الرحمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ()

راغب السرجاني

هذا البحث الذي بين أيدينا يتناول موضوعًا من أهم الموضوعات التي نحتاج إليها في زماننا هذا، بل وفي كل الأزمنة، فالرحمة خُلُق أساس في سعادة الأمم، وفي استقرار النفوس، وفي أمان الدنيا، فإذا كان الموضوع خاصًا بالرحمة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يكتسب أهمية خاصة، وذلك لكون البحث يناقش أرقى وأعلى مستوى في الرحمة عرفته البشرية، وهي الرحمة التي جعلها الله - عز وجل - مقياسًا للناس.

|

 الرحمة فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

بحث مقدم لجائزة

معالى السيد حسن عباس الشربتلى

بإشراف رابطة العالم الإسلامى

أ.د.راغب السرجانى

الأستاذ بجامعة القاهرة

رؤية

أحلم بيوم يصل فيه التاريخ الإسلامي الحقيقي – دون تزوير – إلى كل إنسان على وجه الأرض – مسلماً كان أو غير مسلم، ليعلم الجميع أن الدين الإسلامي الرائع صنع تاريخاً عالمياً رائعاً كذلك، وليعلم الجميع أيضاً أن هذه الأمة لها جذور أعمق من أن تستأصل، وليدرك كل مطلع على هذا التاريخ أن هذه الأمة العظيمة ستبقى حية ما دامت على الأرض حياة، وستعود إلى صدارة الدنيا حتماً كما كانت قبل ذلك، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

                                                          أ.د. راغب السرجانى

الأستاذ الدكتور / راغب السرجاني

•        رئيس مجلس إدارة مركز الحضارة للدراسات التاريخية بالقاهرة.

•        أستاذ بكلية الطب جامعة القاهرة.

•        المشرف على موقع قصة الإسلام (أكبر موقع للتاريخ الإسلامى) www.islamstory.com

•        بكالوريوس الطب جامعة القاهرة بامتياز ومرتبة الشرف 1988.

•        ماجستير في جراحة المسالك البولية والكلى جامعة القاهرة بامتياز 1992.

•        دكتوراه في جراحة المسالك بإشراف مشترك بين مصر وأمريكا 1998.

•        باحث ومفكر إسلامي وله اهتمام خاص بالتاريخ الإسلامي.

•        عضو في الجمعية الجغرافية المصرية.

•        أتم حفظ القرآن الكريم في عام 1991.

•        ألقى المئات من المحاضرات في العديد من دول العالم الإسلامي والغربي.

•        صدر له حتى الآن 18 كتابًا في التاريخ والفكر الإسلامى.

•        قدم عدة برامج على الفضائيات المختلفة.

•        له المئات من المحاضرات والأشرطة الإسلامية صدر منها على هيئة أشرطة مسموعة:

o       الأندلس من الفتح إلى السقوط (12 محاضرة).

o       فلسطين حتى لا تكون أندلساً أخرى (12 محاضرة).

o       أبو بكر الصديق رضي الله عنه الصاحب والخليفة (6 محاضرات).

o       أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأحداث السقيفة (6 محاضرات).

o       في ظلال السيرة النبوية (العهد المكي والعهد المدنى) (46 محاضرة).

o       قصة التتار من البداية إلى عين جالوت (12 محاضرة).

o       كن صحابياً (12 محاضرة).

o       كيف تصبح عالمًا؟! (10 محاضرات).

فهرس الموضوعات

مقدمة البحث    3

منهج البحث     13

الباب الأول : الرحمة فى رؤية الرسول      25

الفصل الأول: الرسول 29

الفصل الثاني: الرحمة في الكتاب والسنة       35

الفصل الثالث: البيئة المعاصرة لرسول الله 49

المبحث الأول: الوضع في الدولة الرومانية     50

المبحث الأول: الوضع في الدولة الرومانية     51

المبحث الثاني: الوضع في الدولة الفارسية     52

المبحث الثالث: الوضع في أوروبا الشمالية    52

المبحث الرابع: الوضع في مصر      53

المبحث الخامس: الوضع في الهند    53

المبحث السادس: اليهود   54

المبحث السابع: حالة العرب في الجزيرة العربية قبل البعثة        55

الباب الثاني: رحمته   بالمسلمين  59

الفصل الأول: رحمته بالضعفاء  65

المبحث الأول: مَنِ الضعفاء؟!      65

المبحث الثاني: رحمته بكبار السن         69

المبحث الثالث: رحمته بالأطفال 73

المبحث الرابع: رحمته بالنساء    80

المبحث الخامس: رحمته بالخدم والرقيق    84

المبحث السادس: رحمته بالفقراء 90

المبحث السابع: رحمته بأصحاب الأزمات          95

الفصل الثاني: رحمته بالمخطئين  107

المبحث الأول: رحمته بالجاهلين  109

المبحث الثاني: رحمته بالمذنبين   113

المبحث الثالث: رحمته بالمخطئين في حقه .     126

الفصل الثالث: رحمته بالأمة في جانب العبادات   135

المبحث الأول: رحمته في أمور الصلاة والقرآن      138

المبحث الثاني: رحمته في أمور الصيام     143

المبحث الثالث: رحمته في أمور الصدقات 147

المبحث الرابع: رحمته في أمور الحج والعمرة         153

المبحث الخامس: رحمته في أمور الجهاد   157

الفصل الرابع: رحمته بعموم الأمة 167

المبحث الأول: رحمته بالأمة إجمالاً       168

المبحث الثاني: رحمته بالرعية     176

الفصل الخامس: رحمته بالمسلمين حال الموت وبعده         183

المبحث الأول: رحمته بالمسلمين عند الموت        184

المبحث الثاني: رحمته بالمسلمين في قبورهم          192

المبحث الثالث: رحمته بالمسلمين يوم القيامة       196

الباب الثالث: رحمته بغير المسلمين        205

الفصل الأول: نظرة الإسلام  إلى النفس الإنسانية     209

الفصل الثاني: رحمته بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي     219

المبحث الأول: الرحمة بغير المسلمين منهجٌ إلهيٌّ        220

المبحث الثاني: رحمته بغير المسلمين       221

المبحث الثالث: الرحمة بمن آذاه من غير المسلمين  232

الفصل الثالث : رحمته في تجنب الحرب   241

المبحث الأول: السلام في الإسلام  242

المبحث الثاني: المسلم لا يقاتل إلا من قاتله  246

المبحث الثالث: دوافع حروب الرسول     249

الفصل الرابع: رحمته أثناء الحرب 271

المبحث الأول: الاستعداد النفسيّ لقبول فكرة "حَقْنِ الدِّمَاء"   272

المبحث الثاني: رحمته بالمدنيين والمستكرهين على القتال     276

المبحث الثالث: عدم الإفساد في الأرض     282

المبحث الرابع: عدم دموية الحروب النبوية    282

المبحث الخامس: الوفاء من الرحمة! 288

الفصل الخامس: رحمته بالأسرى 293

المبحث الأول: وَضْعُ الأسرى في العالم قبل وأثناء ظهور الإسلام         294

المبحث الثاني: مبدأ العَفْو عن الأسرى عند رسول الله       298

المبحث الثالث: تعامل رسول الله مع الأسرى في حال الاحتفاظ بهم 309

الفصل السادس: رحمته بزعماء الأعداء!  317

المبحث الأول: رحمته بأبي سفيان بن حرب        318

المبحث الثاني: رحمته بعكرمة بن أبي جهل         326

المبحث الثالث: رحمته بصفوان بن أمية   329

المبحث الرابع: رحمته بسهيل بن عمرو    335

المبحث الخامس: رحمته بفضالة بن عمير 337

المبحث السادس: رحمته بهند بنت عتبة   338

الباب الرابع: شبهات وردود         347

الفصل الأول: شبهات تختص بالعنف والإرهاب والحروب       351

الفصل الثاني: الشبهات الخاصة بالحياة العامة          367

الباب الخامس : رؤية غير المسلمين للرحمة    379

الفصل الأول: بلا رحمــة!!  379

الفصل الثاني: وشهد شاهد من أهلها!!      399

خاتمـة البحث     419

1-مصادرالبحث 427

أولاً: القرآن الكريم         427

ثانيًا: التوراة والإنجيل       427

ثالثًا: كتب تفاسير القرآن وعلومه   427

رابعًا: كتب السنن والآثار  428

خامسًا: كتب التخريج وشروح السنة         430

سادسًا: كتب الفقه        431

سابعًا: كتب التاريخ والسيرة         432

ثامنًا: كتب التراجم         434

تاسًا: كتب اللغة والمعاجم والبلدان  435

عاشرًا: كتب عامة          435

حادي عشر: كتب المستشرقين      437

ثاني عشر: المجلات والدوريات       438

ثالث عشر: مواقع الإنترنت         438

2- فهرس الآيات          439

3- فهرس الأحاديث      440

4- فهرس الأعلام المترجم لها        443

5- فهرس الأعلام         444

6- فهرس الأماكن        447

7- فهرس الكلمات       448

8- فهرس الخرائط والأشكال        457

 مقدمة البحث

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل الله فلا هادي له..

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله..

أمّا بعد..

فلا شك أن التشريع الإسلامي قد بلغ الذروة في الكمال والإتقان، وأنه قد بلغ الغاية في الإبداع، ويكفي في وصف هذا التشريع المحكم ما ذكره ربنا في كتابه في أخريات ما نزل من القرآن الكريم عندما قال: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ".

فالدين كامل ليس فيه نقص، والنعم تامة لا يعتريها قصور، والتشريع لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وبيَّن حكمها، وطريقة التعامل معها، يقول تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ " ويقول الرسول في الحديث الذي رواه العرباض بن سارية : "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ  ".

ولا شك أيضًا أن حياة رسولنا كانت تطبيقًا عمليًا لكل حُكم من أحكام الشريعة، فخرجت لنا هذه الحياة في شكلٍ بديعٍ، شمل كل المتغيرات التي من الممكن أن تقابل الفرد أو الجماعة، أو الأمة ككل.  فالرسول تعامل في حياته مع كل الطوائف التي من المحتمل أن يتعامل معها المسلمون، ومر بكل الظروف التي من الممكن أن تمر بها الأمة الإسلامية، فهذه ظروف حرب وهذه ظروف سلم، وهذه فترات قوة وهذه فترات ضعف.

ولقد شهدت السيرة النبوية إعجازًا إلهيًا واضحًا جليًا في تكثيف كل الأحداث التي من الممكن أن تواجه المسلمين في أي زمان وفي أي مكان، وذلك في ثلاث وعشرين سنة فقط؛ حتى يتحقق التوجيه الإلهي الحكيم: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ".

ولقد تعامل الرسول مع كل الأمور التي واجهته بطريقة فذة، وبسُنَّة مطهرة أخرجت لنا كنوزًا هائلة من فنون التعامل، ومن آداب العلاقات، وبرز في كل ذرة من ذرات حياته العنصر الأخلاقي، كعنصر مؤثر تمامًا على كل اختيار من اختياراته ، فلا يخلو - حقيقةً - أيُّ قول أو فعل له من خلقٍ كريم، وأدب رفيع، بلغ إلى هذه الذروة، ووصل - بلا مبالغة - إلى قمة الكمال البشري، الأمر الذي نستطيع أن نفهم منه قوله : "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِمَ مَكَارَمَ الأَخْلَاقِ" .

وهكذا فلا يخلو موقفٌ ولا حدثٌ ولا قولٌ، ولا ردُّ فعلٍ من بروزٍ واضح لهذه الأخلاق الحميدة، حتى في المواقف التي يصعب فيها تصور الأخلاق كعاملٍ مؤثرٍ، وذلك كأمور الحرب والسياسة، والتعامل مع الظالمين والفاسقين والمحاربين.

لقد كانت معضلة حقيقية عند كثير من المتعاملين بالسياسة أو بالاقتصاد أو بالحرب أو بالقضاء، أو بغير ذلك من أمور الحياة المعقَّدة، أن تنضبط تعاملاتهم كلها بأطر أخلاقية وضوابط إنسانية، ولكن الدارس للسيرة النبوية، المتمعن في مواقفها يجد هذه الأطر وتلك الضوابط الأخلاقية واضحة في كل مواقف السيرة بلا استثناء!.  ولا غرو، فهذا الخلق هو الذي وصفه الله عز وجل بالعظمة، حيث قال في وصفه:"وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ".

ومن هنا فإن العظمة في سيرته لا حدود لها.. فهي عظمة في النظرية، وعظمة - كذلك - في التطبيق..  لقد أثبت رسول الله أن القواعد المثالية الراقية التي جاءت في كتاب الله عز وجل ما هي إلا قواعد عملية قابلة للتطبيق، وأنها صالحة لتنظيم حياة البشر أجمعين، وأنها الدليل الواضح لمن أراد الهداية بصدق.  كما كانت حياته ترجمة صادقة لكل أمر إلهي، وقد صَدَقَت ووُفِّقت أم المؤمنين عائشة < في وصف أخلاقه عندما قالت: كان خُلُقُهُ القرآن.

ومع كون هذه الأخلاق جليلة، وبرغم أن هذه الحياة النبيلة مسجَّلة وموثَّقة، إلا أن الكثير والكثير من البشر تجدهم يُنكرون ذلك ويكذبونه، بل إنهم يتجاوزون مرحلة الإنكار والتكذيب إلى ما بعدها من سبٍ وقذفٍ وطعنٍ وتجريح!!  ويقف الإنسان أحيانًا حائرًا مدهوشًا أمام هذه التيارات المهاجمة للإسلام، والطاعنة في خير البشر، وسيد ولد آدم ، ويتساءل متعجبًا: كيف لم تر أعينهم النور الساطع؟! وكيف لم تدرك عقولهم الحق المبين؟!

وإن هذه الحيرة وتلك الدهشة لتزول، ويتلاشى معها العجب والاستغراب عندما ننظر في أحوال هؤلاء المنكرين المكذبين الطاعنين اللاعنين.

إنهم لا يخرجون عن واحد من اثنين، إما حاقد أو جاهل..

أما الأول: فلا ينقصه علم ولا دراية.. إنه رأى الحق بوضوح، ولكنه آثر - طواعيةً - أن يتَّبع غيره، أما لماذا خالف وأنكر فلأسباب كثيرة: فهذا محبٌ لدنياه، وذاك مؤثرٌ لمصالحه، وهؤلاء يتبعون أهواءهم، وأولئك يغارون ويحسدون..

إنها طوائف منحرفة من البشر لا ينقصها دليل، ولا تحتاج إلى حجة، وفيهم قال ربنا سبحانه وتعالى:"وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ".

وهذه الطائفة تشمل أكابر المجرمين، ورؤوس الفتنة والضلال، وأتباع إبليس اللعين، وهم موجودون في كل زمن، ولا يخلو منهم عهد نبي ولا صِدِّيق ولا صالح، فهم أعداء الخير في كل مكان، ودعاة الإفساد والرذيلة في كل وقت.  إنهم قد ماتت ضمائرهم، وفسدت فطرتهم، واسودَّت قلوبهم، وعميت أبصارهم، فاختاروا لأنفسهم ولأقوامهم طريق الضلال والغواية، وأعرضوا كل الإعراض عن كل دليلٍ يقود إلى خير، ووجَّهوا جلَّ اهتمامهم إلى حرب المصلحين والشرفاء!

ومن هذا الفريق كان فرعون وهامان، ومنه كان أبو جهل وأبو لهب، ومنه كان كسرى وقيصر، ومنه كان حُيي بن أخطب وكعب بن الأشرف..

مِنْ هؤلاء مَنْ تزيّا بزيّ الملوك والسلاطين، ومنهم مَنْ تزيا بزي الأحبار والرهبان..  منهم مَنْ أمسك السيف وقاتل، ومنهم مَنْ أمسك القلم وطعن.. منهم اليهودي والنصراني والمشرك والمجوسي، ومنهم الملحد الذي ينكر الألوهية أصلاً، بل إن منهم المسلم ظاهرًا المنافق باطنًا!! وما قصة عبد الله بن أبي ابن سلول  عنَّا بخافية.

إنه فريق خطير يحتاج المسلمون دائمًا إلى كشف أوراقه، وإلى فضح مخططاته ومؤامرته، وإلى تحذير العالمين من شروره وآثامه.

ومع كون هذا الفريق على هذه الدرجة من الخطورة، إلا إنهم - بفضل الله - قلة، ولا يمثلون في تعداد المكذبين للدين، والطاعنين في الأنبياء والصالحين إلا قطراتٍ في يمٍّ واسع..

 فمَن فرعون وهامان بالقياس إلى شعب مصر؟ ومَن أبو جهل وأبو لهب بالنظر إلى شعب مكة؟ ومَن كسرى إذا اطَّلَعْت على سكان العراق وفارس وما حولها؟ ومَن هرقل في نصارى الشام والأناضول والبلقان وأوربا..؟!

إن هذه الطائفة التي تقاتل الدين عن رغبةٍ وقصد، وتحارب الفضيلة والأخلاق عن عمدٍ ودراية، وتنهش في أعراض الصالحين وهي متلذذة - هذه الطائفة قليلة بالقياس إلى أعداد من يطعنون في الدين ويحاربونه ويصدون الناس عنه..

وإذا كان هؤلاء قلة، فتُرى مَنْ هم السواد الأعظم من المنكرين المكذبين؟!

إنهم الفريق الثاني الذي يتبع قادة الكفر والضلال، إنهم "عموم الناس" الذين لم يعرفوا الدين من مصادره الصحيحة، إنما صُوِّر لهم على أنه بدعٌ منكرة، أو تقاليد بالية، أو أفكار منحرفة، فانساقوا كالقطيع وراء الأبالسة، وساروا في ركابهم إلى هاويتهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا!!

إنهم فريق الجُهَّال الذين ينقصهم العلم، أو البسطاء الذين يفتقرون إلى شرحٍ وتوضيح، أو حتى العقلاء الذين يحتاجون إلى دليلٍ وبرهان.

إن هذا الفريق الثاني يحتاج ببساطة إلى "العلم"!..

إنه لا يقاتل رغبةً في القتال، ولا يَسُبُّ حُبًّا في السِّباب، ولا يهاجم الإسلام أو يطعن في رسول الله عن عقيدةٍ وفكرٍ وتصميم.

إنهم المساكين من العوام!!

إنها الشعوب الهائلة، والأمواج المتلاطمة من البشر!!

إنهم "عموم الناس"!!

وراجعوا التاريخ وتدبروا صفحاته..

هل حاربت شعوب فارس الإسلام؟ أم أن الحرب جاءت على يد كسرى، وطائفة حوله من المنتفعين من الوزراء والأمراء ورجال الدين، ثم ثلة من الجنود المقهورين؟ إن الشعب الفارسي ظل قرونًا وأعوامًا يؤمن أن إلهه النار، ويؤمن كذلك أن قائدهم كسرى من سلالة مقدسة طاهرة، وأن الدين الصحيح هو دين مزدك  وأتباعه.

ثم مرت الأيام وحُملت رسالة الإسلام بيضاء نقية إلى هؤلاء المساكين الغافلين، ورُفعت عن عيونهم الغشاوة، وأُزيل من آذانهم ما وضعه قادتهم وزعمائهم من موانع السمع، ومن أسباب الضلال، فما هي إلا أيام معدودات حتى أدرك "عموم الناس" ما كانوا فيه من تخبط، وشاهدوا بعيونهم وعقولهم وقلوبهم عظمة التشريع وجمال الإسلام، واطَّلعوا عن قربٍ على أخلاق الرسول الرفيعة، وعلى مواقفه وأقواله الحكيمة، فاختاروا الإسلام عن رغبةٍ وحبٍ، لا عن إكراهٍ وغصب..

إننا - والله - لا نحتاج إلى إكراهٍ في الدين، ولا نسعى إلى إرغامٍ على عقيدة، فضلاً عن أننا مأمورون بالامتناع عنهما، قال تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ".

لقد تبيَّن لشعب فارس الرشد من الغي، لقد رأوا الحق وميَّزوا بينه وبين الباطل بوضوح، واختار جُلُّ الشعب طريق الفطرة التي زرعها الله عز وجل في سويداء قلوب عباده "فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا  "، وأسلم غالب شعب فارس، ولم يستمر في الإنكار والتكذيب والمقاومة إلا رؤوس الكفر وأئمة الضلال.

وما قلناه عن شعب فارس ينطبق على شعوب الشام ومصر وشمال أفريقيا، بل وعلى نصارى الأندلس والأناضول وشرق أوروبا، وكذلك ينسحب على شعوب شرق وغرب أفريقيا، وعلى أندونيسيا وأرض الملايو والهند وغيرها..

إن حجة الله بالغة، ودينه غالب..

لا بسيفٍ وسلاح، ولكن بدليلٍ وبرهان!!

إنه يكفيك أن تعرض رسالة الإسلام، وأن تشرح أحوال وأخلاق وطبائع النبي العظيم رسول الله ؛ فيكون هذا سبيلاً لهداية السواد الأعظم من الناس.

من هنا نفهم ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى في كتابه عندما حدد بوضوح وظيفة الأنبياء حين قال: "فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ " وقال: "وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ " وقال أيضًا: "فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ".

ومثال ذلك في القرآن كثير، وحصره يصعب ويطول..

  والسؤال المُلِّح: ماذا يحدث إن قَصَّر المسلمون عن حمل رسالتهم، وتوضيح شريعتهم، وشرح أخلاق نبيهم ؟!

إنَّ هذا التقصير يفتح الباب لقادة الأفكار المنحرفة، ولأئمة الضلال والغواية، أن يشرحوا الإسلام من وجهة نظرهم، وأن يُلبِّسوا على الناس دينَهم.

إن الناس تحتاج إلى قائدٍ ودليل، فماذا يحدث إن تكاسل المؤمنون عن دورهم في تعريف الناس بديننا وبرسولنا وبأخلاقنا وقِيمنا؟!  إنهم سيبحثون عن قائد – أيًّا كان جهله – ليتبعوه!!

يقول رسول الله : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" .

ومن هنا نفهم المقولة الرائعة الموفَّقة التي نطق بها الصحابي الجليل ربعي بن عامر  وهو يشرح ببساطة دور المسلمين في الأرض، ومهمتهم في الحياة..

لقد قال في إيجاز حكيم: "الله ابتعثنا لنُخرج مَن شاء مِن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَور الأديان إلى عَدل الإسلام" .

إنها المهمة الجليلة التي يجب أن يضعها المسلمون نصب أعينهم على الدوام. 

إنَّ جُلَّ من يُحاربنا لا يعرفنا، وغالب من يكرهنا لم يَطَّلِع على حقيقة أمرنا.

إننا نحتاج إلى إبراز مواطن العظمة والكمال في ديننا، وفي حياة نبينا .

نحتاج أن نتحدث عن أنفسنا بأنفسنا، وأن نكتب عن أخلاقنا بأقلامنا، وأن نتحدث عن رسولنا بألسنتنا.

لقد دخلتُ أكثر من مكتبة عملاقة في أوروبا وأمريكا لأرى الكتب التي تتحدث عن الإسلام أو عن رسولنا باللغة الإنجليزية، وباللغات الأخرى، فوجدت العشرات بل والمئات، ولكن - يا للأسف - معظمها كُتبت بأيدٍ غير مسلمة!..

فقليل أنصف ودافع، وكثيرٌ ظَلَمَ وجَحَدَ وكَذَّبَ وافترى..

والسؤال: أين المسلمون؟!

أليس من ميادين الجهاد العظيمة أن يُكتب عن دين الإسلام وعن رسوله ما يشرح الجمال والكمال والجلال لعباد الله أجمعين؟!

ألا يجب أن نغطي هذا المجال من كل جوانبه وبكل تفصيلاته؟!

ألا يجب أن نصل إلى الشعوب المسكينة التي أعماها الجهل، وغطَّى الرانُ على قلوبها، فما رأت عظمة الإسلام وأخلاقه وتشريعاته؟!

ألا يجب أن تُترجم كل هذه الفضائل إلى كل لغات العالم المشهورة وغيرها حتى نقيم حُجَّة الله تعالى على خلقه؟

قال تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ".

ألا نشعر بالحرج ونحن نرى "عموم الناس" يعيشون حياتهم فقط ليأكلوا ويشربوا ويتمتعوا، وهم عن عبادة ربهم غافلون لاهون؟!

ألن يحاسبنا ربنا عن الملايين الذين زهدوا في الإسلام، وكرهوا رسولنا لأنهم لم يسمعوا عنه إلا من وسائل الإعلام اليهودية وما شابهها، ولم يقرءوا عنه إلا بأقلام المغرضين والملحدين؟!

إن المهمة بعد ثقيلة، والتبعة جد عظيمة..

 إن العالم يحتاج لكمال شريعتنا، ويفتقر إلى قيادة رسولنا ، وليست مهمة البلاغ بالهينة؛ فالأعداء متربصون، وإبليس لا يهدأ، والمعركة على أشدها، ولكن كل ذلك لا يخيفنا، فنُصْب أعيننا قول ربنا يُثَبِّتَ قلوبنا، ويرسخ أقدامنا: "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ".

وبين أيدينا هذا البحث - الذي أسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه - نفتح فيه صفحةً واحدةً من الصفحات المبهرة في ديننا، وفي سيرة رسولنا الكريم ..   نَصِف فيها كيف كانت رحمة الرسول الأعظم والنبي الأكرم محمد مع المسلمين وغير المسلمين..

إنها صفحة بيضاء نقية، ما أحسب أن الفلاسفة والمنظِّرين والمفكرين قد تخيلوا مرة في أحلامهم أنها يمكن أن تكون واقعًا حيًا بين الناس، حتى إن أفلاطون  في جمهوريته، والفارابي  في مدينته الفاضلة، وتوماس مور  في مدينته الفاضلة الثانية (اليوتوبيا)، لم يصلوا في الأحلام والتنظير إلى معشار معشار ما كان عليه رسولنا في حقيقته وواقعه.

ويا ليت المسلمين يدركون قيمة ما في أيديهم من كنوز فيدرسونها ويُطبِّقونها، ثم ينقلونها إلى مشارق الأرض ومغاربها؛ ليسعدوا وتسعد بهم البشرية، وليكونوا سببًا في هداية الناس لرب العالمين.

 منهج البحث

هذا البحث الذي بين أيدينا يتناول موضوعًا من أهم الموضوعات التي نحتاج إليها في زماننا هذا، بل وفي كل الأزمنة، فالرحمة خُلُق أساس في سعادة الأمم، وفي استقرار النفوس، وفي أمان الدنيا، فإذا كان الموضوع خاصًا بالرحمة في حياة الرسول ، فإنه يكتسب أهمية خاصة، وذلك لكون البحث يناقش أرقى وأعلى مستوى في الرحمة عرفته البشرية، وهي الرحمة التي جعلها الله عز وجل مقياسًا للناس، فإنه قال في كتابه: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" ، فرحمته ليست محدودة بمكان أو بزمان، إنما هي لكل العالمين، منذ بعثته وإلى يوم الدين، وحيث أنَّ كل طائفة تُعرِّف الرحمة وعموم الأخلاق من منظورها وحسب مصالحها، وجب أن يكون هناك معيار ثابت لهذه الرحمة يحتكم الناس إليه عند الاختلاف، وهذا المعيار هو رسول الله .

وإذا أضفنا إلى ما سبق أن العالم الآن بشتى طبقاته، وبلاده، وسكانه يعاني من فقدان للرحمة في معظم التعاملات، وفي شتى المجالات، وأصبحت القسوة، والعنف، سمات رئيسية من سمات الحياة، إذا أضفت ذلك علمت أن دراسة الرحمة النبوية تُعد أمرًا ضروريًا للخروج من الأزمات المتلاحقة التي يعانيها العالم في كل مكان.

ويضيف إلى أهمية الموضوع، تلك الهجمات الشرسة التي تستهدف رسولنا العظيم ، والتي يطلقها الآن الكثير من الغربيين والشرقيين، بل وأحيانًا من أبناء المسلمين العلمانيين، والذين يحزنهم أن يجدوا رسول الله قدوة – ليس فقط للمسلمين – ولكن للبشر أجمعين، وليست رسوم الكاريكاتير الدنماركية ببعيدة، وليست كلمات البابا الكاثوليكي في ألمانيا عنا بخافية، وليست الافتراءات المشاهدة على صفحات الجرائد، وعلى شاشات الفضائيات بقليلة!!  إن الخطب جلل، وإن الكارثة عظيمة، وما أشد خسارة البشرية لو جهلت قيمة خير مخلوق، وأعظم رسول، وأرحم من سار على هذه الأرض.  إنَّ مهمة المسلمين ثقيلة حقًا، وهي لا تكمن في الدفاع فقط عن الرسول ، وإن كانت هذه مهمة جليلة، ولكن مهمة المسلمين في الأساس هي التعريف بهذا الرسول الرحيم ، حتى نستنقذ به الملايين والبلايين ممن عاشوا حياتهم وهم لا يعرفونه، وممن عَبَدَ الله على غير علم، فضَلَّ وأضلَّ.

  ومن هنا فإنَّ دور هذا البحث لا يقتصر على تعريف المسلمين بنبيهم، وإنما يتخطى ذلك إلى نفع البشرية جمعاء بهذا الجانب الرائع من سيرته .

وكان في أمنيتي عند الشروع في هذا البحث أن أحصي كل مواقف الرحمة في حياة الرسول ، إلا أن هذا الحصر والاستقصاء يبدو مستحيلاً؛ إذ أن هذا الحصر بمعناه الدقيق يعني - تقريبًا – الحديث عن كل مواقف حياته ؛ فهو من أول يوم في بعثته وإلى أخر يوم في حياته كان رحيمًا في كل مواقفه وتعاملاته..

ومن ثم فقد سدَّدْتُ وقاربْتُ، بأن قمت بجمع ما وجدت أن له علاقة مباشرة بفكرة البحث، وهو عرض الصورة الفذة، والطريقة المبهرة، التي تعامل بها مع كل طوائف البشر على اختلاف عقائدهم وقبائلهم وبيئاتهم وظروفهم.

وغنيٌ عن البيان أن الغرض من البحث ليس عرض معنى الرحمة في التشريع الإسلامي، فهذا خارج نطاق البحث، ولهذا لم نذكر التيسيرات التي جاءت في الشريعة – ولو كانت على لسان رسول الله - لأنها في النهاية وحي من رب العالمين، وهي تُمثِّل رحمته سبحانه وتعالى بخلقه، ولكني أثْبَتُ في هذا البحث رحمته التطبيقية لهذه التشريعات الإلهية، كذلك رحمته في التجاوز عن أخطاء الآخرين في حقه، ورحمته في حرصه على تطبيق روح القانون الإسلامي السمحة، وليس التشدد والتعنت في تنفيذ الأحكام، كل ذلك دون إفراط أو تفريط.

وعلى عكس ما يكون في كثير من الأبحاث من صعوبة نتيجة قلة المصادر التي لها علاقة بالموضوع، فإن هذا البحث كانت صعوبته لأمر مخالف تمامًا!!  لقد كان من التحديات الكبرى التي واجهتني في هذا البحث وفرة المصادر والمعلومات بشكل لافت للنظر..  فهناك المئات والآلاف من المجلدات التي كُتبت بأيدي علماء وفقهاء المسلمين - بل وبأيدي غير المسلمين - والتي تصف حياته وصفًا دقيقًا، شمل كل دقيقة من دقائق الحياة، وهو ما لم يحدث قبل ذلك - ولن يحدث أبدًا- مع أي شخصية أخرى غيره ..

ولأجل هذه الوفرة في الكتب والمصادر فقد جعلت لنفسي منهجًا في الاعتماد على هذه المصادر..  ويتلخص ذلك المنهج فيما يلي:

أولا: الاعتماد بشكلٍ رئيسي على ما جاء في القرآن الكريم من تحديد مفهوم الرحمة، وإسقاط هذا المفهوم على حياة الرسول ، وكذلك نقل الآيات التي نزلت بخصوص مناسبات معينة لها علاقة وثيقة بموضوعنا، والاعتماد في شرح هذه الآيات وفهم معانيها على كتب التفسير الموثقة، مثل التفاسير التي كتبها الطبري وابن كثير والقرطبي رحمهم الله جميعًا، وغير ذلك من التفاسير القيِّمة حسب الحاجة..

  ثانيًا: الاعتماد بشكلٍ رئيسي – قدر الإمكان - على ما صحَّ من مروياتٍ في كتب السنَّة المعتمدة، وأولها بلا جدال صحيح البخاري ثم صحيح مسلم، وبعد ذلك كتب السنة العظيمة، كسنن الترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجة والبيهقي وغيرهم، وكذلك كتب المسانيد وفي مقدمتها مسند أحمد بن حنبل..

ولم يكن النقل عن هذه المصادر مجردًا من التوثيق والتصحيح، فقد حرصت على البحث عن تقييم علماء الحديث الثقات - سواء من الأقدمين أو المعاصرين - لهذه المرويات، ولم أُثْبِتْ في هذا البحث إلا ما قرأت تصحيحًا له - أو قبولاً على الأقل - من عالم معتبرٍ، أو محدِّثٍ ثقة..

ثالثًا: يأتي بعد كتب السنة الموثَّقة كتب المغازي والسير والدلائل والشمائل، وهي كتب كثيرة، وبها أحداث متوافرة، ولكن يعيبها أن بها الكثير من الضعيف، بل والكثير مما لا أصل له..  ومن ثم كان حرصي في هذا البحث – قدر المستطاع - على عدم النقل عن أحد هذه الكتب إلا بعد رؤية تصحيح للرواية في الكتب التي اهتمت بذكر صحيح السيرة، أو كتب السيرة التي حرص فيها أصحابها على نقد الروايات، وعلى تقديم الصحيح على الضعيف، بالإضافة إلى كتب السيرة التي علَّق عليها، وخرَّج مواقفها علماء الحديث المعتبرون..

رابعًا: أعرضت في هذا البحث عن كل موقف أو حديث لم أقف على تخريجٍ له.

خامسًا: بعد ذكر الموقف أو الحديث كنت أعلق عليه وأذكر المستفاد منه، وما أضافه لفِقْهنا لخلق الرحمة في السنة النبوية، وهذا التعليق على الحديث كان أحيانًا نتيجة استنباط مني، أو رؤية خاصة بي، وأحيانًا أخرى كان نقلاً عن أحد العلماء الذين ألَّفوا في هذا الموضوع، وفي الحالة الأخيرة كنت أُثْبِتْ الكتاب الذي نقلت عنه هذه الرؤية..

وبعد أن قمت بجمع مادة البحث قمت بصياغتها في خمسة أبواب على النحو التالي:

في الباب الأول: تحدثت عن مفهوم الرحمة في رؤية رسول الله بشكل عام، وقد قسَّمت هذا الباب إلى ثلاثة فصول، كان الأول منها يصف رسول الله إجمالاً، ويُعرِّف القارئ للبحث بالشخصية التي سيدور حولها الحديث في الصفحات المقبلة، وقد كان التركيز في هذا الفصل على الجانب الأخلاقي في حياته .  أما الفصل الثاني فقد تناولت فيه مفهوم الرحمة كما جاء في كتاب الله عز وجل، والذي يمثل المرجعية الكبرى لرسول الله ، وبالتالي فهو يُحدد الأطر التي من خلالها كان يتعامل رسول الله .  ثم تحدثت في نفس الفصل عن نظرته لخلق الرحمة، وكيف كانت شاملة، لكل مخلوق، حتى تعدت البشر على الحيوانات والجمادات، وخرجت عن إطار المسلمين إلى غير المسلمين.  وفي الفصل الثالث والأخير ذكرت بإيجاز طرفًا من نظرة المجتمع المعاصر لرسول الله لقضية الرحمة، سواء في بلاد العرب، أو في الدول والممالك الموجودة آنذاك، ليدرك الجميع مدى العظمة النبوية، والتي تميَّزت برحمة ظاهرة في بيئة شديدة القسوة!

  أما الباب الثاني فباب رئيس في البحث، وقد خصصته للحديث عن رحمته بالمسلمين، ويا لها من رحمة!!

لقد صعُب عليَّ جدًا أن أصنِّف هذا الباب، لأن رحمته بالمسلمين تشمل فعلاً كل جانب من جوانب الحياة، ولكون عدد صفحات البحث محدودًا ظهرت مشكلة، وهي أي المواقف تُبقَى، وأيها تُحذَف!  وقد استعنت بالله وقسَّمتُ هذا الباب المهم إلى فصول خمسة:

أما الفصل الأول فذكرت فيه رحمته بالضعفاء، وكل البشر فيه جانب من الضعف كما سنبيِّن إن شاء الله، ولكني اخترت أكثر طوائف المسلمين ضعفًا لكون الرحمة بهم ظاهرة جدًا، وليس بالإمكان تجاهلها، وقد شمل الحديث في هذا الفصل أنواع مختلفة من الضعفاء مثل كبار السن والأطفال والنساء والخدم وغيرهم.

وفي الفصل الثاني ذكرت رحمته بالمخطئين من أمته، وهي رحمة عظيمة، حيث أن عموم الناس تلتفت أنظارهم عادة عند الخطأ إلى وسائل اللوم والعتاب، بل والعقاب، والقليل هو الذي يعتبر المخطأ في أزمة، وبالتالي يجب الوقوف إلى جواره، ولا شك أن رسول الله كان خير مَنْ يُقدِّر المواقف، ويعذر المخطئين، ولذلك شاهدنا في هذا الفصل رحمة عجيبة بالمخطئين على أنواعهم، شاملاً بذلك مَنْ أخطأ عن جهل، أو مَنْ أخطأ عن عمد، وشاملاً أيضًا مَنْ أخطأ في حق الناس، أو من أخطأ في حق رسول الله شخصيًا!

وفي الفصل الثالث تحدثت عن جانب مهم في رحمته ، وهو رحمته بالمؤمنين في جانب العبادات، وهو جانب من الرحمة لا يفقه كثير من المسلمين فضلاً عن غير المسلمين، فالكثير من الناس يظنُّ أنَّه كلما ازداد التشدد في العبادة ازداد القرب من الله، ولكننا في هذا الفصل سنتبيَّن رؤية رسول الله الرحيمة في هذا الأمر، والتي كانت تنظر إلى الإنسان

نظرة شاملة، لا تُركِّز على جانب وتهمل آخر، فلم يكن رسول الله يهتم بأمر العبادة ويهمل أمر الأسرة والمجتمع، إنما كان متوازنًا بشكل مبهر حقًا.

أما الفصل الرابع فقد ناقشت فيه رحمته بعموم الأمة الإسلامية سواء الذين عاصروه أو الذين لم يرهم في حياته ، وهي رحمة واسعة عظيمة حرص أن يوظِّفها إيجابيًا، وذلك بتحذير المسلمين من المخاطر التي من الممكن أن تقابلهم في مستقبلهم القريب أو البعيد، حتى وصف لهم ما سيكون إلى يوم القيامة، وناقشت أيضًا في هذا الفصل رحمته بالرعية المسلمة، ووصيته للحكام برعاية المحكومين.

وفي الفصل الخامس والأخير ذكرت رحمته بالمسلمين عند اللحظات الأخيرة من حياتهم، وهم على فراش الموت، ثم ذكرت أن هذه الرحمة مستمرة للمسلمين حتى بعد موتهم، وفي داخل قبورهم، ثم تحدثت عن رحمته الكبرى بأمته – بل وبالخلق جميعًا – يوم القيامة، وهي الرحمة التي فاقت كل رحمة!

  وأما الباب الثالث: فقد فصَّلت فيه الحديث عن رحمته بغير المسلمين، وهي رحمة عجيبة شملت قومًا خالفوا منهجه، وأنكروا الرسالة، ورفضوا النبوة، وعبدوا غير الله تعالى!  إنَّ هذه الرحمة لخير دليل على أنه كان رحمة للعالمين، بالمفهوم الشامل الواسع لكلمة "العالمين".  وقد كان الحديث عن هذا الجانب الشيِّق من سيرته من خلال ستة فصول:

وقد آثرت في الفصل الأول أن أعرض أولاً نظرة الإسلام التكريمية إلى النفس البشرية، لنفقه بعد ذلك الخلفيات التي على أساسها يرحم رسول الله بشرًا كفروا بالله عز وجل!

وفي الفصل الثاني تحدثت عن رحمته بغير المسلمين الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي، أو الذين يخالطون المسلمين في حالة السلم، وفيها شَرحْتُ رحمته والتي وصلت إلى مَنْ آذاه منهم، ولم تختلف رحمته بهم في زمان قوة المسلمين عن رحمته بهم في زمان الضعف.  إنها الرحمة المطلقة التي لا تعرف استثناء!

أما الفصل الثالث فقد ذكرت فيه رحمته في تجنب الحرب، فويلات الحرب لا تخفى على أحد، ومن ثم كان رسول الله حريصًا على تجنب الصراع المسلَّح ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولذلك أيضًا لم يكن يبدأ الحرب أبدًا، وهذا من رحمته بغير المسلمين.

وفي الفصل الرابع كان الحديث عن أمر عجيب، وهو رحمته بغير المسلمين أثناء ممارسة الحرب!  فلا أحد يتخيل أن الأطر الأخلاقية يمكن أن تحيط بقضايا الحرب والقتال، ولكن في هذا الفصل سنوضِّح أن الجانب الأخلاقي، والبعد الإنساني لم يختف من حياة رسول الله حتى في الصدامات الحربية، مما يعتبر شيئًا فريدًا في حياة البشر.

وفي الفصل الخامس شرحت صورة من أروع صور الرحمة في التاريخ، وهي رحمته مع الأسرى، وهي الرحمة التي فاقت كل النظم والقوانين الحديثة، ولم - ولن - يأتوا بمثلها، مهما ابتدع الناس من قوانين وأحكام.

أما الفصل السادس والأخير فقد أفردته لجانب من الرحمة يُعد مستحيلاً في أعراف أهل الأرض!  وأعني به رحمته بزعماء الأعداء الذين لم يكتفوا بحربه، بل جيَّشوا الجيوش، وحزَّبوا الأحزاب، لإبادة المسلمين إبادة تامَّة!!  وأروع ما في هذا الجانب، أنه لم يكن مجرد بعض المواقف العابرة، أو الحوادث الاستثناءية، إنما كان سياسة مطردة، ومنهج ثابت، وقانون عام.  إنَّ رحمة من هذا النوع لا تكون حقيقة إلا من نبي، وإنها - لعمري – لمن أقوى دلائل نبوته .

وكنت عند هذا الحد قد انتهيت من البحث، ولكني آثرت أن أضيف إليه بابين آخرين لتتضح بهما الصورة أكثر وأفضل فكان البابان: الرابع والخامس.

أما الباب الرابع فقد أطلقت عليه عنوان "شبهات وردود"، وفيه تعرضت لبعض الشبهات التي يثيرها من آن إلى آخر أعداء الإسلام ومبغضوه، ووضَّحت كيف يمكن أن نرد عليها، وقد حرصت على جمع بعض الشبهات التي لها علاقة بموضوعنا، والتي يُتهم فيها رسولنا بنقيض الرحمة، ولم أتعمد في هذا الباب أن أتناول كل ما جاء على ألسنة الأعداء من شبهات، فهذا يطول الحديث عنه، ولكني أحسب أنني تناولت أبرز هذه الشبهات.  وقد قسمت الشبهات على فصلين، كان الأول منها يناقش الشبهات الخاصة بالحروب، أما الثاني فكان يناقش الشبهات الخاصة بالحياة العامة.

وأما الباب الخامس: فقد وضَّحتُ فيه رؤية غير المسلمين لخلق الرحمة، ومكانته في أمور الحياة المختلفة، وكما يقول الله عز وجل "لَيْسُواْ سَوَاء "، فإننا ندرك أنَّ من غير المسلمين من اعتاد الظلم والقسوة، ومنهم من نظر بعين الإنصاف إلى مصادر الرحمة الحقيقية في هذا العالم وتحدَّث عنها.  وعلى هذا فقد جاء هذا الباب الأخير في فصلين:

كان الفصل الأول منهما يبحث تعاملات غير المسلمين مع الناس بصفة عامة، سواء في مجال الحروب أو في مجال الحياة العامة؛ لنرى كيف يتعامل غيرنا مقارنةً بتعاملاتنا، ولنعرف البون الشاسع بين أحكام الشريعة الإسلامية، وأحكام القوانين الوضعية هنا وهناك، وكما يقولون: الضِدُّ يُظهر حُسنَه الضدُّ!  وقد حرصت في هذا الفصل أن أجمع بعض المواقف المشهورة سواء في التاريخ أو في واقعنا المعاصر، ولم أقصد فيها الاستقصاء والحصر، فهذا يحتاج إلى بحوث ومجلدات عملاقة!

وأما الفصل الثاني فقد ذكرت فيه صورة مغايرة للأولى، وهي شهادات بعض العلماء المنصفين من غير المسلمين، سواء كانوا غربيين أو شرقيين، لرحمة رسول الله  وأخلاقياته العالية في تعامله مع كل من يعرف من المسلمين ومن غير المسلمين، وكما يقول ربنا سبحانه وتعالى: "وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ".

وقد جاءت بعد هذه الأبواب الستة خاتمة لهذا البحث:

أوضحت فيها إجمالاً المستخلص من كل تلك الفصول السابقة، وأنصح فيها نفسي والمسلمين أن يحملوا هذا الدين العظيم إلى كل بقعة من بقاع الأرض؛ فإن البشرية - بحقٍّ - في احتياج ماسٍّ إليه، وأجزمُ أنَّ علاج كل مشاكلها يكمن بين جنباته.

  وقد أثْبَتُ بعد الانتهاء من كتابة البحث كل المراجع والمصادر التي عدتُ إليها، وذلك بعد أن صنَّفتها إلى مجموعات بحسب المادة، وقد رتبت المصادر أبجديًا على اسم المؤلف، متجاهلاً أداة التعريف "ال"، وذلك لتسهيل الوصول إلى المرجع المطلوب.  وقد أثْبَتُ كذلك لكل مرجع الاسم الكامل له ولمؤلفه، وكذلك  - قدر الإمكان - دار الطباعة والنشر، وبلدها، وسنة الطبع، ورقم الطبعة، كما حرصت على ذكر أسماء المحققين أو المترجمين إن وُجدت.

هذا وقد اجتهدت أن أُطَعِّمَ هذا البحث ببعض الأمور التي ترفع من قيمته، وتُثري مادته، وتُسهَّل فهمه، وتُيسَّر الطلب فيه، فزودته ببعض الخرائط والصور والأشكال البيانية، كما قمت بشرح غريب الكلمات، وكذلك ضمَّنته بعض التراجم المهمة، وخاصة لأعلام المسلمين وعلمائهم، ليعرف المسلمون والعالم هذه النجوم المتألقة.

كما حاولت أن أُثْري هذا البحث عن طريق إضافة مجموعة كبيرة من أقوال المستشرقين وعلماء الغرب والشرق غير المسلمين، ففي هذا حجة بالغة على الناس أجمعين، ولذلك حرصت على وضع قول لأحدهم في كل صفحة من صفحات البحث.  كذلك زوَّدت البحث ببعض الأبيات الشعرية التي ألَّفها شعراء مسلمون في حق نبينا ، وقد حرصت على جمع الأبيات التي لها علاقة واضحة بخُلُق الرحمة.  ثم لاستكمال الفائدة ذكرتُ في مقدمة معظم المباحث بعض الإحصائيات والأرقام والأقوال والنصوص التي تشرح حال العالم إذا اختفت منه رحمة الإسلام، وحرصت على أن يكون الشيء الذي ذكرته له علاقة بموضوع المبحث المذكور فيه.

وفي نهاية البحث قمت بعمل عدة فهارس لتسهيل البحث عن أي معلومة، فبالإضافة إلى فهرس الموضوعات التقليدي، أضفت فهارس للآيات القرآنية، وللأحاديث النبوية، وكذلك للأعلام الذين ورد ذكرهم في البحث والصفحات التي تردد فيها اسم هذا العلم، كما فهرست أيضًا للأعلام الذين تُرجم لهم، كما أضفت فهرسًا للأماكن والمدن، وفهرسًا للخرائط والصور والأشكال.  ولإتمام الفائدة فقد زوَّدت البحث بمعجم كشَّاف للكلمات يُسهِّل الوصول إلى معظم الكلمات التي وردت في البحث.

وأخيرًا، فإنني أعتذر عما سقط مني سهوًا دون تعمدٍ من مواقف عظيمة لرسولنا الكريم ، أو من أقوال حكيمة له، أو من أحكام فقهية مهمة لم يخطر على بالي أن أسجلها؛ فإن النقص من طبيعة البشر، والكمال على إطلاقه لا يكون إلا لله عز وجل..

وعزائي في القول الموفَّق للعماد الأصبهاني : "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل.. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" .

 الباب الأول : الرحمة فى رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم

في هذه الصفحات القادمة، سيتم - إن شاء الله - تناول معنى الرحمة في عين رسول الله ، وما الصورة العامة لأخلاقياته ، وما المرجعيات التي على ضوئها تحدد مفهوم الرحمة عنده..

وسيكون هذا الباب مكونًا من فصول ثلاثة هي:

الفصل الأول: الرسول .

الفصل الثاني: الرحمة في الكتاب والسنة.

الفصل الثالث: البيئة التي عاش فيها رسول الله .

 الفصل الأول: الرسول اصلى الله عليه وسلم

يقول الفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير مخاطبًا رجال الدين في الكنيسة:

"لقد قام الرسول بأعظم دور يمكن لإنسان أن يقوم به على الأرض، إن أقل ما يقال عن محمد أنه قد جاء بكتاب وجاهد، والإسلام لم يتغير قط، أما أنتم ورجال دينكم فقد غيرتم دينكم عشرين مرة "

إننا في هذه الصفحات المقبلة في هذا البحث الذي بين أيدينا سنتعرض لجانب واحد من جوانب العظمة والفضل لرسول الله ، وهو جانب الرحمة في حياته .

واستيفاء الحديث عن رسول الله أمر شاق، فالمواقف الجليلة والأحداث العظيمة في حياته يصعب - بل يستحيل - حصرها، فكل لحظة من لحظات حياته تحمل كنوزًا من الخير والكمال.. وكننا سنسدد ونقارب إن شاء الله.

وقبل أن نتحدث عن الرحمة في حياته ، لابد أن نتحدث عنه هو شخصيًا..

إنني على يقين أنه ليس هناك رجل في التاريخ منذ نزول آدم إلى هذه الأرض وإلى زماننا الآن، بل وإلى يوم القيامة، نال - أو سينال - حبًّا وتقديرًا وإجلالاً واحترامًا مثلما نال رسول الله ..

إن دراسة حياته أمر ضروري لازم لخير الأرض وصلاحها..

لقد كانت سيرته مثالاً يُحتَذَى في كل شيء، كانت مثالاً للفرد والجماعة، وكانت مثالاً للمجتمعات الصغيرة والكبيرة، وكانت مثالاً واضحًا لبناء الأمم.

لقد كان تغييرًا هائلاً ذلك الذي أحدثه رسول الله في الدنيا، ولا شَكَّ أن دراسة تجربته ليست فقط أمرًا مُفضَّلاً، أو مُحببًا، ولكنها أمر واجب على كل مسلم أراد النجاة في الدنيا والآخرة، وأراد لأمته العزة والكرامة والسيادة والريادة، بل إنها ضرورية لغير المسلمين ممن يعيشون في أي بقعة من بقاع العالم! كم من الخير سيفوت أهل الأرض إن لم يدرسوا سيرته ؟! وكم من كنوز العلم ستُهدَر إن غفل الناس عن التدبر في حياته؟!

إن أقواله وأفعاله وتقريراته لَمِيراثٌ هائل لكل طلاب الحقيقة في العالم، ولكل الباحثين عن خيرٍ أو إصلاح..

لقد بُعِث رسول الله في أُمَّة مُفرَّقة مُشتَّتة، فَشَا فيها الظلم، وتعددت فيها صور الباطل، وكثرت فيها الآثام والشرور، وتمكَّن فيها المتكبرون والمتجبرون، فبدأ في أَنَاةٍ عجيبة، يغيِّر الأوضاع، ويُعدِّل من المسار.

ما ترك معروفًا إلا وأمر به، ولا منكرًا إلا ونهى عنه، ولم يكن طريقه ناعمًا، بل كان مليئًا بالصعاب والأشواك، وعارضه الكثيرون، وحاربه القريب والبعيد، حتى حاربته عشيرته، وقاومه أهله، فما لانت له قناة، وما فترت له عزيمة.

لقد بنى أمته بناءً راسخًا، وبخطى ثابتة ومنهج واضح، يستطيع كل صادق أراد لأمته القيام أن يحاكيه، ويقتدي به.

يقول : "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ" .

لقد كان شخصية مبهرة حقًا!! وقد ظل محافظًا على هذا الإبهار منذ الميلاد وإلى الممات، وهذا أمر عجيب حقًّا، لا يُفَسَّر إلا بكونه رسولاً من رب العالمين معصومًا من الآثام والخطايا، لا أثر للشيطان عليه من قريب ولا بعيد وتدبروا جيدًا في حياته..

إنه لم يكن رسولاً فقط، ولكنه كان حاكمًا، وقائدًا، وزعيمًا كذلك، وعلى الرغم من هذه الدرجة المرموقة إلا أنه عاش مع صحابته، وأتباعه كواحد منهم، ما تفاضَلَ عليهم بطعام، ولا بشراب، ولا بسكن، ولا بمال.. لقد تحمل معهم الأذى في كل موضع، جاع معهم كما يجوعون، بل أكثر، وتعب معهم كما يتعبون، بل أشد.. حُوصِر معهم، وهاجر معهم، وقاتل معهم، بل كان أقربهم للعدو.. ما فَرَّ يومًا في حياته، لا في أُحُد، ولا في حُنَين، ولا في غيرهما.. لم تزده كثرة الأذى إلا صبرًا، ولم يزده إسراف الجاهلين إلا حلمًا.. ما غضب لِذَاتِه قط، وما انتقم لنفسه أبدًا، إلا أن تُنتَهَك حُرمةُ الله فينتقم حينئذٍ لله.

كان كريمًا واسع الكرم، لم يرد سائلاً قَطُّ.. جاءت له الدنيا راغمة، فأنفقها كلها في سبيل الله، ولا عُرِفَ عنه قَطُّ أنه اختص نفسه بشيء، دون أصحابه وأتباعه.

كان كثير المخالطة لشعبه، لم يعتزل عنهم أبدًا، كان يجالس الفقراء، ويرحم المساكين، وتسير به الأَمَة في شوارع المدينة أينما شاءت، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويخطب الجُمَع، ويعلِّم الدروس، ويزور أصحابه في بيوتهم، ويزورونه في بيته، وهو في كل ذلك دائم الابتسامة منبسط الأسارير، متهلل الوجه.

كان رحيمًا بأمته تمام الرحمة، ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، كان كثير العفو حتى عَمَّن ظلمه وبالغ في ظلمه، وكان واصلاً للرحم، حتى لمن قَطع رحمه، وبالغ في القطع.

ولم تكن عظمته في معاملاته مع الناس فحسب، أو في أخلاقه الكريمة فقط، ولكنه كان سياسيًّا بارعًا، وقائدًا حكيمًا، وخطيبًا مُفوَّهًا، لا تفوت عليه صغيرة ولا كبيرة، تفيض الحكمة من فمه، أُوتِيَ جوامع الكلم، يتكلم بالكلمات القليلة، فيمكث العلماءُ والحكماءُ الأعوامَ والقرون يستخرجون المعاني الهائلة منها.. يحاور كأفضل ما تكون المحاورة، ويفاوض فما يتنازل أو يَزِلُّ أو يظلم أو يغضب.. يستعين بأصحابه ويشاورهم مع رجاحة عقله عنهم، وارتفاع منزلته فوقهم.. ما يُسَفِّه رأيًا، ولا ينتقِصُ أحدًا.. الحكمة ضالَّتُه، أينما وجدها أخذها، ما دامت في حدود الشرع.

وكانت عظمته الحقيقية في أنه اتَّصف بكل هذه الصفات الحميدة، وغيرها، في كل مواقف حياته.. لقد رأينا هذه الصفات في مكة، ورأيناها في المدينة، رأيناها في سلْمِه، ورأيناها في حربه، رأيناها وهو مُطارَد ومُضطَهَد، ورأيناها وهو حاكم مُمَكَّن، رأيناها وهو يتعامل مع أَحَبِّ أصحابه، وكذلك رأيناها وهو يتعامل مع أَلَدِّ أعدائه.

كانت حياته كلها على هذه الصورة البهية النقية، حتى انبهر به أعداؤه قبل أصحابه، وحتى عظَّمه وبَجَّله وقدَّره من سمع عنه، ولم يره، بل من لم يعاصره أصلاً، بل فعل ذلك الكثير من غير المسلمين!.

يقول (لا مارتان) الشاعر الفرنسي المتميز: "من ذا الذي يجرؤ من الناحية البشرية على تشبيه رجل من رجال التاريخ بمحمد؟!! ومن هو الرجل الذي ظهر أعظم منه، عند النظر إلى جميع المقاييس التي تقاس بها عظمة الإنسان؟  إن أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة وافية، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود"

ويقول (جوته) الشاعر الألماني الشهير: "بحثت في التاريخ عن مثلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد" .

إننا سنتعرض في هذا البحث لجانب بسيط محدود من جوانب عظمته، وهو رؤيته لخُلُق الرحمة، وكيف ظهرت هذه الرحمة في كل أقواله وأفعاله ، حتى ما نجد موقفًا من مواقفه إلا وتغمره الرحمة من جانب من الجوانب، أو من زاوية من الزوايا.. حتى مواقف الحرب والنزال، ومواقف إقامة الحدود والعقاب، واللوم والعتاب.. حتى في هذه المواقف لن تَعدِمَ رحمة في كلمة أو فعل، ولن تجد أبدًا أي استثناء لهذه القاعدة.. وهذا من المسلَّمات التي لا شك فيها.

أما كيف كان ينظر رسول الله إلى معنى الرحمة، فهذا هو موضوع الفصل القادم إن شاء الله..

 الفصل الثاني: الرحمة في الكتاب والسنة

جـاء في التوراة:

"إقتَرِبوا واَسمَعوا أيُّها الأمَمُ!، أصغوا إليَ أيُّها الشُّعوبُ!، لتَسمَعِ الأرضُ وكُلُّ مَنْ فيها، العالَمُ وكُلُّ ما يُخرِجه، الرّبُّ غاضِبٌ على الأُمَمِ، ساخطَ على كُلِّ جيوشِهِم، فحَلَّلَ سَفكَ دِمائِهِم، ودَفَعهُم دَفعًا إلى الذَّبحِ، فتُطرَحُ قَتلاهُم في الشَّوارِعِ ويفوحُ النَّتْنُ مِنْ جيَفِهِم، تسيلُ الجبالُ مِنْ دِمائِهِم "

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

إننا لن نستطيع أن نستوعب مفهوم الرحمة في عين رسول الله إلا بالرجوع أولاً إلى المصدر الرئيسي الذي كَوَّن هذا المفهوم عنده ، وهو القرآن الكريم..

إن أول ما يلفت الأنظار في كتاب رب العالمين، وهو دستور المسلمين، وأهم مصادر التشريع، أن كل السور فيه - باستثناء سورة التوبة - قد صُدِّرت بالبسملة، وأُلحِق بالبسملة صفتا الرحمن الرحيم.. وليس يخفى على أحد أن تصدير كل السور بهاتين الصفتين أمر له دلالته الواضحة على أهمية الرحمة في التشريع الإسلامي.. ولا يخفى على أحدٍ أيضًا التقارب في المعنى بين الرحمن والرحيم، والعلماء لهم تفصيلات كثيرة وآراء متعددة في الفرق بين اللفظين ، وكان من الممكن أن يجمع الله عز وجل مع صفة الرحمة صفة أخرى من صفاته كالعظيم أو الحكيم أو السميع أو البصير، وكان من الممكن أن يجمع مع الرحمة صفة أخرى تحمل معنى آخر يحقق توازنًا عند القاريء بحيث لا تطغى عنده صفة الرحمة، وذلك مثل الجبار أو المنتقم أو القهار، ولكن الجمع بين هاتين الصفتين المتقاربتين في كل بداية لسور القرآن الكريم يعطي الانطباع الواضح جدًا، وهو أن الرحمة مُقدَّمَة بلا منازع على كل الصفات الأخرى، وأن التعامل بالرحمة هو الأصل الذي لا ينهار أبدًا، ولا يتداعى أمام غيره من الأصول.. ويؤكد هذا المعنى ويُظهره أنَّ أول السور التي نراها في ترتيب القرآن الكريم - وهذا الترتيب توقيفي، بمعنى أن الله عز وجل أوحى لرسوله أن يرتب القرآن هذا الترتيب الذي بين أيدينا اليوم مع أن الآيات والسور نزلت بترتيب مختلف  - نجد أن أول السور في هذا الترتيب الفاتحة، وأن هذه السورة قد افتُتِحت بالبسملة - وفيها صفتا الرحمن الرحيم - كبقية السور،ثم تجد فيها صفتي الرحمن الرحيم قد تكررتا في السورة ذاتها، وهذا التصدير للقرآن الكريم بهذه السورة بالذات له دلالته الواضحة أيضًا.. وكما هو معلوم فسورة الفاتحة هي السورة التي يجب على المسلم أن يقرأها في كل ركعة من ركعات صلاته كل يوم، ومعنى ذلك أن المسلم يردد لفظ الرحمن مرتين على الأقل، ويردد لفظ الرحيم مرتين على الأقل، فهذه أربع مرات يتذكر فيها العبد رحمة الله عز وجل في كل ركعة من ركعات الصلاة، وهذا يعني ترديد صفة الرحمة في كل يوم ثمانية وستين مرة في خلال سبعة عشر ركعة تمثل الفروض التي على المسلم، مما يعطيك تصورًا جيدًا لمدى الاحتفال بهذه الصفة الجليلة: صفة الرحمة..

ولم يكن هذا الاحتفال المهيب بهذه الصفة في أول القرآن فقط، ولا في أوائل السور فحسب، ولكنه كان كذلك في كل السور القرآنية، وبشكل لافت للنظر..

 ولقد قمت بإحصاء عدد المرات التي جاءت فيها صفة الرحمة بمشتقاتها المختلفة في القرآن الكريم، وكذلك إحصاء عدد المرات التي تكررت فيها صفة من الصفات الأخرى كالحلم والعدل وغيرها من الصفات فوجدتُ عجبًا!!

لقد انفردت صفة الرحمة في القرآن الكريم بالصدارة، وبفارق كبير عن أي صفة أخلاقية أخرى، فبينما تكررت صفة الرحمة بمشتقاتها ثلاثمائة وخمس عشرة مرةً، جاءت صفة الصدق مثلاً مائة وخمسًا وأربعين مرةً، وجاءت صفة الصبر تسعين مرة، وجاءت صفة العفو ثلاثًا وأربعين مرة، وجاءت صفة الكرم اثنتين وأربعين مرةً، وجاءت صفة الأمانة أربعين مرةً، وجاءت صفة الوفاء تسعًا وعشرين مرةً، وهكذا! (انظر شكل: 1).

إنَّ هذا ليس مصادفة بحال من الأحوال، وحاش لله أن تكون هناك أمور عشوائية في كتاب رب العالمين، فهو الحق الذي لا باطل فيه، وكل كلمة وحرف فيه نزل بقَدَر ولهدف.

قال تعالى: "لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ".

وإذا تتبعت دعاء الأنبياء في القرآن لوجدت أن الدعاء بالرحمة قاسم مشترك بينهم جميعًا..

  فمن دعاء آدم مثلاً (ومعه زوجته حواء): "قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ".

ودعاء نوح : "وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ "

ودعاء موسى : "أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ".

وحصر ذلك يصعب ويطول لكثرة تكراره.

إن هذا كله يفسِّر لنا الكثير من الأحاديث التي ذكرها رسول الله ، والتي تصف رحمة ربِّ العالمين..  فيروي أبو هريرة أن رسول الله قال: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ ‏إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ" .

فهذا إعلانٌ واضح أن الرحمة مقدمة على الغضب، وأن الرفق مقدم على الشدة،

وليست هذه الرحمة الغامرة في الدنيا فقط، بل إن الرحمة الأعظم والأشمل ستكون يوم القيامة، وهذا ما بشَّرنا به رسول الله عندما قال: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ

مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ ‏ ‏طِبَاقَ ‏ ‏مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ" .

إن الأمر غير متخيَّل فعلاً، والله عز وجل جعل الرحمة يوم خلق السموات والأرض، أي أنه جعلها قبل أن يَصدُرَ أمرٌ إلهيٌّ بأفعال العباد، بل قبل أن يخلقهم أصلاً، وهذا من عظيم فضله، وواسع جوده، بل إن النص القرآني العظيم يشير إلى أن هذه الرحمة قد كتبها ربنا على نفسه..

قال تعالى: "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" .

إنها الحقيقة التي لا ريب فيها..

يقول الإمام الطبري  ~ في تفسير هذه الآية: "قضى سبحانه أنه بعباده رحيم، لا يَعْجَل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة، وهذا من الله - تعالى ذِكرُه - استعطاف للمُعرِضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة" .

فإذا أضفنا إلى كل ما سبق أن الله عز وجل وضَّح الهدف من الرسالة والبعثة بأنه فقط رحمةٌ للعالمين، وذلك حين قال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" .  إذا أضفنا هذا المعنى إلى كل ما سبق أدركنا حقيقةَ أنَّ أقوال وأفعال رسول الله ما هي إلا ترسيخ لمعنى الرحمة، وما هي إلا تطبيق فريد لهذا الخُلُق العظيم في كل كلمة من كلماته ، وفي كل حركة من حركاته..

إنَّ رسول الله ما بُعِثَ إلا لهذا الأمر، كما تشير الآية.. بل إنَّ الطبري ~ يرجِّح أن هذه الرحمة تشمل المؤمنين والكافرين، فيقول بعد أن يعرض اختلاف العلماء في قضية هل تشمل هذه الرحمة المؤمنين فقط أم المؤمنين والكافرين: "وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب: أن الله أرسل نبيه محمدًا رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنةَ، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله" .

ويؤكد على هذا الفهم أن الرسول لم يُبعَث لقومٍ معينين دون قومٍ آخرين، إنما بُعِث - على خلافٍ ما حدث مع مَن قبله من الأنبياء - إلى الناس عامة..

  يقول رسول الله : "وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً ‏" .

فهذا تصريح منه أن رسالته لكافة أهل الأرض، وبالتالي فهي رحمة للعالمين..

عند وضع كل هذه الخلفيات في الذهن، فإننا نفهم سلوك رسول الله في حياته، ونفهم أقواله وأفعاله..  إنه كان ينطلق من هذه المباديء المهمة:

إن الله رحمن رحيم..

وإن رسول الله رحمة مُهداة إلى العالمين..

وإن الرسالة في أصلها وطبيعتها رحمة بالناس أجمعين..

من هذا المنطلق أيضًا جاءت كلماته في قضية الرحمة عمومية شاملة..  تحوي مع قلة ألفاظها معانٍ هائلة، وتشمل مع إيجازها المعجز كل من يعيش على ظهر الأرض..

قال رسول الله : "من لا يَرْحَم لا يُرْحَم" .

هكذا على إطلاقها تأتي العبارة، مَن لا يَرحم العباد - دون تحديد ولا تقييد - لا يرحمه الله عز وجل..

ويقول أيضًا: "ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" .

وكلمة "مَنْ" تشمل كل مَن في الأرض..

ويقول كذلك: "إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" .

إن الرحمة التي ظهرت في كل أقوال وأعمال رسول الله لم تكن رحمة مُتكلَّفة، تحدث في بعض المواقف من قبيل التجمل أو الاصطناع، إنما كانت رحمة طبيعية تلقائية مُشاهَدة في كل الأحوال، برغم اختلاف الظروف، وتعدُّد المناسبات..

لقد رأينا رحمته مع الكبار والصغار، ورأيناها مع الرجال والنساء، ورأيناها مع القريب والبعيد، بل ورأيناها مع الصديق والعدو..

بل إن رحمته تجاوزت البشر لتصل إلى الدواب والأنعام، وإلى الطير والحشرات..

إننا نرى في سيرته أنه يرحم الهِرَّة..  فيُخبِر أن امرأة دخلت النار لقسوتها على هرة!!

يقول : "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ ‏ ‏خَشَاشِ ‏‏الْأَرْضِ" .

بل نرى في سيرته أنه يخبر عن زانية غفر الله لها لتحرك الرحمة في قلبها لكلب!

