الآثار الواردة عن السلف في اليهود في تفسير الطبري ()

يوسف الحوشان

رسالة للدكتور يوسف بن حمود الحوشان تتحدث عن - الآثار الواردة عن السلف في اليهود في تفسير الطبري - وقد حصل بها على درجة الدكتوراة في العقيدة والمذاهب المعاصرة من جامعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

|

 الآثار الواردة عن السلف في اليهود في تفسير الطبري

جمعاً ودراسة عقدية

رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة في العقيدة والمذاهب المعاصرة

إعداد

يوسف بن حمود الحوشان

قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة

بكلية أصول الدين بالرياض

1424هـ


بسم الله الرحمن الرحيم

الحـمد لله وحده لا شــريك لـه والصـلاة والسلام على المبعوث رحمـة للعالمين.

والحمد لله الذي هدانا صراطاً مستقيما،ً غير صراط المغضوب عليهم ولا الضالين، والحمد لله الذي أرسل لنا رسولاً منا يتلو علينا آيات الله ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، فأخذ عنه صحابته عقيدة صافية غير مشوبة، بيضاء نقية، وتلقاها تابعوهم من سلف هذه الأمة فنقلوا لنا ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم  وعن صحابته وبلغوها خلفاً عن سلف،

وقام من أئمة السلف من جمع هذه الآثار والأقوال السلفية النقية في مؤلفات عظيمة، بينوا لنا فيها أصول الدين وأحكامه منهم: الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله  في كتابه الحافل (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) الذي يعد عمدة التفاسير المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  والصحابة والتابعين.

وقد قام بعض الزملاء الباحثين في جمع مرويات السلف وأقوالهم في عدد من أبواب الاعتقاد كالربوبية والألوهية وأصول الإيمان واليوم الآخر وغيرها من الأبواب.

و هناك جانب مهم وعظيم في هذا الكتاب الحافل وهو جانب الأديان والفرق وما ورد عن السلف من آثار في اليهود وغيرهم، حيث جاءت آثار كثيرة في بيان حال هؤلاء، فاخترت أن أكتب في هذا الموضوع وهو :

(الآثار الواردة عن السلف في اليهود في تفسير الطبري)

( جمعاً ودراسة عقدية)

 خطة البحث:

التمهيد: وفيه:

ترجمة موجزة للإمام الطبري.

التعريف (بجامع البيان عن تأويل آي  القرآن) وقيمته العلمية

عرض مجمل لحديث القرآن عن اليهود

الروايات الإسرائيلية في التفسير

الباب الأول: (الآثار الواردة عن السلف في حقيقة اليهود  و أبرز صفاتهم)

وفيه فصلان:

الفصل الأول: الآثار الواردة في حقيقة اليهود.           وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: الآثار الواردة في تسميتهم.

المبحث الثاني: الآثار الواردة في منزلتهم ونعم الله عليهم

المبحث الثالث: الآثار الواردة في عقاب الله لهم.

الفصل الثاني:الآثار الواردة في أبرز صفات اليهود.   وفيه ستة مباحث:

المبحث الأول: الآثار الواردة في قسوة قلوبهم

المبحث الثاني: الآثار الواردة في اتباعهم الهوى

المبحث الثالث: الآثار الواردة في تزكيتهم أنفسهم

المبحث الرابع: الآثار الواردة في نقضهم العهود

المبحث الخامس: الآثار الواردة في كذبهم وافترائهم

المبحث السادس: الآثار الواردة في حسدهم

الباب الثاني: الآثار الواردة عن السلف في عقيدة اليهود في أصول الإيمان.

وفيه ستة فصول:

             الفصل الأول: الآثار الواردة في عقيدة اليهود في الإيمان بالله

الفصل الثاني:  الآثار الواردة في عقيدة اليهود في الإيمان بالملائكة

الفصل الثالث: الآثار الواردة في عقيدة اليهود في الإيمان بالكتب

الفصل الرابع: الآثار الواردة في عقيدة اليهود في الإيمان بالأنبياء

الفصل الخامس : الآثار الواردة في عقيدة اليهود في الإيمان باليوم الآخر

الباب الثالث :الآثار الواردة عن السلف في موقف اليهود من النصرانية والإسلام

وفيه فصلان:

  الفصل الأول: الآثار الواردة في موقف اليهود من النصرانية      وفيه ثلاثة مباحث:

                        المبحث الأول: الآثار الواردة في موقفهم من مريم-عليها السلام-

المبحث الثاني: الآثار الواردة في موقفهم من عيسى عليه السلام

المبحث الثالث: الآثار الواردة في موقفهم من النصارى

  الفصل الثاني موقف اليهود من المسلمين                  وفيه  ثلاثة مباحث:

             المبحث الأول: الآثار الواردة في موقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم

المبحث الثاني: الآثار الواردة في موقفهم من المسلمين

المبحث الثالث: علاقة اليهود  بالمنافقين

الخاتمة :وفيها أهم النتائج

المراجع والفهارس المتنوعة

 منهج البحث:

سلكت في هذا البحث المنهج التالي:

1- قمت بقراءة التفسير من أوله إلى آخره، قراءة متأنية واستخرجت منه جميع الآثار المروية عن السلف، مما لـه صلة باليهود من قريب أو بعيد، ثم قمت بقراءة هذه الآثار مرة أخرى واستبعدت كل ما ظهر لي عدم صلته بالموضوع، أو كانت صلته بالموضوع ضعيفة.

2- رتبت هذه الآثار المروية عن السلف في اليهود، حسب خطة البحث السابقة.

3- رتبت الآثار المتعلقة بالمبحث الواحد حسب ترتيبها في تفسير الطبري في الأعم الأغلب، ذاكراً أولاً الآية التي ورد في تفسيرها ذكر الأثر؛ وذلك ليهتدي القارئ إلى الأثر في تفسير الطبري مهما كانت طبعة الكتاب التي لديه. وقد أقدّم بعض الآثار على خلاف ترتيبها في التفسير لمعنى يقتضيه.

4- احتفظت بأرقام هذه الآثار حسب طبعة دار الفكر -بيروت 1405هـ- . وإذا لم يكن لـه رقم في التفسير وضعت له الرمز التالي: m

5- أوردت الآثار كاملة، إلا إذا كان الأثر طويلاً جداً، فأكتفي بموضع الشاهد منه.

6- ترجمت لقائلي الآثار ترجمة موجزة، دون غيرهم من رجال السند، لكونهم المعتمد على قولهم في البحث. وجعلت هذا في ملحق في نهاية البحث.

7- وثقت الأثر، خاصة من الكتب المسندة كتفسير ابن أبي حاتم, وعبد الرزاق، وإن لم أجده فيهما فإني أوثقه من السنن والمسانيد والمصنفات وغيرها، خاصة تفسير الدر المنثور للسيوطي، لاحتوائه عل غالب التفسير بالمأثور خاصة الكتب المفقودة منها، ثم من تفسيري القرطبي وابن كثير, ثم من فتح الباري وتاريخ دمشق, ناقلاً ما أقف عليه من أقوال العلماء في الحكم عليه. ولم أقم بدارسة الأسانيد والحكم عليها - رغم أهميته- لأن القيام بذلك يستغرق وقتاً طويلاً جداً عند المختصين، فكيف بغيرهم. لكني حرصت على ذكر ما وقفت عليه من حكم أهل العلم بالحديث على الأثر، وخاصة المتقدمين منهم كالحافظ ابن كثير وابن حجر، لأن النفس تطمئن إلى تصحيح المتقدمين، فإن لم أجد لهؤلاء حكماً استفدت من حكم المتأخرين كعلامة مصر الشيخ أحمد شاكر رحمه الله ،وعلامة الشام الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله ، ووجدت أن الدكتور حكمت بشير ياسين في موسوعته النافعة في التفسير المسماة (الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور) قد جمع ذلك كله فكان هو المرجع الرئيس في الآثار الصحيحة والحسنة، وكذلك استفدت مما وقفت عليه من أحكام بعض المحققين لكتب السنة، وكذا ما صنعه بعض طلبة العلم في المدينة النبوية من مذكرة سموها (إيضاح بعض أسانيد الطبري من أحكام الشيخ أحمد شاكر مع الزيادة عليها)، أو غيرهم من المحققين.

8- عملت دراسة لتلك الآثار، ركزت فيها على فهم السلف للآيات الواردة في اليهود مع إيراد الأحاديث النبوية الموضحة لها وكلام أئمة السلف من المفسرين خاصة الإمامين ابن جرير الطبري وابن كثير عليهما رحمة الله, ولم أطل فيما كانت دلالته على المسألة واضحة.

9- عزوت الآيات إلى سورها، وجعلت العزو في المتن لئلا أثقل الحاشية بكثرة الحواشي وخاصة أن الآيات كثيرة في البحث.

10- خرجت الأحاديث التي في الدراسة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بتخريجه منهما، وإن لم يكن كذلك فإني أخرجه من السنن والمسانيد والمصنفات.

11- ترجمت لأهم الأعلام الذين ورد ذكرهم في أبواب البحث. كما ترجمت لأصحاب الآثار في ملحق خاص في نهاية البحث ترجمة مختصرة.

11- عرفت بالفرق والأماكن التي ورد ذكرها في البحث.

12- شرحت المفردات الغريبة الواردة في البحث كلما دعت الحاجة إلى ذلك .

13- في تخريج الأحاديث، والآثار، وترجمة الأعلام، والتعريف بالفرق، وشرح الغريب من الألفاظ، أذكر ذلك في أول موضع يرد فقط، تجنباً للتكرار، ولا أشير إلى مكان ذلك، مكتفياً بعمل فهرس للأعلام في آخر البحث لمن أراد الوقوف على أماكن تكرار ورود العَلَم في البحث.

15- اعتمدت في استخراج الآثار طبعة دار الفكر 1405هـ  

16- وحرصاً على الاختصار في الحواشي، اقتصرت في التخريج على ذكر طرف من أسماء الكتب، ولم اتكثر بها لكثرة الآثار وحصول المقصودببعضها.

 وبعد فقد بذلت في هذا البحث قدر وسعي، ومبلغ طاقتي، ومع ذلك فإني لم أوف الموضوع حقه، ولا أدعي الإصابة فيما كتبت لقول الله I: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [سورة النساء 4/82] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ((كل بني آدم خطأ، وخير الخطائين التوابون.)) ([1])، فما كان في البحث من صواب فمن الله وحده وبتوفيقه وفضله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي، واستغفر الله منه، وجزى الله خيراً من رأى فيه اختلافاً فأرشدني إليه لأصلحه، أو رأى خطأً فدلني على تصويبه أو صوّبه.

وفي الختام فإني أحمد الله وأشكره على توفيقي وهدايتي لهذا الموضوع، وأن أتم الله علي فضله ومنته بإنجاز هذا البحث وإتمامه، وإني لأدعو الله لوالدي بالمغفرة على ما بذلاه من حسن تربية وأقول رب ارحمهما كما ربياني صغيراً.

ثم أشكر شيخي الفاضل الدكتور ناصر بن عبدالكريم العقل على رعايته للبحث من فكرته الى مناقشته  فأحسن الله اليه

وكذلك أشكر الاستاذ الدكتور احمد بن عطية الغامدي على قبوله للمناقشة وحسن إفادته

 ثم اشكرالمشرف على هذا البحث الأستاذ الدكتور:/ يوسف عبد الغني ، أحسن الله اليه

 كما أشكر -أيضاً- كل من أعانني في بحثي هذا من المشايخ والزملاء سواءً كان ذلك بفائدة علمية، أو إعارة كتاب، أو غير ذلك .وأخص منهم أخي في الله سعود بن عبد العزيز العقيل على مساعدته لي وفقه الله وذريته للخير

وأخيراً لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين وفي قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة منها، وذلك لمنحي هذه الفرصة لإعداد رسالتي هذه .

وأسأل الله I أن يجعل أعمالنا صالحة، ولوجهه الكريم خالصة، وأن لا يجعل لأحد فيها شيئاً، كما أسأله ﷻ‬ أن يوفقنا لما يرضيه، وأن يجنبنا سخطه ومعاصيه، وأن يعيذنا من فتنة القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.                                وكتبه: يوسف بن حمود الحوشان

 التمهيد: وفيه:

 ترجمة الطبري ([2])

 1- نسبــه:

هو محمد بن جرير بن يزيد والي جدة، اتفق المؤرخون في نسبه ثم اختلفوا فمنهم من قال: ( يزيد هذا هو ابن كثير بن غالب)، وعلى هذا الرأي جمهرة المحققين من المؤرخين ولم يتوقفوا في هذا بل قطعوا به.

ومنهم من قال إن يزيد هو ابن خالد ([3]).

على أن أبا جعفر نفسه رحمه الله  تعالى لم يكن يزيد في نسبه اسماً آخر على أبيه فقد صأل سائل عن نسبه فقال: محمد بن جرير قال السائل زدنا في النسب فأنشده بيت رؤبة([4]) بن العجاج:

قد رفع العجاج ذكرى فادعني

باسمي إذا الأنساب طالت يكفن

 2- الحالة السياسية والعلمية في عصره:

لقد عاش الطبري رحمه الله  تعالى في عهد العباسين بعد أن مضى من عصره الذهبي اثنان وثلاثون عاماً تقريباً، وفي هذه الفترة التي عاش فيها ابن جرير تولى الخلافة المعتصم بالله، وهو أبو إسحاق، محمد بن ابن الرشيد بن المهدي بن المنصور، ولد سنة تسع وسبعين ومائة وبينه وبين أخيه المأمون تسع سنين، وكان في عهد أخيه المأمون والياً على الشام ومصر، وكان المأمون يميل إليه بشجاعته فولاه عهده وترك ابنه، وفي اليوم الذي توفي فيه المأمون ببلاد الروم بويع بالخلافة في تسعة عشر رجب 19 – سنة 218 – ولم يزل خليفة إلى أن توفي بمدينة سامراء في 18 ثمانية عشر ربيع الأول سنة 227هـ، فكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام([5]).

ثم تولى بعده الخلافة الواثق: (227 – 232) ويعتبر عهد الواثق نهاية العصر الذهبي للدولة العباسية، ثم تولى بعدهم في عصر نفوذ الأتراك المتوكل (232 – 247) والمنتصر (247 – 248) والمستعين (248 – 252) والمعتز (252 – 255) والمهتدي (255 – 256) والمعتمد ( 256 – 279) والمقتصد (279 – 289) والمكتفي (289 –295) والمقتدر (295 – 320).

وقد عاش الطبري في عصر الدولة العباسية الذهبي، وفي عصر نفوذ الأتراك وانقسام البلاد الإسلامية إلى دويلات متفرقة، فيبدأ بعهد المتوكل إلى نهاية الدولة العباسية، وقد عاش الطبري في هذا العصر ولكن هذا الضعف السياسي لم يؤثر على الحركة العلمية، فلقد سارت الحياة العلمية سيراً حسناً، وكان أصحاب الإمارات يكرمون العلماء ويتنافسون في إكرامهم، مما دفع بعجلة العلم والبحث إلى التقدم في مسيرته الطيبة.

أما الحياة العلمية في عهد الطبري: فهي حياة حافلة بالتصنيف والرواية، ودونت أهم أقوال المذاهب الأربعة، ووصلت القراآت إلى حد بعيد من التأليف.

وكذلك النحو والصرف والعروض والأدب كلها قد سارت خُطىً مباركة، وقطعت شوطاً كبيراً.

وقد طوف الطبري رحمه الله  تعالى في طبرستان والعراق والشام ومصر، واستقى من ينابيع الثقافة في كثير من المدن، وقد تخرج في هذه المدن كثير من الفقهاء والمحدثين والمؤرخين واللغويين والنحاةوالأدباء.

 3- حياته العلمية ونبوغه:

لم يكد أبو جعفر رحمه الله  تعالى يبلغ السن الذي يؤهله للتعلم حتى عهد به والده إلى علماء (آمل)، وسرعان ما تفتح عقله وبدت عليه مخايل النبوغ وهو صغير، فقد قال: إني حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة. ([6])

وكان هذا النبوغ المبكر حافزاً لأبيه على الجد في إكمال تعليمه، وخاصة أنه رأى حلماً تفاءل من تأويله، قال الطبري رحمه الله  تعالى: رأى لي أبي في النوم أنني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعي مخلاة مملوءة بالأحجار وأنا أرمي بين يديه.

وقص رؤياه على المعبر فقال لـه: إن ابنك إن كبر نصح في دينه وذب عن شريعته. ولم يطل حبس هذه الرؤيا عن الابن إذ أخبره بها أبوه فزادت من رغبته ونشاطه، وكان لها من الأثر على الابن المقبل على العلم الشيء الكثير، فاجتمع لـه ركنا التحصيل والتعليم وهما الاستعداد الفطري، وتيسر العامل الكسبي مع توفيق الله وعونه طلبه للعلم.

وقد بدأ الطبري رحمه الله  تعالى دراسته وحياته العلمية في بلدة (آمل)، وحفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العلوم من علمائها الأجلاء.

 4- شيوخه وتلاميذه:

 أ- شيوخه:

لقد كان لتجوال الإمام الطبري في البلدان لطلب العلم أثر في كثرة شيوخه ومن أبرز أولئك الشيوخ:

1- هناد بن السري التميمي الكوفي([7]) الإمام الزاهد الحافظ توفي سنة 243هـ . لقيه ابن جرير بالكوفة وروى عنه الحديث.

2- أحمد بن منيع البغوي ([8]) البغدادي الإمام الحافظ الثقة، يعد من أقران الإمام أحمد، توفي سنة 244هـ ، وقد روى عنه ابن جرير ببغداد لما فاته الأخذ عن الإمام أحمد.

3- محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ([9]) الإمام الحافظ، المتوفى سنة 244هـ سمع منه الطبري بالبصرة.

4- محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ([10]) البصري، أحد الحفاظ الثقات الكبار، مات سنة 245هـ ، والتقى به ابن جرير بالبصرة، وسمع منه وأخرج لـه في التفسير كثيراً.

5- محمد بن العلاء الهمداني ([11]) أبو كريب الكوفي، المتوفى سنة 247هـ ، حافظ الكوفة المتقن، أكثر ابن جرير الرواية عنه، حتى قيل: إنه بلغ ما تلقاه عنه مائة ألف حديث ([12]).

6- محمد بن حميد الرازي ([13]) التميمي، المتوفى سنة 248هـ ، أحد الشيوخ الذين أكثر ابن جرير الرواية عنهم، فبلغ ما تلقاه عنه أكثر من مائة ألف حديث، وقد أخذ عنه التفسير والحديث في بلاد الري، وهو من أكثر الشيوخ الذين روى عنهم في تفسيره.

7- محمد بن بشار العبدي ([14]) البصري المعروف ببندار المتوفى سنة 252هـ ، من مشاهير رواة الحديث لقيه ابن جرير بالبصرة، وأكثر الرواية عنه.

8- سليمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلحي، ([15]) المتوفى سنة 252هـ ، أخذ عنه القراءات في الكوفة.

9- الربيع بن سليمان بن داود الأزدي، ([16]) المتوفى سنة 256هـ ، لقيه ابن جرير عند دخولـه إلى مصر، وأخذ عنه فقه الإمام الشافعي ومروياته.

10- إسماعيل بن يحيى المزني، ([17]) المتوفى سنة 264 هـ ، صاحب الإمام الشافعي، أخذ عنه ابن جرير الفقه حين لقائه به في القاهرة.

11- أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني، ([18]) الكوفي المعروف بثعلب، المتوفى سنة 291هـ ، إمام نحاة الكوفة أخذ عنه ابن جرير النحو والعربية وآدابها عندما ارتحل ابن جرير إلى الكوفة.

هؤلاء من أشهر شيوخ ابن جرير، الذين أخذ عنهم فنوناً من العلم، مما كان لـه الأثر الواضح والكبير فيما تركه من آثار ومؤلفات.

  
 ب- تلاميذه:

تتلمذ على يد الإمام الطبري كثيرون، وروى عنه جمع غفير، ولعلّ سعة اطلاعه، وطول حياته، من أسباب كثرة تلامذته فمن أشهر تلامذته:

1- القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف، ([19]) قاضي الكوفة ألّف كتاباً في ترجمة شيخه ابن جرير، نقل منه ياقوت الحموي كثيراً في معجم الأدباء عند ترجمته لابن جرير.

2- عبد العزيز بن محمد الطبري، ولـه كتاب في تاريخ أستاذه، نقل ياقوت كثيراً منه.

3- أبو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الطبري، مؤلف كتاب في التاريخ، موصول بكتاب الطبري، ضمنه من أخبار أبي جعفر وأصحابه شيئاً كثيراً، ولـه كتاب الرسالة، وكتاب جامع الفقه ([20]).

4- أبو الحسن أحمد بن يحيى بن علم الدين، وهو صاحب كتاب المدخل إلى مذهب الطبري ونصرة مذهبه، وكتاب الإجماع في الفقه، على مذهب أبي جعفر.

5- أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي، ([21]) الإمام المقرئ المحدث النحوي، المتوفى سنة 324 هـ ، أخذ عن ابن جرير القراءات.

6- الإمام الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ([22]) المتوفى سنة 360هـ ، صاحب المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير.

7- أبو أحمد عبد الله بن عدي، ([23]) المتوفى سنة 365هـ ، والمشتهر بكتابه الجامع (الكامل في ضعفاء الرجال).

8- أبو الفرج المعافي بن زكريا النهرواني، ([24]) المتوفى سنة 390هـ ، من أشهر علماء وقته يعرف بابن طرّار، وهو من أبرز تلاميذ ابن جرير، والمتأثرين به، شرح بعض كتب ابن جرير كـ (الخفيف في أحكام شرائع الإسلام) وغيره وقد لازم ابن جرير وهو صغير، وسمع منه وأخذ عنه الفقه والتفسير .

9- علي بن عبد العزيز بن محمد الدولابي، مؤلف كتاب القراءات، وكتاب أصول الكلام، وكتاب الأصول الأكبر، وكتاب الأصول الأوسط وكتاب إثبات الرسالة.

10- أبو مسلم الكجي. ([25])

 5- مكانته العملية وثناء العلماء عليه:

قال مسلمة بن قاسم : «كان حصوراً لا يعرف النساء ، ورحل من بلده في طلب العلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ؛ سنة ست وثلاثين ، فلم يزل طالبا للعلم مولعا به ، إلى أن مات».

قال أبو معبد عثمان بن أحمد الدينوري : « حضرت مجلس محمد بن جرير وحضر الفضل بن جعفر بن الفرات بن الوزير ، وقد سبقه رجل،فقال الطبري للرجل: ألا تقرأ ؟! فأشار إلي الوزير. فقال له الطبري : إذا كانت النوبة لك ، فلا تكترث بدجلة ولا الفرات» . قال العسقلاني في اللسان معلقا : « قلت : وهذه من لطائفه وبلاغته وعدم التفاته لأبناء الدنيا».

قال الخطيب البغدادي في تاريخه : « وكان أحد أئمة العلماء ، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه ؛ لمعرفته وفضله ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني ، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، ولـه الكتاب المشهور في « تاريخ الأمم والملوك » ، وكتاب في «التفسير» ،لم يصنف أحد مثله ، وكتاب سماه « تهذيب الآثار » ، لم أر سواه في معناه ! إلا انه لم يتمه، ولـه في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختيار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه.

وقال أيضاً: «سمعت على بن عبيد الله بن عبد الغفار اللغوي، المعروف بالسمسماني يحكى أن : محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة.»

وقال أيضاً : «بلغني عن أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه الإسفرائيني أنه قال : لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل لـه كتاب « تفسير » (محمد بن جرير) ، لم يكن ذلك كثيراً، - أو كلاماً هذا معناه -» .

وقال أيضاً: « أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد، قال : ثنا علي بن أحمد ابن الصناع، وعبيد الله بن أحمد السمسار، وأبي : أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟! قالوا كم يكون قدره ؟ فقال : ثلاثون ألف ورقة . فقالوا : هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه . فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. » ([26])

وقال أبو بكر محمد بن إسحاق يعني بن خزيمة : «قد نظرت في (التفسير) من أولـه إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض اعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة».

قال الحسين بن علي التميمي- حسينك : «لما رجعت من بغداد إلى نيسابور سألني محمد بن إسحاق بن خزيمة فقال لي : ممن سمعت ببغداد؟ فذكرت له جماعة ممن سمعت منهم. فقال : هل سمعت من محمد بن جرير شيئاً؟ فقلت له : لا ، إنه ببغداد لا يُدْخَلُ عليه؛ لأجل الحنابلة، -وكانت تمنع منه - فقال: لو سمعت منه لكان خيراً لك من جميع من سمعت منه سواه» . ([27])

وقال أبو علي الطوماري : «كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح ، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره ، واجتاز على مسجده فلم يدخله ، وأنا معه ، وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش ، فوقف بباب مسجد ( محمد بن جرير ) ، ومحمد يقرأ (سورة الرحمن ) ، فاستمع قراءته طويلاً ثم انصرف . فقلت له : يا أستاذ ! تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا؟ فقال : يا أبا علي ! دع هذا عنك ، ما ظننت أن الله تعالى خلق بشراً يحسن يقرأ هذه القراءة . أو كما قال» . ([28])

وقال أبو العباس البكري - من ولد أبي بكر الصديق - : «جمعت الرحلة بين محمد بن جرير ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، ومحمد بن نصر المروزي ، ومحمد ابن هارون الروياني ، بمصر ، فأرملوا ، ولم يبق عندهم ما يقوتهم ، وأضر بهم الجوع فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه ، فاتفق رأيهم على أن يستهموا ، ويضربوا القرعة، فمــن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام ، فخرجت القرعة على ( محمد بن إسحاق بن خزيمة ) ، فقال لأصحابه : أمهلوني حتى أتوضأ وأصلي صلاة الخيرة. قال:فاندفع في الصلاة ، فإذا هم بالشموع ، وخَصِيٌّ من قبل والي مصر ، يدق الباب ، ففتحوا الباب ، فنزل عن دابته فقال :- أيكم محمد بن نصر ؟ فقيل هو هذا . فأخرج صرة فيها خمسون دينارا ، فدفعها اليه ، ثم قال : أيكم محمد بن جرير ؟ فقالوا هو ذا . فأخرج صرة فيها خمسون دينارا ، فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن هارون ؟ فقالوا هو ذا . فأخرج صرة فيها خمسون دينارا ، فدفعها إليه ، ثم قال : أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة ؟ فقال هو ذا يصلي . فلما فرغ ، دفع إليه الصرة ، وفيها خمسون دينارا ، ثم قال : إن الأمير كان قائلاً بالأمس ، فرأى في المنام خيالاً قال : إن المحامد طووا كشحهم جياعاً ؛ فانفذ إليكم هذه الصرار ، وأقسم عليكم، إذا نفدت فابعثوا إليَّ أمدكم» .

وقال محمد بن علي بن محمد بن سهل بن الإمام: «سمعت أبا جعفر الطبري وجرى ذكر علي _ فقال أبو جعفر : من قال : أن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى أيش هو؟ فقال له ابن الأعلم: مبتدع. فقال لـه الطبري منكراً عليه: مبتدع؟! مبتدع؟! هذا يُقتل! من قال أن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى يُقتل، يُقتل» . ([29])

وقال الذهبي في السير: «الإمام، العلم، المجتهد، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة. أكثر الترحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علماً، وذكاء، وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله، وكان من أئمة الاجتهاد».

وقال فيه أيضا : «كان ثقة ، صادقاً ، حافظاً ، رأساً في التفسير ، إماماً في الفقه ، والإجماع ، والاختلاف ، علامة في التاريخ ، وأيام الناس ، عارفاً بالقراءات ، وباللغة وغير ذلك» . ([30])

قال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان) : «وإنما نبز بالتشيع ، لأنه صحح حديث ( غدير خم ) ، وقد اغتر شيخ شيوخنا أبو حيان بكلام السليماني فقال في الكلام على الصراط في أوايل تفسيره : وقال أبو جعفر الطبري وهو إمام من أئمة الأمامية : الصراط بالفساد ، لغة قريش إلى آخر المسألة.

ونبهت عليه لئلا يغتر به؛ فقد ترجمه أئمة النقل في عصره وبعده فلم يصفوه بذلك؛ وإنما ضره الاشتراك في اسمه ، واسم أبيه ، ونسبه ، وكنيته ، ومعاصرته ، وكثرة تصانيفه ، والعلم عند الله تعالى ، قاله الخطيب» . ([31])

ثم قال «أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ؛ فقال : كان يضع للروافض . كذا قال السليماني قال الذهبي:وهذا رجم بالظن الكاذب ؛ بل ( ابن جرير ) من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندعي عصمته من الخطأ ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى ؛ فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ، لا ينبغي أن يتأتى فيه ؛ ولا سيما في مثل إمام كبير» ([32]).

 6- عقيدته ومذهبه الفقهي :

إن الطبري من كبار أئمة أهل السنة والجماعة . ألف عدة كتب في بيان العقيدة الصحيحة والذب عنها: منها كتاب " صريح السنة " ، و" التبصير في معالم الدين " . ومن قرأ ما كتبه في مباحث العقيدة، عرف قدره ومنزلته. وتفسيره الذي بين أيدينا يعتبر من أجل التفاسير لأهل السنة والجماعة .

ومجمل عقيدة الإمام الطبري - رحمه الله  - نجده فيما كتبه في " صريح السنة وأما مذهبه الفقهي ، فكان على المذهب الشافعي في بداية أمره، ثم تبحر في المذاهب الفقهية الأخرى حتى صار إماماً في الفقه المقارن، إلى أن بلغ مرتبة المجتهد المطلق([33]). فصار له مذهب مستقل ، يعرف بـ " الجريري " ([34])، وتبعه أناس ،كما قال ابن الأثيرفي ترجمة أبو الفرج المعافى بن زكريا المعروف بابن طراز الجريري بفتح الجيم منسوب إلى محمد بن جرير الطبري لأنه كان يتفقه على مذهبه. ([35])

 7- مؤلفاته :

أثنى الإمام الذهبي على الطبري ، فوصفه بقولـه : " وكان من أفراد الدهر علما ، وذكاء ، وكثرة تصانيف . قل أن ترى العيون مثله " ([36]). ومن نظر في مؤلفات الطبري ، ليعجب من كثرتها ، وتنوعها ، ونفاستها .

وفيما يلي بعض مؤلفاته([37]) :

1- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، المعروف بتفسير الطبري ([38]). سيأتي الحديث عنه بالتفصيل في المبحث التالي.

2- تاريخ الأمم والملوك أو تاريخ الرسل والأنبياء والملوك والخلفاء ، المعروف بتاريخ الطبري ([39]).

3- كتاب ذيل المذيَّل ([40]).

4- اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام ، المعروف باختلاف الفقهاء([41]).

5- لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام.

6- الخفيف في أحكام شرائع الإسلام ، وهو مختصر للكتاب السابق.

7- بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام.

8- تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار ([42]). توفي الطبري قبل      تمامه.

9- آداب القضاة.

10- أدب النفوس الجيدة والأخلاق النفيسة أو أدب النفس الشريفة والأخلاق           الحميدة. توفي الطبري قبل أن يتمّه.

11- كتاب المسند المجرّد. ولم يتمّه.

12- الرد على ذي الأسفار.

13- كتاب القراءات وتنزيل القرآن ([43]).

14- صريح السنة أو شرح السنة ([44]).

15- التبصير في معالم الدين أو تبصير أولى النهى ومعالم الهدى ، وقد سمّي بـ " البصير في معالم الدين " ([45]) .

16- فضائل علي بن أبي طالب .

17- فضائل أبي بكر وعمر . ولم يتمّه الطبري .

18- فضائل العباس . ولم يتمّه أيضا .

19- مختصر مناسك الحج .

20- مختصر الفرائض .

21- العدد والتنزيل .

وقد فصل القول في وصف مخطوطات ومطبوعات كتب الإمام الطبري الشيخ ( علي بن عبد العزيز الشبل ) -حفظه الله تعالى في الترجمة التي جمعها للطبري في ( 132صفحة ) والتي سماها « إمام المفسرين والمحدثين والمؤرخين الطبري » والصادرة عن ( دار الوطن ) في ( الرياض ) ( سنة 1417 هـ ) وفي تقديمه لكتاب الطبري « التبصير في معالم الدين » ..

 8-وفاته :

توفي الإمام الطبري في بغداد سنة 310 هـ ([46])، وعمره ست وثمانون سنة . بذل أكثر عمره لخدمة الدين والعلم ، فجزاه الله عنا وعن سائر المسلمين خير ما يجزي به عباده المؤمنين الصالحين ، ورحمه رحمة واسعة ، وأدخله فسيح جناته .

ورثاه كثير من معاصريه منهم أبو سعيد([47])بن الأعرابي بقوله:

دق عن مثله اصطبار الصبور

حدث مفظع وخطب جليل

قام ناعي محمد بن جرير

قام ناعي العلوم أجمع لما

مؤذنات رسومها بالدثور

فهوت أنجم لها زاهواتي

ثم عادت سهولها كالوعور

وغدا روضها الأنيق هشيماً

غير وان في الجد والتشمير

يا أبا جعفر مضيت حميداً

موفور وسعي إلى التقى مشكور

بين أجو على اجتهاد موفر

جنة عدن في غبطة وسرور

مستحقاً به الخلود لدى

ورثاه ابن دريد ([48]) بقصيدة منها:

فاستنجد الصبر أو فاستشعر الحوبا

لن تستطيع لأمر الله تعقيباً

قضى المهيمن مكروهاً ومحبوبا

وافزع إلى كنف التسليم وارض بما

أعظم بذا صاحبا إذاك مصحوبا

أودى أبو جعفر والعلم فاصطحبا

بل أتلفت علماً للدين منصوبا

إن المنية لم تتلف به رجلاً

تنبيه مهم : هناك من اسمه أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري الرافضي .له عدة كتب ، منها كتاب الرواة عن أهل البيت ، رماه بالرفض عبد العزيز الكتاني . وقال هو من هو من الروافض صنف كتبا كثيرة في ضلالتهم لـه كتاب الرواة عن أهل البيت وكتاب المسترشد في الإمامة. ([49])

 التعريف «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»وقيمته العلمية:

قدم الطبري لتفسيره بمقدمة تعتبر منهجا لمن أراد تفسير الكتاب العزيز فيقول معرفاً بمنهجه: نحن في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه، منشئون - إن شاء اللّه ذلك - كتاباً، مستوعباً لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه جامعاً، ومن سائر الكتب غيره في ذلك كافياً، ومخبرون في كل ذلك، بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه الأمة، واختلافها فيما اختلفت فيه منه، ومبينو علل كل مذهب من مذاهبهم، وموضحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه([50]).

قال الحلبي في مقدمة التفسيروهو تفسير ذو منهج خاص: يذكر الآية أو الآيات من القرآن، ثم يُعْقِبها بذكر أشهر الأقوال التي أُثرت عن الصحابة والتابعين من سلف الأمة في تفسيرها. ثم يورد بعد ذلك روايات أخرى متفاوتة الدرجة في الثقة والقوّة، في الآية كلها، أو بعض أجزائها، بناء على خلاف في القراءة أو اختلاف في التأويل. ثم يعقّب على كل ذلك بالترجيح بين الروايات، واختيار أَولاها بالتقدمة، وأحقها بالإيثار. ثم ينتقل إلى آية أخرى، فينهج نفس النّهْج: عارضاً، ثم ناقداً، ثم مرجّحاً.

وهو إذ ينقد أو يرجّح، يردّ النقد أو الترجيح الى مقاييس تاريخه، من حال رجال السنّد في القوة والضعف، أو إلى مقاييس علمية وفنية: من الاحتكام إلى اللغة التي نـزل بها الكتاب، نصوصها وأقول شعرائها، ومن نقد القراءة وتوثيقها أو تضعيفها، ومن رجوع إلى ما تقرّر بين العلماء من أصول العقائد أو أصول الأحكام، أو غيرهما من ضروب المعارف التي أحاط بها ابن جرير، وجمع مادة لم تجتمع لكثير غيره من كبار علماء عصره.

وقد نقل ابن جرير روايات عن أشهر مفسري الصحابة والتابعين، كابن عبَّاس رضي الله عنهما  من خمسة طرق، وعن سعيد بن جبير من طريقين، وعن مجاهد من ثلاثة طرق أو أكثر في بعض المواضع، وعن قتادة بن دعامة من ثلاثة طرق، وعن الحسن البصري من ثلاثة طرق، وعن عِكرمة من ثلاثة طرق، وعن الضحاك بن مزاحم من طريقين، وعن عبد اللّه بن مسعود _ من طريق واحد. وذكر من التفاسير تفسير عبد الرحمن بن زيد بن مسلم، وتفسير ابن جُريجج، وتفسير مقاتل بن حيان، ولم يتعرّض لتفسير غير موثوق به، فانه لم يدخل في كتابه شيئا من كتاب محمد بن السائب الكلبي، ولا مقاتل بن سليمان، ولا محمد بن عمر الواقدي، لأنهم عنده أظِنَّاء.

وقد ذاعت شهرة تفسير ابن جرير في الآفاق الإسلامية، وأصبح مضرب المثل في غزارة المادة، واستقامة المنهج:

قال السيوطي في الإتقان بعد أن ساق أسماء جماعة من المفسرين بالمأثور قبل الطبري: (وبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجلّ التفاسير وأعظمها).

ثم قال: فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يعول عليه ؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف مثله. قال النووي في تهذيبه: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله.([51])

 ثم اختلف بعد ذلك مناهج المفسرين، ولم يتقيدوا بالمنقول عن الصحابة والتابعين، وتميز كل تفسير منها بطابَع خاصّ غلب على صاحبه، فمنها ما عُنِىَ ببيان العقائد، ومنها ما اختصّ بالأحكام الفقهية، ومنها ما بالغ في شرح قصص القرآن، ومنها ما التزم بيان الخصائص الأسلوبية والبلاغية المرتبطة بالإعجاز، ومنها ما جمع أطرافا من كل ذلك، ومن اللغة والنحو والإعراب ...الخ.

ولا يزال الناس حتى يومنا هذا يرومون تفسير الكتاب العزيز، ولا يكاد يخلو تفسير مما ألف في النصف الأوّل من القرن العشرين من معنى جديد، أو مذهب مستطرف.

 عرض مجمل لحديث القرآن عن اليهود:

ختم الله ـ تبارك وتعالى ـ كتبه إلى العباد بكتابه المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكان فيه الوعظ والقصة والتوجيه والترغيب والترهيب وحكاية الأمم السابقة وبداية لخلق ونهايته وخبر الآخرة، فما فرط الرحمن في القرآن من شيء.

 قال تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ  = 38 } [سورة الأنعام 6/38]

وكان للأديان السابقة والأنبياء وأتباعهم نصيب من الكتاب العزيز.

والملاحظ أن بني إسرائيل كان لهم نصيب كبير نسبة إلى غيرهم بل يصعب أن تمر بجزء ليس فيه ذكرهم، ومن الإحصاآت في هذا الشأن أنهم ذكروا في نحو خمسمائة موضع، فكان خُمس القرآن حديثاً عنهم فيما يقرب من ستة أجزاء، وكان حديث القرآن عن اليهود؛ مذكراً لهم بنعم الله ،عليهم من بداية دخولهم لمصر، في تفضيل ليوسف وإخوته أبناء إسرائيل نبي الله يعقوب عليهم السلام ، إلى تصوير لحالهم مع فرعون وقومه وما حصل لهم فيه من اضطهاد وقتل، ثم منة لله عليهم بإرسال موسى ودفاعه عنهم وتعليمهم الدين الحق وتفضيل الله لهم على عالمي زمانهم.

ثم خرج موسى ومعه هارون عليهما السلام  ببني إسرائيل من مصر هرباً من بطش فرعون، وفصل القرآن ذلك في عدة سور من سور القرآن، انتهت بنجاتهم وإغراق فرعون ومن معه.

ثم بين الله عنادهم، وما حصل منهم في سيناء، ولقاء موسى بربه، وعبادتهم للعجل، ثم حكم الله عليهم بالتيه، ثم ذهابهم إلى الأرض المقدسة، وقص الله علينا في القرآن أخبار بعد أنبيائهم، وسيرهم مع أقوامهم، وما حصل من قتل وتكذيب، وأبان القرآن ونوّع في موقفهم من آخر أنبيائهم وهو عيسى بن مريم عليه السلام ،وقولهم فيه وأمه واتهامهم بالعظائم.

وقص علينا بعض أخبار آحادهم، وما فيها من العبر؛ كأصحاب الجنة وأهل القرية، وما في قصة هاروت وماروت، وغيرها مما هو داخل في الحديث عنهم.

وفي أثناء ذلك كان حديث القرآن منبهاً على صفاتهم التي ميزتهم: من قسوة القلب، والكذب، والحسد وأكل الربا، ونقض العهد وتحريف الكتاب، وقتل الرسل.

وكان الحديث عن موقفهم من بعثة سيد الخلق قبل الهجرة، وتعاونهم مع الكفار، أو بعد الهجرة وولادة النفاق بين أظهرهم وفي أحضانهم، وموالاتهم للكافرين، ونقضهم للعهود، والصد عن الدعوة الجديدة، وتشويه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل ومحاولة قتله.

وتحدث عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم  لهم، والقتال معهم، وأحكامه التي انتهت بقتل كثير منهم وإجلاء بقيتهم.

وكان خبر أصدق القائلين منصفاً لمن آمن منهم، مثنياً عليهم ومحذراً في الوقت نفسه من موالاتهم والالتقاء معهم.

وجاء الحديث عن اليهود في السور المكية التالية: الأعراف، يونس، الإسراء، طه، الشعراء، القصص، غافر، الدخان.

وأطال عنهم في السور المدنية التالية: البقرة، وآل عمران، والمائدة، والمجادلة، والحشر، والصف، والجمعة.


 الروايات الإسرائيلية في التفسير:

لا تخلو كتب التفاسير غالباً من آثار مصدرها أهل الكتاب، وخاصة الرواية في عهد متأخري التابعين، وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله - الضابط فيما يروى عنهم فقال: بعد أن ذكر أن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد-: فإنها على ثلاثة أقسام:

1- أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذلك صحيح.

2- والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.

3- والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيراً، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك.

كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أعلمُ بعدَّتِهِم ما يعلَمُهُم إلاَّ قَليلٌ فلا تُمارِ فيهِم إلاَّ مِراءً ظاهراً ولا تستفت فيهم منهم أحداً} [سورة الكهف 18/22]

فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته: إذ لو كان باطلاً لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: {قُل ربّي أعلمُ بعِدَّتِهِم} فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: {فلا تُمارِ فيهِم إلاَّ مِراءً ظَاهرِاً} أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب.

فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النـزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافاً في مسألة، ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضاً، فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب، أو جاهلاً فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالاً متعددة لفظاً ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معاً فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب([52]).

ويعلل العلامة السعدي –رحمه الله - بقاء الروايات الإسرائيلية بقوله:

وهذه التفاسير التي توجد وتشتهر بها أقوال لا يعرف غيرها تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل مجردة، ويغفل الناقل عن مناقضتها للمعاني الصحيحة تطبيقها على الأقوال ثم لا تزال تتناقل وينقلها المتأخر مسلماً للمتقدم حتى يظن أنها الحق فيقع من الأقوال الردية في التفاسير ما يقع.([53])

 موقف الطبري من الإسرائيليات :

معلوم عناية الإمام الطبري - رحمه الله  - بأمر الإسناد وهي عناية فائقة ، وقد التزم بذكر الأسانيد في جميع الأقوال التي أوردها في تفسيره . والذي يتأمل في هذا التفسير العظيم يجد هذا الإمام الجليل قد ذكر نحو أكثر من ثمانية وثلاثين ألف رواية مسندة في تفسيره ؛ ما بين حديث وأثر([54]).

وقد علل العلامة محمود شاكر سبب ذكر الطبري للإسرائيليات ، وهو أنه ما قصد بذكرها إلا تحقيق معنى لفظ ، أو بيان سياق عبارة ، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنـزيل الكريم ، بل يسوقها للغرض السابق . وأن استدلاله بها كان يقوم مقام الاستدلال بالشعر القديم ([55]).

أورد الإمام الطبري بعض الإسرائيليات عن عدد الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت ، وذلك عند قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [سورة البقرة 2/243] وقصد الطبري بإيرادها بيان معنى ( ألوف ) ، هل هي بمعنى جماع ( ألف ) ، أو بمعنى ( مؤتلفون ) .([56])

وعلى ما سبق بيانه فإن استدلال الطبري بالإسرائيليات لبيان معنى لفظ أو عبارة يعتبر من أحد الأسباب التي حملته على ذكر بعض الإسرائيليات في تفسيره. ولكن هذا ليس في كل ما أورده من الإسرائيليات ، لأن الكثير منها لا صلة لها بالاستدلال اللغوي. والأمثلة على هذا كثيرة جداً، يصعب حصرها. وعلى سبيل المثال ، ما ذكره الطبري من الإسرائيليات في بيان المراد بالذين سلّطوا على بني إسرائيل ([57]).

