جلس يوم الجمعة على عادته ثالث عشر الشهر، وكان تفسيره في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وذَكَر الحِلْمَ، وما ينبغي استعمالُه، وكان ميعادًا جليلًا. ثُمّ إنّه اجتمع بالقاضي إمام الدين الشافعي (3)، وواعده لقراءة جُزئه الذي أجابَ فيه، وهو المعروف بـ «الحموية». فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر، من بُكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد، ميعادًا طويلًا مستمرًّا، وقُرِئت (4) جميع العقيدة، وبَيَّن مرادَه من مواضع أشكلت، ولم يحصل إنكارٌ عليه من الحاكم ولا ممَّن حضر المجلس، بحيثُ انفصل منهم والقاضي يقول: كلُّ من تكلَّم في الشيخ فأنا _________ (1) رسمها في الأصل: «يجيره». وفي (ف): «يخبره». (2) من بقية النسخ. (3) هو: عمر بن عبد الرحمن بن أحمد أبو المعالي القزويني الشافعي قاضي القضاة بدمشق (ت 699). قال ابن كثير: «وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنًا ومقصده صالحًا». انظر: «أعيان العصر»: (3/ 633 - 634)، و «البداية والنهاية»: (17/ 711 - 712). (4) (ق، ف، ك): «وقرئت فيه».

(الكتاب/256)


خصمه. وقال أخوه جلالُ الدِّين ــ بعد هذا الميعاد ــ: كلُّ من تكلَّم في الشيخ نُعَزّره (1). وانفصلَ عنهم عن طيبةٍ. وخرج والناس ينتظرون ما يسمعون من طَيِّب أخباره، فوصل إلى داره في ملأ كثيرٍ من الناس، وعندهم استبشارٌ وسرورٌ به، وهو في ذلك كلِّه ثابتُ الجأش، قويُّ القلب، واثقٌ بالنصر (2) الإلهيِّ، لا يلتفتُ إلى نصر مخلوق، ولا يُعَوِّل عليه. وكان سَعْيهم في حقِّه أتَمَّ السَّعْي، لم يُبْقُوا ممكنًا من الاجتماع بمن يرجون (3) منه أدنى نصرٍ لهم، وتكلَّموا في حقِّه بأنواعِ الأذى، وبأمورٍ يستحي الإنسانُ من الله سبحانه أن يحكيها، فضلاً عن أن يختلقها ويُلفِّقها، فلا حول ولا قوَّة إلاّ بالله. والذين سعوا فيه معروفون عندنا وعند كلِّ أحدٍ، قد اشتهر عنهم هذا الفعل الفظيع، وكذلك من ساعدهم [ق 73] بقول، أو تشنيع، أو إغراء، أو إرسال رسالة، أو إفتاءٍ، أو شهادة، أو أذىً لبعض أصحاب الشيخ ومن يلوذُ به، أو شَتْم، أو غيبة، أو تشويش باطنٍ. فإنَّه وقع من (4) ذلك شيءٌ كثير من جماعة كثيرة. ورأى جماعةٌ من الصالحين والأخيار في هذه الواقعة وعقيبها للشيخ _________ (1) «فأنا خصمه ... الشيخ» سقط من (ف، ك)، وفيهما: «يعزره». (2) (ك): «بالنصرة». (3) (ف، ك): «يرتجون». (4) (ق): «في».

(الكتاب/257)


مرائي حسنةً جليلةً، لو ضُبطَت كانت مجلّدًا تامًّا. انتهى ما ذكره. ثمَّ بعد هذه الواقعة بمُدَّةٍ كثيرةٍ، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب من سنة خمس وسبعمائة، طُلِبَ القضاةُ والفقهاءُ، وطُلِبَ الشيخُ تقيُّ الدين إلى القصر، إلى مجلس نائب السلطنة الأفرم، فلما اجتمعوا (1) عنده سأل الشيخَ تقيَّ الدِّين وحدَه عن عقيدته، وقال له: هذا المجلس عُقِدَ لك، وقد وردَ مرسومُ السلطان أن أسألك عن اعتقادك. فأحضر الشيخُ عقيدَته «الواسطية»، وقال: هذه كتبتُها من نحو سبع سنين، قبل مجيء التتار إلى (2) الشام. فقُرِئت في المجلس، وبُحِثَ فيها، وبقي مواضع أُخِّرت إلى مجلسٍ آخر. ثمَّ اجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر رجب المذكور، وحضر المخالفون، ومعهم الشيخ صفيُّ الدين الهندي (3)، واتفقوا على أنَّه يتولَّى _________ (1) (ف، ك): «فاجتمعوا». (2) «التتار إلى» سقطت من (ق). (3) هو: محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي أبو عبد الله الشافعي المعروف بالهندي، له تصانيف في الأصول وغيره (ت 715). وذكروا في ترجمته أنه لما ناظر شيخ الإسلام قال له: أنت مثل العصفور تنط من هنا إلى هناك. قال الشوكاني معلقًا: «ولعله قال ذلك لما رأى من كثرة فنون ابن تيمية وسعة دائرته في العلوم الإسلامية. والرجل ليس بكفءٍ لمناظرة ذلك الإمام إلا في فنونه التي يعرفها، وقد كان عريًّا عن سواها» اهـ. انظر «أعيان العصر» (4/ 501 - 505)، و «الدرر الكامنة»: (4/ 14 - 15)، و «البدر الطالع»: (2/ 187 - 188).

(الكتاب/258)


المناظرة مع الشيخ تقي الدين، فتكلَّم معه. ثم إنهم رجعوا عنه، واتفقوا على الشيخ كمال الدين ابن الزَّمْلَكانيّ، فناظرَ الشيخَ وبحثَ معه، وطال الكلامُ، وخرجوا من هناك والأمرُ قد انفصل. وأَظهر اللهُ من قيام (1) الحجَّة ما أَعَزَّ به أهلَ السنة. وانصرفَ الشيخُ تقيُّ الدين إلى منزله. واختلفت نقول المخالفين للمجلس (2)، وحَرَّفوه، ووضعوا مقالةَ الشيخ على غير موضعها، وشنَّع ابنُ الوكيل وأصحابه بأن الشيخَ قد رجع عن عقيدته، فالله المستعان (3). والذي حَمَل نائب السَّلْطنة على هذا الفعل: كتابٌ ورَدَ عليه من مصر في هذا المعنى، وكان القائمُ في ذلك بمصر: القاضي ابن مخلوف المالكي، والشيخ نَصْر الَمنْبِجيُّ، والقَرَوي (4)، واستعانوا بركن الدين الششنكير. _________ (1) بقية النسخ: «وقد أظهر .. »، و «من» سقطت من (ب، ق). (2) ليست في (ب، ق). (3) أشاع أعداء الشيخ أنه أشهد على نفسه أنه شافعي المذهب، وأشاع بعضُ أصحابه أنه انتصر. انظر: «ذيل مرآة الزمان ــ ضمن التكملة»: (ص 19 - 20)، و «الدرر الكامنة» (ص 534 - ضمن الجامع). (4) الأصل: «القزويني»، و (ب، ق): «القونوي»، والمثبت من (ف، ك). وهو شمس الدين أبو عبد الله المغربي المالكي (ت 706). والقَرَوي نسبةً إلى القيروان. ترجمته في «ذيل مرآة الزمان»: (2/ 1149)، وقد ذكره ضمن من ألّب على الحنابلة بمصر أيام مقدم شيخ الإسلام إليها انظر المصدر السالف: (2/ 853).

(الكتاب/259)


ثم بعد ذلك عَزَّرَ بعضُ القضاة بدمشق شخصًا يلوذُ بالشيخ تقي الدين، وطُلِبَ جماعةٌ، ثم أُطْلِقوا، ووقع هَرْج في البلد، وكان الأمير نائب السلطنة قد خرج للصيد وغابَ (1) نحو جمعةٍ ثم حضر. وكان الحافظُ جمالُ الدين المِزِّي يقرأ «صحيح البخاري» لأجل الاستسقاء (2)، فقرأ يوم الاثنين الثاني والعشرين من رجب في أثناء ذلك فصلاً في الردِّ على الَجْهمية، وأنَّ اللهَ فوقَ العرش، من «كتاب أفعال العباد»، تأليف البخاري، تحت النَّسْر (3)، فغضبَ لذلك بعضُ الفقهاء الحاضرين، وقالوا (4): نحن المقصودون بهذا، ورفعوا الأمر إلى قاضي القضاة الشافعية (5)، فطلبه ورَسَم بحبسه. فبلغ ذلك الشيخَ تقيَّ الدين، فتألَّمَ له، وأخْرجه من الحبس بيده، وخرج إلى القصر إلى ملك الأمراء، وتخاصَمَ هو والقاضي هناك، وأثنى على الشيخ جمال الدين. _________ (1) ليست في (ف). (2) انظر مقالًا في نقد ظاهرة قراءة البخاري لدفع النوازل وتفريج الكربات في «مجلة المنار»: (5/ 474 ــ 477) وعنه القاسمي في «قواعد التحديث» (ص 263 ــ 267). (3) يعني: تحت قبة النسر في الجامع الأموي. (4) (ق): «وقال». (5) (ف، ك): «الشافعي». والقاضي هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سالم نجم الدين ابن صَصْرى الدمشقي الشافعي ت (723). انظر «أعيان العصر»: (1/ 327 ــ 333)، و «الدرر الكامنة»: (1/ 263 ــ 264).

(الكتاب/260)


وغضبَ القاضي وانزعج وقال: لئن لم يُرَدَّ إلى حبسي (1) عزلتُ نفسي. فأرضاه ملك الأمراء بأن أعاد الشيخ جمال الدين إلى حبسه، فاعتقله بالقوصيَّة أيَّامًا. وذكر الشيخُ تقيُّ الدين للنائب ما وقع في غَيْبته في حقِّ بعض أصحابه من الأذى، فرسَمَ بحبس جماعةٍ من أصحاب ابن الوكيل، وأمر فنودي في البلد: إنه من تكلَّم في العقائد حلَّ ماله ودمه، ونُهِبَت (2) دارُه وحانوته. وقَصَدَ بذلك تسكين الشرِّ والفتن (3). وفي يوم الثلاثاء سابع شعبان عُقِدَ للشيخ تقي الدين مجلسٌ ثالث بالقصر، ورضي الجماعة بالعقيدة. وفي هذا اليوم عَزلَ قاضي القُضاة نجم الدين بن صَصْرى نفسَه عن الحكم بسببِ كلامٍ سمعه من الشيخ كمال الدين بن الزّمْلكاني لا أحبُّ حكايتَه (4). وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان وردَ كتابُ السلطان إلى القاضي بإعادته إلى الحكم، وفيه: إنا كنَّا رَسَمْنا بعَقْدِ مجلس للشيخ تقيّ الدين، وقد بلغنا ما عُقِدَ له من المجالس، وأَنه على مذهب السلف. وما قَصَدْنا بذلك إلّا براءة ساحته. _________ (1) (ف): «حبس». (2) (ف، ك): «دمه وماله»، و (ف): «ونهب». (3) (ك): «الفتن والشر». (4) انظر «مجموع الفتاوى»: (3/ 172 - 174) ففيه حكاية ما جرى بالتفصيل. و «الجامع ــ نهاية الأرب»: (ص 174 - 175)، و «تكملته ــ ذيل المرآة»: (ص 21).

(الكتاب/261)


 [مجالس المناظرة في العقيدة]

وقد ذكر الشيخ رحمه الله صورةَ ما جَرَى في هذه المجالس ملخَّصًا، وعلَّق في ذلك شيئًا مختصرًا (1) فقال (2): الحمد لله ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهيرَ ولا مُعين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، الذي أرسلَه إلى الخلقِ أجمعين. صلى الله عليه وعلى آله وسلم (3) وعلى سائر عباد الله الصَّالحين. أما بعد؛ فقد سُئلت (4) أن أكتبَ ما حضرني ذِكْرُه مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أَمْر الاعتقاد، بمقتضى ما وردَ به كتابُ السلطان من الديار المصريَّة إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قومٌ من (5) _________ (1) «مختصرًا» ليست في (ب، ق). (2) بعده في (ف، ك): «بسم الله الرحمن الرحيم». أقول: كتب الشيخ ما جرى في هذه المجالس عدة مرات في أوقات مختلفة، وفي كل واحدة ما ليس في الأخرى، وهذه النسخة الثابتة هنا من أتمّ ما كتب الشيخ، ومثلها النسخة التي في «مجموع الفتاوى»: (3/ 160 - 193)، وأخرى مختصرة نقلها البرزالي، ورابعة مختصرة حكاها عبد الله بن تيمية، وكلها في «الفتاوى». وهناك نسخة أخرى بخط الشيخ ضمن مجموع في الظاهرية (ق 261 أ-266 ب). وسأرمز لطبعة الفتاوى عند المقارنة بـ (طف). (3) (ب، ق، ف) زيادة: «تسليمًا». (ط): «كثيرًا». (4) (ف، ك، طف) زيادة: «غير مرة». (5) بعده في (ف، ك، طف) زيادة: «الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم».

(الكتاب/262)


ذوي الأحقاد. فأَمَرَ الأميرُ بجمع القضاة (1) والمشايخ ممن له حُرْمة وبه اعتداد. وهم لا يدرون ما (2) قُصِد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة. فقال لي: هذا المجلس عُقِد لك، وقد (3) وردَ مرسومُ السلطان: أن أسألكَ عن اعتقادك، وعما كتبتَ به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها (4) الناسَ إلى الاعتقاد. وأظنُّه قال: وأنْ أَجْمَعَ القضاةَ والفقهاءَ، ويتباحثون (5) في ذلك. فقلتُ: أما الاعتقادُ فلا (6) يُؤْخَذ عنّي ولا عمَّن هو أكبرُ منِّي، بل يؤخذُ عن الله ورسوله [ق 75] وما أجمعَ عليه سلفُ الأمة؛ فما كان في القرآن وجبَ اعتقادُه، وكذلك ما ثبتَ في الأحاديث الصحيحة، مثل «صحيح البخاري ومسلم». وأما الكتب؛ فما كتبتُ إلى أحدٍ كتابًا ابتداءً أدعو (7) به إلى شيءٍ من ذلك، _________ (1) بعده في (ف، ك، طف) زيادة: «الأربعة: قضاة المذاهب الأربعة، وغيرهم من نوابهم والمفتين». (2) (ب، ق، ف): «فيما». (3) (ف، ق، طف): «فقد». (4) (ك): «تدعونها». (5) (ف، ك، طف): «وتتباحثون». (6) (ف): «فإنه لا». (7) (ط): «أدعوه».