قال : "بَيْنَمَا كَلْبٌ‏ يُطِيفُ‏ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ‏ ‏فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ" .

  إن هذا المثال السابق ليدلنا أشد الدلالة على اختلاف الموازين والمقاييس في أذهاننا عن حقيقتها التي هي عليها..  فكلنا يقول: وما كلب ارتوى إلى جانب جريمة زنا!!  بل إنها ليست جريمة زنا واحدة!  إنَّ المغفرة كانت لِبَغِيٍّ احترفت الفاحشة!!  إن رحمة الله واسعة، والراحمون يرحمهم الله عز وجل، والذنوب تتصاغر أمام رحمته سبحانه وتعالى، ولكنه سبحانه لا يرحم إلا الراحمين..

هذه هي المقاييس الصحيحة، والموازين الدقيقة التي بها تُقَّوم الأعمال..

لذلك تدخل امرأة النار في هِرَّة، وتدخل أخرى الجنة في كلب!!

إن القضية ليست قضية الآثار المترتبة على الفعل، فلعلها هنا قليلة ومحدودة بالحيوان الذي جاء في القصة، ولكن القضية حقيقةً هي ما وراء الفعل، وهي الرحمة التي في قلب الإنسان، وعلى ضوئها تكون قراراته وأعماله..

لقد رحم رسول الله الحيوان الأعجم من أن يُجوَّع أو يُحمَّل فوق طاقته.. فقال في رحمة بالغة حين مَرَّ على بعير قد لحقه الهزال: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ ‏فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً" .

بل هو يرحم الحيوان حتى في حالة ذبحه، فإن كان لابد أن يُذبَح فلتكن عملية الذبح هذه رحيمة، فيقول: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" .

بل إنه يتجاوز البهائم إلى الطيور الصغيرة التي لا ينتفع بها الإنسان كنفعه بالبهائم، وانظر إلى رحمته بعصفور!!

يقول رسول الله : "مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا‏ عَجَّ‏ ‏إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ" .

ولسنا نقصد هنا الحصر، بل هي مجرد أمثلة، والحديث في ذلك يطول ويتشعب..

إنها ليست رحمة خاصة بالبشر فقط، إنما هي رحمة بكل الخلق.

وفوق كل ما سبق ينبغي أن نشير إلى أن رحمته قد شملت ما لا روح فيه أصلاً!!

إنه يتعاطف مع جبل أُحُد، الصخر الأصم، ولا يريد للناس أن تتشاءم منه لحدوث مصيبة للمسلمين عنده، ولا يريد لهم أن يكرهوه دون جريرة ولا جريمة!..

فقال ، وهو يشير إلى جبل أُحد: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" .

أية رحمة..  وأي رفق..  وأي عطف..  وأي حنان!!

إنه يرحم الحياة بكاملها..

يرحم من يعرف ومن لا يعرف..

إنه يُطَبِّق ما أراده الله عز وجل مِنْ خلقه ولخلقه..

إنه - سبحانه - أراد منهم الرحمة، وأراد لهم الرحمة..

وهذه هي رسالة الإسلام في حقيقتها، وهذا هو رسول الله في حقيقته..

إن الناس لا تفهم الإسلام حق الفهم..

إنهم قصروه على بعض العبادات والحدود..  ولكنه ليس هذا فقط..

وليس الذي يدخل الجنة من أدى العبادات وأقام الحدود ثم هو ينطلق في الأرض مفسدًا لها، ظالمًا لأهلها، قاسيًا على من يعيشون فيها..

إن أهل الجنة هم الرحماء أصحاب القلوب الرقيقة والمشاعر المرهفة، أما أهل النار فهم الغلاظ الجفاة الذين تحجَّرت قلوبهم، واستكبرت نفوسهم فلم يرحموا خلق الله، ولم يرأفوا بحالهم..

إن البون بين الطائفتين شاسع، والمسافة هائلة، كما بين السماء والأرض، أو أبعد!!

إنه الفارق بين من فَهِم الإسلام ومن لم يفهمه!!

وصدق الله العظيم إذ يقول مخاطبًا نبيه الكريم : "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" .

إن السبب الذي جمع الناس حول رسول الله ليس  أبدًا  قوة السلطان، ولا سطوة السلاح..  إنما الذي جمعهم حقيقةً - كما ذكر ربنا - هو رحمة الله التي ألانت قلب رسول الله فجاء على هذه الصورة الرحيمة متناهية الرحمة كما بيَّنا..

ولا أريد أن أترك هذا الفصل إلا مع كلمات رسول الله الرقيقة، وعاطفته الرحيمة..

يقول رسول الله :

"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا..

أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا..

فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ..

أَوْ إِنْسَانٌ..

أَوْ بَهِيمَةٌ..

إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ!"

 الفصل الثالث: البيئة المعاصرة لرسول الله الرسول صلى الله عليه وسلم

تقول الأديبة البريطانية الشهيرة كارين أرمسترونج:

"الواقع أن بلاد العرب كانت تعتبر منطقة ذات طبيعة بالغة القسوة، ولم ينجح أي من الأديان المتقدمة التي ارتبطت بالحداثة والتقدم، في النفاذ إلى تلك المنطقة، وكانت كل قبيلة تهجم على الأخرى وتحاربها للحصول على الأموال، وكانت الفتيات يقتلن في طفولتهن بدون شفقة أو رحمة، والنساء شأنهن شأن العبيد "    هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

إذا كنا منبهرين بنظرة رسول الله للرحمة، وشمول رؤيته لها، فإن هذا الانبهار سيتضاعف – لا شك – إذا اطَّلعنا على نظرة البيئة المعاصرة له لنفس الخُلُق (خريطة 1).

قال رسول الله في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عياض ابن حمار > والذي يوضح حال الأرض قبل بعثته : "إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" . فقد وصل حال الناس إلى درجة من الانحطاط جلبت عليهم مقت الله سبحانه وتعالى، والمقت هو شدة الكراهية.

واستخدام الرسول لكلمة (بقايا) يوحى بالأثرية، أي كأنهم آثار من عهود سحيقة لا قيمة لها في واقع الناس، ومن جانب آخر فإنَّ هذه البقايا لم تشكل مجتمعات كاملة، بل كانت أفرادًا معدودين.

وسيتم تناول هذا الموضوع – إن شاء الله – من خلال المباحث التالية:

 المبحث الأول: الوضع في الدولة الرومانية

           مزقت الخلافات العقائدية بين طوائف النصارى أواصر هذه الدولة، فالخلاف بين المذهب الأرثوذكسي والكنيسة الشرقية من ناحية، والمذهب الكاثوليكي والكنيسة الغربية من ناحية أخرى كان خلافًا حادًا أسفر عن حروب مدمرة قتل فيها عشرات الألوف.

          بل في داخل الدولة الرومانية الأرثوذكسية الشرقية ذاتها اشتعلت الخلافات العقيمة بين طائفة الملكانية وتعتقد بازدواجية طبيعة المسيح، وطائفة المنوفيسية وهم أهل مصر والحبشة ويعتقدون بطبيعة إلهية واحدة للمسيح، وكانت طائفة الملكانية تقوم بتعذيب الطائفة الأخرى تعذيبًا بشعًا، فيحرقوهم أحيانًا، ويغرقوهم أحيانًا أخرى، مع أنهم جميعًا أبناء مذهب واحد هو الأرثوذكسية.  وقد ظلت هذه الخلافات العقائدية مستعرةً، حتى جاء الفتح الإسلامي لمصر، فشكل لأقباطها خلاصًا من اضطهاد وتعذيب الدولة الرومانية لهم.  كما لم تنج حياة الرومان في داخل دولتهم من القسوة، فقد فرضت الدولة الضرائب الباهظة على كل سكان البلاد، وكان أكثرها وأثقلها على الفقراء دون الأغنياء، وكان المجتمع الروماني ينقسم إلى أحرار وهم السادة، وعبيد وهم ثلاثة أضعاف الأحرار من حيث العدد، ولا يتمتعون بأية حقوق بل مصيرهم في أيدي سادتهم، كما أنهم ليس لهم أي احترام وسط المجتمع، لدرجة أن الفيلسوف أفلاطون نفسه صاحب

فكرة المدينة الفاضلة كان يرى أنه يجب ألا يُعطَى العبيدُ حقَّ المواطنة!!.  ولم تكن القسوة مع العبيد والفقراء فقط، بل وصلت – وبقوة -  إلى المرأة الرومانية ذاتها، ففي رومية اجتمع مجمع كبير بحث في شئون المرأة؛ فقرر بعد عدة اجتماعات أن المرأة كائن لا نفس له، وأنها لهذا لن ترث الحياة الأخروية، وأنها رجس، ويجب ألا تأكل اللحم وألا تضحك، ومنعوها من الكلام حتى وضعوا على فمها قُفلاً من الحديد؛ فكانت المرأة من أعلى الأُسر وأدناها تروح وتغدو في الطريق أو في دارها وعلى فمها قُفلٌ! .

 المبحث الثاني: الوضع في الدولة الفارسية

          كان الوضع في تلك الدولة يمثل مأساة حضارية بكل المقاييس في كل الجوانب الأخلاقية، والاجتماعية، والدينية على السواء، فقد كان الشعب في المجتمع الفارسي يخضع لنظام شديد الطبقية، وفيه مهانة كبيرة للإنسانية، فكان المجتمع مقسمًا إلى سبع طبقات أدناهم عامة الشعب، وهم أكثر من 90% من مجموع سكان فارس، ومنهم العمال والفلاحين والجنود والعبيد، وهؤلاء ليس لهم حقوق بالمرة، لدرجة أنهم كانوا يربطون في المعارك بالسلاسل؛ كما فعلوا في موقعة الأُبلَّة  أولى المواقع الإسلامية في فارس بقيادة خالد بن الوليد .

 المبحث الثالث: الوضع في أوروبا الشمالية

يذكر المؤرخ الفرنسي رينو  حال أوروبا قبل الإسلام، فيقول : طفحت أوروبا في ذلك الزمان بالعيوب والآثام، وهربت من النظافة والعناية بالإنسان والمكان، وزخرت بالجهل والفوضى والتأخر، وشيوع الظلم والاضطهاد، وفشت فيها الأمية . ويصف البكري  بعض أصناف الصقالبة سكان المناطق الشمالية في أوروبا، فيقول: لهم أفعال مثل أفعال الهند، فيحرقون الميت عند موته، وتأتي نساء الميت يقطعن أيديهن ووجوههن بالسكاكين، وبعض النساء المحبات لأزواجهن يشنقن أنفسهن على الملأ، ثم تُحرق الجثة بعد الموت، وتوضع مع الميت .

 المبحث الرابع: الوضع في مصر

          كانت مصر محتلةً من الرومان منذ هزيمة (كليوباترا) على يد (أوكتافيوس) سنة 31 قبل الميلاد، وعندما سقطت الدولة الرومانية الغربية سنة 476 ميلادية (أي قبل ميلاد الرسول بحوالي مائة عام آلَت أملاك الدولة الرومانية الغربية – ومنها مصر - إلى الدولة الرومانية الشرقية.  وهكذا تحولت مصر في عهود الرومان إلى مخزن يُمد الإمبراطورية الرومانية

باحتياجاتها من الغذاء، وفقد المصريون السلطة بكاملها في بلادهم، وإن كان الرومان قد حرصوا على أن يتركوا بعض الرموز المصرية كصورة فقط، وذلك لتجنب ثورة الشعب.  وتمَّ فرض الضرائب الباهظة جدًا بمختلف أنواعها على الشعب المعدم حتى تجاوزت الضرائب الأحياء - في سابقة تاريخية - إلى الأموات، فلم يكن يسمح بدفن الميت إلا بعد دفع ضريبة معينة.  وتتبع الرومان قادة الأقباط المصريين بالقتل والتعذيب حتى اضطروهم إلى الهرب إلى الصحراء، وإقامة أماكن عبادتهم في مناطق نائية أو مهجورة حفاظًا على حياة من تبقى منهم .

 المبحث الخامس: الوضع في الهند

تميزت الهند أيضًا بالطبقية البشعة، فقد قسَّم الهنود المجتمع إلى أربع طبقات أدناها طبقة "شودر"، وهم المنبوذون، وهم بحسب التقسيم أحط من البهائم، وأذل من الكلاب. والأنكى من ذلك أنَّ من كان في طبقة من الطبقات لا يستطيع أن يرتقي للطبقة الأعلى مهما اكتسب من علم أو مال أو جاه.

أما بالنسبة للمرأة في المجتمع الهندي فقد قضت الشرائع الهندية القديمة: "إن الوباء والموت والجحيم والسُّمَّ والأفاعي والنار خيرٌ من المرأة" . وكان الرجل إذا قامر فخسر ماله، يقامر على امرأته وقد يخسرها فيأخذها الفائز، كما كان من عادة الهنود أن يحرقوا الزوجة مع زوجها عندما يموت ويدفنوها معه، وإذا لم تفعل المرأة ذلك تبقى أمَةً في بيت زوجها الميت، وتصبح عُرضَةً للإهانات والتجريح كل يوم إلى أن تموت .

 المبحث السادس: اليهود

وفي سنة (610) ميلادية، (في عهد رسول الله ) انتصر الفرس على الروم "غُلِبَتِ الرُّومُ" ، فانقلب اليهود على نصارى الشام، وقد ضعفت جيوش الروم، فخرَّبوا الكنائس، وقتلوا الرهبان، وظهرت لهم شوكة وتَكَبُّر لعدة سنوات. ثم انتصر الروم على الفرس "وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ" ، فذهب اليهود إلى هرقل، وتذلَّلوا له؛ فقبل منهم، وأعطاهم العهد بالأمان، ولكن أتى رهبان الشام، فذكروا لهرقل ما فعله اليهود وقت هزيمة الروم، فغضب هرقل وأراد معاقبة اليهود، ولكن منعه العهد الذي أعطاه إياهم، فجاء رهبان النصارى وقالوا لهرقل: لا عليك من العهد، اقتلهم وسنصوم عنك جمعة كل سنةٍ أبد الدّهر، فقبل هرقل وعذب اليهود عذابًا شديدًا حتى لم يفلت إلا الذي هرب من الشام .

تمركز اليهود في زمان رسول الله في شمال المدينة المنورة، وكانوا - كعادتهم - قومًا غِلاظ الطباع، قساة القلوب، منحرفي الأخلاق، يعيشون على الرِّبا، وإشعال الفتن، والتكسب من بيع السلاح، وعلى إيقاع السادة في الفضائح الأخلاقية وتهديدهم بها، وعلى السيطرة على الجهال بكتبهم المحرفة وأفكارهم الضالة .

أما المرأة فقد وُصفت في التوراة المحرَّفة على هذا النحو: "درتُ أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمةً وعقلاً، ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة أنها جنون؛ فوجدتُ أَمَرَّ من الموت المرأة التي هي شِباكٌ، وقلبها شِراك، ويداها قيود" .

 المبحث السابع: حالة العرب في الجزيرة العربية قبل البعثة

          رغم إيمان العرب بالله عز وجل إلا أنهم اتخذوا إليه شفعاء ووسطاء وقالوا: "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ". وبمرور الأيام أصبحوا يعتقدون أنَّ هذه الأصنام "الشفعاء" تملك قدرة ذاتية على النفع والضر، والخير والشر، فأصبحوا يتوجهون إليها بعبادة مباشرة.  وقد كان لكل مدينة صنم، بل كان لكل قبيلة صنم، فمكة - مثلاً - كان أعظم أصنامها (هُبَل)، بينما كان (اللات) أعظم أصنام الطائف، وهكذا..

          وتفشت في العرب أدواء أخلاقية كثيرة كشرب الخمر والميسر، وانتشر الرِّبَا بشكل فاحش، كما كان للزِّنا صور بشعة في المجتمعات العربية قبل الإسلام، وتصف ذلك أم المؤمنين عائشة < كما جاء في صحيح البخاري، فتبين أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: ثلاثة منها تدور على الزنا والدعارة، وواحد فقط هو الزواج الشرعي الذي نمارسه الآن؛ فلما بعث محمد بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم .كما انتشرت عادة من أشد العادات قسوة في التاريخ، وهي عادة وأد البنات، ومعناها: دفن البنت حيةً، وكان هذا الوأد يُفعَل لأسباب كثيرة أهمها: خشية الفقر، وخوف العار، والعيوب الخلقية، أو اختلاف اللون كمن وُلِدَت سوداء، وادعاؤهم - كذبًا وزورًا - أن الملائكة بنات الله؛ فقالوا: أَلحِقوا البنات به تعالى، فهو أحق بهن .

وكذلك كان من صفاتهم المذمومة العصبية، والتي كانت تقود إلى الحروب المستمرة بين القبائل؛ وهكذا كانت الإغارة على الغير عادة عند بعض القبائل، وكانت الحروب تشتعل لأتفه الأسباب، ويتساقط الضحايا بالمئات والآلاف، ومن أشهر حروبهم حرب داحس والغبراء ، كذلك يوم بعاث .

هكذا كان الوضع في جزيرة العرب، ومثله في العالم كله، لم يكن على الحقِّ في هذه البلاد، وفي كل هذه الحضارات (إن جاز أن نسمي هذه التجمعات بالحضارات) إلا أفراد قلائل، وقلائل جدًّا.

 الباب الثاني: رحمته الرسول صلى الله عليه وسلم  بالمسلمين

لا تكفي المجلدات الكبيرة، ولا الأسفار العظيمة للحديث عن رحمته بالمؤمنين، لأن هذا يعني الحديث عن كل جزئية - صَغُرت أم كَبُرت - في حياته ..  إنها لمهمة عسيرة فعلاً أن نُفرِد بابًا واحدًا لهذا الأمر في بحث مهما طال فهو محدود الصفحات، إنما نحتاج حقيقة إلى أعمار وأعمار للاطلاع على مظاهر رحمته بأمته المسلمة..

ولتقدير مدى عظمة رحمته بالمسلمين يكفي أن نذكر أن الذي شهد له بعِظم هذه الرحمة ليس مَنْ عاصره أو من سمع عنه فقط، بل شهد بها رب العزة تبارك وتعالى، وجعل هذه الشهادة محفوظة في كتابه العظيم: القرآن الكريم، يتذكرها المسلمون دومًا كُلَّما قرءوا الكتاب العظيم، وذلك إلى يوم الدين..

قال تعالى: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" .

فانظر إلى شهادة رب العالمين له، وقد أتى بالكلمات المختلفة، والتعابير المتعددة التي تثبت رحمته ، ولو اكتفى بواحدة لكان المعنى واضحًا في أذهاننا، ولكن لترسيخ المعنى وتأكيده..

وهذه الرحمة قد بلغت درجة متناهية حتى ذكر الله عز وجل أن الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم!

قال تعالى: "النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.." .

بل إن الرسول ذكر هذا المعنى تصريحًا، وحمَّل نفسه أعباء ضخمة نتيجة هذا الأمر، وذلك عندما قال:

"مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ" .

فرحمة الرسول هنا واسعة، وواسعة جدًا، فهو يعلن بوضوح أن ما تركه المسلم من ميراث وثروة فهو لورثته، أما إن كان مَدِينًا أو له عيال، فالرسول يتحمل دَيْنه، ويتحمل تربية عياله!!

وفي هذا رحمة غير مسبوقة، ولا يماثلها أو يقترب منها رحمة في العالم..  فهو لا يصيب من خير المؤمنين، ولكن يتحمل مشاكلهم وهمومهم وتبعاتهم..  أي الناس يتحمَّل مثل هذا؟!

إنها الرحمة المتجردة تمامًا عن أي هوى، والتي ليس من ورائها نفعٌ دنيوي، ولا هدف شخصي..

لقد وهب رسول الله حياته لرعاية شئون أمته، وللاهتمام بالآخرين، مع أنهم كثيرًا ما خالفوه وقاوموه، لكنه ظل محافظًا على نهجه الرحيم، وحرصه الدءوب على حمايتهم ورعايتهم..

يقول رسول الله : "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا" .

هكذا كانت حياته ..  وفي محاولة منا للتعرف على رحمته بالمؤمنين سنتناول هذا الموضوع الجميل من خلال خمسة فصول هي:

الفصل الأول: رحمته بالضعفاء

الفصل الثاني: رحمته بالمخطئين

الفصل الثالث: رحمته بالأمة في جانب العبادات

الفصل الرابع: رحمته بعموم الأمة

الفصل الخامس: رحمته بالمسلمين عند الموت وبعده

ولسنا ندعي أننا سنقوم بحصر كل مواقف رحمته في علاقته بالمؤمنين، فهذا - كما ذكرنا من قبلُ - يستحيل، ولكننا سنُسدِّد ونقارب، ونسأل الله عز وجلَّ التوفيق والقبول..

 الفصل الأول: رحمته الرسول صلى الله عليه وسلم بالضعفاء

سيتم تناول هذا الموضوع - إن شاء الله - من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول: مَنِ الضعفاء؟

المبحث الثاني: رحمته بكبار السن والوالدين.

المبحث الثالث: رحمته بالأطفال.

المبحث الرابع: رحمته بالنساء.

المبحث الخامس: رحمته بالخدم.

المبحث السادس: رحمته بالفقراء.

المبحث السابع: رحمته بأصحاب الأزمات.

 المبحث الأول: مَنِ الضعفاء؟!

بالرغم من التقدم الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة ينتحر من الشعب الياباني سنويًا أكثر من ثلاثين ألف شخص معظمهم من الشباب، وهي النسبة الأعلى في العالم !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

قد يخطر ببال من يسمع كلمة "الضعفاء" أن هذه طائفة معينة من المسلمين دون طائفة، لكن واقع الأمر أن كل الناس ضعفاء! وهذا بلا استثناء، فلن يُعدم إنسانٌ صورة من صور الضعف، فإذا كان الطفل الصغير ضعيفًا، والشيخ الكبير ضعيفًا كذلك، فإن الشاب القوي ضعيف من وجه من الوجوه، فقد يكون ضعيفًا في خبرته، أو ضعيفًا في عقله، أو ضعيفًا في ثروته، أو غير ذلك من صور الضعف، وإذا كان الفقير ضعيفًا لفقره، فإن   

الغني قد يكون ضعيفًا في صحته أو في محبة الناس له أو في إيمانه.. وبالجملة فلن يُعدم إنسان ـ كما ذكرنا ـ صورة من صور الضعف، ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى على سبيل الإجمال: "وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا" .

          فالإنسان خُلِقَ من ضعف، وهو إلى الضعف صائر..  بل إن الضعف واضح في قصته من البداية.. حيث يقول الله عز وجل في حق آدم ، مع علو قدره، وسمو منزلته: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا" ، وذِكْرُ الضعف مع هذا النبي الكريم دلالة على أنه سيكون موجودًا - لا محالة - مع كل ذريته، وقد صرَّح موسى في

حواره مع رسول الله ليلة المعراج أن أمة الإسلام فيها صورة من الضعف؛ فقال لرسول الله عندما علم منه أن الله عز وجل قد فرض على أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة: "يا محمد، والله لقد راودتُ بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفِّفْ عنك ربُّك" .

          وقد وصف رسول الله أصحابه بالضعف، ولا يقلِّل هذا أبدًا من شأنهم، فأبو ذر > من كبار الصحابة ومن سابقيهم، ومع ذلك يخاطبه رسول الله قائلاً: "يَا أبا ذر، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم" .

          بل ذكر رسول الله الضعف في حق أبي بكر الصديق > حين قال: "... ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ" .

          إن الضعف صورة ملازمة لكل البشر، وإنما ذكرنا في هذا الفصل بعض صور الضعف، ولا يمنع أن هناك صورًا أخرى كثيرة تشمل عامة البشر، كما أننا ذكرنا هذه المقدمة لنشير أن الرسول كان يُولِي اهتمامًا أكبر لمن يعاني صورة من صور الضعف، وذلك في حال ضعفه، لأن الضعف يسبب لونًا من ألوان الألم في نفس الإنسان، والرسول كان رحيمًا بالمؤمنين في كل أحوالهم، وهو في حال ضعفهم أشد رحمة، ولذلك كان يعلمنا أن نستعيذ بالله من كل صور الضعف.. فيقول مثلاً: "اللهُمَّ إني أعوذ بك من غَلَبَة الدَّيْن، وغَلَبَة العدو، وشَمَاتَة الأعداء" .

          ثم إن هذا الضعف الذي يصيب الإنسان في فترة من فترات حياته، أو في ظرف من ظروفه يكون سببًا لتخفيف الأحكام عليه، والله عز وجل يقول في كتابه مخاطبًا أهل بدر، وهم أعلى المؤمنين قدرًا ومكانة: "الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا" .

          فالضعف كان سببًا في التخفيف، وليس للعقاب أو اللوم، فالله الذي خلق يعرف قدرات العبد، وما يُتوقَّع منه، ولا يكلِّفه أبدًا فوق طاقته، وهذا من رحمته سبحانه وتعالى..  يقول تعالى: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" .

          إن أي صورة من صور الضعف تستوجب وقوفًا إلى جانب صاحبها، والاهتمام به ورعايته، وهذا دليل رحمة وعلامة رفق ورأفة، وقد كان رسول الله آية في ذلك.. وفي المباحث القادمة نتعرف على طرف من رحمته في مثل هذه المواقف.. وما أكثرها!!

 المبحث الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بكبار السن

من المقدر أن يرتفع عدد المسنين من حوالي ٦٠٠ مليون إلى حوالي مليارين من المسنين بحلول عام 2050م، ومن المتوقع للمرة الأولى في التاريخ، أن يصبح عدد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم سن الستين أكثر من عدد الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن الخامسة عشرة .

          مع أن كبير السن قد ازداد خبرة ودراية وحكمة، ومع أنه قد يكون قد ازداد مالاً وجاهًا، إلا أنه لا شك يعاني صورة واضحة من صور الضعف، وذلك في صحته وجسمه، وقد يكون في شكل آخر من أشكال الضعف الكثيرة، والله عَزَّ وجَلَّ ذكر ذلك تصريحًا في كتابه فقال: "...ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً " .

          ولهذا الضعف أولى رسول الله أهمية خاصة لكبار السن، وظهر ذلك في أقواله وأفعاله على حَدٍّ سواء..

          يقول رسول الله : " إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ " .

وهو هنا في هذه الكلمات الرقيقة يُعظِّم عند المسلمين قيمة الشيخ الكبير، حتى إنه لَيُقدِّمه على حامل القرآن، وعلى الحاكم العادل مع عظم قدرهما، وسمو مكانتهما..

وجاء شيخ ذات يوم يريد النبي ، فأبطأ القوم أن يُوسِّعوا له، فَرَقَّ له رسول الله ورَحِمَه، وقال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا" .

إنه يقول: إن الذي لا يرحم الصغير ولا يوقَّر الكبير ليس منا نحن المسلمين، أي أنه لا يتصف بصفاتنا، ولا يعمل بأعمالنا، ولا يتخلَّق بأخلاقنا.. وما أحسب أن قانونًا في العالم ـ غير الإسلام ـ قد جعل احترام الكبير وتوقيره أصلاً من أصوله..

وكانت هذه سِمَته في حياته ..

وما أروع ما قاله للصِّدِّيق > يوم فتح مكة حين أتى بأبيه أبي قحافة، وكان شيخًا كبيرًا مسنًّا ليُسلِمَ بين يدي رسول الله في البيت الحرام، فقال : " هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ" .

إنه القائد المنتصر الذي يدخل مكة فاتحًا، وأبو قحافة شيخ كبير تأخَّرَ إسلامه أكثر من عشرين عامًا، ومع ذلك يوقِّره رسول الله ، ويرى أنه كان الأَوْلى أن يتحرك هو ـ وهو الرسول الزعيم المنتصر ـ إلى بيت الشيخ!

هذه هي منزلة كبار السن في عين رسول الله ..  بل إنه يرفض أن تطول الصلاة الجماعية - مع حُبِّه لها وتعظيمه لقدرها - لأن ذلك قد يشق على كبير السن وغيره من أصحاب الحاجات، وهذا دليل على نظرته الشمولية لمسألة الرحمة، ودليل على اتساع أفقه، وإدراكه لحقيقة الإسلام، وإنه في الأساس رحمة للناس وليس مشقة وعذابًا لهم..  نلحظ كل ذلك من موقف فريد رواه أبو مسعود الأنصاري  > وفيه أن رجلاً قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة  من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت رسول الله في موعظة أشدَّ غضبًا منه يومئِذٍ، ثم قال:" إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ " .

فيالَعَظَمَةِ هذا الموقف!!

وإذا كانت كل هذه الرحمة لعموم كبار السن، فإنها ولا شك أعظم وأجلُّ في حق الوالدين..

إن الأبوين في كثير من بلاد العالم - الذي يسمُّونه متحضرًا في زماننا - لا يجدان رعاية ولا عونًا من أبنائهم بعد أن يتقدم بهما العمر، وتضعف منهما الصحة..

لكنَّ الأمر ليس كذلك عند رسول الله ..

جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صَحَابَتي؟ قال: "أمك. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثم أبوك"

فأحق الناس بالصحبة ليس الصديق ولا الحاكم ولا صاحب العمل ولا غير هؤلاء، إنما أحق الناس بالصحبة الأم ثم الأب، وقدَّم الأم ثلاثًا لضعفها وشدة احتياجها عند كبرها..

هذه هي رحمته بالأم والأب، ولْيُقارن أهل الأرض بين هذه الرحمة وما يحدث في العالم أجمع!..

بل إنه في موقف آخر يقول ما يتفطَّر له القلب رقةً وتأثرًا!!

لقد جاءه رجل يقول له: إني جئت أبايعك على الهجرة، ولقد تركت أبويَّ يبكيان، فقال رسول الله : "ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما" !

يا لَرَحْمَتِك يا رسول الله!!

فالرجل جاء يبايع على الهجرة، والأمر جد خطير، ومع ذلك فالرسول   يهتم - ليس فقط برضا والديه وراحتهما - بل وبضحكهما وسرورهما!!

هذه هي رؤيته لكبار السن في أمته، وهذه هي رؤيته للواجب نحو الوالدين، وإذا كان هناك في العالم من يدَّعي أن قانونه يشبه ـ ولو من بعيد ـ قانون رسول الله ، فإنني على يقين أنه لن يوجد من يدَّعي أن هناك مَن طبَّق على أرض الواقع ما طبَّقه رسول الله من مواقف الرحمة، ومن مظاهر الرعاية لحقوق الإنسان!! وصدق الله العظيم إذ يقول: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" .

 المبحث الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال

تشير التقديرات إلى أن مليون طفل سنويًا يتم استغلالهم في البغاء وإنتاج المواد الإباحية -وما شابه من الأنشطة- وكثير منهم أجبروا أو اختطفوا أو استدرجوا، أو هم ضحايا الاتجار بالأطفال .

ما أبلغ ما قاله أنس بن مالك > وهو يصف رحمة رسول الله بالأطفال إذ قال: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ " .

وإن الإنسان لَيَعْجَبُ حقًا من رؤية مواقف رحمته بالأطفال، ويزداد العجب عندما تنظر إلى حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه ، وهو يدير الدولة، ويقود الجيوش، ويحكم بين الناس، ويتفاوض مع الوفود، ويتعامل مع الأصحاب، ويشرف على كل صغيرة وكبيرة في حياة المسلمين، ويتلقى الوحي من رب العالمين، ويصل به إلى كل من يستطيع، حتى يرسل الرسائل إلى ملوك العالم وزعمائه يدعوهم إلى الإسلام!!

رجل بهذا الثقل من المسؤولية، وهذا الحجم من التَّبِعات يهتم كثيرًا – بل وكثيرًا جدًا - بأطفال أمته، مهما كانوا بسطاء!

ولا يتأتَّى ذلك إلا من نبي!

  ثم إن العجب يزداد ويزداد حتى يبلغ الذروة عندما تعلم أن رحمته هذه كانت في بيئة لا يجدون فيها حقًا لصغير، بل ويعتبرون أن رحمة الصغير لون من ألوان الضعف غير مقبول، حتى يفتخر الرجل بأنه لا يرحم أبناءه!

قَبَّل النبي الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس ، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله فقال: "من لا يَرحم لا يُرحم" .

إن الأقرع كان يظن أنه من الرجولة والفحولة أن يقسو القلب ويتحجر، حتى لا يرحم صغيرًا، ولا يُقَبِّل طفلاً، لكن رسول الله رَدَّ عليه بالرد المفحم، ولم يكن ردًا خاصًا بموقفه فقط، إنما رد بقاعدة من القواعد الإسلامية الثابتة..  إنه قال له في إيجاز: "من لا يَرحم لا يُرحَم!"..

لقد كان رسول الله لا يصبر على بكاء طفل ولا على ألمه.. يروي أبو قتادة > أن رسول الله كان يصلي وهو حامل أُمَامَة بنت زينب بنت رسول الله فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها .

إنه هنا في أعظم شعائر الإسلام، وهي الصلاة، ومع ذلك فهو لا يصبر على بكاء الطفلة أُمَامَة حفيدته، فيحملها حتى في أثناء الصلاة!!

بل إن رحمته كانت تجعله يطيل أو يُقصِّر من صلاته بحسب ما يريح الأطفال!!

فنحن نراه في موقف عجيب يطيل السجود في صلاة الجماعة على غير عادته وذلك حتى لا يزعج طفلاً!

والقصة يرويها شداد بن الهاد  > ويقول فيها: "خرج علينا رسول الله في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حَسَنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله فوضعه ثم كبر للصلاة فصلَّى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله   الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: " كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ " .

وعلى النقيض من هذا نجده يسرع في صلاته في ظروف أخرى لكي يرحم طفلاً آخر..

يروي أنس بن مالك > أن رسول الله قال: "إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ"

ها هو رسول الله يُكَيِّف - بلا تعنت ولا تشدد - صلاته وصلاة المسلمين، لكي يرحم الطفل الصغير، وكذلك ليرحم أمَّه!

وفي مواقف أخرى من السيرة تجد رسول الله يفرغ من أوقاته ليلعب مع الأطفال، فهذا أسامة بن زيد يروي فيقول: كان رسول الله يأخذني فيُقعِدني على فخذه ويُقعِد الحسنَ على فخذه الآخر ثم يضمهما، ثم يقول: " اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا" .

وانظر إلى رحمته وهو يواسي طفلاً لموت طائر صغير كان يلعب به!

يقول أنس بن مالك > كان النبي يدخل على أم سُلَيْم ، ولها ابن من أبي طلحة يُكَنَّى أبا عمير، وكان يمازحه، فدخل عليه فرآه حزينًا، فقال: ما لي أرى أبا عمير حزينًا؟! فقالوا: مات نُغْرُه  الذي كان يلعب به، قال: فجعل يقول: "أبَا عُمَيْر، مَا فَعَلَ النُّغَيْر؟" .

إنه لا يسخر من مشاعره، ولا يُسفِّه حزنه، بل يشاركه ويضاحكه، فإذا علمت أن هذا الطفل الصغير ما هو إلا أَخٌ لخادم يخدم رسول الله اطَّلعت على قدر الرحمة والتواضع اللذين كانا في قلبه .

وكان رسول الله يولي أهمية خاصة لرعاية البنات، وذلك لعلمه أن قلوب الناس تميل بشكل أكبر للذكور من الأولاد، وخاصة في هذه البيئة العربية، فكان يُعظِّم جدًا من أجر الذي يربيهنَّ..

قال رسول الله : "مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ" .

  وكان من رحمته بالأطفال أنه لا يكلفهم ما لا يطيقون، وقد جاءه أطفالٌ يوم أُحُدٍ يريدون الخروج معه للقتال فرَدَّهم لصغر سنهم، وكان منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري، وسعد بن حبة، وغيرهم .

وقارن هذا بالأعداد الهائلة للأطفال التي تستخدم الآن في الحروب في بقاع كثيرة من العالم.. فقد ذكرت هيئة الأمم المتحدة أن هناك أكثر من ثلاثمائة ألف طفل مجنَّد في عشرين دولة يمارسون القتال بالإكراه !!

ولم تكن مواقف اهتمامه ورحمته للأطفال بالمواقف العابرة التي تحدث على فترات متباعدة، بل كانت متكررة جدًا، لدرجة أن الأطفال كانوا دائمًا في استقباله إذا جاء من سفر ليلاعبهم ويداعبهم، وكأنه ليس أمامه من الهموم والمشاغل غيرهم!  يقول عبد الله بن جعفر بن

أبي طالب : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ قَالَ وَإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ قَالَ فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ" .

وتخيل هذا المشهد، وقائد الدولة يدخل مدينته، وهو يركب دابته وقد حمل طفلاً وأردف آخر خلفه!!

بل إنه عندما دخل مكة فاتحًا استُقْبِل أيضًا بالأطفال، فلم يمنعه الموقف المهيب، ولا الوضع العسكري الخطير، من أن يتلطف معهم، بل ويحملهم!  يقول عبد الله بن عباس {: "لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ!" .

هذه كانت رحمته بالأطفال ..

وإذا كانت كل هذه الرحمة بعموم الأطفال، فلا شك أن رعايته للأطفال اليتامى كانت أعظم وأشد..

فمن أقواله وهو يشجع المسلمين على رعاية اليتامى.. قال: "أنَا وكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ يَعْنِي السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى" .  وقال أيضًا: "مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ" .

وأتى رجل إلى النبي يشكو قسوة قلبه، قال رسول الله : "أَتُحِبُ أنْ يَلِينَ قَلْبُكَ وتُدْرِكَ حَاجَتِكَ؟ ارْحَمْ اليَتِيمَ، وامْسَحْ رَأسَه، وأَطْعِمْه مِنْ طَعَامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ، وتُدْرِكَ حَاجَتِكَ" .

ويحذر رسول الله من ظلم اليتامى، أو استغلال ضعفهم، وأكل أموالهم، فيقول: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" .

بل إنه يفكر في مستقبل اليتيم بصورة عملية، ويخشى على ماله أن تأكله الزكاة، أو يقل نتيجة اختلاف القيمة مع مرور الزمان، فيقول في رحمة ظاهرة: "ألا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًَا لَهُ مَالٌ، فَليتَّجِر فِيه، ولا يَتْرُكْه حَتى تَأكُلُه الصَدَقَةُ" .

كان هذا طرفًا من رحمته بالأطفال، ومن أراد الزيادة فليعد إلى كُتُبِ الصِّحاح والسنن وغيرها من كتب الحديث، فحَصْرُ ذلك جد عسير.. وصدق الذي قال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" !

 المبحث الرابع: رحمته صلى الله عليه وسلم بالنساء

ثلثي النساء على الأقل تعرضن خلال حياتهن لصورة من صور العنف المنزلي، وتؤثر هذه الظاهرة على أربعة ملايين امرأة سنويًا في ألمانيا، وأربعة ملايين زوجة في الولايات المتحدة الأمريكية .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لا شك أن في النساء صورة من صور الضعف، وهو ليس ضعفًا مذمومًا، فإنه من جانبٍ ليس مقصودًا منهن، ومن جانبٍ آخر محمود مرغوب، فأما الجانب غير المقصود فهو ضعف البنية والجسم، وهذه لا حيلة فيها، فلا يلومهنَّ أحدٌ عليها، وأما الجانب المحمود فهو في ضعف القلب والعاطفة، بمعنى رقَّة المشاعر، وهدوء الطباع، وهو لا شك أمر محمود في النساء، وكلما زاد ـ دون إفراط ـ كان ألطف وأجمل..

وكان الرسول يُقَدِّر هذا الضعف في النساء، ويحرص على حمايتهنَّ من الأذى الجسدي أو المعنوي، ويُظهِر رحمته بهنَّ بأكثر من طريقة، وفي أكثر من موقف..

  وكان رسول الله دائم الوصية بالنساء، وكان يقول لأصحابه: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا" ، وتكررت منه نفس النصيحة في حجة الوداع، وهو يخاطب الآلاف من أمته، وكان يوقن أن هذه الوصية من الأهمية بمكان حتى يُفرد لها جزءًا خاصًا من خطبته في هذا اليوم العظيم..

قال رسول الله في هذا اليوم: "وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ  عِنْدَكُمْ"

وقد شبههن بالأسيرات لكون القوامة في يد الرجل، وقرار الانفصال أو الطلاق بيده، ولقوة الرجل وضعف المرأة مما يجعلها في وضع لا حيلة فيه، ولكل ذلك استدر عطف الرجل على ضعفها بهذه الكلمات.

وقال : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي" .

ويوضح رسول الله في جملة بلاغية رائعة أن النساء يُماثِلن الرجال في القدر والمكانة، ولا ينتقص منهن أبدًا كونُهنَّ نساء  فيقول: "إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ" .

ويقول ابن الأثير  ~: شقائق الرجال بمعنى نظرائهم وأمثالهم ، بل إن رسول الله يأمر المسلمين بعدم كراهية النساء حتى لو كانت هناك بعض الأخلاق المكروهة فيهن فيقول: "لَا يَفْرَكْ  مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" .

ولا شك أنه استوحى هذا المعنى العظيم من قول الله تبارك وتعالى: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ".

غير أن الذي يلفت النظر بصورة أكبر في رحمته بالنساء هو جانب التطبيق العملي في حياته ، فلم تكن هذه الكلمات الرائعة مجرد تسكين لعاطفة النساء، أو تجمُّلٍ لا حقيقة له، بل كانت هذه الكلمات تُمارَس كل يوم وكل لحظة في بيته وفي بيوت أصحابه..

وإننا نقول أننا نتحدى العالم أجمع أن يأتي لنا بموقف من حياة رسول الله آذى فيه امرأة أو شقَّ عليها، سواءً من زوجاته أو من نساء المسلمين، بل من نساء المشركين.. ويكفي أن نسرد بعض مواقفه مع النساء ـ ولو دون تعليق ـ لندرك مدى رحمته بهن..

اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ > عَلَى النَّبِيِّ فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ < - ابنته – عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا، وَقَالَ أَلَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّه ِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَحْجِزُهُ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا فَقَالَ النَّبِيُّ حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: "كَيْفَ رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكِ مِنْ الرَّجُلِ؟ "قَالَ: فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَوَجَدَهُمَا قَدْ اصْطَلَحَا فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا فَقَالَ النَّبِيُّ  : قَدْ فَعَلْنَا قَدْ فَعَلْنَا" .

فرحمة رسول الله هنا قد فاقت رحمة الأب، فأبو عائشة <  - وهو الصديق > - أراد أن يعاقبها على خطئها، ولكن الرسول لرحمته بها حجز عنها أباها!

وأحيانًا تخطئ زوجته خطأً كبيرًا، ويكون هذا الخطأ أمام الناس، وقد يسبب ذلك الإحراج له ، ومع ذلك فمن رحمته يُقدِّر موقفها، ويرحم ضعفها، ويعذر غيرتها، ولا ينفعل أو يتجاوز، إنما يتساهل ويعفو.. فقد روى أنس > أن رسول الله كان عِنْدَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلَتْ أُخْرَى بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ يَدَ الرَّسُولِ فَسَقَطَتْ الْقَصْعَةُ فَانْكَسَرَتْ فَأَخَذ َ الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ، وَيَقُولُ: "غَارَتْ أُمُّكُمْ كُلُوا"،فَأَكَلُوا، فَأَمْسَكَ حَتَّى جَاءَتْ بِقَصْعَتِهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْهَا  . لقد أخذ رسول الله هذا الموقف ببساطة، وجمع الطعام من على الأرض، وقال لضيوفه: "كلوا"، وعلل غضب زوجته بالغيرة، ولم ينس أن يرفع قدرها، فقال "غارت أمكم"، أي أم المؤمنين!!

فأي رحمة هذه التي كانت في قلبه !

ولا شك أنه كما ذكرنا في المبحث السابق من أنَّ رحمته باليتامى كانت أكثر وأعظم، فكذلك رحمته بالأرامل كانت أشدَّ وأوفى..

لقد رفع رسول الله قدر الذي يرعى شئون الأرملة إلى درجة لا يتخيلها أحد، فقال : "السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ"

أي فضل وأي عظمة!!

وكان رسول الله أسرع الناس إلى تطبيق ما يقول، فقد روى عبد الله بن أبي أوفى > أن النبي كان لا يأنف ولا يستنكف أن يمشي مع الأرملة والمسكين؛ فيقضي لهما حاجتهما ..

بل إن هناك ما هو أعجب من ذلك، وهو رحمته بالإِمَاء، وهُنَّ الرقيق من النساء، فقد روى أنس بن مالك > فقال: "إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ!"

وقد علَّق ابن حجر ~ على ذلك فقال: "والتعبير بأخذ اليد إشارة إلى غاية التصرف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة، والتمست منه مساعدتها على ذلك، وهذا دالٌّ على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكِبْرِ" .

ونتساءل...

هل سمع أهل الأرض بزعيم دولة، أو قائد أمة يذهب هنا وهناك ليقضي بنفسه حاجة امرأة بسيطة لا تعدو أن تكون خادمة، بل هي أَمَة، لا تملك من أمرها شيئًا؟!

إن هذا الذي نراه من رسول الله لمن أبلغ الأدلة على نبوته، فلا تتأتَّى مثل هذه الأخلاق الرفيعة حقيقةً إلا من نبي.. وصدق مَنْ قال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" !

 المبحث الخامس: رحمته صلى الله عليه وسلم بالخدم والرقيق

قدرت منظمة العمل الدولية عدد من يتجر بهم سنويًا من البشر بحوالي 1.2 مليون إنسان، وتعد تجارة الرقيق ثالث أكبر تجارة غير مشروعة تدر ربحاً في العالم بعد تجارة الأسلحة وتجارة المخدرات، حيث تدر سنويًا ما بين 7 مليار إلى 12 مليار من الدولارات الأمريكية .

في هذا المبحث نلحظ لونًا آخر مهمًا من ألوان رحمته ، وهو رحمته بضعفٍ ظاهرٍ، وهو ضعف الخدم والرقيق..

لقد بلغت كلمات وأفعال رسول الله في هذا الصدد شأنًا غير مُتخيَّل عند عامَّة الناس، فقد بلغت رحمته درجة ما عرفها العالم في تاريخه ولا واقعه، ويقينًا لن يكون لها مَثيلٌ في المستقبل..

وإن شئتم أن تدركوا عظمته الحقيقية في هذا المضمار فراجعوا ما ذكرناه في الباب الأول عن البيئة التي نشأ فيها رسول الله ونظرة العالم آنذاك للخدم والعبيد، واقرءوا أيضًا ما سنذكره - إن شاء الله - في آخر البحث عن بعض مواقف المدنية الحديثة، والحضارة المعاصرة في معاملاتها مع هذه الطائفة التي تُوصَف بالتعاسة في معظم أحوالها..

لقد قال رسول الله كلمةً تفسر نظرته الرحيمة إلى الخدم والعبيد، وواللهِ إنها لكلمة عجيبة!

قال : "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ " .

إن هذه الكلمة ـ والله ـ لشيء مذهل!!

هذه هي رحمته !!

"إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ"

إنه يرتفع في كلمة واحدة بدرجة الخادم إلى درجة الأخ! ولتكن المعاملة بعد ذلك كمعاملة الأخ، سواء في الطعام أو اللباس أو الحوار أو أي شيء آخر..

إن الله عز وجل قد رفع أقوامًا فوق آخرين، وليس هذا الرفع تكريمًا لبعضٍ وانتقاصًا من آخرين، إنما هي فتنة وابتلاء للجميع.. إن السيِّد لم يختر أن يُولَدَ سيدًا، والخادم لم يختر أن يولد خادمًا، ولذلك فليس هناك معنى لتكبر السيد على خادمه، إنما هو في الحقيقة أخوه، وكان من الممكن أن تنقلب الآية، فيصبح السيد خادمًا، ويصبح الخادم سيدًا.. وكما تريد أن يعاملك الناس فعامِلْ أنت الناس..

"إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ"..

ثم يكرر المعنى لئلا يظن أحدٌ أن هذه مبالغة فيقول: "فمن كان أخوه تحت يده"، ثم يضع الضوابط في المعاملة التي تليق بالأخوة..

فليطعمه مما يأكل..

وليلبسه مما يلبس..

ولا تكلفوهم ما يغلبهم..

فإن كلفتموهم فأعينوهم!!

أما آنَ للعالم أن يعلم هذا عن رسولنا ؟!

إنني أعلم أنه يكفيني ما ذكرت حتى يعلم العالَمُ رحمة رسولنا مع الخدم والعبيد، لكنني لزيادة المعنى إيضاحًا ولترسخيه، أسوق مجموعة أخرى من أقواله ..

ويقول : "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ" .

وفي موقف يثبت أن هذا الكلام كلامٌ واقعي له تطبيق في حياة الناس يروي أبو مسعود الأنصاري > فيقول: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ" .

فترسخ إذًا في قلب أبي مسعود > أن الجرم كبير، وأن الخروج الوحيد من المأزق هو أن يعتق هذا العبد له، ففعل ذلك، فأكدَّ رسول الله لأبي مسعود أن هذا كان هو الحل الوحيد لإخراجه من الأزمة التي أوقع نفسه فيها..

وقد تكرَّر مثل هذا الموقف مع عبد الله بن عمر، وكان قد ضرب غلامًا له، فدعاه فرأى بظهره أثرًا، فقال له: "أوجعتُك، قال: لا، قال: فأنت عتيق قَالَ ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ فَقَالَ مَا لِي فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَزِنُ هَذَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ؛ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَه" .

لقد كان أمرًا حقيقيًا إذن، فَقِهَه الصحابة، وأدركوه، وسعوا إلى تطبيقه بكل حذافيره.. لقد انتقلت الرحمة بصورة تلقائية من قلبه إلى قلوب أصحابه، فطبَّقوا على ظهر الأرض قوانين السماء، ورأينا منهم ما يذهل عن تدبره العقل!

ها هو أبو ذر > يُلبِس غلامه حُلَّة مثل حُلَّته تمامًا!!

ها هو عبد الرحمن بن عوف > يجلس وسط غلمانه فلا يميزه أحدٌ من الناس عنهم لتشابه هيئتهم جميعًا!!

وها هو عثمان بن عفان > كذلك

لقد علَّمهم رسول الله الرحمة مع الخدم والرقيق حتى في الألفاظ والتعبيرات..

يقول : "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي" .

نَعَم!!

إلى هذه الدرجة بلغت رحمة ورقَّة رسول الله .. ولم تكن هذه فترة معينة في حياته، أو عند ظروف مخصوصة، إنما ظل كذلك حتى لحظات موته الأخيرة.. وكان من آخر وصاياه للمسلمين: "الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" .

ويقول عليُّ بن أبي طالب >: "كان آخر كلام رسول الله : الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ "

وكانت حياته تطبيقًا حرفيًا لكل كلماته..  حاشاه أن يقول شيئًا ويفعل غيره..

تقول عائشة <: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" .

ويشهد أنس بن مالك > شهادة حق وصدق فيقول: " كَانَ رَسُولُ  مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي - أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ - قَالَ فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ قَابِضٌ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي؛ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: "يَا أُنَيْسُ اذْهَبْ حَيْثُ أَمَرْتُكَ" قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلِمْتُ قَالَ: لِشَيْءٍ صَنَعْتُ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُ هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا" .

هذا طرف من رحمته بالخدم والرقيق، والإحاطة بها مستحيلة، وصدق الذي قال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" .

 المبحث السادس: رحمته صلى الله عليه وسلم بالفقراء

يوجد أكثر من  مليار ومائة مليون شخص على نطاق العالم يجاهدون للعيش على أقل من دولار أمريكي يوميًا في عام 2001 .

مع أن رسول الله كان يخشى على أمته من الغِنى أكثر من خشيته عليها من الفقر، حتى قال: " فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا" ، مع كونه على هذه الصورة إلا أنه كان يدرك أن الفقر الشديد فتنة كبيرة؛ لذلك كان يستعيذ منه فيقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ..."

وكان يقول أيضًا في دعائه: "اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ"

ولشعوره بأزمة الفقر هذه، وما تُورِثُه في نفس الإنسان من ضعف، تَحرَّك قلبه لهؤلاء الفقراء، مع أنه عاش حياته كفردٍ منهم، وكما تقول عائشة <: "مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ" .

شملت رحمته كل الفقراء، حتى كان يعطيهم ـ على فقره ـ كل ما يستطيع أن يعطيهم، ويأمر أصحابه وأُمَّته برحمة الفقراء..  وانظر إلى كلماته التي تفيض عذوبة ورقة ورحمة:

"يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى" .

"مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا لِي ذَهَبًا، يَأْتِي عَلَيَّ لَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا" .

وما أكثر كلماته الرقيقة التي تدور حول نفس المعنى..

ولقد كان مجتمع المدينة مجتمعًا فقيرًا في مجمله؛ لذا فحَصْرُ مواقفِ رحمته مع الفقراء أمر لا يستطاع، ولكن نسدد ونقارب..  فنضرب أمثلة، ومن أراد التفصيل فليَعُدْ إلى كنوز السُّنَّة العظيمة..

انظر إليه يُعلِّم أبا ذر > - مع أن أبا ذر > شديد الفقر - فيقول له: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ" .

وكان يأمر النساء أن يتصدقن على جيرانهن ولو بشيء قليل..  قال : "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ" . لقد كان يريد لهذه الروح الرحيمة أن تسري في مدينته وفي أُمَّته، وأن يشعر كل إنسان بمن حوله، ويسعى لتخفيف آلامه بقدر طاقته..

دعاه جابر بن عبد الله > أيام الأحزاب إلى طعام قليل في بيته، فأبى رسول الله - مع شدة جوعه - أن يذهب بمفرده، ولكن اصطحب معه المهاجرين والأنصار، وكانت معجزة أطعم فيها الجميع، وما رضي أن يشبع وشعبه جائع..

ويروي جرير بن عبد الله > فيقول: "جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة؛ فحَثَّ الناس على الصدقة؛ فأبطؤا عنه حتى رُؤِيَ ذلك في وجهه"، قال: "ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصُرَّةٍ من وَرِقٍ، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عُرِفَ السرورُ في وجهه؛ فقال رسول الله : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ" .

وكان يحاول أن يعطي من عنده، فإذا لم يجد اجتهد في حَلِّ الأزمة ولو من عند أحد أصحابه، لكنه لا يترك الفقير هكذا بغير عون.. يقول أبو هريرة >: جاء رجل إلى رسول الله فقال: إني مجهود، فأرسل إلي بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهُنَّ مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء؛ فقال: "مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ" فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني قال: فعَلِّلِيهم بشيء؛ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنَّا نأكل، فإذا أَهْوَى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا على النبي فقال: "قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ" .

لقد تأصلت هذه الرحمة في المدينة، حتى صارت أحداثها كالأحلام، وصارت قصصها كالخيال..

ومع المعاناة المستمرة لرسول الله إلا أنه لم يتوقف أبدًا عن العطاء مع شدة احتياجه..

يروي سهل بن سعد < فيقول: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلى النَّبِيَّ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ؛ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا! قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ؛ إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ: سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ " .

لقد كان دائمًا يرى أن ما أعطاه خير مما أبقاه، ولذلك كان دائم العطاء، وما أبلغ ما رد به رسول الله على أم المؤمنين عائشة < حين ذبحوا شاة ووزعوا منها معظمها، وقالت له أم المؤمنين: ما بقى منها إلا كتفها، قال بفهم عميق: "بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا!" .

هذه كانت حياته، وهذه كانت رحمته بالناس..

ثم إني أحب أن أختم هذا المبحث بموقف له دلالته الخاصة، إذ لا ينبغي أن يُفهَم من حبه للعطاء، ومن حثِّه للصحابة  على الإنفاق أنه كان يرضى للفقير أن يظل فقيرًا أبد الدهر، أو يعتاد أن يمد يده للسؤال، بل كان حريصًا على ترسيخ معنى العمل والكسب عند فقراء الأمة لِيَكْفُوا أنفسهم بأنفسهم، وليستمتعوا بلذة البذل العطاء بدلاً من معاناة ذل الأخذ والاستجداء..

  روى أنس بن مالك > أن رجلاً من الأنصار أتى النبي يسأله ، "فقال: "أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟"، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ قَالَ: "ائْتِنِي بِهِمَا" قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ وَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ" قَالَ رَجُلٌ" أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا" قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ "اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ" فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا" فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ؛ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ " .

لقد كانت رحمته بالفقراء رحمةً نافعة، دافعةً لكل خير، تهدف إلى إسعادهم سعادة حقيقية لا زيف فيها ولا تزوير..  رحمة لا تهدف إلى كفايتهم فقط، ولكن أيضًا إلى تعليمهم، ورفع معنوياتهم، كما تهدف في ذات الوقت إلى نجاتهم في الدنيا والآخرة، في شمول عجيب، لا نراه في تاريخ الأرض إلا من نبي! وصدق الذي قال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" .

 المبحث السابع: رحمته صلى الله عليه وسلم بأصحاب الأزمات

جاء في تقارير منظمة اليونيسيف الدولية أنه من كل عشرة أطفال دون سن الخامسة كان يموت طفل عراقي بسبب نقص العلاج، وفي كل يوم من أيام الحصار الأمريكي كان  يموت 250 إنسان عراقي بسبب العقوبات التي كانت مفروضة عليها .

وهذا نوع من الضعف يقع فيه عامة الخلق، كبيرهم وصغيرهم، غنيُّهم وفقيرهم، حاكمهم ومحكومهم..  فليس هناك إنسان إلا ويقع في أزمة، كمرضٍ له أو لحبيب، وكموتٍ لقريب، وكدَيْنٍ وقع فيه المرء، وهكذا..

 ولما كانت هذه الأزمة صورة من صور الضعف، وكثيرًا ما تأتي مفاجئة للإنسان، فإن رحمة رسول الله كانت سريعًا ما تتحرك تجاه هؤلاء..

 يلخص ذلك عثمان بن عفان > بقوله: "إنا - والله - قد صحبنا رسول الله في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير ..

فهو - كما وصف عثمان > - مع أصحابه في كل أزماتهم..

ومن أهم الأزمات التي لابد لكل بشر أن يقع فيها أزمة المرض..

وكان الرسول إذا سمع بمريض أسرع لعيادته في بيته، مع كثرة همومه ومشاغله، ولم تكن زيارته هذه مُتكلَّفة أو اضطرارية، إنما كان يشعر بواجبه ناحية هذا المريض.. كيف لا، وهو الذي جعل زيارة المريض حقًا من حقوقه؟!.

قال رسول الله : "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ" .

وكان يهدف من وراء زيارته لأمور شتى، فهو يُظهِر له ـ دون تَكَلُّف ـ مُوَاساتِه له، وحرصه عليه، وحبه له، فيُسعد ذلك المريضَ وأهلَه، ويهوِّن أزمته ومرضه..

يروي عبد الله بن عمر فيقول: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ  فَقَالَ: "قَدْ قَضَى" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى النَّبِيُّ ؛ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ بَكَوْا فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟! إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ؛ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ " .

ثم إن رسول الله - من رحمته - كان يُبشِّر المريض بالأجر والمثوبة التي تلحق به نتيجة المرض، فيهوِّن بذلك عليه الأمر، ويرضيه به..

تروى أم العلاء  فتقول: عادني رسول الله وأنا مريضة، فقال: " أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلَاءِ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ" .

وكان رسول الله في زيارته للمريض يرقيه ويدعو له بالشفاء، وأدعيته في هذا المجال كثيرة ومشهورة، ومنها ما روته عائشة < أن رسول الله كان يقول إذا أتى مريضًا: "أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا" .

وكان حريصًا على التخفيف على المريض، وعدم تعريضه لخطر أو أزمة أكبر، وكان يُبدي الكثير من الغضب إذا رأى من يتشدد في حكم من الأحكام مع مريض، ومن ذلك ما يرويه جابر بن عبد الله > فيقول: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجرٌ؛ فشجَّه في رأسه، ثم احتلم؛ فسأل أصحابه؛ فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات؛ فلما قدمنا على النبي أُخبِرَ بذلك فقال: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ - شَكَّ مُوسَى - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" .

وكان يطلب الطب لأصحابه، ويتجاوز عن أمور كثيرة يتشدد فيها الآن كثيرٌ ممن لا يعرفون رسول الله ولا رحمته!!

ومن ذلك أنه كَلَّف رُفَيْدة  <  بعلاج سعد بن معاذ < عندما أصيب في الأحزاب ، لأنها كانت أقدر أهل المدينة على علاجه، ولم يتحرَّج أن تعالج امرأةٌ رجلاً من الرجال..

وهكذا كان يرفق بالمرضى إلى أكبر درجات الرفق، ويقف معهم في أزمتهم بصورة لعلها أكبر من وقفة ذويهم إلى جوارهم..

ومن الأزمات أيضًا التي كان يهتم رسول الله بها أزمة وفاة إنسان،.. وكان رسول الله - من رحمته - يرحم أقارب الميت في أمور قد يظنُّها الناس بسيطة، ولكنها تترك أثرًا طيبًا في النفوس، ومن ذلك إعداد الطعام لهم..

روى عبد الله بن جعفر > فقال: لما جاء نعي جعفر قال النبي : "اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ" .

وهذا عكس ما اشتهر بين الناس من أنَّ أهل الميت هم الذين يصنعون طعامًا لزوَّارهم، بل إن صناعة أهل الميت للطعام للضيوف خلاف واضح للسنة، فقد قال جرير بن عبد الله>: "كنا نَعُدُّ الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام من النياحة " .

ويقول الإمام السندي ~ في شرحه لهذا الحديث: "أن كلمة (كُنَّا نرى) بمنزلة إجماع الصحابة } أو تقرير النبي ، وعلى التقديرين فهو حُجَّة" .

لكن الأهم حقيقةً من المساعدة المادية هو تشجيع أهل الميت على الصبر وعدم الجزع، وهذا ما كان يحرص عليه رسول الله جدًا، وقَلَّما حدثت وفاة في عصره إلا وكان حاضرًا مع أهل الميت يُذكِّرهم بالله عز وجل، ويحاول أن يخرجهم من أزمتهم بتعظيم أجرهم إذا صبروا.. فكان يُعَلِّمُهم أن يقولوا عند المصيبة ما يصبِّرهم - بل يعوضهم خيرًا - في الدنيا قبل الآخرة..

تروي أم سلمة  < أنها سمعت رسول الله يقول: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: مَا أَمَرَهُ اللَّهُ

إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" .

وكان يعلم أن النساء يصيبهن الجزع أكثر من الرجال، فكان يحرص على تذكيرهنَّ بالصبر عند المصائب..

يروي أبو سعيد الخدري > أن النساء قُلْنَ للنبي : غلبنا عليك الرجال؛ فاجعل لنا يومًا من نفسك؛ فوعدهنَّ يومًا لَقِيَهُنَّ فيه؛ فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ، فَقَالَ: وَاثْنَتَيْنِ" .

وانظر إلى رحمته وهو يهوِّن على امرأة مسكينة مصابها الفادح.. فقد روى أبو هريرة > أن امرأة جاءت إلى النبي بابن لها؛ فقالت يا رسول الله: إنه يشتكي. وإني أخاف عليه؛ قد دفنت ثلاثة، قال: "لَقَدْ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنْ النَّارِ" . وتخيل مدى فرحتها - مع أنها في مصاب شديد - عندما علمت أن مصابها هذا قد وقاها وقاية شديدة من النار..

إنها كلمات بسيطة، لكنها ذات أثر عظيم..

ومع كونه يمنع الناس من الجزع وفقد الصبر إلا أنه كان واقعيًا يُقدِّر ألم الناس ويعذرهم، ومن ثَمَّ يقبل ببكائهم وحزنهم دون إفراط..

يروي جابر بن عبد الله > فيقول: لما قُتِلَ أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وينهونني عنه، والنبي لا ينهاني فجعلت عمتي فاطمة تبكي؛ فقال النبي : "تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ،مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" .

وروى جابر بن عتيك >  أن رسول الله جاء يعود عبد الله بن ثابت  فوجده قد غُلِب، فصاح به رسول الله فلم يجبه، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ: "قَدْ غُلِبْنَا عَلَيْكَ أَبَا الرَّبِيعِ" فَصِحْنَ النِّسَاءُ وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ" قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الْمَوْتُ" قَالَتْ ابْنَتُهُ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟ قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْهَدَمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ" .

والرسول في المثالَين السابقَين يسمح ببكاء وحزن أقارب الميت، لكن في نفس الوقت يُبشِّرهم بأجر المتوفى ليصبِّرهم على مصابهم..

ولم تكن وقفات رسول الله مع الصحابة عند المرض أو الوفاة فقط، بل كانت في أي أزمة ولو كانت عابرة..

نجده مثلاًَ يدخل المسجد فإذا برجل من الأنصار يُقالُ له أبو أمامة؛ فقال: " يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ: إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي" .

وقال أبو سعيد الخدري >: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ" فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" .

فالرسول حرص على أن يساعد الرجل على سداد دينه، ثم طلب من غرمائه أن يقبلوا بالمبلغ الذي جُمِعَ، ويقول المباركفوري  في شرح سنن الترمذي: "والمعنى: ليس للغرماء أن يأخذوا إلا ما وجدوا، والإمهال   

بمطالبة الباقي إلى الميسرة" . فالرسول لم يُسقط الدين عن الرجل، إنما توسَّط له عند الغرماء ليأخذوا قسطًا، ويؤخروا الباقي، وهذا من رحمته بالمدين..

ومن أروع مظاهر رحمته ما فعله مع المسلمين عند هجرتهم من مكة إلى المدينة..  فقد كانت أزمة كبيرة ترك فيها المسلمون ديارهم وتجارتهم وأموالهم وذكرياتهم..  تركوا كل ذلك، وفرُّوا إلى الله ورسوله، فكان لابد من الوقوف إلى جوارهم في أزمتهم هذه..

فأول ما فعل أنه رفع من شأنهم وقدرهم، وأخبرهم أن هجرتهم هذه هجرة كريمة لا ينظر إليها بانتقاص، فهم ليسوا مجرد لاجئين إلى بلد آخر، بل هم مجاهدون عظماء، وذكر ذلك في أحاديث شتى، لعل من أعظمها أنه بَشَّرهم أنهم أول من يجوز الصراط يوم القيامة، وذلك عندما سُئِلَ عن أول الناس إجازة فقال: "فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ" .

وفي موقف آخر قال : "إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا" .

وهكذا شعر المهاجرون بقيمتهم وفضلهم، وبالتالي رُفِعَت معنوياتهم..

وكان يواسي المهاجرين ويهوِّن عليهم مصابهم، والذي أحيانًا يكون كبيرًا جدًا..  وما أروع استقباله لصهيب الرومي > عندما هاجر إلى المدينة تاركًا ثروته كلها وراءه في مكة، فقال له مبشرًا: "رَبِحَ البَيْعُ أبَا يَحْيَى" .

ولمَّا جاء عبد الله بن جحش > يشكو لرسول الله أن أبا سفيان قد أخذ دَارَهُم في مكة بعد الهجرة وباعها، واساه رسول الله في رقَّة وقال له: "أَلَا تَرضَى يَا عَبْدَ اللهِ أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ بِهَا دَارًا خَيرًا مِنْهَا فِي الجنَّة؟ قال: بلى، قال: فَذَلِكَ لَكَ" .

ثم إن رسول الله كان دائم الاطمئنان على المهاجرين في المدينة، والزيارة لهم، خاصة أنهم قدموا على مناخ جديد في المدينة فأصابتهم بعض الأمراض..  تقول عائشة < قدمنا المدينة وهي وبيئة، فاشتكى أبو بكر، واشتكى بلال، فلما رأى رسول الله شكوى أصحابه قال: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ " .

ثم قام بعمل فريد ليس له مثيل في التاريخ وهو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فتحمَّل الأنصار عبء المهاجرين وكفلوهم في ديارهم، ووصل الأمر إلى التوارث بين الطائفتين إلى أن نُسِخَ حُكْمُ التوارث بعد ذلك ..

ومع أن وضع الأنصار كان أفضل، وأزمة المهاجرين كانت أشد إلا أن الرسول كان رحيمًا بالأنصار كذلك، فلم يشأ أن يُثقل عليهم حتى مع رغبتهم في التضحية..

قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: لًا، فَقَال: "تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ، وَنُشْرِكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" .

وهذه رحمة منه وحكمة، فقد تتغير الأحوال، وتتحسن أحوال المهاجرين، ويشعر الأنصار بشيء من الغبن، ولذلك كان هذا التصرف الراقي منه ..

بهذه الخطوات وبأمثالها خرج المهاجرون من أزمتهم، وخُفِّفت كذلك أزمة الأنصار، واجتازت المدينة عقبة كان من الممكن أن تودي باستقرارها وراحتها..