والطبري رحمه الله  يبين -أحياناً- نقده لبعض الأسانيد من ذلك:

قوله: حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وعن مرة عن ابن مسعود _، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  .... : ثم قال: ( فإن كان ذلك صحيحاً - ولست أعلمه صحيحاً إذ كنت بإسناده مرتاباً ...) ([58]).ونقده هذا الإسناد المتكرر في تفسيره يكفينا مؤنة الحكم عليه.

وأحياناً تكون صيغة الأداء من الصيغ التعارف على ضعفها عند أهل الصناعة الحديثية, كحدثت عن فلان وروي عن فلان، وهذا كثير في تفسيره رحمه الله  وأما نقده للمتن فواضح، وفيه نفس العالم الرباني الذي جعل مقياسة الوحيين.

كتنبيهه كثيراً على على عدم الفائدة من الخوض في تفاصيل الأمور التي لم يبينها القرآن الكريم ولا الأحاديث الصحيحة ، وكثير من هذه التفاصيل من الإسرائيليات. مثاله: قولـه تعالى : {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [سورة البقرة 2/35] ، فقد ذكر الطبري الروايات الواردة في تعيين نوع الشجرة ، وبين أنه إذا علم لم ينفع العالمَ به علمُه ، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به ([59]). وكذلك عند قولـه تعالى : {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  = 73 } ([60])، فقد عقّب الطبري على الإسرائيليات الواردة في تعيين " البعض" من البقرة ، بقوله : "ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل ، ولا ينفع العلم به." ([61])

بقي أن يقال أن الإمام الطبري ذكر الأسانيد وخرج من عهدتها، كما ذكر شيئاً من ذلك في تاريخه فقال: (فما يكن في كتابي هذا من خبرٍ ذكرناه عن بعض الماضين ممّا يستنكره قارئه، أو يَسْتَشْنِعُهُ سامعه، من أجل أنّه لم يعرفْ لـه وجهاً في الصِّحّة، ولا معنىً في الحقيقة، فلْيُعْلَم أنّه لم يُؤْتَ في ذلك مِن قِبَلنا، وإنّما أُتِيَ مِن قِبَل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنّما أدّينا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا)([62]).

قال الأستاذ محمد حسين الذهبي: "ثم إن ابن جرير وإن التزم في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها ، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف ، لأنه كان يرى - كما هو مقرّر في أصول الحديث - أن من أسند لك فقد حملك البحث عن رجال السند ومعرفة مبلغهم من العدالة أو الجرح ، فهو بعمله هذا قد خرج من العهدة ..." ([63])

قال ابن حجر في - ترجمة الطّبرانيّ - : "أكثر المحدِّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمّ جرّا، إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنّهم برئوا من عهدته" ([64])


 الباب الأول: الآثار الواردة عن السلف في حقيقة اليهود و أبرز صفاتهم

وفيه فصلان:

الفصل الأول: الآثار الواردة في حقيقة اليهود

الفصل الثاني: الآثار الواردة في أبرز صفات اليهود


 الفصل الأول: الآثار الواردة في حقيقة اليهود

 المبحث الأول: الآثار الواردة في تسميتهم.

 أولا: الآثــــار:

 المطلب الأول: تسميتهم بني إسرائيل

قولـه تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  = 40 } [سورة البقرة 2/40]

  1-666- حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن إسرائيل كقولك عبد الله.‏ ([65])

  2-667- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث قال: إيل: الله بالعبرانية. ([66])

  3-668- حدثنا به ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  = 40 } قال: يا أهل الكتاب للأحبار من يهود. ([67])

 المطلب الثاني: تسميتهم باليهود:

قوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ. } [سورة الأعراف 7/156]

  4-914 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج عن ابن جريج قال: إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} (‏[68])

  5-11802 - قال: ثنا أبي عن شريك عن جابر عن عبد الله بن يحيى عن علي قال: إنما سميت اليهود لأنهم قالوا {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} ([69])

  6-حدثني المثني قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس رضي الله عنهما : {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} يعني: تبنا إليك. ([70])

  7-حدثنا ابن البرقي قال: ثنا عمرو قال: سمعت رجلا يسأل سعيدا: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} قال: إنا تبنا إليك. ([71])

 المطلب الثالث: تسميتهم أهل الكتاب:

قولـه: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  = 40 } [سورة البقرة 2/40]

  8-668 - حدثنا به ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  = 40 } قال: يا أهل الكتاب للأحبار من يهود. ([72])

  9-1481 - حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: حدثني ابن إسحاق. وحدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا ًإذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم ، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنـزل الله فيهما: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  = 109 } [سورة البقرة 2/109] الآية. ([73])

10-5678 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم  دعا يهود أهل المدينة إلى ذلك فأبوا عليه فجاهدهم، قال: دعاهم إلى قول الله عز وجل : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [سورة آل عمران 3/64] .. الآية. ([74])

11-5689 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم  دعا يهود أهل المدينة إلى كلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم وزعموا أنه مات يهودياً. فأكذبهم الله عز وجل  ونفاهم منه فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْـزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ  = 65 }[سورة آل عمران 3/65] ([75])

12-6044- حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال: ثني محمد بن محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ومنحوا فيه قالت: أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره فأنـزل الله عز وجل  في ذلك من قولهم: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} [سورة آل عمران 3/113] إلى قوله: {وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ  = 114 } ([76])

13-6633 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن أبي الجحاف عن مسلم البطين قال: سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  = 187 } [سورة آل عمران 3/187] فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله فقال: وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب يهود "ليبيننه للناس" محمد  صلى الله عليه وسلم  ولا يكتمونه فنبذوه. ([77])

14- 21623- حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: ثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير وعمن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك وعن الزهري وعن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظي وعن غيرهم من علمائنا: أنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم: سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم  خرجوا حتى قدموا مكة على قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقال لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه. ([78])

 المطلب الرابع: تسميتهم بالعبرانيين:

قولـه تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ  = 35 } [سورة يوسف 12/35]

15-14739 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ  = 35 } قال: قالت المرأة لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني فذلك قول الله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} ([79])

16-1346 - حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث قال: "إيل" الله بالعبرانية. ([80])

17-14744 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي قال: لما دخل يوسف السجن قال: أنا أعبر الأحلام. فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلم نجرب هذا العبد العبراني نتراءى له! فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً. فقال الخباز: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه وقال الآخر: إني أراني أعصر خمراً. ‏([81])

18-21185- حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا عثمان بن عمر قال: أخبرنا علي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية. فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنـزل إلينا وأنـزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن لـه مسلمون.)) ([82])


 الدراســــة:

اليهود هم أمة موسى صلى الله عليه وسلم  واختلف في تسميتهم على أقوال:

1- الهود التوبة وقولـه عز وجل{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [سورة الأعراف 7/156] أي تبنا إليك، قاله النووي رحمه الله .

2- وقال غيره هاد في اللغة معناه: مال، يقال: هاد زفر هيادة وهوداً. وقال المبرد في قولـه تعالى: {هُدْنَا إِلَيْكَ} أي: ملنا إليك ويقال لمن تاب: هاد؛ لأن من تاب من شيء مال عنه.

ثم اختلف فيما تابوا عنه:

1- فقال الليث: سميت اليهود يهوداً اشتقاقاً من هادوا أي: تابوا من عبادة العجل، فعلى هذا القول لزمهم هذا الاسم في ذلك الوقت.

2- وقال غيره: سموا بذلك؛ لأنهم مالوا عن دين الإسلام، وعن دين موسى عليه السلام ، فعلى هذا إنما سموا يهوداً بعد أنبيائهم.

3- وقال ابن الأعرابي يقال هاد إذا رجع من خير إلى شر ومن شر إلى خير، وسموا اليهود بذلك لتخليطهم وكثرة انتقالهم من مذاهبهم.

4- وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال سميت اليهود لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة، وعلى هذا: التهود تفعل من الهيد بمعنى الحركة، يقال: هدته أهيده هيداً كأنك تحركه ثم تصلحه.

5- وقيل: اليهود معرب يهوذا بن يعقوب عليهما السلام  بالذال المعجمة عرب ثم نسب الواحد إليه.

6-ويقال: هاد إذا دخل في اليهودية، وتهود إذا تشبه بهم ودخل في دينهم، وهود إذا دعي إلى اليهودية، ومنه الحديث ((فأبواه يهودانه.)) ([83])

وقال البخاري :"هادوا صاروا يهوداً، وأما قوله: (هدنا) تبنا هائد تائب."([84])

وقال ابن منظور: "الهَوْدُ: التَّوْبَةُ هادَ يَهُودُ هَوْداً و تَهَوَّد: تابَ ورجع إِلـى الـحق فهو هائدٌ. وقومٌ هُودٌ: مِثْلُ حائِلٍ وحُولٍ وبازِلٍ وبُزْلٍ؛ قال أَعرابـي: إِنِّـي امرُؤٌ مِنْ مَدْحِه هائِدُ وفـي التنـزيل العزيز: {إِنَّا هُدْنا إِلـيك} أَي تُبْنا إِلـيك وهو قول مـجاهد وسعيد بن جبـير وإِبراهيم. قال ابن سيده: عدّاه بإِلـى لأَن فـيه معنى رجعنا، وسميت الـيهود اشتقاقاً من هادُوا أَي تابوا وأَرادوا بالـيَهُودِ الـيَهُودِيِّـينَ ولكنهم حذفوا ياء الإِضافة.

قال سيبويه: "وفـي الـحديث: ((كلُّ مَوْلُود يُولَدُ علـى الفِطْرَةِ حتـى يكون أَبواه يُهَوِّدانِه أَو يُنَصِّرانِه.)) ([85]) ؛ معناه أَنهما يعلـمانه دين الـيهودية والنصارى ويُدْخلانه فـيه. و التَّهْوِيدُ: أَن يُصَيَّرَ الإِنسانُ يَهُودِيَّاً. وهادَ و تَهَوَّد إِذا صار يهوديَّا. ([86])

وهذا الذي دلل له علماء اللغة هو الذي وردت به الآثار عن السلف رحمهم الله فإضافة الى الآثار السابقة, أخرج ابن أبي حاتم بسنده إلى عبد الله بن مسعود _ قال: ((نحن أعلم الناس من أين تسمت اليهود باليهودية بكلمة موسى عليه السلام  إنا هدنا إليك، ولم تسمت النصارى بالنصرانية من كلمة عيسى عليه السلام  كونوا أنصار الله.)

وقال أنه المروي عن أبى الطفيل، وأبى العالية، ومجاهد وسعيد بن جبير، وإبراهيم التيمي، والنخعي، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والضحاك، وقتادة. ([87])

وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود _ قال: ((نحن أعلم الناس من أين تسمت اليهود باليهودية ولم تسمت النصارى بالنصرانية إنما تسمت اليهود باليهودية بكلمة قالها موسى إنا هدنا إليك فلما مات قالوا هذه الكلمة كانت تعجبه فتسموا اليهود، وإنما تسمت النصارى بالنصرانية لكلمة قالها عيسى من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله فتسموا بالنصرانية.)) ([88])

وقد ورد ذكراليهود في القرآن الكريم ثمان مرات بلفظة اليهود وهو الاسم الذي يصفهم به الرسول صلى الله عليه وسلم  وهو ما يطلق عليهم إلى اليوم.

 نشأتهـــم :

            تعود بداية اليهود كأمة ذات تاريخ وعقيدة إلى تلك الفترة التي أرسل الله تعالى فيها نبيه موسى - عليه السلام  - إليهم بالتوراة لهدايتهم وتخليصهم من عبادة ماسواه.

            واليهود هم تلك الأمة التي نشأت في مصر إثر استقرار أبناء يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام  فيها. فقد عاشوا فيها حياة مستقرةً منذ عهد يوسف بن يعقوب عليهما السلام  وتكاثروا في مصر وتناسلوا وصاروا الطبقة العاملة عند الأقباط.

            ثم إن فرعون رأى في منامه ,كأن ناراً قد أقبلت من نحو بيت المقدس, فأحرقت دور مصر, وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل, فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والحذقة والسحرة وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النساء، وهو قولـه تعالى: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [سورة الأعراف 7/141].

            واستمر الحال على هذا إلى أن "شكا القبط إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشوا أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ماكان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً وأن يتركوا عاماً."

  وفي عام المسامحة ولد هارون عليه السلام  وفي عام القتل ولد موسى عليه السلام  وأراد الله تعالى لموسى أن يعيش في بيت فرعون نفسه يقول عز وجل : {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ  = 7  فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناًً} [سورة القصص 28/7] .

            وقد صدق الله وعده لأم موسى حينما بعثه إلى فرعون وبنى إسرائيل يدعوهم لعبادته. حيـث آمنـوا بـه وخرجـوا معـه من مصـر على إثـر الاضطهاد الذي لحق بهم من فرعون مصر ثم لم يلبثوا أن ارتدوا إلى عبادة العجل يقول تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [سورة البقرة 2/93].

وبسبب قسوة قلوبهم وعصيانهم فرض الله تعالى عليهم التيه قال تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاتَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [سورة المائدة 5/26]. وفي هذه الفترة توفى موسى  عليه السلام  ولم يدخل الأرض المقدسة ودخلها بنو إسرائيل بعد ذلك بقيادة نبي الله يوشع بن نون عليه السلام .

 الأسماء التي اشتهروا بها

            أُطلق على اليهود من خلال تاريخهم الطويل عدة أسماء مشهورة مثل:

1- العبريين أو العبرانيين

2- وأيضاً ورد في القرآن الكريم بعضاً من أسمائهم مثل: بنو إسرائيل.

3- وأهل الكتاب الذي يطلق عليهم بالاشتراك مع النصارى.

4- وأما في العصر الحديث فقد ظهر لهم اسم آخر هو : بنو صهيون أو أحباء صهيون ومنه الصهيونيون .

            ولكلٍ من هذه الأسماء معنى وسبب من أجله سموا به، ولكنها في النهاية تدل في الأغلب على أتباع الدين الذي جاء به موسى-عليه السلام -.

وتفصيلها كما يلي:

 أولاً: اليهــود:

هو من الأسماء المشهورة ويستخدم للدلالة على أتباع موسى - عليه السلام - وقد ورد ذكره في القرآن الكريم حوالي ثمان مرات بلفظة اليهود وقد اختلف في اشتقاق هذه الكلمة على رأيين :

1- الأول : أنها نسبة إلى صفة الندم والتوبة وهو الهود المذكور في قولـه تعالى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} وهي بذلك تكون نسبة إلى كلمة عربية.

            ومعنى هدنا: "أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك" ([89]) قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا} يقول القرطبي: "وأجاز الفراء أن يكون هوداً بمعنى يهودياً حذف منه الزائد وأن يكون جمع هائد." ([90]) وعند ابن منظور أن الهود هو: "التوبة هاد يهود هوداً وتهود: تاب ورجع إلى الحق فهو هائد ... ... والهود: اليهود هادوا يهودون هوداً وسميت اليهود اشتقاقاً من هادوا أي تابوا ... ... وهود الرجل: حولـه إلى ملة يهود قال سيبويه: وفي الحديث: ((كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه))([91]) معناه: أنهما يعلمانه دين اليهودية والنصارى ويدخلانه فيه والتهويد أن يصير الإنسان يهودياً." ([92])

2- أما الرأي الثاني : أنه نسبة إلى إسم يهوذا وهو الإبن الرابع ليعقوب عليه السلام "ويهوذا إسم عبري معناه حمد." ([93])

والكثيرون على أنه نسبة إلى الهود وهو التوبة والرجوع إلى الحق وهو الحق كما صح في الآثار. يذكر الشهرستاني ذلك فيقول: "هاد الرجل: أي رجع وتاب وإنما لزمهم هذا الاسم لقول موسى عليه السلام  {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}" ([94])

وقد وردت صيغ عديدة في القرآن لكلمة (اليهود):

هادوا: وقد وردت عشر مرات مسبوقة دائماً بالاسم الموصول:{الذين هادوا}

هدنا: ووردت مرة واحدة في معرض إقرارهم وتوبتهم وهم من اختارهم موسى للقاء الله.

هود: وردت ثلاث مرات وكلها في البقرة.

 ثانياً: العبرانيون :

عرف اليهود في تاريخهم القديم باسم العبريين، حيث لم تكن لفظتي اليهود، أو بني إسرائيل قد شاعتا بعد، واختلفت آراء الباحثين حول أصل التسمية على أقوال أهمها: نسبة العبريين إلى فعل العبور والتنقل. يقول الدكتور: أحمد سوسه: "وقد ظلت هذه التسمية أي تسمية عبري وعبراني تطلق على الجماعات من القبائل النازحة من البادية ومن جهة فلسطين إلى مصر، وعلى هذا الأساس صار المصريون يسمون الإسرائيليين بالعبرانيين باعتبارهم من تلك الجماعات البدوية."([95])

 ثالثاً: بنو إسرائيل :

سمى الله نبيه: يعقوب بن إسحق بن إبراهيم - عليهم السلام  - إسرائيل فقال تعالى:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَـزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  = 93 } [سورة آل عمران 3/93] وقد ذُكِرَ هذا الاسم في القرآن إحدى وأربعين مرة, خمساً وعشرين مرة في السور المكية, وستة عشر مرة في السور المدنية.

وجاء في تاج العروس: "وإسرال: هو مخفف عن إسرائيل ومعناه: صفوة الله وقيل عبد الله وهو يعقوب عليه السلام ." ([96]) وقال السدي أن معناه"سري الله" ([97])

وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما : ((.. ولم يكن من الأنبياء من لـه اسمان إلا إسرائيل وعيسى عليهما السلام  فإسرائيل يعقوب وعيسى المسيح.)) ([98])

            أما بنو إسرائيل فهم: رأوبين - شمعون - لاوي - يهوذا - يساكر - زبولون - يوسف - بنيامين - جاد - أشير - دان - نفتالي .([99])

            وقد كون هؤلاء ونسلهم ماعرف فيما بعد بالأسباط الاثني عشر، وفي عهد رحبعام بن سليمان انقسمت مملكة اليهود إلى قسمين:

1- أحدهما: مملكة بني إسرائيل في الشمال، وعاصمتها شكيم وتتكون من جميع قبائل بني إسرائيل ما عدا قبيلتي يهوذا وبنيامين اللتين كونتا المملكة الجنوبية.

2- مملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم.

و عندما يطلق القرآن عليهم لفظ بني إسرائيل فإن هذا يكون في معرض المدح لهم، والتذكير بفضل الله تعالى عليهم، ورضاه عنهم، وماينبغي أن يكونوا عليه، يقول الله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [سورة البقرة 2/40-41].

وينسب القرآن من آمن منهم إلى هذه النسبة مثل قوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  = 10 } [سورة الأحقاف 46/10] في من قال أنها نـزلت في عبد الله بن سلام _ كما في الصحيحين عن عامر بن سعد عن أبيه قال: ((ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام _)) قال: وفيه نـزلت {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [سورة الأحقاف 46/10] ([100]) ، ومن جنس قولـه تعالى: {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ  = 197 } [سورة الشعراء 26/197]

قال الطبري : "عني بعلماء بني إسرائيل في هذا الموضع: عبد الله بن سلام ومن أشبهه ممن كان قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم  من بني إسرائيل في عصره." ([101])

            واليهود اليوم يطلقون على أنفسهم بني إسرائيل وذلك للدلالات الدينية الخاصة حيث تربطهم بيعقوب نسباً، وحتى يخلعوا على أنفسهم بهذا الوصف معنى القوة والقدرة واكتساب صفات الغلبة، ليتيسر لهم أن يحيوا الحياة التي يريدون، وبالأسلوب الذي يحبونه، وتتعلق به عواطفهم ويتفق واستعدادهم." ([102])

وأما تفصيل وجهة نظرهم الخاطئة فهي كالتالي:

تنسب تسمية "إسرائيل" إلى يعقوب عليه السلام ، حيث ترد في التوراة قصة مفادها أنه خاض عراكاً ضد رجل حتى مطلع الفجر عند جدول صغير في منطقة الأردن يدعى "يبوق"، ولما رأى الرجل أنه لا يقدر عليه، طلب منه أن يطلقه، فقال لـه لا أطلقك حتى تباركني، فباركه وقال لـه "لن يدعى اسمك يعقوب من بعد، بل إسرائيل، لأنك صارعت الله والناس وغلبت." ([103]).

ولفظة إسرائيل مكونة من كلمتين ساميتين قديمتين هما: (إسر) : بمعني غلب، و(إيل) : أي الإله أو الله، وقد أصبحت هذه التسمية مصدر فخر من الناحية القومية لبني إسرائيل وأصبحوا ينسبون أنفسهم لها فيقولون: "بيت إسرائيل" أو "آل إسرائيل" أو "بني إسرائيل"، وكثيراً ما يختصرون التعبير فيقولون "إسرائيل" فقط كما رأينا في مأثور التلمود والاسم العبري لفلسطين هو "إيرتس يسرائيل" أي "أرض إسرائيل".

وبالرغم من أن تيودور هرتسل زعيم الصهيونية السياسية، ورئيس المؤتمر الصهيوني العالمي الأول الذي عقد في مدينة بال بسويسرا عام 1897، لم يتردد في تسمية كتابه المتضمن لدعوته هذه "دولة اليهود" فإن هذه الدعوة الصهيونية آثرت عند الكتابة عن فلسطين أن تسميها "أرض إسرائيل"، حرصاً على تأكيد انتماء هذه الأرض إلى من يزعمون أنهم أسلافهم الأوائل، وهم أبناء يعقوب، أو "بنو إسرائيل".

وعندما أعلنت الصهيونية قيام دولتها في فلسطين في 15 مايو 1948، أطلقت عليها أسم "إسرائيل" وطبع هذا الاسم في الأعداد الأولى من "الجريدة الرسمية" في رأس صحيفة تدعى "إسرائيل"، ولكن بعد أن قامت موجة من النقد تجاه هذه التسمية قامت الحكومة الإسرائيلية بتغيير الاسم إلى "دولة إسرائيل" وإن كان الشائع هو استخدام الاسم المختصر في جميع أجهزة الإعلام الإسرائيلية.

وقد فضل الصهاينة استخدام هذا الاسم "دولة إسرائيل" لدولتهم، بدلاً من الاسم الذي كان قد اختاره هرتسل وهو "دولة اليهود" لأسباب نذكر منها:

إيجاد تناسق بين اسم الدولة، والاسم العبري لفلسطين، وهو "أرض إسرائيل".

إيثار الصفة العنصرية الكافية في اسم إسرائيل على الصفة الدينية في لفظة اليهود.

عدم الرغبة في التذكير بالحدود القديمة لمملكة يهود البائدة، التي لم تكن تشمل إلا القسم الجنوبي من فلسطين من دون ساحل البحر، مما يمثل قيداً تاريخياً للمطامع التوسعية الاستعمارية للصهاينة الذين يريدون أن يضعوا تحت قبضتهم أوسع رقعة ممكنة من الوطن العربي.

وقد خلقت هذه التسمية عدة مشاكل أمام المشرعين الصهاينة، حيث انتقلت صفة الإسرائيلي من الشعب (وهي صفة مذكرة في العبرية) إلى الدولة (وهي صفة مؤنثة في العبرية)، وهو الانتقال الذي أدى إلى انطباق هذه الصفة على كل من يقيم داخل إسرائيل من العرب والمسلمين والنصارى وأرغم السلطات الإسرائيلية على اعتماد هؤلاء العرب المقيمين فيها في عداد المواطنين الذي يتمتعون بالجنسية الإسرائيلية.

وقد أصبح اليهودي المقيم خارج إسرائيل، وفقاً لقانون العودة، الصادرة في 5 يوليو 1950، هو الآخر "إسرائيلياً".

والخلاصة أن الإسرائيلي وفق هذا المفهوم هو أولاً وأخيراً اليهودي المقيم في إسرائيل واليهودي المقيم خارج إسرائيل أيضاً، بشرط أن يكون صهيونياً متمسكاً بالولاء لإسرائيل، ومن هنا اكتسبت لفظة "إسرائيل" في المصطلح السياسي المعاصر دلالة مختلفة تماماً عن الإسرائيلي قبل الصهيونية، والإسرائيلي في بداوة العبريين الأولى. وقد تجدر الإشارة إلى عدم الخلط في إطار تحديد مفاهيم هذه الاصطلاحات بين اصطلاحات مثل "دولة إسرائيل" و "أرض إسرائيل".

إن "دولة إسرائيل" هي اصطلاح سياسي محدد، بينما "أرض إسرائيل" هي اصطلاح جغرافي فدولة إسرائيل يمكن أن تمتد على كل "أرض إسرائيل" أو على جزء من منها، أو حتى على أجزاء ليست تابعة "لأرض إسرائيل" (مثل شرم الشيخ والجولان على سبيل المثال)، ودولة إسرائيل هي الإطار الحاسم بالنسبة للمبدأ الصهيوني. ([104])

 رابعاً: أهل الكتاب :

هذا الاسم مما أطلق على اليهود ويشترك معهم فيه النصارى. وقد ورد ذكره في القرآن إحدى وثلاثون مرة وقد عرَّفهم الشهرستاني بقوله: "الخارجون عن الملة الحنيفية، والشريعة الإسلامية ممن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام، وقد انقسموا إلى من لـه كتاب محقق مثل: التوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم التنـزيل بأهل الكتاب..."([105]).

            وعلى تعريف الشهرستاني هم إذن من أنـزل عليهم كتاب سماوي وأرسل فيهم الرسل، وقد كان يقابلهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم الأمميين الذين كانوا على عبادة الأوثان والأصنام فأطلق عليهم هذا الاسم لتمييزهم عنهم، وقد ورد ذكر هذه التسمية في القرآن في معرض الإنكار عليهم، وتذكيرهم بما يجب أن يكونوا عليه، مثل قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} [سورة آل عمران 3/64] الآية. وقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [سورة آل عمران 3/70] وغيرها من الآيات.ولكن سياق الآيات وأسباب النـزول الواردة فيها تحدد -غالباً-المقصود بأهل الكتاب.

 خامساً: بنو صهيون :

وهذا أيضاً من الأسماء التي تطلق على اليهود، وهو ما تنتسب إليه غالب طوائف اليهود اليوم، وكلمة صهيون هي نسبة الى المنطقة أو الجبل المطل على البيت المقدس. كما في الأثر الذي ساقه الطبري بسنده عن وهب بن منبه قال: ((لما اشتملت مريم على الحمل كان معها قرابة لها يقال لـه يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك فكانا يليان معالجته بأنفسهما، تحبيره وكناسته وطهوره وكل عمل يعمل فيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشد اجتهاداً وعبادة منهما. ([106])

وقال عنه ياقوت الحموي: "موضع معروف بالبيت المقدس محلة فيها كنيسة صهيون، وصهيون أيضاً حصن حصين من أعمال سواحل بحر الشام من أعمال حمص." ([107])

            وجاء في قاموس الكتاب المقدس: "صهيون: رابية من الروابي التي تقوم عليها أورشليم، ورد ذكرها للمرة الأولى في العهد القديم كموقع لحصن يبوسي، فاحتل داود الحصن وسماه مدينة داود، وإليها أتي بالتابوت فمنذئذ صارت الرابية مقدسة." ([108])

وأما الصهيونية فهي: منظمة يهودية تنفيذية، مهمتها تنفيذ المخططات المرسومة لإعادة مجد بني إسرائيل -اليهود- وبناء هيكل سليمان، ثم إقامة مملكة إسرائيل ثم السيطرة من خلالها على العالم تحت ملك (ملك يهوذا) المنتظر.

- وقد ظهر مصطلح الصهيونية (Zionism) لأول مرة على يد الكاتب الألماني ناثان برنباوم سنة 1893م.

- في عام 1882م ظهرت في روسيا لأول مرة حركة عرفت باسم ( حب صهيون ) وكان أنصارها يتجمعون في حلقات اسمها (أحباء صهيون) وقد تم الاعتراف بهذه الجماعات في عام 1890م تحت اسم " جمعية مساعدة الصناع والمزارعين اليهود في سوريا وفلسطين وإحياء اللغة العبرية.

- الصهيونية الحديثة وهي الحركة المنسوبة إلى تيودور هرتزل الصحفي اليهودي المجري ولد في بودابست في 2/5/1860م، حصل على شهادة الحقوق من جامعة فينا 1878م، وهدفها الأساسي الواضح قيادة اليهود إلى حكم العالم بدءاً بإقامة دولة لهم في فلسطين. وقد فاوض السلطان عبد الحميد بهذا الخصوص في محاولتين، لكنه أخفق، عند ذلك عملت اليهودية العالمية على إزاحة السلطان وإلغاء الخلافة الإسلامية.

- وقد أقام هرتزل أول مؤتمر صهيوني عاملي سنة 1897م، مستغلاً محاكمة الضابط اليهودي الفرنسي دريفوس الذي اتهم بالخيانة 1894م لنقله أسراراً عسكرية من فرنسا إلى ألمانيا، لكن ثبتت براءته فيما بعد ونجح هرتزل من تصوير المأساة اليهودية في زعمه من خلال هذه الواقعة الفردية وأصدر كتابه الشهير الدولة اليهودية الذي أكسبه أنصاراً لا بأس بعددهم، مما شجعه على إقامة أول مؤتمر صهيوني في بال بسويسرا 29-31/8/47 وقد علق عليه بقولـه : "لو طلب إلى تلخيص أعمال المؤتمر فإني أقول بل أنادي على مسمع من الجميع إنني قد أسست الدولة اليهودية." ونجح في تجميع يهود العالم حولـه، كما نجح في جمع دعاة اليهود الذين صدرت عنهم أخطر مقررات في تاريخ العالم وهي بروتوكولات حكماء صهيون المستمدة من تعاليم كتب اليهود المحرفة التي يقدسونها، ومن ذلك الوقت أحكم اليهود تنظيماتهم وأصبحوا يتحركون بدقة ودهاء وخفاء لتحقيق أهدافهم التدميرية التي أصبحت نتائجها واضحة للعيان في زماننا هذا.

وللمنظمة الصهيونية جانبان مهمان :ديني وسياسي

أما الجانب الديني فيتلخص فيما يلي :

1- إثارة الحماس الديني بين أفراد اليهود في جميع أنحاء العالم، لعودتهم إلى أرض الميعاد المزعومة ( أرض فلسطين).

2- حث سائر اليهود على التمسك بالتعاليم الدينية والعبادات والشعائر اليهودية والالتزام بأحكام الشريعة اليهودية.

3- إثارة الروح القتالية بين اليهود، والعصبية الدينية والقومية لهم للتصدي للأديان والأمم والشعوب الأخرى.

أما الجانب السياسي فيتلخص فيما يلي:

1- محاولة تهويد فلسطين (أي جعلها يهودية داخلياً) وذلك بتشجيع اليهود في جميع أنحاء العالم على الهجرة إلى فلسطين وتنظيم هجرتهم وتمويلها، وتأمين وسائل الاستقرار النفسي والوظيفي والسكني وذلك بإقامة المستوطنات داخل أرض فلسطين (وهي عبارة عن مجمعات سكنية حديثة كاملة المرافق تمولها الصهيونية من تبرعات اليهود والدول الموالية لهم في العالم)، وتوطيد الكيان اليهودي الناشئ في فلسطين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

2- تدويل الكيان الإسرائيلي في فلسطين عالمياً ، وذلك بانتزاع اعتراف أكثر دول العالم بوجود دولة إسرائيل في فلسطين وشرعيتها، وضمان تحقيق الحماية الدولية لها، وفرضها على العالم، وعلى المسلمين على وجه الخصوص. لذلك نجد أن الصهيونية تقوم بدور رئيس في دفع أمريكا وروسيا وأكثر الدول في أوربا لحماية إسرائيل سياسياً وعسكرياً ودعمها اقتصادياً وبشرياً، فبالرغم من أن أمريكا ودول أوربا - دول نصرانية - ، وبالرغم من أن روسيا شيوعية تحارب الأديان وبالرغم –أيضاً- من أن شعوب هذه الدول تكره اليهود بحق إلا أنها لا تزال تحمي دولة إسرائيل وتدعمها. وما ذك إلا بتأثير الصهيونية الواضح.

3- متابعة وتنفيذ المخططات اليهودية العالمية السياسية والاقتصادية، خطوة بخطوة، ووضع الوسائل الكفيلة بالتنفيذ السريع والدقيق لهذه المخططات، ثم التهيئة لها إعلامياً وتمويلها اقتصادياً، ودعمها سياسياً.

4- توحيد وتنظيم جهود اليهود في جميع العالم أفرادً وجماعات ومؤسسات ومنظمات، وتحريك العملاء والمأجورين عند الحاجة لخدمة اليهود وتحقيق مصالحهم ومخططاتهم.

هذه أهم أهداف وأساليب الصهيونية بإيجاز. ([109])


 المبحث الثاني: الآثار الواردة في منـزلتهم ونعم الله عليهم.

وفيه سبعة مطالب:

 المطلب الأول:تفضيلهم على العالمين:

 الآثـــــار:

قوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  = 47 } [سورة البقرة 2/47]

19-727 - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر وحدثنا الحسن بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} قال: فضلهم على عالم ذلك الزمان.‏([110])

20-728- حدثني المثنى قال: حدثنا آدم قال: حدثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان فإن لكل زمان عالماً.‏ ([111])

21-729- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج عن ابن جريج قال: قال مجاهد في قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} قال: على من هم بين ظهرانيه. ([112])

22-730- وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قول الله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  = 47 } قال: عالم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله: {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  = 32 } [سورة الدخان 44/32] قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره وقد كان فيهم القردة وهم أبغض خلقه إليه وقال لهذه الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ  = 110 } [سورة آل عمران 3/110] قال: هذه لمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب محارمه. ([113])

قوله تعالى: { وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ  = 20 } [سورة المائدة 5/20]

23-9083 - حدثنا سفيان بن وكيع قال: ثنا أبي عن سفيان عن رجل عن مجاهد: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ  = 20 } قال: المن والسلوى والحجر والغمام. ([114])

24-حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ  = 20 } يعني أهل ذلك الزمان المن والسلوى والحجر والغمام.‏ ([115])

قولـه تعالى: {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  = 32 } [سورة الدخان 44/32] 

25-24083- حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  = 32 } أي اختيروا على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم. ([116])

قولـه تعالى: {أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ  = 154 } [سورة الأعراف 7/154]

26-11752 - حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ = 154 } قال: رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون: أي آخرون في الخلق سابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها وكان من قبلهم يقرؤون كتابهم نظراً حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئاً ولم يعرفوه - قال قتادة: وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم - قال: رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ثم يؤجرون عليها وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها ناراً فأكلتها، وإن ردت عليه تركت تأكلها الطير والسباع، قال: وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم قال: رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت لـه حسنة فإن عملها كتبت لـه عشر أمثالها إلى سبعمائة رب اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد. قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام  نبذ الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد! قال: فأعطي نبي الله موسى عليه السلام  ثنتين لم يعطهما نبي قال الله: {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ  = 144 } [سورة الأعراف 7/144] قال: فرضي نبي الله. ثم أعطي الثانية: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  = 159 } [سورة الأعراف 7/159] قال: فرضي نبي الله عليه السلام  كل الرضا.([117])


 الدراســــة:

يذكر الله تبارك وتعالى لبني إسرائيل ما منّ به على أسلافهم يوم أطاعوا أمره واتبعوا نبيه، وأن هذا مآلهم لو اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، وقد فضلهم بالتوحيد والطاعة على أهل زمانهم، وهو المراد بهذه الآيات كما صرح بهذا جمع من السلف، كمجاهد وأبي العالية و قتادة كما في الآثار السابقة.

وليس في هذه الآيات حجة لمن أراد تنـزيلها على اليهود في كل الأزمان لما يلي:

1- روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: ((ألا إنكم وفيتم سبعين أمة" قال يعقوب في حديثه: "أنتم آخرها". وقال الحسن: "أنتم خيرها وأكرمها على الله)) .([118])

قال الطبري رحمه الله : "فقد أنبأ هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم  أن بني إسرائيل لم يكونوا مفضلين على أمة محمد عليه الصلاة والسلام وأن معنى قوله: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} وقوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} ما بينا من تأويله.

 وقد قال الطبري في أول الآيات: "ويعني بقوله {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أني فضلت أسلافكم، فنسب نعمه على آبائهم وأسلافهم إلى أنها نعم منه عليهم؛ إذ كانت مآثر الآباء مآثر للأبناء، والنعم عند الآباء نعماً عند الأبناء؛ لكون الأبناء من الآباء، وأخرج جل ذكره قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} مخرج العموم وهو يريد به خصوصاً؛ لأن المعنى وأني فضلتكم على عالم من كنتم بين ظهريه وفي زمانه." ([119])

2- ولقولـه تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِوَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة آل عمران 3/110] ، فقولـه {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} يعلن أنهم غيرمقصودين بالتفضيل المطلق، بل هي دعوة لهم للتفضيل بدخولهم لهذا الدين، وهكذا يدور التفضيل مع التوحيد، فيوم أن كانوا موحدين وغيرهم مشرك فضلوا، ولماّّ جاءهم الحق وتركوه صاروا المغضوب عليهم.

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم  هذه المسألة فقال: ((إنما مثلكم واليهود والنصارى كرجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود على قيراط قيراط، ثم عملت النصارى على قيراط قيراط، ثم أنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، فقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء.)) ([120])

 منطلق اليهود في دعواهم:

ينطلق اليهود في نظرتهم لغيرهم من الأمم - وخاصة المسلمين - من خلال أمرين هما:

1 - الادعاء بالاصطفاء والاختيار والتفضيل لهم من الله - تبارك وتعالى - وتبعاً لذلك فهم يقولون بالأمر الثاني.

2 - أحقيتهم في أرض فلسطين باعتبارها الأرض التي وُعد بها آباؤهم من قبل (إبراهيم - إسحاق - يعقوب عليهم السلام ).

            ولكي تتضح صورة موقف العهد القديم من الأمم الأخرى كان لابد من مناقشة هذين الأمرين:

 أولاً: الإدعاء بالاصطفاء والتفضيل :

            ينظر اليهود إلى أنفسهم باعتبارهم مختارون ومفضلون على الناس جميعا،ً وأن هذا التفضيل جاء بناءً على اختيار واصطفاء من الله - تبارك وتعالى - ورد ذلك في نصوص العهد القديم كثيراً، ومن أمثلته ماجاء في سفر الخروج : "والآن إن امتثلتم أوامري وحفظتم عهدي، فإنكم تكونون لي خاصة من جميع الشعوب، لأن جميع الأرض لي، وأنتم تكونون لي مملكة أحبار وشعباً مقدساً"([121]).

            وأيضاً ماورد في سفر التثنية : "لأنك شعب مقدس للرب إلهك، وإياك اصطفى الرب إلهك أن تكون لـه أمة خاصة من جميع الأمم التي على وجه الأرض." ([122])

            وجاء فيه أيضاً: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك وقد اصطفاك الرب لتكون لـه شعباً خاصاً على جميع الشعوب التي على وجه الأرض." ([123])

 الرد علي هذا الإدعاء :

            أثبتت نصوص التوراة - كما مرَّ سابقاً - أفضلية بني إسرائيل على غيرهم وعند مناقشة هذا الأمر فإنه لابد من ورود بعض التساؤلات مثل:

·       هل حقاً فُضِّل بني إسرائيل على غيرهم؟

·       وإذا كان الأمر كذلك فمتى كان هذا التفضيل؟ وهل يصح أن يُطلق أمره بدون ضوابط؟ وماهي هذه الضوابط ؟

·       ثم هل التزم بها اليهود لتصح مقالتهم بأنهم شعب الله المختار؟

الحقيقة أن نصوص القرآن الكريم أثبتت أن بني إسرائيل فضلوا على غيرهم من الناس، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم يقول - تعالى - في سورة البقرة: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة 2/47] وفي سورة البقرة أيضاً جاء قولـه -تعالى- {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة 2/122] وفي سورة الأعراف أيضاً: {قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة الأعراف 7/140] وفي سورة الجاثية: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَن} [سورة الجاثية 45/16] .

ففي الآيات السابقة أثبت القرآن الكريم مسألة تفضيل بني إسرائيل على العالمين، بل إن الله تعالى أنعم عليهم بأن جعل منهم أنبياء وملوكاً، وآتاهم مالم يؤت أحداً من العالمين، يقول تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [سورة المائدة 5/20] ([124]).

إذن قضية التفضيل صحيحة ومسلم بها بنص القرآن الكريم، لكن متى كان بنو إسرائيل يتميزون عن غيرهم؟ الواقع أن ذلك الأمر كان حين لم يكن على وجه الأرض مؤمن سواهم، فقد كانت الأرض -على وقتهم- تعج بالوثنية وعبادة غير الله -تعالى- خاصة في مصر التي كان يسكنها بنو إسرائيل قبل خروجهم منها على يد نبي الله الكريم موسى - عليه السلام -، فقد كانوا الفئة المؤمنة الموحدة بالله -تعالى-، وكانوا أيضاً الأمة المستضعفة التي تعاني من فرعون وظلمه - كما أخبر بذلك القرآن الكريم-، وتبعاً لإيمانهم والتزامهم بما شرع الله -تعالى- كان تفضيلهم، ومع هذا فإن إطلاق أمر الاصطفاء والاختيار بدون قيود أو شروط أمر لايصح؛ إذ أن لهذا الاختيار والتفضيل شروط لم يلتزم بها بنو إسرائيل، فالله -تبارك وتعالى- فضلهم بشرط الإيمان به -سبحانه وتعالى-، والالتزام بما شرعه لهم وأوصاهم به، فبتحقيق هذين الأمرين يكون لبني إسرائيل الفضل على غيرهم في ذلك الوقت، والذي عليه واقع بني إسرائيل بعد ذلك أنهم لم يلتزموا بما أمرهم به الله -تبارك وتعالى-، بل نقضوا ماعاهدوا الله عليه، وأول مانقضوا -الوصايا العشر- التي أوصاهم بها -سبحانه-، فقد ورد في التوراة: "لاتقتل لاتزن لاتسرق لاتشهد على قريبك شهادة زور لاتشته بيت قريبك لاتشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك." ([125]) وأيضاً: "لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد على صاحبك شهادة زور لا تشته زوجة صاحبك ولا تشته بيته ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لصاحبك." ([126])

            فالأساس الذي شرعه الله -تبارك وتعالى- من أن تفضيلهم لم يكن إلا بسبب إيمانهم وتقواهم، فمتى ماتركوا ذلك انتقض حقهم في التفضيل والاختيار، فالميزان في ذلك هو: الالتزام بالإيمان بالله -تعالى- وحده لاشريك لـه، والقيام بما شرع، وأداء ما أمر به. وهكذا كان تفضيل الله لهم لأنهم آمنوا حيناً ببعض الأنبياء، وعرفوا نور التوحيد في الوقت الذي كانت فيه معظم الشعوب مُعرضة عن عبادة الله، فلم يكن اختيار الله لهم بسبب العنصر أو العرق أو النوع أو اللون أو غير ذلك من أباطيلهم، وإنما كان تكليفاً لبني إسرائيل، واختياراً وابتلاءً أيشكرون أم يكفرون، ولهذا قرن القرآن الكريم بين آيات الاختيار والاختبار معاً فقال: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  = 32  وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ  = 33 } [سورة الدخان 44/32-33] والبلاء هو الاختبار والله قد يختبر عباده بالنعم، كما يختبرهم بالنقم، ولكن اليهود سقطوا في امتحانهم، فلم يشكروا نعمة اختيار الله لهم، وإنما انحرفوا عن منهج الله، وحرفوا كتبه، وكذبوا رسله، وهنا غضب الله عليهم ولعنهم وعدد مساوئهم وكفرهم، {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  = 78  كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  = 79 } [سورة المائدة 5/78-79] كما يناقشهم القرآن في دعواهم مناقشة منطقية فيقول: {قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  = 6  وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  = 7 } [سورة الجمعة 62/6-7] فاليهود يدّعون أن الله قد أفردهم بولايته وحبه واختياره، ولكن القرآن يصف كلامهم بأنه مجرد زعم باطل، ومع ذلك يطلب منهم أن يتمنوا الموت لكي يسارعوا إلى لقاء الله الذي يحبهم إن كانوا صادقين، بل يعقب في صراحة ووضوح بأن واحداً منهم لن يتمنى الموت لأنهم يعلمون أنهم كاذبون في دعواهم. ([127])

            إذن يتضح من ذلك أن مسألة التفضيل حقيقة - ولكن ليس على إطلاقها- إنما لها شروطها التي لم يلتزم بها بنو إسرائيل فمن الشروط: الإيمان بالله -تبارك وتعالى-، فمن آمن بالله والتزم سواءٌ من بني إسرائيل أم من غيرهم فله الفضل على غيره، فأساس التفاضل إنما هو عبادة الله -تعالى-، فأكرم الناس أتقاهم كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم، يقول -تبارك وتعالى-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سورة الحجرات 49/13] 

            وعلى هذا تكون أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس، يقول تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران 3/110] وهي خيرية ليست على إطلاقها أيضاً وإنما باستيفاء شروطها، وهي: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران 3/110].