(الكتاب/263)


ولكن (1) كتبتُ أجوبةً أجبتُ بها مَن يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم. وكان قد بلغني أنه زُوِّرَ عليِّ كتابٌ إلى الأمير رُكْن الدين الجاشنكير أستاذِ دارِ (2) السلطان، يتضمَّن ذكرَ عقيدةٍ مُحَرَّفة، ولم أعلم بحقيقتهِ، لكن علمتُ أنَّ هذا مكذوب (3). وكان يَردُ عليَّ من مصرَ وغيرها مَنْ يسألني مسائل في الاعتقاد أو غيره، فأُجيبه (4) بالكتاب والسنة وما كان عليه سلفُ الأمة. فقال: نريدُ أن تكتبَ لنا عقيدتك. فقلتُ: اكتبوا. فأُمِرَ الشيخُ كمالُ الدين (5) أن يكتب. فكُتِبَتْ (6) له جُمَلُ الاعتقاد في أبواب الصفاتِ، والقَدَرِ، ومسائل الإيمان، والوعيد، والإمامة (7)، والتفضيل. وهو أنَّ اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمانُ بما وصف الله به نفسَه، وبما وصفه به رسولُه - صلى الله عليه وسلم - ، من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيل. وأنَّ القرآن كلامُ الله غير _________ (1) (ف، ك): «ولكنني». (طف): «ولكني». (2) (ب، ق): «استدار». (3) (ط): «أنه مكذوب». (4) (ف، ك، طف): «عن مسائل ... »، (ق، ف، طف): «وغيره»، (ب، ق، ف): «فأجبته». (5) هو ابن الزملكاني. (6) (ط): «فكتب». (7) (ب، ق): «الأمانة» تحريف.

(الكتاب/264)


مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. والإيمانُ بأنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها. وأنَّه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وأنَّه أمر بالطاعة وأحبَّها ورضيها (1)، ونهى عن المعصية وكرهها. والعبدُ فاعل حقيقةً، واللهُ خالقُ فعله. وأنَّ الإيمان والدِّين قولٌ وعملٌ يزيدُ وينقص. وأن لا يُكَفَّر أحدٌ (2) من أهل القبلة بالذنوب، ولا يُخلَّد في النار من أهل الإيمان أحدٌ (3). وأنَّ الخلفاء بعدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليٌّ، مرتبتهم في الفضل كَرُتْبَتهم (4) في الخلافة، ومن قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزْرى بالمهاجرين والأنصار. وذكرت (5) هذا ونحوه، فإنّي الآن قد بَعُدَ عهدي، ولم أحفظ لفظ ما أمليته إذ ذاك (6). ثم قلتُ للأمير والحاضرين: أنا أعلم أنَّ أقوامًا يكذبون عليَّ، كما قد كذبوا عليّ (7) غير مرَّةٍ، وإن أمليتُ الاعتقاد من حفظي (8) ربما يقولون: كتم بعضَه، أو داهن ودارى، فأنا أُحضِر عقيدةً مكتوبةً من نحو سبع سنين، قبل _________ (1) (ف، ك): «شاء الله ... ورضيها وأحبها». (2) (ف، ك، طف): «نكفر أحدًا». (3) (ط): «نخلّد ... أحدًا». (4) (ف، ك): «رضي الله عنهم، ومرتبتهم ... كمرتبتهم». (طف): «وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم». (5) الأصل و (ب): «وذكر». (6) (طف): «ما أمليته لكنه كتب إذ ذاك». (7) «كما .... عليّ» سقط من (ف). (8) (ب، ق): «خطي» خطأ.

(الكتاب/265)


مجيء التتر إلى الشام. وقلتُ قبل حضورها كلامًا قد بَعُدَ عهدي به، وغضبت غضبًا شديدًا، لكن (1) أذكر أنّي قلتُ: أنا أعلمُ أنَّ أقوامًا كذبوا عليَّ، وقالوا للسلطان أشياء (2). وتكلَّمتُ بكلامٍ احتجتُ إليه، مثل أن قلتُ: من قام بالإسلامِ أوقات (3) الحاجة غيري؟ ومن الذي أوضحَ دلائلَه وبيَّنه، وجاهد أعداءَه، وأقامه لمَّا مال؟ حين (4) تخلّى عنه كلُّ أحدٍ ولا (5) أحدٌ ينطقُ بحجَّته، ولا أحدٌ يجاهدُ _________ (1) (ق، ف، ك، ط): «لكني». (2) لعل الشيخ أراد أنهم وشوا به عند السلطان أنه يريد الملك، كما قال نصر المنبجي لابن مخلوف: «قل للأمراء بأنّ ابن تيمية يُخشى على الدولة منه، كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب». انظر «الجامع»: (ص 322، 505، 544). وقد زَوّر عليه بعض الصوفية كتابًا سنة (702 هـ) فيه أنه يريد قلب الملك مع بعض العلماء والأمراء، فأُمسك المزّوِّر وعوقب عقوبةً بليغة. انظر «الجامع»: (ص 414)، و «تكملته» (ص 9 - 10). ثم حاولوا محاولة ثالثة، فقد نقل أبو حفص البزار في «الأعلام العلية» (ص 783 ــ ملحق بكتابنا هذا) أنه وُشي بالشيخ إلى الملك الناصر فأحضره بين يديه وقال: إنني أُخبرتُ أنك أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك؟ فلم يكترث به، بل قال له بنفسٍ مطمئنة وقلب ثابت وصوت عال ــ سمعه كثير ممن حضر ــ: أنا أفعل ذلك! والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فَلْسين! فتبسّم السلطان لذلك. وانظر بقية الخبر هناك. (3) (ف، ك): «في أوقات». (4) (ب، ق): «حتى». (5) بقية النسخ: «فلا».

(الكتاب/266)


عنه، وقمتُ مُظْهِرًا لحجَّته، مُجاهدًا عنه، مُرَغِّبًا فيه. فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام فيَّ، فكيف يصنعون بغيري؟ ! ولو أنّ يهوديًّا طلب من السلطان الإنصاف، لوجبَ عليه أن يُنصفه، وأنا قد أغفر عن حقِّي وقد لا أغفر (1)، بل قد أطلبُ الإنصاف (2) منه، وأن يُحْضَر هؤلاء الذين يكذبون [ق 76]، ليُحاقُّوا (3) على افترائهم. وقلتُ كلامًا أطولَ من هذا (4)، من هذا الجنس، لكن بَعُدَ عهدي به. فأشار الأميرُ إلى كاتب الدَّرْج (5): محيي الدين بأن يكتب ذلك (6). وقلتُ أيضًا: كلُّ من خالفني في شيءٍ ممَّا كتبتُه فأنا أعلمُ بمذهبه منه. وما أدري، هل قلتُ هذا قبل حضورها أو بعدها؟ لكنِّي (7) قلتُ ــ أيضًا ــ بعد حضورها وقراءتها: ما ذكرتُ فيها فصلاً إلا وفيه مخالفٌ من المنتسبين إلى القبلة، وكلُّ جملةٍ فيها خلافٌ لطائفةٍ من الطوائف. _________ (1) (ف، ك، طف): «قد أعفو ... لا أعفو» (2) كذا في جميع النسخ، ولعل صوابها: «الانتصاف». (3) (ك، ح): «ليحاققوا». (ف): «ليخافوا». (4) «من هذا» سقطت من (طف). (5) كاتب الدَّرْج: من يكتب الأحكام والفتاوى في الورق المسمى دَرْجًا. انظر «تكملة المعاجم العربية»: (4/ 315 - 316). ومحيي الدين هو: يحيى بن فضل الله أبو المعالي العمري، ولي كتابة السر وديوان الإنشاء وكثر الثناء عليه ت (738 هـ). انظر «الدرر الكامنة»: (4/ 424). (6) (ب، ق) زيادة «كله». (7) (ف، ك، طف): «لكنني».

(الكتاب/267)


ثمَّ أرسلتُ من أحضرها، ومعها (1) كراريس بخطِّي من المنزل، فحضرت «العقيدة الواسطية». وقلتُ لهم: هذه كان (2) سببُ كتابتها أنَّه قَدِمَ من أرض واسط بعضُ قُضاة نواحيها، شيخٌ يُقال له: رضيُّ الدين الواسطي (3)، قَدِمَ علينا حاجًّا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناسُ فيه بتلك البلاد وفي دولة التتر (4) من غَلَبةِ الجهل والظلم، ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتبَ له عقيدةً تكونُ عمدةً له ولأهل بيته. فاستعفيت (5) من ذلك، وقلت: قد كتبَ الناسُ عقائد أئمة السنة (6). فألحَّ في السؤال، وقال: ما أحبُّ إلا عقيدةً تكتبها أنت. فكتبتُ له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر. وقد انتشرت (7) بها نُسَخ كثيرة في مصر والعراق وغيرهما. فأشار الأميرُ بأن لا أقرأها أنا ــ لدفع (8) الرِّيبة ــ وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين، فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، والجماعةُ الحاضرون _________ (1) (ق): «ومعه». (2) (ب، ق): «كانت». (3) لم أعثر على ترجمته. (4) (الأصل، ف، ك): «الططر». (5) (ب، ق): «فاستعففت». (6) في (ف، ك، طف): «عقائد متعددة فخذ بعض عقائد ... ». (7) (ف): «انتشر». (8) (ك، طف): «لرفع».

(الكتاب/268)


يسمعونها (1). ويُوْرِدُ الموردُ منهم ما شاء، ويُعَارض ما (2) شاء. والأميرُ أيضًا سأل (3) عن مواضع فيها. وقد علم الناسُ ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى (4). ولا يمكن ذِكْر ما جرى من الكلام والمناظرات في هذه المجالس، فإنَّه كثير (5)، لكن أكتب ملخَّصَ ما حضرني من ذلك مع بُعْدِ العهد بذلك. ومع أنه كان يجري رَفْعُ أصواتٍ ولَفْظٌ (6) لا ينضبط. فكان ممَّا اعترضَ عليه (7) بعضُهم لما ذُكِرَ في أولها: «ومن الإيمان بالله: الإيمانُ بما وصفَ به نفسَه، ووصفَه به رسولُه (8)؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييفٍ ولا تمثيل». فقال: ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ _________ (1) (ب، ق): «يقرؤها على ... حرفًا وهم يسمعونها». (2) (ق، ف، ك، طف): «فيما». (3) بقية النسخ: «يسأل». (4) (ف، ك، طف) زيادة: «ما قد علمَ الناسُ بعضَه، وبعضه بسبب الاعتقاد، وبعضه بغير ذلك». (5) (ف، ك، طف) زيادة: «ولا ينضبط». (6) كذا بالأصول، وفي (ط): «لغط». (7) (طف): «عليَّ». (8) بعد في (ف، ك): «محمد - صلى الله عليه وسلم - ».

(الكتاب/269)


ومقصودُه: أنَّ هذا ينفي التأويل الذي يثبته أهلُ التأويل، الذي هو صرفُ اللفظِ عن ظاهره؛ إمَّا وجوبًا وإمَّا جوازًا. فقلت: تحريفُ الكَلِمِ عن مواضعه، كما ذمَّه الله في كتابه، وهو إزالة اللفظ عما دلَّ عليه من المعنى، مثل تأويل بعض الجهْمِيَّة لقوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] أي: جرَّحَه بأظافير الحكمة تجريحًا. ومثل تأويلات (1) القَرامِطة والباطنية، وغيرِهم من الجَهْميِة والرافضة والقَدَرية وغيرهم (2). فسكت وفي نفسِه ما فيها. وذكرتُ في غير هذا المجلس: أني عَدَلْتُ عن لفظ «التأويل» إلى لفظ «التحريف»؛ لأن التحريفَ اسمٌ جاءَ القرآنُ بذمِّه. وأنا تحرَّيتُ في هذه العقيدة اتباعَ الكتاب والسنة، فنفيتُ ما ذمَّهُ الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظَ التأويل بنفيٍ ولا إثبات؛ لأنه لفظٌ له عِدَّة معانٍ، كما بَيَّنتُه في موضعه من القواعد. فإنَّ معنى لفظ «التأويل» في كتاب الله غير (3) [ق 77] لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرِّين من أهل الأصول والفقه، وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف (4)، ولأنّ منَ المعاني التي قد تُسَمَّى تأويلاً ما هو (5) صحيحٌ منقول عن بعض _________ (1) (ف): «تأويل». (2) ليست في (ب، ق). (3) في (ك) زيادة: «معنى». (4) ليست في (ب، ق). (5) الأصل و (ب، ق): «ولأن المعاني» و (طف): «لأن من ... »، و (ب، ق): « ... تأويلًا قد يكون فيها ما [سقطت من ق] هو».