لقد كان منهجه فريدًا حقًا..

وما كان ذلك أن يتم لولا رحمة هائلة وسعها في قلبه .

 وصدق الذي قال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" .

وأخيرًا..

إن ما ذكرناه من صور لرحمته للضعفاء من أبناء أمته ما هو إلا غيض من فيض، وقطرة في يَمٍّ، حاولنا فيها أن نذكر أمثلة مختلفة من صور شتى، وإن كنا - لا شك - بعيدين تمامًا عن الصورة الكاملة للحقيقة،  ولعل ما ذكرناه يكون حافزًا لنا أن نتوسع في دراسة سيرته، وفي متابعة أحواله ففي ذلك الخير لنا ولمجتمعاتنا، بل وللعالم أجمع..

وصَلِّ اللهُمَّ وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم..

 الفصل الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بالمخطئين

مَنْ مِن البشر لا يخطئ؟!

إنَّ من طبيعة البشر التي لا مهرب منها أنهم يُخطئون.. صرَّح بذلك رسول الله عندما قال: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" .

ولا يُستثنَى من هذه القاعدة إلا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين..

وإذا كان الخطأ متوقعًا بهذه الصورة من كل إنسان فلابد من وجود منهج ثابت في الشرع الحكيم لمواجهة أخطاء البشر..

وجيل الصحابة } هو أفضل أجيال الأرض..  لا نقول ذلك اجتهادًا منَّا، بل شهد لهم بذلك رسول الله حين قال: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ..." .

بل شهد لهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أكثر من موضع في كتابه الكريم، ويكفي أن نشير مثلاً إلى قوله عز وجل: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ... ".

ولكن ليس معنى ذلك أن الصحابة ليسوا بشرًا، أو أنه لا تجري عليهم أحكام البشر التي تجري على عامة الناس، ومنها وقوع الخطأ..

نعم الخطأ في حقهم قليل، ونعم أخطاءهم تذوب في بحار حسناتهم، إلا أنها في النهاية موجودة..  وكان الرسول منهج واضح ثابت في معالجتها..  وإن شئت أن تُلَخِّص هذا المبدأ في كلمة واحدة فستكون هذه الكلمة هي منهج "الرحمة"!

وقد يتعجب إنسان من أن يكون منهج علاج الخطأ هو منهج الرحمة؛ لأن الذي يقفز مباشرة إلى الذهن عند الحديث عن الأخطاء هو العقاب، وليس الأمر كذلك على الدوام..  بل كان الكثير من الأخطاء يُعَالَج عن طريق الابتسامة والتوجيه والنصح والتعليم قبل أن يأتي عقابٌ أو شدة..  بل إن الرسول كان إذا اضطُرَّ أحيانًا للعقاب، كأن يكون الأمر إلى قتلٍ متعلقًا بالحدود، فإنه كان يطبق هذا الحَدَّ برحمة، وحتى إذا وصل الأمر إلى قتل أو رجم فإنك تلحظ فيه بوضوح مظاهر كثيرة للرحمة، وسوف نتعرض لبعض هذه المظاهر من خلال هذا الفصل إن شاء الله، وسيكون تناول هذه الأخطاء من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول: رحمته بالجاهلين.

المبحث الثاني: رحمته بالمذنبين.

المبحث الثالث: رحمته بالمخطئين في حقه .

ونسأل الله التوفيق والسداد..

 المبحث الأول: رحمته صلى الله عليه وسلم بالجاهلين

إن ما يقرب من نصف دول العالم مازال يعاني من مرارة الجهل والتخلف، فنجد أن نسبة الأمية في بعض الدول-خاصة الفقيرة- تصل إلى 70% من عدد السكان .

على الرغم من أن الجهل صفة مذمومة لم تُذْكَر في القرآن الكريم غالبًا إلا على سبيل الذم واللوم، بل استعاذ منها موسى كما حكى رب العزة في القرآن في قوله: "قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ" .

على الرغم من ذم هذه الصفة إلا أن كل البشر بلا استثناء يتصفون بها من وجه من الوجوه، فهم يعلمون أشياء ويجهلون أشياءً أخرى، حتى أكثر العلماء علمًا في مجال معين لابد أنه جاهل في مجال آخر..  وإنما يُذَمُّ حقيقةً الجاهل الذي لا يسعى إلى تحصيل العلم، والجاهل الذي يجهل أمرًا مُشتَهرًا جدًا بين الناس، أو كما يقول الفقهاء: الجاهل بما هو معلوم من الدين بالضرورة..

وهذا النوع الأخير - وهو الجهل بالأمر المشتهر - هو ما نعنيه في هذا المبحث، وإلا فكل البشر جاهلون، أو على الأقل كانوا في مرحلةٍ ما من عمرهم جاهلين، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى مرحلة العلم..

وبما أن دين الإسلام دين جديد على الجزيرة العربية أيام بعثة رسول الله ؛ فإن قدوم الجاهلين بأحكام الإسلام على رسول الله كان كثيرًا، ومع هذه الكثرة إلا أنه لم يفقد هدوءه أو حِلْمَه في يوم من الأيام، بل تعامل مع كل هذه المواقف برحمته المعهودة..

يقول ‏مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ >: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ‏ ‏ ‏إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ؛ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ؛ فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ ‏أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ؛ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ؛ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ‏‏ ‏فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا ‏‏كَهَرَنِي ‏وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي؛ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" .

في هذا الموقف نرى بوضوح رحمة رسول الله بمعاوية بن الحكم >، والذي كان جاهلاً إلى حَدٍّ كبير بتعاليم الصلاة، وهذه الرحمة لفتت نظر معاوية > حتى إنه ذكرها وعلَّق عليها؛ فقال: "فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ"..

وكأن معاوية كان يتوقع الزجر والتعنيف من رسول الله لما رأى ثورة المصلين حوله ومحاولتهم إسكاته، فقال معاوية في سرور: فَوَاللَّهِ مَا ‏‏كَهَرَنِي ‏وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، وكأن هذه كانت أمورًا متوقعة..  لكن رسول الله لا يصدر منه القول السيئ، ولا يقسو على أحد أبدًا..

وفي يوم آخر رأى رسول الله ما يُغضِبُ عادةً أي إنسان، ومع ذلك فإن رحمة رسول الله قد ظَلَّت رد فعله، فتعامل بهدوء ورفق لا يشابهه فيه أحد..

يروي ذلك الموقف جابر بن عبد الله { فيقول: " أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏فِي مَسْجِدِنَا هَذَا وَفِي يَدِهِ ‏عُرْجُونُ ‏ابْنِ طَابٍ ، فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا‏ ‏بِالْعُرْجُونِ، ‏ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ قَالَ: فَخَشَعْنَا ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ قُلْنَا: لَا أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ ‏ ‏يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قِبَلَ وَجْهِهِ فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى  فَإِنْ‏ ‏عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ   ‏فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا، ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ؛ فَقَالَ:

أَرُونِي عَبِيرًا، فَقَامَ فَتًى مِنْ الْحَيِّ ‏‏يَشْتَدُّ  ‏إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ‏ ‏بِخَلُوقٍ  ‏فِي ‏رَاحَتِهِ‏ ‏فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ ‏ ‏الْعُرْجُونِ ‏ ‏ثُمَّ ‏ ‏لَطَخَ ‏ ‏بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ؛ فَقَالَ‏ ‏جَابِرٌ:‏ ‏فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمْ ‏ ‏الْخَلُوقَ ‏ ‏فِي مَسَاجِدِكُمْ" .

فمع أن الموقف قد آذى رسول الله ، وليس فيه توقير للمسجد، إلا أن رسول الله من رحمته لم ينفعل، ولم يسأل عن الفاعل، ولكن علَّمهم بهدوء ما ينبغي عليهم أن يفعلوه، بل وأزال بنفسه النخامة وطيَّب مكانها..

وأختم هذا المبحث بموقف مشهور، ولكنه آية من آيات رحمته ، فلا يقدر على ذلك فعلاً إلا نبي!!

يقول أنس بن مالك >: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ‏ ‏ ‏ ‏إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ  فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ‏أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏: ‏مَهْ ‏مَهْ . قال: قال رسول الله : " لَا تُزْرِمُوهُ  ‏دَعُوهُ، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏‏ ‏دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ"، أَو كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ ‏ ‏فَشَنَّهُ  عَلَيْهِ" .

ووالله إنه لموقف نادر حقًا !!

إن أَحْلَمَ الناس في هذا الموقف سيكتفي بأن يأمره بأن يقطع بوله، فكفاه ما فعل بمسجد رسول الله ، وقد هَمَّ الصحابة أن يقوموا بذلك فعلاً مع حلمهم المشتهر وأدبهم المعروف..  لكن رسول الله أتى بما لم يأتِ به الأولون والآخرون!

لقد تعاظمت رحمته حتى شملت هذا الأعرابي، الذي لم يتخلَّق بعدُ بأخلاق المدينة، بل ظل على جفاء البادية..   أي رحمة هذه التي نتحدث عنها !!

أترانا لو بحثنا عن مثل هذه المواقف في تاريخ الأمم هل سنصل إلى شبيه أو مثيل؟!

إن الإجابة على هذا السؤال توضح الفارق الجليِّ بين أخلاق عامة البشر وأخلاق النبوة، وصدق الله العظيم إذ يقول: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

   المبحث الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بالمذنبين

أصدرت محكمة التفتيش الفرنسية في عام 1258م أوامر تقتضي أن يحضر المذنب إلى الكنيسة يوم الأحد وهو عاري الظهر ويحمل معه عصا يأخذها منه القسيس ليضربه بها أمام جموع المصلين، وقد يستمر المذنب على هذا الحال سنوات عديدة، ويعتبر هذا الحكم من أخف وأهون الأحكام التي أصدرتها محاكم التفتيش ضد مخالفيها في الرأي .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لعلنا نستوعب رحمة رسول الله مع الجاهلين، والتي تحدثنا عنها في المبحث السابق، ولكن الذي لا يستطيع أحدٌ - مهما كانت أخلاقه كريمة - أن يستوعبه هو رحمته بالمذنبين!!

فالفارق بين الجاهل والمذنب أن الأول أخطأ لأنه لا يعرف، بينما الثاني يعرف وتعمَّد الخطأ، وشَتَّانَ!!

لأن المخطيء فعل ذلك عن بصيرة وإدراك، وخاصة إذا كان يعلم عقوبة الذنب..

ولكننا اطَّلعنا في سيرة رسول الله على أمورٍ عجاب، قلَّ أن يجود الزمان بمثلها!

يروي أبو هريرة > فيقول: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ‏ ‏ ‏إِذْ جَاءَهُ ‏‏رَجُلٌ‏ ‏فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: ‏"مَا لَكَ؟" قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏: " ‏هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟" قَالَ: لَا فَقَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟" قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ‏‏ ‏فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ‏ ‏بِعَرَقٍ ‏‏فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ : ‏الْمِكْتَلُ - قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ؛ فَقَالَ‏ ‏الرَّجُلُ: ‏ ‏أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ ‏لابَتَيْهَا  - ‏يُرِيدُ ‏ ‏الْحَرَّتَيْنِ -‏ ‏أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ ‏ ‏حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" .

إن الرجل قد أذنب ذنبًا عظيمًا، وجامع زوجته في نهار رمضان وهو مدرك للحُكْم، ويعلم أن ذلك يوجب كفارة، وبتعبير الرجل فإنه هلك لأنه أتى منكرًا عظيمًا، لكن رسول الله - برحمته الشاملة - لم يبدُ عليه أي انفعال أو غضب، إنما أخذ يُعدد عليه وسائل الكفارة، والتي أبدى الرجل عجزه عن فعل أيٍ منها، فلم ينزعج رسول الله ؛ بل

جاء له بتمر صدقةٍ أتاه، وقال له: خذ هذا التمر وكفِّر به عن ذنبك، وأنفقه على فقير، فقال الرجل قولاً عجيبًا، لقد قال: إنه أفقر أهل المدينة، ولذلك فهو يطمع أن يأخذ هو التمر!!!

ماذا كان رد فعل رسول الله على أن الرجل لا يريد أن يُكفِّر عن ذنبه بأيِّ طرق الكفارة؟!

وماذا كان رد فعله عندما عرض الرجل أن يأخذ هو - وهو المخطيء المذنب - تمر الصدقة له ولأهله؟!

إنه "ضحك" حتى بدت أنيابه!! ثم أعطاه التمر، وقال: "أطعمه أهلك!!"

هذا هو رسول الله ..

أين من يتهمون الإسلام بالتشدد، ويصفون رسول الله بالإرهاب؟!

هل توقع فقير في بلد من البلاد، أو في زمن من الأزمان أن يعامله حاكم بلده بهذه الطريقة الرحيمة؟!

وموقف آخر عجيب..

إنه موقف رجل أفشى سرًا عسكريًا خطيرًا للدولة الإسلامية، كان من الممكن أن يكون له أشد الأثر على أمنها واستقرارها!

إنه موقف حاطب بن أبي بلتعة> الذي أرسل رسالة إلى مشركي مكة يخبرهم فيها أن رسول الله قد جهَّز جيشًا لفتحها، مخالفًا بذلك أوامر القائد الأعلى للمسلمين رسول الله ، ومُعرِّضًا جيش المسلمين لخطر عظيم!!

كيف يكون رد الفعل المناسب في أية دولة في العالم؟!

إن القتل هنا عقاب مقبول جدًا مهما كانت ملابسات الحدث..  وهذا ما رأينا بعض الصحابة يقترحه..

لكن ماذا فعل رسول الله ؟!

إنه بعد أن أمسك بالخطاب الخطير، وعلم ما فيه أرسل إلى حاطب >، وسأله في هدوء: "‏يَا ‏ ‏حَاطِبُ،‏ ‏مَا هَذَا؟"

قَالَ حَاطِبُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً ‏مُلْصَقًا ‏فِي ‏قُرَيْشٍ، ‏‏وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏لَهُمْ قَرَابَاتٌ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏: ‏"لَقَدْ صَدَقَكُمْ" قَالَ‏ ‏عُمَرُ: ‏‏يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ‏ بَدْرًا؛ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" .

إن المبرر الذي ذكره حاطب قد لا يقبله الكثيرون، بل إن عمر بن الخطاب > - وكلنا يعلم ورعه وفطنته وعدله - لم يقبله، ورأى أن يُقتَل بهذا الجُرم، فكيف يسوغ أن يحاول حماية أهله على حساب جيش كامل، ثم كيف يعصي أمرًا مباشرًا لرسول الله ؟!

ومع كل هذا إلا أن رسول الله رحمه رحمة واسعة، وقبل منه عذره في صفح عجيب، وعذره، ولم يوجه له كلمة لوم أو عتاب، بل إنه رفع من قدره، وقال لعمر - وعمر يعلم ذلك -: "إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ‏ بَدْرًا؛ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ‏فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ!!"

إن العدل شيءٌ، والرحمة شيء آخر..

إن العدل قد يقتضي أن يُعَاقَب حاطب بن بلتعة بصورة أو بأخرى، ولكنَّ الرحمة تقتضي النظر إلى الأمر بصورة أشمل، فنرى مَن الذي فعل الفعل، وما هو تاريخه، وما هي سوابقه المماثلة، وما هي أعماله السالفة، وهل هو من أهل الخير أم من أهل الشر، وما هي الملابسات والخلفيات لهذا الحدث..

إن الرحمة تقتضي عدم الانسياق وراء عاطفة العقاب، ولكن البحث الحثيث عن وسيلة تخرج صاحب الأزمة من أزمته..

العدل درجة عظيمة.. ولكن الرحمة أعظم!!

 الفرق بين الاثنين تلحظه في قول الله تعالى: "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ".

من العدل أن يأخذ الله عباده بذنوبهم، ومن الرحمة أن يؤخرهم إلى أجل مسمى..

تلحظ الفرق بين الاثنين في قوله تعالى أيضًا: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ".

وكان رسول الله يتخذ هذا النهج طريقة ثابتة في حياته..  لقد كان مطبقًا لأخلاق القرآن وأوامره دون تفريط ولا تضييع..

لقد كان تمامًا كما وصفته عائشة أم المؤمنين < عندما سُئِلَتْ عن خُلُق رسول الله فقالت: "كان خُلُقه القرآن، أما تقرأ القرآن قول الله عز وجل: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ " .

وقد يقول قائل: إذا كانت رحمته بهذه الصورة فلماذا كان يرجم الزاني المحصن ويقطع يد السارق ويقتل القاتل؟! أليس من الرحمة أن يعفو عنهم؟!

وهذه النقطة سوف نتكلم عنها إن شاء الله بتفصيل أكبر في الباب الرابع من هذا البحث ولكن هنا نشير إلى نقطة مهمة تغيب عن أذهان أصحاب الشبهات، وهي أنهم ينظرون بعين الرحمة إلى المُذنِبِ، ولا ينظرون بعين الرحمة على

المجتمع الذي عانى من ذنبه، فإذا نظرت بعين المحلِّل المتجرِّد من الهوى وجدت أن كل الحدود التي فرضها رب العزة سبحانه وتعالى قد فُرِضَت على جرائم تؤثر سلبًا على المجتمع، وقد يعانِي منها صاحبُ الشبهة شخصيًا، ولو عانى منها لكان رأيه مختلفًا، فلا شك أنه لو سرق أحدٌ رأس ماله، وثمرة جهده لتمنى عقابه بأقسى عقاب، ولو اعتدى أحدهم على ابنته أو زوجته أو أُمِّه لسعى إلى قتله بنفسه قبل المحاكم، وهكذا..

فالحدود شُرِعَتْ رحمةً بالمجتمع، وترهيبًا لعموم الناس أن ينخرطوا في طريق الجريمة، وهذه رحمة بهم أيضًا من وجه آخر، ثم هي كَفَّارة عن الذنب الذي فعله العبد، ومن ثم يُهَوِّن عليه من حساب الآخرة وهو أَشَقُّ وأَشَدُّ..

روى عبادة بن الصامت > أن رسول الله قال لأصحابه ليلة العقبة: "تَعَالَوْا بَايِعُونِي ‏ ‏ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا ‏بِبُهْتَانٍ ‏تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ؛ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَالَ:‏فَبَايَعْتُهُ ‏‏عَلَى ذَلِكَ" .

فتطبيق الحدود - والتي تبدو قاسية - رحمة للمجتمع، ورحمة لأنها تمنع الناس من ارتكاب الجرائم، ورحمة كذلك لأنها تكفِّر الذنب عن فاعله.. 

ثم فوق كل ما سبق، وقبل كل ما سبق، هي أوامر من رب العالمين سبحانه وتعالى، واجبة التطبيق، والله عز وجل أعلم بما يُصلِحُ عبادَه وكونه، ورسول الله مُطبِّق لقوانين الشريعة دون إفراط ولا تفريط، ولم يكن يطبِّق هذه الحدود على طائفة من الناس دون طائفة، ولا على قبيلة دون أخرى، إنما كان يُنفذ قانونًا عامًا يهدف لراحة وأمن الجميع، ولقد غضب غضبًا شديدًا عندما حاول بعض الصحابة  أن يتوسَّط لامرأة ذات نسب من قبيلة بني مخزوم كي لا تُقطَعَ يَدُها في جريمة سرقة، وأصرِّ رسول الله على تطبيق الحد، وخطب خطبة بليغة وضَّح فيها منهجه في معالجة الجريمة، وكان مما قاله في هذه الخطبة: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ ‏‏فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" .

إن القانون عام، وفي باطنه رحمة واضحة جليلة لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد..

ثم إن الجانب الأروع والأجمل في المسألة أن رسول الله لم يكن متشوفًا إلى إقامة الحدود، ولا متمنيًا لرجم أو قتل أو قطع..  إنه كان يحاول قدر جهده أن يجد مخرجًا للمُذنِبِ..

  قال رسول الله : "ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِيءَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِيءََ فِي الْعُقُوبَةِ" .

ألا ما أروع هذا الكلام، وما أرحمه!!

إن رسول الله لا يتصيَّد الأخطاء للمذنبين، بل إنه يتغاضى عن الأمر تمامًا إن لم تكن البينة واضحة، والدليل كافيًا..

قال رسول الله : "تَعَافُّوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ" .

يقول السيوطي تعليقًا على هذا الحديث: "أي تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إليَّ فإني متى علمتها أقمتها" .

وهذا المعنى وضح في موقف صفوان بن أمية > عندما رفع أمر رجل سرقه إلى رسول الله ؛ فأمر رسول الله بقطع يد السارق وذلك تطبيقًا للحد، فَقَالَ ‏صَفْوَانُ:‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ" .

إنها دعوة رحيمة صريحة من رسول الله إلى صفوان بن أمية >، وإلى عموم المسلمين أن يجتهدوا في تعافي الحدود فيما بينهم، وألا يرفعوا الجرائم إليه إلا في آخر المطاف..

وقد حدث في قصة ماعز  > ما يؤيد ذلك؛ لأن رجلاً من الصحابة اسمه هزَّال  هو الذي دفع ماعز إلى الاعتراف بجريمة الزنا، فلما أصرَّ ماعز على الاعتراف بالجريمة رجمه رسول الله لأن ماعزًا كان محصنًا، لكن رسول الله لم يدع الأمر يمر دون أن ينصح لهزّال - والأمة من بعده - قائلاً: "‏وَاللَّهِ يَا ‏هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ" .

وما دمنا قد ذكرنا أمر ماعز فما أجدرنا أن نعرَّج على قصته لنرى رحمة رسول الله حين رُفع له أمر رجل زنى وهو متزوج..

يروي بُريدة بن الحصيب > فيقول: جَاءَ ‏مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ ‏إِلَى النَّبِيِّ‏ ‏ ‏فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏طَهِّرْنِي،‏ ‏فَقَالَ:‏ ‏وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏طَهِّرْنِي، ‏فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏: ‏وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏طَهِّرْنِي؛ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏: ‏مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ فَقَالَ: مِنْ الزِّنَى؛ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏:‏ ‏أَبِهِ جُنُونٌ؟ فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَقَالَ: أَشَرِبَ خَمْرًا؟ فَقَامَ رَجُلٌ ‏فَاسْتَنْكَهَهُ ‏‏فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏: أَزَنَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ" .

إننا نرى هنا موقفًا من أعظم مواقف الرحمة في حياة رسول الله مع أنه موقف رجم لإنسان، وهو أمر شديد ولا شك..

إن ماعزًا جاء ليعترف بالزنى ليقام عليه الحد، جاء معترفًا دون أن يُكرهه أحد، لقد جاء تائبًا مقرًا بذنبه يريد أن يتخلص منه في الدنيا قبل حساب الآخرة، والحدود كفارة كما ذكرنا قبل ذلك، وقد جاء على رسول الله قائلاً له: طهرني، وقد شعر رسول الله من الوهلة الأولى أن الرجل قد ارتكب ذنبًا عظيمًا، فلا شك أن هذا كان باديًا على قسمات وجهه، وعلى نبرات صوته، لكنَّه مع ذلك لم يسأله عن ذنبه، ولو من باب الفضول، فإنه أراد أن يتكتم عليه لئلَّا يقيم عليه حدًا، وهذا من رحمته العظيمة ، ولكن ماعزًا كان مُصِرًا على الاعتراف، وصرَّح في المرة الرابعة بذنبه، ومع ذلك لم يتلقف رسول الله منه الاعتراف كما يحدث في كثير من بلاد العالم ويسجله عليه، بل راجعه أكثر من مرة ليتراجع، وذلك رحمة به، فسأل عن عقله: هل به جنون؟ فقالوا: لا، فسأل عن شربه للخمر فلعله قد أذهب عقله فاعترف بما لم يفعل، وحد الخمر أهون من حد الزنا للمحصن، ولكن ماعز لم يكن شاربًا للخمر..

إنها محاولات حقيقية من رسول الله لدرء الحد، والتجاوز عن ماعز، بل إنه - في روايات أخرى - التفت إلى قوم ماعز وسألهم: " أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؛ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا ‏ ‏وَفِيَّ ‏ ‏الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى" .

وفي رواية أخرى حاول رسول الله أن يجد له مخرجًا حتى بعد اعترافه بالزنى، فقال رسول الله له: " لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ  أَوْ نَظَرْتَ؟ قَالَ: لَا " .

إن رسول الله قال في نفسه لعل ماعزًا لم يَزْنِ حقيقةً، ولكنَّه تأول بعض أحاديث رسول الله التي يشير فيها أن العين إذا نظرت نظرًا مُحرَّمًا فهو نوع من الزنا، وكذلك اليد وباقي الأعضاء، وذلك مثـل قوله : "‏إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ

عَلَى ابْنِ ‏آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" .

ومن هنا سأله رسول الله هذه الأسئلة محاولاً إخراجه من أزمة إقامة الحد عليه..

وأُقِيمَ الحد على ماعز كما قضت الشريعة، فرُجِمَ بالحجارة..

أو لعله مناسبًا وحقيقيًا أن نقول: أقيم الحد على ماعز كما تمنَّى هو وأراد..  إن الشريعة الإسلامية رحمة كلها، وليست الشريعة حدود صارمة لا قلب لها ولا عاطفة، ولكنها منظومة كاملة، وكما كان في هذه المنظومة إقامة الحدود للردع، كان فيها تربية الشعب على التقوى ومراقبة الله عز وجل، حتى يصل الأمر على أن يأتي الزاني المحصن ليعترف بجريمته ويُرجَمَ مع أنه ليس عليه شهود!!

وهل وقفت قصة ماعز عند هذا الحد؟!

في الحقيقة لقد بقيت نقطتان مهمتان أود الإشارة إليهما، ولهما علاقة وثيقة بموضوعنا..

أما النقطة الأولى فهي خطبة رسول الله في المدينة المنورة ليلاً في اليوم الذي رُجِمَ فيه ماعز..

إن رسول الله وكأنه يقرأ الشبهات التي من الممكن أن تثار حول الحدث، ولا شك أنه أدرك أن هناك في المدينة، أو في الدنيا بعد ذلك من سيشفق على ماعز، ويقترح عدم إقامة الحد ما دام قد أعلن توبته وجاء نادمًا، ولكن أنَّى لنا أن ندرك صدق التوبة من كذبها!! إن التوبة عمل قلبي بين العبد وربه، ولو لم يُقَمِ الحدُّ عند ثبوت الجريمة بدعوى توبة الفاعل لكان هذا داعيًا لكل المجرمين أن يأتوا ما شاءوا من الجريمة ثم يعلنوا - صدقًا أو كذبًا -  أنهم قد تابوا..

لقد خطب رسول الله خطبة نبَّه الناس فيها إلى أن الموقف المأساوي الذي تعرَّض له ماعز عندما رُجِمَ لا يجب أن يصرف الناس أو يلهيهم عن الجريمة التي تمت..  لقد اعتدى ماعز على حرمة امرأة، واعتدى على حرمة البيت الذي خرجت منه، واعتدى على حُرمَة زوجها أو أبيها أو أخيها، واعتدى على حرمة المجتمع..  إن هذا فاحشة مبينة لو تخيلتها تحدث مع بعض ذويك ومحارمك لطالبت فورًا برجم الفاعل، ثم إن هذه الجريمة قد تنتج طفلاً بريئًا - وهذا قد حدث فعلاً في قصة ماعز - سيظل معذَّبًا طيلة عمره، مع أنه لم يرتكب شيئًا..

إن آثار جريمة الزنا وخيمة على المجتمع بكامله..  وآهٍ لو سرت الفاحشة في مجتمع المجتمعات، وراجِعوا إحصائيات أولاد الزنا في المجتمعات الغربية الآن، بل راجعوها في المجتمعات الإسلامية التي لا تطبق شريعة رب العالمين..  إن الأمر جد خطير، والقضية لا تحتمل تهاونًا أو تفريطًا..

لقد قام رسول الله عشية هذا الحدث الكبير ليعلق أمام الجميع أن الحد قد أقيم رحمة بالمجتمع، ورحمة بالإنسانية، ولم يكن الفرض منه قسوة بإنسان، أو تشهير بمذنب..

قال رسول الله في خطبته: "‏أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا لَهُ ‏‏نَبِيبٌ  كَنَبِيبِ ‏التَّيْسِ!! عَلَيَّ أَنْ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا‏ ‏نَكَّلْتُ ‏‏بِهِ" .

لقد كانت كلمات في منتهى التوفيق والروعة والحكمة!!

إنه يطلب من الناس أن يَحْكُموا عواطفهم بعقولهم..

إنه يصور موقفًا لا تطيقه نفس بشرية..

يعرض رسول الله صورة قاسية قد يتعرض لها أي فرد في المجتمع إذا سرت فيه الفاحشة..

الناس يخرجون في عمل نبيل شريف، وهو الجهاد في سبيل الله، دفاعًا عن حقوق الشعب بكامله، وحرصًا على كرامة الأمة بكاملها، فإذا بأناس قد غدروا بهم، ولم يقدروا حرمتهم، فانتهزوا فرصة غيابهم، وسطوا على أعز ما يملكون وسطوا على شرفهم، واعتدوا على نسائهم..

يا للجريمة البشعة!

ثم هو يشير بالتصريح إلى أن هذه الجريمة قد تحدث مع أي إنسان في المجتمع حتى مع هذا الذي أخذته الشفقة على المجرم.. إنه يقول : "تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا"  إنهم عيالنا.. إنهم نساؤنا.. إن المصيبة تخصنا..

نحن الذين سندفع ثمن انتشار الرذيلة لا غيرنا..

ويشير رسول الله أيضًا في كلمته أن الذي يفعل هذا الجرم الشنيع يفعله متشبهًا بالحيوانات، "لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ ‏التَّيْسِ"، فقد تجرد في لحظة الفعل من كل مشاعر الإنسانية، فلا تأخذكم به رأفة..

وأخيرًا فإنه يُعلن في منتهى الصرامة أن الذي سيأتي هذا الفعل الشنيع سيكون عقابه نفس العقاب دون تهاون..

إنه ليس حق رسول الله الشخصي حتى يفرط فيه أو يتنازل عنه، إنه حق الله أولاً، وحق المجتمع والشعب ثانيًا، وسوف ينفذه رسول الله كائنًا في ذلك ما هو كائن..

كانت هذه هي النقطة الأولى التي أحببت أن أشير إليها بخصوص قصة ماعز..

أما النقطة الثانية فرائعة أيضًا!!

كيف كان الوضع في المدينة المنورة بعد هذا الحدث المهم؟! وماذا كان رد فعل رسول الله للجدال الذي دار بين الناس بعد ذلك؟!

يقول بُريدة > عنه: " ‏فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ (أي في ماعز) قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ‏ ‏مَاعِزٍ ‏‏أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ‏فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ ‏‏أَوْ ثَلَاثَةً، ‏ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا ‏ ‏لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ‏. ‏قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللَّهُ ‏لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ. ‏قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏: ‏لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ" .

الله أكبر!!

إننا لا نستطيع بحال من الأحوال أن نحيط برحمته ...

إنه مع كراهيته الشديدة للفعل، ومع نهيه المستمر للناس أن يفعلوا مثلما فعل ماعز، ومع تحذيره من تكرار الأمر، مع كل ذلك لا يتردد رسول الله أن يُعلن أمام الناس جميعًا أن الله عز وجل قد غفر لماعز خطيئته!

لا يتردد أن يطلب من الناس أن يستغفروا له!!

  إنه لا يحق للناس أن يخوضوا في عرضه مادام الحد قد أقيم عليه، ومادام قد أعلن توبته أمام الجميع..

بل إن رسول الله في موقف آخر يدافع عن ماعز دفاعًا كبيرًا رحمةً له ورأفةً به..

يقول أبو هريرة >:  "سَمِعَ النَّبِيُّ‏ ‏ ‏‏رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ؛ فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِل بِرِجْلِهِ؛ فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ فَقَالَا: نَحْنُ ‏‏ذَانِ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ؛ فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟!! قَالَ: فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ‏ يَنْقَمِسُ  ‏فِيهَا!"

ولا أفضل من ختام لهذا المبحث من قول ربنا في حق الرسول :  "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 المبحث الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم بالمخطئين في حقه صلى الله عليه وسلم.

لقد تحول الزعيم الصيني ماوتسي تونج (1893 – 1976) في نظر مواطنيه إلى ما يشبه الإله كلامه مقدس وأمره لا يرد  فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت النتيجة أن ماو أصبح واحدًا من أكبر القتلة في القرن العشرين، حيث أنه يتحمل مسئولية قتل من30 إلى 40 مليون من مواطنيه على مدار فترة حكمه بتهمة مخالفتهم لفكره وسياساته .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

في المبحثين السابقَين تحدثنا عن رحمته بالجاهلين بحكم من الأحكام الشرعية، وعن رحمته بالمذنبين حتى عند إقامة الحد عليهم..

هذه رحمته بمن أخطأ في حق نفسه أو في حق المجتمع أو في حق الله عز وجل..

فكيف برحمته بمن اخطأ في حقه هو شخصيًا، أي في حق رسول الله ؟!

إن النفس عزيزة على الإنسان، وقد يتطوع الإنسان بنصح الناس جميعًا أن يتغافروا ويتسامحوا، ولكن إذا مَسَّ أحدٌ نفسَه هو تجده يثور ويغضب..

هذا مع عموم الناس..

أما الرسول فلم يكن كذلك!!

تقول أم المؤمنين عائشة <: "وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ" .

وأمثلة ذلك في السيرة كثيرة جدًا..

والواقع أن المخطئين في حقه كانوا من المسلمين وغير المسلمين، ولا شك أن غير المسلمين كانوا أكثر، ولكن هذا سنفرد له بابًا خاصًا إن شاء الله، أما في هذا المبحث فسنعرض لبعض مواقفه مع المخطئين في حقه من المسلمين..

يقول عمر بن الخطاب >: " كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ؛ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الْأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ؛ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ؛ فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ليُرَاجِعْنَهُ وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ فَأَفْزَعَنِي فَقُلْتُ: خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللَّهِ َ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ فَتَهْلِكِينَ؟ لَا تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَكِ وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكَ  هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ " .

كذلك كان رحيمًا مع أصحابه إذا أخطأوا في حقه ..  من ذلك ما حدث معه بعد صلح الحديبية، فقد كان الصحابة } يشعرون بالغُبن والظلم لبنود الصلح المتفق عليها، وأصابتهم حالة من الغم والهم شديدة، ولكنَّ الرسول كان قد أنفذ الصلح لأن الله عز وجل أمره بذلك، ولم يكن بيده شيء، فوق أن الصلح كانت فيه فوائد جمة للمسلمين لم يلحظها الصحابة لرؤيتهم للجوانب السلبية فقط..  وهذا جعلهم في حالة من الاكتئاب الشديد، وهم على هذه الحالة خرج لهم رسول الله ، وطلب منهم أن يحلقوا رؤوسهم وأن ينحروا الهَدْيَ؛ وذلك للتحلل من الإحرام الذي

كانوا عليه، فحدثت مفاجأة غير متوقعة من هذا الجيل العظيم، وهو أنهم أجمعوا - بلا اتفاق - على عدم تنفيذ الأمر، مع أنه وجَّه إليهم الأمر ثلاث مرات كاملة!!

لعلها المرة الأولى في تاريخ الصحابة، ولعلها المرة الأخيرة أيضًا..

والحدث فعلاً فريد!

لم يتحرك واحد من الصحابة - من شدة همهم وحزنهم - للنحر أو الحلق امتثالاً لأمر رسول الله !

ودخل رسول الله على زوجته أم سلمة < مهمومًا حزينًا، " فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ؛ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا" .

إن اللافت للنظر جدًا في هذا الحدث أن رسول الله لم يُعلِّق البتة على الحدث، ولم يُشِرْ من قريب أو بعيد إلى تقصير الصحابة في طاعته، مع أنه ليس فقط القائد الأعلى، والزعيم الأوحد، بل هو فوق ذلك رسول رب العالمين، وطاعته أصل الدين، ومعصيته هلاك الدنيا والآخرة..

إنه لم يُعلِّق على خطأهم لأنه يعذرهم ويرحمهم ويقدِّر أَلَمَهُم وهمَّهم وغمَّهم..  ثم هو يعلم أن هذا خطأ عابر، لم يحدث قبل ذلك، وغالبًا لن يحدث بعد ذلك..  ومَرَّتِ الأزمة العاصفة بهدوء عجيب، وسار القوم إلى المدينة، وقد حدثت منهم الطاعة بعد المعصية..

ثم إن رسول الله أراد أن يثبت لعمر صدق رؤيته ودقة نظرته، وسلامة اتباعه لأوامر رب العزة سبحانه وتعالى، فأرسل إليه بمجرد نزول سورة الفتح، والتي تشير إلى عظمة هذا الصلح حتى سماه رب العالمين فتحًا مبينًا..

يقول عمر > : "فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ" .

وقد أدرك عمر > ما فعله من خطأ مع رسول الله ، وأراد أن يكفِّر عن ذلك بكل طاقته..

يقول عمر >: "فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا" .

ويقول أيضًا: "ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرًا" .

لقد كان موقفًا رائعًا حقًا!!

لقد بدت لنا في هذا الموقف رحمة رسول الله بصورة مبهرة، فهو لا ينظر أبدًا إلى الأذى الذي وقع عليه، إنما جُلُّ اهتمامه وتفكيره لا يكون إلا لشعبه وأمته، وذلك في كل حياته..

وإذا كنَّا قد رأينا رحمته مع زوجاته وأصحابه، فإن أحدًا قد يقول إنما يفعل ذلك مع أحبابه، فلنشاهد بعض مواقفه مع بعض من لا يعرف، أو من يعرفه معرفة عابرة، أو أحيانًا مع بعض من يعاديه من المسلمين أو المنافقين..

يروي أنس بن مالك > فيقول: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ" .

ورحمة رسول الله بهذا الأعرابي عجيبة؛ فهذا الجفاء، وهذه الغلظة كانت تستوجب في أعرافنا رَدَّ فعلٍ غليظًا شديدًا ليردعه وأمثاله عن التعدي على الرسول الكريم ، وخاصة أنه يُمثِّل الدولة الإسلامية بصفته قائدها وزعيمها..  وكان مقتضى الرحمة عند الكثيرين هو مجرد العفو والصفح، أما أن يأمر له بعطاء - ودون عقاب - فهذا قمة الرحمة وذروتها..

بل إن هناك رواية تفيد أن الرسول طلب منه أن يعتذر عن فعلته وأن يمكِّن رسولَ الله من رد الإيذاء إليه قودًا وقصاصًا، ولكن الأعرابي رفض، ومع ذلك أعطاه الرسول !!

يقول أبو هريرة >: "كَانَ النَّبِيُّ يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِ فَحَدَّثَنَا يَوْمًا فَقُمْنَا حِينَ قَامَ فَنَظَرْنَا إِلَى أَعْرَابِيٍّ قَدْ أَدْرَكَهُ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ فَحَمَّرَ رَقَبَتَهُ - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ رِدَاءً خَشِنًا - فَالْتَفَتَ فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: احْمِلْ لِي عَلَى بَعِيرَيَّ هَذَيْنِ فَإِنَّكَ لَا تَحْمِلُ لِي مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَا أَحْمِلُ لَكَ حَتَّى تُقِيدَنِي مِنْ جَبْذَتِكَ الَّتِي جَبَذْتَنِي فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا أُقِيدُكَهَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: ثُمَّ دَعَا رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: احْمِلْ لَهُ عَلَى بَعِيرَيْهِ هَذَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ شَعِيرًا وَعَلَى الْآخَرِ تَمْرًا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: انْصَرِفُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى" .

وليس خفيًا عن البيان أن الرسول كان قادرًا على إجبار الأعرابي على القَوَد منه، أو على الأقل منعه من العطاء، ولكنه غلَّب الرحمة على العدل، وأعطاه، بل وبكرم واضح..

ولعل من المناسب أن نختم هذا المبحث بموقف جليل رواه أبو هريرة > حيث ذكر أن رجلاً تقاضى رسول الله فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً"

ورحمة الرسول بهذا الرجل الغليظ واسعة!!

فالرجل يتطاول على الرسول متجاهلاً تمامًا مكانته وقيمته، والصحابة } - مع اشتهار حلمهم وحسن أخلاقهم - رأوا أن يهمُّوا به ليضربوه أو يمنعوه لشدة غلظته، غير أن الرسول أظهر رحمة غير عادية، حيث إنه – أولاً - منعهم، وثانيًا مدح الرجل المعتدي، ووصفه أنه صاحب حق، وأن هذا الحق يعطيه قوة، ويبرر له غِلظته، ثم ثالثًا فهو يعوضه ببعير أفضل من بعيره، وكان مقتضى العدل أن يرد له دينه فقط، ولكنها الرحمة الواسعة التي شملت كل من تعامل معه ..

وأفضل ختام لمثل هذا القصص أن نذكر قول ربنا: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 الفصل الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم بالأمة في جانب العبادات

يخطيء كثير من الناس - من المسلمين ومن غير المسلمين – في تصور أن المسلم المتدين الملتزم هو مسلم مُتشدد في جانب الصلاة والصوم وغيرهما من جوانب العبادة المختلفة، ويخطئون كذلك في اعتقاد أن المسلم الذي يأتي رخصة من الرخص في الدين هو مسلم مُفرِّط مُقصِّر يحتاج إلى تربية وإصلاح!! إن هذه المفاهيم - ولا شك - دخيلة على الإسلام، وتتنافى مع مبدأ الرحمة التي بُعِثَ بها رسول الله ..  والقاعدة الشرعية الرائعة التي تحكم عبادات الناس وحياتهم هي ما جاءت في كتاب رب العالمين واضحة نقية..

قال تعالى: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ".

وهذا واضح في كل أحكام الشريعة، ولقد حرص الرسول عليه في كل خطوات حياته، وفي كل كلماته وأفعاله..

يقول رسول الله : "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ ‏‏يُشَادَّ ‏الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا‏ ‏غَلَبَهُ؛ ‏فَسَدِّدُوا ‏‏وَقَارِبُوا ‏وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا ‏بِالْغَدْوَةِ ‏وَالرَّوْحَةِ ‏وَشَيْءٍ مِنْ ‏ ‏الدُّلْجَةِ" . وقال كذلك: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا" .

إنه مبدأ واضح في الإسلام، ومخالفته هي مخالفة صريحة للدين، ولا يُعذَرُ المرءُ هنا بحسن نيته، و بعلو همته؛ فإن التشدد منفرٌ، والتعسير يضر أكثر مما ينفع.

جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ‏يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ‏فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ ‏ ‏ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ‏‏ ‏قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟!! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا؛ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏ ‏إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ‏"أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ: كَذَا وَكَذَا، أَمَا والله إِنِّي ‏لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" .

إن هذه القصة لَأَصلٌ من أصول هذا الباب في الإسلام.. وفيها بدت الرحمة البالغة لرسول الله بأمته جميعًا..

لقد استغل رسول الله القصة ليضع قاعدة عامة رحيمة تحكم حياة الناس في الإسلام، وهي أن الإسلام دين الوسطية، وأنه لا يطلب من معتنقيه أن يفرِّغُوا حياتهم للصلاة والصيام والتَّبَتُّل والاعتكاف..  بل إنه لِيُثَبِّت هذا المعنى ويُرسِّخه في أذهان الناس سلك مسلكين رائعين.. أما المسلك الأول فهو القدوة..  فهو يقول للناس: إنني - وأنا الرسول المكلف بالتبليغ والتعليم، وأنا القريب من الله عز وجل - أقوم بما تريدون أنتم أن تُحرِّموه على أنفسكم، فإذا رأى المؤمن ذلك لم يتحرَّج مطلقًا من الإفطار والنوم والزواج لأنه بذلك مقلِّدٌ لرسول الله ..

وأما المسلك الثاني فعجيب!! إنه جانب الترهيب والإنذار..  وعجيب هنا أن يُرهِب ويُنذِر مَنْ زَادَ في العبادة، ونشط في التبتل، فقد يقول قائل: إنه قد لا يفرض على الناس عبادات شاقة، ولكنه لا يجب أن يمنع من أراد لنفسه ذلك، ولكن العجيب هنا أن رسول الله - من رحمته المبهرة بالمسلمين - يرفض هذه الزيادة ويندد بها؛ لأنها قد تصبح مسلكًا عامًا بعد ذلك يضر بالعموم، كما أن هؤلاء النفر إذا شددوا على أنفسهم فلا شك أنهم سيضرون بدوائر مهمة محيطة بهم كعائلاتهم وجيرانهم ورَحِمِهم وأعمالهم، وغير ذلك من الدوائر التي تحتاج إلى أن يُفرِّغ لها المسلم أوقاتًا وفكرًا وجهدًا..

من هنا جاء التحذير النبوي الواضح: "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"..

هذا هو الإسلام لمن لا يعرفه..

وهذه هي مناهجه وشرائعه لمن لم يطََّلِع عليها..

يقول ‏سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ  ~ أَتَيْتُ ‏ ‏عَائِشَةَ <؛ ‏فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ‏أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ! ‏قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" ؟! قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ. قَالَتْ: لَا تَفْعَلْ؛ أَمَا تَقْرَأُ: ‏"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" ؟! فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏وَقَدْ وُلِدَ لَهُ" .

هذا هو الفهم الذي فهمته أم المؤمنين عائشة <، وهو - ولا شك - فهم راقٍ صحيح..

وعلى هذا فسيكون حديثنا في هذا الفصل - إن شاء الله - عن رحمته في جانب العبادات، وحثِّه على التيسير والتخفيف قدر المستطاع، ولكن قبل الدخول في التفصيلات فإننا نشير إلى ثلاث نقاط مهمة..

أما الأولى: فإنه ليس معنى التيسيرِ التفريطَ! إذ لابد أن يكون التيسير في إطار الشريعة، والفيصل في ذلك هو حياته ، والتي نستطيع بها أن نحكم على الأمر أهو يُسرٌ أم تفريط؟

وأما النقطة الثانية: فهي أن الغرض من هذا الفصل هو عرض رحمته بالمؤمنين في جانب العبادات، وليس الغرض منه عرض أوجه التيسير التي شرعها الله عز وجل في كل عبادة، فهذا ليس مجال البحث، وهذا ليس تشريعًا من رسول الله إنما هو من الله عز وجل، والرسول قد نقله إلينا، ومثال ذلك: التيسير في قَصْرِ الصلاة للمسافر، والتيسير في التيمُّم لمن لا يجد الماء، والتيسير في الإفطار للمريض، ونحو ذلك من أمور، فهذه قد شَرَعها الله عز وجل، وطبَّقها رسول الله ..  وعلى هذا فكلامنا في هذا الفصل سيكون عن رحمته في مجال التطبيق لا في مجال التشريع..

وأما النقطة الثالثة والأخيرة فإننا في هذا الفصل لم نسعَ  أبدًا إلى الحصر والاستقصاء؛ بل فقط سعينا إلى ضرب بعض الأمثلة، وإلا فأضعاف أضعاف هذه المواقف موجود في السيرة، فقد كانت حياته كلها رحمة وتيسير..

وسوف يتم تناول هذا الموضوع بإذن الله من خلال المباحث التالية:-

 المبحث الأول: رحمته صلى الله عليه وسلم في أمور الصلاة والقرآن

يوجد عبادة تسمى (الجلهكية) وهم عبّاد الماء ، فإذا أراد أحدهم الصلاة تجرد من ثيابه ولم يستر إلا  عورته، ثم يدخل الماء إلى وسطه، فيقيم ساعة أو ساعتين أو أكثر .

كما جاء في تعاليم الهندوسية:

يجب أن تعوّد نفسك على تقلبات الجو، فاجلس تحت الشمس المحرقة، وعش أيام المطر تحت السماء،

وارتد الرداء المبلل في الشتاء، وليكون طعامك مما تنبته الأرض وإياك واللحم، وعندما تبلغ الشيخوخة اترك الأهل وعش في الغابات ولا تقص شعرك ولا تقلم أظافرك .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لقد كانت رحمة في هذا الجانب واضحة جَلِيَّة ظهرت في مواقف عديدة في حياته ، وقد جمعنا بين القرآن والصلاة في مبحث واحد لشدة ارتباطهما، كما أن الصلاة قد يُعَبَّر عنها بالقرآن، مثل قول الله تعالى: "وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" ، قال ابن كثير ~: "يعني صلاة الفجر" .

لقد كان رسول الله يحب الصلاة حبًا لا نستطيع وصفه بألسنتنا أو بأقلامنا، ولكن ننقل وصفه هو لهذا الحب..

قال : "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" .

ومع هذا الحب العميق للصلاة إلا أنه كان رحيمًا بأمته فلم يُرِدْ منهم الإكثار في هذا الجانب حتى لا يملُّوا.

دَخَلَ النَّبِيُّ ‏‏ ‏فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ؛ فَقَالَ:‏ ‏"مَا هَذَا الْحَبْلُ؟!" قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ‏ ‏لِزَيْنَبَ، ‏فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ‏ ‏: "‏لَا. حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ" .

وهذا التوجيه والتعليم يفعله مع واحدة من أعظم نساء الأرض، فهي أم المؤمنين زينب بنت جحش <، وقد يُطلَب منها ما لا يُطلَب من عامة النساء، ولكنها القاعدة التي لا خلاف عليها: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ"..

لقد كان رسول الله حريصًا على أن يظل العبد مربوطًا طيلة حياته بربه عز وجل، فلا يكسل في لحظة، أو يُفرِّط في أخرى؛ ولذلك كان يحب العمل الدائم ولو كان قليلاً، فهذا أصلح للعبد وللمجتمع..

قال رسول الله : "وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ" .

وكان رسول الله يخشى على أمته من عدم التوازن فتضيع حقوق الأسرة والمجتمع إذا صرف العبد وقته كله في الصلاة والقرآن، ولذلك كان ينصح المكثِرِين بالتقليل والتخفيف، ومِنْ أشهر وأجمل مواقفه ما حدث مع عبد الله بن عمرو بن العاص {. لقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص { من الصَّوَّامين القَوَّامين، وسنتحدث - إن شاء الله - عن صومه في المبحث القادم، وكان يقوم كل ليلة بالقرآن فيختمه كاملاً!! وقد كان يظن هذا هو الأفضل والأعظم، فدار بينه وبين رسول الله حوار يستفسر فيه عبد الله عن كَمِّ القراءة الأمثل..  يقول عبد الله بن عمرو بن العاص {: فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: ‏ ‏"اخْتِمْهُ فِي شَهْرٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي عَشْرٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا رَخَّصَ لِي" .

فنحن في هذا المثال نشاهد شابًا قويًا هو عبد الله بن عمرو بن العاص { يجادل رسول الله ليصلي أكثر، وليقرأ القرآن كاملاً في أقصر مدة ممكنة، وعلى الجانب الآخر يجادله رسول الله ليخفف عنه ويرحمه! قد نتعجب من حرص رسول الله على التقليل من عبادة عبد الله بن عمرو {، ولكن عند التدبر بعين الرحمة تجد أن الرسول حريص على استمرارية عبد الله بن عمرو { في طريق العبادة دون كسل ولا فتور ولا إرهاق شديد، وحريص على زوجته وأسرته أن يأخذا حقهما منه، وحريص كذلك على المجتمع أن يصبح عبد الله بن عمرو { عضوًا فاعلاً فيه يعمل وينتج ويُعلِّم ويجاهد ويتزاور..  إن رسول الله حريص على أن يعيش عبد الله بن عمرو { حياة متوازنة، وذلك رحمة به ورحمة بمجتمعه..

ثم إن رحمة رسول الله تزداد وضوحًا وجلاءً عندما يكون الأمر خاصًا بعموم الأمة، فإن هذا الدين لم ينزل لمجموعة معينة من الناس دون غيرهم، إنما نزل للكبير والصغير، والرجل والمرأة، والقوي والضعيف، والغني والفقير، وغير ذلك من أصناف في داخل الأمة الواحدة..  إنه يفهم أحوال الناس وظروفهم، ويرحمهم لأجل ذلك، ولا يريد أن يأتي الرجل صلاة أو صلاتين ثم ينقطع كُلِّيَّةً بعد ذلك، بل هو ينظر برحمة إلى حالته ويُقدِّرها، ومثل هذا الموقف حدث مع معاذ بن جبل >، وهو صحابي جليل، وقريب جدًا من قلب الرسول ، وكان كثيرًا ما يمدحه ويُثني عليه، ولكن هذه الدرجة القريبة من قلب رسول الله لم تكن لتصبح مبررًا لأن يطيل معاذ > في الصلاة فيقسو بذلك على المأمومين..

إن القسوة مرفوضة، حتى لو كانت في عبادة الصلاة !!

يحكي جابر بن عبد الله { هذا الموقف فيقول: "أَقْبَلَ رَجُلٌ ‏بِنَاضِحَيْنِ ‏وَقَدْ ‏جَنَحَ اللَّيْلُ ‏فَوَافَقَ ‏ ‏مُعَاذًا ‏يُصَلِّي ، فَتَرَكَ ‏نَاضِحَهُ ‏‏وَأَقْبَلَ إِلَى ‏مُعَاذٍ‏ ‏فَقَرَأَ بِسُورَةِ ‏الْبَقَرَةِ ‏‏أَوْ‏ ‏النِّسَاءِ ‏فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏نَالَ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏ ‏فَشَكَا إِلَيْهِ‏ ‏مُعَاذًا؛ ‏فَقَالَ النَّبِيُّ ‏: "يَا مُعَاذُ،‏ أَفَتَّانٌ‏ أَنْتَ‏؟!! ‏أَوْ أَفَاتِنٌ؟!! ‏- ‏ثَلَاثَ مِرَارٍ - فَلَوْلَا صَلَّيْتَ ‏بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، ‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا‏، ‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى؛ ‏فَإِنَّهُ ‏يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ" .

إن رسول الله في هذا الموقف يُعلِّم الأئمة أن يرحموا المصلين في المساجد، ولا يشقُّوا عليهم بكثير صلاة أو قيام، وهذه هي الرحمة في قمة صورها..

إنه يسعد بالإمام الذي يقرأ بالشمس والليل أكثر من سعادته بالإمام الذي يقرأ بالبقرة والنساء!!

أَلا فَلْيَفْهَمِ المسلمون دينهم!!

وألا فليعرف العالم رحمة رسول الله !!

ومثله ما حدث منه في قيام رمضان..

صَلَّى رَسُولَ اللَّهِ ‏ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏، ‏فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ ‏ ‏رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" ‏وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ" .

إن رسول الله يعلم أن الله عز وجل يفرض على عباده ما يشاء في الوقت الذي يشاء، وبالطريقة التي يشاء، ولكنه يعلم أيضًا أن الله عز وجل قد جعل الأسباب، ولا يريد أن يكون هو سببًا لمشقة تحدث للمسلمين، وقد شدَّد بنو إسرائيل على أنفسهم فشدد الله عليهم، وما قصة البقرة بخافية ، ولذلك آثر رسول الله أن يصلِّي قيام رمضان منفردًا لكي يرحم المسلمين بتقليل الفروض عليهم!

إن المرء لا يملك عند رؤية هذه المواقف وأمثالها إلا أن يقول ما قاله رب العالمين سبحانه وتعالى في كتابه: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 المبحث الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم في أمور الصيام

من تعاليم القديس "كولمبان " الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بـفرنسا: " يجب أن تصوم كل يوم  ".

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

كما كان رسول الله رحيمًا في أمور الصلاة والقرآن، فهو كذلك رحيم في أمور الصيام..  ومع أنه كان يواصل في صيامه، بمعنى أنه كان يصوم أكثر من يوم دون إفطار إلا أنه نهى أصحابه وأمته عن ذلك رحمة بهم ..

تقول أم المؤمنين عائشة <: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ‏عَنْ ‏ ‏الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ؛ فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؛ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ" .

إن عائشة < تصرِّح هنا أن علة النهي هي الرحمة بالمسلمين، ومع أنه يعلم أن هناك من أمته مَن يستطيع أن يُواصِل، إلا أنه كان يعلم أيضًا أن في هذا مشقة كبيرة له، ولذلك منعه، ونهاهم من تقليده في هذا الأمر فهو من خصائصه كنبيٍّ، وليس للمسلمين أن يفعلوه..

وأكثر من ذلك أنه كان يرحم الصائمين فلا يريد لهم أن تطول مدة صيامهم عن الحد الشرعي المسموح، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فكان يحث الصحابة والأمة على تعجيل الفطور فلا يشق عليهم الصيام!!

يقول رسول الله : "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ" .

فوق ذلك كان يأمرهم بالسحور ليزدادوا بذلك قوة على الصيام..

يقول رسول الله : "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً" .

بل إنه يأمرهم بتأخير السحور ليظل أثره باقيًا جزءًا كبيرًا من النهار!! 

سأل مالكُ بن عامر أبو عطية  عائشةَ < قال: قُلْتُ ‏لِعَائِشَةَ <‏: ‏فِينَا رَجُلَانِ مِنْ ‏ ‏أَصْحَابِ النَّبِيِّ ‏ ‏أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ! قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟ قُلْتُ: ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. ‏قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏‏يَصْنَعُ" .

إن الصيام ليس تعذيبًا للصائمين..

يقول الله تعالى: "مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ".

إن القضية قضية إيمان، واختبار تصديق واتباع، فإذا تم هذا التصديق والاتباع فلا داعي للمشقة الزائدة عن حدِّ الاختبار..  ثم لاحظ رحمته في الأحاديث السابقة، إنه لا يكتفي بشرح مدة الصيام المطلوبة فقهيًا، إنما هو يمدح من عجَّل الفطر مع إنه يجوز له أن يؤخره ساعة أو ساعتين أو أكثر طالما لم يواصل، لكنه يجعل الأجر الأفضل والثواب الأعظم لمن عجَّل الفطر، لأن هذا أدعى للرحمة، فيقول "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ"، ويمدح السحور فيقول إنه بركة..

وكان رسول الله ينهي أيضًا عن صيام الدهر..  بمعنى مواصلة الصيام كل يوم في غير رمضان، حتى وإن كان يعجِّل الإفطار ويؤخِّر السحور..

سُئِلَ رسول الله : كيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر" .

بمعنى أن صيامه مكروه مذموم فكأنه لم يصم..

وموقفه مع عبد الله بن عمرو بن العاص > بخصوص قضية صيام الدهر معروف ومشهور..

  أُخبِرَ رسولُ الله أن عبد الله بن عمرو بن العاص يَقُولُ: "لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏: ‏آنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏: ‏فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ‏ ‏فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ قَالَ: قُلْتُ فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ ‏‏دَاوُدَ ‏وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏: ‏لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: ‏‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏{‏: ‏لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏: ‏أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي" .

إن الرسول في هذا الموقف يجادل لأجل راحة عبد الله بن عمرو بن العاص { وراحة أسرته، وانظر إلى روعة ما قاله عندما طلب عبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم أكثر من صيام داود قائلاً: "إني أُطِيقُ أكثرَ من ذلك"، قال : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"، فزيادة الصوم هنا ليست محمودة، وستنقلب إلى الضرر..  وانظر أيضًا إلى تعليق عبد الله بن عمرو { في آخر الحديث عندما أشار إلى أن نصيحة رسول الله له بصيام ثلاثة أيام فقط في الشهر كانت أفضل من قراره هو بصيام يوم وإفطار يوم، فإنَّ السن قد كَبُرَ به، ولم يعد في طاقته أن يصوم هكذا، ولكنه كان يتحرَّج من العهد الذي قطعه على نفسه..

إن الرؤية التي يراها الرسول لرحمة الصائم رؤية شاملة كاملة متوازنة، يراعي فيها الشاب والشيخ، والرجل والمرأة، والفرد والأسرة، والشغل والفراغ، والصحة والمرض..  إنها نظرة شاملة رحيمة يستحيل على عموم الناس أن يحيطوا بعظمتها.

ولعله من المناسب أن نختم هذا المبحث بقصة لطيفة لصحابيين جليلين من صحابة رسول الله اختلفا سويًا في تقدير ميزان الصوم والقيام، وكان الفيصل بينهما نبي الرحمة رسول الله والصحابيان هما أبو الدرداء وسلمان الفارسي{..

 والقصة في البخاري، وفيها: أن النَّبِيُّ‏ ‏ آخَى بَيْنَ ‏سَلْمَانَ ‏وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ‏فَزَارَ ‏سَلْمَانُ ‏أَبَا الدَّرْدَاءِ ‏‏فَرَأَى ‏أُمَّ الدَّرْدَاءِ ‏مُتَبَذِّلَةً  ‏فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ‏ ‏لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا؛ فَجَاءَ ‏‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ:كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ: فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ ‏ ‏أَبُو الدَّرْدَاءِ ‏ ‏يَقُومُ قَالَ: نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: ‏‏سَلْمَانُ ‏قُمْ الْآنَ فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ ‏سَلْمَانُ:‏ ‏إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ‏  ‏فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ : "‏صَدَقَ ‏ ‏سَلْمَانُ" .

في هذه القصة اللطيفة يؤكد رسول الله على معنى في غاية الأهمية خَفِيَ عن الكثيرين من الناس، حتى خفي عن بعض عظماء الصحابة }، وهو أن المرءَ عليه واجباتٌ كثيرة تجاه طوائف مختلفة من الناس، كما أن عليه واجبًا تجاه ربه سبحانه وتعالى..  ومع عِظَمِ الواجب ناحية الله عز وجل إلا أن هذا ليس مبررًا لتضييع واجبات البشر، وهذه رحمة لا يتخيلها أحد، وخاصة غير المسلمين، الذين يعتبرون النبوة منصبًا دينيًا لا علاقة له بشئون الحياة، فَيُثبت لنا ولهم رسولُ الله في هذا الموقف الرائع أن رحمته تشمل الحياة كما تشمل الدين، وتشمل الدنيا كما تشمل الآخرة، وسبحانه الذي قال في حقه: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 المبحث الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم في أمور الصدقات

تعد الضرائب الباهظة التي تثقل كاهل الناس إضافة أخرى للمعاناة التي يحياها الإنسان في عصرنا الحالي، وهناك الكثير من الدول التي تغالي في جبي الضرائب بشكل لافت، وعلى سبيل المثال نجد أن الدنمارك تفرض على مواطنيها ضرائب تساوي 68% من دخلهم، وهي بذلك تعتبر الأعلى على مستوى العالم .

لا شك أن الأمم لا تقوم إلا ببذل وعطاء، ولا شك أن هناك الكثير من الأمور في الدولة والمجتمع تحتاج إلى إنفاق وبسخاء، ومن هنا جاء الحضُّ على الإنفاق في كتاب الله عز وجل، وفي سنة نبيه كثيرًا جدًا..

لكن مع كون هذا الإنفاق مهمًا إلا أن رحمة الله عز وجل قضت أن تكون الزكاة قليلة جدًا بالقياس إلى حجم المال المكنوز، فالزكاة لا تزيد على ربع العشر في المال، وهذه رحمة بالغة من الله عز وجل، غير أن الله عز وجل فتح مجال الصدقات واسعًا أمام المسلمين، لينفق ذو سَعَةٍ من سَعَتِه، ولتسعد الأمة بكاملها بسخاء أغنيائها..

ومع كون أمر الصدقات أمرًا محمودًا لا شك في ذلك، إلا أن رسول الله كان من رحمته أنه يضبط حب المسلم المؤمن للإنفاق بضوابط الرحمة والرأفة واليسر، حتى يكاد يمنع بعض الناس من التصدق لشعوره أنهم قد أفرطوا في ذلك!!

وهذا ما لا أعتقد أبدًا أنه موجود في أي قانون من قوانين العالم..

عندما أخطأ كعب بن مالك > بتخلفه عن جيش المسلمين الخارج إلى تبوك أراد أن يُكفِّر عن ذنبه بأن يتصدق بكل ماله.

قال كعب بن مالك > لرسول الله : "يا رسول الله إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ‏ ‏قَالَ: ‏ ‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي ‏بِخَيْبَرَ" .

ورسول الله في هذا الموقف أرحم بكعب بن مالك من كعب نفسه، وأرحم بعيال كعب من رحمته هو بعياله!!

إنه يعلم أن هذا اندفاع عاطفي نتيجة تأثره بتوبة الله عليه، ولذلك يمنعه من أخذ قرار قد يؤثر عليه سلبًا مستقبلاً، وقد يقوده إلى الندم، وقد يؤدي به إلى العِوز والحاجة، وهذا كله مرفوض ومنكر، والرسول برحمته الواسعة يدرك كل هذه الأبعاد، ولذلك منعه..

وعلى فراش المرض ظن سعد بن أبي وقاص > عنه أنه سيموت فأراد أن يأخذ نفس القرار بالتصدق بكل ماله، فماذا كان موقف رسول الله ؟! يروي سعد بن أبي وقاص > فيقول: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ: بَلَغَ بِي مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا قُلْتُ: بِالشَّطْرِ قَالَ: لَا قُلْتُ: الثُّلُثُ قَالَ: الثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ" .

إنه منهج ثابت إذن!!

إنه مع حاجة الأمة للمال إلا أن الرحمة تقتضي أن يُمسك المسلم بعض ماله، وهنا يحدده رسول الله بالثلثين، ويسمح بإنفاق الثلث في سبيل الله، ويوضح أن ذلك كثير، بمعنى أن لو أنفقت أقل من ذلك فلا حرج عليك مطلقًا، بل أنت محمود مأجور إن شاء الله تعالى، ثم إنه يشير في إبداع وروعة في آخر الحديث إلى أن اللقمة التي تضعها في فم امرأتك هي من الصدقة المتقبلة، فيوضِّح هنا أن هذا الإنفاق على البيت والأسرة ليس مذمومًا، بل على العكس هو واجب عظيم، ومسؤولية حتمية، والتقصير فيها لا يُتَوَقَّع من مؤمن..

قال رسول الله : "دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ" .

هل هناك مُوَافَقة للفطرة أعظم من ذلك؟!

وفي موقف عجيب يرويه لنا أبو هريرة > على جانب كبير من رحمته بالأمة..

لقد وقف رسول الله يومًا يُحفِّز الناس على الصدقة، فقال: "تَصَدَّقُوا" فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ!" .

إن رسول الله في هذا الموقف يرحم هذا الرجل الفقير الذي لا يملك إلا دنانير معدودة، فأمره أن ينفق على نفسه وزوجته وولده وخادمه قبل أن يفكر في الصدقة، ثم أشار في الحديث إشارتين في غاية اللطف، حيث قال في الأولى للرجل: "تصدق به على نفسك"، وتابع استخدام كلمة "تصدق" على الزوجة والولد والخادم، لكي لا يشعر الرجل بغضاضة أو ألم لأنه لا يتصدق بالمعنى الذي يفهمه الناس، وهو التصدق على الغريب، فأكد له أن ما يفعله هذا هو صدقة، بل وصدقة مقدمة على غيرها، وأما الإشارة الثانية ففي آخر الحديث حيث قال له عندما ذكر له دينارًا متبقيًا عنده بعد الإنفاق على البيت، قال: "أنت أبصر!"، فهو هنا لا يلزمه بإنفاق هذا الدينار الزائد على الفقراء، بل يحيله إلى رؤية الرجل، فقد يجد له مصرفًا مهمًا في بيته، وقد يُوسِّع به على نفسه وأسرته، أو قد ينفقه خارج البيت في سبيل الله..  إن الرجل فقير، وليس عليه زكاة، فليفعل في القليل الذي معه ما يشاء!

أي توازن ورحمة وحكمة!!

وأكثر من ذلك.. فرسول الله يعلم أن الإنسان جُبِلَ على حُبِّ رَحِمِه وأقاربه، فلم يجعل الإنفاق فقط على العائلة القريبة المكونة من الزوجة والآباء والأولاد، إنما وسَّع الأمر، وجعله في الرحم بكامله، بل إنه مجَّد الصدقة التي تُنفَقُ على الرَّحِم مع أن الإنسان يفعلها وهو راضٍ مختار..

لقد جاءته زينب  امرأة عبد الله بن مسعود {  تسأله سؤالاً عجيبًا عن الصدقة قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ" .

إن عبد الله بن مسعود > فقير، وزوجته غنية، وفي عُرْفِ الناس أنها من الممكن أن تساعد زوجها بالمال، لا على سبيل الصدقة ولكن على سبيل التعاون في الحياة، ولكن رسول الله يلفت الأنظار هنا إلى أن هذا العطاء صدقة منها عليه؛ لأن النفقة على الرجل فقط، فإذا أعطته المرأة من مالها، صار هذه صدقة منها عليه، ولذلك أخذ الفقهاء من هذا الموقف أن المرأة يجوز لها أن تخرج زكاة مالها - وليس الصدقة فقط - إلى زوجها إن كان فقيرًا مستحق الصدقة !!