            يقول ابن كثير رحمه الله : " فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، كما قال قتادة: ((بلغنا أن عمر بن الخطاب _ في حجة حجها رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها.)) ([128]).

            ثم إن نص التوراة يؤكد على هذه الشروط فقد جاء فيه: "والآن إن امتثلتم أوامري وحفظتم عهدي ..." ([129]). وهو مايدل حقيقة على أن التفضيل هو بسبب الامتثال لشرع الله -تعالى- وأوامره لا لشيء آخر.

            ووردت أيضاً نصوص أخرى تدل على هذا المعنى منها: "وإن نسيت الرب إلهك، واتبعت آلهة غريبة وعبدتها، وسجدت لها، فأنا شاهد عليكم اليوم بأنكم تهلكون هلاكاً كالأمم التي أبادها الرب من أمامكم، تهلكون لأجل أنكم لم تسمعوا لصوت الرب إلهكم"([130]). وأيضاً: "انظروا إني تالٍ عليكم اليوم بركة ولعنة: البركة إن سمعتم لوصايا الرب إلهكم، وزغتم عن الطريق التي أنا سانُّها لكم اليوم إلى اتباع آلهة غريبة لم تعرفوها" ([131]). فهذان النصان يدلان على أن امتثال الأوامر بعبادة الله وطاعته هو الركيزة الأساسية للتفضيل وأنه متى ما حاد هؤلاء عن ذلك انتقضت دعواهم بالتفضيل على العالمين فنصوصهم -من كتبهم- شاهدة عليهم.([132])

 المطلب الثاني:كثرة الانبياء فيهم

 الآثـــــــار:

قولـه تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  = 40 }.[سورة البقرة 2/40] 

27-672 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} قال: نعمه عامة، ولا نعمة أفضل من الإسلام والنعم بعد تبع لها. وقرأ قول الله {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  = 17 } [سورة الحجرات 49/17] ([133])

قولـه تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ  = 49 }.[سورة البقرة 2/49] 

28-747 - حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي قالا: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد قال: حدثنا القاسم بن أيوب قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، وائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم وأن الصغار يذبحون قال: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم ودعوا عاماً. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية أمه حتى إذا كان القابل حملت بموسى.‏ ([134])

قولـه تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  = 56 }.[سورة البقرة 2/56] 

29-804 - حدثني بذلك موسى بن هارون قال: ثنا عمرو بن حماد قال: ثنا أسباط عن السدي : أي بعثناكم أنبياء. ([135])

قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  = 56 }.[سورة البقرة 2/56] 

30-807 - حدثني موسى بن هارون قال: ثنا عمرو بن حماد قال: ثنا أسباط بن نصر عن السدي: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضاً كما أمرهم به أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بنى إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعداً، فاختار موسى عليه السلام  من قومه سبعين رجلاً على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلما أتوا ذلك المكان {قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} فإنك قد كلمته فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ  = 155 } [سورة الأعراف 7/155] فأوحى الله إلى موسى عليه السلام  إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل فذلك حين يقول موسى: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء... إنا هدنا إليك} وذلك قولـه: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  = 55 } [سورة البقرة 2/55] ثم إن الله جل ثناؤه أحياهم فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون، فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئاً إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء! فدعا الله تعالى فجعلهم أنبياء فذلك قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  = 56 }[سورة البقرة 2/56] ولكنه قدم حرفاً وأخر حرفاً.‏ ([136])

قولـه تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ  = 155 }.[سورة الأعراف 7/155]

31-11772 - حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا: ثنا يحيى بن يمان قال: ثنا سفيان قال: ثني أبو إسحاق عن عمارة بن عبد السلولي عن علي _ قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير فانطلقوا إلى سفح جبل، فنام هارون على سرير فتوفاه الله. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفاه الله. قالوا: أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه - أو كلمة نحوها - قال: فاختاروا من شئتم! قال: فاختاروا سبعين رجلاً. قال: فذلك قوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} قال: فلما انتهوا إليه قالوا: يا هارون من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد ولكنني توفاني الله. قالوا: يا موسى لن نعصي بعد اليوم! قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل موسى يرجع يميناً وشمالاً وقال: يا {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ  = 155 } قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم.‏ ([137])

قولـه تعالى: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ  = 20 }.[سورة المائدة 5/20] 

32-9071 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ} قال: كنا نحدث أنهم أول من سخر لهم الخدم من بني آدم وملكوا. ([138])

قولـه تعالى : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ  = 78 } [سورة غافر 40/78]

33- 23456- حدثنا علي بن شعيب السمسار قال: ثنا معن بن عيسى قال: ثنا إبراهيم بن المهاجر بن مسمار عن محمد بن المنكدر عن يزيد بن أبان عن أنس بن مالك قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم  بعد ثمانية آلاف من الأنبياء منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل.‏ ([139])


 الدراســــة:

وهذه منة أخرى من الله على بني إسرائيل أن جعل الأنبياء فيهم أرسلهم اليهم وبعثهم منهم وقد ذكّر موسي عليه السلام  بني إسرائيل بذلك يوم أن دعاهم لقتال الجبارين.

ونقل الطبري عن السدي أن المقصود هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام  لميقات الله ثم أخذتهم الصاعقة.

قال الطبري: "وتأويل الكلام على ما تأوله السدي: فأخذتكم الصاعقة ثم أحييناكم من بعد موتكم وأنتم تنظرون إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم، ثم بعثناكم أنبياء لعلكم تشكرون. وزعم السدي أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير والمؤخر الذي معناه التقديم.‏" ([140])

ومعلوم أنه لم يبعث في أمة مثل ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، بل إن الله جعل الأنبياء هم الساسة كما قال صلى الله عليه وسلم : ((كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لانبي بعدي.)) ([141])

و أخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: ((كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة. نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وإبراهيم وإسماعيل وإسحق ومحمد عليهم السلام .)) ([142])

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: ((يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟)) قال: ((رجل قتل نبياً، أو رجل أمر بالمنكر و نهى عن المعروف.)) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم . {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران 3/21] إلى قولـه {وما لهم من ناصرين} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله.)) ([143])

 وأما القول بأن السبعين صاروا أنبياء فلا دليل صحيح يعضده، إذ لم يرد من كان نبياً في زمن موسى عليه السلام  غير أخيه هارون عليه السلام  ومن بعده يوشع ابن نون عليهم السلام  والرواية في ذلك ضعيفة.

قال ابن كثير رحمه الله : "وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين أنهم بعد إحيائهم قالوا: إنك لا تطلب من الله شيئاً إلا أعطاك فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعى بذلك فأجاب الله دعوته، وهذا غريب جداً إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون." ([144])

وسيرد مزيد من التفصيل في موقف اليهود من الأنبياء في الباب الثاني -بإذن الله-


 المطلب الثالث:جعلهم ملوكـــا:

 الآثـــــار:

قولـه تعالى:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [سورة البقرة 2/49]

34--747 حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي قالا: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد قال: حدثنا القاسم بن أيوب قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس _ قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً وائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم وأن الصغار يذبحون قال: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم ودعوا عاماً. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية أمه حتى إذا كان القابل حملت بموسى. ([145])

قوله تعالى: {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [سورة البقرة 2/40].

35-672 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} قال: نعمه عامة ولا نعمة أفضل من الإسلام والنعم بعد تبع لها. وقرأ قول الله {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم} [سورة الحجرات 49/17] الآية. وتذكير الله الذين ذكرهم جل ثناؤه بهذه الآية من نعمه على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم  نظير تذكير موسى صلوات الله عليه أسلافهم على عهده الذي أخبر الله عنه أنه قال لهم وذلك قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ} [سورة المائدة 5/20]‏ ([146])

قولـه تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ} [سورة البقرة 2/246] 

36-4392 - حدثنا به محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل قال: حدثني محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه قال: خلف بعد موسى عليه السلام  في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله. ثم خلف فيهم كالب بن يوقنا يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله تعالى. ثم خلف فيهم حزقيل بن بوزي وهو ابن العجوز. ثم إن الله قبض حزقيل وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله. فبعث الله إليهم إلياس بن يس بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبياً. وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة. وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال لـه أخاب، وكان يسمع منه ويصدقه، فكان إلياس يقيم له أمره. وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه من دون الله، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً، إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرقة بالشام، كل ملك له ناحية منها يأكلها. فقال ذلك الملك الذي كان إلياس معه يقوم له أمره ويراه على هدى من بين أصحابه يوماً : يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه الناس إلا باطلاً! والله ما أرى فلاناً وفلاناً - يعدد ملوكاً من ملوك بني إسرائيل - قد عبدوا الأوثان من دون الله إلا على مثل ما نحن عليه، يأكلون ويشربون ويتنعمون مالكين ما ينقص من دنياهم، وما نرى لنا عليهم من فضل. ([147])

قولـه تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} [سورة المائدة 5/20]

37-9071 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} قال: كنا نحدث أنهم أول من سخر لهم الخدم من بني آدم وملكوا. ([148])

38-9073 - حدثنا الزبير بن بكار، قال: ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: سمعت زيد بن أسلم، يقول: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "من كان له بيت وخادم فهو ملك." ([149])

39-9074 - حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أنه تلا هذه الآية: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} فقال: وهل الملك إلا مركب وخادم ودار. ([150])

40-9075 - حدثنا سفيان بن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، قال: أراه عن الحكم: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان للرجل منهم بيت وامرأة وخادم، عد ملكاً. ([151])

41-9076 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قوله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} قال: البيت والخادم. ([152])

42-9077 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} قال: جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً. ([153])


 الدراســــة:

من المنن العظيمة التي يذكر الله بها بني إسرائيل جعلهم ملوكاً واختلف في المراد بذلك وذكر الطبري- رحمه الله  - ثلاثة أقوال:

1- قيل: وجعلكم ملوكاً سخر لكم من غيركم خدماً يخدمونكم.

2- وقيل: إنما قال ذلك لهم موسى عليه السلام  لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحد سواهم يخدمه أحد من بني آدم.

3- وقال آخرون: إنما عنى بقوله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} أنهم يملكون أنفسهم وأهليهم وأموالهم، بعد الذل والعبودية لفرعون وقومه، وملكهم الدور والمساكن بعد التيه، وأخدمهم الخدم والعبيد بعد أن كانو هم الخدم والعبيد في مصر، فالمرء يشعر بأنه ملك لأنه سيد في نفسه، سيد في تصرفه، وعلى العكس من ذلك الذليل الخاضع الذي لا تصرف لـه في نفسه، ولا يتمتع بحقه الطبيعي في التصرف، فهو عبد مملوك، وشتان بين العبد المملوك والسيد المالك.

"وقد استشكل بعض الناس على الآية: بأنه لم يعرف أن بني اسرائيل على عهد موسى عليه السلام  كان فيهم ملوك وإن وجد فيهم ملوك بعد ذلك، وهذا الاستشكال مبني على فهم أن المراد بالملوك أصحاب السلطة والصولجان، وهو فهم لا يساعد عليه نص الآية، ولا ما جاء في السنة تفسيراً لها. فنص الآية {وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} ، ولو كان المراد ملوك السلطان والصولجان لجاء النص: (وجعل فيكم أو منكم ملوكاً)، لأنه لم تجر العادة بأن يكون أفراد الشعوب جميعاً ملوكاً بهذا المعنى، ويؤازر ذلك أن الآية فرّقت في التعبير بين جعل الأنبياء وجعل الملوك فقالت إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} ولا سر لهذا إلا إرادة معنى في جعلهم ملوكاً يصلح أن يقع فيه الفعل على ضمير المخاطبين، وهذا المعنى هو ما ذكرناه من أنهم صاروا أحراراً متصرفين سادة لأنفسهم." ([154])


 المطلب الرابع:نجاتهم من عدوهم وما صاحبها

 الآثـــار

‏قولـه تعالى:{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ  = 50 } [سورة البقرة 2/50] 

43-763 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون الأودي في قولـه: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} قال: لما خرج موسى عليه السلام  ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط. ثم سار فلما أتى موسى عليه السلام  البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك يا موسى؟ قال: أمامك! يشير إلى البحر. فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر ([155]) فذهب به ثم رجع فقال: أين أمرك ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت! ففعل ذلك ثلاث مرات ثم أوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: {أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [سورة الشعراء 26/63] يقول: مثل جبل. قال: ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم فلذلك قال: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} قال معمر: قال قتادة: كان مع موسى ستمائة ألف وأتبعه فرعون على ألف ألف ومائة ألف حصان. ([156])

قولـه تعالى :{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى  = 77 } [سورة طـه 20/77] 

44-18273 - حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قولـه: {لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى} يقول: {لا تَخَافُ} من آل فرعون {دَرَكاً وَلا تَخْشَى} من البحر غرقاً. ([157])

45-18274 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة {لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى} يقول: لا تخاف أن يدركك فرعون من بعدك ولا تخشى الغرق أمامك. ([158])

قولـه تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ  = 52 } [سورة الشعراء 26/52]

46-20222- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية عن سعيد الجريري عن أبي السليل عن قيس بن عباد قال: وكان من أكثر الناس أو أحدث الناس عن بني إسرائيل قال: فحدثنا أن الشرذمة الذين سماهم فرعون من بني إسرائيل كانوا ست مئة ألف قال: وكان مقدمة فرعون سبعة مئة ألف، كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة وفي يده حربة وهو خلفهم في الدهم. فلما انتهى موسى عليه السلام  ببني إسرائيل إلى البحر قالت بنو إسرائيل. يا موسى أين ما وعدتنا؟! هذا البحر بين أيدينا وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا! فقال موسى للبحر: انفلق أبا خالد قال: لا لن أنفلق لك يا موسى أنا أقدم منك خلقاً؛ قال: فنودي أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق البحر وكانوا اثني عسر سبطاً. قال الجريري. فأحسبه قال: إنه كان لكل سبط طريق قال: فلما انتهى أول جنود فرعون إلى البحر هابت الخيل اللهب؛ قال: ومثل لحصان منها فرس وديق، فوجد ريحها فاشتد فاتبعه الخيل؛ قال: فلما تتام آخر جنود فرعون في البحر وخرج آخر بني إسرائيل أمر البحر فانصفق عليهم فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون وما كان ليموت أبداً فسمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام  قال: فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمر يتراآه بنو إسرائيل. ([159])

قولـه تعالى : {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [سورة الصافات 37/115]

47-22675- حدثنا محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط عن السدي في قوله: {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} قال: من الغرق. ([160])

48-22676- حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} أي من آل فرعون. وقوله : {وَنَصَرْنَاهُمْ} يقول: ونصرنا موسى وهارون عليهما السلام  وقومهما على فرعون وآله بتغريقناهم {فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} لهم. ([161])

قولـه تعالى : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [سورة البقرة 2/50] 

49-759 - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط بن نصر عن السدي: لما أتى موسى عليه السلام  البحر كناه أبا خالد وضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فدخلت بنو إسرائيل وكان في البحر اثنا عشر طريقاً في كل طريق سبط ([162])

قولـه تعالى : } وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [سورة البقرة 2/50]

50-764 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: أوحى الله جل وعز إلى موسى عليه السلام  أن أسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون. قال: فسرى موسى ببنـي إسرائيـل لـيلاً، فأتبعهم فرعون فـي ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى فـي ستـمائة ألف، فلـما عاينهم فرعون قال : {إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ  = 54  وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ  = 55  وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ  = 56 } [سورة الشعراء 26/54-56] ، فسرى موسى ببنـي إسرائيـل حتـى هجموا علـى البحر، فـالتفتوا، فإذا هم برَهْج([163]) دوابّ فرعون، فقالوا : يا موسى ، أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا! هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رهقنا([164]) بـمن معه. قال {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [سورة الأعراف 7/129]، قال : فأوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، وأوحى إلـى البحر: أن اسمع لـموسى وأطع إذا ضربك . قال : فبـات البحر له أفكل([165]) - يعنـي له رعدة - لا يدرى من أيّ جوانبه يضربه . قال : فقال يوشع لـموسى : بـماذا أمرت؟ قال : أمرت أن أضرب البحر. قال: فـاضربه. قال: فضرب موسى البحر بعصاه، فـانفلق، فكان فـيه اثنا عشر طريقاً، كل طريق كالطود العظيـم، فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فـيه. فلـما أخذوا فـي الطريق، قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قالوا لـموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا! فإنهم علـى طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتـى نراهم.

51-قال سفـيان ، قال عمار الدهنـي([166]) : قال موسى عليه السلام : اللهمّ أعنـي علـى أخلاقهم السيئة. قال: فأوحى الله إلـيه: أن قل بعصاك هكذا، وأومأ بـيده يديرها علـى البحر. قال موسى بعصاه علـى الـحيطان هكذا ، فصار فـيها كُوًى ؛ ينظر بعضهم إلـى بعض.

52-قال سفـيان : قال أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عبـاس رضي الله عنهما : فساروا حتـى خرجوا من البحر، فلـما جاز آخر قوم موسى عليه السلام ، هجم فرعون علـى البحر هو وأصحابه ، وكان فرعون علـى فرس أدهم ذَنُوب حصان([167]). فلـما هجم علـى البحر هاب الـحصان أن يقتـحم فـي البحر، فتـمثل له جبريـل علـى فرس أنثى وديق . فلـما رآها الـحصان تقحّم خـلفها . وقـيـل لـموسى : اترك البحر رَهْوا- قال : طرقاً علـى حاله - قال: ودخـل فرعون وقومه فـي البحر، فلـما دخـل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى أطبق البحر علـى فرعون وقومه فأغرقوا.([168])


 الدراســــة:

يذكر الله تبارك وتعالى ليهود المدينة منته على أسلافهم يوم كانوا مستعبدين عند فرعون وقومه، وكيف أنجاهم منهم وأقر أعينهم بهلاك عدوهم أمامهم، وكيف خلصهم يوم كانوا يسومونهم سوء العذاب يذبحون الذكور ويستبقون الإناث.

قال القرطبي ([169]) {يَسُومُونَكُمْ} قيل معناه:

1- يذيقونكم ويلزمونكم إياه، وقال أبو عبيدة: يولونكم يقال: سامه خطة خسف، إذا أولاه إياها، ومنه قول عمرو بن كلثوم:

أبينا أن نقر الخسف فينا

إذا ما الملك سام الناس خسفاً

2- وقيل يديمون تعذيبكم، فقد جعل فرعون بني إسرائيل خداماً وصناعاً ومن لم يستخدمه ضرب عليه الجزية. ثم أبدلهم الله بالمعجزات على ضعفهم وفقرهم، ففلق لهم البحر معجزة باقية يتلوها الناس إلى يوم القيامة، وأغرق عدوهم الجبار الذي دعاهم إلى عبادته أغرقه وقومه أمامهم.

وفي هذه المعاني من الإشارات ما يلي:

1- نجاة أسلافهم من الهلاك والعذاب من فرعون وقومه نجاة لهم، فهم الخلف الذين ورثوا الكتاب، والدين من بعدهم فليشكروا الله على ذلك وليتبعوا نبيه.

2- تذكير اليهود بما كان عليه سلفهم من الذل والضعف، وعدوهم من الجبروت والعظمة، إلا أن الحق كان معهم والباطل مع خصمهم، ومع ذلك كانت الغلبة والظهور لصاحب الحق مع فقره وضعفه، فلا يغتروا بقوتهم وضعف محمد صلى الله عليه وسلم  وأصحابه فليس لهم إلا متابعته والإيمان بما جاء به.([170])

 قال الحافظ ابن كثير في تفسيره معلقاً على عدد الذين خرجوا مع فرعون: "فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دهم ، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم - ففي ذلك نظر . والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل. والله سبحانه وتعالى أعلم. والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم" ([171])

وفي نجاتهم من عدوهم ,مع قلة عددتهم, وضعفهم, وتشردهم, وكثرة عدوهم وقوته:آية صدق يقيس بها اليهود بين ظهراني الرسول صلى الله عليه وسلم  يوم قدم عليهم المدية , فوجب إيمانهم به. لأن الله سينصره وصحبة ,كما نصر موسى عليه السلام  وقومه, فكان عليهم الاستفادة مما حصل لأسلافهم ولا يجحدوا نعمة الله عليهم.

كما أن فيه تسلية وعبرة وعظة للمسلمين جميعاً، وألا يكونوا في حياتهم مثل بني إسرائيل, بل يلتفوا طائعين منقادين مستسلمين لما يأمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خاصة في حالة ضعفهم وقلتهم كما قال تعالى مذكراً صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم  بفضله عليهم فقال: {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  = 26 } [سورة الأنفال 8/26]

فالواجب الصبر والشكر وسؤال الله النصر.

 المطلب الخامس:بعثهم بعد الموت

 الآثار:

قولـه تعالى:{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  = 56 } [سورة البقرة 2/56] 

53-806- حدثنا به محمد بن حميد قال: ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال: لما رجع موسى إلى قومه ورأى ما هم فيه من عبادة العجل وقال لأخيه وللسامري ما قال وحرق العجل وذراه في اليم؛ اختار موسى عليه السلام  منهم سبعين رجلاً الخير فالخير وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل  فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم! فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلى ربك لنسمع كلام ربنا! فقال: أفعل. فلما دنا موسى عليه السلام  من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى عليه السلام  فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى عليه السلام  إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة صوابها{فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55)} [سورة البقرة 2/55]وهي الصاعقة فماتوا جميعاً. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} [سورة الأعراف 7/155] قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منا؟ أي أن هذا لهم هلاك اخترت منهم سبعين رجلاً الخير فالخير أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [سورة الأعراف 7/156] فلم يزل موسىناشد ربه عز وجل  ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل يل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.‏ ([172])

54-808 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: قال لهم موسى عليه السلام  لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم ففعلوا فتاب الله عليهم، فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمره الذي أمركم، به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه! فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [سورة البقرة 2/55] قال: فجاءت غضبة من الله عز وجل فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم وقرأ قول الله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة البقرة 2/56] فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله! فقالوا لا فقال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيينا. قال: خذوا كتاب الله! قالوا لا. فبعث الله تعالى ملائكة فنتقت الجبل فوقهم.‏ ([173])

55-809 أ- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قولـه: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  = 55  ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  = 56 } [سورة البقرة 2/55-56] قال: أخذتهم الصاعقة ثم بعثهم الله تعالى ليكملوا بقية آجالهم. ([174])

56-809ب-حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس في قولـه: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} قال: هم السبعون الذين أختارهم موسى عليه السلام  فساروا معه. قال: فسمعوا كلاماً فقالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قال: فسمعوا صوتا فصعقوا. يقول: ماتوا. فذلك قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} فبعثوا من بعد موتهم؛ لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم فبعثوا لبقية آجالهم. ([175])

57-796 - وكما حدثنا به القاسم بن الحسن قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما : {حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قال: علانية. ([176])

58-800 - حدثنا به الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} [سورة النساء 4/153] قال: ماتوا. ([177])


 الدراســــة:

من نعم الله على بني إسرائيل أن جعلهم يرون بأعينهم الموت ثم يحييهم بعد ذلك، وهي آية عجيبة، ومنة عظيمة، وإن كان ظاهرها العقوبة ولكنها لم تدم عليهم، وذلك حين اختار موسى عليه السلام  سبعين رجلاً من قومه ليتوبوا الى الله من اتخاذهم العجل، وجعل هارون خليفته على الباقين، وكان الموعد جبل الطور، ([178]) وكان هؤلاء السبعين الذين اختارهم موسى عليه السلام  هم أصلح القوم، فلما جاؤا لميقات الله، وكلم الله نبيه وكليمه عليه السلام  وهم يسمعون وأبت نفوسهم المشبعة بالعناد إلا أن يروا الله جهرة كما قال تعالى : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [سورة البقرة 2/55] فهلكوا جميعاً، فقام موسى عليه السلام  يعتذر إلى ربه، ويدعوه فاستجاب له ربه قال تعالى : {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [سورة لأعراف 7/155]

وقد وردت أقوال كثيرة في السبب الذي من أجله طلبوا الرؤية، غالبها من الروايات الإسرائيلية. قال الطبري رحمه الله : "فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قولـه في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة فتسلم لهم. وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: {يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنما أخبر الله عز وجل  بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات توبيخاً لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم  وقد قامت حجته على من احتج به عليه، ولا حاجة لمن انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها وجائز أن يكون بعضها حقاً كما قال." ([179])

وكما قال قتادة وغيره إنما هي عقوبة، وردوا لاستيفاء آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة. ([180])

والمخاطب هنا هم يهود المدينة واليهود عامة إلى قيام الساعة، ففي تعداد النعم موعظة للجميع، وعبرة لهم، حتى لا يطلبوا من محمد صلى الله عليه وسلم  مثل ما طلب أسلافهم من موسىعليه السلام ، وتذكيراً لسلفهم من اليهود.


 المطلب السادس:تمكينهم من الأرض المقدسة

 الآثــــار:

قولـه تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ  = 58 } [سورة البقرة 2/58] 

59-837 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أنبأنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ}قال: بيت المقدس.‏ ([181])

60-838 - حدثني موسى بن هارون قال: حدثني عمرو بن حماد قال: ثنا أسباط عن السدي: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} أما القرية فقرية بيت المقدس.‏ ([182])

61-840 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: سألته يعني ابن زيد عن قوله: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا} قال: هي أريحا وهي قرية من بيت المقدس.‏ ([183])


 الدراســــة:

قضى الله على بني إسرائيل بعدم دخول الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الصحراء وهو ما عرف( بالتيه) وسيأتي الحديث عنه، قال تعالى : {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [سورة المائدة 5/26] وفي نهاية هذه المدة الطويلة، قال تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَـزَيِدُ الْمُحْسِنِينَ} [سورة الأعراف 7/161]

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم  : واذكر أيضاً يا محمد من خطإ فعل هؤلاء القوم، وخلافهم على ربهم، وعصيانهم نبيهم موسى عليه السلام ، وتبديلهم القول الذي أمروا أن يقولوه حين قال الله لهم: {اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} وهي قرية بيت المقدس، {وَكُلُوا مِنْهَا} يقول: من ثمارها وحبوبها ونباتها {حَيْثُ شِئْتُمْ} منها يقول: أنى شئتم منها {وَقُولُوا حِطَّةٌ} يقول: وقولوا: هذه الفعلة حطة تحط ذنوبنا {نَغْفِرْ لَكُمْ} يتغمد لكم ربكم ذنوبكم التي سلفت منكم فيعفو لكم عنها فلا يؤاخذكم بها. {سَنَـزَيِدُ الْمُحْسِنِينَ} منكم وهم المطيعون لله على ما وعدتكم من غفران الخطايا.

ثم قال: فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبائهم، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعز وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس؛ وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النعم من الله لديهم. وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلهاً غير الله، ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون لا نصدقك حتى نرى الله جهرة، وأخرى يقولون لـه إذا دُعوا إلى القتال: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [سورة المائدة 5/24] ومرة يقال لهم: {قُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ} [سورة الأعراف 7/161] فيقولون: حنطة في شعيرة ويدخلون الباب من قبل أستاههم، مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم عليه السلام  التي يكثر إحصاؤها. فأعلم ربنا تبارك وتعالى ذكره الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم ، وجحودهم نبوته، وتركهم الإقرار به وبما جاء به مع علمهم به ومعرفتهم بحقيقة أمره، كأسلافهم وآبائهم الذين فصل عليهم قصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى وتوثبهم على نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه تارة بعد أخرى مع عظيم بلاء الله جل وعز عندهم وسبوغ آلائه عليهم.‏

وبسط ذلك كالتالي:

لما طلب موسى عليه السلام  من بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، جبنوا عن دخولها، ورفضوا وتعللوا بالقوم الجبارين القاطنين لها،وقالوا أنهم ولن يدخلوها حتى يخرج منها الجبارون، وكان فيهم رجلان ممن يخاف الله، فبينوا لهم أنسب الطرق لدخولها، وما زادهم ذلك غير العناد، بل طلب بنوا إسرائيل من موسى أن يذهب هو وربه فيقاتلا، ومن النعم العظيمة التي يذكّر الله بها اليهود عامة، ما من الله به على أسلافهم، وذلك يوم أن أذن لهم بالخلاص من التيه الذي دام أربعين عاماً، وهي التي حرم الله عليهم فيها الدخول الى الأرض المقدسة، دلهم إلى ما يوجب رجمته والخلاص من عناء التيه والضياع، فأمرهم بالدخول (سجداً) وأن يقولوا (حطة)

قال تعالى : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ}.[سورة الأعراف 7/161] 

وقد وعدهم الله بالرزق الرغيد والواسع إن هم أطاعوا أمره.

واختلف في هذه القرية ماهي؟

1- فقيل: بيت المقدس وهو المروي عن السدي والربيع بن أنس وقتادة وأبي مسلم الأصفهاني وغير واحد.([184])

2- وقيل: أريحا ويحكى عن ابن عباس رضي الله عنهما  وعبد الرحمن بن زيد.([185])

3- وقيل : مصر كما حكاه الرازي في تفسيره.

ورجح ابن كثير رحمه الله  أنها بيت المقدس، وقال عن أريحا :هذا بعيد لأنها ليست على طريقهم، وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء.

والصحيح الأول أنها بيت المقدس، وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون عليه السلام ، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلاً حتى أمكن الفتح، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب -باب البلد- ( سجداً ) أي شكراً لله تعالى على ما أنعم عليهم من الفتح والنصر، ورد عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.

واختلف ي المراد بالسجود في قوله تعالى: {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} على أقوال:

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما  أنه كان يقول في قولـه تعالى: ((أي ركعاً)) وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قولـه {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} قال: ((ركعاً من باب صغير)) ورواه الحاكم ([186]) من حديث سفيان به ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان وهو الثوري به وزاد فدخلوا من قبل أستاههم،

2- وقال الحسن البصري: ((أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم)) واستبعده الرازي.

3-  وحكي عن بعضهم أن المراد ههنا بالسجود: الخضوع لتعذر حمله على حقيقته،

ثم اختلف في المراد بالباب:

1- فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ((كان الباب قبل القبلة)

2- وفي رواية أخرى عنه _ أنه قال: ((هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس)) وهو قول مجاهد والسدي وقتادة والضحاك.

 3- وحكى الرازي عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القبلة.

أما طريقة  دخولهم فقال ابن عباس رضي الله عنهما  ((فدخلوا على شق)) وعن عبد الله بن مسعود _ ((قيل لهم أدخلوا الباب سجداً فدخلوا مقنعي رؤسهم أي رافعي رؤسهم خلاف ما أمروا)

أما قوله تعالى {وقولوا حطة}

1- فعن ابن عباس رضي الله عنهما  {وقولوا حطة} قال: ((مغفرة أستغفروا)) وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه

2- وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما  {وقولوا حطة} قال: ((قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم)

3- وقال عكرمة ((قولوا: لا إله إلا الله)

4- وقال الأوزاعي ((كتب ابن عباس رضي الله عنهما  إلى رجل قد سماه فسأله عن قولـه تعالى {وقولوا حطة} فكتب إليه أن أقر بالذنب)

5- وقال الحسن وقتادة: ((أي احطط عنا خطايانا))

وقولـه تعالى {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [سورة البقرة 2/59] روى البخاري عن أبي هريرة _ عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ((قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً، وقولوا: حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا: حبة في شعرة.)) ([187])

 وروى عبد الرزاق عن أبي هريرة _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قال الله لبني إسرائيل:  ادخلوا الباب سجداً، وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم، فقالوا: حبة في شعرة.)) وهذا حديث صحيح رواه البخاري ([188]) عن إسحاق بن نصر ومسلم ([189]) عن محمد بن رافع والترمذي ([190]) عن عبد بن حميد كلهم عن عبد الرزاق به وقال الترمذي حسن صحيح.

وقال محمد بن إسحاق كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة _ وعمن لا أتهم عن ابن عباس رضي الله عنهما  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: ((دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعيرة)) وقال أبو داود ([191]) حدثنا أحمد بن صالح، وحدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري _، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ((قال الله لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم)) ثم قال أبو داود ([192]).

وقال ابن مردويه حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري _ قال: ((سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  حتى إذا كان من آخر الليل أجزنا في ثنية يقال لها ذات الحنظل)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل {ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [سورة البقرة  2/58] )

وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن البراء في قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ} [سورة البقرة  2/142] قال: ((اليهود قيل لهم {ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} قال: ركعاً {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي مغفرة فدخلوا على أستاههم وجعلوا يقولون حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [سورة البقرة  2/59]

وقال الثوري عن السدي عن أبي سعد الأزدي عن أبي الكنود عن ابن مسعود _: (({وَقُولُواْ حِطَّةٌ} فقالوا: حنطة حبة حمراء فيها شعيرة، فأنـزل الله {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

قال أسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود _ أنه قال: ((إنهم قالوا هطاً سمعاناً أزبة مزبا فهي بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء فذلك قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ}

وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قولـه تعالى: {ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً} قال: ((ركعاً من باب صغير فدخلوا من قبل أستاههم وقالوا حنطة فذلك قولـه تعالى {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} وهكذا روي عن عطاء ومجاهد وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن رافع.

وحاصل ماذكره المفسرون ومادل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجداً فدخلوا يزحفون على أستاههم، من قبل أستاههم، رافعي رؤسهم، وأمروا أن يقولوا حطة أي احطط عنا ذنوبنا وخطايانا، فاستهزأوا فقالوا حنطة في شعيرة! وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة، ولهذا أنـزل الله بهم بأسه، وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته ولهذا قال {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  = 59 } [سورة البقرة 2/59] وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : ((كل شيء في كتاب الله من الرجس يعني به العذاب)) وهكذا روي عن مجاهد وأبي مالك والسدي والحسن وقتادة أنه العذاب وقال أبو العالية: ((الرجز الغضب)) وقال الشعبي ((الرجز إما الطاعون، وإما البرد)) وقال سعيد بن جبير: ((الطاعون)) وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن سعد يعني ابن أبي وقاص عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت رضي الله عنهم  قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الطاعون رجز أو عذاب عذب به من كان قبلكم)) وهكذا رواه النسائي ([193]) من حديث سفيان الثوري به وأصل الحديث في الصحيحين ([194]) من حديث حبيب بن أبي ثابت: ((إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها)) الحديث قال ابن جرير أخبرني يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس عن الزهري قال أخبرني عامر بن سعد بن للأبي وقاص عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: ((إن هذا الوجع والسقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم)) وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين ([195]) من حديث الزهري ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم بن أبي النضر عن عامر بن سعد بنحوه.


 المطلب السابع:مضاعفة أجر من آمن منهم

 الآثــــار:

قولـه تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة 2/62]

62-929 - حدثني المثنى قال: ثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}  فأنـزل الله تعالى بعد هذا: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ}. [سورة آل عمران 3/85] ([196])

قولـه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  = 28 } [سورة الحديد 57/28]

63-26086- حدثني محمد بن سعد. قال: ثني أبي، ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} يعني الذين آمنوا من أهل الكتاب.([197])

قولـه تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  = 51 } [سورة القصص 28/51]

64-20953 - حدثنا ابن سنان، قال: ثنا حيان، قال: ثنا حماد، عن عمرو، عن يحيى بن جعدة، عن عطية القرظي قال: نـزلت هذه الآية {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} حتى بلغ {إنا كنا من قبله مسلمين} في عشرة أنا أحدهم، فكأن ابن عباس أراد بقوله: يعني محمداً: لعلهم يتذكرون عهد الله في محمد إليهم، فيقرون بنبوته ويصدقونه. ([198])

65-20956 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} [سورة القصص 28/52] قال: كنا نحدث أنها نـزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق، يأخذون بها، وينتهون إليها، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم  ، فآمنوا به، وصدقوا به، فأعطاهم الله أجرهم مرتين، بصبرهم على الكتاب الأول، واتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم  ، وصبرهم على ذلك، وذكر أن منهم سلمان، وعبد الله بن سلام. ([199])


 الدراســــة:

وعد الله -تبارك وتعالى - من آمن من اليهود أو النصارى بمضاعفة أجره إن هو أمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم  ويدل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ((ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران.)) ([200])

وروى الإمام أحمد بسنده إلى ابن أبي أمامة قال: ((إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم  يوم الفتح فقال قولاً حسناً جميلاً.)) وقال فيما قال : ((من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا.)) ([201])

ويؤيد ذلك ما ورد في سبب نـزول قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [سورة القصص 28/54] فقد ورد نـزولها في طائفة آمنوا من اليهود كعبد الله بن سلام _ كما مر في الأثر.

وهنا إشكال وهو هل لابد لليهودي أن يؤمن بعيسى عليه السلام  أولاً, ثم محمد حتى يضاعف أجره؟

الظاهر من النصوص السابقة عدم التحديد ويؤيد ذلك ما رواه علي بن رفاعة القرظي قال: خرج عشرة من أهل الكتاب - منهم أبي رفاعة - إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فآمنوا به فأوذوا فنـزلت {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} [سورة القصص 28/52] الآيات. ([202]) فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم  وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين كما في الحديث.

 قال الطيبي: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم  سبباً لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة.

ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام ؛ لأنها لم تنتشر في أكثر البلاد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى عليه السلام  إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فبهذا يرتفع الإشكال إن شاء الله تعالى. ([203])

وكما ثبت هذا الأجر لمؤمني أهل الكتاب, فأمة محمد موعودة بالخيرية دائماً فمن آمن بالله ورسوله فقد وعده الله بكفلين ([204]) من رحمته. كما روى ابن ابي حاتم بسنده: عن مقاتل بن حيان قال: ((لما نـزلت: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [سورة القصص 28/54] فخر مؤمنوا أهل الكتاب على الصحابة رضي الله عنهم  فأنـزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [سورة الحديد 57/28] فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب.)) ([205])


 المبحث الثالث: الآثار الواردة في عقاب الله لهم:

 المطلب الأول : عقاب الله لهم في الدنيا:

وفيه ثمان مسائل:

 المسألة الأولى: غضب الله عليهم

 الآثــــار:

قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  = 7 } [سورة الفاتحة 1/7]

66-166 - وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: حدثنا بشر بن عمار قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} يعني اليهود الذين غضب الله عليهم. ([206])

قولـه تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} سورة البقرة 2/79].

67-1151 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال: ثنا إبراهيم بن عبد السلام قال: ثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة العدوي عن عثمان بن عفان _ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} "الويل: جبل في النار". وهو الذي أنـزل في اليهود؛ لأنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ما يحبون ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم  من التوراة؛ فلذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة فقال: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ}([207])

68-1280 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {فَبَاءُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [سورة البقرة 2/90] غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم . ([208])

69-1281-حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَبَاءُواْ بِغَضَبٍ} اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ، {عَلَى غَضَبٍ} جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم  وكفرهم بما جاء به. ([209])

70-1282 - حدثنا المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {فَبَاءُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} يقول: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى عليه السلام ، ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم  وبالقرآن. ([210])

71-1283 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فَبَاءُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} أما الغضب الأول: فهو حين غضب الله عليهم في العجل، وأما الغضب الثاني: فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم . ([211])

72-1284 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج وعطاء وعبيد بن عمير قولـه: {فَبَاءُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} قال: غضب الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم  من تبديلهم وكفرهم، ثم غضب عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم  إذ خرج فكفروا به. ([212])

قولـه تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِين} [سورة البقرة 2/90]

73-1281- حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ} اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم  {عَلَى غَضَبٍ} جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم  وكفرهم بما جاء به. ([213])

قولـه تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [سورة البقرة 2/97].

74-1330 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس عن بكير عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما  أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "سلوا عما شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني على الإسلام". فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "سلوني عما شئتم" فقالوا أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن! أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني". فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق فقال: "نشدتكم بالذي أنـزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه، فنذر نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل؟" - قال أبو جعفر: فيما أرى: "وأحب الشراب إليه ألبانها" - فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أشهد الله عليكم وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنـزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبيه بإذن الله، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟ "قالوا: اللهم نعم! قال: "اللهم اشهد". قال: "وأنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ "قالوا: اللهم نعم! قال: "اللهم اشهد." قالوا: أنت الآن تحدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نتابعك أو نفارقك. قال: "فإن وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً فقط إلا وهو وليه". قالوا: فعندها نفارقك لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: "فما يمنعكم أن تصدقوه؟" قالوا: إنه عدونا. فأنـزل الله عز وجل : {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [سورة البقرة 2/97] إلى قولـه: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة 2/101]. فعندها باؤوا بغضب على غضب.‏([214])

قولـه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [سورة الممتحنة 60/13]

75-26178 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم} [سورة المجادلة 58/14] إلى آخر الآية قال: هم المنافقون تولوا اليهود وناصحوهم.([215])

76-26178 أ- حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة {تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم} قال: هم اليهود تولاهم المنافقون.‏ ([216])

قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [سورة آل عمران 3/67].

77-5697 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله - لا أراه إلا يحدثه عن أبيه -: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينه، وقال: إني لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم! فقال له اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، وأنا لا أستطيع فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفاً قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يك يهودياً ولا نصرانياً وكان لا يعبد إلا الله. فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى فسأله عن دينه فقال: إني لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم! قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: لا أحتمل من لعنة الله شيئاً ولا من غضب الله شيئاً أبداً، وأنا لا أستطيع فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحواً مما قاله اليهودي: لا أعلمه إلا أن تكون حنيفاً. فخرج من عنده وقد رضي الذي أخبراه والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم، فلم يزل رافعاً يديه إلى الله وقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم. ([217])


 الدراســــة:

أمة الغضب، هذا هو الوصف الذي ينطبق على اليهود. واستحقوا غضب الله في الدنيا والآخرة كونهم عرفوا الحق ولم يتبعوه، وليسوا مثل النصارى الذين عبدوا الله على غير علم، بل هم أشد انحرافاً وعناداً استحقوا به غضب الله.

وهو أول وصف لليهود يقابلك في كتاب الله, بل في فاتحته: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [سورة الفاتحة 1/7] وهذه العقوبة هي سبب العقوبات الدنيوية والأخروية لهم.

واليهود الذين لُعنوا كانوا يعرفون الحق قبل أن يأتي من يخبرهم عنه، فلعن الذين كفروا من بني إسرائيل وليس كل بني إسرائيل, فقط الذين لايتناهون عن المنكر مع معرفتهم بأنه منكر فهم مغضوب عليهم.

وكذلك هم مع محمد صلى الله عليه وسلم  يعرفونه كما يعرفون أبنائهم، وكانوا يتوعدون العرب به ولما جاء من غيرهم وعلى غير ما يخبرون به الأنصار جحدوا نبوته؛ لأنهم يكفرون بآيات الله, ولقتلهم الأنبياء بغير حق, وبما كانوا يعتدون, ولمثل هذا أمرنا ربنا تبارك وتعالى ان نستعيذ من طريق المغضوب عليهم والضالين في كل يوم سبعة عشر مرة في فاتحة الكتاب التي تتضمنها كل ركعة، وكان يكفي اليهود أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم  حتى يحط الله عنهم لعنته وغضبه، ولكن أبت نفوس أكثرهم إلا الضلال.

فعن عوف بن مالك الأشجعي _ قال: ((انطلق النبي صلى الله عليه وسلم  وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيدهم، وكرهوا دخولنا عليهم) فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا معشر اليهود، أرونى اثنى عشر رجلاً يشهد أن لا اله إلا الله وأني رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عضب عليه، قال فأمسكوا وما أجابه منهم أحد، ثم رد علهيم فلم يجبه أحد، ثم ثلث فلم يجبه أحد، فقال أبيتم فوالله إنى لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفى آمنتم أو كذبتم، ثم انصرف وأنا معه حتى دنا أن يخرج فإذا رجل من خلفنا يقول كما أنت يا محمد، قال: فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلمونى فيكم يا معشر اليهود، قالوا ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك، ولا من أبيك من قبلك، ولا من جدك قبل أبيك، قال فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة، قالوا كذبت ثم ردوا عليه وقالوا له شراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  كذبتم لن يقبل قولكم، أما آنفاً فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذا آمن كذبتموه وقلتم ما قلتم فلن يقبل قولكم، قال: فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأنا وعبد الله بن سلام.)) ([218])

وقولـه تبارك وتعالى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [سورة الفاتحة 1/7] لا شك أنه يعني اليهود بالدرجة الأولى، وإن كان يصدق على كل ضال.

وقد استدل لذلك ابن جرير رحمه الله  بالقرآن بقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ  = 60 } [سورة المائدة 5/60]

وبالسنة بقولـه صلى الله عليه وسلم  لعدي بن حاتم _: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن المغضوب عليهم اليهود)).([219])

وقد تكرر غضب الله على اليهود، وذلك مع كل عصيان يظهرونه، كما قال تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ  = 90 } [سورة البقرة 2/90]

فهناك غضب أول، وهو على جرائمهم الأولى من عبادة العجل، والكفر بعيسى عليه السلام ، وارتكاب المعاصي وتضييع التوراة. وهناك غضب ثان على كفرهم وتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم  والقرآن.