(الكتاب/270)


السلف (1). فلم أنفِ ما تقومُ الحجّةُ على صِحَّته؛ إذ ما قامت الحجةُ على صحته، وهو منقولٌ عن السَّلف، فليس من التحريف. وقلتُ لهم (2) أيضًا: ذكرتُ في النفي «التمثيل» ولم أذكر «التشبيه»؛ لأنَّ التمثيل نفاه الله بنصِّ كتابه حيث قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقال: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] كان (3) أحبَّ إليَّ من لفظٍ ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله (4)، وإن كان قد يُعنى بنفيه معنىً صحيح، كما قد يُعنى به معنىً فاسد. ولما ذكرتُ: «أنهم لا ينفون عنه ما وصفَ به نفسَه، ولا يحرِّفون الكَلِم عن مواضعه، ولا يُلحدون (5) في أسماء الله وآياته». جعل بعضُ الحاضرين يمتعِضُ من ذلك؛ لاستشعاره ما في ذلك من الردِّ لِمَا (6) هو عليه، ولكن لم (7) يتوجَّه له ما يقوله، وأرادَ أن يدور عليَّ بالأسولة (8) التي أعلمها، فلم يتمكَّن (9). _________ (1) (ب، ق): «عن السلف». (2) (ف، ك): «له». (3) (ف، ك): «فكان»، (طف): «وكان». (4) (ف، ك، طف): «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ». (5) وقع في الأصل و (ب، ق، ف): «ويحرفون ... ويلحدون» وهو خطأ. (6) جميع النسخ: «ولما»، و (طف): «من الرد الظاهر عليه». (7) (ف): «ولم». (8) (طف): «يدور بالأسئلة». (9) (ف، ك، طف) زيادة: «لعلمه بالجواب».

(الكتاب/271)


ولما ذكرتُ آية الكرسِّي، أظنُّ سألَ الأميرُ عن قولنا: «لا يقربه شيطانٌ حتَّى يصبح». فذكرتُ حديثَ (1) أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقةَ الفطر، وذكرتُ أنَّ البخاريَّ رواه في «صحيحه» (2). وأخذوا يذكرون نفيَ التشبيه والتجسيم، ويُطنبون في هذا ويُعَرِّضون بما ينسبه بعضُ الناس إلينا من ذلك. فقلتُ: قولي (3): «من غير تكييف ولا تمثيل» ينفي كلَّ باطل، وإنَّما اخترتُ (4) هذين الاسمين؛ لأنَّ «التكييف» مأثورٌ نفيه عن السَّلَف، كما قال ربيعةُ، ومالكٌ، وابن عُيينة وغيرهم ــ المقالةَ التي تلقَّاها العلماءُ بالقبول ــ: «الاستواءُ معلوم، والكيفُ مجهول، والإيمانُ به واجب، والسؤال عنه بدعة». واتَّفق (5) هؤلاء السَّلف على أن الكيف غير معلومٍ لنا، فنفيتُ ذلك اتّباعًا لسلفِ الأُمَّة، وهو أيضًا منفيٌّ بالنَّصِّ. فإنَّ تأويل آياتِ الصفات يدخلُ فيها حقيقةُ الموصوف وحقيقةُ صفاته، وهذا من التأويل الذي لا يعلمُه إلاَّ الله. كما قد قرَّرْتُ ذلك في قاعدةٍ مفردة ذكرتها في «التأويل، والمعنى، والفَرْق بين عِلْمِنا بمعنى الكلام، وبين عِلْمِنا بتأويله». _________ (1) (ك): «له حديث». (2) رقم (2311). (3) (ب): «قوله». (4) (ف، ك): «أخذت». (5) بقية النسخ: «فاتفق».

(الكتاب/272)


وكذلك «التمثيل» منفيٌّ (1) بالنصِّ والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف، إذ كُنْهُ الباري غير معلومٍ للبشر، وذكرتُ في ضمن ذلك كلامَ الخطَّابي الذي نقل أنه مذهبُ السَّلف، وهو: إجراءُ آيات الصِّفات وأحاديثها على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصِّفات فرعٌ عن (2) الكلام في الذَّات، يُحْتَذَى (3) فيه حذوه، ويُتَّبَعُ فيه مثالُه. فإذا كان إثباتُ الذَّاتِ إثباتَ وجودٍ لا إثباتَ تكييف= فكذلك إثباتُ الصِّفات (4) إثبات وجود لا إثبات تكييف. فقال أحدُ كبراء المخالفين (5): فحينئذٍ يجوز أن يُقال: هو جسم، لا (6) كالأجسام! فقلتُ له أنا وبعضُ الفضلاء (7): إنِّما قيل: إنَّه يوصَفُ الله بما وصفَ به نفسَه، وبما وصفه به رسوله، وليس في الكتاب والسنَّة [ق 78] أنَّ الله جسم، حتَّى يلزم هذا السؤال. _________ (1) (ف، ك): «ينفي». (2) الأصل و (ب، ق، ك): «على». (3) (ف): «محتذى». (4) (ب، ق): «إثبات كيفية فكذلك ... »، (ف): «فكذلك الصفات». (5) (ب، ق): «المجلس» بدل «المخالفين»، (طف): «كبار». (6) «لا» ليست في (ف). (7) (ب، ق): «فقلت له وبعض .. »، (ف، ك، طف): «الفضلاء الحاضرين».

(الكتاب/273)


وأخذَ بعضُ القضاةِ (1) المعروفين بالدِّيانة يريد إظهار أنَّ ينفي عنّا ما يقوله (2)، فجعل يزيد في المبالغة (3) في نفي التشبيه والتجسيم. فقلتُ: قد ذُكِرَ (4) فيها في غير موضع «من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييف ولا تمثيل». [وقلتُ في صدرها: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف الله به نفسَه في كتابه، وبما وصفه به رسولُه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل». ثمَّ قلتُ: «وما وصف الرسول به ربَّه من الأحاديث الصحاح التي تلقَّاها أهلُ المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك». إلى أن قلت: «إلى أمثال هذه الأحاديث الصحاح التي يخبر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يخبر به، فإنَّ الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. بل هم] (5) الوسط في فرق الأمة، كما أنَّ الأمة هي _________ (1) بعده في (ف، ك، طف): «الحاضرين و». (2) الأصل: «ينفي عنه»، و (طف): «عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا». (3) الأصل: «يريد المبالغة». (4) (طف): «ذكرت». (5) ما بين المعكوفين ليس في الأصل و (ب، ق)، وهو من (ف، ك، طف). وأثبته ليستقيم السياق. وفي الأصل حتى يستقيم السياق: «وفيها: فهم الوسط ... ».

(الكتاب/274)


الوسط في الأمم، فهم وسطٌ في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبِّهة». ولمَّا رأى هذا الحاكمُ العَدْلُ تمالُؤَهم وتعصُّبَهم، ورأى قلَّة العارف الناصر (1)، وخافهم، قال: أنتَ قد صنَّفت اعتقاد الإمام أحمد، فنقول: هذا اعتقادُ أحمد. يعني: والرجلُ يصنِّفُ على مذهبه، فلا يُعتَرضُ عليه، فإنَّ هذا مذهبٌ متبوع. وغرضُهُ بذلك: قطعُ مخاصمة الخصوم. فقلتُ: ما خرَّجتُ (2) إلاّ عقيدةَ السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاصٌ بهذا، والإمامُ أحمد إنَّما هو مبلِّغ العلم الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولو قال أحدٌ (3) من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله. وهذه عقيدة محمد - صلى الله عليه وسلم - . وقلتُ مرَّاتٍ: قد أمهلتُ من (4) خالفني في شيءٍ منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرفٍ واحدٍ عن القرون الثلاثة التي أثنى عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حيث قال: «خيرُ القرونِ القرن الذي بُعِثتُ فيهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين _________ (1) المثبت من الأصل و (طف)، وفي (ف، ك): «قلة المعاون»، وفي (ف): «منهم والناصر». (2) (ف، ك، طف): «ما جمعتُ». (3) كذا في الأصول، وفي (ط، طف): «أحمد». (4) (ف، ك، طف): «كل من».

(الكتاب/275)


يلونهم» (1) = يخالفُ ما ذكرتُه فأنا أرجع عن ذلك. وعليَّ أن (2) آتي بنقولِ جميع الطوائف من القرون الثلاثة يوافقُ (3) ما ذكرتُه؛ من الحنفيّة، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والأشعرية، والصوفية، وأهل الحديث، وغيرهم. وقلتُ ــ أيضًا في غير هذا المجلس ــ: الإمامُ أحمد ــ رضي الله عنه ــ لمَّا انتهى إليه من السنَّة ونصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثرُ ممَّا انتهى إلى غيره، وابتُلي بالمحنة والرَّدِّ على أهل البدع أكثر من غيره (4) = فصار إمامًا في السنة أظهر من غيره. وإلاَّ فالأمرُ كما قاله بعضُ شيوخ المغاربة العلماء (5)، قال: المذهبُ لمالك والشَّافعي، والظهور لأحمد بن حنبل (6). يعني: أنَّ الذي كان عليه أحمد عليه جميعُ أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان، وإظهار الحقِّ، ودفع الباطل، ما ليس _________ (1) أخرجه البخاري (2561)، ومسلم (2535) من حديث عمران بن حُصين رضي الله عنه، وأخرجاه عن ابن مسعود أيضًا. (2) (ب، ق): «وأنا» بدلًا من «وعليَّ أن». (3) (ف): «توافق». و (طف، ط): «من القرون». (4) بعده في (ف، ك، ط، طف) زيادة: «كان كلامه وعمله [طف: علمه] في هذا الباب أكثر من غيره». (5) (ف، ك): «العلماء الصلحاء». (6) ذكر هذه العبارة شيخ الإسلام أيضًا في «منهاج السنة»: (2/ 365)، وفي «درء التعارض»: (5/ 5) ونسبَها لبعض أكابر الشيوخ.

(الكتاب/276)


لبعض (1). ولمَّا جاء حديثُ أبي سعيد المتفق عليه في «الصحيحين» (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «يقولُ اللهُ (3): يا آدم! فيقول: لبَّيك وسَعْدَيْك. فينادَى بصوتٍ: إنَّ الله يأمرُكَ أنْ تبعثَ بعثًا إلى النار ... » الحديث. سألهم الأميرُ: هل هذا الحديث صحيح؟ فقلتُ: نعم، هو في «الصحيحين»، ولم يخالفوا في ذلك، واحتاجَ المنازعُ إلى الإقرار به (4). وطلبَ الأميرُ الكلامَ في مسألة الحرف والصوت؛ لأنَّ ذلك طُلِبَ منه. فقلتُ: هذا الذي يُحكى عن أحمد (5) وأصحابه: أنَّ صوت القارئين ومِدَاد المصاحف قديمٌ أزليٌّ (6) = كَذِبٌ مُفترى، لم يقل ذلك أحمد ولا أحدٌ من علماء المسلمين (7). وأخرجتُ كُرَّاسًا كان قد أُحْضِرَ (8) مع العقيدة، _________ (1) (ب، ق): «لبعضهم». (2) البخاري رقم (4741)، ومسلم رقم (222). (3) (ب، ق، ك، ط، طف) زيادة: «يوم القيامة». (4) في (طف): «ولم يخالف في ذلك أحد» وزاد في آخر العبارة «ووافق الجماعةُ على ذلك». (5) في (ف، ك، ط، طف): «يحكيه [ف: يحكي] كثير من الناس عن الإمام أحمد ... ». (6) (طف) زيادة: «كما نقله مجد الدين [كذا، ولعله: فخر الدين] بن الخطيب وغيره». (7) زاد في (طف): «لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم». (8) (ف): «حضر»، (طف): «قد أحضرته».

(الكتاب/277)


وفيه (1) ما ذكره الشيخ أبو بكر الخلاَّل في «كتاب السُّنَّة» عن الإمام أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر المرُّوْذي من كلام أحمد، وكلام أئمة زمانه (2)، في أنَّ من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جَهْمي. ومن قال: غيرُ مخلوق، فهو مبتدع (3). قلتُ: فكيف بمن يقول: لفظي (4) قديمٌ أزليّ؟ [فكيف بمن يقول: صوتي غير مخلوق] (5)؟ فكيف بمن يقول: صوتي قديم (6)؟ ! وأحضرتُ جواب مسألةٍ كنتُ سُئلتُ قديمًا عنها، فيمن حلف بالطلاق في مسألة الحَرْفِ والصَّوت، ومسألة الظَّاهر في العرش (7). وقلتُ: هذا جوابي. وكانت هذه المسألة قد أرْسَلَ بها طائفةٌ من المعاندين المتجهِّمة، ممَّن _________ (1) (طف): «فيه ألفاظ أحمد مما ذكره». (2) (طف) زيادة: «وسائر أصحابه». (3) بعده في (طف): «قلت: وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب «المقالات» عن أهل السنة، وأصحاب الحديث، وقال: إنه يقول به». (4) «بالقرآن ... لفظي» سقطت من (ف). (5) «أزلي» ليست في (ك، ط، طف)، وقوله: «فكيف ... مخلوق» من (ف، ك، ط، طف). (6) (طف) زيادة: «ونصوص الإمام أحمد في الفرق بين تكلم الله بصوت وبين صوت العبد، كما نقله البخاري صاحب الصحيح في كتاب «خلق أفعال العباد» وغيره من أئمة السنة». (7) (طف) زيادة: «فذكرت من الجواب القديم في هذه المسألة وتفصيل القول فيها، وأن إطلاق القول أن القرآن هو الحرف والصوت، أو ليس بحرف ولا صوت= كلاهما بدعة حدثت بعد المائة الثالثة».