وهذا - والله - أبلغ رحمة، وأعظم اليسر..

إن الإسلام ليس دينًا يهدف إلى مصادرة أموال الناس، أو أكل ثرواتهم، أو تحجيم قدراتهم المالية..  إن الإسلام دين التوازن والشمول، ودين الرحمة واليسر، وهو يهدف إلى عيش رغيد في الدنيا والآخرة معًا، ولعل دعاء رسول الله الذي جمع فيه بين خير الدين والدنيا والآخرة يوضح رؤية الإسلام للحياة..

قال : "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ" .

وصدق رب العزة في وصفه لنبي الرحمة حين قال:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 المبحث الرابع: رحمته صلى الله عليه وسلم في أمور الحج والعمرة

اعتبرت اليهودية القديمة أن الحج إلى هيكل النبي سليمان في القدس لمرة واحدة على الأقل في العام فرضًا واجبًا على كل بالغ، مع وجوب تقديمه للقرابين وإشعال النيران وقراءة أجزاء من الكتاب المقدس .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لا شك أن مَن حَجَّ أو اعتمر شعر بشيء من المشقة يتفاوت من إنسان إلى إنسان، ومن ظروف إلى أخرى، ولكنه على كل حال مشقة، بل جعل رسول الله الحج كالجهاد بالنسبة للمرأة، للجهد العظيم الذي يُبذَل فيه..

 قالت عائشة <:يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ" .

ولأجل هذه المشقة فقد عظَّم الله عز وجل أجر الحج والعمرة، ووعد عليه أعظم الثواب..

قال رسول الله : "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ" .

ومع ذلك فكما ذكرنا في العبادات السابقة ليس الغرض من هذه الفروض تعذيبًا للمسلم، أو إحراجًا له، إنما هو اختبار، والله عز وجل ييسره حتى يتحمله غالب المسلمين إلا من عُذِرَ بأعذار خاصة، وهؤلاء يسقط عنهم فرض الحج، لأن الله عز وجل جعله للمستطيع فقط..

قال تعالى: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ".

ولأجل التيسير أيضًا فإن الله عز وجل فرض الحج مرة واحدة في العمر كله، وهذا تيسير عظيم، ورحمة كبيرة، وتقدير لظروف عموم الناس..

ومع هذا التيسير الكبير إلا أن رسول الله كان يتعامل مع الأمر برحمته المعهودة، وبرفقه العظيم، فزاد الأمرَ تيسيرًا ورفقاً..

لقد وقف يومًا يخطب في الناس فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" .

لا شك أن رسول الله كان قادرًا على الحج كل عام، بل من المؤكد أنه كان يشتاق لمثل هذه العبادة الجليلة، لكنه لا يريد أن يقيس الأمر على نفسه، بل يريد أن يقيس الأمر على عموم المسلمين، وذلك بمن فيهم من الضعفاء والكبار والنساء بل والمشغولين أو غير المشتاقين إلى هذه العبادة..

والرجل يسأل ويكرر: أفي كل عام يا رسول الله؟ والرسول لن يجيب بنعم إلا إذا أراد الله عز وجل، ولكنه يعلم أن الأمة - كما ذكرنا قبل ذلك - إذا شدَّدت على نفسها شدَّد الله عليها، ولذلك ذكَّرهم رسول الله بما حدث مع الأمم السابقة التي كانت تُكْثِر من الأسئلة دون احتياج، والرسول يريد أن يرحم هذه الأمة، وينقذها من أي هَلَكَة..

ثم إن رسول الله فعل أمرًا عظيمًا، وشيئًا جليلاً أَعُدُّه من رحمته الواسعة، وهو أنه حج مرة واحدة في حياته !

ولو راجعت السيرة النبوية لوجدت أن مكة قد فُتِحَت في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، وكانت أمامه فرصة الحج في السنة الثامنة ثم التاسعة، لكنه اكتفى بالحج في السنة العاشرة، ومهما قيل من أن السبب في عدم حجه هو وجود مظاهر شركية في العامين الثامن والتاسع من حج المشركين، وطواف بعضهم عرايا إلا أن هذا لا يكفي لتبرير اقتصاره على حجة واحدة في العام العاشر، فقد كان من الممكن - والقوة معه - أن يمنع هذه المظاهر الشركية، ويُتمَّ حجه مرتين أو ثلاثة، لكنه لم يفعل.

إن المبرر الواضح الذي يبدو لي هو أنه أراد أن يكون القدوة لأمته في الحج مرة واحدة في العُمْر..  نعم لا حرج من الحج أكثر من مرة، بل إن هناك نصوصًا تدل على فضل تتابع الحج والعمرة، إلا أنه أراد أن يرفع الحرج عن عموم المسلمين، وذلك رحمةً بهم..  فلو حَجَّ مرتين مثلاً لأراد المسلمين أن يقتدوا به في عدد مرات حجه، وبالتالي يصبح هذا مشقة عليهم، وهو ما ترفضه رحمته ..  ومن ثَمَّ اختار أن يحج مرة واحدة مع شوقه إليه!!

وفي حجته الوحيدة ظهرت آيات رحمته تَتْرَى!! فمن دلائل رحمته بالحجاج في هذه الحجة أنه كان يعلم أن مناسك الحج غير مشهورة بين الناس كمناسك الصلاة والصيام، وذلك لأن الحج لا يتكرر إلا قليلاً، وقد لا يتكرر أبدًا في حياة الإنسان، ولذلك كان يقبل بتغييرات في ترتيب المناسك، ولا يلوم أبدًا فاعليها..

من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص { من أن رسول الله وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ فَيَقُولُ الْقَائِلُ: مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْيِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "فَارْمِ وَلَا حَرَجَ" قَالَ: وَطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الْحَلْقِ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ فَيَقُولُ: "انْحَرْ وَلَا حَرَجَ" قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ وَيَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهَا إِلَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "افْعَلُوا ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ" .

ومن دلائل رحمته أيضًا بالحجاج أنه نام في المزدلفة من بعد وصوله وصلاته للمغرب والعشاء جمعًا، وذلك إلى صلاة الفجر ، ولم يَرِدْ عنه أنه صلى هذه الليلة قيامًا ولا صلى وترًا، وهذا من رحمته بالمسلمين، فهو يعلم مدى المشقة التي كانت في يوم عرفة والدفع من عرفة إلى المزدلفة، فأراد أن تكون سُنَّته التي يقلده فيها مَن في المزدلفة هي النوم الهاديء المريح غير المقطوع باستيقاظ أو صلاة!!

ومن دلائل رحمته أيضًا أنه أَذِنَ للضعفاء أن يتركوا المزدلفة ليلاً قبل الفجر لكي يدركوا الجمرات قبل الازدحام، تقول عائشة <: "نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتْ النَّبِيَّ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتْ امْرَأَةً بَطِيئَةً فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ فَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ" .

ومن رحمته أنه رمى الجمرات بحصى مثل حصى الخذف ، وهو حصى صغير في حجم حبة الباقلاَّ كما يقول الإمام النووي ، وهذا الحجم الصغير حتى لا يؤذي إنسانًا بطريق الخطأ..

إن تتبع رحمته في حجته يصعب، لأن ذلك يتطلب منا أن يتناول الحجة بكاملها، فقد كانت كلها رحمة، وهذا ليس مستغربًا مع كون الحج مشقة، لأن الله عز وجل ما كلَّف أمرًا إلا ووضع في الإنسان من الطاقة والقدرة ما يمكِّنه من فعله، فإذا كان المُطَبِّق والمُعَلِّم مثل رسول الله في رحمته ورأفته صار الأمر ميسورًا وسهلاً إن شاء الله، وصلَّ اللهُمَّ على الذي قُلْتَ في حقه: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 المبحث الخامس: رحمته صلى الله عليه وسلم في أمور الجهاد

أكد تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية تعرض 4% من المجندات في الجيش الأمريكي للاغتصاب على أيدي الزملاء الذكور والقادة، وهي نسبة تزيد عشر مرات عن معدل الاغتصاب في الحياة المدنية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تعرض 52% من هؤلاء المجندات للتحرش الأخلاقي والجنسي بدرجات متفاوتة !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

بدايةً قد يتعجب بعض من يرى عنوان هذا المبحث ومكانه!!

ووجه العجب أن يتصور الناس أن في الجهاد رحمة، ولعل تصورهم هذا صحيحًا إن كان الأمر متعلقًا بأي حضارة أو تشريع غير حضارة وتشريع الإسلام، ولعل رؤيتهم هذه تكون صادقة لو كانت مع أي زعيم أو قائد غير الرسول ؛ فرحمة الرسول في ميدان الجهاد بيِّنة ظاهرة، سواء بالمسلمين أو بغير المسلمين، أما رحمته بغير المسلمين فهذا سيكون له مكان آخر في البحث إن شاء الله، وأما رحمته بالمسلمين فهذا هو موضوع مبحثنا..

وقد يتعجب البعض من وضع مبحث الرحمة في الجهاد مع أوجه رحمته الخاصة بالعبادات، لأنهم يظنون أن العبادة هي الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحو ذلك من شعائر وحَسْب، ولا ينظرون إلى العبادة بمفهومها الشامل الواسع الذي يضم كل صغيرة وكبيرة في الحياة..

يقول تعالى: "قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ومن هذا المنطلق فالجهاد عبادة، وأي عبادة!! إنه من أرقى أنواع العبادات في الإسلام، ومِنْ أعلاها منزلةً ومكانةً..

وانظر إلى الحوار اللطيف الذي بين رسول الله ومعاذ بن جبل >، وفيه يوضح مكانة عبادات كثيرة في الإسلام ومنها الجهاد..

يقول معاذ بن جبل >: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ، الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ: ثُمَّ تَلَا

"تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ"

ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟" .

فالجهاد ليس فقط عبادة، ولكنه ذروة سنام الإسلام، والأحاديث في فضله يصعب حصرها..

ومع أهمية الجهاد، وأهمية احتياج الأمة إليه للزود عن أراضيها وحرماتها، ولرد الظلم ودفعه، إلا أن الرسول كان يتعامل من المجاهدين والأمة بصفة عامة بشيء عظيم من الرحمة، فيقدِّر ظروفهم ويخفف عنهم ويرحمهم ويرفق بهم، مع أن الموقف قد يكون حَرِجًا لدرجة لا تسمح - في عُرْفِ كثير من الناس - برفق أو رحمة!!

ومن أجمل ما نجده في حياته متعلِّقًا بهذه الجزئية هو عدم خروجه بنفسه في كل المعارك الإسلامية، فكان يخرج في بعضها، وهو ما عُرِفَ في السيرة بالغزوات، وكان لا يخرج في بعضها الآخر، وهو ما عُرِفَ في السيرة بالسرايا..  فلماذا لم يخرج في كل المعارك مع اشتياقه للتضحية والبذل في سبيل الله؟!

يجيب عن ذلك رسول الله بنفسه فيقول: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ" .

فانظر إلى رحمته بالمسلمين المطالبين بالجهاد، فإنه يرفع عنهم الحرج بالخروج في كل مرة، لأنهم سيضطرون للخروج اتباعًا له، فيقرر عدم الخروج - مع رغبته فيه - لأجل رحمتهم والرفق بهم!

ثم إنه يرفض أن يخرج معه ضعيف إلى القتال رحمة به، مع أن المسلمين كثيرًا ما كانوا قِلَّة، ويحتاجون إلى كل عون، لكنه كان رحيمًا بضعفاء أمته، ولا يقبل أن يَشُقَّ عليهم حتى لو رغبوا هم في ذلك، اللهم إلا إن أصرُّوا، ورأى منهم رسول الله بعض القدرة على القتال..

وقد مَرَّ بنا في مبحث الحج كيف أنه أجاب بالرفض على سؤال أم المؤمنين عائشة < الخاص بالجهاد، وهذه رحمة بالنساء، ومَرَّ بنا كذلك كيف أنه لم يقبل الأطفال الصغار في الحرب رحمة بهم، وكذلك مَرَّ بنا إرجاعه لبعض الشباب لكونهم يقومون برعاية آبائهم الكبار، وهكذا..

أما موقفه مع عمرو بن الجموح > وأولاده فمِمَّا يدل على سعة رحمته، ليس من رؤية واحدة، ولكن من عدة رؤى مختلفة..

لما ندب رسول الله الناس إلى بدر، أراد عمرو بن الجموح > الخروج معهم، فمنعوه بنوه بأمر رسول الله لشدة عرجه، فلما كان يوم أُحُدٍ، قال لبنيه: منعتموني الخروج إلى بدر، فلا تمنعوني الخروج إلى أُحُد؛ فقالوا: إن الله قد عذرك. فأتى رسول الله ؛ فقال: يا رسول الله إن بَنِيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة! فقال رسول الله : "أما أنت فقد عذرك الله، ولا جهاد عليك"، وقال لبنيه: "لا عليكم أن لا تمنعوه لَعَلَّ الله أن يرزقه الشهادة". فأخذ سلاحه وولَّى، وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائبًا. فلما قتل يوم أُحُد جاءت زوجه هند بنت عمرو عمة جابر بن عبد الله؛ فحملته، وحملت أخاها عبد الله بن عمرو بن حرام فدُفِنَا في قبر واحد؛ فقال رسول الله : "والذي نفسي بيده لقد رأيته يطأ الجنة بعرجته" .

إن الرحمة هنا مُرَكَّبة ومتعددة!!

إنه في البداية رحيم به فلا يريد المشقة له لعرجه، فيعفيه من أمر الجهاد ويرحمه بالمنع، وهو في ذات الوقت رحيم بعائلته أن تُفجَعَ فيه بموته، وخاصة أن أربعة من أبنائه قد خرجوا للجهاد فليبقَ هو لرعاية مصالح بيتهم، ثم عندما وجد اشتياقه للجهاد رحم شوقه هذا ورغبته، وقدَّر موقفه، وأحس بمشاعره، فقبل منه، بل وتوسَّط عند أبنائه، وهوَّن عليهم، ولما استُشهِدَ عمرو بن الجموح > بشرَّهم بمصيره لئلا يجزع أبناؤه، ولكيلا يندموا على خروجه..

إنها رحمات متتالية متتابعة مع أن الأمر مختص بجهاد وقتال..

وكان يخاف على جنوده من شدة الإرهاق والتعب، وذلك رحمة بهم، ومن ذلك ما فعله في غزوة فتح مكة، وكانت في رمضان، وصام رسول الله والمؤمنون, ثم بلغه أن الناس أُرْهِقُوا من الصيام، وكان ذلك بعد العصر، فماذا فعل رسول الله ؟!

يروي جابر بن عبد الله { فيقول: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ؛ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ " .

يا لها من رحمة بالغة!!

إنه لم يشأ أن يسمح بالإفطار للناس بينما يتم هو صومه، لئلا يقع الناس في حرج، فبدأ هو بنقض صيامه والإفطار على ماء، ليكون قدوة لهم في ذلك، وأفطر معه معظم المسلمين، ولكن بقيت طائفة تريد أن تتم صومها، فلما بلغه ذلك، قال: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ!!" لقد قال في حقهم هذه الكلمات لأنهم لا يرحمون أنفسهم، ولا يرحمون من سيقلدهم في ذلك الأمر، أو على الأقل يتحرج من إفطاره في وجود الصائمين..  إن رحمته شملت الجيش بكامله حتى أراد لهم الراحة فلا يجمع عليهم جهد الجهاد وجهد الصيام، فإذا علمت أن كل ذلك كان بعد صلاة العصر، أدركت مدى رحمته الذي لم يشأ أن يصبر هذه المدة القليلة المتبقية على المغرب، رأفة بجيشه، ورفقًا بأمته..

وكان يهتم بجراح جنوده وجيشه، ويحرص على مداواتها بيده إن استطاع، وقد رُمِيَ سعد بن معاذ > في أكحله  فحسمه  النبي بيده بمشقص ، ثم ورمت فحسمه الثانية" .

وعندما تفاقم الجرح، ولم يستطع رسول الله أن يفعل شيئًا، أوكل أمر علاجه إلى رُفَيْدَة <، وكانت مشهورة بإتقانها للطب والعلاج، وضرب له خيمة في المسجد، وكان يعوده فيها بنفسه .

وكان يحزن على أصحابه المجاهدين إن أصابهم ألَمٌ أو قتل، وكان من رحمته أنه يبكي عليهم، مع أنهم شهداء، ومع أنه رأس الدولة، وسيتأثر الناس ببكائه، ولكنها كانت رحمة في قلبه ..

يروي أنس بن مالك > أن النبي نعى زيدًاوجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم؛ فقال: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ لَتَذْرِفَانِ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ" .

وكان يحرص على راحة جنوده النفسية، وذلك باطمئنانهم على عائلاتهم أثناء خروج الجنود للقتال..

فكان يربي وينصح ويُعلِّم أمته أن ترعى أسر المجاهدين..

يقول رسول الله : "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا" .

بل كان يتفقد بنفسه شئون أقارب الشهداء والمجاهدين، ليشعر المجاهد أنه إذا مات فهناك من يهتم بعائلته ويرعاها، ومن ذلك ما رواه أنس > من أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا   مَعِي" .

وقد كان رسول الله يدخل على أُمِّ سُلَيْم لأنها كانت خالته إما من الرَّضاع أو من النسب على خلاف بين العلماء، فتحل له الخلوة بها ..

وهكذا رحمته تشمل المجاهد وأسرته مما يُخفِّف كثيرًا من أعباء الجهاد..

وأختم هذا المبحث بأمر عجيب، ورحمة نادرة من رحماته ، وهي رحمته بالفارِّين من أرض القتال!!!

فالفرار من الزحف كبيرة من الكبائر كما يعلم الجميع، وذكره رسول الله تصريحًا عندما قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ...."  وذكر منها "وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ" .

ومع ذلك فإن رسول الله كان يُفرِّق بين مَن كان عادته الفرار، ومَن حدث معه هذا الأمر كشيء عارض في حياته لا يُحتَمَلُ له تكرار، فهذا النوع الأخير كان يرحمه ويرفق به، ولا يشير إلى سلبياته..  وقد حدث فرار عدد لا بأس به من المسلمين بعد موقعة أُحد، ولم تنقل كتب السنة أو السيرة أي لوم أو عتاب من رسول الله لأولئك الفارين، بل إنه حَفَّزَهم ونشَّطهم للخروج في اليوم التالي لأُحُد لمطاردة المشركين، ولم يقبل أن يأخذ معه غير أهل أُحُد في إشارة واضحة إلى أنه يثق فيهم، ويعتمد عليهم، ويعلم أن ما حدث بالأمس في أُحُد كان هفوةً عابرةً، وخطأً لن يتكرَّرَ، ومن ثَمَّ فقد أَذَّنَ مؤذِّنُ رسول الله بطلب العدو، وأن لا يخرج معنا إلا مَنْ حضر بالأمس .

كذلك في أعقاب غزوة مؤتة، انسحب الجيش الإسلامي بقيادة خالد بن الوليد > لأن القوتين كانتا غير متساويتين مطلقًا، فجيش الرومان أكثر من ستين ضعفًا للجيش المسلم، ويروي عبد الله بن عمر { ظروف هذا الانسحاب، ورد فعل أهل المدينة له، وكذلك رد فعل الرسول فيقول: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي سَرِيَّةٍ فَحَاصَ  النَّاسُ حَيْصَةً وَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ فَقُلْنَا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنْ الزَّحْفِ وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَبِتْنَا ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ وَإِلَّا ذَهَبْنَا فَأَتَيْنَاهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَخَرَجَ فَقَالَ: مَنْ الْقَوْمُ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ قَالَ: لَا بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ ، وأنا فئتكم" .

          لقد قدَّر رسول الله ظرفهم، وعذرهم، ورحمهم، بل إنه لم يكتفِ بذلك، بل مدحهم وأثنى عليهم!!

          فهل رأى التاريخ مثل ذلك من الرحمة؟! وهل رفع قائد من عزيمة جنده - حتى في حال الفرار - مثلما فعل رسول الله   ؟!

          إنه قد ثبت لنا ما قاله ربنا: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 الفصل الرابع: رحمته صلى الله عليه وسلم بعموم الأمة

إن رحمة الرسول لم تكن قاصرة على من عاصره من المسلمين، بل كان مشغولاً دائمًا بأمته جميعًا، وذلك في عمق الزمان والمكان، بل وإلى يوم القيامة، ولقد تعرضنا في الفصول السابقة إلى مواقف من رحمته مع الصحابة }، ولا شك أن رحمته بأصحابه قد عادت على الأمة جميعًا بالخير، لأن أفعاله وأقواله معهم لم تكن خاصة بهم، ولكنها كانت تشريعًا ثابتًا سيظل معمولاً به إلى يوم القيامة، وفي هذا الفصل - إن شاء الله - سنتعرض لطرفٍ من رحمته بالمسلمين الذين سيأتون بعد زمانه ، فهو لم يكن كزعماء الدنيا الذين ينظرون إلى أحوال أمتهم في زمانهم فقط أما ما يأتي بعد ذلك فلا يهتمون به ولا يخططون له..  إنه كان دائم الشغل بأمته في كل الأزمان، ودائم الفكر لهم، وهو ما ظهر في كلمات كثيرة، وفي مواقف عديدة سنتناول بعضها - بإذن الله - في مبحثين هما:

المبحث الأول:  رحمته بالأمة إجمالاً.

المبحث الثاني:  رحمته بالرعية.

 المبحث الأول: رحمته صلى الله عليه وسلم بالأمة إجمالاً

أصدر القديس كولبمان عقوبات صارمة على أتباعه منها:

ستة سياط إذا سعل وهو يبدأ ترنيمة، أو إذا تبسم أثناء الصلاة، واثنا عشر سوطاً عقاب الراهب إذا نسي أن يدعو الله قبل الطعام، وخمسون عقاب المتأخر عن الصلاة، ومائة لمن يشترك في نزاع، ومائتان لمن يتحدث من غير احتشام مع امرأة .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لقد بلغت رحمة الرسول بأمته حدًّا لا يتخيله عقل، حتى إن الأمر وصل إلى خوفه عليهم من كثرة العبادة!! ولقد مرَّ بنا طرف من ذلك عندما كنا نتحدث عن رحمته في أمور العبادة، ومع أن التقرب إلى الله والتبتل إليه أمر محمود مرغوب، بل هو مأمور به، لكنه كان يخشى على أمته من المبالغة في الأمر فيفتقدون التوازن في حياتهم، أو يصل بهم الأمر إلى المَلل والكسل، أو يصل بهم الحد إلى الإرهاق الزائد عن طاقة الإنسان، لذلك رأيناه كثيراً ما يُعرِضُ عن عملٍ من الأعمال، مُقرَّبٍ إلى قلبه، محببٍ إلى نفسه، لا لشيء إلا لخوفه أن يُفرَض على أمته فيعنتهم ويشق عليهم..

تقول أم المؤمنين عائشة <: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ" ، وفي رواية: "وَكَانَ رَسُولُ الله يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْفَرَائِضِ " ؛ ولذلك كان

كثيرًا ما يقول كلمة: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"، دلالة على أنه يحب الأمر، ولكنه يخشى الفتنة على الأمة، ومَرَّ بنا كيف كان لا يخرج في كل المعارك لكي لا يتحرَّج الناس في الخروج في كل مرة، وكيف كان لا يؤخر صلاة العشاء إلى منتصف الليل، وكيف رفض الخروج إلى قيام الليل جماعة في رمضان خشيةَ أن يُفرَضَ على المسلمين، وكيف تأخر في الردِّ على من سأل عن تكرار الحج في كل عام خشية فرضه بهذه الصورة على المسلمين، وهكذا.....

ومن ذلك أيضًا قوله :"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ" ، ومن ذلك أيضًا قوله : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ"  .

فمنهجه  الواضح والمستمر هو التخفيف عن الأمة والإشفاق عليها..

ومن رحمته أيضًا بعموم الأمة أنه كان يحنو ويرفق بفقراء الأمة الذين سيأتون بعد ذلك، وإلى يوم القيامة..  لقد اهتمَّ في حياته بالفقراء الذين يعيشون حوله هنا وهناك، لكنه لم ينسَ فقراء الأمة على مَرِّ الأجيال فأوصى بهم، وحذَّر الأمة من إهمالهم..  والأحاديث في حَثِّ الأغنياء على الإنفاق على الفقراء لا حصر لها، فمنها قوله :"مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا" .

ومنها قوله لأسماء < ينصحها، وينصح المسلمين بالإنفاق على الفقراء بغير حساب: "أَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ" .

كما أن رسول الله كان يرحم معنويات الفقراء، ولا يريد أن يُشعِرَهُم بنقصهم عن غيرهم، ومن أروع دلائل رحمته في هذا المجال ما رواه أبو رافع > مولى رسول الله من أن رسول الله كان إذا ضَحَّى اشترى كبشين سمينين قرنين أملحين، فإذا صَلَّى وخطب الناس أُتِيَ بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا عَنْ أُمَّتِي جَمِيعًا مِمَّنْ شَهِدَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالْآخَرِ فَيَذْبَحُهُ بِنَفْسِهِ وَيَقُولُ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ فَيُطْعِمُهُمَا جَمِيعًا الْمَسَاكِينَ وَيَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْهُمَا" .

 إلى هذه الدرجة الراقية من الرحمة وَصَلَ رسول الله ..  إنها رحمته بالأحاسيس والمشاعر، وليس فقط بالمادة والجسد..

ثم إنه كان يرحم المحتاج أيًا كانت صورة احتياجه، ويحثُّ المؤمنين على عون المحتاجين، وما أروع ما قاله ، وهو يوسِّع مفهوم الصدقة عند المسلمين حتى تشمل أعمالاً كثيرة ليس فيها درهم ولا دينار، إنما قصد بذلك أن تشيع الرحمة بين الناس، ولا يبقى في وسطهم معوز ولا محتاج..

يقول رسول الله : "تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ" .

ألا ما أرحم هذا التوجيه وما أروعه!!

والروايات في هذا المضمار كثيرة جدًا، وتضيف من المعاني ما يعجز عن وصفه اللسان..

ففي رواية يُضيف: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ" .

وفي رواية أخرى: "تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ" .

ويضيف كذلك: "وَبُضْعَتُهُ أَهْلَهُ صَدَقَةٌ" .

بل يوسع الدائرة أكثر وأكثر ليشمل البشرَ والحيوانَ والطيرَ!! يقول : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَا أَكَلَتْ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ" .

ألا فلنتخيل العالم وقد طُبقِّ فيه هذا المنهج، وانتشرت فيه هذه الرحمة، ألن يكون ذلك سببًا في سعادة بحث عنها الكثيرون فلم يجدوها!!

وكان رسول الله يخشى على أمته من موجبات الهَلَكَة، ومن أسباب الضياع والسقوط، فكان دائم التحذير للأمة من أمور شتى..

كان رسول الله يحذر الأمة من الذنوب، ويوضح خطرها على كيانها وقوتها مهما كانت الذنوب بسيطة في عين المسلم..

يقول : "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ" .

وكان يحذر من الرِّبا فيقول: "لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا"

وكان يخاف على الأمة من الرياء؛ فيقول: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟"

وكان يخاف على الأمة ويحذرها من الأئمة المضلِّين..

قال رسول الله : "أَنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الْأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ" .

وكان يحذَّر أمته كثيرًا من الفُرقَةِ والتشاحن والتصارع، وتشعر في كلماته بحزن دفين، وبألم عميق، وبخوف حقيقي على الأمة، وكأنه يستقرئُ واقعًا هو حادث لا محالة..

يقول رسول الله منبهًا محذرًا: "فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" .

وكان ينبِّه بحب ورحمة: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" .

إنَّ هذا كان ديدنه ، والذي يعكس عاطفة قوية نحو أمته، وشعورًا بالمسؤولية حتى بعد الموت، ورغبة حقيقية في تبصير الأمة بما قد يحدث لها مستقبلاً..  إنها الوصايا التي تنبع من قلب رحيم، أرحم بالمسلمين من آبائهم وأمهاتهم، بل أرحم بهم من أنفسهم..  لذلك وصف رسول الله للمسلمين مستقبلهم وما فيه من فتن، ليستطيعوا التغلب على الصعاب، والخروج من الفتن سالمين.. وأحيانًا يكون الوصف محددًا جدًا حتى يصف أدق الأشياء..

يقول رسول الله : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ" .

ويقول أيضًا : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ" .

وأمثلة هذا الأحاديث التي تصف مستقبل الأمة كثيرة، فَصَّلت أحوالاً كثيرة ستمرُّ بها الأمة، وكيف يكون المخرج والنجاة، وليتحقق بذلك قول رسول الله : " قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ" .

لقد كان رسول الله يخاف على أمته التي ستأتي بعده، ويرحمها، ويتمنى لها السلامة والأمن، حتى تمنى أن يراهم رأي العين من شدة شوقه إليهم!

قال رسول الله : "وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا قَالُوا أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا" .

وما أجمل أن نختم هذا المبحث بموقف يعكس مدى انشغال رسول الله بأمته ورحمته بها، ومدى تقدير رب العالمين سبحانه وتعالى لهذه الرحمة..

يروي عبد الله بن عمرو بن العاص { أن النبي تلا قول الله عز وجل في إبراهيم : "رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي"، وَقَالَ عِيسَى : "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي" وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟" فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ: "يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ" .

هل بعد ذلك من رحمة؟!

ولقد صدقتَ ربَّنا إذ وصفتَ حبيبنا بقولك: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 المبحث الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بالرعية

تعد الثورة الفرنسية من أهم المحطات في التاريخ الفرنسي بقضائها على الملكية الفاسدة وفتحها الطريق أمام نهضة فرنسا، ولكن اللافت للنظر النهج العنيف والدموي الذي اختارته هذه الثورة ليس فقط في تصفية رموز الفساد والاستبداد، بل أن المقصلة تحولت إلى لغة الحوار مع المخالفين لوجهة نظر الثورة وتوجهاتها، ويكفي أن نعرف أن مدينة باريس بمفردها فقدت 2.600 من أبنائها على يد الثوار الحاكمين الجدد !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لقد كان رسول الله يعلم أن الرعية الذين يأتمرون بأمر أحدهم في وضع ضعف معين يتطلب رحمةً ورفقًا من الراعي لهم والمتولي لشئونهم، أيًّا كان مستوى هذه الولاية، وما أروع الحديث الجامع الذي فصل فيه مسؤولية كل إنسان تجاه من يعول، فقال : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" .

فالناس كلها راعية من جهة، ومرعية من جهة أخرى، وهو بذلك - - يوصي الأمة كلها ببعضها البعض.

لكن لا شك أن أخطر الولايات وأهمها هي الولاية العامة التي يرعى فيها رجل أحوال أمة كاملة..  إن صواب هذا الرجل أو خطأه سيعود بالنفع أو الضرر على شعوب كثيرة، وقد يستمرُّ النفع أو الضرر في أجيالٍ متعاقبة..

إن الأمر – حقيقةً - جد خطير!! لذلك نجد رسول الله مهتمًا جدًا بهذه القضية، ويخشى على أمته من أن يتسلط عليها من يظلمها أو يفرط في حقوقها..  ومن هنا جاءت أحاديث كثيرة، ومواقف عديدة كلها لتنبيه الحكام إلى دورهم الخطير في رحمة الأمة وسعادتها..

ومن هذه الأحاديث ما جاء ليرغب الحكام في ثواب الله عز وجل إن كانوا عادلين، أو يرهبهم من عذابه إن ظلموا شعوبهم..

يقول رسول الله :  "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ.... وذكر في أولهم: إِمَامٌ عَادِلٌ" 

ويقول: "اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ" .

ثم يصدر عدة تحذيرات رهيبة لأي والٍ لا يرحم رعيته..

يقول رسول الله : "مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" .

ويقول: "مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ" .

ويقول رسول الله :  "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ" 

ويحذر بشدة أن يتحجب الوالي عن رعيته فيقول: "مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ – الحاجة الشديدة - وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ" .

كل هذا من رحمته بالرعية..

ثم هو يخاف أن يستأثر والٍ أو حاكم بشيء لنفسه من أموال الناس، أو يرغم الناس أو يغريهم بدفع رشوة له، فيُعلِّم المسلمين في موقف عظيم كيف يجب أن يكون حال الحاكم المسلم..

يروي أبو حميد الساعدي > أن رسول الله اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْلتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَة،ِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَالَ: "فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ" ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، ثَلَاثًا" .

وهكذا تتعدد الأحاديث والمواقف التي تدفع كلها في النهاية إلى تعظيم مسئولية الحاكم وترهيبه من ظلم الرعية أو غشهم، وترغيبه في الثواب العظيم إن هو عدل ورفق بالناس..

وكان يرفض أن يعطي الإمارة أيضًا لمن تشوَّف إليها، خوفًا على الرعية من أن يتسلط عليهم هذا المحب للإمارة المتمسك بها...

يروي أبو موسى الأشعري >: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ: "إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ"  .

وكان يجتهد في وضع الضوابط التي تضمن استمرارية عملية العدل والرحمة بالرعية، فيَحُضَّ الوالي على استصحاب بطانة الخير التي توضح له الرؤية بصدق، وتأمره بالحق والعدل..

يقول رسول الله : "مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ" .

وفوق ذلك يأمر الرعية أن يكون لها دور في إصلاح الحاكم ورَدِّه عن ظلمه إذا ظلم؛ حتى تظل سمة الرحمة هي الغالبة على الحكم، وهي الظاهرة في حياة الناس..

يقول أبو بكر الصديق >: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ "، وإني سمعت رسول الله يقول: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ" .

وكان يقول: "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" .

وهكذا أوصى النبي الحاكم برحمة رعيته، وأوصى الرعية بالأخذ على يد الحاكم إن ظلم وخالف قواعد العدل والرحمة، وبذلك حافظ ، على منظومة الرحمة متكاملة شاملة مستمرة إلى يوم القيامة...

وجدير بالذكر أن هذه الوصية بالرحمة والعدل والرفق شملت الرعية من غير المسلمين، وفي

هذا مواقف كثيرة وأحاديث متعددة سنتناولها بإذن الله في الباب القادم، وصدق الله العظيم القائل في حق رسوله : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 الفصل الخامس: رحمته صلى الله عليه وسلم بالمسلمين حال الموت وبعده

إن الموت حق على كل مخلوق!!

يقول تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ".

ويقول: "كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ "

والموت كما سماه ربنا مصيبة، تصيب الميت وأهله..

يقول تعالى: "فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ "

ولأن الموت مصيبة فإن رسول الله كان أشدَّ الناس رحمة بهذا الميت وبأهله، ولقد مَرَّ بنا في هذا البحث كيف كان رسول الله رحيمًا بأقارب الميت، وسنتعرض هنا لرحمته بالميت نفسه، وسنتناول هذا المعنى من خلال المباحث الآتية:

المبحث الأول: رحمته بالمسلمين عند الموت

المبحث الثاني: رحمته بالمسلمين في قبورهم

المبحث الثالث: رحمته بالمسلمين يوم القيامة

 المبحث الأول: رحمته صلى الله عليه وسلم بالمسلمين عند الموت

يقدر عدد من مات خلال القرن العشرين نتيجة النزاع المسلح بأكثر من 100 مليون إنسان، وعدد من مات نتيجة لأحداث عنف سياسي 170 مليون إنسان !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لأن موقف الموت شديد، ولأن مصيبته كبيرة، ولأنه لا عودة منه إلى الحياة الدنيا مرة أخرى أبدًا، فإن رحمة رسول الله بالميت كانت رحمة كبيرة جدًا، وأهم ما في هذه الرحمة أنها كانت عملية، بمعنى أنها لم تقتصر على التأثر والبكاء، وإنما كانت رحمة دافعة لكل خير، جالبة لكل نفع، وأعظم هذا النفع هو التركيز المستمر على تذكير المسلمين أنهم على الموت قادمون، وإليه سائرون، وأنه لا مهرب منه ولا فكاك، فيعمل المسلم لهذا اليوم الذي لن يعود فيه إلى الحياة..

يقول رسول الله : "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ ‏‏اللَّذَّاتِ"  يقول أبو هريرة >: يَعْنِي الْمَوْتَ.

ويقول أيضًا: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" .

ويؤكد كثيرًا على أهمية الاهتمام بالعمل الصالح فيقول: "يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ" .

إن التأكيد على أهمية الاستعداد للموت والزهد في الدنيا ليعد من أكثر الموضوعات التي اهتم بها رسول الله ، وذلك رحمة منه بهذا الذي لن يجد فرصة أخرى للتعويض، وخاصة أنه قد نبه أن التوبة من الذنوب لا تصلح عند حدوث الموت، ولابد من فعلها قبل الموت..

قال : "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" .

ثم بعد حياة طالت أو قصرت سيأتي الموت لا محالة!، وعندها لابد من حدوثه في موعده!

قال تعالى: "وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ".

ولذلك كان رسول الله يحرص جدًا على أن يكون إلى جوار الميت لحظة موته - خاصة إن كان مُكلَّفًا - ليساعده قدر ما يستطيع على أن يُحسِن خاتمته، وهذا من فرط رحمته ..

          يقول أبو سعيد الخدري >: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ كُنَّا نُؤْذِنُهُ لِمَنْ حُضِرَ مِنْ مَوْتَانَا، فَيَأْتِيهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَيَحْضُرُهُ، وَيَسْتَغْفِرُ لَه،ُ وَيَنْتَظِرُ مَوْتَهُ، قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ رُبَّمَا حَبَسَهُ الْحَبْسَ الطَّوِيلَ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، قَالَ:فَقُلْنَا: أَرْفَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ أَنْ لَا نُؤْذِنَهُ بِالْمَيِّتِ حَتَّى يَمُوتَ، قَالَ: فَكُنَّا إِذَا مَاتَ مِنَّا الْمَيِّتُ آذَنَّاهُ بِهِ فَجَاءَ فِي أَهْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْهَدَهُ انْتَظَرَ شُهُودَهُ وَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ انْصَرَفَ، قَالَ: فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ طَبَقَةً أُخْرَى، قَالَ: فَقُلْنَا: أَرْفَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ أَنْ نَحْمِلَ مَوْتَانَا إِلَى بَيْتِهِ، وَلَا نُشْخِصَهُ وَلَا نُعَنِّيَهُ، قَالَ: فَفَعَلْنَا ذَلِكَ فَكَانَ الْأَمْرُ" .

          وكان من أهم أدواره عند زيارة مَنْ يتوقع أن يموت قريبًا أن يُلَقِّنه الشهادة، وكان يوصي بذلك ويقول: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" .

فهو حريص على المسلم حتى عند موته..  بل إنه كان يفعل ذلك مع غير المسلمين رحمة بهم، وأملاً في نجاتهم في الآخرة، وليس موقفه مع عمه أبي طالب بخافٍ على أَحَدٍ..  وقد روى المسيب بن حزن > أنه لما حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ؛ جاءه رسول الله فقال: "قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ" .

وفعل ذلك أيضًا من غلام يهودي كان يعمل خادمًا له، وسيأتي ذكر قصته - إن شاء الله - في موضع آخر من هذا البحث.

وكان من رحمته بالمقبِل على الموت يبشره بكل خير، ويُرَجِّيه في رحمة الله تعالى.. فقد روى أنس بن مالك > أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: "كَيْفَ تَجِدُكَ؟" قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ" .

وكان يدعو للميت بعد موته، وأمام أهله، وهي رحمة مزدوجة، يرحم بها الميت من ناحية، ويرحم بها أهله بطمأنتهم عليه من ناحية أخرى..

تروي أم سلمة < أن رسول الله دَخَلَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ" فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ" ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ" .

وكان من رحمته أن عيناه كانت تفيض بالدمع حزنًا لموت مسلم سواء كان من رَحِمِه أو أقاربه أو كان بعيدًا عنه، فهذه مواقف تتفطر لها الأفئدة الرحيمة، وكان هذا يثير أحيانًا عجب الصحابة، الذين يتخيلون أن قوة الرجل وشكيمته تمنعان من بكائه وانهمار دموعه، فكان يُفسِّرها  بأنها رحمة وضعها الله في قلوب العباد!

يقول أنس بن مالك >: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى أَبِي سَيْفٍ  الْقَيْنِ ، وَكَانَ ظِئْرًا  لِإِبْرَاهِيمَ  ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ تَذْرِفَانِ،

فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ >: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!! فَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ" ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ : "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" .

ويقول أسامة بن زيد {: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ ، يَدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : "ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ" فَأَعَادَتْ الرَّسُولَ أَنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ  كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ  فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟!! قَالَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" .

وكان يهتم كثيرًا أن يصلي الجنازة على من يموت من المسلمين، وأحيانًا يتكلف المشاق كي يحضر هذه الصلاة، وكان يأمر الصحابة بهذه الصلاة، ويحض عموم المسلمين عليها لما فيها من رحمة بالميت..

يقول رسول الله : "مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ" .

بل كان يجعل ذلك حقًا لكل مسلم، وهذا عجيب! فهو يجعل للميت حقًا على الأحياء، وهذا ليس في أي تشريع أو قانون من قوانين الأرض إلا الإسلام.. يقول رسول الله : "حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ، رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ" . فانظر إلى رحمته كيف يجعل اتباع الجنازة حقًا للميت على المسلمين، ولهذا فإن فقهاء المسلمين جعلوا صلاة الجنازة فرض كفاية على المسلمين .

ثم إن رسول الله لا يكتفي من المسلم بأن يذهب إلى صلاة الجنازة، فيصليها بصورة شكلية لا روح فيها ولا إخلاص، بل يقول في رحمة بالغة: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ" .

وكان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ" .     

ولما مات ذو البجادين  > دفنه رسول الله - وكان ذلك في غزوة تبوك -  ثم استقبل القبلة رافعًا يديه يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ عَنْهُ رَاضِيًا فَارْضَ عَنْهُ" .

وهذا الدعاء المخلص دفع عبد الله بن مسعود > أن يقول: فواللهِ لوَدِدْتُ أني مكانه، ولقد أسلمت قبله بخمس عشرة سنة ، وفي رواية أن أبا بكر الصديق قال: وددتُ أني - والله - صاحب القبر ، ويقول وائلة بن الأسقع > عنه: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ   عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ، فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ"، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: "مِنْ ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَمْدِ اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" .

بل كان من رحمته أنه يحرص على الصلاة على الميت حتى وإن دُفِنَ قبل أن يصلِّي عليه..

قال عبد الله بن العباس {: صلى النبي على رجل بعدما دُفِنَ بليلة، قام هو وأصحابه، وكان قد سأل عنه فقال: "من هذا؟" فقالوا: فُلَانٌ دُفِنَ الْبَارِحَةَ، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ" .

بل إن من رحمته أنه كان يصلي صلاة الغائب على من لم يستطع أن يصلى عليه حاضرًا، فقد روي أبو هريرة > أن رسول الله نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ .

ولم تكن هذه الرحمة بأصحابه المقربين فقط أو برَحِمِهِ ومعارفه أو بكبار القوم، وإنما كانت شاملة لكل من يعرف، حتى وإن صَغُرَ شأنه في أعين الناس..

يقول أبو هريرة >: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - أَوْ شَابًّا - فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَسَأَلَ عَنْهَا - أَوْ عَنْهُ - فَقَالُوا مَاتَ قَالَ: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي" قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا - أَوْ أَمْرَهُ – فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ" فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ" .

فانظر إلى رحمته حتى بمن استصغر عموم الصحابة أمرهم!

ويجدر بنا أن نختم هذا المبحث بذكر رحمة عجيبة له مع رجل آذى رسول الله والمؤمنين كثيرًا، بل إنه من المنافقين المعلومين بطريق الوحي، بل إنه رأس المنافقين جميعًا!!

إنه عبد الله بن أبي ابن سلول الذي لا تُحصَى جرائمُه، ولا تُعَدُّ مَعايبُه، والذي آذى رسول الله شخصيًا قبل ذلك في ماله وأهله وعِرْضِه وأصحابه..  لقد مَرَّت الأيام وحان أجل هذا المنافق، فماذا كان من شأن رسول الله معه؟!

يقول عبد الله بن عمر {: لمَّا توفي عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يُصَلِّيَ عليه؛ فقام رسول الله ليصلي؛ فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ؛ فقال: يا رسول الله تُصَلِّي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله : "إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً " وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ". قال: إنه منافق! قال: فصَلَّى عليه رسول الله ؛ فأنزل الله: "وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ  "  .

إن رحمة رسول الله هنا عجيبة، وتعبر بوضوح عن عدم تَكَلُّفِه مطلقًا في رحمته ، فهو لا يحمل في قلبه غلاً ولا حقدًا لأحد، حتى لهذا الرجل الذي اتهم أم المؤمنين عائشة < بالفاحشة -وحاشاها - وحرَّض المشركين على حرب المسلمين، وتعاون مع اليهود ضد المؤمنين، وحَثَّ الأنصار على إخراج الرسول وأصحابه من المدينة، وأكثر من ذلك فقد نزل الوحي مرارًا يكشف نفاق قلبه نفاقًا أكبر، فهو يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ومع كل ذلك فرحمة رسول الله تشمله بهذه السعة العجيبة، وهذا الرفق النادر..

إن كل من يشاهد هذه المواقف أو يسمع عنها لا يسعه إلا أن يُقِرَّ بما ذكره ربنا في حق رسوله حيث قال:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 المبحث الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بالمسلمين في قبورهم

قد يتخيل أحدٌ أن الرباط مع الصحابة كان رباطًا عاطفيًا نتيجة الصُّحبة والعشرة، ولذلك يظهر الاهتمام بهم عند لحظات الموت وعند الدفن، ثم لا يلبث هذا الرباط أن يزول بمرور الوقت، كما يحدث معنا كثيرًا عندما ننسى موتانا، وتسير عجلة الحياة!

قد يتخيل أحد أن هذا يحدث أيضًا مع رسول الله !

ولكن واقع الأمر أن رحمته كانت تشمل من مات، ومَرَّت الشهور والسنوات على موته، فلا يكسل عن زيارته، ولا يفتر عن الدعاء له، ولا يمل من تذكره والثناء عليه بالخير..

وكان يحب أن يكون هذا نهجًا عامًا بين كل المسلمين، فكان يأمر المسلمين بدوام زيارة القبور، والاهتمام بالدعاء للموتى مهما تقادم الزمان على موتهم...

قال : "زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ" .

وكان لا يكتفي بتوجيه المسلمين، بل كان يفعل ذلك بنفسه حتى يكون قدوة للمسلمين في ذلك..

تقول عائشة <: كان رسول الله كلما كان ليلتها من رسول الله يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ  " . فيتضح لنا من هذا الحديث أن رسول الله كان دائم الزيارة لهم، وتتكرر هذه الزيارة بصورة دورية كلما ذهب إلى عائشة <..

وخرج يومًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا" .

وفي رواية بعد ثماني سنين"

فحتى بعد مرور ثماني سنواتٍ كاملة مازال مشغولاً بأهل أُحُد، وبالصلاة عليهم والدعاء لهم..

وكان يحض المسلمين على كثرة الدعاء لموتاهم، ويَذكرُ أنَّ من الأمور التي تنفع الميت دعاءَ أهله له...

قال رسول الله : "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" .

وكان رسول الله يوصي المسلمين بقضاء ديون موتاهم رحمة بهم وحفظًا لحقوق الدائنين، فهي رحمة شاملة استوعبت الأحياء والأموات..

فكان يقول:  "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" .

يقول الشوكاني تعليقًا على هذا الحديث:  "فيه الحثُّ للورثة على قضاء دين الميت" .

بل أكثر من ذلك ما ذكرنا من قبلُ من أن رسول الله كان يقضي دين المدين مِن عنده ليرحمه في قبره..

قال رسول الله :  "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ" .

وكان يقف إلى جوار أبناء المدين الميت حتى يقضوا دَيْنَ أبيهم إن لم يكن له القدرة على سداد ديونهم بنفسه...

يقول جابر بن عبد الله { : تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : "اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا، الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ" فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ، ثُمَّ قَالَ: "كِلْ لِلْقَوْمِ" فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ الَّذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ" .

وكان رسول الله حريصًا على رحمة المتوفي ونجاته من العذاب، فلا يكتفي بالحضِّ على قضاء دَينه من الأموال، بل كذلك على قضاء دَينه من الحج إن مات قبل حجه!

ومن أروع مظاهر رحمته ما رأيناه في موقف عجيب له عندما مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟! فَقَالَ: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" .

إن رحمته في هذا الموقف لا تصل فقط إلا الطائعين والمتقين، وإنما تصل إلى عصاة ومذنبين، فالأول كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يستتر من بوله، وبالتالي لا تستقيم  صلاته، ومع ذلك فقلبه يتحرك لهما، ويضع جريدة رطبة على قبرهما راجيًا من الله عز وجل أن يخفف عنهما!

إنها الرحمة في أروع وأبهى صورها، وصدق رب العالمين إذا يقول:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 المبحث الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يوم القيامة

وتستمر الرحمة!!

إنها تستمر إلى ما بعد مرحلة القبور!

وماذا بعد مرحلة القبور؟!

إنه يوم القيامة، "يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " إن هذا اليوم العصيب هو أكثر الأوقات التي يحتاج فيها العبد إلى عون ورحمة..  ولم يكن هذا اليوم أبدًا بعيدًا عن ذهن رسول الله بل كان يقول: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، قَالَ وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى ، ولذلك كثيرًا ما كان يُذَكِّرُ الناس به؛ لأنه يعلم أنه حق لا ريب فيه، وأنه آتٍ لا محالة، فكان من رحمته بالمسلمين أنه كان حريصًا على أن يستعدُّوا لمثل هذا اليوم الصعب، فكان يُحوِّل حياتهم دائمًا إلى حياة إيجابية، تهدف إلى الإعداد لهذه اللحظات الخطيرة القادمة..

جاءه رجل فسأله عن الساعة قائلاً: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟" قَالَ: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ"أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" . فكانت هذه أعظم رحمة منه ، وهي رحمة التنبيه للإعداد لهذا اليوم، قبل أن يأتي يوم يموت فيه الإنسان فتضيع عليه فرصة العمل...

ثم إنه كان مشغولاً للغاية بأمته في ذلك اليوم، حتى إنه ادَّخرَ دعوته الخاصة جدًا إلى يوم القيامة ليشفع لأمته بها!!

يقول رسول الله : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا" .

وقد يعتقد البعض أن هذه الشفاعة، ستكون لأهل الطاعة والتقوى فقط، ولكن الأمر على خلاف ذلك! فشفاعته ستكون كذلك لأهل المعاصي! بل لأهل الكبائر من الذنوب!!

يقول رسول الله : "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي"  وليست هذه - بالطبع - دعوة لفعل الكبائر دون خشيةِ عقابٍ من الله عز وجل، فإن العبدَ قد يُعذَّبُ في النار وقتًا لا يعلمه إلا الله، ثم يخرج بشفاعة الرسول ، وهذا العذاب - ولو كان مؤقتًا - لا يجوز أبدًا أن يستهين به العبد، فإن غمسةً واحدةً في جهنم تُنسِي نعيم الدنيا بأكمله..

يقول رسول الله :  "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ" .

والأخطر من هذا أن لا يُوَفَّقَ العبدُ المصِرُّ على الكبائر إلى الموت على الإسلام، فيخرج بذلك من أمة الرسول تمامًا، وبهذا لا تناله الشفاعة...

فليس المقصود من الشفاعة لأهل الكبائر هو إطلاق المجال لهم لفعل المنكرات، إنما المقصود هو إبراز مدى رحمته ، وحرصه عليها، حتى بلغ الحرص أهل الكبائر أنفسهم..

ولعل من أروع مواقف الرحمة يوم القيامة هو موقف الشفاعة لعموم الخلائق كي يُحاسَبُوا، وقد صَوَّر لنا رسولُ الله حالَ الناس في ذلك الموقف أبلغ تفسير فقال: "يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ َ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا، فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنْ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ -  نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى" .

فهذه – والله- رحمة عظيمة!!

إنه يقوم بما أَبَى الأنبياء أن يقوموا به، ثم عند الطلب، لم يقل: نفسي نفسي، إنما قال: "يا رب أمتي" ويكررها ثلاثًا لإبراز مدى حرصه عليها!

إن القلم ليعجز حقيقةً عن تصوير مدى هذه الرحمة النبوية الفياضة! ثم يكون الحساب بشفاعة الرسول ، ويدخل قوم الجنة، ويدخل آخرون النار، وممن سيدخلون النار قوم من أمة رسول الله .. 

غلبت سيئاتهم حسناتهم، فأُدْخِلُوا النار عقابًا على ذنوبهم الكثيرة..  فهل ينساهم رسول الله ؟!

إنه الآن في الجنة يُنعَّم فيها، ومعه المؤمنون الأطهار، فهل شُغِل عن جزء عاصٍ من أمته أَبَى أن يستجيب للشرع في الحياة الدنيا، فعُوقِبَ بالنار يوم القيامة؟!

أبدًا والله..  إنه لا ينساهم!

يقول رسول الله : "لَيَخْرُجَنَّ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي مِنْ النَّارِ بِشَفَاعَتِي، يُسَمَّوْنَ: الْجَهَنَّمِيُّونَ" .

بل إن هناك تفصيلاً جميلاً في رواية الإمام أحمد قال فيه رسول الله : "إِنِّي لَأَوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَإِنِّي آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَآخُذُ بِحَلْقَتِهَا فَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: أَنَا مُحَمَّدٌ، فَيَفْتَحُونَ لِي، فَأَدْخُلُ، فَإِذَا الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَقْبِلِي فَأَسْجُدُ لَهُ، فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ، فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ الْإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأُقْبِلُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ فَأُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَقْبِلِي، فَأَسْجُدُ لَهُ فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ نِصْفَ حَبَّةٍ مِنْ شَعِيرٍ مِنْ الْإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُمْ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَلِكَ أُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، فَإِذَا الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَقْبِلِي، فَأَسْجُدُ لَهُ فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَتَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: اذْهَبْ إِلَى أُمَّتِكَ فَمَنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ الْإِيمَانِ فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، فَأَذْهَبُ فَمَنْ وَجَدْتُ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَلِكَ أَدْخَلْتُهُمْ الْجَنَّةَ، وَفَرَغَ اللَّهُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَأَدْخَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أُمَّتِي النَّارَ مَعَ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْبَدُونَ اللَّهَ عَزَّ

وَجَلَّ لَا تُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ: فَبِعِزَّتِي لَأُعْتِقَنَّهُمْ مِنْ النَّارِ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فَيَخْرُجُونَ، وَقَدْ امْتَحَشُوا، فَيَدْخُلُونَ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي غُثَاءِ السَّيْلِ، وَيُكْتَبُ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَلْ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الْجَبَّارِ عَزَّ وَجَلَّ"

فانظر - رحمك الله - إلى هذه الدرجة الرفيعة، وإلى هذا المقام المحمود، وإلى هذا الحرص العجيب من رسولنا على مَنْ فعل الموبقات كلها، ولم يكن في صدره سوى مثقال حبة من خردل من الإيمان!!

إن رحمة كهذه تشرح لنا قول ربنا: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 الباب الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم بغير المسلمين

إذا كنا قد تعجبنا من سعة رحمته بالمسلمين - كما بيَّنا في الباب الثاني – فإننا – ولا شك – سننبهر برحمته بغير المسلمين!

إن رحمته بالمسلمين أمر متوقع ومفهوم، فهم أتباعه وناصروه ومحبوه، وهم الذين يعتقدون عقيدته، ويدينون بدينه، وهم الذين يقدموه على أبنائهم وأزواجهم وأموالهم، بل وعلى أنفسهم، وإن أخطأ المسلمون أحيانًا فهو لهم كالأب لأولاده، وكالمعلِّم لتلامذته، بل أعظم من ذلك، فهو - - كان يقول: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ" ، فهو ليس فقط أقرب إليهم من والديهم ومعلميهم، ولكن أقرب إليهم من أنفسهم!

لهذا كله فرحمته بالمسلمين أمر مفهوم..

لكن أن تشمل رحمته غير المسلمين فهذا شيء مبهر حقًا!!

إنه لشيء رائع حقًا أن يرحم رسول الله أولئك الذين رفضوا عقيدته واعتنقوا غيرها، وأولئك الذين لم يعترفوا بنبوته أصلاً!  بل إنه لشيء شديد الإبهار أن نراه يرحم ويَبَرُّ ويعطف ويحنو على أولئك الذين عذبوه وعذبوا أصحابه، وعلى أولئك الذين مارسوا معه ومع المسلمين أشد أنواع القسوة والعنف!!

إننا سنستمتع حقيقةً بهذا الباب!

وسوف نتناول – إن شاء الله - هذا الموضوع المهم للغاية من خلال الفصول الآتية:

الفصل الأول: نظرة الإسلام  إلى النفس الإنسانية

الفصل الثاني: رحمته بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي

الفصل الثالث : رحمته في تجنب الحرب

الفصل الرابع: رحمته أثناء الحرب

الفصل الخامس: رحمته بالأسرى

الفصل السادس: رحمته بزعماء الأعداء!

 الفصل الأول: نظرة الإسلام  إلى النفس الإنسانية

لعل من المهم أن نُدرك أولاً طبيعة النظرة الإسلامية إلى النفس الإنسانية بصفة عامة؛ لندرك كيف تناول المنهج الإسلامي قضية غير المسلمين وكيفية التعامل معهم.

إن النفس الإنسانية بصفة عامة مُكَرَّمَةٌ ومُعَظَّمَة.. وهذا الأمر على إطلاقه، وليس فيه استثناء بسبب لون أو جنس أو دين، قال تعالى في كتابه: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ".

وهذا التكريم عام وشامل، وهو يلقي بظلاله على المسلمين وغير المسلمين..  فالجميع يُحمَل في البر والبحر، والجميع يُرزَق من الطيبات، والجميع مُفضَّلٌ على كثير مِن خلْق الله عز وجل..

وقد انعكست هذه الرؤية الشاملة لكل البشر، وهذا التكريم لكل إنسان على كل بندٍ من بنود الشريعة الإسلامية، وبالتالي انعكست هذه الرؤية الشاملة على كل قولٍ أو فعل لرسولنا ..  وهذا يفسر لنا الطريقة الراقية الفريدة الرحيمة التي تعامل بها الرسول العظيم مع المخالفين له والمنكرين عليه.

إنه يتعامل مع نفوس بشرية مُكرَّمة؛ فلا يجوز إهانتها أو ظلمها، أو التعدي على حقوقها، أو التقليل من شأنها، وهذا واضح بَيِّن في آيات القرآن الكريم وكذلك في حياة الرسول .

يقول الله عز وجل: "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ "

فالأمر هنا عام، يشمل نفوس المسلمين وغير المسلمين؛ فالعدل في الشريعة مطلق لا يتجزأ.

فالشريعة تأبى الظلم في كل صوره، والنهي عن ذلك واضح في آيات وأحاديث لا تُحصَى، وهو مرفوض إلى يوم القيامة.. بل يقول الله عز وجل في صفة الحساب يوم القيامة: "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا "

والأمر هنا على إطلاقه أيضًا؛ فلن تظلم "نفسٌ" يوم القيامة، أيًّا كانت هذه النفس، مؤمنة بالله أو كافرة به، مسلمة كانت أو نصرانية أو يهودية، أو غير ذلك من الملل والنحل الأخرى..

هذه هي النظرة الإسلامية الحقيقية لكل البشر..  إنها نظرة التقدير والاحترام والتكريم..

وما أبلغ وأروع الموقف الذي علَّمَنا إياه رسول الله عندما مَرَّت به جنازة يهودي..

فقد روى الإمام مسلم عن ابن أبي ليلى أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ  وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ ، فَقَالا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: "أَلَيْسَتْ نَفْسًا"

ألا ما أروع هذا الموقف حقًا!!

هذه هي النظرة الإسلامية للنفس البشرية..

إن رسول الله في هذا الموقف زرع في نفوس المسلمين التقدير والاحترام والرحمة لكل نفس إنسانية، وذلك على الإطلاق؛ لأنه فعل ذلك وأمر به، حتى بعد عِلْمِه أنه يهودي..

فإذا أخذنا في الاعتبار أن هؤلاء اليهود قد عاصروا رسول الله ، ورأوا الآيات، واستمعوا إلى الحجج الدامغة والبراهين الساطعة، ثم لم يؤمنوا، بل إنهم اعتدوا عليه بشتى أنواع الاعتداءات المعنوية والمادية، ومع كل هذا التعنُّت اليهودي إلا أن رسول الله يقف لجنازة رجل منهم، وهو رجل غير معروف، لكيلا يقال إنه – أي اليهودي - أسدى معروفًا مَرَّة للمسلمين، أو كان ذا خلق حسن، ودليل ذلك أن الصحابة عيَّنوه بصفته لا باسمه، ثم إن رسول الله برَّر وقوفه بقوله: "أليست نفسًا؟" ولم يذكر فضيلة معينة له.

إنه الاحترام الحقيقي للنفس البشرية..

إن هذا الموقف قد رسَّخ في أذهان الصحابة - والمسلمين من بعدهم - أن الإسلام يحترم كلَّ نفس بشرية ويقدرها ويكرمها، وهذا الذي دفع قيس بن سعد وسهل بن حنيف { أن يقفا لجنازة رجل مجوسي يعبد النار!  فالمجوسي هذا ليس كتابيًا أصلاً، وهو على عقيدة مخالفة تمامًا لدين الإسلام، بل إنه من قوم محاربين، ومع ذلك فالصحابة يدركون قيمة النفس البشرية فيُكَرِّمونها ويقفون لها..

هذه هي نظرتنا لغير المسلمين، وهذه هي الخلفية التي يضعها المسلمون في أذهانهم عند التعامل مع غير المسلمين..

ثم إن هناك خلفية أخرى مهمة تحكم تصور المسلمين للمخالفين لهم في الاعتقاد، والمغايرين لهم في المباديء، وهي أن الاختلاف بين الناس ليس أمرًا محتملاً فقط، بل هو حتمي! ولن يوجد زمانٌ أبدًا يتفق فيه العالمون على رأي واحد في قضية ما، بما فيها قضية الألوهية والتوحيد.

يقول تعالى:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ "

فالمسلم يقبل ببساطة أن يوجد مخالفون له في العقيدة، ويعلم أن اختفاءهم من الأرض مستحيل؛ ولذلك يتعايش معهم بشكل طبيعي، وخاصة أن الشريعة الإسلامية توضح بجلاء أُطُر التعامل وآليات التفاهم مع الطوائف المختلفة من غير المسلمين.

من هذا المنطلق، ومن واقع تقدير الشرع الإسلامي لكل نفس، وتكريم الله عز وجل لكل بني آدم، جاءت أوامر الشريعة الإسلامية الخاصة بالعدل والرحمة والألفة والتعارف، وغيرها من فضائل الأخلاق.. جاءت كل هذه الأوامر عامة تشمل المسلمين وغير المسلمين، ولم تكن يومًا كما فعل اليهود بتحريفهم في التوراة؛ فخصُّوا اليهودَ وحدهم بالمعاملات الحسنة ، وأباحوا الموبقاتِ كلها في حق غيرهم!!

في شريعتنا الإسلامية تجد مثلاً قول الله عز وجل في مسألة الرحمة يقول: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

  فليست الرحمة هنا خاصة بالمسلمين، إنما هي عامة لكل البشر على اختلاف أديانهم ومِللهم..

وفي مسألة التعارف يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ". فلم يقتصر التعارف أيضًا على طائفة معينة، إنما اتسع ليشمل كل الشعوب والقبائل..

والرزق في الأرض مكفولٌ لكل البشر، والكون مُسَخَّرٌ للإنسانية جمعاء، دون تفرقة بين مؤمن وكافر. يقول تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ".

فهذا التسخير للأرض والفُلك والبحار والسماء لكل البشرية، والتعليق الختامي على الآية يوضح أن الرأفة والرحمة لكل الناس..

وفي مسألة العفو قال الله عز وجل: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " فالعفو من صفات المؤمن، ولكن هذا العفو الذي نراه في هذه الآية ليس خاصًا بالمسلمين فقط، إنما هو عفوٌ واسعٌ يشمل "الناس" كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى، وهو بذلك يشمل - حتمًا - غير المسلمين.  ولهذا الأمر تطبيقات كثيرة في حياة رسول الله على نحو ما سنتعرض له في صفحات الفصول القادمة إن شاء الله.

بل أكثر من كل ذلك، أنه عندما ذكر سبحانه وتعالى أمر العدل المأمور به في الإسلام، لم يجعله فقط عدلاً خاصًا بالمؤمنين وحدهم، ولم يجعله فقط عدلاً خاصًا بالبشر المحايدين، مسلمين كانوا أو غير مسلمين.. وإنما حضَّ وأَمَر أن يكون العدل حتى مع مَن نكره من الناس!!

قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ".

هذه النظرة المتناهية في الرحمة والألفة والعدل تفسر لنا الأخلاق النبيلة التي كان عليها رسولنا ..

لقد كان مُتبِعًا للشرع في كل خطوة من خطوات حياته..

لقد كان قرآنًا يمشي على الأرض!

ومن اللافت للنظر حقًا أن رسول الله كان يفعل كلَ ذلك في زمان ندرت فيه أخلاق الفرسان، وعزَّت فيه طبائع النبلاء.

ويكفيك أن تراجع بعض الأوامر والقوانين في التوراة المحرَّفة التي كانت موجودة في عصر رسولنا ، وما زالت إلى زماننا هذا، لتدرك البَوْن الشاسع بين التشريع الإسلامي المُحكَم، وبين الافتراءات البشرية التي دُسَّت بين صحائف التوراة..

ففي سفر يشوع - مثلاً – تجد في طريقة تعامل اليهود مع غيرهم ما يلي: "ثم تحرك يشوع وجيش إسرائيل من لخيش نحو عجلون؛ فحاصروها وحاربوها واستولوا عليها في ذلك اليوم ودمروها، وقضوا على"كل نفس" فيها بحد السيف، على غرار ما صنعوا بلخيش. ثم اتجه يشوع بقواته من عجلون إلى حبرون وهاجموها، واستولوا عليها ودمروها مع بقية ضواحيها التابعة لها، وقتلوا ملكها و"كل نفس" فيها بحد السيف، فلم يفلت منها ناجٍ، على غرار ما صنعوا بعجلون. وهكذا قضوا على"كل نفس" فيها، ثم عاد يشوع إلى دبير وهاجموها واستولى عليها ودمرها مع ضواحيها، وقتل ملكها "وكل نفس" فيها بحد السيف، فلم يفلت منها ناجٍ ، فصنع بدبير وملكها نظير ما صنع بلبنة وملكها" .

لقد عكس هذا التزوير نفسية اليهود وطبيعتهم، فهذه هي صورة الأنبياء عندهم، يقتلون "كل نفس" غير يهودية!

ويؤكد هذه النظرة المنحرفة للنفس البشرية ما جاء في سِفْرِ العَدَد، حين يصف رد فعل موسى - وحاشاه من هذا التزوير! - لما رأى بعض جيوشه قد أبقت النساء والأطفال على قيد الحياة، واتخذوهم أسيراتٍ وأسرى فقال لهم: "لماذا استحييتم النساء؟! إنهنَّ - باتباعهنَّ نصيحة بلعام - أَغْوَين بني إسرائيل بعبادة فغور، وكُنَّ سبب خيانة الرب؛ فتفشى الوباء في جماعة الرب، فالآن اقتلوا "كل ذكر" من الأطفال، واقتلوا أيضًا كل امرأة ضاجعت رجلاً، ولكن استحيوا (أبقوا) لكم كل عذراء لم تضاجع رجلاً" !!

وليس معنى أن الإسلام إذ ينظر هذه النظرة المتقبِّلة للاختلاف إلى الأديان الأخرى أنه ليس حريصًا على دعوتهم إلى الحق الذي يراه..  بل على العكس من ذلك، كان رسول الله يرجو الإسلام حتى لألَدِّ أعدائه؛ برغم شرورهم ومكائدهم..

ها هو يخص بالدعاء رجلين من ألد أعدائه: أبا جهل وعمر بن الخطاب - قبل أن يُسلِم عمر - فيقول: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ".