 المسألة الثانية:اللعن

 الآثــــار:

قولـه تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ  = 78 } [سورة المائدة 5/78] 

78-9600 - حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قولـه: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} قال: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى عليه السلام  في التوراة، ولعنوا على عهد داود عليه السلام  في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى عليه السلام  في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد صلى الله عليه وسلم  في القرآن.([220])

79-حدثني المثني قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} يقول: لعنوا في الإنجيل على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام ، ولعنوا في الزبور على لسان داود عليه السلام . ([221])

80-حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن فضيل عن أبيه عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} قال: خالطوهم بعد النهي في تجاراتهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، فهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام .‏([222])

81-9601 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير عن حصين عن مجاهد: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} قال: لعنوا على لسان داود عليه السلام  فصاروا قردة، ولعنوا على لسان عيسى عليه السلام فصاروا خنازير.([223])


 الدراســــة:

لعن الله اليهود في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، ولأسباب عديدة، بيّنَها الرب تبارك وتعالى، واللعنة يراد بها الإبعاد عن رحمة الله، ([224]) فأصل اللعن: الطرد والإبعاد عن الخير، ([225]) وهو الطرد والإبعاد على سبيل السخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره.([226])

ولعن الله اليهود في كتابه الكريم مراراً، وبين سبب اللعن، ولعنهم على لسان أنبيائه الكرام عليهم السلام ، بل إنهم لعنوا في جميع الكتب السماوية كما في الآثار السابقة.

فلماذا استحقوا اللعن؟

1- لعنوا بسبب كفرهم. قال تعالى:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } [سورة البقرة 2/88]

2- ولعنوا بسبب تفضيلهم الشرك وعبادة الأوثان على ما جاء به الرحمن.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً  = 51  أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [سورة النساء 4/51-52]

3- ولعنوا لوصفهم الله بالصفات الرديئة. قال تعالى: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ  = 64 } [سورة المائدة 5/64]

4- ولعنوا لتحريفهم كلام الله ومعصيتهم مع معرفتهم للحق. قال تعالى: {مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}[سورة النساء 4/46]

5- ولعنوا على لسان أنبياء الله كداود وعيسى عليهما السلام  لمعصيتهم واعتدائهم وتركهم التناهي عن المنكر، قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  = 78 } [سورة المائدة 5/78]

وهو في حديث ابن مسعود _ قال :قال صلى الله عليه وسلم  ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} - إلى قوله - {فاسقون} ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً.)) ([227])

6- ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم  لأمور منه:

أ- اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد:كما روت عائشة رضي الله عنها  وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما  قالا: ((لما نـزل برسول الله صلى الله عليه وسلم  طفق يطرح خميصة لـه على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه،)) فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا.)) ([228])

ب- مخادعتهم في مسألة :تحريم الشحوم, وإذابتهم لها ثم بيعها على أنها سمن وليست شحم :فعن بن عباس رضي الله عنهما  قال :سمعت عمر _ يقول: ((قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم )) قال: ((لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها.)) ([229]) ([230])


 المسألة الثالثة: الصاعقة

 الآثار:

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ} [سورة البقرة 2/54]

82-793 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: لما رجع موسى عليه السلام  إلى قومه وأحرق العجل وذراه في اليم؛ خرج إلى ربه بمن اختار من قومه فأخذتهم الصاعقة ثم بعثوا. سأل موسى عليه السلام  ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله، فأمر موسى عليه السلام  من لم يمكن عبد العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية واصلت عليهم القوم السيوف فحملوا يقتلونهم، وبكى موسى عليه السلام  وبهش إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.‏ ([231])

83-801- حدثت عن عمار بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [سورة البقرة 2/55] قال: سمعوا صوتاً فصعقوا. يقول: فماتوا. ([232])

84-802- حدثني موسى بن هارون الهمداني قال: ثنا عمرو بن حماد قال: ثنا أسباط عن السدي: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} والصاعقة: نار. ([233])

85-803- حدثنا به ابن حميد قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: أخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعاً. ([234])


 الدراســــة:

عاقب الله بني إسرائيل- حين طلبوا معاندين رؤية الله عياناً- بأن أنـزل عليهمم الصاعقة، وهولاء هم خيرة بني إسرائيل ولما نظر بعظهم إلى بعض وهم يضربون بالصواعق، هرعوا الى موسى عليه السلام  فطفق يدعوا ربه حتى عفى عنهم، كما قال تعالى{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ  = 55 } [سورة البقرة 2/55] وكما قال تعالى {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ َ  = 155 }[سورة الأعراف 7/155]

قال الربيع بن أنس: ((كان موتهم عقوبة لهم فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم.)) ([235])

وفي هذه الآية كما قال ابن القيم رحمه الله : "استعطاف من موسى عليه السلام  لربه، وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل حين عبد قومه العجل ولم ينكروا عليهم، يقول موسى عليه السلام  إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم، ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك ولم تهلكهم، فليسعهم اليوم ما وسعهم من قبل، وهذا كما يقول من واخذه سيده بجرم: لو شئت واخذتني من قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم، ولكن وسعني عفوك أولاً فليسعني اليوم." ([236])

وأصل الصاعقة: كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم، صوتاً كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفاً. ([237]).‏

وكما في الآثار الواردة فقد فسرت الصاعقة بالموت، وفسرت بالنار، وفسرت بالصيحة والرجفة.

قال الطبري: "وتكون الصاعقة صوتاً أو ناراً أوزلزلة أو رجفاً." ([238])

واحتج على أن الصاعقة لا يلزم منها الموت بقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ َ  = 143 } [سورة الأعراف 7/143] يعني مغشياً عليه. ومنه قول جرير بن عطية:

أصابته الصواعق فاستدارا

وهل كان الفرزدق غير قرد

فقد علم أن موسى عليه السلام لم يكن حين غشي عليه وصعق ميتاً؛ لأن الله جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال: {تُبْتُ إِلَيْكَ} [سورة الأعراف 7/143] ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتاً ولكن معنى ذلك ما وصفنا ([239]).

 وأما سبب الصاعقة فهو طلبهم رؤية الله، وقد وردت الآثار باختلاف في السبب الذي من أجله طلبوا لقاء الله, ثم طلبوارؤية الله، أقربها: ذهابهم للقاء الله و التوبة من عبادة العجل، وقد وردت آثار آخرى تذكر أسباباً غير ما سبق كماورد عن علي _ قال: ((لما حضر أجل هارون عليه السلام  أوحى الله إلى موسى عليه السلام  أن انطلق أنت وهارون وابن هارون إلى غار في الجبل فإنا قابضوا روحه، فانطلق موسى وهارون وابن هارون فلما انتهوا إلى الغار دخلوا، فإذا سرير فاضطجع عليه موسى ثم قام عنه فقال: ما أحسن هذا المكان يا هارون فاضطجع هارون فقبض روحه، فرجع موسى وابن هارون إلى بني إسرائيل حزينين فقالوا لـه أين هارون؟ قال مات. قالوا: بل قتلته؛ كنت تعلم أنا نحبه. فقال لهم موسى: ويلكم أقتل أخي؟ وقد سألته الله وزيراً ولو أنى أردت قتله أكان ابنه يدعني؟ قالوا لـه: بل قتلته حسدتناه. قال: فاختاروا سبعين رجلاً، فانطلق بهم فمرض رجلان في الطريق فخط عليهما خطاً، فانطلق موسى وابن هارون وبنو إسرائيل حتى انتهوا إلى هارون عليه السلام  فقالوا: يا هارون من قتلك؟ قال لم يقتلني أحد ولكني مت. قالوا: ما تقضي يا موسى؟ ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء. قال: فأخذتهم الرجفة فصعقوا، وصعق الرجلان اللذان خلفوا، وقام موسى عليه السلام  يدعو: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، فأحياهم الله فرجعوا إلى قومهم أنبياء.)) ([240])

وما رواه الحاكم في مستدركه: عن محمد بن جعفر عن أبيه قال: ((كان علم الله وحكمته في ذرية إبراهيم عليه السلام ، فعند ذلك آتى الله يوسف بن يعقوب عليه السلام  ملك الأرض المقدسة، فملك اثنتين وسبعين سنة، وذلك قوله عز وجل : {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [سورة يوسف 12/101] الآية فعند ذلك بعث الله موسى وهارون عليهما السلام  فأورثهما مشارق الأرض ومغاربها، وملكهما ملكاً ناعماً، فملك موسى عليه السلام  ومن معه من بني إسرائيل ثمان وثمانين سنة، ثم إن الله تعالى أراد أن يرد ذلك عليهم، فملكهم مشارق الأرض ومغاربها، وآتاهم ملكاً عظيماً، حتى سألوا أن ينظروا إلى ربهم، فقالوا أرنا الله جهرة، وذلك حين رأوا موسى عليه السلام  كلمه ربه، وسمعوا فطلبوا الرؤية، وكان موسى عليه السلام  انتقى خيارهم ليشهدوا لـه عند بني إسرائيل أن ربه قد كلمه، فقالوا لن نشهد لك حتى ترينا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.)) ([241])

قال الطبري: "ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة فتسلم لهم. وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا لـه: {يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [سورة البقرة 2/55] كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنما أخبر الله عز وجل  بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات توبيخاً لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قامت حجته على من احتج به عليه ولا حاجة لمن انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها وجائز أن يكون بعضها حقاً كما قال." ([242])

بقي أن يقال أن مما يؤخذ من عذاب الله لليهود تنبيه لليهود والمسلمين أن يسألوا رسول الله أسئلة التعنت، وقد قال تعالى{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [سورة البقرة 2/108] وقال تعالى: {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [سورة المائدة 5/101] وإن كان هذا السؤال نوعاً آخر لكن المقصود أن سؤال الأنبياء حتى سؤال العلم منهم فيه أنواع كثيرة محرمة، وإن كانوا قد يعطون السائل فلا يدل ذلك على أن السؤال مشروع هذا في حياتهم فكيف بعد مماتهم؟ ولم ينقل أحد من أهل العلم أن أحداً من السلف سأل النبي صلى الله عليه وسلم  شيئاً بعد موته لا عند قبره ولا عند غير قبره، وكذلك قوم عيسى لما سألوا المائدة قبل رفع عيسى إلى السماء لم يكونوا محمودين في مسألهم، بل كان نـزولها ضرراً عليهم، وكذلك قوم موسى سألوا موسى أن يريهم الله جهرة فأخذتهم الصاعقة، وقوم صالح عليه السلام  سألوا صالحاً آية فكانت سبب هلاكهم، فالسؤال فتنة وشر للسائل وهو للمسؤول أجر وخير ومعجزة.)) ([243])


 المسألة الرابعة: التيه (وأبرز ما حصل فيه)

 الآثار:

 قولـه تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [سورة المائدة 5/26]

86-9126 - حدثني المثني قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قال: لما قال لهم القوم ما قالوا ودعا موسى عليه السلام  عليهم، أوحى الله إلى موسى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ  = 26 } وهم يومئذ فيما ذكر ستمائة ألف مقاتل، فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادين لكي يخرجوا منها، حتى يمسوا وينـزلوا فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا. وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم فأنـزل عليهم المن والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. وسأل موسى عليه السلام  ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض إذا ما نـزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط منهم عين، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خلت أربعون سنة، وكانت عذاباً بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى عليه السلام  أن مرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد أن يأتوا الباب ويسجدوا إذا دخلوا ويقولوا حطة. وإنما قولهم حطة أن يحط عنهم خطاياهم. فأبى عامة القوم، وعصوا وسجدوا على خدهم، وقالوا حنطة، فقال الله جل ثناؤه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [سورة البقرة 2/59]... إلى: {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}‏ ([244])

87-9127 - حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا سليمان بن حرب قال: ثنا أبو هلال عن قتادة في قول الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} قال: أبدا.ً ([245])

88-9129 - حدثنا المثني قال: ثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا هارون النحوي قال: ثني الزبير بن الخريت عن عكرمة في قوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [سورة المائدة 5/26] قال: التحريم لا منتهى له. ([246])

89-9131 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال: ثنا إبراهيم بن بشار قال: ثنا سفيان قال: قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: لما دعا موسى عليه السلام  قال الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} قال: فدخلوا التيه، فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه. قال: فمات موسى عليه السلام  في التيه ومات هارون عليه السلام  قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين فافتتح يوشع المدينة. ([247])

90-9132 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قال الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} حرمت عليهم القرى، وكانوا لا يهبطون قرية، ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة. وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم  مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم، والرجلان اللذان قالا ما قالا. ([248])

91-9133 - حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: ثني بعض أهل العلم بالكتاب الأول قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم نبيهم، وهمهم بكالب ويوشع إذ أمراهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا، ظهرت عظمة الله بالغمام على نار فيه الرمز على كل بني إسرائيل، فقال جل ثناؤه لموسى عليه السلام : إلى متى يعصيني هذا الشعب، وإلى متى لا يصدقون بالآيات كلها التي وضعت بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم وأجعل لك شعباً أشد منهم. فقال موسى عليه السلام  يسمع أهل المصر الذين أخرجت هذا الشعب بقوتك من بينهم، ويقول ساكنو هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: إنما قتل هذا الشعب من أجل لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البرية، ولكن لترتفع أياديك ويعظم جزاؤك يا رب كما كنت تكلمت، وقلت لهم فإنه طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، وإنك تحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أجيال وأربعة، فاغفر أي رب آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، كما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن! فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه وسلم : قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن قد أتى إني أنا الله وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، ألا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، سألوني عشر مرات ولم يطيعوني لا يرون الأرض التي خلقت لآبائهم ولا يراها من أغضبني؛ فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي فإني مدخله الأرض التي دخلها ويراها خلفه. وكان العماليق والكنعانيون جلوساً في الجبال ثم غدوا فارتحلوا في القفار في طريق يحرسون، وكلم الله عز وجل  موسى وهارون عليهما السلام  وقال لهما: إلى متى توسوس علي هذه الجماعة جماعة السوء؟ قد سمعت وسوسة بني إسرائيل. وقال: لأفعلن بكم كما قلت لكم ولتلقين جيفكم في هذه القفار وحسابكم من بني عشرين سنة فما فوق ذلك من أجل أنكم وسوستم علي فلا تدخلوا الأرض التي دفعت إليها، ولا ينـزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة. وأما بنوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف لهم الأرض التي أردت لهم وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيام التي جسستم الأرض أربعين يوماً، مكان كل يوم سنة، وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم: قد أنى لي أنا الله فاعل بهذه الجماعة - جماعة بني إسرائيل - الذين وعدوا بأن يتيهوا في القفار فيها يموتون! فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم يتجسسون الأرض، ثم حرشوا الجماعة فأفشوا فيهم خبر الشر فماتوا كلهم بغتة وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض. فلما قال موسى عليه السلام  هذا الكلام كله لبني إسرائيل، حزن الشعب حزناً شديداً، وغدوا فارتفعوا على رأس الجبل وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لم تعتدون في كلام الله من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أن الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدام أعدائكم من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله فلم يكن الله معكم! فأخذوا يرقون في الجبل ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة؛ يعني من الحكمة حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. فتيههم الله عز ذكره في التيه أربعين سنة بالمعصية حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. قال: فلما شب النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تتيهوا فيها، وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهراً؛ قدم يوشع بن نون إلى أريحاء في بني إسرائيل فدخلها بهم، وقتل الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثم قبضه الله إليه لا يعلم قبره أحد من الخلائق. ([249])

 قصة البقرة

92-978 - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم أو عاقر قال: فقتله وليه ثم احتمله فألقاه في سبط غير سبطه. قال: فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح. قال: فقال أولو النهي: أتقتتلون وفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فأتوا نبي الله فقال: اذبحوا بقرة! فقالوا: {قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  = 67  قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ} [سورة البقرة 2/67-68] إلى قوله: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} قال: فضُرب فأخبرهم بقاتله. قال: ولم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبا. قال: ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم فلم يورث قاتل بعد ذلك. ([250])

93-979 - وحدثني المثنى قال: ثنا آدم قال: حدثني أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قول الله {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} قال: كان رجل من بني إسرائيل وكان غنياً، ولم يكن له ولد، وكان لـه قريب، وكان وارثه فقتله ليرثه ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى عليه السلام  فقال لـه: إن قريبي قتل، وأتى إلي أمر عظيم، وإني لا أجد أحداً يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى في الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا! فلم يكن عندهم علمه، فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله فاسأل لنا ربك أن يبين لنا! فسأل ربه فأوحى الله إليه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} فعجبوا وقالوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  = 67  قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ} يعني هرمة {وَلاَ بِكْرٌ} يعني ولا صغيرة {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} أي نصف بين البكر والهرمة {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} أي صاف لونها {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} أي تعجب الناظرين. {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ  = 70  قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} أي لم يذللها العمل {تُثِيرُ الأَرْضَ} يعني ليست بذلول فتثير الأرض {وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ} يقول ولا تعمل في الحرث {مُسَلَّمَةٌ} يعني مسلمة من العيوب {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} يقول لا بياض فيها. {قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}. قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: {وَإِنَّآ إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} لما هدوا إليها أبداً. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقر التي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى وهي القيمة عليهم، فلما علمت أنهم لا يزكوا لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها، فقال لهم موسى: إن الله قد كان خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها! ففعلوا واشتروها فذبحوها. فأمرهم موسى أن يأخذوا عظماً منها فيضربوا به القتيل ففعلوا فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتاً كما كان. فأخذوا قاتله وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه فقتله الله على سوء عمله. ([251])

 وفاة هارون

94-11772 - حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا: ثنا يحيى بن يمان قال: ثنا سفيان قال: ثني أبو إسحاق عن عمارة بن عبد السلولي عن علي _ قال: انطلق موسى وهارون عليهما السلام  وشبر وشبير فانطلقوا إلى سفح جبل فنام هارون على سرير فتوفاه الله. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا لـه: أين هارون؟ قال: توفاه الله. قالوا: أنت قتلته حسدتنا على خلقه ولينه - أو كلمة نحوها - قال: فاختاروا من شئتم! قال: فاختاروا سبعين رجلاً. قال: فذلك قوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ  = 155 } [سورة الأعراف 7/155] قال: فلما انتهوا إليه قالوا: يا هارون من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد ولكنني توفاني الله. قالوا: يا موسى لن نعصي بعد اليوم! قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل موسى يرجع يميناً وشمالاً وقال: يا {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ  = 155 } [سورة الأعراف 7/155]قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم.‏ ([252])

 قصة قارون:

95-21047 - حدثنا بشر بن هلال الصواف قال: ثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: ثنا علي بن زيد بن جدعان قال: خرج عبد الله بن الحارث من الدار ودخل المقصورة؛ فلما خرج منها جلس وتساند عليها وجلسنا إليه فذكر سليمان بن داود {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ  = 38 } [سورة النمل 27/38] ... إلى قوله {إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [سورة النمل 27/40] ثم سكت عن ذكر سليمان فقال {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [سورة القصص 28/76] وكان قد أوتي من الكنوز ما ذكر الله في كتابه {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}  {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [سورة القصص 28/78] قال: وعادى موسى عليه السلام  وكان مؤذياً لـه وكان موسى يصفح عنه ويعفو للقرابة، حتى بنى داراً وجعل باب داره من ذهب، وضرب على جدرانه صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون، فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضحكونه، فلم تدعه شقوته والبلاء حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخنا، مشهورة بالسب، فأرسل إليها فجاءته فقال لها: هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك في نسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولي: يا قارون ألا تنهى عني موسى! قالت: بلى. فلما جلس قارون وجاء الملأ من بني إسرائيل، أرسل إليها فجاءت فقامت بين يديه فقلب الله قلبها وأحدث لها توبة فقالت في نفسها: لأن أحدث اليوم توبة أفضل من أن أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأكذب عدو الله لـه. فقالت: إن قارون قال لي: هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولي: يا قارون ألا تنهى عني موسى فلم أجد توبة أفضل من أن لا أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأكذب عدو الله؛ فلما تكلمت بهذا الكلام سقط في يدي قارون، ونكس رأسه، وسكت الملأ، وعرف أنه قد وقع في هلكة، وشاع كلامها في الناس حتى بلغ موسى؛ فلما بلغ موسى اشتد غضبه فتوضأ من الماء وصلى وبكى وقال: يا رب عدوك لي مؤذ، أراد فضيحتي وشيني، يا رب سلطني عليه. فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك. فجاء موسى إلى قارون؛ فلما دخل عليه عرف الشر في وجه موسى لـه فقال: يا موسى ارحمني؛ قال: يا أرض خذيهم قال: فاضطربت داره وساخت بقارون وأصحابه إلى الكعبين، وجعل يقول: يا موسى فأخذتهم إلى ركبهم وهو يتضرع إلى موسى: يا موسى ارحمني؛ قال: يا أرض خذيهم قال فاضطربت داره وساخت وخسف بقارون وأصحابه إلى سررهم، وهو يتضرع إلى موسى: يا موسى ارحمني؛ قال: يا أرض خذيهم فخسف به وبداره وأصحابه. قال: وقيل لموسى صلى الله عليه وسلم : يا موسى ما أفظك. أما وعزتي لو إياي نادى لأجبته. ([253])


 الدراســــة:

كتب الله على بني إسرائيل التيه في أرض سيناء ضاعوا فيها أربعين سنة لايستطيعون الخروج منها، وسبب التيه كما قص الله علينا: امتناع بني إسرائيل عن دخول الأرض المقدسة بعد أن قال لهم موسى عليه السلام  :{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِين} [سورة المائدة 5/21]

وهذا العصيان موجب للعقوبة قال تعالى{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ  = 26 } [سورة المائدة 5/26]

 يقول تعالى لائماً بني إسرائيل على نكولهم عن الجهاد ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر فأمروا بدخول الارض المقدسة التي هي ميراث لهم من أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم. ([254])

وكما في الأثر عن الربيع: ((وكانت عذاباً بما اعتدوا وعصوا)) وكان عددهم كبيراً ومع ذلك احتجوا بقوة عدوهم، قال تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ  = 22 } [سورة المائدة 5/22] ([255])

ولما دعوا للقتال وليستعينوا بالله قالوا فحشاً من القول، قال تعالى:{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ  = 24 } [سورة المائدة 5/24] وهذه المقولة الشنيعة من بني إسرائيل هي التي ذكر بها المقداد بن الاسود -_- النبي صلى الله عليه وسلم  يوم بدر، قال : ((يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكن امض ونحن معك.)) ([256])

 المراد بالأرض المقدسة

ورد ت آثار مختلفة في المراد بالأرض المقدسة:

1- فقيل الطور.

2- وقيل الشام.

3- وقيل أريحا.

4- وقيل دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقيل غير ذلك.

ولم أقف على دليل صحيح في هذه المسألة، ولكن لن تخرج عن أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر للإجماع أن هذه المنطقة هي الأرض المقدسة. ([257])

وقال القرطبي في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ} [سورة البقرة 2/61] كان هذا القول منهم في التيه، حين ملوا المن والسلوى، وتذكروا عيشهم الأول بمصر، قال الحسن: ((كانوا نتانى، أهل كراث وأبصال وأعداس، فنـزعوا إلى عكرهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم، فقالوا لن نصبر على طعام واحد))، وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان؛ لأنهم كانوا يأكلون أحدهما وصله فلذلك قالوا طعام واحد، وقيل: لتكرارهما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة هو على أمر واحد لملازمته لذلك، وقيل: المعنى لن نصبر على الغنى فلهذا فيكون جميعنا أغنياء، فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض، لاستغناء كل واحد منا بنفسه. ([258])

قولـه تعالى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [سورة المائدة 5/26] استجاب الله دعاءه وعاقبهم في التيه أربعين سنة، وأصل التيه في اللغة: الحيرة، يقال: منه تاه يتيه تيها وتوهاً إذا تحير، وتيهته وتوهته بالياء والواو والياء أكثر، والأرض التيهاء التي لا يهتدى فيها، وأرض تيه وتيهاء، فكانوا يسيرون في فراسخ قليلة. قيل في قدر ستة فراسخ يومهم وليلتهم فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا، فكانوا سيارة لا قرار لهم، واختلف هل كان معهم موسى وهرون عليهما السلام ؟

1- فقيل: لا؛ لأن التيه عقوبة، وكان سنو التيه بعدد أيام العجل، فقوبلوا على كل يوم سنة، وقد قال موسى عليه السلام : فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين.

2- وقيل: كانا معهم لكن سهل الله الأمر عليهما، كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام ، أي أنهم ممنوعون من دخولها، كما يقال حرم الله وجهك على النار، وحرمت عليك دخول الدار، فهو تحريم منع لا تحريم شرع عن أكثر أهل التفسير كما قال الشاعر:

إني أمرؤ صرعي عليك حرام

جالت لتصرعني فقلت لها اقصري

أي أنا فارس فلا يمكنك صرعي وقال أبو علي: يجوز أن يكون تحريم تعبد.

فإن قيل: كيف يجوز على جماعة كثيرة من العقلاء أن يسيروا في فراسخ فلا يهتدوا للخروج منها؟ فالجواب: قال أبو علي: قد يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا فيردهم.

قلت: الله قادر على حجب الطريق الصحيح دون ما ذكره من افتراض، كما حجب عنا رؤية قوم يأجوج ومأجوج.

 مما حصل في التيه:

 أولاً: وفاة هارون:

 ذكر وفاة هارون بن عمران عليه السلام  فإنه مات قبل موسى عليه السلام .

عن وهب بن منبه قال: ((نعى الله هارون لموسى عليهما السلام  حين أراد الله أن يقبضه، فلما نعاه لـه حزن، فلما قبض جزع جزعاً شديداً وبكى بكاء طويلاً، فلما عاد في ذلك أقبل الله تعالى عليه يعزيه ويعظه، فقال لـه: يا موسى ما كان ينبغي لك أن تحن إلى فقد شيء معي، ولا أن تستأنس بغيري، ولا أن تشد ركبك إلا بي، ولا أن يكون جزعك هذا الآن على هارون إلا لي، وكيف تستوحش إلى شيء من الأشياء وأنت تسمع كلامي، أم كيف تحن إلى فقد شيء من الدنيا بعد إذ اصطفيتك برسالاتي وبكلامي، وذكر مناجاة طويلة قال فأتى هارون وموسى بن سبع عشرة ومائة سنة، قبل أن ينقضي التيه بثلاث سنين، فأتى هارون وهو بن عشرين ومائة سنة بقي موسى بعده ثلاث سنين حتى تم له مائة وعشرون سنة، وبنو إسرائيل متفرقون عليه، يجتمعون عليه مرة، ويفترقون أخرى.))

عن عبد الله بن مسعود _ وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الله أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام  أني متوفى هارون فأت به جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام  نحو ذلك الجبل، فإذا هم بشجرة مثلها ببيت مبني، وإذا هم فيه بسرير عليه فرش، وإذا فيه ريح طيب، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، وقال يا موسى إني لأحب أن أنام على هذا السرير، قال له موسى: فنم عليه. قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي. قال لـه موسى: لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم. فقال: يا موسى بل نم معي، فإن جاء رب هذا البيت غضب علي وعليك جميعاً. فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتني، فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى عليه السلام  إلى بني إسرائيل وليس معه هارون، قالوا: إن موسى قتل هارون وحسده حب بني إسرائيل لـه، وكان هارون آلف عندهم وألين لهم من موسى عليهما السلام ، وكان في موسى بعض الغلظ عليهم، فلما بلغه ذلك، قال لهم: ويحكم إنه كان أخي، أفتروني أقتله، فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنـزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه))، هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ([259])

 ثانياً: قصة موسى والخضر

لقي نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم  - في فترة التيه - ([260]) الرجل الصالح الخضر وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنما سمي الخضر أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء.)) ([261]) وقص الله ما دار بينهما في سورة الكهف, وتفصيلها كما في الصحيحين: عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رضي الله عنهما : ((إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر، فقال كذب عدو الله.)) حدثنا أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((أن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فقال لـه: بلى لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: أي رب ومن لي به، - وربما قال سفيان أي رب وكيف لي به - قال تأخذ حوتاً فتجعله في مكتل، حيثما فقدت الحوت فهو ثم، - وربما قال فهو ثمه - وأخذ حوتاً فجعله في مكتل، ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون، حتى أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فرقد موسى واضطرب الحوت فخرج فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً، فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار مثل الطاق، فقال هكذا مثل الطاق، فانطلقا يمشيان بقية ليلتهما ويومهما، حتى إذا كان من الغد قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله. قال لـه فتاه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} [سورة الكهف 18/63] فكان للحوت سرباً ولهما عجباً قال لـه موسى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} [سورة الكهف 18/64] رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلّم موسى فرد عليه، فقال وأنى بأرضك السلام؟! قال: أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً، قال: يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، قال: هل أتبعك؟ {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً  = 67  وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً  = 68 } [سورة الكهف 18/67-68] إلى قولـه {إِمْراً} فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة كلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال لـه الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر، إذ أخذ الفأس فنـزع لوحاً، قال: فلم يفجأ موسى إلا وقد قلع لوحاً بالقدوم، فقال له موسى: ما صنعت قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً! {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً  = 72  قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً  = 73 } [سورة الكهف 18/72-73] فكانت الأولى من موسى نسياناً، فلما خرجا من البحر مروا بغلام يلعب مع الصبيان فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده هكذا وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئاً، فقال لـه موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً  = 74  قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً  = 75  قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً  = 76  فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [سورة الكهف 18/74-77] مائلاً أومأ بيده هكذا - وأشار سفيان كأنه يمسح شيئاً إلى فوق - فلم أسمع سفيان يذكر مائلاً إلا مرة، قال: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا، عمدت إلى حائطهم لو شئت لاتخذت عليه أجراً، {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [سورة الكهف 18/78] قال النبي صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما، قال سفيان: قال النبي صلى الله عليه وسلم : يرحم الله موسى، لو كان صبر لقص علينا من أمرهما، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما  (أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً) وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ثم قال لي سفيان: سمعته منه مرتين وحفظته منه، قيل لسفيان: حفظته قبل أن تسمعه من عمرو أو تحفظته من إنسان فقال ممن أتحفظه ورواه أحد عن عمرو غيري سمعته منه مرتين أو ثلاثاً وحفظته منه.)) ([262])

 ثالثاً: بقرة بني إسرائيل :

وفي التيه حصل ما قص الله من خبر القتيل الذي طلب بني إسرائيل من موسى عليه السلام  أن يخبرهم بقاتله وقد تقدم في الأثر السابق تفصيل القصة.

وفيها توبيخ من الله ليهود المدينة بسبب نقض آبائهم الميثاق الذي أخذه الله عليهم بطاعة أنبيائه، ويقول لهم اذكروا من نقضكم لميثاقي قصة آبائكم مع البقرة التي أمرهم موسى بذبحها.

قال ابن كثير: "أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل، وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعبيدة وغير واحد ولكنهم شددوا فشدد عليهم." ([263])

 رابعاً: قصة قارون

ذم الله تبارك وتعالى قارون في أكثر من آية فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ  = 23  إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ  = 24 } [سورة غافر 40/23-24] ، وقال تعالى: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ  = 39  فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  = 40 } [سورة العنكبوت 29/39-40]

 وألحق النبي صلى الله عليه وسلم  من ترك الصلاة بقارون، كما أخرج الإمام أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما  عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه ذكر الصلاة يوماً، فقال: ((من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً، ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن لـه برهان ولا نور ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف.)) ([264])

 وقصة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر لقوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [سورة القصص 28/81] وهو الراجح للآتي:

1- لأن إرسال موسى كان للطغاة الثلاثة :فرعون وهامان وقارون.

2- ولأن الآية نصت على خسف داره والدور لم تكن في الصحراء،

وقد توقف ابن كثير وأورد الاحتمالين. ووجه الدار الى أنها عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام، والله أعلم بالصواب. ([265])

 خامساً: وفاة موسى عليه السلام

مكث موسى عليه السلام  ما شاء الله يربي أبناء الذين كتب عليهم التيه، ويعدهم لدخول الأرض المقدسة، ثم حان أجله، وكما في الحديث الصحيح أن الله يخير أنبيائه قبل موتهم، كما قالت عائشة رضي الله عنها : ((كنت أسمع أنه لن يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة)) قالت فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم  في مرضه الذي مات فيه وأخذته بحة يقول: (({مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً} [سورة النساء 4/69] قالت فظننته خير حينئذ.)) ([266])

وهكذا موسى عليه السلام  جاءه الملك يخيره وخبر ذلك ما قصه لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

ففي الصحيحين عن أبي هريرة _ قال: ((أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام  فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه وقال ارجع فقل لـه: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر)) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر.)) ([267])

وهذا هو الصحيح من موته عليه السلام  في التيه بدليل طلبه أن يدنيه من الأرض المقدسة. وفي المسند في سياق حديث الإسراء قال صلى الله عليه وسلم : ((لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر.)) ([268])

 وتحديد الكثيب الأحمر خارج الأرض المقدسة يكذب ادعاء وجود قبره داخل فلسطين، وأن بني إسرائيل نقلوا جثمانه معهم ودفنوه بين أريحا وبيت المقدس. ([269])

 سادساً : غير ذلك من الإسرائيليات فيما حصل في التيه

قال الإمام ابن كثير: "وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا آثارا فيها مجازفات كثيرة باطلة، يدل العقل والنقل على خلافها: من أنهم كانوا أشكالاً هائلة ضخاماً جداً، حتى إنهم ذكروا أن رسل بني إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجبارين فجعل يأخذهم واحداً واحداً ويلفهم في أكمامه وحجزة سراويله وهم إثنا عشر رجلاً، فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبارين، فقال: ما هؤلاء ولم يعرف أنهم من بني آدم حتى عرفوه، وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها، وأن الملك بعث معهم عنباً كل عنبة تكفي الرجل، وشيئاً من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم، وهذا ليس بصحيح، وذكروا ههنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع هكذا ذكره البغوي ([270]) وغيره، وليس بصحيح كما قدمنا بيانه عند قوله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله خلق آدم عليه السلام  طوله ستون ذراعاً، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ([271]) قالوا فعمد عوج إلى قمة جبل فاقتلعها ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها صارت طوقا في عنق عوج بن عنق، ثم عمد موسى إليه فوثب في الهواء عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع، وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع، فوصل إلى كعب قدمه فقتله، يروى هذا عن عوف البكالي ونقله ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما  وفي إسناده إليه نظر، ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات، وكل هذه من وضع جهال بني إسرائيل، فإن الأخبار الكذبة قد كثرت عندهم، ولا تميز لهم بين صحتها وباطلها، ثم لو كان هذا صحيحاً لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمهم الله على نكولهم وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم. ([272])


 المسألة الخامسة:التسليط عليهم و تشريدهم في الارض

 الآثار:

قولـه تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 }

96-11884 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: أمر ربك.  ([273])

97-11885 - حدثني المثني بن إبراهيم وعلي بن داود قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد صلى الله عليه وسلم  وأمته إلى يوم القيامة.  ([274])

98-11886 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } فهي المسكنة، وأخذ الجزية منهم.  ([275])

99-حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس رضي الله عنهما : {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: يهود، وما ضرب عليهم من الذلة والمسكنة.  ([276])

100-11887 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: فبعث الله عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.  ([277])

101-11888 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: بعث عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة. وقال عبد الكريم الجزري: يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية.  ([278])

102-11889 - حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: العرب. {سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ  = 49 } قال: الخراج. وأول من وضع الخراج موسى عليه السلام ، فجبى الخراج سبع سنين.  ([279])

103-حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: العرب. {سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ  = 49 } قال: الخراج. قال: وأول من وضع الخراج موسى، فجبى الخراج سبع سنين.  ([280])

104-حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: هم أهل الكتاب، بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى يوم القيامة، فهو سوء العذاب، ولم يجب نبي الخراج قط إلا موسى عليه السلام  ثلاث عشرة سنة ثم أمسك، وإلا النبي صلى الله عليه وسلم .  ([281])

105-11890- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } قال: يبعث عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة.  ([282])

106-11891- قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني عبد الكريم، عن ابن المسيب، قال: يستحب أن تبعث الأنباط في الجزية.  ([283])

107-11892 - حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  = 167 } يقول: إن ربك يبعث على بني إسرائيل العرب، فيسومونهم سوء العذاب: يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم.  ([284])

108-11893 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ليبعثن على يهود.  ([285])

قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً} [سورة الأعراف 7/168].

109-11894 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل عن يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً} قال: في كل أرض يدخلها قوم من اليهود.  ([286]) ‏

قوله تعالى: {وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} [سورة الحشر 59/3]

110-26202- حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء} خروج الناس من البلد إلى البلد.  ([287])

111-26204 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري قال: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي.  ([288])

112-26205 - حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: ثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان {وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء} وكان لهم من الله نقمة {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} أي بالسيف {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} مع ذلك. ([289])


 الدراســــة:

كتب الله على اليهود بسبب عصيانهم لأوامره -تبارك وتعالى- من يسومهم العذاب بأخذ الجزية منهم وتشتيتهم في الأرض كما قال ابن عباس رضي الله عنهما  وغيره من السلف.

قال ابن كثيررحمه الله : "ويقال أن موسى عليه السلام  ضرب الخراج سبع سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج، ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا إلى قهر النصارى، وإذلالهم إياهم، وأخذهم منهم الجزى والخراج، ثم جاء الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم  فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية." ([290])

وقد أجاب القرطبي عن إشكال يفهم من السياق فقال: "فإن قيل: فقد مسخوا، فكيف تؤخذ منهم الجزية؟ فالجواب أنها تؤخذ من أبنائهم وأولادهم، وهم أذل قوم، وهم اليهود." ([291])

ثم كتب الله عليهم التقطيع في الأرض والشتات، فقطعهم إثنتي عشرة أسباطاً أمماً، فلن يكون لهم أمة واحدة مجتمعة مستقرة، ولا يعتد باتفاق مؤقت فإن الأصل التفرق، ففي أيام ملكهم الكبير أيام داود وسليمان عليهما السلام  ما لبثوا أن تفرقوا إلى مملكتين؛ مملكة (يهوذا) ومملكة إسرائيل ، ولم يقم لهم كيان متماسك الى أن قامت دولة إسرائيل المعاصرة -عجل الله زوالها- فهذا قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} [سورة الأعراف 7/160] 

وهناك التقطيع الثاني : وهو تفريقهم أمماً، فهم موزعون في شتى الأرض، فلا يخل منهم قطر، وتجدهم في كل أسقاع المعمورة. ([292])

وقد مر اليهود عبر التاريخ بأدوار كانت غاية بالسوم والاضطهاد، وهذا مصداق قولـه تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} وهي تتحدث عن تعقب هؤلاء اليهود على مر العصور، ولو لم تكن بهم صفات تخالف صفات الآدميين، وأنهم اصطبغوا بما لم يصطبغ به غيرهم من التعنت والصلف والكبرياء والخسة والغدر والخيانة لما خصهم الله ـ وهو أعلم بهم سبحانه ـ بكثير من آياته التي تكشف أعمالهم الخاطئة، وتصرفاتهم الهوجاء، وتبين زيفهم الذي يظهرهم على حقيقتهم، وما جبلوا عليه من فسق وفجور، ولقد مرت بهم حالات كانوا فيها هدفاً للاضطهاد والاحتقار، منبوذين أينما ثقفوا، فقد تحدث القرآن الكريم عن معاملة فرعون لهم، وكيف أنه كان يسوهم سوء العذاب، يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم يستعبدهم ويستذلهم يتسلط عليهم ويقهرهم، وسلط الله عليهم الملك (سرجون) ملك آشور فقضى على مملكة إسرائيل، وشتت شملهم وفرق جموعهم سنة 721ق.م ([293]).

ويذكر المؤرخون كيف غزا (بختنصر) بيت المقدس، وخربها واستحل أهلها، وقاد أكثرهم أسرى حوالي سنة 586ق.م، ثم غزاها ثانياً فقتل المقاتلة وسبى الذرية ([294])، في سنة 203ق.م. اضطهد حكام سوريا اليهود حين استحلوا بلادهم، وأثقلوهم بالضرائب وفتنوهم عن دينهم.

وقد استولى أحد الرومان (بومبيه) على مملكة يهوذا وجعلها أقليماً رومانياً ([295])، وفي سنة 70 للميلاد ثار اليهود على الرومان فاضطروا للاستيلاء على (أورشليم)، وأصدر الأمبراطور (تيتوس) أمراً بإحراق معبدهم، وذبح معظم أهلها، وبيع من بقي منهم، وفي سنة 135م قامت ثورة ضد الرومان وكانت قد أنشئت مدينة اليهود من جديد، مما جعل الأمبراطور الروماني (أديان) يأمر بهدم المدينة من أساسها، والقضاء على اليهود، وقد ذبح منهم 500.000 وتم بيع الباقين، وتشريدهم في أرجاء الأرض. ([296]).

أجلى الرسول صلى الله عليه وسلم  بعض قبائلهم من المدينة المنورة، وقضى على أخرى بعد أن تبين له غدرهم وخيانتهم وتآمرهم مع أعداء المسلمين، وقاتلهم في خيبر حتى استحل بلادهم حين عرف أنهم يكيدون له ويجمعون له الجموع. وسيأتي مزيد تفصيل لذلك في الباب الثالث بإذن الله.

وأجلاهم عمر بن الخطاب _ من كافة جزيرة العرب متمثلاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم  : ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)). ([297])

(وقد لبثوا عدة قرون يسامون الخسف من قبل الأمم المسيحية الذين يرون أن مطاردتهم واضطهادهم إنما هو عنوان الصلاح والتقوى عندهم، فقد هاجمهوهم وامتهنوهم واحتقروهم حتى لم ينجهم منهم إلا الإسلام يتفيئون ظلاله في الأندلس، ولكنه حين قلص هذا الظل واستولى النصارى على الحكم لم يعد ذلك الملاذ لهم، فقرروا إخراج اليهود وتعقبوهم في كل مدن الأندلس، وقد بذلك رجال الكنيسة الكاثوليكية كل جهودهم في سبيل طرد العنصر اليهودي، فكان أن أرغم جميع اليهود الذين لم يعتنقوا المسيحية على مغادرة البلاد الأسبانية وإلا حكم عليهم بالإعدام، وقد وقع كثيرون منهم في يد القراصنة، فجردوهم من أموالهم واتخذوهم عبيداً أرقاء، وقد لجأ كثير منهم إلى البرتغال، ولكن القساوسة أثاروا الرأي العام عليهم، فتم إبعاد جميع البالغين منهم، أما الأولاد التي لا تتجاوز أعمارهم أربعة عشر عاماً فقد انتزعوا من أحضان أمهاتهم لكي يربوا، وينشؤوا على مبادئ الدين المسيحي) ([298])، ولم يقتصر طرد اليهود من أسبانيا والبرتغال بل طردوا وشردوا من جميع دول أوربا.

-        ففي انجلترا طر الملك (إدوارد) اليهود سنة 1290م.

-        وفي فرنسا طردهم الملك (فيليب) سنة 1306 وسمح لعدد ضئيل منهم بالعودة، ولكنهم طردوا بعد ذلك سنة 1394م.

-        ومن المجر طردوا سنة 1360م ولكنهم ما لبثوا أن عادوا حتى طردوا سنة 1582م.

-        وفي سنة 1370م طردوا من بلجيكا.

-        وفي تشيكوسلوفاكيا شردوا من براغ سنة 1380م وكثيرون منهم عادوا فاستوطنوها سنة 1562 وفي سنة 1744 طردتهم الإمبراطورة (ماريا تيريزا) ([299]).

-        وقد تم طردهم من النمسا على يد الملك (البريخت الخامس) سنة 1420م.

-        وفي سنة 1444م طردوا من أتوريخت في هولندا.

-        ومن إيطاليا طردوا من مملكة نابلي وسردينيا سنة 1540م.

-        ونفوا من بافاريا في ألمانيا سنة 1551م، ثم كثر اضطهادهم على يد النازيين في الحرب العالمية الثانية، وأزهقت أرواح مئات الألوف منهم.

-        أما في روسيا فقد طردوا منها سنة 1510م ثم عادوا تدريجياً إليها متعرضين لأنواع شتى من الاضطهادات وأبرزها ما حصل في أوكرانيا عام 1919م. ([300]).