(الكتاب/278)


كان بعضُهم حاضرًا في المجلس، فلمَّا وصل إليهم الجوابُ أسْكَتَهم. وكانوا قد ظنُّوا إن أُجِيْب (1) بما في ظنهم أنَّ أهل السُّنَّة تقوله= حَصَلَ مقصودُهم من الشناعة، وإن أجبتُ بما يقولونه (2) = حَصَل مقصودُهم من الموافقة. فلمَّا أُجيبوا بالفرقان الذي عليه أهلُ السُّنَّة، وليس هو ممَّا (3) يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السُّنَّة، أو قد (4) يقولُه بعضُ الجُهَّال= [بُهِتُوا لذلك] (5). وفيه: «إنَّ القرآن (6) كلامُ اللهُ حروفه ومعانيه، ليس القرآنُ اسمًا لمجرَّد الحروف، ولا لمجرَّد المعاني» (7). ولمَّا جاءت مسألةُ القرآن، «وأنَّ القرآنَ (8) كلامُ الله غيرُ مخلوق، منه _________ (1) كذا في الأصل و (ب، ق)، وفي (ف، ك): «ظنوا أنه إن»، و (ح): «أنه إذا» وفي (ط، طف): «ظنوا أني إن أجبت». (2) (ف، ك، ط، طف): «يقولونه هم». (3) (ف، ك، ط، طف): «ما». (4) (ط، طف، ف، ك): «إذ». (5) من (ف، ك، ط، طف). (6) (طف): «القرآن كله ... ». (7) بعده في (طف) كلام طويل للشيخ نحو صفحتين، فيه شرح ما جرى مع صدر الدين ابن الوكيل من النقاش، وخصومة ابن الوكيل مع كمال الدين ابن الزملكاني، وما وقع بين ابن الزملكاني وابن صصرى. «طف»: (3/ 172 - 174). (8) (ف، ك، ط، طف): «القرآن ومن الإيمان به الإيمان بأن القرآن ... ». وقوله بعده «ونازع .. يعود» سقطت من (ف).

(الكتاب/279)


بدأ وإليه يعود» = نازَع بعضُهم في كونه منه بدأ وإليه يعود، وطلبوا تفسيرَ ذلك. فقلتُ: أمَّا هذا القول فهو المأثور الثابت عن السَّلف، مثل ما نقله عَمْرو بن دينار قال: «أدركتُ النَّاسَ منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، إلاَّ القرآن، فإنَّه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود» (1). وقد (2) جمع غيرُ واحدٍ ما في ذلك من الآثار عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين (3). وأمَّا معناه: فإنَّ قوله (4): «منه بدأ» أي: هو المتكلِّم به، وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقوله الجهميَّة: إنَّه خُلِقَ في الهواء أو غيره (5)، وبدأ من عند غيره. وأمّا «إليه يعود» فإنَّه يُسْرَى به في آخر الزَّمان (6) من المصاحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف. ووافقَ على ذلك غالبُ الحاضرين، وسكت المنازعون. _________ (1) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد»: (2/ 234). (2) الأصل: «قد». (3) (طف) زيادة: «كالحافظ أبي الفضل بن ناصر، والحافظ أبي عبد الله المقدسي». (4) (ب): «فقوله»، (ف): «فأقول»، (طف): «قولهم». (5) (ف): «عبره». (6) (ف، ك): «في آخر الزمان به».

(الكتاب/280)


وخاطبتُ (1) بعضَهم في غير هذا المجلس، بأن أريتُه العقيدة التي جمعها الإمام القادرُ بالله (2)، [التي فيها]: «إنه (3) كلام الله خرج منه» فتوقَّف في هذا اللفظ. فقلتُ: هكذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «وما تقرَّب العبادُ إلى الله بمثل ما خرجَ منه» (4). يعني: القرآن. وقال خبَّاب بن الأرَتّ: «يا هَنَتاه! تقرَّبْ إلى الله بما استطعتَ، فلن تتقرَّب (5) إليه بشيءٍ أحبَّ إليه ممَّا خرج منه» (6). _________ (1) (ب): «خاطب». (2) (طف): «القادري». وهو: أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر الخليفة الملقب «القادر بالله» (336 - 422 هـ)، له اشتغال بالعلم، وصنف عدة تصانيف، محمود السيرة في دينه وحكمه. وعقيدته هذه ساقها ابن الجوزي في «المنتظم»: (9/ 303) حوادث سنة 433 هـ. انظر «سير أعلام النبلاء»: (15/ 127 - 137). (3) «التي فيها» من (ف، ك، ط، طف)، وبعده فيها: «إن القرآن». (4) أخرجه أحمد (22306)، والترمذي (2911) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. قال الترمذي: «حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خُنَيس قد تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر أمره». وقد روي عن جبير بن نُفير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا، أخرجه الترمذي (2912)، والحاكم: (2/ 441) وغيرهما. وصححه الحاكم. (5) (ب، ق): «يُتقرَّب». (6) أخرجه ابن أبي شيبة (30722)، وأحمد في «الزهد» (ص 35)، والحاكم: (2/ 441)، والخلال في «السنة»: (6/ 104) وغيرهم. وفيها: «أحبّ إليه من كلامه»، ولم أجده بلفظ «خرج منه». وقد ذكره ابن تيمية كذلك في عدد من كتبه «الاستقامة»: (1/ 345)، و «شرح الأصفهانية» (ص 15).

(الكتاب/281)


وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ــ لما قُرئ عليه قرآنُ مُسَيلمة (1) ـ: «إنَّ هذا كلام (2) لم يخرج من إلٍّ» (3). يعني: رَبٍّ. وممَّا فيها: «ومن الإيمان به: الإيمان بأنَّ القرآنَ كلامُ الله، مُنَزَّلٌ، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنَّ الله تكلَّم به حقيقةً، وأنَّ هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - هو كلامُ الله حقيقةً، لا كلامُ غيره، ولا يجوزُ إطلاقُ القول بأنه [ق 80] حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأ الناسُ القرآنَ (4)، أو كتبوه في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكونَ كلامَ الله، فإنَّ الكلامَ إنما يُضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مُبَلِّغا مؤدِّيًا». فامْتَعَضَ بعضُهم من إثبات (5) كونه كلام الله حقيقة، بعد تسليمه أنَّ اللهَ تكلَّم به حقيقةً، ثمَّ إنه سلَّم ذلك لمَّا بُيِّنَ له أنَّ المجاز يصحّ نفيُه، وهذا لا يصحُّ نفيه، ولما بُيِّنَ له أنّ (6) أقوالَ المتقدِّمين المأثورة عنهم، وشِعْر الشعراء المضاف إليهم، هو كلامهم حقيقةً. [فلا يكون نسبة القرآن إلى الله _________ (1) بقية النسخ زيادة: «الكذاب». (2) (ب، ق): «الكلام». (3) ذكره أبو عبيد في «غريب الحديث»: (1/ 100)، وابن قتيبة في «غريب الحديث»: (1/ 532) وغيرهما. (4) (طف): «قرأه الناس». (5) الأصل: «امتعض ... »، (طف): «فتمعض»، (ف، ك): «كونه إثبات». (6) «المجاز ... له أن» سقطت من (ف).

(الكتاب/282)


بأقلّ من ذلك] (1). ولما ذُكِرَ فيها: «أنَّ الكلامَ إنما يُضافُ حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مُبَلِّغا مؤديًا». استحسنوا هذا الكلام وعظَّمُوه، وأخذ أحدُ الخصوم (2) يُظْهِر تعظيمَ هذا الكلام، وأنه أزال عنه الشُّبهات، ويذكر أشياءَ من هذا النَّمط (3). ولما جاء ما ذُكرَ من الإيمان باليوم الآخر، وتفصيله ونَظْمه استحسنوا ذلك وعظَّموه. وكذلك لما جاء ذِكْر الإيمان بالقَدَرِ، وأنه على درجتين، إلى غير ذلك ممَّا فيه من القواعد الجليلة. وكذلك لما جاء الكلامُ في الفاسقِ المِلِّيِّ، وفي الإيمان؛ لكن اعترضوا على ذلك بما سأذكره. وكان مجموع ما اعترض به المنازعون (4) ــ بعد انقضاء قراءة جميعها، والبحث فيها ــ[أربعة أسئلة: السؤال الأول] (5): قولنا: «ومن أصولِ الفرقة الناجية: أنَّ الإيمان _________ (1) ما بين المعكوفين من (ف، ك، ط، طف). (2) (ف، ك): «كبراء الخصوم»، (طف): «أكبر الخصوم». (3) العبارة في (طف): «هذا الكلام، كابن الوكيل وغيره، وأظهر الفرح بهذا التلخيص، وقال: إنك قد أزلت عنا هذه الشبهة، وشفيت الصدور، ويذكر ... ». (4) (ف، ك، ط، طف) زيادة: «المعاندون». (5) زيادة من (ف، ك، ط، طف).

(الكتاب/283)


والدين: قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقصُ؛ قولُ القلبِ واللسان، [وعَمَلُ القلبِ واللسان] (1) والجوارح». قالوا: إذا قيل: إنَّ هذا من أصول الفرقة الناجية، خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك، مثل أصحابنا المتكلِّمين الذين يقولون: إنَّ الإيمانَ هو التصديق، ومن يقول: إنَّ الإيمانَ هو التصديق (2) والإقرار. وإذا لم يكونوا ناجين، لزمَ أن يكونوا هالكين (3). وأما الأسولة الثلاثة ــ وهي التي كانت عمدتهم ــ فأوردوها على قولنا: «وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمانُ بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأجمعَ عليه سلفُ الأُمة: من (4) أنه سبحانه فوقَ سمواته، على (5) عَرْشه، عليٌّ على خَلْقِه، وهو معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون. كما جمع بين ذلك في قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ (6) مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]. _________ (1) ما بين المعكوفين سقط من الأصل. (2) «ومن ... التصديق» سقطت من (ب). (3) (ب): «من الهالكين». (4) الأصل و (ب، ق، ط): «ومن»، والمثبت من (ق، ك، طف) وهو الأولى في المعنى. (5) في (ب، ف، ك، ط): «وأنه على». (6) تبدأ الآية من هنا في الأصل و (ق).

(الكتاب/284)


«وليس معنى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} (1) أنَّه مختلطٌ بالخلق، فإِنَّ هذا لا توجبه اللغة، وهو خلافُ ما أجمعَ عليه سلفُ الأُمة، وخلافُ ما فطَرَ الله عليه الخلق، بل القمر آيةٌ من آياتِ الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر (2) أينما كان، وهو سبحانه فوقَ العَرْش، رقيبٌ على خَلْقه، مُهَيْمنٌ عليهم، مُطَّلعٌ إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكلُّ هذا الكلام الذي ذكره الله، من أنَّه فوقَ العرش، وأنَّه معنا= حقٌّ على حقيقته، لا يحتاج (3) إلى تحريف، ولكن يُصان عن الظنون الكاذبة. [والسؤال الأوّل] (4) قال بعضهم: نُقِرُّ باللفظ الوارد، مثل حديث [ق 81] العباس، حديث (5) الأوعال: «واللهُ فوقَ العرشِ» (6) ولا نقول: فوق السماوات، ولا نقول: على العرش. وقالوا أيضًا: نقول: على (7) العرش _________ (1) «أينما كنتم ... معكم» سقط من (ف). (2) زاد في (ف، ك، ط، طف): «وغير المسافر». (3) (ف): «لا يحتاجون». (4) ما بينهما من (ف، ك، ط)، وفي (طف): «السؤال الثاني» وجعل الأسئلة التي بعدها الثالث والرابع. وفي باقي النسخ الثاني والثالث. والسبب في اختلاف العدّ هو اعتبار الأسئلة الثلاثة مستأنفة العد، أو تابعة للسؤال الأول. وبعده في (ب، ق): «فقال». (5) (ب، ق): «من حديث». (6) أخرجه أبو داود (4725)، والترمذي (3638) وغيرهما. قال الترمذي: «حسن غريب». (7) (ف، طف): «الرحمن على ... ».

(الكتاب/285)


استوى، ولا نقول: الله على العرش (1) استوى، ولا نقول: مستوٍ. وأعادوا هذا المعنى مرارًا= أنّ الّلفظ الذي ورد يقال (2) بعينه، ولا يُبدَّل بلفظٍ يرادفُه، ولا يُفهم له معنًى أصلًا، ولا يقال: إنَّه يدلُّ على صفة لله أصلًا. وانبسط الكلامُ في هذا في (3) المجلس الثاني، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. والسؤال الثاني: قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كونِ الله في السَّماء بكون القمر في السَّماء. السؤال الثالث: قالوا: قولك: «حقٌّ على حقيقته»، الحقيقةُ هي المعنى اللغويُّ، ولا يُفهم من الحقيقة اللغوية (4) إلاَّ استواء الأجسام وفوقيَّتها (5)، ولم تضع العرب ذلك إلا لها. فإثبات الحقيقة هو محضُ التجسيم، ونفي التجسيم ــ مع هذا ــ تناقضٌ أو مُصانعة؟ فأجبتهم (6): بأنَّ قولي: «اعتقادُ الفِرْقة الناجية» هي الفرقة التي وصفها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالنجاة، حيثُ قال: «تفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون _________ (1) «وقالوا أيضًا ... العرش» سقط من الأصل. (2) (ب، ق): «وأعاد»، و (ف، ك، ط، طف): «مرارًا أي ... يقال اللفظ ... ». (3) «في» من (ق، طف). (4) «اللغوية» ليست في (ك). (5) الأصل: «وتوفيته»، وفي (ق): «وفوقيته»، والمثبت من (ف، ك، ط، طف). (6) زاد في (ف، ك، ط، طف): «عن الأسئلة».

(الكتاب/286)


في النار، وواحدة في الجنَّة، وهي من كان على مِثْل ما أنا عليه وأصحابي» (1). فهذا الاعتقادُ هو المأثورُ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وهم ومن اتَّبعهم: الفرقةُ الناجية. فإنَّه قد ثبت عن غير واحدٍ من الصحابة أنَّه قال: «الإيمانُ يزيد وينقص» (2). وكلُّ ما ذكرتُه في ذلك فإنَّه مأثورٌ عن الصحابة بالأسانيد الثابتة، لفظُه أو معناه (3)، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضرّ في (4) ذلك. قلت (5): وليس كلُّ من خالف (6) في شيءٍ من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا. فإنَّ المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا، يغفر اللهُ له (7) خطأه. وقد لا يكون بَلَغه في ذلك من العلم ما تقوم عليه به الحجَّة، وقد يكون له _________ (1) أخرجه الترمذي (2641)، والحاكم: (1/ 218) من حديث عبد الله بن عمرو، قال الترمذي: «حديث مفسر حسن غريب». ورُوي من حديث جماعة من الصحابة منهم: أنس، ومعاوية، وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة. قال ابن تيمية: الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند. وقال العراقي: أسانيده جياد. وانظر «السلسلة الصحيحة» (204) للألباني. (2) انظر «السنة»: (4/ 38 ــ 39) للخلال. (3) (طف): «ومعناه». (4) كذا في الأصل و (طف)، وفي (ب، ق، ف، ك، ط): «يضرني». و «ذلك» ليست في (ف). (5) (ف، ك): «قلت لهم»، (ط، طف) بزيادة «ثم» .. (6) (ف): «وليس مخالف في»، (ك): «وليس كل خالف ... ». (7) ليست في (ب، ق، طف).