إن التاريخ الطويل من الصد عن سبيل الله، وفتنة المسلمين عن دينهم، لم يورث في قلب رسول الله شعورًا بالانتقام، أو رغبة في الكيد أو التنكيل، إنما على العكس تمامًا، شعر بأنهم مرضى يحتاجون إلى طبيب، أو حيارى يحتاجون إلى دليل، فجاءت هذه الدعوة لهم بالهداية وبالرحمة وبالنجاة.. كانت تلك هي نفسيته ، وكانت تلك هي سنَّته وطريقته، وكانت هذه هي خلفياته ومرجعيته في التعامل مع الناس..

إن رسولنا الكريم كان حريصًا كل الحرص على إيصال دعوته إلى كل من هو على غير الإسلام؛ فحملها إلى كل مشرك أو يهودي أو نصراني أو مجوسي، وكان يبذل قصارى جهده في الإقناع بالتي هي أحسن، وكان يحزن حزنًا شديدًا إذا رفض إنسانٌ أو قومٌ الإسلامَ، حتى وصل الأمر إلى أن الله عز وجل نهاه عن هذا الحزن والأسى..

قال تعالى يخاطبه : "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ "

ويقول أيضًا: "فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ "..

ومع شدة هذا الحزن إلا أن الرسول لم يجعله مبررًا للضغط على أحدٍ ليقبل الإسلام، إنما جعل الآية الكريمة "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " منهجًا له في حياته، فتحقق في حياته التوازن الرائع المعجز؛ إذ إنه يدعو إلى الحق الذي معه بكل قوة، ولكنه لا يدفع أحدًا إليه مُكْرَهًا أبدًا..

ألا ما أروع ما قاله يلخص به نظرته إلى عموم الناس..

يروي أبو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا" .

إنها نظرة الرحمة والرعاية لا القهر أو التسلط..

وسبحان الذي رزقه هذا الكمال في الأخلاق!

 الفصل الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بغير المسلمين في المجتمع الإسلامي

تتوق أحلام العقلاء من الناس أن يتعايشوا في سلام وتفاهم مع المخالفين لهم في العقيدة والجنس والأفكار، وقد تتطور هذه الأحلام والآمال فتطلب احترامًا متبادلاً بين الأطراف المختلفة، أو قد تطلب عدلاً في التعامل؛ فلا ظلم ولا عدوان..

وقد يحلم القليل بما هو أسمى وأرقى، وهو أن يصل التعامل - ولو في موقف من المواقف - إلى درجة الألفة والإحسان والرحمة؛ فتُتَبادل الابتسامات - وأحيانًا الهدايا - ويسود جوٌّ من الهدوء النسبي والأمان..

لكن أن يصبح الإحسان إلى المخالفين، والبر بالمعارضين، والرحمة بهم قانونًا أصيلاً يُتَّبَعُ في غالب مظاهر الحياة، فهذا ما لا يخطر على بال أحد!!

هذا هو الإسلام الذي لا يعرفه كثير من العالمين، بل قد لا يعرفه كثير من  المسلمين..!!

في هذا الفصل - بحول الله تعالى - سنتناول هذه الرحمة النبوية بغير المسلمين، وذلك من خلال المباحث الثلاثة التالية:

المبحث الأول: الرحمة بغير المسلمين منهج إلهي

المبحث الثاني: رحمته بغير المسلمين

المبحث الثالث: رحمته بمن آذاه من غير المسلمين

 المبحث الأول: الرحمة بغير المسلمين منهجٌ إلهيٌّ

"وإذا اَقتَرَبتُم مِنْ مدينةٍ لِتُحارِبوها فاَعْرُضوا علَيها السِّلْمَ أوَّلاً، فإذا اَستَسلَمَت وفتَحَت لكُم أبوابَها، فجميعُ سُكَّانِها يكونونَ لكُم تَحتَ الجزيةِ ويخدِمونكُم، وإنْ لم تُسالِمْكُم، بل حارَبَتكُم فحاصَرتُموها فأسلَمَها الرّبُّ إلهُكُم إلى أيديكُم، فاَضْرِبوا كُلَ ذكَرٍ فيها بِحَدِّ السَّيفِ، وأمَّا النِّساءُ والأطفالُ والبَهائِمُ وجميعُ ما في المدينةِ مِنْ غَنيمةٍ، فاَغْنَموها لأنْفُسِكُم وتمَتَّعوا بِغَنيمةِ أعدائِكُمُ التي أعطاكُمُ الرّبُّ إلهُكُم، هكذا تفعَلونَ بجميعِ المُدُنِ البعيدةِ مِنكُم جدُا، التي لا تخصُّ هؤلاءِ الأُمَمَ هُنا، أمَّا مُدُنُ هؤلاءِ الأُمَمِ التي يُعطيها لكُمُ الرّبُّ إلهُكُم مُلْكًا، فلا تُبقوا أحدًا مِنها حيُا، بل تُحَلِّلونَ إبادَتَهُم "

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

ينبع جمال المنهج الإلهي في الرحمة بغير المسلمين من كونه ليس قانونًا بشريًا يصطلح الناس على إقراره أو إلغائه.. ولكن من كونه قانونًا إلهيًّا سماويًّا، يتعبَّد المسلمون لربهم بتطبيقه..

يقول تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ".

ألا ما أعظمه من إلهٍ، وما أرحمه من ربٍّ!!

و"أن تبرُّوهم" - كما يقول ابن كثير في تفسيره – أي: تحسنوا إليهم .

والبرُّ درجة أعلى من القسط، بدليل أن الله عز وجل أضاف القسط إليها فقال: "أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ".

ولاحِظْ أن الله عز وجل جاء بكلمة لا تُستخدَم إلا في أعظم صور التعامل وأرقاها.. فهي تستخدم في وصف صورة التعامل بين الأبناء وآبائهم وأمهاتهم، كما يقول رسول الله عندما سُئِل: ‏أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ:"الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قَالَ السائل: ثُمَّ أَيٌّ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ.." .

فهذه هي الدرجة التي يريد الله منا أن نتعامل بها مع غير المسلمين في حالة عدم حربهم لنا..

وإذا كان هذا القانون معجزًا في سُمُوِّه ورُقِيِّه، فقد كانت سيرة رسول الله معجزة أيضًا في تطبيق هذا القانون وممارسته..

 المبحث الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بغير المسلمين

في عهد الملك "لويس الرابع عشر" (1638 – 1715م) أجريت مذابح رهيبة ضد البروتستانت، فسيق الكثيرون إلى الإعدام.. ومن نجا من القتل خيرهم الملك بين الارتداد عن البروتستانتية إلى الكاثوليكية وبين الهجرة من فرنسا، فهاجر نصف عدد البروتستانت – أي نحو نصف مليون – ذهبوا إلى هولندا وإنجلترا وبروسيا وأمريكا ..

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لقد كانت العلاقة بينه وبين المخالفين له في الدين - والذين يعيشون معه في مجتمع واحد - أعلى بكثير من مجرد علاقة سلام ووئام، لقد كانت علاقة "بِرٍّ ورحمة" بكل معاني الكلمة..

ونحن لا نخالف الحقيقة إذا قلنا: إن رسول الله كان يعامل غير المسلمين المحيطين به معاملة الرجل لأهله.. فها هو أنس يروي موقفًا عجيبًا من مواقف رسول الله فيقول: "كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ‏‏ ‏فَمَرِضَ؛ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ‏ ‏ ‏يَعُودُهُ؛ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ؛ فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ"؛ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ؛ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ ‏أَبَا الْقَاسِمِ ؛ ‏فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ‏ ‏وَهُوَ يَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ" .

وتدبر جيدًا بعقلك وقلبك!

هذا رسول الله يستعمل غلامًا يهوديًا في الخدمة، ولا يمتنع عن ذلك ليجعل الحياة مع أصحاب الديانات الأخرى في داخل المدينة المنورة حياة طبيعية، ثم يمرض هذا الغلام فيذهب رسول الله ليعوده في بيته!!

إننا يجب أن ندرك - لنعرف قيمة الموقف - أن رسول الله هو أعلى سلطة في المدينة المنورة، والغلام اليهودي لا يعدو أن يكون خادمًا، وعلى غير مِلَّة الإسلام!

أيحدث في بقعة من بقاع الأرض أن يزور رئيس البلاد خادمًا له إذا مرض، وخاصة إذا كان على غير دينه؟!

إننا قد اعتدنا أن نقرأ مثل هذه المواقف عن حبيبنا فلم نعُدْ نحلل وندرس، ولكن الوقوف للتدبر في مثل هذه الكنوز يعطينا فيضًا هائلاً من الخير والحكمة.

ثم إنه لا ينسى وظيفته الأولى في الدنيا وهي البلاغ؛ فيدعوه للإسلام، فيسلم الغلام، فيخرج النبي فرحًا بإسلامه، كأنما أسلم أحدُ أَحَبِّ أهله إليه..

إن هذه هي الرحمة - حقيقةً - في أعلى صورها..

وهذه أسماء بنت أبي بكر { تحكي فتقول: "قَدِمَتْ عَلَيَّ ‏ ‏أُمِّي ‏وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ ‏ ‏قُرَيْشٍ ‏إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ‏ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ ‏رَاغِبَةٌ ‏أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ‏: "‏نَعَمْ صِلِيهَا" .

ها هو يأمر أسماء بنت أبي بكر { أن تصل أمها المشركة، ومع أن دولة قريش في ذلك الوقت كانت دولة محاربة، ولكنها في عهد مؤقَّت، فلم يمنع المرأة المشركة من دخول المدينة، ولا دخول بيت أسماء <، وهو بيت الزبير بن العوام  ، وهو من كبار رجال الدولة، وقد يكون لديه من الأسرار ما لا يجب أن يطَّلع عليه المشركون، ومع ذلك فإن رسول الله لا يَحْرِمُ أمًّا مشركة من زيارة ابنتها المسلمة، ولا يحرم بنتًا مسلمة من بِرِّ أمها المشركة..

هكذا بمنتهى التسامح والرحمة، وبأعلى درجات الرضا..  إنه لم يفكر ولم يتردد..  فليس في الرحمة تردد!!

  وفي موقف آخر لطيف يرويه عبد الله بن عمر {، ويذكر فيه أَنَّ ‏ ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ‏رَأَى ‏ ‏حُلَّةً ‏سِيَرَاءَ  عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏: "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ"، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏ ‏مِنْهَا ‏حُلَلٌ ‏فَأَعْطَى ‏عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ‏ > مِنْهَا ‏‏حُلَّةً؛ ‏فَقَالَ ‏عُمَرُ:‏ ‏يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي ‏‏حُلَّةِ ‏عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏: "‏إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا"؛ فَكَسَاهَا ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏‏> ‏أَخًا ‏‏لَهُ‏ ‏بِمَكَّةَ‏ ‏مُشْرِكًا !!

فعمر يُهْدِي هذه الحُلَّة لأحد إخوانه المشركين ، ورسول الله لا يعترض، وإقراره - كما هم معلوم - سُنَّة.

يقوم الإمام النووي ~ معلقًا على هذا الموقف: "وفي هذا دليلٌ لجواز صلة الأقارب الكفار والإحسان إليهم، وجواز الهدية إلى الكفار" .  وهذه رحمة من رسول الله بعمر ، وكذلك رحمة بأقاربه المشركين!

ومن رحمته بغير المسلمين أنه كان يسلك معهم دائمًا مسلك التبشير، ويتخذ ذلك منهجًا عامًا له، فكان هذا هو الغالب على حياته وعلى أقواله وأفعاله، ولم يكن يخرج عن هذا الطبع على الرغم من قسوة المشركين عليه…

روى ربيعة بن عباد الديلي - وكان مشركًا أسلم - قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏ بَصَرَ عَيْنِي بِسُوقِ ‏ذِي الْمَجَازِ ‏يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا"، وَيَدْخُلُ فِي ‏فِجَاجِهَا ‏وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ ، عَلَيْهِ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا، وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا" إِلَّا أَنَّ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْوَلَ وَضِيءَ الْوَجْهِ ذَا ‏غَدِيرَتَيْنِ ‏‏يَقُولُ: إِنَّهُ ‏صَابِئٌ كَاذِبٌ؛ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ‏‏وَهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَّةَ؛ قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُكَذِّبُهُ؟ قَالُوا: عَمُّهُ ‏أَبُو لَهَبٍ" .

فالرسول لم يخرج عن أدبه في المعاملة حتى مع السفاهة الواضحة لأبي لهب، وظل على منهج التبشير يدعو الناس إلى الفلاح والنجاة. بل إنه كان يبشرهم بمُلْكِ الدنيا قبل نعيم الآخرة إن هم آمنوا بالله ولم يشركوا به شيئًا..

‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ > قال: "مَرِضَ ‏أَبُو طَالِبٍ ‏فَجَاءَتْهُ ‏قُرَيْشٌ ‏‏وَجَاءَهُ النَّبِيُّ ‏وَعِنْدَ‏ ‏أَبِي طَالِبٍ ‏ ‏مَجْلِسُ رَجُلٍ فَقَامَ‏ ‏أَبُو جَهْلٍ ‏كَيْ يَمْنَعَهُ وَشَكَوْهُ إِلَى ‏أَبِي طَالِبٍ؛ ‏فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟ قَالَ: "‏إِنِّي أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً ‏‏تَدِينُ‏ ‏لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ‏وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ ‏الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ"؛ ‏قَالَ: كَلِمَةً وَاحِدَة؟!ً قَالَ: "كَلِمَةً وَاحِدَةً" قَالَ: "يَا عَمِّ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛" فَقَالُوا: إِلَهًا وَاحِدًا مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا ‏اخْتِلَاقٌ؛ ‏قَالَ: فَنَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ: "ص‌ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ" إلى قوله: "مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ" .

فهو لا يعبس في وجوهم، ولا يقاطع مجالسهم، ولا ينظر لهم نظرة المتكبر المعرض، إنما يتلطف إليهم ويتودد، ويبشرهم بمُلك الدنيا ونعيم الآخرة.

وعندما هاجر رسول الله إلى المدينة، وتعامل مع مشركيها ويهودها سلك نفس المسلك مع كل الصَّدِّ والإعراض الذي وجده منهما.  لقد كان يريد لهم الخير كله على الرغم من جفائهم معه.

وموقف اليهود كان أشد غلظة مع الرسول مع أنهم لم يُفاجَأُوا بظهوره في المدينة، فكل الشواهد تقول إن اليهود كانوا يعرفون أمر رسول الله وهو بمكة المكرمة، وهو ما رجحه إسرائيل ولفنسون  في دراسته عن اليهود - وإن كنا نختلف معه في كثير من الآراء - إلا أن هذا الاستنباط يبدو صحيحًا..

يقول ولفنسون: "ونرجح أن اليهود لم يغفلوا عن الحركة الإسلامية لأنها متصلة بمصالحهم السياسية والتجارية والاجتماعية، خصوصًا إذا لاحظنا اتجاه الدعوة الإسلامية صوب المدينة أواخر سنوات مكة، وميل زعماء الخزرج إلى الاتصال بالرسول ، ونحن نعلم ما كان بينهم وبين اليهود من الحقد؛ مما جعل زعماء بني النضير وقريظة يراقبون حركاتهم، ثم نعلم أن الإسلام لم ينتشر خفية في يثرب، وكان مصعب بن عمير يدعو الناس إلى الله ورسوله على مرأى من جميع البطون، ثم إننا نعلم أن عددًا من تجار اليهود كان يشترك في مواسم الحج، فمن البعيد أن يجهل اليهود تلك الشئون.." .

وأضيف إلى ما قاله ولفنسون أن القرآن المكي صرَّح بأن علماء بني إسرائيل قد عرفوا صدق هذا الرسول .. قال تعالى في سورة الشعراء - وهي سورة مكية - :

"أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ".

فكانت هذه آيةً للمشركين في مكة..  فمعنى ذلك أن المشركين سألوا اليهود عن صفة الرسول فوجدوه في كتبهم، فلا شك أن اليهود قد عرفوا عند ذلك أن الرسول المنتظر هو محمد .

وقد ذكر ابن إسحاق  ما يؤيد ذلك، حيث حكى إرسال قريش للنضر بن الحارث وعقبة ابن أبي معيط إلى يثرب لسؤال أحبار اليهود عن الرجل الذي بُعِثَ فيهم، فدلَّهم أحبار اليهود على عدة مسائل جاءت في التوراة ولا يعرفها إلا نبيٌّ، وبالفعل حمل القرشيان هذه الأسئلة إلى رسول الله ، وأجاب عنها بما هو في كتب التوراة، وكان هذا الموقف سببًا في نزول سورة الكهف ، وهكذا وَضُحَ للجميع أن الرسول صادق..

وقد ذكر ابن كثير ~ في تفسير قوله تعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " عدة روايات تشير إلى معرفة اليهود بأمر رسول الله في فترة مكة المكرمة.

وكل هذه الشواهد تؤكد أن اليهود ما كانوا يجهلون الرسول بصفته التي جاءت في كتبهم، وأنهم كانوا يتوقعون ظهوره في هذا الزمان، ثم مَرَّت الأيام وهاجر رسول الله إلى المدينة، ومن أول أيامه هناك حاول أن يتقرب إلى اليهود قدر المستطاع لكونهم أهل كتاب، وإسلامهم ينبغي أن يكون متوقعًا..

إذن كانت هناك خلفية علمية عند اليهود تشير إلى أن هذا وقت نبي آخر الزمان، وكان عندهم علم أن هذا الرسول قد تجمعت فيه الدلائل والمبشرات التي جاءت في كتبهم، ثم إنه يتودد إليهم ويتلطف بهم، ويعتبرهم امتدادًا طبيعيًا للمؤمنين في حركة التاريخ في الأرض..  ومع كل هذا فماذا كان رد فعلهم لظهور رسول الله ؟!

لقد اعترف أقلُّ القليل منهم به ، ووقعت منهم مواقف مخزية في الإنكار والإعراض، ومَنْ أشهر هذه المواقف موقفهم من إسلام حَبْرِهم عبد الله بن سلام .. وليس المجال يتسع للتفصيل، وَلْيُرْجَعْ إلى قصته في صحيح البخاري .

الشاهد من كل هذا أن الرحمة والتسامح ومحاولات التقرب التي ظهرت من رسول الله قوبلت بعدوانية وقسوة من الطرف اليهودي، ومع ذلك لم يكن ذلك مانعًا رسولَ الله من مداومة منهج الرحمة والتسامح معهم، وكان أول علامات ذلك ما عقده معهم من معاهداتٍ تحفظ لهم حقوقهم، وتعترف بكينونتهم، وتُقِرُّ بتميزهم واستقلاليتهم عن جانب المسلمين، وتضبط في ذات الوقت أُطُر التعامل – بل والتعاون – في ظل الدولة الجديدة الناشئة..

ومع كل ذلك استمر التكذيب والصد اليهودي، بل ازداد شراسة، ووصل إلى حَدِّ المؤامرات والمكائد، ومع ذلك حرص رسول الله على رحمتهم بكل وسيلة ممكنة..

ومن رحمته معهم أنه كان لا يتعلَّل أبدًا بقسوتهم وظلمهم وصدهم ليبرر به تجنيًا على حقوقهم أو ظلمًا لهم..  إن العدل والرحمة في الإسلام أمران مطلقان لا يتأثران بجنس أو لون أو دين، كذلك لا يتأثران بعاطفة معينة، أو بظروف خاصة، فليس هناك مبرر أبدًا للظلم، وكذلك ليس هناك مبرر أبدًا للقسوة.

قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ".

ويقول النبي : "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"

ويقول أيضًا فيما يرويه عبد الله بن عمر {: "مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ‏ ‏أَوْ يُعِينُ عَلَى ‏ظُلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ" .

ومن الملاحَظ أن كل هذه الأحاديث جاءت بألفاظ عامة تشمل المسلمين وغير المسلمين؛ وبشكل واضح لا يحتمل لبسًا في الفهم، ولا سوءًا في التقدير، ومع ذلك فقد أراد رسول الله أن يقطع السبيل على كل مسلم في أن يعتقد أن الظلم مسموح به - ولو بدرجة بسيطة – مع غير المسلمين، فقال في كلمات رائعة ما يجب أن نحمله إلى كل إنسان على سطح الأرض ليعلم من هو رسول الله : "أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَو أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا ‏حَجِيجُهُ‏ ‏يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .

هل هناك عدل أو رحمة أعلى من هذا؟!

ويقول رسول الله أيضًا: "اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ" .

وفي رواية أخرى لأحمد قال : "دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ" .

فهذا تصريح بيِّن أن المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب، ومن هنا فإن المسلم الصادق لا يظلم أبدًا لإحساسه الدائم برقابة الله عزَّ وجلَّ عليه، وأن المسألة مسألة عقائدية، وأن الله عز وجلَّ ينصر المظلوم يوم القيامة على الظالم، وإن كان المظلوم كافرًا والظالم مسلمًا، وأن رسول الله يقف مع المظلوم ضد الظالم يوم القيامة بصرف النظر عن ديانة كل منهما..

هذا هو ديننا لمن لا يعرفه، وهذه هي أخلاقنا التي نعتز بها..

ولم تكن هذه الكلمات الرائعة والمعاني النبيلة مجرد قواعد نظرية لا مكان لها في حياة الناس، بل كان لها الانعكاس الواضح على كل مواقفه وتصرفاته ؛ فكان يُبْرِزُ هذا المعنى بجلاء في كل معاهداته وارتباطاته ومعاملاته وقضائه، ويحرص على توفير العوامل المساعدة لإتمامه على أكمل وجه..

روى عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".  قَالَ الأَشْعَثُ بن قيس : فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟" قُلْتُ: لا، فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: "احْلِفْ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا" إِلَى آخِرِ الآيَة" .

إنه لَموقفٌ نادر حقًا!!

إنه اختصام بين رجلين..  أحدهما من صحابة الرسول والآخر يهودي..  فيأتيان إلى رسول الله ليحكم بينهما، فلا يجد أمامه إلا أن يطبق الشرع فيهما دون محاباة ولا تحيز، والشرع يُلزم المدعي- وهو الأشعث بن قيس - بالبينة أو الدليل، فإن فشل في الإتيان بالدليل فيكفي أن يحلف المدعى عليه - وهو اليهودي- على أنه لم يفعل ما يتَّهمه به المدعي، فيُصَدَّقُ في ذلك، وذلك مصداقًا لقول رسول الله : "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" .

ويتأزَّم الموقف عندما يُتبَيَّن أن الصحابي ليس معه بينة، ويصبح الأمر كله رهن حَلِفِ اليهودي، ويشعر الصحابي بخيبة الأمل؛ لأنه يعلم أن اليهودي سيحلف كذبًا دون تردد، فلا يملك له رسول الله شيئًا، ولا يجد أمامه إلا أن يترك المجال لليهودي!!

ومن جديد نقول إن رحمة رسول الله بالمسلم المدعي لا تدفعه إلى القسوة على اليهودي المُدَّعى عليه!

أليس هذا هو العدل المطلق الذي لا يتوقع أحد من البشر أن يكون له تطبيق في واقع الناس؟!  وأليست هذه هي الرحمة التي ليس لها مثيل في حياة الناس؟!

إنَّ هذا ببساطة هو الإسلام..  دين من السماء يحكم حياة الناس في الأرض.

وإنَّ هذا هو رسولنا ..  أعظم الخلق خُلُقًا وأدبًا..

إننا لا نملك بعد رؤية أمثال هذه المواقف إلا أن نهتف بقول ربنا: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" .

 المبحث الثالث: الرحمة بمن آذاه صلى الله عليه وسلم من غير المسلمين

في يوم 21 ديسمبر 1988م انفجرت طائرة ركاب وهي تحلق فوق مدينة لوكربي الاسكتلندية وأسفر هذا الحادث عن مقتل 259 شخص كانوا على متن الطائرة، منهم 189 أمريكي، وقد تم توجيه الاتهام إلى الحكومة الليبية بأنها وراء هذا الحادث، فتم فرض عقوبات اقتصادية على ليبيا بدأ في عام 1992م، مما سبب أكبر معاناة للشعب الليبي بأكمله، كما خسر الاقتصاد الليبي قرابة 24 مليار دولار حتى عام 1998م عندما بدأت الحكومة الليبية تفكر جديًا في الخروج من هذه الأزمة .

على الرغم من روعة المواقف السابقة وعظمتها فإننا قد نستوعبها ونفهمها..  لكن الذي يصعب استيعابه حقًا هو رحمته بأولئك الذين آذوه واشتدوا في إيذائه..  فقد يكون مطلوبًا من الإنسانِ كريمِ الخُلُق أن يتعامل بالعدل مع من اعتدى عليه وظلمه، أما أن يتعامل بالرحمة والبر والإحسان فهذا أمر عجيب حقًا!!

إننا كثيرًا ما نقرأ قول رسول الله : "صِلْ مَن قَطَعَكَ، وَأَعْطِ  مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ" ، فنعتقد أن الأمر مقصور على المسلمين، ونحن معذورون في ذلك؛ لأن وصل من قطع، وإعطاء الذي حَرم، والعفو عمَّن ظلم أمر صعب، حتى لو كان الفاعل مُسلِمًا، فما البال لو كان غير مسلم؟!

 ومع ذلك فالأمثلة في حياة الرسول على هذه الشاكلة كثيرة جدًا، وكلها آيات في سُمُّوِّ الأخلاق، وقمة الأدب.

يروي جابر بن عبد الله {، يقول: قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ : ‏مُحَارِبَ ‏خَصَفَةَ  ‏بِنَخْلٍ ‏فَرَأَوْا مِنْ الْمُسْلِمِينَ‏ ‏غِرَّةً‏؛ ‏فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ:‏ ‏غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ‏ ‏حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏بِالسَّيْفِ؛ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ"؛ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ: "مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟" قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ. قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟" قَالَ: لا. وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ؛ فَخَلَّى سَبِيلَهُ. قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ" .

فهذا رجل أمسك السيف، ووقف به على رأس رسول الله يتهدده بالقتل، ثم نجَّى الله عز وجلَّ رسولَه، وانقلبت الآية، فأصبح السيف في يد رسول الله ، ومع ذلك فالحقد والغِلُّ لا يعرفان طريقهما أبدًا إلى قلبه .. إنه يعرض عليه الإسلام، فيرفض الرجل، ولكن يعاهده على عدم قتاله، فيقبل منه رسول الله ببساطة، ويرحمه، ويعفو عنه، ويطلقه آمنًا إلى قومه!!

وتروي عائشة < فتقول: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ.  قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا؛ فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَهْلاً يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ" (وفي رواية: وإياكِ والعنف والفحش)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ" .

فهذا رسول الله - وهو القائد الممَكَّن في المدينة - يدخل عليه مجموعة من اليهود، فيدعون عليه بالموت في وجهه وهم يتحايلون باستخدام لفظ "السَّام" القريب من كلمة "السلام"، بحيث لو واجههم رسول الله بذلك لقالوا كذبًا: لقد قلنا: "السلام"، ورسول الله مع يقينه بما قالوا، ومع وجود عائشة < في المجلس وسماعها لمثل ما سمع، إلا أنه لا يقيم عليهم حكمًا ما داموا مُنْكِرين، ولا يقول: شهادتي وشهادة عائشة < أمام شهادتكم، بل يكتفي بأن يرد لهم الكلمة بأدب، فيقول: "وعليكم"، ولا يفعل مثلهم، ولا ينطق بلفظهم، بل إنه ينهى عائشة < عن العنف والفحش، ويأمرها باتِّباع الرفق في المعاملة حتى مع مَن يدعو عليك بالموت في وجهك!

وأعجب من هذا موقفه مع (زيد بن سعنة) وكان من أحبار اليهود..  قال زيد بن سعنة: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حِلمًا، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله.

قال: فخرج رسول الله من الحجرات، ومعه علي بن أبي طالب، فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، وكنت أخبرتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدًا، وقد أصابهم شدة وقحط من الغيث، وأنا أخشى - يا رسول الله - أن يخرجوا من الإسلام طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا، فإن رأيت أن تُرسِل إليهم من يُغيثهم به فعلت. قال: فنظر رسول الله إلى رجل جانبه - أراه عمر - فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله.

قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه، فقلت له: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: "لا يا يهودي، ولكن أبيعك تمرًا معلومًا إلى أجل كذا وكذا، ولا أُسمي حائط بني فلان"، قلت: نعم. فبايَعَنِي ، فأطلقت همياني، فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، قال: فأعطاها الرجل وقال: "اعجل عليهم وأغثهم بها".

قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، خرج رسول الله في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، ونفر من أصحابه، فلما صلَّى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثم قلت: ألا تقضيني - يا محمد - حقي؟ فوالله إنكم - يا بني عبد المطلب - قوم مُطْل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم!!

قال: ونظرتُ إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره وقال: أي عدو الله، أتقول لرسول الله ما أسمع، وتفعل به ما أرى؟! فوالذي بعثه بالحق، لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي هذا عنقك. ورسول الله ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: "إنَّا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة؛ اذهب به - يا عمر - فاقضه حقَّه، وزده عشرين صاعًا من تمر مكان ما رُعْتَهُ".

قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعًا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله أن أزيدك مكان ما رُعْتُكَ، فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة. قال: الحَبْر؟ قلت: نعم، الحبر. قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله ما قلت، وتفعل به ما فعلت؟

فقلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفتُها في وجه رسول الله حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرتهما، فأُشهدك - يا عمر - أني قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وأشهدك أن شطر مالي - فإني أكثرها مالاً - صدقة على أمة محمد .

فقال عمر: أو على بعضهم؛ فإنك لا تسعهم كلهم. قلت: أو على بعضهم. فرجع عمر وزيد إلى رسول الله ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله " .

فانظر - رحمك الله - إلى هذا اليهودي الذي يُخطِّط ويدبر لكي يستثير غضب رسول الله عامدًا متعمدًا؛ لكي يختبر صدق نبوته، فقام بعدة أمور الواحد منها يكفي لإثارة غضب أي إنسان..

فقد ذهب – أولاً - لطلب الدَّيْن المستحق له قبل الموعد المحدد له.

ثم أخذ – ثانيًا - بمجامع قميصه وردائه يجذبه..!!  وتخيل هذا الموقف والرسول في وسط أصحابه، وأمام الناس!

ثم نظر إليه – ثالثًا - بوجه غليظ..

ثم ناداه - رابعًا - باسمه مجردًا من أي لقب ولا كنية، فقال: ألا تقضيني يا "محمد" حقي؟

ثم هو – خامسًا - يسبُّه ويَسُبُّ عائلته حين قال: فوالله إنكم - يا بني عبد المطلب - قوم مطل..!!

فهذه أسباب خمسة، فيها من التطاول والتعدي ما فيها..  فإذا أضفت إلى كل هذا أن اليهودي يخاطب رأس المدينة المنورة وأعلى سلطة فيها، والرسول يقف آنذاك في وسط قوته وعزوته من المهاجرين والأنصار.. إذا أضفت ذلك عرفت أن الجزاء المتوقع لمثل هذا المتطاول قد يكون في أعراف كثير من الناس هو القتل! وهو ما لم يكن غريبًا؛ فقد اقترحه عمر بن الخطاب الذي كان يحضر الواقعة..  فماذا فعل رسول الله ..؟!

لقد تلقى هذه الاعتداءات - ولا أقول بِتَفَهُّمٍ والتماس عذرٍ فقط - ولكن تلقاها بابتسامة وترحاب!!

لقد نظر الرسول - كما يروي زيد بن سعنة - إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به - يا عمر - فاقضه حقه وزده عشرين صاعًا مكان ما رُعْتَه!!.

إنَّ هذا ليس مجرد عدل، بل - يقينًا – هو أعلى من العدل!  إنه – حقيقةً – رحمة!!

إن هذا السلوك السامي لا يفهمه عامة الملوك والسياسيين، بل لا يفهمه عموم الناس..  إن تواضع رسول الله جعله يقول لعمر: إنه كان أحوج إلى نصيحة بحسن الأداء!! مع أنه لا يحتاج لهذه النصيحة؛ لأن موعد السداد لم يأتِ بعد، ولكنها محاولة لتسكين فؤاد اليهودي والتبسط معه..

وهو بعد ذلك يرى أنه من الرحمة أن يعوضه عن الخوف الذي لحقه من جَرَّاء تهديد عمر ، فزاده عشرين صاعًا، وكل هذا دون انفعال أو تصلُّب، ودون أن يأخذ قسطًا من الوقت يفكر فيه، ويحسب العواقب والنتائج..

إنه رد فعل طبيعي جدًا له، وهو غير متكلف فيه.. فهذه هي طبيعته الفطرية مع عموم الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وسواء أحسنوا العرض أم أساءوا في الطلب..

ألا يحتاج سياسيو العالم وملوكه وقادته أن يقرءوا مثل هذه المواقف ليعرفوا ميزان الرحمة الذي يجب أن يَزِنوا به أعمالهم ومواقفهم؟!

ألا يحتاج علماء الأخلاق والاجتماع في العالم أن يتعمقوا في دراسة سيرة الرسول لتغيير معايير الأخلاق والقيم التي يعرفونها وفق ما يرونه من أخلاقه ؟!

إن العالم - بشتى مرجعياته وعقائده - لَيَحتاج حقيقةً إلى هذا المعين الصافي من أخلاق النبوة، ويوم يعرف الناس هذه الأخلاق ستتغير - لا محالة - الكثير والكثير من أوضاع الأرض، وستُفتَح طرقٌ واسعة للخروج من كثير من المشكلات والأزمات.

وليس أفضل لختام المبحث من كلام العزيز الرحيم:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" .

 الفصل الثالث : رحمته صلى الله عليه وسلم في تجنب الحرب

          مما لا شك فيه أن الرسول إنما جاء رحمة للبشرية، وإنقاذًا لها من براثن الغواية والضلال، وإخراجًا لها من الظلمات إلى النور، وحتى يصل بالبشر جميعًا إلى أعلى مراتب الأخلاق الإنسانية في كل تعاملاتهم في الحياة، وقد صرَّح بهذا الأمر حين قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .

          ومن المعلوم أن العالَمَ عامةً والعرب خاصة في زمن نشأة النبي ، وقبل بعثته قد ذاق من ويلاتِ الحروب الكثير والكثير، وكانت القبائل العربية تتقاتل فيما بينها لأتفه الأسباب، بل من دون أسباب أصلاً على حَدِّ قول شاعرهم:

وأحيانًا على بكر أخينا      إذا لم نجد إلا أخانا

وقد جاء الإسلام العظيم لينتزع الناس من هذه الحياة بالغة السوء، ولينقلهم نقلة هائلة إلى حيث الأمن والأمان والهدوء والسكينة، ومن ثَمَّ كان الرسول أحرص ما يكون على إبعاد الناس تمامًا عن الحروب، وعن كل ما يؤدي إليها، انطلاقًا من الرسالة السامية التي جاء بها من عند الله عز وجل نورًا وهدايةً وأمنًا ورحمةً للإنسانية كلها.

ولتوضيح هذه المعاني الراقية كان هذا الفصل الذي يضم ثلاثة مباحث، وهي:

المبحث الأول: السلام في الإسلام

المبحث الثاني: المسلم لا يقاتل إلا من قاتله

المبحث الثالث: دوافع حروب الرسول

 المبحث الأول: السلام في الإسلام

"إن سمعت عن إحدى مدنك، التي يعطيك الرب إلهك لتسكن فيها قولاً، فضربًا تضرب كل سكان المدينة بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة، وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك، فتكون تلاً إلى الأبد لا تبني بعد، لكي يرجع الرب عن حموّ غضبه ويعطيك رحمة "

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

إن من يراجع آيات القرآن الكريم يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن الأصل في التعامل مع غير المسلمين هو تقديم السلام على الحرب، واختيار التفاهم لا التصارع، ويكفي أن كلمة السلم بمشتقاتها قد جاءت في القرآن الكريم مائة وأربعين مرة، بينما جاءت كلمة الحرب بمشتقاتها ست مرات فقط!! (انظر شكل 2).

والفرق بين العددين هو الفرق بين نظرة رسول الله إلى كلا الأمرين، ففي معظم أحواله كان يبحث عن الطرق السلمية والهادئة للتعامل مع المخالفين له، ويحرص على تجنُّب الحرب ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وذلك إلى حدٍ قد يتعجب له المحللون والدارسون كثيرًا.

لقد قال الله تعالى: "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ".

          هذه الآية الكريمة من كتاب الله عز وجل تُبَرْهِنُ بشكل قاطع على حب المسلمين وإيثارهم لجانب السلم على الحرب، فمتى مال الأعداء إلى السَّلْمِ رضي المسلمون به، ما لم يكن من وراء هذا الأمر ضياع حقوقٍ للمسلمين أو سلب لإرادتهم..

          قال السدي وابن زيد: معنى الآية: إن دعوك إلى الصلح فأجبهم .

          ويقول الأستاذ سيد قطب عند تفسيره لهذه الآية: التعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح تعبير لطيف، يلقي ظل الدَّعة الرقيق، فهي حركة جناح يميل إلى جانب السلم، ويُرخي ريشه في وداعة !!

          وتأتي الآية التي بعدها لتؤكد أيضًا أن التشريع الإسلامي أحرص ما يكون على تحقيق السلام، فلو أن الأعداء أظهروا السلم، وأبطنوا الغدر والخيانة؛ فلا عليك من نياتهم الفاسدة، واجنح للسلم قال الله تعالى: "وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ " أي أن الله يتولى كفايتك وحياطتك .

          ويرى شيخ الأزهر السابق جاد الحق  – ~ - أنه أصبح واجبًا على المسلمين أن يقيموا علاقات المودة والمحبة مع غيرهم من أتباع الديانات الأخرى، والشعوب غير المسلمة نزولاً عند هذه الأُخوَّة الإنسانية، منطلقًا من الآية الكريمة:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "، معتبرًا هذه العلاقات هي التي تجسد معنى التعارف الوارد في الآية؛ فتَعَدُد هذه الشعوب ليس للخصومة والهدم؛ وإنما هو مدعاة للتعارف والتوادِّ والتحابِّ .

          ويرى الشيخ محمود شلتوت  أيضًا أن السلم هو الحالة الأصلية التي تهيئ للتعاون والتعارف وإشاعة الخير بين الناس عامة، وإذا احتفظ غير المسلمين بحالة السلم، فهم والمسلمون في نظر الإسلام إخوان في الإنسانية .

وكان يعتبر السلام من الأمور التي على المسلم أن يحرص عليها ويسأل الله أن يرزقه إياها، وكان يدعو فيقول: ‏"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.."

كما كان يكره كلمة حرب ولا يحب أن يسمعها وفي الحديث عنه : "أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: ‏عَبْدُ اللَّهِ ‏وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، ‏وَأَصْدَقُهَا: ‏حَارِثٌ ‏وَهَمَّامٌ، ‏وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ وَمُرَّةُ" .

وكان الرسول يُغيّر اسم مَن اسمه حرب إلى اسم آخر أحسن وأجمل، فعَنْ ‏ ‏هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، ‏عَنْ ‏عَلِيٍّ ‏، ‏قَالَ: "لَمَّا وُلِدَ ‏الْحَسَنُ ‏سَمَّيْتُهُ ‏حَرْبًا،‏ ‏فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏فَقَالَ: أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ:‏ ‏حَرْبًا، ‏قَالَ: "بَلْ هُو حَسَنٌ"،‏ ‏فَلَمَّا وُلِدَ ‏الْحُسَيْنُ ‏سَمَّيْتُهُ ‏‏حَرْبًا، ‏فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: ‏حَرْبًا، ‏قَالَ: "بَلْ هُوَ ‏حُسَيْنٌ"،‏ ‏فَلَمَّا وُلِدَ الثَّالِثُ سَمَّيْتُهُ ‏حَرْبًا‏، ‏فَجَاءَ النَّبِيُّ‏ ‏  ‏فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟" قُلْتُ: ‏حَرْبًا، ‏قَالَ: "بَلْ هُوَ ‏مُحَسِّنٌ"، ‏ثُمَّ قَالَ:‏ "‏سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ وَلَدِ ‏هَارُونَ: ‏شَبَّرُ ‏وَشَبِيرُ ‏وَمُشَبِّرٌ .

فهذه هي نظرته للحرب، وهذه هي نظرته للسلم..

ألا حقًا ما أرحمها من نظرة!

 المبحث الثاني: المسلم لا يقاتل إلا من قاتله

بدأ الاستعمار البريطاني لدولة ماليزيا في منتصف القرن السابع عشر وبالتحديد في عام 1665م،

واستمر الاحتلال البريطاني جاسم على ماليزيـا لمدة تقترب من ثلاثة قرون حتى حصلت على استقلالها في عام 1957م، فما الذي يدعو دولة عظمى في ذلك الوقت على الإقدام على غزو دولة صغيرة -330.343 ألف كم2- وتقع في قلب جنوب شرق آسيا وعلى بعد آلاف الأميال، ولا تشكل بل لا تستطيع أن تشكل أي تهديد لدولة مثل بريطانيا العظمى التي لم تكن تغرب عنها الشمس ؟!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

كان الرسول يعلم أصحابه ويوجِّهَهُم فيقول لهم مربيًا ومعلمًا: "لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ.." .

فالمسلم بطبيعة تربيته الأخلاقية التي يتربى عليها من خلال القرآن الكريم وسُنة النبي يكره القتل والدماء، ومن ثَمّ فهو لا يبدأ أحدًا بقتال، بل إنه يسعى بكل الطرق لتجنب القتال وسفك الدماء..

وفي آيات القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تؤيد هذا المعنى جيدًا، وتوضح أن الإذن بالقتال لم يأتِ إلا بعد أن بُديء المسلمون بالحرب، وحينئذٍ فلابد من الدفاع عن النفس والدين، وإلا كان هذا جُبنًا في الخُلُق، وخَوَرًا في العزيمة، قال الله تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ".

وعِلَّة القتال واضحة في الآية، وهي أن المسلمين ظُلِموا وأُخرِجوا من ديارهم بغير حقٍ..

ويقول سبحانه وتعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ".

يقول القرطبي ~: هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال، ولا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة بقوله:"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ". وقوله:"فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ "، وما كان مثله مما نزل بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أُمِرَ بالقتال .

ويجب التعليق هنا بأن الأمر بالقتال إنما جاء لمحاربة من يقاتلنا فقط، دون مَن سالمنا، وجاء التأكيد الشديد على ذلك المعنى بقول الله تعالى: "وَلَا تَعْتَدُوا ". ثم التحذير للمؤمنين:"إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ". فالله عز وجلَّ لا يحب الاعتداء، ولو كان على غير المسلمين، وفي هذا تحجيم كبير لاستمرار القتال، وهذا فيه من الرحمة بالإنسانية جميعًا ما فيه.

ويقول سبحانه وتعالى في سورة التوبة أيضًا: "وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ". 

فالقتال هنا مقيَّد، وبحسب قتالهم واجتماعهم لنا؛ يكون فرضُ اجتماعِنا لهم .

وعِلَّة قتال المشركين كَافَّة أنهم يقاتلون المسلمين كافة, ومن هنا فإنه لا يجوز للمسلم أن يقاتل من لم يقاتله إلا بعلَّة واضحة, كسلب أو نهب أو اغتصاب لحقوق المسلمين, أو بسبب ظلم أوقعوه بأحد، والمسلمون يريدون رفع هذا الظلم, أو بسبب منعهم للمسلمين من نشر دينهم، أو إيصال هذا الدين للغير.

وهذه الآية لها دلالة خاصة؛ فهي من آيات سورة التوبة، وهي من أُخريات ما نزل من القرآن، وتمت قراءتها في موسم الحج من العام التاسع للهجرة، وهذا يعني أنها ليست منسوخة، ومن ثَمَّ فحكمها ثابت يقينًا.

وما مَرَّ من أسباب كلها يدعو إلى قتال هؤلاء المشركين, ومن الواضح أنهم إن لم يفعلوا هذه الأمور لم يكن قتالهم جائزًا، وإذا كانت كل هذه استنباطات فإن واقع المسلمين في زمان الخلفاء الراشدين بعد وفاة الرسول يصدق هذا الاختيار, فالمسلمون في فتوحاتهم لم يقاتلوا أو يقتلوا كل المشركين الذين قابلوهم في هذه الفتوحات, بل على العكس لم يكونوا يقاتلون إلا من قاتلهم من جيش البلاد المفتوحة, وكانوا يتركون بقية المشركين على دينهم.

          هذا واقع قرأناه بأنفسنا في كل الفتوح الإسلامية, وما وجدنا رجلا واحدًا قُتِلَ لمجرد كونه مشركًا.

ومما يؤكِّد أن المسلمين لم يكونوا يقاتلون إلا من قاتلهم؛ موقف المسلمين من مشركي الحبشة، فالمسلمون لم يفكروا في حربهم في يوم من الأيام، وهذه ظاهرة جديرة بالاهتمام وتؤيد ما ذهبنا إليه آنفًا من أن الحرب في الإسلام إنما هي ضرورة، دُفِعَ إليها المسلمون، فقد كانت الحبشة قريبة نسبيًّا من المسلمين، وكانوا على دراية بها وبأحوالها كلها، وعلى علم بالضعف الحربي الذي تعانيه إذا قِيست بالفرس والروم، فلماذا – إذن – لم يحاربوها؟

ليس لذلك إلا جواب واحد؛ هو أنها لم تحاربهم، ولم تُعِدَّ عدتها للقضاء عليهم، كما فعل غيرُها، بل إنها كفلت حرية العبادة للمهاجرين الأوَّلين الذين فرُّوا إليها بدينهم، ثم لم يُعرَف في تاريخها أنها عوَّقت الدعوة إلى الإسلام، أو نَكَّلَت بالدعاة، أو اضطهدت المسلمين، ولو أن الحرب الإسلامية كانت للسيطرة ، والجشع، والنهم على الفتح؛ لكانت الحبشة أول بلد حاربه المسلمون .

المبحث الثالث: دوافع حروب الرسول

جاء في رسالة رسول الله إلى "المقوقس"- عظيم القبط بمصر- سنة 7هـ، 628م :

 "إن لك دينًا- [أي النصرانية]- لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام، الكافي به الله ما سواه وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا لك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكننا نأمرك به .

تتفاوت دوافع القتال بين الأمم المختلفة؛ فقد يكون الباعث على القتال تسلطًا وفرضًا للقوة كما كان عند الإغريق والرومان، وقد يكون إغارات هوجاء للاستيلاء على الكلأ والماء كما كان عند العرب في الجاهلية، وقد يكون عقيدة في ضمائر شعبٍ آمَنَ – زورًا وبهتانًا – بأنه فوق مستوى الشعوب كما هو عند اليهود، وقد يكون ضرورة أَمْلَتْها السياسة بعد أن حرَّمها الدين كما كان عند المسيحية.. إلى آخر هذه الدوافع .

ولسنا نجد دافعًا من هذه الدوافع وراء القتال عند رسول الله .

لقد جاء التشريع الإسلامي فهذَّب طباع الإنسان، وعدَّل سلوكه، وأعطاه حق الدفاع عن نفسه، ومنعه من العدوان على حقوق الآخرين، وارتفع به عن مستوى الانتقام إلى مستوى العفو؛ فقال تعالى: "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ".

فمشروعية القتال في الإسلام غيرها في الأنظمة والقوانين، ومن شاء أن يدرس طبيعة الحروب الإسلامية؛ فليدرس طبيعة الإسلام ذاته حتى لا يطبق على هذه الحروب مقاييس غيرها من حروب التوسع والعدوان . 

إنَّ رؤية رسول الله للدوافع التي ينبغي أن تقوم الحرب من أجلها واضحة، وهي دوافع لا ينكرها منصف، ولا يعترض عليها محايد.  وهذه الدوافع تشمل رَدَّ العدوان، والدفاع عن النفس والأهل والوطن والدين، وذلك ما يُسَمَّى: جهاد الدفع، وتشمل الدوافع كذلك تأمين الدين والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتنوهم عن دينهم، وأيضًا حماية الدعوة حتى تُبَلَّغ للناس جميعًا، وأخيرًا تأديب ناكثي العهد ، وهو ما يُسَمّى: جهاد الطلب؛  فالجهاد إذن نوعان: جهاد الدفع، وجهاد الطلب؛ يقول الإمام ابن القيم: "فمن المعلوم أنَّ المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبًا والعدو طالبًا، وقد يقصد الظَّفر بالعدو ابتداءً إذا كان طالبًا والعدو مطلوبًا، وقد يقصد كلا الأمرين. والأقسام الثلاثة يُؤمَرُ المؤمن فيها بالجهاد" .

ومَنْ في العالم ينكر مثل هذه الدوافع للقتال؟!

ومع أن أهداف القتال في الإسلام كلها نبيلة إلا أن رسول الله لم يكن متشوِّفًا أبدًا لحرب الناس، ولا مشتاقًا لقتلهم، وذلك على الرغم من بدايتهم للعدوان، وعداوتهم الظاهرة للمسلمين، وكان من أظهر الدلالات على ذلك أنه كان يدعوهم إلى الإسلام قبل القتال.  ولا ينبغي أن يفهم أحدٌ أنه يفعل ذلك ابتداءً، فيبدو وكأنه إكراه على اعتناق الإسلام، فقد كان رسول الله يفعل ذلك عند تعيُّن القتال فعلاً، فإذا حضر الفريقان إلى أرض القتال جعل للفريق المعادي فرصة أخيرة لتجنب إراقة الدماء، وهذه من أبلغ صور الرحمة؛ لأن الفريق المعادي مستباح الدم الآن، والعفو عنه غير متوقع، كما أن الرسول كان يفعل ذلك والقوة في يده، ويستطيع بكلمة واحدة أن يبيد من أمامه، ولكنَّه يرحمهم!

وهذا الخلق الرائع من إنشاء الإسلام الذي لم يستبح الغدر بأحد قبل إعلامه؛ فجعل الدعوة قبل القتال لازمةً، وتلك قمة لم تسمُ إليها أمة من الأمم من قبل الإسلام أو بعده. فما زال أهل الأديان الأخرى يغدرون بعدوهم، ويتحينون فرصة؛ ليبيدوه ويستحلُّوا حرماته، بينما لم يقاتل النبي قومًا قَطُّ إلا بعد أن دعاهم إلى الله تعالى" .

وعندما أرسل النبي عليَّ بن أبي طالب إلى خيبر أوصاه قائلاً: "انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ ‏ ‏حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ ‏‏حُمْرُ النَّعَمِ" .

فالرسول في هذا الموقف وهو القائد وكان من المتوقع أن يُلهِبَ حماسة جنده، راح يهدّيء من حماسة علي ويأمره ومَنْ معه بالهدوء في الأمر، كما هو واضح في قوله : "انفذ على رِسْلِك" ويأمرهم بدعوة هؤلاء القوم إلى الإسلام، وما يجب عليهم نحو الله سبحانه وتعالى، ثم هو يخبرهم بالأجر العظيم المترتب على هداية فرد واحد، مما يجعل همَّ الكتيبة المسلمة ليس القتل وسفك الدماء؛ وإنما هداية البشر إلى الله تعالى حتى ينالوا هذا الأجر العظيم والثواب الجزيل من رب العالمين..

وقد يقول قائل: طالما أنَّ الرسول ليس متشوفًا إلى المعارك والحروب فلماذا هذا العدد الكبير من الغزوات والسرايا في حياته؟!

ونحن نقول: نعم..  لقد غزا رسول الله بنفسه الشريفة غزوات عديدة (خريطة 2)، وأرسل سرايا وبعوثًا كثيرة، ولكنَّه لم يكن في جميع غزواته أو سراياه بادئًا بقتال، أو طالبًا لدنيا، أو جامعًا لمال، أو راغبًا في زعامة، أو موسعًا لحدود دولة أو مملكة؛ بل كل ذلك كان هداية للناس، وتحريرًا للعقول، ورفعًا للظلم، وربطًا للناس برب العالمين بأعلى أساليب العفة والشرف والنُبْل، مما جعل هذه الغزوات أنموذجًا للتعامل الدولي في الحروب والأسارى .

وقد تنوع فيها أعداؤه وتعددت دياناتهم ومشاربهم، فمنهم الوثني، واليهودي، والنصراني.

وسوف نعرض في السطور التالية للأسباب التي أَدَّت إلى هذه الحروب مع كل فئة من هذه الفئات ليتضح لنا عن يقين أن الرسول لم يبدأ أحدًا بحرب ولا قتال، وإنما دُفِعَ إلى ذلك دفعًا..

وسيتم تناول ذلك في ثلاثة مطالب:

          المطلب الأول: حروبه مع المشركين.

          المطلب الثاني: حروبه مع اليهود.

          المطلب الثالث: حروبه مع النصارى.

المطلب الأول: حروبه صلى الله عليه وسلم مع المشركين: (خريطة 3)

نعلم جميعًا أن المشركين هم أكثر من آذى رسول الله والمسلمين، بل إنهم لم يكتفوا بالإيذاء فطردوا المسلمين من مكة التي هي وطنهم الذي وُلِدُوا وتَرَبَّوا فيه، واستولوا على ممتلكاتهم من الأموال والبيوت، ومع هذا كله لم يفكر الرسول طوال إقامته في مكة أن يعتدي على أحد من المشركين مع ما كان له من عِزَّة ومَنعَة؛ فهو من أرقى عائلة في مكة، ومن أَعَزِّ بطون قريش، وصاحب النسب والشرف، إلا أن له رسالةً ساميةً يريد أن يؤديها، فكان يتحمَّل الإيذاء إلى أبعد الحدود، ويحثُّ أصحابه على الصبر، وعدم مقابلة السيئة

بمثلها، إلا أن قريشًا تمادت في غيِّها وضلالها وكبريائها فكان لابد من وقفات حازمة ترد للمسلمين بعض حقوقهم المسلوبة وأموالهم المنهوبة، وهذا من دون شك أمرٌ لا ينكره عاقل، ولا يعارضه صاحب رأي سديد.

تأتي غزوة بدر الكبرى لتمثِّل أُولَى الصدامات الحقيقية بين المشركين والمسلمين، وإذا تدارسنا أسباب هذه المعركة في هدوء ورَوِيَّة لوجدنا أن المسلمين قد دُفِعُوا إليها دفعًا، وأنه لم يكن في نيِّتهم القتال، وإنما اضطرهم المشركون من قريش إليه..

فأهل مكة الكافرون هم الذين بدءوا بإيقاع الظلم على المسلمين، ولم يكن الظلم ظلمًا واحدًا، بل كان ظلمًا متعددًا مُرَكَّبًا، فظُلمٌ في الجسد بالتعذيب والحرق والإغراق والقتل أحيانًا, وظلم في المال بمصادرته بدون وجه حق واغتصابه بالقوة, وظلم في الديار بالطرد منها وأخذها، بل بيعها وأكل ثمنها, وظلم في النفس والسمعة بالسب والقذف وتشويه السمعة، وظلم في الحرية بالحبس والعزل عن المجتمع.

فماذا يفعل المسلمون لرفع هذا الظلم؟!

لقد اضْطُرَّ المسلمون للهجرة وترك الديار والأموال والأهل وكل شيء، وكانت هجرتهم مرتين إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ولم يتركهم كفار مكة يعيشون حياتهم في أمان هناك، بل طاردوهم وحاصروهم وراسلوا مشركي المدينة ويهودَها لاستئصال المسلمين تمامًا من على وجه الأرض!

ماذا يجب أن يفعل المسلمون إزاء هذه الأفعال؟!

هل ينبغي على المسلمين أن يسلِّموا رقابهم ورقاب أولادهم لسيوف قريش؟ أم كان عليهم أن يحملوا متاعهم وعيالهم إلى بلد آخر؟!

إنَّ أي عاقل أو حُرٍّ لن يجد أمامه سبيلاً إلا المقاومة لدفع الشر، وقمع الفساد..  وهذا ما فعله المسلمون..  ولمَّا لم تكن لهم طاقة بغزو مكة، واسترداد ثرواتهم المنهوبة فكَّروا في مهاجمة قوافل مكة التجارية والمارة على طريق المدينة..  لقد كانت محاولة لرفع – ولو جانبًا من – الظلم الواقع على كواهلهم منذ سنوات.

ثم إن هذه حالة حرب حقيقية، وليس هنا مجال لما يطعن به المستشرقون بأن المسلمين يُغِيرُون على الآمنين من قريش، فهذه حرب معلنة بين دولة المدينة المسلمة وبين دولة مكة الكافرة، وكلا الطرفين يستحل دم ومال الآخر، وكلا الطرفين يضرب مصالح الآخر، وهذا عُرْفٌ في حالة الحرب متعارف عليه في كل الأزمان وفي كل الأماكن، وليس من ابتكار المسلمين، كما أن الإسلام دين واقعي، يرد القوةَ بالقوة، ويُشهِرُ السيف في وجوه من أشهروا سيوفهم عليه.

          إنهم يلومون المسلمين؛ لأنهم هاجموا قوافل قريش التي استولت على أموالهم وديارهم!

ألم يكن من الأجدر بهم أن يلوموا قريشًا التي سلبت المسلمين كل ما يملكون ظلمًا وعدوانًا!

خرج المسلمون فعلاً لمهاجمة القافلة، ولكن شاء الله سبحانه وتعالى أن يتمكن أبو سفيان قائد قافلة قريش من الهرب بها، وأرسل إلى مكة يستدعي النجدة، وجاءت قريش بألف من الجنود لقتال المسلمين، وخرج على قيادة الجيش كل زعماء مكة تقريبًا، وجعلوا على رأس الجيش أبا جهل، فرعون هذه الأمة.

وفي الطريق علم المشركون بنجاة قافلتهم وأموالهم؛ فرأى عدد منهم الرجوع، وعدم الانسياق إلى الحرب؛ وكان منهم عتبة بن ربيعة والأخنس بن شريق ، وآخرون، لكن أبا جهل حمَّس الناس، وصمم على البقاء بالجيش عند بدر ثلاث ليالٍ؛ ينحرون الإبل، ويشربون الخمر، وتغني القيان حتى تظل العرب تهاب قريشًا.

وكما رأينا كان بإمكان جيش قريش أن يرجع وألا يحارب، أو يدخل في قتال مع المسلمين خاصة بعد نجاة القافلة، ولكن إصرار بعض قادتها على الحرب هو الذي ورَّطهم في القتال.  ودارت معركة من أشرس المعارك في تاريخ الإسلام انتهت بهزيمة ساحقة للمشركين، وقَتلِ سبعين من قادتهم، وأَسْرِ سبعين آخرين، وتحصيل قدر من الغنائم عوَّض المسلمين عن بعض أموالهم المسلوبة.

ورغم ما أصاب قريشًا في بدر؛ فإنها لم تتعظ، ولم تتراجع عن غيِّها، بل تمادت فأوقفت التصرف في قافلة أبي سفيان التي أفلتت في بدر لتجهيز جيشٍ بأموالها لحرب المسلمين، ولم تكتفِ قريش بتجهيز الجيش من داخل مكة بل بدأت تستنفر القبائل المحيطة بها للمساعدة لها، وكونت قريش بالفعل جيشًا كبيرًا، وهنا اضطر المسلمون لخوض الحرب مرة أخرى؛ دفاعًا عن أنفسهم، وعن الدولة الإسلامية، فكانت معركة أُحُد..

جاءت قريش بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وكان قائدهم هو أبو سفيان، ومعه: صفوان ابن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وغيرهم، وجهَّزوا كذلك ثلاثة آلاف بعير؛ ومائتي فرس، وسبعمائة درع ، وأشعلت قريش حربًا إعلامية ضخمة تحفِّز الناس على حرب المسلمين، وقاد هذه الحرب الإعلامية أبو عزة الجمحي .

وخرج المسلمون للمشركين في سبعمائة مقاتل، ودارت المعركة المشهورة التي انتهت بالمصاب الأليم الذي أصاب المسلمين، واستُشهِدَ من المسلمين سبعون على رأسهم حمزة بن عبد المطلب ، وقامت قريش بالجريمة الشنعاء، إذ مثَّلت بجثث الشهداء المسلمين، مخالفةً بذلك كل الأعراف والقيم، ووضح للجميع مدى الحقد والكراهية التي يحملها المشركون في قلوبهم للمسلمين.

وكان من الممكن أن تكتفي قريش بهذه المعركة، وتكون في مقابل معركة بدرٍ، لكنَّ مشركي قريش أَبَوا إلا أن يستأصلوا المسلمين من المدينة بشكل نهائي، وجمَّعت قريش - وبمعاونة اليهود - عشرة آلاف مقاتل، وتحزَّبوا جميعًا، وكان الهدف الأوحد لهم هو إنهاء الوجود الإسلامي تمامًا من المدينة، وتحرَّكت هذه الحشود الهائلة لتحيط بالمدينة التي يقطنها المسلمون، واضطُرَّ المسلمون لبذل جهود جبَّارة لحماية أنفسهم من الشر المحدق بهم، فحفروا خندقًا حول المدينة، لئلا يستطيع الجيش المهاجم الدخول إليهم، ومع هذا فقد حاول بعض المشركين اقتحام الخندق لقتال المسلمين، وكان لابدَّ من مواجهة ذلك التحالف الضخم الآتي لاقتلاع دولة الإسلام، فكانت غزوة الأحزاب.

فهل يُلامُ المسلمون على دفاعهم عن المدينة، وقتالهم للمشركين، وقد جاء المشركون بهدف الاستئصال الجذري لهم، وإبادتهم بشكل جماعي؟!!

ثم بلغَ الرسولَ أن بني المصطلق يجمعون له  ويُعِدون عُدتهم لغزو المدينة المنورة، فكان لابدَّ من تفادي ما حدث قريبًا في الأحزاب، وذلك بتوجيه ضربة قوية لبني المصطلق، توقِف تحرَّكاتهم، وتحمي المدينة من شرورهم.

  وها هو رسول الله يتجه إلى مكة يريد أداء العمرة، ولم يُرِدِ القتال أبدًا، ويثبت ذلك كلامه يوم الحديبية: ‏"وَاللَّهِ لَا تَدْعُونِي‏ ‏قُرَيْشٌ‏ ‏الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ ‏يَسْأَلُونِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ".

ولقد استقبل رسول الله سهيل بن عمرو مفاوض قريش، وكان أرغب ما يكون في موادعة القوم، وإن كان قادرًا على تحكيم السيف، وإنزال خصومه على منطقه الذي آثروه مذ صَدُّوه عن البيت، وتكلم سُهَيْلٌ فأطال وعرض الشروط التي يتم في نطاقها الصلح، ووافق عليها النبي ، ولم يبقَ إلا أن تُسجَّل في وثيقة يمضيها الطرفان.  ورغم ما في هذه الشروط من إجحافٍ ظاهرٍ اعترض عليه الصحابة، إلا أن النبي آثر الموادعة، لأنه يريد تَجَنُّبَ القتال، وعدم الدخول في حروب..

وكان ينبغي بناءً على بنود الصلح أن يدخل من شاء في حلف النبي أو في حلف قريش، وتُطبَّق عليه أحكام الصلح، وقد دخلت قبيلة خزاعة في حلف المسلمين، ودخلت بنو بكر في حلف قريش، ولكنَّ بكرًا الموتورة من خزاعة بفعل ثأر قديم بيَّتت رجالاً من خزاعة، وقتلوهم؛ فلما استجار الخزاعيون بالحرم انتهكت بنو بكر حُرمَة البيت، وقتلتهم بداخله، وقد شارك في ذلك العديد من فرسان قريش!

واستنجدت خزاعة بالنبي ، وكان حقًّا عليه أن يفي بعهده وينصر حلفائه، ويعاقب قريشًا التي نقضت العهد؛ فكان فتح مكة.  فهل يُلام رسول الله على حربه لمن نقض عهده، وقتل حلفاءه؟!

  وبعد فتح مكة أكل الغلُّ قلوب قبيلة هوازن؛ فجمعوا الجموع لرسول الله ، وظنًّوا أنهم قادرون على إطفاء نور الله عز وجل، وإخماد جذوة الحق، ولكن الرسول وصلته الأخبار فتجهَّز هو والمسلمون للقائهم، وخرجوا إليهم في سهل حنين، فكانت غزوة حنين.

هذه هي حروبه مع المشركين، ما كانت إلا اضطرارًا، وما بدأها أبدًا، ولكنَّهم دائمًا كانوا يبدءون، وما ظلمهم لحظةً واحدة، ولكنهم كانوا دائمًا يظلمون، وبرغم كل ذلك لم يكن متشفيًا فيهم أبدًا، ولا حاقدًا عليهم، بل كان يتحين الفرص للعفو، ويُكثر من قبول الأعذار، ولا يجعل الحرب إلا آخر دواءٍ.. ولم يكن هذا مرةً أو مرتين في حياته، بل كان كذلك على الدوام، فأي حروبٍ مع المشركين - بعد أن شرحنا أسبابها - كان من الممكن أن يتجنبها؟!! وأي المعارك كان من الممكن ألا يخوضها؟!!    

المطلب الثاني: حروبه مع اليهود: (خريطة 4)

لم يختلف اليهود كثيرًا عن المشركين، فبعد أن عاهدهم رسول الله ووفَّى بعهدهم، وأحسن معاملتهم، ما كان منهم إلا الإساءة، ونكران الجميل، والتقوُّل على الله ورسوله وعلى المؤمنين، ومحاولة تشكيك المسلمين فيما يعتقدونه من الحق، وقد صبر عليهم رسول الله كثيرًا، وتغاضى عن الكثير من أخطائهم، ولم يعاقبهم عليها رغم فداحتها، إلا أن الأمر بلغ حدًّا

لا يُطاق، وأصبح من الحكمة بمكان أن يتمَّ اتخاذ موقفٍ حازمٍ إزاء ما يفعله اليهود، فلقد بدأت قبائلهم في نقض العهود الواحدة تلو الأخرى، فقام يهود بني قينقاع بفعلٍ فاحشٍ تمالأوا فيه على الاعتداء على شرف امرأة مسلمة، كانت تشتري من سوقهم بعض حاجتها، كما اجتمعوا على قتل رجل مسلم .

واليهود بهذا الفعل الفاحش، وهذه الجريمة التي ارتكبوها، أصبحوا ناقضين لعهدهم مع رسول الله ، وقد قبل الرسول بإجلائهم وهو على استطاعة تامة أن يقتلهم جميعًا، وما فعله الرسول من قبول الاكتفاء بإجلائهم عن المدينة يُعَدُّ عفوًا عظيمًا عن أناسٍ يستحقون القتل لنقضهم العهد، واعتدائهم على حرمات المسلمين، وتمالئهم على ذلك.

ولم يؤاخذ الرسول طوائف اليهود الأخرى بفعل إخوانهم من بني قينقاع، مع أنه كان بالإمكان إجلاؤهم أيضًا، فجميعهم ينتسب إلى دين واحد، لكن الرسول أحسن إلى من بقي من طوائف اليهود، وقابل يهود بني النضير هذا الإحسان بالإساءة، فحاولوا الغدر برسول الله ومحاولة قتله، فبينما كان يجلس بينهم، ذهب أحدهم ليلقي صخرة من أعلى على رسول الله !!

إن الخيانة التي تسري في دماء اليهود قد دفعتهم إلى هذه الجريمة التي لا عقاب لها إلا القتل جزاءً وفاقًا على ما دَبَّروا، ومع ذلك فقد حقن رسول الله دماءهم - بعدما مكَّنه الله عز وجل من رقابهم، وقذف في قلوبهم الرعب – وأجلاهم خارج المدينة، وتلك رحمة غير مسبوقة، ونادرة الحدوث من غير المسلمين في التاريخ البشري..

          ولم يعاقب رسول الله باقي يهود المدينة غير بني النضير، ولم يؤاخذهم بجُرم إخوانهم الذين أرادوا قتله، فقد كان بالمدينة يهود بني قريظة وكانوا على عهد وميثاق مع رسول الله ومع المسلمين، أن يدافعوا مع المسلمين ضد أي عدوٍّ يهاجم المدينة، ولكنَّهم خانوا المسلمين في أشد المواقف حرجًا، فقد راسلوا الأحزاب المتجمِّعةَ حول المدينة، والآتية من مكة وما حولها لغزو المدينة واستباحتها، وتأكد الرسول من صحة هذا الأمر..

فعن سعيد بن المسيب ~  - في سياق قصة الأحزاب -: فبينما هم كذلك إذ جاءهم نعيم ابن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان، كان موادعًا لهما، فقال: إني كنت عند عيينة بن حصن وأبي سفيان إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا فإنا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم ..

أي أن اليهود يعِدون الأحزاب إن خرج المسلمون إلى قتالهم أن يعتدي اليهود على نساء المسلمين وذراريهم وأموالهم وهو معنى مخالفة المسلمين إلى بيضتهم.