وسيستمر أمر الله فيهم حتى يذوقوا المهانة والقتل على يد المسلمين قال صلى الله عليه وسلم : ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.)) ([301])


 المسألة السادسة: المسخ قردة وخنازير

 الآثار:

قولـه تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ  = 65 }. [سورة البقرة 2/65]

113- 950- حدثنا أبو كريب قال: ثنا عثمان بن سعيد قال: ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ  = 65 } يقول: ولقد عرفتم وهذا تحذير لهم من المعصية يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصوني {اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ  = 65 } يقول اجترؤوا في السبت. قال: لم يبعث الله نبيا إلا أمره بالجمعة وأخبره بفضلها وعظمها في السموات وعند الملائكة وأن الساعة تقوم فيها فمن اتبع الأنبياء فيما مضى كما اتبعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم  محمدا قبل الجمعة وسمع وأطاع وعرف فضلها وثبت عليها بما أمره الله تعالى به ونبيه صلى الله عليه وسلم  ومن لم يفعل ذلك كان بمنـزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ  = 65 }. وذلك أن اليهود قالت لموسى حين أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: يا موسى كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها والسبت أفضل الأيام كلها؛ لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات في ستة أيام وسبت لـه كل شيء مطيعاً يوم السبت وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريم حين أمرهم بالجمعة قالوا لـه: كيف تأمرنا بالجمعة وأفضل الأيام أفضلها وسيدها والأول أفضل والله واحد والواحد الأول أفضل؟ فأوحى الله إلى عيسى أن دعهم والأحد ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا مما أمرهم به. فلم يفعلوا فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لموسى حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت: أن دعهم والسبت فلا يصيدوا فيه سمكاً ولا غيره ولا يعملون شيئاً كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء فهو قوله: {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  = 163 } [سورة الأعراف 7/163] يقول: ظاهرة على الماء ذلك لمعصيتهم موسى. وإذا كان غير يوم السبت صارت صيداً كسائر الأيام فهو قوله: {وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  = 163 }. ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله؛ فلما رأوها كذلك طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه وحذر العقوبة التي حذرهم موسى من الله تعالى. فلما رأوا أن العقوبة لا تحل بهم عادوا وأخبر بعضهم بعضاً بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء، فكثروا في ذلك وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلاً وهو قول الله جل ثناؤه: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ  = 65 } يقول لهؤلاء الذين صادوا السمك فمسخهم الله قردة بمعصيتهم يقول: إذا لم يحيوا في الأرض إلا ثلاثة أيام ولم تأكل ولم تشرب ولم تنسل، وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة وكذلك يفعل بمن شاء كما يشاء ويحوله كما يشاء.([302])

114-955 - حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال : لم يمسخوا، إنما هو مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفاراً . ([303])

115-956 - حدثنا بشار قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [سورة البقرة 2/65] قال: صاغرين. ([304])

116-957 - حدثني الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة: {خاسئين} قال: صاغرين.‏ ([305])

قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} [سورة البقرة 2/66].

117-960 - حدثنا به أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: حدثنا بشر بن عمارة قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {فَجَعَلْنَاهَا} فجعلنا تلك العقوبة وهي المسخة نكالاً. ([306])

قوله تعالى: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} [سورة البقرة 2/66].

118-969 - حدثني به موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط عن السدي: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} قال: أما ما بين يديها: فما سلف من عملهم {وما خلفها} فمن كان بعدهم من الأمم أن يعصوا فيصنع الله بهم مثل ذلك. ([307])

قوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} [سورة المائدة 5/60].

119-9532 حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن عمرو بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري قال: حدثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها ملك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة إلا أن تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام، متمسكة به فجعلت تدعو إلى الله حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم: إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك فاخرجوا فإني خارجة! فخرجت وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعاً وانفلتت من بينهم. قال: ودعت إلى الله حتى تجمع الناس إليها، حتى إذا رضيت منهم أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت معهم وأصيبوا جميعاً وانفلتت من بينهم. ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال استجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت فأصيبوا جميعاً وانفلتت من بينهم. فرجعت وقد أيست وهي تقول: سبحان الله لو كان لهذا الدين ولي وناصر لقد أظهره بعد! قال: فباتت محزونة وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازير وقد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعز دينه وأمر دينه! قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة. ‏([308])

120-9533 حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} قال: مسخت من يهود. ([309])

121-9601 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير عن حصين عن مجاهد: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [سورة المائدة 5/78]قال: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة ولعنوا على لسان عيسى فصاروا خنازير.([310])

122-حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما  قولـه: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ} بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى عليه السلام  في التوراة، وعلى عهد داود عليه السلام  في الزبور، وعلى عهد عيسى عليه السلام  في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم  في القرآن. ([311])

123-قال ابن جريج وقال آخرون: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ} على عهده فلعنوا بدعوته. قال: مر داود عليه السلام  على نفر منهم وهم في بيت فقال من في البيت؟ قالوا: خنازير قال: اللهم اجعلهم خنازير! فكانوا خنازير؛ ثم أصابتهم لعنته. ودعا عليهم عيسى عليه السلام  فقال: اللهم العن من افترى علي وعلى أمي واجعلهم قردة خاسئين. ([312])


 الدراســــة:

 مما أبتلى الله به بني إسرائيل يوم السبت، وما منعهم الله من صيد الحيتان فيه كما هو مفصل في ما سبق من الآثار.

وأمام هذه المعصية صار القوم ثلاثة أصناف:

1- صنف وقف عند حدود الله ونهى الآخرين عن المعصية.

2- وصنف أمسك عن المعصية ولكنه سكت عن العصاة.

3- وصنف وقع في المعصية وانتهك حدود الله.

ووقع خلاف بين السلف عن من وقع عليه الهلاك فيجزمون أن العاصين مسخوا ويختلفون في الذين أمسكوا وقالوا: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} [سورة الأعراف 7/164]

 وقد فصل ذلك ابن كثير ثم قال: "فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكت عن الساكتين لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحاً فيمدحوا ولا ارتكبوا عظيماً فيذموا"  ([313])

1- وقد مسخ الله العصاة وتحولوا الى قردة خاسئين لها أذناب تتعاوى بعدما كانوا رجالاً ونساءً، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما  وجمع من التابعين.

2- و ذهب مجاهد رحمه الله  الى أن المسخ معنوي كما رواه الطبري، وأنه مسخ لأرواحهم وقلوبهم، وهو مثل ضربه الله كمثل الحمار الذي ضربه يحمل أسفاراً.

قال القرطبي: ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم. ([314])

وقد خالفه الطبري وبين مخالفته للإجماع، وعلل أن فهمه هذا  مخالف لظاهر القرآن، وليس بجيد فقال: "وهذا القول الذي قاله مجاهد قول مخالف لظاهر ما دل عليه كتاب الله، وذلك: أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [سورة النساء 4/153] وأن الله - تعالى ذكره- أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم، وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: {اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [سورة المائدة 5/24] فابتلاهم بالتيه. فسواء قال قائل: هم لم يمسخهم قردة وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير،  وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم من الخلاف على أنبيائهم والعقوبات والأنكال التي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئاً من ذلك وأقر بآخر منه سئل البرهان على قوله وعورض فيما أنكر من ذلك بما أقر به، ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح. هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه، وكفى دليلاً على فساد قول إجماعها على تخطئته." ([315])

ومما يؤيد أن المسخ حقيقي ولا يستغرب قوله صلى الله عليه وسلم  في حديث أم حبيبة رضي الله عنها  وفيه: فقال رجل: ((يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ)) فقال النبي صلى الله عليه وسلم  ((إن الله عز وجل  لم يهلك قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك.)) ([316])

وهذا الذي عاقبهم به الله ذكر أن أصحابه هم من أشر خلق الله :لعنهم وطردهم من رحمته ومسخهم كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ  = 60 } [سورة المائدة 5/60]

كل ذلك تحذيراً لبني إسرائيل المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولمن جاء بعدهم، وللمسلمين حتى يطيعوا أمر الله ولا يتعدوا حدوده، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً  = 47 } [سورة النساء 4/47] ([317])


 المسألة السابعة :تحريم بعض الطيبات

 الآثار:

قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [سورة النساء 4/160].

124-8517 - حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}... الآية عوقب القوم بظلم ظلموه وبغي بغوه حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم.‏ ([318])

قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [سورة الأنعام 6/146].

125-10962- حدثني المثنى وعلي بن داود قالا: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} وهو البعير والنعامة. ([319])

126-- حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} قال: البعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب.‏ ([320])

127-10963 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن آدم عن شريك عن عطاء عن سعيد: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} قال: هو ليس الذي بمنفرج الأصابع. ([321])

128-10969 - حدثني الحرث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا شيخ عن مجاهد في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} قل: النعامة والبعير شقا شقا قال: قلت: "ما شقا شقا؟" قال كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود البعير والنعامة؛ والدجاج والعصافير تأكلها اليهود لأنها قد فرجت. ([322])

129-10970 - حدثني به يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} الإبل فقط. ([323])

قوله تعالى: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} [سورة الأنعام 6/146].

130-10974 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} قال: إنما حرم عليهم الثروب والكليتين. هكذا هو في كتابي عن يونس وأنا أحسب أنه الكلى.([324])

قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة النحل 16/118].

131-16580 - حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية عن أبى رجاء عن الحسن في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} قال: في سورة الأنعام.‏ ([325])


  الدراســــة:

ومما عاقب الله به بني إسرائيل بسبب ظلمهم وبغيهم: أن حرم عليهم طيبات كانت حلالاً لهم، وهو ما عناه الله بقوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} يعني في سورة الأنعام وهو قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [سورة الأنعام 6/147]

 والمعنى: وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر، وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والأنعام والأوز والبط.

قال مجاهد: ((كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود البعير والنعامة؛ والدجاج والعصافير تأكلها اليهود لأنها قد فرجت.))

ثم حرم الله عليهم شحوم البقر والغنم, واستثنى من ذلك:{مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} ، والحوايا جمع، واحدها حاوياء وحاوية وحويه: وهي ما تحوى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي المباعر، وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء. ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو ما حملت الحوايا. ([326])

ثم بين - سبحانه وتعالى - أن هذا التحريم كان نتيجة لطغيانهم. فقال تعالي: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [سورة الأنعام 6/146] أي: هذا الذي حرمناه علي الذين هادوا من الأنعام والطير. ومن البقر والغنم. وهذا التضييق الذي حكمنا به عليهم. إنما ألزمناهم به. بسبب بغيهم وظلمهم. وتعديهم حدود الله - تعالي.

قال قتادة: ((إنما حرم الله ذلك عليهم عقوبة ببغيهم فشدد عليهم بذلك وما هو بخبيث.)) ([327])

{وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي وإنا لعادلون فيما جازيناهم به قال الطبري: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد من تحريمنا ذلك عليهم لا كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه على نفسه. ([328])

ومع أن الشحوم جميعها باستثناء ما أحله الله لهم منها محرمة عليهم. فإنهم تحايلوا علي شرع الله. وأخذوا يذيبونها ويستعملونها ويتبايعونها بينهم ويأكلون ثمنها. ولقد لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم  بسبب هذا التحليل.

من ذلك ما رواه عن ابن عباس - رضي الله عنهما  - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان قاعداً خلف المقام، فرفع بصره إلي السماء. وقال: ((لعن الله اليهود - ثلاثاً - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا ثمنها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه.)). ([329])

وعن جابر بن عبدالله. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول عام الفتح: ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.)) فقيل: ((يارسول الله: أرأيت شحوم الميتة فإنها يدهن بها الجلود. وتطلي بها السفن. ويستصبح بها الناس.)) فقال: ((لا. هو حرام.)) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  عند ذلك. ((قاتل الله اليهود. إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها - أي: أذابوها - ثم باعوها وأكلوا ثمنها)) ([330])

ثم حذرهم الله من الكفر والطغيان. فقال الله: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [سورة الأنعام 6/147] أي: فإن كذبك - يامحمد - هؤلاء اليهود. وأمثالهم من المشركين. فيما أخبرناك عنه. من أنا حرمنا علي هؤلاء اليهود بعض الطيبات. عقوبة لهم. فقل لهم: إن الله - تعالي - ذو رحمة واسعة حقاً. ورحمته وسعت كل شيء. ومن مظاهر رحمته: أنه لا يعاجل من كفر به بالعقوبة. ولا من عصاه بالنقمة. ولكن ذلك لا يقتضي أن يرد بأسه. أو يمنع عقابه عن القوم المصرين علي إجرامهم. المستمرين علي اقتراف المنكرات. وارتكاب السيئات. ([331])

وقد ذكر الله تبارك وتعالى السبب الذي من أجله حرمت هذه الطيبات فقال: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً  = 160  وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً  = 161 } [سورة النساء 4/160-161]

ففي الآية تعليل للعقوبات التي حلت بهم. فقد بينت هذه الآية الكريمة أن الله تعالي عاقب اليهود. بتحريم طيبات أحلت لهم. بسبب ظلم عظيم ارتكبوه. وجرائم خطيرة صدرت عنهم. وقد تكفلت الآيات السابقة واللاحقة بتفصيل هذا الظلم. الذي من أجله عاقبهم الله - عز وجل  - في الدنيا والآخرة.

ومن ضروب هذا الظلم الذي ذكره الله - تعالي - في الآيات السابقة: نقضهم لمواثيقهم. وكفرهم بآيات الله. وقتلهم الأنبياء بغير حق. وقولهم علي مريم بهتاناً عظيماً. وتفاخرهم بقتل عيسى عليه السلام  في زعمهم. أما تلك العقوبات التي عاقبهم الله بها من أجل تلك الجرائم. والموبقات فبعضها دنيوي. أشار إليها القرآن الكريم بقوله: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} وبعضها أخروي وهو ما سنشير اليه في الفصل القادم.


 المسألة الثامنة:الرجز

 الآثار:

قولـه تعالى: {فَأَنـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  = 59 }

132-870 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أنا عبد الرزاق قال: أنا معمر عن قتادة في قوله: {رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  = 59 } قال: عذاباً. ([332])

133-871 - حدثني المثنى قال: حدثنا آدم العسقلاني قال: حدثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قوله: {فَأَنـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ} قال: الرجز: الغضب. ([333])

134-872 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قالا: قال ابن زيد: لما قيل لبني إسرائيل: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ  = 58 } {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ  = 162 } بعث الله جل وعز عليهم الطاعون فلم يبق منهم أحدا. وقرأ: {فَأَنـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  = 59 } قال: وبقي الأبناء ففيهم الفضل والعبادة التي توصف في بني إسرائيل والخير وهلك الأباء كلهم أهلكهم الطاعون. ([334])

135-873 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: الرجز: العذاب وكل شيء في القرآن رجز فهو عذاب. ([335])

136-874 - حدثت عن المنجاب قال: حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قوله: {رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  = 59 } قال: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب. ([336])


 الدراســــة:

مما عاقب الله به بني إسرائيل (الرجز) يوم أن أمروا أن يدخلوا القرية وأن يقولوا حطة :{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  = 59 } [سورة البقرة 2/59]

واختلف في تفسير الرجز فقيل:

1- العذاب مطلقاً وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما  قال: ((كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني العذاب.))، وهو قول جماعة من السلف كالحسن وقتادة. ([337])

2- وقيل الغضب كما هو المروي عن أبي العالية.

3- وقيل هو الطاعون وهو الذي رجحه الطبري، وله شاهد في الصحيحين: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه  رضي الله عنهما  أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد _: ((ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الطاعون.)) فقال أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الطاعون رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه.)) ([338])

وسواء أكان الطاعون أم غيره فإن الرجز يطلق على العذاب الذي نزل بهم.

قال الطبري: "وقد دللنا على أن تأويل (الرجز) العذاب. وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة، وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنـزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون ذلك طاعوناً، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم  ثابت أي أصناف ذلك كان". ([339])


 المطلب الثاني: عقاب الله لهم في الآخرة. وفيه مسألتان:

 المسألة الأولى: لا ينظر الله إليهم

 الآثار:

قولـه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة آل عمران 3/77].

137-5753 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج عن عكرمة قال: نـزلت هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب. ([340])

 المسألة الثانية:عذاب النار والخلود فيها

قولـه تعالى: {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [سورة البقرة 2/79].

138-1151 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال: ثنا إبراهيم بن عبد السلام قال: ثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة العدوي عن عثمان بن عفان _ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  : {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} "الويل: جبل في النار". وهو الذي أنـزل في اليهود لأنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ما يحبون، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم  من التوراة؛ فلذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة فقال: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ}.‏ ([341])

قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [سورة البقرة 2/80].

139-1155 - حدثنا به أبو كريب قال: ثنا عثمان بن سعيد عن بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} قال ذلك أعداء الله اليهود قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوماً فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم.‏ ([342])

140-1159 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} الآية. قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوباً: "إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم نابتة في أصل الجحيم." وكان ابن عباس رضي الله عنهما  يقول: إن الجحيم سقر وفيه شجرة الزقوم فزعم أعداء الله أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياماً معدودة. وإنما يعني بذلك المسير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك؛ فذلك قوله: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} يعنون بذلك الأجل. فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياماً معدودة فقد خلا العدد وأنتم في الأبد! فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون.‏ ([343])

141-1161 - حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة وسيخلفنا فيها قوم آخرون! يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم  وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  بيده على رؤوسهم: ((بل أنتم فيها خالدون لا يخلفكم فيها أحد)) فأنـزل الله جل ثناؤه: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}. ([344])

142-1164 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً من أيام الآخرة، وإنها سبعة أيام. فأنـزل الله في ذلك من قولهم: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} ([345]).

143-1163 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال لهم: ((أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنـزلها الله على موسى يوم طور سيناء، من أهل النار الذين أنـزلهم الله في التوراة؟)) قالوا: إن ربهم غضب عليهم غضبة، فمكث في النار أربعين ليلة، ثم نخرج فتخلفوننا فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  ((كذبتم والله! لا نخلفكم فيها أبداً)). فنـزل القرآن تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم ، وتكذيباً لهم: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً} إلى قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ([346])

قولـه تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء} [سورة البقرة 2/171].

144-2037 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال : حدثني حجاج عن ابن جريج قال: قال لي عطاء في هذه الآية: هم اليهود الذين أنـزل الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [سورة البقرة 2/174] إلى قوله: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [سورة البقرة 2/174-175] ([347])

قولـه تعالى: {وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} [سورة الحشر 59/3].

145-26207 - حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء} أهل النضير حاصرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم  حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوا نبي الله صلى الله عليه وسلم  ما أراد، ثم ذكر نحوه وزاد فيه: فهذا الجلاء. ([348])

قولـه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [سورة الممتحنة 60/13].

146-26375 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر قال: قال الكلبي: قد يئسوا من الآخرة يعني اليهود والنصارى يقول: قد يئسوا من ثواب الآخرة وكرامتها كما يئس الكفار الذي قد ماتوا فهم في القبور من الجنة حين رأوا مقعدهم من النار. ([349])‏

147-26375 - حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر قال: قال الكلبي: قد يئسوا من الآخرة يعني اليهود والنصارى يقول: قد يئسوا من ثواب الآخرة وكرامتها كما يئس الكفار الذي قد ماتوا فهم في القبور من الجنة حين رأوا مقعدهم من النار.‏ ([350])

قوله تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ} [سورة الأعراف 7/156]

148-11804 - حدثني عبد الكريم قال: ثنا إبراهيم بن بشار قال: قال سفيان قال أبو بكر الهذلي: فلما نـزلت: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قال إبليس: أنا من الشيء. فنـزعها الله من إبليس قال: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} فقال اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا. فنـزعها الله من اليهود فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} [سورة الأعراف 7/157].. الآيات كلها. قال: فنـزعها الله من إبليس ومن اليهود وجعلها لهذه الأمة. ([351])


 الدراسة:

توعد الله اليهود بالعذاب في الآخرة، بعد أن أن قالوا أنهم أببناء الله وأحباؤه، ولن يلبثوا في النار الا أياماً معدودة، كما ذكر الله ذلك في كتابه الكريم فقدم لهم عقوبة الدنيا كما مرّ معنا وأعد لهم تبارك وتعالى عقوبة الآخرة، وأول ما يرد عليهم في ذلك تعذيبهم في القبور كما قال صلى الله عليه وسلم  لما خرج وقد وجبت الشمس فسمع صوتاً فقال صلى الله عليه وسلم : ((يهود تعذب في قبورها.)) ([352])

 ثم إن الله سيعاقبهم بالعطش يوم القيامة قبل أن يكبهم في النار كما في حديث أبي سعيد الخدري _ :أن أناساً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم  قالوا: ((يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟) قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة، ضوء ليس فيها سحاب. قالوا: لا، قال: وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ضوء ليس فيها سحاب. قالوا: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما تضارون في رؤية الله عز وجل  يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: تتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله، بر أو فاجر، وغبرات ([353])أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ فقالوا: عطشنا ربنا فاسقنا، فيشار: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار، كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار. ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ما تبغون؟ فكذلك مثل الأول. حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها، فيقال: ماذا تنتظرون، تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: فارقنا الناس في الدنيا على أفقر ما كنا إليهم لم نصاحبهم، ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: لا نشرك بالله شيئاً. مرتين أو ثلاثاً.)) ([354])

وأما دخولهم النار وخلودهم فيها فكانوا يزعمون أنهم لن يدخلوها إلاّ تحلة القسم، وبعدد محدود قدّروه بعدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، وربما قالوا سبعة أيام لأن الدنبا عندهم سبعة آلاف عام، سيدخلون بكل ألف عام يوماً واحداً، أو أربعين يوماً كما قلنا بعدد الأيام التي عبدوا بها العجل وغير ذلك مما يتخرصونه. ([355])

 ولكن النبي صلى الله عليه وسلم  أكذب ظنهم، وبشرهم بالنار، فعن أبي هريرة _ قال: ((لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم  شاة فيها سم.)) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود. فجمعوا لـه، فقال: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه. فقالوا: نعم، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (من أبوكم). قالوا: فلان، فقال: (كذبتم، بل أبوكم فلان). قالوا: صدقت، قال: (فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه). فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: (من أهل النار؟). قالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً). ثم قال: (هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه). فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: (هل جعلتم في هذه الشاة سماً). قالوا: نعم، قال: (ما حملكم على ذلك). قالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح، وإن كنت نبياً لم يضرك.)) ([356])

وقولـه تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [سورة هود 11/17].

 وقولـه: {وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} [سورة الرعد 13/36] أي يكفر ببعضه وهم اليهود والنصارى. فيفسره قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم يموت قبل أن يؤمن بي إلا دخل النار))

 وكان ابن عباس رضي الله عنهما  يقول في هذا الحديث ((فجعلت أقول أين تصديقها في كتاب الله، وقلما سمعت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلا وجدت تصديقه في القرآن حتى وجدت هذه الآية {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [سورة هود 11/17] قال الأحزاب الملل كلها.))

ولما قالوا أن الجنة لهم هم والنصارى قال الله لهم : {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سورة البقرة 2/94] 

 قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ((إن اليهود لو تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار.)) الحديث ([357])

 وقال صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي محمد بيده, لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار.)) ([358])

هذا ما أبطله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  من مزاعم يهود، وهذا هو مقتضى العدل الإلهي: أن من آمن يأمن، ومن كفر وأعرض وتمنى على الله الأماني خاب وخسر، كما قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوآً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً  = 123 وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً  = 124 } [سورة النساء 4/124]

 و قال الله في حق اليهود: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ = 181 } [سورة آل عمران 3/181]


 حديث الفتون الطويل وفيه جامع لاحوال بني إسرائيل: ([359])

قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً} [سورة مريم 19/53]

149-18192 - حدثني العباس بن الوليد الآملي قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أصبغ بن زيد الجهني قال: أخبرنا القاسم بن أيوب قال: ثني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما  عن قول الله لموسى عليه السلام : {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى  = 40 } فسألته على الفتون ما هي؟ فقال لي: استأنف النهار يا بن جبير فإن لها حديثاً طويلاً قال: فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني قال: فقال ابن عباس رضي الله عنهما : تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب؛ فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم فقال فرعون: فكيف ترون؟ قال: فأتمروا بينهم وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه؛ فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم وأن الصغار يذبحون؛ قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل فتصيرون إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر فيقل أبناؤهم ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فتشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بمن تقتلون فأجمعوا أمرهم على ذلك. فحملت أم موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع في قلبها الهم والحزن وذلك من الفتون، يا ابن جبير مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به فأوحى الله إليها {وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ  = 7 } [سورة القصص 28/7] وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم؛ فلما ولدته فعلت ما أمرت به حتى إذا توارى عنها ابنها، أتاها إبليس فقالت في نفسها: ما صنعت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن الباب فقال بعضهن لبعض: إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحركن منه شيئاً، حتى دفعنه إليها؛ فلما فتحته رأت فيه الغلام فألقي عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس، {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ  = 10 } [سورة القصص 28/10] من كل شيء إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم. يريدون أن يذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير؛ فقالت للذباحين: انصرفوا عني فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم ألمكم. فلما أتت به فرعون قالت: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ  = 9 } قال فرعون: يكون لك وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فقال: والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون لـه قرة عين كما أقرت به لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك. فأرسلت إلى من حولها من كل أنثى لها لبن لتختار له ظئراً فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئراً يأخذ منها فلم يقبل من أحد. وأصبحت أم موسى فقالت لأخته: قصيه واطلبيه هل تسمعين لـه ذكراً، أحي ابني أو قد أكلته دواب البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات: أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها وقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يا ابن جبير؛ فقالت: نصحهم لـه وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤورة الملك، ورجاء منفعته فتركوها؛ فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت؛ فلما وضعته في حجرها نـزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، فانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها فأتيت بها وبه؛ فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحب حبه شيئاً قط؛ قال: فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي! وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها فأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة، يمتنعون به من الظلم والسخرة التي كانت فيهم. فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أزيريني ابني. فوعدتها يوماً تزيرها إياه فيه فقالت لخواصها وظؤورتها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك، وأنا باعثة أمينة تحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم؛ فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وقالت: انطلقن به إلى فرعون فلينحله وليكرمه. فلما دخلوا به عليه جعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه! وذلك من الفتون يا ابن جبير، بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به. فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي قد وهبته لي؟ قال: ألا ترين يزعم أنه سيصرعني ويعلوني، فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل؛ وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فنـزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما قد هم به وكان الله بالغاً فيه أمره. فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من يني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل امتناع. فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذ هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنه تناوله وهو يعلم منـزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره؛ فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ  = 15 } [سورة القصص 28/15] ثم قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  = 16 } [سورة القصص 28/16] {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ  = 18 } [سورة القصص 28/18] فأتى فرعون فقيل لـه: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوني قاتله ومن شهد عليه لأنه لا يستقيم أن يقضي بغير بينة ولا ثبت فطلبوا له ذلك؛ فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتاً إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس وكره الذي رأى فغضب موسى فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني قال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } فنظر الإسرائيلي موسى بعد ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده وإنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي فحاجز الفرعوني فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ } [سورة القصص 28/19] وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا؛ فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟ فأرسل فرعون الذباحين فسلك موسى الطريق الأعظم فطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم. وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر وذلك من الفتون يا ابن جبير, فخرج موسى متوجهاً نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك وليس لـه علم إلا حسن ظنه بربه تعالى، فإنه قال {عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ  = 22  وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} [سورة القصص 28/22-23] يعني بذلك حابستين عنهما فقال لهما ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس فقالتا ليس لنا قوة نـزاحم القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما فجعل يغترف في الدلو ماء كثيراً حتى كان أول الرعاء بغنمها إلى أبيهما، وانصرف موسى عليه السلام  فاستظل بشجرة وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  = 24 } [سورة القصص 28/24] والحاصل واستنكر أبوهما سرعة صدورهما حفلاً بطاناً فقال إن لكما اليوم لشأنا فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته فلما كلمه قال {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة القصص 28/25] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، فاحتملته الغيرة على أن قال لها ما يدريك ما قوته وما أمانته، قالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت لـه، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي امشي خلفي وانعتي لي الطريق فلم يفعل هذا الأمر إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت فقال لـه: هل لك {أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ  = 27 } [سورة القصص 28/27] ففعل فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه فقضى الله عنه عدته فأتمها عشراً، قال سعيد فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا وأنا يومئذ لا أدري. فلقيت ابن عباس رضي الله عنهما  فذكرت ذلك له فقال: أما علمت أن ثمانياً كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم  لينقص منها شيئاً ويعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عدته التي وعده فإنه قضىعشر سنين. فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى فلما سار موسى بأهله كان من أمر الناس والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن فشكا إلى الله سبحانه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقده لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له رداء ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليه السلام  فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا إنا رسولا ربك. قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن قال: فما تريدان وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل فأبى عليه وقال ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء سوء يعني برص ثم ردها فعادت إلى لونها الأول فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش فأبوا على موسى ان يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له اجمع لهما السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى يغلب سحرك سحرهما فأرسل في المدائن فحشر له كل ساحر متعالم فلما أتوا فرعون قالوا بم يعمل هذا الساحر قالوا يعمل بالحيات قالوا فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل وما أجرنا إن نحن غلبنا قال لهم أنتم أقاربي وخاصتي وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى قال سعيد فحدثني بن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء فلما أجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين يعنون موسى وهارون استهزاء بهمافقالوا يا موسى لقدرتهم بسحرهم إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله إليه أن ألق عصاك فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيما فاغرة فاها فجعلت العصا تلبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته فلما عرف السحرة ذلك قالوا لو كان هذا سحرا لم يبلغ من سحرنا كل هذا ولكنه أمر من الله آمنا بالله وبما جاء به موسى ونتوب إلى الله مما كنا عليه فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأتباعه وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وأمرأة فرعون بارزة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه وأنما كان حزنها وهمها لموسى فلما طال مكث موسى فرعون الكاذبة كلما جاءه بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا مضت أخلف موعده وقال هل يستطيع ربك أن هذا فأرسل الله عز وجل على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ويوافقه على أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده حتى أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا فلما أصبح فرعون فرأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله تعالى إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفرق اثنتي عشرة فرقة حتى يجاوز موسى ومن معه ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا فانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله فلما تراءى الجمعان تقاربا قال قوم موسى إنا لمدركون افعل ما التابعين به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب قال وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه التقىعليهم البحر كما أمر فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا هلاكه ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ومضى فأنـزلهم موسى منـزلا وقال لهم أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها فلما أتى ربه أراد أن يكلمه في ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه فقال له ربه حين أتاه لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان قال يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح قال أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك ارجع فصم عشرا ثم ائتني ففعل موسى عليه السلام  ما أمره به فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك وكان هارون قد خطبهم وقال إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ولكم فيهم مثل ذلك وأنا أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا همام ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ثم أوقد عليه النار فأخرجه فقال لا يكون لنا ولا لهم وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقضي له أن رأى أثرا فأخذ منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون عليه السلام  يا سامري ألا تلقي ما في يدك وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر فلا ألقيها بشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيت أن يكون ما أريد فألقاها ودعا له هارون فقال أريد أن تكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار قال بن عباس لا والله ما كان قط إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه فكان ذلك الصوت من ذلكفتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة يا سامري ما هذا وأنت أعلم به قال هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق فقالت فرقة لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأينا وإن لم يكن ربنا فأنا نتبع قول موسى وقالت فرقة هذا عمل الشيطان وليس بربنا ولن نؤمن به ولا نصدق وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به فقال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن هكذا قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا هذه أربعون قد مضت فقال سفهاؤهم أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه فلما كلم الله موسى عليه السلام  وقال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال لهم ما سمعتم في القرآن وأخذ برأس أخيه يجره إليه وألقى الألواح من الغضب ثم إنه عذر أخاه بعذره له فانصرف إلى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت قال قبضت قبضت من أثر الرسول وفطنت إليها وعميت عليكم فقذفتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ولو كان إلها لم نخلص إلى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون فقالوا لجماعتهم يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها ما عملنا فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض واستحيا نبي الله صلى الله عليه وسلم  من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من كان الله يتحقق منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمان به فلذلك رجفت بهم الأرض فقال رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فقال يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي كتبتها قومي فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة فقال له إن توبتهم أنيقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن ويأتي أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول ثم سار بهم موسى صلى الله عليه وسلم  متوجها نحو الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصطفون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهو من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر وذكر من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون قيل ليزيد هكذا قرأه قال نعم من الجبارين: آمنا بموسى وخرجا إليه فقالوا نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون من ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس إنهما من قوم موسى فقال الذين يخافون بنو إسرائيل قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون فأغضبوا موسى عليه السلام  فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله تعالى لـه وسماهم كما سماهم موسى فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنـزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين أظهرهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي كان فيه بالأمس.

رفع ابن عباس رضي الله عنهما  هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم  وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس رضي الله عنهما  حدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل فقال كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك فغضب بن عباس فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له يا أبا إسحاق هل تذكر يوماً حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون الإسرائيلي أفشى عليه أم الفرعوني قال أنما أفشى عليه الفرعوني ما سمع من الإسرائيلي شهد على ذلك وحضره.([360])


 الفصل الثاني: الآثار الواردة في أبرز صفات اليهود

وفيه ستتة مباحث:

 المبحث الأول: الآثار الواردة في قسوة قلوبهم :

 الآثار:

قولـه تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة البقرة 2/7]

150-255 حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  = 7 } والغشاوة على أبصارهم . ([361])

151-256 -حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: حدثنا ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى ذكره: {فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  = 24 } وقال: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ  = 23 } [سورة الجاثية 45/23] ([362])

152-257 -حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  = 7 } أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك، حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك. ([363])

153-258 -حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  = 7 } يقول فلا يعقلون، ولا يسمعون ويقول: وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون. ([364])

قولـه تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  = 74 } [سورة البقرة 2/74]

154-1088 -حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: لما ضرب المقتول ببعضها - يعني ببعض البقرة - جلس حيا، فقيل له: من قتلك؟ فقال: بنو أخي قتلوني. ثم قبض، فقال بنو أخيه حين قبض: والله ما قتلناه. فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه، فقال الله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} يعني بني أخي الشيخ، {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  = 74 } ([365])

155-1089 -حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} يقول: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، وبعد ما أراهم من أمر القتيل ما أراهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة. ([366])

قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}

156-1092حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} ثم عذر الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم، فقال: {وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}. ([367])

قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ}

157-1238 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير بن سلمان، قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة قال: القلوب أربعة. ثم ذكرها، فقال فيما ذكر: وقلب أغلف: معصوب عليه، فذلك قلب الكافر. ([368])

158-1239- حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } أي في أكنة. ([369])

159-حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ،: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } فهي القلوب المطبوع عليها. ([370])

160-1240 - حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } عليها غشاوة. ([371])

161-1241 -حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا شريك عن الأعمش قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } قال: هي في غلف. ([372])

162-1242 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } أي لا تفقه. ([373])

163-1243- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } قال: هو كقوله: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ  = 5 }. ([374])

164-1244- حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي لا تفقه. ([375])

165-1245- حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } قال: يقولون: عليها غلاف وهو الغطاء. ([376])

166-1246- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } قال: يقول قلبي في غلاف، فلا يخلص إليه مما تقول. وقرأ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ}[سورة فصلت 41/5] ([377])

167-1247- حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } قال: أوعية للذكر.

168-حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فضيل، عن عطية في قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ  = 88 } قال: أوعية للعلم. ([378])

169-1248 - حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ}. قال: مملوءة علما لا تحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم  ولا غيره. ([379])


 الدراســــة:

من أبرز الصفات التي وصف الله بها اليهود: قسوة قلوبهم، وبعدها عن قبول الحق، وهذا الوصف القرآني جاء في عدة آيات منها:

{وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً  = 13 } [سورة المائدة 5/13] وقسوة القلب غلظته يقال: قسا القلب يقسو قساء، والقسوة: الصلابة في كل شيء، وحجر قاس: صلب، وأرض قاسية: لا تنبت شيئاً، وتأويل قست في اللغة: غلظت ويبست وعست، فتأويل القسوة في القلب: ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه، وقسا قلبه قسوة وقساوة وقساء بالفتح والمد وهو: غلظ القلب وشدته. ([380])

وفي (قاسية) قراءة أخرى هي (قسية) ([381]) ومعنى "قسية" غير معنى القسوة؛ وإنما القسية في هذا الموضع: القلوب التي لم يخلص إيمانها بالله، ولكن يخالط إيمانها كفر كالدراهم القسية، وهي التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص وغير ذلك، كما قال أبو زبيد الطائي:

صاح القسيات في أيدي الصياريف

لها صواهل في صم السلام كما

يصف بذلك وقع مساحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي السلام.

 قال الطبري رحمه الله  : "وأعجب القراءتين إلي في ذلك قراءة من قرأ: (وجعلنا قلوبهم قسية) على فعيلة، لأنها أبلغ في ذم القوم من قاسية."

وقد بين الله -تبارك وتعالى - أن قسوة قلوبهم هي أشد من قساوة أنواع من الحجارة كما في قصة القتيل في سورة البقرة: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  = 74 } [سورة البقرة 2/74]

قال ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} كله فهي كالحجارة التي لا تلين أبداً، ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَـزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ  = 16 } [سورة الحديد 57/16] ([382])

والقسوة في قلوبهم صفة لازمة لهم كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  = 41 } [سورة المائدة 5/41] قال القرطبي: أي لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الطبع عليها والختم، كما طهر قلوب المؤمنين ثواباً له.([383]) فهي عقوبة لازمة لهم؛ إذ لما قست قلوبهم كان الجزاء أن طبع الله عليها وختم وكل ذلك بأسباب كثيرة من ذنوبهم وإعراضهم.

 قال الشنقيطي رحمه الله : ".. هذا الطبع والختم على القلوب، وكذلك الأغلال في الأعناق والسد من بين أيديهم ومن خلفهم: أن جميع تلك الموانع المانعة من الإيمان ووصول الخير إلى القلوب: أن الله إنما جعلها عليهم بسبب مسارعتهم لتكذيب الرسل، والتمادي على الكفر، فعاقبهم الله على ذلك بطمس البصائر، والختم على القلوب والطبع عليها، والغشاوة على الأبصار لأن من شؤم السيئات أن الله جل وعلا يعاقب صاحبها عليها بتماديه على الشر، والحيلولة بينه وبين الخير، جزاه الله بذلك على كفره جزاء وفاقا" ([384])

ووصف الله لقلوبهم أنها أشد من الحجارة قسوة بينه الله من سيرتهم مع الحجارة فيما قص سبحانه وتعالى: فأورد للمخاطب منهم مقارنة بين قلوبهم القاسية وما نكرته من الحق وبين الحجارة التي شاهدوها في مسيرتهم وذلك في قوله: {وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} وقد شاهدوا هذا عندما استسقوا موسى عليه السلام  فأمره الله فضرب الحجر فتشقق وخرج منه اثنتا عشرة عيناً, {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وهو ما شاهدوه عندما رجف جبل الطور ورفعه الله فوق رؤوسهم، ومن قبله ما أخبرهم موسى عليه السلام  من دك الجبل وهبوطه لما تجلى الله لـه، وعلى هذا يخلص إلى أن الحجارة ألين من قلوبهم.

هذا وصف الله لقلوب اليهود, أما هم فلهم وصف آخر لقلوبهم على عادتهم في تحريف الكلم وصرفه حسياً ومعنوياً عن مراده، فقالوا عن قلوبهم إنها (غلف)، قال تعالى{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [سورة البقرة 2/88]

قال الطبري رحمه الله : "اختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأه بعضهم (وقالوا قلوبنا غلْف) مخففة اللام ساكنة، وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار، وقرأه بعضهم وقالوا (قلوبنا غلُف) مثقلة اللام مضمومة، فأما الذين قرءوها بسكون اللام وتخفيفها فإنهم تأولوها أنهم قالوا قلوبنا في أكنة وأغطية وغلف، والغلف على قراءة هؤلاء جمع أغلف وهو الذي في غلاف وغطاء، كما يقال للرجل الذي لم يختتن أغلف والمرأة غلفاء. ([385])

ولكن اليهود يقولون: غلف أي أوعية للعلم وهي في حصن أن يصلها شىء فلا يخلص إليه مما تقول. وهي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا فكذبوا الأنبياء بهذا القول، وهذا من قسوة قلوبهم وضلالهم عن الطريق.

ويكفي في ذلك رد الله عليهم في ختمه وطبعه على قلوبهم كقوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [سورة النساء 4/155]

قال الشنقيطي رحمه الله : "وذلك الختم والأكنة على القلوب جزاء من الله تعالى لهم على مبادرتهم إلى الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ومشيئتهم، كما دلت عليه آيات كثيرة كقولـه : {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [سورة النساء 4/155] وقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [سورة الصف 61/5] وقوله:  {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} [سورة البقرة 2/10] وقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} [سورة التوبة 9/125] وقولـه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [سورة الأنعام 6/110] إلى غير ذلك من الآيات. ([386])

ويلاحظ وصف الله لقلوبهم بالختم مرة وبالطبع مرة فهل بينهما فرق؟

قال القرطبي رحمه الله : "الختم يكون محسوساً كما بينا ومعنىً كما في هذه الآية: فالختم على القلوب عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته، والفكر في آياته، وعلى السمع عدم فهمهم للقرآن إذا تلى عليهم، أو دعوا إلى وحدانيته، وعلى الأبصار عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته، وعجائب مصنوعاته." ([387])

 و فصل الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان _ أنواع القلوب فقال: ((القلوب أربعة: قلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب أجرد فيه مثل السراج فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل النفاق كمثل قرحة يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت صاحبتها أهلكته.)) ([388]) وهذه قلوب اليهود مغلفة عن قبول الحق وأشد من الحجر قسوة.