(الكتاب/287)


من الحسنات ما يمحو (1) الله به سيئاته. وإذا كانت ألفاظُ الوعيد المتناولة [له] (2) لا يجبُ أن يدخلَ فيها المتأوِّل، والتائب (3)، وذو الحسنات الماحية، والمغفور له، وغير ذلك= فهذا أولى. بل مُوجب هذا الكلام أنَّ من اعتقدَ ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضِدَّه فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا. كما يقال (4): من صَمَتَ نجا. وأمَّا السؤال الثاني: فأجبتهم أوَّلاً: بأنَّ كلَّ لفظٍ قلته فهو مأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، مثل لفظ: «فوق السماوات» ولفظ: «على العرش»، و «فوق العرش». وقلتُ: اكتبوا الجوابَ. فأخَذ الكاتبُ في كتابته. ثمَّ قال بعضُ الجماعة: قد طال المجلسُ اليوم، فيؤخَّر هذا إلى مجلسٍ آخر، تكتبون (5) أنتم الجواب، وتُحضِرونه في ذلك المجلس. وأشار بعضُ الموافقين بأن نُتِمَّ (6) الكلامَ بكتابةِ الجوابِ؛ لئلا تنتشر أسْوِلتهم واعتراضهم. _________ (1) (ب، ق): «يغفر». (2) زيادة يستقيم بها السياق من (ط، طف). (3) الأصل: «الثابت»، و (طف): «والقانت». (4) (ف، ك، ط): «قال». (5) (ف): «وتؤخرون»، (ك): «فتكتبون». (6) بقية النسخ: «يتمّم».

(الكتاب/288)


وكأنَّ الخصومَ كان (1) لهم غرضٌ في تأخير كتابةِ الجواب، ليستعدُّوا لأنفسهم، ويطالعوا، ويُحضروا من غابَ من أصحابهم، ويتأمَّلوا العقيدةَ فيما بينهم، ليتمكَّنوا من الطعن والاعتراض. فحصلَ الاتفاقُ على أن يكون تمامُ الكلام يوم الجمعة، وقمنا على ذلك. وقد أظهرَ الله من قيام الحُجَّة وبيانِ المحجَّة ما أعزَّ به [ق 82] أهل (2) السنة والجماعة، وأرغَم به أهل البدعة والضلالة، وفي نفوس كثيرٍ من الناس أمورٌ لما يحدث (3) في المجلس الثاني. وأخذوا في تلك الأيام يتأمَّلونها، ويتأملون ما أجبتُ (4) به في مسائل تتعلَّق بالاعتقاد، مثل «المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية»، وغيرها. _________ (1) ليست في (ب، طف). (2) (ف، ك): «أعز الله .. »، و «أهل» من الأصل فقط. (3) (ب، ق): «بُحِث». (4) (ك): «أجيب».

(الكتاب/289)


فصل (1) فلمَّا كان المجلس الثاني، بعد صلاة الجمعة (2)، ثاني عشر رجب، وقد أحضروا أكبرَ (3) شيوخهم ــ ممن لم يكن حاضرًا ذلك المجلس (4) ــ وبحثوها فيما بينهم، واتفقوا وتواطأوا، وحضروا بقوَّة واستعداد غير ما كانوا عليه؛ لأنَّ المجلس الأول أتاهم بغتة، وإن كان أيضًا بغتةً للمخاطَب الذي هو المسؤول والمجيبُ والمناظرُ. فلمَّا اجتمعنا ــ وقد أحضرتُ ما كتبته من الجواب على (5) أسولتهم المتقدِّمة التي طُلِبَ تأخيرها (6) إلى هذا اليوم ــ حمدتُ الله بخطبة الحاجة، خطبة ابن مسعود. ثمَّ قلتُ: إنَّ الله أمرَنا بالجماعة والائتلاف، ونهانا عن الفُرقة والاختلاف، وقال لنا في القرآن: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، وقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ _________ (1) من (ف، ك). (2) في (ف، ك): «في المجلس الثاني يوم الجمعة بعد الصلاة». (3) (طف): «أكثر». (4) (ك): «اليوم». وفي (طف) زيادة: «وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي، وقالوا: هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام، وبحثوا ... ». (5) (ف، ك): «عن». (6) (ف، ك): «تأخيره»، (طف): «طلبوا تأخيره».

(الكتاب/290)


الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]. وربُّنا واحد، وكتابنا واحد، ونبيّنا واحد، وأصولُ الدِّين لا تحتمل التفرُّقَ والاختلاف. وأنا أقول ما يوجب الجماعةَ بين المسلمين، وهو متفقٌ عليه بين السلف، فإن وافق الجماعةُ فالحمد لله، وإلاَّ فمن خالفني بعد ذلك، كشفتُ له (1) الأسرار، وهتكت الأستار، وبيَّنتُ المذاهب الفاسدة، التي أفسدت الملل والدُّوَل. وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأُعرِّفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإنَّ للسِّلم كلامًا، وللحرب كلامًا. وقلتُ: لا شكَّ أنَّ الناس يتنازعون، فيقول هذا: أنا حنبليٌّ، ويقول هذا: أنا أشعريٌّ، ويجري بينهم تفرُّقٌ وفتنٌ (2) واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها. وأنا قد أحضرتُ ما يُبيِّن (3) اتفاقَ المذاهب فيما ذكرتُه، وأحضرتُ كتاب «تبيين (4) كَذِب المفتري فيما يُنسَب (5) إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري»، تأليف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر. _________ (1) «له» ليست في (ف، ك). (2) ليست في (ك). (3) (ف، ك): «ما بين». (4) تحرف اسم الكتاب في (ب، ق): «بتبيين ــ يتبين»! (5) (ب): «نُسِبَ».

(الكتاب/291)


وقلتُ: لم يُصَنَّف في أخبار الأشعريِّ المحمودة كتابٌ مثل هذا، وقد ذكرَ فيه لفظَه الذي ذكره في كتاب «الإبانة». فلمَّا انتهيتُ إلى ذكر المعتزلة، سأل الأميرُ عن معنى المعتزلة؟ فقلتُ: كان (1) الناسُ في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق المِلِّيِّ ــ وهو أوَّل اختلاف (2) حدث في الملَّة ــ هل هو كافرٌ أو مؤمن؟ فقالت الخوارج: إنَّه كافر، وقالت الجماعةُ: إنَّه مؤمن. فقالت طائفةٌ: نقول: هو فاسقٌ، لا كافر ولا مؤمن، نُنْزِله منزلةً بين المنزلتين، وخلَّدوه (3) في النار، واعتزلوا حَلْقة الحسن البصري وأصحابه، فسُمُّوا معتزلةً. فقال الشيخ الكبير ــ بِجَبَهٍ (4) وردٍّ ــ: ليس كما قلت، ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون: مسألة الكلام، وسُمِّي المتكلمون [ق 83] متكلِّمين لأجل تكلُّمهم في ذلك، وكان أوَّلُ من قالها: عَمْرو بن عُبَيد، ثم خلفه بعد موته عطاءُ بن واصل. _________ (1) (ب، ق): «كانوا». (2) (ب، ق): «خلاف». (3) (ف، ط): «منزلتين»، (ف، ك): «وخلوده». (4) الأصل و (ف): «بحبه» بحاءٍ مهملة، و (طف): «بجبته وردائه»! والمثبت من (ب، ق، ك) هو الصواب. قال في «تاج العروس»: (19/ 28): «جَبَهَه، كَمَنَعَه، ومن المجاز: جَبَهَ الرجلَ يَجْبَهُه جَبْهًا إذا ردَّه عن حاجته .. وفي المحكم: جَبَهتُه إذا استقبلته بكلامٍ فيه غلظة، وجبهتُه بالمكروه إذا استقبلته به» اهـ.

(الكتاب/292)


هكذا قال! وذكر نحوًا من هذا. فغضبتُ (1) وقلتُ: أخطأتَ، وهذا كذبٌ مخالفٌ للإجماع. وقلتُ له: لا أدبَ ولا فضيلة، لا تأدَّبتَ معي في الخطاب، ولا أصبتَ في الجواب! الناسُ (2) اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون وبعدها في أواخر المئة الثانية، وأمَّا المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير، زمن (3) عَمْرو بن عُبيد بعد موت الحسن البصريِّ، في أوائل المئة الثانية، ولم يكن أولئك قد تكلَّموا في مسألة الكلام، ولا تنازعوا فيها، وإنَّما أوَّل بدعتهم: تكلُّمُهم في مسائل الأسماء والأحكام (4) والوعيد. فقال: هذا ذكره الشهرستاني في كتاب «الملل والنِّحل». فقلتُ: الشهرستانيُّ ذكر ذلك في اسم المتكلِّمين لِمَ سُمُّوا متكلِّمين (5)، والأميرُ إنِّما سألَ عن اسم المعتزلة. وأنكر الحاضرون عليه. وقال: غلطتُ (6). وقلتُ في ضمن كلامي: أنا أعلمُ كلَّ بدعةٍ حدثت في الإسلام، وأوّل _________ (1) زاد في (ف، ك، ط، طف): «عليه». (2) (ف، ك): «قلت: الناس»، و (ط، طف): «ثم قلت ... ». (3) (ق): «من»، (ف، ك، ط، طف): «في». (4) (ف، ك، ط): «الأحكام والأسماء». (5) بعده في (ف، ك، ط، طف): «لم يذكره في اسم المعتزلة». (6) (طف): «وقالوا: غلطت».

(الكتاب/293)


من ابتدعها، وما كان سببُ ابتداعها (1). وأيضًا: فما ذكره الشهرستانيُّ ليس بصحيح في اسم المتكلِّمين، فإنَّ المتكلّمين كانوا يُسَمَّون بهذا الاسم قبل تنازعهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء: إنَّه متكلِّم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام. وقلتُ أنا وغيري: إنَّما هو واصل بن عطاء (2). قلتُ: وواصل لم يكن بعد موتِ عَمْرو بن عُبيد، وإنِّما كان قرينَه (3). وقد رُويَ أنَّ واصلاً تكلَّم مرَّةً بكلام، فقال عَمْرو بن عُبيد: لو بُعِثَ نبيٌّ أكان (4) يتكلّم بأحسن من هذا، وفصاحتُه مشهورة، حتى قيل: إنَّه كان ألثغ، فكان يحترز عن الرَّاء، حتَّى قيل له: أمرَ الأميرُ أن تُحْفَر بيرٌ (5). فقال: أوْعزَ القائدُ أن يُقْلَب قليبٌ (6). قال الشيخ المقدَّم فيهم (7): لا ريب أنَّ الإمام أحمد إمامٌ عظيم القدر، _________ (1) «وما كان سبب ابتداعها» سقطت من (ب). (2) (طف) زيادة: «أي: لا عطاء بن واصل كما ذكره المعترض». (3) (ك): «قريبه». (4) (ق، ف): «لكان»، (ط، طف): «ما كان»، (ف): «متكلم». (5) زاد في (ك): «في قارعة الطريق». (6) زاد في (ك، طف): «في الجادة». (7) (ك): «المتقدم»، و «فيهم» ليست في (ب، ق). وقبلها في (طف): «ولما انتهى الكلام إلى ما قاله الأشعري .. ».

(الكتاب/294)


ومن أكبر أئمة الإسلام، لكن قد انتسب إليه أناسٌ ابتدعوا أشياء. فقلتُ: أمَّا هذا فحقٌّ، وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمامٍ إلَّا وقد انتسب (1) إليه أقوامٌ هو منهم بريءٌ، قد انتسبَ إلى مالك أقوامٌ هو منهم بريءٌ، وانتسب إلى الشافعيّ كذلك، وانتسب إلى أبي حنيفة كذلك. وقد انتسب إلى عيسى أُناسٌ هو منهم بريءٌ، وانتسب إلى موسى كذلك. وكذلك إلى علي بن أبي طالب (2). ونبينا - صلى الله عليه وسلم - قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف المُلْحِدَة والمنافقين من هو بريءٌ منهم. وذكر في كلامه أنَّه انتسبَ إلى أحمد أناسٌ من الحَشَوية والمشبِّهة. ونحو هذا الكلام. فقلتُ: المشبِّهة والمجسِّمة في غير أصحاب الإمام (3) أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعيَّة، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنفٍ آخر. وأهلُ جيلان، فيهم شافعيّة وحنبليَّة. (4) وأمَّا الحنبليةُ المَحْضةُ [ق 84] فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم. _________ (1) (ب، ق): «انتسبت». (2) النص في هذه الفقرة في (ف، ك، ط، طف) مغايرٌ لباقي النسخ، وهذا سياقه: «إلى مالك أناس مالك بريءٌ منهم، وانتسب إلى الشافعي أناس هو منهم بريءٌ، وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريءٌ منهم. وقد انتسب إلى موسى عليه السلام أناسٌ هو بريء منهم، وانتسب إلى عيسى عليه السلام أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أناس هو بريءٌ منهم». (3) ليست في (ف، ك). (4) قبله في (ف، طف): «قلت».

(الكتاب/295)


وكان من تمام الجواب: أنَّ الكرَّاميَّة المجسِّمة كلَّهم حنفية. وتكلمتُ على لفظ الحشويَّة (1) فقلتُ: هذا الّلفظ أوّل من ابتدعه المعتزلة؛ فإنَّهم يسمُّون الجماعةَ والسواد الأعظم: الحَشْو، كما تسميهم الرافضةُ: الجمهور. وحَشْو الناسِ: هم (2) عموم الناس وجمهورُهم، وهم غير الأعيان المتميزين (3). وأوَّل من تكلَّم بهذا: عَمْرو بن عُبَيد، وقال: كان عبد الله بن عمر حَشْويًّا. فالمعتزلة سموا الجماعة حَشْوًا (4). وأوَّلُ من قال: إنّ الله جِسْم: هشامُ بن الحكم الرافضي. وقلتُ لهذا الشيخ: مَنْ في أصحابنا (5) حَشْويٌّ بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم، أبو داود، المرُّوذي، الخلاّل، أبو بكر عبد العزيز، أبو الحسن التميمي، ابن حامد، القاضي أبو يعلى، أبو الخطاب، ابن عقيل؟ ! ورفعتُ صوتي وقلتُ: سَمِّهم، قل لي مَنْ هم، مَن هم؟ أَبِكَذِبِ ابنِ الخطيب (6) وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطلُ الشريعةُ، _________ (1) (ف، ك، ط، طف) زيادة «ما أدري جوابًا [ف: أجوابًا] على سؤال الأمير أو غيره، أو من غير جواب». (2) ليست في (ب، ق)، و (ف، ك): «هو». (3) (ك، طف) زيادة: «يقولون: هذا من حشو الناس كما يقال: هذا من جمهورهم». (4) «فالمعتزلة ... حشوًا» سقط من (ب). وبعده في (ف، ك، ط، طف): «كما تسميهم الرافضة: الجمهور، وقلت ــ لا أدري في المجلس الأول أو الثاني ــ .. ». (5) العبارة في (ف، ك، ط، طف): «من في أصحاب أحمد الإمام [ك: من] الأعيان». (6) يعني فخر الدين الرازي.

(الكتاب/296)


وتندرسُ معالم الدين؟ كما نقل هو وغيره عنهم أنَّهم يقولون: القرآنُ (1) القديمُ هو أصوات القارئين، ومدادُ الكاتبين، وأنَّ الصوتَ والمداد قديمٌ أزليٌّ؟ من قال هذا؟ أو في أيِّ كتابٍ وُجِدَ عنهم هذا (2)؟ قل لي. وكما نقلَ عنهم: أنَّ الله لا يُرى في الآخرة، باللزوم الذي ادَّعاه، والمقدِّمة التي نقلها عنهم. وأخذتُ أذكرُ ما يستحقّه هذا الشيخ؛ من أنَّه كبير الجماعة وشيخُهم، وأن فيه من العقل والدين، ما يستحقُّ أن يُعامل بموجبه (3). وأمرتُ بقراءة العقيدة جميعها عليه، فإنّه لم يكن حاضرًا في المجلس الأوّل، وإنّما أحضروه في الثاني انتصارًا به. وحدثني الثقةُ عنه بعد خروجه من المجلس، أنَّه اجتمعَ به، وقال له: أخبرني عن هذا المجلس؟ فقال: ما لفلانٍ ذنبٌ، ولا لي، فإنَّ الأمير سأل عن شيءٍ فأجابه عنه. فظننتُه سألَ عن شيءٍ آخر. وقال: قلتُ لهم: ما لكم على الرجل اعتراضٌ، فإنَّه نَصَرَ تَرْكَ التأويل، وأنتم تنصرون قولَ التأويل، وهما قولان للأشعريِّ. وقال: أنا أختارُ قولَ تركِ التأويل، وأخرج وصيَّته التي أوصى بها. وفيها: _________ (1) (ب، ف، ك، طف): «إنَّ القرآن». (2) (ك، ط، طف): «وفي ... هذا عنهم». (3) في الأصل «بمذهبه» تحريف.

(الكتاب/297)


قولُ تركِ التأويل. قال الحاكي لي: فقلتُ له: فبلغني عنك أنَّك قلتَ في آخر المجلس (1)، لما أشهدوا (2) الجماعةُ على أنفسهم بالموافقة: لا تكتبوا عنِّي نفيًا ولا إثباتًا. فلِمَ ذاك؟ فقال: لوجهين: أحدهما: أنِّي لم أحضر قراءةَ جميع العقيدة في المجلس الأول. والثاني: لأنَّ أصحابي طلبوني لينتصروا بي، فما كان يليق أن أُظْهِرَ مخالفتهم، فسكتُّ عن الطائفتين. وأمرتُ غيرَ مرَّة أن تُعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأى بعضُ الجماعة أنَّ ذلك يطولُ (3)، وأنَّه لا يُقرأ عليه إلا الموضع الذي (4) لهم عليه سؤال، وأعْظَمُه لفظ «الحقيقة» فقرؤوه عليه. وذكر هو بحثًا حسنًا يتعلَّق بدلالة اللفظ. فحسَّنته ومَدَحْتُه عليه، وقلتُ: لا ريبَ أنَّ الله حيٌّ حقيقة، [عليمٌ حقيقةً] (5)، سميعٌ حقيقةً، بصيرٌ حقيقةً، وهذا متَّفقٌ عليه بين أهل [ق 85] السنَّة _________ (1) (ب، ق): «المجالس». (2) (ك، ط، طف): «بلغني ... أشهد». (3) (طف): «تطويل». (4) (ف): «وأنه يقرأ .. »، (الأصل، ب، ق): «المواضع»، (ب، ق): «التي». (5) ما بينهما ليس في الأصل.

(الكتاب/298)


والصِّفاتية من جميع الطوائف، ولو نازَع بعضُ أهل البدع في بعض ذلك، فلا ريبَ أنَّ الله موجودٌ، والمخلوقُ موجودٌ. ولفظ «الوجود» سواء كان مقولاً عليهما بطريق الاشتراك اللفظيِّ فقط، أو بطريق التواطُؤ المتضمِّن للاشتراك لفظًا ومعنًى، أو بالتشكيك الذي هو نوعٌ من التواطؤ= فعلى كلِّ قول، فالله موجود حقيقةً، والمخلوقُ موجودٌ حقيقة، ولا يلزمُ من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذورٌ. ولم أُرَجِّح في ذلك المقام قولاً من هذه الثلاثة على الآخر؛ لأنَّ غرضي يحصُل على كلِّ مقصود. وكان مقصودي تقريرَ ما ذكرتُه على قولِ جميعِ الطوائف، وأن أُبَيِّن اتفاقَ السلفِ ومن تَبِعَهم على ما ذكرتُه، وأَنَّ أَعيانَ المذاهبِ الأربعة، والأشعريَّ، وأكابر أصحابه على ما ذكرتُه. فإنَّه قبل المجلس الثاني، اجتمعَ بي من أكابر الشافعية، والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية، وغيرهم، ممن عَظُم خوفُهم من هذا المجلس، وخافوا انتصارَ الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرُّق (1) الكلمة، فلو أظْهَرتُ (2) الحُجَّةَ التي ينتصرُ بها ما ذكرته، ولم (3) يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها= لصارت فُرقةً، ولصعُب (4) عليهم أن يُظْهِروا في المجالس _________ (1) (ق): «تفريق». (2) (ب، ق): «وظهرت». (3) (ط، طف): «أولم». (4) (ب، ق): «ويصعب».

(الكتاب/299)


العامة الخروج عن أقوال طوائفهم، لما في ذلك من تمكُّن أعدائهم من أغراضهم. فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجَّة، وبان أنَّه مذهب السلف= أمكنهم إظهارُ القول به، مع ما يعتقدونه [في الباطن] (1) أنه الحق. حتَّى قال لي بعض الأكابر من الحنفية ــ وقد اجتمع بي ــ: لو قلتَ: هذا مذهب أحمد بن حنبل، وثَبَتَّ على ذلك؛ لانقطع النزاع. ومقصودُه أنَّه يحصل دفع الخصوم عنه (2) بأنَّه مذهبُ متبوع، ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة. فقلتُ: لا والله، ليس لأحمد بن حنبل بهذا اختصاصٌ، وإنَّما هذا اعتقادُ سلف الأمة، وأهل (3) الحديث. وقلتُ أيضًا: هذا اعتقادُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلُّ لفظٍ ذكرتُه فأنا أذكُر به آيةً أو حديثًا، أو إجماعًا سلفيًّا، وأذكر (4) من ينقل الإجماعَ عن السلف من جميع طوائف المسلمين؛ الفقهاء (5) الأربعةِ، والمتكلِّمين، وأهلِ الحديث، والصوفية. _________ (1) «في الباطن» ليست في الأصل. (2) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: «عنك». (3) (ف، ك، طف): «وأئمة أهل ... ». (4) (ف): «أو ذكر». (5) (ك): «أتباع الفقهاء»، (طف): «والفقهاء».

(الكتاب/300)


وقلتُ لمن خاطبني من أكابر الشافعية: لأُبيننَّ (1) أنَّ ما ذكرتُه هو قولُ السَّلف، وقولُ أئمة أصحاب الشافعيِّ، وأذكرُ قولَ الأشعريِّ وأئمة أصحابه التي ترُدُّ على هؤلاء الخصوم، ولينتصرنَّ كلُّ شافعيٍّ، وكلُّ من قال بقول الأشعريِّ الموافقِ لمذهب السَّلف، وأُبيِّنُ أنَّ القولَ المحكيَّ عنه في تأويل الصِّفات الخبريّة قولٌ لا أصلَ له في كلامه، وإنَّما هو قولُ طائفةٍ من أصحابه. فللأشعرية قولان، ليس للأشعريِّ قولان. ولما ذكرتُ في المجلس أنَّ جميعَ أسماء الله التي يُسمَّى (2) بها المخلوق، كلفظ «الوجود» الذي هو مقولٌ بالحقيقة على الواجب والممكن (3) = تَنازَعَ كبيران (4)؛ هل هو مقولٌ بالاشتراك أو بالتواطؤ؟ فقال أحدهما: هو متواطئ، وقال الآخر: هو [ق 86] مشترك، لئلّا يلزم التركيب. وقال هذا: قد ذكر فخر الدين أنَّ هذا النزاع (5) مبنيٌّ على أنَّ وجودَه هل هو عينُ ماهيَّته أم لا؟ فمن قال: إنَّ وجود كلِّ شيءٍ عينُ ماهيَّته، قال: إنَّه مَقُول بالاشتراك، ومن قال: إنَّ وجودَه قدرٌ زائد على ماهيَّته، قال: إنَّه مقولٌ بالتواطؤ. _________ (1) (ب، ف، ق، ط، طف): «لأبيّن». (2) (ف): «تسمى»، (طف): «سمى». (3) بعده في (ف، ك): «على الأقوال الثلاثة». (4) (ف): «كثيران». (5) (ف): «التزام».

(الكتاب/301)


فأخَذ الأوَّلُ يُرجِّحُ قولَ من يقول: إنَّ الوجود زائدٌ على الماهيَّة، لينصر أنَّه مقولٌ بالتواطؤ (1). فقال الثاني: ليس (2) مذهبُ الأشعريِّ وأهل السنة أنَّ وجودَه عينُ ماهيَّته. فأنكر الأول ذلك. فقلتُ: أمَّا متكلِّمو (3) أهل السنة، فعندهم أنَّ وجود كلِّ شيءٍ عينُ ماهيَّته. وأمَّا القولُ الآخر فهو قول المعتزلة: إنَّ وجود كلِّ شيءٍ قدرٌ زائدٌ على ماهيَّته، وكلٌّ منهما أصاب من وجه. فإنَّ الصوابَ أنَّ هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ، كما قد قرَّرْتُه في غير هذا الموضع. وأجبتُ عن شُبهة التركيب بالجوابين المعروفَين. وأمَّا بناءُ ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيَّته أو ليس [عينه] (4) فهو من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب، فإنَّا وإن قلنا: إنَّ وجودَ الشيءِ عينُ ماهيَّته، لا يجبُ أن يكون الاسم مقولاً عليه وعلى نظيره بالاشتراك (5) اللفظيِّ فقط، كما في جميع أسماء الأجناس، فإنَّ اسم «السواد» مَقُولٌ على هذا السواد وهذا السواد بالتواطؤ، وليس عينُ هذا السواد هو عين هذا السواد؛ _________ (1) «فأخذ الأول ... بالتواطئ» سقط من (ف). (2) سقط من (ب، ق). (3) (ب، ق): «متكلمة». (4) من (طف)، و (ط): «عينها». (5) الأصل: «الاشتراك».

(الكتاب/302)


إذ (1) الاسم دالٌّ على القدر المشترك بينهما، وهو المطلق الكلّي، لكنَّه لا يوجد مطلقًا (2) بشرط الإطلاق إلا في الذِّهْن، ولا يلزم من ذلك نفي القَدْر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج، فإنّه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة، وهي جمهورُ (3) الأسماء الموجودة في اللُّغات (4)، وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق (5) على الشيء وعلى كلِّ ما أشبهه، سواء كان اسم عين أو اسم صفة، جامدًا أو مشتقًّا، وسواء كان جنسًا (6) منطقيًّا أو فقهيًّا أو لم يكن. بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه (7) الأجناس والأصناف (8) والأنواع، ونحو ذلك، وكلُّها أسماء متواطئة، وأعيانُ مُسمياتها في الخارج متميزة. وطلب بعضُهم إعادةَ قراءة الأحاديث المذكورة (9) في العقيدة، ليطعنَ _________ (1) (ب، ق): «و». (2) زاد في (ف، ك، ط): «كليًّا». (3) (ق): «جميع». (4) (طف): «في الغالب». (5) الأصل، (ف): «المعلّق». (6) الأصل: «اسمًا». (7) هنا انتهى الموجود من نسخة القدس (ق)، وأكمل بعض المطالعين ورقةً أخرى بخط مغاير. (8) (ب): «والأوصاف»، (ف، ك): «الأصناف والأجناس». (9) ليست في (ف).

(الكتاب/303)


في بعضها (1). فقلتُ: كأنّك استعددت للطعن في حديث الأوعال (2)، وكانوا قد تَعَنَّوا (3) حتَّى ظفروا بما تكلَّم به زكيُّ الدين عبد العظيم (4)، من قول البخاريِّ في «تاريخه» (5): عبد الله بن عُميرة، لا يُعرَف له سماع من الأحنف. فقلت: هذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن، كأبي داود وابن ماجه والترمذي وغيرهم= فهو مرويٌّ من طريقين مشهورَين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر. فقال: أليس مداره على ابن عُميرة، وقد قال البخاريّ: لا يُعرف له سماعٌ من الأحنف؟ فقلتُ: قد رواه إمام الأئمة ابن خُزيمة في «كتاب التوحيد» (6) الذي اشترط فيه أنه لا يحتجُّ فيه إلا بما نقله العدلُ عن العدل موصولًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . _________ (1) في (ف، ك، ط، طف) زيادة: «فعرفتُ مقصودَه». (2) بعده في (ف، ك، ط، طف): «حديث العباس بن عبد المطلب». (3) (ك، طف): «تعنتوا». (4) يعني المنذري. والذي قاله تعليقًا على هذا الحديث في «مختصر سنن أبي داود»: (7/ 93): «ورواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب، وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك فوقفه. هذا آخر كلامه. وفي إسناده الوليد بن أبي ثور لا يحتج بحديثه» اهـ. (5) (5/ 159). (6) (1/ 235).

(الكتاب/304)


قلتُ: والإثبات مقدَّمٌ على النفي، والبخاريُّ إنَّما نفى معرفتَه بسماعه (1) من الأحنف، لم ينف معرفةَ الناس بهذا، فإذا عرف غيره ــ إمام الأئمة (2) ــ كانت معرفته وإثباته مقدَّمًا على نفي غيره وعدم معرفته. ووافقَ الجماعةُ على ذلك. وأخذ بعضُ الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن أحكيه. وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن في العقيدة، ولكن لها تعلُّقٌ بما أجبتُ به في مسائل، ولها تعلُّقٌ بما قد يفهمونه من العقيدة. وأحضر بعضُ أكابرهم (3) كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي، فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السَّلف. فقلتُ: لعلك تعني قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (4) [البقرة: 115]. فقال: نعم، قد قال مجاهد والشافعي: يعني قِبلَة الله. فقلتُ: هذا صحيح عنهما وعن (5) وغيرهما، وهذا حقٌّ، وليست هذه الآية من آيات الصفات. ومن عدَّها في الصفات فقد غلط، كما فعل طائفة! فإنَّ سياق الكلام يدلُّ على المراد، حيث قال: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا _________ (1) (ف، ك): «لسماعه». (2) (ف، ك): «كإمام الأئمة [ط، طف: ابن خزيمة] الإسناد». (3) (ب): «بعضهم». (4) (ف): «فلعلك تعني قوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا ... }. (5) (ف، ك، ط، طف): «نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما»

(الكتاب/305)


تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} والمشرقُ والمغربُ الجهات. والوجه: هو الجهة، يقال: أيَّ وجهٍ تريد؟ أي: أيَّ جهةٍ، وأنا أريدُ هذا الوجه، أي هذه الجهة. كما قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148]، ولهذا قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، أي: تستقبلوا وتتوجّهوا. والله أعلم. هذا آخر ما علَّقه الشيخ ــ رحمه الله ــ فيما يتعلَّق بالمناظرة، بحضرة نائبِ السَّلطنة (1) والقضاة والفقهاء وغيرهم بالقصر. _________ (1) (ف): «السلطان».

(الكتاب/306)


[كتاب باستدعاء الشيخ إلى مصر] وفي يوم الاثنين خامس شهر رمضان من سنة خمس وسبعمائة وصل كتابُ السلطان بالكشف عما (1) وقع للشيخ تقيّ الدين في ولاية سيف الدين جاغان، وفي ولاية القاضي إمام الدين (2)، وبإحضاره وإحضار القاضي (3) نجم الدين بن صَصْرى إلى الديار المصرية. فَطَلب نائبُ السلطنة الشيخَ وجماعةً من الفقهاء وسألهم عن تلك الواقعة وقُرئ عليهم المرسوم. فأجابَ كلٌّ منهم بما كان عنده من تلك القضية، وكتبه عنهم صاحب الديوان محيي الدين ابن فضل الله (4). وفي يوم الاثنين ثاني عشر رمضان توجه الشيخ تقي الدين (5)، والقاضي نجم الدين إلى مصر على البريد، وخرج مع الشيخ خَلْق كثير، وبكوا وخافوا عليه من أعدائه. وأُخْبِرت أن نائب السَّلْطنة كان قد أشار على الشيخ بترك التوجُّه إلى مصر، وأنه يُكاتب في ذلك، فامتنع الشيخ من ذلك ولم يقبل، وذَكَر أن في توجُّهه إلى مصر مصالح كثيرة. *** _________ (1) (ف، ك): «عما كان». (2) سبق ذكر هذه الحادثة بالتفصيل فيما سبق (ص 263 - 268) وكانت سنة (698 هـ). (3) ليست في (ف). (4) سبقت ترجمته (ص 267). (5) «ابن فضل الله ... تقي الدين» سقط من (ف، ك).

(الكتاب/307)


وقرأت بخطِّ بعض أصحاب الشيخ، قال: ولمَّا توجَّه الشيخ في اليوم الذي توجّه فيه من دمشق المحروسة، كان يومًا مشهودًا غريبَ المثل في كثرة ازدحام الناس لوداعه ورؤيته، حتى انتشروا (1) من باب داره إلى قريب الجسورة (2) ــ فيما بين دمشق والكِسْوة (3) ــ التي هي أول منزلة منها، وهم ما بين باكٍ وحزين ومتعجِّب ومتنزِّه، ومزاحم متغالٍ فيه. [ق 88] ودخل الشيخُ مدينة غزَّة يوم السبت، وعمل في جامعها مجلسًا عظيمًا. وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان وصل الشيخ والقاضي إلى القاهرة. وفي ثاني يوم بعد صلاة الجمعة، جُمِع القضاةُ وأكابر الدولة بالقلعة لمَحْفِل الشيخ (4)، وأراد الشيخ أن يتكلَّم، فلم يمكَّن من البحث والكلام على عادته، وانتَدَب له الشمسُ ابن عَدْلان خَصْمًا احتسابًا، وادَّعى عليه عند القاضي ابن مخلوف المالكي (5) أنه يقول: إن الله فوق العرش حقيقة، وإن الله يتكلَّم بحرف وصوت، وسأل جوابه. _________ (1) (ف): «انتشر». (2) (ك): «للجسورة». (3) مدينة تقع الآن جنوب دمشق، سميت بذلك في الغالب لأنه كان يصنع بها كسوة الكعبة ويذهب به إلى مكة. انظر www.keswa.net، و «معجم البلدان»: (4/ 461). (4) «الشيخ» ليست في (ف، ك). (5) سبق ترجمة ابن عدلان وابن مخلوف (ص 250 ــ 251).

(الكتاب/308)


فأخذ الشيخُ في حَمْد الله والثناء عليه، فقيل له: أجِبْ، ما جئنا بك لتخطب! فقال: ومَنِ الحاكمُ فيَّ؟ قيل (1) له: القاضي المالكي. قال: كيف يحكم فيَّ وهو خصمي؟ ! وغضب غضبًا شديدًا وانزعج. فأُقيم مرسَّمًا عليه وحُبِس في برجٍ أيامًا. ثم نُقِل منه ليلة عيد الفطر إلى الحبس المعروف بـ «الجُبّ» هو وأخواه شرف الدين عبد الله، وزين الدين عبد الرحمن. ثم إن نائب السلطنة: سيف الدين سلَّار (2)، بعدَ أكثر من سنةٍ، وذلك ليلة عيد الفطر من سنة ست وسبعمائة أحضر القضاة الثلاثة: الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء: الباجيّ والجَزَري والنمراوي، وتكلم في إخراجه (3) من الحبس. فاتفقوا على أنه يُشْترط عليه (4) أمور، ويُلْزَم بالرجوع عن بعض العقيدة. فأرسلوا إليه من يُحضره ليتكلَّموا معه في ذلك، فلم يُجِب إلى _________ (1) (ك): «فقيل». (2) (ك): «سلارا». (ت 710) ترجمته في «أعيان العصر»: (2/ 489)، و «الدرر الكامنة»: (2/ 179). (3) (ف، ك): «إخراج الشيخ». (4) (ف): «على».

(الكتاب/309)


الحضور، وتكرَّر الرسولُ إليه في ذلك ست (1) مرات، وصمَّم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس، وانصرفوا عن غير شيء (2). وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة (3) ست وسبعمائة، أخبر نائبُ السلطنة بدمشق بوصول كتابٍ إليه من الشيخ تقيّ الدين من الجُبّ، وأعْلَمَ بذلك جماعةً ممن حضر مجلسه، وأثنى عليه وقال: ما رأيت مثله ولا أشجع منه! وذَكَر ما هو عليه في السِّجْن من التوجُّه إلى الله تعالى، وأنه لم يقبل شيئًا من الكسوة السلطانية، ولا من الإدرار السلطاني، ولا تدنَّس بشيء من ذلك. وفي هذا الشهر أيضًا شهر ذي الحجة في يوم الخميس اليوم السابع والعشرين منه طُلِب أخَوا الشيخ تقيّ الدين: شرف الدين (4)، وزين الدين من الحَبْس (5) إلى مجلس نائب السلطة سلَّار، وحضر القاضي زينُ الدين بن مخلوف المالكي، وجرى بينهم كلام كثير، وأُعِيدا إلى موضعهما بعد أن بحثَ الشيخُ شرف الدين مع القاضي المالكي (6)، وظهر عليه في النقل _________ (1) «ست» ليست في (ك)، و (ف): «سيرات»! (2) شرح شيخ الإسلام ما جرى في هذه الحادثة، وماذا طلبوا منه وبماذا أجابهم في أول كتابه «التسعينية»: (1/ 109 - 119). (3) (ف): «من سنة». (4) (ف، ك): زيادة «عبدالله». (5) (ف، ك): زيادة «عبدالرحمن»، و (ف): «السجن». (6) «وجرى ... المالكي» سقط من (ف).

(الكتاب/310)


والمعرفة، وخطَّأه في مواضع [89] ادَّعى فيها الإجماع، وكان الكلام في مسألة العرش، وفي مسألة الكلام، وفي مسألة النزول. وفي يوم الجمعة التالي لليوم (1) المذكور أُحْضِر الشيخ شرف الدين وحدَه إلى مجلس نائب السلطنة، وحضر ابن عَدْلان، وتكلَّم معه الشيخ شرفُ الدين، وناظره وبحثَ معه وظهرَ عليه (2). وفي اليوم الرابع والعشرين من صفر من سنة سبع وسبعمائة اجتمع القاضي بدر الدين بن جماعة (3) بالشيخ تقيّ الدين في دار الأوحديّ بالقلعة بكرة الجمعة، وتفرَّقا قبل الصلاة، وطال بينهما الكلام. [الأمير ابن مهنا وإخراج الشيخ من الجبّ] وفي شهر ربيع الأول من سنة سبع دخل الأمير حُسام الدين مهنَّا ابن عيسى مَلِك العَرَب إلى مصر، وحضر بنفسه إلى الجبّ. فأخرجَ الشيخَ تقيّ الدين بعد أن استأذنَ في ذلك، فخرج يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر المذكور (4) إلى دار نائب السلطنة بالقلعة، وحضر بعضُ الفقهاء، _________ (1) (ف): «الثاني»، (ك): «ثاني اليوم». (2) في «ذيل مرآة الزمان ــ تكملة الجامع»: (ص 30): «فظهر عليه، ولكن ليس له مساعد. وقيل: إنه ظهر من نائب السلطنة تعصُّب على الشيخ وإخوته». (3) هو: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بدر الدين الكناني الشافعي، ولي القضاء بمصر والشام وغيرها (ت 733) وقد جاوز التسعين. انظر «أعيان العصر»: (4/ 208 - 213)، و «الدرر الكامنة»: (3/ 281 - 283). (4) ليست في (ب، ف، ك).

(الكتاب/311)


وحصل بينهم بحثٌ كثير، وفَرَّقت صلاةُ الجمعة بينهم، ثم اجتمعوا (1) إلى المغرب، ولم ينفصل الأمر. ثم اجتمعوا يوم الأحد بعد يومين بمرسوم السلطان مجموعَ النهار، وحضرَ جماعةٌ أكثر من الأولين، حضر نجم الدين بن الرِّفْعة، وعلاء الدين الباجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعزّ الدين النَّمْراوي، وشمس الدين بن عَدْلان، وجماعة من الفقهاء (2). ولم يحضر القضاة، وطُلِبوا، فاعتذر بعضُهم بالمرض، وبعضهم بغيره، وقَبِل عذْرَهم نائبُ السلطنة (3). ولم يكلِّفهم الحضور، بعد أن رسم السلطان بحضورهم. وانفصلَ المجلس على خير. وبات الشيخ عند نائب السلطنة. وكتبَ كتابًا إلى دمشق بكرة الاثنين السادس والعشرين من الشهر، يتضمَّنُ خروجَه، وأنه أقام بدار ابن شُقَير بالقاهرة، وأنَّ الأمير سيف الدين سلَّار رَسَم بتأخُّرِه (4) عن الأمير مهنَّا أيَّامًا، ليرى الناسُ فضله ويحصل لهم الاجتماع به. _________ (1) «بعض ... اجتمعوا» سقط من (ف). (2) ذكر منهم اليونيني في «ذيل المرآة ــ تكملة الجامع»: (ص 31): «شمس الدين الجزري الخطيب، وصهر المالكي». (3) قال ابن كثير عن سبب اعتذارهم عن الحضور: «لمعرفتهم بما ابن تيمية منطوٍ عليه من العلوم والأدلة، وأن أحدًا من الحاضرين لا يطيقه». «البداية والنهاية»: (18/ 73 - 76)، و «الجامع»: (ص 425). (4) (ف): «بتأخيره».

(الكتاب/312)


وكان (1) مُدَّة مقام الشيخ في الجبِّ ثمانية عشر شهرًا. وفرح خلقٌ كثير بخروجه، وسرُّوا بذلك سرورًا عظيمًا، وحَزِن آخرون وغضبوا. وامتدحه الشيخ الإمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي (2) بقصيدة، منها: فاصبر ففي الصبر (3) ما يغنيك عن حِيَل ... وكلُّ صَعْب إذا صابرته هانا ولستَ تَعْدَم من خطبٍ رُميتَ به ... إحدى اثنتين فأيقن ذاك إيقانا تمحيصَ ذنب لتلقى الله خالصةً ... أو امتحانًا به تزدادُ قربانا يا سعد، إنا لنرجو أن تكون لنا ... سَعْدًا ومرعاك للرّوّاد (4) سعدانا وأن يَضرّ بك الرحمنُ طائفةً ... وَلَّت وينفعُ من بالودِّ والانا يا أهل تيميَّة العالين مرتبةً ... ومنصبًا فَرعَ (5) الأفلاك تبيانا جواهرُ الكون أنتم غيرَ أنكمُ ... في معشر أُشرِبوا في العقل نقصانا لا يعرفون لكم فضلًا ولو عَقَلوا ... لصيَّروا لكم الأجفانَ أوطانا [ق 90] يا من حوى من علوم الخلق ما قَصُرَتْ عنه الأوائل مُذْ كانوا إلى الآنا _________ (1) «الأمير ... وكان» سقط من (ف، ك). (2) الحنبلي (ت 716). ترجمته في «أعيان العصر»: (2/ 445 - 447)، و «الذيل على طبقات الحنابلة»: (4/ 404 - 420). (3) (ب، ف): «الغيب». (4) (ف): «للوراد». (5) الأصل و (ف، ب): ««قرع» والمثبت من (ك، ح)، ومعنى فرع: أي علا.

(الكتاب/313)


إن تُبْتلى بلئام الناس يرفَعُهم ... عليك دهر (1) لأهل الفضلِ قد خانا إني لأقسم والإسلامُ مُعْتقدي ... وإنني من ذوي الإيمان أيمانا: لم ألقَ قبلك إنسانًا أُسرُّ به ... فلا بَرِحْتَ لعين المجد إنسانا في أبيات كثيرة غير هذه يمدح فيها الشيخ ويذمُّ أعداءه. *** وفي يوم الجمعة صلّى الشيخ في جامع الحاكم، وجلس فاجتمع إليه خلقٌ عظيم. وسأله بعضُهم أن يتكلَّمَ بشيء يسمعونه منه، فلم يجبهم إلى ذلك، بل كان يتبسَّم وينظر يَمْنهً ويَسْرةً. فقال له رجل: قال الله في كتابه الكريم: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، فنهضَ (2) قائمًا، وابتدأ بخطبة الحاجة ــ خطبة ابن مسعود ــ ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ... } [الفاتحة: 1 - 2] (3) إلى آخرها. وتكلَّم على تفسير قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] وفي معنى العبادة والاستعانة، إلى أن أذَّنَ مؤذِّن العصر. _________ (1) (ك، ح): «دهر عليك». (2) (ف، ك): «فنهض الشيخ». (3) (ك) زيادة: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، و (ط) أكمل السورة إلى آخرها.

(الكتاب/314)


وفي يوم الخميس السادس من شهر ربيع الآخر من سنة سبع عُقِد للشيخ مجلسٌ آخر بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، واجتمع فيه القضاةُ وغيرهم. وكان مما جرى في المجلس ــ فيما بلغني ــ أنه قيل للشيخ: تَسْتَغفر الله العظيم، وتتوب (1) إليه! فقال الشيخ: كلُّنا نستغفر الله العظيم ونتوب إليه، والتفتَ إلى رجلٍ منهم، فقال له: اسْتَغْفر الله العظيم وتُبْ إليه! فقال: أستغفرُ الله العظيم وأتوبُ إليه، وكذلك قال لآخر ولآخر، وكلُّهم يقول كذلك! فقيل للشيخ: تُبْ إلى الله عز وجل من كذا وكذا ــ وذُكِر له كلامٌ (2) ــ. فقال: إن كنتُ قلتُ كلامًا يستوجب التوبةَ فأنا تائبٌ منه. فقال له قائل: هذه ليست توبة. فردَّ عليه الشيخ، وجهَّلَه، ووقع كلامٌ يطول ذكره. ووصل كتابُ الشيخ مؤرَّخًا بليلة الجمعة الرابع عشر من الشهر، يذكر فيه أنه عُقِد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، بعد خروج مُهنَّا في يوم الخميس سادس الشهر، وأنه حَصَل فيه خير، وأن في إقامته مصالح وفوائد (3). _________ (1) (ك): «نستغفر ... ونتوب» خطأ. لأن مقصودهم الطلب من الشيخ. (2) «وذكر له كلام» ليست في (ف). (3) انظر ما سبق (ص 262).

(الكتاب/315)


 [كتاب من الشيخ إلى والدته وغيرها]

وقد وقفتُ على عدَّة كتبٍ بخط الشيخ، بعثها (1) من مصر إلى والدته، وإلى أخيه لأمه: بدر الدين، وإلى غيرهما. منها: كتاب إلى والدته يقول فيه: من أحمد ابن تيميَّة إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينَها بنِعَمِه، وأسبغَ عليها جزيلَ كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخَدَمِه. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنَّا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهْلٌ، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلِّي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. كتابي إليكم [ق 91] عن نِعَم من الله عظيمة، ومِنَن كريمة، وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيدَ من فضله. ونِعَم الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد (2)، وأياديه جلَّت عن التَّعْداد. وتعلمون أنّ مُقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو (3) لأمور ضرورية، متى أهملناها فسَدَ علينا أمرُ الدين والدنيا. ولَسْنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيورُ لسِرْنا إليكم، ولكنَّ الغائب عذرُه معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم ــ ولله الحمد ــ ما تختارون الساعةَ إلا ذلك، ولم _________ (1) (ب): «بعينها». (2) (ب): «جاءت تنمو زيادة». (3) «إنما هو» ليست في (ب).

(الكتاب/316)


نعزم على المُقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كلَّ يوم نستخير الله تعالى في السَّفَر إليكم، فاستخيروا اللهَ (1) لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة. فنسأل الله العظيم أن يَخِير لكم ولنا (2) وللمسلمين ما فيه الخِيَرة في خير وعافية. ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال ولا يدور في الخيال! ونحن في كلّ وقت مُهتمُّون في السَّفَر (3)، مستخيرون الله سبحانه وتعالى. فلا يظن الظانُّ أنا نؤثِرُ على قربكم شيئًا من أمور الدنيا قط، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربُكم أرجح منه، ولكن ثَمَّ أمور كبار نخاف الضررَ الخاصَّ والعامَّ من إهمالها، والشاهدُ يرى ما لا يرى الغائب. والمطلوبُ كثرة الدّعاء بالخيرة، فإنَّ الله يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علَّام الغيوب. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «مِنْ سعادة ابن آدم استخارَتُه الله، ورضاه بما يقسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله، وسَخَطه بما يقسم الله له» (4). _________ (1) «تعالى ... الله» سقطت من (ك، ط). (2) (ب): «يخير لنا». (3) (ف، ك): «مهمون بالسفر». (4) أخرجه بنحوه أحمد (1444)، والترمذي (2151)، والحاكم: (1/ 513)، وغيرهم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. قال الترمذي: «حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد ... وليس بالقويّ عند أهل الحديث». وصحح إسناده الحاكم.

(الكتاب/317)


والتاجر يكون مسافرًا، فيخاف ضياعَ بعضِ ماله، فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه، وما نحن فيه أمرٌ يَجِلُّ عن الوصف، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كثيرًا كثيرًا، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا. والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه (1) وسلَّم تسليمًا. ***

  [كتاب الشيخ إلى أخيه لأمه بدر الدين] (2)

ومنها: كتاب إلى أخيه لأمّه يقول فيه: من أحمد ابن تيمية إلى الأخ الشيخ الإمام العالم بدر الدين، تولَّاه الله في جميع الأمور (3)، وصرف عنه كلَّ محذور، وأصلح له أمرَ الدّنيا والآخرة، وأسبغ عليه نِعَمَه باطنةً وظاهرة. _________ (1) ليست في الأصل. (2) هذا الكتاب ساقط من (ف، ك، ط). وأخوه لأمه هو: أبو القاسم بن محمد بن خالد الحرَّاني، بدر الدين، كان فقيهًا، ودرّس في عدّة مدارس (ت 717) ودفن بجوار والدته. انظر «الذيل على طبقات الحنابلة»: (4/ 421 - 425)، و «المقصد الأرشد» (3/ 163)، و «البداية والنهاية»: ضمن أحداث سنة 717: (18/ 166) ووقع اسمه فيه: القاسم، بلا كنية، خطأ. (3) (ب): «أموره».

(الكتاب/318)


سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله [إلا] هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلِّ شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين: محمدٍ عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليمًا. أما بعد؛ فقد وصل كتابكم المبشِّر بوصول الكتاب إليكم، وحَمِدْنا الله على ما أنعم به عليكم (1) من وصول أخبار السرور إليكم. ومن حين خرجنا لم نزل في آلاءٍ مترادفة ونِعَمٍ متزايدة، ومِنَنٍ جازت حدَّ الأماني، بحيث يقصر الخطاب والكتاب عن تفصيل مِعْشارها (2)، ونِعَم الله في زيادة، والله هو المسؤول أن يوزِعَنا وسائرَ المؤمنين شكرَها ويزيدنا من فضله. وفي مُقامنا من حصول الخير والفوائد لأهل هذه البلاد ولكم ولسائر المؤمنين ما أوجبَ التأخُّر عن التعجيل إليكم [ق 92]. فتعلمون أن ذلك من تمام نِعَمة الله تعالى، فإنّ في ذلك من الخيرات ما لا يمكن وصفُه. وقد كان عُقِد مجلسٌ بالمدرسة المنصوريّة يوم الخميس، وكان يومًا مشهودًا، كان فيه من رحمة الله ولطفه، وانتشار الدعاء المستجاب، والثناء المستطاب، واجتماع (3) القلوب على ما تحبونه وتختارونه فوق (4) ما كان _________ (1) (ب): «الله بما أنعم عليكم». (2) الأصل: «معاشرها» والمثبت من (ب). (3) (ب): «وإجماع». (4) ليست في (ب).

(الكتاب/319)


بالشام وأعظم منه، بحيث صار عند أهل (1) مصر من البِشْر بنعمة الله علينا ما لا يوصَف، وظَهَر الحقُّ للعامّة والخاصّة، ووصل الجماعةُ القادمون عقب (2) ذلك يوم الجمعة، فجمع الله الشمل بهم على أحسن حال، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي جمعَ قلوبَ المؤمنين، فأكْثِروا الشكر لله والثناء. وعليكم بما يجمع قلوبَ المؤمنين ويؤلِّف بين قلوبهم (3)، وإيّاكم والبَطَر والتفريقَ بين المؤمنين، فالأصل الذي يُبْنى عليه الاعتصام بالسنة والجماعة هو (4): اجتماع قلوب المؤمنين بحيث يُجْتنب التفرّق بينهم والاختلاف بحسب الإمكان. فإنّ الذي صنعه الله ويصنعه (5) في هذه القضية أمرٌ جاز (6) حدَّ الأوهام، وفات قُوى العقول. والحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربنا ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وتسلِّمون على جميع الإخوان والأصحاب (7) واحدً واحدًا. _________ (1) «عند أهل» سقطت من (ب). (2) (ب): «عقيب». (3) «ويؤلف بين قلوبهم» سقط من (ب). (4) (ب): «السنة والجماعة، والجماعة هي ... ». (5) ليست في (ب). (6) في هامش الأصل: «في نسخة: جاوز». (7) ليست في (ب).

(الكتاب/320)


كتب (1) ليلة الجمعة رابع عشر شهر ربيع الآخر. ***

  [كتاب آخر للشيخ بعثه من مصر إلى دمشق]

ومنها: كتاب قال فيه ــ بعد حَمْد الله تعالى والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ــ: أما بعد؛ فإنَّ الله ــ وله الحمد ــ قد أنعم عليَّ من نعمه العظيمة، ومِنَنه الجسيمة، وآلائه الكريمة ما هو مستوجبٌ لعظيم الشكر، والثبات على الطاعة، واعتياد حُسْن الصبر على فعل المأمور، والعبدُ مأمور بالصبر (2) في السرَّاء أعظم من الصبر في الضرَّاء، قال تعالى: {وَلَئِنْ (3) أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 9 - 11]. وتعلمون أنّ الله سبحانه منَّ في هذه القضية من المِنَن التي فيها من أسباب نَصْر دينه، وعلوِّ كلمته، ونَصْر جُنده، وعزّة أوليائه، وقوَّة أهل السنة والجماعة، وذُلّ أهل البِدْعة والفُرْقة، وتقرير ما قُرِّر عندكم من السنة، وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب من الهدى (4) والنصر والدلائل، وظهور _________ (1) (ب): «وكتب». (2) «على ... بالصبر» ليست في (ب). (3) الأصل و (ب): «وإذا». (4) (ب): «أبواب الهدى».

(الكتاب/321)


الحق لأمم لا يُحْصي عددَهم إلا ال