فهي إذن خيانة عظمى من هذه الفئة التي كانت على عهد وميثاق مع الدولة الإسلامية، ثم هي في أحلك الظروف تنقض العهد، وتتعاون مع العدو المهاجم من خارج الدولة.

فسبب غزوهم هو نقضهم للعهد الذي كان بينهم وبين النبي في أحلك الظروف وأصعبها على المسلمين، فهل يدَّعي أحد بعد ذلك أن العقاب الذي أنزله النبي بهم فيه شيء من الإجحاف أو الظلم، وماذا لو تمَّ لهم ما أرادوا من غدر وخيانة للمسلمين، إن مصير المسلمين في هذه الحالة – من دون شك – هو القتل والتشريد وضياع المال والولد والأهل، وإذا كان الجزاء من جنس العمل فلا شك أن ما لحق ببني قريظة أمر يستحقونه نظير غدرهم وخيانتهم للعهد والميثاق، رغم الوفاء الكامل من رسول الله والمسلمين لهم، وذلك بشهادتهم هم ..

أما يهود خيبر؛ فقد تحالفوا مع من جاءهم من يهود بني النضير كحيي بن أخطب، وكنانة ابن أبي الحقيق، وهَوذة بن قيس الوائلي، وخرج هؤلاء إلى قريش يدعونهم للتجمع والتحزب لاستئصال المسلمين في غزوة الأحزاب، ثم خرجوا إلى غطفان؛ فدعوهم إلى حرب رسول الله ، وجعلوا لهم تمر خيبر سنةً، إنْ هم نصروهم، وأخبروهم أنَّ قريشًا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه، ثم خرجت يهود إلى بني سُلَيْم فوعدوهم المسير معهم إذا خرجت قريش.. لقد كانوا – إذن - العقل المدبر لتحالف الأحزاب ضد المسلمين.  وعندما فرغ رسول الله من أمر قريش وأَمِن جانبها بصلح الحديبية تفرَّغ ليهود خيبر وحاربهم..  فهل يُلامُ رسول الله على حربه لمن حزَّب الأحزاب بغرض إبادة جماعية للمسلمين؟!

المطلب الثالث: حروبه مع النصارى: (خريطة 5)

لم يكن احتكاك النصارى بالمسلمين مبكرًا كما كان الحال مع المشركين واليهود، وذلك لندرة النصارى في منطقتي مكة والمدينة، ولكن مع ازدياد قوة المسلمين وانتشار الإسلام في الجزيرة العربية شعرت القبائل النصرانية - والتي كانت متمركزة في الأساس في مناطق الشمال - بالقلق والرِّيبة، مما دفعها إلى جمع الجموع لمهاجمة المسلمين، وذلك منعًا لقوتهم من التزايد، ولنفوذهم من النمو.  وكان أول تجمع نصراني من هذا النوع من قبائل قضاعة وغسان من أهل دومة الجندل، وكانت هذه القبائل تتعرض لقوافل المسلمين المارَّة بمناطقها، بل كان منهم من يريد غزو المدينة. أما الذي كان يُجرِّيء هذه القبائل على هذا العمل الخطير فهو ارتباطها الوثيق بالدولة الرومانية، والتي تُعَدُّ القوة الأولى في العالم في ذلك الوقت، وكانت الدولة الرومانية لا ترضى - بلا شك - عن نموِّ أي قوة منافسة في المنطقة.

وما إن علم الرسول أن هذا الجمعَ يريد أن يهاجم المدينة حتى خرج إليهم، وذلك في ربيع الأول سنة 5 هـ، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة ، وجاء الخبرُ أهلَ دومة الجندل فتفرقوا، ونزل الرسول بساحتهم فلم يجد فيها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبثَّ السرايا .

ولما ظهرت تكتلات أخرى تهدف لمحاربة المدينة أرسل الرسول سرية بقيادة عبد الرحمن بن عوف إلى قبيلة كلب النصرانية الواقعة بدومة الجندل، وذلك في شعبان سنة 6 هـ، وقد أوصى رسول الله عبد الرحمن بن عوف بدعوتهم إلى الله تعالى، ومن بين ما قال له: "إِنِ اسْتَجَابُوا لَكَ فَتَزَوَّجِ ابْنَةَ مَلِكِهِم"  - وذلك كسبًا لمودتهم وتعزيزًا للعلاقات معهم - فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل؛ فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام؛ فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيًّا وكان رأسهم، وأسلم معه ناسٌ كثير من قومه، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وقدم بها إلى المدينة .

وهكذا نرى حرص الرسول على التوادِّ والتحابِّ مَع مَنْ حوله، ودعوتهم إلى الله تعالى، والمحاولات المتكررة لإيصال الخير إليهم.

ثم حدثت أزمة شديدة عندما بعث رسول الله وفدًا من الدعاة المسلمين إلى مشارف الشام يعلِّمون الناس مباديء الإسلام؛ فوَثَبَتْ عليهم جموع العرب الموالين للروم فقتلتهم جميعًا في مكان يُسمَّى (ذات أطلاح) ، وكانوا خمسةَ عشرَ داعيًا، واستطاع رئيسهم  النجاة بأعجوبة..

وكذلك لمَّا بَعثَ الرسول الحارثَ بن عُمَير الأزدي إلى ملك بُصرَى بكتاب؛ نزل مؤتة  فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني - وكان الغساسنة يدينون بالنصرانية ويتبعون الدولة البيزنطية - فقال: أين تريد؟ فقال: الشام، قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم. أنا رسولُ رسولِ الله ؛ فأُمِر به فأُوثِقَ رباطًا، ثم قدمه فضرب عنقه صبرًا. فبلغ رسول الله الخبر فاشتد عليه، وندب الناس فأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله .

ولم يكن أمام المسلمين إزاء هذه الحوادث إلا أن يردعوا الروم وأشياعهم حتى لا يعاودوا ما فعلوه مرةً أخرى.  فأرسل النبي حملة تأديبية من ثلاثة آلاف مقاتلٍ أخذت طريقها إلى الشام، بَيْد أن الروم كانوا قد استعدوا بجيش كثيف لقاء هذه الكتيبة من المؤمنين، فجمعوا نحو مائتي ألفٍ من رجالهم، ومن انضم إليهم من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء وبلى.

ومع الفارق المهول بين أعداد المسلمين والرومان إلا أن المسلمين خاضوا هذه المعركة الشرسة، فقُتِلَ قادتُهم الثلاثة على التعاقب: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وانسحب خالد بن الوليد بجيشه إلى المدينة.

وهنا يثور التساؤل: هل كان مطلوبًا من المسلمين أن يصمتوا على قتل رسلهم، وإهانة كرامة دولتهم، حتى لا يُتَّهَموا بأنهم هم الذين يسعون إلى القتال دائمًا؟!!

وبعد مؤتة بعام تجمَّع الرومان ومن شايعهم من قبائل العرب النصرانية (أمثال: لخم، وجذام، وعاملة، وغسان) مرَّة أخرى في منطقة البلقاء (الأردن حاليًا) يريدون دولة الإسلام، وعلم الرسول أن هناك تجمعاتٍ للرومان ومن حالفهم بهدف القضاء على المدينة المنورة.. فقرر أن يخرج إليهم في شمال الجزيرة العربية، وبالتالي خرج الرسول بنفسه على رأس أعظم جيوشه، وأقرب خاصته؛ ليلقى أعتى قوة في العالم, وذلك حتى يحفظ دماء شعبه، فكانت غزوة تبوك  المشهورة، وأَلقى اللهُ الرعبَ في قلوب قادة الروم وجنودهم، وأتباعهم من نصارى العرب؛ ففَرُّوا خائفين لا يَلْوُون على شيء، وليس من الممكن أن يُطلَب من المسلمين أن يُغمِضوا أعينهم، ويتعامَوا عن المؤامرات التي تُحاكُ ضدهم.

هذه هي ملابسات الحروب التي خاضها الرسول مع المشركين، ومع اليهود والنَّصارى، وقد ظهر لنا من خلالها أنه لم يبدأ أحدًا فيها بعدوان، بل كان يرد بها عدوانًا واقعًا، أو وشيكَ الوقوع؛ لأن الحرب في الإسلام ليست أول ما يلجأ إليه المسلمون لحلِّ خلافاتهم مع أعدائهم، بل هي دومًا - كما بينَّا - آخر الدواء.

 الفصل الرابع: رحمته صلى الله عليه وسلم أثناء الحرب

لعل الكثير مِمَّنْ يقرأ عنوان هذا الفصل يتعجّب قائلاً: وهل في الحرب رحمة؟!

والواقع أن هذا التعجّب صحيح في عُموم المعارك التي تجري وَفْقَ أيّ منهجٍ من مناهجِ الأرض.  غير أنّ منهج الإسلام ليس منهجًا أرضيًا تَعْتَرِيهِ نَوَاقِصُ البشر، وتُؤَثِّرُ فيه أهواؤُهم، إنما هو منهجٌ إلهيٌّ سماويٌّ ليس فيه نقاطُ ضعفٍ، أو ثغرات.  ثم كانت حياة رسول الله خير دليلٍ على واقعيّة هذا المنهج، فَطَبَّقَ كلّ بُنُودِهِ دون تفريطٍ أو تحريف.  وكان من أَهَمِّ بُنُودِ هذا المنهج الراقي بُرُوزُ عنصرِ الأخلاقِ بشكلٍ عام، والرحمة بشكلٍ خاص، حتى شَمِلَتِ الأخلاق – حقيقةً - كل مَنَاحِي الحياة.  وكانت الحربُ من الأمورِ التي لم يَسْتَثْنِهَا هذا المنهجُ الرفيعُ، فجاءت حروب الإسلام أخلاقيّة بمعنى الكلمة.

وباستقراء سيرة الرسول في المعارك الحربيّة المختلفة، سواءً ما فعله بنفسه ، أو ما كان يُوصِي به صحابته جميعًا في عمليّاتهم الحربيّة تَتَّضِحُ لنا ملامحُ هذا المنهج الأخلاقيّ الرائعِ الذي مَارَسَهُ رسولُ اللهِ ، وطبَّقه عمليًّا في حياته تطبيقًا واقعيًّا يؤكِّد عمق الإيمان بهذا المنهج، مما كان له أَثَرٌ إيجابيٌّ بارزٌ على الجيلِ الأوَّلِ ومن تَبِعَهُمْ، فرأينا استمراريّة هذا المنهج الأخلاقيّ من خلال الفتوحات الكثيرة التي تَمَّتْ في عهد الخلافةِ الراشدةِ وصَدْرِ الإسلام.

 المبحث الأول: الاستعداد النفسيّ لقبول فكرة "حَقْنِ الدِّمَاء"

بحلول شهر أكتوبر من سنة 1944م استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها تحقيق التفوق البري والبحري والجوي على دول المحور وخاصة اليابان وألمانيا، وبدا أن الحرب العالمية الثانية أوشكت على الانتهاء، وفي مارس 1945م ألحقت الغارات الجوية الأمريكية باليابان خسائر مروعة وفي مدن هامة مثل طوكيو وأوزاكا ويوكوهاما، ثم أصبح موقف اليابانيين حرجًا للغاية بعد أن استسلمت ألمانيا في مايو 1945م، وبات أمر استسلام اليابان مسألة وقت، بل لقد لمحت اليابان بالفعل عن هذه الرغبة عن طريق روسيا، ومع ذلك قامت الولايات المتحدة بفعلتها الشنعاء وألقت القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما اليابانية، ثم أتبعتها وبعد ثلاثة أيام فقط بالقنبلة الأخرى على مدينة ناجازاكي، وتم سحق اليابان !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

إنَّ الجيوشَ المنتصرة غالبًا ما ترفضُ أيّ اقتراحاتٍ تُشِيرُ إلى وقفِ القتالِ، أو عَدَمِ الإسْرَافِ في سَفْكِ الدماء؛ ذلك لأنها تعتبر تقدمها فرصة سانحة لإجهاض أي محاولة لقيام عدوها من جديد.  ومن ثَمَّ أصبحَ مُتَعَارَفًا بين الناس أنّ الضعيف فقط هو الذي يطلب السلامَ، وأنّه ما دَامَ بالجيش قوة فَلابُدّ أنْ يُكْمِلَ المسيرةَ، ولا يُنْظَرُ هُنَا إلى الأرواحِ التي تُزْهَقُ، ولا إلى الخَرَابِ الذي ينتشر، فالهدفُ هو إِقْصَاءُ العدوّ تمامًا، ليس فقط عن ساحة القتال، ولكن عن الحياة بكاملها!

غير أن هذه النظرة ليست عند رسول الله بِالْمَرَّة!

إِنَّ رسولَ اللهِ كان ينظرُ للحربِ على أنها ضرورة اضطراريّة لا يُريدها ولكن دُفع إليها دفعًا، ويَنظر إلى عدوّه الذي يقاتله على أنّه رجلٌ جَهِلَ الإسلامَ فحاربه، ولو عَرَفَهُ لدخل فيه، وَلَدَافَعَ عنه؛ ولذلك نرى رسول الله - في حروبه - حريصًا على انتهازِ الفُرَصِ لِحَقْنِ دماء عَدُوِّهِ، ومُسْتَعِدٌّ لذلك استعدادًا كاملاً، مما أنتج لنا سجلاً حافلاً بالمواقف التي يراها عُمُومُ الناس عجيبة، ولو دَرَسُوا الإسلام لَعَرَفُوا أنها ليست إلا بنود هذا الشرع الرحيم.

ومن ذلك مثلاً أنَّ مَن دخل في الإسلام - ولو أثناء الحرب - لا يجوز قتله، حتى لو كان دخوله الإسلام مشكوكًا فيه؛ فها هو يُنْكِرُ على أسامة بن زيد { قَتْلَهُ لرجلٍ  أثناء الحرب بعد أن قال: لا إله إلا الله، ففي صحيح مسلم أن رسول الله ‏بَعَثَ بَعْثًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَإِنَّهُمْ الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ وَإِنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ قَالَ – أي الراوي -: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ ‏ ‏أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، ‏فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ فَجَاءَ ‏الْبَشِيرُ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ:‏ ‏لِمَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏:‏ ‏أَقَتَلْتَهُ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ ‏بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟! قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ: وَكَيْفَ تَصْنَعُ‏ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَيْفَ تَصْنَعُ ‏بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَة .

فهذا موقف يُجَسِّدُ ما ذكرناه من قبل توضيحًا لرؤية رسول الله للمحاربين له.  فهذا الرجل الذي قَتَلَهُ أسامة بن زيد {لم يكن رجلاً عاديًّا من عُموم الكفّار، ولكنَّه كان رجلاً شديدًا أوجع في المسلمين، وقَتَلَ منهم نَفَرًا كبيرًا، ثم إنّ أسامة بن زيد { تمكَّن منه، ورفع السيف عليه ليقتله، فقال الرجل: لا إله إلا الله!  إن أيَّ مُحَلِّلٍ للحدث، وأيَّ مراقب له لن يقول إلا ما قاله أسامة، إن الرجل لم يَقُلْ لا إله إلا الله إلا تَعَوُّذًا من القتل، وإلا فما الذي دَفَعَ الإسلام في قلبه في هذه اللحظة بالذّات؟!  لكن رسول الله كانت له رؤية مختلفة.  لقد كان يريد أنْ يَحْقِنَ دمه، ويعفو عنه، فلعلّ الاحتمال البعيد جدًّا - وهو أنه قد أسلم فعلاً عن قَنَاعَةٍ - قد حَدَثَ بالفعل، أو لعلّه عندما يدخل الإسلام يراه من الداخل فَيُؤْمِنُ به صادقًا، أو لعلّه يتأثّر بعفو أسامة عنه فَيُفَكِّرُ في الدين الذي غَرَسَ فيه ذلك العفو.  إنّ هذه الطريقة في التفكير لا تخطر - بحالٍ من الأحوالِ - على ذهن زعيمٍ من زعماءِ الدنيا، ولن تكون أبدًا إلا من رجلٍ جَعَلَ همَّه الأول والأخير هو اسْتِنْقَاذ البشريّة من الكفر إلى الإيمان، ومن الجنّة إلى النّار، وهذه رحمةٌ فَاقَتْ كلّ تَصَوُّرٍ، وتعدَّت كلّ خيال!

ولم يَكُنِ الإسلامُ شَرْطًا لقبول فكرة إنهاء الحرب، بل كان يتعلّق بأيّ بادرةٍ تشير إلى رغبة العدوّ في حَقْنِ الدّماء، حتى ولو كان العدو في حالة واضحة من الضعف، ولا يطلب وقف القتال إلا لإنقاذ نفسه من الموت!

مثال ذلك ما حدث في غزوة خَيْبَر..  فبعد أنْ ظَهَرَتْ بَشَائِرُ النصرِ للمسلمين، أَعْلَنَ العدو اليهوديّ عن قَبُولِهِ للصّلح مع الرسول ! فماذا كان رَدُّ فِعْلِ رسول الرّحمة ؟!

يقول ابن كثير: "فلمّا أيقنوا بالْهَلَكَةِ، وقد حَصَرَهُمْ رسول الله أربعةَ عشرَ يومًا نزل إليه ابن أبي الحقيق؛ فَصَالَحَهُ على حَقْنِ دمائهم، ويُسَيِّرُهم، ويُخَلُّون بين رسول الله وبين ما كان لهم من الأرض والأموال والصّفراء والبيضاء والكِرَاع والحلقة، إلا ما كان على ظهر إنسان، يعني: لباسهم.  فقال رسول الله : وبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إِنْ كَتَمْتُمْ شَيْئًا، قالوا: نعم. فَصَالَحُوهُ على ذلك" .

فبرغم كل التاريخ الأسود مع اليهود عامّة، ويهود خيبر بصفة خاصّة، وبرغم حِرْصِهِمْ على تجميع الأحزاب لإبادة المسلمين قبل أقلّ من سنتين من هذه المعركة، إلا أنّ رسولَ الله يَقْبَلُ بِصُلْحِهِمْ، ويحقن دماءهم.

وفي غزوة بني المصطلق، ورغم انتصار المسلمين، وأَسْرِهِمْ مئة بيتٍ من بني المصطلق، إلا أنّ الرسولَ حَقَنَ دماءهم، ولم يفعل كقادة الجيوش وَقْتَهَا أو الآن؛ فيقتلهم جميعًا، لِيَأْمَنَ شرَّهم إلى الأَبَدِ، بل زاد الرسولُ على الإبقاء على حياتهم أن أَعْتَقَ جُوَيْرِيَة بنت الحارث، وهي ابنة سيد بني المصطلق، وتَزَوَّجَهَا؛ وذلك ليُحفِّز المسلمين على إعتاق أسرى بني المصطلق رَحْمَةً بهم، فقال المسلمون: أَصْهَارُ رسول الله ؛ فأطلقوا سراحَ جميع ما بأيديهم من السَّبْي!.

إنّ هذا التاريخ ليس تاريخَ ملائكة!

وإنَّما هو تاريخ رسول الله ، وتاريخ قوم آمنوا بالإسلام، وطَبَّقُوه في حياتهم.

ولعلّ أكثر من كلّ ما سبق هذا المظهر العجيب من مظاهر رحمته ، وهو أنّه كان يحرص على تحيُّن الفُرَصِ لحفظ دماء بعض الذين يُقاتلونه، مع أنَّهم ما زالوا مُستمرّين في قتاله!

من ذلك ما فعله رسول الله في غزوة بدر حيث نهى عن قتل من خَرَجَ مُسْتَكْرَهًا مِنَ المشركين، رغم أنّ ذلك في ميدان القتال والحرب، والمتعارَف عليه بين جميع البشر أنَّ من يقاتلك تقاتله، ولكنّ الرسول   كان يأخذ بروح القاعدة وليس بنصها؛ لذا فهو قد يَأْسِرُ المستَكرَه لكي يتجنّب مُقاتلته ويُجَنِّبَه أيضًا، ولكن لا يقتله؛ إلا إذا أَصَرَّ على القتال؛ فقد روى ابن إسحاق ~ عن ابن عبّاس { أن النبي قال لأصحابه قٌبَيلَ غزوة بدر: "إني قد عرفت أنَّ رجالاً من بنى هاشم وغيرهم قدْ أُخرِجوا كُرْهًا لا حاجة لهم بقتالنا؛ فمن لقي منكم أحدًا من بنى هاشم فلا يقتُلْه، ومن لَقِيَ أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لَقِيَ العبَّاس بن عبد المطلب فلا يقتله؛ فإنما خرج مُسْتَكْرَهًا" .  فهل في الدنيا مثيل لذلك؟!

 المبحث الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بالمدنيين والمستكرهين على القتال

وحتى الحماة افتضح كونهم مسيئين!!

في عام 2002م، علم المجتمع الدولي باستغلال الشابات في مخيمات اللاجئين في غرب أفريقيا، وما كان صادماً حقاً هو أن ذلك الاستغلال كان يجري على أيدي موظفي الأمم المتحدة وموظفي الإغاثة، وأفراد حفظ السلام الدوليين -وهم نفس الأفراد المكلفين بحماية اللاجئين- وقد اكتشف المحققون أن الموظفين كانوا يقايضون الإمدادات والخدمات الإنسانية -من قبيل القمح والأدوية وحصص الإعانات ودورات التعليم- في مقابل ممارسة الجنس مع فتيات المخيمات .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لا يجوز أن تتعدَّى الحرب إلى المدنيين الذين لا يشتركون فيها من الشيوخ والنساء والأطفال والعجزة، أو العُبَّاد المنقطعين للعبادة، أو العلماء المنقطعين للعلم، والخَدَم الذين لا يملكون من أمر أنفسهم شيئًا، إلا إذا قاتلوا، أو كان لهم في تدبير الحرب رأي ومكيدة؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا .

ونحن نعلم أن أعراف الدول الآن لا تُجيز قتل المدنيين، ولكن – والجميع يعلم – من الذي يحترم هذه الأعراف؟ ومن الذي يرعى حرمة المساكين الذين لا يقاتلون؟  إننا سنتعرض – إن شاء الله – في آخر هذا البحث لصورة الحضارات الحديثة في تعاملها مع المدنيين؛ لندرك عن يقين مدى عظمة رسول الله ورحمته.

يقول الأستاذ سعيد حَوَّى : "في المَوَاطنِ التي تُغْلَبُ - عادةً - فيها عواطفُ الرحمة بِعَوَاطِفِ الانتقام أو الانتصار، تَبْقَى صِفَةُ الرّحمة عند رسولِ اللهِ في محلّها لا تَطْغَى على غيرِها، ولا يَطْغَى غيرُها عليها" .

المطلب الأول: وصايا نبويّة عامّة

أوصى رسول الله عبد الرحمن بن عوف > عندما أرسله في شعبان سنة 6 هـ إلى قبيلة كلب النصرانية الواقعة بدومة الجندل؛ فقال له: "اغزوا جميعًا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، لا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِرُوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، فهذا عَهْدُ اللهِ وسيرة نبيّه فيكم" .

‏عَنِ ‏ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏قَالَ: ‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏إِذَا بَعَثَ جُيُوشَهُ قَالَ: ‏اخْرُجُوا بِسْمِ اللَّهِ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ لَا ‏تَغْدِرُوا ‏وَلَا‏ ‏تَغُلُّوا‏ ‏وَلَا‏ ‏تُمَثِّلُوا ‏وَلَا تَقْتُلُوا الْوِلْدَانَ وَلَا أَصْحَابَ ‏ ‏الصَّوَامِعِ" .

كانت تلك هي وَصَايَاهُ لأصحابه رضي الله عنهم جميعًا عندما كان يُرسلهم لدعوة الناس إلى الإسلام، والأخذ بأيديهم إلى طريق الله تعالى، وفَتْحِِ الأبواب أمام الدعوة الإسلامية حتى تصل لكل البشر، وحتى لا يُحرَمَ أحدٌ من نُور الإسلام العظيم...

المطلب الثاني: رحمته بالصّغار وإنْ كانوا مُقاتلين:

لم تكن حالات الحرب والقتال لتُخرِجَ النبيّ عن أخلاقه السامية، وعن رحمته التي يَتَحَلَّى بها حَالَ السَّلْم؛ لذا فقد كان يرحم الغِلمان وصغار السن الذين لا يملكون أمرهم، ويأتون للحرب ضد المسلمين، أو لمعاونة سادتهم رغم أن تلك المساعدة هي من صميم أعمال الحرب، لكنه كان يرحم طفولتهم؛ ففي أحداث غزوة بدر ذكر ابن إسحاق أن رسول الله بعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص } في نفرٍ من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه ( أي على الماء)؛ فأصابوا راويةً لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورَجَوْا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما؛ فقالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، وركع رسول الله ، وسجد سجدتيه، ثم سلم وقال: "إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما؟!.. صدقا، والله إنهما لقريش".. - ثم خاطب الغلامين بلينٍ ورفقٍ قائلاً لهما: أخبراني عن قريش؟" .

ومع أن هذين الغلامين اللذين ضُرِبَا من الجيش الْمُعَادِي - جيش المشركين – ويُمِدَّان الجيشَ بالماء، إلا أنّ الرسول عاتبَ صحابته الكرام لأجلهما، وأنكرَ عليهم ضربهما؛ بَلْ إنّه لم يتخذهما أسيرين مع أن الحرب على الأبواب، ومع أنهما قد يحملان بعض الأخبار إلى العدو، ولكنَّه رَحِمَ صِغَرَ سِنِّهِمَا وضَعْفِهِمَا.

وكذلك كانَ يفعل بنفسه؛ فَكَانَ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ النّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمُقَاتِلَةِ، فَمَنْ رَآهُ أَنْبَتَ قَتَلَهُ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ اسْتَحْيَاهُ .

وهؤلاء مع أنهم يُقَاتلون بالفعل، إلا أنهم غير بَالِغِينَ؛ وبالتّالي غير مكلَّفين، ومدفوعين بغيرهم؛ فلذلك رَحِمَهُمْ.

المطلب الثالث: رحمته بالنساء:

كما كان ينهى عن قتل النساء؛ فقد روى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ امْرَأَةً مَقْتُولَةً؛ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ .

وَعَنْ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ؛ فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: انْظُرْ: عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟ فَجَاءَ؛ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ؛ فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ. قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ؛ فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: "قُلْ لِخَالِدٍ: لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلا عَسِيفًا "  .

المطلب الرابع: رحمته بأصحاب الظروف الخاصّة:

وقد وَسِعَتْ رحمةُ الرسولِ أعداءَه الذين آذَوه وقاتلوه، وحرَّضوا على قتاله؛ ولكن كانت لهم ظروفٌ خاصّة.

ومن هؤلاء أبو عزة الجمحي، وكان شاعرًا، وكان يُؤَلِّب قريشًا على الرسول والمسلمين؛ فلما جاءت غزوة بدر أسره المسلمون، وكان مِن أمره ما يرويه سعيد بن المسيب ~ في قوله: أَمَّنَ رسولُ الله من الأُسَارَى يوم بدر أبا عزة عبد الله بن عمرو بن عبد الجمحي، وكان شاعرًا، وكان قال للنبي : يا محمد..  إنَّ لي خمس بنات ليس لهنَّ شيءٌ فتصدق بي عليهنَّ..  ففعل، وقال أبو عزة: أُعطِيك موثقًا أن لا أقاتلك، ولا أُكَثِّرَ عليك أبدًا، فأرسله رسول الله ؛ فلمَّا خرجت قريش إلى أُحُد جاءه صفوان بن أمية؛ فقال: اخرج معنا؛ فقال: إني قد أعطيت محمدًا موثِقًا أن لا أقاتله؛ فضمن صفوان أن يجعل بناته مع بناته إن قُتِلَ، وإن عاش أعطاه مالاً كثيرًا، فلم يزل به حتى خَرج مع قُريش يوم أُحُد؛ فأُسِرَ ولم يُؤْسَرْ غيرُه من قريش؛ فقال: يا محمد إنما أُخرِجتُ كُرْهًا، ولي بنات فامنُن عَلَيَّ؛ فقال رسول الله : أين ما أعطيتني من العهد والميثاق؟!! لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سَخِرْتُ بمحمدٍ مرتين. قال سعيد بن المسيب: فقال النبي : "إِنَّ المُؤْمِنَ لا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْن. يا عاصم بن ثابت قَدِّمْه فَاضْرِبْ عُنُقَه؛ فقَدَّمَه فَضَرَبَ عُنُقَه" .

رغم معاداة أبي عزة للإسلام والمسلمين، إلا أن النبيّ عَفَا عنه وأطلقه دون مقابل؛ لأجل بناته؛ وتلك رحمة كبيرة من رسول الله تجاه ذلك الشاعر الذي كان يمثل إحدى الآلات الإعلامية الجبارة ضد دولة الإسلام في ذلك الوقت، أما في المرّة الثانية فكان لابُدَّ من إيقاف هذه الآلة حتى لا يظنّ المشركون أنه يمكن خداع الرسول وأصحابه بسهولة، وذلك كي تظل هيبتهم في القلوب.

المطلب الخامس: رحمته بالقتلى وذويهم

وظهرت رحمة الرسول في حرصه حتى على القتلى، وكذلك على مشاعر ذويهم؛ لذا فقد نهى عن المُثْلَة؛ فعن عبد الله بن زيد قال: "نهى النبي عن النُّهْبَى ، والمُثْلَة" .

وقال عمران بن الحصين : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنْ ‏الْمُثْلَةِ" .

ورغم ما حدث في غزوة أُحُد من تمثيل المشركين بحمزة عَمِّ الرسول ، فإنه لم يُغَيِّر مبدأه، بل حرص على النهي عن المُثلة حتى مع المشركين، ولم يَرِدْ في التاريخ حادثة واحدة تقول: إن المسلمين مَثَّلوا بأحدٍ من أعدائهم.

          وقد يَتَّخِذُ البعض قاعدة "المعاملة بالمثل" مبرّرًا لهم ليفعلوا ما يشاءون في أعدائهم، محاربين كانوا أو مدنيّين، ولكنَّ الإسلام لا يُقِرُّ القسوة أو الظلم مهما كانت المبرّرات، ولذلك لا يُطبق هذه القاعدة مع المدنيين للدولة المحاربة، حتى لو آذوا المدنيين في بلادنا!

يقول الله تعالى: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ".

قال القرطبي: دَلّت الآية على أنّ كُفر الكافر لا يَمنع من العدل معه، وأن المثلة بهم غير جائزة، وإن قَتلوا نساءنا وأطفالنا وغَمُّونا بذلك، فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدًا لإيصال الغمِّ والحزن إليهم .

فهل في مناهج الأرض مثل منهجنا؟!

 المبحث الثالث: عدم الإفساد في الأرض

عندما سقطت قرطبة في أيدي نصارى 636هـ، قاموا بحرق مكتبة قرطبة تمامًا وبعد هذا الحدث بعشرين عامًا فقط سقطت بغداد في أيدي التتار فإذا بهم يفعلون بمكتبة بغداد نفس الشيء، حيث قاموا بجمع ملايين الكتب والمجلدات التي تحتوي على علم خمسة قرون كاملة وألقوها في نهر دجلة !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!!!

لم تكن حروب النبي حروب تخريبٍ كالحروب المعاصرة التي يحرص فيها المتقاتلون من غير المسلمين على إبادة مظاهر الحياة لدى خصومهم، بل كان النبي والمسلمون يحرصون أشدّ الحرص على الحفاظ على العُمران في كل مكان، ولو كان بلاد أعدائهم؛ فقد جاء في وصيّة الرسول لجيش مؤتة ".... ولا تَقْطَعَنَّ شَجَرَةٍ وَلا تَعْقِرَنَّ نَخْلًا ولا تَهْدِمُوا بَيْتًا" .

 المبحث الرابع: عدم دموية الحروب النبوية

في عام 1979م وقع الغزو السوفيتي لأفغانستان، والذي استمر عشر سنوات ترك فيها البلد في حالة من الدمار التام ، بعد أن قُتِل من الأفغان ما يربو على مليون قتيل، وشوَّه ضعف هذا العدد، وشرَّد إلى البلاد المجاورة أكثر من ستة ملايين شخص .

هذا حالهم أما الإسلام فهو شيء آخر!!

تميَّزت الحروب النبوية بأنها حروب غير دموية، بمعنى أنها لم يكن فيها ما يُعرف الآن بجرائم إبادة الشعوب، حيث نجد فيما يُسمى "بحضارات" العالم الحديثة أن بعض الزعماء أخذوا قرارات نتج عنها إفناءٌ لِكَمٍّ هائلٍ من البشر في مدينة أو دولة أو أحيانًا قارة!.  لكن حروب رسول الله لم تكن على هذه الصورة، ذلك أنه – كما ذكرنا – كان حريصًا على تجنب القتال ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وإذا اضطر إليه حاول أن ينهيه بسرعة، وأثناء القتال نفسه كان يحفظ دماء المدنيين، وكذلك يحفظ دماء المستكرهين على القتال، ثم بعد القتال كان يعفو إذا ملك، ويسامح ويرحم إذا غَلَب.  فجاءت حروبه على مستوى من الرقي لا تعرفه – بل لا تفهمه – "الحضارات" الحديثة!

          ولغة الأرقام لا تكذب!

          لذلك فقد قمت بإحصاء عدد الذين ماتوا في كل الحروب النبوية، سواء من شهداء المسلمين، أو من قتلى الأعداء، ثم قمت بتحليل لهذه الأعداد، وربطها بما يحدث في عالمنا المعاصر، فوجدت عجبًا!!

          لقد بلغ عدد شهداء المسلمين في كل معاركهم أيام رسول الله ، وذلك على مدار عشر سنوات كاملة، 262 شهيدًا، وبلغ عدد قتلى أعدائه  1022 قتيلاً، وقد حرصت في هذه الإحصائية على جمع كل من قُتل من الطرفين حتى ما تم في حوادث فردية، وليس في حروب مواجهة، كما أنني حرصت على الجمع من الروايات الموثَّقة بصرف النظر عن الأعداد المذكورة، وذلك كي أتجنب المبالغات التي يقع فيها بعض المحققين بإيراد الروايات الضعيفة التي تحمل أرقامًا أقل ، وذلك لتجميل نتائج الحروب النبوية!

          وبذلك بلغ العدد الإجمالي لقتلى الفريقين 1284 قتيلاً فقط!!

          ولكي لا يتعلل أحدٌ بأن أعداد الجيوش آنذاك كانت قليلة ولذلك جاء عدد القتلى على هذا النحو، فإنني قمت بإحصاء عدد الجيوش المشتركة في المعارك، ثم قمت بحساب نسبة القتلى بالنسبة إلى عدد الجيوش، فوجدت ما أذهلني!!  إن نسبة الشهداء من المسلمين إلى الجيوش المسلمة تبلغ 1% فقط، بينما تبلغ نسبة القتلى من أعداء المسلمين بالنسبة إلى أعداد جيوشهم 2%!  (شكل 3)، وبذلك تكون النسبة المتوسطة لقتلى الفريقين هي 1.5% فقط!

          إن هذه النسب الضئيلة في معارك كثيرة بلغت 25 أو 27 غزوة ، و38 سرية ، أي أكثر من 63 معركة، لمن أصدق الأدلة على عدم دموية الحروب في عهده .

(شكل 3)

          ولكي تتضح الصورة بشكل أكبر وأظهر فقد قمت بإحصاء عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية – كمثال لحروب "الحضارات" الحديثة - ثم قمت بحساب نسبة القتلى بالقياس إلى أعداد الجيوش المشاركة في القتال، فصُدِمْتُ بمفاجأة مذهلة!!!  إن نسبة القتلى في هذه الحرب الحضارية بلغت 351% !!!

          ومن جديد.. إن الأرقام لا تكذب!!!

          لقد شارك في الحرب العالمية الثانية 15.600.000 جندي، ومع ذلك فعدد القتلى بلغ 54.800.000 قتيل!!!  أي أكثر من ثلاثة أضعاف الجيوش المشاركة!  وتفسير هذه الزيادة هو أن الجيوش المشاركة جميعًا – وبلا استثناء – كانت تقوم بحروب إبادة على المدنيين، وكانت تسقط الآلاف من الأطنان من المتفجرات على المدن والقرى الآمنة، فتبيد البشر، وتُفني النوع الإنساني، فضلاً عن تدمير البنى التحتية، وتخريب الاقتصاد، وتشريد الشعوب!!

          لقد كانت كارثة إنسانية بكل المقاييس!

          وليس خافيًا على أحد أن المشاركين في هذه المجازر كانت الدول التي تعرف آنذاك – والآن – بالدول المتحضرة الراقية! كبريطانيا وفرنسا وأمريكا وألمانيا وإيطاليا واليابان!

          أي تحضر هذا؟!  وعن أي رقىًّ يتكلمون؟!

          ثم أين أولئك الذين يصفون رسولنا بالعنف والإرهاب؟!

          قارن هذه النسب المفجعة بما كان على عهد رسول الرحمة (شكل 4).

          وسوف نذكر في آخر البحث – إن شاء الله – بعض الأرقام الأخرى التي قد تنير الطريق لمن أراد الهداية!

          إن العودة للأرقام سترد كل مُنصفٍ إلى جادَّة الطريق، أما من اختار العمى على الهدى فلا يلومنَّ إلا نفسه!!

(شكل 4)

 المبحث الخامس: الوفاء من الرحمة!

في أواخر أيام دولة الأندلس وقّع حاكم مدينة غرناطة معاهدة بينه وبين ملك قشتالة تنص على استسلام بلاده وتسليمها للنصارى، وتضمنت معاهدة التسليم سبعة وستين شرطًا بما يحفظ على المسلمين دينهم وعرضهم وأموالهم، ولكن بمجرد استيلاء النصارى على الأندلس تبخرت كل الوعود، واستحل النصارى الأموال والديار، وتم إكراه المسلمين على التنصر بما عرف في التاريخ بمحاكم التفتيش حتى تم محو الإسلام من أسبانيا بأكملها -الأندلس سابقًا- .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

بَلَغَ مِنْ رحمة رسول الله بغير المسلمين أنّه حَرَّمَ الغدر بهم ولو كان هذا في زمان الحرب، ولم يُؤْثَر عن الرسول أنه غَدَرَ بعهدٍ قطُّ، بل كان مثالَ الوفاء الدائم، وإن غَدَرَ به أعداؤه، وسنتناول هذا المعنى من خلال المطالب التالية:

المطلب الأول: شهادة أعدائه بوفائه:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بن حرب أَخْبَرَهُ أنه عندما كان في بلاد الروم في كفره أثناء صلح الحديبية؛ أحضره هرقل بين يديه، وسأله عن الرسول بعدما وَصَّلَه (أي: هرقل) رسالة رسول الله ، وكان مما سأله عنه أن قال: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ فقال أبو سفيان: لا..

ثم عَلَقَّ هرقل في ختام حِواره مع أبي سفيان قائلاً: وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ..

المطلب الثاني: أمره أصحابه بعدم الغدر:

ومن رحمة النبي أنه كان حريصًا على أن يغرس في نفوس الصحابة خُلُقَ الوفاء حتى في وقت الحرب؛ فقد كان يُوَدِّعُ السرايا مُوصِيًا إيّاهم: "..ولا تغدروا.." ، ولم يكن ذلك في معاملات المسلمين مع إخوانهم المسلمين، بل كان مع عدوٍّ يكيد لهم، ويجمع لهم، وهم ذاهبون لحربه، فما أسمى هذه الأخلاق النبوية!! 

وقد وصلت أهمية الأمر عند رسول الله إلى أن يتبرَّأ من الغادرين ولو كانوا مسلمين، ولو كان المغدورُ به كافرًا محاربًا؛ فقد قال : "مَنْ أَمَّنَ رَجُلاً عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا" .

وقد تَرَسَّخَتْ قِيمَةُ الوفاء في نفوس الصحابة حتى إنّ عمر بن الخطاب بَلَغَهُ في ولايته أنَّ بعض المجاهدين قال لمحارب من الفرس: لا تَخَفْ، ثم قتله. فكتب إلى قائد الجيش: "إنّه بلغني أنَّ رجالاً منكم يَطْلُبُونَ العِلْجَ (الكافر)، حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع، يقول له: "لا تَخَفْ"، فإذا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ، وإني والذي نفسي بيده، لا يَبْلُغَنِّي أنّ أَحَدًا فَعَلَ ذَلك إلا قَطَعْتُ عُنُقَه ".

المطلب الثالث: ذِمَّة المسلمين واحدة:

ومن رحمته بغير المسلمين في أثناء الحرب أنّه كان يَقْبَلُ بإجارة المسلم لكافر، بمعنى أنه كان يُنْفِذُ وَعْدَ المسلم - أيًّا كان – للكافر المحارب بالأمان، ويحضُّ المسلمين جميعًا على إنفاذ هذا الوعد والأمان.  قال رسول الله : "ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ جَارَتْ عَلَيْهِمْ جَائِرَةٌ، فَلا تَخْفِرُوهَا ، فَإِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً، يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة" .

وقد طبَّق الرسول  هذا المبدأ تطبيقًا عمليًّا بين المسلمين؛ فأوفى بجوار أُمِّ هانيء بنت أبي طالب لأحد المشركين يوم فتح مكة؛ فقد روى البخاري، وأبو داود، والترمذي عن أم هانيء بنت أبي طالب < أنها قالت: قُلتُ: يا رسول الله، زَعَمَ ابنُ أُمِّي (تقصد أخاها عَلِيَّ بن أبي طالب أنَّه قَاتِلٌ رجلاً قد أجرتُه: فلان ابن هبيرة؛ فقال رسول الله : "‏قَدْ ‏ ‏أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا‏ ‏أُمَّ هَانِئٍ" .

وبَعْدُ، فهذا غَيْضٌ مِنْ فَيْضِ أخلاق الرسول في حروبه مع المشركين التي لا تُقارَن بأخلاق قادة الكفر في كل مكان وزمان. إنّ أخلاقه لا تُوصف إلا بأنها أخلاق أنبياء، فذلك أصدق وصفٍ لها، وكفى.

 الفصل الخامس: رحمته صلى الله عليه وسلم بالأسرى

الأسرى في الاصطلاح: "هم المقاتلون من الكفار إذا ظَفَرَ المسلمون بأَسْرِهِم أحياء" .

          وهذا التعريف يخص حالة الحرب فقط، لكن بتتبّع استعمالات الفقهاء لهذا اللفظ يتبيّن أنهم يطلقونه على كل من يُظفَر بهم من المقاتلين ومَنْ في حُكمِهم، ويُؤخَذون أثناء الحرب أو في نهايتها، أو من غير حرب فعلية، ما دام العَدَاءُ قائمًا والحرب محتملة، ويُطلق الفقهاء لفظ الأسير أيضًا على من يَظْفَرُ به المسلمون من الحربيّين إذا دخلوا دار الإسلام بغير أمان، وعلى من يَظفرون به من المرتدّين عند مقاتلتهم لنا، كما يطلقون لفظ الأسير على المسلم الذي ظَفر به العدو .

          وسوف نتناول – إن شاء الله – هذا الفصل من خلال المباحث الآتية:

المبحث الأول: وضع الأسرى في العالم قبل وأثناء ظهور الإسلام.

المبحث الثاني: مبدأ العفو عن الأسرى عند رسول الله .

المبحث الثالث: تعامل رسول الله مع الأسرى في حال الاحتفاظ بهم.

 المبحث الأول: وَضْعُ الأسرى في العالم قبل وأثناء ظهور الإسلام

كان الأسرى قديمًا يذبحون أو يقدمون قرابين للآلهة، ثم رؤى بعد ذلك الانتفاع بهم، فحل الاسترقاق محل القتل، وصار الأسرى يستعبدون ويتخذون للبيع والشراء ، ومن أمثلة الأمم التي عاملت الأسرى بقسوة لا هوادة فيها الفرس والإغريق، فقد كانوا ينكلون بأسراهم ويعرضونهم للتعذيب والصلب والقتل .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

نظرًا لقِدَمِ الحرب واشتعالها بين بني البشر كثيرًا، كان لابُدَّ أن يصبح أحد الأطراف غالبًا والآخر مغلوبًا، وهذا الغالب يستولي على ما للمغلوب، بل وعلى المغلوب نفسه إن استطاع ذلك، وأولاده أيضًا، وهو ما يُسَمَّى بالأَسْرِ والسَّبْي.  وفي هذه الحالة يصبح الأسير فاقدًا لحرّيته، يتبع آسِرَه، ولا يملك من أمر نفسه شيئًا؛ لذا يتوقف مدى العناية التي يحصل عليها الأسير على ضميرِ ودِينِ وأخلاقِ آسِرِه.

وقد تعدّدت وتنوّعت أساليب التعامل مع الأسرى من ديانة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، ومن زمن إلى آخر.

المطلب الأول: تعامل اليهود مع أسرى الحرب:

          يعتقد اليهود أنهم أرقى الشعوب، وأنهم يتميَّزون عن سائر الأجناس، كما يعتقدون أنَّ تميُّزهم هذا إنما هو نعمة من الربّ قد وهبها لهم، وقد جاء في سِفْرِ التثنية من التوراة المحرَّفة: "أنتم أولاد الربّ إلهكم؛ لأنكم شعب مُقَدَّس للرب إلهك، وقد اختارك الربّ لكي تكون له شعبًا خاصًّا فوق جميع الشعوب على وجه الأرض" . وانطلاقًا من هذه النظرة يعتقد اليهود أن الوسيلة المُثْلَى لتحقيق وعد الربّ لهم باسترقاق شعوب الأرض هي الحرب، ومن هنا كانت حروب اليهود ضد غيرهم حروبًا تدميرية، والهدف منها الإبادة للبشر أو استعبادهم وإذلالهم، ويستشهدون لذلك بنصوص في كتبهم: "فتضرب سكان تلك المدينة بحدّ السيف، وتحرِّمها – التحريم بمعنى القتل – بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف.. تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها، وتحرق بالنار المدينةَ وكل أمتعتها كاملة للربّ إلهك؛ فتكون تلاًّ إلى الأبد لا تُبنَى بَعْدُ" .

          وحتى إذا عقد اليهود الصلح مع أعدائهم، فإنهم بهذا الصلح يستعبدون عدوّهم ويستبيحون أرضه، ولا يكون لهم من هذا الصلح إلا اسمه فقط لا حقيقته، وقد جاء في سِفْرِ التثنية:

"حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها للصلح؛ فإِنْ أجابتْك على الصلح، وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويُستعبد لك.. وإنْ لم تُسالمك بل عَملتْ معك حربًا، فحاصرْها، وإذا دفعها الربّ إلهك إلى يدك؛ فاضرب جميع ذكورها بحد السيف..." .

          وكما يكون اليهود في حروبهم وحوشًا وسيلتهم التسخير وغايتهم التدمير؛ فإنهم كذلك في أعقاب الحروب لا يخضعون لقاعدةٍ في الأسر والسبي: "إذا خرجت لمحاربة أعدائك، ودفعهم الربّ إلهك إلى يدك، وسبيت منهم سبيًا، ورأيت في السبي امرأة جميلة الصورة، والتصقت بها، واتخذتها لك زوجة؛ فحين تُدخِلُها إلى بيتك تحلق رأسها، وتقلم أظافرها، وتنزع ثياب سبيها عنها" .

          وهكذا كان اليهود يتعاملون مع أسراهم، مما يُنْبِيء عن نفسية ملأها الحقد على الغير، واستبدَّ بها حُبُّ الإفساد في الأرض، فكان هذا هو منهجها في التعامل مع أسرى الحرب.

المطلب الثاني: تعامل الدول العالمية آنذاك مع أسرى الحرب:

لم يختلف وضع الدول العالمية عن سابقه في تعاملهم مع الأسرى؛ إذ كان مصير الأسير أن يُذبح أو يُقدَّم قرابين للآلهة، ثم رُؤِىَ بعد ذلك الانتفاع بهم، فحَلَّ الاسترقاق محل القتل، وصار الأسرى يُستعبدون، ويُتَّخَذُون للبيع والشراء!!

ومن أمثلة الأمم التي عاملت الأسرى بقسوة لا هوادة فيها: الفُرْس والإغريق؛ فقد كانوا يُنَكِّلون بأسراهم، ويعرّضونهم للتعذيب والصلب والقتل .

ولقد منح القانون الروماني للمالك الحق في إماتة عبده أو استحيائه، وكَثُرَ الرقيق في عهدهم حتى ذكر بعض مؤرخيهم أن الأرقاء في الممالك الرومانية يبلغون ثلاثة أمثال الأحرار .

أما العجيب فهو أنهم (أي الرومان) كانوا يستخدمونهم أيضًا كوسائل للترفيه والتسلية؛ فكانوا يضعون هؤلاء الأسرى مع الوحوش المفترسة في أقفاص مغلقة، بينما يستمتع الأمراء والوزراء بمشاهدة الوحوش وهي تفترسهم !!

والأنكى من ذلك ما حدث - على سبيل المثال - في عهد الإمبراطور (فسبسيان)، حيث حاصر الرومانُ اليهودَ في القدس - وكان اليهود يسمونها أورشليم - لمدة خمسة أشهر، انتهت في سبتمبر سنة 70 ميلادية، ثم سقطت المدينة في أشدّ هزيمة مُهينة عرفها التاريخ؛ حيث أمر الرومان اليهودَ أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم بأيديهم، وقد استجاب اليهود لهم من شدّة الرعب، وطمعًا في النجاة!! ثم بدأ الرومان يجرون القرعة بين كل يهوديّين، ومن يَفُزْ بالقرعة يقوم بقتل صاحبه، حتى أُبِيد اليهود في القدس عن آخرهم، وسقطت دولتهم، ولم ينجُ منهم سوى الشريد وأولئك الذين كانوا يسكنون في أماكن بعيدة !!

وفي الهند كان الأسير يقع ضمن الطبقة الرابعة والأخيرة في تقسيم طبقات المجتمع عندهم، وهي طبقة شودر، وهم المنبوذون، والذين هم أَحَطُّ من البهائم، وأذل من الكلاب، ويُصَرِّحُ القانون بأنّه من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة (طبقة الكهنة والحكام) دون أَجْر!! وكفَّارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والبومة مثل كفارة قتل الشودر سواء بسواء!! .

المطلب الثالث: تعامل القبائل العربيّة مع أسرى الحرب:

          ما فَتِأَت الحرب تشتعل بين حين وآخر بين القبائل العربية بدافع العصبية والقَبَليّة. ومما لا شَكّ فيه أنّه كان لهذه الحروب المستمرّة نتائج وَبِيلَة على الفريق المنهزم؛ وذلك لما يترتّب على الهزيمة من سبي النساء والذريّة والرجال إن قُدِر عليهم، وقد يتم قتلهم، أو استرقاقهم وبيعهم عبيدًا، ولم يكن هناك ما يُسَمَّى بالمنِّ عليهم أو إطلاق سراحهم دون مقابل، فقد كانت تلك الحروب تمثل أَحَدَ الروافد الأساسيّة لتجارة العبيد التي كانت إحدى دعامات الاقتصاد في الجزيرة العربيّة، وقد استمرّت هذه الحروب بين القبائل العربيّة حتى غلب عليها الإسلام, مثل حروب الأوس والخزرج في المدينة, وبكر وخُزَاعة قُرْبَ مكة وغيرها.

 المبحث الثاني: مبدأ العَفْو عن الأسرى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

ضمن سلسلة الانتهاكات التي  تواجهها الأمة الإسلامية قام بعض الجنود من أفراد الجيش الألماني المشارك في احتلال أفغانستان بعمل شنيع، وذلك عندما قام الجنود بقتل مجموعة من الأفغان ثم قاموا بالتمثيل بجثثهم بتقطيع أعضاء من جسدهم وسحبهم بسيارات عسكرية أمام الأفغانيين .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

قال رسول الله : " ‏فُكُّوا الْعَانِيَ ، وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ" .

ويقول   عندما سأله رجل: ‏فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ أَعْتِقْ ‏ ‏النَّسَمَةَ ‏وَفُكَّ الرَّقَبَةَ فَقَال:َ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ قَالَ: لَا إِنَّ عِتْقَ ‏النَّسَمَةِ ‏أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا....." .

لم يكن حثُّ الرسول على العفو عن الأسرى، والمنِّ عليهم أمرًا خياليًا يُجمِّل به صورة المسلمين، بل كان أمرًا واقعيًا أفرز مجموعة من المواقف يعجز المرء عن استيعاب عظمتها، وأجمل ما فيها أنها لم تكن مواقف عابرة حدثت نتيجة ظروفٍ خاصّة، أو تحت ضغوط معيّنة، إنما كانت منهجًا ثابتًا، وسُنَّة ماضية، وتشريعًا خالدًا استحالَ أن يجود الزمانُ بمثله.  وَلْنَمُرَ سريعًا على بعض الأمثلة التي تُظهر رحمته وعفوه عن أسرى أعدائه، وذلك من خلال المطالب الآتية:

المطلب الأول: أسيرا سريّة نخلة:

          أَسَرَ المسلمون في هذه السرية – وكانت في رجب من السنة الثانية من الهجرة - اثنين من المشركين هما أول أسيرين في الإسلام؛ الحَكَم بن كيسان وعثمان ابن عبد الله، فأما الأول – الحَكَم - فنظرًا لما وَجَدَهُ من المعاملة الكريمة فإنّه أَسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، وأقام عند رسول الله حتى استُشهِدَ يوم بِئْرِ معونة في السنة الرابعة للهجرة، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرًا...

          ومع أنّ هذين هما أوَّل أسيرين يظفر المسلمون بهما بعد طول العناء والتعذيب من مشركي مكة الذين ينتسب لهم هذان الأسيران؛ إلا أن ذلك لم يكن دافعًا لرسول الله أن يمسَّهما بأذى، بل على العكس كان الإكرام والصفح عنهما.

          وهذا الموقف له دِلالات كبيرةٌ جدًا، حيث إنّه وضَّح من البداية سياسة رسول الله في التعامل مع الأسرى، ومع أنّ هذا كان من الممكن أن يُطمع فيه المشركون إلا أنَّها سياسة الرحمة التي لا بديل عنها في الرؤية النبوية، وقد ازداد هذا المعنى رسوخًا عندما رأينا رؤيته للتعامل مع أسرى بدر بعد أقلّ من شهرين من سريّة نخلة.

المطلب الثاني: أسرى بدر:

كانت معركة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين، وقد تَمّ النصر فيها للمسلمين مع قِلّة عددهم وعُدَّتهم؛ بل إنهم مع هذا النصر أَسَرُوا من المشركين سبعين، واستشار الرسول أصحابه رضي الله عنهم في شأن هؤلاء الأسرى، وماذا يفعل معهم؟

يروي عمر بن الخطاب فيقول: قال أبو بكر : يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوّةً لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عَضُدًا، فقال رسول الله : "ما ترى يا ابن الخطاب؟" قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تُمكِّنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتُمكِّن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتُمكِّن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوداة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.

فهوى الرسول ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلتُ – أي عمر - وأخذ منهم الفداء. 

وعلى الرغم من نزول الآيات بعد هذا الموقف تُعاتب النبيّ أنه أخذ بالرفق واللين مع هؤلاء الأسرى في هذا الموقف "لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " رغم ذلك؛ لم يكن هذا دافعًا لأن يُسِيءَ الرسول معاملةَ هؤلاء الأسرى، أو يُغَيِّر من تعامله معهم بعد أن أخذ قرارًا بإعفائهم من القتل، وقبول الفدية ممن يستطيع منهم.

وقد تفاوت مقدار هذه الفدية بحسب حالة كل أسير..

فقد أطلق الرسول بعض الأسرى كعمرو بن أبي سفيان مقابل أن يطلق المشركون سراح سعد بن النعمان بن أكال، الذي أسره أبو سفيان وهو يعتمر.

ومن الأسرى من كان يفدي نفسه بالمال، وكان يُراعي الحالة الماديّة لكلّ أسير، فمنهم من دفع أربعة آلاف درهم كأبي وداعة، وأبي عزيز واسمه زرارة بن عمير – وهو أَخٌ لمصعب بن عمير - دفعتها أمّه،وكانت صاحبة مالٍ وفير، ومنهم من دفع مائة أوقيّة كالعباس بن عبد المطلب، ومنهم من دفع ثمانين أوقيّة كعقيل بن أبي طالب، وقد دفعها له العباس، ودفع بعض الأسرى أربعين أوقيّة فقط .

أمّا من لم يكن معه مال، وكان يَعرفُ القراءة والكتابة فكان فِداؤه أن يُعَلِّم بعض المسلمين القراءة والكتابة؛ فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: ‏كَانَ نَاسٌ مِنْ الْأَسْرَى يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ ‏ ‏فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏ ‏فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ ‏ ‏الْأَنْصَارِ .

ومن هؤلاء الأسرى مَن مَنَّ الرسولُ عليه بغير فداء مثل: المطلب بن حنطب، وأبي عزة الشاعر، وصيفي بن أبي رفاعة .

ومن الواضح أنه تم إطلاق سراح من بقي من أسرى بدر خلال أقل من عامٍ من غزوة بدر، ومما يؤكِّد هذا الأمر أن المشركين في أُحُد لم يتفاوضوا على أيِّ أسرى.

المطلب الثالث: أسرى الحديبية:

وهذا من مواقف الرحمة العجيبة في السيرة!

قال عبد الله بن مغفل المزني : ‏كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ يَقَعُ مِنْ أَغْصَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ‏ ‏ ‏وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ‏ ‏وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو‏ ‏بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏ ‏ ‏لِعَلِيٍّ ‏>:‏ ‏اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَأَخَذَ ‏سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو‏ ‏بِيَدِهِ فَقَالَ: مَا نَعْرِفُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرِفُ قَالَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَكَتَبَ هَذَا ‏مَا صَالَحَ عَلَيْهِ ‏‏مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏ ‏أَهْلَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏فَأَمْسَكَ ‏سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو‏ ‏بِيَدِهِ وَقَالَ: لَقَدْ ظَلَمْنَاكَ إِنْ كُنْتَ رَسُولَهُ اكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا نَعْرِفُ فَقَالَ: اكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ ‏‏مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ‏وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏فَكَتَبَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلَاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِمْ السِّلَاحُ فَثَارُوا فِي وُجُوهِنَا فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏فَأَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَبْصَارِهِمْ فَقَدِمْنَا إِلَيْهِمْ فَأَخَذْنَاهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏:‏ ‏هَلْ جِئْتُمْ فِي عَهْدِ أَحَدٍ أَوْ هَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا فَقَالُوا: لَا فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:  "وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا" .

فهذا عفو في موقف عجيب، فالمسلمون ممنوعون من دخول مكّة، وقريش قد أَعَدَّت العُدَّة لحربهم، ومع ذلك لا يأخذ الرسول هؤلاء الأسرى رهينة، بل يمنَّ عليهم بغير فِدَاء، ولا يجعلهم ورقة ضغط على المشركين حتى في هذا الموقف الصعب!

إنها الرحمة في أرقى صورها!

ويتكرر بعد صلح الحديبية موقف آخر عجيب من مواقف الرحمة والعفو!

يقول سلمة بن الأكوع : ".. ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ وَاصْطَلَحْنَا قَالَ: وَكُنْتُ ‏ ‏تَبِيعًا ‏لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ‏ ‏أَسْقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ وَأَخْدِمُهُ وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏ ‏قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ ‏مَكَّةَ ‏ ‏وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ أَتَيْتُ شَجَرَةً ‏فَكَسَحْتُ ‏‏شَوْكَهَا فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ ‏مَكَّةَ‏ ‏فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏فَأَبْغَضْتُهُمْ فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى وَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي يَا ‏لِلْمُهَاجِرِينَ ‏‏قُتِلَ ‏ابْنُ زُنَيْمٍ ‏‏قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ثُمَّ ‏‏شَدَدْتُ‏ ‏عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ‏ ‏ضِغْثًا  ‏فِي يَدِي قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ ‏ ‏مُحَمَّدٍ‏ ‏لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي ‏عَامِرٌ  ‏بِرَجُلٍ مِنْ ‏ ‏الْعَبَلَاتِ ‏ ‏يُقَالُ لَهُ ‏‏مِكْرَزٌ ‏ ‏يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏عَلَى فَرَسٍ‏ ‏مُجَفَّفٍ  ‏فِي سَبْعِينَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ‏فَقَالَ: دَعُوهُمْ يَكُنْ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ ‏وَثِنَاهُ ‏‏فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ " .

هكذا ببساطة..لم ينتقم، فيسفك الدماء، وينتهك الأعراض، وينهب الدُّور، بل العفو هو شيمته في كل وقتٍ، وفي مواجهة كلّ عدوّ.

المطلب الرابع: أسرى مكة:

وهذا من أعظم المواقف في السيرة النبوية – وخاصة إذا وضعت التاريخ المظلم  لقريش مع رسول الله  - فقد فتح رسول الله مكة، ودان له كُلُّ من فيها، وأصبحوا ملك يده ، وله حق التصرف فيهم كما يشاء، فماذا فعل ؟

لقد قال لهم : "يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتَعَظُّمَها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب"، ثم تلا هذه الآية: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ".

ثم قال : "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟".

قالوا: خيرًا، أَخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم.

قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" .

ويتضح لنا بجلاء من لفظ الطلقاء أنهم كانوا في حكم الأسرى، ومَنَّ عليهم الرسول بإطلاق سراحهم، ولم يمسهم بأدنى سوء؛ بل إنه أكرمهم وأنزلهم منزلة عالية، مما يدلّ على سُمُوِّ أخلاقه ورحمته .

المطلب الخامس: أسرى هوازن:

          بعد معركة حُنين غَنِم المسلمون غنائم كثيرة من الإبل والشياه، وأسروا عددًا مهولاً من المشركين بلغ في بعض الروايات ستّة آلاف ، وبعد انتهاء توزيع الغنائم بكاملها، ورضا كل فريق بما أخذ سواء من الجزء الرئيسي من الغنيمة، أو من الخُمُس الذي وُهِبَ للبعض، حدثت مفاجأة ضخمة لم تكن متوقّعة..!!

لقد جاء وفدٌ من قبيلة هوازن إلى وادي الجِعِرَّانَة ، لإعلان الإسلام أمام النبي ، وكان الوفد يُمَثِّل كلَّ بطون هوازن ما عدا ثقيف، وذلك بعد أقلِّ من شهرين من حرب حُنَيْن الهائلة، بعد أن فقدوا كل شيء فخسروا نساءهم وأبناءهم، وأموالهم، وأنعامهم، وكانوا قد فَرُّوا إلى الطائف مع ثقيف، وما استطاعوا الخروج لحرب المسلمين، وكان من الممكن أن يفقدوا ديارهم ويعيشوا عمرهم لاجئين عند ثقيف في الطائف، ولكنهم فكّروا في العودة إلى رسول الله ، فقد يَقبل منهم إسلامهم، ويُعيد إليهم بعض الممتلكات.

وأعلن وفد هوازن الإسلام أمامَ النبي ، وقالوا: يا رسول الله إنَّا أهلٌ وعشيرةٌ، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامْنُنْ علينا مَنَّ الله عليك .

          لقد أصبح الموقف في غاية الحرج، فها هي القبيلة الضخمة هوازن تأتي لتعلن إسلامها، ولتستردّ بعض ما ذهب منها، وتُحتَمَل رِدتُهم إن لم يستردّوا أسراهم، وكان النبي قد قسَّم كل شيء في الغنائم على الجيش، فأربعة أخماس الغنائم قُسِّمت على أفراد الجيش العام، وقُسِّمَ الخُمسُ الباقي على سادة القبائل والعظماء، وطُلقاء مكّة وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، فقد أعطى النبي هذه العطايا ليتألّف بها الناس، ولو أخذ النبي منهم ما أعطاهم لارتدوا عن الإسلام، فهو يريد إسلام هوازن، وفي نفس الوقت يريد ثبات أهل مكّة وزعماء القبائل، فكيف خرج النبي من الأزمة؟!

قال لهم الرسول : "نِسَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟" فقالوا: يا رسول الله خَيَّرْتَنَا بين أَحْسَابِنَا وَأَمْوَالِنَا؟ بَلْ أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا أَحَبَّ إِلَينَا؛ فقال الرسول : " أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ؛ فَقُومُوا فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللهِ إِلى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلى رَسُولِ اللهِ في أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا. فَإِنِّي سَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَسْأَلَ لَكُمْ".

فلمّا صَلَّى رسول الله بالناس الظهر؛ قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله ؛ فقال: "أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ"؛ فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله .وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة : أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس السلمي : أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ، فقال عباس بن مرداس لبني سليم: وَهَنْتُمُوني.

 فقال رسول الله : "مَنْ أَمْسَكَ مِنْكُمْ بِحَقِّهِ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتَّةُ فَرَائِضَ مِنْ أَوَّلِ فَيْءٍ نُصِيبُهُ. فَرَدُّوا إِلَى النَّاسِ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ" .

          وبهذا وصل رسول الله مع هوازن إلى حَلٍّ وَسَطٍ، بإعادة نسائهم وأبنائهم، مع إشعارهم أنه معهم قلبًا وقالبًا، وأقنع المسلمين في ذات الوقت بترك الأسرى والسبي ابتغاء مرضاة الله عز وجل، وتَرَكَ لهم الغنائم.

          وما فعله الرسول هو مُنتهَى الحكمة، وبه انتهت مشكلة هوازن، ودخلت في الإسلام بنفسٍ راضيةٍ، وقد تيقنت أنها تتعامل مع رسول، وليس مع مجرد زعيم أو قائد، وما أعتقد أن في تاريخ الأمم مثل هذا الرُقِيّ في التعامل مع الأسرى.

المطلب السادس: ثمامة بن أثال:

كان ثمامة بن أثال زعيمًا مشهورًا من زعماء بني حنيفة، وكان قد قرر أن يأتي للمدينة المنورة ليقتل رسول الله ، فأسره أصحاب النبي ، وجاءوا به إلى المسجد النبوي، فماذا كان رَدُّ فعل رسول الله مع من جاء ليقتله؟! إن الرجل الآن أسير، والأسير يجب إحسان معاملته، والقاعدة لا استثناء فيها، ومن ثم قال لأصحابه: "أحسنوا إساره" ، وقال أيضًا: "اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه" ، فكانوا يقدمون إليه لبن لقحة  الرسول .

ثم انظر إلى هذا الحوار الراقي الذي دار بين رسول الله والرجل الذي جاء ليقتله، فأصبح أسيرًا:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏: ‏مَاذَا عِنْدَكَ يَا ‏ثُمَامَةُ؟

‏فَقَالَ: عِنْدِي يَا‏ مُحَمَّدُ ‏خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ.

فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ‏ثُمَامَةُ؟‏

‏قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ .

فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏ ‏حَتَّى كَانَ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ: مَاذَا عِنْدَكَ يَا ‏ثُمَامَةُ؟

‏فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "‏أَطْلِقُوا ‏ثُمَامَةَ".‏

‏فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يَا‏ ‏مُحَمَّدُ،‏ ‏وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا ‏‏تَرَى؟

فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏ ‏وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ ‏ ‏مَكَّةَ ‏‏قَالَ لَهُ قَائِلٌ:‏ ‏أَصَبَوْتَ؟‏ ‏فَقَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ‏وَلَا وَاللَّهِ لَا‏ ‏يَأْتِيكُمْ مِنْ ‏الْيَمَامَةِ ‏حَبَّةُ ‏‏حِنْطَةٍ ‏حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ‏‏ .

فهذه المعاملة الكريمة من رسول الله تركت في نفس ثمامة أثرًا طيبًا إلى درجة أنه غَيِّر دينه، وأسلم لله رب العالمين، دون ضغط أو إكراه، بل إن إسلامه وُلِدَ قويًا إلى الدرجة التي دفعته إلى مقاطعة قريش من أجل أنها تحارب رسول الله مضحيًا بذلك بثروة هائلة كانت تأتيه من تجارته معها، ومضحيًا كذلك بعلاقات اجتماعية مهمة مع أشراف قريش.

وسبحان الذي أَدَّب رسولَنا ؛ فأحسن تأديبه!!