 المبحث الثاني: الآثار الواردة  في اتباعهم الهوى

  الآثار:

قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ  = 77 } [سورة المائدة 5/77]

170-9598 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} قال: يهود. ([389])

171-9599 - حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} فهم أولئك الذين ضلوا وأضلوا أتباعهم. {وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} عن عدل السبيل. ([390])

قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ = 44 } [سورة البقرة  2/44]

172-702- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم: أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي. ([391])

173-703- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} ([392])

174-705 -وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قولـه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون، فعيرهم الله. ([393])

175-707 -حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ  = 44 } ([394])

قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة 2/44]

176-710 -حدثنا به محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {أَفَلا تَعْقِلُونَ} يقول: أفلا تفهمون فنهاهم عن هذا الخلق القبيح. ([395])

قوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [سورة البقرة 2/61]

177-900 - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قال: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} يقول: أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه. ([396])

178-901 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: {الَّذِي هُوَ أَدْنَى} قال: أردأ. ([397])

قولـه تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة البقرة  2/85]

179-1212- حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} إلى أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم، وتخرجوهم من ديارهم معهم. فقال: أنبهم الله على ذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم؛ فكانوا فريقين طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج والنضير وقريظة حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، بظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا ناراً، ولا بعثاً، ولا قيامة، ولا كتاباً، ولا حراماً، ولا حلالاً؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقاً لما في التوراة وأخذاً به بعضهم من بعض: يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويُطِلّونَ ما أصابوا من الدماء وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حين أنبهم بذلك: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ} أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه؛ وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من ذلك، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض من عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نـزلت هذه القصة. ([398])

180-1219- حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، قال: قال أبو جعفر: كان قتادة يقول في قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}فكان إخراجهم كفراً وفداؤهم إيماناً. ([399])

181-1221 - حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، قال: ثنا الربيع بن أنس، قال: أخبرني أبو العالية: أن عبد الله بن سلام _ مر على رأس الجالوت ([400]) بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن.([401])

182-1222- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ} قال: كفرهم القتل والإخراج، وإيمانهم الفداء. قال ابن جريج: يقول: إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم. وأما إذا أسروا تفدونهم؟ وبلغني أن عمر بن الخطاب _ قال في قصة بني إسرائيل: إن بني إسرائيل قد مضوا وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث. ([402])

قوله: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [سورة النساء 4/46] 

183-7665 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد، في قوله: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  = 93 } [سورة البقرة 2/93] قال: قالت اليهود: سمعنا ما تقول، ولا نطيعك. ([403])

قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ  = 175  وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الأعراف 7/176]

184-11944 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَانسَلَخَ مِنْهَا} قال: بلعام بن باعرا، من بني إسرائيل. ([404])

185-11955 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابا. ([405])

186-11964 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: انطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم، فأتى الجبارين فقال: لا ترهبوا من بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم ! فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس. وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه وهو يريد أن يلعن بني إسرائيل، فكلما أراد أن يدعو على بني إسرائيل دعا على الجبارين، فقال الجبارون: إنك إنما تدعو علينا ! فيقول: إنما أردت بني إسرائيل. فلما بلغ باب المدينة أخذ ملك بذنب الأتان، فأمسكها فجعل يحركها فلا تتحرك، فلما أكثر ضربها تكلمت فقالت: أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار؟ ويلي منك ! ولو أني أطقت الخرج لخرجت، ولكن هذا الملك يحبسني. وفي بلعم يقول الله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا}.. الآية. ([406])

187-11971 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابا، فأخلد إلى شهوات الأرض ولذتها وأموالها، لم ينتفع بما جاء به. ([407])

188-11979 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد، عن سالم أبي النضر: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الأعراف 7/176] يعني: بني إسرائيل، إذ قد جئتهم بخبر ما كان فيهم مما يخفون عليك، لعلهم يتفكرون، فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلا نبي يأتيه خبر السماء. ([408])

قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  = 51 } [سورة القصص 28/51]

189-20953 - حدثنا ابن سنان، قال: ثنا حيان، قال: ثنا حماد، عن عمرو، عن يحيى بن جعدة، عن عطية القرظي قال: نزلت هذه الآية {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [سورة القصص 28/51] حتى بلغ {إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [سورة القصص 28/53] في عشرة أنا أحدهم. ([409])


 الدراســــة:

من أبرز صفات اليهود التي جرت عليهم بسببها غضب الله ومقته :اتباعهم لأهوائهم؛ والهوى: كل ما خالف الحق، وللنفس فيه حظ ورغبة من الأقوال والأفعال والمقاصد، فالهوى ميل النفس إلى الشهوة، ثم يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية كما قال الشعبي: ((إنما سميت الأهواء لأنها تهوي بصاحبها في النار.)) ([410])

وقد ذم الله اليهود لاتباعهم لأهوائهم، حيث قادهم ذلك إلى تبديل شرع الله والكفر بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من الوحي؛ وسبب ذلك اتباعهم لأهوائهم، قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ  = 87 } [سورة البقرة 2/87]. وقال تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} [سورة المائدة 5/70]

 قال الطبري: "يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بني إسرائيل، لقد آتينا موسى عليه السلام  التوراة، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم، وآتينا عيسى ابن مريم البينات والحجج إذ بعثناه إليكم، وقويناه بروح القدس. وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم تجبراً وبغياً استكبار إمامكم إبليس؛ فكذبتم بعضاً منهم، وقتلتم بعضاً، فهذا فعلكم أبداً برسلي. ([411])

 واتباع الهوى: مما ذمه الله -تبارك وتعالى- في كتابه الكريم , إذ أن من اتبع هواه, فهو مخالف لأمر الله ونهيه,بل وصف الله بعض متبعي اهوائهم عبادا لها كما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ  = 23 } [سورة الجاثية 45/23] وقوله:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [سورة الفرقان 25/43]

ويترتب على من من اتبع هواه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه، فأمره إلى هلاك كما قال تعالى لنبيه: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [سورة الكهف 18/28]

ووصف الله اليهود باتباع الهوى ثم حذر رسوله صلى الله عليه وسلم  منهم و أن السبب في عدم استجابتهم لـه هو اتباعهم لهواهم: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة القصص 28/50] أي آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم الشيطان، وإنه لا حجة لهم {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [سورة القصص 28/50] أي لا أحد أضل منه {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة المائدة 5/51]. ([412])

 وحذر الله النصارى من مشابهة اليهود في اتباع الهوى فقال:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ  = 77 } [سورة المائدة 5/77]

قال الطبري: "قل يا محمد لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} يعني بالكتاب: الإنجيل، {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} يقول: لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل، فتقولوا فيه: هو الله، أو هو ابنه؛ ولكن قولوا: هو عبد الله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} ويقول: ولا تتبعوا أيضاً في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا: هو لغير رشدة." ([413])

 وتبهتوا أمه كما يبهتونها بالفرية، وهي صديقة. {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} يقول تعالى ذكره: وأضل هؤلاء اليهود كثيراً من الناس، فحادوا بهم عن طريق الحق وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح. {وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} يقول: وضل هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجة الحق وإنما يعني تعالى ذكره بذلك كفرهم بالله وتكذيبهم رسله عيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم ، وذهابهم عن الإيمان وبعدهم منه. وذلك كان ضلالهم الذي وصفهم الله به. ([414])

وقد ضرب الله مثلاً لما في اليهود من ضلال في اتباعهم أهوائهم حتى لمن نسب إلى الصلاح منهم,كما أخبرنا -جل وعلا-عن رجل من بني اسرائيل ممن اتبع هواه في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ  = 175  وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الأعراف 7/176]

واختلفت الروايات في تعيين اسم الرجل الذي آتاه الله الآيات وبعض الآثار تنص على أنه من بني إسرائيل وورد غير ذلك. وليس عندنا دليل من الكتاب أو السنة صريح يمكن الاعتماد عليه، ليكون حجة. وغالب الظن أن هذا التعيين متلقى من الإسرائيليات.

 قال الطبري معقباً على ما جاء في سبب النزول: "والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يتلو على قومه خبر رجل كان آتاه حججه وأدلته، وهي ( الآيات ) ...وجائز أن يكون الذي كان الله آتاه ذلك ( بلعم ) - وجائز أن يكون ( أمية ) ... ولا خبر بأي الرجلين المعني، يوجب الحجة، ولا في العقل دلالة على أي ذلك المعني به من أي. فالصواب أن يقال فيه ما قال الله، ونقر بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحي من الله." ([415])

 وخطأ ابن كثير من قال إن بلعم قد أوتي النبوة فانسلخ منها. قال رحمه الله : "وأغرب، بل أبعد، بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم ولا يصح." ([416])

وفيما ورد من وصف القوم الذين كذبوا واتبعوا أهوائهم من بني إسرائيل، وما حصل منهم, هو للعبرة والعظة لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وللمسلمين من في كل زمان ومكان.

قال الطبري رحمه الله : "يقول تعالى ذكره: هذا المثل الذي ضربته لهذا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، مثل، القوم الذين كذبوا بحججنا وأعلامنا وأدلتنا، فسلكوا في ذلك سبيل هذا المنسلخ من آياتنا الذي آتيناها إياه في تركه العمل بما آتيناه من ذلك.

وأما قولـه: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ} [سورة الأعراف 7/176] فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فاقصص يا محمد هذا القصص، الذي قصصته عليك من نبإ الذي آتيناه آياتنا، وأخبار الأمم التي أخبرتك أخبارهم في هذه السورة وقصصت عليك نبأهم ونبأ أشباههم، وما حل بهم من عقوبتنا ونزل بهم، حين كذبوا رسلنا من نقمتنا على قومك من قريش ومن قبلك من يهود بني إسرائيل، ليتفكروا في ذلك فيعتبروا وينيبوا إلى طاعتنا، لئلا يحل بهم مثل الذي حل بمن قبلهم من النقم والمثلات، ويتدبره اليهود من بني إسرائيل فيعلموا حقيقة أمرك وصحة نبوتك، إذ كان نبأ الذي آتيناه آياتنا من خفي علومهم ومكنون أخبارهم لا يعلمه إلا أحبارهم ومن قرأ الكتب ودرسها منهم، وفي علمك بذلك وأنت أمي لا تكتب ولا تقرأ ولا تدرس الكتب ولم تجالس أهل العلم الحجة البينة لك عليهم بأنك لله رسول، وأنك لم تعلم ما علمت من ذلك، وحالك الحال التي أنت بها إلا بوحي من السماء. ([417])

واتباع الهوى هو ما كان يريده اليهود زمن الرسول صلى الله عليه وسلم  منه, ومن أمته ولذلك تتابع تحذير الله من كيدهم فقال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍٍ  = 120 } [سورة البقرة 2/120]

قال الطبري رحمه الله  : "يعني جل ثناؤه بقوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ} يا محمد هوى هؤلاء اليهود والنصارى، فيما يرضيهم عنك من تهود وتنصر، فصرت من ذلك إلى إرضائهم، ووافقت فيه محبتهم من بعد الذي جاءك من العلم بضلالتهم وكفرهم بربهم، ومن بعد الذي اقتصصت عليك من نبئهم في هذه السورة، {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ}. يعني بذلك: ليس لك يا محمد من ولي يلي أمرك، وقيم يقوم به، ولا نصير ينصرك من الله، فيدفع عنك ما ينزل بك من عقوبته، ويمنعك من ذلك أن أحل بك ذلك ربك. ([418])

والخطاب في التحذير من متابعة اليهود والنصارى معهم ,هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ولأمته من بعده كما ذكره المفسرون.

قال القرطبي رحمه الله : "وفي هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أنه للرسول صلى الله عليه وسلم ، لتوجه الخطاب إليه. والثاني: أنه للرسول صلى الله عليه وسلم  والمراد به أمته، وعلى الأول يكون فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته. وسبب الآية أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدية، ويعدون النبي صلى الله عليه وسلم  بالإسلام، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم." ([419])

وقال السعدي رحمه الله : "فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع أهواء اليهود والنصارى، والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم  فإن أمته داخلة في ذلك؛ لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب." ([420])

وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمر ربه وحذر أمته مما حذره ربه فقال صلى الله عليه وسلم  : ((ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه من الخيلاء.)) ([421])

ومن بعده صلى الله عليه وسلم  حذر أصحابه كذلك فعن علي _ قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل؛ أما اتباع الهوى فأنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة.)) ([422])

ولأن اليهود هم اليهود في كل زمان لا تنفعهم الموعظة, فهذا مثال بعد زمن النبوة بقليل والكاشف له من أعلم الناس باليهود,كيف وقد كان من علمائهم أعني: عبد الله بن سلام _ وقصته مع كبير اليهود, حين مر عليه الكوفة قال_: ((شهدت فتح نهاوند فجاءني رأس الجالوت ([423]) فجعل يشتري من كان يهودياً، فمرت به جارية صبيحة مع رجل فقال لـه هل أتاكِ هذا؟ قال: فظننت أنه حين رأى صباحتها فقلت: لقد أثمت بمسألتك إياها بما في كتابك، قال: وما يدريك ما في كتابي؟ قلت: أنا أعلم بكتابك منك. سل عني فأخبرك، فلما أتى منزله دعا بدابة وسألني أن آتيه، فرجوت أن ينفعه الله بي ويهديه للإسلام فأتيته فذاكرته كتابه وأخبرته بصفة النبي صلى الله عليه وسلم  في كتابه، فقال: إني لأعرف ما تقول. قلت: فما يمنعك من الإسلام فإذا الرجل مستكبر راغب في منزلته فلم يسلم.)) ([424])


 المبحث الثالث: الآثار الواردة في تزكيتهم أنفسهم

 الآثار:

 المطلب الأول :قصر الجنة عليهم

قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  = 94 } [سورة البقرة 2/94]

190-1300 - حدثني بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد عن قتادة قوله: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ} وذلك أنهم {قَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} [سورة البقرة 2/111] وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [سورة المائدة 5/18] (المائدة: 18] فقيل لهم: {فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سورة البقرة 2/94]. ([425])

191-1301 - حدثني المثنى قال: حدثنا آدم قال: حدثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: قالت اليهود: {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} [سورة البقرة 2/111] وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [سورة المائدة 5/18] فقال الله: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سورة البقرة 2/94] فلم يفعلوا. ([426])

192-1302 - حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثني أبو جعفر عن الربيع قوله: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً} الآية وذلك بأنهم {لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}.([427])

193-1303 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا عثمان بن سعيد قال: ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ} قال: قل يا محمد لهم - يعني اليهود - إن كانت لكم الدار الآخرة - يعني الخير - {عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً} يقول: خاصة لكم. ([428])

194-1304 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا عثمان بن سعيد قال: ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {مِّن دُونِ النَّاسِ} يقول: من دون محمد صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الذين استهزأتم بهم وزعمتم أن الحق في أيديكم وأن الدار الآخرة لكم دونهم. ([429])

قولـه تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [سورة البقرة 2/111]

195-1492 - حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا سعيد عن قتادة: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أماني يتمنونها على الله كاذبة. ([430])

196-1493 - حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} قال: أماني تمنوا على الله بغير الحق. ([431])

197-1496- حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} [سورة البقرة 2/111] قال: حجتكم. ([432])


  المطلب الثاني:قصر الهدى عليهم

قوله تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ} [سورة البقرة 2/135]

198-1726 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير وحدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة جميعا عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنـزل الله عز وجل  فيهم: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . ([433])

 المطلب الثالث:زعمهم محبة الله لهم

قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [سورة المائدة 5/18]

199-9060 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه! كقول النصارى فأنـزل الله جل وعز فيهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ... إلى آخر الآية. ([434])

200-9061 - حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} أما أبناء الله فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدا من ولدك أدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فأخرجهم. فذلك قوله: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} [سورة آل عمران 3/24] وأما النصارى فإن فريقا منهم قال للمسيح: ابن الله. ([435])

 المطلب الرابع :زعمهم النجاة من النار

قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [سورة البقرة 2/80]

201-1155 - حدثنا به أبو كريب قال: ثنا عثمان بن سعيد عن بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} قال ذلك أعداء الله اليهود قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوما فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والقسم. ([436])

202-1156 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} قالوا: أياما معدودة بما أصبنا في العجل. ([437])

203-1157 - حدثنا موسى قال: ثنا عمرو قال: ثنا أسباط عن السدي: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} قال: قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل فلذلك أمرنا أن نختتن. قالوا: فلا يدعون منا في النار أحداً إلا أخرجوه. ([438])

204-1158- حدثني المثنى قال: ثنا آدم قال: ثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية قال: قالت اليهود: أن ربنا عتب علينا في أمرنا فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة ثم يخرجنا. فأكذبهم الله. حدثني المثنى قال: ثنا آدم قال: ثنا أبو جعفر عن قتادة قال: قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم عدد الأيام التي عبدنا فيها العجل. ([439])

205-1159 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} الآية. قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوباً "إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم نابتة في أصل الجحيم". وكان ابن عباس رضي الله عنهما  يقول: إن الجحيم سقر وفيه شجرة الزقوم فزعم أعداء الله أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياما معدودة. وإنما يعني بذلك المسير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك؛ فذلك قوله: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} يعنون بذلك الأجل. فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة فقد خلا العدد وأنتم في الأبد! فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون. ([440])

206-1160- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} إلا أربعين ليلة. ([441])

207-5336 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتاده. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل ثم ينقطع القسم والعذاب عنا. قال الله عز وجل: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. ([442])

قولـه تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  = 12 } [سورة آل عمران 3/12] 

208-5241 أبا كريب حدثنا قال: ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  قريشاً يوم بدر فقدم المدينة جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: "يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا" فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك إنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تأت مثلنا! فأنـزل الله عز وجل  في ذلك من قولهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  = 12 } إلى قوله: {لأُوْلِي الأَبْصَارِ  = 13 } ([443])

209-5732 - حدثنا محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم : {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  = 73 } يقول: مثل ما أوتيتم يا أمة محمد أو يحاجوكم عند ربكم تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنـزل علينا المن والسلوى فإن الذي أعطيتكم أفضل فقولوا: {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  = 73 }... الآية. ([444])

قولـه تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  = 188 } [سورة آل عمران 3/188]

210-6648 - حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط عن السدي قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم  وفرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون: نحن أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الزكاة ونحن على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم . فأنـزل الله فيهم{لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا} من كتمان محمد صلى الله عليه وسلم : {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  = 188 } أحبوا أن تحمدهم العرب بما يزكون به أنفسهم وليسوا كذلك. ([445])

قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سورة البقرة 2/95]

211-1304 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا عثمان بن سعيد قال: ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  = 94 } يقول: من دون محمد صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الذين استهزأتم بهم وزعمتم أن الحق في أيديكم وأن الدار الآخرة لكم دونهم. ([446])

 المطلب الخامس: زعمهم براءتهم واولادهم من الذنوب:

قولـه تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } [سورة النساء 4/49]

212-7697 - حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } وهم أعداء الله اليهود زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وقالوا: لا ذنوب لنا.([447])

213-7698 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الحسن في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } قال: هم اليهود والنصارى قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ  = 18 } [المائدة: 18] وقالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  = 111 } [سورة البقرة 2/111] ([448])

214-7699 - وحدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا أبو تميلة عن عبيد بن سليمان عن الضحاك قال: قالت يهود: ليست لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون فإن كانت لهم ذنوب فإن لنا ذنوبا فإنما نحن مثلهم قال الله تعالى ذكره: {انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً  = 50 } [سورة النساء 4/150] ([449])

215-7700 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } قال: قال أهل الكتاب. {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  = 111 } [سورة البقرة 2/111] وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ  = 18 } [سورة المائدة 5/18] وقالوا: نحن على الذي يحب الله. فقال تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } حين زعموا أنهم يدخلون الجنة وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأهل طاعته. ([450])

216-7701 - حدثنا محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} نـزلت في اليهود قالوا: إنا نعلم أبناءنا التوراة صغارا فلا تكون لهم ذنوب وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل. ([451])

217-7702 - حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } قال: يهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم يزعمون أنهم لا ذنوب لهم. فتلك التزكية.([452])

218-7703 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي عن سفيان عن حصين عن أبي مالك في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } قال: نـزلت في اليهود كانوا يقدمون صبيانهم يقولون: ليست لهم ذنوب. ([453])

219-7704 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي عن أبي مكين عن عكرمة في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } قال: كان أهل الكتاب يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث يصلون بهم يقولون ليس لهم ذنوب فأنـزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 }... الآية. ([454])

220-7705 - حدثني محمدبن سعد قال: ثني أبي قال قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا قد توفوا وهم لنا قربة عند الله وسيشفعون ويزكوننا. فقال الله لمحمد: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 }... إلى {وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً  = 49 } ([455])

قولـه تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ  = 16 }

221-23675- حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ  = 16 } قال: هم اليهود والنصارى قالوا: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم. ([456])

قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ  = 169 } [سورة الأعراف 7/169]

222-11897 - حدثنا أحمد بن المقدام قال: ثنا فضيل بن عياض عن منصور عن سعيد بن جبير في قولـه: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} قال: يعملون الذنب ثم يستغفرون الله فإن عرض ذلك الذنب أخذوه. ([457])

223-11902 - حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط عن السدي قوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}.. إلى قوله: {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم. وإن خيارهم اجتمعوا فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا فجعل الرجل منهم إذا استقضي ارتشى فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول: سيغفر لي ! فيطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع. فإذا مات أو نـزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه. وأما عرض الأدنى فعرض الدنيا من المال([458]).


  الدراســــة:

لم يكتفي اليهود بمبارزة الله بالمعصية والكفر بل ذهب صلفهم وغرورهم إلى تزكيتهم لأنفسهم، وذلك كما فسره السلف لنا بعدة أمور منها:

1- قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

2- وقالوا: لن يدخل الجنة الا من كان هودا أونصارى.

3- وقالوا: لن تمسنا النار الا أياماً معدودة.

4- وقالوا: إن الهدى مقصور عليهم وحدهم، وليس لغيرهم الا اتباعهم، حتى ولوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم .

5- وقالوا : إن ابناءنا لا ذنوب لهم فنقدمهم في الصلاة وسيشفعوا لنا.

وأظهر هذه المعاني فى معنى تزكيتهم أنفسهم أنهم لا ذنوب لهم، وهم أبناء الله وأحباؤه، وقد رد الله عليهم قولهم ذلك بعد سياق كل تزكية قالوها, فكان ذلك كافياً في الرد عليهم وتقريعهم من الله عز وجل :

فقال لمن زكى نفسه منهم: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء} [سورة النساء 4/49]

وقال لمن قال: نحن أبناء الله :{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ  = 18 } [سورة المائدة 5/18]

وقال لمن ادعى أنه لن يدخل الجنة معهم أحد:{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  = 111 } [سورة البقرة 2/111]

وقال لمن قال إنه لن يدخل النار الا أياما يسيره:{قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ  = 80 } [سورة البقرة 2/80]

وساق ابن أبي حاتم بسنده الى ابن عباس رضي الله عنهما  في الرد على من قال أن أبناءه سيشفعون له قال ابن عباس رضي الله عنهما : ((كان اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب وكذبوا قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له وأنـزل الله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} [سورة النساء 4/49].)) ([459])

وقد أثرت هذه العقيدة عن اليهود أعني تزكيتهم أنفسهم، وأنهم فوق البشر، حتى ترسخت في أجيالهم خاصة إذا جمع معها تفضيل الله لأسلافهم على عالمي زمانهم، فنتج عن هذا مقولة (شعب الله المختار) ([460]) وهي التي شجعتهم عبر العصور، خاصة المتأخر منها على العدوان، واستغلال الغير، والاستهانة في المعاصي، اتكالاً على هذا التفضيل، ولمز كل من يتعرض لهم من قريب أو بعيد وما تهمة (معادة السامية) المعاصرة عنا ببعيد.

 وتوراتهم المعاصرة هي معتمدهم في ذلك فقد جاء في سفر التثنية (14/2) "لأنك شعب مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض". والفكرة نفسها تتواتر في سفر اللاويين (20/24، 26): "أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب... وتكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتكـم من الشعـوب لتكونوا لي".

وفكرة الاستعلاء والعنصرية اليهودية من أسوء أنواع العنصرية في العالم (فهي تتسم بسمات تخالف بها جميع العنصريات عند الأمم كتزييف التاريخ ومصادرة الفكر -اللاسامية- واستغلال الدين.)([461])


 المبحث الرابع: الآثار الواردة في نقضهم العهود والمواثيق

 الآثار:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  = 77 } [سورة آل عمران 3/77]

224-5753- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: نـزلت هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  = 77 } في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب. ([462])

قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  = 187 } [سورة آل عمران 3/187] 

225-6630- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أنه حدثه، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا تكتمونه} إلى قوله: {عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ  = 10 } يعني: فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار. ([463])

226-6631 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} كان أمرهم أن يتبعوا النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، وقال: {اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  = 158 } [سورة الأعراف 7/158] فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم  قال: {أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  = 40 } [سورة البقرة 2/40] عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمداً: صدقوه، وتلقون الذي أحببتم عندي. ([464])

227-6639 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب البجلي، عن الشعبي في قولـه: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  = 187 } قال: إنهم قد كانوا يقرؤونه إنما نبذوا العمل به. ([465])

228-6640-حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  = 187 } قال: نبذوا الميثاق. ([466])

229-6641- حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ  = 187 } أخذوا طمعاً، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم . ([467])

قولـه تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  = 63 } [سورة البقرة 2/63]

230-930 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: لما رجع موسى عليه السلام  من عند ربه بالألواح قال لقومه بني إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، وأمره الذي أمركم به، ونهيه الذي نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه! فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله فجاءتهم صاعقة فصعقتهم، فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله! فقالوا: لا، قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيينا، قال: خذوا كتاب الله! قالوا: لا. فبعث ملائكته فنتقت الجبل فوقهم، فقيل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، هذا الطور، قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم! قال: فأخذوه بالميثاق. وقرأ قول الله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } حتى بلغ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  = 74 } [البقرة: 83-85] قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق. ([468])

قولـه تعالى: {وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ  = 76 } [سورة البقرة 2/76]

231-1108-حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي بصاحبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنـزل الله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ  = 76 } أي تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي صلى الله عليه وسلم  الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا؟ اجحدوه ولا تقروا لهم به. يقول الله: {أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون}. ([469])

قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [سورة البقرة 2/83]

232-1192-حدثني به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} أي ميثاقكم {لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}. ([470])

233-1193-حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له وأن لا يعبدوا غيره. ([471])

234-1194 -حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قولـه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} قال: أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدوا غيره. ([472])

235-1195 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } قال: الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة. ([473])

قولـه تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } [سورة البقرة 2/83].

236-1196 - حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } أمرهم أيضا بعد هذا الخلق أن يقولوا للناس حسنا: أن يأمروا بلا إله إلا الله من لم يقلها ورغب عنها حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك قربة من الله جل ثناؤه. ([474])

237-1197-حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } قال: قولوا للناس معروفاً. ([475])

238-1199- حدثت عن يزيد بن هارون، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول في قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } قال: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر. ([476])

239-1201- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا القاسم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن أبي جعفر وعطاء بن أبي رباح في قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } قال: للناس كلهم. ([477])

قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ  = 43 } [سورة البقرة 2/43].

240-1202- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن مسعود _، قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ  = 43 } هذه، وإقامة الصلاة تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها. ([478])

241-1203- حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ  = 43 } قال: إيتاء الزكاة ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبله، ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل. وكان الذي قرب من مكسب لا يحل من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمر الله به وبينه له. ([479])

242-1204- حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ  = 43 } يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص. ([480])

قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } [سورة البقرة 2/83].

243-1205- حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما  ، قال: لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل - هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالا وكراهية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وهم الذين استثنى الله فقال: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ} يقول: أعرضتم عن طاعتي {إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها؛ يقول: تركها استخفافا بها. ([481])

244-1206- حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } أي تركتم ذلك كله. ([482])

قولـه تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } [سورة البقرة 2/84]

245-1207 - حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } أي لا يقتل بعضكم بعضا، {وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } ونفسك يا ابن آدم أهل ملتك. ([483])

246-1208-حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } يقول: لا يقتل بعضكم بعضاً {وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } يقول: لا يخرج بعضكم بعضا من الديار. ([484])

247-حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة في قوله: {لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } يقول: لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق {وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } فتسفك يا ابن آدم دماء أهل ملتك ودعوتك. ([485])

248-1209- حدثنا المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } يقول: أقررتم بهذا الميثاق. ([486])

249-1210-حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } أن هذا حق من ميثاقي عليكم. ([487])

250-1211- حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } يقول وأنتم شهود. ([488])

قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ  = 100 } [سورة البقرة 2/100]

251-1360-حدثنا أبو كريب، قال ثنا يونس بن بكير. قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: قال مالك بن الصيف حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم  وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه: والله ما عهد إلينا في محمد صلى الله عليه وسلم  - وما أخذ له علينا ميثاقا! فأنـزل الله جل ثناؤه: {أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون}. ([489])

252-1361 - حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ  = 100 } يقول: نقضه فريق منهم. ([490])

253-1362 -   حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ  = 100 } قال: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا. ([491])

قوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَلاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} [سورة الأعراف 7/169]

254-11905 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما : {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَلاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} قال: فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها. ([492])

قوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  = 171 } [سورة الأعراف 7/171]

255-11910- حدثني المثني، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  = 171 } فهو قوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمْ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً  = 154 } [النساء: 154] فقال: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  = 63 }، وإلا أرسلته عليكم . ([493])

قوله تعالى: {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} [سورة الأحزاب 33/10]

256-21623- حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير، وعمن لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا: أنه كان من حديث الخندق، أن نفراً من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، خرجوا حتى قدموا مكة على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله. فقال لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. قال: فهم الذين أنـزل الله فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً  = 51 } [النساء: 51] إلى قوله: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً  = 55 } [النساء: 55] فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، فاجتمعوا لذلك، واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من اليهود، حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا فيه، فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومشعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان، فيمن تابعه من قومه من أشجع؛ فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم  من الخندق، أقبلت قريش حتى نـزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نـزلوا بذنب نقمي إلى جانب احد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء، فرفعوا في الآطام، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري، حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم  على قومه، وعاهده على ذلك وعاقده، فلما سمع كعب بحيي بن أخطب، أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يا كعب افتح لي، قال: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، إني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا؛ قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت دوني إلا تخوفت على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: يا كعب جئتك يعز الدهر، وببحر طم، جئتك بقريش على قاداتها وساداتها، حتى أنـزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قاداتها وساداتها حتى أنـزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه، فقال له كعب بن أسد: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه، يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، فدعني ومحمدا وما أنا عليه، فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء؛ فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاهم عهداً من الله وميثاقاً لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان عليه، فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  الخبر، وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم  سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، أحد بني الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن ديلم أخي بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بلحرث بن الخزرج، وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف، فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟، فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم، فاجهروا به للناس. فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقالوا: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلاً فيه حدة، فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة: أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين"، وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المسلمون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو، وذلك عن ملإ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا، وإنها خارجة من المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم  بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار". ([494])

قولـه تعالى: {وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} [سورة الأحزاب 33/26]

257-21688-حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن الخندق راجعاً إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح، فما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم  -معتجراً بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحاله، عليها قطيفة من ديباج- ؛ فقال: أقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: "نعم"، قال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، ما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إلى بني قريظة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  مناديا، فأذن في الناس: إن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم  علي بن أبي طالب _ برايته إلى بني قريظة وابتدرها الناس، فسار علي بن أبي طالب _ حتى إذا دنا من الحصون، سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم  منهم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالطريق، فقال: يا رسول الله لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخباث، قال: "لم؟ أظنك سمعت لي منهم أذى"، قال: نعم يا رسول الله. قال: "لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا". فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  من حصونهم قال: "يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنـزل بكم نقمته؟"قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً؛ ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم  على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: "هل مر بكم أحد؟"فقالوا: يا رسول الله، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ذاك جبرائيل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم"؛ فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  قريظة؛ نـزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم يقال لها: بئر أنا، فتلاحق به الناس، فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فصلوا العصر فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسوله. ([495])

قولـه تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ  = 114 } [سورة المائدة 5/114]

258-10132- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله: أن المائدة نـزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها، وقال: لعلها لا تنـزل غدا! فرفعت. ([496])

259-10133- حدثنا المثني، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن سماك بن حرب، عن رجل من بني عجل قال: صليت إلى جنب عمار بن ياسر، فلما فرغ، قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: فقلت لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني أعذبكم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. قال: فما تم يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين. وإنكم معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم على لسان نبيكم أنكم ستظهرون على العرب، ونهاكم أن تكنـزوا الذهب والفضة، وايم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنـزوهما ويعذبكم عذابا أليما!. ([497])

260-10135- حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار، قال: نـزلت المائدة، وعليها ثمر من ثمر الجنة، فأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا. قال: فخان القوم وخبئوا وادخروا، فحولهم الله قردة وخنازير.

261-10136- حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنها كانت مائدة ينـزل عليها الثمر من ثمار الجنة، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد، بلاء ابتلاهم الله به، وكانوا إذا فعلوا شيئا من ذلك أنبأهم به عيسى، فخان القوم فيه فخبئوا وادخروا لغد. ([498])


 الدراســــة:

يقول الله -تبارك وتعالى- معظماً أمر العهد: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً  = 34 } [سورة الإسراء 17/34] ، وأثنى على أهل الوفاء وعدهم هم أولوا الألباب فقال: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [سورة الرعد 13/20]

 قال قتادة رحمه الله : قال الله :{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} [سورة الرعد 13/19] فبين من هم، فقال: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [سورة الرعد 13/20] فعليكم بوفاء العهد، ولا تنقضوا هذا الميثاق، فإن الله تعالى قد نهى وقدم فيه أشد التقدمة، فذكره في بضع وعشرين موضعاً، نصيحة لكم وتقدمة إليكم وحجة عليكم، وإنما يعظم الأمر بما عظمه الله به عند أهل الفهم والعقل، فعظموا ما عظم الله. ([499])

قال ابن منظور: "العَهْدُ كل ما عُوهِدَ اللَّهُ علـيه، وكلُّ ما بـين العبادِ من الـمواثِـيقِ، فهو عَهد والعهد: الوفاء. وفـي التنزيل: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} [سورة الأعراف 7/102] ؛ أَي من وفاء؛ قال أَبو الهيثم: العهْدُ جمع العُهْدَةِ وهو الـميثاق والـيمين التـي تستوثقُ بها مـمن يعاهدُك." ([500])

وقال: "الـمَوْثِقُ و الـمِيثاقُ: العهد، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والـجمع الـمَواثِـيقُ علـى الأَصل، الـمُوَاثقة: الـمعاهدة؛ ومنه قوله تعالـى: {وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} [سورة المائدة 5/7] و الـمِيثاقُ: العهد، مِفْعال من الوَثاقِ، وهو فـي الأَصل حبل أَو قَـيْد يُشدّ به الأَسير والدابة . وفي التهذيب: "الـمِيثاقُ من الـمُواثَقةِ والـمعاهدة؛ ومنه الـمَوْثِقُ . تقول: واثَقْتُه با لأَفْعَلنَّ كذا وكذا . ويقال: اسْتَوْثَقْت من فلان و تَوَثَّقْتُ من الأَمر إِذا أَخذت فـيه بالوَثاقةِ" ([501])

لقد قصّ لنا القرآن عشرات العهود والمواثيق التي نقضها اليهود وهدموها وخرجوا عليها ولم يرعوها، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  = 63  ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ  = 64 } [سورة البقرة 2/63-64] .

قال ابن كثير رحمه الله : "يقول تعالى مذكِّراً بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك لـه واتّباع رسله، وأخبر تعالى أنّه لمّا أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وجزم وامتثال، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رُفع عليهم الجبل ليسمعوا. وقال السُّدي فلمّا أبَوْا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم فنظروا إليه وقد غَشِيَهم فسقطوا سُجَّداً فسجدوا على شقٍّ ونظروا بالشقّ الآخر فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا والله ما سجدةٌ أحبّ إلى الله من سجدةٍ كشف بها العذاب عنهم فهم يسجدون كذلك ..... فأقروا بذلك أنّهم يأخذون ما أوتوا به بقوّة ..... قال أبو العالية والربيع {وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ} [سورة البقرة 2/63] يقول: اقرءوا ما في التوراة واعملوا به، وقوله تعالى {ثُمَّ توليتم من بعد ذلك ...} ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم تولّيتم عنه وانثنيتم ونقضتموه" ([502]) ويقول تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ = 83 وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ = 84  ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة البقرة 2/83-85]. فقد بيّن الله تعالى أنّه أخذ الميثاق على بني إسرائيل بأن لا يعبدوا إلاّ الله، وبأن يحسنوا للوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، وأن لا يسفكوا الدماء، وقد أقرُّوا بهذا الميثاق واعترفوا به وشهدوا على أنفسهم. وبعد هذا كُلّه نقضوا عهد الله وميثاقه الذي واثقهم به، فسفكوا الدّماء وقتل بعضهم بعضاً وأخرجوا بعضهم من ديارهم. وقد نـزلت هذه الآيات في معرض الإنكار على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالمدينة وما كانوا يعانونه من القِتال مع الأوس والخزرج.

يقول ابن كثير رحمه الله : "وذلك أنّ الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عُبّاد أصنامٍ وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريقٍ مع حلفائه فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرامٌ عليهم في دينهم ونصِّ كتابهم .... وذلك أنّ أهل الملّة الواحدة بمنـزلة النفس الواحدة... {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحّته وأنتم تشهدون به {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ...} فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حربٌ خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يُظاهر كلّ واحدٍ من الفريقين حُلفاءه على إخوانه، حتّى تَسَافكُوا دماءَهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم." ([503]).

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ  = 12  فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  = 13 } [سورة المائدة 5/12-13].

وهكذا يقصّ علينا القرآن نقضهم المواثيق التي بينهم وبين الله. وإن كانوا قد نقضوا عهودهم مع الله فقد نقضوها مع أنبيائه ورُسُله. وحسبنا من ذلك أن نذكُر جُملةً من العهود والمواثيق التي أبرموها مع نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم  ثمّ نقضوها. 1-أحبار اليهود ينقضون العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"حضرت عصابةٌ من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا يا أبا القاسم حدِّثنا عن خِلالٍ نسألك عنهنّ لا يعلمهنّ إلاً نبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((سلوا عمّا شئتم ولكن اجعلوا لي ذمّة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن حدَّثْتُكم عن شيءٍ فعرفتموه لتتابعُنني على الإسلام. فقالوا: ذلك لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلوا عمّا شئتُم. قالوا: أخبرنا عن أربع خلالٍ نسألك عنهُنّ، أخبرنا أيّ الطعام حَرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تُنـزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأةِ وماء الرّجل وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمّي في التوراة ومن وليّه من الملائكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنني؟، فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق، فقال: نشدتكم بالذي أنـزل التوراة على موسى، هل تعلمون أنّ إسرائيل يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من مرضه ليُحَرِّمَنّ أحبّ الطعام والشراب إليه. وكان أحبّ الطعام إليه لحوم الإبل وأحبّ الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اشهد عليهم. وأنشدُكم بالله الذي لا إله إلاّ هو الذي أنـزل التوراة على موسى هل تعلمون أنّ ماء الرجل غليظٌ أبيض وأنّ ماء المرأة رقيق أصفر فأيُّهُما علا كان له الولد والشبه بإذن الله عزّ وجلّ، وإذا علا ماء الرّجل ماء المرأة كان الولد ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله عز وجل ، قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. وأنشدكم بالله الذي أنـزل التوراة على موسى هل تعلمون أنّ هذا النبي الأميَّ تنام عيناه ولا ينام قلبه). قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قالوا: أنت الآن فحدّثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: فإن وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قَطُّ إلا وهو وليّه. قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليُّك سواه من الملائكة تابعناك وصدّقناك. قال: فما يمنعُكم أن تُصدِّقوه؟. قالوا: إنّه عدوّنا. فأنـزل الله عز وجل  {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  = 97 } [سورة البقرة 2/97] إلى قوله {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة 2/102] فعندها باؤوا بغضبٍ على غضب)) ([504]).

2- قبائل اليهود نَبَذت العهود والمواثيق:

"لمّا قدمَ النبي صلى الله عليه وسلم  المدينة... وكتب بينهم وبينه كتاب أمنٍ، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدرٍ وقدشرقوا بوقعة بدر، وأظهروا البغي والحسد فسارت إليهم جنود الله يقدمهم عبد الله ورسوله ... وحاصرهم خمس عشرة ليلةً ـوهُم أوّل من حارب من اليهود وتحصّنوا في حصونهم، فحاصرهم أشدّ الحِصار، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب، فنـزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم  في رقابهم وأموالهم، ونسائهم وذريتهم، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها. فخرجوا إلى أذْرِعات من أرض الشام. فقلّ أن لبثوا فيها حتّى هلك أكثرهم".([505])

ثمّ نَقَضَ العهد بنو النضير: قال البخاري: وكان ذلك بعد بدرٍ بستّة أشهر، قاله عروة. وسبَبُ ذلك أنّه صلى الله عليه وسلم  خرج إليهم في نفرٍ من أصحابه، وكلّمهم أن يعينوه في دية الكِلابِيَيْنِ الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم. اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك وخلا بعضهم ببعض، وسوّل لهم الشيطان الشقاء الذي كُتِبَ عليهم فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا أيّكم يأخذ هذه الرّحى ويصعَدُ فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا. فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوه فوالله ليُخبَرَنّ بما هممتم به، وإنّه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربّه تبارك وتعالى بما هَمُّوا به فنهض مُسرِعاً وتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه... وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجَّلتُكُم عشراً. فمن وجدت بعد ذلك بها ضربتُ عنقه، فأقاموا أيّاماً يتجهّزون. وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أُبي أن لا تخرجوا من دياركم فإنّ معي ألفين يدخلون معكم حِصنَكم فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحُلفاؤكم من غطفان. فبعثوا إلى رسول الله إنّا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك.فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأصحابه ونهضوا إليهم. وعلي بن أبي طالبٍ _ يحمل اللواء، فلمّا انتهى إليهم، قاموا على حصونهم يرمون بالنّبل والحجارة. واعتزلتهم قريظة وخانهم ابن أُبي وحلفـاؤهـم من غطفان...فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقطع نخلهم وحرّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأنـزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم وأنّ لهم ما حملت الإبل إلاّ السلاح." ([506]).

"وأمّا قريظة فكانت أشدّ اليهود عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأغلظهم كفراً ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم، وذلك لمّا أغراهم حييّ بن أخطب بقوله جئتكم بقريشٍ على سادتها، وغطفان على قادتها، وأنتم أهل الشوكة والسلاح، فهلمَّ حتىّ نناجز محمداً ونفرغ منه... فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، ونقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأظهروا سبّه، فبلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  الخبر، فأرسل يستعلم الأمر، فوجدهم قد نقضوا العهد، فكبّر وقال: ((أبشروا يا معشر المسلمين)). فلمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى المدينة لم يكن إلاّ أن وضع سلاحه، فجاءه جبريل عليه السلام  فقال: أوضعت السلاح، والله إنّ الملائكة لم تضع أسلحتها فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائرٌ أمامك أزلزل بهم حصونهم وأقذف في قلوبهم الرُّعب، فسار جبريل في موكبه من الملائكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم  على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم  الراية علي بن أبي طالب _ ... ونازل حصون بني قريظة وحصرهم خمساً وعشرين ليلة، ولمّا اشتدّ عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال، فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدةٍ مِنهن. وانتهى أمرهم إلى سعد بن معاذ _ إذ اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم  قائلاً: ((ألا ترضون أن يحكم فيهم رجلٌ منكم، فذاك إلى سعد بن معاذ))، وجيء بسعد _ فكان حكمه أن تُقتَّل الرجال وتُسبى النساء وتُقسَّم الأموال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات))" ([507]).

"وكان هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم  إذا صالح قوماً فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرّهم الباقون ورضوا به، غزا الجميع وجعلهم كلهم ناقضين" ([508]).

وهذا ما أكَّدَه التاريخ قديماً وحديثاً فقد عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المدينة كما مَرّ معنا ونقضوا عهودهم في خسَّةٍ ونذالةٍ.وأمّا في العصر الحديث فالعالم كُلّه شاهدٌ على نقض العهود والوعود، بل إنّ اليهود يتخذون الوعود والمواثيق أسلوباً وسبيلاً للوصول إلى أغراضهم، فقد يعقدون المعاهدة حتى يلتقطوا أنفاسهم ويُعِدُّوا أنفسهم. فإذا تحقق لهم ما أرادوا ينكثون العهد والوعد كعادتهم.

ومما ينبغي أن نشير إليه، ونحن نستعرض شهادة القُرآن على اليهود، أنّ القرآن الكريم قد أكّد على ثبات هذه الصِّفة في اليهود قديماً وحديثاً، فالآيات القرآنية تربط بين اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم  وبين آبائهم وأجدادهم الأولين في مختلف أدوارهم ربطاً محكماً كأنّما هي تُقِرُّ أنّ ما عليه اليهود من أخلاقٍ وأحوالٍ وما وقفوه من مواقف إنّما هي مظهرٌ من أصول جِبِلَّةٍ خُلُقِيَّةٍ راسخةٍ يتوارثها الأبناء عن الآباء، بل هذا ما شهدت به التوراة والإنجيل.

 شهادة التوراة والإنجيل:

مع أنّ التوراة كتابهم المقدّس، وبرغم تحريفها وتعرُّضها للتزييف على أيديهم إلاّ أنهّا لم تخلُ من الإشارة إلى أخلاقهم الذميمة، سيما خلق الغدر والخيانة ونبذ العهود.

ففي سِفرِ التثنيةِ من الإصحاح 32 عدد 19 "إنّهم جيلٌ مُتقلّب أولادٌ لا أمانَة فيهم."

وإنّك لتعجب حينما تقرأ في سفر أشعيا الإصحاح 59 ما نصّه: "خيوطُهم لا تصير ثوباً، ولا يكتسون بأعمالهم، أعمالهم أعمالُ إثم،" وفعل الظُلم في أيديهم، أرجلهم إلى الشرِّ تجري وتسرع إلى سفك الدّم. أفكارُهُم أفكار إثم، في طرقهم اغتصاب وسحق، طريق السلام لم يعرفوه، وليس في مسالكهم عدل، جعلوا لأنفسهم سبيلاً معوجّةً كُلّ من يسير فيها لا يعرف سلاماً"

أمّا الإنجيل فقد شهد عليهم بأنّهم سَفَكة دماء وأولاد أفاعي. ففي إنجيل متّى الإصحاح 23 العدد 25 "يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلموا، بالصالحات، وأنتم أشرار فإنّه من فضلة القلب يتكلم اللسان".

وفي إنجيل متّى أيضاً الإصحاح 23 فقرة 39 "يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ..."

فالذي نخلص إليه مما سبق أنّ نقض العهود صفةٌ ملازمةٌ لليهود. في كلّ العهود.إذ إنّ اليهود سلسلةٌ وسلالةٌ واحدةٌ متشابهةٌ في حلقاتها مهما تباعدت الأزمنة وتنوَّعت البيئات. ولعلّ من إعجاز القرآن الكريم أنّ المرء يراهم في أخلاقهم اليوم صورةً طبق الأصل لما وصفهم به القرآن الكريم من صفاتٍ وأخلاق، ولم تزدهم الأيّام فيها إلاّ رسوخاً. يقول الدكتور عبد الستّار فتح الله: "وإنه لأمرٌ عجيب أن توجد أمّةٌ من البشر على هذا النمط وتمتد في سلسلة واحدةٍ عبر الأزمنة والأمكنة وتتأصّل في أجيالها جميعاً كلّ خلائق السوء إلى هذا الحدّ الرهيب، ويكاد العقل ينكر هذا للوهلة الأولى ولا يصدّق استمرار هذا السعار النفسي في الجيل بعد الجيل على امتداد أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ولكن هذا فعلاً هو الواقع، اليهود ودينهم بل هو دينهم الذي وضعوه لأنفسهم، وأُشرِبَته قلوبهم على تعاقب القرون والأجيال حتّى كأنّه صار سليقةً مُكتَسَبةً" ([509]).