 المبحث الثالث: تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأسرى في حال الاحتفاظ بهم

بعد أن دخل الصليبيون مدينة القدس واستتب لهم الأمر نما إلى علمهم وجود مجموعة من الأهالي دفعهم الخوف من الصليبيين إلى الاختباء داخل مسجد قبة الصخرة، فاقتحم عليهم الصليبيون المسجد وأبادوهم جميعًا، الشيوخ والنساء والأطفال، وقد طاف الجامع بالدماء إلى حد الرُّكَب  !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

الإسلام دين واقعي يتعامل مع الأحداث ومع الواقع، ولا يذهب في تشريعاته مع الخيال أو المثالية غير القابلة للتحقيق، ومن ثَمَّ كان من الطبيعي أن يتعامل مع قضية الأسرى كواقع يفرض نفسه على الحياة، لا أن يتجاهلها، أو يفرض لها حلاًّ عاطفيًّا غيرَ واقعيٍّ، لذلك فإنه يتعيّن على المسلمين في بعض الظروف أن يحتفظوا بالأسرى، وأقرب الظروف إلى الذهن أن يكون العدو قد أسر من المسلمين رجالاً يلزم أن نُبادلهم بأمثالهم.  فكيف كان رسول الله يُعامل الأسرى في حال الاحتفاظ بهم؟

          لقد كانت القاعدة العامة التي حَثَّ عليها الرسول في أوّل غزوة غنم فيها المسلمون أسرى هي: "استوصُوا بهم – أي بالأسرى - خيرًا" .

          لكن المهم في الأمر أن هذه المعاملة الحسنة التي أمر بها رسول الله للأسرى لم تكن مجرّد قوانين نظرية ليس لها تطبيق في واقع الحياة، ولكنَّها تمثّلت في مجموعة من المظاهر التي تُنبيء عن قلوب ملأتها الرحمة، وعن مشاعر فاضت بالعطف والحنان، وسوف نتناول – إن شاء الله -  هذه المظاهر من خلال المطالب الآتية:

المطلب الأول: إطعام الأسرى

قال الله تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ". في هذه الآية الكريمة من الدستور الإسلامي - القرآن الكريم - يحثُّ الله تعالى عباده المؤمنين على الإحسان إلى أسراهم وإطعامهم، ويعِدُهم بذلك النعيمَ في الآخرة.

          قال ابن عباس: أمر رسول الله أصحابه يوم بدر أن يُكرموا الأُسَارى، فكانوا يُقَدِّمُونهم على أنفسهم عند الغداء، وهكذا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة .

          ويعلق ابن جريج  على نفس الآية فيقول: لم يكن الأسير على عهد رسول الله  إلا من المشركين، قال أبو عبيد: فأرى أن الله قد أثنى على من أحسن إلى أسير المشركين .

          ولم يكن الصحابة رضوان الله عليهم يقدمون للأسرى ما بقي من طعامهم بل كانوا ينتقون لهم أجود ما لديهم من طعام، ويجعلونهم يأكلونه عملاً بوصية رسول الله بهم، وها هو أبو عزيز - شقيق مصعب بن عمير - يحكي ما حدث يقول: "كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خَصَّوْني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها؛ فأستحي فأردّها فيردّها عَلَيَّ ما يمسّها! قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث . أي أنّه لم يكن شخصية عادية، بل كان من أشدّ المشركين على المسلمين، فلا يحمل اللواء إلا شجعان القوم وسادتهم! ولكن هذا لم يغير من الأمر شيئًا، لأن الرحمة بالأسير أصل من أصول التعامل لا يجوز التخلي عنه تحت أي ظرف.

المطلب الثاني: كسوة الأسرى

          لم يقتصر المسلمون على إطعام أسراهم من المشركين؛ بل إنهم كانوا يُقدّمون لهم الملابس أيضًا، وهذا ثابت في الصحيح، فقد جعل البخاري – رحمه الله – بابًا في الصحيح سمّاه: باب الكسوة للأُسارى، وذكر فيه أن جابر بن عبد الله { قال: " ‏لَمَّا كَانَ يَوْمَ ‏ ‏بَدْرٍ ‏ ‏أُتِيَ بِأُسَارَى وَأُتِيَ‏ ‏بِالْعَبَّاسِ ‏وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ‏‏  ‏لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ‏‏يَقْدُرُ عَلَيْهِ فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ‏‏ ‏إِيَّاهُ..." الحديث .

          وورد أيضًا أن رسول الله أمر لأسرى هوازن بالكساء فقد أمر رجلًا أن يَقْدُمَ مكة فيشتري للسبي – الأسرى - ثياب المُعَقَّد ، فلا يخرج الحرُّ منهم إلا كاسيًا.

المطلب الثالث: توفير المأوى لهم:

          حتى يتمّ النظر في شأن الأسرى كان المسلمون يجعلونهم في أحد مكانين إما المسجد وهو أشرف مكان عند المسلمين، وإما بيوت الصحابة .

وكان المستهدف من إبقاء الأسرى في المسجد أن يَرَوْا أخلاق المسلمين وعبادتهم لعلهم يتأثّرون بها، فيدخل الإيمان في قلوبهم، وقد حدث هذا بالفعل مع بعضهم كثمامة بن أثال .

          وأما إبقاء الأسرى في منازل الصحابة رضي الله عنهم فكان هذا إكرامًا كبيرًا من المسلمين لهؤلاء الأسرى؛ فعن الحسن البصري أن رسول الله كان يُؤتَى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: "أَحْسِنْ إليه"، فيكون عنده اليومين والثلاثة، فَيُؤْثِرُهُ على نفسه .

المطلب الرابع: عدم التعرّض لهم بالأذى

الفطرة السليمة تأبى التعذيب للنفوس البشريّة، بل إنها لا ترضى بتعذيب الحيوان أو الطير، وقد ربَّى الرسول صحابته الكرام رضي الله عنهم على الرحمة، فقد روى جرير بن عبد الله أن رسول الله قال: "‏مَنْ لَا يَرْحَمْ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" ، فكان الصحابة رضوان الله عليهم نماذج عملية في الرحمة ببني البشر جميعًا مسلمين وغير مسلمين، وقد ذُكِر قبل ذلك إنكار الرسول ضرب غلامي قريش في أحداث بدر وقوله : "إِذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا وَاللهِ إِنَّهُمَا لِقُرَيْش.." ، مع أن هذين الغلامين اللذين ضُرِبَا من الجيش المعادي – جيش المشركين – ويمدَّان الجيش بالماء.

بل إن شريعة الإسلام تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تمنع تعذيب الأسير للإدلاء بمعلومات عن العدو، وقد قيل للإمام مالك: أَيُعذَّبُ الأسيرُ إن رُجِيَ أن يدلّ على عورة العدو؟ قال: "ما سمعت بذلك" .

المطلب الخامس: الرفق بهم، واللين معهم

          من أخلاق الإسلام أيضًا في التعامل مع الأسرى الرفقُ ولين الجانب، حتى يشعروا بالأمن والطمأنينة، وقد كان من أخلاق رسول الله أنّه كان يردُّ على استفسارات الأسرى، ولا يسأم أو يَمَلُّ من أسئلتهم، مما يُوحِي بسعة صدره، وعمق رحمته التي شملت البشر جميعًا...

ففي صحيح مسلم بسنده عن عمران بن حصين قال: " ‏كَانَتْ ‏ ‏ثَقِيفُ ‏ ‏حُلَفَاءَ ‏ ‏لِبَنِى عُقَيْلٍ ‏فَأَسَرَتْ ‏‏ثَقِيفُ ‏رَجُلَيْنِ مِنْ ‏‏أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ‏ ‏ ‏وَأَسَرَ ‏أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ‏رَجُلًا مِنْ ‏بَنِي عُقَيْلٍ وَأَصَابُوا مَعَهُ‏ ‏الْعَضْبَاءَ  ‏فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ قَالَ: يَا ‏مُحَمَّدُ، ‏فَأَتَاهُ فَقَالَ: ‏مَا شَأْنُكَ؟

فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي وَبِمَ أَخَذْتَ ‏سَابِقَةَ ‏الْحَاجِّ؟ 

فَقَالَ: إِعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ ‏بِجَرِيرَةِ ‏حُلَفَائِكَ‏ ‏ثَقِيفَ.

‏ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا ‏مُحَمَّدُ، ‏يَا ‏مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏رَحِيمًا رَقِيقًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟

قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ.

قَالَ: لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا‏ ‏مُحَمَّدُ،‏ ‏يَا ‏مُحَمَّدُ، ‏فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟

قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي، قَالَ: "هَذِهِ حَاجَتُكَ " .

فهذا التردد على الرجل كلما نادى عليه - وهو القائد الأول للدولة الإسلامية - ومناداته باسمه مجرّدًا يدلّ على مدى الرحمة والإنسانية التي يحملها الرسول في قلبه لكل البشر.

وأعطى رسولُ الله لأبي الهيثم بن التيّهان أسيرًا، وأمره بالإحسان إليه، فأخذه أبو الهيثم إلى منزله، ثم قال: إن رسول الله أوصاني بك خيرًا، فأنت حُرٌّ لوجه الله، ورُويَ أنه قال له: "أنت حُرٌّ لوجه الله، ولك سهم من مالي" .

المطلب السادس: احترام مشاعرهم الإنسانية

          إن الإسلام يرفع من قيمة البشر، ويحترم المشاعر الإنسانية احترامًا كبيرًا، سواء مع المسلمين أو مع غيرهم، وقد وجدنا تطبيقات عمليّة كثيرة لهذا الأمر في حياة النبيّ ، ويظهر هذا الأمر بوضوح في أوقات الشدائد وبعد الحروب خاصّة، فنجد النبي يوجِّه أصحابه الكرام توجيهات إنسانية راقية في شأن التعامل مع الأسرى من النساء والأطفال؛ فينهى عن التفريق بين الأم وطفلها؛ فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .

ولعلّ القصّة التالية تكون خاتمة جميلة لهذا المبحث، حيث تظهر فيها رحمة الرسول في أبهى صورها، فقد أتى أبو أُسَيْدٍ الأنصاري بسبي من البحرين فَصُفُّوا، فقام رسول الله ، فنظر إليهم؛ فإذا امرأة تبكي؛ فقال: ما يُبْكِيكَ؟ فقالت: بِيعَ ابني في بني عبس؛ فقال رسول الله لأبي أسيد: لَتَرْكَبَنَّ فَلَتَجِيئَنَّ به، فركب أبو أسيد فجاء به !

لقد رَقَّ قلب رسول الله للمرأة الأسيرة فأرسل أحد جنوده إلى بلد بعيد ليأتي لها بابنها، حتى يهدأ بالها، وتجفّ دموعها!

ولعلّ السؤال الأبرز الذي يخطر على بالنا الآن: هل هناك قائد عسكريٌّ في العالم ينتصر في معركة فيشغل نفسه وجنوده لإسعاد امرأة أسيرة بسيطة لا يعرفها أحد؟!!

إن الإجابة التي يعرفها الجميع هي أن ذلك أبدًا لا يكون !!

إلا أن يكون هذا القائد هو محمد رسول الله !! وصدق الله إذ يقول:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ".

 الفصل السادس: رحمته صلى الله عليه وسلم بزعماء الأعداء!

في الفصول السابقة مر بنا كيف تعامل الرسول بالرحمة مع غير المسلمين،  وذكرنا مواقفه مع من آذاه، وكذلك مع الأسرى الذين كانوا يُقاتلونه منذ ساعات، وهو ما يكاد أن يكون نادرًا تمامًا في تاريخ أيِّ أمة من أُمَمِ الأرض.

وإذا كانت الصور السابقة من صور الرحمة نادرة، فإن الصورة التي سنتناولها في هذا المبحث تكاد تكون مستحيلة!!

إننا سنتناول في هذا الفصل رحمته مع زعماء الأعداء الذين قاوموه وحاربوه سنواتٍ عديدة.. سنتناول رحمته مع أولئك الذي جَيَّشُوا الجيوش، وحزَّبُوا الأحزاب لاستئصال شَأْفَةِ المسلمين..

سنتناول رحمته مع أولئك الذين لم يَكْتَفُوا بالسخرية منه والكيد له، بل حفَّزوا الآخرين على فعل ذلك، وكانوا في فترة من فترات حياتهم أكابر المجرمين، وقادة الضالّين..

بل إننا سنتناول رحمته مع أولئك الذين دبَّروا المحاولات تلو المحاولات لقتله هو شخصيًّا، فما ترك ذلك في قلبه حقدًا، وما أورث غِلاًّ، وما غيَّر من أخلاقه المعهودة، ولا من طبيعته الرقيقة ..

وعلى الرغم من بروز رحمته مع كل زعماء الكفر الذين حاربوه، سواء من أهل مكة، أو من أهل الجزيرة بصفة عامة، إلا أننا سنكتفي في هذا الفصل بالحديث عن رحمته بزعماء مكة عند التمكن منهم، وذلك لسببين، أما الأول فهو الالتزام بحجم معين لهذا البحث مما يَصْعُبُ معه تَتَبُّع مواقفه العظيمة مع كل قادة الكفر من كل القبائل، وأما السبب الثاني فهو أنه إنْ ظهرت لنا رحمته مع أولئك الذين حاربوه أكثر من عشرين سنة، وطردوه هو وأصحابه من ديارهم، وصادروا أموالهم، وانتهكوا حرماتهم، وقتلوا منهم، ومثَّلوا بهم، إنْ رأينا رحمته مع هؤلاء فلا شكّ أنّ رحمته مع الآخرين أظهر، وعفوه عنهم أوسع.

لذلك سنعرض في هذا الفصل لبعض المواقف له عند فتح مكة، وبعد أن أصبحت أزمَّة الأمور في يديه، لنرى كيف يكون العفوُ عند المقدرة، والرحمةُ عند الانتصار والغلبة، وسوف ينقسم حديثنا في هذا الفصل إلى ستة مباحث هي:

المبحث الأول: رحمته مع أبي سفيان

المبحث الثاني: رحمته مع عكرمة بن أبي جهل

المبحث الثالث: رحمته مع صفوان بن أمية

المبحث الرابع: رحمته مع سهيل بن عمرو

المبحث الخامس: رحمته مع فضالة بن عمير

المبحث السادس: رحمته مع هند بنت عتبة

 المبحث الأول: رحمته صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان بن حرب

أفاد تقرير صادر عن وزارة الصحة العراقية بأن عدد الضحايا العراقيين منذ احتلال العراق في عام 2003م بأنهم 150 ألف ضحية، وإذا اعتمدنا على هذا التقرير الرسمي رغم أنه أقل التقديرات المعلنة نجد أن العراق يفقد شهريًا قرابة 3.500 مواطن من أبنائه في ظل الحماية الأمريكية !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لم يكن أبو سفيان رجلاً عاديًّا من رجال قريش، لكنه كان من الرجال المعدودين الذين يشار إليهم بالحكمة وحسن القيادة، ولم يكن رجلاً محايدًا عندما ظهرت دعوة رسول الله ، إنما كان مهاجمًا لها محاولاً بكل الطرق أن يُوقِفَ مَدَّها، وأن يُجْهِضَ نموها..

لقد كان أبو سفيان من الذين اجتهدوا طيلة فترة الدعوة في مكة أن يقتلوا الإسلام في مهده، وقد ذكره الطبري فيمن اجتمعوا في دار الندوة يخطّطون لقتل رسول الله قبيل هجرته إلى المدينة .

وفي فترة المدينة المنورة كان أبو سفيان على رأس المشركين في أول مواجهة بين سَرِيّةٍ مُسلمةٍ  بقيادة عبيدة بن الحارث  ، وتَجَمُّعٍ للمشركين عند منطقة "ثنية المُرَّة" ، وكان أبو سفيان على رأس القافلة التي نَجَتْ، وأعقبها مباشرة الصدام الكبير مع المشركين في بدر.

وفي بدر قُتل سبعون من صناديد وقادة قريش، ومن ثَمَّ اجتمعت قريش على رئاسة أبي سفيان لها بكل بطونها وفروعها، وهو حدث فريد في تاريخ مكة، ومن هذه اللحظة وأبو سفيان هو المحرِّك الأول لجموع قريش والقبائل العربية الأخرى لحرب المسلمين..

وكان ابنه "حنظلة" قد قُتِلَ في بدر، وابنه الآخر "عمرو" قد أُسِرَ ، فزاد ذلك في أضغانه وأحقاده، واستطاع أبو سفيان - بنفسه - أن يأسِر صحابيًا جليلاً وهو سعد بن النعمان بن أكال  فبادله بابنه عمرو بن أبي سفيان.

ثم أقسم أبو سفيان ألا يَمَسَّ رأسَه ماءٌ من جنابة حتى يغزو محمدًا ، وبالفعل جمع مائتي فارس وغزا المدينة في الظلام، وقتل رجلين من الأنصار ، فيما عُرِف في التاريخ بغزوة السويق .

ثم كان يوم "أُحُد"، وخرج أبو سفيان يقود ثلاثة آلاف مشرك لحرب المسلمين، وكانت من أكبر الأزمات التي مرت بالمسلمين؛ فبعد الانتصار في أول المعركة تحول النصر إلى مصيبة، وصارت الدولة للمشركين، واستشهد من المسلمين سبعون، وقَتَل أبو سفيان يومها  سلمةَ بن ثابت ، وقيل إنه هو الذي قَتَل حنظلة غِسِّيل الملائكة  وقال: حنظلة بحنظلة، أي أن هذا الصحابي بابنه الذي قُتِلَ في بدر .

لكن أشدَّ من ذلك ما ظهر منه في شعورٍ بالشماتة، وما بَدَا منه من مخالفةٍ لأعراف الحرب وآداب القتال عند العرب، وذلك في الحوار الذي دار بينه وبين المسلمين بعد غزوة أحد مباشرة.

لقد نادى أبو سفيان بعد انتهاء المعركة يوم أُحُد: "أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت - والله - يا عدو الله! إن الذين عددت أحياء كلَّهم، وقد بَقِيَ لك ما يسوءُك. قال أبو سفيان: يومٌ بيومِ بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مُثلة لم آمر بها، ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اُعْلُ هُبَلْ! اُعْلُ هُبَلْ!

قال النبي : "أَلا تُجِيبُونَه؟!" قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قولوا: "اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ".

قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم!

فقال النبي : "أَلا تُجِيبُونَه؟!" قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قولوا: "اللهُ مَوْلانَا وَلا مَوْلَى لَكُمْ" .

ففي هذا الحوار يُظهِر أبو سفيان الرضا بما حدث في الشهداء من تشويهٍ للأجساد، وتقطيعٍ للأذان، وبَقْرٍ للبطون، وهو ما لم تَأْلَفْهُ العرب أصلاً في جاهلية ولا في إسلام، وإنما يدلّ كلّ ذلك على شهوة إبادة حقيقية، وعلى رغبةٍ أكيدةٍ في الكيد لرسول الله وللمسلمين..

وظهرت هذه الشهوة أيضًا عندما حضر أبو سفيان وشهد حادثة قتل زيد بن الدثنة  في إقرارٍ واضحٍ لمبدأ الغدر في التعامل مع المسلمين .

وقد ظهرت شهوة الإبادة هذه بصورة أكبر في حصار الأحزاب في العام الخامس من الهجرة، وفي هذا الحصار حرص أبو سفيان - الذي كان على قيادة عشرة آلاف مشرك - على التخلِّص من كلِّ المسلمين بالمدينة! لقد كانت جريمة كبرى، عندما جمعوا الجموع ليحاصروا المدينة الآمنة، ولِيُرَوِّعُوا الرجال والنساء والأطفال!!

وظلَّ أبو سفيان زعيمًا لمكة حتى السنة الثامنة من الهجرة، وكان صلح الحديبية قد تمَّ منذ سنتين، وانضمت فيه قبيلة بني بكر لحلف المشركين، بينما انضمت قبيلة خزاعة لحلف المسلمين، ثم حدثت الخيانة المعروفة من بني بكر، وقتلت عددًا من قبيلة خزاعة، وساعدتها قريش على ذلك ، فنُقِضَ بذلك صلح الحديبية، ومن ثم قرر رسول الله فتح مكة بجيش قوامه عشرة آلاف مؤمن..

إنها قصة طويلة، وتفصيلاتها كثيرة، وما يهمنا فيها أن أبا سفيان كان يتولَّى كِبْرَ الأمر في حرب المسلمين، وكان على رأس المهدِّدين لأمن الدولة الإسلامية..

ضَعْ كل هذه الخلفيّات المعقَّدة في ذهنك، وأنت تحلّل الطريقة التي تعامل بها رسول الله مع أبي سفيان عندما قابله في الطريق من المدينة إلى مكَّة أثناء التوجه لفتح مكة المكرمة..

إننا ذكرنا هذا التاريخ الطويل من العداء لِنَفْقَهَ قيمة الخُلُق النبوي، وعظمة الرؤية الإسلامية للأمور..

لقد دارت الأيّام، وأصبح أبو سفيان في موقف ضعيف جدًّا، ووجد نفسه عاجزًا عن الحركة، بل عن التفكير، وذلك عندما بُوغِتَ بالجيوش الإسلامية على بعد عدة كيلومترات من مكة، وعلم أبو سفيان – يقينًا - أنه على رأس قائمة المطلوبين!! وأصابت أبا سفيان حالة من الرعب والهلع، ووجد أمامه أحد أصدقائه القدامى الذين آمنوا وانضمّوا إلى الصف المسلم وهو العباس بن عبد المطلب ، عمّ رسول الله ، فاستغاثه واستنجد به قائلاً: ما الحيلة؟ فداك أبي وأمي؟!

يقول العباس: فخرجت به، فكلّما مررتُ بنار من نيران المسلمين فقالوا: ما هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله عليها عمّه قالوا: هذه بغلة رسول الله عليها عمّه، حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب ، فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رآه على عجز البغلة عرفه، فقال: والله عدوُّ الله!! الحمد الله الذي أمكن منك، فخرج يشتد نحو رسول الله ودخل، وركضت البغلة فسبقته بقدر ما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ودخل عمر فقال: هذا عدو الله أبو سفيان، قد أمكن الله منه في غير عهد ولا عقد؛ فدعني أضرب عنقه!!

فقلتُ: قد أَجَرْتُه يا رسول الله، فقال رسول الله : "يا عباس، اذهب به إلى رحلك، فإذا أصبح فائتنا به".

فذهبت به إلى الرحل فبات عندي، فلما أصبحت غدوت به، فلما رآه رسول الله قال: "ويحك يا أبا سفيان!! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟!".

قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك، وأعظم عفوك!! لقد كاد أن يقع في نفسي أن لو كان إله غيره لقد أغنى شيئًا بعد.

فقال: "ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟!".

قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك، وأعظم عفوك! أما هذه - والله - فكان في النفس منها حتى الآن شيء.

قال العباس: فقلت: ويلك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدًا رسول الله قبل أن تُضْرَبَ عنقك.

قال: فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمّدًا رسول الله..

قال العباس: فقلتُ: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئًا.

فقال: "نعم، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُو آمِنْ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنْ" .

لقد ضرب لنا رسول الله في هذا الموقف مثلاً من أروع أمثلة المرءوة والشهامة، كذلك من أروع أمثلة التجرِّد لله والحرص على الدعوة..

لقد وقف يتحاور مع أبي سفيان بطريقة إقناعيّة فيها البحث عن الْحُجَّةِ والدليل، مع أنّ السيف كان الحلَّ الأمثل عند عامة القواد والزعماء..

ولقد ثبت بالدليل القاطع الآن أن الله عزّ وجلّ ينصر دينه ونبيه ، فهل ما زال هناك شكّ في هذه الحقيقة إلى الآن؟! وأجاب أبو سفيان إجابة غير شافية لا تدلّ عن قناعة كاملة بتوحيد الله، ولكنه على كل حال لم يرفض، لكن عندما سأله رسول الله عن إيمانه بنبوته صرَّح أبو سفيان أنه ما زال يشك في هذا الأمر!!

وهنا هدَّده العباس بأن قتله أصبح وشيكًا، ولا يحفظ دمه إلا الإسلام، فأسلم عندئذ أبو سفيان..

إن الذي فعله العباس ليس إكراهًا في الدين، بل هو رحمة بأبي سفيان، ورحمة بكل قريش، إن قتل أبي سفيان في هذا الموقف لا يستنكره أحد، ولا ترفضه أعراف الدول لا في القديم ولا في الحديث؛ فهو يُصَنَّفُ في القانون الدولي الحديث على أنه مجرم حرب؛ لأنه دبَّر منذ سنتين محاولة "قتل جماعي" لأهل المدينة المنورة، ونَقَضَ منذ أيامٍ قليلةٍ عهدًا بينه وبين المسلمين راحَ ضحيَّة نقْضِهِ عدد من الرجال والنساء قتلى..

بل إن الذي يمكن أن يتوقّعه أيّ مُتابع للأحداث أن يرفض رسول الله إسلام أبي سفيان في هذا الموقف، ويظنَّ - ظنًا أشبه باليقين- أنّه ما فعل ذلك إلا تَقِيَّةً وخوفًا من القتل.. 

لكن الرسول لم يُظهِر شكًّا في إيمان أبي سفيان، بل قَبِلَ منه ببساطة، ولم يناقشه أو يستوثق منه، بل عفا عنه في لحظة واحدة!!

لقد تناسى رسول الله في لحظة واحدة كل الذكريات المؤلمة والجراح العميقة.. فَقَلْبُهُ لا تغزوه الأحقاد، ولا سبيل للشيطان عليه..

ولو انتهت القصة عند هذا الحدِّ لكانت آية من آيات الرحمة والعفو والتسامح.. لكن الذي حدث بعد ذلك يتسامى ويرتفع فوق درجة الأخلاق التي نعرفها، فلا يمكن أن يُفَسَّرَ إلا بأنّه نبيٌّ كريم..

لقد أعطى رسول الله لأبي سفيان في هذا الموقف ما يكفل له الفخر أبد الدهر!! إنه لم يكتف بإعطاء الأمان لأبي سفيان، بل أعطى الأمان لكل من يدخل دار أبي سفيان!

"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"!

أيُّ عظمة.. وأيُّ فضل..!!

إننا لا يمكن أن نتصور مدى النُّبل الذي في هذا الموقف إلا عندما نضع أنفسنا في ذات الموقف، ولنكن صادقين مع أنفسنا، وليكن العالم صادقًا مع نفسه.. هل يفعل ذلك أحد غير رسول الله ؟!

أما زال هناك من يدَّعِي أن المسلمين لا يعترفون بغيرهم، ولا يحسنون التعامل معهم..؟!!

أما زال الإسلام دين إرهاب وعنف في رأي البعض..؟!

إننا نفتقر فقط إلى العلم.. إننا لا نعرف من حياة رسول الله إلا قشورًا سطحية، ولو تعمَّقنا في دراسة سيرته، ونقلناها لعموم أهل الأرض لزالت الغشاوة عن أبصار قوم لا يعلمون..

وما حدث مع أبي سفيان ، ليس موقفًا فريدًا في السيرة، بل رأيناه مع كثير من محرِّكي الجموع، ومهيِّجي الشعوب..

ورحمته بعكرمة بن أبي جهل رحمة لا تُنْسَى أيضًا!

 المبحث الثاني: رحمته صلى الله عليه وسلم بعكرمة بن أبي جهل

كان عكرمة من أشد أعداء رسول الله ضراوة في تاريخ السيرة كلها، وقد شَرِبَ العداوة جُلَّ هذه المدة الطويلة من أبيه فرعون هذه الأمة وألدِّ أعداء الإسلام "أبي جهل".. ولكن عكرمة استمر وزاد في العداوة للدرجة التي جعلت الرسول يُريق دمه عند فتح مكة باعتباره من مجرمي الحرب آنذاك..

كان عكرمة من القليل الذي قاتل في الخندمة  ضد خالد بن الوليد ، ولكنه بعد هزيمته فرَّ من مكة المكرمة وحاول أن يصل في فراره إلى اليمن، وذهب بالفعل إلى البحر ليأخذ سفينة وينطلق بها إلى اليمن ..

إن طريقه في الكفر طويل، وهو مطلوب الدم، وإذا وجده الرسول سيقتله بلا جدال.

وقد أرادت زوجة عكرمة (أم حكيم بنت الحارث بن هشام)  أن تنقذ زوجها، فذهبت - بعد أن أسلمت - إلى الرسول لتشفع عنده لعكرمة بن أبى جهل في أن يعود إلى مكة المكرمة آمنًا، وقالت: "قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فأمِّنْهُ"..

فرد الرسول في رحمة عجيبة: "هُوَ آمِنٌ" !!

لم يذكر لها أنه مهدر الدم، ولم يذكِّرْها بتاريخه الطويل، ولم يقل لها: أنت حديثة الإسلام جدًا فكيف تشفعين لغيرك؟!

لم يقل لها أيَّا من ذلك، ولم يشترط عليه أو عليها شروطًا، وإنما قال: "هُوَ آمِنٌ"!

وخرجت أم حكيم الزوجة الوفيّة تبحث عن زوجها، وذهبت حتى وصلت في رحلة طويلة إلى عكرمة وهو يحاول أن يركب سفينة في ساحل البحر الأحمر متّجهًا إلى اليمن، فقالت له: "يا ابن عمّ، قد جئتك من عند أَوْصَلِ الناس، وأبرِّ الناس، وخيرِ الناس.. لا تُهلك نفسك، إني استأمنت لك محمدًا ".

فقال لها: أنت فعلتِ هذا؟!

 قالت: نعم ..

وعكرمة بن أبي جهل في ذلك الوقت يرى الدنيا كلها قد ضُيِّقَتْ عليه، فأين يذهب؟ إنه يريد أن يذهب الآن إلى اليمن، واليمن بكاملها مسلمة، وبقاع الأرض تتناقص من حوله، والجميع الآن يدخلون في دين محمد وحِلفه، فأخذ عكرمة قرارًا سريعا بالعودة معها دون تفكير طويل.

وعاد عكرمة بن أبي جهل إلى مكة المكرمة، وقبل أن يدخلها إذا برسول الله يقول لأصحابه كلمات جميلة..

قال: "يَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا، فَلا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ، وَلا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ" .

فأيُّ أخلاقٍ كريمةٍ كانت عند رسول الله !

لقد كان أبو جهل فرعون هذه الأمة، ومع ذلك فالرسول يأمر الصحابة بألا يَلْعَنُوا أبا جهل أمام ابنه عكرمة؛ لكي لا يؤذوا مشاعره، مع أن عكرمة لم يُسْلِمْ حتى هذه اللحظة..

ودخل عكرمة بن أبي جهل إلى مكة المكرمة، ومن بعيد رآه الرسول ، فماذا فعل..؟!

          هل تذكَّرَ أبا جهل؟!

          هل استعاد بذاكرته الغزوات التي شارك فيها عكرمة صادًّا عن سبيل الله..؟!

          هل فكر في قتال عكرمة للمسلمين منذ أيام عند الخندمة..؟!

          هل نظر إلى حالة الضعف والهوان الشديد التي جاء بها عكرمة، فأراد أن يُلَقِّنَهُ درسًا يعرف به قوة الدولة الإسلامية؟!

إنه لم يفعل أيًّا من هذا الذي يتوقّعه أيّ سياسي!!

لقد وَثَبَ رسول الله إلى عكرمة وما عليه رداء فرحًا به ، وانبسطت أساريره وهو يرى "عكرمة بن أبي جهل" يعود إليه، مع أنه لم يُسْلِمْ بعد، لكنّ هذه هي طبيعة رسول الله دون تَكَلُّف..

وجلس عكرمة بين يَدَيْ رسول الله ، وقال: يا محمد، إن هذه (وأشار إلى زوجته) أَخْبَرَتْنِي بأنّك أمَّنتني..!!

          فقال الرسول دون تفصيلات ولا شروط: "صَدَقَتْ فَأَنْتَ آمِنٌ".

          فقال عكرمة: إلام تدعو يا محمد..؟

          فقال له: "أَدْعُوكَ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَأَنْ تُؤْتِيَ الزَّكَاةَ". وتفعل، وتفعل... وأخذ يُعَدِّدُ عليه أمور الإسلام، حتى عدَّدَ له كلّ الخصال الحميدة.

          فقال عكرمة: ما دَعَوْتَ إلا إلى الحقّ وأَمْرٍ حَسَنٍ جَمِيل..!!

والقلوب بين أصابع الرحمن يقلِّبُهَا كيف يشاء، ففي هذه اللحظات فقط شعر عكرمة بن أبي جهل أن كل ما ذكره النبي كان حقًّا، وأن كلّ ما تحدَّثَ عنه قبل ذلك أيام مكة وبعد مكة كان صدقًا، وكان من كلام النبوة والوحي..!!

وهنا قال عكرمة بن أبي جهل: قد كنتَ - والله - فينا تدعو إلى ما دعوت إليه، وأنت أصدقُنا حديثًا، وأَبَرُّنَا بِرًّا، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.

وفي لحظة واحدة انتقل عكرمة من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان!!

إنها الرحمة الفطريّة في قلبه ، التي تأسر قلوب الناس، ويهدي الله بها العباد!

وكما فعل رسول الله مع أبي سفيان وعكرمة { فعل مع كثيرٍ غيرهما.. وكان موقفه مع صفوان بن أمية من أروع مواقف التاريخ قاطبة..

 المبحث الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية

لم يكن "صفوان بن أميَّة بن خلف" يختلف كثيرًا عن عكرمة بن أبي جهل ؛ فقد كان أبوه من أشد المعاندين للرسول ، ومن الذين قُتِلُوا في بدر، وورث صفوان بن أميّة هذه الكراهية من أبيه للإسلام والمسلمين، وحارب الرسول بكل طاقته، وكان ممن التفَّ حول ظهر المسلمين في أُحد هو وخالد بن الوليد، واشترك اشتراكًا مباشرًا في قتل سبعين من شهداء الصحابة ، واشترك أيضًا في غزوة الأحزاب، وكان من الذين شاركوا في عملية القتال في داخل مكة المكرمة..

بل إن صفوان بن أمية كان قد دبَّر محاولة لقتل الرسول ، وكانت هذه المحاولة بينه وبين ابن عمّه عمير بن وهب ، وكان وقتها لا يزال كافرًا.. وفيها تعهَّد صفوانُ بن أمية لعمير بن وهب أن يتحمل عنه نفقات عياله، وأن يسدِّد عنه دَيْنه، في نظير أن يقتل عميرٌ رسول الله ..!!  إلا أن المحاولة فشلت، وذلك عندما أسلم عمير بن وهب في المدينة المنورة بعد أن أخبره الرسول بما دار بينه وبين صفوان في حجر الكعبة!!

ومرَّت الأيام، وجاء فتح مكة، وفرَّ صفوان بن أمية، ولم يجد له مكانًا في مكة المكرمة، وعلم أنه لن يُسْتَقْبَلَ في أي مكان في الجزيرة العربية؛ فقد أصبح الإسلام في كل مكان، فقرر أن يُلقي بنفسه في البحر ليموت، فخرج صفوان في اتجاه البحر الأحمر ومعه غلام اسمه يسار ، وليس معه أحد غيره حتى وصل إلى البحر الأحمر، وهو في أشد حالات الهزيمة النفسية، ورأى صفوان من بعيد أحد الرجال يتتبعه، فخاف، وقال لغلامه: ويحك انظر من ترى؟

          قال الغلام: هذا عمير بن وهب.

          قال صفوان: وماذا أصنع بعمير؟ والله ما جاء إلا يريد قتلى، فهو قد دخل في الإسلام وقد ظاهر محمدًا عليَّ.

ولحق عمير بن وهب بصفوان بن أمية، فقال له صفوان: يا عمير ما كفاك ما صنعتَ بي؟ حمَّلتني دَيْنَك وعيالَكَ، ثم جئتَ تريد قتلي..؟!

فقال: أبا وهب، جُعِلْتُ فِدَاكَ..! قد جِئتُكَ من عِنْدِ أَبَرِّ الناس، وأوصل الناس.

لقد رأى عميرٌ ابنَ عمه وصديقه القديم صفوان يهرب من مكة، فَرَقَّ له، وأشفق عليه، فأسرع إلى الرسول  ، وقال له: يا رسول الله، سيد قومي خرج هاربًا ليقذف نفسه في البحر، وخاف ألا تُؤَمِّنَهُ، فداك أبي وأمي.

فقال الرسول : "قَدْ أَمَّنْتُهُ"!!

هكذا!!

وتمامًا فعل معه مثلما فعل مع قرينه عكرمة..

إنها ليست أبدًا مواقف رحمة عابرة..

إنه - باختصار - منهج حياة..!!

قال عمير بن وهب لصفوان: إن رسول الله قد أمَّنَكَ.

فخاف صفوان، وقال: لا - والله - لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها.

 فرجع عمير بن وهب إلى الرسول ، وقال له: يا رسول الله، جئتُ صفوانَ هاربًا يريد أن يَقْتُلَ نفسه، فأخبرته بما أَمَّنْتَهُ، فقال: لا أرجع حتى تأتيني بعلامة أعرفها.

فقال الرسول في منتهى الرحمة: "خُذْ عِمَامَتِي إِلَيْهِ"!!

فأخذ عمير العمامة، وذهب إلى صفوان بن أمية، حتى وصل إليه، وأظهر له العمامة وقال له: يا أبا وهب، جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس، وأبرِّ الناس، وأحلم الناس، مجده مجدك، وعِزُّه عزك، ومُلْكُهُ مُلْكُكَ، ابنُ أمِّك وأبيك، أُذكّرك اللهَ في نفسك.

فقال له صفوان في منتهى الضعف: أخافُ أن أُقتل!

قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإسلام، فإن رضيت وإلا سَيَّرك شهرين!!

ولننظر إلى هذا العرض السخي الرحيم من رسول الله ، فلو أسلم صفوان لانتهت القضية، وأصبح له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وإن أراد أن يأخذ شهرين كاملين يفكر فيهما فهو في أمان!

كل هذا برغم التاريخ الطويل الذي يعرفه الجميع، وبرغم أنه كان مطلوب الدم منذ أيام!!

فرجع صفوان بن أمية مع عمير بن وهب إلى رسول الله ، ودخل الحرم، والرسول يصلي بالناس صلاة العصر فوقفا سويًا، حتى ينتهي الرسول من الصلاة، فقال صفوان لعمير بن وهب: كم تُصلون في اليوم والليلة؟

قال: خمس صلوات.

قال: يصلي بهم محمد؟

قال: نعم.

فلمّا سَلَّمَ الرسول وانتهى من صلاته، صَاحَ صفوان يخاطب النبي من بعيد: يا محمد، إن عمير بن وهب جاءني بعمامتك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيتُ أمرًا وإلا سَيَّرْتَنِي شهرين.

فقال في رفق وسهولة: "انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ".. (وانظر إليه يُكَنِّيهِ ويَتَلَطَّفُ إليه!)..

فقال صفوان في خوف: لا - والله - حتى تُبيِّن لي!!

فقال الرسول : "بَلْ تَسَيَّرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ" !

وبالفعل أطلق الرسول صفوان بن أمية أربعة أشهر كاملة ليفكّر..!!

ثم كان خروج رسول الله إلى حُنين، واحتاج إلى الدروع والسلاح، وكان صفوان بن أمية من كبار تجار السلاح المعروفين في مكة، ويملك عددًا كبيرًا منها، ومع أنه كان مهزومًا مقهورًا في ذلك الوقت، ومع أنه كان لا يزال على شِرْكِهِ، ومع أن تاريخه شديد السواد مع المسلمين إلا أن الرسول طلب منه هذه الدروع على سبيل الاستعارة، حتى أن صفوان دُهش من استعارته للدروع وهو مُنتصر متمكن، فسأله ليستفسر: أَغَصْبٌ يا محمد؟ فقال: "لا بل عاريةٌ مضمونة" .  لقد أخذها منه على سبيل الاستعارة، وبالثمن، ثم هو يضمن إن فُقِدَت أو تلف منها شيء أن يُعوِّضه عنها!!

هل في تاريخ الأمم مثل هذه المواقف؟!

وخرج صفوان مع المسلمين إلى حنين ليرعى أسلحته، وانكسر المسلمون في أوّل الأمر، ثم أُتْبِع الانكسار بانتصار مَهِيب، وجمع المسلمون غنائم لم يسمع بها العرب قبل ذلك، وقام رسول الله بما لم يقم به قائد في تاريخ البشرية، إذ وقف يقسّم الغنائم بكاملها - على كثرتها!! - على الجنود، دون أن يحتفظ لنفسه بشيء!

وكان يُعطي المؤلّفة قلوبهم  من المسلمين مائةً مائةً من الإبل والشياه، وحقَّق المؤلفة قلوبهم من الثروة ما أَذْهَلَ عقولهم، حتى تنازل السادة عن كبريائهم وعِزَّتهم، وذهبوا يطلبون العطاء المرّة تلو المرّة! والرسول الرحيم لا يردُّ سائلاً، ولا يمنع طالبًا..

ومن بعيد يقف صفوان بن أمية متحسِّرًا وهو يشاهد توزيع الغنائم، فهو ما زال من المشركين، وليس له إلا إيجار السلاح.. ولكنْ حَدَثَ في لحظةٍ ما أذهل صفوان، وأذهل المشاهدين للموقف والسامعين عنه، وسيظلُّ مُذهلاً للناس إلى يوم القيامة!!

لقد نادى رسولُ الله صفوانَ بن أمية، وأعطاه مائة من الإبل، كما أعطى الزعماء المسلمين من أهل مكة !!

أيتوقع إنسان - أيًّا كان كرمه أو سخاؤه - أن يحدث منه مثل هذا..؟!

ولم يكن هذا نهاية الموقف!

لقد وَجَدَ رسول الله أنّ صفوان ما زال واقفًا، ينظر إلى شِعْبٍ من شِعاب حُنين، قد مُلِئ إبلاً وشياه، وقد بَدَتْ عليه علامات الانبهار والتعجب من كثرة الأنعام، فقال له في رِقَّة: "أَبَا وَهْبٍ، يُعْجِبُكَ هَذَا الشِّعْب؟"..

قال صفوان في صراحة شديدة: نَعَمْ.

إنه لا يستطيع أن يترفع أو أن ينكر.. إن المنظر مبهر حقًّا!!

قال الرسول في بساطة وكأنّه يتنازل عن جمل أو جملين: "هُوَ لَكَ وَمَا فِيهِ" !!

أذهلت المفاجأة صفوان، ووضحت أمام عينيه الحقيقة التي ظلت غائبة عنه سنين طويلة، ولم يجد صفوان بن أمية نفسه إلا قائلاً: ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي.. أشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله!!

وأسلم صفوان في مكانه!!

يقول صفوان بن أمية: والله لقد أعطاني رسول الله ، وأعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني، حتى صار أحبَّ الناس إليّ !!

أيُّ خيرٍ أصابَ صفوان ""..!!

إنّ الدنيا بكاملها - وليست الإبل والشياه فقط - تفنى وتزول، ولكن الذي لا يزول هو نعيم الجنة، وكم من البشر سيُخلَّد في نعيم الجنة؛ لأنّه أُعطِى ذات يوم مجموعة من الإبل والشياه!

أليست هذه رحمة من رسول الله خارج حدود التصوّر؟!

لقد وجد الرسول أنّ الأغنام - مهما كثرت - ثمن زهيد جدًا للإسلام، فهانت عليه، بل هانت عليه الدنيا بكاملها، فأعطاها دون تردد، فالدنيا عنده لا تَعْدِلُ جناح بعوضة، والدنيا عنده قَطْرَةٌ في يَمٍّ واسع، والدنيا عنده أهون من جَدْيٍ أَسَكَّ  مَيِّتٍ، ولم يكن هذا كلامًا نظريًّا فلسفيًّا، وإنما كان حقيقة رآها كل المعاصرين له بعيونهم، كان واقعًا في حياته، وحياة الصحابة ، وحياة من عاملهم من المسلمين وغير المسلمين..

ولم يتبقّ في يده شيء لنفسه !!

لم يحتفظ بشيء، ورأى الناس منه ما جعل عقولهم تطيش، وأفئدتهم تضطرب، فانطلق الأعرابُ يزدحمون عليه يطلبون المال والأنعام لأنفسهم قبل أن تنفد، حتى اضطروه - وهو الزعيم المنتصر، والقائد الأعلى - أن يلجأ إلى شجرة، وانتزع الأعراب رداءه، فقال في أدبٍ ورفقٍ ورحمةٍ ورِقَّة، تليق به كنبيٍّ، وتجدر به كمُعَلِّم:

"أَيُّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ لَكُمْ عِنْدِي عَدَدَ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَّمْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلاً، وَلا جَبَانًا، وَلا كَذَّابًا" .

وصدق .. فما كان بخيلاً، ولا جبانًا، ولا كذّابًا..

وكما حدث مع الزعماء السابقين، فقد مرَّ "سهيل بن عمرو" بنفس التجربة!

 المبحث الرابع: رحمته صلى الله عليه وسلم بسهيل بن عمرو

كان سهيل بن عمرو من كبار زعماء قريش بل مكة، وكان من الزعماء الذين لهم تاريخ أسود وطويل مع رسول الله ، وكان من كبار السن، وله من الأولاد الكثير، وكان معظم هؤلاء الأولاد في جيش المسلمين الفاتح لمكة، وبعد الفتح، فرَّ من رسول الله ، ودخل بيته، وكما يقول: "فانقحمت في بيتي، وأغلقت عليّ بابي"!!

ثم يقول: "وأرسلتُ إلى ابني عبد الله بن سهيل  - وهو من جنود الجيش الإسلامي الفاتح - أن اطلب لي جوارًا من محمد، فإني لا آمن من أن أُقتل، فليس أحد أسوأ أثرًا مني؛ فإني لقيت الرسول يوم الحديبية بما لم يلقه أحد، وكنت الذي كاتبته، مع حضوري بدرًا وأُحُدًا ضد المسلمين" .

إنه لصاحب تاريخ طويل في الصدِّ عن سبيل الله، وكان صارمًا وعنيدًا جدًا يوم الحديبية، ثم إنه رفض انضمام ابنه أبي جندل إلى صف المسلمين برغم شفاعة الرسول أكثر من مرة، ولكنه الآن يقف موقفًا صعبًا خطيرًا يجعل احتمال القتل واردًا جدًا، وتملَّكه الرعب إلى الدرجة التي جعلته لا يتردّد في أن يطلب من ابنه الصغير أن يَتَوَسَّطَ له عند رسول الله ..!!

وفي هذا - كما هو واضح – ما فيه من جُرحٍ عميقٍ لنفس الزعيم الكبير..

يقول سهيل بن عمرو: ذهب عبد الله بن سهيل إلى الرسول وقال له: يا رسول الله، أَمّنْه.

فقال دون تردد: "نَعَمْ، هُوَ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ فَلْيَظْهَرْ" !!

ولنقارن هذا التعامل من الرسول مع كبار زُعماء مكة بما يحدث عند احتلال دولةٍ لدولة أخرى..!!

إننا نرى الأمراء والوزراء والكبراء في البلد المغلوب وقد استُهْدِفُوا بالقتل أو النفي أو السجن لفترات طويلة، ولا يخفى على أحد مدى الإهانة التي يتعرضون لها، لكنّ الرسول لا يَكْتَفِي بإعطاء الأمان لزعماء العدو، بل ويَحُضُّ الجميع على احترامهم، وعلى عدم التعرُّض لهم بكلمة جارحة، ولا حتى بنظرة مؤذية، فيقول لأصحابه في رُقِيٍّ عجيبٍ، وفي أدبٍ رفيعٍ: "مَنْ لَقِيَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَلَا يَشُدَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ" !!

إن الرسول يمنع الصحابة من أن يشدّدوا النظر إلى سهيل بن عمرو شماتةً فيه، أو تشفيًّا منه! بل إنه يفعل ما هو أعظم من ذلك، فيمدح سهيلاً، ويُثني عليه، فيقول لأصحابه: "..فَلَعَمْرِي إِنَّ سُهَيْلاً لَهُ عَقْلٌ وشَرَفٌ، وَمَا مِثْلُ سُهَيْلٍ جَهِلَ الْإِسْلَامً، لَقَدْ رَأَى مَا كَانَ يُوضَعُ فِيهِ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِنَافِعِ" .

والكلمات تعجز عن التعليق!!

وانطلق عبد الله بن سهيل إلى أبيه ليخبره بعفو الرسول عنه، فلما ذكر له هذه الكلمات، قال سهيل: كان والله بارًّا صغيرًا وكبيرًا ..!!

وتوجه سهيل بن عمرو إلى الرسول وأسلم بين يديه، وتغَيَّرت حياته كليَّةً بعد هذا اليوم، وكان - كما يقول الرواة - كثير الصلاة والصوم والصدقة، وخرج مجاهدًا في سبيل الله، بل كان أميرًا على إحدى فرق المسلمين في موقعة اليرموك..

فانظر إلى رحمته وجميل فعله ، وكيف كان يحوِّل حياة الناس إلى ما لا يتخيله أحد، وذلك بحسن المعاملة، وسعة الصدر، ونسيان الضغائن والأحقاد.

 المبحث الخامس: رحمته صلى الله عليه وسلم بفضالة بن عمير

لقد كان فضالة بن عمير من أشدِّ أعداء الرسول ، ووصل حقده على الرسول إلى الدرجة التي أراد معها أن يقتله في وقت فتح مكة..!!

وهذا أمر جَدُّ خطير؛ فالرسول في وسط جيش كبير يبلغ عشرة آلاف من الصحابة رضوان الله عليهم، وإذا قام فضالة بن عمير بهذا التَهَوُّر فلا شك أنه مقتول، ومع ذلك فقد أعمى الحقد قلبه، فقرر أن يضحي بنفسه ليقتل الرسول ..!!

لقد ادَّعى فضالة الإسلام ليأمن المسلمون جانبه، ثم حمل السيف تحت ملابسه، ومرَّ بجوار الرسول وهو يطوف بالبيت، فلما دنا منه قال الرسول : "أَفُضَالَةُ؟"

قال: نعم، فضالة يا رسول الله..

فقال : "مَاذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟"

قال: لا شيء، كنتُ أذكر الله..

فضحك الرسول ، وقال: "اسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَا فُضَالَةُ"..

ثم وضع يده على صدر فضالة فسكن قلبه!!

فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيءٌ أحبُّ إليَّ منه .

كانت هذه هو رحمته مع رجلٍ لم يكتفِ بالتخطيط لقتله فحسب؛ بل اجتهد في تطبيق ما خَطَّطَ، وحمل السيف واقترب، لولا أن الله عزّ وجلّ حفظ رسوله ..

 المبحث السادس: رحمته صلى الله عليه وسلم بهند بنت عتبة

إذا كانت تلك المواقف التي مرت بنا تحوي من العظمة ما تحوي، فإن موقفه مع "هند بنت عتبة" لا يقلُّ عظمة عما سبق.

فهي زوجة أبي سفيان ، وابنة عتبة بن ربيعة القائد القرشي المشهور، وكانت من أشدِّ الناس حقدًا على المسلمين، وكان هذا الحقد كبيرًا من أول أيام الإسلام، ولكنه زاد بشدة وتضاعف بعد يوم بدر؛ بعد أن قُتل في ذلك اليوم أبوها عتبة بن ربيعة، وعمها شيبة بن ربيعة، وابنها حنظلة بن أبي سفيان، وأخوها الوليد بن عتبة..

فهؤلاء أربعة من أقرب الأقربين إليها، وهم جميعًا من سادة قريش؛ فأورث ذلك في قلبها كراهية لا يماثلها فيها أحد، وظلت على هذا العداء منذ بدر، وحتى فتح مكة، وكانت من اللائي خرجن مع جيش الكفار في موقعة أحد، فكانت تُحمَّس الجيش القرشيَّ قدر ما تستطيع لقتال المسلمين، ولما فرَّ الجيش من أمام المسلمين في أول المعركة كانت تقذف في وجوههم التراب وتدفعهم دفعًا لحرب المسلمين، ولم تفرَّ كما فرَّ الرجال..!!

ثم إنه بعد انتصار أهل مكة على المسلمين في نهايات موقعة أحد قامت بفعل شنيع، فقد قامت بالتمثيل بالجثث المسلمة الواحدة تلو الأخرى، فكانت تُقَطِّع الآذانَ والأنوفَ، حتى وصلت إلى حمزة بن عبد المطلب عمِّ الرسول فبقرت بطنه، وأخرجت كبده، وفي حقد شديد لاكت  منه قطعة، فما استساغتها، فلفظتها ..!!

وقد أثَّر هذا الموقف بشدة في رسول الله وترك في قلبه جرحًا عميقًا..

يقول أبو هريرة : وقف رسول الله على حمزة، وقد مُثِّلَ به، فلم يَرَ منظرًا كان أوجع لقلبه منه، فقال: "رحمك الله أي عم؛ فلقد كنت وصولاً للرحم، فعولاً للخيرات" ..

فتخيّل مدى الغضب الذي في قلب رسول الله ناحية هند.

ثم إنها خرجت مع المشركين في غزوة الأحزاب، بل استمرَّت في حربها ضد الإسلام حتى اللحظات الأخيرة قُبَيْلَ فتح مكة، حتى إنها رفضت ما طلبه زوجها من أهل مكة أن يدخلوا إلى بُيُوتهم؛ طلبًا لأمان الرسول ، بل دَعَت أهل مكة لقتل زوجها أبي سفيان عندما أَصَرَّ على الخضوع للرسول ، ودفعتهم دفعًا إلى القتال !!

إنه تاريخ طويل وشرس لهذه المرأة مع المسلمين.

وبعد هذه الرحلة الطويلة للصدِّ عن سبيل الله، فتح رسول الله مكَّة، وأقبل أهلُها من كلِّ مكان يبايعون على الإسلام..

ومن بعيد جاءت "هند بنت عتبة"، وهي منتقبة مُتَنَكِّرَة لا يعرفها تريد أن تبايع كما يبايع الناس!!

وكانت بيعة النساء على: أن لا يُشْرِكْنَ بالله شيئًا، ولا يَسرقن، ولا يَزنين، ولا يَقتلن أولادهنَّ، ولا يأتينَ ببهتان يفترينه بين أيديهنَّ وأرجلهنَّ، ولا يعصينَه في معروف..

إن أيَّ مُطَّلِعٍ على الأمورِ لن يَفترض في قدوم هند بنت عتبة للبيعة إلا محاولةً منها للهروب من حكم بالقتل هو لا محالة صادر!!

ولكنّ الموقف كان شديد البُعد عن توقّعات النّاس! فماذا فعل رسول الله ؟!

لقد بدأت النساء تبايع، وقال لهن: "بَايِعْنَنِي عَلَى أَلاَّ تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا".

فقالت هند وهي منتقبة، والرسول لا يعرفها: والله إنّك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال..

أي أنّ هناك تفصيلات كثيرة للنساء، والرجال قد بايعوا على الإسلام بيعة واحدة.. لكن الرسول لم يلتفت إلى اعتراضها، وأكمل:

"وَلا تَسْرِقْنَ"..

فوقفت هند وقالت: يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجلٌ شحيح لا يعطيني ما يكفيني، ويكفي بَنِيّ، فهل عليَّ من حَرَجٍ إذا أخذت من ماله بغير علمه؟!

فقال : "خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ" .

ثم انتبه إلى أن هذه التي تتكلم هي "هند بنت عتبة" زوج أبي سفيان، فقال : "وَإِنَّكَ لَهُنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ"..؟!

قالت: نعم.. هند بنت عتبة، فَاعْفُ عمَّا سَلَفَ، عَفَا الله عَنْك!

إنها لحظة فاصلة في حياة هند بنت عتبة!

تُرى ماذا سيفعل رسول الله عندما يتذكّر تاريخها الطويل، وعندما يتذكّر حمزة بن عبد المطلب ، وما حدث له على يدها..؟

لكنّ رسول الله كعادته وطبيعته يرحم ويعفو ويصفح، فلم يُعَلِّقْ ولا بكلمة واحدة على كل ذكرياته المحزنة، بل تنازل عن كل الحقوق، وقَبِلَ إسلامها ببساطة، وأَكْمَلَ البيعة مع النساء وكأنّه لم يتأثر أبدًا!!

قال رسول الله : "وَلا تَزْنِينَ"..

          واستمرت هند في اعتراضاتها، فقالت: يا رسول الله، وهل تَزْنِي الحرّة..؟!

          فلم يتوقّف الرسول ، بل أكمل:

"وَلا تَقْتُلْنَ أَوْلادَكُنَّ"..

فقالت هند: قد رَبَّيْنَاهُمْ صغارًا، وَقَتَلْتَهُمْ كبارًا، هل تَركتَ لنا ولدًا إلا قَتَلْتَه يوم بدر..؟ أنت قتلت آباءهم يوم بدر، وَتُوصِينَا الآن بأولادهم!!

فلم ينفعل رسول الله ولم يَقُلْ لها: ولماذا قاتلناهم في بدر؟! أفلم يكن ذلك لأن المشركين - ومنهم أبوك وعمّك وأخوك وابنك - حاربونا ليل نهار ليفتنونا عن ديننا، وقهرونا وعذّبونا وصادروا ديارنا وأموالنا..؟

لم يَقُلْ رسول الله شيئًا من ذلك، وإنما كان رَدُّ فعله عجيبًا!!

لقد تبَسَّم ولم يَقُلْ شيئًا، وأخذ الموضوع بشيءٍ من البساطة، وقدَّر موقف هند بنت عتبة، ومدى صعوبة الإسلام عليها.. ثم قال : "وَلا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيِدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ"..

فقالت هند: والله إن إتيان البهتان لقبيح.

فقال : "وَلا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ"..

فقالت هند: والله ما جَلَسْنَا هنا وفي أنفسنا أن نَعْصِيكَ في معروف .

وهكذا بايعت نساء مكة جميعًا، بمن فيهن هند بنت عتبة < هذه البيعة المباركة.

وسبحان مقلِّب القلوب! لقد حَسُنَ إسلامُ "هند بنت عتبة"، وكما كانت تخرج مع جيوش الكفار لتُحَمِّسَهَا لحرب المسلمين، بدأت تخرج مع جيوش المسلمين لتحمِّسَهُمْ لحرب الكفار!!

وكان من أشهر مواقفها يوم اليرموك عندما بدأت تشجع المسلمين على القتال في سبيل الله، وعلى خوض غمار المعركة الهائلة ضد مائتي ألف رومي، فكانت من أسباب النصر العظيمة في ذلك اليوم المجيد.

لقد أصبحت "هند بنت عتبة" < إضافةً قويةً للأمّة الإسلاميّة، وكانت البداية موقفًا بديعًا رحيمًا من الرسول ، وما أكثر الأعداءَ الذين تحوَّلُوا إلى أخلص الأصدقاء بموقف منه ..!!

وبعد..

فهذا غَيْضٌ من فَيْضٍ!

إنّنا لم نحرص أبدًا على الحصر، ولا نطيقه!

إنّ هذه هي "بعض" مواقفه مع زعماء ناصبوه العداء طويلاً كما يعلم الجميع، وقد رأينا كيف أنّ رحمته كانت سببًا في هدايتهم وإسلامهم! وليس من شكٍّ أن رسول الله لو سلك معهم مسلكًا عنيفًا، أو أظهر فيهم تشفيًا

وشماتة لكانت حالهم غير هذه الحال، ولأصبحوا حَجَرَ عَثْرَةٍ في طريق الأمن والأمان في الجزيرة العربية كلّها، وليس في مكة وحدها، ولكنه يُعَلِّمُنَا ما دأب على تذكيرنا به حين قال: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" .

ولقد رأينا الخير الواسع الذي عمَّ الجزيرة بكاملها، بل عمَّ العالم بهذا النهج الذي انتهجه في التعامل مع النّاس، وفي التعامل مع المخالفين له، والمعترضين عليه، والطاعنين فيه، والساخرين منه، وقد صَدَقَ حين وصف قيمة الرفق بقوله المختصر المبدع: "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْر" .

وصلِّ اللهم وسلِّمْ وبارِكْ على مَنْ عَلَّمَ الناسَ الخيرَ، وهَدَاهم إلى الرُّشد.. رسول الله محمد ، وعلى آله وصحبه وسلِّم.

 الباب الرابع: شبهات وردود

ليسوا قليلين أولئك الذين طُمِس على قلوبهم فلم يعودوا يبصرون النور، ولم يعودوا يرون الشمس.. فلا تراهم إلا وقد قَلَبوا الحقائق أباطيل، وبدَّلوا المحامد مثالب؛ يريدون بذلك الوصول إلى مأربهم في تشويه صورة الإسلام وتزييف حقائقه، والنيل من نبي الرحمة ..

وقد قال الشاعر  يومًا:

قد تُنْكِرُ العينُ ضوءَ الشمسِ من رَمَدٍ         وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ

فبعد ما رأينا من صور وآثار رحمته البادية في كل شيء ولكل شيء.. إلا أن أعداء الإسلام - كعادتهم - شنوا الحملات الضارية التي تهدف إلى التشكيك في نبي الإسلام والنَّيْل منه؛ يريدون بذلك الإسلام نفسه، منتحلين في هذا الصدد سبيل الأكاذيب والأباطيل وقلب الحقائق.. فتناولوا سيرته بالثَّلْب والتجريح تارة، والكذب والتدليس تارة أخرى!!

ولا شك أن هذا هو من قبيل الجهل بنبي الإسلام خاصة، وبالدين الإسلامي بصفة عامة، أو هو من قبيل دافع الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين بدون وجه حق..

وفي الصفحات التالية - بمشيئة الله - نتناول أبرز هذه الشبهات المثارة والردود الشافية عليها، وقد جاء ذلك في فصلين:

الفصل الأول: شبهات تختص بالعنف والإرهاب والحروب

الفصل الثاني: شبهات عامة لها علاقة بمسألة الرحمة

 الفصل الأول: شبهات تختص بالعنف والإرهاب والحروب

وهي شبهاتٌ ركزت على وصف نبي الإسلام بالقسوة مع الآخر، واستعماله حدّ السيف لتركيع ذلك الآخر المخالف له، وأنه كان يُغِيرُ على القبائل، ويعيش على السَّلْب والنهب.. الأمر الذي أمكن لهم - على حسب تصورهم ذلك - أن يرموا الإسلام ونبيه بالإرهاب!!

الشبهة الأولى: انتشار الإسلام بحد السيف..!!

قال ريموند داجيل "كاهن مدينة لوبوي": "لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكان الجنود الذين أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمشقةً !!.

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

أكذوبة كثيرًا ما يرددها أعداء الإسلام والمسلمين، ومفادها أن الرسول - والمسلمين من بعده - نشر الإسلام بحد السيف، وأن معتنقي الإسلام لم يدخلوا فيه طواعية ولا اختيارًا، وإنما دخلوا فيه بالقهر والإكراه.

والحقيقة أن جوهر الإسلام وخبر التاريخ ليُكذِّبان هذه الفِرْيَة، ويستأصلانها من جذورها.. ففي قاعدة أساسية صريحة بالنسبة للحرية الدينية يقول تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " فلم يأمر الرسول - والمسلمون من بعده - أحدًا باعتناق الإسلام قسرًا، كما لم يُلجِئوا الناس للتظاهر به هربًا من الموت أو العذاب؛ إذ كيف يصنعون ذلك وهم يعلمون أن إسلام المُكرَه لا قيمة له في أحكام الآخرة، وهي التي يسعى إليها كل مسلم؟!

وقد جاء في سبب نزول الآية السابقة: أنه كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصِّران قبل مبعث النبي ، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما، وقال: لا أدعكما حتى تُسلِما، فأَبَيَا أن يُسلما؛ فاختصموا إلى النبي ، فقال: يا رسول الله، أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.." الآية، فخلَّى سبيلهما .

وقد جعل الإسلام قضية الإيمان أو عدمه من الأمور المرتبطة بمشيئة الإنسان نفسه واقتناعه الداخلي، فقال سبحانه: "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ".  ولفت القرآن نظر النبي إلى هذه الحقيقة، وبيَّن له أن عليه تبليغ الدعوة فقط، وأنه لا سلطان له على تحويل الناس إلى الإسلام فقال: "أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ " وقال: "لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ " وقال: "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ "..

ومن ذلك يتضح أن دستور المسلمين يرفض رفضًا قاطعًا إكراه أحدٍ على اعتناق الإسلام .

وأيسر من أن نستقصي الحروب وأسبابها في صدر الإسلام لِنَعِيَ تلك الحقيقة، أن نلقي نظرة عامة على خريطة العالم في الوقت الحاضر لنرى الشعوب التي دخلت في الإسلام دونما حرب أصلاً.  إن السيوف لم تُحمَل بتاتًا في إندونيسيا وماليزيا والهند والصين، وسواحل القارة الإفريقية، وما يليها من سهول الصحاري الواسعة؛ ومع ذلك فأعداد المسلمين فيها هائلة !

ولو كان هناك إكراه على الإسلام فكيف نفسر بقاء المسيحيين واليهود والوثنيين وأشباه الوثنيين إلى الآن في داخل معظم بلاد العالم الإسلامي!!

أما تشريع الجهاد في الإسلام، فلم يكن لقهر الناس أو لإجبارهم على اعتناق الإسلام، وإنما كان لتحرير الإنسان، وتحييد القوى الظالمة التي قد تحول بينه وبين الإسلام..

يقول المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب): "إن القوة لم تكن عاملاً في نشر القرآن، وإن العرب تركوا المغلوبين أحرارًا في أديانهم، والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب، ولا دينًا سَمْحًا مثل دينهم، وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تُفرَض بالقوة، ولم ينتشر الإسلام - إذن – بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قَهَرت العرب مؤخرًا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند - التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل - ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها.. ولم يكن الإسلام أقل انتشارًا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قَطُّ.." .

ويقول مُتَرجِم معاني القرآن جورج سيل : "ومن قال إن الإسلام شاع بقوة السيف فقط، فقوله تهمةٌ صرفة؛ لأن بلادًا كثيرة ما ذُكِرَ فيها اسم السيف، وشاع الإسلام فيها" .

ويقول الكاتب الغربي الكبير توماس كارليل صاحب كتاب(الأبطال وعبادة البطولة): "إن اتهامه - أي رسول الله - بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخفٌ غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يُشهِر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به مُن لا يقدرون على حرب خصومهم، فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها .

فالإسلام - إذن - إنما غزا القلوب وأسر النفوس.. وإن كان بإمكان السيف أن يفتح أرضًا.. فليس بإمكانه أبدًا أن يفتح قلبًا!!

الشبهة الثانية: الإغارة على قوافل قريش، واهتمامه بالدنيا وجمع الغنائم:

احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830م، وبطشت بمسلمي الجزائر، وقد جاء في تقرير رسمي رفعته لجنة التحقيق الفرنسية إلى الملك شارل العاشر سنة 1249هـ / 1833م، ما نصه: "كيف يجوز لنا أن نشكو من مقاومة الجزائريين للاحتلال، في وقتٍ قامت فيه فرنسا بتهديم المساجد، وإلغاء القضاء الشرعي، والاستيلاء على أموال الأوقاف، وتعيين الإمام، والمفتي الموالين للإدارة الفرنسية؟!،لقد أهدرت السلطات الفرنسية حقوق الشعب وداست مقدساته، وسلبت حرياته، واعتدت على الملكية الفردية، ودنَّس جنودها المساجد، ونبشوا القبور، وأعدموا شيوخًا من الصالحين؛ لأنهم تجرأوا على الشفاعة لمواطنيهم،كما استولت السلطات الفرنسية على أجود الأراضي وأخصبها، و استولت على أراضي الأوقاف الإٍسلامية، وأقامت فرنسا في هذه الأراضي مستعمرات زراعية يملكها الأوربيون .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

من الشبهات أيضًا التي أثارها أعداء الإسلام، وروَّجوا لها بهدف تشويه شخصية رسول الله محمدٍ للوصول إلى الطعن في دعوته، وإبعاد الناس عنها، ما يدَّعونه من أنه كان صاحب مطامع دنيوية، لم يكن يظهرها في بداية دعوته في مكة، ولكنه بعد هجرته إلى المدينة بدأ يعمل على جمع الأموال والغنائم من خلال الحروب التي خاضها هو وأصحابه؛ ابتغاءَ تحصيل مكاسب مادية وفوائد معنوية.

وقد حاول المدَّعون إيهامَ الناس أن النبي لجأ إلى السطو على قوافل قريش التي كانت محمَّلة بأثمن البضائع؛ رغبةً منه في التوسُّع المالي وتكديس الثروات!!

وصرح المستشرق الإنجليزي اليهودي "دافيد صمويل مرجليوث" بالقول: "عاش محمد هذه السنين الست بعد هجرته إلى المدينة على التلصُّص والسلب والنهب.. وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي أثَّرت على نفس محمد، والتي دفعته إلى شن غارات متتابعة، كما سيطرت على نفس الإسكندر من قبلُ ونابليون من بعدُ" .

والحقيقة أن المتأمل في تاريخ دعوته لَيَدْحض هذه الافتراءات من الوهلة الأولى..

فبالنسبة إلى تعرُّضه والمسلمين لقوافل قريش قبل بدر؛ فإنها إنما كانت أموال المسلمين أنفسهم، تركوها في مكة بعد طول تعذيب وتنكيل، وتركوا معها الأهل والولد والوطن، وهاجروا إلى المدينة عُزْلاً لا يملكون من قوت يومهم شيئًا؛ وذلك فرارًا بدينهم، وطلبًا لمكان يعبدون فيه ربَّهم دون أن يتعرَّض لهم أحد.. وقد قامت قريش بالاستيلاء على جميع ممتلكات المهاجرين هؤلاء، واستباحت ديارهم وأموالهم، وليس أدل على ذلك من تجريدهم لأموال صهيب الرومي  >.

ولما تم استقرار المسلمين في المدينة واستتبَّ لهم الأمر، أَذِن الله تعالى لهم بقتال مَن ظلمهم وبغى عليهم، فأُعلِنت الحربُ على قُريشٍ ورجالاتها منذ تلك اللحظة، ومعلوم أن الحروب تأخذ أشكالاً عديدة، ويأتي في مقدِّمتها ما يُسمى بلغة عصرنا: "الحرب الاقتصادية"، فتعرَّضَ المسلمون لقوافل قريش، كنوع من الحرب الاقتصادية عليها، وكسرًا لشوكتها، ورغبةً في استرداد بعضٍ من حقوقهم المسلوبة وأموالهم المنهوبة.

وإن الناظر في سيرته والمتأمل في تاريخ دعوته لَيَعلم علم اليقين أنه لم يكن يسعى إلى تحقيق أي مكسب دنيوي يسعى إليه طلاب الدنيا واللاهثون وراءها.. ولو كان كما قيل لعاش عيش الملوك في القصور والبيوت الفارهة، بينما الواقع يشهد بخلاف ذلك، إِذْ كان في شظف من العيش، مكتفياً بما يقيم أَوْدَ الحياة، وكانت هذه حاله منذ أن رأى نور الحياة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، ويشهد لهذا أنَّ بيوته كانت عبارة عن غرف بسيطة لا تكاد تتسع له ولزوجاته، وكذلك الحال بالنسبة لطعامه وشرابه، فقد كان يمر عليه الشهر والشهران لا توقد نارٌ في بيته، ولم يكن له من الطعام إلا الأسودان (التمر والماء).. فعن عائشة { أنها قالت لعروة : " ابْنَ أُخْتِي.. إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ نَارٌ؛ فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا" . 

ثم إن هذه الشبهة تتناقض مع الزهد الذي عُرِفَ به النبي ، وحَثَّ عليه أصحابه، وقد أتاه عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ > وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ الْحَصِيرُ بِظَهْرِهِ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كِسْرَى يَشْرَبُونَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْتَ هَكَذَا فَقَالَ النَّبِيُّ : "إِنَّهُمْ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ الدُّنْيَا" .

بل إن أهل مكة كانوا قد عرضوا على رسول الله المال والمُلك والجاه  من أجل أن يتخلَّى عن دعوته، فرفض ذلك كله، وفضَّل أن يبقى على شظف العيش مع الاستمرار في دعوته، ولو كان من الراغبين في الدنيا لما رفضها وقد أتته من غير عناء.

وقد شهد بهذه الحقيقة الغربي توماس كارليل حين قال: "لقد كان محمد زاهدًا متقشفًا في مسكنه، ومأكله، ومشربه، وملبسه، وسائر أموره وأحواله.. فحبَّذا محمدٌ من رجل خشن اللباس، خشن الطعام، مجتهد في الله، قائم النهار، ساهر الليل، دائبٍ في نشر دين الله، غير طامع إلى ما يطمع إليه أصاغر الرجال، من رتبة، أو دولة، أو سلطان، غير متطلع إلى ذِكْرٍ أو شهوة" .

الشبهة الثالثة: كيف لنبي الرحمة أن يهدر دماء رجال من قريش في فتح مكة؟

بعد أن نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في غزو أفغانستان قامت قواتها باقتياد 800 مقاتل من طالبان بعد استسلامهم إلى معتقل قلعة جانجي في أفغانستان ثم أمرت الطيران الحربي بقصف المعتقل مما خلف مئات الجثث المتفحمة، كما قامت القوات الأمريكية بشحن 3000 أسير أفغاني في حاويات نقل مغلقة بحجة نقلهم إلى سجن شبرقان بأفغانستان وتركتهم في العربات المغلقة في الصحراء وهم مقيدين ومعصوبي الأعين لمدة أربعة أيام مبتكرة طريقة جديدة للقتل البشع !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

سؤال يردده المشككون في رحمته ..  وفي الإجابة عليه يجب أن يعرف أصحابه أولاً سبب هذه الغزوة (فتح مكة)..

والأمر الجَليُّ هو أن قريشًا قد غدرت بصلح الحديبية ونقضت هذا الصلح، وذلك حينما أغار رجال منها مع بني بكر على خزاعة ليلاً، فأصابوا منهم رجالاً.. وكانت خزاعة قد دخلت في حلف رسول ..  وهو ما جعل الرسول يتحرك بالجيش الإسلامي نحو مكة، ليكون الفتح العظيم بعد أكثر من عشرين سنة من الاضطهاد والتعذيب له ولأصحابه .. وحينها يجتمع القوم الذين لم يُدركوا قيمة (العظيم) الذي كان يعيش بينهم.. ويتوقع الجميع يومًا داميًا يُنتقم فيه لآلام السنوات السابقة، ولدماء الشهداء الذين قتلتهم قريش، ويقف المتكبرون من أهل قريش في ذلة وصَغار أمام رسول الله ينتظرون حُكمًا رادعًا بقتلٍ أو نفيٍ أو استرقاق..

وهنا يتساءل الرسول العظيم في رقَّةٍ وتلطفٍ وتواضعٍ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُم؟" قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وابْنُ أَخٍ كَرِيم. قال: "اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"!!

هكذا.. دون عتاب أو لوم أو تقريع!!

وإنه لمن أعجب مواقف التاريخ حقًا!!

وقد تعجَّب الأنصار من هذا البِرِّ وتلك السماحة والرحمة غير المسبوقة، فقال بعضهم لبعض: "أمَّا الرجل  فأدركته رغبةٌ في قريته، ورأفةٌ بعشيرته !!"

وكان رسول الله قد عَهِدَ إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم بدخول مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سمَّاهم بقتلهم، وإن وُجِدُوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وعبد العزى بن خطل، وعكرمة بن أبى جهل، ، ومقيس بن صبابة، وقينتا ابن خطل كانتا تغنيان ابن خطل بهَجْوِ رسول الله ، وسارة مولاة لبنى عبد المطلب.

فكان هؤلاء جميعًا أشد عداوة وبُغضًا للإسلام وللمسلمين ولسيد الخلق محمد ، وكانوا شديدي الأذى له بمكة..

فأما ابن أبي سرح فكان قد أسلم وكتب الوحي ثم ارتد، فلما دخل رسول الله مكة وأهدر دمه فَرَّ إلى عثمان بن عفان > وكان أخاه من الرضاعة، فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله ثم قال: "نعم"، وعفا عنه.

وأما عبد الله بن خطل فكان مسلمًا، وقد بعثه رسول الله مُصَدِّقًا ، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى له مسلمٌ يخدمه، فغضب عليه غضبةً فقتله، ثم ارتد مشركًا، وكان له قينتان، فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله والمسلمين؛ فلهذا أهدر دمه ودم قينتيه، فقُتِلَ، وقُتِلت إحدى قينتيه واستُؤْمِن للأخرى.

وأما مقيس بن صبابة فكان قد قتل قاتل أخيه خطأ بعد ما أخذ الدية، ثم ارتد مشركًا.

وأما سارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبى جهل، فكانت تؤذي رسول الله وهى بمكة، فأهدر الرسول دمها، فهربت حتى استؤمن لها منه فأمَّنها فعاشت إلى زمن عمر بن الخطاب >.

وأما عكرمة بن أبى جهل فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، واستأمنت له من رسول الله فأمَّنه، فذهبت في طلبه حتى أتت به رسول الله فأسلم، وحَسُن إسلامه، وكان يُعَدُّ من فضلاء الصحابة .

ومن هذا يتبين لنا كرم أخلاق سيد الخلق وإمام المرسلين ورحمة العالمين محمد .. فقد أُوذِيَ من هؤلاء وغيرهم أشد الأذى، ولكن عفا عن معظمهم وكانت كلمته التي سجلها التاريخ: "اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" أروع مثل لعفوه وسماحته ورحمته ..

الشبهة الرابعة: معاملة الرسول لبني قريظة:

في المراحل الخيرة للحرب العالمية الثانية وبالتحديد مع بداية عام 1943م وجهت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ضربة قاصمة للبنية التحتية للدولة الألمانية، وبدأت هذه الضربة بسلسلة من الغارات الجوية ألقت 2.700 مليون طن من القنابل والمتفجرات على الأراضي الألمانية والأقطار التي تحت سيطرتها، مما أدى إلى دمار كامل بالمدن الألمانية وفقدانها نحو مليون مدني ما بين قتيل وجريح، بالإضافة إلى أعداد لا تحصى من المشردين، لقد تم سحق ألمانيا بالكامل !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

قبل أن نتعجل الحكم بأنه عالج أمر بني قريظة بالعلاج الوحيد الذي لا ينفع غيره، أو حَلَّ عقدته بالسلاح الذي يناسبه.. نود أولاً أن نقف على حيثيات وظروف ذلك الحكم..

فمن المعروف أن النبي بمجرد قدومه المدينة عقد مع اليهود الموجودين بها معاهدة رائدة، تعد بمثابة أقدم دستور مُسجَّل في العالم ، والتي كان من أهم بنودها: التزام كل من المسلمين واليهود بالمعايشة السلمية فيما   

بينهما وعدم اعتداء أي فريق منهما على الآخر في الداخل. وتعهد كل من الطرفين بالدفاع المشترك عن المدينة ضد أي اعتداء خارجي، وعلى اليهود أن يتفقوا مع المؤمنين ما داموا محاربين .

وقد حدث في العام الخامس من الهجرة أن تجمعت أكبر قوة معادية للمسلمين في ذلك الوقت للقضاء عليهم داخل المدينة، وأحاطت جيوش الأحزاب بالمدينة في عشرة آلاف مقاتل من مشركي قريش وقبائل غطفان وأشجع وأسد وفزارة وبني سليم، على حين لم يزد عدد المسلمين على ثلاثة آلاف مقاتل .

وكان المتوقع أن ينضم يهود بني قريظة إلى صفوف المسلمين ضد القوات الزاحفة على المدينة بناء على نصوص المعاهدة المبرمة بين الفريقين، لكن الذي حدث هو عكس هذا تمامًا!  فلم تكتفِ بنو قريظة بمجرد السلبية، ولكن فوجيء المسلمون بهم يخونونهم في أخطر أوقات محنتهم، ولم يرعوا للعهود حرمة، في سبيل التعجيل بسحق المسلمين والقضاء عليهم قضاء تامًا.

وبمجرد أن سمع رسول الله  بهذه الخيانة الخطيرة أرسل وفدًا مكونًا من سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد ابن عبادة سيد الخزرج، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير رضي الله عنهم؛ ليذكِّروا القوم بما بينهم وبين المسلمين من عهود، ويحذروهم مغبَّة ما هم مقدمون عليه، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، وقالوا عن رسول الله : من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبينه!! وهكذا ركب القوم رؤوسهم، وقرروا الانضمام الفعلي للغزاة، وأخذوا يمدونهم بالمال والعتاد.

وقد تدخلت عناية الله لنصرة الإيمان وأهله، وشاء الله أن يندحر ذلك التحالف الوثني اليهودي "وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ".

وبعدها مباشرة جاء الوحيُ رسولَ الله يأمره بأن ينهض إلى بني قريظة؛ جزاءً لمكرهم وغدرهم وخيانتهم، فسار إليها وحاصرها والمسلمون شهرًا أو خمسة وعشرين يومًا.. ولمـا طال عليهم الحصار عرضوا على الرسول أن يتركهم ليخرجوا إلى أذرعات بالشام تاركين وراءهم ما يملكون، ورفض إلا أن يستسلموا دون قيد أو شرط، وبالفعل استسلم يهود بني قريظة، ونزلوا على حكم رسول الله ، فوكل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ أحد رؤساء الأوس .

وكان سعد حليف بني قريظة في الجاهلية ، وقد ارتاح اليهود لهذا الاختيار، وظنوا أن الرجل قد يحسن إليهم في حكمه، لكن سعدًا نظر إلى الموقف من جميع جوانبه، وقدَّره تقدير مَن عاش أحداثه وظروفه، وشاهد كروبه ومآزقه، وعرف النذر المستطيرة التي تراءت في الأفق، فأوشكت أن تطيح بالعصبة المؤمنة لولا عناية الله عز وجل التي أنقذت الموقف.. وكان هو نفسه الذي شفع لديهم باديء ذي بدء ليرجعوا عن غدرهم وغيهم، لكن القوم مضوا في عنادهم لا يقدرون للنتائج عاقبة، ولا يراعون الله في حلف ولا ميثاق، ولذلك لما كُلِّم في شأنهم أكثر من مرة قال >: "لقد آنَ لسعدٍ ألا تأخذه في الله لومة لائم" ، ثم بعد أن أخذ المواثيق على الطرفين أن يرضى كل منهما بحكمه  أمر بني قريظة أن ينزلوا من حصونهم وأن يضعوا السلاح ففعلوا، ثم قال: "إني أحكم أن تُقتل مقاتلتُهم وتُسبَى ذريتُهم وأموالهم"، فقال رسول الله : "حَكَمْتَ فيهم بحُكْمِ اللهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ" !!

فقتل رجالهم، وسبي نساءهم وذراريهم، ومَن لم يُنبِتْ من أولادهم، ولاقى بنو قريظة أسوأَ مصير على أفظع خيانة..

وهنا يحلو للبعض أن يتقوَّلوا على الإسلام. وأن يتطاولوا على تصرف الرسول ومعاملته لبني قريظة، ويعتبروا أن معاملته هذه لهم تتسم بالوحشية والقسوة، وأنه كان من الممكن أن يُعاقَبوا بأي عقاب آخر كالإجلاء أو النفي..

وللبيان والتوضيح نقول: ماذا لو أن نتيجة غزوة الأحزاب تمت حسبما كان يخطط لها بنو قريظة وأحزابهم، ألم تكن هي الإبادة التامة للمسلمين أجمعين؟! على أن اليهود لم يُقدِموا على هذا العمل الخسيس إلا بعد أن تكوَّن لديهم ما يشبه اليقين بأنهم - بمساعدة المشركين - سوف يقومون بتدمير الكيان الإسلامي تدميرًا كاملاً، واستئصال شأفة المسلمين استئصالاً كليًا، ولهذا لم يترددوا في الغدر بحلفائهم المسلمين وعلى تلك الصورة البشعة . ولقد كانوا حريصين الحرص كله على إبادة المسلمين، حتى لقد طلبوا من الأحزاب والمشركين أن يُسلِّموا إليهم سبعين شابًا من أبنائهم رهائن عندهم؛ ليضمنوا أن جيوش الأحزاب لن تنسحب من منطقة المدينة إلا بعد أن تفرغ من المسلمين، وتقضي عليهم قضاء تامًا .

فعلى الذين يستبشعون الحكم على بني قريظة، ويصفونه بأنه كان قاسيًا شديدًا، عليهم أن يحيطوا علمًا بجوانب الموضوع، وظروف القضية؛ ليدركوا أن اليهود هم الذين جَرُّوا الوبال على أَنفسهم.

 الفصل الثاني: الشبهات الخاصة بالحياة العامة

          أثار البعض شبهاتٍ حول رسول الله توحِي بفقدان الرحمة أو جزءٍ منها في المجالات المُثَار حولها تلك الشبهات، ومن أمثلة هذه الشبهات:

الشبهة الأولى: تعدد زوجات رسول الله قسوة على المرأة.

الشبهة الثانية: أخذ الجزية يتنافى مع مبدأ الرحمة.

الشبهة الثالثة: تطبيق الحدود الشرعية على الجرائم قسوة على الناس.

الردُّ على هذه الشبهات:

الشبهة الأولى: تعدد زوجات رسول الله قسوة على المرأة

في منتصف التسعينات من القرن الماضي كان أكثر من 40%  من الأطفال الأمريكيين لا ينعمون بالعيش مع آبائهم، ويعد العزوف عن الزواج وسهولة العلاقات غير الشرعية من أهم الأسباب لهذه الظاهرة الخطيرة .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

          إنَّ الردُّ على هذه الشبهة إنما يكون من خلال الواقع الذي عاشه الرسول ، ومن خلال التطبيقات الواقعية في حياته الأسرية، والتي قامت على الودِّ والرحمة والحبِّ والعاطفة الطاهرة التي كانت تظلِّلُ سماءَ البيت النبوي الكريم، ثم الردُّ أيضًا بمعرفة الملابسات والظروف التي تم فيها هذا الزواج..

          ومن الصعوبة بمكان أن نذكر هنا كل ما يتعلَّق بهذا الجانب في حياته نظرًا لكونه متسع الآفاق، ومتعدد الأوجه، غير أننا نطالع سريعًا طرفًا من حياته ..

لقد تزوج الرسول في الخامسة والعشرين من عمره بخديجة بنت خويلد <، وهي امرأة في الأربعين من عمرها، وظل معها وحدها قريبًا من خمس وعشرين سنة، لم يتزوج غيرها حتى ماتت .

وعندما كان في الخمسين من عمره كانت هي مُسنَّة في الخامسة والستين، وكان - كما يقرر العدو قبل الصديق - لا يعرف إلا الوفاء لهذه السيدة العجوز التي قضى معها شبابه كله.

وبعد موت زوجته الأولى تزوج من امرأة تقاربها في السن هي سَوْدَة بنت زمعة <، وهي التي هاجرت معه إلى المدينة ..

وصحيح أنه في السنوات العشر الأخيرة من حياته اجتمعت لديه نسوة أخريات!

فمن هُنَّ؟

إنهن مجموعة من الأرامل المنكسرات أحاطت بهن ظروف صعبة، لم يشتهرن بالجمال، ولا كان لهن من السنِّ المبكرة ما يجدد الحياة، اللهم إلا بكرًا واحدة هي عائشة < بنت صاحبه أبي بكر >، وقد تزوجها توثيقًا لعلاقتهما.

وتزوج بعدها حفصة بنت صاحبه عمر >، ولم تُعرَف بجمال، بل بدا أن البناء بها بعد موت زوجها خنيس ابن حذافة السهمي > كان جَبْرَ خاطرٍ، ودعم مودة وجهاد..!!

وتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان <  المهاجرة إلى الحبشة..  إنه لم يرها هناك بَيْد أنه يعرف إسلامها برغم أنف أبيها زعيم المشركين يومئِذٍ، ويعرف بقاءها على الإسلام برغم أنف زوجها الذي ارتد عن الإسلام إلى النصرانية، فهل يتركها في وحشتها وعزلتها؟! لقد أرسل يخطبها ويعزُّ جانبها...

وكلما أحاطت ظروف سيئة بامرأة ذات مكانة، ضمَّها إليه، وما كان للشهوة موضع يُلحَظ بالمرة، وأدركت النسوة القادمات هذه الحقيقة، وعرفن أن هذا الوضع فوق طاقة الإنسان العادي، فعرض بعضهن في صراحة أن يبقى منتسبًا للبيت النبوي مكتفيًا بهذا الشرف، ومتنازلاً عن حظ المرأة من الرجل، وقد آواهنَّ مستجيبًا لنداء إنساني ورحمة بهنَّ..

 ويتضح مما سبق بجلاء أن هذا الزواج المتعدد لم يكن إلا لأهداف نبيلة، ومقاصد حسنة، ويظهر فيه من الرحمة ما هو غني عن التأكيد عليه.

الشبهة الثانية: أخذ الجزية يتنافى مع مبدأ الرحمة

لقد احتل الشيوعيون الصينيون تركستان الشرقية في عام 1949م، وتحت شعار (الإصلاح الزراعي) تم  مصادرة أراضي وممتلكات المسلمين، ووضعت صورة (ماوتسي تونج) في المساجد، كما تم إغلاق 29 ألف مسجد في جميع أنحاء تركستان الشرقية، وتم القبض على أكثر من 54 ألف إمام وتعذيبهم، وفي سنوات 1950 – 1972م نهض المسلمون في تركستان الشرقية للمطالبة بحقوقهم فتم إعدام 360 ألف شخص، وهرب أكثر من 100 ألف شخص إلى البلاد المجاورة، وسيق أكثر من 500 ألف إلى عشر معسكرات للأعمال الشاقة !!

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

لم تكن الجزية اختراعًا إسلاميًا محضًا؛ فقد كانت الدولة الرومية والفارسية تفرضها على الشعوب المقهورة، وكانت في شكل ضرائب متنوعة تُفرض على الكبير والصغير، والقوي والضعيف، والحي والميت؛ فقد كانت هناك ضريبة تسمى ضريبة الحياة، وذلك لمن مَلَكَ رأسه فوق جسده!  وضريبة الموت تُفرَض على أسرة الميت من أجل المكان الذي يُدفنُ فيه صَاحِبُهم، وضريبة التجارة والزراعة والسكن. وكانت هذه الضرائب باهظة بغرض استنزاف أموال البلاد المنكوبة بالاحتلال، ومن ثَمَّ إضعافها لكي لا تصبح قادرة على مواجهة الدولة المحتلة.

أما الدولة الإسلامية فقد خالفت النظام الدولي الذي كان سائدًا في هذا الزمن، وهو تخريب البلاد المغلوبة وقتل أهلها، واستعباد من يبقى من القتل، فوضعوا لهذه الشعوب حقوقًا وواجبات تحفظ حياتهم وأموالهم، وسَمَّوا سكان البلاد بأهل الذمة، كما أن الجزية عند الأمم السابقة لم تكن تمنع دافعيها من تجنيدهم في جيش الغالبين، وإراقة دمائهم في سبيل مجد الفاتحين وامتداد سلطانهم، فكانوا يدفعون الجزية ويُساقون إلى الحرب مرغمين! ولكن الإسلام أعفاهم من الخدمة في الجيش .

ولم يكن يتم أخذ الجزية إلا من الرجال الأحرار العقلاء الأصحاء القادرين عليها، ولم يكن يتم أخذ الجزية من امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا عبد ولا مريض مرضًا غالبًا، ولا راهب؛ وذلك لما جاء في كتاب النبي ﷺ‬ إلى معاذ باليمن: "أن على كل حالم دينارًا" ، وما كتبه عمر إلى أمراء الأجناد ألا يفرضوا الجزية على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى . كذلك لا تجب على الفقراء. قال تعالى: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا"

ثم إن ما يتم دفعه شيء ضئيل جدًا بالنسبة لما يدفعه المسلم زكاةً لماله، فقد جعل عمر - وهو الذي تربى على يد الرسول الرحيم محمد - جعلَ الجزيةَ على الموسرين 48درهمًا، وعلى المتوسطين في اليسار 24، وعلى الطبقة الدنيا من الموسرين 12درهمًا ، وهذه النسبة ضئيلة للغاية، ولا تتجاوز ما يكسبه الفرد منهم في عدة أيام من السنة، وهي بذلك أقل بكثير مما يدفعه المسلم كزكاة عن أمواله؛ حيث يدفع 2.5%.

فأيُّ رحمةٍ تلك التي حباها رسول الله لمن يدفعون الجزية!! إن ما يدفعه أقل بكثير مما يدفعه المسلم زكاةً لماله، أضف إلى ذلك أن من يدفع الجزية لا يشارك في الحروب بما فيها من مآسٍ وأهوال ومخاطر متعددة.

وقد مُنِحَ الذميون مقابل هذا القدر الضئيل للغاية من المال حقوقًا كثيرة أولها: حرية العقيدة، ومنها حماية النفس ماديًا ومعنويًا، وحماية المال، وحرية العمل، وحق الكفالة من بيت مال المسلمين عند الحاجة، وحرية التنقل، وحرية التعامل بقانون الأحوال الشخصية الخاص بدينهم، وحق الملكية، وغير ذلك من الحقوق مما لا يتسع المجال لذكره..

الشبهة الثالثة: تطبيق الحدود الشرعية على الجرائم قسوة على الناس

على أساس البيانات الواردة من أكثر من ١٠٠ بلد، تكشف دراسة الأمم المتحدة

لاتجاهات الجريمة أن عدد الوقائع الجنائية المبلغ عنها زاد بشكل مطرد بين عاميّ (1980-2000م)

 من 2.300 واقعة إلى 3000 واقعة جنائية في العام وذلك لكل 100.000 شخص .

هذا حالهم ولكن الإسلام شئ آخر!!

          ثمة شبهة أخرى تقول إن القسوة واضحة في مظاهر تطبيق الحدود على الجرائم من قطعٍ ليدِ سارقٍ وجلدٍ لزانٍ أو شاربِ خمرٍ، أو رجمٍ لمتزوج قد ثبت عليه الزنا... فأين الرحمة إذن؟!

          وقد يظن القاريء للوهلة الأولى أن المجتمع الإسلامي إبان تطبيق الحدود على الجرائم يمتلأ بالكثير من مقطوعي اليد والمعاقين من آثار تطبيق هذه الحدود، وهذا ليس له أيُّ نصيب من الصحة، فقد كانت نِسَب الجرائم من قتل أو زنا أو شرب لخمر أو غير ذلك قليلة جدًا بل ومعدودة، ونجح هذا الأسلوب في العقاب على الجريمة نجاحًا لا مثيل له، وعاش المسلمون نتائج هذا النجاح وتمتعوا بثماره كثيرًا، فعَمَّ الأمن والعافية على الناس جميعًا، بينما نرى الآن ما جناه العالم من كوارث ومصائب وأمراض لا علاج لها، وذلك لعدم جدوى العقوبات التي تتبعها القوانين الوضعية في علاج أمراض المجتمع وجرائمه...

          إن الإسلام لا يقرر العقوبات جزافاً، ولا ينفذها كذلك بلا حساب، وله في ذلك نظرة ينفرد بها بين كل نظم الأرض.  إن الشريعة الإسلامية تنظر إلى الجريمة بعين الفرد الذي ارتكبها، وبعين المجتمع الذي وقعت عليه في آن واحد ، ثم تقرر الجزاء العادل الذي لا يميل مع النظريات المنحرفة، ولا شهوات الأمم والأفراد.

          يقرر الإسلام عقوباتٍ رادعةً قد تبدو قاسية فظة لمن يأخذها أخذاً سطحياً بلا تمعن ولا تفكير، ولكنه لا يطبقها أبداً حتى يضمن أولاً أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار.

          فهو يقرر قطع يد السارق، ولكنه لا يقطعها أبداً وهناك شبهة بأن السرقة نشأت من الجوع.  وهو يقرر رجم الزاني والزانية، ولكنه لا يرجمهما إلا أن يكونا محصنين، وإلا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة، أي حين يتبجحان بالدعارة حتى ليراهما كل هؤلاء الشهود، وكلاهما متزوج.  وهكذا في جميع العقوبات التي قررها الإسلام.

ونحن نأخذ هذا من مبدأ صريح قرره عمر بن الخطاب >، وهو من أبرز الفقهاء في الإسلام، وهو فوق ذلك رجل شديد الحرص على تنفيذ الشريعة، فلا يمكن اتهامه بالتفريط في التطبيق؛ فعمر > لم يُنفِّذ حد السرقة في عام الرمادة ، حيث كانت الشبهة قائمة في اضطرار الناس للسرقة بسبب الجوع.

          والحادثة التالية أبلغ في الدلالة وأصرح في تقرير المبدأ الذي نشير إليه: رُويَ أن غلماناً لابن حاطب بن أبي بلتعة > سرقوا ناقة لرجل من مُزَيْنَة، فأتى بهم عمر، فأقروا، فأمر كثيرَ بن الصلت بقطع أيديهم؛ فلما وَلَّى ردَّه ثم قال: "أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حَرَّمَ الله عليه لحل له، لقطعت أيديهم"، ثم وجَّه القول لابن حاطب فقال: وايم الله إذ لم أفعل ذلك لأُغَرِّمَنَّك غرامة توجعك! ثم قال: يا مُزَنيُّ، بكم أُرِيدَتْ منك ناقتُك؟ قال: بأربعمائة. قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة ".

          فهنا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل، هو أن قيام ظروف تدفع إلى الجريمة يمنع تطبيق الحدود، عملاً بحديث الرسول : "اِدْرَؤُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِمُسْلِمٍ مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِيءَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِيءَ بِالْعُقُوبَةِ" .

فإذا استعرضنا سياسة الإسلام في جميع العقوبات التي قررها، وجدنا أنه يلجأ أولاً إلى وقاية المجتمع من الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة، وبعد ذلك - لا قبله - يقرر عقوبته الرادعة وهو مطمئن إلى عدالة هذه العقوبة، بالنسبة لشخص لا يدفعه إلى جريمته مبررٌ معقول، فإذا عجز المجتمع لسبب من الأسباب عن منع مبررات الجريمة، أو قامت الشبهة عليها في صورة من الصور، فهنا يسقط الحد بسبب هذه الظروف المخففة، ويلجأ ولي الأمر إلى إطلاق سراح المجرم أو توقيع عقوبات التعزير – كالحبس مثلاً - بحسب درجة الاضطرار أو درجة المسئولية عن الجريمة.  فأي نظام في الدنيا كلها يبلغ هذه العدالة؟!!

          ويكفي أن نعلم أن حد السرقة لم يُنَفَّذْ في أربعمائة سنة كاملة إلا ست مراتٍ فقط لنعرف أنها عقوبات قُصِدَ بها التخويف الذي يمنع وقوعها ابتداء، كما أن معرفتنا بطريقة الإسلام في وقاية المجتمع من أسباب الجريمة قبل توقيع العقوبة تجعلنا في اطمئنانٍ تامٍّ إلى العدالة في الحالات النادرة التي تُوَقَّعُ فيها هذه الحدود.

 الباب الخامس : رؤية غير المسلمين للرحمة

 الفصل الأول: بلا رحمــة!!

          ظهرت لنا في الصفحات السابقة رؤية المسلمين للرحمة، والأهم من ذلك أنه قد ظهرت لنا التطبيقات الفعلية لهذا الخلق العظيم في حياة سيد الخلق أجمعين رسول الله ، والتي تشير بوضوح إلى أن القواعد المثالية الرائعة التي جاءت في الشرع الحكيم، ونطق بها الرسول الكريم ، لم تكن مجرد نظريات فلسفية صعبة التطبيق، إنما كانت واقعًا حقيقيًا عاشه المسلمون وغير المسلمين، في زمان رسول الله ، بل وفي حياة من جاءوا من بعده، وساروا على نهجه وهديه.

          ولكي تتضح لنا الصورة بشكل أكبر وأوضح لابد من استعراض "الواقع" الذي مارسه غير المسلمين فيما يسمى بالحضارات القديمة، وكذلك الحضارات الحديثة، لنرى كيف تعاملوا مع القضايا التي بحثناها في سيرة الرسول ، ليعلم كل باحث عن الحقيقة مَنْ هو الرحيم حقًا، ومَنْ الذي تغلغلت القسوة في فؤاده ، حتى فقد فطرته الإنسانية، وصار يتعامل كخَلْقٍ غريب لا نعرف أصله ولا طبيعته!

          وسوف يكون الحديث في هذا الفصل منقسمًا إلى مبحثين هما:

المبحث الأول: حالهم في حروبهم

المبحث الثاني: حالهم في حياتهم العامة

 المبحث الأول: حالهم في حروبهم

          لعل أبرز ما يميز الحروب التي يشنها الغرب على العالم الإسلامي، أو الحروب التي تنشب داخل العالم الغربي نفسه هي القسوة المفرطة التي تصل إلى حد البشاعة (شكل 5،6)، وإذا قَبِلَ البعض هذه القسوة بين المتحاربين- وهي غير مقبولة في الإسلام- فكيف يفسر التنكيل الذي يحدث بالمدنيين بعد انتهاء الحرب؟ فلا نجد حرمة لنساء ولا أطفال ولا أسرى ولا ممتلكات ولا أماكن عبادة!.

إننا سنعرض هنا إلى الموجز اليسير لبعض الحوادث - بل الكوارث - الإنسانية التي توضح ما نقصده، والتي كان الشعار الغالب عليها جميعًا هو... "بلا رحمــة"!!

الحروب الصليبية:

يصف المستشرق الشهير جوستاف لوبون بشاعة الحروب الصليبية قائلاً: "وكان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب نحو النصارى حين دخلها منذ بضعة قرون، حيث عقد الصليبيون مؤتمراً أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس، من المسلمين، واليهود، وخوارج النصارى، الذين كان عددهم نحو ستين ألفاً، فأفنوهم عن بَكْرَةِ أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستثنوا منهم امرأة ولا ولداً ولا شيخاً!!..  فقد قطعت رؤوس بعضهم، وبقرت بطون بعضهم، وحرق بعضهم في النار،  فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار!.." .  

)

محاكم التفتيش:

شهدت إنجلترا في عهد الملكين "هنري الرابع، وهنري الخامس" (1399م – 1422م) موجة من الإعدامات للمخالفين للكنيسة الكاثوليكية بطريقة بشعة، فقد كان الإعدام بواسطة الإجلاس على الخازوق!.. ولم يلغ هذا الأسلوب نهائيًا إلا في سنة 1676م!.. أي أن الإعدام بالخازوق قد استمرَّ هناك قرابة ثلاثة قرون!

وفي أسبانيا وصل عدد ضحايا هذه المحاكم إلى: 31.000  أحرقوا بالنار، و290.000 عذبوا بعقوبات لم تبلغ حد الإعدام..

أما في هولندا فقد بلغ تعداد الضحايا في عهد الملك "تشارلز الخامس" (1337 – 1380م) 100.000 ضحية..

وفي عهد ابنه وولي عهده، سيق إلى المقصلة  الرجال والنساء والأطفال، حتى  بلغ عدد الضحايا 50.000 إنسان.. واستمر هذا المسلسل من القهر حتى القرن السابع عشر الميلادي ..

وفي فرنسا، في عهد الملك "تشارلز التاسع" (1550 – 1574م)، ذبح الكاثوليك أكثر من 20.000 من البروتستانت.  وفي عهد الملك "لويس الرابع عشر" (1638 – 1715م) تجددت المذابح ضد البروتستانت، فسيق الكثيرون إلى الإعدام.. ومن نجا من القتل خيَّرهم الملك بين الارتداد عن البروتستانتية إلى الكاثوليكية وبين الهجرة من فرنسا، فهاجر نصف عدد البروتستانت – أي نحو نصف مليون – ذهبوا إلى هولندا وإنجلترا وبروسيا وأمريكا ..

التتـار:

          لا يمكن - ونحن نتدارس حروب الآخرين - أن ننسى العاصفة التترية التي اجتاحت العالم أجمع، لتأكل الأخضر واليابس، ويكفي أن نذكر من مآسيهم ما فعلوه إثر سقوط عاصمة

الخلافة الإسلامية مدينة بغداد (656هـ) حيث قُتِلَ الخليفة ومعاونيه ومعهم مليون مسلم ما بين رجل وامرأة وطفل وشيخ!!..

لقد استمرَّ التقتيل أربعين يومًا كاملة رغم استسلام المسلمين!! 

إبادة الهنود الحمر:

          لقد تعرض الهنود الحمر في القرون الأربعة الماضية إلى سلسلة من حروب الإبادة بمختلف الوسائل، لقد كان عدد السكان الأصليين في الأمريكتين يبلغ 150 مليون نسمة، ينتمون إلى أربعمائة قبيلة، أين هم الآن؟ لقد تمت إبادتهم بالكامل، ومحو تاريخهم وآثارهم، ولعله لم يبق منهم الآن أكثر من مليون إنسان فقط !!

أما في العصر الحديث: وبالتحديد إذا نظرنا إلى القرن العشرين الميلادي الذي تولَّى زعامته العالم الغربي بلا منازع، وشهد طفرة علمية مذهلة ..  إلا أنه - وللأسف - شهد كمًّا من العنف والدمار لم تشهده الإنسانية منذ بدء الخليقة، وفيما يلي نتعرض للبعض اليسير مما عاناه العالم الإنساني بصفة عامة خلال مائة عام فقط تحت قيادة الغرب المتحضِّر !!

          الحرب العالميـة الأولى: (1914-1918)       

  حدثت عند مطالبة ألمانيا بمصالح استعمارية في العالم تتضارب مع مصالح الدول الاستعمارية الكبرى، فاشتعل العالم أجمع وانقسم إلى فريقين متحاربين، وكانت المعارك قاسية على الأطراف المتحاربة وظهرت فيها أسلحة جديدة أشد فتكًا!! وانتهت هذه الحرب بهزيمة ألمانيا وحلفائها، وقُدِّر عدد القتلى بنحو عشرة ملايين إنسان، وبلغ عدد الجرحى عشرين مليوناً، وقد أنشئت بعد ذلك عصبة الأمم لمنع مثل هذه الحروب مستقبلاً، ولكن هيهات!!

          مذبحة قيرغيزستان: (1916-1917)                  

قامت روسيا القيصرية في أواخر أيامها بهذه المذبحة في إطار سياستها القمعية تجاه المسلمين بآسيا الوسطى بشكل عام بهدف القضاء على العقيدة الإسلامية، وبالفعل قامت القوات الروسية بالعديد من المذابح الدموية في هذه المنطقة، وفي قيرغيزستان فقط تم قتل 150.000 مسلم.

          الحرب الإسبانية: (1936-1939)

هي حرب أهلية ضارية اندلعت في إسبانيا إثر صراع على السلطة استمر 3 سنوات، وكانت محصلتها 600.000 قتيل، منهم 210.000 أعدموا من قبل الأطراف المتنازعة، وقد انتهى هذا الصراع الدامي باستيلاء الجنرال  فرانشيسكو فرانكو على مقاليد الحكم في عام 1939م ليبدأ فترة حكمه الديكتاتوري والذي استمر لمدة 35 عامًا وانتهى بموته.

          حركة "التطهير" السوفيتية : (أغسطس 1936)

لقد رُوَّع العالم بما جرى في الاتحاد السوفيتي في أغسطس 1936م، حين تم القبض على مئات الآلاف من المدنيين والعسكريين بتهمة التنظيم لاغتيال الزعيم الروسي ستالين، وبعد تقديمهم إلى محاكمات صورية، صدر الحكم بالسجن لمعظم المتهمين، وتم نفي بعضهم إلى سيبيريا الجليدية، كما تم إعدام بعض المتهمين رميًا بالرصاص.

          الحرب اليابانية الصينية : (1937-1943)

احتلت اليابانُ الصينَ، ومارست قواتها القسوة والوحشية بلا حساب، وقد بلغ عدد الضحايا الصينيين من القتلى والجرحى والمرضى بسبب غزو اليابان 5 مليون و620 ألف شخص، وقد حدثت في هذه الفترة العديد من المذابح الرهيبة، أشهرها مذبحة مدينة نانكين الصينية، والتي قتل فيها أكثر من 200.000 صيني، وتم اغتصاب 20.000 امرأة.

          الحرب العالميـة الثانيـة: (1939-1945)

في عام 1939م بدأت الأحداث المروعة للحرب العالمية الثانية، والتي شارك فيها 15.600.000 مقاتل، واستمرت زهاء ست سنوات 1939- 1945، وتُعَدُّ هذه الحرب أكثر الحروب البشرية دموية على مدار التاريخ، ولقد خسر فيها الجميع، حيث خرجت الولايات المتحدة الأمريكية المنتصرة بحصيلة قتلى بلغت 292.000 من قواتها المسلحة، وخسر الاتحاد السوفيتي 750.000 قتيل، وخسرت الصين بمفردها 2.200.000 قتيل ، وبلغ عدد الجرحى 80 مليوناً، كما خلّفت ملايين لا تحصى من المعوقين والمشردين والمفقودين!!

          معركة بريطانيا: (أغسطس 1940)            

وتُعدُّ من المعارك الشهيرة في الحرب العالمية الثانية، وبدأت عندما قرر الألمان غزو بريطانيا، وقد قاومت المدن الإنجليزية، واستعصت على الألمان، فلجأت ألمانيا النازية إلى شن غارات جوية عنيفة على مختلف المدن البريطانية، وقد استمرت هذه الغارات المتواصلة لمدة خمسة أشهر، مما أدى إلى دكِّ مدن بالكامل، مثل مدينة برمنجهام ومانشستر وشفيلد، بالإضافة إلى مقتل 23.000 مدني!!

          الغارات الجوية على ألمانيا: (1943-1945)

بدأت سلسلة هذه الغارات في يناير 1943م، وقامت بها الولايات المتحدة الأمريكية بالاشتراك مع بريطانيا وكانت موجهة بشكل مركز على المدن الألمانية، وقد خلفت هذه الغارات قرابة المليون شخص مابين قتيل وجريح، وكلهم من المدنيين الألمان، كما دمرت هذه الغارات أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون بيت ومبنى تدميرًا كاملاً، ولم تتوقف هذه الغارات إلا مع سقوط برلين وانهيار المقاومة الألمانية بعد أن صارت معظم مدنها خرابًا .

          هيروشيما ونجازاكي: (أغسطس 1945)

إن من أبشع صور القسوة مع المدنيين ما حدث لسكان مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، ففي صباح يوم 6 أغسطس 1945م أُسقطت القنبلة الذرية الأمريكية الأولى على مدينة هيروشيما، فمات على الفور 70.000 مواطن ياباني، والعجيب أنه بعد ثلاثة أيام فقط ألقت أمريكا القنبلة الثانية على مدينة نجازاكي فمات على الفور 60.000 مواطن آخر، وقد صرَّحَ مجلس مدينة هيروشيما إن عدد قتلاها ارتفع في سنوات قليلة إلى 230.000 إنسان بسبب ما خلفته القنبلة من إشعاعات، كما وصل عدد الجرحى إلى 157.000 شخص .

          تقسيم الهند: (يوينو 1947)

فور إعلان قرار تقسيم الهند وإعلان دولة باكستان كموطن للمسلمين، بادر الهندوس إلى الاعتداء على المسلمين في الولايات التي صارت جزءً من الدولة الهندية، واتخذ الاعتداء صورًا وحشية بالغة القسوة، مما اضطر المسلمين إلى الفرار من الهند إلى الأراضي الباكستانية، مخلِّفين وراءهم أموالهم وديارهم، فكانت هجرة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، إذ بلغ عدد المهاجرين 10 مليون مسلم خلال بضعة شهور قليلة!!

          الحرب الكورية: (1950-1952)                                      

التي قامت فيما بين الكوريتين، كوريا الشمالية بدعم من الصين، وكوريا الجنوبية بدعم من أمريكا، وقد أسفرت الحرب الكورية عن مقتل قرابة 3 مليون شخص من الكوريتين!! وذلك بخلاف الجرحى والمعاقين والمفقودين .

          تصفية المعارضين في الصين: (فبراير 1951)

قاد الزعيم الصيني "ماو تسي تونج" العديد من الحملات الداخلية للقضاء على المعارضين له، ففي عام 1951م - وتحت عنوان القضاء على الثورة المضادة - تم اعتقال عدد هائل من المواطنين،كما حُكِم بالإعدام على الكثير من الشخصيات العامة، وقد اعترف "ماو تسي تونج" أنه - في هذه الحملة فقط - تم تصفية 800.000 شخص من المناوئين لسياساته ، كما كان يفتخر بأنه دفن 46.000 عالم وهم أحياء !!

          مأساة تركستان الشرقية: (1949-1953)

لقد استخدمت الصين أبشع الوسائل لقمع الشعب المسلم في تركستان الشرقية، لقد قسَّمت بلادهم، وغيرت اسمه إلى إقليم سيكيانج، وحظرت تعليم الديانة الإسلامية، ونكلت بالمعارضين وقتلتهم، حتى بلغ عدد القتلى من المعارضين المدنيين 100.000 مسلم، وذلك فيما بين عامي 1949- 1953م.

          حرب فيتنام: (1964-1975)

شنت الولايات المتحدة حربًا شاملة ضد فيتنام الشمالية، وقد أسفرت الحرب عن مقتل 3 مليون فيتنامي معظمهم من المدنيين، وخلّفت أكثر من 30.000 معوق، و40.000 لاجيء، فضلاً عن المدن العديدة التي دُمرت تدميراً كاملاً .  

          مذبحة صبرا وشاتيلا: (سبتمبر 1982)

قامت بها القوات الإسرائيلية بقيادة (آرييل شارون) الذي عُيَّن رئيس وزراء لإسرائيل لاحقًا، وقد حاصر شارون مخيمي (صبرا وشاتيلا) في جنوب لبنان للاجئين الفلسطينيين، وقام بعملية بشعة من عمليات التصفية الجسدية الجماعية، فقد راح ضحيتها 800 ما بين 3000 - 3500 مدني من النساء والرجال والأطفال ، والعجيب أن المجزرة تمت في معظمها بالأسلحة البيضاء، وفي خلال 36 ساعة فقط!!... وكان شعار القائد شارون فيها: "بدون عواطف!!" .

          حرب الإبادة في رواندا )1990-1994)

خلال أربعة سنوات حدثت توترات أهلية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي، تطورت بعد ذلك إلى حرب بهدف الإبادة، وقد بلغت الخسائر في الأرواح بسبب أزمة رواندا ملايين الأنفس، منهم 800.000 من ضحايا الإبادة، ومليونان من اللاجئين خارج رواندا، ومليون ونصف مشرَّد داخل بلده!!

          مجزرة المسلمين في البوسنة والهرسك :(1992-1995)

حدثت هذه المجزرة في أعقاب تفكك الاتحاد اليوغسلافي، وبتحريض من بعض الدول الأوروبية المجاورة قام الصرب بسلسلة من الجرائم الإرهابية للمواطنين المسلمين في مدينتي البوسنة والهرسك، مما أسفر عن عشرات الآلاف من القتلى ، وإمعانًا في القسوة والقهر شرع الجنود الصرب في اغتصاب نساء المسلمين، وقد قدَّرت الأمم المتحدة عدد ضحايا هذه الجريمة بأنهم مابين 20.000 إلى 50.000 امرأة ، وقد تم اكتشاف ثلاثمائة مقبرة جماعية مليئة بجثث المسلمين المشوهة ، وما زالت المقابر الجماعية للمسلمين في البوسنة والهرسك تُكْتَشف يومًا بعد يوم حتى الآن!!

          مأساة الشيشان : (1994-1997)

تمثل هذه الفترة إحدى المراحل الهامة في كفاح الشعب الشيشاني المسلم من أجل الحصول على استقلاله من القبضة الروسية، وتأتي أهمية هذه الفترة بأنها شهدت اعتراف الاتحاد السوفيتي السابق بالحق الشيشاني في الاستقلال وتقرير المصير، ولم تنتزع الشيشان هذا الاعتراف من الدبِّ الروسي بسهولة، فقد ضحى الشعب الشيشاني بالكثير وقاسى من ويلات العنف الروسي ما يصعب احتماله، فقد بلغ إجمالي ضحايا الشيشان 104.000 ضحية من المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال بعد تعرُّضِهِم لعمليات إبادة وحشية، تم فيها استخدام أقسى أنواع الأسلحة المحرمة دوليًا .

 المبحث الثاني: حالهم في الحياة العامة

 حالهم مع النسـاء: تتعد مظاهر القسوة ضد النساء في العصر الحديث..

أولاً: الاتجار بالنسـاء:

          ويعتبر من أشدِّ مظاهر القسوة مع النساء، ويأخذ الاتجار بالنساء في عصرنا الحديث أشكالاً متعددة، وتقوم به جهات مختلفة من بينها الأَسْر، وسماسرة محليون، وشبكات إجرام دولية..

          والمفجع أن هذه التجارة أصبحت رائجة، وأصبح لها مكانة في عالم الجريمة، وانتشرت لتغطي أغلب أرجاء العالم، حيث توجد 127 دولة تعتبر المورد للبضاعة المتجر بها – النساء - وتوجد 137 دولة كمستورد!!

إنه العالم أجمع إذن!!   وتستغل في هذه التجارة مئات الآلاف من النساء سنويًا، فأين حقوق المرأة؟؟

والغريب أن البلدان الموردة هي بلدان غرب إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، والبلدان المستقبِلة التي تستغل هذه النساء بأقصى درجات القسوة يقع أغلبها في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية!! إنه العالم المتحضر!! .

ثانيًا: التعقيم القسري:

يبدو أن الضرب والغلظة والسبَّ كمظاهر للقسوة مع المرأة أصبحت لا تكفي في عصرنا الحديث!..

لقد تفتق الذهن البشري عن فكرة رهيبة وهي التعقيم القسري للنساء كسبيل للقضاء على عرق أو سلالة بشرية لا يليق وجودها - من وجهة نظره المريضة - في هذا العصر.. فكان حله المعجز أن يقضي على هذه الطفيليات البشرية - كما يراها - من المنبع!!!! وقد ورد في تقرير أشكال العنف ضد المرأة الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2006م  كأشهر الحالات ما حدث مع نساء السكان الأصليين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا .

ثالثًا: أثناء الصراعات المسلحة وبعدهـا:

          تتنوع أشكال القسوة مع النساء أثناء الصراع المسلح وبعده، بدءًا بالضرب والمهانة، ومرورًا بالتعذيب والتجنيد القسري للنساء كمقاتلات، ونهايـة بالقتل!! ويأتي الاغتصاب في مقدمة الوسائل المستخدمة ضد النساء أثناء الصراعات المسلحة، وقد أثبتت تقارير رسمية هذه القسوة بكل أشكالها في حق النساء في كثير من البلدان والمناطق مثل أفغانستان وتشاد وكولومبيا والشيشان ورواندا ودارفور ويوغوسلافيا السابقة، ولعل الأرقام أكثر وضوحًا.. فقد أغتصب في رواندا أثناء الحرب الأهلية في سنة ١٩٩٤م ما بين ربع إلى نصف مليون امرأة، وكذلك تم اغتصاب ما بين 20.000 إلى 50.000 امرأة في البوسنة على أيدي الصرب، وذلك في أوائل التسعينات من القرن الماضي ..

رابعًا: في المنزل:

          ونذكره في النهاية لأنه أخف أنواع القسوة ضررًا للنساء في عصرنا الحديث، وقد جاء في تقرير العنف ضد المرأة الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2006م، أنه في الولايات المتحدة الأمريكية تصل نسبة النساء الحوامل اللاتي يتعرضن للعنف على يد الأزواج إلى 20% من إجمالي النساء الحوامل، كما بين التقرير أن 70% من النساء اللاتي قتلن في الولايات المتحدة قد قتلن على يد أزواجهن أو أصدقائهن الذكور .

حالهم مع الأطفـال:

لقد بلغ مقدار ما تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية لعلاج الآثار المترتبة على إهمال الأطفال وإساءة معاملتهم  12.4 مليـار دولار ..

          كما يوجد في سجون الولايات المتحدة ما لا يقل عن 2.225 من الأطفال مرتكبي الجرائم، ويمضون أحكاماً بالحبس المؤبد وذلك بسبب جرائم ارتكبت قبل بلوغهم الثامنة عشرة .

          أما في الهند فيعاني أكثر من مائتي ألف طفل في أوضاع تقترب من أوضاع العبيد، وذلك من خلال عملهم في مصانع الحرير الهندية لمدة ستة أيام ونصف أو سبعة أيام في الأسبوع، ولمدة 12 ساعة يومياً أو أكثر، وهم أطفال  صغار قد لا يتجاوزون الخامسة من عمرهم !!

          وفي انجلترا ذكر تقرير للجمعية البريطانية لمنع إيذاء الأطفال أن حوالي مليون طفل بريطاني تعرضوا لكافة أنواع الاعتداءات في عام 2000م، وإن طفلاً من بين 4 أطفال تعرض للعنف وخاصة في المنزل، وأن 80% من هؤلاء جاء الاعتداء عليهم من آبائهم أو أقاربهم، كما أن 90% من الأطفال قد تم تهديدهم بسلاح ناري أو سكين، وأن 1% من الأطفال تعرضوا لاعتداءات جنسية من قبل آبائهم وأشقائهم، وأن 14% من المراهقين اتهموا آباءهم بالاعتداء عليهم "جنسيًا" وهم أطفال في سن الخامسة !!

 الفصل الثاني: وشهد شاهد من أهلها!!

لقد أعجب كثير من غير المسلمين بشخصية الرسول العظيم ، ومع كونهم لم يعتنقوا الإسلام فإنهم قالوا كلمة حق سطرها التاريخ على ألسنتهم، وفي كتبهم وتراثهم، وهذه الشهادات من هؤلاء المنصفين تعد دليلاً دامغًا يشهد بعظم الأخلاق التي تحلى بها رسولنا الكريم ومن بينها خلق الرحمة، وإن كنا نحن المسلمين لسنا بحاجة إلى مثل هذه الشهادات بعد شهادة رب العالمين له إذ يقول:"وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"  وإنما نقدمها لكي يزداد المسلم يقينًا على يقينه بعظمة الإسلام ورسوله كما نقدمها لغير المسلمين ـ الظالمين للإسلام، أو الجاهلين بحقيقته ـ ليراجعوا موقفهم من الإسلام، فهم أحوج ما يكونون إلى مثل هذه الشهادات لكي يتعرفوا على رسولنا الكريم من خلالها..

وإليكم طرفًا من هذه الشهادات.

 خاتمـة البحث

لقد فتحنا في هذا البحث صفحة واحدة من صفحات الدين الإسلامي العظيم، وصفحة واحدة كذلك من صفحات سيرة رسولنا الكريم ﷺ‬، ولم نستطع - برغم كل المحاولات - أن نستقصي كل جوانب العظمة، سواء في التشريع الإسلامي أو في التطبيق النبوي لهذا التشريع..  هذا كله بالنسبة لصفحة الرحمة في حياته ﷺ‬، فما بالكم إذا حاولنا أن نستقصي مواطن العظمة في كل التشريع الإسلامي، أو وجوه الإبداع في حياته!

إن هذا لأمرٌ تنوء بحمله الجبال!!

إنني في خاتمة هذا البحث أوجِّه أربعة نداءات بناءً على ما وصلنا إليه بعد هذه الجولة في تاريخنا القيم..

أما النداء الأول فهو لعموم المسلمين..

أيها المسلمون..

ما أعظم الدين الذي تحتكمون إليه، وما أرقى التشريع الذي تتعبدون الله به..  إن الدين الإسلامي شرعٌ مُحْكَمٌ، أنزله الذي يعلم السر وأخفى، وأَحْكَمَ بُنُودَهُ الذي يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير..

إنكم أيها المسلمون تحملون الرسالة الأخيرة من الله عز وجل إلى خلقه، وهي رسالة عظيمة كاملة شاملة، تَهدُف إلى صلاح الدنيا والآخرة..

إن الله عز وجل قد مَنَّ عليكم بنعمة لا حدود لها، وهي نعمة الإسلام.. فاشكروا لله نعمته؛ يزِدْكُمْ من فضله، وشكر نعمة الإسلام لا يكون باللسان فقط، وإنما يكون في الأساس بتطبيقه في كل جانب - مهما دقَّ وصغر - من جوانب الحياة، ثم يكون بعد ذلك بنقل هذه النعمة العظيمة واضحة جليَّة إلى شعوب الأرض في كل مكان وزمان..

إن مسئوليتكم كبيرة، وتَبِعَتَكُمْ ضخمة..

إنه قد أُوكِلَ إليكم عمل الأنبياء؛ فليس بعد رسول الله ﷺ‬ رسول، وليس بعد دين الإسلام دين.

أيها المسلمون..

لقد وصلت إليكم الأمانة الثقيلة سليمة صحيحة غير محرَّفة، حملها رجال مخلصون ونساء مخلصات، سواء في جيل الرسول ﷺ‬، أو في الأجيال التي لحقت، فلا يُؤْتَيَنَّ الإسلام من قِبَلِكُمْ..

أيها المسلمون العظماء..

اعتزوا بدينكم، وافتخروا باتباعكم لخير البشر وسيد المرسلين رسول الله ﷺ‬، ولا يَحْزُنْكم الذين يُسارعون في الكفر، إنهم لن يضروا الله شيئًا، ولا يَهُولَنَّكُمْ ما يُشَوِّهُونَ به تاريخ الرسول ﷺ‬، فإن هذا مكر البشر، ومهما تزايد وتفاقم فإنه محصور في كلمة "وَيَمْكُرُونَ"، وعلى الناحية الأخرى لابد أن تعرفوا ما يواجهه..  إنه قول ربكم: "وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ".

إن دين الإسلام باقٍ ما دامت على الأرض حياة، وشريعة الإسلام خالدة طالما هناك بشر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أما نداءي الثاني فأوجهه إلى غير المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الإسلامية:

هذا هو ديننا..

هل هناك ما يدعو إلى الخوف من تطبيق أحكامه؟!!

إن بنود التشريع الإسلامي والتطبيق الواقعي لها ليشهدان أن غير المسلمين ما وجدوا في العالم كله ما هو أرحم ولا أعظم ولا أعدل ولا أبرُّ من التشريع الإسلامي..  إن نصارى ويهود العالم لم ينعموا برحمة مثلما نعموا بها في ظل الحكم الإسلامي.

إننا لا نجد في تاريخنا - على اتساعه ورحابته - ما يشير إلى اضطهاد أو ظلم أو إجحاف لطوائف غير المسلمين في المجتمع المسلم..

إننا - إلى زماننا الحالي – ما زلنا نتوارث قواعد البر والرحمة في التعامل، والعدل في الحكم، والاحترام في العلاقات مع غير المسلمين أيًّا كانوا في مجتمعاتنا..

وإذا كنتم ترون ظلمًا حقيقيًا من حاكم من الحكام، أو قاضٍ من القضاة في مرحلة ما من مراحل التاريخ، أو في مشهد من مشاهد الواقع، فإن هذا - ولا شك - على سبيل الاستثناء، كما أنه – ولا شك كذلك - ظلم واقع على كل الأطراف، بما فيها الطرف المسلم!! إن الظالم لا يُفَرِّق في ظلمه بين مسلم وغير مسلم، والعادل كذلك لا يُفَرِّق في عدله بين مسلم وغير مسلم.. إن من أبرز علامات العدل عندنا أنه عَدْلٌ مُطْلَقٌ مع كل البشر، بل مع كل مخلوق، سواء من البشر أو من غير البشر!!.. إنه ليس في ديننا ظلم لهرة أو كلب أو ناقة.. وليس في ديننا كذلك ظلم لشجرة أو نخلة..  فكيف يكون فيه ظلم لبشر؟!!..

إن من أعظم الضمانات لغير المسلمين في المجتمع المسلم أننا - نحن المسلمين - نتعبد الله عز وجل برحمتهم والعدل معهم والإحسان إليهم..

إننا إذا أوقعنا بغير المسلمين قسوة أو ظلمًا أو ضررًا نكون بذلك مخالفين لشرع ربنا، مقترفين ذنبًا عظيمًا سنُحَاسَبُ عليه حسابًا دقيقًا يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم..

إن الرقابة علينا داخلية، والمحاسبة ذاتية.. إننا لا نحتاج لشرطي يُتَابع ولا للجنة تُحَقِّقُ..  إن حب رسولنا ﷺ‬ مزروع في قلوبنا، وهو قد عَلَّمنا - كما رأينا في هذا البحث - أن نرحم غير المسلمين، وأن نتلطف إليهم، وأن نبسط إليهم أيدينا وألسنتنا وعيوننا وقلوبنا بكل خير..

إننا لا نتكلف شيئًا من ذلك أبدًا..  إن هذه هي طبيعة ديننا، وطريقة حياتنا، ندعو كل الناس إلى التعرف عليها، والتوثق منها..

ثم نداءي الثالث أوجههُ إلى عموم الناس في الأرض، في زماننا وفي كل الأزمان:

اقرءوا شرع الإسلام، وتاريخ رسول الله ﷺ‬ والمسلمين من مصادره الصحيحة..

إننا قد ظُلِمْنَا كثيرًا في الماضي والحاضر، في التاريخ وفي الواقع..  إن تاريخنا كثيرًا ما كُتِبَ بأيدي أعدائنا، وكثيرًا ما وُصِفَتْ رموزُنا وأعلامُنا بأقلام الحاقدين علينا والحاسدين لنا..

إنه ليس من العدل والإنصاف أن يعرف الناس قصتنا بألسنة وأقلام من يكرهنا، وليس من العدل والإنصاف أن نُهْمِلَ ما كتبه أبناء الإسلام من العلماء المخلصين، ونعتمد على غيره من الأباطيل والافتراءات..

إن تاريخ الإسلام قد زُوِّرَ بعناية، وشُوِّهَ عن عَمْدٍ وقَصْدٍ..  لقد عمل الكثير من المستشرقين وأصحاب المصالح وغيرهم على محو ذاكرة الأمة، وعلى طمس معالم الحضارة في تاريخها..  لقد تعاونوا على الإثم والعدوان: فهذا يُزوِّر، وذاك يُشوِّه..  وهؤلاء يتجاهلون الصحيح، ويُقْبِلُونَ على الضعيف.. وأولئك يُبْرِزُون الأخطاء، ويتغافلون عن المزايا والفضائل..  لقد فعلوا ذلك بخُطَّةٍ مُنَظَّمَة، وبتدبير مُحكم؛ حتى خرج لنا التاريخ الإسلامي مسخًا مشوَّهًا، ليست له علاقة - مُطلقًا - بما كنا عليه في الحقيقة..

إنني أنادي وأناشد وأدعو كل باحث عن الحقيقة في العالم، وكل راغب في الوصول إلى خير الأرض وصلاحها، أن يَدْرُسَ الإسلام وتاريخه من مصادره الأصيلة، ومنابعه الصافية..

إن خيرًا كثيرًا سيضيع، وثروة هائلة ستُبَدَّد، لو أهمل الناس دراسة تاريخنا، وأوجه حضارتنا ومجدنا..

إن حلقة "الإسلام" ليست حلقة عابرة في سلسلة الإنسانية الطويلة، إننا حلقة مؤثرة أعمق الأثر، لقد حافظْنا على الخير الذي سَبَقَنَا، وطَوَّرْنَاهُ وجَمَّلْنَاهُ..

إن رسولنا ﷺ‬ قال في إيجاز معجز: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِمَ مَكَارَمَ الأَخْلَاقِ" .

فالإسلام أقرَّ الأخلاق الكريمة التي وُجِدَتْ قبله، وأضاف إليها وحسَّن وجمَّل وأتقن..  حتى جاءت الشريعة الإسلامية في أعلى درجات السمو الأخلاقي، وحتى صار الرسول الأكرم ﷺ‬ مثلاً أعلى في كل الأخلاق الحميدة، والسمات النبيلة..

أيها المنصفون في كل زمان ومكان..

اقرءوا الإسلام بنظرة حيادية، وسترون ما ستعجزون عن تقدير عظمته، وحصر فضائله..

واعرفوا رسول الله ﷺ‬؛ فإنه من الظلم الكبير لكم ولشعوبكم ألا تعرفوه..

أيها الناس..

يا من تعيشون في مشارق الأرض ومغاربها..

إنه ليس في مقدورنا ولا من وظيفتنا أن نجعلكم مسلمين..  إنما الذي نملكه وأُمِرْنَا به أن نصل برسالتنا إليكم بيضاء نقية، ثم نترك لكم الأمر في حرية تامة.. "قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ".

ونحن على يقين أن هناك يومًا سيحكم فيه ربنا بيننا بالحق، وسيعلم الجميع حينئذ، من الذي أصاب، ومن الذي أخطأ، ومن الذي أتبع الهدي، ومن كان في ضلال مبين.."إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ "

أما نداءي الرابع والأخير فهو إلى نبي الرحمة، ومتمم الأخلاق رسول الله محمد ﷺ‬!

عذرًا يا رسول الله!

عذرًا إن كنا نجهل الكثير الكثير عن حياتك وسيرتك, فالإحاطة بها أمر مستحيل, ولكن عزاءنا أننا نحاول، ونحاول، ونقرأ، ونبحث، ونجمع، ونحفظ، ونسأل الله العون والتأييد.

عذرًا يا رسول الله, إن كنا قد قصَّرنا في الكثير من سننك, فليس هذا أبدًا تقليلاً من شأنها, أو إهمالًا لقدرها، فإنا والله نعلم أن الخير كل الخير فيها, والرحمة كل الرحمة في باطنها, ونَعِدُك أن نأتي منها كما أمرتنا ما استطعنا, ونَعِدُك أن ندرب أنفسنا، وأزواجنا، وأولادنا، وإخواننا، وكل أهلنا، ومن وصلنا إليه من أتباعك وأحبابك على تطبيقها وأتباعها, والتحلِّى بها.

عذرًا يا رسول الله إن كانت تمر علينا أيام فلا نذكر طرفًا من سيرتك, ولا موقفًا من مواقفك, ولا حديثًا من أحاديثك, فإنَّا - ولا حول ولا قوة إلا بالله - قد شغلتنا أموالنا وأهلونا عن تذكر كلماتك العطرة، وتوجيهاتك الحكيمة, وليس هذا والله نفاقًا ولا جحودًا، ولكنَّه تقصير نرجو له تداركًا إن شاء الله، وخطأ نرجو له إصلاحًا إن شاء الله, فنحن - والله - نذوب حبًا فيك, بل نحب الثرى الذي مشيت عليه, والديار التي سكنت بها, والبلاد التي عشت فيها, ولا نصبر على فراقك والبعد عنك, وأملنا أن نلقاك على الحوض إن شاء الله.

عذرًا يا رسول الله إن جهل عليك بعض الجاهلين من أبناء أمتك فتطاولوا عليك باعتراض, أو تهجموا عليك بشبهة, فهذا الجهل منهم لا يُقلِّل إلا من شأنهم هم, ولا يحط إلا من قدرهم هم, وحِلْمُك-كما نعلم- أوسع من جهلهم, وعِلْمُك أشمل من علمهم, وما جرَّأهم عليك إلا سوء تربيتهم، وفساد مناهجهم, وجريهم وراء كل غربي, وفتنتهم بشركائهم من الجنِّ والإنس, وسوف يعلمون في يوم قريب مَنْ السعيد ومَنْ الشقي, ومَنْ الذي يُرَحَّب به ويُسقى من حوضك، ومَنْ الذي يُقال له: سُحْقًا سُحْقًا.

عذرًا يا رسول الله, إن كانت أمتك الآن ليست على الصورة التي تحب, وليست في المكانة التي تريد, فهذه تراكمات سنين, وأخطاء أجيال, ولكن عزاءنا أننا عدنا بفضل الله إلى جادة الطريق, فقامت الصحوة الإيمانية، وازدهرت الدعوة الإسلامية, وحرص الكثير من أبناء أمتك الآن على تدارك ما فاتهم, واللحاق بركب الصالحين، ولا نشك أن هذا طريق العزة لهذه الأمة, فنحن فيه إن شاء الله سائرون, صابرون, مجاهدون، وبشارتك لنا تُثبِّت أقدامنا، "لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ "..

نسأل الله أن نكون منهم.

نسأل الله عز وجل أن يشفِّعك فينا, وأن ييسِّر لنا أن نشرب من يدك يوم القيامة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا, وأن يجعلنا ممن يدخلون الجنة معك, ويُرفعون إلى صحبتك, فقد بشرتنا أن المَرْءَ يُحْشَرُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ، ونحن والله نحبك, ونحب أصحابك, وإن لم نعمل بأعمالكم.

نسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا, وأن يستر عيوبنا, وأن يكفر عنا سيئاتنا, وأن يرفع لنا درجاتنا, وأن يجعلنا مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وختامًا..

لا أشك في أن الكثير والكثير مما يجب أن يُضَمَّ إلى هذا البحث لم أُفْلِح في ضمِّه، إما لضيق الوقت، أو خوفًا من التَّكرار، أو سهوًا عن حادثة، أو جهلاً بأخرى..  وعذري أنني بشر، ومن طبيعة البشر النقصان..  وما أجمل ما قاله الشافعي  رحمه الله - وأحب أن أختم به بحثي - وذلك عندما راجع كتابه الرسالة  ثمانين مرة، ثم قال لتلميذه المزني  في النهاية: "هيه.. أبى الله أن يكون كتابٌ صحيحٌ غيرَ كتابه" .

وصل اللهم وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين..

أ.د. راغب السرجاني