اليهود نقضة عهود ومواثيق، وأول آية توافيك في الميثاق و نقضة هي في حق اليهود كقولـه تعالى: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ  = 27 } [سورة البقرة 2/27]

قال الطبري: "وأولى الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: إن هذه الآيات نـزلت في كفار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم  وما قرب منها من بقايا بني إسرائيل." ([510])

وقد فصل لنا الله -تبارك وتعالى- المواثيق والعهود التي نقضوها ولكن أظهر آية في بيان أن هذا الخلق متأصل في النفس اليهودية وأن فيه خاصية الاستمرار في أجيالهم ولكي يلتفت المسلمون ولا يغيب عنهم هذا التحذير طرفة عين قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنـزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ  = 100 } [سورة البقرة 2/100] 

وكان من أول الناقضين المعاصرين لنبينا صلى الله عليه وسلم  ما فعله مالك بن الصيف، ([511]) حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم  وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه: والله ما عهد إلينا في محمد صلى الله عليه وسلم  - وما أخذ له علينا ميثاقاً.

 والمواثيق التي نقضوها مع الله كثير نذكر منها أمثلة تدل على المقصود فمن ذلك:

ميثاق العمل بما في التوراة وأخذها بقوة وتبيق ما فيها كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  = 63 } [سورة البقرة 2/63] قال ابن كثير: "يقول تعالى مذكراً بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق؛ بالإيمان به وحده لا شريك لـه، واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رءوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه ويأخذوه بقوة وحزم وامتثال، قال السدي: فلما أبو أن يسجدوا أمر الله الجبل يقع عليهم فنظروا اليه وقد غشيهم فسقطوا سجداً فسجدوا على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم فهم يسجدون كذلك. ([512])

ولكن التيجة هي التولي عن أمر الله قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ  = 64 } [سورة البقرة 2/64]

ميثاق الله عليهم بتوحيده والبر بالوالدين والإحسان الى الأقارب ومخاطبة الناس بالحسن من القول مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [سورة البقرة 2/83]

والنيجة ممن تعودوا الانحراف عن ما أخذ عليهم {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ  = 83 } [سورة البقرة 2/83] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات، ويصلوا الأرحام، ويتعطفوا على الأيتام، ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم، ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته، ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها، ويؤتوا زكاة أموالهم. فخالفوا أمره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين، إلا من عصمه الله منهم فوفى لله بعهده. ([513])

ميثاق الله لهم مع بني جنسهم بعدم القتل والإخراج من الديار.

كما قال تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  = 84 } [سورة البقرة 2/84]

وقد أجاب الطبري عن تساؤل مفترض وهو: "أو كان القوم يقتلون أنفسهم، ويخرجونها من ديارها، فنهوا عن ذلك؟ فأجاب: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت، ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضاً، فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه، إذ كانت ملتهما بمنـزلة رجل واحد." ([514]) وقال القرطبي: "وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقاً ألا يقتل بعضهم بعضاً، ولا ينفيه ولا يسترقه، ولا يدعه يسرق، إلى غير ذلك من الطاعات." ([515])

وماكان منهم الاّ إفساد الميثاق كما قال تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  = 85 } [سورة البقرة 2/85]

وهذا الميثاق وغيره عده المفسرون موجه لليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ، وحكاية عن أسلافهم كما صرح بذلك الطبري بقوله: "وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي أن يكون قوله: {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} خبرا عن أسلافهم، وداخلا فيه المخاطبون منهم الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} خبرا عن أسلافهم وإن كان خطاباً للذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الله تعالى أخذ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم  من بني إسرائيل على سبيل ما قد بينه لنا في كتابه، فألزم جميع من بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة مثل الذي ألزم منه من كان على عهد موسى منهم. ثم أنب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم ذلك الميثاق، وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود بقوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} فإذ كان خارجاً على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم  منهم، فإنه معني به كل من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى ومن بعده، وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة؛ لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} وما أشبه ذلك من الآي بعضهم دون بعض؛ والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم. فإذ كان ذلك كذلك فليس لأحد أن يدعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض. وكذلك حكم الآية التي بعدها، أعني قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} الآية؛ لأنه قد ذكر لها أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم " .([516])

وهو - والله أعلم - لجنس اليهود فهو يذكر كل يهودي بما أخذ عليه وعلى أسلافه فهو يتلى إلى يوم القيامة وفيه أيضا عضة وعبرة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم  حتى يعتبروا بمن قبلهم.

ميثاق السمع والطاعة لما يؤمرون به كما في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  = 93 } [سورة البقرة 2/93]

وانظر كيف لم يأخذوا الميثاق الاّ تحت التهديد بالعذاب أن يكون الجبل العظيم من فوقهم، ومع ذلك سمعوا وعصوا وأشركوا بالعجل حتى تشربته قلوبهم، كما قال الطبري:وإذ أخذنا ميثاقكم أن خذوا ما آتيناكم بقوة، واعملوا بما سمعتم، وأطيعوا الله، ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك.([517])

مواثيقهم الكثيرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم  لا خلاف بين أي فريق منهم فمرة قريضة ومرة بنو النضير نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة بالسلاح، ثم اعتذروا فقالوا: نسينا، فعاهدهم عليه السلام  ثانية فنقضوا يوم الخندق. وقد وصفهم الله (بشر الدواب) وأنهم كالرجل الواحد سلفهم وخلفهم كما قال الطبري: "يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : لا تستعظموا أمر الذين هموا ببسط أيديهم إليكم من هؤلاء اليهود بما هموا به لكم، ولا أمر الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسلافهم، لا يعدون أن يكونوا على منهاج أولهم وطريق سلفهم. وهكذا كما سيأتي في الآثار الواردة عنهم في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ."

مواثيق أخرى ذكرها الله لبعض أفرادهم كاالنقباء الذين أرسلهم موسى ليتجسسوا على العماليق وقد بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم؛ فساروا ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوه عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم؛ فأطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها؛ فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى عليه السلام ، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم، ومن وثقوه على سرهم؛ ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل فقالوا: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ  = 24 } [سورة المائدة 5/24]. ([518]) فلم يحافظوا على ما تواثقوا عليه

ونقول أخيراّ أن اليهود قد وعدوا وعداً حسناً مشروطاً لو أخذوا به لجاءهم موعود الله لهم وهو قوله تعالى:{وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [سورة البقرة 2/40] 

ويستفاد من ذلك ما نبه اليه الرازي عند قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  = 12 } [سورة المائدة 5/12] قال: "اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها:

1- الأول: أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [سورة المائدة 5/7] ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نـزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة.

2- والثاني: أنه لما ذكر قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [سورة المائدة 5/11] وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نـزلت في اليهود وأنهم أرادوا أيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم  فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبداً كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق." ([519])


 المبحث الخامس ــ الآثار الواردة كذبهم وافترائهم

 الآثار:

قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  = 75 } [سورة آل عمران 3/76]

262-5750- حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: فيقول على الله الكذب، وهو يعلم، يعني الذي يقول منهم إذا قيل لـه: ما لك لا تؤدي أمانتك؟ ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا ([520]).

قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  = 42 } [سورة البقرة 2/42]

263-690 -حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روح، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب. ([521])

264-691- حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  = 42 } يقول: لا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله في أمر محمد عليه الصلاة والسلام. ([522])

265-692 -وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  = 42 } اليهودية والنصرانية بالإسلام. ([523])

266-694 -حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  = 42 } يقول: ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون. ([524])

267-696- حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} قال: كتموا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم . ([525])

قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [سورة البقرة 2/71].

268-1068 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثتي أبي عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما : إن القوم بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله، أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه، بعد أن رأوا الآية والحق. ([526])

قولـه تعالى: {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ = 75 } [سورة البقرة 2/75].

269-1097- حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد في قول الله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّه} فالذين يحرفونه والذين يكتمونه: هم العلماء منهم. ([527])

270-1098- حدثني موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  = 75 } قال: هي التوراة حرفوها. ([528])

271-1099 -حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  = 75 } قال: التوراة التي أنـزلها عليهم يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حراما والحرام فيها حلالا، والحق فيها باطلا والباطل فيها حقا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محق، وإن جاء أحد يسألهم شيئا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق، فقال لهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  = 44 } [سورة البقرة 2/44] ([529])

272-1100 - حديث عن عمار بن الحسن، قال: أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قولـه: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  = 75 } فكانوا يسمعون من ذلك كما يسمع أهل النبوة، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. ([530])

273-1101 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} الآية، قال: ليس قولـه: {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ} يسمعون التوراة، كلهم قد سمعها؛ ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم، فأخذتهم الصاعقة فيها.([531])

274-1102 -حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: بلغني عن بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى قد حيل بيننا وبين رؤية الله عز وجل ، فأسمعنا كلامه حين يكلمك! فطلب ذلك موسى إلى ربه، فقال: نعم، فمرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا! ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتى الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى عليه السلام ، فوقعوا سجودا، وكلمه ربه فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاؤوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذي ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا خلافا لما قال الله عز وجل لهم. فهم الذين عنى الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم . ([532])

قولـه تعالى: {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ  = 77 } [سورة البقرة 2/77]

275-1117- حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ  = 77 } يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم  وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوباً عندهم. {وَمَا يُعْلِنُونَ} يعني ما أعلنوا حين قالوا للمؤمنين آمنّا. ([533])

قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [سورة البقرة 2/78].

276-1135- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} إلا يكذبون. ([534])

قولـه تعالى: {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ  = 79 } [سورة البقرة 2/79].

277-1145-حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} قال: كان ناس من اليهود كتبوا كتاباً من عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله ليأخذوا به ثمناً قليلاً. ([535])

278-1146 -حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنـزله الله، فكتبوا كتاباً بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جهال: {هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} قال: عرضاً من عرض الدنيا. ([536])

279-1147 -حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ} قال: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله يحرفونه. ([537])

280-1148-حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن قتادة: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} الآية، وهم اليهود. ([538])

281-1149- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ} قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتاباً بأيديهم ليتآكلوا الناس، فقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله. ([539])

282-1150 - حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قولـه: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ  = 79 } قال: عمدوا إلى ما أنـزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ، فحرفوه عن مواضعه يبتغون بذلك عرضاً من عرض الدنيا، فقال: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ  = 79 }.([540])

قولـه تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة 2/80].

283-1166-حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً} أي موثقاً من الله بذلك أنه كما تقولون. ([541])

284-1169-حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط عن السدي، قال: لما قالت اليهود ما قالت، قال الله عز وجل : {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} وقال في مكان آخر: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}. [سورة آل عمران 3/24] ثم أخبر الخبر فقال: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  = 81 } [سورة البقرة 2/81]. ([542])

قولـه تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [سورة البقرة 2/87].

285-1237 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال:حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ} اليهود من بني إسرائيل. ([543])

قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ  = 95 } [سورة البقرة 2/95]

286-1306-حدثني محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد فيما يروي أبو جعفر، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما : {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً} الآية، أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أي لعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك. ([544])

287-1307 -حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} يقول: يا محمد ولن يتمنوه أبدا لأنهم يعلمون أنهم كاذبون، ولو كانوا صادقين لتمنوه ورغبوا في التعجيل إلى كرامتي، فليس يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم. ([545])

288-1365- حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب} يقول: نقض فريق {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} أي أن القوم كانوا يعلمون. ولكنهم أفسدوا علمهم وجحدوا وكفروا وكتموا. ([546])

قولـه تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة البقرة 2/140].

289-1759-فحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن بن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ} قال: في قول يهود لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام  ومن ذكر معهما إنهم كانوا يهوداً أو نصارى. فيقول الله: لا تكتموا مني شهادة إن كانت عندكم فيهم. وقد علم أنهم كاذبون. ([547])

290-1760 -حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني إسحاق، عن أبي الأشهب، عن الحسن أنه تلا هذه الآية: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} إلى قوله: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قال الحسن: والله لقد كان عند القوم من الله شهادة أن أنبياءه برآء من اليهودية والنصرانية، كما أن عند القوم من الله شهادة أن أموالكم ودماءكم بينكم حرام، فبم استحلوها؟ ([548])

291-1761 -حدثنا عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً}أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دين الله، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل: أنهم لم يكونوا يهوداً ولا نصارى، وكانت اليهودية والنصرانية بعد هؤلاء بزمان.

قولـه تعالى: {وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [سورة النساء 4/46]

292-7676 - حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، قال: أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما  في قوله: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ} قال: تحريفا بالكذب. ([549])

293-10655 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [سورة الأنعام 6/100] قال: كذبوا. ([550])

294-10656 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} كذبوا، سبحانه وتعالى عما يصفون عما يكذبون ! أما العرب فجعلوا له البنات ولهم ما يشتهون من الغلمان، وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبا، ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون. ([551])

295-9322 - حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ} [سورة المائدة 5/41] كان بنو إسرائيل أنـزل الله عليهم: إذا زنى منكم أحد فارجموه. فلم يزالوا بذلك حتى زنى رجل من خيارهم؛ فلما اجتمعت بنو إسرائيل يرجمونه، قام الخيار والأشراف فمنعوه. ثم زنى رجل من الضعفاء، فاجتمعوا ليرجموه، فاجتمعت الضعفاء فقالوا: لا ترجموه حتى تأتوا بصاحبكم فترجمونهما جميعاً! فقالت بنو إسرائيل: إن هذا الأمر قد اشتد علينا، فتعالوا فلنصلحه! فتركوا الرجم، وجعلوا مكانه أربعين جلدة بحبل مقير ويحممونه ويحملونه على حمار ووجهه إلى ذنبه، ويسودون وجهه، ويطوفون به. فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم  وقدم المدينة، فزنت امرأة من أشراف اليهود، يقال لها بسرة، فبعث أبوها ناساً من أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: سلوه عن الزنا وما نـزل إليه فيه؛ فإنا نخاف أن يفضحنا ويخبرنا بما صنعنا، فإن أعطاكم الجلد فخذوه وإن أمركم بالرجم فاحذروه. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فسألوه، فقال: ((الرجم)). فأنـزل الله عز وجل : {وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [سورة المائدة 5/41] حين حرفوا الرجم فجعلوه جلداً. ([552])

296-9323 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} [سورة المائدة 5/41] قال: لقوم آخرين لم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لم يأتوه، يقولون لهم الكذب: محمد كاذب، وليس هذا في التوراة، فلا تؤمنوا به. ([553])

297-9335 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [سورة المائدة 5/42] قال: كان هذا في حكام اليهود بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشا. ([554])

قولـه تعالى: {وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  = 13 } [سورة المائدة 5/13]

298-9041 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} قال: على خيانة وكذب وفجور. ([555])


 الدراسة:

من صفات اليهود التي اشتهروا بها قول الكذب, وسماع الكذب ونقله, كما حكى الله عنهم في كتابه, فقد كذبوا على الله وعلى أنبيائه, وكذب بعضهم من علمائهم على بعض؛ فقد كذبوا على الله:

- باختلاقهم أن له ولد بغير علم, كما قال مجاهد رحمه الله  فهم قد تخرصوا لله كذباً، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلاً بالله وبعظمته وأنه لا ينبعي لمن كان إلها أن يكون لـه بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك.

- وكذبوا على الله: بكتمان الحق والعلم، حتى وإن كان وحياً منزلاً من الله تعالى لهم، فإنهم لا يتورعون عن جحده وكتمانه مادام لا يخدم أغراضهم وغاياتهم الفاسدة، قال الله تعالى عنهم يعاتبهم على ذلك: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة آل عمران 3/71]

- وكذبوا على الله : بتحريف كلامه وشرعه والكذب على الله بما يتفق مع أهوائهم وأغراضهم الفاسدة قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونََ  = 78 } [سورة آل عمران 3/78]

ومعنى هذه الآيات الفاضحة لهم : وإن من أهل الكتاب، وهم اليهود الذين كانوا حوالي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على عهده من بني إسرائيل, يحرفون{أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ} [سورة آل عمران 3/78] يعني: لتظنوا أن الذي يحرفونه بكلامهم من كتاب الله وتنزيله، يقول الله عز وجل: وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم، فحرفوه وأحدثوه من كتاب الله، ويزعمون أن ما لووا به ألسنتهم من التحريف والكذب والباطل فألحقوه في كتاب الله من عند الله، يقول: مما أنزله الله على أنبيائه، وما هو من عند الله، يقول: وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم، فأحدثوه مما أنزله الله إلى أحد من أنبيائه، ولكنه مما أحدثوه من قبل أنفسهم، افتراء على الله. يقول عز وجل : {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة آل عمران 3/75] يعني بذلك: أنهم يتعمدون قيل الكذب على الله، والشهادة عليه بالباطل، والإلحاق بكتاب الله ما ليس منه طلبا للرياسة والخسيس من حطام الدنيا. ([556])

- وكذبوا على الله حين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فتقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها قال تعالى: {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينََ  = 183 } [سورة آل عمران 3/183]

وهنا كذبتان كبيرتان:

1- الأولى: كذبهم في نسبتهم ما طلبوه الى الله افتراءاً عليه.

2- الثانية: أنهم كذبوا في ادعئهم تصديق النبي إذا أرسل، فقد جاءهم رسل حققوا لهم ما تمنوه ومع ذلك كذبوهم بل وقتلوهم ثم جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم  وكذبوه أيضاً.

"وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية، أن الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم  لن يقروا، وأن يكونوا في كذبهم على الله، وافترائهم على ربهم، وتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم  وهم يعلمونه صادقاً محقاً، وجحودهم نبوته، وهم يجدونه مكتوباً عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافا بحقوقه."

وكذب من يعدون من صلاّحهم الذين اختارهم موسى عليه السلام  لميقات الله ,فقالوا لقومهم غير ما سمعوه من الوصايا, ودأب علماؤهم على الكذب وتغيير أحكام الله بحسب الرشوة التي يأخذونها من المتحاكمين لهم، بل أنهم كذبوا على المسلمين بعدم آداء الأمانة اليهم بحجة أن الله قد سمح لهم بهذا فقال تعالى عنهم: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونََ  = 75 } [سورة آل عمران 3/75]

وإن كان سياق الآية فيه أمر طبيعي قد ينسحب على كل الناس: فمنهم الأمين ومنهم دون ذلك، ولكن هنا تنبيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم  وأمته, أن هؤلاء اليهود يرون عدم الوفاء للمسلمين أمراً من أمور دينهم التي أذن الله بها لهم كذباً على الله, "إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرهم على ما بينه في كتابه بهذه الآيات تحذيرهم أن يأتمنوهم على أموالهم، وتخويفهم الاغترار بهم، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين" ([557])

وكان صلى الله عليه وسلم  يبين لأمته ما كانت اليهود تكذب به وتلبس على المسلمين، كما في حديث أبي سعيد الخدري ­_ قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم  ((إن اليهود تقول إن العزل هو الموؤودة الصغرى.)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كذبت يهود، كذبت يهود، لو أراد الله خلقها لم يستطع عزلها.)) ([558])

 وعن جابر بن عبد الله _ قال: ((كانت يهود يقولون من أتى امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها كان ولده أحول.)) فذكر ذلك لرسول الله فقال: ((كذبت يهود.)) ([559])

وقد صرح صلى الله عليه وسلم  بأنهم يكذبون وهم على الله أكذب كما في حديث عائشة رضي الله عنها  قالت: ((أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهودية وقاك الله عذاب القبر قالت فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم  علي)) فقلت: ((يا رسول الله هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة.)) قال: ((لا وعم ذاك؟)) قالت: هذه اليهودية لا نصنع إليها من المعروف شيئاً إلا قالت: وقاك الله عذاب القبر. قال: كذبت يهود وهم على الله عز وجل  أكذب لا عذاب دون يوم القيامة، قالت: ثم مكث بعد ذاك ما شاء الله أن يمكث فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملاً بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادى بأعلى صوته ((أيها الناس أظلتكم الفتن كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً وضحكتم قليلاً، أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق.)) ([560])

بل إن كذبهم على رسول الله استمر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم  ولكن كان لهم عمر _ بالمرصاد فعن ابن عمر رضي الله عنهما  قال: ((لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما  قام عمر _ خطيباً)) فقال ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقركم ما أقركم الله، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم.)) فلما أجمع عمر _ على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد صلى الله عليه وسلم  وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا فقال عمر _ أظننت أني نسيت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  ((كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة.)) فقال كانت هذه هزيلة من أبي القاسم قال: ((كذبت يا عدو الله.)) فأجلاهم عمر _. ([561])

 وهكذا هم إلى اليوم أهل بهت وكذب لا ينبغي الثقة بهم طرفة عين.


 المبحث السادس: الآثار الواردة في حسدهم

 الآثار:

قولـه تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  = 109 } [سورة البقرة 2/109]

299-1479 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} هو كعب بن الأشرف. ([562])

300-1481 - حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: حدثني ابن إسحاق. وحدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسداً إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم  وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا فأنـزل الله فيهما: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم} الآية. ([563])

301-1483 - حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد عن قتادة: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} من بعد ما تبين لهم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم  والإسلام دين الله. ([564])

302-1484- حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع عن أبي العالية: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} يقول: تبين لهم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم  يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. ([565])

303-حدثت عن عمار قال: ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن  الربيع مثله؛ وزاد فيه: فكفروا به حسداً وبغياً إذ كان من غيرهم. ([566])

304-1486 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا عثمان بن سعيد قال: ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن  ابن عباس رضي الله عنهما : {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} يقول الله تعالى ذكره: من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئاً ولكن الحسد حملهم على الجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشد الملامة.

قولـه تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  = 73 } [سورة آل عمران 3/73] 

305-5731 - حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن  مجاهد في قوله: {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  = 73 } : حسداً من يهود أن تكون النبوة في غيرهم وإرادة أن يتبعوا على دينهم.

306-5733 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن  قتادة قوله: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} يقول: لما أنـزل الله كتاباً مثل كتابكم وبعث نبياً مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك؛ {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} ([567])

قولـه تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  = 99 } [سورة آل عمران 3/99] 

307-5945- حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال : ثني الثقة عن  زيد بن أسلم قال: مر شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله - من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه. فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً من اليهود وكان معه فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم وذكرهم يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج. ففعل فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحرث من الأوس وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعه وغضب الفريقان وقالوا: قد فعلنا السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة: الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس فانضمت الأوس بعضها إلى بعض والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم  فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: ((يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً)) فعرف القوم أنها نـزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً. ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع فأنـزل الله في شاس بن قيس وما صنع {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ  = 98  قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً} [سورة آل عمران 3/99]... الآية وأنـزل الله عز وجل  في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا مما أدخل عليهم شاس بن قيس من أمر الجاهلية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} إلى قوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة آل عمران 3/105] ([568])

قولـه تعالى: {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ} [سورة الحديد 57/29]

308-26104- حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن  قتادة قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} الآية قال: لما نـزلت هذه الآية حسد أهل الكتاب المسلمين عليها فأنـزل الله عز وجل {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ} الآية قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم  كان يقول: ((إنما مثلنا ومثل أهل الكتابين قبلنا كمثل رجل استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط فلما انتصف النهار سئموا عمله وملوا فحاسبهم فأعطاهم على قدر ذلك ثم استأجر أجراء إلى الليل على قيراطين يعملون له بقية عمله فقيل له: ما شأن هؤلاء أقلهم عملاً وأكثرهم أجراً؟ قال: مالي أعطي من شئت فأرجوا أن نكون نحن أصحاب القيراطين)). ([569])

قولـه تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ  = 19 } [سورة الحـج 22/19]

309-18889 - حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد، وآمنا بنبيكم وبما أنـزل الله من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا. وكان ذلك خصومتهم في ربهم. ([570])

قوله: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ  = 5 } [سورة الناس 114/5]

310-29676 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال  ابن زيد في قوله: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ  = 5 } قال: يهود لم يمنعهم أن يؤمنوا به إلا حسدهم ([571])


 الدراســــة:

ومن صفات اليهود التي ظهرت بجلاء بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم : صفة الحسد المقيت للنبي صلى الله عليه وسلم  إذ لم يكن منهم ,كما كان حسدهم للمسلمين الذين هداهم الله ومنّ عليهم باتباع هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  فقال الله تعالى عنهم:{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ  = 105 } [سورة البقرة 2/105]

يقول الطبري:وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم وقبول شيء مما يأتونهم به، على وجه النصيحة لهم منهم؛ بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون.([572])

وأما قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  = 109 } [سورة البقرة 2/109] فقد ورد أنه في آحاد بعض اليهود بعينهم كما في الآثار السابقة ولكن الإمام الطبري لا يراها خاصة في كعب أوغيره بل هي عامة لمن ظهرة أمارات الحسد عليهم في مواطن كثيرة فقال:وليس لقول القائل عنى بقوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} كعب بن الأشرف معنى مفهوم؛ لأن كعب بن الأشرف واحد وقد أخبر الله جل ثناؤه أن كثيرا منهم يودون لو يردون المؤمنين كفاراً بعد إيمانهم. لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الجماعة فقال: {لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً} فذلك دليل على أنه عنى الكثرة في العدد. ([573]) ونبه تعالى أن حسدهم هذا لم يؤمروا به في كتابهم كما قال الربيع بن أنس: أنه من قبل أنفسهم. فعلى أي شيء يحسدون المسلمين؟

نقول: يحسدوننا على نبينا صلى الله عليه وسلم ، وعلى ديننا، وعلى يسر شريعتنا، وعلى كوننا آخر الأمم، والتي اختارها الله لتكون شاهدة على باقي الأمم، وعلى مضاعفة الله لأجرنا مع قلة عملنا، كما قال صلى الله عليه وسلم : ((إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود، فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين قالوا نحن أكثر عملاً وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذاك فضلي أوتيه من شئت.)) ([574])

 بل و يحسدوننا على ثلاث يغفل عن فضلها بعض المسلمين ويتمناها اليهود كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم  في حديث عائشة رضي الله عنها  المشهور في قولهم السام عليكم وفيه: ((دخل اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا السام عليك يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وعليك، فقالت عائشة رضي الله عنها : فهممت أن أتكلم فعلمت كراهية النبي صلى الله عليه وسلم  لذلك فسكت، ثم دخل آخر فقال السام عليك، فقال: عليك، فهممت أن أتكلم فعلمت كراهية النبي صلى الله عليه وسلم  لذلك، ثم دخل الثالث فقال: السام عليك، فلم أصبر حتى قلت: وعليك السام وغضب الله ولعنته إخوان القردة والخنازير أتحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم  بما لم يحيه الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش قالوا قولاً فرددنا عليهم، إن اليهود قوم حسد وهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على السلام وعلى آمين.))

 وفي رواية ((لا حسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين.)) ([575])

 وفي رواية ((إن اليهود قوم سئموا دينهم وهم قوم حسد، ولم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث: رد السلام، وإقامة الصفوف، وقولهم خلف إمامهم في المكتوبة آمين.)) ([576])

وفي آمين ورد أيضاً قولـه صلى الله عليه وسلم  ((ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين فأكثروا من قول آمين.)) ([577])

وبعد أن نبه عليه الصلاة والسلام أمته ما بلغه حسد اليهود لهم ناسب أن يحذرهم من الحسد، وأنه سبب ضياع الدين فيمن قبلهم، وما أداه حسد اليهود وغيرهم، وأنه منقلب عليهم بسوء فقال صلى الله عليه وسلم : ((دب إليكم داء الأمم قبلكم؛ الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم.)) ([578])

 وفي حديث أبي هريرة _ عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ((إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال العشب.)) ([579])

وفي حديث أبي هريرة _ عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ((سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا: يا نبي الله وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج.)) ([580])  وسيأتي مزيد من العرض لبعض هذه الصفات وغيرها في الفصول القادمة بإذن الله.


 الباب الثاني :  الآثار الواردة عن السلف في عقيدة اليهود في أصول الإيمان

 وفيه خمسة فصول

الفصل الأول : الآثار الواردة في موقفهم من الإيمان بالله.

الفصل الثاني: الآثار الواردة في موقفهم من الإيمان بالملائكة.

الفصل الثالث: الآثار الواردة في موقفهم من الإيمان بالكتب.

الفصل الرابع: الآثار الواردة في موقفهم من الإيمان بالأنبياء.

الفصل الخامس: الآثار الواردة في موقفهم من الإيمان باليوم الآخر والقدر.


 الفصل الأول : الآثار الواردة في عقيدة اليهود في الإيمان بالله

 المبحث الأول: الآثار الواردة في إيمان بعضهم بالله

 الآثار:

قوله تعالى: {بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} [سورة البقرة 2/88] 

311-1249- حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا سعيد عن  قتادة قوله: {بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب إنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير. ([581])

312-1250 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة: {فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} قال: لا يؤمن منهم إلا قليل. ([582])

قولـه تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِِ  = 199 } [سورة آل عمران 3/199]

313-6682 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن  ابن جريج قال: نزلت - يعني هذه الآية - في عبد الله بن سلام ومن معه.([583])

314-6684 - حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن  مجاهد : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} من اليهود والنصارى وهم مسلمة أهل الكتاب. ([584])


 الدراسة:

أرسل الله -تبارك وتعالى- رسله لدعوة الخلق, لإفراده بالعبادة, والإيمان به, وملائكته, وكتبه, ورسله, وباليوم الآخر, كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً  = 136 } [سورة النساء 4/136]

ومعلوم كثرة ما أرسل إلى اليهود من الأنبياء, ومع ذلك فقد كثر فيهم الكفر والشرك وقتل الأنبياء، -حتى اشتهروا به- وتكذيب الكتب والرسل، وقلة الإيمان باليوم الآخر، كل ذلك فصله الله - تبارك وتعالى - في كتابه الكريم.

ولأن الله يأمر بالعدل, فقد أنصف من آمن منهم واستثناه من الكفر، فلم يلعن إلاّ الذين كفروا من بني إسرائيل كما قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [سورة المائدة 5/78]

ويستثني القليل من المؤمنين منهم, فلا يدخلهم في عموم الذم, أو الوعيد, كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [سورة البقرة 2/83]

وقد أجمل ذلك ابن كثير عند قولـه تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  = 159 } [سورة الأعراف 7/159] فقال: "يقول تعالى مخبراً عن بني إسرائيل إن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به كما قال تعالى: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ  = 113 } [سورة آل 3/113] وقال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [سورة آل عمران 3/199] وقال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ  = 52  وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ  = 53  أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [سورة القصص 28/52-54] الآية وقال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [سورة البقرة 2/121] وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً  = 107  وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  = 108  وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً  = 109 } [سورة الإسراء 17/107-109] " ([585])

وأخبر - تبارك وتعالى - أن علماءهم يعلمون أن القرآن منزل من عند الله كما قال تعالى:{أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ  = 114 } [سورة الأنعام 6/114] وقوله:{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ  = 94 } [سورة يونس 10/94]

قال الطبري: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما أخبرناك وأنزل إليك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن تبعث رسولاً إلى خلقه، لأنهم يجدونك عندهم مكتوباً ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل؛ فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك من أهل التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام ونحوه من أهل الصدق والإيمان بك منهم دون أهل الكذب والكفر بك منهم." ([586])

واحتج القرآن بأهل الكتاب على المعاندين من مشركي مكة كما قال تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً  = 107  وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  = 108  وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً  = 109 } [سورة الإسراء 17/107-109]

قال الطبري: "وإن تكفروا به، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون- تعظيماً لـه وتكريماً، وعلماً منهم بأنه من عند الله- لأذقانهم سجداً بالأرض. ([587])

هكذا يستثي الله - تبارك وتعالى - المؤمنين منهم ويشيد بالصالحين منهم وكثير منهم كافرون وهم من سنتعرض لهم عند بيان موقفهم من أركان الإيمان، فالحكم هنا على الأعم الأغلب ونستثني من استثناهم الله - تبارك وتعالى - في قولـه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ  = 66 } [سورة المائدة 5/66]


 المبحث الثاني : الآثار الواردة في وصفهم الله بالنقائص

 وفيه أربعة مطالب :

 المطلب الأول : :نسبة الولد الى الله:

 الآثار:

 وفيه ثلاث مسائل:
 المسألة الأولى: قولهم العزير ابن الله

قوله تعالى: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} [سورة التوبة 9/30]

315-12913 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج قال: سمعت  عبد الله بن عبيد بن عمير قوله: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} قال: قالها رجل واحد قالوا: إن اسمه فنحاص وقالوا: هو الذي قال: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [سورة آل عمران 3/181] ([588])

316-12914 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن  ابن عباس رضي الله عنهما  قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم  سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشأس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله؟ فأنزل في ذلك من قولهم: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}... إلى: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} ([589])

317-12915 - حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} وإنما قالوا: هو ابن الله من أجل أن عزيراً كان في أهل الكتاب وكانت التوراة عندهم يعملون بها ما شاء الله أن يعملوا ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق. وكان التابوت فيهم؛ فلما رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع الله عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم وأرسل الله عليهم مرضا فاستطلقت بطونهم حتى جعل الرجل يمشي كبده حتى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم وفيهم عزير. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم وكان عزير قبل من علمائهم فدعا عزير الله وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدره من التوراة. فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله نزل نور من الله فدخل جوفه فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة وردها إلي! فعلق يعلمهم فمكثوا ما شاء الله وهو يعلمهم. ثم إن التابوت نزل بعد ذلك وبعد ذهابه منهم؛ فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله. ([590])

318-12916 - حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط عن  السدي: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} إنما قالت ذلك لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم وأخذوا التوراة وذهب علماؤهم الذين بقوا فدفنوا كتب التوراة في الجبال. وكان عزير غلاما يتعبد في رؤوس الجبال لا ينزل إلا يوم عيد فجعل الغلام يبكي ويقول: رب تركت بني إسرائيل بغير عالم ! فلم يزل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه. فنزل مرة إلى العيد؛ فلما رجع إذا هو بامرأة قد مثلت لـه عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول: يا مطعماه ويا كاسياه ! فقال لها: ويحك من كان يطعمك ويكسوك ويسقيك وينفعك قبل هذا الرجل؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لم يمت. قالت: يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم؟ فلما عرف أنه قد خصم ولى مدبرا فدعته فقالت: يا عزير إذا أصبحت غداً فأت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه ثم اخرج فصل ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذه! فلما أصبح انطلق عزير إلى ذلك النهر فاغتسل فيه ثم خرج فصلى ركعتين فجاءه الشيخ فقال: افتح فمك! ففتح فمه فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعاً كهيئة القوارير ثلاث مرار. فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال: يا بني إسرائيل إني قد جئتكم بالتوراة. فقالوا يا عزير ما كنت كذاباً. فعمد فربط على كل أصبع له قلماً وكتب بأصابعه كلها فكتب التوراة كلها. فلما رجع العلماء أخبروا بشأن عزير فاستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا دفنوها من التوراة في الجبال وكانت في خواب ([591]) مدفونة فعارضوها بتوراة عزير فوجدوها مثلها فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنه. ([592])

319-12917 - حدثني المثني قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} يقول: يشبهون. ([593])

320-12918 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن  قتادة قوله: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم. ([594])

321-12919 - حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} النصارى يضاهئون قول اليهود في عزيز. ([595])

322-12920 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج عن  ابن جريج: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} يقول: النصارى يضاهئون قول اليهود. ([596])

323-12921 - حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} يقول: قالوا مثل ما قال أهل الأوثان. ([597])

 المسألة الثانية: قولهم نحن ابناء الله:

قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [سورة المائدة 5/18]

324-9060 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن  ابن عباس رضي الله عنهما  قال: أتى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه! كقول النصارى فأنزل الله جل وعز فيهم: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ([598])

325-9061 - حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل قال: ثنا أسباط عن  السدي: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} أما أبناء الله فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدا من ولدك أدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فأخرجهم. فذلك قوله: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} [سورة آل عمران 3/24] وأما النصارى فإن فريقاً منهم قال للمسيح: ابن الله. ([599])

326-9062 - حدثنا محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: قوله: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [سورة البقرة 2/284] يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه. ([600])

قوله تعالى: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ  = 30 } [سورة التوبة 9/31]

327-12913 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير قوله: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ  = 30 } قال: قالها رجل واحد قالوا: إن اسمه فنحاص وقالوا: هو الذي قال: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ  = 181 } [سورة آل عمران 3/181] ([601])

328-- حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: أتى رسول الله  صلى الله عليه وسلم   سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشأس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله؟ فأنزل في ذلك من قولهم: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ  = 30 } [سورة التوبة 9/31]... إلى: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ  = 75 } [سورة المائدة 5/76] ([602])

329-12915 - حدثني محمدبن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ  = 30 } وإنما قالوا: هو ابن الله من أجل أن عزيرا كان في أهل الكتاب وكانت التوراة عندهم يعملون بها ما شاء الله أن يعملوا ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق. وكان التابوت فيهم؛ فلما رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع الله عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم وأرسل الله عليهم مرضاً فاستطلقت بطونهم حتى جعل الرجل يمشي كبده حتى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم وفيهم عزير. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم وكان عزير قبل من علمائهم فدعا عزير الله وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدره من التوراة. فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله نزل نور من الله فدخل جوفه فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة فأذن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة وردها إلي! فعلق يعلمهم فمكثوا ما شاء الله وهو يعلمهم. ثم إن التابوت نزل بعد ذلك وبعد ذهابه منهم؛ فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله. ([603])

330-12916 - حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ  = 30 } إنما قالت ذلك لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم وأخذوا التوراة وذهب علماؤهم الذين بقوا فدفنوا كتب التوراة في الجبال. وكان عزير غلاماً يتعبد في رؤوس الجبال لا ينزل إلا يوم عيد، فجعل الغلام يبكي ويقول: رب تركت بني إسرائيل بغير عالم! فلم يزل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه. فنزل مرة إلى العيد؛ فلما رجع إذا هو بامرأة قد مثلت له عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول: يا مطعماه ويا كاسياه! فقال لها: ويحك من كان يطعمك ويكسوك ويسقيك وينفعك قبل هذا الرجل؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لم يمت. قالت: يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم؟ فلما عرف أنه قد خصم ولى مدبراً فدعته فقالت: يا عزير إذا أصبحت غداً فأت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه ثم أخرج فصل ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذه! فلما أصبح انطلق عزير إلى ذلك النهر فاغتسل فيه ثم خرج فصلى ركعتين فجاءه الشيخ فقال: افتح فمك! ففتح فمه فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعا كهيئة القوارير ثلاث مرار. فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال: يا بني إسرائيل إني قد جئتكم بالتوراة. فقالوا يا عزير ما كنت كذاباً. فعمد فربط على كل أصبع له قلما وكتب بأصابعه كلها فكتب التوراة كلها. فلما رجع العلماء أخبروا بشأن عزير فاستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا دفنوها من التوراة في الجبال وكانت في خواب مدفونة فعارضوها بتوراة عزير فوجدوها مثلها فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنه. ([604])

 المسالة الثالثة: نسبة الجن والملائكة اليه

قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ  = 158 } [سورة الصافات 37/159]

331-22765- حدثنا عمرو بن يحيى بن عمران بن عفرة قال: ثنا عمرو بن سعيد الأبح عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ  = 158 } [سورة الصافات 37/159] قالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى تزوج إلى الجن فخرج منهما الملائكة قال: سبحانه سبح نفسه. ([605])


 الدراسة:

لما استولى بختنصر على بني اسرائيل قتل رجالهم وسبى ذراريهم وأحرق أسفار التوراة حتى لم يبق فيهم من يحفظ التوراة، وزعموا أن الله ألهم عزيراً عليه السلام  حتى قرأه من صدره، ولم يكن أحد قرأه حفظاً لا قبله ولا بعده؛ ولهذا قالوا بأنه ابن الله وعبدوه كما في الآثار السابقة, فمدار الأمر على إخراج التوراة بعد اندراسها؛ فلذلك قالت بنو إسرائيل: لم يستطع موسى أن يأتينا بها إلا في كتاب وأتانا بها عزير من غير كتاب، فرماه طوائف منهم فقالوا هو ابن الله جل الله وعز وجل . ([606])

والعزير من ذرية هارون عليه السلام  ([607]) وفي سيرته روايات كثيرة يغلب عليها الوضع كما بين ذلك ابن كثير، ([608]) وفيها من الاسرائيليات الشيء الكثير والمشهور أنه الذي مرّ على القرية كما في سورة البقرة عند أكثر المفسرين، وذكر الطبري أنه إرميا، وقيل غير ذلك في الذي مر على القرية، ثم قال: "ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قبله البيان على اسم قائل ذلك، وجائز أن يكون ذلك عزيراً وجائز أن يكون إرميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك. ([609])

قال بعض أهل العلم أن الذي يقول ذلك بعض اليهود وليس كلهم بل الصدوقية من اليهود ([610]) وباقي الطوائف تنكر هذا. قال ابن حجر: "ويمكن أن يجاب: بأن خصوص هذا الخطاب لمن كان متصفاً بذلك، ومن عداهم يكون جوابهم ذكر من كفروا به." ([611])

لكن الله ذكر ذلك عنهم باسمهم المعرف فنحن ننسبه إليهم كما نسبه الله إليهم, فليس كلهم قال: إن الله فقير، وليس كلهم عبد العجل وهكذا.

قال القرطبي: "قال النقاش: لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا، فإذا قالها واحد فيتوجه أن تلزم الجماعة شنعة المقالة، لأجل نباهة القائل فيهم. وأقوال النبهاء أبداً مشهورة في الناس يحتج بها. فمن ههنا صح أن تقول الجماعة قول نبيهها." ([612])

وقد مر في الآثار أن القائل غير واحد, فقيل: فنحاص وقيل سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشأس بن قيس ومالك بن الصيف.

وقد رد الله عليهم قولهم الشنيع فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [سورة التوبة 9/30]

وقوله: {يُضَاهِؤُونَ}: يشبهون من سبقهم من الذين كفروا , وللعلماء فيهم ثلاثة أقوال:

1- الأول: قول عبدة الأوثان: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.

2- الثاني: قول الكفرة: الملائكة بنات الله.

3- الثالث: قول أسلافهم، فقلدوهم في الباطل واتبعوهم على الكفر، كما أخبر عنهم بقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} [سورة الزخرف 43/23]. ([613])


 المطلب الثاني : نسبة الفقر والبخل والتعب الى الله

 الآثار

 المسألة الأولى: نسبة الفقر الى الله

قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ  = 181 } [سورة آل عمران 3/181]

332-6615 - حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير قال: ثنا محمد بن إسحاق قال: ثنا محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قال: دخل أبو بكر الصديق _ بيت المدارس فوجد من يهود ناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال لـه فنحاص كان من علمائهم وأحبارهم ومعه حبر يقال له: أشيع. فقال أبو بكر _ لفنحاص: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم! فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل! قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين! فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأبي بكر: وما حملك على ما صنعت؟ "فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولاً عظيماً زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه. فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله تبارك وتعالى فيما قال فنحاص رداً عليه وتصديقاً لأبي بكر: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ} [سورة آل عمران 3/182] وفي قول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: {لَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ  = 186 } [سورة آل عمران 3/186] ([614])

 المسألةالثانية : نسبة البخل الى الله :

قوله تعالى: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}[سورة المائدة 5/64]

333-9550 حدثني المثني قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قالا: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.‏ ([615])

334-9551- حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قال: لقد يجهدنا الله يا بني إسرائيل حتى جعل الله يده إلى نحره. وكذبوا. ([616])

335-9552 حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة :{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قالوا: الله بخيل غير جواد قال الله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}. ([617])

336-9553 حدثنا محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن مفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قالوا: إن الله وضع يده على صدره فلا يبسطها حتى يرد علينا ملكنا. ([618])

 المسألة الثالثة : نسبة التعب الى الله

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [سورة ق 50/38]

337-24764 - حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي سنان ، عن أبي بكر ، قال : جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم  ، فقالوا : يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة ؟ فقال : "خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات، -يعني من يوم الجمعة- وخلق في أول الثلاث الساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم، قالوا : صدقت إن أتممت، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم  ما يريدون، فغضب، فأنزل الله {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ  = 38  فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [سورة طـه 20/38-39] . " ([619])

338-24769- حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} الآية أكذب الله اليهود والنصارى وأهل القرى على الله؛ وذلك أنهم قالوا: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السابع وذلك عندهم يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة. ([620])

339-24767 - حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما : {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} يقول : وما مسنا من نصب. ([621])


 الدراسة:

وصف اليهود الله- تبارك وتعالى- بصفات تنم عن نفسية خبيثة, وافتروا عليه, وألحدوا في صفاته -جل وعلا- كما قال تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [سورة الأنعام 6/91]

فوصفوه بأنه فقير ومحتاج إليهم ثم أمعنوا بالكفر ووصفوه بالبخل ثم جردوه من صفات الكمال ووصفوه بالتعب والأعياء.

ولشناعة مقولتهم ,كان التصرف الفطري من أبي بكر الصديق _ ,هو التصرف الصحيح, مع الطاغوت ‌فنحاص اليهودي.

ولما أنكر أنه قال ذلك -كعادتهم بالمراوغة- أكذبه الله بالوحي فقال تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [سورة آل عمران  3/181]

ومرة أخرى: ينسب ما يقوله بعضهم إليهم جميعاً, وقد مرّ معنا ذلك في أكثر من موضع قال الطبري رحمه الله : "وقد ذكرت الآثار التي رويت، أن الذين عنوا بقوله: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ} بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن من أولئك أحد قتل نبياً من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبياً من أنبياء الله فيقتلوه؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما قيل ذلك كذلك لأن الذين عنى الله تبارك وتعالى بهذه الآية كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم، وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازته. فأضاف جل ثناؤه فعل ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة، ونحلة واحدة، وبالرضا من جميعهم فعل ما فعل فاعل ذلك منهم على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل." ([622])

ما الذي جعلهم يقولون هذه المقولة الشنيعة؟

قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزل قوله تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [سورة البقرة 2/245] قالت اليهود يا محمد أفتقر ربك فسأل عباده القرض فأنزل الله {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [سورة آل عمران 3/181] ([623])

وقد توعدهم الله جزاء هذه الفرية, فقال: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [سورة آل عمران 3/181]

ونبين هنا الفرق بين من فهم اليهود السقيم لطلب الله منهم الأنفاق في سبيله، وبين من فهم معنى الإقراض لله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  فعن عبد الله بن مسعود _، قال: لما نزلت {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قال أبو الدحداح: ([624]) ((يا رسول الله إن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح. قال: أرنا يدك قال فناوله يده قال: قد أقرضت ربي حائطي- وحائطه فيه ستمائة نخلة- فجاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعيالها فنادى يا أم الدحداح قالت: لبيك قال اخرجي فقد أقرضته ربي.)) ([625])

وفي رواية: أنها قالت: ((ربح بيعك يا أبا الدحداح.)) ونقلت منه متاعها وصبيانها وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: ((كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح)) وفي لفظ ((رب نخلة مدلاة عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة.)) ([626])

ثم زعموا -عليهم لعنة الله- أن يد الله مغلولة واصفين الله بالبخل!!

قال الطبري: "يعنون: أن خير الله ممسك، وعطاءه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم : {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [سورة الإسراء 17/29] وإنما وصف تعالى ذكره اليد بذلك، والمعنى: العطاء، لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم. {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [سورة المائدة 5/64] يعني بذلك أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا ويمنعنا فضله فلا يفضل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف." ([627])

 ولأن مرادهم من ذلك وصفه -تعالى- بالبخل كما قال ابن عباس رضي الله عنهما  قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون بخيل يعني أمسك ماعنده بخلاً تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. ([628]) ، ردّ الله عليهم مقولتهم بوصفه نفسه بالإنفاق وأن يداه مبسوطتان بذلك قال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} [سورة المائدة 5/64]

وما قدروا الله حق قدره, قال صلى الله عليه وسلم :  ((إن يمين الله ملأى, لا يغيضها نفقة, سحاء الليل والنهار, أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقص ما في يمينه, وعرشه على الماء, وبيده الأخرى الفيض أو القبض يرفع ويخفض.)) ([629])

وذهب السدي إلى أن مرادهم بذلك أن يده مغلولة حتى يرد علينا ملكنا كما رواه الطبري عنه.

وقال الحسن بن أبي الحسن: "قولهم {يد الله مغلولة} إنما يريدون عن عذابهم فهي على هذا في معنى قولهم {نحن أبناء الله وأحباؤه}" ([630])

لكن المشهور الذي وردت به النصوص ودل عليه سياق الآيات وصفهم الله بالبخل

ثم ذكر الله زعماً آخر من مزعامهم السيئة وقلة تقديرهم لعظمة الله فزعموا: أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، ففرغ من الخلق يوم الجمعة، واستراح في اليوم السابع وهو يوم السبت وهم يسمونه يوم الراحة. ([631])

وإلى اليوم واليهود لا يعملون شيئاً من أعمالهم اليومية يوم السبت تأثراً بهذا الاعتقاد، ولهم في هذا تكلف عجيب حتى أنهم لا يستعملون المواصلات ولا يباشرون شيئاً مما يشغل ويستفاد منه إلا بواسطة على طريقة خداعهم يوم السبت. وقد أكذبهم الله بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة الأحقاف 46/33] .

وبقوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ  = 38 } [سورة ق 50/38] .


 المبحث الرابع : الآثار الواردة في شركهم بالله :

 الآثار:

قوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً  = 18 } [سورة الجن 72/19]

340-27229 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله نبيه أن يوحد الله وحده. ([632])

 المسألة الأولى : عبادة العجل

قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [سورة الأعراف 7/139] 

341-11690 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} قال ابن جريج: على أصنام لهم قال: تماثيل بقر فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر فذلك كان أهل شأن العجل {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ([633])

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُُ  = 54 } [سورة البقرة 2/54]

342-786 -حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا سفيان بن عينة قال: قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال موسى عليه السلام  لقومه: {فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  = 54 } [سورة البقرة 2/54] قال: أمر موسى عليه السلام  قومه عن أمر ربه عز وجل  أن يقتلوا أنفسهم قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا وقام الذين لم يعكفوا على العجل وأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضاً. فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل كل من قتل منهم كانت له توبة وكل من بقي كانت له توبة. ([634])

343-788 -حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى: {بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ} قال: كان موسى أمر قومه -عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده فتاب الله عليهم.([635])

344-789 -حدثني المثنى قال: حدثنا آدم قال: حدثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ} الآية. قال: فصاروا صفين فجعل يقتل بعضهم بعضاً فبلغ القتلى ما شاء الله ثم قيل لهم: قد تيب على القاتل والمقتول. ([636])

قوله تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [سورة طـه 20/89] 

345-18317 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قال الله: {أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ} ذلك العجل الذي اتخذوه {قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً}. ([637])

346-1290 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {وأشربوا في قلوبهم العجل} قال: أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. ([638])

 المسألة الثانية : عبادة العزير:

قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [سورة الصافات 37/25]

347-22469- حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال: ثنا أبو الزعراء قال: كنا عند عبد الله فذكر قصة ثم قال: يتمثل الله للخلق فيلقاهم فليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له يتبعه قال: فيلقى اليهود فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيرا قال: فيقول: هل يسركم الماء؟ فيقولون: نعم فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب ثم قرأ: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً  = 100 } [سورة الكهف 18/100] قال: ثم يلقى النصارى فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: المسيح فيقول: هل يسركم الماء؟ فيقولون: نعم فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب ثم كذلك لمن كان يعيد من دون الله شيئا ثم قرأ عبد الله {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ  = 24 } ([639])

 المسألة الثالثة : عبادة( بعل) وهم قوم الياس من بني بني إسراثيل :

348-22690- حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه قال: إن الله قبض حزقيل وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها دون الله فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيا. وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة فكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال لـه: أحاب كان اسم امرأته: أربل وكان يسمع منه ويصدقه وكان إلياس يقيم له أمره وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله يقال له بعل. ([640])

قوله تعالى : {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ  = 124 } [سورة الصافات 37/125] 

349-22688- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ  = 125 } [سورة الصافات 37/126] قال: بعل: صنم كانوا يعبدون ,كانوا ببعلك, وهم وراء دمشق وكان بها البعل الذي كانوا يعبدون. ([641])

 المسألة الرابعة : عباد الأحبار والرهبان

قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ  = 31 } [سورة التوبة 9/31] 

350-12924- حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي عن سلمة عن الضحاك: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} قال: قراءهم وعلماءهم. ([642])

351-12926- حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري عن حذيفة أنه سئل عن قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} كانوا يعبدونهم؟ قال: لا كانوا إذا أحلوا لهم شيئا أستحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه. ([643])

352-12927- قال: ثنا جرير وابن فضيل عن عطاء عن أبي البختري: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال: أنطلقوا إلى حلال الله فجعلوه حراما وانطلقوا إلى حرام الله فجعلوه حلالا فأطاعوهم في ذلك فجعل الله طاعتهم عبادتهم ولو قالوا لهم اعبدونا لم يفعلوا. ([644])

353-12928- حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن أبي عدي عن أشعث عن الحسن: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} قال: في الطاعة. ([645])

354-12929- حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط عن السدي: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : لم يأمروهم أن يسجدوا لهم ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم فسماهم الله بذلك أربابا. ([646])

355-12930- حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن نمير عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت الربوبية التي كانت في بني إسرائيل؟ قال قالوا: ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنا انتهينا ! لقولهم: وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه فاستنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. ([647])

 المسألة الخامسة : التحاكم الى بالجبت والطاغوت

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [سورة النساء 4/60] 

356-7816- حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، فأنزل الله فيه هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}... حتى بلغ: {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} ([648])

357-7817- حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر في هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} فذكر نحوه، وزاد فيه: فأنزل الله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} يعني المنافقين {وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} يعني اليهود {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} يقول: إلى الكاهن {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه أن يكفر بالكاهن. ([649])

358-7818- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن رجلاً من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق، فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله! فعرف أنه سيقضي عليه. قال: فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان، فتحاكما إليه. قال الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} ([650])

359-7820- حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} قال: كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة قتلوا به منهم، فإذا قتل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوا ديته ستين وسقا من تمر. فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النضيري: يا رسول الله إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة: لا، ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام فأنزل الله يعيرهم بما فعلوا. فقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [سورة المائدة 5/54] فعيرهم، ثم ذكر قول النضيري: كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا وتقتل منهم ولا يقتلون، فقال: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [سورة المائدة 5/50]. وأخذ النضيري فقتله بصاحبه. فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم، وقالت قريظة: نحن أكرم منكم، ودخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبي برزة ينفر بيننا! وقال المسلمون من قريظة والنضير: لا، بل النبي صلى الله عليه وسلم  ينفر بيننا، فتعالوا إليه! فأبى المنافقون، وانطلقوا إلى أبي برزه فسألوه، فقال: أعظموا اللقمة! يقول: أعظموا الخطر. فقالوا: لك عشرة أوساق، قال: لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله عز وجل: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} وهو أبو برزة، وقد أمروا أن يكفروا به، إلى قوله: {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} ([651])

360-8824 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} قال: تنازع رجل من المؤمنين ورجل من اليهود، فقال اليهودي: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال المؤمن: اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}... إلى قوله: {صُدُوداً}قال ابن جريج: يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، قال: القرآن، وما أنزل من قبلك، قال: التوراة. قال: يكون بين المسلم والمنافق الحق، فيدعوه المسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم   ليحاكمه إليه، فيأبى المنافق ويدعوه إلى الطاغوت. قال ابن جريج: قال مجاهد: الطاغوت: كعب بن الأشرف. ([652])


 الدراسة:

توحيد الله وإفراده بالعبادة هو ما بعث الله به موسى وبقية أنبياء بني إسرائيل إلى آخرهم عيسى عليهم السلام .

وقد بدأ بهم الكفر بالله والشرك به في أول عهدهم بمجاوزة البحر ونجاتهم من فرعون من الغرق كما قال تعالى:{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ  = 138 } [سورة الأعراف 7/138] .

فكان أول استعدادهم للشرك تمثال بقرة شاهدوه فطلبوا من موسى عليه السلام  أن يجعل لهم مثله ولما أنكر عليهم وبين لهم خطر ما يطلبون لم تلبث قلوبهم المشربه بالشرك أن يتحينوا أول فرصة فكان ذلك يوم ذهب موسى صلى الله عليه وسلم  لموعده مع ربه فكانت المناسبة لهذه القلوب المريضة كما قال تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ  = 51 } [سورة البقرة 2/51] ولشناعة فعلهم هذا وتأثيره في من جاء بعدهم فقد ذكره الله في نحو سبع مواضع من القرآن لعظم ما اقترفوه في: سورة البقرة أربع مرات، وفي النساء والأعراف وطه. ([653])

وسبب عبادتهم للعجل ذكره الله بقوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى  = 84  قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ  = 85  فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي  = 86  قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ  = 87  فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ  = 88  أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً  = 89  وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي  = 90  قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى  = 91  قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا  = 92  أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي  = 93  قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي  = 94  قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ  = 95  قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي  = 96  قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً  = 97  إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً  = 98 } [سورة طـه 20/83-98]

ذهب موسى عليه السلام  إلى ميقات ربه فعمد رجل منهم يقال له (السامري) ([654]) فأخذ ما كان استعاره من الحلي فصاغ منه عجلاً وألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل عليه السلام  حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي، فراحوا يرقصون حوله ويفرحون، وقالوا :هذا إلهكم وإله موسى فنسي أي: فنسي موسى ربه عندنا وذهب يتطلبه وهو ههنا.

قال الله تعالى -مبيناً بطلان ما ذهبوا إليه وما عولوا عليه من إلهية هذا الذي قصاراه أن يكون حيواناً بهيماً وشيطاناً رجيماً-: {أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً} [سورة طـه 20/89]وقال {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} [سورة الأعراف 7/148]فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ,ولا يرد جواباً, ولا يملك ضراً, ولا نفعاً, ولا يهدي إلى رشد, اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم وعالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال, {وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ} [سورة الأعراف 7/149] أي ندموا على ما صنعوا {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة الأعراف 7/149] ولما رجع موسى عليه السلام  إليهم, ورأى ما هم عليه من عبادة العجل, ومعه الألواح المتضمنة التوراة ألقاها مع عظمتها, ولكن الأمر جلل, كما قال صلى الله عليه وسلم : ((ليس الخبر كالمعاينة إن الله خبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح.)) ([655])

ثم أقبل عليهم فعنفهم, ووبخهم, في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح وقالوا: حملنا أوزاراً من زينة القوم التي خرجنا بها معنا من مصر, فهم تحرجوا من تملك حلى آل فرعون وهم أعدائهم, ولم يتحرجوا بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الذي لـه خوار, ثم أقبل على أخيه هارون عليه السلام : هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا! فقال: خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل فتركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم وقد كان هارون عليه السلام  نهاهم عن هذا بقوله: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ} [سورة طـه 20/90] أي إنما قدر الله أمر هذا العجل, وجعله يخور فتنة واختباراً لكم وأن ربكم الله قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.

 وقد شهد الله لهارون عليه السلام  أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه, لأن اليهود يزعمون: أنّ هارون عليه السلام  هو السّامريّ الذي صنع العجل لبني إسرائيل، وأمرهم بعبادته، وهذا ليس غريباً عنهم في كذبهم على الأنبياء. ([656])

 ثم أقبل موسى على السامري الذي قال: رأيت جبرائيل وهو راكب فرساً فقبضت قبضة من أثر فرس جبريل, و لما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان ولهذا قال :فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال لـه موسى: فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ,وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحداً معاقبة له على مسه مالم يكن له مسه, هذا معاقبة له في الدنيا ثم توعده في الأخرى فقال: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً} [سورة طـه 20/97] فعمد موسى عليه السلام  إلى هذا العجل, فحرقه بالنار وقيل بالمبارد ثم ذراه في البحر. ([657])

ومحبتهم للعجل وصفها الله بوصف معجز بقوله :أشربوا وهذا يعني: جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه عن تمكن أمر العجل في قلوبهم. حتى غلب عليه وخالط قلبه. ([658])

قال البغوي: "أدخل في قلوبهم حب العجل وخالطها كإشراب اللون لشدة الملازمة، يقال: فلان أشرب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة." ([659])

وتوعد الله الذين لم يتوبوا من عبادة العجل بالغضب والذلة بالدنيا , والنار بالآخرة.

ووردت آثار كثيرة في كيفية تنفيذهم للتوبة وكانت: قتلهم أنفسهم لكي يتوب الله عليهم، ولم يبين سبحانه وتعالى كيفية ذلك القتل ، بل اكتفى بقوله {فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} [سورة البقرة 2/54] . كما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم  ما يفصل ذلك. ولكن ورد بعض التفصيلات لكيفية ذلك القتل في بعض الآثار، وذكر عدد القتلى من جراء القتل وغالب هذه التفصيلات منقولة عن كتب بني إسرائيل.

وفي سياق ما حصل من اليهود السابقين: خاطب الله اليهود في كل زمان (عن فعل آبائهم وأسلافهم وتكذيبهم رسلهم وخلافهم أنبياءهم، مع تتابع نعمه عليهم وسبوغ آلائه لديهم، معرفهم بذلك أنهم من خلافهم محمداً صلى الله عليه وسلم  وتكذيبهم به وجحودهم لرسالته، مع علمهم بصدقه على مثل منهاج آبائه وأسلافهم، ومحذرهم من نزول سطوته بهم بمقامهم على ذلك من تكذيبهم ما نزل بأوائلهم المكذبين بالرسل من المسخ واللعن وأنواع النقمات) ([660])

وأما عن عبادتهم للعزير ,فهو ما سيبعث عيه فئام منهم ففي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري _: ((أن أناساً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم  قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟)) قال النبي صلى الله عليه وسلم  : ((نعم هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة ضوء ليس فيها سحاب قالوا: لا قال: وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ضوء ليس فيها سحاب قالوا: لا قال النبي صلى الله عليه وسلم  : ما تضارون في رؤية الله عز وجل يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن تتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله بر أو فاجر وغبرات أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم :ما كنتم تعبدون قالوا :كنا نعبد عزيرا بن الله فيقال: لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون فقالوا: عطشنا ربنا فاسقنا فيشار ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم يدعى النصارى فيقال لهم: من كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح بن الله فيقال لهم :كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فيقال لهم: ماذا تبغون فكذلك مثل الأول حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها فيقال: ماذا تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا: فارقنا الناس في الدنيا على أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد فيقول :أنا ربكم فيقولون: لا نشرك بالله شيئاً مرتين أو ثلاثاً.)) ([661])

وأما عبادتهم (لبعل) فإن إلياس عليه السلام  دعى قومه من بني إسرائيل إلى إفراد الله بالعبادة, وأنكر عليهم عبادتهم لغيره فقال :{أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ  = 125 } [سورة الصافات 37/125]

1- وبعل هنا : هو الرب في لغة أهل اليمن، تقول: من بعل هذا الثور: أي من ربه؟

2- وقيل: هو صنم كان لهم يسمى بعلاً.

3- وقيل امرأة كانوا يعبدونها.

قال السّيوطيّ : "وكلّ ما في القرآن من ذكر البعل فهو الزّوج إلاّ {أتدعون بعلاً} فهو الصّنم" ([662])

وقد ورد ت آثار طويلة في قصة إلياس مع قومه حاصلها, أنهم كذبوه وعبدوا بعلاً، وورد في بعض الآثار, أنهم هم أهل بعلبك ([663]) ومن هنا جاءت التسمية.

ومع دعوته لهم, إلا أنهم كذبوه, قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ  = 127 } [سورة الصافات 37/127] أي للعذاب يوم الحساب {إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} أي الموحدين منهم. ([664])

وأما عبادتهم للأحبارهم والرهبان, فهي كما قال صلى الله عليه وسلم  : ((بطاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام.)) وكما قال الحسن: {أَرْبَاباً} في الطاعة.

و الأحبار: جمع حبر، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه. ومنه ثوب محبر أي جمع الزينة.

والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به. ([665])

 وقال الضحاك: الأحبار :قراؤهم، ورهبانهم علماؤهم. ([666])

وقصة قدوم عدي بن حاتم الطائي _ ,برواياتها المتعددة تجلي كيف فسر صلى الله عليه وسلم  عبادتهم لهم، وكيف صاروا لهم أربابا، قال _: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  وفي عنقي صليب من ذهب)) فقال: ((يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك.)) قال: فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} قال: قلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم! فقال: ((أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم.)) ([667])

وكما قال حذيفة _: ((كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه.))

وقال أيضاً _: ((أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم.)) وقال: ((لم يعبدوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصي.))

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : ((لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله، فأطاعوهم، فسماهم الله بذلك أرباباً.))

وقال أبو البختري رحمه الله ([668]): ((انطلقوا إلى حلال الله فجعلوه حراماً، وانطلقوا إلى حرام الله فجعلوه حلالاً، فأطاعوهم في ذلك، فجعل الله طاعتهم عبادتهم، ولو قالوا لهم اعبدونا لم يفعلوا.))

وسئل أبو العالية رحمه الله : ((كيف كانت الربوبية التي كانت في بني إسرائيل؟ قال: قالوا: ما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنا انتهينا لقولهم: وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.)) ([669])

وهم إلى اليوم يطيعون علمائهم, حتى في نبذهم التوراة وما أمروا فيها, والاستعاضة عنها بالتلمود الذي عملتها أيديهم الآثمة.

ويتبع ما سبق تحاكمهم إلى طواغيت الأرض, وترك حكم الله, وهذا من الشرك الأكبر الذي أمروا أن يجتنبوه، وذلك يوم أن شاورت قريش بعض أحبارهم في المفاضلة بينهم وبين ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم  ففضلوا الكهنة والشياطين ممثلة بحيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وكل طاغوت: على ماجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم قالوا: إنكم أهدى من محمد سبيلاً، بل توجوا ذلك بسجودهم للأصنام كما في الأثر: ((أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم أن يغزوه، وقال: إنا معكم نقاتله، فقالوا: إنكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما! ففعل، ولأن هذا منطبق عليهم كجنس.

قال الطبري رحمه الله  بعد أن ساق أسباب النزول للآية : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ} [سورة آل عمران 3/23]... إلى قوله: {وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} [سورة النساء 4/52] .

"وأولى الأقوال بالصحة في ذلك قول من قال: إن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود، وجائز أن يكون كانت الجماعة الذين سماهم ابن عباس رضي الله عنهما  في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعد أو يكون حيياً وآخر معه، إما كعباً وإما غيره." ([670])

ففضل علماء وكبار اليهود حكم الطاغوت وشرك الجاهليين على الإيمان والتوحيد الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم , قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} [سورة النساء 4/51]

 ومعنى الآية:إن الله وصف الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق لله ولرسوله، وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك. ([671])

ويمكن الجمع بينها كما قال الطبري: يصدقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين؛ وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.

وإذ كان ذلك كذلك وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جبوتاً وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين. ([672])

هذا ما وصف الله به اليهود , ولم يفرق بين أولهم وآخرهم ومن عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم  ومن سبقه, وأن سلسة الكفر والشك والشرك ماضية بينهم على قدر كبير فوصفهم وصف عام, ولو بان أن سبب النزول في مقولة الشرك أو عبادة غير الله على أي وجه فهي تنسب للجميع.


 الفصل الثاني : الآثار الواردة في عقيدة اليهود في الإيمان بالملائكة :

 الآثار:

  المبحث الأول:الآثار الواردةفي الإيمان بهم مطلقا:

قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ  = 26 } [سورة الأنبياء 21/26]

361-18522 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} قال: قالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى صاهر الجن فكانت منهم الملائكة. قال الله تبارك وتعالى تكذيبا لهم وردا عليهم: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} وإن الملائكة ليس كما قالوا إنما هم عباد أكرمهم الله بعبادته. ([673])

قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} [سورة الصافات 37/158]

362-22765- حدثنا عمرو بن يحيى بن عمران بن عفرة قال: ثنا عمرو بن سعيد الأبح عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} قالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى تزوج إلى الجن فخرج منهما الملائكة قال: سبحانه سبح نفسه. ([674])

قوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً  = 40 } [سورة الإسراء 17/40] ([675])

363-16846 - حدثنا محمد قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة {وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً} قال: قالت اليهود: الملائكة بنات الله . ([676])

 المبحث الثاني:الآثار الواردة في جبريل وميكال خاصة

قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  = 96 } [سورة البقرة 2/96]

364-1328 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما : {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ} فهم الذين عادوا جبريل عليه السلام . ([677])

قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} [سورة هود 11/17]

365-13949 - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: ثنا ابن إدريس عن ليث عن مجاهد قال: هو جبرئيل تلا التوراة والإنجيل والقرآن وهو الشاهد من الله. ([678])

366-13959 - حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي عن أبيه عن منصور عن إبراهيم في قوله: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى} قال: من قبله جاء بالكتاب إلى موسى. ([679])

قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [سورة البقرة 2/97]

367-1331 -حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين يعني المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفراً من اليهود جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا: يا محمد أخبرنا عن أربع نسألك عنهن فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني)) قالوا: نعم. قال: ((فاسألوا عما بدا لكم-وفيه- قالوا: فأخبرنا عن الروح! قال: ((أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني؟)) قالوا: نعم ولكنه لنا عدو وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء فلولا ذلك اتبعناك. فأنزل الله فيهم: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} [سورة البقرة 2/97] إلى قوله: {كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة 2/101]. . ([680])

368-1332 -حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج عن ابن جريج قال: حدثني القاسم بن أبي بزة: أن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم  من صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي فقال: ((جبريل)). قالوا: فإنه لنا عدو ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال. فنزل: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ} [سورة البقرة 2/97] الآية. ([681])

369-1333 -حدثني محمد بن المثنى قال: ثنا ربعي بن علية عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: نزل عمر _ الروحاء فرأى رجالاً يبتدرون أحجاراً يصلون إليها فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  صلى ههنا. فكره ذلك وقال: إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم  أدركته الصلاة بواد فصلى ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان ومن الفرقان كيف يصدق التوراة فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك! قلت: ولم ذلك؟ قالوا: إنك تغشانا وتأتينا. قال: قلت إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة ومن التوراة كيف تصدق الفرقان! قال: ومر رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقالوا: يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فالحق به! قال: فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا. قال: فقال عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم عليكم فأجيبوه! قالوا: أنت عالمنا وسيدنا فأجبه أنت. قال: أما إذ أنشدتنا به فإنا نعلم أنه رسول الله. قال: قلت: ويحكم! إذاً هلكتم. قالوا إنا لم نهلك. قال: قلت: كيف ذاك وأنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لدينا عدواً من الملائكة وسلماً من الملائكة وإنه قرن به عدونا من الملائكة. قال: قلت: ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل. قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره قال: قلت: فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. قال: ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم  فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان فقال لي: ((يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن؟)) فقرأ على: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} حتى قرأ الآيات. قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر. ([682])

370-1335 -حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ} قال: قالت اليهود: إن جبريل هو عدونا لأنه ينزل بالشدة والحرب والسنة وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب فجبريل عدونا. فقال الله جل ثناؤه: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ}. ([683])

371-1336 - حدثني موسى بن هارون قال: ثنا عمرو بن حماد قال: ثنا أسباط عن السدي: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} قال: كان لعمر بن الخطاب _ أرض بأعلى المدينة فكان يأتيها وكان ممره على طريق مدراس اليهود وكان كلما دخل عليهم سمع منهم. وإنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا: يا عمر ما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  أحد أحب إلينا منك! إنهم يمرون بنا فيؤذوننا وتمر بنا فلا تؤذينا وإنا لنطمع فيك. فقال لهم عمر _: أي يمين فيكم أعظم؟ قالوا: الرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء. فقال لهم عمر _: فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمدا صلى الله عليه وسلم  عندكم؟ فأسكتوا. فقال: تكلموا ما شأنكم؟ فوالله ما سألتكم وأنا شاك في شيء من ديني! فنظر بعضهم إلى بعض فقام رجل منهم فقال: أخبروا الرجل لتخبرنه أو لأخبرنه! قالوا: نعم إنا نجده مكتوباً عندنا ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي هو جبريل وجبريل عدونا وهو صاحب كل عذاب أو قتال أو خسف ولو أنه كان وليه ميكائيل إذا لآمنا به فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث. فقال لهم عمر _: فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أين مكان جبريل من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره. قال عمر _: فأشهدكم أن الذي هو عدو للذي عن يمينه عدو للذي هو عن يساره والذي هو عدو للذي هو عن يساره عدو للذي هو عن يمينه وأنه من كان عدوهما فانه عدو الله. ثم رجع عمر ليخبر النبي فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم  فقرأ عليه فقال عمر _: والذي بعثك بالحق لقد جئتك وما أريد إلا أن أخبرك. ([684])

372-1338 -حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن عن ابن أبي ليلى في قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [سورة البقرة 2/98] قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم لتبعناكم فإنه ينزل بالرحمة والغيث وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة وهو لنا عدو. قال: فنزلت هذه الآية: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ}. ([685])

373-1340 -حدثنا أبو كريب قال: ثنا عثمان بن سعيد قال ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما  فى قوله: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ} قال: وذلك أن اليهود قالت حين سألت محمداً صلى الله عليه وسلم  عن أشياء كثيرة فأخبرهم بها على ما هي عندهم إلا جبريل فإن جبريل كان عند اليهود صاحب عذاب وسطوة ولم يكن عندهم صاحب وحي - يعني تنزيل من الله على رسله - ولا صاحب رحمة - فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيما سألوه عنه أن جبريل صاحب وحي الله وصاحب نقمته. وصاحب رحمته. فقالوا: ليس بصاحب وحي ولا رحمة هو لنا عدو. فأنزل الله عز وجل إكذابا لهم: {قُلُ} يا محمد {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} يقول: فإن جبريل نزله. يقول: نزل القرآن بأمر الله يشد به فؤادك ويربط به على قلبك يعني بوحينا الذي نزل به جبريل عليك من عند الله وكذلك يفعل بالمرسلين والأنبياء من قبلك. ([686])

374-1357 -حدثت عن عن عمار قال: ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إن يهوديا لقي عمر فقال له إن جبريل الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا. فقال له عمر: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [سورة البقرة 2/98]قال: فنزلت على لسان عمر _. ([687])


 الدراسة:

بين الله تبارك وتعالى أن المعاصرين لدعوة موسى عليه السلام  من فرعون ومن معه يعرفون الملائكة ويقدرونهم بدليل سؤالهم لموسى أن يأتي بهم ليشهدوا معه على صدقه كما قال تعالى: {فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ  = 53 } [سورة الزخرف 43/53] و موسى عليه السلام  بعثه الله بما بعث به رسله, ومن ذلك الإيمان بالملائكة, ولكن اليهود وإيمانهم بالملائكة, ومحبتهم لهم - كما بينه القرآن- خاضع لأهوائهم, فهم ينتخبون في ذلك بأهوائهم, كما تقدم في صفاتهم وعقائدهم.

فالملائكة منهم العدو ومنهم الولي، ولكن قبل ذلك هناك بعض الروايات تنسب القول في بعض الآيات وإن لم يصرح باسمهم ولكن نص عليه بعض السلف كما مرّ في الآثار منهم من تكلم في أصل الملائكة فقالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى تزوج إلى الجن فخرج منهما الملائكة وأن جنسهم إناث فهم بنات الله.

وهذا مجمل ما في الآيات التالية:

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ  = 26 } [سورة الأنبياء 21/26]

{وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ  = 158 } [سورة الصافات 37/158]

{أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً  = 40 } [سورة الإسراء 17/40]

وبينتها الآثار السابقة وهذا من شنيع قولهم كما مرً في نسبتهم الولد لله.

ولليهود مع جبريل عليه السلام  شأن آخر فهم يعتقدون عداوته ويناصبونه البغض ويصرحون بذلك، ومع تعدد الروايات في سبب عداوة اليهود لجبريل عليه السلام  إلا أن النتيجة واحدة وقد قال الطبري رحمه الله  عند قوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  = 97  مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ  = 98 } [سورة البقرة 2/97-98] .

"أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً على أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدولهم، وأن ميكائيل ولي لهم. ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك." ثم أورد أكثر من أربعة عشر سبباً من أسباب النزول لهاتين الآيتين. ([688])

فمن الأسباب التي ذكرت:

1- أن عداوتهم لأنه ينزل عليهم بالعذاب، وهو قول الجمهور، ([689]) كما في المناظرة التي جرت بين اليهود وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم  في أمر نبوته.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما  أنه قال: ((حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام)). فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلوني عما شئتم فقالوا أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن! أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني. فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، فقال: نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه، فنذر نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل؟فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشهد الله عليكم وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان لـه الولد والشبيه بإذن الله، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟. قالوا: اللهم نعم! قال: اللهم اشهد. قال: وأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟. قالوا: اللهم نعم! قال: اللهم اشهد. قالوا: أنت الآن تحدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نتابعك أو نفارقك. قال: فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا فقط إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا. فأنزل الله عز وجل: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [سورة البقرة 2/97] إلى قوله: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة 2/101]. فعندها باؤوا بغضب على غضب وفي رواية قالوا: نعم ولكنه لنا عدو وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء فلولا ذلك اتبعناك.)) ([690])

2- ومن الأسباب: أنهم يرون أن جبريل عليه السلام  حال بينهم وبين قتل بختنصر الذي خرب بيت المقدس, وسفك دماءهم, وسبى ذراريهم.

فقد حكى الثعلبي, والواحدي, عن ابن عباس رضي الله عنهما : ((أن سبب عداوة اليهود لجبريل عليه السلام : أن نبيهم أخبرهم, أن يختنصر سيخرب بيت المقدس, فبعثوا رجلاً ليقتله, فوجده شاباً ضعيفاً, فمنعه جبريل من قتله, وقال لـه: إن كان الله أراد هلاككم على يده فلن تسلط عليه, وإن كان غيره فعلى أي حق تقتله, فتركه فكبر يختنصر, وغزا بيت المقدس, فقتلهم, وخربه, فصاروا يكرهون جبريل لذلك.)) ([691])

3- ومن الأسباب: أنهم يرون أن جبريل عليه السلام  عدل بالنبوة عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، كما في تفسير مقاتل: قالت اليهود إن جبريل عدونا أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا. ([692])

وأما الملك المحبوب عندهم فهو ميكال الذي ينزل بالرحمة والغيث كما مرّ في الآثار السابقة، ولذلك نصت الآية على ذكر جبريل وميكائيل رغم دخولهما ضمن الملائكة بالجملة، وذلك للرد على مزاعم اليهود في التفريق بينهما وتكذيب مزاعمهم حول معادة جبريل ومحبة ميكال.

والذي يفهم من سياق الآية أن اليهود كسبوا عداوة الله بعداوتهم للملائكة ولجبريل خاصة فليس لهم التفريق لأن الله وصف الملائكة جميعاً بوصف واحد فقال {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  = 50 } [سورة النحل 16/50] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  = 6 } [سورة التحريم 66/6] .

فليس لهم تصرف من عند أنفسهم, بل هم عباد مكرمون ,خاصة كبيرهم جبريل عليه السلام , فهو الروح القدس, ورسول الله إلى أنبيائه, وأفضلهم , وهو الذي بسبب عداوتهم له استحقوا غضب الله.

قال الطبري رحمه الله  عند تفسير الآيات السابقة: "قل يا محمد - لمعاشر اليهود من بني إسرائيل الذين زعموا أن جبريل لهم عدو من أجل أنه صاحب سطوات وعذاب وعقوبات لا صاحب وحي وتنزيل ورحمة فأبوا اتباعك وجحدوا نبوتك وأنكروا ما جئتهم به من آياتي ..... وإعلام منه أن من عادى جبريل فقد عاداه وعادى ميكائيل وعادى جميع ملائكته ورسله؛ لأن الذين سماهم الله في هذه الآية هم أولياء الله وأهل طاعته، ومن عادى لله وليا فقد عادى الله وبارزه بالمحاربة، ومن عادى الله فقد عادى جميع أهل طاعته وولايته؛ لأن العدو لله عدو لأوليائه، والعدو لأولياء الله عدو له. فكذلك قال لليهود الذين قالوا: إن جبريل عدونا من الملائكة، وميكائيل ولينا منهم: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [سورة البقرة 2/98] من أجل أن عدو جبريل عدو كل ولي لله. فأخبرهم جل ثناؤه أن من كان عدوا لجبريل فهو لكل من ذكره من ملائكته ورسله وميكال عدو، وكذلك عدو بعض رسل الله عدو لله ولكل ولى." ([693])

ومن افترائهم المعهود : قولهم: ولكن صاحب صاحبنا ,ميكائيل كما قالوه لعمر_ وهذا هو الكذب المبين, لأن جبريل هو الروح الأمين بين الله وجميع رسله, وهو ولي جميع الأنبياء,كما قال صلى الله عليه وسلم : ((فإن وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه.)) ([694])

وكذلك قول ورقة بن نوفل حين أخبرته خديجة رضي الله عنها  بما رآه النبي صلى الله عليه وسلم  يوم الغار فقال: ((هذا الناموس الذي نزل الله على موسى عليه السلام .)) ([695])

إن جبريل, وميكائيل عليهما السلام ,وجميع ملائكة الله, هم أولياء الله, ومن عادى لله ولياً فقد آذنه بالحرب وعدو أولياء الله عدو لله.

إذاً: اليهود الذين عادوا جبريل، قد عادوا الله وملائكته ورسله فهم بذلك كافرون والله عدو للكافرين.


 الفصل الثالث : الآثار الواردة في عقيدة اليهود في الإيمان باالكتب

 المبحث الأول : الآثار الواردة في موقفهم من الإيمان بالكتب مطلقاً

 الآثار:

قولـه تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونََ  = 91 } [سورة الأنعام 6/91]

375-10544 - حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال لـه مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم  فقال لـه النبي صلى الله عليه وسلم  : " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟" وكان حبرا سمينا فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء ! فقال له أصحابه الذين معه: ويحك ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء فأنزل الله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. ([696])

376-10545 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج عن عكرمة قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}قال: نزلت في مالك بن الصيف كان من قريظة من أحبار اليهود؛ {قل يا محمد من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس}.. الآية. : ([697])

377-1054 - حدثني موسى بن هارون قال: ثنا عمرو بن حماد قال: ثنا أسباط عن السدي: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قال: قال فنحاص اليهودي: ما أنزل الله على محمد من شيء. ([698])

378-10547 - حدثنا هناد قال : ثنا يونس قال: ثنا أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم  وهو محتب فقالوا: يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحا يحملها من عند الله ! فأنزل الله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنْ السَّمَاءِ} [سورة النساء 4/153].. الآية فجثا رجل من يهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً! فأنزل الله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} قال محمد بن كعب: ما علموا كيف الله {إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} فحل رسول الله صلى الله عليه وسلم  حبوته وجعل يقول: ((ولا على أحد)). ([699])

379-10548 - حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} هم اليهود والنصارى قوم آتاهم الله علما فلم يهتدوا به ولم يأخذوا به ولم يعملوا به فذمهم الله في عملهم ذلك ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: إن من أكثر ما أنا مخاصم به غداً أن يقال: يا أبا الدرداء قد علمت فماذا عملت فيما علمت؟ ([700])

380-10549 - حدثني المثني قال : ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} يعني: من بني إسرائيل. قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: "نعم" قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا. فأنزل الله: {ختم الله علىقُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة البقرة 2/8] يا محمد {مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} قال: الله أنزله. ([701])

381-10554- حدثني المثني، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً}: اليهود. ([702])

382-10555- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {قُلُ} يا محمد {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها} يعني يهود لما أظهروا من التوراة. {ويخفون كثيرا} مما أخفوا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم  وما أنزل عليه قال ابن جريج: وقال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهداً يقول : قال: هم يهود الذين يبدونها ويخفون كثيراً. ([703])


 الدراسة:

أنزل الله كتبه على رسله, هدى للناس ونور, كما وصف الله ما أنزله على أنبيائه من بني إسرائيل, فقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  = 44 } [سورة المائدة 5/44]

ولكن بعضهم أنكر أن الله أنزل كتباً, إما عناداً وإما غير ذلك كما قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونََ  = 91 } [سورة الأنعام 6/91]

قالوا: لم ينزل الله على آدمي كتاباً ولا وحياً. و اختلف في سبب النزول :

1- فقيل: كان قائل ذلك رجلاً من اليهود اسمه:

أ-  مالك بن الصيف. حين جاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لـه النبي صلى الله عليه وسلم : ((أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟)) وكان حبراً سميناً، فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء! فقال لـه أصحابه الذين معه: ويحك ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء.

وفي القصة أن مالك بن الصيف, لما سمعت اليهود منه تلك المقالة ,عتبوا عليه, وقالوا: أليس أن الله أنزل التوراة ,على موسى فلم قلت ما أنزل الله على بشر من شيء قال: فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد فقلت ذلك فقالوا لـه: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق فنزعوه من الحبرية وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. ([704])

ب- وقيل نزلت في فنحاص اليهودي: حين قال: ما أنزل الله على محمد من شيء.

2- وقيل في جماعة من اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم  آيات مثل آيات موسى عليه السلام . فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً يحملها من عند الله فجثا رجل من يهود، فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً! فحل رسول الله صلى الله عليه وسلم  حبوته، وجعل يقول: ((ولا على أحد)).

3- وقيل هم اليهود والنصارى، قوم آتاهم الله علماً فلم يهتدوا به ولم يأخذوا به ولم يعملوا به، فذمهم الله في عملهم ذلك.

4- وقال ابن عباس رضي الله عنهما  وغيره: القائل مشركو قريش. وهو اختيار ابن جرير حيث قال: "وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولاً، فأن يكون ذلك أيضاً خبراً عنهم أشبه من أن يكون خبراً عن اليهود، ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلاً، مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً من الكتب؛ وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود..، وكان الخبر من أول السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبراً عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [سورة الأنعام 6/91] موصولاً بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل.

ويذهب رحمه الله  إلى ضعف الروايات القائلة أن سبب النزول في اليهود, ويرى أن الأمر التبس على بعضهم "فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرؤوه على وجه الخطاب لهم: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ} [سورة الأنعام 6/91] فجعلوا ابتداء الآية خبراً عنهم، إذ كانت خاتمتها خطاباً لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل، لما وصفت قبل من أن قوله: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان، وهو به متصل، فالأولى أن يكون ذلك خبراً عنهم." ([705])

قال ابن كثير رحمه الله : "وهذا أصح ,لأن الآية مكية, واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء, وقريش والعرب كانوا ينكرون إرسال محمد صلى الله عليه وسلم  لأنه من البشر." ([706])

وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما  أنها في اليهود: قال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} يعني: من بني إسرائيل. قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتاباً؟ قال: ((نعم)) قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً. ([707])

وحتى وإن كان الخطاب للمشركين، فإن قوله {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ} على قراءة التاء المقصود بها اليهود ،فهي تخبرهم عن تلاعبهم بالتوراة, من إبداء بعضها وإخفاء بعضها.

وعلى القرآة الأخرى{يجعلونه} ([708]) فيه إخبار للمشركين عن فعل اليهود بالتوراة.

وسياق الآيات فيه التفات إلى اليهود وبيان لجريمتهم مع التوراة من التحريف والتبديل كما سيأتي تفصيله.


 المبحث الثاني: الآثار الواردة في موقفهم من التوراة

 الآثار:

 المطلب الأول : مم تتكون التوراةو كيف أخذوها ؟

قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} [سورة البقرة 2/56].

383-808 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل فأمرهم بقتل أنفسهم ففعلوا فتاب الله عليهم فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه ! فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [سورة البقرة 2/55] قال: فجاءت غضبة من الله عز وجل فجاءتهم صاعقة بعد التوبة فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم وقرأ قول الله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة البقرة 2/56] فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله ! فقالوا لا فقال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيينا. قال: خذوا كتاب الله ! قالوا لا. فبعث الله تعالى ملائكة فنتقت الجبل فوقهم . ([709])

قوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  = 171 } [سورة الأعراف 7/172]

384-11912 - حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} أي بجد. {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} جبل نزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به! ([710])

385-11914 - حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبد الله قال: هذا كتاب الله أتقبلونه بما فيه فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم. قالوا: انشر علينا ما فيها فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة قبلناها! قال: اقبلوها بما فيها! قالوا: لا حتى نعلم ما فيها كيف حدودها وفرائضها. فراجعوا موسى مراراً فأوحى الله إلى الجبل فانقلع فارتفع في السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل! قال: فحدثني الحسن البصري قال: لما نظروا إلى الجبل خر كل رجل ساجداً على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من أن يسقط عليه؛ فلذلك ليس في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر يقولون: هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. قال أبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه. ([711])

قولـه تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة الأعراف 7/171]

386-11909 - حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما  قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} فقال لهم موسى: خذوا ما آتيناكم بقوة! يقول: من العمل بالكتاب؛ وإلا خر عليكم الجبل فأهلككم! فقالوا: بل نأخذ ما آتانا الله بقوة! ثم نكثوا بعد ذلك. ([712])

قولـه تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة الأعراف 7/150]

387-11753 - حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي عمارة، عن علي _ قال: كتب الله الألواح لموسى عليه السلام  وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح. ([713])

388-11756 - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ،