الإسلام: حقيقته، شرائعه، عقائده، نظمه ()

محمد بن إبراهيم الحمد

 

هذا الكتاب هو البحث الفائز بالمركز الأول للمسابقة العالمية «هذا هو الإسلام»، وقد اشتمل على: مقدمة وثمانية أبواب وخاتمة، بيَّن فيه المؤلف أثابه الله حقيقةَ الدين الإسلامي، ومصادر تشريعه، وأركان الإسلام، كما تناولَ الأخلاق في الإسلام، واستعرَضَ نُظُم الإسلام، وبيَّن موقف الإسلام من بعض المسائل والمصطلحات، وأوضح الموقف الشرعي من بعض القضايا التي يكثُر حولها الجدل.
الإسلام: حقيقته، شرائعه، عقائده، نظمه

|

 الإسلام: حقيقته، شرائعه، عقائده، نظمه


 تقريظ الهيئة العالمية للتعريف بالإسلام التابعة لرابطة العالم الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:

فإن حاجة البشرية إلى الإسلام ماسَّة، بل إن ضرورتها إليه مُلِحَّة؛ فالنفوس لا تطيب، ولا تسعد إلا بتوجهها إلى إلهها وفاطرها، ولا تستقيم أحوال الأفراد والمجتمعات والدول إلا بسيرها على شرع خالقها الذي هو أعلم بمصالحها.

فلا غرو _ إذاً _ أن نرى المجتمعات غير المسلمة التي نالت من زهرة الدنيا ما نالت؛ من حيث الرفاهيةُ، والحرية، والعَبُّ من الشهوات دون حسيب أو رادع _ تعيش حالة من القلق، والضياع، والمادية البحتة التي تسيطر على كثير من أحوالها.

كيف لا؟ وهي لم تصل إلى المنهج الرباني الذي يزكي نفوسها، ويجيب عن أسئلتها الحائرة؟.

لذا كان من الواجب على أمة الإسلام الأمة الشاهدة القوامة أن تضطلع بمسؤوليتها تجاه البشرية جمعاء؛ فتسعى سعيها لنشر هداية الإسلام، وتبيان محاسنه، وشموليته، وعدله؛ لكي تقوم حجة الله البالغة، ويُهدى من شاء الله هدايته.

ولقد قام أهل الإسلام في القديم والحديث بعمل جبار في ذلك السبيل؛ غير أن الأمر _ في هذه الأزمان _ أعظم، والحاجة أمَسُّ إلى مضاعفةِ الجهد، وإلباسِ الدعوة أثواباً تلائم حال العصر وأهله، وتواجه ذلك الزيف والدجل الذي يمارسه الإعلام المضلل الحاقد، وتبرئ ساحة الإسلام من تبعات بعض المنتسبين إليه وهم بعيدون عن هدايتهم، وتقف أمامَ كلِّ ما يصد عن تعريف الناس بالإسلام الذي أتم الله به على البشرية النعمة، ورضيه ديناً خاتماً عاماً إلى قيام الساعة.

ومن هذا المنطلق كان من أهم مهمات الهيئة العالمية للتعريف بالإسلام التابعة لرابطة العالم الإسلامي _ أن تسهم في ذلك الميدان، وكان من إسهاماتها فيه أن رأت بعد مداولات، ومشاورات، وبعد جولات في كثير من بقاع العالم _ أن الحاجة تدعو إلى إعداد محتوى يعرِّف بالإسلام، ويبرز محاسنه.

وقد اجتمع لها من جرَّاء ذلك محاور كثيرة تحتاج إلى صياغة جديدة تلائم روح العصر _ كما مر _ وذلك وَفْقَ منهج علمي محدد؛ بعيداً عن التفريط أو الإفراط، أو كما يقول الباحث: (بعيداً عن لغة التعالي والاستفزاز، ولغة التبعية والانهزام) فنشأت فكرة إطلاق المسابقة البحثية التي جاءت حاملة مسمى (هذا هو الإسلام) وعُممت على الجامعات في العالم الإسلامي؛ رغبة في أن يشارك فيها أكبر عدد ممكن، وكُوِّن لها مجموعة من المحكِّمين من أهل الاختصاص من أساتذة الجامعات المشهود لهم بسعة العلم، ورجاحة العقل، والخبرة، وطول الباع في التحكيم.

وبعد ذلك توالت البحوث تلو البحوث التي بذل فيها أصحابها جهداً طيباً مباركاً.

ولكن اليد الطولى، والقِدح المعلى كان لفارس السباق الأول، وخِرِّيته المبجل الشيخ الأديب الحبيب الدكتور محمد بن إبراهيم الحمد الذي فاق أقرانه بلا منازع؛ فنال المركز الأول بالانفراد، وحصل على التقدير اللائق في كافة لجان التحكيم؛ لما اتصف به بحثه من الشمول، والاستيعاب، وحسن العرض، والمناقشة، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، والحرص على التوثيق العلمي، فخرج بهذه الحلة البديعة التي نأمل أن تكون رافداً من روافد التعريف بالإسلام، وزاداً يعين الدعاة على ما هم بصدده من الدعوة إلى الله.

أسأل الله أن يبارك في هذا العمل، وأن ييسر ترجمته إلى كافة لغات العالم.

كما أسأله _ عز وجل _ أن يجزي الباحث وزملاءه الباحثين، ولجنة التحكيم الموقرة خير الجزاء، وأن يجعلنا جميعاً مفاتيح للخير، مغاليق للشر، مباركين أينما كنا.

كتبه:

حبيب بن محمد الحارثي

الأمين العام المكلف للهيئة العالمية للتعريف بالإسلام

المدينة المنورة

1/12/1434هـ


 مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد

فإن الإسلام خاتم الأديان, وأشملها, وأعمها, فلقد أكمله الله _عز وجل_ وأتم به على عباده النعمة, ورضيه لهم ديناً.

وإن الحديث عن الإسلام لذو شجون؛ فهو يبدأ ولا ينتهي؛ إذ في الإسلام حُكْمُ كلِّ شيء, وتفصيل كلِّ شيء [مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ] الأنعام: 38 .

فلم يغادر الإسلام صغيرة ولا كبيرة من قضايا الاعتقاد, أو العمل, أو التشريع, أو الآداب إلا وأحاط به إجمالاً أو تفصيلاً سواء كان ذلك في شأن الأمة بعامة، أو في شأن الإنسان في خاصة نفسه.

ولم يفارق رسول الإسلام محمد  صلى الله عليه وسلم  هذه الدنيا إلا وقد بيَّن للأمة جميع ما تحتاج إليه من أمر دينها؛ فبلغ رسالة ربه, وأقام الحجة على الناس من بعده.

وهذا البحث الذي بين يديك يسعى جاهداً لإعطاء صورة عامة عن دين الإسلام.

وأنـَّى لكاتب _ولو ألقت إليه البلاغة بأَعِنَّتِهَا_ أن يقوم بذلك الجهد كما ينبغي؛ لأن الموضوع _كما مر_ متشعب طويل.

والمشكلة في ذلك لا تكمن في قلة توافر المادة العلمية, أو التاريخية, أو نحوها.

وإنما تكمن في كثرة المحاور التي أُريدَ أن يدور حولها البحث؛ لتكون في كتاب تغلب عليه صبغة الوضوح والإيجاز.

ولا ريب أن ذلك المطلب صعبُ المرتقى، بعيدُ المنال.

ثم إن هناك صعوبةً أخرى, وهي كيفية إبراز دين الإسلام بصورته المشرقة التي ينبغي أن يعرفها كلُّ محبٍّ للحقيقة, والتي تكشف ما ينطوي عليه ذلك الدين من الخير العظيم للبشرية جمعاء؛ فذلك مما يحتاج إلى مزيد عناية ودقة.

ولقد حرصت على تحقيق تلك الأمنية العظيمة، وحاولت جهدي أن أسيطر على البحث, فصار يتغلب علي, ويزداد توسعاً؛ إذ إن كل محور من مَحاوره, بل كل جزئية من أجزاء تلك المحاور جديرة بالدراسة والتحليل؛ لتخرج في أبحاث خاصة.

ولهذا صرت أختصر كثيراً؛ لأجل أن آتي على جميع المحاور مع محاولة الإيجاز، ومراعاة حال العصر.

ومهما يك من شيء فهذا جهد المقل, وهو ما سيتضح من بيان خطة البحث, والعملِ الذي سرت عليه في غضونه.

خطة البحث: اشتملت خطة البحث على: مقدمة، وثمانية أبواب، وخاتمة وذلك كما يلي:

الباب الأول: حقيقة الدين الإسلامي، ومصادر تشريعه، وأركانه.

الباب الثاني: أركان الإيمان.

الباب الثالث: محمد صلى الله عليه وسلم  خاتم الأنبياء والمرسلين.

الباب الرابع: مسائل في علم الغيب.

الباب الخامس: مسائل في الذنوب والتوبة والدعاء.

الباب السادس: النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري في الإسلام.

الباب السابع: موقف الإسلام من بعض القضايا المعاصرة.

الباب الثامن: الدلائل على حقيقة الإسلام.

فهذه هي أبواب البحث، وتحت كلِّ بابٍ عددٌ من الفصول، وتحت كلِّ فصلٍ عددٌ من المباحث، وربما احتوت الفصول أو المباحث على تمهيد بحسب الحاجة والسياق.

الخاتمة: وفيها خلاصة موجزة لما جاء في البحث.

عمل الباحث: لقد راعى الباحث في هذا البحث أموراً عديدة منها:

1_ كان حرصه شديداً على أن تكون محاور البحث مستقلةً عن بعض, وأن تكون في الوقت نفسه مترابطة؛ فتكون مستقلة من جهة صلاحها لأن تُفْرد, وتكون مترابطة من جهة أن البحث يكمِّل بعضه بعضاً, ويؤيد بعضه بعضاً؛ لأن الإسلام دين محكم مترابط لا ينفك بعضه عن بعض.

2_ حرص على أن تكون لغة البحث هادئةً تراعي العقلية المسلمة وغير المسلمة، خصوصاً العقلية الغربية, وأن تكون لغته بعيدة عن الانهزام, أو الاستفزاز؛ فذلك أدعى للقبول.

ويتسنى ذلك بالتأكد من صحة المعلومة، والحرص على بيان الحق بدليله.

ويتسنى _أيضاً_ بالجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ فالأصالة تعطي البحث قوة، والمعاصرة تعين على فهم أحوال المخاطبين، وتنزيل الكلام على تلك الأحوال.

3_ روعي في البحثِ الحرصُ على إظهاره في حلة قشيبة، ومعرض حسن، وذلك من خلال أمور منها:

أ_ مراعاة قواعد البحث من عزو، وتخريج، وما جرى مجرى ذلك.

ب_ الحرص على سلامة اللغة، ومراعاة قواعد الإملاء، وعلامات الترقيم.

ج_ مراعاة أسلوب البحث، والحرص على أن يكون حالاً بين حالين: بين السوقي القريب، والوحشي الغريب.

د_ الرجوع إلى المصادر الأصيلة الموثوقة سواء كانت قديمة أو حديثة.

هـ_ ملاحظة مادة التشويق، وذلك من خلال وضع العناصر، والتنويع في الاستشهاد والنقل.

و_ الحرص على أن يكون البحث متسماً بالروح والمائية بعيداً عن الجفاء، والجفاف، وعنف الممارسة الأكاديمية.

إلى غير ذلك مما يعين على فهم المقصود، وطرد الملل، وإمكانية تجزئة البحث، أو استلال أبحاث منه.

4_ كثير من محاور البحث متقاربة متداخلة يصعب فصل بعضها عن بعض، لذا حرصت على أن يُبحث كلُّ محور على حدة، وأن يكمل البحثُ بعضُه بعضاً.

5_ روعي في البحث أن يكون ملائماً لأن يُقَرَّر ويُدَرَّس عبر مادة الثقافة الإسلامية؛ فيكون رافداً يسد بعضَ الحاجة في هذا الباب.

فهذه هي خلاصة مشكلة البحث، وخطته, وما سيسير عليه _بإذن الله_ فإلى تفاصيله, والله المستعان, وعليه التكلان, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

د.محمد بن إبراهيم الحمد

الزلفي: ص.ب: 460

15/5/1433هـ

جامعة القصيم _كلية الشريعة والدراسات الإسلامية_

قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة

WWW.M-ALHAMAD.COM

[email protected]ALHAMAD.COM

@M__ALHAMAD


  

 الباب الأول: حقيقةُ الدينِ الإسلاميِّ، ومصادرُ تشريعِه، وأركانُه

 مدخل: في قصة البشرية

تبدأ قصة البشرية منذ أن خلق الله أبا البشر آدم _ عليه السلام _ حيث خلقه الله بيده الكريمة من طين، ونفخ فيه من روحه، وعَلَّمَهُ أسماءَ الأشياءِ كلها من الطيور، والدواب، وغير ذلك، وأَمرَ الملائكة أن يسجدوا لآدم؛ زيادة في التكريم والتشريف، فسجدوا كلُّهم إلا إبليس كان من الجن، فأبى واستكبر، فأهبطه الله من ملكوت السموات، وأخرجه ذليلاً مدحوراً، وقضى عليه باللعنة، والشقاء والنار.

وبعد ذلك سأل إبليسُ ربَّه أن يُنظِره إلى يوم القيامة، فقال الله _تعالى_: [إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ] (الأعراف: 15)، فقال إبليس: [فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ] (ص: 82،83)، وقال: [فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ] (الأعراف: 16،17)، فقال الله _ عز وجل _: [ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ] (الأعراف: 18) ([1]).

فأخرجه الله من الجنة، وأعطاه القدرة على الوسوسة والإغواء، وأمهله إلى يوم القيامة، ليزداد إثماً، فتعظم عقوبته، ويتضاعف عذابه، وليجعله الله مَحَكًّا يتميز به الخبيث من الطيب.

ثم بعد ذلك خلق الله من آدم زوجَه حواء؛ ليسكن إليها، ويأنس بها، وأمرهما أن يسكنا دار النعيم الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأخبرهما _ عز وجل _ بعداوة إبليسَ لهما، ونهاهما عن الأكل من شجرة من أشجار الجنة؛ ابتلاءً وامتحاناً، فوسوس لهما الشيطان، وزيَّن لهما الأكل من تلك الشجرة، وأقسم لهما أنه لهما من الناصحين، وقال:  ( إن أكلتما من هذه الشجرة كنتما من الخالدين ) .

فلم يزل بهما حتى أغواهما، فأكلا من الشجرة، وعصيا ربَّهما؛ فندما على ما فعلا أشد الندم، وتابا إلى ربِّهما، فتاب عليهما، واجتباهما، لكنه أهبطهما من الجنة دار النعيم إلى الدنيا دار النصب والتعب، وسكن آدم الأرض، ورزقه الله الذرية التي تكاثرت، وتشعبت إلى يومنا الحاضر، ثم توفاه الله، وأدخله الجنة.

ومنذ أن أهبط اللهُ آدمَ وزوجَه إلى الأرضِ والعداوةُ قائمةٌ مستمرة بين بني آدم من جهة، وبين إبليس وذريته من جهة، ومنذ ذلك الحين وإبليس وذريته في صراع دائم مع بني آدم؛ لصدهم عن الهدى، وحرمانهم من الخير، وتزيين الشر لهم، وإبعادهم عما يرضي الله؛ حرصاً على شقائهم في الدنيا، ودخولهم النار في الآخرة.

ولكن الله _عز وجل_ لم يخلق خلقه سدى، ولم يتركهم هملاً، بل أرسل إليهم الرسل الذين يبيِّنون لهم عبادة ربهم، وينيرون لهم دروب الحياة، ويوصلونهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، فأخبر _سبحانه_ الجن والإنس أنه إذا أتاكم مني كتاب، أو رسول يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم من مرضاتي فاتَّبعوه؛ لأن من اتبع هدى الله، وآمن بكتبه ورسله، وما جاء في الكتب، وما أمرت به الرسل فإنه لا يخاف، ولا يضل، ولا يشقى، بل تحصل له السعادة في الدنيا والآخرة([2]).

وهكذا بدأت قصة البشرية، فعاش آدم ومِنْ بعده ذريته عشرةَ قرونٍ وهم على طاعة الله، وتوحيده، ثم حصل الشرك، وعُبِد غير الله مع الله؛ فبعث الله أول رسله وهو نوح _عليه السلام_ يدعو الناس إلى عبادة الله، ونبذ الشرك.

ثم تتابع الأنبياء والرسل من بعده على اختلافٍ بينهم في الأزمنة، والأمكنة، وبعض الشرائع، وتفاصيلها مع الاتفاق في الأصل وهو: الدعوة إلى الإسلام، وعبادة الله وحده، ونبذ ما يُعبد من دونه.

إلى أن جاء إبراهيم _ عليه السلام _ فدعا قومه إلى ترك عبادة الأصنام، وإفراد الله بالعبادة، ثم كانت النبوة في ذريته من بعده في إسماعيل وإسحاق، ثم كانت في ذرية إسحاق.

ومن أعظم الأنبياء من ذرية إسحاق: يعقوب، ويوسف، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى _ عليهم السلام _.

ولم يكن بعد عيسى نبي من بني إسرائيل.

وبعد ذلك انتقلت النبوة إلى فرعِ إسماعيل؛ فكان أن اصطفى الله _ عز وجل _ محمداً  صلى الله عليه وسلم  ليكون خاتماً للأنبياء والمرسلين، ولتكون رسالتُه هي الخاتمةَ، وكتابُه الذي أنزل إليه وهو القرآن هو رسالة الله الأخيرة للبشرية.

ولهذا جاءت رسالته شاملة، كاملة، عامة للإنس والجن، العرب وغير العرب، صالحة لكل زمان ومكان، وأمة وحال؛ فلا خير إلا دلَّت عليه، ولا شر إلا حذَّرت منه، ولا يقبل الله من أحد ديناً سوى ما جاء به محمد  صلى الله عليه وسلم .([3])



 الفصل الأول

 حقيقة الدين الإسلامي


 المبحث الأول: مفهوم الإسلام

أولاً: مفهوم الإسلام في اللغة: يُطْلَق لفظُ الإسلامِ في اللغة على معان كثيرة، وتكاد هذه المعاني تدور حول: الانقياد، والاستسلام، والطاعة، والإخلاص، وإظهار الخضوع، والقبول.([4])

ثانياً: إطلاقات الإسلام في القرآن الكريم: يطلق لفظ الإسلام في القرآن الكريم عدة إطلاقات، وهي نفس الإطلاقات التي ترد في اللغة، فمن تلك الإطلاقات الواردة في القرآن الكريم ما يلي:

أ_ الإسلام بمعنى الإخلاص: قال الله _تعالى_: [إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ] البقرة:131.

وقال _ عز وجل _: [وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ٞ] لقمان :22.

وقال _ جل ثناؤه _: [فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ] آل عمران:20.

ب_ الإسلام بمعنى الإقرار: ومنه قوله _تعالى_: [وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا] آل عمران:83. ([5])

ج_ الإسلام بمعنى التوحيد: قاله ابن الجوزي  رحمه الله  واستشهد بقول الله _تعالى_: [يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ] المائدة:44. ([6])

د. الإسلام بمعنى الاستسلام: قاله ابن الجوزي، واستشهد بقوله _تعالى_: [وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا] آل عمران:83. ([7])

وهناك أقوال أخرى لا يتسع المقام لذكرها.

 ثالثاً: معنى الإسلام في الاصطلاح العام: هو استسلام العبد، وخضوعه لله، والتزام ما أتى به نبي من الأنبياء، وإظهار ذلك.

أو هو: استسلام العبد لله ظاهراً وباطناً بفعل أوامره، واجتناب نواهيه بحسب ما جاء عن الله _ عز وجل _ على ألسنة رسله _ عليهم السلام _.([8])

 رابعاً: الإسلام الخاص: هو الاستسلام، والانقياد لله، والالتزام بما جاء به النبي محمد  صلى الله عليه وسلم .([9])

وهذا هو الدين الخاتم الذي ختم الله به جميع الأديان، والذي لا يقبل من أحد ديناً سواه، قال الله _عز وجل_:[إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ] آل عمران:19.

وقال _سبحانه_: [وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ]آل عمران: 85.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :  (  والذي نفس محمد بيده ! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار ) ([10]).


 المبحث الثاني: الإسلام دين الفطرة

الفطرة في اللغة: هي الخِلْقة ([11] قال ابن منظور  رحمه الله :  ( وفَطَر الله الخلق يفطرهم: خلقهم، وبدأهم.

والفطرة: الابتداء، والاختراع )  ([12]).

وقال:  ( الفطرة: ما فطر الله عليه الخلق من المعرفة به.

وقد فطره يَفْطُرُه بالضم فَطْراً: أي خلقه ) ([13]).

فهذا هو معنى الفطرة في اللغة.

أما في الشرع: فهي الإسلام على القول الراجح كما رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم _رحمهما الله تعالى_([14]).

فالفطرة من أعظم البواعث على التدين، وأدلة الشرع نصَّت على أن الإنسان نفسه مفطور على الإقرار بالخالق، والعبودية له.

قال ابن القيم  رحمه الله :  ( وذكروا عن عكرمة، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، والضحاك، وقتادة في قوله _عز وجل_: [فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ] (الروم:30) قالوا: [فِطۡرَتَ ٱللَّهِ]: دين الإسلام [لَاتَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ]: قالوا: لدين الله ) ([15]).

فكل مخلوق قد فُطر على الإيمان بخالقه، وأنه _ عز وجل _ رب كل شيء وخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم.

ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه ([16]).

قال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه ) .

وفي رواية:  ( إلا على هذه الملة )  وفي رواية  ( إلا على الملة ) ([17]).

وفي حديث عياض بن حمار  رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : يقول الله _تعالى_ في الحديث القدسي:  ( وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ) ([18]).

ثم إن الإنسان مفطور على اللجوء إلى ربه _تبارك وتعالى_ عند الشدائد، فإذا ما وقع الإنسان _أي إنسان_ حتى الكافر الملحد في شدة، أو أحدق به خطر _ فإن الخيالاتِ والأوهامَ تتطاير من ذهنه، ويبقى ما فُطِر عليه؛ ليصيح بأعلى صوته، ومن قرارة نفسه، وعميق قلبه، منادياً ربه؛ لِيُفَرِّجَ كربته وهمه، ويلجأ إليه وحده دون سواه.

وصدق الله _تعالى_ إذ يقول: [فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ] (العنكبوت: 65).

وليس المراد بأنه يولد على الفطرة أنه يولد عالماً بأمور الإسلام؛ فالله _سبحانه وتعالى_ يقول: [وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡ‍ٔٗا] (النحل:78).

وليس المراد _أيضاً_ أنه يولد ساذَجاً لا يعرف شركاً ولا توحيداً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم  قال:  ( إلا ويولد على الملة )  وفي رواية:  ( على هذه الملة ) .

بل المراد أن كل مولود يولد على محبته لفاطره، وإقراره له بربوبيته، وادعائه له بالعبودية، فلو خُلِّي وعدمَ المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية، والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه ويغذيه ([19]).

ولذلك قال  صلى الله عليه وسلم :  ( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) .

ولم يقل يسلمانه؛ لأنه باقٍ على الأصل، فاعتناق غير الإسلام يعد خروجاً عن الأصل والقاعدةِ بأسباب خارجة.

فكل مولود _ إذاً _ على وجه الأرض يولد على الفطرة، وهي دين الإسلام؛ فالمولود يولد مقرًّا بخالقه، محبًّا له، متوجهاً إليه.

فإذا بقي على هذه الفطرة فهو مسلم على الأصل، ولا يحتاج إلى تجديد الدخول في الإسلام إذا بلغ وعقل.

أما إذا نشأ بين أبوين غير مسلمين، واعتنق دينهما الباطل، أو كان معتنقاً أي دين غير الإسلام كان واجباً عليه أن يتخلى عن دينه السابق، ويدخل في دين الإسلام؛ فيشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم يبدأ بتعلم ما يقيم به شعائر دينه من إقامة الصلاة ونحو ذلك.

قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور مبيناً معنى كون الناس مفطورين على الدين الحنيف:  ( ومعنى فطر الناس على الدين الحنيف: أن الله خلق الناس قابلين لأحكام هذا الدين وجعل تعاليمه مناسبة لِخِلْقَتِهم غير مجافية لها، غير نائين عنه، ولا منكرين له مثل إثبات الوحدانية لله؛ لأن التوحيد هو الذي يساوق العقل, والنظر الصحيح، حتى لو ترك الإنسانُ وتفكيرَه، ولم يُلَقَّن اعتقاداً ضالاً لاهتدى إلى التوحيد بفطرته ) .

إلى أن قال  رحمه الله :  ( وكون الإسلام هو الفطرة، وملازمة أحكامه لمقتضيات الفطرة صفة اختص بها الإسلام من بين سائر الأديان في تفاريعه.

أما أصوله فاشتركت فيها الأديان الإلهية، وهذا ما أفاده قوله: [ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ] يوسف: 40 .

فالإسلام عام خالد مناسب لجميع العصور, وصالح بجميع الأمم، ولا يستتب ذلك إلا إذا بُنِيت أحكامه على أصول الفطرة الإنسانية؛ ليكون صالحاً للناس كافة, وللعصور عامة, وقد اقتضى وصف الفطرة أن يكون الإسلام سمحاً يسراً؛ لأن السماحة واليسر مبتغى الفطرة ) ([20]).

وقال رحمه الله  مبيناً معنى وصف الإسلام بأنه فطرة الله، قال:  ( فَوَصْفُ الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن أصل الاعتقاد فيه جارٍ على مقتضى الفطرة العقلية.

وأما تشريعاته وتفاريعه فهي: إما أمور فطرية _أيضاً_ أي جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به، وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته.

وقوانين المعاملات فيه هي راجعة إلى ما تشهد به الفطرة؛ لأن طلب المصالح من الفطرة ) ([21]).

وهكذا يتبين أن الإسلام هو الفطرة التي فطر اللهُ الناسَ عليها، وأن الإنسان مفطورٌ على الإقرار بالخالق، والعبودية له؛ فهذا هو التدين، وذلك باعثه؛ فهذا مقتضى ما دلَّت عليه النصوص صراحة.

كما دلَّت النصوص _أيضاً_ على: أن هذه الفطرة والإقرارَ بالخالق إلهاً وربًّا قابلة للتأثر، والتغير، والانحراف بفعل مؤثرات خارجية، وأن هذه المؤثراتِ التي تؤدي إلى انحراف الفطرة عن وجهتها الصحيحة على ضوء هذه الأدلة ثلاثة:

1. الشياطين: وهي المؤثر الأصلي والأول على هذا الأمر، كما دل على ذلك حديث عياض بن حمار رضي الله عنه  المتقدم.

والشياطين شامل لشياطين الجن والإنس ممن يسعون لصرف الناس عن فطرتهم، وإقبالهم على ربهم.

2. الأبوان: كما في الحديث السابق، في قوله صلى الله عليه وسلم :  ( فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه ) .

وهذا المؤثر من أقوى المؤثرات؛ لشدة التصاق الأولاد بآبائهم، وقوة تأثير الآباء عليهم.

وقد يقوم المجتمع، والإعلام بدور الأبوين أو أشد من جهة صرف الناس عن مقتضى الفطرة.

3. الغفلة: وهي من أشد المؤثرات الصارفة عن الفطرة؛ فالغفلة بمباهج الدنيا، والاشتغال بنعيمها قد يُنسي الإنسان ربه، ويصرفه عن فطرته التي فَطَره الله عليها.

وقد ذكر الله ذلك في القرآن الكريم، كما في قوله _تعالى_: [وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢ أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ] الأعراف: 172_173 .

فهذه الآية تبين أن الغفلة من أعظم أسباب الانصراف عن الفطرة([22]).

ولسائل أن يسأل فيقول: ما فائدة الفطرة طالما أنها على تلك الحال من التأثر بهذه المؤثرات الخارجية التي تؤدي إلى انحرافها، ولا يكاد الإنسان ينفك عن واحد من هذه المؤثرات والصوارف، أو كلها؟

والجواب عن ذلك أن يقال: إن حكمة الله اقتضت جعل الفطرة بهذه الحال ليتحقق الغرض من ابتلاء الإنسان بالخير والشر ومن ثم جزاؤه على عمله، إذ لو كانت الفطرة قوية لا تتأثر بشيء لما وقع الكفر والانحراف في بني آدم، بل صاروا غير قابلين للكفر فلا يتحقق الإبتلاء، ولله الحكمة البالغة.

ومع ذلك فإن لهذه الفطرة فوائد عديدة منها:

أولاً: أن هذه الفطرة غرزت في النفس البشرية التدين والتعبد لله _تعالى_.

فإذا لم يهتد الإنسان إلى الله عز وجل فإنه يُعبد نفسه لأي معبود آخر ليشبع في ذلك نهمته إلى التدين، وذلك كمن استبد به الجوع فإنه إذا لم يجد الطعام الطيب الذي يناسبه فإنه يتناول كل ما يمكن أكله ولو كان خبيثاً ليسد به جوعته.

وهذا ما يفسر لنا وجود التدين عند عموم البشر وقد يكون الدين والمعبود في كثير من الأحيان باطلاً.

ثانياً: أن هذه الفطرة جعلت في جبلة الإنسان قبول العبودية والانسجام مع لوازمها، وهذا من الأمور المهمة للإنسان، لأن كل ما لا يتفق مع الفطرة فإن النفس تنفر منه ولا تستجيب لمتطلباته.

ثالثاً: أن هذه الفطرة مرجحة للحق، فإذا تعرف الإنسان على دينين حق وباطل، فإن الفطرة تميز بينهما وتميل إلى الحق بل يقع ذلك في قرارة النفس ويتيقن القلب منه، فإما أن يعلن ذلك ويلتزم به، أو لا يستجيب له بسبب هوى، أو خوف، أو إلف وتقليد ونحو ذلك من الصوارف عن الحق، كما قال _عز وجل_ عن فرعون وقومه: [وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ] النمل آيه (14) .

رابعاً: أن هذه الفطرة تهب للمهتدي يقينا بالحق الذي هو عليه وإن لم يكن عنده من الأدلة النظرية ما يهبه هذا اليقين، وهذا يفسر لنا _والله أعلم_ عدم ترك المسلم لدينه رغبة عنه وما ذلك إلا لتناسبه مع فطرته، فيعطيه ذلك يقيناً بأنه الحق، وكذلك من اهتدى إلى الإسلام من ذوي الأديان الأخرى الباطلة، فإنه يتمسك به تمسك الغريق بحبل النجاة، وما ذلك إلا لتيقنه من أن هذا الدين هو الحق، لتناسبه وانسجامه مع الفطرة. والله أعلم([23]).


 المبحث الثالث: الله – جل جلاله– وقدرته – عز وجل–

تمهيد:

الحديث في هذا المبحث سيتناول شيئاً من التعريف بالله _جل جلاله_ وبعموم قدرته _عز وجل_.

أما الحديث عن إثبات وجود الله _عز وجل_ وأدلة وحدانيته فسيكون عند الحديث عن الركن الأول من أركان الإيمان، ألا هو الإيمان بالله حيث سيكون هناك تفصيل في أدلة الوحدانية.

أما هذا المبحث فسيدور حول العلم بالله _جل جلاله_ وعموم قدرته _تبارك وتعالى_.

المطلب الأول: الله _جل جلاله_

ٱللَّهُ: هو رب كل شيء ومليكه، الخالق وحده، المدبر للكون كله، العالم بكل شيء، المحيي، المميت، الرزاق، القادر، المتصف بكل كمال، المتنزه من كل نقص وعيب، المستحق للعبادة وحده.

قال الله _ عز وجل _ معرفاً عباده بنفسه: [هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَافِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ] الحشر.

وقال _ جل ثناؤه _: [ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَ‍ُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ] البقرة: 255 .

وقال: [ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ] الحج: 62 .

وقال: [قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ] الإخلاص.

ولله _عز وجل_ أسماء كثيرة سمى بها نفسه، وقد ورد في الآيات السابقة شيء منها، والقرآن الكريم والسنة المطهرة حافلان بذكر أسماء الله _عز وجل_.

وكل اسم من تلك الأسماء يتضمن صفة يتصف بها الله _تبارك وتعالى_([24]).

هذا وإن أشهر تلك الأسماء، وأعظمها، وأجلها هو اسم (ٱللَّه).

ولهذا الاسم خصائص كثيرة منها ما يلي:

1_ أنه اسم الله الأعظم: حيث ذكر ذلك جماعة من أهل العلم، وبينوا أن الله _ هو الاسم الأعظم الذي إذا دعي به الرب أجاب، وإذا سئل به أعطى.

2_ أن هذا الاسم هو الأصل لجميع أسماء الله الحسنى، وسائر الأسماء مضافة إليه، ويوصف بها، قال الله _تعالى_: [وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ] الأعراف: 180 .

وقال _تعالى_: [ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ] طه: 8 .

وقال _تعالى_: [هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَافِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ] الحشر: 22_24 .

ويقال: الرحمن الرحيم الخالق الرزاق العزيز الحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن الرحيم، أو من أسماء العزيز، ونحو ذلك.

3_ أن هذا الاسم مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دالٌّ عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي هي صفات الجلال والكمال والعظمة؛ فهو الاسم الذي ترجع سائر أسماء الله الحسنى إليه، وتدور معانيها عليه.

4_ أنه الاسم الذي اقترنت به عامة الأذكار المأثورة، فالتهليل، والتكبير، والتحميد، والتسبيح، والحوقلة، والحسبلة، والاسترجاع، والبسملة، وغيرها من الأذكار مقترنة بهذا الاسم غير منفكة عنه، فإذا كَبَّر المسلم ذكر هذا الاسم، وإذا حمد ذكره، وإذا هلل ذكره، وهكذا في عامَّة الأذكار.

5_ أنه أكثر أسماء الله الحسنى وروداً في القرآن الكريم، فقد ورد هذا الاسم في القرآن أكثر من ألفين ومائتي مرة، وهذا ما لم يقع لاسم آخر، وقد افتتح الله _جل وعلا_ به ثلاثاً وثلاثين آية([25]).

وأما معنى هذا الاسم فأصله  ( الإله )  وهو بمعنى المعبود، و ( الإله )  اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في القرآن الكريم، قال الله _تعالى_: [وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ] البقرة: 163 .

وقال _تعالى_: [وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ] التوبة: 31 .

وقال _تعالى_: [قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ] الأنبياء: 108 .

هذا وإن أجمع وأحسن ما قيل في معنى  ( الله )  ما ورد عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أنه قال:  ( الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين )  رواه ابن جرير في تفسيره([26]).

فقد جمع رضي الله عنه  في هذا التفسير بين أمرين:

الأول: الوصف المتعلق بالله من هذا الاسم الكريم، وهو الألوهية التي هي وصفه الدالُّ عليها لفظ  ( الله )  كما دلَّ على العلم _الذي هو وصفه_ لفظ  ( العليم )  وكما دل على العزة _التي هي وصفه_ لفظ  ( العزيز )  وكما دل على الحكمة _التي هي وصفه_ لفظ  ( الحكيم )  وكما دل على الرحمة _التي هي وصفه_ لفظ  ( الرحيم )  وغيرها من الأسماء الدالة على ما قام بالذات من مدلول صفاتها.

فكذلك الله هو ذو الألوهية، و الألوهية التي هي وصفه هي الوصف العظيم الذي استحق أن يكون به إلهاً، بل استحق أن لا يشاركه في هذ الوصف العظيم مشارك بوجه من الوجوه.

وأوصاف الألوهية هي جميع أوصاف الكمال وأوصاف الجلال والعظمة والجمال، وأوصاف الرحمة والبر والكرم والامتنان؛ فإن هذه الصفات هي التي يستحق أن يُؤْلَه ويُعبد لأجلها؛ فيؤله لأن له أوصافَ العظمة والكبرياء، ويؤله لأنه المتفرد بالقيومية والربوبية والملك والسلطان، ويؤله لأنه المتفرد بالرحمة وإيصال النعم الظاهرة والباطنة إلى جميع خلقه، ويؤله لأنه المحيط بكل شيء علماً وحكماً وحكمةً وإحساناً ورحمـةً وقـدرةً وعزةً وقهراً، ويؤله لأنه المتفرد بالغنى المطلق التام من جميع الوجوه، كما أن ما سواه مفتقر إليه على الدوام من جميع الوجوه، مفتقر إليه في إيجاده وتدبيره، مفتقر إليه في إمداده ورزقه، مفتقر إليه في حاجاته كلها، مفتقر إليه في أعظم الحاجات وأشد الضرورات، وهي افتقاره إلى عبادته وحده والتأله له وحده، فالألوهية تتضمن جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا.

الثاني: الوصف المتعلق بالعبد من هذا الاسم، وهو العبودية، فالعباد يعبدونه ويألهونه، قال الله _تعالى_: [وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ] الزخرف: 84 .

أي: يألهه أهل السماء وأهل الأرض طوعاً وكرهاً، فكلهم خاضعون لعظمته، منقادون لإرادته ومشيئته، عانون لعزته وقيُّوميَّته.

وعباد الرحمن يألهونه ويعبدونه، ويبذلون له مقدورهم من التأله القلبي والروحي والقولي والفعلي بحسب مقاماتهم ومراتبهم، وقد جمع الله هذين المعنيين في عدة مواضع من القرآن، مثل قوله _تعالى_: [إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ] طه: 14 .

وقوله: [وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ] الأنبياء: 25 .

وقوله: [فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا] مريم: 65([27]).

هذا وسيرد مزيد بيان للعلم بالله _جل جلاله_ عند الحديث عن أركان الإسلام، وأركان الإيمان.

المطلب الثاني: قدرة الله _عز وجل_

القدرة صفة من صفات الله الثابتة له _عز وجل_ وهي القدرة التامة الكاملة _على ما سيأتي بيانه_.

ومن أسمائه _تبارك وتعالى_ القدير، والقادر، والمقتدر.

وجميع هذه الأسماء وردت في القرآن، وأكثرها وروداً  ( القدير )  ثم  ( القادر )  ثم  ( المقتدر )  قال _تعالى_: [وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ] البقرة: 284 .

وقال _تعالى_:[إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا] فاطر: 44 .

وقال _تعالى_: [قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ] الأنعام: 65 .

وقال _تعالى_:[وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا] الكهف: 45 .

وجميعها تدل على ثبوت القدرة صفة لله، وأنه _سبحانه_ كامل القدرة؛ فبقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دَبَّرها، وبقدرته سوَّاها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن، فيكون.

وبقدرته يقلب القلوب ويصرِّفها على ما يشاء ويريد، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، والبرَّ بَرّاً، والفاجر فاجراً.

ولكمال قدرته لا يحيط أحدٌ بشيء من علمه إلا بما شاء أن يُعلِّمه إياه، ولكمال قدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، لا يعجزه أحدٌ من خلقه ولا يفوته، بل هو في قبضته أين كان، الذي سَلِمَتْ قدرتُه من اللُّغوب والتعب والإعياء والعجز عما يريد.

ولكمال قدرته كلُّ شيء طَوْعَ أمره وتحت تدبيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن([28]).

ومن أصول الإيمان العظيمة الإيمان بالقدر، قال الله _تعالى_: [إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ] القمر: 49 .

وقال _تعالى_:[ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا] الأحزاب: 38 .

وقال _تعالى_: [وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا] الفرقان: 2 .

وروى مسلم في  ( صحيحه ) ([29]) عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال:  ( جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم  في القدر، فنزلت: [إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧ يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ٤٨ إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ] القمر: 47_49 .

ومَن لا يؤمن بالقدر لا يؤمن بالله _عز وجل_ قال الإمام أحمد رحمه الله :  ( القدر قدرة الله ) ([30]).

فإنكار القدر إنكار لقدرة الله _عز وجل_ وجحد صفاته _سبحانه_ أو شيء منها يتنافى مع الإيمان به _سبحانه_؛ إذ من أصول الإيمان به الإيمان بأقداره.

قال ابن عباس _رضي الله عنهما_:  ( القدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله _عز وجل_ وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحّد الله _تعالى_ وكذّب القدر نقض التوحيد ) ([31]).

وقال عوفٌ سمعت الحسن يقول:  ( من كذَّب بالقدر فقد كذَّب بالإسلام، إن الله _تبارك وتعالى_ قدَّر أقداراً، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر ) ([32]).

والإيمان بالقدر من أجلّ أوصاف أهل العلم به، روى ابن جرير في  ( تفسيره )  عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ في قوله _تعالى_: [إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ] فاطر: 28 .

قال: الذين يقولون: [أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ].

هذا وسيرد مزيد بيان لصفة القدر، وآثارها الحميدة عند الحديث عن الركن السادس من أركان الإيمان، وهو (الإيمان بالقدر).


 المبحث الرابع: البر وآثاره العميقة

أولاً: مفهوم البر: البر من الألفاظ الشرعية العظيمة التي ترد كثيراً في القرآن والسنة.

وهو لفظ يحمل في طياته معاني جامعة، وآثاراً عميقة تدور حول كل خير وفلاح ديني أو دنيوي.

ولهذا تنوعت عبارات العلماء وأقوالهم في تفسير معنى البر، فقال بعضهم: البر: الصلاح.

وقال بعضهم: الخير.

وقال الزجاج: قال بعضهم: كل ما تُقُرِّب به إلى الله _عز وجل_ من عمل الخير.

وقال أبو منصور: البر: خير الدنيا والآخرة؛ فخير الدنيا: ما ييسره الله للعبد من الهدى والنعمة والخيرات.

وخير الآخرة: الفوز بالنعيم الدائم في الجنة. ([33])

ومن أحسن من عرَّف البرَّ الشيخُ عبدُالرحمنِ السعديُّ رحمه الله  حيث قال:  ( البر اسم جامع يدخل فيه العقائدُ الإيمانية، وأعمالُ القلوب، وأعمال الجوارح، ويدخل فيه جميع المأمورات، وترك المنهيات ) ([34]).

وهذا التعريف الجامع يغني عن كثير من الكلام في مفهوم البر.

ثانياً: ورود البر في القرآن الكريم: ورد لفظ البر في القرآن الكريم كثيراً؛ وجاء على تصاريف مختلفة، وفي سياقات متنوعة، فمن ذلك:

1_ أنه جاء بمعنى الصلة: قال الله _تعالى_: [وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ] البقرة:224.

وقوله: [لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ] الممتحنة:8.

2_ أنه جاء بمعنى الطاعة: وذلك كما في قوله _ تعالى _: [وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ] مريم:14.

وقوله _ جل ثناؤه _: [وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي] مريم:32.

3_ أنه جاء بمعنى فعل الطاعات: وذلك كما في قوله _ تعالى _: [وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ] المائدة:2.

فالبر إذا جُمِعَ بينه وبين التقوى صار البرُّ اسماً لفعل الطاعات، والتقوى اسماً لترك المناهي.

4_ أنه جاء بمعنى التقوى: فعند الإطلاق يأتي البر بمعنى التقوى، كما في قوله _تعالى_: [لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ] آل عمران: 92.

وقوله _ عز وجل _: [لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ] البقرة:177.

وقوله: [أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ] البقرة:44. ([35])

ثالثاً: البر في السنة النبوية: ورد ذكر البر في السنة النبوية كثيراً، ومعاني البر في السنة هي نفس معانيه الآنفة الذكر، وربما فُسِّرَ البر في السنة بمعانٍ أخرى غير ما ذكر؛ حيث فُسِّر بحسن الخلق، وفُسِّر بطمأنينة النفس، وفسر بغير ذلك.

ومما ورد في هذا الشأن ما جاء في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ( البر حسن الخلق, والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ) . ([36])

وعن وابصة بن معبد, قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:  ( جئت تسأل عن البر والإثم؟ )  قلت: نعم.

قال:  ( استفت قلبك؛ البرُّ ما اطمأنت إليه النفس, واطمأن إليه القلب, والإثم ما حاك في النفس, وتردَّد في الصدر, وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ([37]).

قال ابن رجب  رحمه الله  في شرح الحديثين السابقين:  ( وإنما اختلف تفسيره للبر؛ لأن البر يطلق باعتبارين مُعَيَّنَيْنِ:

أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإحسان إليهم، وربما خُصَّ بالإحسان إلى الوالدين: فيقال: برُّ الوالدين، ويطلق كثيراً على الإحسان إلى الخلق عموماً، وقد صنف ابنُ المبارك كتاباً سماه  ( كتاب البرِّ والصلة ) ، وكذلك في  ( صحيح البخاري )  و (  جامع الترمذي  )  : كتاب  ( البر والصلة ) ، ويتضمن هذا الكتاب الإحسان إلى الخلق عموماً، ويقدَّم فيه برُّ الوالدين على غيرهما.

وفي حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أنَّه قال: يا رسول الله مَنْ أبرُّ؟ قالَ :  ( أمك ) ، قالَ : ثُمَّ من ؟ قال :  ( ثم أباك ) ، قال : ثم من ؟ قالَ :  ( ثُمَّ الأقرب فالأقرب ) ([38]) .

ومن هذا المعنى : قول النَّبيِّ ﷺ‬ :  ( الحجُّ المبرور ليس لهُ جزاءٌ إلاَّ الجنَّة ) ([39]) . وفي المسند ([40]) : أنَّه ﷺ‬ سُئِلَ عن برِّ الحجِّ ، فقال :  ( إطعامُ الطَّعام ، وإفشاءُ السلام ) ، وفي روايةٍ أخرى :  (  وطيبُ الكلام ) ([41]) .

وكان ابنُ عمر _رضي الله عنهما_ يقول: البرُّ شيءٌ هيِّنٌ: وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّنٌ([42]).

وإذا قرن البرُّ بالتَّقوى ، كما في قوله ﷻ‬ : [وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ] المائدة : 2.

فقد يكون المرادُ بالبرِّ معاملةَ الخلق بالإحسّان ، وبالتَّقوى : معاملة الحقِّ بفعل طاعته ، واجتناب محرَّماته.

وقد يكونُ أُريد بالبرِّ : فعل الواجبات ، وبالتقوى : اجتناب المحرَّمات، وقوله _تعالى_:[وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ] المائدة : 2.

قد يُراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظُلم الخلق، وقد يُراد بالإثم: ما هو محرَّم في نفسه كالزِّنى، والسرقة، وشُرب الخمر، وبالعُدوان: تجاوز ما أذن فيه إلى ما نُهي عنه ممَّا جنسُه مأذونٌ فيه، كقتل مَن أُبيح قتلُه لِقِصاصٍ، ومن لا يُباح ، وأخذُ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الجلد في الذي أمر به في الحدود ونحو ذلك ) ([43]) .

ثم بين ابن رجب  رحمه الله  المعنى الثاني فقال:  ( والمعنى الثاني من معنى البرِّ: أنْ يُراد به فعلُ جميع الطاعات الظاهرة  والباطنة، كقوله _تعالى_ : [لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ] البقرة: 177 .

وقد رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ‬ سئل عن الإيمان ، فتلا هذه الآية([44]) .

فالبرُّ بهذا المعنى يدخل فيه جميعُ الطاعات الباطنة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأموال فيما يحبُّه الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزّكاة، والوفاء بالعهد، والصَّبرِ على الأقدار، كالمرض والفقر، وعلى الطَّاعات، كالصَّبر عِند لقاءِ العدوِّ ) ([45]).

ويواصل ابن رجب بيانه لمعنى البر فيقول:  ( وقد يكون جوابُ النَّبيِّ ﷺ‬ في حديث النوَّاس شاملاً لهذه الخصال كلِّها ؛ لأنَّ حُسنَ الخُلق قد يُراد به التخلُّقُ بأخلاق الشريعة، والتأدُّبُ بآداب الله التي أدَّبَ بها عبادَه في كتابه، كما قال _تعالى_ لرسول الله ﷺ‬: [وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ]القلم: 4 .

وقالت عائشة :  ( كان خُلُقُه ﷺ‬ القرآن ) ([46]).

يعني : أنَّه يتأدَّب بآدابه ، فيفعل أوامرَه ويجتنب نواهيه ، فصار العملُ بالقرآن له خُلقا كالجبلَّة والطَّبيعة لا يُفارِقُه ، وهذا أحسنُ الأخلاق وأشرفُها وأجملُها([47]) .

وقد قيل : إنَّ الدِّين كلَّه خُلُقٌ . وأما في حديث وابصة، فقال:  ( البرُّ ما اطمأنَّ إليه القلبُ، واطمأنت إليه النفس ) ([48]).

وفي رواية:  ( ما انشرح إليه الصَّدرُ ) ([49]).

وفسر الحلالَ بنحوِ ذلك كما في حديث أبي ثعلبة وغيره، وهذا يدلُّ على أنَّ الله فطرَ عبادَه على معرفة الحق، والسكون إليه وقبوله، وركَّز في الطباع محبةَ ذلك ، والنفور عن ضدِّه ) ([50]) .

وهكذا يتبين لنا شيء من معاني البر وآثاره العميقة.


 المبحث الخامس: الأخلاق في الإسلام

للأخلاق منزلة سامية في دين الإسلام، وفيما يلي ذكر لبعض المسائل في هذا الشأن.

أولاً: تعريف كلمة الأخلاق: الأخلاق جمع خُلُق، والخُلُقُ، والخُلْقُ: الطبيعة والسجية، وتجمع على أخلاق.

قال ابن منظور:  ( وفي التنزيل [وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ] القلم:4 .

والجمع أخلاق لا يُكَسَّر([51]) على غير ذلك،والخُلْقُ والخُلُقُ السجية ) ([52]).

وقال:  ( الخُلق بضم اللام وسكونها،وهو الدين،والطبع،والسجية ) ([53]).

وقال الجاحظ:  ( الخلق:هو حال النفس بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار.

والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعاً،وفي بعضهم لا يكون إلاّ بالرياضة والاجتهاد )  ([54]).

ثانياً: تعريف حسن الخلق: حسن الخلق مركب من كلمتين، كلمة حسن، وكلمة الخلق، أما كلمة الخلق فقد مضى تعريفها، وأما كلمة حسن فقد قال:  ابن منظور:  ( الحسن ضد القبح ونقيضه ) ([55]).

وقال عن الأزهري:  ( الحسن نعت لما حسن ) ([56])..

وقال عن الجوهري:  ( والجمع محاسن على غير قياس كأنه جمع محسن )  ([57]).

وقال:  ( والمحاسن في الأعمال ضد المساوئ ) ([58]).

فهذا هو معنى كلمة حسن.

أما حسن الخلق باعتبار تركيبه فقد عُرِّف بتعريفات عديدة متقاربة، ويمكن أن يُعَرَّف، فيقال: حسن الخلق: هو التحلي بالفضائل والمكارم كطلاقة الوجه، ولين الجانب، وطيب الكلام، وكرم النفس، وكف الأذى، وبذل الندى، وسلامة الصدر، والحلم، والصبر، والعفو، والشجاعة،  ونحو ذلك من مكارم الأخلاق مع البعد عما يضاد ما ذُكر.

فهذا من أيسر ما يوضحُ معنى حسن الخلق، وسيتبين فيما يلي أمور توضح حسن الخلق بصورة أجلى.

ثالثاً: معنى الخلق الحسن:  قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) .([59])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :  ( وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام،والإكرام،والدعاء له،والاستغفار،والثناء عليه،والزيارة له.

وتعطي من حرمك من التعليم،والمنفعة والمال، وتعفو عمن ظلمك في دم،أو مال،أو عرض.

وبعض هذا واجب،وبعضه مستحب ) ([60]).

رابعاً: معنى الخلق العظيم: قال الله _ عز وجل _ في وصف نبيه محمد  صلى الله عليه وسلم : [وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ] (القلم:4).

فسبحانه ما أعظم شأنه، وأتم امتنانه، انظر إلى عظيم فضله، وعميم لطفه؛ كيف أعطى ثم أثنى؟ !([61])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :  ( فأما الخلق العظيم الذي وَصَف اللهُ به محمداً  صلى الله عليه وسلم فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقاً، هكذا قال مجاهد، وغيره.

وهو تأويل القرآن، كما قالت عائشة _رضي الله عنها_:  ( كان خلقه القرآن ) ([62]).

وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحبه الله _تعالى_ بطيب نفس، وانشراح صدر ) ([63]).

وقال ابن القيم رحمه الله في تفسير الآية السابقة:  ( قال ابن عباس ومجاهد: لعلى دين عظيم، لا دين أحبَّ إليَّ، ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام.

وقال الحسن: هو آداب القرآن.

وقال قتادة: هو ما كان يأمر به من أمر الله، وينهى عنه من نهي الله.

والمعنى أنك على الخلق الذي آثرك الله به في القرآن ) ([64]).

وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله :  ( والخلق العظيم: هو الخلق الأكرم في نوع الأخلاق, وهو البالغ أشد الكمال المحمود في طبع الإنسان؛ لاجتماع مكارم الأخلاق في النبي صلى الله عليه وسلم  فهو حُسْنُ معامَلَتِهِ الناسَ على اختلاف الأحوال المقتضية لحسن المعاملة؛ فالخلق العظيم أرفع من مطلق الخلق الحسن ) ([65]).

وقال:  ( اعلم أن جماع الخلق العظيم الذي هو أعلى الخلق الحسن: هو التدين، ومعرفة الحقائق، وحلم النفس، والعدل، والصبر على المتاعب، والاعتراف للمحسن، والتواضع، والزهد، والعفة، والعفو، والجود، والحياء، والشجاعة، وحسن السمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن المعاملة والمعاشرة.

والأخلاق كامنة في النفس, ومظاهرها تصرفات صاحبها في كلامه، وطلاقة وجهه، وثباته، وحكمه، وحركته وسكونه، وطعامه وشرابه، وتأديب أهله ومَنْ لِنَظره، وما يترتب على ذلك من حرمته عند الناس, وحسن الثناء عليه والسمعة.

وأما مظاهرها في رسول الله صلى الله عليه وسلم  ففي ذلك كله, وفي سياسته أُمَّتَهُ، وفيما خُصَّ به من فصاحة كلامه، وجوامع كلمه ) ([66]).

خامساً: فضائل حسن الخلق: لقد جاءت الشريعة الإسلامية بما يبيِّن أن لحسن الخلق فضائل عظيمة تنتظم خيري الدنيا, والآخرة، ومن ذلك ما يلي:

1_ أنه امتثال لأمر الله _عز وجل_ قال _تعالى_: [خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ] الأعراف:199.

2_ أنه طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم فلقد أمر بحسن الخلق بأحاديث كثيرة, ومنه الحديث الذي بين أيدينا حديث معاذ  رضي الله عنه , وفيه:  ( وخالق الناس بخلق حسن ) .

3_ أنه اقتداء بالنبي  صلى الله عليه وسلم : والله _عز وجل_ يقول: [لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ] الأحزاب: 21.

4_ رفعة الدرجات: قال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( إن العبد لَيَبْلُغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم ) ([67]).

5_ أنه أعظم ما يدخل الجنة: قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( أعظم ما يدخل الجنة: تقوى الله, وحسن الخلق ) ([68]).

6_ القرب من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: قال صلى الله عليه وسلم :  ( إن من أَحَبِّكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ) ([69]).

7_ نيل محبة الله _عز وجل_: فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسنا الطير, ما يتكلم منا مُتَكَلِّم إذا جاءه أناسٌ فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله؟ قال:  ( أحسنهم أخلاقاً ) ([70]).

8_ حسن الخلق أثقل شيء في الميزان يوم القيامة: فعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق ) ([71])

9_ زيادة الأعمار, وعمارة الديار: قال  صلى الله عليه وسلم :  ( حسن الخلق, وحسن الجوار يعمران الديار, ويزيدان في الأعمار ) ([72]).

10_ كسب القلوب, وتيسير الأمور, والسلامة من شر الخلق

11_ حسن الخلق مدعاة للذكر الحسن، وزيادة العلم.

12_حسن الخلق سبب لراحة البال, وطيب العيش, والسلامة من مضار العيش والعجلة([73]).

سادساً: هل يمكن اكتساب الأخلاق الحسنة أو لا يمكن؟: الجواب عن ذلك أن يقال: إن الأخلاق, والطباع _كما أنها غريزية, فطرية, جِبِلِّيَّة_ هي كذلك اكتسابية تخلُّقيّة تتأتَّى بالدَّرَبة, والمجاهدة, والأخذ بالأسباب.

قال الله _تعالى_: [إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ] الرعد: 11 .

وقال _تعالى_: [قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا] الشمس: 9.

وقال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( إنما العلم بالتعلم, إنما الحلم بالتحلُّم, ومن يتحرَّ الخير يعطه, ومن يتوقَّ الشر يوقَّه ) ([74]).

وقال  صلى الله عليه وسلم :  ( وخالق الناس بخلق حسن ) ([75]).

فهذه النصوص وغيرها كثير تدل على أن تغيير الطباع والأخلاق وارد ممكن؛ فليس متعذِّراً, ولا مستحيلاً, خلافاً لمن يرى أنها ثابتة في الإنسان لا يمكن أن تتغير؛ بحجة أنها غرائز فطر عليها, وطباع جُبل على التحلي بها؛ فلا يمكنه تغييرها, ولا يتصور فكاكه عنها.

ولو كانت الأخلاق لا تتغير لبطلت الوصايا, والمواعظ, والتأديبات, ولكان الأمر بالتحلي بالفضائل, والتخلي عن الرذائل من التكليف بما لا يطاق, ولا يقول بهذا عاقل.

أما إذا جُبِل المرء على مكارم الأخلاق, ثم سقاها بماء المكرمات, وأدبها بآداب الشريعة الغراء, ونمَّاها بالممارسة, والمران _فذاك نور على نور, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء([76]).



 الفصل الثاني

 مصادر التشريع في الدين الإسلامي



 تمهيد

الكتاب والسنة هما مصدر التشريع في الدين الإسلامي؛ فمنهما تُسْتَمد عقائد الإسلام، وشرائعه، وأحكامه، وآدابه، وما جرى مجرى ذلك.

وسيتم بيان ذلك في المباحث التالية بشيء من البسط، والإيضاح، وذلك من خلال بيان مفهوم الكتاب والسنة، وأدلة مصدريتهما، وما يدور في ذلك الفلك.



 المبحث الأول: ما هية القرآن ومصداقيته

 أولاً: ماهية القرآن الكريم

أ_ تعريف القرآن لغة: يرى بعض علماء اللغة أن لفظ (القرآن) مصدر على وزن فُعْلان كالغفران، والشكران، والرجحان، مأخوذ من قرأ، قراءة، وقرآناً.

ويرى بعضهم أن القرآن اسمُ عَلَمٍ غير مشتق، ولم يؤخذ مِنْ: قَرأ، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل سائر الكتب السماوية كالتوراة، والإنجيل.

وقال بعضهم: معنى القرآن: الجمع؛ وسمي قرآناً لأنه يجمع السور، فيضمها.([77])

ب_ تعريف القرآن شرعاً: عرف العلماء القرآن بتعريفات كثيرة، ومن أجمع تلك التعريفات وأحسنها قولهم:  ( القرآن كلام الله المعجز المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم  المنقول تواتراً المتعبد به تلاوة ) .([78])

فمعنى كونه  ( كلام الله المعجز ) : أي أنه ليس بكلام إنس، ولا جان، ولا ملائكة، ولا نبي أو رسول؛ فهو كلام الله _ عز وجل _ تكلم به حقيقة على ما يليق به _عز وجل_.

ويخرج بقولنا:  ( المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم  ) : باقي الكتب المنزلة على الرسل _عليهم السلام_ من قَبْلِ محمد  صلى الله عليه وسلم  كصحف إبراهيم، والتوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى _ عليهم السلام _.

ومعنى  ( تواتراً ) : أي ما قيل: إنه قرآن ولم يتواتر.

ويخرج بقولنا:  ( المتعبد به تلاوةً ) : الحديث القدسي، فإنه غير متعبد بتلاوته، وإن كان منسوباً إلى الله _ عز وجل _.([79])

ج_ أسماء القرآن الكريم: سمى الله _عز وجل_ القرآن الكريم بأسماءٍ كثيرة تزيد على خمسين اسماً، ومن أشهرها ما يلي:

الكتاب؛ لأنه يجمع أنواعاً من القصص، والآيات، والأحكام، والأخبار على أوجه مخصوصة.

والذِّكْر؛ وذلك لما فيه من المواعظ، والتحذير، وأخبار الأمم الماضية.

ولما فيه من الشرف، والعز لمن آمن به، وصدَّق بآياته؛ وذلك لأن القرآن يفرق بين الحق والباطل([80]).

 ثانياً: مصداقية القرآن ومنزلته وسلامته من التحريف

القرآن آخر الكتب السماوية وهو خاتمها، وهو أطولها، وأشملها، وهو الحاكم عليها.

قال الله _تعالى_: [وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ] (المائدة: 48).

وقال _تعالى_: [وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ] (يونس: 37).

وقال: [مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ] (يوسف: 111).

قال أهل التفسير في قوله _تعالى_: [وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ]: مهيمناً وشاهداً على ما قبله من الكتب، ومصدقاً لها؛ يعني يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف، وتبديل، وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير.

ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه كما قال _تبارك وتعالى_: [ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ] (القصص:52_53).

ولا يقبل الله من أحد ديناً إلا ما جاء في هذا القرآن العظيم([81]).

قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي  رحمه الله  في قوله _تعالى_: [وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ]:  ( أي مشتملاً على ما اشتملت عليه الكتب السابقة وزيادة في المطالب الإلهية، والأخلاق النفسية؛ فهو الكتاب الذي يتبع كل حق جاءت به الكتب، فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه.

وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود قد دخله التحريف والتبديل، وإلا لو كان من عند الله لم يخالفه ) ([82]).

والقرآن الكريم رسالة الله الأخيرة للبشرية، بل هو عامٌّ للجن والإنس؛ بخلاف الكتب السماوية الأخرى التي كانت خاصة بأقوام معينين، وفترات معينة.

ثم إن القرآن محفوظ من الزيادة، والنقص، والتحريف؛ فلقد تكفل الله _سبحانه_ بحفظه، قال _تعالى_: [إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ] (الحجر:9)، والذكر هو القرآن.

قال المفسرون في تفسير هذه الآية: أي نحن نزلنا هذا القرآن، [وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ]: أي عن كل ما لا يليق به من تصحيف، وتحريف، وزيادة، ونقص، ونحو ذلك؛ فلا يستطيع أحدٌ أن يزيد فيه باطلاً، ولا ينقص منه حقًّا([83]).

والقرآن له أثر عظيم في القلوب؛ فما يسمعه أحد وهو مُلْقٍ سَمْعَهُ إلا يجد أن له تأثيراً عظيماً في نفسه، ولو لم يفهم معانيه أو دلالاته، حتى ولو لم يكن يعرف اللغة العربية.

وهذا سرٌّ من أسرار القرآن التي تبيِّن عظمته.

ثم إن القرآن له أبلغ الأثر في رُقي الأمم وفلاحها؛ فهو الذي أخرج الله به من أمة العرب أعلام الحكمة والهدى، وجعلهم خير أمة أُخرجت للناس، بعد أن كانوا يتخبطون في دياجير الجهالة.

ومن خصائص القرآن: أن عجائبه لا تنقضي، وأنه لا يَخْلَق من كثرة الرد؛ فكلما أكثر الإنسان من قراءته زادت حلاوته مرة بعد مرة.

ومن خصائصه: أن الله يسَّر تعلمه وحفظه؛ ولهذا فإن كثيراً من أطفال المسلمين يحفظونه كاملاً عن ظهر قلب.

ومن خصائصه: أنه مشتمل على أعدل الأحكام، وأعظمها، وأشرفها، وأشملها، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وأحاط بها إجمالاً وتفصيلاً، ويشهد بذلك كل منصف عاقل، حتى ولو لم يكن مسلماً([84]).

هذا وسيأتي مزيد بيان لمنزلة القرآن، وعظمته في المبحث التالي، وعند الحديث عن إعجاز القرآن الكريم.


 المبحث الثاني: مفهوم السنة وأهميتها

 المطلب الأول: مفهوم السنة النبوية

أولاً_ السنة لغة: السنة في اللغة هي الطريقة والسيرة، قال لبيد بن ربيعة  رضي الله عنه  في معلقته المشهورة:

من معشر سنت لهم أباؤهم

ولكل قوم سنة وإمامها([85])

قال ابن منظور  رحمه الله :  ( السنة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة ) .([86])

ثانياً_ السنة في الشرع:  إذا أطلق لفظ السنة في الشرع فإنما يراد به ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم  ونهى عنه، وندب إليه قولاً، أو فعلاً.

ولهذا يقال في الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة؛ أي القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

ومع هذا فإن معنى السنة يختلف في اصطلاح علماء الشريعة حسب اختلاف تخصصاتهم.

والذي يعنينا في هذا المقام هو معنى السنة في اصطلاح المُحدِّثين، ومن حيثُ كونُها المصدرَ الثانيَ للتشريع.([87])

وبناءً على ذلك فإنه يمكن تعريف السنة بأنها:

كلُّ ما أُثِرَ عن النبي  صلى الله عليه وسلم  من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقيِّة أو خُلُقية، أو سيرة سواء كانت قبل البعثة، أو بعدها. ([88])

والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث.

فالمراد بما أُثِرَ عن النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( من قول ) : أحاديثه التي قالها في المناسبات المختلفة، وما بيَّنه من أحكام الإسلام، وعقائده، وآدابه.

كقوله:  ( إنما الأعمال بالنيات ) .([89])

 ( أو فعل ) : ما نقله إلينا الصحابة _رضوان الله عليهم_ مثل وضوئه، وصلاته، ونسكه، وصيامه، ونحو ذلك.

 ( أو تقرير ) : هو كل ما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم  من أفعال صدرت عن بعض أصحابه بسكوت منه، وعدم إنكار، أو بموافقته، واستحسانه؛ فيعد ما صدر عنهم بهذا الإقرار والموافقة عليه صادراً عن الرسول  صلى الله عليه وسلم .

مثال ذلك: سكوته  صلى الله عليه وسلم  عن لعب الحبشة في الحراب في المسجد، وعدم إنكاره عليهم.([90])

وقولهم:  ( أو صفة خَلْقية )  يتناول هيئة الرسول  صلى الله عليه وسلم  كصفة وجهه الكريم المشرب بالحمرة، وكطوله، ولونه، وتبسمه  صلى الله عليه وسلم .

وقولهم:  ( أو خُلُقية ) : يتناول جميع أخلاقه وشمائله.

وقولهم:  ( قبل البعثة ) : يتناول جميع أحواله قبل البعثة النبوية.

وقولهم:  ( أو بعدها ) : يتناول أحواله بعد البعثة؛ لأنه الإمام الهادي القدوة، الذي أخبرنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنه أسوة لنا في قوله _ تعالى _: [لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا] الأحزاب:21.([91])

 المطلب الثاني: أهمية السنة ومنزلتها في التشريع الإسلامي

السنة النبوية هي المصدر الثاني في التشريع الإسلامي، وهي من الذكر والوحي الذي تكفل له الله _ عز وجل _ بحفظه كما في قوله _ تعالى _: [إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ] الحجر:9.

وهذا الوعد والضمان يشمل حفظ القرآن، وحفظ السنة النبوية التي هي المفسرة للقرآن، وهي الحِكمة المنزلة _ كما قال _ تعالى _: [وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ] النساء:113.

قال ابن حزم  رحمه الله :  ( الوحي ينقسم من الله إلى قسمين:

أحدهما: وحيٌ متلوٌّ مؤلفٌ تأليفاً معجز النظام وهو القرآن.

الثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف، ولا معجز النظام، ولا متلو، لكنه مقروء.

وهو الخبر الوارد عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو المبين عن الله _ عز وجل _ مراده منا، قال الله _ تعالى _: [لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ] النحل: 44  ) ([92]).

وليس معنى أن القرآن أو السنة محفوظان بحفظ الله أنه لا يوجد من يحاول الزيادة أو النقصان فيهما؛ فذلك يحصل كثيراً في القديم والحديث.

وإنما المقصود أن الله _عز وجل_ يقيِّض من علماء هذه الأمة من ينفي الزيف والزيادة والنقصان من كتاب الله _عز وجل_ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله  موضحاً هذا المعنى:  ( فإن الدين محفوظ بحفظ الله له، ولما كانت ألفاظ القرآن محفوظة منقولة بالتواتر لم يطمع أحد في إبطال شيء منه، ولا زيادة شيء فيه، بخلاف الكتب التي قبله، قال _تعالى_: [إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ] الحجر: 9 .

بخلاف كثير من الحديث طمع الشيطان في تحريف كثير منه، وتغيير ألفاظه بالزيادة والنقصان والكذب في متونه وإسناده؛ فأقام الله له من يحفظه ويحميه، وينفي عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأول الجاهلين، فبينوا ما أدخل أهل الكذب فيه، وأهل التحريف في معانيه ) ([93]).

وقال ابن تيمية _أيضاً_:  ( فما في تفسير القرآن، أو نقل الحديث، أو تفسيره من غلط فإن الله يقيم له من الأمة مَنْ يُبَيِّنه، ويذكر الدليل على غلط الغالط، وكذب الكاذب؛ فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة؛ إذ كانوا في آخر الأمم؛ فلا نبي بعدهم، ولا كتاب بعد كتابهم، وكانت الأمم قبلها إذا بدَّلوا وغيروا بعث الله نبيًّا يبين لهم، ويأمرهم، ويناهم.

ولم يكن بعد محمد صلى الله عليه وسلم  نبي، وقد ضمن الله أن يحفظ ما أنزله من الذكر، وأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، بل أقام لهذه الأمة في كل عصر من يحفظ دينه من أهل العلم والقرآن ) ([94]).

فالقرآن _ إذاً _ هو المصدر الأول للإسلام _عقيدته وشريعته وأخلاقه_ لأنه كلام الله تعالى المعجز, المنزل على الرسول  صلى الله عليه وسلم  بواسطة الملك جبريل الأمين, المتواتر لفظه جملة وتفصيلاً، المتعبد بتلاوته , المكتوب في المصاحف.

وكل ماجاء عن الرسول  صلى الله عليه وسلم  _ سوى القرآن الكريم _ من بيان للعقيدة, وتفصيل لأحكام الشريعة, وتطبيق لما في القرآن الكريم هو السنة, أو الحديث النبوي هو بوحي من الله _تعالى_ أو باجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم  والرسول صلى الله عليه وسلم  لا يقر على اجتهادٍ خطأٍ.

وعلى هذا فَمَرَدُّ السنة إلى الوحي؛ فالقرآن الكريم هو الوحي المتلو, المتعبد بتلاوته, والسنة وحي غير متلو, لا يتعبد بتلاوتها,فالسنة تُبَيِّن عن الله _عز وجل_ مراده منا, مصداقاً لقوله _تعالى_ مخاطباً الرسول  صلى الله عليه وسلم : [وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ] النحل:44 .

فالقرآن هو المصدر الأول، والسنة هي المصدر الثاني؛ فهما مصدران تشريعيان متلازمان, لا يمكن لمسلم أن يفهم الشريعة إلا بالرجوع إليهما معاً, ولا غنى لمجتهد أو عالم عن أحدهما ([95]).

 المطلب الثالث: في أدلة حجية السنة

قد يقال: ما الدليل على وجوب العمل بما ثبت عن الرسول  صلى الله عليه وسلم  وعلى أن السنة مصدر من مصارد التشريع؟.

والجواب أن يقال: إن هناك أدلةً تبين هذا وتوجبه، ومنها ما يلي:

أ_ وجوب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم : فمن لوازم الإيمان بالرسالة وجوب التصديق، وقبولِ كل ما يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم  في أمر الدين، فقد اجتبى الله _عز وجل_ الرسل، واصطفاهم من عباده؛ ليبلغوا شريعته إليهم، قال _تعالى_: [ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ] الأنعام:124 .

وقال: [فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ]النحل:35.

وقال _ تعالى _: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ] النساء:136 .

وقوله: [فَ‍َٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ]الأعراف:158_ نصٌّ بيّن في وجوب العمل بما جاء، وفي اتباعه صلى الله عليه وسلم .

وهذا واضح في قول الإمام الشافعي في الآية السابقة، قال:  ( فجعل كمالَ ابتداء الإيمانِ _ الذي ما سواه تَبَعٌ له _ الإيمان بالله، ثم برسوله ) ([96]).

ب_ القرآن الكريم: ففي القرآن الكريم آيات كثيرة تجيب عن ذلك السؤال المطروح، وتنص على وجوب طاعة الرسول  صلى الله عليه وسلم  منها، قوله _ تعالى _: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ]النساء:59.

والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته.

وقوله _عز وجل_: [وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ] الحشر:7.

وما أبلغ قوله _سبحانه وتعالى_ في هذا الشأن: [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا] النساء:65.

ج_ أدلة حجية السنة من الحديث: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ) .([97])

وقال _عليه الصلاة والسلام_:  ( تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: كتاب الله، وسنة نبيه ) ([98]).

وقال  صلى الله عليه وسلم :  ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ ) ([99]).

فهذه الأحاديث تدل على أن الرسول  صلى الله عليه وسلم  قد أوتي الكتاب والسنة، وتُوْجِبُ التمسك بهما، والأخذ بما في السنة كما يؤخذ بما في الكتاب ويعمل به.

ومع هذا فقد حذر الرسول  صلى الله عليه وسلم  من رَدَّ أمره، وذمَّ من يترك حديثه متذرعاً بالعمل بما في كتاب الله _تعالى_ والاعتماد على ما جاء فيه فحسب، فعن المقدام ابن معدي كرب أن الرسول  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري يقول: لا ندري ما هذا بيننا وبينكم كتاب، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ) ([100]).

د_ الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب العمل بالسنة؛ استجابة لله، وللرسول الأمين، وأقاموا أحكامها كما أقاموا أحكام القرآن الكريم؛ لأنها مصدر تشريعي بما أرشد الله _تعالى_ إليه، وبينه في كتابه الكريم، وشهد الله _تعالى_ للرسول  صلى الله عليه وسلم  بأنه لا يتبع إلا ما يوحى إليه، قال _تعالى_: [قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ]الأنعام: 50([101]).

وحذَّر _سبحانه_ من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم  فقال _عز وجل_: [فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] النور: 63 .

وقال: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] النساء: 65 .

وأمر الله بالتحاكم إليه صلى الله عليه وسلم  ولزوم الرضا بحكمه، فقال _عز وجل_: [فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ] النساء: 59 .

وقد أجمع العلماء على أن هذا الرد والتحاكم بعده يكون إلى سنته؛ ففي هذه الآيات أعظم برهان على تحريم مخالفته، فانظر كيف حذر المخالفين له بالفتنة التي هي الشرك، أو الزيغ، وبالعذاب الأليم.

وانظر كيف أقسم على نفي الإيمان عنهم إذا لم يحكموه في كل نزاع يحدث بينهم، ويسلموا لقضائه، ولا يبقى في أنفسم حرج من قضائه.

وكفى بذلك وعيداً وتهديداً لمن ترك سنته بعد معرفة حكمها، تهاوناً، أو استخفافاً، أو نحو ذلك([102]).


 المبحث الثالث: طرق حفظ السنة النبوية

 تمهيد

مَرَّ بنا أن السنة النبوية من الوحي والذكر الذي تكفل الله _ عز وجل _ بحفظه.

ومن حِفْظِه _ جل وعلا _ للسنة أن أوزع المسلمين العناية بها؛ حيث قيَّض لها رجالاً عُنوا بالسنة غاية العناية، فمحَّصوها، وميزوا صحيحها من ضعيفها؛ فنقلها الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل، ورجعوا إليها في جميع أمور دينهم، وعملوا بما فيها، وتمسكوا بها، وحافظوا عليها؛ ليحسنوا التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم .([103])

ومما يتجلى به هذا المعنى ما سيرد في المطالب التالية:

المطلب الأول: ما جاء في احترام السنة وفضل الحديث والمُحَدِّثين

لما كانت السنة مصدراً تشريعيًّا، ومتلقاة عن الرسول  صلى الله عليه وسلم  وكان الله قد أَمر المؤمنين بتعزيره وتوقيره، ومدح الذين يغضون أصواتهم عنده _ فلا غرابة أن يكون لها من الحرمة مثل حُرْمَةِ من تُلُقِّيَتْ عنه، فذلك مما حمل العلماء على أن يبالغوا في احترام السنة وإعظامها، وإليك أمثلة من ذلك:

1_ روى عمرو بن ميمون عن ابن مسعود أَنه حدَّث يوماً، فجرى على لسانه:  ( قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  )  ثم علاه كَرْبٌ، حتى رأيت العرق ينحدر عن جبهته، وفي رواية: وقد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه.

2_ وكان ابن سيرين إذا ذُكر عنده حديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو يضحك خشع.

3_ واشتهر عن الإمام مالك  رحمه الله  في ذلك أَكثر من غيره، فكان إذا أَراد الحديث اغتسل، وتطيب، ولبس ثياباً جدداً، وتعمم، وجلس على منصة، خاشعاً، ولا يزال يُبَخَّر بالعود حتى يَفْرُغَ من الحديث، ويقول: أحب أن أعظم حديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم .

وكان يكره أَن يحدِّث وهو قائم أو مستعجل، ذكر هذه الآثار القاضي عياض في كتابه الشفاء([104]).

وما ذاك إلا تعظيماً لمن صدر عنه، وإجلالاً لتلك الألفاظ الشريفة التي هي أشرف الكلام، وأعلاه قدراً بعد كلام الله _عز وجل_([105]).

ولقد حث الله _ تعالى _ على تعلم العلم، ومدح العلماء، ونوَّه بذكرهم، حيث قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على وحدانيته، وحصر خشيته فيهم، ونفي المساواة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون([106]).

وكذلك النبي  صلى الله عليه وسلم  حث على العلم، وأخبر أن حملته هم ورثة الأنبياء، وأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم([107])، ونحو ذلك كثير.

فَمَنْ تَحَمَّل هذا الحديث، واشتغل بتعلمه وتعليمه فله الحظ الأوفر من هذا المدح للعلماء، وكفى بهذا شرفاً للحديث وحملته؛ فَصَرْفُ العُمُر في تعلمه، ونشره أفضل من الاشتغال بنوافل القربات، وما ذاك إلا لما فيه من بيان القرآن، وإحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم  والتأسي به في الدعوة والتبليغ، ولو لم يحصل لأهله من الفضل إلا كثرة الصلاة على النبي  صلى الله عليه وسلم  التي ورد فيها الفضل الجزيل، كقوله صلى الله عليه وسلم :  ( أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة ) ([108]).

ثم فيه استحقاق دعوة النبي  صلى الله عليه وسلم  كما في المسند والسنن عن زيد بن ثابت وغيره، عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وأَدَّاها كما سمعها ) ([109]).

ثم فيه امتثال أمره  صلى الله عليه وسلم  بقوله:  ( بلغوا عني ولو آية ) ([110]).

المطلب الثاني: في اعتناء السلف بالحديث النبوي

لما عرف الصحابة _رضي الله عنهم_ أهمية هذا العلم حرصوا على تلقيه عن نبيهم  صلى الله عليه وسلم  فأكثروا ملازمته، وآثروا مجالسته على العمل في أموالهم، وأسباب ارتزاقهم، وربما أناب بعضهم مَنْ يحضر مجلسه، ويبلغه ما فاته من العلم، كما فعل عمر بن الخطاب مع جاره الأنصاري. ([111])

ولقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم  المثل الأعلى في حسن تعليمهم، وإيصال المعنى إلى أفهامهم؛ فكان يستعمل ألواناً من وسائل الإيضاح والبيان، كالعرض والمناقشة وضرب الأمثلة، وتكرير الكلام ليفهم عنه؛ فكانوا يتلقون عنه في المجالس والنوادي وعلى المنابر، في السفر والحضر، فما قبضه الله إلا وقد علَّمهم كل شيء يحتاجون إليه كما شهد له بذلك بعض أعدائه من المشركين، كما روى مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه  قال: قيل له: قد علمكم نبيكم كلَّ شيء؛ حتى الخراءة([112])([113]).

وبعد أن توفى اللهُ نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم  عرف أصحابه أن هذا العلم الذي تَلَقَّوه عنه أمانةً في أعناقهم، وأنه يلزمهم بيانه للناس؛ كي لا يلحقهم وعيد الذين قال الله فيهم: [إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ]البقرة:159.

وهكذا عرف تلامذتهم منزلة هذا العلم من الدين الذي كُلِّفُوا به، مما حمل الجميع على بذل الجهد في التعلم والتعليم؛ فعمروا بهذا الحديث مجالسهم، وصار طَلَبُه جُلَّ مقاصدهم، وتحملوا في تحصيله المشاق، وقطعوا المراحل الكثيرة، كما روي عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أنه قال:  ( كان يبلغني الحديث عن بعض الصحابة، فآتي إليه وهو قائل، وأجلس عند الباب، تسفي الريح في وجهي التراب حتى يستيقظ ) ([114]).

واشتهر عن جابر رضي الله عنه  أنه سافر إلى الشام؛ لأخذ حديث واحد من عبدالله ابن أنيس، كما رواه أحمد([115]).

وكذا أبو أيوب سافر إلى مصر من المدينة؛ ليروي حديثاً واحداً عن عقبة ابن عامر([116]).

وكانوا بعد سماعه يتذاكرونه، ويعرضه بعضهم على بعض؛ ليتأكد كل منهم صحة ما حفظه، وربما كرره الواحد زمناً طويلاً حتى يحفظه، كما روي عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أنه كان يجعل جزءاً من الليل لدراسة الحديث؛ ليبقى في ذاكرته.

ذكره ابن جريج وغيره. ([117])

وقد خصهم الله بزيادة في الحفظ فاقوا بها مَنْ بعدهم بكثير، ورويت عنهم في ذلك روايات عجيبة([118]).

وربما استعان بعضهم على الحفظ بالكتابة حتى يحفظ.

وبالجملة فقد أُثر عن سلفنا من العناية بالحديث والاهتمام بشأنه ما حقق الله به حفظَ هذه الشريعة، وحمايةَ مصادرها، فرحمهم الله وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء. ([119])

المطلب الثالث: في جهود علماء السنة في حفظ الحديث

في أواخر عصر الصحابة _رضي الله عنهم_ ظهر من يتعمد الكذب على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  رغم ما ورد عنه من الوعيد على ذلك والتحذير منه([120])، وكان أغلب من اشتهر بوضع الحديث قوم من الملاحدة دخلوا في الدين تستراً، فأَرادوا إفساد العقيدة، والتشكيك في الإسلام.

وآخرون [مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ]الروم:32، قصدوا التعصب لولاتهم وقبائلهم وبلدانهم.

 ونوع ثالث وهم القُصاص الذين أرادوا الشهرة بكثرة المرويات، وغرائب الحكايات التي تستثير النفوس وتحرك القلوب.

ولكن علماء الحديث عندما أحسوا بهذا الخطر قابلوه بما يبطله ويرده من حيث جاء؛ ليسلم الحديث النبوي من كل دغل وكدر، ويبقى معيناً صافياً لمن يرتاده.

وقد وضعوا لذلك قواعد، وابتكروا طرقاً كانت سبباً في الحفاظ على السنة، فصارت غضة طرية تتناقلها الأجيال كيوم قالها صاحب الرسالة _عليه أفضل الصلاة والسلام_.

فمما ابتكروه من طرق للحفاظ على الحديث النبوي ما يلي:

1.      التزام الأسانيد، وتسمية الرواة: وهذا من خصائص هذه الأُمة، وبه يعرف مصدر الحديث، ومرتبة رجاله، فيحكم بقبوله أو رده، قال عبدالله بن المبارك:  ( الإسناد من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ) ([121]).

وكان من نتيجة ذلك أن توقف الكثير عن الوضع؛ مخافة ظهور كذبه، مما يسقط به قَدْرُ الواضع عند من يعظمه.

2.      تتبع أحوال الرواة: والبحث عن مكانتهم في الحديث وأهليتهم لتحمله، وقد أقدموا على الكلام فيهم من باب النصيحة للأُمة؛ حيث إنهم تولَّوا نقل شيء من أمر الدين له حكم، وقد خصصوا هذا النوع من عموم النهي عن الغيبة؛ لما فيه من المصلحة العامة للأُمة.

3.      التثبت في الرواية تحملاً وأداءًا: فكان أحدهم لا يُقْدِمُ على ذكر الحديث إلا بعد إتقانه، ولا يحدثون به إلا من هو أهل لسماعه، ويتحاشون تحديث السفهاء وأهل الأهواء.

وقد نتج عن هذه الجهود ونحوها أن ميزوا الحديث النبوي، وأخرجوا الموضوع _المكذوب_ عن مسمى الحديث، وعرفوا الكذابين، وبينوا حالهم، وكشفوا عوارهم، مما جعلهم يتوارون أمام هؤلاء الجهابذة الأعلام، حتى لقد قال سفيان الثوري:  ( ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث ) .

وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة [إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ]الحجر:9، ذكره السخاوي عنهما في فتح المغيث وغيره.([122])

المطلب الرابع: في تدوين الحديث النبوي

لقد ورد النهي عن كتابة الحديث في آثار مرفوعة وموقوفة، كما ورد الإذن بها صريحة عن النبي  صلى الله عليه وسلم  في بعض الأحيان ولبعض الأشخاص([123]).

ومن الخطأ حَمْلُ النهيِ عن الكتابة على عدم حجية الأحاديث، كما توهم ذلك بعض الزنادقة، وكذا حَمْلُه على أن السبب الوحيد قلة أدوات الكتابة والكُتَّاب؛ فقد كان في الصحابة وأبنائهم الكثيرُ ممن يحسن الكتابة([124]).

وأصح ما حُمِلَ عليه النهي عن كتابة الحديث أن ذلك خاص بأول الإسلام؛ ليشتغلوا بحفظ القرآن، ويقبلوا على دراسته من الألواح والصحف، ويكون أخذهم للحديث بالممارسة والمجالسة.

أو أن النهي خاص بكتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، مخافة الاشتباه على الجهلاء به، ويكون الإذن فيها لمن عرف منه عدم الاشتباه، كعبدالله بن عمرو، وعند الحاجة كأمره  صلى الله عليه وسلم  بالكتابة لأبي شاة([125]).

 ولقد اشتهر أنه صلى الله عليه وسلم  كتب صحائف كثيرة لبعض المعاهدين وفي بعض المناسبات، وبعث كتباً إلى رؤساء الدول في عهده يدعوهم إلى الإسلام([126])، وذلك دليل جواز الكتابة لجنس الحديث.

ثم إن الصحابة عرفوا العلة في النهي، فتوقف بعضهم كما استعمل الكتابة آخرون للحاجة. ([127])

ولما أن زال المحذور وتميز القرآن عن غيره، واشتدت الحاجة إلى الكتابة، ابتدئ في تدوين السنة، وذلك في أواخر القرن الأول بأمر عبدالعزيز بن مروان، ثم ابنه عمر([128])، ثم اشتهرت الكتابة في القرن الثاني فكانوا يكتبون ويحدثون من كتبهم مع المحافظة عليها.

إلى أن وصلت هذه الأحاديث إلى علماء أجلاء كالبخاري ومسلم، وأهل السنن، فَدَوَّنوها في مؤلفاتهم تدويناً عامًّا أو خاصًّا، مع بيان صحيحها من ضعيفها ونحو ذلك.

وقد وصلت إلينا تلك الدواوين بحمد الله كما كتبوها، مَصُونَةً عن التغيير والتبديل، وبهذا تحقق ضمان الله بحفظ مصادر الشريعة، وقامت حجة الله على العباد، والحمد لله رب العالمين. ([129])

وبهذا يتبين لنا أن دين الإسلام، وكتاب الإسلام، وسنة نبي الإسلام كل ذلك و صل إلينا محفوظاً تتعاوره الأيدي الأمينة، وتتعاهده بالحفظ، والرعاية.


 المبحث الرابع: منزلة السنة من القرآن الكريم

لما كان النبي محمد  صلى الله عليه وسلم  هو الواسطةَ بين الله وعباده في تبليغ شرعه ودينه كانت الشريعة الإسلامية كلها متلقاةً عنه.

ولكن الشريعة _ كما مر _ تنقسم إلى وحي منزل متعبد بتلاوته وهو القرآن الكريم، وإلى بيان له، وتمثيل، وتقرير، وتشريع منه ليس له حكم القرآن في التعبد بتلاوته وهو السنة النبوية.

ولما كان في القرآن أحكام مجملة لا تُعْرف كيفيتها كان إيضاحها مما وُكِلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الله _تعالى_: [وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ] النحل:44.

وقال _عز وجل_: [وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ] النحل:64.

ولقد امتثل النبي  صلى الله عليه وسلم  أمر ربه غاية الامتثال، فقام بهذه المهمة الجليلة خير قيام، فَبَيَّن للناس بسنته ما نُزِّل إليهم([130]).

وتوضيح ذلك: أنه لم يكن للأحكام في عهد الرسول  صلى الله عليه وسلم  مصدر سوى الكتاب والسنة.

ففي كتاب الله _تعالى_ الأصول العامة للأحكام الشرعية, دون التعرض إلى تفصيلها جميعها, والتفريع عليها إلا ما كان منها متفقاً مع الأصول العامة, ثابتاً بثبوتها لا يتغير بمرور الزمن, ولا يتطور باختلاف الناس في بيئاتهم وأعرافهم, كل هذا حتى  يحقق القرآن الكريم الصلاح والفلاح لكل أمة مهما كانت بيئتها وزمنها؛ فتجد فيه ما يكفل حاجتها  التشريعية في سبيل النهوض والتقدم، والوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة.

وإلى جانب هذه الأصول في القرآن الكريم نجد العقائد والعبادات, وقصص الأمم الغابرة, والآداب العامة والأخلاق.

وقد جاءت السنة في الجملة موافقة للقرآن الكريم؛ تفسر مبهمه, وتُفَصِّل مُجمله, وتقيِّد مُطْلَقَه, وتُخَصِّص عامه, وتشرح أحكامه ومقاصده, كما جاءت بأحكام لم ينص عليها القرآن الكريم, قائمة على أصوله وقواعده, تحقق أهدافه ومقاصده؛ فكانت السنة تطبيقاً عمليًّا لما جاء به القرآن العظيم.

وقد تبين لنا فيما سبق أن السنة بمنزلة القرآن الكريم من حيث إنها وحي, ومن حيث إنها مصدر تشريعي يجب العمل بها.

وهي إنما تلي القرآن الكريم بالمرتبة من حيث الاعتبار؛ لأنها مُبَيِّنة له, والمُبَيِّن يُقَدَّمُ على المُبَيَّنِ، والأصل على الفرع, كما قال _تعالى_ :[وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ] النحل: 44 .

وبالجملة فإن السنة مع القرآن الكريم على أربعة وجوه:

الأول: أنها مؤكدة لما جاء فيه, كأحاديث الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والتزام الصدق واجتناب الكذب, وتحريم الربا، ونحوها..

الثاني: أنها مبينة للقرآن الكريم, ووجوه هذا البيان كما يلي:

1_ أنها تفصل مجمله: فقد بينت السنة  ما أُجْمل من عبادات وأحكام, فَبَيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم  أوقاتَ الصلاةِ، وعددَ ركعاتها,وكيفيتَها، وأركانَها, وقال:  ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ([131]).

كما بَيَّن ما أُجْمِل من مناسك الحج في القرآن الكريم, وفصَّل أحكامه, وقال:  ( لتأخذوا مناسككم ) ([132]).

وكذلك بَيَّن صلى الله عليه وسلم  ماتجب فيه الزكاة، ومقدارها، وأنصبتها مما أجمله القرآن الكريم.

2_ تُخَصِّص عَامَّه: ومن هذا بيان الرسول  صلى الله عليه وسلم  لقول الله _عز وجل_: [يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ] النساء: 11 .

وهو حكم عام في وراثة الأولاد وآبائهم وأمهاتهم, يثبت في كل أصل مورث, وكل ولد وارث,فخصت السنة المورث بغير الأنبياء, بقوله  صلى الله عليه وسلم   ( لا نورث ما تركناه صدقة ) ([133]).

3_ تُقَيِّد مطلق القرآن الكريم: ففي قوله سبحانه _وتعالى_: [وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا] المائدة: 38 _ لم يقيد موضع القطع بموضع خاص من اليد, وتطلق اليد على الذراع, كما تطلق على العضد, وعلى الساعد, وعلى الكف, فَقَيَّدت السنةُ القطعَ بأن يكون من الرسغ, عندما أُتِيَ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بسارق، وثبت عليه الحد, فقطع يده من مفصل الكف([134]).

الثالث: أن السنة تأتي مُفَرِّعة على أصل تقرر في القرآن الكريم: ومثال هذا منع بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها, فبعد هجرته  صلى الله عليه وسلم  إلى المدينة وجد المزارعين يتبايعون ثماراً قَبْلَ بُدُوِّ صلاحها, فلا يعرف المتبايعان كمية ما يباع وصلاحه, فإذا حان جني الثمار كانت المفاجآت غير الطيبة كثيراً ماتثير النزاع بين المتعاقدين, وذلك عندما يطرأ طارئ من برد شديد, أو مِراض شجري يقضي على الزهر, وينعدم معه الثمر, لذلك حرم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  هذا النوع من البيع مالم يَبْدُ صلاحُ الثمر([135]) فقال:  ( أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه ) ([136]) تفريعاً على الأصل العظيم في قوله _تعالى_: [لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ] النساء:29.

الرابع: أن السنة نصت على أحكام لم يَـنَُصَّ عليها القرآن الكريم: وليست بياناً له, ولا تطبيقاً مؤكداً لما ينص عليه, ومثال هذا : تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية, وكل ذي ناب من السباع, وتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها, وإحداد المتوفى عنها زوجها زائداً على ما في القرآن الكريم من العدة وغير ذلك.

وكل هذا سنة يجب العمل به.

وعلى هذا جميع من يُعْتَدُّ به من الأمة الإسلامية في مختلف الأوطان والأزمان([137]).

قال الإمام الشافعي رحمه الله :  ( ما سَنَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فيما ليس لله فيه حكم فبحكم الله سَنَّهُ, وكذلك أخبرنا الله في قوله: [وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢ صِرَٰطِ ٱللَّهِ] الشورى .

وقد سَنَّ رسولُ الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نَصُّ كتاب, وكلُّ ما سَنَّ فقد ألزمنا الله اتباعه, وجعل في اتباعه طاعته, وفي العُنودِ عن اتباعه معصيتَه التي لم يَعْذُرْ بها خلقاً, ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجاً ) ([138]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :  ( فما ثبت عنه من السنة فعلينا اتباعه، سواء قيل: إنه في القرآن ولم نَفْهَمْهُ نحن، أو قيل: ليس في القرآن ) ([139]).

وقال _أيضاً_:  ( كل ما في الكتاب فالرسول صلى الله عليه وسلم  موافق له، وكذلك كلُّ ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم  فالقرآن يأمر باتباعه ) ([140]).

ويقول _أيضاً_:  ( ليس كل ما جاءت به السنة يجب أن يكون مفسراً في القرآن؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم  هو الواسطة في أمره ونهيه،  وتحليله وتحريمه ) ([141]).

وهكذا يتبين وجه كونِ السنةِ هي المصدرَ التشريعيَّ الثاني في الإسلام.


 الفصل الثالث

 أركان الإسلام


 تمهيد

أركان الإسلام أسسه التي يُبنى عليها، وهي خمسة أركان:

1. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله 2. إقام الصلاة 3. إيتاء الزكاة 4. صوم رمضان  5. حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً.

وقد وردت هذه الأركان في حديث ابن عمر _رضي الله عنهما_ عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال:  ( بني الإسلام على خمسة: شهادة إلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج ) ([142]).

فهذه هي أركان الإسلام على سبيل الإجمال، تلك الأركان التي تجعل من الأمة أمة إسلامية تقية تدين بدين الحق، وتعامل الخلق بالعدل والصدق؛ لأن ما سوى ذلك من شرائع الإسلام يصلح بصلاح هذه الأسس، والأمة تصلح بصلاح أمر دينها، ويفوتها من صلاح أحوالها بقدر ما فاتها من صلاح أمور دينها([143]).

وفيما يلي من مباحث بيان لتلك الأركان بشيء من البسط والإيضاح.


 المبحث الأول: الشهادتان

المقصود بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً عبدالله ورسوله؛ فهاتان الشهادتان هما الركن الأول من أركان الإسلام.

وفيما يلي بيان وإيضاح لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام:

 أولاً: معنى لا إله إلا الله

أما معناها الحق الذي لا يجوز العدول عنه فهو: لا معبود حق إلا الله.

وذلك لأن كلمة  ( إله )  عند العرب على وزن فِعال بمعنى مفعول، كغِراس بمعنى مغروس، وفِراش بمعنى مفروش؛ فإله: على وزن فِعال بمعنى مفعول: أي مألوه، والتأله في لغة العرب معناه التنسك والتعبد، فمعنى مألوه: معبود.

إذاً فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وتُقَدَّر كلمة  ( حق )  لأن المعبودات كثيرة، ولكن المعبود الحق هو الله وحده لا شريك له.

قال _تعالى_:[ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ] (الحج:62) ([144]).

 ثانياً: أركان: لا إله إلا الله

للشهادة ركنان:

1_ نفي في قول:  ( لا إله )  .        

 2_ إثبات في قول:  ( إلا الله ) .

فـ: (لا إلـه) نفـت الألوهيـة عن كل ما سـوى الله، و: (إلا الله) أثبتت الألوهية لله وحده لا شريك له.

وهذا الأسلوب يعرف بأسلوب القصر، وهو أسلوب عربي معروف، وجملة القصر في قوة جملتين، إحداهما مثبتة، والأخرى منفية.

وهذا الأسلوب من أقوى الأساليب التي يؤتى بها؛ لتمكين الكلام، وتقريـره في الذهن؛ لدفع ما فيه من إنكار أو شكٍّ.

وطريقُ القصر في كلمة التوحيد:النفي والاستثناء([145]).

 ثالثاً: شروط لا إله إلا الله

شروطها سبعة؛ فأولها: العلم المنافي للجهل، والثاني: اليقين المنافي للشك، والثالث: الإخلاص المنافي للشرك، والرابع: الصدق المنافي للكذب، والخامس، المحبة المنافية لضدها، والسادس: الانقياد المنافي للامتناع، والسابع: القبول المنافي للرد([146]).

 رابعاً: هل يكفي مجرد النطق بـ:لا إله إلا الله

كما مر بنا أن معنى الشهادة هو لا معبود حق إلا الله، فلا يعبد إلا الله، ولا يجوز أن يُصرف أيُّ نوع من أنواع العبادة لغير الله؛ فمن قال هذه الكلمة عالماً بمعناها، عاملاً بمقتضاها؛ من نفي الشرك، وإثبات الوحدانية، مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته والعمل به فهو المسلم حقًّا، ومن عمل بها من غير اعتقاد فهو المنافق، ومن عمل بخلافها من الشرك فهو المشرك الكافر وإن قالها بلسانه.

ومن هنا يتبين لنا أن مجرد النطق بهذه الكلمة العظيمة لا يكفي، بل لا بدَّ من العلم بها، والعمل بمقتضاها([147]).

 خامساً: معنى (شهادة أن محمداً رسول الله)

معناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وأن يعظم أمره ونهيه فلا يقدم عليه قول أحد من الخلق كائناً من كان. ([148])

سادساً: الحكمة من قرن الشهادتين ببعض

والحكمة من قرن شهادة أن محمداً رسول الله بالشهادة لله بالتوحيد وجعلهما ركناً واحداً مع تعدد المشهود به؛ لأن هاتين الشهادتين أساس صحة الأعمال؛ فلا يقبل إسلام ولا عمل إلا بالإخلاص لله، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم .

ومعنى ذلك ألا يعبد إلا الله وحده، ولا يعبد إلا بما شرعه على لسان رسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم .

فبالإخلاص تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وبالمتابعة تتحقق شهادة أن محمداً رسول الله؛ فلا تكفي ولا تغني إحداهما عن الأخرى.

وبهذا تتحقق الشهادة لله بالتوحيد، وللرسول بالرسالة. ([149])


 المبحث الثاني : الصلاة

 أولاً: مفهوم الصلاة

أ. الصلاة في اللغة: تطلق على الدعاء، أو الدعاء بخير، وتطلق على الرحمة، والتسبيح، والركوع والسجود.

فالصلاة من الله رحمة، ومن المخلوقين: من الملائكة والإنس والجن: القيام، والسجود، والدعاء، والتسبيح.

والصلاة من الطير والهوام: التسبيح.

ولعل الدعاء هو أشهر وأَسْيَرُ معاني الصلاة في اللغة.

وتأتي الصلاة _أيضاً_ بمعنى التعظيم، والتكريم. ([150])

ب. الصلاة في الشرع: عبادة تتضمن أقوالاً وأفعالاً مخصوصة مفتتحة بتكبير الله، مختتمة بالتسليم. ([151])

ج. وسميت بذلك؛ لاشتمالها على معاني الصلاة من الدعاء بالخير، والتسبيح، والتعظيم، والركوع، والسجود، ونحو ذلك. ([152])

د. ومعنى إقامة الصلاة: التعبد لله _تعالى_ بفعلها على وجه الاستقامة، والتمام في أوقاتها، وهيئاتها.

وللصلاة فروض، وأركان، وشروط، ومكملات، ومنقصات، وأحكام يطول ذكرها، وهي مبثوثة في كثير من كتب أهل العلم([153]).

هـ. ثبوت الصلاة: الصلاة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فهي مما عُلم من الدين بالضرورة([154]).

 ثانياً: منزلة الصلاة، وأهميتها

للصلوات الخمس منزلة عالية، وأهمية كبرى، ولها على سائر الشرائع الواجبة ميزات كبيرة كثيرة، ومما يوضح ذلك ما يلي:

1.      أنها أعظم وأكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين.

2.      أنها فرضت في السماء، بينما غيرها فرض في الأرض.

3.      أنها فرضت من الله _تعالى_ لرسوله صلى الله عليه وسلم  بلا واسطة، بينما غيرها بواسطة المَلَكِ.

4.      أنها الغاية في العبودية، والتذلل، والقرب من الله _عز وجل_.

5.      أنها اشتملت على أكمل وجوه العبادة وأحسنها، وأجمعها؛ فهي تكبير الله، وتحميده، والثناء عليه، وتنزيهه، وتقديسه، وتلاوة كتابه، والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم  وعلى آله، ودعاء لجميع عباده الصالحين.

كما أنها مشتملة على قيام، وركوع، وسجود، وجلوس، وخفض، ورفع؛ فكل عضو من البدن، وكل مفصل فيه له حَظّه من هذه العبادة، ورأس ذلك كله القلب الحاضر.([155])

6.  أنها قُرةٌ للعين، وفَرَحٌ للفؤاد، قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( حبِّب إلى من دنياكم النساءُ والطيبُ، وجُعِلَت قرةُ عيني في الصلاة ) ([156]).

قال ابن القيم  رحمه الله  معلقاً على هذا الحديث:  ( فأخبر أنه حُبِّب إليه من الدنيا شيئان:  ( النساء والطيب )  ثم قال:  ( وجعلت قرةُ عيني في الصلاة ) .

وقرةُ العينِ فوقَ المحبة؛ فإنه ليس كلُّ محبوبٍ تَقَرُّ به العينُ، وإنما تقر بأعلى المحبوبات الذي يُحب لذاته، وليس ذلك إلا الله الذي لا إله إلا هو ) ([157]).

إلى أن قال رحمه الله :  ( فالصلاةُ قرةُ عيون المحبين في هذه الدنيا؛ لما فيه من مناجاةِ مَنْ لا تَقَرُّ العيونُ، ولا تطمئن القلوب، ولا تسكن النفوس إلا إليه، والتنعمِ بذكرهِ، والتذلل والخضوع له، والقرب منه ولا سيما في حال السجود، وتلك الحالُ أقربُ ما يكون العبد من ربه فيها، ومن هذا قول  صلى الله عليه وسلم :  ( يا بلال! أرحنا بالصلاة ) .

فَأعْلَم بذلك أن راحته  صلى الله عليه وسلم  في الصلاة، كما أخبر أن قرةَ عينه فيها، فأين هذا من قول القائل: نصلي ونستريح من الصلاة؟!

فالمحب راحتهُ، وقرةُ عينه في الصلاة، والغافلُ المعرضُ ليس له نصيب من ذلك، بل الصلاةُ كبيرةٌ شاقةٌ عليه، إذا قام فيها كأنه على الجمر حتى يتخلَّص منها، وأحبُّ الصلاة إليه أعجلُها، وأسرعُها؛ فإنه ليس له قرةُ عينٍ فيها، ولا لقلبه راحةٌ بها، والعبدُ إذا قَرَّت عينُه بشيء، واستراح قلبُه به فأشق ما عليه مفارقَته، والمتكلِّف الفارغ القلب من الله والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا أشقُّ ما عليه الصلاة وأكرهُ ما إليه طولها مع تفرغه، وصحته، وعدم اشتغاله ) ([158]).


 المبحث الثالث: الزكاة

 أولاً مفهوم الزكاة، وحُكْمُها

أ. تعريف الزكاة لغة: الزكاة في اللغة تطلق على النماء، والريع، والزيادة، والطهر، والطيب، والتثمير، ونحو ذلك. ([159])

ب. الزكاة في الشرع: هي حق واجب من مال خاص، لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص. ([160])

ج. معنى إيتائها: التعبد لله _تعالى_ ببذل القَدْر الواجب في الأموال الزكوية المستحقة. ([161])

د. سبب تسميتها بذلك المعنى اللغوي؛ فهي تنمي المال، وتطهره، وتطيِّبه.

هـ. حكم الزكاة: حكمها أنها واجبة شرعاً، قال الله _تعالى_: [وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ] المزمل: 20 .

وقد أجمع المسلمون على أنها ركن من أركان الإسلام، ومستند الإجماع نصوص الكتاب والسنة.

ومن جحد وجوبها كفر، ومن منعها فسق. ([162])

 ثانياً: أهمية الزكاة وثمراتها

الزكاة أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، كما تظاهرت بذلك دلائل الكتاب والسنة.

ومن عظم شأنها أن الله _عز وجل_ قرنها في كتابه العزيز بالصلاة في اثنين وثمانين موضعاً.

والزكاة من محاسن الإسلام الذي جاء بالتكافل، والتراحم، والتعاطف، والتعاون، وقطع دابر كل شر يهدد الفضيلة، والأمن، والرخاء، وغير ذلك من مقومات الحياة السعيدة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة؛ فقد جعلها الله طهرة لصاحبها من رذيلة البخل، وتنمية حسية ومعنوية، وإعانة من الأغنياء لإخوانهم المستحقين لها، وجمعاً للكلمة، وتأليفاً للقلوب، وسلامة من رذيلة الحسد، والكبر، الحسد من الفقراء للأغنياء، والكبر من الأغنياء على الفقراء.

وبمثل هذه الفريضة الكريمة الرشيدة يُعلم أن الإسلام دين التكافل الاجتماعي، يكفل للفقير العاجز عن العيش ما يعينه على حياته، وأنه _كذلك_ دِيْنُ الحرية الذي أعطى للغني حرية التملك مقابل كدِّه وسعيه، وفرض عليه الزكاة؛ مواساةً لإخوانه، فهو الدين الوسط؛ فلا شيوعية مُؤمِّمةً حارمة تغلب جانب الجماعة على حساب الفرد.

ولا رأسمالية مُمْسِكة محتكرة شاحة تغلب الفرد على حساب الجماعة. ([163])

 ثالثاً: الآثار الاقتصادية للزكاة

الزكاة فريضة وعبادة، ولها آثار اقتصادية حميدة تعود على الفرد والجماعة، وقد مضى شيء من ذلك في الفقرة الماضية، ومما تمتاز بها الزكاة على الضرائب أن المكلفين بها يؤدونها بدافع ديني بخلاف الضرائب التي تعتمد على الدافع الرسمي الذي يعاني من تهرب الناس منه متى وجدوا غفلة من الرقيب.

ومن أهم الآثار الاقتصادية التي تترتب على الزكاة ما يلي:

1_ أن الزكاة وسيلة من وسائل إعادة توزيع الدخل, والثروة في المجتمع: فتؤدي إلى مواساة الفقراء؛ فهي وسيلة العدل الاقتصادي,الذي أصبح محل اتفاق بين الاقتصاديين مع الاختلاف حول تعريفه ووسائله.

2_ أنها أحد الدوافع نحو الاستثمار: أي إن من يملك أرصدة نقدية لا بدَّ له من استثمارها حرصاً عليها من التآكل، ومعروف أن الاستثمار في مختلف المشروعات يعود على الاقتصاد بالمصلحة، وتحرص الدول على تشجيعه بمختلف الوسائل.

3_ أنها وسيلة من وسائل الأمن المشجع على توفير البيئة المناسبة للانتعاش الاقتصادي؛ لأن الفقر أحد أسباب الجريمة, ولأن الزكاة تحارب الفقر؛ فهي وسيلة لمحاربة الجريمة بطريقة غير مباشرة.

4_ أنها وسيلة من وسائل تحسين أوضاع الفئات الفقيرة في المجتمع: أي أنها تُسهم في تحسين مستواهم المعيشي والصحي والتعليمي، وهذا يعني الإسهام في تأهيلهم؛ ليصبحوا قوة عمل مشاركة في التنمية الاقتصادية.

5_ أنها تُسهم في تخفيف العبء المالي الذي تتحمله ميزانية الدولة للإنفاق على أصناف من الإعانات التي تقدم للمحتاجين كالأيتام والعجزة وغيرهم ممن يحتاجون إلى رعاية اجتماعية. ([164])

 رابعاً: الأشياء التي تجب فيها الزكاة

تجب الزكاة في أربعة أصناف، وهي:

1. الأثمان: وتشمل الذهب والفضة، وما يلحق بهما من العملات المعاصرة المصنوعة من الورق، أو غيره.

2. السائمة من بهيمة الأنعام: وهي البقر، والإبل، والغنم التي ترعى في البراري معظم السنة.

3. الخارج من الأرض من الحبوب: كالقمح، والثمار: كالتمر، والمعدن: كالحديد.

4. عروض التجارة: وهي ما أُعِدَّ للبيع والشراء بهدف الربح. ([165])

فهذه هي الأشياء التي تجب فيها الزكاة، ولكل واحدة منها تفصيلات يطول ذكرها في مقادير الأنصبة، وما يُخْرَجُ منها، وهي مثبوتة مبسوطة في كتب أهل العلم التي تُعنى بهذا الشأن.

 خامساً: مصارف الزكاة

يقصد بمصارف الزكاة: الأوجه التي تصرف فيها، وقد وردت في قول الله _تعالى_: [إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم] التوبة: 60 .

وإنما تفيد الحصر فدل على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلا على هذه الأصناف الثمانية المذكورة في الآية([166]).


 المبحث الرابع: الصيام

 أولاً : مفهوم الصيام، وفرضيته

أ. تعريف الصيام لغة: الصيام في اللغة يطلق على الإمساك والترك، يقال: أمسك عن الطعام، والشراب، والنكاح، والكلام، ويقال: تركه. ([167])

ب. الصيام في الشرع: هو إمساك بنية عن أشياء مخصوصة، في زمن معين، من شخص معين. ([168])

أو يقال: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. ([169])

ج. معنى صوم رمضان: هو التعبد لله _تعالى_ بالإمساك عن المفطرات نهار رمضان. ([170])

والمفطرات هي الأكل، والشرب، والجماع، وما في حكمها.

د. فرضية الصيام: فرض الصوم في شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول صلى الله عليه وسلم  تسع رمضانات إجماعاً.

وصيام شهر رمضان أحد أركان الإسلام، وفروضه العظام، وقد دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، قال الله _تعالى_: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ] البقرة: 183.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( بني الإسلام على خمس )  وذكر منها:  ( صوم رمضان ) . ([171])

وأجمع المسلمون على أن من أنكر وجوبه كفر. ([172])

 ثانياً: فضائل صيام رمضان

لصيام رمضان فضائل عظيمة، ومن ذلك ما يلي:

1. أنه سبب لمغفرة ما تقدم من الذنوب: فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:  ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر ) .([173])

2. أنه من أعظم أسباب التحلي بالتقوى:  فالتقوى هي الحكمة الجامعة في الصيام، قال الله _تعالى_: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ] البقرة: 183 .

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله  تفسير هذه الآية:  ( فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى؛ لأن فيه امتثالَ أمرِ الله ونهيهِ؛ فمما اشتمل عليه من التقوى أن الصائمَ يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوهما، التي تميل إليها نفسُه؛ مُتَقَرِّباً إلى الله، راجياً بتركها ثوابه؛ فهذا من التقوى.

ومنها: أن الصائم يُدَرِّب نفسَه على مراقبة الله _تعالى_ فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه؛ لعلمه باطلاع الله عليه.

ومنها: أن الصيام يضيِّق مجاريَ الشيطان؛ فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فبالصيام يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي.

ومنها: أن الصائم _في الغالب_ تكثر طاعاتُه، والطاعاتُ من خصال التقوى.

ومنها: أن الغنيَّ إذا ذاق ألمَ الجوعِ أوجب له ذلك مواساةُ الفقراءِ والمعدمين، وهذا من خصال التقوى ) ([174]).

3.  أن الصيام وقاية، وستر من النار: فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال:  ( الصيام جنة ) .([175])

قال ابن العربي رحمه الله :  ( وإنما كان الصوم جنة؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات؛ فالحاصل أنه إذا كفَّ نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساتراً له من النار في الآخرة ) .([176])

4.  أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك: فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال:  ( ولَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) .([177])

ومعنى الخلوف: تَغَيُّرُ رَائحةِ فَمِ الصائم بسبب الصيام.

5. أن الله _عز وجل_ اختص الصيام بأنه له وهو يجزي به؛ فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:  ( كل عمل ابن آدم له: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله _عز وجل_ إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به؛ إنه ترك شهوته، وطعامه، وشرابه من أجلي ) .([178])

والسبب في ذلك أن الصيام سرٌّ بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه غيره _عز وجل_.

 ثالثاً: من أسرار الصيام وحكمه

1_ الصومُ درسٌ مفيدٌ في سياسة المرء لنفسه، وَتَحَكُّمِهِ في أهوائه، وضبطِه بالجد لنوازع الهزل، واللغو، والعبث.

2_ الصومُ ينمِّي في النفوس رعايةَ الأمانة، والإخلاصَ في العمل، وألا يُراعى فيه غيرُ وجهِ الله_تعالى_.

وهذه فضيلةٌ عظمى تقضي على رذائل المداهنة والرياء والنفاق.

3_ الصوم يربي في النفوس مكارمَ الأخلاقِ، ومحاسنَ الأعمالِ، فيبعثها إلى بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الأهل والجيران.

4_ أنه سبب للحصول على الصحة العامة بجميع معانيها، ففيه صحةٌ بدنيةٌ حسيةٌ، وفيه صحةٌ روحيةٌ معنويةٌ، وفيه صحةٌ فكريةٌ ذهنية.

فالصحة البدنية تأتي من كون الصيام يقضي على المواد المترسبة في البدن، ولا سيما أبدان أولي النَّعمة والنَّهْمة والتُّخمة وقليلي العمل والحركة؛ فقد قال الأطباء: إن الصيام يحفظ الرطوباتِ الطارئةَ، ويطهر الأمعاءَ من فساد السموم التي تحدثها البِطْنة، ويحول دون كثرةِ الشحوم التي لها خطرها على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوةً على الكر والفر.

وأما الصحةُ المعنويةُ فكما تقدم من أن الصوم من أعظم ما تصح به القلوب، وتزكو به الأرواح.

وأما الصحة الفكرية فتأتي من أثر الصيام الصحيح، حيث يحصل به حسنُ التفكير،  وسلامةُ النظرةِ، والتدبرُ في أمر الله ونهيه وحكمته.

وبذلك يصح للصائم تفكيرُه،ويستنير بنور ربه، ويستجيب لنداءاته، ويحقق طاعته، فيخرج من صيامه بنفس جديدة، وفكر نيِّر،يسلم به من وصف البهيمية، ويصعد في مراتب السعادة والسيادة درجات.

هذه صورة عامة مجملة لبعض، وإشارات عابرة لبعض الحكم والآثار والأسرار التي ينطوي عليها الصيام. ([179])


 المبحث الخامس: الحج

أولاً : مفهوم الحج، ومشروعيته

أ. تعريف الحج لغة: الحج في اللغة هو القصد، يقال: حجه يحجه حجًّا: أي قصده، ورجل محجوج: أي مقصود.([180])

ب. الحج في الشرع: هو قصد البيت الحرام لأعمال مخصوصة في زمن مخصوص. ([181])

أي قصد مكة المكرمة في وقت الحج، وهي أشهره المعلومة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بنية أداء المناسك، وهي الإحرام من الميقات، والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، وغيرها من المناسك. ([182])

ج. مشروعية الحج: الحج أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام.

وقد ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.

قال الله _تعالى_: [وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ] آل عمران:97 .

وجاء في الصحيحين من حديث ابن عمر _رضي الله عنهما_:  ( بني الإسلام على خمس ) ([183]) وذكر منها الحج.

ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة لمن استطاع، جاء في سنن أبي داود مرفوعاً من حديث ابن عباس _رضي الله عنهما_:  ( الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع ) ([184]).

 ثانياً: منافع الحج

للحج أسرار بديعة، وحكم متنوعة، وبركات متعددة، ومنافع مشهودة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة؛ ويكفي في ذلك قول الله _عز وجل_ في محكم التنزيل: [وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ] الحج.

فقوله _ تعالى _: [لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ] جامع لكل خير دنيوي وأخروي.

قال الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي  رحمه الله  في الآية السابقة:  ( أي لينالوا ببيت الله منافع دينية من العبادات الفاضلة، والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية من التكسب، وحصول الأرباح الدنيوية، وهذا أمر مشاهد كلٌّ يعرفه ) ([185]).



 الباب الثاني

 أركان الإيمان


 تمهيد

الدين الإسلامي عقيدة وشريعة، وقد مرَّ فيما سبق الإشارة إلى شيء من شرائعه، ومرَّ الحديث عن أركانه التي هي أساس لشرائعه.

أما العقيدة الإسلامية فهي تشمل الإيمان بكل ما جاء عن الله، وعن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من الأخبار، والأحكام القطعية، والغيبيات، ونحو ذلك.

وأسس العقيدة هي أركان الإيمان الستة، وهي:

1_ الإيمان بالله.

2_ الإيمان بالملائكة.

3_ الإيمان بالكتب.

4_ الإيمان بالرسل.

5_ الإيمان باليوم الآخر.

6_ الإيمان بالقدر خيره وشره.

وفيما يلي من فصول بيان لتلك الأركان بشيء من البسط والإيضاح.


 الفصل الأول

 الإيمان بالله _ جلَّ جلاله _


 المبحث الأول: مفهوم الإيمان بالله، وثمراته، وأدلته

 أولاً: مفهوم الإيمان بالله وما يتضمنه
 الإيمان بالله هو الاعتقاد الجازم بوجود الله، وأنه رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق وحده، المدبر للكون كله، وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبود سواه فهو باطل، وعبادته باطلة، وأنه _سبحانه_ متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال، منزه عن كل نقص وعيب([186]).

ومن خلال ما مضى يتبين أن الإيمان بالله يتضمن أموراً أربعة:

1_ الإيمان بوجود الله: وذلك باعتقاد وجوده وجوداً كاملاً لم يسبق بعدم، ولا ينتهي بفناء.

2_ الإيمان بربوبيته: وذلك باعتقاد انفراده _عز وجل_ بأفعاله، وأنه لا شريك له في خلقه، وملكه، وتدبيره، وغير ذلك من مقتضيات الربوبية.

3_ الإيمان بأسمائه وصفاته: وذلك باعتقاد أن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف.

4_ الإيمان بألوهيته: وذلك بإفراده _عز وجل_ بأفعال العباد؛ فلا يُصْرَفُ أيُّ نوعٍ من أنواع العبادة لغيره _تبارك وتعالى_([187]).

 ثانياً: ثمرات الإيمان بالله

الإيمان بالله يثمر ثمرات جليلة تعود على الأفراد والجماعة بخيري الدنيا والآخرة، فمن ثمراته: حصول الأمن التام، والاهتداء التام، والاستخلاف في الأرض، والتمكين والعزة.

ومن ثمراته: طيب الحياة، وحلول الخيرات، ونزول البركات، والهداية لكل خير، والسلامة من الخسارة، والفوز بولاية الله، ونصره، وتأييده.

ومن ثمراته: رفعة الدرجات، وتكفير السيئات، ودخول الجنان، والنجاة من النيران.

وبالجملة فخير الدنيا والآخرة كله فرع عن الإيمان، مترتب عليه.

والهلاك  والنقصان إنما يكون بفقد الإيمان، أو نقصه([188]).

 ثالثاً: الأدلة على وحدانية الله _سبحانه وتعالى_

الأدلة على وحدانية الله كثيرة جدًّا، ويكفي منها شهادته _عز وجل_ لنفسه حيث قال: [شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ] آل عمران: 18 .

ولقد دلَّ على وحدانية الله، وعلى تفرده بالخلق والرزق، وأنه وحده المستحق للعبادة _ الفطرة، والشرع، والعقل، والحس.

وهذه الأدلة بمجموعها تدل على وجود الله، وتدل على أنواع التوحيد الثلاثة؛ ذلك أن أنواع التوحيد الثلاثة وهي: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات متلازمة، ومن أشرك في واحد منها فهو مشرك في البقية.

مثال ذلك: من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فدعاؤه عبادةٌ صَرَفَهَا لغير الله، وهذا شرك في الألوهية.

وهذا الدعاء لغير الله متضمن لاعتقاد الداعي أن المدعو متصرف مع الله، وقادر على قضاء ذلك، وهذا شرك في الربوبية.

ثم إنه لم يدعُه إلا لاعتقاده أنه يسمعه، وهذا شرك في الأسماء والصفات؛ لاعتقاده أن للمدعو سمعاً محيطاً بجميع المسموعات لا يحجبه قرب ولا بعد، ومن هنا نجد أن الشرك في الألوهية مستلزم الشرك في الربوبية والأسماء والصفات([189]).

هذا وسيرد تفصيل لأدلة الوحدانية في المباحث التالية، وذلك من خلال دلالة العقل، والحس.

أما الفطرة فقد سبق الحديث على دلالتها على الوحدانية، وذلك عند الحديث عن كون الإسلام دين الفطرة، وأن الفطرة المذكورة في القرآن هي دين الإسلام على الصحيح.

أما دلالة الشرع على الوحدانية والإيمان بالله فواضحة معلومة؛ فما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله، فالكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وما جاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح العباد في دنياهم وأخراهم؛ كالصلاة، والزكاة، والحج، وغيرها، وما جاءت به من الأخبار الكونية، والمغيبات التي شهد الواقع بصدقها _ كل ذلك يدل على أنها من ربٍّ حكيمٍ عليمٍ مستحقٍ للعبادة وحده لا شريك له([190]).

والأدلة على ذلك لا تكاد تُحصى، وسيرد ذكر لذلك في كثير من تضاعيف هذا البحث.


 المبحث الثاني: دلالة العقل على الإيمان  بالله

أما دلالة العقل على الإيمان بالله فلأن المخلوقاتِ جميعَها لا بدَّ لها من مُوجِد وخالق؛ إذ لا يمكن أن توجِد نفسَها بنفسِها، ولا يمكن أن توجَدَ صدفة؛ فهذه المخلوقات لا يمكن أن تُوجِد نفسها بنفسها؛ لأن الشيء لا يخلق نفسه؛ لأنه قبل وجوده معدوم، فكيف يكون خالقاً؟

كذلك لا يمكن أن توجد صدفة؛ لأن كل حادث لا بدَّ له من مُحدِثٍ، ولأن وجودها على هذا النظام المتسق البديع المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب والمسببات وبين الكائنات بعضها مع بعض _ يمنع منعاً باتًّا أن يكون وجودُها صدفةً([191]).

أضف إلى ذلك ما تجده من افتقار المخلوق الشديد؛ فالافتقار وصف ذاتي للمخلوق ملازم له؛ مما يدل على أنه لا بدَّ من وجود خالق، كامل، غني عما سواه، وهو رب العالمين.

وقد ذكر الله _سبحانه وتعالى_ هذا الدليل العقلي والبرهان القاطع في سورة الطور، حيث قال: [أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ] الطور:35 .

يعني أنهم لم يُخلقوا من غير خالقٍ، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله _تبارك وتعالى_.

ولهذا لما سمع جبير بن مطعم  رضي الله عنه  رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقرأ سورة الطور فبلغ قوله _تعالى_: [أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ... الآية] _وكان يومئذٍ مشركاً_ قال:  ( كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي )  رواه البخاري مُفَرَّقاً ([192]).

ولهذا فإن الله _سبحانه وتعالى_ يحثُّ كثيراً في كتابه على التعقل والتبصر ولا أدل على ذلك من كثرة الآيات التي تُخْتَمُ بمثل قوله: [أَفَلَا تَعۡقِلُونَ] [لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ] لأن الإنسان إذا تفكر تذكر، وعرف الحق، وإذا تذكر خاف واتقى وانقاد.

ولهذا نجد أن العقلاء الجادين الباحثين عن الحق _ يصلون إليه، ويوفقون له.

ومما يؤكد ذلك أن كثيراً من كبار المفكرين الغربيين اهتدوا إلى الحق بسبب إجالتِهم أفكارَهم، وبحثهم عن الحق.

ومن نظر في كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) _ وقد كتبه ثلاثون من علماء الطبيعة والفلك ممن انتهت إليهم الرياسة في هذه الأمور _ ومثله كتاب (كريسي موريسون) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك (الإنسان لا يقوم وحده) وترجم إلى العربية تحت عنوان (العلم يدعو إلى الإيمان) _ يدرك أن العالِمَ الحقيقيَّ لا يكون إلا مؤمناً، وأن العاميَّ لا يكون إلا مؤمناً، وأن الإلحاد والكفر لا يكون إلا من أنصاف العلماء وأرباع العلماء؛ ممن تعلم قليلاً من العلم، وخسر بذلك الفطرة المؤمنة، ولم يصل إلى العلم الذي يدعو إلى الإيمان ([193]).

وبهذا يتبين لنا أن العقل يدل على وحدانية الله _عز وجل_.

أما إذا أنكر العقل ذلك فإن الخلل في العقل نفسه، وصدق من قال:

إذا ادعى عقلك إنكاره

فأنكر العقل ودعواه

ومن قال:

يعترض العقل على خالق

من بعض مخلوقاته العقل

ومن هنا يتبين لنا بطلان قول من قال: إن هذا الكون نشأ بالصدفة، أو أن الطبيعة هي الخالق؛ إن هذه الدعاوى ليست إلا مكابرةً وعناداً لما هو متقرر بالمعقول والمنقول، فمن قال: إن هذا الكون نشأ عن طريق الصدفة يقال له: كيف نشأ هذا الكون الفسيح العظيم المتسق المتناسق عن طريق الصدفة؟!

وخذ هذا المثال الذي أورده العالم الأمريكي (كريسي موريسون) ([194]) يبين فيه استحالة القول بوجود الكون مصادفة قال:  ( خذ عشر بنسات، كلاً منها على حدة، وضع عليها أرقاماً مسلسلة، من 1 إلى 10 ثم ضعها في جيبك وهزها هزًّا شديداً، ثم حاول أن تسحبها من جيبك حسب ترتيبها، من 1 إلى 10.

إن فرصة سحب البنس رقم 1 هي بنسبة 1 إلى 10.

وفرصة سحب رقم 1 ورقم 2 متتابعين، هي بنسبة 1 إلى 100، وفرصة سحب البنسات التي عليها أرقام 1و2و3 متتالية، هي بنسبة 1 إلى 1000، وفرصة سحب 1و2و3و4 متوالية هي بنسبة 1 إلى 10.000، وهكذا، حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الأول، من 1 إلى 10، وهي بنسبة 1 إلى 10 بلايين.

والغرض من هذا المثل البسيط، هو أن نبين لك كيف تتكاثر الأعداد بشكل هائل ضد المصادفة!.

وعلى ذلك فكم يستغرق بناء هذا الكون لو نشأ بالمصادفة والاتفاق؟.

إن حساب ذلك بالطريقة نفسها يجعل هذا الاحتمال خيالاً يصعب حسابه فضلاً عن تصوره.

إن ما في هذا الكون يحكي أنه إيجاد موجد حكيم عليم خبير، لكن الإنسان ظلوم جهول [قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ١٧ مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ ١٨ مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ] (عبس) ([195]).

أما القول بأن الطبيعة هي الخالق فتلك فرية عظيمة لا دليل عليها، وتهافتها واضحٌ بيِّن لا يحتاج إلى أي رد، بل إن تصور ذلك كافٍ في الرد على أصحابه ([196]).

ومن تلك الدعاوى نظرية (دارون) التي حاول أصحابها أن يعللوا بها وجود الأحياء، وتزعم هذه النظرية أن أصل الإنسان حيوان صغير نشأ من الماء، ثم أخذت البيئة تفرض عليه من التغييرات في تكوينه، مما أدى إلى نشوء صفات جديدة في هذا الكائن، وأخذت هذه الصفات المكتسبة تورَّث في الأبناء حتى تحول مجموع هذه الصفات الصغيرة الناشئة من البيئة عبر ملايين السنين إلى نشوء صفات كثيرة راقية جعلت ذلك المخلوق البدائي مخلوقاً أرقى، واستمر ذلك النشوء للصفات بفعل البيئة والارتقاء في المخلوقات حتى وصل إلى هذه المخلوقات التي انتهت بالإنسان.

هذا هو ملخص تلك النظرية، وعوارها وزيفها واضح بيِّن ([197]).

وقد ثبت بطلانها حتى عند كثيرين ممن يقولون بها.

ومما يقال في ذلك: أنه على فرض صحتها فمن الذي أنشأ ذلك الحيوان الصغير؟ ومن الذي جعله يتطور حتى وصل إلى ما وصل إليه؟!


 المبحث الثالث: دلالة الحس على الإيمان  بالله

فالحس يدل بوضوح على وحدانية الله _سبحانه وتعالى_.

والأدلة الحسية على ذلك كثيرة جدًّا، ومنها ما يلي:

 أولاً: إجابة الدعوات

ويُعْنَى بها إجابة دعوات الملهوفين والمكروبين وغيرهم، ممن يدعون الله _سبحانه وتعالى_ فيستجاب لهم، ويحصل مقصودهم.

والأمثلة على ذلك لا تحصى ولا تحصر، سواء كان ذلك في حق الأنبياء _عليهم السلام_ أو في حق غيرهم.

ومن ذلك ما قاله الله _سبحانه وتعالى_ عن نوح _عليه السلام_: [فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠ فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ] (القمر: 10_12).

وما قَصَّهُ الله _سبحانه_ عن يونس _عليه السلام_: [فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ] (الأنبياء: 87) فاستجاب الله دعاءه، ونجَّاه من بطن الحوت.

وقال عن أيوب _عليه السلام_: [وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١ ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ] (ص:41_43).

وفي صحيح البخاري عن أنس  رضي الله عنه  قال:  ( إن أعرابيًّا دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم  يخطب فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع لنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم  يديه، فدعا، فثار السحاب كأمثال الجبال، فلم ينزل عن منبره  حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته.

وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال؛ فادع الله لنا، فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت )  ([198]).

وما زالت إجابة الداعين أمراً مشهوداً إلى هذا اليوم لمن أتى بشرائط الإجابة، وكثيراً ما نسمع أن الناس ذهبوا للاستسقاء وقبل أن يخرجوا من المسجد إذا هم يمطرون؛ فإجابة الدعاء دليل قاطع على وحدانية الله _عز وجل_.

 ثانياً: صدق الرسل _عليهم السلام_

وهذا دليل حسي واضح، فالرسل _عليهم السلام_ هم أكمل البشر، وقد بلَّغوا عن الله رسالاته، وقد اصطفاهم الله، واختارهم من بين الخلق، وأيَّدهم بالآيات البينات، ونصرهم، وجعل الغلبة لهم، والدولة على أعدائهم.

فالإنسان إزاء الأنبياء لا يملك إلا أن يقطع بصدقهم؛ إذ إن دعوى النبوة أعظم الدعاوى، ولا يدعيها إلا أصدق الناس أو أكذبهم؛ فالأنبياء هم أصدق الناس على الإطلاق؛ فظهور المعجزات على أيديهم، وتأييد الله لهم، وخذلانه لأعدائهم، وما جبلوا عليه من كريم الخلال، وحميد الخصال _ كل ذلك يدل على صدقهم، وبالتالي نعلم أنهم مبعوثون من عند الله، وأنه _سبحانه_ حق، وعبادته حق([199]).

 ثالثاً: دلالة الأنفس

فلقد صور الله الإنسان على أحسن صورة، وخَلَقَهُ في أحسن تقويم؛ كما قال _سبحانه وتعالى_: [وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖۡ](التغابن: 3).

وكما قال _عز وجل_:[لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ](التين: 4).

ولو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله، ونظر ظاهره وما فيه من كمال خلقه، وأنه متميز عن سائر الحيوانات _ لأدرك أن وراء ذلك ربًّا خالقاً حكيماً في خلقه، ولعلم أن هذا الخالق هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه([200]).

يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي  رحمه الله  في تقرير هذا المعنى عند قوله _تعالى_:[وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا](الشمس:7):  ( وعلى كلٍّ فالنفس آيةٌ كبيرة من آيات الله التي يحق الإقسام بها؛ فإنها في غاية اللطف، والخفة، سريعة التنقل، والحركة، والتغير، والتأثر، والانفعالات النفسية من الهمة، والإرادة، والقصد، والحب.

وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثالٍ لا فائدة فيه، وتسويتُها على ما هي عليه آيةٌ من آيات الله العظيمة.

والمقصود أن نفس الإنسان من أعظم الأدلة على وجود الله وحده، ومن ثم تفرده بالعبادة ) ([201]).

 رابعاً: هداية المخلوقات

وهذا مشهد من مشاهد الحس الدالة على وحدانية الله _عز وجل_ فلقد هدى الله الحيوان: ناطقه وبهيمه، وطيره ودوابه، وفصيحه وأعجمه إلى ما فيه صلاحُ معاشه وحاله.

ويدخل تحت قوله _تعالى_: [رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ] (طه:50) من العجائب والغرائب ما لا يحيط به إلا الله _عز وجل_.

فَمَن الذي هدى الإنسان ساعة ولادته إلى التقام ثدي أمه؟ ومن الذي أودع فيه معرفة عملية الرضاع؟ تلك العملية الشاقة التي تتطلب انقباضاتٍ متواليةً من عضلات الوجه، واللسان، والعنق، وحركاتٍ متواصلةً للفك الأسفل، والتنفس مع الأنف، كل ذلك يتم بهداية تامة، وبدون سبق علم أو تجربة، فمن الذي ألهمه ذلك؟ إنه [رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ]طه:50.

ثم إن هدايته بعد أن يكبر إلى السعي في مصالحه من الضرب في الأرض، والسير فيها، كل ذلك من الهداية التامة العامة للمخلوقات.

أما هداية الطير، والوحش، والدواب _ فحدث ولا حرج، فلقد هداها الله إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان.

وقد ذكر العلامة ابن القيم  رحمه الله  في كتابه (شفاء العليل) أموراً عجيبة من هذا القبيل.

وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها _سبحانه وتعالى_ وعلى إتقان صنعه، وعجيب تدبيره، ولطيف حكمته؛ فإن فيما أودعها من غرائب المعارف، وغوامض الحيل، وحسن التدبير، والتَّأتي لما تريده _ ما يستنطق الأفواه بالتسبيح، ويملأ القلوب من معرفته، ومعرفة حكمته، وقدرته، وما يعلم به كل عاقل أن الله لم يَخْلُقْ عبثاً، ولم يَتْرك سدىً، وأن له حكمةً باهرةً، وآيةً ظاهرة، وبرهاناً قاطعاً، يدل على أنه رب كلِّ شيءٍ ومليكُه، وأنه المتفرد بكل كمالٍ دون خلقهِ، وأنه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم([202]).

 خامساً: دلالة الآفاق

فالآفاق يراها كل أحدٍ؛ العالم والجاهل، المؤمن والكافر، فلو تأمل الإنسان بعين البصيرة والتدبر والتفكر _ لأدرك عظمة مَنْ أنشأها، ولَدَعاه ذلك إلى عبادته وحده لا شريك له.

قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي  رحمه الله  عند قوله _تعالى_: [سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ] (فصلت:53):  ( وقد فعل _تعالى_ فإنه أرى عباده من الآيات ما به تبين أنه الحق، ولكن الله هو الموفق للإيمان من شاء، الخاذل لمن يشاء ) ([203]).

وقال  رحمه الله  في موطن آخر _أيضاً_:  ( كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع الكائنات _ علم أنها خلقت للحق بالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين، ودلالات على جميع ما أخبر به عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل عن اليوم الآخر، وأنها مدبرات، مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها، فتعرف أن العالَم العلويَّ والسفلي كلَّهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا هو ولا رب سواه )  ([204]).

وقال  رحمه الله  في موطن آخر:  ( فهذا خبره _تعالى_ عن أمور مُسْتَقْبَلَةٍ أنه يُري عباده من الآيات والبراهين في الآفاق وفي الأنفس ما يدلهم على أن القرآن حق، والرسول حق، وما جاء به هو الحق ) ([205]).

وفي كل عصر من العصور يُطلع الله عباده على أمور عظيمة في هذا الكون الفسيح.

وفي العصور المتأخرة ظهر العديد من الاكتشافات والمخترعات والحقائق العلمية، ولا يزال الباحثون يكتشفون في كل يوم سرًّا من أسرار هذا الكون العظيم، مما جعلهم يقفون حائرين واجمين معترفين بالتقصير والعجز، وأن هناك عوالمَ أخرى مجهولةً، وأخرى لم تُكتشف بعد.

وخلاصة القول في هذا أن كل ما في الآفاق يدل دلالة قاطعة على وجود مدبر حكيم، رب عليم، مستحق للعبادة، ولكن:

إذا لم يكن للمرء عين صحيحة

فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر

 سادساً: عبودية الكائنات

فالله _سبحانه_ قد خلق جميع الكائنات: إنسِها، وجنِّها، وملائكِها، وحيوانها، وجمادها، ونباتها، وغيرها من الكائنات؛ لعبادته _سبحانه_ وفطرها على توحيده، والاعتراف بألوهيته، والإقرار بفقرها وحاجتها وخضوعها وصمودِها له _جل وعلا_.

فكل هذه الكائنات تقوم بعبادة الله _عز وجل_ ولا يُخِلُّ بذلك إلا الإنسان المعاند الزائغ عن شرع الله _سبحانه وتعالى_ المخالف لنظام هذا الكون المحكم البديع؛ الذي ما قام إلا على عبودية الله.

هذا وتختلف العبوديات من مخلوق إلى مخلوق.

فمن تلك العبوديات: عبودية الإنس، فهي أشرفها وأفضلها.

وأشرف ما فيها عبوديةُ الأنبياء لربهم، وقيامهم بالدعوة والجهاد وغير ذلك، ثم عبودية أتباعهم وأتباع أتباعهم.

ومن ذلك: عبودية الملائكة، والجن وهذا ليس بمستغرب.

أما الغريب حقًّا فهو عبودية الجمادات والحيوانات، التي يعتقد كثير من الناس أنها لا تعقل ولا تدرك، وليس لها أيُّ عبودية لله.

إن هذا الكون الواسع بما فيه من الكائنات كلّه يخضع لخالقه وبارئه، ويؤدي عبودية له _سبحانه وتعالى_ فلقد ثبت لهذه الكائنات في الكتاب والسنة طاعاتٌ كثيرةٌ كالسجود، والتسبيح، والصلاة، والاستغفار، والإسلام، والإشفاق، وغيرها([206]).

فعن سجود هذه الكائنات يقول الله _عز وجل_: [أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ] (الحج: 18).

وليس بالضرورة أن يكون هذا السجود مثل سجود الآدميين من المسلمين؛ فسجود كلِّ أحدٍ بحسبه.

وأما عن تسبيح الكائنات فذلك كما في قوله _تعالى_: [تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا] (الإسراء: 44).

فالكائنات كلها تسبح خالقها تسبيحاً لا نفقهه نحن البشر، وعدم معرفتنا به ليس دليلاً على نفيه؛ فلقد خص الله بعض خلقه بالاطلاع على تسبيح بعض الكائنات، وأفهمه تسبيحها كداود _عليه السلام_.

أما صلاتُها فقد قال الله _تعالى_: [أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ] (النور:41).

فكلها يصلي، ويسبح لله، وليس بالضرورة أن نفهم ذلك.

أما عن استغفارها ففي حديث أبي الدرداء  رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول:  ( وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء ) ([207]).

أما عن إسلامها لله _تعالى_ فقد قال _عز وجل_: [أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ] (آل عمران:83).

إلى غير ذلك من العبوديات المتنوعة التي لا يتسع المقام لذكرها ([208]).

ومن هنا يتبين لنا أن المخلوقاتِ مفتقرةٌ إلى الله _سبحانه وتعالى_  ( وأن فقرَها وحَاجَتَها إليه وصفٌ ذاتيٌّ لهذه الموجودات المخلوقة، كما أن الغنى وصف ذاتي للرب الخالق ) ([209]).

فصمود الكائنات كلها وفقرها إلى الله يدل دلالة واضحة على وحدانيته _سبحانه وتعالى_.

سابعاً: اختلاف الطعوم والألوان والروائح في النبات

وهذا دليل حسي على وحدانية الله؛ فالماء ينزل من السماء عديم اللونِ والطعمِ والرائحةِ، ينزل على الأرض الجرداء، ثم يَخْرُج _بإذن الله_ من جَرَّاء ذلك نباتاتٌ مختلفة في اللون، والطعم، والرائحة، فبعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها مُزٌّ، وبعضها أخضرُ، وبعضها أصفرُ، وبعضها أسود.

بل إن النوع الواحد من بعض الثمار متنوع تنوعاً عجيباً؛ ومن ذلك على سبيل المثال (العنب) فمنه جنات معروشات وغير معروشات، ومنه الحلو، ومنه الحامض، ومنه الحامض الحلو، ومنه الأخضر، ومنه الأحمر، ومنه الأسود، ومنه الطويل، ومنه المدور إلى غير ذلك.

وقل مثل ذلك في النخل؛ فمنها ما يكون حلاوته بسراً أكثرَ من حلاوته رطباً والعكس، ومنه الأسود، ومنه الأصفر، ومنه الطويل، ومنه المدور، كل ذلك وهو يسقى بماء واحد.

فمن الذي فضَّل بعضها على بعض في الأكل؟ ومن الذي أودعها هذه المزايا من الألوان والأطعمة؟

إنه الله [وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣ وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ٥] (الأعلى).

 ثامناً: اختلاف الألسن

فنحن نرى اختلاف الألسن واللغات من شعب إلى شعب، ومن إنسان إلى إنسان، فمن الذي علم الإنسان البيان؟ ومن الذي يعلم تلك اللغات جميعاً، ويحصي ما يقولون فلا تختلط عليه؟ إنه الله الواحد الأحد؛ فاختلاف الألسن آية عظيمة تدل على وحدانيته _سبحانه وتعالى_ ([210]).



 الفصل الثاني

 الإيمان بالملائكة

وتحته:

 المبحث الأول: مفهوم الإيمان بالملائكة وما يتعلق به
 المبحث الثاني:  في كون الملائكة أجساماً
 المبحث الثالث: العلاقة بين الملائكة والبشر

 المبحث الأول: مفهوم الإيمان بالملائكة وما يتعلق به

أولاً: تعريف الملائكة: أ_ التعريف اللغوي: أصل هذه الكلمة أَلَكَ، أي أرسل، ومنه الألوك، وهي الرسالة، وهي المأْلَكَة.

فالملك في اللغة هو المرسل([211]).

ب_ التعريف الاصطلاحي للملائكة: الملائكة عالم غيبي مخلوقون من نور عابدون لله _تعالى_ وليس لهم من خصائص الربوبية، ولا الألوهية شيء، أي أنهم لا يَخْلُقون، ولا يَرزُقون، ولا يجوز أن يعبدوا مع الله، أو من دون الله.

وقد منحهم الله _عز وجل_ الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه.

والملائكة عددهم كثير، ولا يحصيهم إلا الله([212]).

ثانياً: ما يتضمن الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة يتضمن ما يلي:

1_ الإيمان بوجودهم.

2_ الإيمان بما علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالاً، أي نؤمن بأن لله ملائكة كثيرين، ولا يلزم معرفة أسمائهم.

3_ الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة جبريل؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه على صفته التي خلقه الله عليها، وله ستمائة جناح قد سدَّ الأُفق.

وقد يتحول الملك بأمر الله إلى هيئة رجل، كما حصل لجبريل حين أرسله الله إلى مريم أم المسيح _عليهما السلام_: [فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا] (مريم:17).

وحين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم  وهو جالس بين أصحابه بصورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه أحدٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبته، ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال بعد أن ولَّى:  ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) ([213]).

وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله إلى إبراهيم ولوط _عليهما السلام_ على هيئة رجال.

4_ الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها، كتسبيح الله، وعبادته ليلاً ونهاراً دون ملل ولا فتور.

وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة، كـ  ( جبريل )  الأمين على وحي الله يرسله الله بالوحي إلى الأنبياء والرسل، ومثل  ( ميكائيل )  الموكل بالقطر أي النبات، ومثل  ( مالك )  الموكل بالنار، ومثل الملائكة الموكلين بحفظ بني آدم، وغيرهم كثير([214]).

ثالثاً: ثمرات الإيمان بالملائكة:

الإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها:

1_ العلم بعظمة الله _تعالى_ وقوته، وسلطانه: فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.

2_ شكر الله على عنايته ببني آدم حيث وكل بهم مِنْ هؤلاء الملائكة مَنْ يقومون بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.

3_ التقرب إلى الله بحب الملائكة على ما قاموا به من مراضي الله([215]).


 المبحث الثاني: في كون الملائكة أجساماً

لقد صرحت النصوص بأن الملائكة أجسام خلافاً لمن ضلوا في هذا الباب فأنكروا كونَ الملائكة أجساماً، وقالوا: إنهم عِبَارةٌ عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات.

وهذا تكذيب لكتاب الله _تعالى_ وسنة رسوله  صلى الله عليه وسلم  وإجماع المسلمين.

قال الله _تعالى_: [ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ] فاطر: 1 .

وقال في أهل الجنة: [وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤] الرعد .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة  رضي الله عنه  عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( إذا أحب الله العبد نادى جبريل أن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض ) ([216]).

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: قال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول؛ فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر ) ([217]).

وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية كما قال الزائغون، وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون([218]).


 المبحث الثالث: العلاقة بين الملائكة والبشر

 أولاً: علاقة الملائكة بالبشر:

علاقة الملائكة ببني آدم علاقة وثيقة، ومن مظاهر تلك العلاقة ما يلي:

1_ قيامهم على الآدمي عند خلقه: فعن ابن مسعود  رضي الله عنه  قال: حدثنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهو الصادق المصدوق قال:  ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً يؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ) ([219]).

2_ حفظهم لابن آدم: قال الله _تعالى_: [سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۢ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠ لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ] (الرعد: 10_11) .

3_ أنهم سفراء الله إلى رسله وأنبيائه: وقد أعلمنا الله أن جبريل يختص بهذه المهمة: [قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ] (البقرة:97).

وقال: [نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ١٩٤] الشعراء.

4_ تحريك بواعث الخير في نفوس العباد: فقد وكَّل الله بكل إنسان قريناً من الملائكة، وقريناً من الجنّ، ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينُه من الجن، وقرينه من الملائكة ) .

قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال:  ( وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير )  ([220]).

ولعلّ هذا القرين من الملائكة غيرُ الملائكة الذين أمروا بحفظ أعماله، قيَّضه الله له؛ ليهديه، ويرشده.

وقرين الإنسان من الملائكة وقرينه من الجنّ يتعاوران الإنسان، هذا يأمره بالشر ويرغبه فيه، وذاك يحثه على الخير ويرغبه فيه، فعن ابن مسعود  رضي الله عنه : أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأمّا لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأمّا لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنّه من الله، وليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ: [ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ] )  (البقرة:268 ) ([221]) ([222]).

5_ تسجيل أعمال بني آدم: فهناك ملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم من خير وشرّ، وهؤلاء هم المعنيون بقوله _تعالى_: [وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ] الإنفطار .

وقد وكل الله بكل إنسان ملكين حاضرين، لا يفارقانه، يحصيان عليه أعماله وأقواله: [وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦ إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧ مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيد] ق.

ومعنى قعيد: أي مترصد.

ورقيب عتيد: أي مراقب مُعِدٌّ لذلك لا يترك كلمة تفلت.

6_ نزع أرواح العباد عندما تنتهي آجالهم: فقد اختص الله بعض ملائكته بنزع أرواح العباد عندما تنتهي آجالهم التي قدرها الله لهم، قال _تعالى_: [قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ] (السجدة:11).

والذين يقبضون الأرواح أكثر من ملك، قال الله _تعالى_: [وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١ ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ] الأنعام.

وتنزع الملائكة أرواح الكفرة والمجرمين نزعاً شديداً عنيفاً بلا رفق ولا هوادة، قال الله _عز وجل_: [وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ] (الأنعام:93).

وقال: [وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ] (الأنفال:50).

وقال: [فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ] (محمد:27).

أما المؤمنون فإن الملائكة تنزع أرواحهم نزعاً رفيقاً.

7_ إقبالهم على المؤمنين: وذلك بمحبتهم، وتسديدهم، والصلاة عليهم كصلاتهم على معلم الخير، والذين ينتظرون صلاة الجماعة، والذين يصلون في الصف الأول، والذين يسدون الفرج بين الصفوف، والذين يتسحرون، والذين يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم  والذين يعودون المرضى.

ومن إقبالهم على المؤمنين تأمينهم على دعائهم، واستغفارهم لهم، وشهودهم مجالس العلم وحِلَق الذِّكر، وتسجيل الذين يحضرون الجمعة، وتَنَزُّلُهم عند من يُقرأ القرآن، ومقاتلتهم مع المؤمنين في الحروب إلى غير ذلك من الأعمال.([223])

8_ بغضهم للكافرين: فالملائكة لا يحبون الكفرة الظالمين، بل يعادونهم ويحاربونهم، ويزلزلون قلوبهم، ويلعنونهم.

 ثانياً: المفاضلة بين الملائكة وصالح البشر:

هذه المسألة وقع الخلاف فيها قديماً، وكثرت فيها الأقوال، وتحقيق القول وخلاصته في هذه المسألة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله  من أن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة، ونالوا الزُّلفى، وسكنوا الدرجات العلا، وحياهم الرحمن، وخصهم بمزيد قربه، وتجلى لهم، يستمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وقامت الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم .

والملائكة أفضل باعتبار البداية؛ فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى، منزهون عمّا يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب.

ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر.

قال ابن القيم: وبهذا التفصيل يتبين سرّ التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالَح كلٌّ منهم على حقه.

والله أعلم بالصواب([224]).



 الفصل الثالث

 الإيمان بالكتب


 المبحث الأول: مفهوم الإيمان بالكتب وما يتعلق به

 أولاً: تعريف الكتب لغةً وشرعاً

الكتب في اللغة: جمع كتاب بمعنى مكتوب، مثل فراش بمعنى مفروش، وإله بمعنى مألوه، وغراس بمعنى مغروس.

ومادة (كتب) تدور حول الجمع والضم، وسمي الكاتب كاتباً؛ لأنه يجمع الحروف، ويضم بعضها إلى بعض.

ومنه الكتيبة من الجيش سميت كتيبةً؛ لاجتماعها، وانضمام بعضها إلى بعض، ومنه تسمية الخياط كاتباً؛ لأنه يجمع أطراف الثوب إلى بعض، كما في مقامات الحريري حيث قال ملغزاً:

وكاتبين وما خطت أناملهم

حرفاً ولا قرأوا ما خُطَّ في الكتب

ويَقْصدُ بهم الخياطين([225]).

أما في الشرع:  ( فالمراد بها الكتب التي أنزلها الله _تعالى_ على رسله؛ رحمة للخلق، وهداية لهم؛ ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة ) ([226]).

 ثانياً: ما يتضمن الإيمان بالكتب

1_ الإيمان بأنها أنزلت من عند الله حقًّا.

2_ الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الذي نُزِّل على محمد صلى الله عليه وسلم  والتوراة التي أُنزلت على موسى صلى الله عليه وسلم والإنجيل الذي نزل على عيسى _عليه الصلاة والسلام_ والزبور الذي أوتيه داود _عليه السلام_.

وأما ما لم نعلمه من الكتب المنزلة فنؤمن به إجمالاً.

3_ تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل، أو يحرف من الكتب السابقة.

4_ العمل بما لم ينسخ منها، والرضا، والتسليم به، سواء فهمنا حكمته أو لم نفهمها.

وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم، قال الله _تعالى_: [وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ] (المائدة:48).

أي حاكماً عليه، وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح وأقره القرآن([227]).

 ثالثاً: أهمية الإيمان بالكتب

للإيمان بالكتب أهمية عُظمى تتجلى في أمور منها ما يلي:

1_ الإيمان بالكتب أصل من أصول العقيدة، وركن من أركان الإيمان، ولا يصح إيمان أحد إلا إذا آمن بالكتب التي أنزلها الله على رسله _عليهم السلام_.

2_ أن الله _عز وجل_ أثنى على الرسل الذين يبلغون عن الله رسالاته؛ فقال _عز وجل_: [ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ] (الأحزاب: 39).

كما أخبر _سبحانه_ أن الرسول  صلى الله عليه وسلم  والمؤمنين آمنوا بما أنزل من عند الله من كتب، قال _تعالى_: [ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ] (البقرة: 285).

3_ أن الله أمر المؤمنين بأن يؤمنوا بما أنزله كما في قوله _تعالى_: [قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ] (البقرة: 136).

4_ أن الله أهلك الأمم بسبب تكذيبهم برسالاته، كما أخبر الله عن صالح بقوله: [فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ] (الأعراف: 79).

5_ أن من أنكر شيئاً مما أنزل الله فهو كافر كما قال _تعالى_: [وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا] النساء:136.

 رابعاً: ثمرات الإيمان بالكتب

الإيمان بالكتب يثمر ثمراتٍ جليلةً منها:

1_ العلم بعناية الله؛ حيث أنزل لكل قوم كتاباً يهديهم به.

2_ العلم بحكمة الله؛ حيث شرع لكل قوم ما يناسبهم، ويلائم أحوالهم.

3_ الاستغناء بالوحي عن أفكار البشر التي تخطئ، وتصيب، ويعتريها الهوى، والذهول.

4_ السير على طريقٍ مستقيمةٍ واضحةٍ لا اضطراب فيها ولا اعوجاج.

5_ الفرح بذلك الخير العظيم [قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ](يونس: 58).

6_ شكر الله على هذه النعمة العظيمة.

7_ التحرر من التخبط الفكري والعقدي([228]).

 خامساً: أدلة الإيمان بالكتب

لقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على الإيمان بالكتب، فمن ذلك قوله _تعالى_: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ] (النساء: 136).

وقوله _تعالى_: [وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ] (الشورى: 15).

وقال _عليه الصلاة والسلام_ كما في حديث جبريل المشهور عندما سأله عن الإيمان قال: ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) الحديث([229]).

 سادساً: الغاية من إنزال الكتب

أنزلت الكتب السماوية كلُّها لغايةٍ واحدةٍ، وهدف واحد وهو أن يُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، ولتكون منهج حياة للبشر الذين يعيشون في هذه الأرض، تقودهم بما فيها من هداية إلى كل خير، ولتكون روحاً ونوراً تحيي نفوسهم، وتكشف ظلماتها، وتنير لهم دروب الحياة كلها([230]).

 سابعاً: ما يضاد الإيمان بالكتب

يضاد الإيمان بالكتب تكذيبها، والكفر بها، وتحريفها.

كما يضادها: الإعراضُ عن القرآن، وادعاء نسخه، والتحاكم إلى غيره، وادعاء نقصه، ومضاهاته، ومعارضته.


 المبحث الثاني: مواضع الاتفاق والاختلاف بين الكتب السماوية

 المطلب الأول: مواضع الاتفاق بين الكتب السماوية

تتفق الكتب السماوية في أمور عديدة منها:

1_ وحدة المصدر: فمصدرها واحد؛ فهي منزلة من عند الله _تعالى_.

2_ وحدة الغاية: فالكتب السماوية غايتها واحدة، فهي كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى دين الإسلام؛ فالإسلام هو دين جميع الرسل؛ فالغاية _إذاً_ هي الدعوة إلى دين الإسلام، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له.

3_ مسائل العقيدة: فالكتب اشتملت على الإيمان بالغيب، ومسائل العقيدة، كالإيمان بالرسل، والبعث والنشور، والإيمان باليوم الآخر إلى غير ذلك.

فمسائل العقيدة من باب الأخبار التي لا تنسخ([231]).

4_ القواعد العامة: فالكتب السماوية تقرر القواعد العامة، التي لابد أن تعيها البشرية؛ كقاعدة الثواب والعقاب، وهي أن الإنسان يحاسب بعمله، فيعاقب بذنوبه وأوزاره، ولا يؤاخذ بجريرة غيره، ويثاب بسعيه، وليس له سعي غيره.

ومن ذلك الحثُّ على تزكية النفس، وبيان أن الفلاح الحقيقي لا يتحقق إلا بتزكية النفس بالطاعة لله، والعبودية له، وإيثار الآجل على العاجل.

ومن تلك القواعد أن الذي يستحق وراثة الأرض هم عباد الله الصالحون، والعاقبة للتقوى وللمتقين.

5_ العدل والقسط: فجميع الأنبياء _عليهم السلام_ حملوا ميزان العدل والقسط.

6_ محاربة الفساد والانحراف: وهذا ما اتفقت عليه الرسالات؛ سواء كان الفساد عقدياً أو خلقياً، أو انحرافاً عن الفطرة، أو عدواناً على البشر، أو تطفيفاً في الكيل والميزان، أو غير ذلك.

7_ الدعوة إلى مكارم الأخلاق: فالكتب كلها دعت إلى مكارم الأخلاق، كالعفو عن المسيء، وكالصبر على الأذى، وكالقول الحسن، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وإكرام الضيف، والتواضع، والعطف على المساكين، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق.

8_ كثير من العبادات: فكثير من العبادات التي نقوم بها كانت معروفة عند الرسل وأتباعهم، كالصلاة، والزكاة،  والصوم، والحج([232]).

 المطلب الثاني: مواضع الاختلاف بين الكتب السماوية

تختلف الكتب السماوية في الشرائع، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى _عليهما السلام_ في بعض الأمور، وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم تخالف شريعة موسى وعيسى _عليهما السلام_ في أمور.

قال _تعالى_:[لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ](المائدة: 48).

وليس معنى ذلك أن الشرائع تختلف اختلافاً كلياً؛ فالناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية، وقد مر بنا شيء من ذلك، فالاختلاف بينها إنما يكون في التفاصيل.

فعدد الصلوات، وأركانها، وشروطها، ومقادير الزكاة، ومواضع النسك، ونحو ذلك_قد تختلف من شريعة إلى شريعة، وقد يُحِل الله أمراً في شريعة لحكمة، ويحرمه في شريعة أخرى؛ لحكمة يعلمها_عز وجل_ولا يلزم أن نعلمها، ومن الأمثلة على ذلك مايلي:

1_ الصوم: فقد كان الصائم يفطر في غروب الشمس، ويباح له الطعام، والشراب، والنكاح إلى طلوع الفجر ما لم ينم، فإن نام قبل الفجر حرم عليه ذلك كله إلى غروب الشمس من اليوم الثاني، فخفف الله عن هذه الأمة، وأحله من الغروب إلى الفجر، سواء نام أو لم ينم، قال _تعالى_: [أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ] (البقرة: 187).

2_ ستر العورة حال الاغتسال: لم يكن واجباً عند بني إسرائيل، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم:  ( كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده ) ([233]).

3_ الأمور المحرمة: فمما أحله الله لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم الله هذا بعد ذلك.

وكان التسري على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة.

وقد حرَّم الله مثل هذا على بني إسرائيل في التوراة.

وكذلك الجمع بين الأختين كان سائغاً، وقد فعله يعقوب فتزوج بابنتي خاله: ليَّا، وراحيل؛ وهما أختان، ثم حُرِّمَ عليهم في التوراة.

ومما حرَّمه الله على اليهود ما قصه علينا في سورة الأنعام، قال _تعالى_: [وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] (الأنعام: 146).

ثم جاء عيسى _عليه السلام_فأحل لبني إسرائيل بعض ما حرم عليهم.

وجاءت الشريعة الخاتمة، لتكون القاعدة: إحلال الطيبات وتحريم الخبائث.

ومما تميزت به الشريعة الخاتمة أنها عامة لجميع الناس إلى قيام الساعة، بخلاف الشرائع الأخرى، فهي خاصة بقوم دون قوم، أو فترة دون فترة([234]).


 المبحث الثالث: القرآن والتوراة والإنجيل

القرآن والتوراة والإنجيل هي أعظم الكتب السماوية.

 أولاً: القرآن الكريم

القرآن آخر الكتب السماوية وهو خاتمها، وهو أطولها، وأشملها، وهو الحاكم عليها.

هذا وقد مرَّ الحديث عن القرآن الكريم عند الكلام على مصادر التشريع الإسلامي.

وسيأتي الكلام عليه _أيضاً_ عند الحديث عن الإعجاز في القرآن في الباب الثامن، وهو: الدلائل على حقيقة الإسلام.

 ثانياً: التوراة

1_ معنى كلمة التوراة: التوراة كلمة عبرانية تعني الشريعة، أو الناموس، أو الهدي([235]).

والتوراة _في الأصل_ وعند المسلمين اسم للكتاب المنزل على موسى _عليه السلام_.

والتوراة كتاب عظيم اشتمل على النور والهداية كما قال _تعالى_: [إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ] (المائدة: 44).

وقال _تعالى_: [ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ] (الأنعام: 154).

وكثيراً ما يَقْرِنُ الله _عز وجل_ في القرآن بين التوراة والقرآن؛ وذلك لأنهما أفضل كتابين أنزلهما الله على خلقه.

هذه باختصار هي حقيقة التوراة التي أنزلت على موسى _عليه السلام_([236]).

2_ التوراة الموجودة اليوم:

أما التوراة الموجودة اليوم وفي اصطلاح اليهود فهي ما يطلق على الشريعة المكتوبة التي يعتقد اليهود أن موسى _عليه السلام_ كتبها بيده.

ويسمونها: (بنتاتوك) نسبة إلى: (بنتا) وهي كلمة يونانية تعني خمسة أسفار، وهذه الأسفار هي:

الأول: سفر التكوين: ويتحدث هذا السفر عن خلق العالم، وظهور الإنسان، وطوفان نوح، وولادة إبراهيم إلى موت يوسف _عليه الصلاة والسلام_.

الثاني: سفر الخروج: ويتحدث عن حياة بني إسرائيل في مصر، منذ موت يوسف _عليه السلام_ إلى حين خروجهم من مصر إلى أرض كنعان مع موسى ويوشع بن نون، وما حدث لهم بعد الخروج.

الثالث: سفر اللاويين: نسبة إلى لاوي بن يعقوب، وفي هذا السفر حديث عن الطهارة، والنجاسة، وتقديم الذبائح، والنذر، وتعظيم هارون وبنيه.

الرابع: سفر العدد: وهو يحصي قبائل بني إسرائيل منذ يعقوب، وأفرادَهم ومواشيهم.

الخامس: سفر التثنية: ويعني تكرير الشريعة، وإعادة الأوامر والنواهي عليهم مرة أخرى.

وينتهي هذا السِّفر بموت موسى _عليه السلام_([237]).

وقد يطلق النصارى اسم التوراة على جميع أسفار العهد القديم([238]).

أما الكتب الملحقة بالتوراة فهي أربعة وثلاثون سفراً  حسب النسخة البروتستانتية فيكون مجموعها مع التوراة تسعة وثلاثين سفراً، وهي التي تسمى العهد القديم لدى النصارى ويمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام:

أولاً: الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى _عليه السلام_.

ثانياً: الأسفار التاريخية وهي ثلاثة عشر سفراً: 1_ يشوع. 2_ القضاة. 3_ راعوث. 4_ صموئيل الأول. 5_ صموئيل الثاني. 6_ الملوك الأول. 7_ الملوك الثاني. 8_ أخبار الأيام الأول. 9_ أخبار الأيام الثاني. 10_ عزرا. 11_ نحميا. 12_ إستير. 13_ يونان _يونس عليه السلام_.

وهذه الأسفار تحكي قصة بني إسرائيل من بعد موسى _عليه السلام_ إلى ما بعد العودة من السبي البابلي إلى فلسطين، وإقامتهم للهيكل مرة أخرى بعد تدميره، ماعدا سفري أخبار الأيام الأول والثاني؛ فإنها تعيد قصة بني إسرائيل وتبتدئ بذكر مواليد آدم على سبيل الاختصار إلى السنة الأولى لمِلِك الفرس قورش.

وكذلك سفر يونان (يونس _عليه السلام_) يحكي قصته مع أهل نينوى([239]) الذين أرسل إليهم.

ثالثاً: أسفار الأنبياء وهي خمسة عشر سفراً: 1_ أشعيا. 2_ إرميا. 3_ حزقيال. 4_ دانيال. 5_ هوشع. 6_ يوثيل. 7_ عاموس. 8_ عوبديا. 9_ ميخا. 10_ ناحوم. 11_ حبقوق. 12_ صفنيا. 13_ حجى. 14_ زكريا. 15_ ملاخى([240]).

وهذه الأسفار يغلب عليها طابع الرؤى، والتنبؤات بما سيكون من حال بني إسرائيل، وحال الناس معهم، وفيها تهديدات لبني إسرائيل، ووعود بالعودة والنصر.

والذين نسبت إليهم هذه الأسفار هم ممن كانوا زمن السبي إلى بابل وبعده.

رابعاً: أسفار الحكمة والشعر (الأسفار الأدبية) وهي خمسة أسفار: 1_ أيوب. 2_ الأمثال. 3_ الجامعة. 4_ نشيد الإنشاد. 5_ مراثي إرميا.

خامساً: سفر الابتهالات والأدعية سفر واحد، وهو سفر المزامير المنسوب إلى داود _عليه السلام_ ([241]).

هذه أسفار النسخة العبرانية المعتمدة لدى اليهود والبروتستانت من النصارى.

أما النصارى الكاثوليك، والأرثوذكس فيعتمدون النسخة اليونانية، وهي تزيد على العبرانية بسبعة أسفار هي: سفر طوبيا، ويهوديت، والحكمة، ويشوع بن سيراخ، وباروخ، والمكابيين الأول والمكابيين الثاني([242]).

3_ التلمود: هو أحد مصادر اليهود، ويعني تعليم ديانة اليهود، وآدابها.

ويتكون من جزئين: أ. متن: ويسمى (المشناة) بمعنى المعرفة، أو الشريعة المكررة.

ب. شرح: ويسمى (جماراً) ومعناه الإكمال.

وكان التلمود هو القانون أو الشريعة الشفهية التي كان يتناقلها الحاخامات الفريسيون من اليهود سراً جيلاً بعد جيل.

ثم إنهم لخوفهم عليها من الضياع دوَّنوها، وكان ذلك في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، وأطلق عليها اسم (المشناة).

ثم شرحت هذه المشناة، وسمي الشرح (جماراً).

وألفت هذه الشروح في فترة طويلة، امتدت من القرن الثاني بعد الميلاد إلى أواخر القرن السادس بعد الميلاد.

وتعاقب على الشرح حاخامات بابل، وحاخامات فلسطين، ثم سمي المتن وهو المشناة مع الشرح وهي جمارا: التلمود.

وما كان عليه تعليقات وشروح حاخامات بابل سمي:  ( تلمود بابل ) .

وماكان عليه شروح حاخامات فلسطين سمي:  ( تلمود فلسطين ) .

والتلمود يقدسه، ويعظمه اليهود الفرنسيون، وباقي الفرق تنكره([243]).

وله أثرٌ كبيرٌ في نفسية اليهود.

4_ تحريف التوراة:

كل عاقل منصف _فضلاً عن المسلم المؤمن_ يعلم براءة التوراة التي أنزلها الله على موسى _عليه السلام_ من أكثر ما هو موجود في الكتب الموجودة في أيدي اليهود، وذلك لأمور عديدة منها:

أ_ ما حصل للتوراة من الضياع والنسخ والتحريف والتدمير، فلقد حُرِّف فيها، وبُدِّل، وضاعت، وتعرضت لسبع تدميرات، منذ عهد سليمان _ عليه السلام _ (945) قبل الميلاد إلى أن حصل التدمير السابع عام 613م مما يدل على ضياعها وانقطاع سندها.

ب_ ما تشتمل عليه من عقائد باطلة لا تَمُتُّ إلى ما جاء به المرسلون بأدنى صلة.

ج_ اشتمالها على تنقص الرب _جل وعلا_ وتشبيهه بالمخلوقين، ومن ذلك قولهم: ( إن الله تصارع مع يعقوب ليلة كاملة فصرعه يعقوب ) .

ومن ذلك قولهم:  ( إن الله ندم على خلق البشر لما رأى من معاصيهم، وأنه بكى حتى رمد فعادته الملائكة ) .

تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

د_ اشتمالها على سب الأنبياء والطعن فيهم، ومن ذلك قولهم: ( إن نبي الله هارون صنع عجلاً، وعبده مع بني إسرائيل ) .

وقولهم:  ( إن لوطاً شرب خمراً حتى سكر، ثم قام على ابنتيه فزنى بهما الواحدة تلو الأخرى ) .

وقولهم:  ( إن سليمان _عليه السلام_ ارتد في آخر عمره، وعَبَدَ الأصنام، وبنى لها المعابد، إلى غير ذلك من تلك المخازي التي ينزه عنها الأنبياء _عليهم السلام_ ) ([244]).

هـ _ اشتمالها على المغالطات والمستحيلات والمتناقضات([245]).

و_ أن المعركة التي قامت بين التوراة وحقائق العلم الحديث أثبتت ما في التوراة من الأخطاء العلمية.

ومن تلك الكتب التي تكلمت على هذا الموضوع كتابان هما: (أصل الإنسان) و(التوراة والإنجيل والقرآن والعلم) لعالم فرنسي اسمه (موريس بوكاي) حيث أثبت وجود أخطاء علمية في التوراة والإنجيل، وأثبت في الوقت نفسه عدم تعارض القرآن مع العلم الحديث وحقائقه، بل سجل شهادات تفوق سبق القرآنُ فيها العلمَ بألف وأربعمائة عام([246]).

 ثالثاً: الإنجيل

1_ الإنجيل في الأصل: الإنجيل كلمة يونانية تعني الخبر الطيب _البشارة_([247]).

والإنجيل عند المسلمين: هو الكتاب العظيم الذي أنزله الله على عيسى _عليه السلام_ متمماً للتوراة، ومؤيداً لها، وموافقاً لها في أكثر الأمور الشرعية، يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبين الحق من الباطل، ويدعو إلى عبادة الله وحده دون من سواه.

هذا هو الإنجيل الذي أنزل على عيسى _عليه السلام_.

وبعد رفع عيسى _عليه السلام_ دخل التحريف الإنجيل فَغُيِّر فيه، وبدِّل، وزيد فيه، ونقص([248]).

2_ الإنجيل بعد عيسى _عليه السلام_:

الكتاب المقدس لدى النصارى يشمل التوراة، والكتب الملحقة بها، والأناجيل، ورسائل الرسل.

وتسمى التوراةُ، والكتب الملحقة بها العهدَ القديم، وتسمى الأناجيلُ، ورسائلُ الرسلِ العهدَ الجديد.

والنصارى يقدِّسون كلاً من العهد القديم والعهد الجديد، ويضمونهما معاً في كتاب واحد يطلقون عليه اسم: الكتاب المقدس.

والعهد القديم بالنسبة للنصارى منسوخ حكماً؛ فلا يعملون بشيء من تشريعاته؛ حيث ألغى العمل به بولس، غير أنهم يعتقدون قداسة العهد القديم، ويستفيدون منه معارفهم الدينية، مثل المعلومات المتعلقة بخلق السماوات والأرض، وخلق آدم، وقصص الأنبياء، كما يقتبسون منه كثيراً من الأدعية في صلواتهم، وخاصة المزامير، التي تتضمن كثيراً من الأدعية والابتهالات([249]).

فالعهد الجديد _إذاً_ هو الذي يشتمل على أناجيلهم، والرسائل الملحقة بها، وتتضمن حسب المدوّن فيها: دعوة المسيح _عليه السلام_، وتاريخه، وشيئاً من دعوة أوائل النصارى، وتاريخهم، ورسائل دينية أخرى، وهي على الترتيب1. إنجيل متى.2. إنجيل مرقص.3. إنجيل لوقا. 4.  إنجيل يوحنا. 5.  أعمال الرسل. 6. رسالة بولس إلى أهل روميه. 7. رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس. 8. رسالة بولس الثانية إلى كورنثوس. 9.  رسالة بولس إلى غلاطيه. 10. رسالة بولس إلى أفسس. 11. رسالة بولس إلى أهل فيلبي. 12. رسالة بولس إلى أهل كولوسي. 13. رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي. 14. رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي. 15. رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس. 16. رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس. 17. رسالة بولس إلى تيطس. 18. رسالة بولس إلى فليمون. 19. الرسالة إلى العبرانيين. 20. رسالة يعقوب. 21.  رسالة بطرس الأولى. 22. رسالة بطرس الثانية. 23.  رسالة يوحنا الأولى. 24. رسالة يوحنا الثانية. 25. رسالة يوحنا الثالثة. 26.  رسالة يهوذا. 27. رؤيا يوحنا اللاهوتي([250]).

3_ الأناجيل المعتبرة عند النصارى: أ. إنجيل متى: وهو أحد التلاميذ الاثني عشر, وقد دون الإنجيل باللغة العبرية أو بالسريانية.

وآخر نسخة عُثر عليها كانت باللغة اليونانية كما أن هناك خلافاً حول مَنْ دَوَّن الإنجيل ومَنْ ترجمه ([251]).

2_ إنجيل مَرْقَص: وكاتبه يوحنا، ويلقب بمرقص، ولم يكن من الحواريين الاثني عشر الذين تتلمذوا للمسيح، واختصهم بالزلفى إليه.

وأصله من اليهود، وكانت أسرته بأورشليم في وقت ظهور المسيح، وهو من أوائل الذين أجابوا دعوته؛ فاختارهم من بين السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقادهم بعد رفعه ([252]).

وكان رجلاً نشيطاً في نشر النصرانية في أنطاكية، وشمال أفريقيا، ومصر، وروما, وقد قتل حوالي عام 62م([253]).

3_ إنجيل لوقا: يقولون: إن لوقا ولد في أنطاكية ودرس الطب، ونجح في ممارسته، ولقد رافق بولس في أسفاره وأعماله([254]).

4_ إنجيل يوحنا: وهو حواريٌّ كان المسيح يحبه، وبعضهم يقول: إنه شخصية مجهولة انفرد بالقول بالتثليث، وبألوهية المسيح في الوقت المبكر من تاريخ النصرانية([255]).

بيَّن كثير من العلماء المسلمين قديماً وحديثاً ومن علماء النصارى الذين دخلوا في

4_ مآخذ على الأناجيل الموجودة اليوم:

بيَّن كثير من العلماء المسلمين قديماً وحديثاً ومن علماء النصارى الذين دخلوا في الإسلام، أو المتحررين منهم من ربقة التقليد _ مآخذ كثيرة على هذه الأناجيل الموجودة في أيدي النصارى، ووجهوا إليها انتقادات كثيرة، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وابن القيم  في كتابه: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى.

ومن العلماء المُحْدَثين الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه: إظهار الحق، والشيخ محمد أبو زهرة في كتابه: محاضرات في النصرانية، ومن علماء النصارى الذين أسلموا الشيخ زيادة بن يحيى الراسي في كتابه البحث الصريح في إيِّما هو الدين الصحيح، والشيخ إبراهيم خليل أحمد كما في كتابه: محاضرات في مقارنة الأديان.

وفيما يلي إجمال لبعض المآخذ على الأناجيل الموجودة بأيدي النصارى اليوم:

أ_ أن أوائل النصارى _كما ذكره بولس في رسائله_ يرون أن الله أنزل كتاباً على المسيح سماه الإنجيل، ودعى المسيحُ _عليه السلام_ إلى الإيمان به.

ولكن النصارى لا يعرفون شيئاً عن مصير ذلك الكتاب.

ب_ أن هذه الأناجيل التي بأيدي النصارى لم يُمْلِها عيسى _عليه السلام_ ولم تنزل عليه وحياً، ولكنها كتبت بعده.

ج_ ما وقع في الأناجيل من تلاعب النساخ، وتبديلهم، وتحريفهم.

د_ ما تشتمل عليه تلك الأناجيل من المتناقضات، والاختلافات، وقد أحصى الشيخ رحمة الله الهندي _في آخر كتابه إظهار الحق_ أكثر من مائة اختلاف بين هذه الأناجيل([256]).

هـ. أن النصارى لا يعرفون بالضبط تاريخ إعطاء هذه الكتب صفة الإلزام والقداسة.

وإنما يرون أنه خلال القرن الرابع الميلادي أخذت كتبهم صفة القداسة تدريجياً.

و _ انقطاع السند في نسبتها لكتابها؛ فالنصارى لا يملكون السند لكتبهم، ولا يعرفون مصدرها الحقيقي؛ فهي لا تعدو أن تكون كتباً وجدوها منحولة إلى أولئك الذين نسبت إليهم، فنسبوها إليهم، واعتقدوا صحة ذلك بدون دليل.

وهذا أمر لا يعطي النفس البشرية القناعة المناسبة لما تُراد له هذه الكتب في الأصل من تجنب سخط الله، وبلوغ رضوانه.

ز _ اشتمالها على تنقص الرب _جل وعلا_ وعلى نسبة القبائح للأنبياء _عليهم السلام_.

ح _ اشتمالها على العقائد الباطلة المخالفة للنقل والعقل.

ط _ تعارضها مع الحقائق العلمية، كما أثبت ذلك عدد من العلماء؛ منهم موريس بوكاي وقد مرَّ الكلام عليه قريباً([257]).

ي_ أن تلك الأناجيل _وبغض النظر عن كونها محرفة_ تخلو من أي تصور محدد لنظام سياسي، أو اجتماعي، أو اقتصادي، أو علمي([258]).

وبالجملة فإن الأناجيل الموجودة اليوم ليست هي الإنجيلَ الذي أُنزل على عيسى _عليه السلام_ وإنما هي خليط من ديانات ووثنيات هندية، ويونانية، ومصرية قديمة.

وهي _كذلك_ صورة لما صنعه بولس شاؤل الذي غيَّر دين النصارى.

ولا يعني أن تلك الأناجيل تخلو من بعض الحق، ومن كلمات للمسيح، وإن كان ذلك لا يثبت في ميزان النقد العلمي، وإنما يُقال ذلك لأن ما في القرآن يؤيده، ويصدقه([259]).

 رابعاً: هل يجوز لأحد اتباع التوراة أو الإنجيل بعد نزول القرآن؟

لا يجوز لأحد ذلك؛ للاعتبارات السابقة، ولأنها _وعلى فرض صحتها_ كانت خاصة لأمة معينة، ولفترة محددة، ولأنها نسخت بالقرآن الكريم.

ومن هنا يتبين بطلان وعدم جواز العمل بهذه الكتب إلا ما أقره القرآن، ويتبين لنا ضلال اليهود والنصارى وبطلان مزاعمهم، كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ) ([260]).


 الفصل الرابع

 الإيمان بالرسل


 المبحث الأول: مفهوم النبوة والرسالة

 أولاً: تعريف النبوة والرسالة في اللغة

أ_ تعريف النبوة في اللغة: النبوة في اللغة لها ثلاثة اشتقاقات؛ فهي إما مأخوذة من النبأ وهو: الخبر الذي له خطب وشأن؛ فتكون النبوة بمعنى الإخبار.

وإما أن تكون مأخوذة من النباوة، أو النَّبْوَة وكلاهما يدل على الارتفاع؛ فتكون بمعنى الرفعة والعلو.

وإما أن تكون مأخوذة من النَّبي، وهو بمعنى الطريق؛ فتكون النبوة بمعنى الطريق إلى الله _عز وجل_.([261])

والحقيقة أن النبوة الشرعية تشمل كل هذه المعاني؛ إذ النبوة إخبار عن الله _عز وجل_ وهي رفعة لصاحبها؛ لما فيها من التشريف والتكريم، وهي الطريق الموصلة إلى الله _سبحانه_.

ومع ذلك فإن أولى هذه المعاني بلفظ النبوة والنبيِّ هو اشتقاقها من النبأ؛ لأن النبي مُنَبَّأٌ من الله، وهو كذلك ينبئ الناس عن الله، وتتحقق نبوته بمجرد ذلك، وبهذا التحقق تثبت له أوصاف العلو والارتفاع، وكونه طريقاً إلى معرفة الله _عز وجل_.

ونرى مصداق ذلك ما يتردد في القرآن من إطلاق النبأ على الخبر، فمثلاً يقول الله _سبحانه وتعالى_: [نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ] (الحجر:49).

ويقول حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:[نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ] التحريم:3.

وغير ذلك عشرات الآيات كلها تَذْكُر الإنباء بمعنى الإخبار.

ولعل ذلك يؤكد لنا أن النبوة مشتقة من النبأ، وهو الإخبار؛ فيكون معنى النبي: هو المُخْبَرُ من الله، أو المُخْبِرُ عن الله _جلَّ وعلا_.([262])

ب_ تعريف الرسالة في اللغة: أصل هذه المادة: الراء والسين واللام (رسل).

والرسول مأخوذ من الإرسال، وهو التوجيه، أو من التتابع؛ أخذاً من قولهم رسل اللبن: إذا تتابع دره؛ فالرسول _إذاً_ إما أن يكون مأخوذاً من كونه يوجِّه الناس، أو من كون الوحي يتتابع عليه([263]).

فهذا هو المعنى اللغوي للنبي الرسول.

 ثانياً: تعريف النبوة والرسالة في الشرع

يمكن تعريف النبوة والرسالة في الشرع بأن يقال: هي صفةٌ تَحْدُثُ في الشخص بعد أن يصطفيه الله _عز وجل_ فيخبره بخبر السماء، ويأمره بتبليغه.

فالنبوة والرسالة تتحقق بمجرد اصطفاء الله للشخص بالوحي بغض النظر عما يدور من الخلاف حول الفرق بين النبي والرسول، والنسبة بينهما([264]) على ما سيأتي بيانه في الفقرة التالية.

ثالثاً: الفرق بين النبي والرسول

للعلماء في تحديد الفرق بين النبي والرسول، وتحديد مسمى كل منهما كلام كثير لا يسلم من نقد، لكن الأمر الراجح عند كثير من أهل العلم أن هناك فرقاً بين مسمى النبي، ومسمى الرسول، وإن اختلفوا في تحديد المراد بكل منهما.

وأيضاً فإن النبوة أعم من الرسالة؛ فكل رسول نبي، وليس كلُّ نبيٍّ رسولاً.

والذي يظهر _والله أعلم_ أن النبي: هو من نَبَّأَه الله بشرع سابق ينذر به أهل ذلك الشرع، وقد يؤمر بتبليغ بعض الأوامر في قضية معينة، أو الوصايا والمواعظ وذلك كأنبياء بني إسرائيل؛ إذ كانوا على شريعة التوراة، ولم يأتِ أحد منهم بشرع جديد ناسخ للتوراة، فتكون منزلته حينئذ بمنزلة المجدد لتعاليم الرسل السابقين.

أما الرسول فهو من بعثه الله بشرع وأمره بتبليغه إلى من خالفوا أوامره، سواء كان هذا الشرع جديداً في نفسه، أو بالنسبة لمن بعث إليهم، وربما أتى بنسخ بعض أحكام شريعة من قبله([265]).

 رابعاً: دلائل النبوة

النبوة من أعظم الدعاوى، ولا يدَّعيها إلا أكذب الناس، أو أصدقهم.

والنبوة تثبت بدلائل كثيرة أعظمها الآيات التي تسمى بالمعجزات، وتثبت بالأعمال العظيمة، والأخلاق الفاضلة، والسير الحميدة.

فمن ادعى النبوة، وأيده الله بالمعجزات، واشتهر بالصدق، والأمانة، والأخلاق الفاضلة، والسيرة الحميدة _ فهو نبي موحى إليه، مؤيد من الله.

وإن كان بخلاف ذلك فهو كاذب دجال مدَّعٍ للنبوة، ولا بد أن يفضحه الله _عز وجل_.

هذا وسيأتي مزيد بيان لدلائل النبوة في الباب الثامن عند الحديث عن معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم .


 المبحث الثاني: حقيقة الأنبياء والرسل، وعصمتهم، وثمرات الإيمان بهم

 أولاً: حقيقة الأنبياء والرسل

الأنبياء والرسل بشر مخلوقون يوحى إليهم، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء.

وتلحقهم خصائص البشرية من المرض، والنوم، والموت، والحاجة إلى الطعام والشراب، وغير ذلك.

وقد وصفهم الله _تعالى_ بالعبودية له في أعلى مقاماتها، وفي سياق الثناء عليهم فقال _تعالى_ في نوح _عليه السلام_: [إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا] (الإسراء:3).

وقال في محمد صلى الله عليه وسلم : [تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا] الفرقان: 1 .

وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب:[أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥ إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ] ص.

وقال في عيسى بن مريم _عليه السلام_: [إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ] الزخرف: 59 .([266])

والرسالة اصطفاء من الله لا تأتي بالاكتساب، والمجاهدة.

والرسل خير البشر، وصفوتهم، وخلاصتهم.

 ثانياً: عصمة الأنبياء والرسل

اتفقت الأمة على أن الأنبياء والرسل معصومون في تحمُّل الرسالة، وفيما يبلغون به عن ربهم _جل وعلا_.

فلا يُنْقِصُوْنَ شيئاً مما أوحاه الله إليهم، ولا ينسون شيئاً من ذلك إلا ما كان قد نسخ.

وقد تكفل الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم  بأن يقرئه فلا ينسى شيئاً مما أوحى إليه إلا شيئاً أراد الله أن ينسيه إياه، قال _عز وجل_: [سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ] الأعلى.

والرسل _كذلك_ معصومون في التبليغ؛ فلا يكتمون شيئاً من الوحي، ذلك أن الكتمان خيانة، والرسل يستحيل ذلك في حقهم، قال _تعالى_: [وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ] الحاقة.

أما الأعراض الجِبِلِّيَّة البشرية فلا تنافي العصمة؛ فإبراهيم _عليه السلام_ أوجس في نفسه خيفة عندما رأى أيدي ضيفه لا تمتد إلى الطعام الذي قدمه لهم، ولم يكن يعلم أنهم ملائكة.

وموسى _عليه السلام_ غضب غضباً شديداً، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح وفي نسختها هدى _ عندما عاد إلى قومه بعد أن تم ميقات ربه، فوجدهم يعبدون العجل.

ومن ذلك نسيان الرسول صلى الله عليه وسلم  في غير البلاغ، وفي غير أمور التشريع؛ كما في حديث ذي اليدين عندما سها _عليه الصلاة والسلام_ في الصلاة([267]).

بل قد صرح _عليه الصلاة والسلام_ بطروء النسيان عليه كعادة البشر فقال:  ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني ) ([268]).

والأنبياء قد يخطئون في إصابة الحق في القضاء، وقد تقع منهم الصغائر، ولكنهم لا يقرون على ذلك، ويوفقون للأوبة وتدارك الخطأ؛ بمعنى أن الله _عز وجل_ لا يقرهم على الذنب والخطأ، بل يوحي إليهم بالصواب، ويوفقهم للتوبة بعد الذنب؛ فتكون حالهم بعد ذلك أكمل منها قبلها.

أما القبائح وكبائر الذنوب فهم معصومون منها باتفاق الأمة.

فهذا هو خلاصة القول في مسألة عصمة الأنبياء، وهناك تفصيلات ليس هذا مجال بسطها([269]).

 ثالثاً: ما يتضمنه الإيمان بالرسل

الإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:

الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله _تعالى_ فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بهم جميعاً كما قال الله _تعالى_: [كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ].

فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه.

الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل محمد وإبراهيم وموسى ونوح وعيسى _عليهم الصلاة والسلام_.

وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً قال الله _تعالى_: [وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ] (غافر: 78).

الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبار.

الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد  صلى الله عليه وسلم  المرسل إلى جميع الناس قال الله _تعالى_: [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا] النساء: 65([270]).

 رابعاً: ثمرات الإيمان بالأنبياء والرسل

الإيمان بالأنبياء والرسل يثمر ثمرات جليلة منها:

الأولى: العلم برحمة الله _تعالى_ وعنايته بعباده؛ حيث أرسل إليهم الرسل؛ ليهدوهم إلى صراط الله _تعالى_ ويبينوا لهم كيف يعبدون الله؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك.

الثانية: شكره _تعالى_ على هذه النعمة الكبرى.

الثالثة: محبة الرسل _عليهم الصلاة والسلام_ وتعظيمهم، والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم رسل الله _تعالى_ ولأنهم قاموا بعبادته وتبليغ رسالته والنصح لعباده([271]).


 المبحث الثالث: عقيدة ختم النبوة، وما يتعلق بها

 أولاً: مفهوم عقيدة ختم النبوة

المقصود بختم النبوة: انتهاء إنباءِ اللهِ الناسَ، وانقطاع وحي السماء([272]).

ومعنى ذلك اعتقاد أن النبواتِ قد ختمت بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم  وأن وحي السماء انقطع بموته _عليه الصلاة والسلام_ وأن ذلك من صميم عقيدة المسلمين، وأن من ادعى خلاف ذلك فهو كافر بالله مكذب لنبيه صلى الله عليه وسلم .

وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.

وقد وردت الأدلة من القرآن الكريم على عقيدة ختم النبوة بصور عدة، منها:

أ_ التصريح بالختم، قال _تعالى_: [مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَۗ] (الأحزاب:40).

ففي هذه الآية الكريمة تصريح بخاتمية محمد صلى الله عليه وسلم  للأنبياء قبله، فلا نبي بعده ولا رسول.

وهذا هو ما فهمه المفسرون لكتاب الله _تعالى_ من عصر صدر الإسلام إلى يومنا هذا([273]).

ب_ تقرير تلك العقيدة بطريق الاستلزام العقلي: وذلك في عدد من الآيات، كالآيات الدالة على عموم رسالة نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  كقوله _تعالى_: [قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا] (الأعراف:158).

وكالآيات الدالة على تعهد الله _عز وجل_ بحفظ كتابه.

وكالآيات التي تقرر حجية القرآن على كلِّ مَنْ بَلَغ [وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ] (الأنعام:19).

وكالآيات التي تطالب الناس بالإيمان بالرسل السابقين، والكتب السماوية السابقة فحسب، دون أن تطالبهم بالإيمان بغيرهم([274]).

أما دلالة السنة فقد كان النبي  صلى الله عليه وسلم  مهتماً بتقرير عقيدة ختم النبوة، وتأكيدها، بحيث إنه قد قررها بمختلف الأساليب البيانية، وفي سائر المناسبات الخاصة والعامة، ولم يترك شبهة يمكن أن تغبِّش صورتها إلا وأزالها حتى تركها واضحة جلية.

والمتتبع لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم  يرى أنها قد أَكَّدَت خَتميةَ النبوة بعبارات متنوعة يصل بعضها إلى حد التواتر.

وهي في جملتها متواترة تواتراً قطعياً لا يُبْقِي مجالاً للشك أو التردد في كون النبي صلى الله عليه وسلم  خاتَمَ الأنبياء([275]).

قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( وإنه سيكون من أمتي كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ) ([276]).

 ثانياً: مفهوم المعجزة، والكرامة، والأحوال الشيطانية

المعجزة: أمر خارق للعادة يجريه الله على يد نبي من أنبيائه، تأييداً له، وتصديقاً.

وتسمى المعجزة: الآية.

ومعنى الأمر الخارق للعادة: هو ما يكون على خلاف مألوف الآدميين، وما كان خارجاً عن طاقتهم.

والكرامة: هي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي من أوليائه؛ معونة له على أمر ديني أو دنيوي.

وتكون على يد المؤمن الولي التقي المُتَّبِع للشرع.

وهي _في الحقيقة_ معجزة لنبيه؛ لأنها لم تقع إلا بسبب اتباعه له.

والأحوال الشيطانية: أمور خارقة للعادة تجري على يد مُعْرِض عن الشرع، صادٍّ عن الحق؛ متلبس بالمعاصي؛ فذلك من الأحوال التي تَصُدُّ بها الشياطينُ الناسَ عن اتباع الحق، كدخولها في الأصنام، وتكليم عابديها، أو الحكم بينهم، أو قضاء بعض حوائجهم، وقد ترفع بعض الضُّلاَّل في الهواء ثم تعيده، أو تنقله من بلد بعيد وهكذا.

وهذه الثلاثة _المعجزة، والكرامة، والأحوال الشيطانية_ تجتمع في كونها خارقةً للعادة، وتنفرد المعجزة بكونها واقعة على يد نبي؛ فيؤيده الله ويظهره، وتنفرد الكرامة بكونها على يد وليٍّ متبع، وتنفرد الأحوال الشيطانية بكونها واقعة على يدِ دَعيٍّ مخالف ضال([277]).

 ثالثاً: ادعاء النبوة

ظهرت في العصور الإسلامية الأولى وفي العصر الحديث حركات التنبؤ التي يدعي أصحابها أنهم أنبياء، وقامت تلك الحركات مدفوعة بأسباب كثيرة يأتي على رأسها: الجهل، والعصبية القبلية، والعصبية الشعوبية، والحقد اليهودي والصليبي.

ومن أشهر المتنبئين في عصر صدر الإسلام: الأسود العنسي، وطليحة بن خويلد، ومسيلمة، وسجاح التغلبية.

وأشهرهم في العصرين الأموي والعباسي: المختار بن عبيد، والحارث بن سعيد، وبيان بن سمعان، والمغيرة العجلي، وأبو الخطاب الأسدي، وعلي بن الفضل الحميري.

أما في العصر الحديث فقد ادعى النبوة كثيرون، وأشهر هؤلاء محمد بن علي الشيرازي زعيم الدعوة البابية، وحسين بن علي المازندراني زعيم الدعوة البهائية، وأحمد القادياني زعيم الدعوة القاديانية.

والحديث عن بطلان تلك الدعاوى يطول، والمجال لا يتسع لذلك، بل إن فسادها يغني عن إفسادها([278]).

رابعاً: خصائص نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم

اخْتُصَّ نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم  بخصائص كثيرة، والمجال لا يتسع لإحصائها، ومنها على سبيل الإجمال ما يلي:

1_ عموم رسالته صلى الله عليه وسلم : يقول الله _عز وجل_: [قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا] (الأعراف:158).

فهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم  إلى الناس جميعاً، وهذه هي إحدى الخصائص التي انفرد بها صلى الله عليه وسلم  عن الأنبياء قبله؛ إذ كان النبي إنما بعث إلى قومه خاصة، ثم يبقى غيرهم محتاجاً إلى من يبلغه أمر الله _عز وجل_.

ولئلا يُتَوَهَّمَ هذا في رسولنا _عليه الصلاة والسلام_ بيَّن الله _سبحانه وتعالى_ عموم رسالته إلى الناس جميعاً([279]).

وقال _عليه الصلاة والسلام_:  ( وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس كافة ) ([280]).

2_ أن الله _عز وجل_ تكفل بإظهار دينه على جميع الأديان: قال الله _عز وجل_: [هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ] التوبة : 33 .

3_ أن الله _عز وجل_ تكفل بحفظ الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم : قال _تبارك وتعالى_: [إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ] الحجر: 9 .

4_ أن دينه _عليه الصلاة والسلام_ كامل صالح لكل زمان ومكان وأمة: قال الله _عز وجل_: [ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...] (المائدة:3).

5_ أنه _عليه الصلاة والسلام_ نصر بالرعب مسيرة شهر، وأحلت له الغنائم، وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، وأيما رجل من أمته أدركته الصلاة فليصل، كما صح بذلك الحديث عنه  صلى الله عليه وسلم ([281]).

6_ ما أظهر الله على يديه من المعجزات الكثيرة المتنوعة.

7_ أنه أكثر الناس تابعاً يوم القيامة.

8_ أنه يشفع للخلائق الشفاعة الكبرى يوم القيامة إذا تخلى الأنبياء عن ذلك.

9_ أنه أول من يستفتح باب الجنة، وأن أمته أول الأمم دخولاً للجنة.

إلى غير ذلك مما اختص به _عليه الصلاة والسلام_.

هذا وسيأتي مزيد بيان عن النبي صلى الله عليه وسلم  في الأبواب الآتية خصوصاً البابين الثالث والثامن.


 الفصل الخامس

 الإيمان باليوم الآخر


 المبحث الأول: مفهوم الإيمان باليوم الآخر، وأهميته، وثمراته

 أولاً: مفهوم الإيمان باليوم الآخر

الإيمان باليوم الآخر يشمل كل ما ورد في أخبار ذلك اليوم، وما يتعلق به؛ فيدخل في ذلك الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها التي تكون قبلها، وبالموت وما بعده من فتنة القبر، وعذابه، ونعيمه، وبالنفخ بالصور، وخروج الخلائق من القبور، وبالجزاء، والحساب، وما في موقف القيامة من الأهوال، والأفزاع، وتفاصيل المحشر، ونشر الصحف، ووضع الموازين، وبالصراط، والقنطرة، والحوض، والشفاعة، وغيرها، وبالجنة ونعيمها، الذي أعلاه النظر إلى وجه الله ـ عز وجل ـ وبالنار وعذابها الذي أشده حجب أهلها عن ربهم _ عز وجل_([282]).

 ثانياً: أهمية الإيمان باليوم الآخر

للإيمان باليوم الآخر أهمية عظمى، ومما يدل على ذلك ما يلي:

1ـ أنه أحد أركان الإيمان الستة: جاء في حديث جبريل المشهور قوله صلى الله عليه وسلم  عند ما سأله جبريل ـ عليه السلام ـ عن الإيمان:  ( أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ([283]).

2ـ كثرة وروده في نصوص الشرع، وكثرة ارتباطه بالإيمان بالله _تعالى_.

3_ كثرة الثناء على المؤمنين به، والذم للكافرين به: قال الله ـ تعالى ـ في وصف المؤمنين: [وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ] النمل: 3.

وقال في وصف الكافرين:[وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ] هود: 19.

4ـ كثرة أسماء اليوم الآخر: فلليوم الآخر أسماء كثيرة، والسر في ذلك عظم أمره، وكثرة هوله.

 قال القرطبي  رحمه الله :  ( كل ما عظم شأنه تعددت صفاته، وكثرت أسماؤه، وهذا مهيع كلام العرب.

ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه، وتأكد نفعه لديهم وموقعه جمعوا له خمسمائة اسم، وله نظائر؛ فالقيامة لما عظم أمرها، وكثرت أهوالها سماها الله ـ تعالى ـ في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة  ) ([284]).

 ثالثاً: ثمرات الإيمان باليوم الآخر

الإيمان باليوم الآخر يثمر ثمراتٍ جليلةً، وأخلاقاً جميلة، وعبوديات متنوعة، وآثاراً حميدة تعود على الفرد والجماعة في الدنيا والآخرة.

ومن ذلك ما يلي:

1ـ أداء عبادة الله ـ عز وجل ـ: فالإيمان باليوم الآخر مما تعبدنا الله _تعالى_ به.

وكمال المخلوق في تحقيقه العبودية لربه.

2ـ زيادة الإيمان: فالإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، التي لا يصح إيمان بدونها, وكلما زادت معرفة العبد به ازداد إيمانه وقوي يقينُه، وعلت درجته.

3ـ انبعاث الرجاء والخوف: فالإيمان باليوم الآخر يحمل على فعل الطاعات؛ رجاءً لثواب ذلك اليوم، ويحمل على ترك المعاصي؛ خوفاً من عقاب ذلك اليوم.

فإذا تمت معرفة الإنسان بتفاصيل ذلك، وما فيه من النعيم المقيم لأهل الطاعة، وما فيه من النكال والعذاب الأليم لأهل المعصية كان ذلك أعظم الدوافع لفعل الخير، واجتناب الشر.

4ـ العلم بفضل الله، وعدله، وحكمته: حيث يجازي من يستحق العذاب بعدله، ويجازي من يستحق الثواب بفضله.

وإنما يُعلم ذلك بمعرفة ما يكون في الآخرة من الجزاء والحساب.

5ـ الاعتدال في حال السراء والضراء: فالمؤمن يلزم الاعتدال في هذه الأحوال؛ فلا تطغيه النعمة، ولا تقنطه المصيبة؛ فإن كانت السراء أعدَّ لها الشكر، وإن كانت الضراء أعد لها الصبر.

قال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد غير المؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) ([285]) .

6ـ قيام الأخلاق الجميلة: فالإيمان باليوم الآخر يورث للإنسان أخلاقاً جميلة؛ فيورثه ـ على سبيل المثال ـ خُلُق البذل، والإنفاق؛ لعلمه بأن ما يقدمه في هذه الدنيا سيجده عند الله في الآخرة خيراً وأبقى؛ فتراه يُؤْثِر أعمال البر بجانب من ماله ولو كان به خصاصة، وتراه ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر.

7ـ تسلية المؤمن عما يفوته في هذه الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة: وبذلك لا ينزعج لحلول مكروه، أو فوات محبوب؛ لأنه يرجو العوض من الله _عز وجل_  فيدعوه ذلك إلى السلو، والراحة، وترك التسخط([286]).

وبعد أن تبين شيء من مفهوم الإيمان باليوم الآخر، وأهميته، وثمراته _ ينتقل الحديث إلى بيان ما يتعلق باليوم الآخر من أحوال القيامة بشيء من البسط.


 المبحث الثاني: النفخ في الصور

 أولاً: تعريـف النفخ في الصور

أ ـ تعريف النفخ في اللغة: النفخ في اللغة معروف، يقال: نفخ بفمه ينفخ نفخاً إذا أخرج منه الريح، ومنه نفخ النار، والنفخ في الشراب، وغير ذلك([287]).

ب ـ تعريف الصور: الصور في اللغة يطلق على عدة معان، ومنها القرن، وبه فسر المفسرون قوله ـ تعالـى ـ: [وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ] الكهف: 99([288]).

ج ـ النافخ في الصور: هو إسرافيل أحد الملائكة الكرام الذين يحملون العرش.

د ـ تعريف النفخ في الصور في الشرع: هو نفخ إسرافيل في القرن الذي التقمه وَوُكِلَ إليه النفخ فيه وقت قيام الساعة([289]).

 ثانياً: الأدلة على النفخ في الصور

دَلَّ على النفخ في الصور الكتاب والسنة والإجماع:

أ ـ الأدلة من القرآن على النفخ: قال ـ تعالى ـ: [وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ] الزمر: 68.

ب ـ الأدلة من السنة: جاء في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى لِيتاً([290]) ورفع ليتاً ، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم ينزل الله مطراً كأنه الطل أو الظل (شك الراوي) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) ([291]).

 ثالثاً: عدد النفخات

عدد النفخات التي ينفخ فيها إسرافيل في الصور نفختان:

أ ـ نفخة الصعق: وهي النفخة التي ينفخ فيه فيفزع الناس، ويصعقون؛ ذلك أن الله ـ عز وجل ـ إذا أذن بانقضاء هذه الدنيا أمر إسرافيل ـ عليه السلام ـ أن ينفخ في الصور فيصعق كل من في السموات والأرض إلا من شاء الله، وتصبح الأرض صعيداً جرزاً، والجبال كثيباً مهيلاً، ويحدث كل ما أخبر الله في كتابه، لاسيما في سورة الانفطار والتكوير.

وتسمى هذه النفخة نفخة الصعق، ونفخة الفزع، وتسمى بالراجفة، وتسمى بالصيحة.

ب ـ نفخة البعث: وهي النفخة التي يقوم الناس فيها من الأجداث أحياءً لرب العالمين.

وتسمى هذه النفخة بالأخرى، وتسمى بالرادفة .

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن النفخات ثلاث هي:

 أ ـ نفخة الفزع بدون الصعق.

ب ـ نفخة الصعق.

ج ـ نفخة البعث والقيام لرب العالمين.

 فمن فسر الفزع بالصعق فهما اثنتان عنده، ومن فسر الفزع بغير الصعق فهي ثلاث([292]).


 المبحث الثالث: البعث

 أولاً تعريف البعث

أ ـ تعريف البعث في اللغة: هو الإرسال، والنشر، والتحريك، ونحو ذلك من المعاني([293]).

ب ـ البعث في الشرع: هو المعاد الجسماني، وإحياء الأموات يوم القيامة؛ لحسابهم والقضاء بينهم([294]) .

 ثانياً: أدلة ثبوت البعث

الإيمان بالبعث دل عليه الكتاب والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة السليمة، وهو مقتضى الحكمة؛ حيث تقتضي أن يجعل الله لهذه الخليقة معاداً يجازيهم فيه على ما كلَّفهم به على ألسنة رسله([295]) .

قال ـ تعالى ـ: [أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ] المؤمنون: 115.

وقال ـ عز و جل ـ: [ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ] المؤمنون.

وقال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ:  ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة غرلاً )  متفق عليه([296]).

والأدلة على البعث والنشور لا تكاد تحصى.

 ثالثاً: أدلة إمكان البعث

أدلة إمكان البعث ثابتة بالكتاب والسنة والعقل والحس، وقد مر شيء من ذلك، وإليك البسط في هذه المسألة:

أ ـ دليل إمكان البعث في السمع: والمقصود بالسمع الأدلة من الكتاب والسنة.

قال ـ تعالى ـ: [زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِير] التغابن: 7.

فانظر كيف أكدت الآية بمؤكدات، حيث أكدت بقوله ـ عز وجل ـ (بَلَى) وبالقسم، وباللام، وبنون التوكيد.

والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا.

ب ـ دليل إمكان البعث بالحس([297]): أما إمكان البعث بالحس فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، وفي سورة البقرة وحدها خمسة أمثلة على ذلك.

المثال الأول: قوم موسى ـ عليه السلام ـ حين قالوا: [لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ] (البقرة: 55) أماتهم الله ثم أحياهم.

المثال الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل زمن موسى ـ عليه السلام ـ فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، فيضربوه ببعضها؛ ليخبرهم بمن قتله، ففعلوا فأحياه الله وأخبرهم بمن قتله.

المثال الثالث: في قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، وهم ألوف فأماتهم الله، ثم أحياهم.

المثال الرابع: في قصة الذي مر على قرية ميتة، فاستبعد أن يحييها الله ـ تعالى ـ فأماته الله مائة عامٍ ثم أحياه.

المثال الخامس: في قصة إبراهيم الخليل_عليه السلام_حين سأل الله _تعالى_ أن يريه كيف يحي الموتى، فأمره الله أن يذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاءً على الجبال التي حوله، ثم يناديهن، فتلتئم الأجزاء بعضها إلى بعض، ويأتين إلى إبراهيم سعياً.

ج ـ دليل إمكان البعث بالعقل([298]): أما دلالة العقل على إمكان البعث فمن وجهين:

أحدهما: أن الله فاطر السموات والأرض ابتداءً، والقادر على ابتداء الخلق لا يعجز عن إعادته.

قال ـ تعالى ـ: [وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ] الروم: 27 .

وقال ـ تعالى ـ: [كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ] الأنبياء: 104.

وقال آمراً بالرد على من أنكر إحياء العظام وهي رميم: [قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ] يس: 79.

الثاني: إحياء الأرض الميتة: فالأرض تكون ميتة هامدة ليس فيها عود أخضر، فينزل عليها المطر، فتهتز خضراء حية فيها من كل زوج بهيج.

والقادر على إحيائها بعد موتها قادر على إحياء الأموات.

 قال ـ تعالى ـ:[ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ] فصلت: 39.

وقال ـ تعالى ـ: [وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩ وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠ رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ] ق.

 رابعاً: منزلة الإيمان بالبعث من الدين

الإيمان بالبعث داخل ضمن الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالغيب عموماً.

ولا يخفى أهمية ذلك، وعظيم منزلته من الدين ـ كما سبق ـ ومما يدل على منزلته ما ورد فيه من النصوص الكثيرة التي مضى شيء منها.

ومما يدل على أهميتـه ـ أيضاً ـ أن الله ـ عز وجل ـ أقسم على وقوعه، وأثنى على المؤمنين به، وأخبر أنه وعد صادق، وخبر لازم، وذمَّ المكذبين بوقوعه.

خامساً: حكم إنكار البعث

إنكار البعث كُفْرٌ بالله ـ عز وجل ـ ومنكر البعث كافر بالله ـ تبارك وتعالى ـ وبرسله وبكتبه، وباليوم الآخر.

قال الله _تعالى_: [زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِير] التغابن: 7 .

وعن أبي هريرة  رضي الله عنه  عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: قال الله _تعالى_:  ( كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني عبدي ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني الله كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد، لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد ) ([299]).


 المبحث الثالث: القيامة، والحساب، و الميزان، ونشر كتب الأعمال

 المطلب الأول: القيامـــة

1 ـ تعريف القيامة: القيامة اسم من أسماء اليوم الآخر.

 قال القرطبي  رحمه الله :  ( وهي في العربية مصدر قام يقوم، ودخلها التأنيث للمبالغة على عادة العرب ) ([300]).

2 ـ سبب تسميتها: اختلف في تسميتها على أربعة أقوال:

 الأول: لوجود هذه الأمور فيها.

 الثاني: لقيام الخلق من قبورهم إليها.

 الثالث: لقيام الناس لرب العالمين.

 الرابع: لقيام الروح والملائكة صفاً ([301]).

3 ـ عظم ذلك اليوم: يوم القيامة يوم عظيمٌ أمره، شديدٌ هولُه، لا يلاقي العبد مثله، ومما يدل على ذلك ما يلي:

أ. أن الله ـ تعالى ـ وصفه بالعظم، قال ـ جل وعلا ـ:[أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ] المطففين.

ب. وصفه بالثقل[إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا] الإنسان: 27.

ج. ما يكون فيه من الرعب والفزع؛ فالمرضع تذهل عما أرضعت، والحامل تضع حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.

د. انقطاع علائق الأنساب في يوم القيامة.

هـ. أن الكفار مستعدون في ذلك اليوم لبذل كل شيء في سبيل الخلاص من العذاب.

و. أن ذلك اليوم طويل[فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ] المعارج:4([302]).

4 ـ دنو الشمس من الخلائق: في ذلك اليوم تدنو الشمس من الخلائق كمقدار ميل، ويلجمهم العرق؛ فمنهم من يبلغ كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ ثدييه، ومنهم من يبلغ ترقوته، كل على قدر عمله([303])، وهذا في الصحيحين وغيرهما ([304]).

قال بعض السلف:  ( لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض، وذاب الصخر، وجفت الأنهار ) ([305]).

5. الذين يظلهم الله في يوم القيامة: هناك أعمال كثيرة تنجي من أهوال يوم القيامة([306]).

أما الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فقد جاءوا في حديث السبعة عند البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة  رضي الله عنه  عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل معلق قلبه في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) ([307]).

 المطلب الثاني: الحساب

1 ـ تعريف الحساب في اللغة: الحساب لغة مأخوذ من مادة حسب؛ فالحاء والسين والباء أصل صحيح يدل على عدة معان، منها العد، والإحصاء([308]).

2 ـ الحساب في الشرع: هو إطـلاعُ الله عِبادَه على أعمالهم يوم القيامة، وإنباؤهم بما قدموه من خير وشر([309]).

3 ـ الأدلة على إثبات الحساب([310]): الحساب ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع المسلمين.

أما الأدلة من الكتاب والسنة فكثيرة متواترة.

قال الله ـ تعالى ـ: [إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم] الغاشية.

وكان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول في بعض صلاته:  ( اللهم حاسبني حساباً يسيرا ) .

فقالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ما الحساب اليسير؟.

قال:  (  أن يُنظر في كتابه، فيتجاوز عنه ) ([311]).

وفي الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( من حوسب عذب ) .

قالت عائشة، فقلت:  ( أوليس يقول الله ـ تعالى ـ: [فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا] الانشقاق: 8.

قالت: فقال:  (  إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك ) ([312]).

أما الإجماع فقد أجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.

4 ـ الحساب مقتضى الحكمة: وأما كون الحساب مقتضى الحكمة فإن الله ـ تعالى ـ أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاءوا به، والعمل بما يجب العمل به؛ فلو لم يكن حساب ولا جزاء لكان ذلك من العبث الذي ينزه الرب الحكيم عنه.

وقد أشار الله ـ تعالى ـ إلى ذلك بقوله: [فَلَنَسۡ‍َٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡ‍َٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ] الأعراف([313]).

5 ـ كيفية الحساب وصفته: دلت نصوص الشرع على كيفية الحساب، وصفته.

ويمكن إجمال ذلك أن يقال: إن الله ـ عز وجل ـ يوقف عباده بين يديه، فيقررهم بذنوبهم التي ارتكبوها، وبأعمالهم التي عملوها، وبأقوالهم التي قالوها، ويعرفهم بما كانوا عليه في الدنيا من كفر وإيمان، وطاعة وعصيان، واستقامة وانحراف، وما يستحقونه على ما قدموه من مثوبة أو عقوبة.

والحساب شامل لما يقوله الرب لهم، وما يقولون له، وما يعتذرون به من معاذير، وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين، وما يكون هناك من شهادة الشهود، ووزن الأعمال، وما جرى مجرى ذلك([314]).

6 ـ أنواع الحساب: الحساب منه العسير، ومنه اليسير، ومنه حساب التقرير والتكريم، ومنه حساب التوبيخ والتقريع، ومنه الفضل والصفح، ومنه المؤاخذة والمجازاة، ومتولي ذلك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين([315]).

7 ـ القواعد التي يحاسب العباد عليها: لو عذب الله ـ عز وجل ـ عباده جميعاً لم يكن ظالماً لهم؛ لأنهم عبيده، وملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء.

ولكن الحق ـ تبارك وتعالى ـ يحاسبهم محاسبة عادلة تليق بحكمته، وعدله.

وقد بين لنا ـ عز وجل ـ في كثير من النصوص جملة من القواعد التي تقوم عليها المحاكمة.

ومن ذلك على سبيل الإيجاز ما يلي:

أ ـ العدل التام الذي لا يشوبه ظلم.

ب ـ لا يؤخذ أحد بجريرة غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

ج ـ إطْلاعُ العباد على ما قدموه من أعمال.

د ـ مضاعفة الحسنات دون السيئات.

هـ ـ إقامة الشهود على الكفرة والمنافقين([316]).

8 ـ عموم الحساب، ومن لا حساب عليهم: الحساب عام لجميع الناس، إلا من استثناهم النبي  صلى الله عليه وسلم  كما في حديث السبعين ألفاً.

حيث جاء في الصحيحين من حيث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( عرضت علي الأمم )  إلى أن قال:  ( فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قُدَّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب.

قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يَسْترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ) .

فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم.

قال:  ( اللهم اجعله منهم ) .

ثم قام إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم.

قال:  ( سبقك بها عكاشة ) ([317]).

9 ـ كيفية محاسبة الكفار: قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :  ( ويحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة.

وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم، وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها ) ([318]).

10 ـ أول من يحاسب من الأمم: أول من يحاسب من الأمم أمة محمد  صلى الله عليه وسلم .

قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما في الصحيحين:  ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق ) ([319]).

وعن ابن عباس مرفوعاً:  (  نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب ) ([320]).

11 ـ أول ما يحاسب عليه العبد: الصلاة؛ فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسدت سائر عمله؛ كما جاء عن النبي  صلى الله عليه وسلم ([321]).

12 ـ أول ما يُقْضَى بين الناس: وأما أول ما يُقضى بين الناس فهو في الدماء؛ لقول النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء  )  متفق عليه([322]).

 المطلب الثالث: الميزان

1 ـ تعريف الميزان: أ. الميزان في اللغة: أصله مِوْزان، وانقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وجمعه موازين.

والميزان اسم للآلة التي يوزن بها الأشياء، أو هو ما تقدر به الأشياء خفةً وثقلاً([323]).

ب. الميزان في الشرع: هو ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد([324]).

2 ـ أدلة إثبـات الميزان: دل على المـيزان الكتاب، والسنة، والإجماع.

أ. فمن أدلة الكتاب العزيز قوله ـ تعالى ـ: [وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ] الأنبياء: 47.

ب. ومن أدلة السنة: قال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان, ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ) ([325]).

ج. وأما الإجماع: فقد أجمع السلف على ثبوت ذلك([326]).

3 ـ هل الميزان حسي أو معنوي: الميزان الذي توزن به الأعمال حسي حقيقي، له كفتان، ولسان([327]).

قال شارح الطحاوية  رحمه الله :  ( والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان، مشاهدتان ) ([328]).

4 ـ ما الذي يوزن في الميزان؟: الذي يوزن فيه أعمال العباد؛ فهي وإن كانت أعراضاً إلا أن الله ـ عز وجل ـ يقلبها أجساماً، فتوضع الحسنات في كفه، والسيئات في كفه، وهذا ظاهر النصوص الماضية.

وقيل: الذي يوزن صحائف العمل، وقيل: العامل نفسه([329] لحديث أبي هريرة  رضي الله عنه  أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( إنه ليأتي الرجل السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة )  قال: اقرؤوا: [فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا] الكهف: 105([330]).

قال الشيخ العلامة محمد بن عثيمين  رحمه الله :  ( وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن الجميع يوزن، أو أن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال.

وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره، وحرمته.

وهذا جمع حسن والله أعلم ) ([331]).

قال شارح الطحاوية  رحمه الله :  ( فثبت وزن الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله ـ تعالى ـ أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات؛ فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان ) ([332]).

وقال ابن حجر  رحمه الله :  ( قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال ) ([333]).

5 ـ هل الميزان واحد أو متعدد؟: والجواب أن العلماء قد اختلفوا في ذلك؛  ( فقال بعضهم: متعدد بحسب الأمم والأفراد، أو الأعمال؛ لأنه لم يرد في القران إلا مجموعاً.

وأما إفراده في الحديث فباعتبار الجنس.

وقال بعضهم: هو ميزان واحد؛ لأنه ورد في الحديث مفرداً، وأما جمعه في القرآن فباعتبار المـوزون، وكلا الأمرين محتمل والله أعلم  ) ([334]).

6 ـ ما الحكمة من نصب الميزان؟: الحكمة: إظهار عدل الله ـ عز وجل([335]).

المطلب الرابع: نشر كتب الأعمال

1 ـ التعريـف: أ. النشر في اللغة: هو فتح الكتاب، أو بث الشيء.

ب. وكتب الأعمال: هي الدواوين، والصحائـف التي أحصيت فيها الأعمال.

ج. ومعنى نشر كتب الأعمال: إظهارها يوم القيامة، وتوزيعها؛ فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله وراء ظهره.

2 ـ الأدلة على ذلك: لقد دل على نشر كتب الأعمال الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة([336]).

قال الله ـ تعالى ـ:[فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا ٨ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا ٩ وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ ١٠ فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا ١١ وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا] الانشقاق.

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها سألت النبي  صلى الله عليه وسلم  هل تذكرون أهليكم؟

قال:  ( أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان، حتى يَعْلم أيخِفُّ ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز ) ([337]).

3 ـ صفة أخذ الكتاب: المؤمن يأخذ كتابه بيمينه يؤتاه من أمامه، فيفرح ويستبشر ويقول:[هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ] الحاقة: 19.

والكافر يأخذه بشماله ويؤتاه من وراء ظهره، فيدعو بالويل والثبور، ويقول: [وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٢٥ وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ] الحاقة.


 المبحث الرابع: الحوض، والصراط

 المطلب الأول: الحـــوض

1 ـ تعريف الحوض: أ. الحوض في اللغة: هو مصدر الفعل حاض، أي جمع، والحوض: مجتمع الماء، وجمعه أحواض، وحياض([338]).

ب. والحوض في الشرع: هو حوض الماء النازل من الكوثر في عرصات القيامة للنبي  صلى الله عليه وسلم ([339]).

2 ـ أدلة الحوض: دل على الحوض الكتاب والسنة، وإجماع أهل السنة.

أما الدليل من الكتاب فقوله _عز وجل_ لنبيه  صلى الله عليه وسلم :[إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ]

 الكوثر: 1.

أما من السنة فقد تواترت الأحاديث في ذلك.

قال شارح الطحاوية  رحمه الله :  ( الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابياً ) ([340]) .

ومن الأحاديث الواردة في ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم :  ( إني فرطكم على الحوض من مرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم )  متفق عليه([341]) .

وعن أنس  رضي الله عنه  قال: لما عرج بالنبي  صلى الله عليه وسلم  إلى السماء قال:  ( أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفاً، فقلت: ما هذا يا جبريل؟.

 قال: هذا الكوثر )  متفق عليه([342]).

أما الإجماع فقد أجمع أهل السنة على ذلك([343]).

3 ـ صفة الحوض: الذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد كريم يُمَدُّ من شراب الجنة من نهر الكوثر.

ماؤه أشد بياضاً من اللبن والورِق، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، آنيته كنجوم السماء، وهو غاية في الاتساع، عرضه شهر، وطوله شهر وزواياه سواء، وكلما شُرِب منه فهو في زيادة واتساع، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ينبت في خلاله من المسك والرضراض من اللؤلؤ وقضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر([344]).

إلى غير ذلك لما ورد في وصفه مما جاءت به الأحاديث([345]).

4 ـ من أين يستمد الحوض آنيته: يستمدها من الجنة كما جاء موضحاً في الأحاديث، ومنها ما جاء في صحيـح مسلم عن أبي ذر  رضي الله عنه  قال: قلت: يا رسول الله! ما آنية الحوض؟.

قال:  ( والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وكواكبها أَلا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل ) ([346]).

وفي مسلم من حديث ثوبان  رضي الله عنه  وسئل عن شرابه، فقال  صلى الله عليه وسلم :  ( يَغُتُّ فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب، والآخر من ورق ) ([347]).

5 ـ هل الحوض خاص بنبينا  صلى الله عليه وسلم ؟: جاء في بعض الأحاديث أن لكل نبي حوضاً، ولكن حوض نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم أكبرها، وأعظمها، وأحلاها، وأكثرها وارداً([348]).

ومن الأحاديث الواردة في ذلك قوله  صلى الله عليه وسلم :  ( إن لكل نبي حوضاً، وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة ) ([349]).

6 ـ هل الحوض موجود الآن؟: نعم هو موجود، والدليل قوله  صلى الله عليه وسلم  فيما رواه البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر  رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال:  ( إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، والله إني لأنظر إلى حوضي الآن )  الحديث([350]).

7 ـ الواردون للحوض، والمردودون عنه: الواردون للحوض هم المؤمنون، الصادقون، المتبعون, والمردودون عنه هم المُحْدِثون، المبدِّلون الناكصون على أعقابهم.

قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( أنا فرطكم على الحوض، وَلأُنَازِعنَّ أقواماً، ثم لأُغْلَبَنَّ عليهم؛ فأقول: يارب! أصحابي، أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) متفق عليه([351]).

وجاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري  رضي الله عنه :  ( فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقاً، سحقاً لمن بدَّل بعدي ) ([352]).

وجاء في صحيح مسلم ـ أيضاً ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ:  ( فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم ) ([353]).

 المطلب الثاني: الصراط

 1 ـ تعريفـه: الصراط في اللغة: هو الطريق المستقيم([354]).

والصراط في الشرع: هو الجسر الممدود على جهنم؛ ليعبر الناس عليه إلى الجنة([355]).

2 ـ أدلة ثبوته: الصراط ثابت بالكتاب، والسنة، واتفاق أهل السنة([356]).

فمن الأدلة من الكتاب: قوله ـ تعالى ـ: [وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا] مريم: 71.

فسرها جماعة من السلف بالمرور على الصراط، وفسرها جماعة منهم بالدخول في النار لكن ينجون منها (4).

ومن الأدلة من السنة ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري الطويل، وفيه:  ( ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم ) ([357]).

3 ـ صفة الصراط: جاءت صفة الصراط في أحاديث عديدة منها ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الطويل، وفيه:  ( قيل يا رسول الله! وما الجسر؟ قال:  ( دحْضٌ مَزَلَّة، فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان ) .

قال أبو سعـيد:  (  بلغـني أن الجسـر أدقُّ من الشعـرة، وأحـدُّ من السيف ) ([358]).

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة الطويل، وفيه:  ( وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟

قالوا نعم يا رسول الله.

قال:  ( فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم؛ فمنهم الموبق بقي بعمله، أو الـمُوَثق بعمله، ومنهم المُخَردل، المجازى، أو نحوه ) ([359]).

4 ـ ورود الناس على الصراط: ورودهم عليه يعني مرورهم عليه، وورودهم عليه على قدر أعمالهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :  (  والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر([360]) الذي بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف خطفاً، ويلقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة ) ([361]).

وكلام شيخ الإسلام  رحمه الله  مأخوذ من الأحاديث الصحيحة التي بينت صفة الورود على الصراط.

ومن تلك الأحاديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الطويل، وفيه  ( فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب؛ فناجٍ مسلَّم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم ) ([362]).

5 ـ من أول من يعبر الصراط؟: أول من يعبره من الأنبياء محمد  صلى الله عليه وسلم .

ومن الأمم أمته  صلى الله عليه وسلم .

يقول النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم ) ([363]).

6 ـ هل يمر الكفار بالصراط؟:الذي دلت عليه الأحاديث أن الصراط إنما ينصب للمؤمنين، وفيهم المنافقون، وعصاة المؤمنين؛ فهؤلاء هم الذين ينصب لهم الصراط([364]) .

قال ابن رجب  رحمه الله :  ( واعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله لا يشرك به شيئا، ومشرك يعبد مع الله غيره؛ فأما المشركون فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يَقَعون في النار قبل وضع الصراط ) ([365]).

7 ـ القنطـرة: وهي التي بين الجنة والنار، ويسميها بعض العلماء الصراط الثاني([366]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله  بعد أن تكلم على المرور بالصراط:  ( فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فَيُقْتَص لبعضهم من بعض؛ فإذا هذبوا، ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ) ([367]).


 المبحث الخامس: الجنة والنار

1 ـ تعريف الجنة: الجنة في اللغة: هي البستان الكثير الأشجار؛ فهي كل بستان ذي شجر كثير يستر بأشجاره الأرض([368]).

والجنة في الشرع: هي دار النعيم التي أعدها الله في الآخرة للمؤمنين المتقين، المخلصين لله، المتبعين لرسله([369]).

2 ـ لم سميت بذلك؟: قال الراغب الأصفهاني:  ( وسميت الجنة إما تشبيهاً بالجنة في الأرض وإن كان بينهما بون.

وإما لستره نِعَمَها عنا المشارَ إليها بقوله ـ تعالى ـ: [فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ]([370]) السجدة: 17.

3 ـ تعريف النار: النار في اللغة: تقال للَّهيب الذي يبدو للحاسَّة، وللحرارة المجردة، ولنار جهنم، ولنار الحرب([371]).

وفي الشرع: هي دار العذاب التي أعدها الله في الآخرة للكافرين الذين كفروا بالله، وعصوا رسله([372]).

4 ـ الجنة درجات، والنار دركات: فأهل الجنة تتفاوت درجاتهم في النعيم بحسب أعمالهم الصالحة.

وأهل النار تتفاوت دركاتهم في العذاب بحسب أعمالهم السيئة([373]).

5 ـ مَنْ أهل الجنة، ومَنْ أهل النار؟: أهل الجنة كل مؤمن تقي، وأهل النار كل كافر شقي.

قال الله ـ تعالى ـ في الجنة: [أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ] آل عمران: 133.

وقال: [أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ] الحديد: 21.

وقال في النار: [أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ] البقرة: 24.

وقال: [فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ] هود: 106.

6 ـ الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن: قال الله ـ تعالى ـ في الجنة: [أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ]آل عمران: 133 وقال في النار: [أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ] البقرة: 24.

والإعداد: التهيئة.

وقال  صلى الله عليه وسلم  حين صلى الكسوف:  ( إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار؛ فلم أر كاليوم منظراً أفظع منها ) متفق عليه([374]).

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي  رحمه الله :  ( والجنة والنار مخلوقتان ) ([375]).

قال الشارح ابن أبي العز الحنفي  رحمه الله :  ( اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن ) ([376]).

7 ـ الجنة والنار لا تفنيان: قال الله ـ تعالى ـ: [جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ] البينة: 8.

والآيات في تأبيد خلود الجنة كثيرة، وأما في النار فذكر في ثلاثة مواضع:

في النساء في قوله _تعالى_:[وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ] النساء: 168_ 169.

وفي الأحزاب في قوله ـ تعالى ـ[إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ] الأحزاب: 64_ 65.

وفي الجن في قوله ـ تعالى ـ: [وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا] الجن: 23.

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي  رحمه الله  في الجنة والنار:  ( ولا تفنيان ولا تبيدان ) ([377]) .

8 ـ مكان الجنة: في أعلى عليين؛ لقوله _تعالى_: [كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ] المطففين: 18.

وفي حديث البراء بن عازب المشهور في فتنة القبر، فيقول الله ـ عز وجل ـ:  ( اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض ) ([378]) .

9 ـ مكان النار: في أسفل سافلين؛ لقوله _تعالى_: [كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ] المطففين: 7 وفي حديث البراء  رضي الله عنه :  ( فيقول الله ـ تعالى ـ: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى ) ([379]) ([380]).

10 ـ ما معنى الإيمان بالجنة والنار؟: معناه التصديق الجازم بوجودهما، وأنهما مخلوقتان الآن، وأنهما باقيتان بإبقاء الله لهما، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان.

ويدخل في ذلك الإيمان بكل ما احتوت عليه الجنة من النعيم، وما احتوت عليه النار من العذاب الأليم([381]).

هذا بعض ما جاء في شأن اليوم الآخر وسيأتي مزيد بيان وتفصيل عن بعض ما يلحق به كالموت، وأشراط الساعة، والحياة البرزخية ونحو ذلك مما سيرد ذكره في الباب الرابع.


 الفصل السادس

 الإيمان بالقدر


 المبحث الأول: مفهوم الإيمان بالقدر وأهميته وأدلته والواجب على الإنسان فيه

 أولاً: تعريف الإيمان بالقدر

هو الإيمان بعلم الله المحيط، وكتابته، ومشيئته وخلقه لكل شيء([382]).

 ثانياً: مراتب القدر وأركانه

من خلال ما مضى يتبين لنا أن القدر يقوم على مراتب أربع تسمى أركان القدر أو مراتبه.

وهذه الأركان هي المدخل لفهم باب القدر، ولا يصح الإيمان به إلا بتحقيقها كلها، وهي:

المرتبة الأولى: العلم: وهو الإيمان بأن الله عالم بكل شيء جملةً وتفصيلاً ماضياً ومستقبلاً، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله، أو بأفعال عباده، أو بما يجري في الكون؛ فعلمه محيط بما كان، وما سيكون، وما لم يكن لوكان كيف يكون.

كما أنه يعلم خلقه قبل أن يخلقهم، ويعلم أرزاقهم، وآجالهم، وأعمالهم، وجميع حركاتهم وسكناتهم([383]).

والأدلة على هذه المرتبة كثيرة جدًّا، قال الله _تعالى_:[عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ] سـبأ: 3.

المرتبة الثانية: الكتابة: وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.

قال الله _تعالى_:[أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِير]الحج: 70.

وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص _رضي الله عنهما_ قال سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول:  ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ) ([384]).

وقال  صلى الله عليه وسلم :  ( ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، إلا وكتبت شقية أوسعيدة ) ([385]).

المرتبة الثالثة: المشيئة: وهذه المرتبة تقتضي الإيمان بمشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون ولا هداية، ولا إضلال إلا بمشيئته _عز وجل_([386]).

قال الله _عز وجل_: [وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ] القصص: 68.

وقال: [وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ] التكوير: 29.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد يُصَرِّفه حيث يشاء ) ([387]).

المرتبة الرابعة: الخلق: وهذه المرتبة تقتضي الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة بذواتها وصفاتها، وحركاتها، وأفعالها، وبأن كل من سوى الله مخلوق مُوْجَد من العدم، كائن بعد أنْ لم يكن.

والأدلة على هذه المرتبة كثيرة جدًّا، منها قول الله _تعالى_: [ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ] الأنعام: 1.

وقال: [ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ] الملك:2.

ومما يدخل في هذه المرتبة أفعال العباد؛ فهي داخلة في عموم خلقه _عز وجل_ فهي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً، وهي من العباد فِعلاً وكسباً، فالله هو الخالق لأفعالهم، وهم الفاعلون لها.

قال الله _تعالى_: [ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ] الرعد: 16.

هذه هي مراتب القدر التي لا يتم الإيمان بالقدر إلا بها([388]).

 ثالثاً: أهمية الإيمان بالقدر

الإيمان بالقدر من أهم مباحث العقيدة، فهو ركن من أركان الإيمان، والإيمان به تمام التوحيد، وكتب السلف الصالح في العقيدة اهتمت به، وأطنبت في ذكره، والناس على اختلاف طبقاتهم يشغلهم موضوع القدر؛ لارتباطه بحياتهم اليومية وما فيها من تقلبات الأحوال من صحة ومرض، وفقر وغنى، وموت وحياة، وسعادة وشقاء، وما جرى مجرى ذلك([389]).

 رابعاً: حكم الحديث عن القدر

الحديث عن القدر لا يُمنع بإطلاق، ولا يُفتح بإطلاق، بل إن الأمر فيه تفصيل، فإن كان الحديث عن القدر بالمنهج العلمي الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة، وكان الحديث عنه مراداً به الوصول إلى الحق _ فإنه لا يمنع ولا يُنهى عنه، بل قد يجب.

وإن كان الحديث عنه خوضاً بالباطل، واعتماداً في فهمه على العقل المجرد أو كان للاعتراض أو التنازع أو التعنت فإنه لا يجوز البتة([390]).

 خامساً: أقسام التقدير

ينقسم التقدير الإلهي باعتبار عمومه وخصوصه إلى أربعة أقسام.

1_ التقدير العام: وهو تقدير الرب لجميع الكائنات بمعنى علمه بها وكتابته لها.

ويدل على هذا النوع أدلةٌ كثيرة، منها قوله _تعالى_: [أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِير] الحج:70.

وقال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ) . رواه مسلم([391]).

2_ التقدير العمري: وهو تقدير كل ما يجري على العبد في حياته إلى نهاية أجله، وكتابةُ شقاوته أو سعادته.

وقد دل على ذلك قول النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك؛ فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وشقي أو سعيد ) . رواه البخاري ومسلم([392]).

3_ التقدير السنوي: وذلك في ليلة القدر من كل سنة، ويدل عليه قوله _تعالى_: [فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ] الدخان: 4 .

وقوله _عز وجل_: [تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ ٤ سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ] القدر:5.

قيل في تفسرها: يكتب فيها _أي في ليلة القدر_ ما يحدث في السنة من موت، وحياة، وعز، وذل، ورزق، ومطر حتى الحجاج يقال: يحج فلان، ويحج فلان([393]).

4. التقدير اليومي: ويدل عليه قول الله _تعالى_: [كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ] الرحمن: 29.

قيل في تفسيرها: شأنه أن يُعِزَّ ويُذِلَّ، ويرفع ويخفض، ويعطي ويمنع، ويغني ويُفقر، ويضحك ويبكي، ويميت ويحيي إلى غير ذلك([394]).

 سادساً: أدلة الإيمان بالقدر

دل على هذا الركن العظيم من أركان الإيمان _ الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل، والحس.

أما أدلة القرآن الكريم: فكثيرة جدًّا وقد مر شيء من ذلك، ومن تلك الأدلة _زيادة على ما مضى_ قوله _تعالى_:[وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا] الأحزاب:38، وقوله: [إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ]القمر: 49 .

وقوله: [وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ] الحجر: 21.

وأما السنة: فكما قال  صلى الله عليه وسلم  كما في حديث جبريل _عليه السلام_:  ( وتؤمن بالقدر خيره وشره ) . رواه مسلم([395]).

وروى مسلم _أيضاً_ عن طاووس قال:  ( أدركت ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبدالله بن عمر يقول: كل شيء بقدر حتى العجز والكيْس، أو الكيس والعجز ) ([396]).

وقال  صلى الله عليه وسلم :  ( وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ اللهِ وما شاء فعل )  رواه مسلم([397]).

أما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره من الله، قال النووي  رحمه الله :  ( وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، وأهل الحل والعقد من السلف والخلف _ على إثبات قدر الله _سبحانه وتعالى_ ) ([398]).

وقال ابن حجر  رحمه الله :  ( ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله _تعالى_ ) ([399]).

أما الفطرة: فإن الإيمان بالقدر أمر معلوم بالفطرة قديماً وحديثاً، ولم ينكره إلا الشواذ من المشركين من الأمم، ولم يقع الخطأ في نفي القدر وإنكاره، وإنما وقع في فهمه على الوجه الصحيح؛ ولهذا قال _سبحانه_ عن المشركين [سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا]الأنعام: 148.

فهم أثبتوا المشيئة لله، ولكنهم احتجوا بها على الشرك، ثم بيَّن الله أن هذا هو شأنُ من كان قبلهم، فقال: [كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ] الأنعام: 148.

وكانت العرب في الجاهلية تعرف القدر ولا تنكره، ولم يكن هناك من يرى أن الأمر مستأنف.

ولم يقل أحد منهم بنفيه إطلاقاً، كما صرح بذلك أحد كبار علماء العربية، وهو أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب  رحمه الله  بقوله:  ( لا أعلم عربياً قدرياً، قيل له: يقع في قلوب العرب القول بالقدر؟ قال: معاذ الله، ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره أهل الجاهلية والإسلام، وكلامهم كثير بيِّن ) ([400]).

أما أدلة العقل: فهي أن العقل الصحيح يقطع بأن الله هو خالق هذا الكون، ومدبره، ومالكه، ولا يمكن أن يوجد على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب والمسببات هكذا صدفة؛ إذ الموجود صدفة ليس له نظام في أصل وجوده، فكيف يكون منتظماً مع بقائه وتطوره؟

فإذا تقرر عقلاً أن الله هو الخالق لزم ألا يقع شيء في ملكه إلا ما قد شاءه وقدَّره([401]).

ومما يدل على هذا التقرير قوله _تعالى_: [ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا] الطلاق 12.

ثم إن تفاصيل القدر لا ينكرها العقل، بل هي مما يتفق معه تمام الاتفاق.

أما دلالة الحس: فنحن نشاهد ونسمع، ونقرأ أن الناس تستقيم أمورهم بالإيمان بالقضاء والقدر، وسيمر بنا شيء من ذلك عند الحديث عن ثمرات الإيمان بالقدر، فالمؤمنون به حقًّا هم أسعد الناس وأصبرهم، وأشجعهم، وأكرمهم، وأكملهم، وأعقلهم.

ثم إن القدر  ( هو نظام التوحيد )  كما قال ابن عباس _رضي الله عنهما_ والتوحيد لا يستقيم إلا بالإيمان بالقضاء والقدر.

ثم إن فيما أخبرنا الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم  من أمور الغيب المستقبلية التي وقعت، كما جاء الخبر _دليلاً حسياً واضحاً على أن الإيمان بالقدر حق وصدق([402]).

سابعاً: الواجب على الإنسان في باب القدر

الواجب على الإنسان في هذا الباب أن يؤمن بقضاء الله، وقدره، وأن يؤمن بشرع الله، وأمره ونهيه، فعليه تصديق الخبر، وطاعة الأمر([403]).

فإذا أحسن حَمِدَ الله، وإذا أساء استغفر الله، وعلم أن ذلك كله بقضاء الله وقدره؛ فإن آدم _عليه السلام_ لمَاَّ أذنب تاب، فاجتباه ربه وهداه، وإبليس أصرَّ واحتج بالقدر فلعنه الله وأقصاه، فمن تاب كان آدمياً، ومن أصرَّ واحتجَّ بالقدر صار إبليسياً، فالسعداء يتبعون أباهم آدم، والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس([404]).

وبالجملة فعلى الإنسان أن يؤمن بمراتب القدر الأربع السابقة؛ وأنه لا يقع شيء إلا وقد علمه الله، وكتبه، وشاءه، وخلقه، ويؤمن _أيضاً_ بأن الله أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، فيفعل الطاعة، ويترك المعصية، فإذا وفقه الله لفعل الطاعة وترك المعصية فليحمدِ الله، وليستمر على ذلك، وإن خُذِل ووُكل إلى نفسه فَفَعل المعصية، وترك الطاعة فعليه أن يستغفر ويتوب.

ثم إن على العبد _أيضاً_ أن يسعى في مصالحه الدنيوية، ويسلك الطرق الصحيحة الموصلة إليها، فيضرب في الأرض، ويمشي في مناكبها، فإن أتت الأمور على ما يريد حمد الله، وإن أتت على خلاف ما يريد تعزى بقدر الله، وعلم أن ذلك كله واقع بقدر الله _عز وجل_ وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

وإذا علم العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلق وما أمر به حكمة عظيمة كفاه هذا، ثم كلما ازداد علماً وإيماناً ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر عقله، ويبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه.

ولا يلزم كل أحد أن يعلم تفاصيل الحديث عن الإيمان بالقدر، بل يكفي هذا الإيمان المجمل([405]).

وهو _ولله الحمد_ مقتضى الأدلة الشرعية، والفطرية، والعقلية، والحسية، لا تناقض فيه، ولا لبس.


 المبحث الثاني: ثمرات الإيمان بالقدر

 ثمرات الإيمان بالقدر

الإيمان بالقضاء والقدر _على الوجه الصحيح_ يثمر ثمراتٍ جليلة، وأخلاقاً جميلة، وعبودياتٍ متنوعة، يعود أثرها على الفرد والجماعة في الدنيا والآخرة، فمن تلك الثمرات ما يلي:

1_ التوكل: فالتوكل على الله هو لُبُّ العبادة، ولا يصح التوكل ولا يستقيم إلا لمن آمن بالقدر على الوجه الصحيح.

والتوكل في لسان الشرع إنما يراد به توجه القلب إلى الله حال العمل، واستمداد المعونة منه، والاعتماد عليه وحده، فذلك سر التوكل وحقيقته([406]).

2_ قوة الرجاء وإحسان الظن بالله: فالمؤمن بالقدر حَسَنُ الظن بالله، قويُّ الرجاء به؛ لعلمه بأن الله لا يقضي قضاءً إلا وفيه تمام العدل والرحمة والحكمة([407]).

3_ الصبر وقوة الاحتمال: ولهذا تجد المؤمن بالقدر صبوراً متجلداً يتحمل المشاق، ويقوم بالأعباء.

فالذين لا يؤمنون بالقدر يجزعون لأتفه الأسباب، بل ربما أدى بهم الجزع إلى الجنون، والوسوسة، وتعاطي المخدرات، وقتل النفس.

ولذلك يكثر الانتحار في البلاد التي لا يؤمن أهلها بالقضاء والقدر.

ولو بحثنا عن أسباب انتحارهم لوجدناها تافهةً جدًّا، لا تستدعي سوى التغافل وغض الطرف عنها؛ فبعضهم ينتحر؛ لتخلي خطيبته عنه، وبعضهم بسبب رسوبه في الامتحان، وبعضهم بسبب وفاة المطرب الذي يحبه، أو الشخص الذي يعجبه، أو بسبب هزيمة الفريق الذي يميل إليه، وهكذا...

وقد يكون الانتحار جماعياً، والعجيب في الأمر أن أغلبية المنتحرين ليسوا من طبقة الفقراء حتى يقال: انتَحَروا؛ لضيق المعيشة.

بل إنهم من الطبقة الغنية المغرقة في النعيم، بل ويقع الانتحار من المشاهير، بل ومن الأطباء النفسيين الذين يُظَنُّ أنهم يجلبون السعادة، ويحلون المشكلات! ([408])

4_ محاربة اليأس: فالذي لا يؤمن بالقدر يصيبه اليأس ويدِبُّ إلى رُوْعِه القنوط؛ فإذا أصيب ببلية ظن أنها قاصمة ظهره، وإذا نزلت به نازلة حسب أنها ضربةُ لازب لن تبارحه.

أما المؤمن بالقدر فلا يعرف اليأس، ولا تراه إلا متفائلاً في جميع أحواله، منتظراً الفرج من ربه، عالماً بأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسراً.

5_ الكرم والسخاء: ذلك أن المؤمن بالقدر يعلم علم اليقين بأن الله هو الرزاق، وهو الذي قسم بين الخلق معيشتهم؛ فكل له نصيبه، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، ولن يفتقر أحد إلا بقدر الله _عز وجل_.

وهذا الإيمان يشرح صدر صاحبه للإنفاق في وجوه الخير، فيؤثرها بجانب من ماله ولو كان به خصاصة؛ ثقة بالله، واستجابة لأمره _عز وجل_ بالإنفاق([409]).

6_ الشجاعة والإقدام، واطِّراح الخور والجبن: فالإيمان بالقدر يملأ قلب صاحبه شجاعةً وإقداماً، ويُفْرِغُه من كل خور وجبن؛ لأن المؤمن بالقدر يعلم أنه لن يموت قبل يومه، ولن يصيبه إلا ما كُتب له، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله له.

فلا يدرك هذه الأمور، ولا يجد حلاوتها، ولا يعلم ثمرتها_ إلا من آمن بالله وقضائه وقدره؛ فالمؤمن بالقدر ساكن القلب، مطمئن النفس، مرتاح البال، لا يفكر كثيراً في احتمال الشر، ثم إن وقع لم يَطِرْ له قَلْبه شَعَاعاً، بل يحتمل ذلك بثبات وصبر؛ إنْ مرضَ لم يُضَاعف مرضه بوهمه، وإن نزل به مكروه قابله بجأش رابط فخفف حِدَّته؛ فمن الحكمة ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر.

بل يسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت قابلها بشجاعة واعتدال.

وإنك لتجد عند خواصِّ المسلمين من العلماء العاملين والعباد القانتين المتبعين من سكون القلب وطمأنينة النفس ما لا يخطر ببال، ولا يدور حول ما يشبهه خيال؛ فلهم في ذلك الشأن القِدْحُ المعلى، والنصيب الأوفى.

بل إنك واجد عند عوام المسلمين من سكون القلب وراحة البال، وبرد اليقين ما لا تجده عند كبار المفكرين والكتاب والأطباء من غير المسلمين؛ فكم من الأطباء من غير المسلمين _على سبيل المثال_ من يَعْجَبُ، ويَذْهَبُ به العجب كل مذهب إذا هو أشرف على علاج مريض مسلم، وتبين له أنه مصاب بداء خطير _كالسرطان مثلاً_ فتراه يقدِّم رِجلاً ويؤخر أخرى، وتجده يمهد الطريق، ويضع المقدمات، كل ذلك خشيةً من شدة تأثر المريض بسماع هذا الخبر.

وما إن يُعلِمهُ بمرضه، ويصارحه بعلته _إلا ويفاجأ بأن هذا المريض يستقبل الخبر بنفس راضية، وصدر رحب، وسكينة عجيبة.

لقد أدهش كثيراً من غير المسلمين إيمانُ المسلمين بالقضاء والقدر، فكتبوا في هذا الشأن معبرين عن دهشتهم، مسجلين شهاداتهم بقوة عزائم المسلمين، وكبر نفوسهم، وحسن استقبالهم لصعوبات الحياة.

فهذه شهادة حق من قوم حرموا الإيمان بالله، وبقضائه وقدره([410]).

وما منعهم من ذلك إلا إعراضهم عن ربهم، وبعدهم عن الدين الحق، ألا وهو الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، وختم به الأديان السماوية.


 المبحث الثالث: مشيئة العبد وفعل الأسباب

 أولاً: الإيمان بالقدر ومشيئة العبد

الإيمان بالقدر _على ما مرَّ_ لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية، وأن يكون له قدرة عليها، فقد دل على ذلك الشرع والواقع.

أما الشرع: فالأدلة على ذلك كثيرة جدًّا ومنها قوله _تعالى_: [فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَ‍َٔابًا] النبأ: 39 وقوله: [فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ]البقرة:223.

أما الواقع: فكل إنسان يعلم أن له مشيئةً، وقدرة يفعل بها ويترك، ويفرق بين ما يقع بإرادته، كالمشي، وما يقع بغير إرادته كالارتعاش.

لكنَّ مشيئته، وقدرته واقعتان بمشيئة الله وقدرته، لقوله _تعالى_: [لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ] التكوير([411]).

 ثانياً: فعل الأسباب والإيمان بالقدر

فعل الأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل إن مباشرتها من صحيح الإيمان بالقضاء والقدر.

ولهذا يجب على الإنسان _مع الإيمان بالقدر_ الاجتهادُ في العمل، والأخذ بأسباب النجاة، والالتجاء إلى الله _تعالى_ بأن ييسر له أسباب السعادة وأن يعينه عليها.

ونصوص الكتاب والسنة حافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شؤون الحياة؛ فقد أَمَرتْ بالعمل، والسعي في طلب الرزق، واتخاذ العدد لمواجهة الأعداء، والتزود للأسفار، وغير ذلك.

وأمرت باتخاذ الأسباب الشرعية التي تؤدي إلى رضوانه، وجنته، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والدعاء، وغير ذلك.

وحياة الرسول  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه، بل حياة المسلمين جميعاً، والسائرين على نهجهم _كلها شاهدة على أخذهم بالأسباب، والجد، والاجتهاد([412]).


 المبحث الرابع: الاحتجاج بالقدر والتسيير والتخيير

 أولاً: الاحتجاج بالقدر على فعل المحرمات وترك الواجبات

الإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجة على فعل المحرمات، وترك الواجبات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :  ( وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتِّفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإن هذا لو كان مقبولاً لأمكن كُلُّ أحدٍ أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس، وأخذ الأموال وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر.

ونفسُ المحتجِّ بالقدر إذا اعتُدي عليه، واحتج المعتدي بالقدر لم يُقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدل على فساده، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول ) ([413]).

ومما يؤيد ما ذكر ويؤكده أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه في أمور دنياه حتى يدركه، ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر.

فلِمَا ذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟!

وإليك مثالاً يوضح ذلك: لو أراد إنسان السفر إلى بلد، وهذا البلد له طريقان، أحدهما آمن مطمئن، والآخر كله فوضى واضطراب، وقتل، وسلب، فأيهما سيسلك؟

لا شك أنه سيسلك الطريق الأول، فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار؟

ومما يمكن أن يردَّ به على المحتج بالقدر على ترك الواجبات، وفعل المعاصي _بناء على مذهبه_ أن يقال له: لا تتزوج؛ فإن كان الله قد قضى لك بِوَلد فسيأتيك، وإلا فلن، ولا تأكل ولا تشرب؛ فإن قدَّر الله لك شبعاً ورياً فسيكون، وإلا فلن، وإذا هاجمك أسدٌ ضارٍ فلا تَفِرَّ منه؛ فإن قدَّر الله لك النجاة فستنجو، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار، وإذا مَرِضْت فلا تتداوَ؛ فإن قدَّر الله لك شِفاءً شُفيت، وإلا فلن ينفعك الدواء، وهكذا...

فهل سيوافقنا على هذا القول أَوْ لا؟ إن وافقنا عَلِمْنا فساد عقله، وإن خالفنا علمنا فساد قوله، وبطلان حجته.

وبالجملة فإن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، أو ترك الطاعات احتجاج باطل في الشرع، والعقل، والواقع([414]).

 ثانياً: الصورة الجائزة المسوِّغة للاحتجاج بالقدر

يسوغ الاحتجاج بالقدر عند المصائب التي تحل بالإنسان كالفقر، والمرض، وفقد القريب، وتلف الزرع، وخسارة المال، وقتل الخطأ، ونحو ذلك؛ فهذا من تمام الرضا بالله ربَّاً، فالاحتجاج إنما يكون على المصائب، لا المعائب، فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب، كما قال _تعالى_: [فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ] غافر: 55.

والشقي يجزع عند المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب.

ويوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلاً قتل آخر عن طريق الخطأ، ثم لامَهُ مَنْ لامه، واحتج القاتل بالقدر، لكان احتاجه مقبولاً، ولا يمنع ذلك من أن يؤاخذ.

ولو قتل رجلٌ رجلاً عن طريق العمد، ثم قُرِّع القاتل ووُبِّخ على ذلك، ثم احتج بالقدر لم يكن الاحتجاج منه مقبولاً([415]).

 ثالثاً: الإنسان بين التسيير والتخيير

هناك سؤال يرد كثيراً، وهو قولهم: هل الإنسان مسيَّر أو مخيَّر؟

فهذا السؤال يرد كثيراً، وهناك من يجيب على هذا السؤال بأن الإنسان مسير لا مخير، كما أن هناك من يجيب بأنه مخير لا مُسَيَّر.

والحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال بهذا الإطلاق خطأ؛ ذلك أن الإجابة تحتاج إلى بعض التفصيل.

ووجه الخطأ في الإجابة:  ( بأن الإنسان مسير لا مخير )  تكمن فيما يَرِدُ على هذه الإجابة من إشكال؛ فإذا قيل: إنه مسير بإطلاق قيل: كيف يحاسب وهو مسير؟ وكيف يكون مسيراً ونحن نرى أن له مشيئةً وقدرةً واختياراً؟ وما العمل بالنصوص التي تثبت له المشيئة، والقدرة، والاختيار؟

أما إذا أجيب بأنه  ( مخير لا مسير )  فيقال: كيف يكون مُخَيَّراً ونحن نرى أنه قد ولد بغير اختياره؟ ويمرض بغير اختياره؟ ويموت بغير اختياره؟ إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن إرادته.

فإذا قيل: إنه مخير في أفعاله التي تقع بإرادته واختياره قيل: وأفعاله الاختيارية كذلك؛ فقد يريد أمراً، ويعزم على فعله، وهو قادر على ذلك فيفعله، وقد لا يفعله؛ فقد يعوقه ما يعوقه؛ إذاً فليس كل ما أراد فِعْلَه فَعَلَهُ؛ وهذا شيء مشاهد.

ومن هنا يتبين لنا وجه الخطأ في هذا الجواب؛ فلو كان الإنسان مُسَيَّراً بإطلاق لما كان له قدرةٌ ومشيئةٌ، ولو كان مخيراً بإطلاق لفعل كل ما شاءه؛ فمن قال بالتسيير بإطلاق فهو ألصق بمذهب الجبرية الذين قالوا إنَّ العبد مُجْبَرٌ على فعله، وأنكروا أن يكون له قدرة ومشيئة وفعل.

ومن قال بالتخيير بإطلاق فهو ألصق بمذهب القدرية النفاة الذين قالوا: إن الأمر أُنُفٌ، وإن العبد هو خالق فعله، وأنه مستقل بالإرادة والفعل([416]).

فما الجواب _إذاً_ عن هذا السؤال؟ وما المخرج من هذا الإشكال؟

الجواب: أن الحق وسط بين القولين، وهدى بين هاتين الضلالتين؛ فيقال _وبالله التوفيق_: إن الإنسان مخيَّر باعتبار، ومسيَّر باعتبار؛ فهو مخير باعتبار أن له مشيئةً يختار بها، وقدرة يفعل بها؛ لقوله _تعالى_: [فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ] الكهف: 29، وقوله:[وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ]البلد: 10، وقوله: [فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ]البقرة:223، وقوله: [وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ]آل عمران: 133.

ولقوله  صلى الله عليه وسلم  فيما رواه مسلم:  ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز... )  الحديث([417]).

وقوله في الحديث الذي رواه البخاري:  ( صلوا قبل المغرب )  قال في الثالثة:  ( لمن شاء ) ([418]).

إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة في هذا المعنى.

وهو مسير باعتبار أنه في جميع أفعاله داخل في القدر، راجع إليه؛ لكونه لا يخرج عما قدَّره الله له؛ فلا يخرج في تخييره عن قدرة الله؛ لقوله _تعالى_: [هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ] يونس: 22، وقوله: [وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ] القصص: 68.

ولقوله  صلى الله عليه وسلم :  ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) ([419]).

إلى غير ذلك من الأدلة بهذا المعنى.

ولهذا جمع الله بين هذين الأمرين _كون الإنسان مخيراً باعتبار ومسيراً باعتبار_ كما في قوله _تعالى_: [لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ] التكوير.

فأثبت _عز وجل_ أن للعبد مشيئة، وبيَّن أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، واقعة بها.

وكذلك الرسول  صلى الله عليه وسلم  كما في قوله:  ( ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار ) ([420]).

قالوا: يا رسول الله: فَلِمَ نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال:  ( لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) .

فهذا الحديث دليل لما سبق، فهو يدل على أن الإنسان مخير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم   ( اعملوا )  وعلى أنه لا يخرج في تخييره عن قدر الله؛ لقوله:  ( فكل ميسر لما خلق له ) .

هذا مقتضى أدلة الشرع والواقع في هذه المسألة([421]).


 المبحث الخامس: مسألة الهداية والإضلال

مسألة الهداية والإضلال مسألة عظيمة يطول حولها الكلام، وخلاصة القول فيها أن يُقال: إن الهداية والإضلال والطاعة والمعصية بمشيئة الله، والإنسان سبب في وقوعها، ومسؤول عنها؛ فذلك من الأصول القطعية عند أهل السنةِ، والقاعدةُ التي يتفق عليها العقلاء أن القطعيات لا تتناقض في نفسها وإن بدت لنا متناقضة؛ لقصور إدراكنا؛ فحسبنا أن نقف عند هذه القطعيات، ونؤمن بها جميعاً، ولا نرد منها شيئاً ولو لم نحط بها علماً؛ لأن مسألة القضاء والقدر لها تعلق بصفات الله؛ فالقدر قدرة الله، وقدرة الله كعلمه وحكمته وإرادته وسائر صفاته من جهة كونها معلومة المعنى مجهولة الكيفية؛ فكما أننا نعجز عن الإحاطة بصفات الله فكذلك نعجز عن الإحاطة بسر القدر الإلهي، ومن أسراره أن أضل الله وهدى، وأسعد وأشقى، وأمات وأحيا، وغير ذلك؛ لحكمة يعلمها ولا نعلمها، وهو العليم الحكيم.

ولا يضير المرء في إيمانه عجزه عن معنى الإحاطة بسر القدر؛ لأن ذلك ليس بمستطاع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

ولكن الذي يضيره أن يبني على عجزه أحكاماً، ويتصرف على غير هدى، ويرد بعض الأصول القطعية، ويضرب النصوص بعضها ببعض.

ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولا يلزم _ليكون تصرفه سليماً_ أن يُدرك غيرُه الحكمة في تصرفاته، وليس لأحد حق الاعتراض عليه في تصرفه إذا لم يعلم السر في أفعاله.

ولا نزاع بينهم أن البارع في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو صنعة من الصنائع أنه قد يعمل أعمالاً لا تدركها عقول الذين لم يقفوا على أسرار ذلك العلم، أو الفن، أو الصنعة.

ولا يعني عدمُ إدراكهم لذلك القدحَ في ذلك العلم، أو الفن، أو الصنعة.

هذا بالنسبة للبشر القاصرين في علمهم وحكمتهم، فكيف بأحكم الحاكمين، وبمن وسع كل شيء رحمة وعلماً؟!

فإن حاولنا كشف ما طُوي عنا من أسرار القدر مما استأثر الله بعلمه كان ذلك تكلفاً بلا نتيجة، ومن حاول إدراك غير المستطاع فنتيجة محاولته أن يكون([422]):

كناطحٍ صخرةً يوماً لِيَفْلِقَها

فلم يَضِرْها وأوهى قرنَه الوَعلُ([423])

وبالجملة فالهداية والإضلال لله وحده؛ فالله أعلم حيث يجعل هدايته كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته.

ولا يعني ذلك تعطيل الأسباب؛ فالله _عز وجل_ نصب أسباباً، وجعلها طريقاً للوصول إلى الهدى، وحذَّر من أسباب الإضلال، وبيَّن أنها موصلة للردى، ويبقى بعد ذلك أن نستحضر أن ذلك كله بيد الله _عز وجل_ فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون عما يفعلون([424]).


 الباب الثالث

 محمد  صلى الله عليه وسلم  خاتم الأنبياء والمرسلين


 الفصل الأول

 في بعثة النبي  صلى الله عليه وسلم  وخلاصة سيرته


 المبحث الأول: مهيئات النبوة

لقد هيأ الله _عز وجل_ للنبي  صلى الله عليه وسلم  مهيئات كثيرة كانت إرهاصاً لبعثته ونبوته، فمن ذلك ما يلي:

1_ دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى _عليهما السلام_ ورؤيا أمه آمنة: يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه:  ( إني عبدالله لَخَاتم النبيين، وإن آدم _عليه السلام_ لمُنْجَدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت ) ([425]).

ومعنى الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا مصداق دعوة إبراهيم الخليل _عليه السلام_ لأن إبراهيم لمَّا كان يرفع القواعد من الكعبة في مكة، ومعه ابنه إسماعيل كان يقول _كما أخبرنا الله عنه في القرآن_: [رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٢٧ رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨ رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ] (البقرة 127_129).

فاستجاب الله دعوة إبراهيم وإسماعيل _عليهما السلام_ فكان النبي الخاتم محمد _عليه الصلاة والسلام_ من ذريتهما.

أما قوله:  ( وبشرى عيسى )  فإن نبي الله عيسى _عليه السلام_ قد بَشَّر بالنبي محمد  صلى الله عليه وسلم  كما أخبر الله عنه في القرآن، فقال: [وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ] (الصف: 6).

فعيسى _عليه السلام_ هو آخر نبي من أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين محمد  صلى الله عليه وسلم  نبي؛ وقد بَشَّر بنبي يأتي من بعده اسمه أحمد، وأحمد من أسماء النبي محمد  صلى الله عليه وسلم .

أما  ( رؤيا أمه )  فقد رأت رؤيا صادقة؛ ذلك أن أمه لما أخذها المخاض، فوضعته تَمَثَّل لعينيها ذلك النور الذي أضاءت له بصرى في أرض الشام([426]).

2_ كون النبي  صلى الله عليه وسلم  خرج في أمة العرب: تلك الأمة التي فُضِّلَت على غيرها من الأمم آنذاك، حتى استعدت لهذا الإصلاح الروحي المدني العام، الذي اشتمل عليه دين الإسلام، بالرغم مما طرأ عليها من الأمية، وعبادة الأصنام، وما أحدثت فيها غلبة البداوة من التفرق والانقسام.

ومع ذلك فقد كانت أمةُ العربِ متميزةً باستقلال الفكر، وسعة الحرية الشخصية.

وكانت أمة العرب _أيضاً_ متميزة بالذكاء، وباستقلال الإرادة، وعزة النفس، وشدة البأس، وقوة الأبدان والقلوب.

وكانت أمة العرب أقرب إلى العدل بين الأفراد.

وقد بلغت أوج الكمال في فصاحة اللسان، وبلاغة المقال مما جعلها مستعدة للتأثر والتأثير بالبراهين العقلية، والمعاني الخطابية، والشِعرية، وللتعبير عن جميع العلوم الإلهية والشرعية، والفنون العقلية، والكونية أيام كانت الأمم الأخرى تنفصم عرى وَحْدتها بالتعصبات الدينية والمذهبية، والعداوات العرقية.

وأعظم مزية امتاز بها العرب، أنهم كانوا أسلم الناس فطرةً، بالرغم من أن أمم الحضارة كانت أرقى منهم في كل فن وصناعة.

والإصلاح الإسلامي مبني على تقديم إصلاح النفس باستقلال العقل، والإرادة، وتهذيب الأخلاق على إصلاح ما في الأرض من معدن، ونبات، وحيوان.

وبهذا كان الله _عز وجل_ يُعِدُّ هذه الأمة للإصلاح العظيم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ([427]).

3_ شرف النسب: فقد كان نسبه  صلى الله عليه وسلم  أشرف الأنساب، وأصرحها، قال _تعالى_: [إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ] (آل عمران:33).

وجاء في صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول:  ( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ) ([428]).

أما اصطفاء الله لبني هاشم فقد كان لما امتازوا به من الفضائل والمكارم؛ فكانوا أصلح الناس عند الفتن، وخيرهم لمسكين ويتيم.

وإنما أطلق لقب هاشم على عمْرو بن عبد مناف؛ لأنه أول من هشم الثريد _وهو طعام لذيذ_ للذين أصابهم القحط، وكان يَشْبَعُ منه كلَّ عامٍ أهلُ الموسم كافة، ومائدتُه منصوبةٌ لا ترفع في السراء ولا في الضراء.

وزاد على هاشم ولَدُه عبدالمطلب جدُّ الرسول  صلى الله عليه وسلم  فكان يطعم الوحش، وطير السماء، وكان أول من تعبد بغار حراء، وروي أنه حرم الخمر على نفسه.

وبالجملة: فقد امتاز آل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر قومه بالأخلاق العلية، والفواضل العملية، والفضائل النفسية، ثم اصطفى الله محمداً صلى الله عليه وسلم من بني هاشم؛ فكان خير ولد آدم، وسيدهم([429]).

4_ بلوغه  صلى الله عليه وسلم  الذروة في مكارم الأخلاق: فقد جبله الله _عز وجل_ على كريم الخلال، وحميد الخصال، فكان قبل النبوة أرقى قومه، بل أرقى البشرية في زكاء نفسه، وسلامة فطرته، وحسن خلقه.

وكان يُعرف بالتزام الصدق، والأمانة، وعلو الآداب؛ فبذلك كان له المقام الأرفع قبل النبوة؛ حتى لقبوه بالأمين.

وعلى هذه الحال كان صلى الله عليه وسلم حتى بلغ أشده، واستوى، وكملت في جسده الطاهر، ونفسه الزكية جميع القوى، ولا طمع في مال، ولا سمعة، ولا تطلع إلى جاه ولا شهرة، حتى أتاه الوحي من رب العالمين _كما سيأتي بيانه بعد قليل_([430]).

5_ كونه صلى الله عليه وسلم أميّاً لا يقرأ ولا يكتب: فهذا من أعظم المهيئات والدلائل على صدق نبوته؛ فهذا الرجل الأمي الذي لم يقرأ كتاباً، ولم يكتب سطراً، ولم يقل شعراً، ولم يرتجل نثراً، الناشىءُ في تلك الأمة الأمية _ يأتي بدعوة عظيمة، وبشريعة سماوية عادلة، تستأصل الفوضى الاجتماعية، وتكفل لمعتنقيها السعادة الإنسانية الأبدية، وتعتقهم من رق العبودية لغير ربِّهم _جل وعلا_.

كل ذلك من مهيئات النبوة، ومن دلائل صدقها([431]).

6_ كونه نشأ في مكة المكرمة: تلك البلدة الطيبة التي اختارها الله لأول بيت قام في الأرض لتوحيد الله والعبادة الخالصة، والنسك السليم.

قال الله _عز وجل_: [إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ] (آل عمران: 96) ([432]).


المبحث الثاني: نبذة عن نسب النبي  صلى الله عليه وسلم  وحياته

نسبه: هو محمدُ بنُ عبدِالله بنِ عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعدنان من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم _عليهما السلام_([433]).

وأُم النبي صلى الله عليه وسلم هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وزهرة أخو جد النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد تزوج بها عبدالله والد النبي صلى الله عليه وسلم وأقام معها في بيت أهلها ثلاثة أيام، فلم تلبث أن حملت بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم تجد في حمله ثقلاً، ولا وحماً كما هو شأن المحصنات الصحيحات الأجسام([434]).

وقد رأت أمه رؤيا لما حملت به، وقد مَرَّ ذِكْرُ الرؤيا في كلام سابق.

ولادته: وقد ولدته أمه سَويّ الخلق، جميل الصورة، صحيح الجسم، وكانت ولادته عام الفيل الموافق للحادي والسبعين بعد الخمسمائة للميلاد([435]).

وقد تُوفي والده وهو حَمْلٌ في بطن أمه، فكفله جده عبدالمطلب، وأرضعته أمه ثلاثة أيام ثم عهد جده بإرضاعه إلى امرأة يقال لها حليمة السعدية.

رضاعته في بني سعد: وكان من عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم في البوادي؛ حيث تتوافر أسباب النشأة البدنية السليمة([436]).

ولقد رأت حليمة السعدية من أمر هذا الرضيع عجباً، ومن ذلك: أنها أتت مع زوجها إلى مكة على أتان هزيلة بطيئة السير، وفي طريق العودة من مكة، وهي تضع الرضيع في حجرها كانت الأتان تعدو عَدْواً سريعاً، وتُخَلِّف وراءها كل الدواب، مما جعل رفاق الطريق كلهم يتعجبون.

وتُحدِّث حليمة بأن ثديها لم يكن يُدِرُّ شيئاً من الحليب، وأن طفلها الرضيع كان دائم البكاء من شدة الجوع، فلما ألقمت الثدي رسول الله صلى الله عليه وسلم دَرَّ غزيراً، فأصبحت ترضعه وترضع طفلها حتى يشبعا.

وتُحدِّث حليمة عن جدب أرض قومها ديار بني سعد، فلما حظيت بشرف رضاعة هذا الطفل أنتجت أرضها، وماشيتها، وتَبَدَّلت حالها من بؤس وفقر إلى هناء ويسر.

وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه وجده في مكة، لكن حليمة ألَحَّتْ على أمه أن توافق على بقائه عندها مرة ثانية؛ لِمَا رأت من بركته عليها، فوافقت أُمُّه آمنة، فعادت حليمة بالطفل مرة أخرى إلى ديارها والفرحة تملأ قلبها.

وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه، وعمره آنذاك أربع سنوات، فحضنته أمه إلى أن توفيت، وكان له من العمر ست سنين، فكفله جده عبدالمطلب سنتين ثم توفي، وقبل وفاته أوصى به ابنه أبا طالب عمَّ النبي  صلى الله عليه وسلم  فحاطه بعنايته كما يحوط أهله وولده([437]).

إلا أنه كان لفقره يعيش عيش الشظف؛ فلم يتعود  صلى الله عليه وسلم  نعيم الترف، ولعلَّ ذلك من عناية الله بهذا النبي الكريم.

وكان  صلى الله عليه وسلم  قد ألِفَ رعي الغنم مع إخوانه من الرضاع لما كان في بادية بني سعد، فصار يرعى الغنم لأهل مكة؛ فيكفي نفسه بما يأخذه على ذلك من الأجرة، ولا يرهق عمه بالنفقة.

سفره مع عمه إلى الشام، ولقاؤه بحيرا الراهب: ثم سافر مع عمه أبي طالب في تجارة إلى الشام، وله من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام، وهناك رآه (بحيرا) الراهب، وبشَّر به عمَّه أبا طالب، وحذَّره من عدوان اليهود عليه بعد أن رأى خاتم النبوة بين كتفيه.

سفره مُتَّجِراً بمال لخديجة: ثم إنه سافر مرة أخرى مُتَّجراً بمالٍ لخديجة بنت خويلد، فأعطته أفضل مما كانت تعطي غيره؛ إذ جاءت تلك التجارة بأرباح مضاعفة، بل جاءت بسعادة الدنيا والآخرة.

وكانت خديجة هذه أعقل وأكمل امرأة في قريش، حتى كانت تدعى في الجاهلية: الطاهرة؛ لِما لها من الصيانة، والعفَّة، والفضائل الظاهرة.

زواجه بخديجة: ولما حدَّثَها غُلامها ميسرةُ بما رأى من النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته معه إلى الشام من الأخلاق العالية، والفضائل السامية، وما قاله (بحيرا) الراهب لعمه أبي طالب في رحلته الأولى إلى الشام _ تعلقت رغبتها به؛ وبأن تتخذه زوجاً لها، وكانت قد تزوجت من قبل، وتوفي عنها زوجها؛ فتمَّ ذلك الزواج الميمون، وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين سنة، وعمرها قريباً من أربعين سنة.

ولم يتزوج عليها طيلة حياتها، ولا أحب مثلها، وتوفيت بعد البعثة النبوية بعشر سنين، فكان كثيراً ما يذكرها، ويتصدق عنها، ويهدي لصاحباتها، وهي الزوجة التي رُزِق منها جميع أولاده عدا إبراهيم؛ فإنه من سُرِّيَّتِهِ ماريا القبطية.

هذه بعض أخباره وسيرته قبل النبوة، وبدء الوحي على سبيل الإجمال([438]).


 المبحث الثالث: بدء الوحي

بَلَغَ النبي صلى الله عليه وسلم أشُدَّه، وقَرُب من الأربعين، واكتملت قواه العقلية والبدنية، وكان أول ما بدأ به من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مِثْلَ فَلَق الصبح واضحة كما رآها في منامه.

اختلاؤه بغار حراء، ونزول الوحي عليه: ثم بعد ذلك حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بنفسه في غار حراء في مكة، فيتعبد الله الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بالطعام والشراب، حتى جاءه الحق، وهو على هذا الشأن بنزول القرآن عليه في شهر رمضان، وذلك بأن تَمَثَّل له المَلَكُ جبريل، ولقَّنَه عن ربِّه أول ما نزل من القرآن، فقال: [ٱقۡرَأ] فقال:  ( ما أنا بقارىء )  فقال له: [ٱقۡرَأ] فقال:  ( ما أنا بقارىء )  فقال: [ٱقۡرَأ] فقال:  ( ما أنا بقارىء )  وكان جبريل بعد كل جواب من الأجوبة الثلاثة يضمه على صدره، ويعصره حتى يبلغ منه الجهد.

ولما تركه جبريل في المرة الثالثة ألقى عليه أول آيات أُنزلت من القرآن، وهي [ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ] (العلق 1_5).

بهذه الآيات العظيمة التي تأمر بالعلم، وتبيِّن بداية خلق الإنسان _ بدأ نزول الوحي على النبي  صلى الله عليه وسلم  فرجع النبي إلى زوجته خديجة يرجف فؤاده، ولكنه حفظ رشاده، فقال:  ( زملوني زملوني )  يعني: لففوني بالثياب، ففعلوا، حتى إذا ذهب عنه الروع، أخبر خديجة الخبر، وقال:  ( لقد خشيت على نفسي ) .

فقالت خديجة _رضي الله عنها_:  ( كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُكْسِبُ المعدوم، وتُقْري الضيف، وتعين على نوائب الحق ) .

وهكذا استدلت هذه المرأة العاقلة على أن من كان هذا شأنه في محبة الخير للناس فلن يخذله الله؛ فسنَّة الله تقتضي بأن الجزاء من جنس العمل.

ثم انطلقت بعد ذلك خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتت ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، ويكتب الإنجيل بالعبرانية، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: اسمع من محمد ما يقول، فقال ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره  صلى الله عليه وسلم  خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس([439]) الذي أُنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً _أي شاباً_ ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك.

فقال له الرسول  صلى الله عليه وسلم :  ( أَوَ مُخْرِجيَّ هم؟ )  قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومُك أَنْصُرْك نصراً مؤزراً، ثم توفي ورقة، وفتر الوحي([440]).

واستمرت فترة الوحي ثلاث سنين، قوي فيها استعداد النبي، واشتدَّ شوقه وحنينه.

قال  صلى الله عليه وسلم :  ( بينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض؛ فجئثت([441]) منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني ) ([442]).

وذكر أنه رعب منه، ولكن ذلك دون الرَّعبة الأولى، فرجع إلى أهله فتزَمَّلَ، وتَدَثَّرَ _أي: تغطى بالثياب_.

ثم أنزل الله عليه قوله _تعالى_: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ١ قُمۡ فَأَنذِرۡ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ] (المدثر).

أي: يا أيها الذي تدثر بثيابه قم فأنذر الناس بالقرآن، وبلغهم دعوة الله، وطهر ثيابك وأعمالك من أدران الشرك، واهجر الأصنام، وتبرأ من أهلها.

تتابع الوحي، وقيامه بالدعوة: ثم حمي الوحي بعد ذلك، وتتابع، وبلَّغ  صلى الله عليه وسلم  دعوة ربه، حيث أمره وأوحى إليه بأن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى دين الإسلام الذي ارتضاه الله، وختم به الأديان؛ فقام النبي  صلى الله عليه وسلم  يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن([443]).

فاستجاب له أول من استجاب: خديجة من النساء، وأبو بكر الصديق من الرجال، وعلي بن أبي طالب من الصبيان، ثم توالى دخول الناس في دين الله، فاشتدَّ عليه أذى المشركين، وأخرجوه من مكة، وآذوا أصحابه أشدَّ الأذى، فهاجر إلى المدينة، وتتابع عليه نزول الوحي، واستمر في دعوته، وجهاده، وفتوحاته، حتى عاد إلى مكة ظافراً فاتحاً.

وبعد ذلك أكمل الله له الدين، وأقرَّ عينه بعز الإسلام وظهور المسلمين، ثم توفاه الله وعمره ثلاث وستون سنة، أربعون منها قبل النبوة وثلاث وعشرون نبياً رسولاً([444]).

وبه ختم الله الرسالات السماوية، وأوجب طاعته على الجن والإنس؛ فمن أطاعه سعد في الدنيا، ودخل الجنة في الآخرة، ومن عصاه شقي في الدنيا، ودخل النار في الآخرة.

وبعدما توفاه الله _عز وجل_ تابع أصحابه مسيرته، وبلَّغوا دعوته، وفتحوا البلدان بالإسلام، ونشروا الدين الحق حتى بلغ ما بلغ الليل والنهار.

ودينه  صلى الله عليه وسلم  باقٍ إلى يوم القيامة.

فما القول في أميّ نشأ بين أميين، قام بذلك الإصلاح الذي تغيَّر به تاريخ البشر أجمعين: في الشرائع، والسياسات، وسائر أمور الدنيا والدين؟ وامتدَّ مع لغته في قرن واحد من الحجاز إلى آخر حدود أوربا وأفريقيا من الغرب، وإلى حدود الصين من جهة الشرق حتى خضعت له الأمم، ودانت له الدول، وأقبلت إليه الأرواح قبل الأشباح، وكانت تتبعه في كل فتوحه الحضارةُ، والمدنيةُ، والعدل والرحمة، والعلوم العقلية والكونية على أيدي تلك الأمة الحديثة العهد بالأمية، التي زكَّاها القرآن، وعلَّمها أن إصلاح الإنسان يتبعه إصلاح الأكوان؛ فهل يمكن أن يكون هذا إلا بوحي من لدن حكيم عليم، وتأييد سماوي من الإله العزيز القدير الرحيم؟([445])



 الفصل الثاني

 في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأسرار سيرته


 المبحث الأول: في أخلاق النبي  صلى الله عليه وسلم

نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو خير البرية، وأزكى البشرية، وأعلاها رتبة، وأجلها قدراً، وأحسنها خلقاً، وأكرمها على الله _تبارك وتعالى_.

اختاره الله على علم، وأكرمه بالرسالة، وأيده بالوحي.

جبله على حميد الخلال، وفطره على كريم الخصال، ثم أدبه فأحسن تأديبه، فرباه فأحسن تربيته، فكان خلقه القرآن، كما قالت أم المؤمنين عائشة _رضي لله عنها_ عن خلقه  صلى الله عليه وسلم  لما سئلت عنه.

وهو _عليه الصلاة والسلام_ هو المقصود الأول بالتأديب والتهذيب، ثم منه يشرق النور على كافة الخلق؛ فإنه أُدِّب بالقرآن، وأدَّب الخلق به، ثم لما أكمل الله له خلقه أثنى عليه فقال _تعالى_: [وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ] (القلم:4).

ولقد كتب العلماء _رحمهم الله_ في شمائل النبي  صلى الله عليه وسلم  وأخلاقه، فتحدثوا عن حلمه، وعفوه، ورحمته، وشفقته، وحيائه، وشجاعته، وجوده، وكرمه، وصدقه، وبره، ووفائه، وأمانته، وإيثاره، وتواضعه، ولين جانبه، وكرم معشره، ونحو ذلك مما بلغ به الذروة في كل خلق كريم.

فمن تأسى به، وتخلق بخلقه كان في أعز جوار، وأمنع ذمار.

فبحسب متابعته تكون العزة، والكفاية، والنصرة كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة؛ فالله _سبحانه_ علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته.

فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح، والعزة، والكفاية، والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة.

ولمخالفيه الذلة، والصغار، والخوف، والضلال، والخذلان، والشقاء في الدنيا والآخرة([446]).

فبسط شمائله الحميدة، ونشر أخلاقه الكريمة _ من أمثل الطرق، وأقوم السبل لحسم الفساد، وكسر شوكة الباطل، بل إن ذلك مرقى العز، وسلم السعادة، وسبيل التأسي.

وفيما يلي من أسطر ذكر لبعض ما رقمته أقلام العلماء في أخلاق النبي  صلى الله عليه وسلم  وذلك على سبيل الاختصار والاختزال، دون ذكر للأسانيد، أو إكثار من الإحالات؛ إذ المقام ليس مقام إطالة وإسهاب.

فمما قيل في أخلاقه _عليه الصلاة والسلام_ ما يلي:

كان  صلى الله عليه وسلم أحلم الناس، وأشجع  الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس.

وكان أسخى الناس، لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفاجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه.

وكان لا يأخذ مما آتاه الله إلا قُوْتَ عامه فقط، وكان ذلك أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويرضى ذلك في سبيل الله، ولا يسأل شيئاً إلا أعطاه، ثم يعود إلى قوت عامه، فيؤثر منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء.

وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مَهْنة أهله، ويقطع اللحم معهن، وكان أشد الناس حياءً، لا يثبت بصره في وجه أحد.

وكان يجيب دعوة العبد والحر، ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها، ويأكلها، ولا يأكل الصدقة، ولا يستكبر عن إجابة دعوة الأَمَةِ والمسكين.

يغضب لربه، ولا يغضب لنفسه، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ومرة يأكل ما حضر، ولا يرد ما وجد، ولا يتورع عن مطعم حلال، وإن وجد تمراً دون خبز أكله، وإن وجد شواءً أكله، وإن وجد خُبْزَ بُرٍّ أو شعيرٍ أكله، وإن وجد حلواً أو عسلاً أكله، وإن وجد لبناً دون خبز اكتفي به، وإن وجد بطيخاً أو رطباً أكله.

وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس.

وكان أشد الناس تواضعاً، وأسكنهم من غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بشراً، لا يهوله شيء من أمور الدنيا.

يلبس ما وجد، فمرة شملة، ومرة بُرْدَ حِبَرةٍ يمانياً، ومرة جبةَ صوفٍ، فما وجد من المباح لبس.

يركب ما أمكنه، مرة فرساً، ومرة بعيراً، ومرة بغلة شهباء، ومرة حماراً، ومرة يمشي راجلاً حافياً.

يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم.

لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه، يمزح ولا يقول إلا حقًّا، يضحك من غير قهقهة، يسابق أهله، ترفع الأصوات عليه فيصبر.

وكان لا يمضي له وقت في غير عمل لله _تعالى_ أو فيما لا بد له منه في صلاح نفسه.

لا يحتقر مسكيناً لفقره وزمانته، ولا يهاب ملكاً لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاءً مستوياً، قد جمع الله _تعالى_ له السيرة الفاضلة، والسياسة التامة وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب.

نشأ في بلاد الجهل والصحاري في فقره، وفي رعاية الغنم يتيماً لا أب له، فعلمه الله _تعالى_ جميع محاسن الأخلاق، والطرق الحميدة، وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا، ولزوم الفضل، وتركَ الفضول.

ما شتم أحداً من المؤمنين إلا جعلها له كفارة ورحمة، وما لعن امرأة قط، ولا خادماً بلعنة.

وما ضرب أحداً بيده قط، إلا أن يضرب بها في سبيل الله _ تعالى _ وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله، وما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم، فيكون أبعد الناس من ذلك.

وما كان يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه في حاجته.

ولم يكن فظاً ولا غليظاً، ولا صخاباً في الأسواق، وما كان يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح.

وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام، ومن قادمه لحاجة صابره حتى يكون القادم هو المنصرف.

وما أخذ أحدٌ بيده، فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، وكان إذا لقي أحداً من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ بيده، فشابكه، ثم شد قبضته عليها.

وكان أكثر جلوسه ينصب ساقيه جميعاً، ويمسك بيده عليهما شبه الحبْوة، ولم يكن يعرف مجلسه من مجلس أصحابه؛ لأنه كان يجلس حيث انتهى به المجلس، وما رؤي قط ماداً رجليه بين أصحابه؛ حتى لا يضيق بها على أحد إلا أن يكون المكان واسعاً لا ضيق فيه.

 وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه لمن ليس بينه وبينه قرابة ولا رضاع يجلسه عليه.

 وكان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل.

 وما استصفاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه، وكان يعطي كلَّ مَنْ جلس إليه نصيبه من وجهه، وسمعه، وحديثه، ولطيف محاسنه وتوجهه.

وكان مجلسه مجلس وقار، وحلم، وحياء، وخير، وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحُرَمُ، ولا تثنى فلتاته.

ومعنى لا تؤبن فيه الحرم: أي لا تذكر فيه حرمات الناس بسوء، يقال أبَنه إذا ذكره بسوء، والمراد بالحرم هنا أعراض الناس، وما يحرِّمون تناوله منهم.

ومعنى لا تثنى فلتاته: لا تعاد، مأخوذٌ من التثنية وهي الإعادة، والفلتات جمع فلتة، وهي الزلة من القول والفعل إذا جرت على غير قصد بغتة؛ يعني أن أهل ذلك المجلس أهل حفظ للسر، وإعراض عن اللغو، فلو صدرت من أحد فلتة لم يتناقلها جلساؤه بالتسميع والتشنيع.

وهذا أدب عربي رفيع، وفي هذا المعنى قال ودَّاك بن ثميل من شعراء الحماسة:

وأحلام عاد لا يخاف جليسهم

إذا نطق العوّارَ غربُ لسان

ومن آداب ذلك المجلس أن أصحابه لا يقاطعون الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم، وإذا سكت تكلموا، وإذا تحدثوا عنده لم يختلفوا، ولم يتخاصموا، وإن تخاصموا لم يطل وقت الخصام.

ومن أراد الكلام أنصتوا، واستمعوا له حتى يفرغ من كلامه.

وكان آخر من يتكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم له نفس حظ أول المتكلمين من الإنصات والاهتمام.

وكان _عليه الصلاة والسلام_ يضحك مما يضحكون، ويعجب مما يعجبون إذا كان في حدود الأدب.

وكان يصبر على الغريب إذا جفاه في مقاله وسؤاله، حتى إن أصحابه قد لا يرضون ذلك، ولكنهم لا يتقدمون بين يديه _عليه الصلاة والسلام_ ولا يتجاوزون ما علمهم من الصبر، والرحمة، وإعانة طالب الحاجة على طلبه.

ومن خلقه _ عليه الصلاة والسلام _ أخذه بمبدأ الحوار؛ فالناظر في السيرة _بعدل وإنصاف_ يرى رأْيَ العينِ أنها حافلةٌ بالحوار في أرفع درجاته، وأعلى مقاماته، وأروع آدابه، وأسمى طرائقه وأساليبه.

ولا غرو في ذلك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم  هو خير الناس، وسيرته أرقى صورة للحياة البشرية.

ولقد مرت به _عليه الصلاة والسلام_ أطوارٌ كثيرةٌ، وأحوالٌ شتى مِنْ سِلْمٍ وحرب، وعسر ويسر، وكان الرسول المجتبى، والسيد المطاع، والوالد الحاني، والزوجَ الوفيَّ، والمعلم القدوة، والصديق المخلص.

وهو الذي كان يعامل الصغير والكبير، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، والمحارب والمسالم، والرجل والمرأة، والقريب والبعيد؛ فكان في جميع تلك الأحوال والمعاملات يأخذ بالحوار أخذاً عملياً لا دعوى تقولها الألسنةُ دون أن تتخلل منها مسلك الروح، ودون أن يكون لها رصيد في الواقع.

ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم؛ إكراماً لهم، واستمالة لقلوبهم، وكان يُكَنِّي من لم تكن له كنية، فكان يدعى بما كَنَّاه به، ويكني _أيضاً_ النساء اللاتي لهن أولاد، واللاتي لم يلدن يبتدئ لهن الكنى، ويكني الصبيان، فيستلين به قلوبهم.

وكان أبعد الناس غضباً، وأسرعهم رضاً، وكان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس، وكان لا يشافه أحداً بما يكرهه.

 هذه بعض أخلاقه وشمائله، رزقنا الله حسن اتباعه، والاتساء به، والاهتداء بهديه.([447])


 المبحث الثاني: الرحمة في السيرة النبوية

قال الله _عز وجل_ في وصف نبيه  صلى الله عليه وسلم  وفي معرض الامتنان على الأمة: [فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ] آل عمران: 159 .

قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسير هذه الآية:  ( واللين هنا مجاز في سعة الخلق مع أمة الدعوة والمسلمين، وفي الصفح عن جفاء المشركين، وإقالة العثرات ) ([448]).

وقال رحمه الله :  ( أرسل محمد  صلى الله عليه وسلم  مفطوراً على الرحمة؛ فكان لينُه رحمةً من الله بالأمة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على تحصيلها؛ فلذلك جعل لينه مصاحباً لرحمةٍ من الله أودعها الله فيه؛ إذ هو قد بعث للناس كافة، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين العرب أول شيء لحكمة أرادها الله _تعالى_ في أن يكون العرب هُمْ مُبَلِّغَ الشريعة للعالم.

والعرب أمة عرفت بالأنفة، وإباء الضيم، وسلامة الفطرة، وسرعة الفهم.

وهم المتلقون الأولون للدين؛ فلم تكن تليق بهم الشدة والغلظة، ولكنهم محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة لهم؛ ليتجنبوا بذلك المكابرةَ التي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحق.

وورد أن صفح النبي صلى الله عليه وسلم وعفوه ورحمته كان سبباً في دخول كثير في الإسلام، كما ذكر بعض ذلك عياض في كتاب الشفا ) ([449]).

وقال الله _عز وجل_ مبيناً شمول الرحمة للعالمين بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم : [وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ] (الأنبياء:107).

فجاءت هذه الآية مُؤَكِّدةً للرحمة بأسلوب من أقوى أساليب التأكيد، ألا وهو أسلوب الحصر، وأداتُه هنا النفي والاستثناء؛ فدل ذلك على أن الرحمة عامة.

قال ابن القيم رحمه الله :  ( وأصح القولين في قوله _تعالى_: [وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ] (الأنبياء:107) أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان:

أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له فالذين عُجِّل قَتْلُهم وموتُهم خيرٌ لهم من حياتهم؛ لأن حياتهم زيادةٌ في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء؛ فتعجيلُ موتِهم خيرٌ لهم من طول أعمارهم في الكفر.

وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شراً بذلك العهدِ من المحاربين له.

وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقنُ دمائهم وأموالِهم وأهلِهم واحترامُها، وجريانُ أحكامِ المسلمين عليهم من التوارث وغيرها.

وأما الأمم النائية عنه فإن الله _سبحانه_ رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض؛ فأصاب كلَّ العالمين النفعُ برسالته.

الوجه الثاني: أنه رحمة لكلِّ أحدٍ، لكنَّ المؤمنين قبلوا هذه الرحمة؛ فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها؛ فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة، لكن لم يقبلوها كما يقال: هذا دواء لهذا المرض، فإن لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواءاً لهذا المرض ) ([450]).

وقال الشيخ ابن عاشور رحمه الله في تفسير الآية:  ( فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد  صلى الله عليه وسلم .

ومزيَّتُها على سائر الشرائع مزيةٌ تناسبُ عمومَها ودوامها، وذلك كونُها رحمةً للعالمين ) ([451]).

إلى أن قال رحمه الله :  ( وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين: الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته ) ([452]).


 المبحث الثالث: في أسرار السيرة النبوية

السيرة النبوية الغراء مليئة بالعبر، حافلة بالأسرار، ومن ذلك ما يلي:

1_ أن السيرة لا تُستنفد مهما كتب فيها، وقيل عنها: فسير العظماء _على الجملة_ يقوم بأمرها، ويغني في شأنها أن تكتب مرة أو مرات، ثم تستنفد معانيها، ويصير الحديث فيها معاداً مكروراً تغني فيه أعمال الأسلاف عن محاولات الأخلاف.

أما سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلقد عُني المؤرخون والرواة بها منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، وصدر فيها كثير من الكتب في عدة لغات، ومع ذلك لم تخْلَق جِدَّتُها، بل إنها لتزداد _على كثرة ما يكتب فيها_ جِدَّة وَرُوَاءً.

ولهذا فإنك لا تكاد تبحث في موضوع من موضوعات العلم، أو الفكر، أو الأخلاق، أو السلوك، أو الاجتماع، أو السياسة أو البيان، أو اللغة، أو غير ذلك إلا وستجد في السيرة مادة عظيمة تغني الباحث، ويبقى بعده فضل لمن أراد المزيد؛ فالسيرة ينبوع ثرٌّ يغدق الخير، ويُعَمُّ به الناس على اختلاف المشارب والمنازع؛ فعلى الرغم من أن الموضوع الذي تعالجه السيرة النبوية ليس بالأمر الذي يقوم على التجارب، وليس هو بالفكرة التي يقيمها برهان، وينقضها برهان _ كما هو الشأن في النظريات العلمية التي يطرأ عليها التجديد والتغيير على مر السنين _ وإنما هو أمر عماده النقل والرواية من حيث المبدأ إلا أنه ميدان فسيح لاستنباط الأحكام، والأنظمة، وقواعد العلوم، ومحاسن الآداب، والأخلاق، وما جرى مجرى ذلك.([453])

2_ أن التجني على مقام النبوة يكون سبباً لبعث فضائل النبي  صلى الله عليه وسلم : فما أكثر ما تَجنَّى خصوم الإسلام على سيرة نبيه جهلاً أو جحوداً بالحق، فلم ينالوا منها نيلاً، بل ربما دفع تجنِّيهم بعضَ الباحثين إلى العناية بها؛ تَلَمُّساً للإنصاف، وطلباً للمعرفة؛ فهدوا بذلك إلى الخير، أو شيء منه.

3_ أن الله _عز وجل_ أوزع الناس العناية بالسيرة: فلعل من صلاة الله على نبيه أن أوزع الناس هذه العناية بسيرته سواء منهم من أقرَّ به، أو من أنكر نبوته؛ لأنه  صلى الله عليه وسلم  نور، ومن عرف النور فقد شهد لنفسه بالاستبصار، ومن أنكره فقد شهد على نفسه بالعمى، والنور على الحالين نور.

4_ أن مصدرَ العناية بالسيرة ليس إرضاءَ حاجةِ العلم والدرس فحسب؛ فحاجات المؤمنين إلى هذا الينبوع من الحب والهدى أشد من حاجات العلماء إلى البحث والدرس، وكلُّ من في قلبه نفحة إيمان يجد نفسه مهما فرّط في الدِّين مشدوداً إلى محمد، راغباً في أن تزداد هذه العلاقة وثاقة.

وحب رسول الله من حب الله، فليس محمد _على شأنه الأَجَلِّ_ إلا بشراً رسولاً([454]).

5_ للسيرة النبوية أبلغ الأثر في تقويم السلوك، وتربية العواطف الشريفة؛ فإنها المرآة التي تنعكس منها تلك الصورة التي تعد _بحقٍّ_ أرقى صورة للحياة البشرية؛ حيث كان النبي محمد _عليه الصلاة والسلام_ يرسم بأقواله، وأعماله، وسائر تصرفاته _ القدوة العليا التي يجب أن تهدف إليها جهود البشر في سيرهم نحو الكمال المنشود([455]).

6_ أنها معلومة للناس بجميع أطوارها، متجلية لهم دخائلها من كل مناحيها.

ولا ريب أن ذلك من أعظم أسرار عظمتها وخلودها؛ إذ لا يصح أن تكون سيرة أحد من الناس قدوة لغيره إلا أن تكون واضحة معلومة منزهة عن العيوب والمثالب.

ومن الجلي أن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم  كانت واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها، فمن زواج أبيه عبدالله بأمه آمنة إلى حين وفاته صلى الله عليه وسلم .

فنحن نعرف الكثير من ولادته وطفولته، وشبابه، ومكسبه قبل النبوة، ورحلاته خارج مكة إلى أن بعثه الله رسولاً كريماً.

ثم نعرف بشكل أدق وأوضح وأكمل كل أحواله بعد ذلك، مما يجعل سيرته واضحة وضوح الشمس، وذلك مما حدا بعض النقاد الغربيين إلى القول:  ( إن محمداً _عليه الصلاة والسلام_ هو الوحيد الذي ولد على ضوء الشمس ) .([456])

ولقد ضبط العلماء سيرته _عليه الصلاة والسلام_ وأتوا على دقائق قد لا تخطر بالبال.

ولو استعرض القارئ فهرس أحد الكتب التي اعتنت بسيرته وشمائله لوجد ذلك واضحاً جلياً([457]).

ولهذا فإنه _عليه الصلاة والسلام_ لم يكن ليتحرج من نقل ما يقوم به من أعمال حتى في داخل منزله؛ فترى _من جراء ذلك_ كثرة الأحاديث التي ترويها أمهات المؤمنين عن النبي  صلى الله عليه وسلم .

ولم يكن ذلك إلا لأن سِرَّه كعلانيته، وظلمةَ ليلِه كضوء نهاره؛ فسيرته معلومة منذ ولادته إلى ساعة وفاته.

7_ أنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل أو عظيم مصلح: فقد وصلت إلينا سيرة النبي الأكرم _عليه الصلاة والسلام_ من أصح الطرق العلمية، وأقواها ثبوتاً؛ فخذ مثلاً سيرة موسى وعيسى _عليهما السلام_ فقد أُدخل في التوراة والإنجيل زيفٌ وتحريف.

وإذا نظرت في سير أصحاب الديانات الأخرى المزعومة كبوذا، وكونفوشيوس وجدتَ أن الروايات التي يتناقلها أتباعهم ليس لها أصل معتبر في نظر البحث العلمي، وإنما يتلقاها الكهان والرواة فيما بينهم، ويُدْخَلُ فيها الكثير من الأساطير والخرافات([458]).

يقول د. القِسُّ شارك آندرسون سكوت:  ( ينبغي أن يتنازل الإنسان عن محاولة وضع كتاب عن سيرة المسيح بكل صراحة؛ فإنه لا وجود للمادة والمعلومات التي تساعد على تحقيق هذا الغرض.

والأيام التي توجد عنها بعض المعلومات لا يزيد عددها على خمسين يوماً ) ([459]).

8_ أن هذه السيرة تحكي صورة إنسان لا أسطورة: فهي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة؛ فلم تخرجه عن بشريته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تُضْفِ عليه من الألوهية قليلاً ولا كثيراً.

وإذا نظرت إلى ما يقول النصارى في عيسى _عليه السلام_ وجدت أنهم يضفون عليه من ادعاء الإلهية والربوبية ما يجعل سيرته أبعد من أن تكون مثالاً للإنسان في حياته الشخصية.

بينما يظل محمدٌ _ عليه الصلاة والسلام _ المثل الإنساني الحي لكل من أراد أن يعيش سعيداً كريماً في نفسه، وأسرته، ومجتمعه.

ثم إن تلك السيرة تحكي لنا سيرة الشاب الأمين الصادق، كما تحكي سيرة الرسول الداعية الصابر، وسيرة الإمام العادل، وسيرة الأب الحاني، والزوج الوفي، والمربي العظيم، والمرشد الحكيم، والصديق المُواتي الكريم، والمحارب القائد الشجاع.

فهي _باختصار_ سيرة شاملة تجعله قدوة صالحة لكل داعية، وأب، وزوج، ومحارب، وسياسي، ورئيس دولة([460]).



 الفصل الثالث

 بشارةُ موسى وعيسى _عليهما السلام _ بمحمد صلى الله عليه وسلم  وأقوال المنصفين من غير المسلمين


تمهيد: في بشارات الأنبياء بمحمد  صلى الله عليه وسلم

إن رسولاً عظيماً كمحمد صلى الله عليه وسلم  في عموم بعثته، وخلود دينه، وشريعته _ جدير بأن يُعْلِمَ الله _سبحانه_ بمبعثه رُسُلَه وأنبياءه _عليهم السلام_ ويصفه لهم ببعض نعوته، وعلاماته، ويعهد إليهم بأن يبشروا أقوامهم بظهوره، ويوصوهم بقبول دعوته، وحسن طاعته([461]).

وهذا ما وقع حقًّا؛ قال الله _عز وجل_ [وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ] آل عمران 81 .

 قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:  ( قال علي بن أبي طالب، وابن عمه ابن عباس _رضي الله عنهما_:  ( ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم  وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ) ([462]).

هذ وإن أعظم بُشْرَى بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم  كانت على يد نبيين من أولي العزم من الرسل ألا وهما موسى وعيسى _عليهما السلام_ وفي المبحثين التاليين شيء من أخبار تلك البشارتين:


 المبحث الأول: بشارة موسى بمحمد _ عليهما السلام _

لقد جاء بني إسرائيل الخبر اليقين بالنبي الأمين، على يد نبي الله موسى منذ  أمد بعيد، جاءهم الخبر اليقين ببعثته، وبصفاته، ونهج رسالته، وبخصائص ملته؛ فهو النبي الأمي الذي يأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحلُّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عن من يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم،  ويؤمنون بآيات الله.

جاء بني إسرائيل الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي، ويعظمونه، ويوقرونه، وينصرونه، ويؤيدونه،ويتبعون النور الذي أنزل معه هم المفلحون الفائزون بخيري الدنيا والآخرة.

قال الله في محكم تنزيله: [قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِ‍َٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ] الأعراف([463]).

فهذه الآية صريحة في أن المصطفى صلى الله عليه وسلم مكتوب في التوراة  والإنجيل، والمراد بكتابته فيهما: ذِكْرُ مبعثه، ودعوته، وشيء من نعوته.

وهذا المعنى موجود في الكتابين يقيناً، فقد نزلت الآية على مسمع من علماء الأمتين: اليهودية والنصرانية، فمنهم من يؤمن به _عليه الصلاة والسلام_ ويخبر بما في كتبهم من ذكره بصفته وعلاماته، ومنهم من لا ينكر أن يكون قد ذكر في الكتابين رسول بهذه النعوت والعلامات، ولكنه يكابر في أن المراد منه المصطفى _صلوات الله عليه_ ويقول: المقصود منه نبي آخر، وفي مثل هؤلاء نزل قوله _تعالى_: [ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ] البقرة: 146 .

وقد تصدى لجمع هذه البشائر من كتابي التوراة والإنجيل طائفةٌ من أهل البحث والعلم، وبينوا وجه انطباقها على حال النبي صلى الله عليه وسلم  بحيث لا تأخذ الناظر شبهة في أنه الرسول الذي بشرت الأنبياء بمبعثه وعموم رسالته.

ولشدة موقع هذه البشارات في الدلالة على صدق نبوته _عليه الصلاة والسلام_ ذكرها القرآن الكريم في دلائل النبوة، قال الله _تعالى_: [أَوَ لَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ] الشعراء: 197 .

وإنما كان علم علماء بني إسرائيل من آيات صدقه؛ لأنهم يستندون في هذا العلم إلى ما في التوراة من نعوته وعلاماته، مع القطع بأن هذه النعوت والعلامات مطابقة لحاله _عليه الصلاة والسلام_([464]).

وقد بقي بقية بشارة موسى _عليه السلام_ في التوراة، ففي سفر التثنية الإصحاح (18) فقرة 18_19 قال الله لموسى:  ( أقيم لهم  ( أي لبني إسرائيل )  نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع كلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه ) .

ودلالة هذه البشارة على رسولنا صلى الله عليه وسلم  بيّنة؛ ذلك أنه من بني إسماعيل وهم إخوة بني إسرائيل؛ فجدهم هو إسحاق، وإسماعيل وإسحاق أخوان، ثم هو أوسط العرب نسباً.

وقوله: مثلك أي صاحب شريعة مثل موسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم  هو الذي جعل كلامه في فمه؛ حيث كان أمياً لا يقرأ من المصحف، ولكن الله يوحي إليه كلامه فيحفظه ويرتله، وهو الرسول المرسل إلى الناس كافة، وبنو إسرائيل مطالبون باتباعه، وترك شريعتهم لشريعته، ومن لم يفعل فإن الله معذبه  ( ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه ) .

ومما يعرفنا أن هذه البشارة هي بقية البشارة العظيمة التي أوحى الله بها إلى موسى، وأخبرنا بها القرآن الكريم _ أن هذه البشارة وردت في موقف معين عندما اختار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقات الله فأخذتهم الرجفة، وذلك بسبب طلبهم رؤية الله _جل وعلا_ فدعا موسى ربه وتوسل إليه، فبعثهم الله من بعد موتهم، قال الله بعد توسل موسى ودعائه: [عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ...] الآيات.

وإذا رجعت إلى التوراة في سفر الخروج تجد أن هذه البشارة إنما أوحى الله بها بعد ذهابه لميقات الله، وتتحدث التوراة عن شيء قريب من الرجفة؛ حيث جاء في التوراة:  ( وكل الشعب سمع الأصوات وصوت البوق، ونظروا الشهب والجبل دخاناً ونظر كل القوم وتشردوا ووقفوا من بعد... )  سفر الخروج الإصحاح (20) من التوراة السامرية([465]).

والتوراة التي بين أيدي الناس اليوم محرفة مغيرة يَدُلُّكَ على ذلك هذا الاختلافُ الذي نجده في أمور كثيرة بين نسخها وطبعاتها، فهناك ثلاث نسخ للتوراة: العبرانية، واليونانية،  والسامرية، وكل قوم يدعون أن نسختهم هي الصحيحة، وهناك فروق واضحة بين طبعات التوراة وترجماتها.

وقد أدى هذا التحريف إلى ذهاب كثير من البشارات، أو طمس معالمها.

ومع ذلك فقد بقي من هذه البشارات شيء كثير، ولا تخفى هذه البشارات على من يتأملها، ويعرضها على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم  متجرداً من الهوى.

والكلام في إيراد هذه البشارات _وهي كثيرة_ يطول([466]).


 المبحث الثاني: بشارة عيسى بمحمد _ عليهما السلام _

لقد بشر عيسى _عليه السلام_ بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأخبرنا الله _عز وجل_ في كتابه العزيز بهذه البشارة، قال _تعالى_: [وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِين] الصف: 6 .

وأحمد من أسماء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  كما ثبت في صحيح البخاري عن جبير  بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول:  ( إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب ) ([467]).

وقد  مر عند الحديث عن بشارة موسى بمحمد _عليهما السلام_ ذكر لآية الأعراف، وهي تتضمن وجود وصف النبي صلى الله عليه وسلم  مكتوباً في الإنجيل، كما هو مكتوب في التوراة.

ومما ورد ذكره في القرآن من هذا القبيل ما جاء في سورة الفتح، حيث ضرب الله _عز وجل_ في التوراة والإنجيل مثلين لرسولنا صلى الله عليه وسلم  وأصحابه، فقال _تعالى_: [مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡ‍َٔهُۥ فَ‍َٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا] الفتح: 29 .

ومن البشارات الموجودة في الإنجيل ما جاء في إنجيل متى الإصحاح (11) عدد (14)  ( وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع ) .

وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم  أنه ليس بينه وبين عيسى نبي، فيكون إيلياء الذي بشر به عيسى هو محمداً صلى الله عليه وسلم ، وإيليا بحساب الجُمَّل الذي أغرمت به اليهود يساوي محمداً.

وفي إنجيل يوحنا إصحاح (14) عدد (15)  ( إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، وفي اللغات الأجنبية  ( فيعطيكم باركليتوس )  ليمكث معكم إلى الأبد ) .

والمعنى الحرفي لكلمة  ( باركليتوس )  اليونانية هو أحمد، وهو من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم .

وفي إصحاح يوحنا (15) عدد (26)  ( ومتى جاء المعزى الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي )  ويشهد لي لأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم  شهد للمسيح بالنبوة والرسالة، وروح الحق كناية عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعاني الواردة في هذه الترجمة الحديثة ليست دقيقة؛ لأن أصلها باليونانية وهي اللغة التي ترجمت منها هذه الأناجيل _ مكتوبة  ( بيركليتوس )  وفي التراجم العربية المطبوعة سنة 1821م، سنة 1831م، سنة 1844م، في لندن تجدها  ( فارقليط )  وهي أقرب إلى العبارة اليونانية المشار إليها، أما ترجمتها في الطبعات الحديثة إلى المعزى فهو من التحريف الذي ذم الله أهل الكتاب به [يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ] النساء: 46  ) .

ويلاحظ أن هناك جملة ساقطة قبل الجملة الواردة في عدد (26) من هذا الإصحاح سقطت من الطبعات الحديثة، لكنها ورادة  صراحة في الطبعات القديمة للإنجيل، ونص هذه الجملة:  ( فلو قد جاء المنحمنا الذي يرسله الله إليكم )  ومعنى المنحمنا الحرفي باللغة السريانية محمد([468]).


 المبحث الثالث: في أقوال المنصفين من غير المسلمين في محمد  صلى الله عليه وسلم

كل عاقل منصف لا يسعه إلا الإعجاب بعظمة النبي صلى الله عليه وسلم والتصديق بما جاء به؛ ذلك أن الأمارات الكثيرة شاهدةٌ بعظمته، ناطقةٌ بصدقه.

ولا ريب أن شهادةَ المخالف لها مكانتها؛ فالفضل _كما قيل_ ما شهدت به الأعداء.

وفيما يلي عدد من الشهادات التي أدلى بها جمع من الفلاسفة والمفكرين من غير المسلمين من النصارى وغيرهم.

1_ شهادة الفيلسوف الإنجليزي الشهير (توماس كارليل) الحائز على جائزة نوبل للسلام، وهذه الشهادة تكاد تكون أشهر وأعظم شهادة نطق بها كاتب غربي، وتكاد تظن أن الذي كتبها مسلم خبير بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم .

وفيما يلي مقتطفات مما قال كارليل في كتابه الأبطال مخاطباً قومه النصارى:  ( لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزوِّر.

وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة؛ فإن الرسالة التي أدَّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟!

أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل هذا القبول، فما الناس إلا بُلْهٌ مجانين، فوا أسفا! ما أسوأ هذا الزعم، وما أضعف أهله، وأحقهم بالرثاء والرحمة.

وبعد، فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات ألا يصدق شيئاً ألبتة من أقوال أولئك السفهاء؛ فإنها نتائج جيل كفر، وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على خبث القلوب، وفساد الضمائر، وموت الأرواح في حياة الأبدان.

ولعل العالَم لم يرَ قط رأياً أكفر من هذا وأَلأَم، وهل رأيتم قط _معشر الإخوان_ أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً، وينشره علناً؟

والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب؛ فهو إذا لم يكن عليماً بخصائص الجير، والجص، والتراب، وما شاكل ذلك _ فما ذلك الذي يبنيه ببيت، وإنما هو تل من الأنفاق، وكثيب من أخلاط المواد.

نعم، وليس جديراً أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرناً يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه، فينهدم؛ فكأنه لم يكن ) .

إلى أن قال:  ( وعلى ذلك، فلسنا نَعُدُّ محمداً هذا قط رجلاً كاذباً متصنعاً، يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغيته، ويطمح إلى درجة ملك أو سلطان، أو إلى غير ذلك من الحقائر.

وما الرسالة التي أدَّاها إلا حقٌ صراحٌ، وما كلمته إلا قول صادق.

كلا  ( ما محمد بالكاذب )  ولا المُلفِّق، وهذه حقيقة تدفع كل باطل، وتدحض حُجة القوم الكافرين.

ثم لا ننسى شيئاً آخر، وهو أنه لم يتلق دروساً على أستاذ أبداً، وكانت صناعة الخط حديثة العهد إذ ذاك في بلاد العرب _وعجيب وأيم الله أُمِّيَة العرب_ ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر، ولم يغترف من مناهل غيره، ولم يكن إلا كجميع أشباهه من الأنبياء والعظماء، أولئك الذين أشبِّههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور.

وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ، صادق العزم بعيداً، كريماً بَرًّا، رؤوفاً، تقياً، فاضلاً، حرًّا، رجلاً، شديد الجد، مخلصاً، وهو _مع ذلك_ سهل الجانب، ليِّن العريكة، جم البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان _على العموم_ تضيء وجهه ابتسامةٌ مشرقة من فؤاد صادق؛ لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأقواله ) .

إلى أن قال:  ( كان عادلاً، صادق النية، كان ذكي اللب، شهم الفؤاد، لوذعياً، كأنما بين جنبيه مصابيح كلِّ ليل بهيم، ممتلئاً نوراً، رجلاً عظيماً بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غني عن ذلك.

ويزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمداً لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية، ومفاخر الجاه والسلطان.

كلا _وأيم الله_ لقد كان في فؤاد ذلك الرجل ابن القفار والفلوات، المتوقد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيراً وحكمة، وحِجىً _ أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه، وكيف لا، وتلك نفس صامتة كبيرة، ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؛ فبينما ترى آخرين يرضون الاصطلاحات الكاذبة، ويسيرون طبق الاعتبارات الباطلة إذ ترى محمداً لم يرض أن يَتَلَفَّع بمألوف الأكاذيب، ويتوشح بمبتدع الأباطيل.

لقد كان منفرداً بنفسه العظيمة، وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرُّ الوجود يسطع لعينيه _كما قلت_ بأهواله، ومخاوفه، وروانقه، ومباهره، ولم يكن هناك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكان لسان حال ذلك السر الهائل يناجيه: ها أنا ذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس، فإذا تكلم هذا الرجل فكل الآذان برغمها صاغية، وكل القلوب واعية، وكل كلام ما عدا ذلك هباء، وكل قول جفاء ) .

إلى أن قال:  ( إذاً فلنضرب صفحاً عن مذهب الجائرين أن محمداً كاذب، ونعد موافقتهم عاراً، وسبة، وسخافة، وحمقاً؛ فلنربأ بأنفسنا عنه ) .

إلى أن قال:  ( وإن ديناً آمن به أولئك العرب الوثنيون، وأمسكوه بقلوبهم النارية لجدير أن يكون حقًّا، وجدير أن يُصَدَّق به.

وإنما أودع هذا الدين من القواعد هو الشيء الوحيد الذي للإنسان أن يؤمن به.

وهذا الشيء هو روح جميع الأديان، وروح تلبس أثواباً مختلفة، وأثواباً متعددة، وهي _في الحقيقة_ شيء واحد.

وباتباع هذه الروح يصبح الإنسان إماماً كبيراً جارياً على قواعد الخالق، تابعاً لقوانينه، لا مجادلاً عبثاً أن يقاومها ويدافعها.

لقد جاء الإسلام على تلك الملل الكاذبة، والنحل الباطلة، فابتلعها، وحق له أن يبتلعها؛ لأنه حقيقة، وما كان يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب، وجدليات النصرانية، وكل ما لم يكن بحق؛ فإنها حطب ميت ) .

إلى أن قال:  ( أيزعم الأفَّاكون الجهلة أنه مشعوذ ومحتال؟

كلا، ثم كلا، ما كان قط ذلك القلب المحتدم الجائش كأنه تَنُّور فِكْر يضور ويتأجج _ ليكون قلب محتال ومشعوذ، لقد كانت حياته في نظره حقًّا، وهذا الكون حقيقة رائعة كبيرة ) .

إلى أن قال:  ( مثل هذه الأقوال، وهذه الأفعال ترينا في محمد أخ الإنسانية الرحيم، أخانا جميعاً الرؤوف الشفيق، وابن أمنا الأولى، وأبينا الأول.

وإنني لأحب محمداً لبراءة طبعه من الرياء والتصنع، ولقد كان ابن القفار رجلاً مستقل الرأي، لا يقول إلا عن نفسه، ولا يدّعي ما ليس فيه، ولم يكن متكبراً، ولكنه لم يكن ذليلاً ضَرِعاً، يخاطب بقوله الحرِّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة، وللحياة الآخرة، وكان يعرف لنفسه قدرها.

ولم تخل الحروب الشديدة التي وقعت له مع الأعراب من مشاهد قوة، ولكنها كذلك لم تخل من دلائل رحمة وكرم وغفران، وكان محمد لا يعتذر من الأولى، ولا يفتخر بالثانية ) .

إلى أن قال:  ( وما كان محمد بعابث قط، ولا شابَ شيئاً من قوله شائبةُ لعبٍ ولهوٍ، بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح، ومسألة فناء وبقاء، ولم يكن منه بإزائها إلا الإخلاص الشديد، والجد المرير.

فأما التلاعب بالأقوال، والقضايا المنطقية، والعبث بالحقائق _ فما كان من شأنه قط، وذلك عندي أفظع الجرائم؛ إذ ليس هو إلا رقدة القلب، ووسن العين عن الحق، وعيشة المرء في مظاهر كاذبة.

وفي الإسلام خَلَّة أراها من أشرف الخلال وأجلها، وهي التسوية بين الناس، وهذا يدل على أصدق النظر، وأصوب الرأي؛ فنفس المؤمن رابطة بجميع دول الأرض، والناس في الإسلام سواء ) .

إلى أن قال:  ( وسع نوره الأنحاء، وعمَّ ضوؤه الأرجاء، وعقد شعاعه الشمال بالجنوب، والمشرق بالمغرب، وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل في الهند، ورجل في الأندلس، وأشرقت دولة الإسلام حقباً عديدة، ودهوراً مديدة بنور الفضل والنبل، والمروءة، والبأس، والنجدة، ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة ) ا_هـ.([469])

2_ وهذه شهادة قالها (الكونت هنري دي كاستري) وهو أحد وزراء فرنسا، وأحد حكام الجزائر السابقين في كتابه (الإسلام) الذي عرَّبه الأستاذ فتحي زغلول باشا  رحمه الله  يقول الوزير الفرنسي الكونت:  ( إن أمة العرب قبل النبي كانت وثنية على وجه العموم، وكان مذهب توحيد الإله يخطر في الأذهان رويداً رويداً، وكان المشخصون لهذا الاعتقاد فريقاً يقال لهم الأحناف([470]) بقوا على مذهب إبراهيم، وأما المسيحيون فكانوا فرقاً كثيرة كلها تعتقد بمذهب التكثير _تعدد الآلهة_.

 وتلقى محمد مذهب أولئك الأحناف بحالة سطحية، لكن لما كانت نفس ذلك النبي مفطورة على التشبع بالدين تكيف هذا المذهب في وجدانه حتى صار اعتقاداً لم تصل إليه نفسٌ قبله إلا قليلاً، وهو ذلك الاعتقاد المتين الذي أحدث انقلاباً كلياً في النوع البشري.

ومن الخطأ أن نبحث عن هذا المبدأ العميم فيضه في غير طريقة الأحناف؛ لأن محمداً ما كان يقرأ ولا يكتب، بل كان _كما وصف نفسه مراراً_ نبياً أمياً.

وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه، ولا شك أنه يستحيل على رجل في الشرق أن يتلقى العلم بحيث لا يعلمه الناس؛ لأن حياة الشرقيين كلَّها ظاهرة للعيان، على أن القراءة والكتابة كانت معدومة في ذلك الحين من تلك الأقطار؛ فثبت _إذن_ مما تقدم أن محمداً لم يقرأ كتاباً مقدساً، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه؛ إذ لو فرض وكان القرآن قد نقل بعضاً من الكتب المقدسة الأخرى لبقي الأمر مشكلاً كما كان عليه في معرفة حقيقة ما اختلج بروحه الديني، وكيف وجد فيها ذلك الاعتقاد الثابت بوحدانية الله حتى استولى عليه روحاً وجسماً؟

ولقد نعلم أنه مرَّ بمتاعب كثيرة، وقاسى آلاماً نفسية كبرى قبل أن يُخْبَر برسالته؛ فقد خلقه ذا نفس تمحضت للدين، ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس؛ لكي يهرب من عبادة الأوثان، ولكي ينفرد بما نزل فيه من الفكر العظيم وهو وحدانية الله _تعالى_ اعتكف في جبل حراء، وأرخى عنان التفكير يجول في بحار التأملات عابداً مجتهداً.

ولعمري فيم كان يفكر ذلك الرجل الذي بلغ الأربعين وهو في ريعان الذكاء، ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا في العقل بحدة التخيل، وقوة الإدراك، لا بوضع المقدمات، وتعليق النتائج عليها ما كان إلا أن يقول مراراً، ويعيد تكراراً هذه الكلمات  ( الله أحد، الله أحد )  كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده، وغاب عنا _معشر المسيحيين_ مغزاها؛ لبعدنا عن فكرة التوحيد.

ولم يزل عقله مشتغلاً حتى ظهر هذا الفكر في كلامه على صور مختلفة جاءت في القرآن [لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ] الإخلاص.

وكانت مترادفات اللغة العربية تساعده بمعانيها الرقيقة على ترداد ذلك الفكر السامي الذي دل عليه، ومن تلك الأفكار وتلك العبادة تولدت كلمة الإسلام  ( لا إله إلا الله )  ذلك هو أصل الاعتقاد بإله فرد، ورب صمد، منزه عن النقائص، وهو اعتقاد قوي يؤمن به المسلمون على الدوام، ويمتازون به على غيرهم من القبائل والشعوب، أولئك حقًّا هم المؤمنون كما يسمون أنفسهم، فظهور هذا الاعتقاد بواسطته دفعة واحدة هو أعظم مظهر في حياته، وهو ذاته أكبر دليل على صدقه في رسالته، وأمانته في نبوته ) .

ثم تكلم عن الوحي، ومعجزات القرآن في بلاغته ومعانيه واعتراف فصحاء العرب بإعجازه، وذكر منهم عتبة بن ربيعة، وذكر مسيلمة الكذاب، وأثبت بطلان ادعائه.

ثم قال:  ( ولو قال قائل: إن القرآن ليس كلام الله، بل كلام محمد _ فلا بد لنا على الحالين من الاعتراف بأن تلك الآيات البينات لا تصدر عن مبتدع أبداً، خلافاً لرأي من ذهب إلى تكذيب نبوته، ولعل رأيهم جاء من ضيق اللغة التي تلجئنا إلى أن نرمي بالكذب نبياً هو في الحقيقة شخص مليء أمانة وصدقاً ) .

إلى أن قال:  ( إذاً ليس محمد من المبتدعين، ولا من المنتحلين كتابهم، وليس هو نبي سلاب كما يقول موسيو (سايوس) ولا نسلم بإنكار هذه الحقيقة، وحينئذ لا عجب إذا تشابهت تلك الكتب في بعض المواضيع خصوصاً إذا لاحظنا أن القرآن جاء ليتممها، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ) .

ثم قال:  ( ولكن الأمر الذي تهم معرفته هو أن القرآن آخر كتاب سماوي ينزل للناس، وصاحبه خاتم الرسل؛ فلا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم  ولن تجد بعده لكلمات الله تبديلاً ) .

وقال بعد أن أطال البحث في تحليل ما تقدم، ورد على المتطرفين من المستشرقين فرياتهم على نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم :  ( وبالجملة فإن الإسلام ما دخل بلداً إلا وصار ذا المقام الأول بين الديانات المسيحية من غير أن يتعرض لمحوها، وعلى هذا يتحقق أن الدين الإسلامي لم ينتشر بالعنف والقوة، بل الأقرب للصواب أن يقال: إن كثرة مسالمة المسلمين، ولين جانبهم كان سبباً في سقوط الممالك الغربية ) .

إلى أن قال:  ( إن ديانة القرآن تمكنت من قلوب جميع الأمم اليهودية، والمسيحية، والوثنية في أفريقيا الشمالية، وفي قسم عظيم من آسيا؛ حتى إنه وجد في بلاد الأندلس من المسيحيين المتنورين من تركوا دينهم حباً في الإسلام كل هذا بغير إكراه ) .

هذه نبذة وجيزة من نظرية الكونت هنري دي كاستري الوزير الفرنساوي من كتابه (الإسلام) وهذا الكتاب يحتوي على مواضع شتى دحض بها مفتريات القسس، والمبشرين، وبعض المستشرقين المتطرفين الذين لا يقيمون للإنصاف وزناً، وكل ما أذاعوه من التشنيع على الإسلام، وكتابه ونبيه مع أنه قد صرح أنه مسيحي المذهب، ولكن الذي دفعه إلى ذلك هو:

أولاً: حرية الرأي، والإنصاف في القول الحق، وإن كان ذلك ضد مذهبه.

ثانياً: أراد أن يطلع الأمة الفرنساوية على حقيقة الدين الإسلامي؛ لتكون على بينة من أمرها، ولا تغتر بفريات المبشرين الذين يستنزفون أموال أمتهم باسم التبشير لدينهم دون جدوى ولا طائل تحته غير تضحية الأموال الضخمة في سبيل شهوات القسس، وغطرستهم التي لا حد لها.([471])

3_ وهذه شهادة للأستاذ الموسيو (سيديو) الفرنساوي أحد أعلام الإفرنج، وأحد وزراء فرنسا السابقين في كتابه (خلاصة تاريخ العرب) تعريب علي باشا مبارك  رحمه الله  في المقدمة بعد ذكره لفضل الأمة العربية فقال:  ( ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم  فربط علائق المودة بين قبائل جزيرة العرب، ووجَّه أفكارها إلى مقصد واحد؛ فعلا شأنها حتى امتدت سلطتها من نهر التاج _المار بأسبانيا، وبرتغال_ إلى نهر الكنج _وهو أعظم أنهار الهند_ وانتشر نور العلوم والتمدن بالشرق والغرب، وأهل أوربا إذ ذاك في ظلمة جهل القرون المتوسطة، وكأنهم نسوا نسياناً كلياً ما وصل إليهم من أحاديث اليونان والرومان.

واجتهد العباسيون ببغداد، والأمويون بقرطبة، والفاطميون بالقاهرة في تقدم الفنون، ثم تمزقت ممالكهم، وفقدوا شوكتهم السياسية؛ فاقتصروا على السلطة الدينية التي استمرت لهم في سائر أرجاء ممالكهم، وكان لديهم من المعلومات، والصنائع، والاستكشافات ما استفاده منهم نصارى أسبانيا حين طردوهم منها، كما أن الأتراك والمغول بعد تغلبهم على ممالك آسيا استفادوا معارف من تغلبوا عليهم ) .([472])

4_ وقال الأستاذ المستشرق (دوزي):  ( لو صح ما قاله القساوسة من أن محمداً نبي منافق كذاب؛ فكيف نعلل انتصاره؟ وما بال فتوحات أتباعه تترى، ويتلو أحدها الآخر؟ وما بال انتصاراتهم على الشعوب لا تقف عند حد؟ وكيف لا يدل ذلك على معجزة هذا الرسول؟

ولقد كانوا يعتقدون أول أمرهم أن خذلان المسلمين سيتم بمعجزة قريبة؛ فقد طالما سمعوا عن معجزات الكنيسة التي كانت تحدث لأقل مناسبة، وانتظروا هذه المعجزة التي تخلص البلاد المسيحية من غزوات المسلمين، ولكن انتظارهم تلك المعجزات قد طال، وذهب صبرهم أدراج الرياح، وعبثاً حاولوا وقوع هذه المعجزة.

وأعجب من ذلك أن المعجزة _إن لم نقل معجزات_ قد حدثت حقًّا في ذلك العصر، وكانت معجزات أعظم مما كان يتوهمه القديسون أنفسهم، وأي معجزة أروع وأعجب من أن نرى شعباً كان إلى زمن قليل في غيابة من الخمول، ثم ظهر إلى الدنيا فجأة، وظل يتقدم بسرعة لا مثل لها، وهو يغزو الأرجاء الفسيحة، وينتصر على قطر بعد قطر؛ فَتَدِيْنُ له البلاد بالطاعة والولاء، وتقبل على دينه من كل حدب وصوب راضية غير مكرهة؟

ولو أننا عزونا إقبال المسيحيين على الإسلام إلى الفائدة الشخصية، أو الرغبة في التخلص من الذل والضعة _ فنحن جديرون أن نقرر أن من الثابت المحقق أن كثيراً من المسيحيين دانوا بالإسلام عن عقيدة وإيمان ) اهـ.([473])

5_ وهذه مقولة لشاعر فرنسا (لامارتين):

يقول الأستاذ محمد كرد علي رحمه الله في كتابه المذكرات:  ( وآخر ما قرأناه في سيرة النبي العربي، وتحليل عمله العظيم، ما قاله شاعر فرنسا العظيم (لامارتين) قال: لم يقصد رجل قط مختاراً أو غير مختار إلى غاية أسمى؛ لأن تلك الغاية كانت فوق طاقة البشر، وهي القضاء على ما دخل من الخرافات بين الخالق والمخلوق؛ ليجعل الله للعبد والعبد لله، وأن يعدّل فكرة الألوهية المعقولة في الوثنية المادية المشوهة.

وما عهد قط رجل مثله قام في وقت قصير بثورة عظيمة مستديمة في العالم؛ لأن الإسلام بعد أقل من قرنين من انتشاره بالدعاة والقوة عم الأقطار العربية الثلاثة، ودعا إلى الله الواحد الأحد في فارس، وخراسان، وما وراء النهر، والهند الغربية، والشام، ومصر، والحبشة، وجميع الأقطار المعروفة من شمالي إفريقية، وعدة أجزاء من البحر المتوسط، وأسبانيا، وشطر من غاليا (فرنسا).

فإذا كانت عظمة الغاية، وقلة الوسائط، ووفرة النتيجة هي الأسباب الثلاثة التي تبين عن نبوغ المرء _ فمن يجرؤ أن يُشَبِّهَ بمحمد رجلاً عظيماً من رجال التاريخ الحديث؛ فإن من اشتهر منهم لم يُجَيِّش إلا جيوشاً، ولم يسن إلا قوانين، ولم يؤسس إلا ممالك، فلم يُنْشِئوا فيما أنشأوا إلا دولاً عادية كان حظها أن تداعت أركانها بعدهم.

أما ذاك الرجل فأباد جيوشاً، ووضع شرائع، وأسس ممالك، وأَلَّف بين شعوب، وأقام دولاً، وضم شمل ملايين من البشر في ثلث العالم المعمور، وزاد على ذلك أن بدل أفكاراً، ومعتقداتٍ، وأرواحاً، وأتى بكتاب أصبح كل حرف من حروفه شريعة قومية روحية سرت إلى شعوب من جميع اللغات والعناصر، وطبع هذه الجنسية الإسلامية بطابع ثابت، وقضى على الأرباب المصنوعة، ودعا إلى الاعتقاد بالله الواحد الأحد.

ومن يكون أكثر عظمة إذا قيست العظمة البشرية بكل مظاهرها بعظمة محمد الحكيم الخطيب الداعية المشرع المحارب المبدع في أفكاره، ومؤسس التعاليم القائمة على العقل، وعلى عبادة لا صور فيها، ومنشئ عشرين مملكة أرضية، ومملكة روحية واحدة ) .([474])

هذا نزر يسير مما ورد في هذا السياق، والشهادات فيه لا تكاد تحصى كثرةً.([475])

 الباب الرابع

 مسائل في علم الغيب


 تمهيد

الإيمان بالغيب من أخص صفات المؤمنين؛ فهم يؤمنون بكل ما ورد من الأخبار التي جاءت بها الرسل، وبَلَّغت به عن الله _ عز وجل _.

والأمور المدركة لا تحصر بالمادة وحدها؛ فالملاحدة لما آمنوا بالمادة وحدها حصروا الأمور المدركة في دائرة ضيقة؛ فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه نفوه وأنكروه.

ومن أجل ذلك أنكروا علوم الغيب، وما جاءت به الرسل، وما أُنزلت به الكتب.

وهذا الزعم باطل، شرعاً، وعقلاً، وتجربة؛ ذلك أن الأمور المدركة لا تقتصر على ما أثبته الحس فحسب؛ فهناك مدارك أخرى؛ فهناك الأخبار الصادقة، وأعلاها وأحقها خبر الله ورسله؛ ففي ذلك تبيان لكل شيء.

وإذا نسبت العلوم المدركة بالحس إلى ما جاءت به الرسل من العلوم _ كانت كقطرة في بحر لجي.

ثم إن هناك أشياء يؤمن بها الناس وإن لم يشاهدوها كالروح مثلاً؛ فهي لا ترى ومع ذلك لو خرجت لأصبح الإنسان جماداً؛ فهل ينكر الروحَ أحدٌ بحجة أنها لا تدخل في المحسوس؟

وكذلك الكهرباء؛ فهل شاهدها أحد؛ إنما يشاهد الناس أثرها، أتكون الكهرباء أيسر أن نؤمن بها وأقرب إلى أن نصدق بها من أن نؤمن بالله الذي أبدعها ضمن ما أبدع من أسرار هذا الكون ؟

ثم إن الملاحدة ينقضون مبدأهم في حصر الإدراك بالمحسوس، والتجربة؛ فهم يثبتون تجارب ونظريات ثم تحصل لهم تجارب ونظريات أخرى تنفي ما أثبتوه، وتثبت ما نفوه([476]). 

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي  رحمه الله  ضمن ردوده على الملاحدة:  ( أن يقال لهؤلاء الملحدين المنكرين لأمور الغيب التي أخبر بها الله ورسوله: لم أنكرتموها؟

فيجيبون بأنها لم تدخل تحت علومنا التي بنيناها على إدراكات الحواس والتجارب، فيقال لهم: قدروا أنها لم تدخل في ذلك؛ فإن طرق العلم اليقينية كثيرة، وأكثرها لا تدخل تحت إدراكاتكم؛ فإن إدراكاتكم قاصرة حتى باعترافكم؛  فإنكم تعترفون أن مدركاتكم خاصة ببعض المواد الأرضية وأسبابها وعللها، ومع ذلك لم تدركوها كلها باعترافكم وأعمالكم؛ فإنكم لا تزالون تبحثون وتعملون التجارب التي تنجح مرة، وتخفق مرات؛ فإذا كانت هذه حالكم في الأسباب والمواد الأرضية التي يشترك بنو آدم في إدراكها، ويفترقون في مقدار الإدراك _ فكيف تنفون بقية العوالم عوالم السماوات وعوالم الغيب؟ وما هو أعظم من ذلك من أوصاف الرب وعظمته، وأنتم لم يتصل شيء من علومكم بذلك؟ فإن هذا النفي باطل بإجماع العقلاء، وإنما هذا مكابرة ) ([477]).

هذا وقد مر شيء من مسائل الإيمان بالغيب عند الحديث عن أركان الإيمان.

وفيما يلي شيء من ذلك من خلال الفصول التالية.


 الفصل الأول

 عالم الجن والشياطين


 المبحث الأول: التعريف بعالم الجن والشياطين

أولاً: معنى كلمة الجن: قال ابن منظور رحمه الله :  ( جنَّ الشيء يجنه جَنـًّا: ستره.

وكل شيء ستر عنك فقد جُنَّ عنك ) .([478])

ومما يمكن أن يتضح به معنى الجن أن يقال: الجن عالم غير عالم الإنسان وعالم الملائكة، بينهم وبين الإنسان قدر مشترك من حيث الاتصاف بصفة العقل والإدراك، ومن حيث القدرة على اختيار طريق الخير والشر، ويخالفون الإنسان في أمور أهمها أن أصل الجان مخالف لأصل الإنسان .

وسموا جنّاً لاجتنانهم، أي: استتارهم، واختفائهم عن الأبصار: [إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ] (الأعراف : 27 ) . ([479])

ثانياً: أصل الجن: أخبرنا الله _ جلّ وعلا _ أن الجنّ قد خُلقوا من النار في قوله: [وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ] ( الحجر : 27 ) ، وقال في سورة الرحمن: [وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ] (الرحمن : 15) .

وقد قال ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، والحسن وغير واحد في قوله: [مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ]: طرف اللهب، وفي رواية : من خالصه وأحسنه.([480])

وقال النووي في شرحه على مسلم:  ( المارج : اللهب المختلط بسواد النار ) ([481]).

وفي الحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( خلقتْ الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم ) ([482]) ([483]).

ثالثاً: خَلْقُ الجن: خلق الجن متقدم على خلق الإنسان ؛ لقوله _تعالى_: [وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦ وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ](الحجر: 26_27)، فقد نصّ في الآية أن الجان مخلوق قبل الإنسان.([484])

رابعاً: معنى الشيطان: قال ابن منظور رحمه الله :  ( قيل: الشيطان على وزن فيعال من شطن إذا بعد فيمن جعل النون أصلاً، وقولهم الشياطين دليل على ذلك.

والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من الجن، والإنس، والدواب شيطان ) .([485])

إلى أن قال:  ( وقيل: الشيطان فعلان من شاط يشيط إذا هلك واحترق ) .

وقال القاضي أبو يعلى رحمه الله :  ( الشياطين مردة الجن، وأشرارهم، وكذلك يقال: مارد وشيطان من الشياطين ) ([486]).

خامساً: الشيطان والجان: الشيطان الذي حدثنا الله عنه كثيراً في القرآن من عالم الجنّ، كان يعبد الله في بداية أمره، وسكن السماء مع الملائكة، ودخل الجنة، وعندما أمره رَبُّهُ أن يسجد لآدم أبى السجودَ، استكباراً وعلواً، فطرده الله من رحمته.

والشيطان _كما مر_ في لغة العرب يطلق على كل عاتٍ متمرد، وقد أطلق على هذا المخلوق؛ لعتوّه وتمرده على ربّه.

وأطلق عليه لفظ (الطاغوت): [ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا] النساء: 76 .

وإنما سمي طاغوتاً؛ لتجاوزه حده، وتمرده على ربه، وتنصيبه نفسه إلهاً يعبد.

وقد يئس هذا المخلوق من رحمة الله ، ولذا أسماه الله إبليس.

والَبَلَس في لغة العرب : من لا خير عنده ، وأُبلس : يئس وتحيّر .

ويذكر جمع من علماء السلف أن اسمه قبل أن يعصي (عزازيل) والله أعلم بمدى صحة ذلك. ([487])

سادساً: الشيطان مخلوق: فالذي يطلع على ما جاء في القرآن والحديث عن الشيطان يعلم أنه مخلوق يعقل ويدرك ويتحرك، وليس كما يقول بعض الذين لا يعلمون: إنه روح الشّر متمثلة في غرائز الإنسان الحيوانية التي تصرفه _ إذا تمكنت من قلبه _ عن المثل الروحية العليا.([488])

سابعاً: أصل الشيطان: سبق القول بأن الشيطان من الجن، وقد نازع في هذه المسألة بعض المتقدمين والمتأخرين، وحجتهم في ذلك قوله _تعالى_: [وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ] البقرة: 34.

وأمثال هذه الآية التي يستثني الله فيها إبليس من الملائكة ، والمستثنى لا يكون إلا من جنس المستثنى منه عادة .

وما احتجوا به من أن الله استثنى إبليس من الملائكة ... ليس دليلاً قاطعاً ، لاحتمال أن يكون الاستثناء منقطعاً، بل هو كذلك حقًّا، للنصّ على أنّه من الجن في قوله _تعالى_ : [وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ]الكهف: 50 .

والذي عليه المحققون من أهل العلم أن إبليس من الجن، وقد ثبت لدينا بالنص الصحيح أن الجن غير الملائكة والإنس، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ) .([489])

قال الحسن البصري:  ( لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين ) . ([490])

والذي حققه ابن تيمية:  ( أن الشيطان كان من الملائكة باعتبار صورته، وليس منهم باعتبار أصله، ولا باعتبار مثاله  ) . ([491])

ثامناً: التكذيب بعالم الجن والشياطين والرد على من زعم ذلك: أنكرت طائفة من الناس وجود الجنّ إنكاراً كلياً، وزعم بعض المشركين: أن المراد بالجن أرواح الكواكب.

وزعمت طائفة من الفلاسفة: أن المراد بالجن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواها الخبيثة، كما أن المراد بالملائكة نوازع الخير فيهم. ([492])

وزعم فريق من الـمُحْدَثين: أن الجن هم الجراثيم والميكروبات التي كشف عنها العلم الحديث إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة .

وغاية ما عند هؤلاء المكذبين أنه لا علم عندهم بوجودهم، وعدم العلم ليس دليلاً، وقبيح بالعاقل أن ينفي الشيء لعدم علمه بوجوده، وهذا مما نعاه الله على الكفرة: [بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ] يونس: 39.

وهذه المخترعات الحديثة التي لا يستطيع أحد أن يكابر فيها، أكان يجوز لإنسان عاش منذ مئات السنين أن ينكر إمكان حصولها لو أخبره صادق بذلك؟ وهل عدم سماعنا للأصوات التي يعج بها الكون في كل مكان دليل على عدم وجودها، حتى إذا اخترعنا (الراديو)، واستطاع التقاط ما لا نسمع بآذاننا صدقنا بذلك ؟!

وهل كان أحد سيصدق قبل مئات السنين أنك تستطيع محادثة إنسان عبر الصوت والصورة وأنت في أقصى الدنيا، وهو في أقصاها من الناحية الأخرى؟

فالقول الحق _إذاً_ أن الجن عالم ثالث غير الملائكة والبشر، وأنهم مخلوقات عاقلة واعية مدركة، ليسوا بأعراض ولا جراثيم، وأنهم مكلفون مأمورون منهيون. ([493])

ومن الأدلة على ذلك: التواتر، يقول ابن تيمية رحمه الله :  ( لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في أن الله أرسل محمداً  صلى الله عليه وسلم  إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن.

أمّا أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرّون بهم كإقرار المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك، كما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك كالجهمية والمعتزلة، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرّين بذلك .

وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواتراً معلوماً بالضرورة، ومعلوم بالضرورة أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفاتٍ وأعراضاً قائمة بالإنسان أو غيره، كما يزعمه بعض الملاحدة؛ فلما كان أمر الجن متواتراً عن الأنبياء تواتراً تعرفه العامة والخاصة _ فلا يمكن لطائفة من المنتسبين إلى الرسل الكرام أن تنكرهم )  . ([494])

وقال:  ( جميع طوائف المسلمين يقرون بوجود الجن، وكذلك جمهور الكفار كعامة أهل الكتاب، وكذلك عامة مشركي العرب وغيرهم من أولاد حام، وكذلك جمهور الكنعانيين واليونان من أولاد يافث، فجماهير الطوائف تقرّ بوجود الجن ) .([495])

هذا وقد جاءَت نصوص كثيرة تقرر وجودهم كقوله _تعالى_ : [قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ] الجن: 1 .

وقوله: [وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا] الجن: 6  .

وهي نصوص كثيرة تغني كثرتها وشهرتها عن ذكرها . ([496])


 المبحث الثاني: موت الجن والغاية من خلقهم، ومساكنهم وقدرتهم

أولاً: موت الشياطين ومقدار أعمارهم: لا شك أن الجن _ ومنهم الشياطين _ يموتون؛ إذ هم داخلون في عموم قول الله _تعالى_: [كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ] الرحمن: 26_28.

وقد جاء عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أن النبي  صلى الله عليه وسلم  كان يقول:  ( أعوذ بعزتك، الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون ) .([497])

أما مقدار أعمارهم فلا نعلمها إلا ما أخبرنا الله عن إبليس، أنه سيبقى حيّاً إلى أن تقوم الساعة كما في قوله _عز وجل_ عنه: [قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ] الأعراف : 14_15.

أما غيره فلا ندري مقدار أعمارهم. ([498])

ثانياً: مساكن الجن: الجن يسكنون هذه الأرض التي نعيش فوقها، ويكثر تجمعهم في الخراب والفلوات، ومواضع النجاسات كالحمامات، والحشوش، والمزابل، والمقابر، ونحو هذه الأماكن، التي هي مأوى الشياطين([499]).

وقد جاءت الأحاديث ناهية عن الصلاة في الحمام؛ لأجل ما فيها من نجاسة، ولأنها مأوى الشياطين، وفي المقبرة ؛ لأنها ذريعة إلى الشرك .

ويكثر تجمعهم في الأماكن التي يستطيعون أن يفسدوا فيها كالأسواق، فقد أوصى سلمان الفارسي رضي الله عنه  أحد أصحابه قائلاً:  ( لا تكونن _إن استطعت_ أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته ) .([500])

والشياطين تبيت في البيوت التي يسكنها الناس، وتطردها التسميةُ، وذكرُ الله، وقراءةُ القرآن، خاصة سورة البقرة، وآية الكرسي منها، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم  أن الشياطين تنتشر، وتكثر بحلول الظلام.

والشياطين تهرب من الأذان ولا تطيق سماع صوته، وفي رمضان تُصَفّد الشياطين . ([501])

ثالثاً: قدرة الجن: أعطى الله الجنّ قدرة لم يعطهـا للبشر، وقد حدثنا الله عن بعض قدراتهم، فمن ذلك سرعة الحركة والانتقال؛ فقد تعهد عفريت من الجن لنبي الله سليمان بإحضار عرش مَلِكَةِ اليمن إلى بيت المقدس في مدة لا تتجاوز قيام الرجل من جلوسه.

قال الله _عز وجل_ عن ذلك: [قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ ٣٩ قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي...]النمل : 39_40 . ([502])

رابعاً: الغاية من خلق الجن: خلق الله الجن للغاية نفسها التي خلق الإنس من أجلها: [وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ] الذاريات: 56  .

فالجن على ذلك مكلفون بأوامر ونواهٍ فمن أطاع رضي الله عنه، وأدخله الجنة، ومن عصى وتمرد فله النار، يدلّ على ذلك نصوص كثيرة .

ففي يوم القيامة يقول الله مخاطباً كَفَرةَ الجن والإنس موبخاً مبكتاً : [يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ]الأنعام : 130.

ففي هذه الآيات دليل على بلوغ شرع الله الجن، وأنه قد جاءهم من ينذرهم ويبلغهم.

والدليل على أنهم سيعذبون في النار قوله _تعالى_: [قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ] الأعراف: 38.

وقال: [وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ] الأعراف: 179.

وقال: [لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ] السجدة: 13 .

والدليل على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة قوله _تعالى_ : [وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ٤٦ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ]الرحمن: 46_47.

والخطاب هنا للجن والإنس؛ لأن الحديث في مطلع السورة معهما، وفي الآية السابقة امتنان من الله على مؤمني الجن بأنهم سيدخلون الجنة، ولولا أنهم ينالون ذلك لما امتن عليهم به . ([503])


 المبحث الثالث: الشيطان وابن آدم

للشيطان تسلط على بني آدم، ولهم علاقة ببعض البشر الذين يسلمون قيادهم للشيطان، فيطيعونه في معصية الله _ عز وجل _.

وله مع بعضهم معارك، وصراعات، وفيما يلي مسائل في علاقة الشيطان مع ابن آدم.

أولاً: جريان الشيطان في ابن آدم مجرى الدم: جاء في الصحيحين عن أنس، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  :  ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ) . ([504])

وجاء في الصحيحين عن صفية بنت حيي زوج النبي  صلى الله عليه وسلم  قالت:  ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً، فحدثته، ثمّ قمت فانقلبت، فقام معي لِيَقْلِبَني _يردني_ وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي  صلى الله عليه وسلم  أسرعا، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  :  ( على رِسْلِكما، إنها صفية بنت حيي ) .

فقالا: سبحان الله يا رسول الله !! قال :  ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءاً ) ، أو قال:  ( شيئاً  ) . ([505])

ثانياً: ضعف الشياطين وقُوَّتُهم: الشياطين يتسلطون على بني آدم لاغوائهم، وقد مكنهم الله بحكمته، وقدره الكوني من ذلك.

ومع هذا فإن سلطان الشياطين يقوى ويضعف بحسب قوة إيمان الإنسان وضعفه، ويقظته فإذا قوي إيمان الإنسان، ويقظته ضعف تسلط الشيطان عليه والعكس؛ فالشياطين فيهم جوانب قوة، وجوانب ضعف، قال _تعالى_: [إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا] النساء : 76.

ولم يعط الرَّب _سبحانه _ الشيطان القدرة على إجبار الناس، وإكراههم على الضلال والكفر، قال الله _عز وجل_: [إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا] الإسراء : 65، وقال _جل ثناؤه_: [وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ]  سبأ : 21 .

ومعنى ذلك أن الشيطان ليس له طريق يتسلط بها عليهم، لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة، وإنما من جهة التزيين، والإغواء.

والشيطان يدرك هذه الحقيقة: [قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ]  الحجر : 39_40 .

وإنما يتسلط على العباد الذين يرضون بإغوائه، ويتابعونه عن رضا وطواعية، قال الله _تعالى_: [إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ] الحجر: 42 .

وفي يوم القيامة يقول الشيطان لأتباعه الذين أضلهم وأهلكهم: [وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ] إبراهيم : 22 .

وفي آية أخرى يبين الله _عز وجل_ أن سلطان الشيطان إنما هو على الذين يتولونه، قال _تعالى_: [إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ] النحل :100 ([506]).

والسلطان الذي أعطيه الشيطان هو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يَؤُزُّهم على الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه، كما قال _تعالى_: [أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا] مريم : 83، ومعنى تؤزهم: تحركهم، وتهيجهم، وتزعجهم إزعاجاً شديداً.

وسلطان الشيطان على أوليائه ليس لهم فيه حجّة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم لما وافقت أهواءَهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم، ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوه أيديهم، واستأسروا له سُلّط عليهم عقوبةً لهم؛ فالله لا يجعل للشيطان على العبد سلطاناً، حتى يجعل له العبد سبيلاً بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذٍ له عليه تسلطاً وقهراً .

وقد يسلط على المؤمنين بسبب ذنوبهم، وقد حدثنا الله في كتابه عن شخص آتاه الله آياته، فعلمها، وعرفها، ثمّ إنه ترك ذلك كله، فسلط الله عليه الشيطان، فأغواه ، وأضله، وأصبح عبرة تروى، وقصة تتناقل قال _عز وجل_: [وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ] الأعراف: 175_176.

وواضح أن هذا مَثَلٌ لمن عرف الحق، وكفر به كالذين يعلمون أن محمداً مرسل من ربه، ثم هم يكفرون به.

وهذا الصنف _الذي يؤتى الآيات ثم يكفر_ صنف خطر، به شَبَه من الشيطان؛ لأنّ الشيطان كفر بعد معرفته الحق([507]).

ولكن إذا تمكن العبد في الإسلام، ورسخ الإيمان في قلبه، وكان وقّافاً عند حدود الله، فإنّ الشيطان يخاف منه، ويفرّ منه، كما قال الرسول  صلى الله عليه وسلم  لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :  ( إن الشيطان ليخاف منك يا عمر ) .([508])

كما في صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال لعمر بن الخطاب   ( والذي نفسي بيده ، ما لقيك الشيطان سالكاً فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك ) .([509])

وليس ذلك خاصًّا بعمر؛ فإن مَن قوي إيمانه قهر شيطانه، وأذله، كما جاء عند الإمام أحمد:  ( إن المؤمن لينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر ) .([510])

قال ابن كثير رحمه الله :   ( لينضي شيطانه ) : أي يهزله، ويجعله نضواً، أي مهزولاً لكثرة إذلاله له، وجعله أسيراً تحت قهره وتصرفه ) ([511]).

ويروى الحديث بالصاد:  ( لينصي )  ومعنى  ( لينصي شيطانه ) : لَيَأْخُذُ بناصيته، فيغلبه، ويقهره، كما يفعل بالبعير إذا شرد ثم غلبه. ([512])


 المبحث الرابع: العداوة بين الإنسان والشيطان

أولاً: أسباب العداء وتاريخه: العداء بين الإنسان والشيطان عداء بعيد الجذور، يعود تاريخه إلى اليوم الذي صور الله فيه آدم، قبل أن ينفخ فيه الروح، فأخذ الشيطان يطيف به، ففي صحيح مسلم عن أنس: أنّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( لما صوّر الله آدم في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يُطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف، عرف أنه خُلِقَ خلقاً لا يتمالك ) .([513])

فلما نفخ الله في آدم الروح أمر الملائكة بالسجود لآدم، وكان إبليس يتعبد الله مع ملائكة السماء، فشمله الأمر، ولكنه تعاظم في نفسه واستكبر، وأبى السجود لآدم: [قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ] الأعراف:12.

لقد فتح أبونا آدم عينيه فإذا به يجد أعظم تكريم؛ يجد الملائكة ساجدين له، ولكنّه يجد عدواً مبيناً يتهدده وذريته بالهلاك والإضلال.

وطرد الله الشيطان من جنة الخلد بسبب استكباره، وحصل على وعد من الله بإبقائه حيّاً إلى يوم القيامة: [قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ] الأعراف .

وقد قطع اللعين على نفسه عهداً بإضلال بني آدم: [قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ] الأعراف .

وقوله هذا يصور مدى الجهد الذي يبذله لإضلال بني آدم، فهو يأتيه من كل طريق، عن اليمين وعن الشمال، ومن الأمام ومن الخلف؛ أي من جميع الجهات.([514])

ثانياً: تحذير الله لنا من الشيطان: لقد أطال القرآن في تحذيرنا من الشيطان؛ لعظم فتنته، ومهارته في الإضلال، ودأبه وحرصه على ذلك، قال الله _عز وجل_: [يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ] الأعراف: 27 .

وقال: [إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ] فاطر: 6، وقال: [وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا]النساء: 119.

وعداوة الشيطان لا تحول ولا تزول؛ لأنه يرى أن طرده ولعنه وإخراجه من الجنة كان بسبب أبينا آدم، فلا بدّ أن ينتقم من آدم وذريته من بعده: [قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا] الإسراء : 62. ([515])

ثالثاً: غاية ما يسعى إليه الشيطان: أما غاية ما يسعى إليه الشيطان فهو أن يلقي الإنسان في الجحيم، ويتسبب في حرمانه من الجنة.

وإذا لم يستطع ذلك سعى إلى ما هو دون ذلك؛ فهو يسعى _في الأصل_ إلى إيقاع العباد في الشرك والكفر، وإذا لم يستطع رضي منهم بأن يقعوا في الذنوب التي هي دون الشرك والكفر، وسعى في إيقاع العداوة بينهم، وصدهم عن طاعة الله، وإفساد طاعاتهم، وتخويفهم بالفقر، وأمرهم بكل ما هو قبيح إلى غير ذلك مما يأمر به الشيطان، ويسعى إليه؛ فإنْ هم أطاعوه في أمر سعى إلى أن يهبطوا أكثر مما وقعوا به؛ فلا يزال بهم حتى ينزلهم إلى أقصى ما يستطيع من دركات الحضيض.

رابعاً: جنود الشيطان: إبليس هو قائد المعركة مع بني الإنسان، وله جنود من الجن؛ فلكل إنسان قرين من الجن لا يفارقه كما في حديث عائشة عند مسلم: أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه، فجاء، فرأى ما أصنع، فقال:  ( ما لك يا عائشة؟ أغرت؟ )  فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك ؟ فقال  صلى الله عليه وسلم :  ( أقد جاءك شيطانك ) .

قلت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟ قال:  ( نعم ) ، قلت: ومع كل إنسان ؟ قال:  ( نعم ) ، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال:  ( نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم ) ([516]).

قيل في معنى قوله:  ( فأسلم ) : قيل: أَسْلَمَ يعني الشيطان، فيكون الفعل ماضياً.

وقيل: أَسْلَمُ: أي أَسْلَمُ من شره، فيكون الفعل مضارعاً([517]).

كما أن للشيطان جنوداً من الإنس ممن يسيرون على خطاه، قال الله _تعالى_: [وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ] البقرة:257([518]).

خامساً: أساليب الشيطان في إضلال الإنسان: الشيطان لا يأتي الإنسان مباشرة، فيقول له: اترك هذه الأمور الطيبة، وافعل تلك الأمور القبيحة؛ كي تشقى في دنياك وأخراك؛ لأنه لو فعل ذلك لما أطاعه أحد.

ولكنه يسلك طرقاً شتى يضل بها عباد الله كتزيين الباطل، وتسمية الأمور المحرمة بأسماء محببة، وكدخوله من باب الإفراط والتفريط، وكتثبيطه العبادَ عن العمل، ورميهم بالتسويف والكسل، وكوعده لهم بالوعود الكاذبة، والأماني المعسولة؛ كي يوقعهم في الضلال: [يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا]النساء:120.

ومن أساليب الشيطان في إغواء بني آدم أنه يتدرج في إضلالهم، وينسيهم ما فيه خيرهم وصلاحهم، ويخوفهم أولياءه، ويدخل إلى النفوس من الباب الذي تحبه، ويتسلل إلى الإنسان من خلال مكامن الضعف التي تغلب عليه كالمرض، والشهوة، والغضب، واليأس، والجهل، والغفلة، والبخل، وحب النساء، وشدة الفرح، وشدة الحزن، ونحو ذلك.

سادساً: طريقة وصول الشيطان إلى قلب الإنسان: الطريقة هي الوسوسة، فالشيطان يستطيع أن يصل إلى فكر الإنسان وقلبه بطريقة لا ندركها، ولا نعرف كيفيتها، يساعده على ذلك طبيعته التي خلق عليها، وهذا هو الذي يسمى بالوسوسة، وقد أخبرنا الله بذلك إذ سماه: [ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ٤ ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ]الناس: 4_5 .

فالشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس.

وقد ثبت في الصحيحين أن الرسول  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) .([519])

والإنسان يشعر من نفسه بأثر هذه الوسوسة، التي تغويه، وتغريه بفعل المعصية، والغفلةِ عن عواقبها.

وبهذه الوسوسة أضل الشيطانُ آدمَ، وأغواه بالأكل من الشجرة، قال الله _عز وجل_: [فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ] طه: 120. ([520])

سابعاً: أسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان: مع شدة عداوة الشيطان، وعظم كيده، وحرصه على إضلال بني آدم _ فإنه يخسأ ويخنس، ويرجع ذليلاً صاغراً إذا أخذ المؤمن بالأسباب التي تقيه من الشيطان الرجيم، ومن تلك الأسباب على سبيل الإجمال: أخذ الحذر والحيطة، والالتزام بما جاء بالكتاب والسنة، والاستعاذة الصادقة بالله _عز وجل_ من شر الشيطان، والمحافظة على ذكر الله، ومعرفة أساليب الشيطان، والتزود بالعلم النافع، والمبادرة إلى التوبة والاستغفار إلى غير ذلك من الأسباب المعينة على دحر الشيطان. ([521])


 المبحث الخامس: الحكمة من خلق الشيطان

الله _ عز وجل _ خلق إبليس الذي هو مادة الفساد التي تمد كل فساد في هذه الدنيا، في الأديان، والاعتقادات، والشهوات، والشبهات، وهو سبب لشقاوة العباد، وعَمَلِهم ما يغضب الله _ عز وجل _ وذلك لحكم عظيمة كثيرة، منها ما يلي:

1_ أن يَظهر للعباد قدرةُ الرب _ تعالى _ على خلق المتضادات والمتقابلات: فخلق هذه الذات _ إبليس _ التي هي أخبث الذوات، وهي سبب كل شر، وخَلَق في مقابلها ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأزكاها، والتي هي مادة كل خير، فتبارك من خلق هذا وهذا، كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والحر والبرد، والماء والنار، والداء والدواء، والموت والحياة، والحسن والقبيح، فالضد يظهر حسنه الضد، وهذا أدلُّ دليل على كمال قدرته، وعزته، وملكه، وسلطانه؛ فإنه خلق هذه المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وسلط بعضها على بعض، وجعلها محل تصرفه، وتدبيره، وحكمته، فخلوُّ الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته، وكمال تصرفه، وتدبير مملكته([522]).

2_ أن يُكَمِّلَ الله لأوليائه مراتب العبودية: وذلك بمجاهدة إبليس وحزبه، وإغاظته بالطاعة لله، والاستعاذة بالله منه، واللجوء إلى الله أن يعيذهم منه ومن كيده، فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية، والأخروية ما لا يحصل بدونه.

ثم إن المحبة، والإنابة، والتوكل، والصبر، والرضا، ونحوها أحب أنواع العبودية لله، وهذه إنما تتحقق بالجهاد، وبذل النفس، وتقديم محبته _ عز وجل _ على كل من سواه، فكان خلق إبليس سبباً لوجود هذه الأمور([523]).

3_ حصول الابتلاء: ذلك أن إبليس خُلق ليكون محكًّا يمتحن به الخلق؛ ليتبين به الخبيث من الطيب؛ فإن الله _ سبحانه _ خلق النوع الإنساني من الأرض، وفيها الطيب والخبيث؛ فلا بد أن يظهر فيهم ما هو من مادتهم([524]).

4_ ظهور آثار أسمائه _ تعالى _ ومقتضياتها، ومتعلقاتها: فمن أسمائه: الرافع، الخافض، المعز، المذل، الحكم، العدل([525]).

وهذه الأسماء تستدعي متعلقاتٍ يظهر فيها أحكامُها، فكان خلق إبليس سبباً لظهور آثار هذه الأسماء، فلو كان الخلق كلهم مطيعين، ومؤمنين لم تظهر آثار هذه الأسماء.

5_ استخراج ما في طبائع البشر من الخير والشر: فالطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر، والطيب والخبيث، وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد؛ فَخُلق الشيطانُ مستخرجاً لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل، وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل؛ فاستخرج أحكم الحاكمين ما في هؤلاء من الخير الكامن فيها؛ ليترتب عليه آثاره، وما في أولئك من الشر؛ ليترتب عليه آثاره، وتظهر حكمته في الفريقين، وينفذ حكمه فيهما، ويظهر ما كان معلوماً له، مطابقاً لعلمه السابق([526]).

6_ ظهور كثير من آيات الله وعجائب صنعه: فلقد حصل بسبب وقوع الكفر والشر من النفوس الكفَّارة الظالمة ظهور كثير من الآيات والعجائب، كآية الطوفان، وآية الريح، وآية إهلاك ثمود وقوم لوط، وآية انقلاب النار على إبراهيم برداً وسلاماً، والآيات التي أجراها الله على يد موسى، وغير ذلك من الآيات؛ فلولا تقدير كفر الكافرين وجحد الجاحدين لما ظهرت هذه الآيات الباهرة التي يتحدث بها الناس جيلاً بعد جيل إلى الأبد.

أما كونه _ سبحانه وتعالى _ أنظر إبليس إلى يوم القيامة _ فليس ذلك إكراماً له، بل إهانة له ليزداد إثماً، فتعظم عقوبته، ويتضاعف عذابه، إضافة إلى ذلك فالله جعله محكًّا ليميز به الخبيث من الطيب _ كما سبق _ وما دام أن الخلق مستمر إلى يوم القيامة _ فإن هذا يقتضي بقاءه ببقاء خلق البشر، والله أعلم([527]).


 الفصل الثاني

 الموت والبرزخ والقبر


 المبحث الأول: الموت والبرزخ، والقبر وفتنته

 أولاً: الموت

1_ تعريف الموت: الموت ضد الحياة، ونقيضها.

قال القرطبي  رحمه الله  في تعريفه:  ( قال العلماء: الموت ليس بعدمٍ مَحْض، ولا فناء صِرْف، وإنما هو انقطاعُ تعلُّق الروحِ بالبدن، ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتَبَدُّل حالٍ، وانتقال من دار إلى دار ) ([528]).

2_ الموت يأتي فجأة: قال القرطبي  رحمه الله :  ( وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سنٌّ معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم؛ وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعدًّا لذلك ) ([529]) .

 ثانياً: الـبــرزخ

1_ تعريفه في اللغة: البرزخ في كلام العرب هو الحاجز بين الشيئين.

قال الله ـ تعالى ـ: [وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا] الفرقان: 53: أي حاجزاً.

2_ البرزخ في الشرع:  ( هو الدار التي تعقب الموت إلى البعث.

قال الله ـ تعالى ـ: [وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ]المؤمنون: 100.

قال مجاهد: هو ما بين الموت والبعث.

وقيل للشعبي: مات فلان، قال: ليس هو في دار الدنيا، ولا في الآخرة ) ([530]).

وقال ابن القيم  رحمه الله :  ( البرزخ: هو ما بين الدنيا والآخرة، وهذا البرزخ يُشْرِف أهله فيه على الدنيا والآخرة ) ([531]).


 ثالثاً: القـبـر وفتنته

1 ـ تعريفه: القبر مدفن الإنسان، وجمعه قبور، والمقبَُرةُ بفتح الباء وضمها موضع القبور، والمقبَر: موضع القبر([532]) .

2 ـ فتنة القبر: الفتنـة تطلـق على عـدة معـان، منها الاختبار والامتحان، كما قال ـ تعالى ـ: [لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ] طه: 131.

وتطلق على الشرك، كما قال ـ تعالى ـ: [وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ] البقرة: 193.

وتطلق على الإحراق والتعذيب بالنار كما قال ـ تعالى ـ: [إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ]البروج: 10.

وفتنة القبر: هي سؤال الملكين الميتَ بعد دفنه عن ربه، ودينه، ونبيه.

3 ـ صفة فتنة القبر: إذا دفن الميت في قبره تُعادُ له الروح، فَيُسأل، ويقال له: مَنْ ربُّك، وما دينك، ومن نبيك؟

فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد.

ويضل الله الظالمين، فيقول الكافر: هاه، هاه لا أدري.

ويقول المنافق أو المرتاب: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.

وقد جاءت صفة فتنة القبر في عدة أحاديث منها ما جاء في حديث البراء ابن عازب  رضي الله عنه  قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي  صلى الله عليه وسلم  فقعد وقعدنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وهو يُلْحد له، فقال:  ( أعوذ بالله من فتنة القبر )  ثلاث مرات. الحديث

وفيه عن العبد المؤمن  ( فتعاد له روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول رسول الله، فيقولان له: ما عِلمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدقتُ، فينادي منادٍ من السماء: أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة ) .

وفيه عن العبد الكافر  ( ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك، فيقول هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري؛ فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار؛ فيأتيه من حرها، وسمومها، ويضيق عليه في قبره، حتى تختلف أضلاعه ) ([533]).

4 ـ وصف الملكين وتسميتها: جاء في بعض الأحاديث وصف الملكين الموكلين بفتنة القبر، وتسميتها.

فعن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: قال النبي  صلى الله عليه وسلم :  ( إذا قبر أحدكم ـ أو الإنسان ـ أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير ) ([534]).

5 ـ هل تفتن الأمم السابقة في قبورها أو أن ذلك خاص بهذه الأمة؟: قال بعض العلماء: إن الأمم السابقة لا تفتن في قبورها؛ بحجة أنها رفضت الاستجابة لرسلها، فعوجلت بالعذاب وأن هذه الأمة قد أُمسك عنها العذاب، وبعث الرسول بالسيف فمن دخل الإسلام مخافة القتل ثم نافق عذب في قبره.

وهذا القول محل نظر، والصحيح أن الأمم السابقة تفتن في قبورها، وتعذب أو تنعم.

 ومن الأدلة في ذلك ما جاء في عذاب آل فرعون الذين قال الله فيهم:[ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ] غافر: 46.

وفي صحيح مسلم عن عروة بن الزبير عن خالته عائشة _ رضي الله عنها _ قالت:  ( دخل عليَّ رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وعندي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرتِ أنكم تفتنون في القبور؟

قالت: فارتاع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وقال:  ( إنما تفتن اليهود ) .

قالت عائشـة: فلبثـنا ليالي، ثم قـال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بعد:  ( وهل شعرت أنه أوحي إليَّ: تفتنون في القبور ) .

قالت عائشة:  ( فسمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بعد ذلك يستعيذ من عذاب القبر ) ([535]).

قال ابن القيم رحمه الله  بعد أن ذكر الخلاف في هذه المسألة:  ( والظاهر _والله أعلم_ أن كل نبي مع أمته كذلك، وأنهم معذبون في قبورهم بعد السؤال لهم، وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال، وإقامة الحجة، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم  ) ([536]).  

6 ـ هل يفتن الكافر في قبره؟: الصحيح أنه يفتن، فالفتنة عامة للكافر وغيره، كما مر في الأحاديث الماضية من أن الكافر أو المنافق يقول إذا سُئل  ( هاه هاه لا أدري ) .

7 ـ هل الأطفال يمتحنون في قبورهم؟: الجواب أن هذه المسألة قد اختلف فيها على قولين:

الأول: قول من قال: إنهم يسألون، وحجة أولئك أنه يُشْرَعُ الصلاةُ عليهم، وسؤالُ الله أن يقيهم عذابَ القبرِ وفتنة القبر.

الثاني: قَوْلُ مَنْ قال بأنهم لا يُسألونَ؛ لأن السؤال إنما يكون لمن عقل الرسول والمُرْسِل، فيسأل: هل آمن بالرسول وأطاعه أم لا.

أما الطفل الذي لا تمييز له بوجه ما ـ كيف يسأل؟([537])

والذي يظهر من كلام ابن تيمية، وابن القيم ـ رحمهما الله ـ أنهما يميلان إلى القول الأول.

وهذا ما سيتضح في الفقرة التالية.

8 ـ هل يفتن غير المكلف؟: الجواب أن هذه المسالة قد اختلف فيها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :  ( وقد تواترت الأحاديث عن النبي  صلى الله عليه وسلم  في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وغيرهم _رضي الله عنهم_.

وهي عامة للمكلفين إلا النبيين فقد اختلف فيهم، وكذلك اختلف في غير المكلفين كالصبيان والمجانين؛ فقيل يفتنون وقيل لا يفتنون؛ لأن المحنة إنما تكون للمكلفين، وهذا قول القاضي وابن عقيل.

وعلى هذا فلا يلقنون بعد الموت.

وقيل يلقنون، ويفتنون ـ أيضاً ـ.

وهذا قول أبي حكيم، وأبي الحسن بن عبدوس، ونقله عن أصحابه، وهو مطابق لقول من يقول: إنهم يكلفون يوم القيامة كما هو قول أكثر أهل العلم، وأهل السنة من أهل الحديث والكلام، وهو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه  عن أهل السنة، واختاره، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد ) ([538]).

وقال في موضع آخر بعد كلام قريب من الكلام السابق بعد أن ذكر حجة القائلين بالقول بأنهم يفتنون:  ( ومن قال بالأول: يستدل بما في الموطأ عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أنه صلى على صغير لم يعمل خطيئة قط فقال:  ( اللهم قه عذاب القبر، وفتنة القبر )  وهذا يدل على أنه يفتن.

وأيضاً فهذا مبنيٌّ على أن أطفال الكفار الذين لم يكلفوا في الدنيا يكلفون في الآخرة، كما وردت بذلك أحاديث متعددة.

وهو القول الذي حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة؛ فإن النصوص عن الأئمة كالإمام أحمد وغيره: الوقف في أطفال المشركين كما ثبت في الصحيحين عن النبي  صلى الله عليه وسلم  أنه سئل عنهم فقال:  ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) .

وثبت في صحيح البخاري أن منهم من يدخل الجنة.

وثبت في صحيح مسلم أن الغلام الذي قتله الخَضِر طُبِعَ يوم طُبِعَ كافراً.

فإن كان الأطفال وغيرهم منهم شقي وسعيد فإذا كان ذلك لامتحانهم في الدنيا لم يمنع امتحانهم في القبور.

لكن هذا مبني على أنه لا يُشهد لكل معين من أطفال المؤمنين بأنه في الجنة، وإن شُهد لهم مطلقاً، ولو شهد لهم مطلقا؛ فالطفل قد يكون منافقاً بين مؤمنين، والله أعلم ) ([539]).

قال ابن القيم  رحمه الله :  ( وأما حديث أبي هريرة  رضي الله عنه ([540])فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة على الطفل على ترك طاعة، أو فعل معصية؛ فإن الله لا يعذب أحداً بلا ذنب عمله.

بل عذاب القبر قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره، وإن لم يكن عقوبة على عمل عمله.

ومنه قوله  صلى الله عليه وسلم :  ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله  )  أي يتألم، ويتوجع منه، لا أنه يعاقب بذنب الحي:[وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ] الأنعام: 164 .

وهذا كقول النبـي  صلى الله عليه وسلم :  ( السفر قطعة من العذاب ) .

فالعذاب أعم من العقوبة.

ولا ريب أن في القبر من الآلام والهموم والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل؛ فيتألم به؛ فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله ـ تعالى ـ له أن يقيه ذلك العذاب، والله أعلم ) ([541]).

 المبحث الثاني: نعيم القبر وعذابه

أولاً تعريفه: هو اسم لما يحصل في البرزخ من النعيم أو العذاب، وهو نتيجة لفتنة القبر؛ فنعيم القبر للمؤمنين الصادقين، وعذابه للظالمين من المنافقين والكافرين.

ثانياً: تواتر الأخبار في نعيم القبر وعذابه:

يقول شارح الطحاوية:  ( لقد تواترت الأخبار عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان أهلاً لذلك؛ فيجب اعتقاد ذلك، والإيمان به ) ([542]).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :  ( ومذهب سائر المسلمين، بل وسائر أهل الملل إثبات القيامة الكبرى، وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، والثواب والعقاب في البرزخ ـ ما بين الموت إلى القيامة ـ هذا قول السلف قاطبة،وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع ) ([543]).

ثالثاً: نعيم القبر وعذابه في القران الكريم: نعيم القبر وعذابه في البرزخ مذكور في غير ما آية؛ حيث وردت إشارات في القرآن تدل على وقوعه.

وقد ترجم البخاري  رحمه الله  في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال:  ( باب ما جاء في عذاب القبر ) .

ثم ساق في الترجمة قوله _تعالى_: [وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ] الأنعام: 93.

وقوله ـ تعالى ـ: [وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ] التوبة: 101.

وقوله ـ تعالى ـ: [وَحَاقَ بِ‍َٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ] غافر([544]).

والآية الأولى التي ساقها البخاري إنما هي في تعذيب الملائكة الكفار في حال الاحتضـار، والآية الثانية تـدل على أن هناك عذابين سيصيبان المنافقين قبل عذاب يوم القيامة.

العذاب الأول: ما يصيبهم الله به في الدنيا إما بعقاب من عنده، وإما بأيدي المؤمنين.

والعذاب الثاني: عذاب القبر، قال الحسن البصري:  ( سنعذبهم مرتين: عذاب الدنيا وعذاب القبر ) ([545]).

وقال الطبري:  ( والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع، أو السبي، أو القتل والإذلال، وغير ذلك ) ([546]) .

والآية الثالثة حجة واضحة لأهل السنة الذين أثبتوا عذاب القبر؛ فإن الحق _تبارك وتعالى_ قرر أن آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً، وهذا قبل يوم القيامة؛ لأنه ـ عز وجل ـ قال بعد ذلك: [وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ] غافر: 46 .

قال القرطبي:  ( الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر ) ([547]).

وهناك آيات أخرى تشير إلى عذاب القبر ونعيمه غير ما ذكر([548]).

رابعاً: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه بلا كيفية:

فالشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكن قد يأتي بما تحار فيه العقول؛ فإن عودة الروح للجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا([549]).

خامساً: هل عذاب القبر ونعيمه خاص بمن دفن في قبر، أو هو شامل؟ والجواب عن ذلك أن عذاب القبر ونعيمه شامل لمن دفن في قبر أو غيره؛ فكل من مات وهو مستحق للعذاب أو النعيم ناله نصيبه منه، سواء قبر أم لم يقبر، وسواء كان في فلاة، أو في مكان يحفظ فيه كالثلاجة، أو أنه قد أكلته السباع، أو احترق حتى صار رماداً ونسف بالهواء، أو صلب، أو غرق في البحر، أو غير ذلك؛ فالعذاب أو النعيم يصل إليه كما يصل إلى المقبور.

وإنما سمي عذاب القبر ونعيمه باعتبار الغالب والأصل([550]).

سادساً: هل عذاب القبر ونعيمه على البدن أو على الروح؟

الجواب أن عذاب القبر ونعيمه يكون على البدن والروح معاً.

قال ابن تيمية  رحمه الله :  ( مذهب سلف الأمة، وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه ولبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمةً أو معذبةً، وأنها تتصل بالبدن أحياناً، فيحصل له معها النعيم والعذاب ) ([551]).

وقال:  ( العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس، وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون العذاب والنعيم عليهما في هذه الحال مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن ) ([552]).

سابعاً: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟:

عذاب القبر على نوعين:

أحدهما: دائم، ويدل على هذا قوله ـ تعالى ـ: [ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ] غافر: 46 .

وكذلك في حديث البراء بن عازب في قصة سؤال الكافر في قبره، وفيه  ( ثم يفتح له باب إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة ) .

وقد مر الحديث عن ذلك قبل قليل

النوع الثاني: أنه إلى مدة ثم ينقطع: وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه، كما يعذب في النار مدة ثم يزول عنه العذاب.

وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء، أو صدقة، أو ثواب حج يصله من بعض أقاربه، أو غيرهم([553]).

ثامناً: أسباب عذاب القبر، وأسباب النجاة منه:

أما أسباب عذاب القبر فيمكن إجمالها بالجهل بالله، وإضاعة أمره، وارتكاب معاصيه.

وأما أسباب النجاة منه فبا العكس من ذلك([554]).


 المبحث الثالث: الرد على من أنكر عذاب القبر ونعيمه

أنكر بعض الزائغين من الملاحدة والزنادقة ومن نحا نحوهم عذاب القبر، وسعته، وضيقه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت لا يُجلس، ولا يقعد.

والجواب عن هذه المزاعم يسير _بحمد الله_ فهي مزاعم باطلة مردودة بالشرع، والحس، والعقل، وإليك بعض الوجوه التي يرد بها على تلك المزاعم.

1ـ أن عذاب القبر ونعيمه ثابت بالشرع: ومن تلك النصوص _زيادة على ما مضى_ ما جاء في حديث ابن عباس _رضي الله عنهما_ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال:  ( إنهما ليعذبان، وما يعذبان بكبير، بلى، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة؛ فدعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) ([555]).

2_ أن أحوال البرزخ من أحوال الغيب التي لا يدركها الحس: ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمنون بالغيب، والجاحدون في التصديق بها.

3_ أن الحس يدل على وقوع عذاب القبر: فالنائم يرى في منامه أنه في مكان فسيح بهيج يتنعم فيه، ويرى أنه في مكان ضيق موحش يتألم منه، وربما يستيقظ أحيانا مما رأى، وربما يرى أثراً للألم في بدنه، وهو مع ذلك في فراشه داخل حجرته على ما هو عليه.

والنوم أخو الموت، ولهـذا سمـاه الله _ تعالى _ وفاة، قال الله _تعالى_: [ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ] الزمر: 42.

4_ أن العقل لا ينكر وقوع عذاب القبر: وقد مر ما يدل على ذلك في الفقرة الماضية، ومن ذلك ـ أيضاً ـ أن النائم في منامه يرى الرؤيا الحق المطابقة للواقع، وربما رأى النبي  صلى الله عليه وسلم  على صفته، ومن رآه على صفته فقد رآه حقًّا.

ومع ذلك فإن النائم في حجرته على فراشه بعيداً عما رأى.

فإذا كان هذا ممكناً في أحوال الدنيا أفلا يكون ممكنا في أحوال الآخرة؟.

5_ أن النعيم، والعذاب، وسعة القبر، وضيقه إنما يدركها الميت دون غيره: ونظير ذلك _كما مضى ـ أن النائم يرى في منامه أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، وهو بالنسبة لغيره لم يتغير حاله، فهو في منامه وبين فراشه وغطائه.

6_ إن إدراك الخلق محدود بما مكنهم الله ـ تعالى ـ من إدراكه: فلا يُمْكِنهم أن يدركوا كل شيء؛ فكما أن أبصارهم وأسماعهم، وقواهم لها حد تقف عنـده فكذلك عقولهم لها حد يجب أن تقف عنده، فالسموات السبع والأرض ومن فيهن، وكل شيء يسبح بحمد الله تسبيحاً حقيقياً يُسمعهُ الله مَن شاء مِن خلقه أحياناً.

فإذا كان الخلق لا يدركون كل موجود فإنه لا يجوز لهم أن ينكروا ما ثبت من أمور الغيب ولم يدركوه([556]).


 الفصل الثالث

 أشراط الساعة


 تمهيد

 أولاً: قواعد عامة مجملة:

1ـ الساعة آتية لا ريب فيها، قال ـ تعالى ـ: [إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ] طه: 15 .

2ـ الساعة قريبـة، قال _تعالـى_:[ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ] القمر:1.

3ـ لا يعلم وقت الساعة إلا الله قال _عز وجل_: [يَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ] الأعراف: 187 .

4ـ الساعة غيب، والإيمان بها من جملة الإيمان بالغيب.

5ـ لا يجوز الاشتغال بتحديد زمن الساعة.

6ـ للساعة أمارات تدل على قربها، ووقوعها.

  ثانياً: الموقف الصحيح من أشراط الساعة:

أن نؤمن بما جاء من النصوص في شأنها، وألا نكلف أنفسنا في استدعائها وطلبها وتنزيلها على الواقع.

بل ندع تفسيرها للواقع؛ أي أن وقوعها على نحو ما جاء في نصوص الشرع هو الذي يفسرها؛ وبذلك نسلم من أن نرجم بالغيب، ونقْفُوَ ما ليس لنا به علم.

وفي ذلك نجاة وسلامة، واقتداء بالسلف الصالح الذين آمنوا بتلك النصوص، وأدوها إلينا بكل صدق وأمانة، ولم يقحموا الظنون في تعيينها، وترتيب بعضها على بعض بمجرد الرأي.

وبذلك نسلم من صنيع بعض الناس الذين ربطوا بين النصوص الواردة في أحوال آخر الزمان وأشراط الساعة وبين حال العالم في زماننا هذا، فرتبوا بعضها على بعض، وبنوا على ذلك أموراً نتج عنها فتن عظيمة، وانتهاك للحرمات.

وخلاصة القول في هذه المسألة: أن نؤمن بتلك النصوص، وندع تفسيرها للواقع([557]).

 ثالثاً: الإيمان بأشراط الساعة لا يعني البطالة، وترك الأخذ بالأسباب:

لأن تلك الأشراط أمـور قدريـة كونية، ونحن مأمورون شرعاً وديناً بالتكاليف الشرعية من طاعة الله، والجهاد في سبيله، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في ذلك كله، وغير ذلك من الواجبات.

هذا هو المنهج الصحيح لا كما يتوهم بعض الجهلة والبطالين من أن ظهور تلك الأشراط كخروج المهدي، ونزول عيسى ـ عليه السلام ـ سيكون بداية الكسل، والدعة.

بل إن النصوص تشير إلى أن ذلك بداية الفتوح، والجهاد، والبذل في سبيل إعلاء كلمة الله ـ عز وجل ـ([558]).


 المبحث الأول: مفهوم أشراط الساعة

إذا كان الله _عز وجل_ أخفى وقت وقوع الساعة على عباده ـ فإنه قد أعلمهم بأمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها.

وقد سمى الله ـ عز وجل ـ تلك الأمارات أشراط الساعة.

قال ـ تعالى ـ: [فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ] محمد: 18 .

وإليك هذه المسائل حول مفهوم هذه الأشراط.

أولاً: تعريف الأشراط: أصل الكلمة: مادة (شَرَطَ) والأشراط جمع.

قال ابن فارس  رحمه الله :  ( الشين، والراء، والطاء أصلٌ يدل على عَلَمٍ، وعلامة، وما قارب ذلك ) ([559]).

وقال ابن منظور  رحمه الله :  ( الشَّرط بالتحريك: العلامة، والجمع أشراط ) ([560]).

ثانياً: تعريف كلمة الساعة:

1_ الساعة في اللغة: أصل هذه الكلمة في اللغة مادة (سَوَع) ([561]).

وكلمة الساعة تطلق في اللغة والعرف عدة إطلاقات، وتدور حول معنى الوقت أو جزء الوقت، أو الحاضر منه.

قال القرطبي  رحمه الله :  ( والساعة كلمة يعبر عنها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود.

وفي العرف على جـزء من أربعـة وعشرين جزءاً في يوم وليلة، واللذان هما أصل الأزمنة.

وتقول العرب: أفعل كذا الساعة، وأنا الساعة في أمر كذا؛ تريد الوقت الذي أنت فيه، والذي يليه تقريباً.

وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المسمى بـ: الآن ) ([562]).

2_ الساعة في الاصطلاح الشرعي: هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة([563]).

ثالثاً: سبب تسمية الساعة بذلك: إما لقربها؛ فإن كل آتٍ قريب، أو لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تأتي بغتة في ساعة، أو لسعي الأرواح إلى الأجساد بسرعة في ذلك اليوم، أو لغير ذلك([564]).

رابعاً: تعريف أشراط الساعة: هي علاماتها، وأعلامها التي تسبقها، وتدل على قربها، وقيامها، ومجيء الساعة بعدها، وانتهاء الدنيا وانقضائها([565]).

خامساً: إطلاقات الساعة في الشرع: تطلق الساعة في الشرع على ثلاثة إطلاقات:

1 ـ الساعة الصغرى: وهي موت الإنسان؛ فمن مات قامت قيامته؛ لدخوله في عالم الآخرة.

2 ـ الساعة الوسطى: وهي موت أهل القرن.

3 ـ الساعة الكبرى: وهي بعث الناس من قبورهم للحساب والجزاء([566]).

سادساً ـ ما المراد بالساعة إذا أطلقت في القرآن: المراد بها القيامة الكبرى([567]).

سابعاً ـ أقسام أشراط الساعة: تنقسم إلى قسمين:

1 ـ أشراط صغرى: وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد، كقبض العلماء، وظهور الجهل، وشرب الخمر، والتطاول في البنيان، ونحو ذلك.

وقد يكون بعضها مصاحبا للأشراط الكبرى.

2 ـ أشراط كبرى: وهي الأمور العظام التي تظهر قرب قيام الساعة، وتكون غير معتادة الوقوع، كظهور الدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها([568]).

ثامناً ـ الحكمة في تقديم أشراط الساعة ودلالة الناس عليها: قال القرطبي رحمه الله :  ( والحكمة في تقديم الأشراط،ودلالة الناس عليها تنبيه الناس من رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة؛ كي لا يباغتوا بالحول بينهم وبين تدارك العوارض منهم؛ فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم ) ([569]).


 المبحث الثاني: ترتيب أشراط الساعة الكبرى وتتابعها

 أولاً: ترتيب أشراط الساعة الكبرى:

لقد جاءت الأحاديث التي نصت على أشراط الساعة الكبرى مجموعة غير مرتبة؛ إذ كان ترتيبها في الذكر لا يقتضي ترتيبها في الوقوع؛ فقد جاء العطف فيها بالواو، وذلك لا يقتضي الترتيب.

ومن النصوص مـا خالف ترتيـب الأشراط فيها ترتيبها في نص آخر([570]).

وهذه جملة من الأحاديث التي تعرضت لذكر الأشراط الكبرى جملة، أو ذكر بعضها.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم  علينا، ونحن نتذاكر، فقال:  ( ما تذاكرون؟ )  قالوا: نذكر الساعة، قال:

 ( إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ) .

فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم([571]).

وروى مسلم هذا الحديث عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد بلفظ آخر، قال أسيد: كان النبي  صلى الله عليه وسلم  في غرفة، ونحن أسفل منه، فاطلع إلينا فقال:  ( ما تذكرون؟ )  قلنا الساعة، قال:  ( إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس ) .

وفي رواية في العاشرة : نزول عيسى ابن مريم .

وفي رواية : وريح تلقي الناس في البحر ([572]).

وروى مسلم ـ أيضا ـ عن أبي هريرة  رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( بادروا بالأعمال ستًّا، طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة ) ([573]).

وفي لفظ آخر:  ( بادروا بالأعمال ستًّا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم ) ([574]).

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه  قال: حفظت من رسول الله حديثاً لم أُنْسَهُ بعد، سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول:  ( إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً ) ([575]).

والذي يمكن معرفته من خلال هذه الأحاديث هو ترتيب بعض الأشراط من خلال حدوث بعضها إثر بعض؛ لأن الترتيب جاء بلفظين مختلفين في ترتيب بعض الأشراط، وفي أداة العطف؛ حيث جاء مرة بـ:(أو) ، ومرة بـ:(الواو) وهما لا يدلان على الترتيب([576]).

ولهذا اختلف العلماء في ترتيب الأشراط، وقد جمع الحافظ ابن حجر  رحمه الله  بين أولية الدجال، وأولية خروج الشمس من مغربها، فقال:  ( الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ـ عليه السلام ـ.

وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة.

ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب ) .

ثم قال:  ( والحكمة في ذلك أنه عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة؛ فتخرج الدابة؛ تميز المؤمن من الكافر؛ تكميلاً للمقصود من إغلاق باب التوبة.

وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس ) ([577]).

وقال الطيبـي رحمه الله :  ( الآيات أمارات للساعة، إما على قربها، وإما على حصولها.

فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف.

ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس ) ([578]).

وهذا تقسيم حسن دقيق، وسيكون الحديث عن أشراط الساعة الكبرى في المبحث الآتي حسب هذا الترتيب الذي ذكره الطيبي .

ثانياً: تتابع ظهور الأشراط الكبرى:

بغض النظر عن ترتيب الأشراط الكبرى؛ فإنها إذا ظهر منها أول علامة تتابعت الآيات كتتابع الخرز في النظام، يتبع بعضها بعضاً، ولا يكاد يفصل بينها فاصل([579]).

روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة  رضي الله عنه  عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعْن كما تتابع الخرز في النظام ) ([580]).

وروى الإمام أحمـد عن عبدالله بن عمرو، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( الآيات خرزات منظومات في سلك؛ فإن يقطع السلك يتبعْ بعضها بعضاً ) ([581]).

والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن المراد بهذه الآيات هي علامات الساعة الكبرى؛ فإن ظاهر هذه الأحاديث يدل على تقارب ظهورها تقارباً شديداً ([582]).

قال ابن حجر  رحمه الله :  ( وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة وهو عند أحمد  ) ([583]).


 المبحث الثالث: أشراط الساعة الكبرى الدالة على قربها

 المطلب الأول: ظهور المسيح الدجال

أولاً: تعريف المسيح الدجال: هو مسيح الضلالة الذي يخرج في آخر الزمـان، والذي يفتن الناس بما يعطـاه من الآيـات والخـوارق كإنـزال المطر، وإحياء الأرض بالنبات، ونحو ذلك.

ثانياً: صفة الدجال: الدجال رجل من بني آدم له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث؛ لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره؛ حتى إذا خرج عرفه المؤمنون؛ فلا يفتنون به، بل يكونون على بَيِّنة من أمره.

وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس؛ فلا يغترُّ بِهِ إلا الجاهل الذي غلبت عليه الشقوة.

ومن صفات الدجال: أنه رجل شاب، أحمر، قصير، أفحج، جعد الرأس، أجلى الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة، _أي بارزة_ ولا جحراء _ أي غائرة منجحرة _ كأنها عنبة طافئة، وعينه اليسرى عليها ظفرة غليظة، ومكتوب بين عينيه (ك ف ر) بالحروف المقطعة، أو (كافر) بدون تقطيع، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب.

ومن صفاته أنه عقيم لا يولد له.

هذه بعض صفاته التي صرحت بها الأحاديث.([584])

ثالثاً: مكان خروجه: يخرج الدجال من جهة المشرق من خراسان، من يهودية أصبهان.

رابعاً: سرعة انتقاله في الأرض: بعد أن يخرج الدجال يسير في الأرض فلا يدع بلداً إلا دخله إلا مكـة والمدينة فلا يستطيع دخولهما؛ لأن الملائكة تحرسهما.

خامساً: دعاوى الدجال: الدجال يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، والألوهية.

سادساً: ما يدعو إليه: الدجال يدعو إلى فتنة الناس، وصدهم عن دينهم، ويدعو إلى تصديقه، والإيمان بأنه الرب الإله، وذلك بسبب ما يعطاه من الآيات والخوارق.

سابعاً: عظم فتنته: فتنة الدجال أعظم الفتن، أو من أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة؛ وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول، وتحير الألباب.

فقد ورد أن معه جنةً وناراً، وجنته ناره، وناره جنته، وأن معه أنهار الماء، وجبال الخبز، وأنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت.

وورد أن كنوز الأرض تتبعه، وأنه يقطع الأرض بسرعة عظيمة كسرعة الغيث إذا استدبرته الريح، وأن الجماد والحيوان يستجيب له، وأنه يقتل شاباً ثم يحييه إلى غير ذلك من الخوارق التي جاءت بها الأحاديث الصحيحة.

ومن أجل ذلك فإن جميع الأنبياء حذروا أقوامهم من فتنة الدجال، ورسولنا صلى الله عليه وسلم  كان أشدهم؛ تحذيراً منه.

جاء في صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال:  ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  _يقول_ ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال ) ([585]) .

وجاء في صحيح البخاري عن أنس  رضي الله عنه   ( ما بُعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر ) ([586]).

ثامناً: مكثه في الأرض: يمكث في الأرض أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كسائر أيامنا؛ فمجموع مكثه في الأرض بأيامنا هذه أربعة عشر شهراً، وأربعة عشر يوماً تقريباً.

جاء في حديث النواس بن سمعان  رضي الله عنه  في ذكر الدجال أن الصحابة قالوا:  ( يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟  ( قال أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم ) ([587]) .

تاسعاً: هلاك الدجال: يكون هلاك الدجال على يدي عيسى بن مريم _عليه السلام_ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة.

وذلك أن الدجال يظهر على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ويكثر أتباعه وتعم فتنته، ولا ينجو منها إلا قلة من المؤمنين.

وعند ذلك ينزل عيسى _عليه السلام_ على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حوله عباد الله المؤمنون، فيسير بهم قاصداً المسيح الدجال، ويكون الدجال عند نزول عيسى متوجهاً نحو بيت المقدس، فيلحق به عيسى عند باب (لـدّ) .

فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح، فيقول له عيسى _عليه السلام_:  ( إن لي فيك ضربة لن تفوتني.

فيتداركه عيسى، فيقتله بحربته، وينهزم أتباعه، فيتبعهم المؤمنون، فيقتلونهم، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبدالله! هذا يهودي خلفي فاقتله، إلا شجر الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود ) ([588]) .


 المطلب الثاني: نزول عيسى بن مريم _عليه السلام_ آخر الزمان

مر بنا أن من أشراط الساعة الكبرى نزول عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ والحديث في هذا الشأن سيتناول الجوانب التالية:

أولاً_ صفة عيسى _عليه السلام_: صفته التي جاءت بها الروايات أنه رجل مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أحمر، جعد الرأس، عريض الصدر، سبط الشعر، كأنما خرج من ديماس ـ أي حمام ـ له لِمَّةٌ قد رجَّلها تملأ ما بين منكبيه([589]) .

ثانياً ـ تواتر الأخبار في نزوله: يستخلص من النصوص الواردة في شأن عيسى _عليه السلام ـ أنه نازل لا محالة، وأن النصوص بذلك متواترة؛ فالتكذيب بنزوله تكذيب للرسول  صلى الله عليه وسلم .

بل هو تكذيب للقرآن الكريم الذي دل على نزول عيسى ـ عليه السلام ـ([590]).

ولقد مضى شيء من الأدلة على نزوله، ومنها قوله ـ تعالى ـ: [وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ] الزخرف: 57 إلى قوله ـ تعالى ـ: [وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيم] الزخرف: 61.

أي نزول عيسى ـ عليه السلام ـ قبل يوم القيامة علامة على قرب الساعة.

ويدل على ذلك القراءة الأخرى [وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ]: بفتح العين واللام.

  ( أي علامة وأمارة على قيام الساعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما من أئمة التفسير ) ([591]).

وروى الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير هذه الآية  ( وإنه لعلم للساعة )  قال:  ( هو خروج عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ قبل يوم القيامة ) ([592]).

ومن السنة ما رواه الشيخان عن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها )  ثم يقول أبو هريرة:  ( اقرؤوا إن شئتم: [وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا] النساء: 159([593]) .

وهذا تفسير من أبي هريرة  رضي الله عنه  لهذه الآية بأن المراد بها أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى ـ عليه السلام ـ قبل موته، وذلك عند نزوله في آخر الزمان كما سبق بيانه([594]) .

ثالثاً ـ صفة نزوله: بعد خروج الدجال، وإفساده في الأرض يبعث الله عيسى _عليه السلام ـ فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام وعليه مهرودتان([595])، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جمانٌ كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونـفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفـه.

ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدجال؛ فينزل وقت إقامة صلاة الفجر، ويصلي خلف أمير تلك الطائفـة، بعد أن يقـال له: تعال صل لنا، فيقـول ـ عليه السلام ـ:  ( لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تَكْرِمة الله هذه الأمة ) ([596]).

رابعاً_ طيب العيش، وعموم الرخاء، وانتشار الأمن، وظهور البركات في عهده: فزمن عيسى ـ عليه السلام ـ زمن أمن وسلام ورخاء، وبركات.

حيث يرسل الله فيه المطر الغزير، وتُخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال، وتزول الشحناء، والتباغض، والتحاسد.

جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل:  ( ثم يرسل الله مطراً لا يُكَنُّ منه بيت مدر، ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة([597] ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ودُرِّي بركتك، فيؤمئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها([598])، ويبارك في الرِّسل([599])حتى إن اللقحة([600])من الإبـل لتكفـي الفئام من الناس، واللقحـة من البقر لتكفي القبيلة، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ([601])من الناس ) ([602]).

وورد أحاديث في هذا النحو كثيرة، والمجال لا يتسع لبسطها([603]).

خامساً ـ مدة بقائه بعد نزوله: جاء في بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة؛ ففي رواية الإمام مسلم عن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ:  ( فيبعث الله عيسى بن مريم، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال من خير أو إيمان إلا قبضته ) ([604]).

وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود:  ( فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ) ([605]).

وكلا هاتين الروايتين صحيحة، وهذا مشكل إلا أن تُحْمَل رواية السبع سنين على مدة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافاً إلى مكثه في الأرض قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وثلاثين سنة على المشهور، والله أعلم([606]).

 المطلب الثالث: خروج يأجوج ومأجوج

فمما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بخروج يأجوج ومأجوج؛ فذلك من أشراط الساعة، وعلاماتها الكبرى.

والحديث في هذا الشأن سيتناول الجوانب التالية:

أولاً ـ أصل يأجوج ومأجوج: أصلهم من البشر، ومن ذرية آدم وحواء([607]).

فعن عبدالله بن عمرو عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وأنهم لو أرسلوا إلى الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً ) ([608]).

ثانياً ـ صفتهم: أما صفتهم التي جاءت بها الأحاديث فهي أنهم يشبهون أبناء جنسهم من الترك الغتم([609])المغول، صغار العيون، ذلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجَانُّ المُطرَقة على أشكال الترك وألوانهم([610]) .

والذي تدل عليه الروايات الصحيحة أنهم رجال أقوياء لا طاقة لأحد بقتالهم، ففي حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم أن الله ـ تعالى ـ يوحي إلى عيسى _عليه السلام_ بخروج يأجوج ومأجوج، وأنه لا يدان لأحد بقتالهم، ويأمره بإبعاد المؤمنين من طريقهم ويقول:  ( أحرز عبادي إلى الطور ) ([611]).

ثالثاً ـ فسادهم: إذا خرج يأجوج ومأجوج حصل على أيديهم أذى كبير، وفتنة عظمى، وشر مستطير.

وهم جموع كثيرة حتى إنهم؛ لكثرتهم إذا مر أولهم على بحيرة طبرية عند خروجهم شربوا الماء الذي فيها جَميعَه؛ فإذا مر آخرهم قالوا قد كان في هذه البحيرة ماء([612]).

قال ابن العربي  رحمه الله :  ( وأما خروج يأجوج ومأجوج فإنه يكون بعد نزول عيسى ـ عليه السلام ـ وهما أمتان مُضرتان مفسدتان كافرتان ) ([613]).

هذا وسيتضح شيء من إفسادهم في الفقرات التالية:

رابعاً ـ هلاكهم: يكون هلاك يأجوج ومأجوج بعد أن يقتل عيسى الدجالَ حيث يُهلك الله يأجوج ومأجوج ببركة دعاء عيسى ـ عليه السلام ـ كما جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل، وفيه:  ( إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور.

ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولئك على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرةً ماء، ويُحْصَر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم؛ فيرغب نبي الله عيسى وأصحابهُ، فيرسل الله عليهم النغف([614]) في رقابهم فيصبحون فرسى([615]) كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم([616]) ونتنهم؛ فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت([617]) ، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله )  رواه مسلم .

 وزاد في رواية بعد قوله:  ( لقد كان بهذه ماء ) :  ( ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر([618]) ، هو جبل بيت المقدس،فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بِنُشَّابهم([619]) إلى السماء، فيرد الله عليهم نُشَّابهم مخضوبة دماً ) ([620]).


 المبحث الرابع: أشراط الساعة الدالة على حصولها

 المطلب الأول: الدخــان

فظهور الدخان في آخر الزمان من علامات الساعة الكبرى التي دل عليها الكتاب والسنة([621]).

أولاً: أدلة ظهوره من الكتاب: قال الله ـ تعالى ـ: [فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠ يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيم] الدخان: 10_11.

وللعلماء في المراد بهذا الدخان قولان:

أحدهما: أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشاً من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي  صلى الله عليه وسلم  حين لم يستجيبوا له؛ فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدخان.

وإلى هذا القول ذهب ابن مسعود  رضي الله عنه  وتبعه جماعة من السلف([622]).

الثاني: أن هذا الدخان من الآيات المنتظرة التي لم تجئ بعد، وسيقع قرب قيام الساعة، وإلى هذا القول ذهب ابن عباس وبعض الصحابة والتابعين([623]).

ثانياً ـ أدلة ظهوره من السنة: مضى ذكر بعض الأحاديث في ذلك، ومنها ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( بادروا بالأعمال ستاً: الدجال، والدخان ) ([624]) الحديث.

وجاء في حديث حذيفة في أشراط الساعة الكبرى:  ( والدخان ) ([625]) .

 المطلب الثاني: طلوع الشمس من مغربها

 فطلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى، وهو ثابت بالكتاب والسنة.

أولاً: أدلة طلوع الشمس من مغربها: قال الله ـ تعالى ـ: [يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ] الأنعام: 158 .

فقد دلت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين([626]).

وجاء في الصحيحين عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، فرآها الناس آمنوا أجمعون؛ فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ) ([627]) .

وروى مسلم عن أبي هريرة  رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها )  الحديث([628]) .

ثانياً: العلة من كون الإيمان لا ينفع إذا طلعت الشمس من مغربها: قال القرطبي  رحمه الله :  ( قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم؛ لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت من انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم؛ فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت ) ([629]) .

 المطلب الثالث: الدابة

 ظهور دابة الأرض في آخر الزمان من أشراط الساعة الكبرى الثابتة بالكتاب والسنة.

أولاً: الأدلة من الكتاب: قال الله ـ تعالى ـ: [وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ] النمل: 82.

فهذه الآية الكريمة صرحت بخروج الدابة، وأن ذلك يكون عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، فيخرج الله لهم دابة من الأرض تكلمهم على ذلك.

قال القرطبي  رحمه الله :  ( قال العلماء معنى [وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ]: أي وجب الوعيد عليهم؛ لتماديهم في العصيان والعقوق والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله، وتركهم تدبرها، والنزول على حكمها، وانتهى بهم في المعاصي إلى ما لا ينجع معه موعظة، ولا يصرفهم عن غيهم تذكرة.

يقول ـ عز من قائل ـ فإذا صاروا كذاك: [أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ] أي دابة تعقل، وتنطق.

وذلك ـ والله أعلم ـ ليقع لهم العلم بأنه آية من قبل الله ـ تعالى ـ ضرورة؛ فإن الدواب في العادة لا كلام لها ولا عقل ) ([630]).

ثانياً: الأدلة من السنة على ظهور الدابة: وأما الأدلة من السنة فكثيرة، وقد مضى شيء منها، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحة عن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض ) ([631]).

وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة  رضي الله عنه  يرفعه إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( تخرج الدابة، فَـتَسِم الناس على خراطيمهم([632])، ثم يُغمرون فيكم، حتى يشتري الرجل البعير، فيقول: ممن اشتريته؟ فيقول من أحد المخطيين ) ([633]).

ثالثاً: مكان خروج الدابة: قيل: في مكة من أعظم المساجد، وقيل: لها ثلاث خرجات، فمرة تخرج في بعض البوادي، مرة في بعض القرى، ثم تظهر في المسجد الحرام.

وهناك أقوال أخرى غالبها يدور على أن خروجها من الحرم المكي([634]).

رابعاً ـ عمل الدابة: إذا خرجت الدابة العظيمة فإنها تسم المؤمن والكافر.

فأما المؤمن؛ فإنها تجلو وجهه حتى يشرق، ويكون ذلك علامة إيمانه.

وأما الكافر فإنها تخطمه على أنفه؛ علامة على كفره([635]).

 المطلب الرابع: النار التي تحشر الناس

 فمن أشراط الساعة الكبرى خروج النار العظيمة، وهي آخر أشراط الساعة، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة.

أولاً ـ مكان خروج النار: جاءت الروايات بأن خروجها يكون من اليمن من قعرة عدن، وتخرج من بحر حضرموت كما جاء في روايات أخرى.

جاء في حديث حذيفة بن أسيد في صحيح مسلم في ذكر أشراط الساعة قوله صلى الله عليه وسلم :  ( وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ) .

وفي رواية لمسلم عن حذيفة ـ أيضا ـ:  ( ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس ) ([636]) .

ثانياً ـ كيفية حشرها: عند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن تنتشر في الأرض، وتسوق الناس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاثة أفواج:

الأول: فوج راغبون، طاعمون، كاسون، راكبون.

الثاني: فوج يمشون تارة، ويركبون أخرى، يعتقبون على البعير الواحد.

الثالث: تحشرهم النار، فتحيط بهم من ورائهم، وتسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلف أكلته النار.

وقد صحت بذلك الأحاديث([637]).

ثالثاً ـ أرض المحشر: يحشر الناس إلى الشام في آخر الزمان، وهي أرض المحشر، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة([638]).

رابعاً ـ هذا الحشر في الدنيا: وليس المراد به حشر الناس بعد البعث من القبور([639]).



 الباب الخامس

 مسائل في الذنوب والتوبة والدعاء


 تمهيد

لقد راعت الشريعة الإسلامية حال العباد، وما يعتريهم من الغفلة، والتقصير، والضعف البشري، فتقع منهم الذنوب التي هي من أعظم أسباب البلاء، والعقوبة في الدنيا والآخرة.

ومن هنا جاء الشرع المطهَّر في بيان مفهوم الذنوب، و أنواعها، وأضرارها، وعواقبها؛ لكي يَحْذرها العباد، و يسلموا من غوائلها.

كما جاءت الشريعة _أيضاً_ بعلاج الذنوب صغيرها وكبيرها، وأعظم تلك العلاجات _ التوبة إلى الله _عز وجل_.

ثم إن حاجة العباد إلى دعاء ربهم ماسَّة، بل إن ضرورتهم إليه مُلِحَّة؛ فالدعاء هو العبادة، وهو سبيل السعادة؛ فمن لزم دعاء ربه فتحت له أبواب الخيرات، وصرفت عنه الشرور والآفات.

والفصول الآتية بيان لمفهوم الذنوب وما يتعلق بها، ولمفهوم التوبة، وحِكَمها، وأحكامها، وللدعاء وما يتعلق به من مسائل؛ فإلى تلك الفصول.



 الفصل الأول

 مفهوم الذنوب، وما يتعلق بها


 المبحث الأول: مفهوم الذنوب، وأصولها

 أولاً: مفهوم الذنوب

الذنوب جمع ذنب، والذَّنب: الإثم, والجرم, والمعصية والجمع ذنوب, وذُنوبات جمع الجمع([640]).

والذنب في الأصل الأخذ بذَنب الشيء, يقال: ذنَبتُه أصبت ذنَبَه, ويستعمل في كل فعل يُستَوخَم عقباه؛ ولهذا يسمى الذَّنب تبعةً؛ اعتباراً لما يحصل من عاقبته, وجمع الذنب ذنوب, قال _تعالى_: [فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ] آل عمران: 11, وقال: [فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ] العنكبوت:40, وقال: [وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ] آل عمران:135 إلى غير ذلك من الآيات ([641]).

فالذنوب _إذاً_ هي المعاصي، والمخالفات التي يخالف فيها العبد أمر ربه _جل وعلا_.

 ثانياً: أصول الذنوب

هناك تقسيمات نافعة، تُعرف من خلالها أصول الذنوب، وما يمكن أن يدخل تحتها من آحاد الذنوب وأفرادها.

قال ابن القيم رحمه الله :  ( ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها _ تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها.

ونحن نذكر فيها _بعون الله وحسن توفيقه_ فصلاً وجيزاً جامعاً فنقول:

أصلها نوعان: ترك مأمور، وفعل محظور.

وهما الذنبان اللذان ابتلى الله _سبحانه_ بهما أبوي الجن والإنس.

وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلوب.

وباعتبار مُتعلَّقه إلى حق الله، وحق خلقه، وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه، لكن سمي حقًّا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم، ويسقط بإسقاطهم ) ([642]).

ثم شرع رحمه الله بتقسيم هذه الذنوب إلى قسمة أخرى فقال:

  ( ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية، وشيطانية، وسَبُعية، وبهيمية، ولا تخرج عن ذلك ) ([643]).

وفيما يلي تفصيل يسير لتلك الأصول التي ترجع إليها الذنوب.

1_ الذنوب الملكية أو الربوبية: وهي أن يتعاطى الإنسان ما لا يصلح له من صفات الربوبية، كالعظمة، والكبرياء، والفخر، والجبروت، والعلو في الأرض، ومحبة استعباد الخلق، ونحو ذلك.

ومن هذه الذنوب يتشعب جملة من الكبائر غفل عنها أكثر الخلق، ولم يعدوها ذنوباً، وهي المهلكات، العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر المعاصي.

ويدخل في هذه الذنوب، الشرك بالله، والقول على الله بغير علم.

2_ الذنوب الشيطانية: وهي ما كان في صاحبها شَبهٌ من الشيطان، ويدخل تحت ذلك الحسدُ، والبغي، والغش، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بالفساد، وتحسين المعاصي، والنهي عن الطاعات وتهجينها، والابتداع في الدين، والدعوة إلى البدع والضلال.

وهذا النوع يلي الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.

3_ الذنوب السبعية: ومنها يتشعب الغضب، وسفك الدماء، والحقد، والتوثب على الضعفاء والعاجزين، والقتل.

4_ الذنوب البهيمية: ومنها يتشعب الشَّرَهُ، والكَلَبُ، والحرص على قضاء شهوة الفرج والبطن، ومنها يتولد الزنى واللواط، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشح، والجبن، والهلع، والجزع، وجمع الحطام لأجل الشهوات، وغير ذلك.

وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق؛ لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية.

ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام؛ فهو يجرهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى منازعة الربوبية، والشرك في الوحدانية([644]).


 المبحث الثاني: تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر

وهو أن يقال: إن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، قال الغزالي  رحمه الله :  ( اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر اختلاف الناس فيها؛ فقال قائلون: لا صغيرة ولا كبيرة، بل كل مخالفة لله فهي كبيرة.

وهذا ضعيف؛ إذ قال _تعالى_: [إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا] النساء:31، وقال _تعالى_: [ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ] النجم:32.

وقال صلى الله عليه وسلم :  ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة يكفرن ما بينهن إن اجتنبت الكبائر )  وفي لفظ آخر:  ( كفارات لما بينهن إلا الكبائر ) ([645]).

وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص _رضي الله عنهما_:  ( الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس ) ([646])([647]).

وقال ابن القيم  رحمه الله :  ( وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائرَ وصغائر ) ([648]).

وقال  رحمه الله :  ( والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر قالوا: الذنوب كلها _بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره_ كبائر؛ فالنظر إلى من عُصي أمرُه، وانتُهك محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة ) ([649]).

وقال _بعد أن ساق بعض ما أورده مَنْ قال: إن الذنوب كلها كبائر_:  ( فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل؛ فما كان أشدَّ منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشدَّ موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات؛ فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر تفاصيله تعرف به حكمةَ أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحَرَّمه عليهم، وتفاوتَ مراتب الطاعات والمعاصي ) ([650]).

هذا وإن الكلام في ماهية الكبائر والصغائر يطول، وخلاصته أن يقال: كل ذنب ترتب عليه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة فهو كبيرة.

وما لم يترتب عليه لا هذا  ولا هذا فهو صغيرة ([651]).


 المبحث الثالث: نتائج الذنوب، وأضرارها وآثارها

للذنوب والمعاصي نتائج وخيمة، وأضرار عظيمة، وآثار مدمرة، وعقوبات متنوعة سواء في الدنيا أو في الآخرة، على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات.

فمن أضرارها حرمان العلم والرزق، والوحشةُ التي يجدها العاصي في قلبه، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الناس.

ومنها تعسير الأمور، وسواد الوجه، ووهن البدن، وحرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق بركته.

ومنها ظلمة القلب، وضيقه، وحزنه، وألمه، وانحصاره، وشدة قلقه، واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعَرِّيه من زينته.

ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، وتقوي في القلب إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ إرادة التوبة من القلب بالكلية، فيستمرئ صاحبها المعصية، وينسلخ من استقباحها.

ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وأن شؤمها لا يقتصر على العاصي، بل يعود على غيره من الناس والدواب.

ومنها أن المعصية تورث الذل، وتفسد العقل، وتدخل العبد تحت اللعنة، وتحرمه من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوة الملائكة، ودعوة المؤمنين.

كما أنها تطفئ نار الغيرة من القلب، وتذهب الحياء، وتضعف في القلب تعظيم الرب، وتستدعي نسيان الله لعبده، وتَخْليته بينه وبين نفسه وشيطانه.

ومن أضرار المعاصي أنها تنزل الرعب في قلب العاصي، وتزيل أمنه، وتبدله به مخافة؛ فأخوف الناس أشدهم إساءة.

كذلك تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين، وتضعف سير قلبه إلى الله والدار الآخرة، وتصغر نفسه، وتُعمي قلبه، وتسقط منزلته، وتسلبه أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذل والصغار، وتجعله من السفلة بعد أن كان مُهيَّأً لأن يكون من العِلْية، وتجرئ عليه شياطين الجن والإنس، فيصير في أسرهم بعد أن كانوا يخافونه ويرهبونه.

ومنها وقوع العاصي في بئر الحسرات؛ فلا يزال في حسرة دائمة؛ فكلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطراً، أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعافُ أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعُه وعرف عجزَه اشتدت حسرتُه وحزنُه؛ فيا لها ناراً قد عُذِّب بها القلبُ في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.

ومنها ضياع أعز الأشياء وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض عنه، ولا يعود إليه أبداً.

وبالجملة فالآثار القبيحة للمعاصي أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علماً؛ فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصية الله([652]).


 الفصل الثاني

 التوبة: مفهومها وحِكَمها وأحكامها


 المبحث الأول: مفهوم التوبة

أولاً_ تعريف التوبة في اللغة: التوبة في اللغة: تدور حول معاني الرجوع، والعودة، والإنابة، والندم.

والتوبة تكون من الله على العبد، ومن العبد إلى الله؛ فإذا كانت من الله عُدِّيت بحرف الجر: على، وإذا كانت من العبد إلى الله عديت بحرف الجر: إلى.

قال الله _تعالى_: [إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا] النساء:17.

وقال_عز وجل_: [وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ] النور:31.

وقال: [وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا] الفرقان: 71 ([653]).

ثانياً_ تعريف التوبة في الشرع:

يمكن أن تعرف التوبة بأنها: ترك الذنب علماً بقبحه، وندماً على فعله، وعزماً على ألا يعود إليه إذا قدر، وتداركاً لما يمكن تداركه من الأعمال، وأداءً لما ضيع من الفرائض؛ إخلاصاً لله، ورجاءً لثوابه، وخوفاً من عقابه، وأن يكون ذلك قبل الغرغرة([654])، وقبل طلوع الشمس من مغربها([655]).

فهذا التعريف يجمع شروط التوبة.

وهناك تعريفات أخرى أخصر من هذا التعريف؛ فقد عرَّفها الإمام ابن القيم رحمه الله  بقوله:  ( فحقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعاوده في المستقبل ) ([656]).

وعرَّفها في موضع آخر فقال:  ( حقيقة التوبة: الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يجب، وترك ما يكره؛ فهي رجوع من مكروه إلى محبوب؛ فالرجوع إلى المحبوب جزءُ مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر ) ([657]).

ثالثاً: من أي شيء تكون التوبة؟: التوبة تكون من الذنوب صغيرها وكبيرها، ولا بد للتائب من معرفة ما يتاب منه ولو على سبيل الإجمال.

قال الغزالي رحمه الله :  ( اعلم أن التوبة ترك الذنب، ولا يمكن ترك شيء إلا بعد معرفته.

وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجباً؛ فمعرفة الذنوب _إذاً_ واجبة، والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله _تعالى_ في ترك أو فعل.

وتفصيل ذلك يستدعي شرح التكليفات من أولها إلى آخرها، وليس ذلك من غرضنا، ولكننا نشير إلى مجامعها، وروابط أقسامها، والله الموفق للصواب برحمته ) ([658]).

ثم شرع رحمه الله في بيان أقسام الذنوب([659]).

وعقد ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين فصلاً قال فيه:  ( فصل في أجناس ما يتاب منه ) .

ثم قال:  ( ولا يستحق العبد اسم  ( التائب )  حتى يتخلص منها.

وهي اثنا عشر جنساً مذكورة في كتاب الله_عز وجل_هي أجناس المحرمات:

الكفر، والشرك، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله بغير علم، واتباع غير سبيل المؤمنين.

فهذه الاثنا عشر عليها مدار كل ما حرم الله، وإليها انتهاء العالم بأسرهم إلا أتباع الرسل_صلوات الله وسلامه عليهم_.

وقد يكون في الرجل أكثرها وأقلها، أو واحدة منها، وقد يعلم ذلك، وقد لا يعلم.

فالتوبة النصوح: هي بالتخلص منها، والتحصُّن من مواقعتها، وإنما يمكن التخلص منها لمن عرفها ) . ([660])


 المبحث الثاني: باب التوبة مفتوح

لقد فتح الله _بجوده وكرمه_ باب التوبة؛ حيث أمر بها، وحض عليها، ووعد بقبولها، سواء كانت من الكفار أو المشركين، أو المنافقين أو المرتدين، أو الطغاة، أو الملاحدة، أو الظالمين، أو العصاة المقصرين.

ومن خلال ما يلي يتبين لنا شيء من فضل الله_عز وجل_في فتح باب التوبة.

1_ أن الله_عز وجل_أمر بالتوبة: قال_تعالى_: [وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ] الزمر: 54.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:  ( أي ارجعوا إلى الله، واستسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون أي بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة ) ([661]).

2_ أن الله وعد بقبول التوبة مهما عظمت الذنوب: قال _تعالى_: [وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ] الشورى: 25.

وقال: [وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا] النساء: 110.

وقال_عز وجل_في حق المنافقين: [إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ] النساء: 145_146.

وقال في شأن النصارى: [لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ]المائدة: 73.

ثم قال _جلت قدرته_ محرضاً لهم على التوبة: [أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيم] المائدة: 74.

وقال_تعالى_ في حق أصحاب الأخدود الذين خدوا الأخاديد لتعذيب المؤمنين وتحريقهم بالنار: [إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ] البروج: 10.

قال الحسن البصري رحمه الله :  ( انظروا إلى هذا الكرم والجود؛ قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة ) ([662]).

3_ أن الله حذر من القنوط من رحمته: قال _تعالى_: [قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ] الزمر: 53.

قال ابن كثير رحمه الله :  ( قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ في هذه الآية: قال: قد دعا الله _تعالى_ إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله _تعالى_ لهؤلاء: [أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيم] المائدة:74.

ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولاً من هؤلاء؛ من قال: [أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ] النازعات: 24، وقال: [مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي] القصص: 38.

قال ابن عباس _رضي الله تعالى عنهما_:  ( من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله_عز وجل_ ) ([663]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، في الآية السابقة_آية الزمر_:  ( المقصود بها النهي عن القنوط من رحمة الله_تعالى_وإن عظمت الذنوب وكثرت، فلا يحل لأحد أن يَقْنَط من رحمة الله، ولا أن يُقَنِّط الناس من رحمته؛ لذا قال بعض السلف: وإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيّس الناس من رحمة الله، ولا يجرؤهم على معاصي الله.

والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له إما لكونه إذا تاب لا يقبل توبته ويغفر ذنوبه، وإما بأن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها، والشيطان قد استحوذ عليه؛ فهو ييأس من توبة نفسه وإن كان يعلم أنه إذا تاب غفر الله له، وهذا يغري كثيراً من الناس ) ([664]).

4_ أن الله يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل: قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( إن الله_عز وجل_يبسط يده بالليل؛ ليتوب مُسيء النهار ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ) ([665]).

5_ أن الله رتب الثواب الجزيل على التوبة: ووعد من تاب بالخير الكثير، وهذا ما سيتبين في المبحث الآتي_إن شاء الله تعالى_.


 المبحث الثالث: فضائل التوبة وأسرارها

للتوبة فضائل جمة، وأسرار بديعة، وفوائد متعددة، فمن ذلك مايلي([666]):

1_ التوبة سبب للفلاح: قال_تعالى_: [وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ] النور: 31.

قال أبو السعود رحمه الله :  ( تفوزون بذلك بسعادة الدارين ) ([667]).

2_ بالتوبة تكفر السيئات: فإذا تاب العبد توبة نصوحاً كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه.

قال_تعالى_: [قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ] الزمر: 53.

وقال: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ] التحريم: 8.

3_ بالتوبة تبدل السيئات حسنات: فإذا حسنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات، وذلك فضل من الله، وتكرم.

قال_تعالى_: [إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّ‍َٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا] الفرقان: 70.

قال ابن القيم رحمه الله في هذه الآية:  ( وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح، وهو حقيقة التوبة.

قال ابن عباس_رضي الله عنهما_:  ( ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بهذه الآية لما أنزلت، وفرحه بنزول: [إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١ لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ] الفتح: 1_2([668]).

4_ أن الله يحب التوبة والتوابين: فعبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها؛ فإنه_سبحانه_يحب التوابين، قال _تعالى_: [إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ] البقرة: 222.

5_ أن الله يفرح بتوبة التائبين: فللتوبة عنده_عز وجل_منزلة ليست لغيرها من الطاعات؛ ولهذا يفرح _سبحانه_ بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يُقَدَّر _كما مَثَّله النبي صلى الله عليه وسلم بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدَّويَّة المهلكة بعدما فقدها وأيس من أسباب الحياة_.

قال صلى الله عليه وسلم :  ( لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومةً، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله.

قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومةً، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده ) ([669]).

قال ابن القيم رحمه الله تعليقاً على هذا الحديث:  ( ولم يجئ هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيراً عظيماً في حال التائب وقلبِه، ومزيدُه لا يُعبَّر عنه.

وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد؛ فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية، فيصير حبيباً لله؛ فإن الله يحب التوابين، ويحب العبد المفتن التواب ) ([670]).


 الفصل الثالث

 مسائل في الدعاء


 المبحث الأول: مفهوم الدعاء، وفضائله

 أولاً: مفهوم الدعاء

1_ الدعاء في اللغة: الدعاء مصدر الفعل دعا، قال ابن منظور:  ( دعا الرجل دعوًا ودعاءً: ناداه، والاسم الدعوة، ودعوت فلانًا أي صِحْتُ به واستدعيته ) .([671])

2_ تعريف الدعاء في الشرع: أما في الشرع فقد عرف بعدة تعريفات منها:

أ_ هو الرغبة إلى الله _ عز وجل _ .([672])

ب_ وقال الخطابي  رحمه الله : ( ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه _ عز وجل _ العنايةَ، واستمدادُه إياه المعونة.

وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول، والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله _عز وجل_ وإضافة الجود والكرم إليه ) .([673])

ج_ وعرفه ابن القيم رحمه الله  بقوله:  ( هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه ) .([674])

د_ وعُرِّف بأنه: الابتهال إلى الله _ تعالى _ بالسؤال، والرغبة فيما عنده من الخير، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب، والنجاة من المرهوب.([675])

  
 ثانياً: فضائل الدعاء

للدعاء فضائل عظيمة، وثمرات جليلة، وأسرار بديعة منها:

1_  أن الدعاء طاعة لله وامتثال لأمره _عز وجل_: قال_تعالى_:[وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ](غافر:60)، وقال:[وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ] الأعراف:29.

فالداعي مطيع لله، مستجيب لأمره.

2_ السلامة من الكبر: قال_تعالى_:[وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ]غافر:60.

قال الإمام الشوكاني رحمه الله  في هذه الآية: ( والآية الكريمة دلت على أن الدعاء من العبادة؛ فإنه _سبحانه وتعالى_ أمر عباده أن يدعوه، ثم قال:[إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي].

فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة، وأن ترك دعاء الرب _سبحانه_ استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار.

وكيف يستكبر العبد عن دعاء من هو خالق له، ورازقه، وموجده من العدم، وخالق العالم أجمع، ورازقه، ومحييه، ومميته، ومثيبه، ومعاقبه؟!

فلا شك أن هذا الاستكبار طرف من الجنون، وشعبة من كفران النعم ) ([676]).

3_الدعاء عبادة: للآية السابقة، وكما جاء عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال:  ( الدعاء هو العبادة ) ([677]).

4_الدعاء أكرم شيء على الله: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال:  ( ليس شيء أكرم على الله _عز وجل_ من الدعاء ) ([678]).

5_ الدعاء محبوب لله _عز وجل_: فعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا:  ( سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يُسأل ) ([679]).

6_الدعاء سبب لانشراح الصدر: ففيه تفريج الهم، وزوال الغم، وتيسير الأمور.

7_الدعاء سبب لدفع غضب الله: فمن لم يسألِ الله يغضبْ عليه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( من لم يسأل الله يغضبْ عليه ) .([680])

8_ ثمرة الدعاء مضمونة _بإذن الله_: فإذا أتى الداعي بشرائط الإجابة فإنه سيحصل على الخير،وسينال نصيبًا وافرًا من ثمرات الدعاء ولا بد.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: ( ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من سوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ) .([681])

ففي ذلك دليل على أن دعاء المسلم لا يهمل، بل يعطى ما سأله، إما معجلاً، وإما مؤجلاً، تفضلاً من الله_جل وعلا_.([682])

قال ابن حجر رحمه الله : ( كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة؛ فتارة تقع بعين ما دعا بِهِ، وتارة بعِوَضِهِ ) .([683])

9_ الدعاء سبب لدفع البلاء قبل نزوله: قال_عليه الصلاة والسلام_: ( ولا يرد القدر إلا الدعاء )  ([684])

قال الشوكاني رحمه الله  عن هذا الحديث:  ( فيه دليل على أنه _سبحانه_ يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد، وقد وردت بهذا أحاديث كثيرة ) .([685])

وقال:  ( والحاصل أن الدعاء من قدر الله _ عزَّ وجلَّ _ فقد يقضي على عبده قضاءً مقيدًا بأن لا يدعوه، فإذا دعاه اندفع عنه ) .([686])

10_ الدعاء سبب لرفع البلاء بعد نزوله: قال صلى الله عليه وسلم :  ( من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئًا يعطى _ أحبَّ إليه من أن يسأل العافية، إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل؛ فعليكم عباد الله بالدعاء ) .([687])

ولهذا يجدر بالعبد إذا وجد من نفسه النشاط إلى الدعاء والإقبال عليه أن يستكثر منه؛ فإنه مجاب، وتقضى حاجته بفضل الله، ورحمته، فإنَّ فَتْحَ أبواب الرحمة دليل على إجابة الدعاء.([688])

وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ) .([689])

ومعنى يعتلجان: أي يتصارعان، ويتدافعان.

11_ الدعاء يفتح للعبد باب المناجاة ولذائذها: فقد يقوم العبد لمناجاة ربه، وإنزال حاجاته ببابه _ فَيُفْتَح على قلبه حال السؤال والدعاء من محبة الله، ومعرفته، والذل والخضوع له، والتملق بين يديه _ ما ينسيه حاجته، ويكون ما فتح له من ذلك أحبَّ إليه من حاجته، بحيث يحب أن تدوم له تلك الحال، وتكون آثر عنده من حاجته، ويكون فرحه بها أعظمَ من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاته تلك الحال.([690])


 المبحث الثاني: شروط الدعاء

للدعاء شروط عديدة لا بد من توفرها؛ كي يكون الدعاء مستجابًا مقبولاً عند الله، ومن تلك الشروط ما يلي:

1_  أن يكون الداعي عالمًا بأن الله _ وحده _ هو القادر على إجابة دعائه: فلا يجلب له النفع إلا الله، ولا يكشف عنه السوء إلا هو، قال _ تعالى _ :[أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ]النمل: 62 .

وهذا هو التوحيد العلمي الاعتقادي _ توحيد الربوبية _.

2_  ألا يدعو إلا الله: فلا يجوز له أن يسأل إلا الله، أو أن يدعو غيره معه؛ لأن هذا شرك بالله _ عز وجل _، قال _ تعالى _:[وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا]الجن: 18.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس _ رضي الله عنهما _: ( وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله )  ([691]).

3_ تجنب الاستعجال: وذلك بألا يستعجل العبد الإجابة إذا دعا، وألا يستبطئ الإجابة إذا تأخرت؛ فإن الاستعجال من الآفات التي تمنع أثر الدعاء.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي )  ([692]).

قال ابن القيم رحمه الله : ( ومن الآفات التي تمنع أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسر، ويدع الدعاء.

وهو بمنزلة من بذر بذرًا، أو غرس غرسًا، فجعل يتعاهده، ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله ) .([693])

4_ الدعاء بالخير: فحتى يكون الدعاء مقبولاً عند الله _ فلا بد أن يكون في الخير بعيدًا عن الإثم وقطيعة الرحم، قال صلى الله عليه وسلم :  ( يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ) .([694])

5_ حسن الظن بالله _ عز وجل _: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ) .([695])

وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل وفاته بثلاث: ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله _ عز وجل _ ) .([696])

وقال صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله _ عز وجل _: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني ) .([697])

قال الإمام الشوكاني رحمه الله  في قوله _ تعالى _ في الحديث القدسي: ( أنا عند ظن عبدي بي ) :  ( فيه ترغيب من الله لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه يعاملهم على حسابها؛ فمن ظن به خيرًا أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تَفَضُّلاته، ونثر عليه محاسن كراماته، وسوابغ عطياته.

ومن لم يكن في ظنه هكذا لم يكن الله _ تعالى _ له هكذا.

وهذا هو معنى كونه _ سبحانه وتعالى _ عند ظن عبده؛ فعلى العبد أن يكون حسن الظن بربه في جميع حالاته، ويستعين على تحصيل ذلك باستحضاره ما ورد من الأدلة الدالة على سعة رحمة الله _ سبحانه وتعالى _ ) .([698])

6_ حضور القلب: فينبغي للداعي أن يكون حاضر القلب، متفهمًا لما يقول، مستشعرًا عظمة من يدعوه؛ إذ لا يليق بالعبد الذليل أن يخاطب ربه ومولاه بكلام لا يعيه هذا الداعي، وبِجُمَلٍ قد اعتاد تكرارها دون فهم لفحواها، أو أن تجري على لسانه _ هكذا _ على سبيل العادة.

قال _ عليه الصلاة والسلام _: ( واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب لاهٍ ) .([699])


 المبحث الثالث: آداب الدعاء

هناك آداب يحسن توافرها: كي يكون الدعاء كاملاً، ومنها الثناءُ على الله قبل الدعـاء، والصلاة ُعلى النبي صلى الله عليه وسلم  والإقرارُ بالذنب، والاعترافُ بالخطيئة، والتضرعُ، والخشوعُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والجزمُ في الدعاءِ، والعزمُ في المسألة، والإلحاحُ بالدعاء، والدعاءُ في كل الأحوال، والدعاءُ ثلاثاً، واستقبالُ القبلة، ورفعُ الأيدي، والسواكُ، والوضوءُ، واختيارُ الاسم المناسبِ أو الصفةِ المناسبةِ كأن يقول: يا رحمن ارحمني، برحمتك أستغيث.

ومن آداب الدعاء: خفضُ الصوتِ، وأن يتخير الداعي جوامعَ الدعاء، ومحاسنَ الكلامِ، وأن يتجنب التكلفَ، والسَجْعَ، وأن يبدأ الداعي بنفسه، وأن يدعو لإخوانه المسلمين.

ومن الأسباب _ أيضاً _: الإخلاص لله حالَ الدعاء، وقُوةُ الرجاء، وشدةُ التحرّي، وانتظارُ الفَرَجِ، والتوبةُ، وردُّ المظالمِ، والسلامةُ من الغفلة، وكثرةُ الأعمالِ الصالحةِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكر، والتقربُ إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وبِرُّ الوالدين، واغتنامُ الفُرصِ، وذلك بتحري أوقات الإجابة، واغتنامُ الأحوال، والأوضاع، والأماكن التي هي مظانُّ إجابة الدعاء.

هذه بعض آداب الدعاء على سبيل الإجمال، والأدلة على ذلك مبسوطة في الكتاب والسنة، والمجال لا يتسع للتفصيل؛ فالإتيان بشروط الدعاء وآدابه من أعظم الأسباب الجالبة لإجابة الدعاء([700]).



 الباب السادس

 النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري

 في الإسلام


 الفصل الأول

 النظام السياسي في الإسلام



 المبحث الأول: في مفهوم النظام السياسي في الإسلام

الوقوف على معنى النظام السياسي في الإسلام يحتاج إلى معرفة كلمة النظام والسياسة باعتبار إفرادهما، ثم باعتبار تركيبهما وإضافتهما إلى الإسلام، وهذا ما سيتبين من خلال ما يلي:

أولاً: معنى كلمة (النظام) في اللغة: النظام اسمُ مصدرِ الفعل نَظَم ينظم،  والمصدر نظماً، واسم المصدر نظاماً.

ويطلق النظم على الجمع والضم، يقال: نظمت اللؤلؤ: أي جمعته في السلك.

وكل شيء قرنته بآخر، أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته.

والنظام: ما نظمت فيه الشيء من خيط وغيره.

ونظام كل أمر: مِلاكه، والجمع أنظمة، وأناظيم، ونظم.

والانتظام: الاتساق. ([701])

وقد أُطلقت لفظة النظام على الأحكام التي تنتظم في موضوع واحد هي ملاك هذا الموضوع؛ فكأنها حبات لؤلؤ نظمت بخيط واحد. ([702])

ثانياً: معنى كلمة (السياسي) في اللغة: السياسي نسبة إلى السياسة، وهي مصدر الفعل ساس يسوس.

والسياسة والسَّوس: الرياسة، والطبيعة، والجبلة.

والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه.

يقال: ساسوهم سوساً، وإذا رأَّسوا أحداً قيل: سوَّسوه، وأساسوه، وساس الأمر سياسة: قام به، وسوَّسه القوم: جعلوه يسوسهم.

ويقال: سوَّس فلانٌ أمرَ بني فلان: أي كُلِّف سياستهم. ([703])

وفي الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه  أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي ) .([704])

قال ابن الأثير رحمه الله :  ( تسوسهم الأنبياء: تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية ) .([705])

ثالثاً: معنى النظام السياسي: تطلق كلمتي النظام السياسي باعتبار التركيب على عدة إطلاقات باعتبارات:

1. فتطلق على كل ما يتعلق بسياسة الدولة، ونظام الحكم فيها.

2. وتطلق على جانب الحكم فيها على اعتبار أن نظام الحكم يشمل النظام السياسي، والنظام الإداري، والنظام المالي، والنظام القضائي.

3. وتتناول ألواناً أخرى من النظم، والأحكام، والقوانين التي لا يمكن أن يُتَصَوَّر نظام الحكم إلا بها. ([706])

رابعاً: مفهوم النظام السياسي في الإسلام: لقد عني الإسلام بالسياسة ونظامها؛ بمعنى تدبير شؤون الأمة، ورعاية مصالحها لا بمعنى الختل، والتضليل، والخداع، والمناورة؛ فموضوع السياسة في الإسلام تدبير الأمة، وتصريفها على الوجه الأصلح الذي جاءت به الشريعة الإسلامية، وهو ما يعرف بالسياسة الشرعية؛ فهي مفهومٌ وممارسةٌ تربط بين السياسة وهي القيام على الأمر بما يصلحه، وبين الشرعية وهي تطبيق أحكام الشرع فيما ورد فيه نص، ومراعاةُ مطلق المصلحة فيما لا نص فيه.

وبهذا المفهوم تُعَرَّف السياسة الشرعية بأنها: تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح، ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة، وأصولها الكلية.

ولا ريب أن مفهوم علم النظام السياسي الإسلامي جزء من السياسة الشرعية، وهو معرفة نظام الحكم، وكيفية اختيار الحاكم، وحقوقه، وواجباته، وحقوق المحكوم، وواجباته، والعلاقة بين الحاكم، والمحكوم، والعلاقة بين الدول في حالتي السلم  والحرب وفق الشريعة([707]).


 المبحث الثاني: خصائص النظام السياسي للشريعة الإسلامية

الإسلام دين الفطرة، ودين السلامِ، والأمانِ، وللشريعة الإسلامية خصائص تمتاز بها عن غيرها.

والنظام السياسي في الإسلام أحد مفردات منظومة دين الإسلام، وله خصائص خالدة تبرز دوره، وتميزه عن غيره من الأنظمة السياسية الأخرى.

ومن أهم تلك الخصائص ما يلي:

1. الربانية: وتتمثل الربانية في نظام الإسلام السياسي في ربانية المصدر، وربانية الوجهة.

أما ربانية المصدر فتتمثل في كونه من عند اللهِ، والله _عز وجل_ أعلم بما يصلح عباده، قال _تعالى_: [أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ] الملك: 14.

ولهذه الخصيصة ثمار عديدة منها: العصمة من التناقض، والبراءة من التحيُّز والظلمِ، والميلِ لمصلحة طائفة من البشر، أو بلد دون آخر.

ومنها: التحرر من عبودية الإنسان في الوقت الذي انحرفت فيه الأنظمة السياسية الوضعية بتذليل الأتباع للمتبوعين، وانحرفت في جانب آخر من جوانب العبودية من جهة أن السادة قد يُحَرِّمون على أتباعهم ما يشاؤون، ويحللون لهم ما يشاؤون.

وأما ربانية الوجهة فتتمثل في ابتغاء الإنسانِ بعمله وجهَ الله _عز وجل_ فالمسلم  هو الذي تكون أعماله لله _سبحانه_ كما قال _عز وجل_: [قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ] الأنعام: 162 .

هكذا يعلق الإنسان المؤمن توجهه لله _سبحانه_ في جميع أموره، ومن جملتها منهجه السياسي الذي يسير عليه.

والعمل بالنظام السياسي الإسلامي أمر يُتعبد الله به، فالسياسي المسلم الذي يسير على شرع الله مخلصاً في نيته لله _ مأجور عند الله _عز وجل_ على عمله، قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله )  وذكر منهم:  ( الإمام العادل ) ([708]).

وفي مقابل ذلك فإن من أعرض في سياسته عن الحكم بما أنزل الله فإنه معرض للعقوبة من الله _سبحانه_ قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يُحِطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة ) .([709])

2. الشمول: قال الله _عز وجل_: (مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ) الأنعام: 38.

فالنظام السياسي في الإسلام لم يأت قاصراً على ما يهم الحاكم، أو على ما يهم المحكوم، بل جاء شاملاً لكل ما يحتاجه النظام من بيان لواجبات الحاكم وحقوقه، وواجبات المحكوم وحقوقه.

وجاء بما ينظم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الأمم والشعوب المسلمة وغير المسلمة.

ثم إنه شامل لحل جميع المشكلات؛ لاشتمال شريعة الإسلام وأصولها على أحكام ما لا يتناهى من الوقائع.

ومما يدل على ذلك الشمول، قول الله _سبحانه_: [وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ] النحل: 89 .

قال ابن الجوزي رحمه الله : في تفسير هذه الآية:  ( لكل شيء من أمور الدين، إما بالنص عليه، أو بالإحالة على ما يوجب العلم مثل بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم  وإجماع المسلمين ) .([710])

3. العالمية: فالنظام السياسي في الإسلام له صفة العالمية؛ لأنه منزل لجميع الناس على حدٍّ سواء صالح لكل زمان، ومكان، وأمة، وحال؛ فشريعته أحكم ما تساس به الأمة، وأصلح ما يقضى به عند التباس المصالح، أو التنازع في الحقوق؛ فعالمية الزمان تعني أنه صالح إلى قيام الساعة، وعالمية المكان تعني أنه صالح لأي جزء من أجزاء المعمورة، ولجميع الناس على اختلاف أجناسهم، ولغاتهم، وأحوالهم.

ولقد تظاهرت النصوص الشرعية في بيان ذلك، منها قول الله _عز  وجل_: [قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا] الأعراف: 158 .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم  مبيناً عن بعض مااختصه الله به، قال:  ( وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ) .([711])

ولا غرو في ذلك فالإسلام هو آخر الأديان، ولا دين بعده؛ فلا بد أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، ولجميع الأمم، ولكافة الأحوال من حرب وسلم، وقوة وضعف، وغنى  وفقر، ونحو ذلك.

4. الوسطية: فالإسلام وسط في عقيدته، وشريعته بين الغلو والتقصير.

وهو كذلك وسط في أنظمته، ومن جملتها النظام السياسي؛ فلا هو نظام ديكتاتوري مُفْرِط، ولا نظام ديموقراطي مُفَرِّط.

ولقد وصف الله هذه الأمة بالوسطية، وقال: [وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ] البقرة: 143 .

والوسط: هو الخيار، والعدل، والأجود.

ومن أجلى مظاهر ملائمة النظام السياسي الإسلامي للمطالب البشرية تميزه بالتوازن والوسطية، فالثبات فيما يجب أن يبقى ويَخْلُد، والمرونة فيما ينبغي أن يتغير ويتطور.

5. الواقعية وملائمة الفطرة: فالنظام السياسي يتسم بهذه الخصيصة؛ فهو ممكن التطبيق، والتحقيق في الحياة الإنسانية؛ لأنه ليس بعيداً عن الحقائق وأمور الحياة، فهو ليس نظاماً مغرقاً في الخيال والمثالية التي ليس له حقيقة إلا في التصور الذهني فحسب.

وإنما هو نظام يُشَرِّعُ للناس كما هم في عالم الواقع؛ فهو يراعي طبيعة البشر، ولا يتعامل معهم تعاملاً جامداً مجرداً.

ومن هنا فالنظام السياسي الإسلامي يفوق في واقعيته النظم السياسية التي وضعها أفلاطون وأرسطو وأفلوطين وغيرهم من الفلاسفة الذي حلقوا في عالم الخيال، ولم يراعوا الواقع وطبيعة الناس؛ فجاءت تصوراتهم بعيدة عن الحقيقة والواقع؛ لأن النظم السياسية التي وضعوها قائمة على فروض عقلية مجردة، ولم تأت من النظر في واقع الحياة ومشكلاتها.

ومن أكبر مظاهر واقعية النظام السياسي في الإسلام أنه يتعامل مع هذه الحياة الواقعية بكل ما فيها من خير وشر، وما فيها من بشر من لحم ودم وأعصاب، وعقل ونفس وروح، يقول تعالى: [لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ] البقرة: 286.

وقوله: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ ١٤ ۞قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ] آل عمران: 14_15 .

هذه بعض النصوص القرآنية التي تقرر طبيعة الإنسان وضعفها، وتضع حدود المنهج الإسلامي للحياة، وهي تدل على الواقعية في هذا المنهج وانطباقها على واقعية الفطرة الإنسانية وحدود طاقاتها الموهوبة لها، وحدود الاستعدادات المهيأة للعمل والنشاط؛ بحيث لا تكبت طاقة  واحدة، ولا تكف عن العمل، لا تكلف النفس بما ليس من وسعها ولا من فطرتها التي فطرها الله _تعالى_ عليها. ([712])


 المبحث الثالث: الشريعة الإسلامية والأنظمة البشرية

مرَّ بنا في المبحث الماضي ذكرُ بعضِ الخصائص التي اختصت بها الشريعة الإسلامية ونظامها السياسي.

ويكفي في تميز الشريعة الإسلامية عن غيرها من الأنظمة البشرية أن الشريعة الإسلامية جاءت من لدن رب البشر الذي خلقهم، ويعلم ما يصلحهم.

بخلاف الأنظمة البشرية التي يعتريها ما يعتريها من الهوى، والغفلة، والجهل، والنقص وما إلى ذلك.

والحديث عن تميز الشريعة الإسلامية عن غيرها لا يحتاج إلى إطالة، وكثرة استدلال؛ إذ هو واضح لكل عاقل منصف، ولو استرسل الحديث في ذكر أوجه التفاضل والتميز للشريعة الإسلامية عن غيرها لطال الكلام، ولكن المقام لا يسمح بذلك.

وإنما سيكون ذكر لبعض المقارنة بين النموذج السياسي الإسلامي وغيره، وذلك من خلال ما يلي:

1. أن العلاقة في الإسلام بين الحاكم والمحكوم مباشرة، لا تعرف الوسيط، ولا يفصل بين الاثنين أية عقبة اجتماعية أو نظامية.

2. العلاقة السياسية تنبع من مفهوم العلاقة الدينية، وتُحَدَّد بها؛ فعلاقة المسلم بكتاب الله وسنة رسوله وتعاليمها هي التي تحدد روابط العلاقة السياسية.

3. أن تلك العلاقة مشتركة؛ فكل مسلم مطالب بالدعوة إلى الله، ونشر الإسلام بالوسائل المشروعة حسب استطاعته، والدولة تفعل ذلك.

4. أن هذه العلاقة مطلقة غير مقيدة بفئة ولا طبقة، والتمييز بين الحاكم والمحكوم هو تمييز وظيفي.

5. أن العلاقة السياسية في الإسلام ظلت تمتاز بالبساطة، فلم تعرف المثالية المجردة التي عرفها النموذج اليوناني، ولا التركيب النظامي الذي عرفه النموذجان: الروماني والكاثوليكي، ولا الاستيعاب المطلق الذي سيطر على النموذج القومي([713]).


 المبحث الرابع: النظام القضائي في الإسلام

أولاً: مفهوم القضاء: أ. تعريف القضاء في اللغة: القضاء في اللغة مصدر الفعل قضى يقضي قضاءً.

قال ابن فارس في مادة (قضى):  ( القاف والضاد، والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر، وإتقانه، وإنفاذه لجهته ) .([714])

والقضاء هو الحكم، والصنع، والحتم، والبيان.

وأصله: القطع، والفصل، وقضاء الشيء، وإحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه([715]).

ب. تعريف القضاء في الاصطلاح الشرعي: هو تبيُّن الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات. ([716])

ثانياً: مكانة القضاء وأهميته: للقضاء مكانة عظيمة، وأهمية بالغة؛ فهو من ضروريات الحكم، ومن أعظم الأسس والقواعد التي تقوم عليها أي دولة؛ فمصلحة الأمة تقضي بوجوده، والعناية به.

ولو عُدِمَ القضاءُ لاختل الاجتماع، ولاضطربت الأمور، وضاعت الحقوق، وعمت الفوضى.

ولأهمية القضاء عُني الإسلام به أعظم عناية، وعَدَّه من أعظم الولايات، ووضع لمن يتولاه شروطاً خاصة تضمن تحقيق أهداف سلطة القضاء.

ولقد أجمع الصحابة _رضي الله عنهم_ على إقامة القضاء بين الناس، وباشروه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم  ومن بعده.

بل لقد كانت السلطة القضائية في صدر الإسلام في يد الخلفاء.

يقول ابن خلدون رحمه الله :  ( كان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرون القضاء بأنفسهم، ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم.

وأول من دفعه إلى غيره، وفوَّضه فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وإنما كانوا يولون القضاء لغيرهم، وإن كان مما يتعلق بهم؛ لقيامهم بالسياسة العامة، وكثرة أشغالها ) ([717]).

ولما للقضاء من شأن خطير وردت الأحاديث فيه ترغيباً وترهيباً، فقد رغَّب الرسول صلى الله عليه وسلم  فيه؛ لما يترتب عليه من المصالح العظيمة ومن أهمها تحقيق العدل.

وزهَّد فيه لمن لا يستطيع تحمل تبعاته، وتقدير عواقبه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة؛ قاضٍ قضى بغير حق وهو يعلم ذلك فذلك في النار، وقاضٍ لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق فذلك في الجنة ) ([718]).

وقال _عليه الصلاة والسلام_:  ( إن الله مع القاضي ما لم يَجُرْ؛ فإذا جار تخلى عنه، وألزمه الشيطان ) ([719]).

هذا وقد نوَّه العلماء بالقضاء، قال السرخسي رحمه الله :  ( في القضاء بالحق إظهار العدل، وبالعدل قامت السماوات والأرض، ورفعُ الظلم، وهو ما يدعو إليه عقل كل عاقل، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإيصال الحق إلى المستحق، وأمر بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر.

ولأجله بعث الأنبياء والرسل _صلوات الله عليهم_ وبه اشتغل الخلفاء الراشدون _رضوان الله عليهم_ ) ([720]).

ولهذا تولى كثير من العلماء القضاء؛ فقاموا بالعدل، ونشروا لواءه.

وأحجم كثير منهم عن تولي القضاء؛ إكباراً لشأنه([721]).

ثالثاً: مقاصد القضاء: من خلال ما مضى تبين شيء من مقاصد القضاء، وفيما يلي إجمال لأهم تلك المقاصد:

1. الفصل في الخصومات بطريق الصلح، أو بالحكم القضائي الملزم.

2. استيفاء الحقوق ممن هي عليه، ودفعها إلى مستحقيها.

3. النظر في أموال اليتامى، والمجانين،  والسفهاء، والحَجْر على من يُرى الحجر عليه؛ لِسَفَهٍ أو نحوه.

4. مكافحة الفساد، ورد المفسدين بالحكم عليهم بالعقوبات الشرعية الزاجرة.

5. إقامة العدل، ونصرة المظلوم، وإحلال النظام.

6. تنفيذ الوصايا على شروط المُوْصِين حسب أحكام الشريعة.

7. النظر في الأوقاف، وتنميتُها، وحفظُها، وصرفُ ريعها للمستحقين.

8. تطبيق أحكام الشريعة فيما يتعلق بالزواج والطلاق، وما يستتبعهما من الولاية على من لا ولي لها، ونحو ذلك مما يسمى بالأحوال الشخصية.

9. النظر في قضايا الدماء، من قصاص، وجراحات،  ونحوها.

10. التأكد من أهلية الشهود، وإبدالهم بغيرهم إذا ثبت جرحهم.

فهذه مقاصد القضاء على سبيل الإجمال. ([722])

رابعاً: شروط القضاء: القضاء منصب خطير _كما مر_ ولذا اشترط العلماء فيمن يتولى القضاء شروطاً عديدة مستنبطة من الكتاب والسنة.

ومن أهم تلك الشروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، وأن يكون عدلاً، عفيفاً، ظاهر الأمانة، وأن يكون عالماً بالأحكام الشرعية المستقاة من الكتاب والسنة، وأن يكون ذا علم بالإجماع والقياس، وأن يكون سليم الحواس من السمع والنطق، والبصر؛ ليدرك الأشياء، ويفهمها.

وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، فيجب تولية الأمثل فالأمثل.

وأركان تلك الشروط التي يجب أن تتوافر في القاضي اثنان:

القوة والأمانة؛ لقوله _تعالى_: [يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ] مريم: 12 .

وقوله _عز وجل_: [يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ] ص: 26 .

فالقاضي يحتاج إلى تنفيذ ما يحكم به؛ فإذا لم يكن صاحب قوة تعطلت الأحكام، وضاعت الحقوق.

والقضاء يحتاج إلى الأمانة أكثر من غيره؛ فإذا لم يكن القاضي أميناً ذا خشية لله استحل المحرم؛ فأعطى الحقوق غير مستحقيها، أو منعها مستحقيها؛ لمجرد هوى أو دنيا. ([723])

خامساً: آداب القاضي: ذكر العلماء آداباً يحسن بالقضاة أن يتحلوا بها؛ ليكون قضاؤهم تاماً كاملاً مؤدياً للغرض من غير جلب ضرر، أو مفسدة؛ فمن ذلك ما يلي:

1_ أن يجمع القاضي بين الحزم والحلم؛ فيكون قوياً من غير عنف، ولَيِّناً من غير ضعف.

2_ أن يكون ذا أناة، وصبر وتثبت، وطولِ نفس.

3_ أن يكون ذا فطنة مستيقظة، بحيث لا يؤتى من غفلة، أو يخدع لِغِرَّة.

4_ أن يكون عفيفاً ورعاً زاهداً بعيداً عن المطامع.

5_ أن يكون صادق اللهجة، بعيداً عن المواربة.

6_ أن يكون ذا رأي ومشورة، واستخارة، وألا يكون غشوماً عسوفاً مستبداً.

7_ أن يكون بصيراً بالقضاء وآدابه، وبأحكام الحكام قبله؛ ليستفيد منها ما يتجدد من الوقائع.

8_ يستحب للقاضي إذا ولي بلداً أن يعرف عادات ذلك البلد، وأن يسأل عمن فيه من الفقهاء والفضلاء،  والعدول؛ ليعرف من خلالهم أحوال البلد، ويستعين بهم في الإصلاح ونحو ذلك.

9_ أن يخرج للناس في أعدل أحواله غير غضبان، أو متكدر، أو جائعٍ، أو مهموم بأمر يشغله، وألا يستسلم لما يعرض له من أحوال خاصة كالرضا، والغضب، والاستحسان، والاستهجان.

10_ أن يكون مستعيناً بالله، عظيم التوكل عليه، كثير السؤال والدعاء أن يوفقه الله للصواب، وأن يجنبه الخطأ والزلل.

11_ أن يصون نفسه عن مواطن الرِّيَب، وعن كل ما يسقط الهيبة والمروءة.

12_ أن يجمع بين التواضع، وعزة النفس.

13_ أن يعنى بملبسه ومجلسه بما يليق بحاله وزمانه دون تكلف أو تصنع.

14_ اتخاذ الديوان، والمحاضر، والتدقيق في المدونات.

هذه بعض آداب القاضي التي يستحب للقاضي أن يتمثلها، ويأخذ بها، وهناك تفصيلات كثيرة يطول ذكرها. ([724])

سادساً: أحوال الناس في القضاء: مر شيء من ذلك عند الحديث عن مكانة القضاء وأهميته، ويمكن إجمال أحوال الناس في القضاء فيما يلي:

1. من الناس من لا يجوز له الدخولُ في القضاء، وهو من لا يحسنه، ولم تجتمع فيه شروطه.

2. منهم من يجوز له ولا يجب عليه، وهو من كان من أهل العدالة، والاجتهاد، ويوجد غيره مثله.

3. ومنهم من يجب عليه أن يتولى القضاء، وهو من يصلح للقضاء، ولا يوجد غيره يقوم مقامه؛ فهذا يتعين عليه؛ لأن القضاء فرض كفاية؛ فإذا لم يوجد من يقوم به غيره تعين عليه كسائر فروض الكفايات. ([725])

سابعاً: استقلالية القضاء في الإسلام: لقد أكدت الشريعة الإسلامية استقلال القضاء والقاضي.

ويُعنى بذلك حصانة القضاء والقاضي، وحريته في اتخاذ الحكم، وتقرير الحق، ومنع التدخل في أحكامه، وابتعاده عن المؤثرات الخارجية، والسياسية، والشخصية.

وذلك لأن القاضي ملاذ المظلومين، وكهف المكروبين، ومُنْصِف المُحِقِّين، وقامع المبطلين الظالمين، فمهمته أن يعيد الحقوق إلى أربابها، وأن يحكم بالحق دون أي مؤثرات خاصة أو عامة.

قال الله _عز وجل_: [وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ] المائدة: 8 .

وقال _جل ثناؤه_: [وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ] المائدة: 49 .

وقال: [وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا] النساء: 105 .

وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يجوز للوالي أن يملي عليه إرادته إلا إذا تنكب القاضي عن طريق الحق، فيعزل بعد التحقق من أمره.

هذا وإن التاريخ الإسلامي منذ فجر الإسلام حافل بما يؤكد استقلالية القضاء، ونزاهة القضاة([726]).


 المبحث الخامس: الشورى في الإسلام

المطلب الأول: مفهوم الشورى

1. الشورى في اللغة: أصل هذه الكلمة الشين، والواو، والراء (شور).

قال ابن فارس رحمه الله :  ( الشين والواو والراء أصلان مُطّردان، الأول منهما: إبداء شيء وإظهاره، وعرضه، والآخر أخذ شيء ) .([727])

إلى أن قال رحمه الله :  ( قال بعض أهل اللغة: من هذا الباب شاورت فلاناً في أمري.

قال هو مشتق من شور العسل؛ فكأن المستشير يأخذ الرأي من غيره ) .([728])

فمعاني الشورى _إذاً_  تدور حول إبداء الشيء، وإظهاره، وعرضه، واستخراجه.

ووجه المناسبة من كون الشورى مشتقة من شور العسل ههنا أن المستشار بمثابة النحلة التي تطوف على أنواع العسل والثمار؛ لتتغذى منها.

ومشورته تكون بمثابة العسل الذي هو خلاصة الغذاء؛ فالمستشير يأخذ من المستشار رأيه، كما يفعل من يأخذ العسل من الخلية، فيصفيه، وينقيه من الشمع ومما يَعْلَقُ به. ([729])

2. الشورى في الاصطلاح: عرفت الشورى في الاصطلاح بعدة تعريفات.

ومما يمكن أن تعرف به أن يقال: الشورى استخراج الرأي من أهل الرأي، ومراجعة بعضهم بعضاً؛ رغبة في الوصول إلى الصواب في أي شأن من الشؤون([730]).

أو يقال: الشورى هي النظر في الأمور من أرباب الاختصاص؛ لاستجلاء المصلحة المقصودة شرعاً، وإقرارها. ([731])

وهذا يعني أن الشورى تتكون من طرفٍ يشير، وطرفٍ يسمع، ويتخلَّل ذلك تغليبٌ للرأي، وتبادلٌ لوجهات النظر في الشأن الذي ينظر فيه.

ويهدف من وراء هذا الحوار إلى الاستنارة بالآراء، والخروج برأي واحد قبل أن ينفرد أحد، فيتصرف برأيه وحده.

بل يقوم بالتصرف بعد التشاور في المسألة، وأخذ الرأي ممن عرفوا بالسداد.

وتكون الشورى _أيضاً_ خصوصاً في الشؤون العامة بالرجوع إلى آراء أهل الخبرة، من أفراد الأمة ممن لهم معرفة، وتجربة، أو من أهل الاختصاص بالأمر المرادِ التشاورُ فيه، كأن يكونوا أطباء إن كان طبيباً، أو عسكريين إن كان عسكرياً، وهكذا في كل شأن من الشؤون التي تحتاج إلى مشاورة؛ ذلك أن مجالات الشورى متعددة، ومتنوعة، وشاملة لجميع مجالات الحياة الإنسانية، سواء في الحكم، أو القضاء، أو الإرادة، أو البيت، أو الشؤون الخاصة([732]).

المطلب الثاني: الشورى في القرآن الكريم

ورد ذكر الشورى بمعناها العام المتعلق بنظام الحكم في الإسلام في آيتين من القرآن الكريم:

الأولى: في سورة الشورى، وهي مكية نزلت قبل الهجرةِ وقيامِ الدولة الإسلامية، قال تعالى: [وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ] الشورى: 38 .

يقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله  في تفسير هذه الآية الكريمة:  ( [وَأَمۡرُهُمۡ] الديني والدنيوي [شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ] أي لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعاً عن اجتماعهم، وتوالفهم، وتواددهم، وتحاببهم، فمن كمال عقولهم أنهم إذا أرادوا أمراً من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي  فيها اجتمعوا لها، وتشاوروا، وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء، أو غيرهما ) ([733]).

ويظهر لنا من هذه الآية الكريمة أن الله _سبحانه وتعالى_ ذكر الصفات الأساسية التي تميز المؤمنين ومدحهم لها، وذكر من ضمن هذه الصفات أن أمرهم شورى بينهم، وهذا يفيد أن الشورى من خصائص المسلمين التي يجب أن يتحلوا بها، سواء كانوا يشكلون جماعة لم تقم لهم دولة بعد كما كان حال المسلمين في مكة، أو كانوا يشكلون دولة قائمة بالفعل كما كانت الحال في المدينة بعد الهجرة.

ويرى بعض الباحثين من خلال تدبرهم للآية الآنفة أن الشورى وصف ملازم للمؤمنين كالصلاة، فإذا لم يُسمح للمسلم أن يترك الصلاة؛ فكذلك لا يسمح له بترك إقامة الشورى خاصة في الأمور المتعلقة بالمصالح العامة، ويتأكد ذلك بأن الله _عز وجل_ ذكر صفة الشورى بعد صفة الصلاة التي هي عماد الإسلام، وقبل صفة الزكاة، وهذا يدل على عظم شأن الشورى([734]).

الآية الثانية في سورة آل عمران، وهي مدنية، قال _تعالى_: [فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ]. آل عمران:159

تتضمن هذه الآية الكريمة أمراً من الله _عز وجل_ لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم  أن يستشير من معه من المؤمنين، فإذا كان الله _عز وجل_ يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم  بذلك، مع كمال عقله، وجزالة رأيه، ونزول الوحي عليه، ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبوا أو كرهوا، فكيف بغيره؟!.([735])

ويرد هذا الأمر الإلهي في سياق إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم  بالتودد إلى جماعة المسلمين بوصفه رئيساً للدولة الإسلامية، فقرنت الشورى هنا إلى جانب صفات الرحمة واللين، والابتعاد عن الفظاظة والغلظة، والعفو عن زلاتهم، والاستغفار لهم، وعليه فإن ظاهر الآية يرشد أنها جاءت تبين سلوكاً يجعل رئيس الدولة محبوباً مرغوباً لدى جماهير الناس. ([736])

إن الناظر في أمر القرآن الكريم بالشورى، والمتدبر للمنافع المترتبة عليها لا يشك في مدى أهميتها الكبيرة في النظام السياسي الإسلامي، ويمكن إيجاز تلك الأهمية في العناصر الآتية([737]):

1. ذكر مدح المؤمنين بالشورى بين ركنين عظيمين من أركان الإسلام وهما الصلاة والزكاة كما تقدم في الآية الأولى، وإيرادها بهذا السياق يدل على خطورتها البالغة وعظم شأنها.

2. أن الأمر إذا تم عن طريق المشاورة تقل فيه نسبة الخطأ، وتكثر الإصابة؛ فإن الحاكم مهما بلغ من رجاحة عقله وسعة اطلاعه، وكثرة تجاربه، فهو محدود بنقصه البشري الذي لا ينفك عنه.

3. أن الشورى في الحقيقة توزيع للمسؤولية، فلا تقع نتيجتها مهما كانت على كاهل واحد بعينه، بل يتقاسمها الجميع، فلا يتلاوم الناس ويتنافرون ويتشاجرون إن كانت نتيجتها على خلاف ما يريدون.

4. أن المجتمع الذي تطبق فيه الشورى على الطريقة الشرعية يشعر فيه الأفراد بالمسؤولية تجاه قضاياهم الدنيوية والدينية، ولا تجد ذلك المجتمع يعاني من قلة المسؤولية، أو انعدامها تجاه قضايا الأمة الخطيرة والمهمة.

5. أن الشورى وقاية للمجتمع من الاضطراب، وقلة الاستقرار؛ فهي تولد الثقة بين الحاكم والمحكوم، فتزول الأحقاد، ويذهب التدابر والتنازع؛ فالشورى صمام أمان وحاجز عن الفتن والقلاقل؛ لأنه من خلالها تُدرس المسائل والقضايا من أهل الحل والعقد والعلماء والخبراء، فإما أن يؤخذ بها، وإما أن ترد، وعلى كلا الحالين ترتاح النفوس، وتزول الضغائن، وبذلك يسود المجتمع الترابط والإخاء والمحبة والألفة والتراحم بين الحكام والمحكومين.

6. أن الواقع التاريخي شاهد على أن أسعد الأوقات التي مرت بها الأمة يوم طبقت شرع الله، وساد مبدأ الشورى في حياتها، كما أن أشقى الأوقات هي تلك التي نُحِّيت فيها الشورى، وانتشر الاستبداد الذي تولد عنه النزاعات والفتن([738]).

المطلب الثالث: نماذج تطبيقية للشورى في القرآن الكريم

ما ورد ذكره من النص على الشورى في الآيتين السابقتين ليس هو جميع ما ورد في شأن الشورى في القرآن الكريم.

يقال هذا لأن كثيراً ممن يكتب عن الشورى في القرآن الكريم لا يكاد يذكر إلا هاتين الآيتين، وما تنطويان عليه من أحكام، وأسرار.

ولا ريب أنهما نصٌّ في الموضوع، وأصلٌ فيه.

غير أن القرآن حافلٌ بتقرير الشورى في كثيرٍ من سوره وآياته.

ومن ذلك ما جاء في قصة بدء الخلق من المحاورة بين الرب _جل وعلا_ وملائكته، كما في قوله _تعالى_: [وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِ‍ُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ] البقرة .

فهذه المحاورة تنطوي على نوعٍ من المشاورة، مشاورة أريد لها أن تكون في بدء الخليقة؛ لتكون هدياً ملازماً لبني آدم منذ الخلق الأول؛ ولتكون كالاستشارة للملائكة، وتكريماً لهم؛ فيكون تعليماً في قالب تكريم، ولِيَسُنَّ الاستشارة في الأمور، ولتنبيه الملائكة على ما دقَّ وما خفي من حكمة الله.

فالشورى هي من أول السنن الاجتماعية التي سنَّها الله لخلقه؛ ليقتدوا بها، ويهتدوا بهداها([739]).

2_ الشورى عند إبراهيم _عليه السلام_: قال الله _تعالى_: [فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ] الصافات: 102 .

فالمسألة محسومة معزومة، ومع ذلك يستشير إبراهيم ولده: [يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ] فيجيب الولد: [يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ].

فهذه الآيات تبين لنا أنه لا يمنع العزم عن إنفاذ الرأي وظهور جوابه عن الاستشارة، ألا ترى أن إبراهيم _عليه السلام_ أُمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها؛ فَحَمَلَهُ حسن الأدب، وعلمه بموقعه في النفوس على الاستشارة فيه فقال لابنه: [يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ].

إن من يعتاد المشاورة حتى فيما هو واضح جلي لا يمكن أن يتنكبها فيما هو غامض خفي؛ فكون الشورى مسنونة ومحمودة ومفيدة في قضايا قطعية ومحسوسة إنما هو إيذان بمدى ضرورتها، ولزومها، وأولويتها فيما تتعدد فيه الوجوده والإشكالات، وتتضارب فيه الأنظار والاحتمالات([740]).

هذا وإن هناك نماذج تطبيقية أخرى للشورى في القرآن الكريم لا يتسع المقام لذكرها.

المطلب الرابع: كيفية الشورى في الإسلام

لم يأت نص في القرآن الكريم أو السنة النبوية يحدد لنا كيفية ممارسة الشورى وأسلوبها، وطريقة إجرائها.

كما لم يرد نَصٌّ يُلزم الأمة بعدد معين لأعضاء الشورى، أو كيف يعرفون؟ أو كيف يستشارون؟

وهذا كله دليل على المرونة التي اتَّسم بها الإسلام؛ فتكون الشورى حينئذ خاضعة للمصلحة الزمانية، والمكانية حسب أحوال المجتمعات.

وبهذا يعلم أن المهم أن تقوم حقيقة الشورى في المجتمع المسلم بأي وسيلة لا تعارض الشرع. ([741])

المطلب الخامس: بين الشورى والديموقراطية

اعتمد المسلمون الشورى أسلوباً في حياتهم وهي _كما مر_ استطلاع الرأي من ذوي العلم والخبرة والأمانة للتوصل إلى أقرب الأمور للحق.

ولم تكن الشورى في أمر ورد النص الشرعي فيه  ( إذ لا اجتهاد في مورد النص ) .

ولكن الشورى كانت في الأمور العامة في المجالات المختلفة، والشورى كذلك في الاجتهاد الشرعي من النصوص.

ولقد اعتمد الغرب  ( الديموقراطية )  أسلوباً في حياته، وهي مشتقة من كلمتي  ( demes )  ديموس، و  ( cratos )  كراتوس أي حكم الرعاع، ويقابلها كلمة الاستقراطية وهي حكم النبلاء، ثم استقر معناها السياسي في حكم الشعب وأصبحت تعني  ( الإرادة العامة للشعب هي أصل السلطة وأن الشعب صاحب السيادة ) .

واتخذت الديموقراطية بعد ممارسات طويلة أنماطاً مختلفة في الحكم ثم استقرت في الجهاز الرأسمالي التعددي الذي يهدف إلى حكم الشعب بنفسه عن طريق اختيار ممثليه وحكامه وممارسته لحرياته، وفي الحكم الاشتراكي في الحزب الواحد، وقد زال من أوروبا تقريباً وبقي في بلدين هما الصين وكوبا وهو في طريقه إلى الزوال.

والشورى تتفق مع الديموقراطية في أمور وتفترق في أمور؛ فما تتفقان فيه ما يلي:

1_ ترشيح رئيس الشعب، وانتخابه من الشعب.

2_ رفض جميع أشكال الحكم المطلق أو الاستبدادي أو القبلي أو الثيوقراطي _الحكم الكهنوتي_ لأن الإسلام ليس ديناً كهنوتياً، وليس فيه رجال دين، ولاهيئات دينية، ولكن علماء وفقهاء، وكل مسلم منتسب هو رجل دين.

3_ تعددية الأحزاب في الإسلام ضمن إطار الإسلام، وفي الديموقراطية ضمن أحكام الدساتير وتوجهات المواثيق.

4_ إقرار الملكية الفردية _ضمن تعاليم الإسلام لتحقيق مصلحة الجماعة_ في الشورى، أو ضمن أحكام الدستور ولمصلحة الجماعة في الديموقراطية.

5_ إعطاء الحريات العامة ولا سيما السياسية ضمن النظام العام.

6_ اختيار الشعب لممثليه في بيان الرأي.

وتفترقان فيما يلي:

1_ الشورى مستمدة من الوحي الإلهي؛ فمخالفته تعد معصية لمخالفتها الحكم الشرعي، بينما الديموقراطية تستمد أصولها من إقرار الناس والناس يخطئون ويصيبون.

2_ الشورى تكون في سلطة الشعب لا في سيادته؛ فالسيادة في الإسلام للشرع والسلطان للشعب في اختيار حكامه وممثليه، بينما تعتبر الديموقراطية السيادة والسطان للشعب معاً.

3_ الشورى تعتمد على تكوين المواطن وفق تعاليم الدين لا سيما الدين الإسلامي تربية تقوم على خشية الله ومراقبته، والنصح للحاكم، والصراحة في القول في حدود الأدب والحكمة؛ فهي علاقة أخلاقية بين الراعي والرعية.

4_ الدستور والمواثيق والقوانين والتشريعات في الشورى تكون مستمدة من الشرع _القرآن والسنة النبوية_ ولا تمنع الإجماع، وتعتمد اجتهادات المجتهدين من أصول الإسلام في المسائل التي تواجهها الأمة.

والديموقراطية تترك ذلك لرأي الناس دون الاعتماد على أسس ثابتة باعتبار أن الناس عرضة لتغير الرأي في الأسس بين الحين والحين.

5_ مفهوم الحريات في الإسلام يجب أن لا يخرج عن نطاق القيم العليا والأخلاق الإسلامية أي هي مقيدة بالأوامر والنواهي الربانية.

وفي الديموقراطية في ظل القيم التي يتفق عليها المجتمع.

6_ تحدد الشريعة السلطات في الشورى الإسلامية السلطان (أي السلطة التنفيذية) للشعب، وتعطي حق اختيار القوانين من اجتهادات الفقهاء للشعب إما مباشرة أو عن طريق ممثليه أو عن طريق الحاكم كما ورد في القاعدة الشرعية  ( رأي الإمام يرفع الخلاف ) ، والديموقراطية تعتبر الشعب مصدر السلطات.

هذا وإن الديموقراطية اتخذت أنماطاً مختلفة في التطبيق سواء في نمط النيابة الآمرة وهي التي تسمح للناخبين بمراقبة المنتخبين وعزلهم، أو في حق الاقتراع الشعبي وصياغة القوانين وعرضها على المجلس النيابي والتصويت عليه، أو في حق الاستفتاء الشعبي، أو الاعتراض الشعبي على القوانين مباشرة، أو من خلال النواب.

والإسلام لا يمنع أن تتطور أساليب الشورى في إطار الإسلام والحزم والضبط وتطبيق الأحكام الشرعية، والقناعة والتوصل إلى الرأي الأصوب.

ولا يمنع من اتباع النظم أو الطرق الحديثة التي أخذت بها الديموقراطية من انتخاب ممثلين للأمة، وتعيين مجلس من العلماء والوجهاء والخبراء والسياسيين والزعماء والقضاة وغيرهم، وتنفيذ رأي الإسلام في اختيار الحاكم وانتخابه، ووضع الدساتير والمواثيق ضمن إطاره العام.

وإذا كان هناك ثغرات وسلبيات فإنها تزال ويمنع الغش والخداع والتزييف والغوغائية، وشراء الأصوات والتلاعب بها، واستغفال الجماهير واستغلالها بالوعي الصحيح. ([742])

المطلب السادس: نماذج من تطبيق الشورى في السيرة النبوية

السيرة النبوية حافلة بالشورى وتطبيقاتها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  إذا مر به موقف يستدعي الاستشارة حاور أصحابه، واستخرج ما لديهم من آراء؛ استجابة لأمر ربه _جل وعلا_ بقوله: (وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ) آل عمران:159.

فقد أذن الله له بالاستشارة، وهو _عليه الصلاة والسلام_ غني عنها بما يأتيه من وحي السماء؛ تطييباً لنفوس أصحابه، وتقريراً لسنة المشاورة للأمة من بعده؛ إذ كان العرب من أشد الناس كراهةً للاستبداد، ونفوراً من الرئيس الذي لا يجعل لهم في تصريف الأمور العامة نصيباً من الرأي.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في قصة أسارى بدر، فقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس قال:  ( فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأبي بكر وعمر:  ( ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ ) .

فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار؛ فعسى الله أن يهديهم للإسلام.

فقال رسول الله:  ( ما ترى يا ابن الخطاب؟ ) .

قال عمر: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا؛ فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكني من فلان _نسيباً لعمر_ فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده.

فهويَ رسول الله ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت.

فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.

فقال رسول الله:  ( أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة )  _شجرة قريبة من نبي الله_ وأنزل الله عز وجل_:[مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧ لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ]  الأنفال: 67_70([743]).

ففي هذه الحادثة وغيرها يقرر النبي صلى الله عليه وسلم  في حواراته مبدأ الشورى؛ لما فيها من تقريب القلوب، وتخليص الحق من احتمالات الآراء، واستطلاع أفكار الرجال، ومعرفة مقاديرها؛ فإن الرأي يمثل لك عقل صاحبه كما تمثل لك المرآة صورة شخصه إذا استقبلها.

كما أن في استشاراته أصحابه زرعاً للثقة في نفوسهم، وأنه يراهم مَطْلَعَ الآراء السديدة، ومواطن الإخلاص.

وأي منزلة أرفع من منزلة قوم يَعرِضُ عليهم الأمرَ يستطلع آراءهم فيه، وهو الغني بما يأتيه من وحي السماء _ كما مر _ وبما رزقه الله من سمو الفكر وصفاء البصيرة؟

ولهذا صار أصحابه، وقادة الأمة الكبار من بعده يأخذون بسنة المشاورة؛ فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه  من العلم بالشريعة والخبرة بوجوه السياسة في منزلة عَلِيَّة.

ومع هذا كان لا يبرم حكماً في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من الصحابة([744]).

وهكذا كان عمر  رضي الله عنه  في الشورى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :  ( فكان عمر يشاور في الأمور لعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي موسى ولغيرهم، حتى كان يدخل ابن عباس معهم مع صغر سنه.

وهذا مما أمر الله به المؤمنين ومدحهم عليه بقوله: (وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ)   الشورى: 38.

ولهذا كان رأي عمر، وحكمه، وسياسته من أسدِّ الأمور، فما رؤي بعده مثله قط، ولا ظهر الإسلام وانتشر، وعزَّ كظهوره، وانتشاره، وعِزِّه في زمنه.

وهو الذي كسر كسرى، وقصر قيصر، والروم والفرس، وكان أميره الكبير على الجيش الشامي أبا عبيدة، وعلى الجيش العراقي سعد بن أبي وقاص، ولم يكن لأحدٍ _ بعد أبي بكر _ مثل خلفائه ونوابه وعماله وجنده وأهل شوراه ) ([745]).

وقد عقد الإمام البخاري رحمه الله  في صحيحه باباً عنوانه: (باب قوله _تعالى_: (وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ) و (وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ).

وقد قرر فيه مبدأ الشورى في حوارات النبي صلى الله عليه وسلم  والأئمة من بعده.

قال رحمه الله :  ( وشاور النبي صلى الله عليه وسلم  أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج فلما لبس لأْمته، وعزم قالوا: أقم، فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال:  ( لا ينبغي لنبي يلبس لأْمَتَهُ فيضعها حتى يحكم الله ) .

وشاور علياً وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين، ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله.

وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم  يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم .

ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) ؟.

فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تابعه بعدُ عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة؛ إذ كان عنده حكم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه ) .([746])

بل كان _عليه الصلاة والسلام_ يقبل المشورة إذا أبداه أحد فأصاب المرمى، حيث يؤخذ برأي ذلك المشير، ويُصار إليه.

والشواهد على ذلك من السيرة النبوية كثيرة، ومن أحسن ما يمثل هذا الأدب الجميل ما جاء في خبر مشورة الحباب بن المنذر رضي الله عنه  في غزوة بدر، ومما جاء في ذلك الخبر أن الله _عز وجل_ بعث السماء، فأصاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  والمسلمين ماءٌ لبَّدَ لهم الأرض، وأصاب قريشاً ماءٌ لم يقدروا أن يرتحلوا معه، ثم رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالمسلمين، وقال لهم:  ( سيروا على بركة الله؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين؛ فكأني أنظر إلى مصارع القوم ) .

ثم مضى يبادر قريشاً إلى الماء إذا جاء أدنى من ماء بدر نزل به.

فجاء الحباب بن المنذر بن الجموح أحد بني سلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟

أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

قال:  ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ) .

قال: يا رسول الله؛ فإن هذا ليس بمنزل؛ فانهض حتى نأتي أقرب قليب القوم، ثم نُغَوِّر ما سواه من القُلُب، ثم نبني حوضاً؛ فنملأه، ثم نقاتل، فنشرب، ولا يشربون.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( قد أشرت بالرأي ) .

ثم أمر بإنفاذه؛ فلم يجئ نصفُ الليل حتى تحولوا كما رأى الحباب، وامتلكوا مواقع الماء.([747])

ففي هذه القصة أدب نبوي عظيم من آداب الحوار؛ حيث استمع النبي صلى الله عليه وسلم  إلى مبادرة الحباب، وفيه أدب الحباب مع الوحي؛ حيث سأل هل هذا من قبيل الوحي والنص الذي لا اجتهاد معه؟

أو هو من قبيل الرأي القابل للأخذ، والرد، والمداولة؟

ولما تيقن الحباب أنه من قبيل الرأي أبدى رأيه بكل صراحة وأدب.

ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم  وجاهة رأي الحباب قَبِلَه، وعَدَلَ عما كان مقبلاً عليه.

وفي هذا رفعة لشأن الحباب، وإشادة برجاحة رأيه، ونفاذ بصيرته.


 الفصل الثاني

 النظام الاقتصادي في الإسلام



 المبحث الأول: مفهوم  الاقتصاد الإسلامي ومصادره

أولاً: تعريف الاقتصاد في اللغة: أصل هذه الكلمة مادة (قصد) يقصد قصداً.

والقصد يطلق على معانٍ منها: استقامة الطريق، والعدل، والسهولة، والقرب، والاعتدال، والتوسط، والوجهة([748]).

والاقتصاد قريب من القصد؛ فمن معانيه التوسط في الأشياء، والاعتدال فيها.

وهذا هو مضمون علم الاقتصاد وجوهره، وهو ما نصت عليه الآيات القرآنية في العديد من المواضع، كما في قول الله _تعالى_: (وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا) الفرقان: 67 .

وقوله _عز وجل_: (وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا) الإسراء: 29 .

وقوله _تعالى_: [وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ] الأعراف: 31.

كما أن هذا المعنى هو الذي استعمله العلماء _رحمهم الله_ في تعريفهم لمصطلح الاقتصاد؛ حيث أرادوا به التوسط والاعتدال بين الإسراف والتقتير([749]).

ثانياً: تعريف النظام الاقتصادي في الإسلام: لعل الأنسب في تعريف النظام الاقتصادي في الإسلام أن يقال: هو مجموعة الأحكام، والسياسات الشرعية التي يقوم عليها المالُ، وتَصَرُّفُ الإنسان فيه([750]).

ويقصد بمجموعة الأحكام: الحكم الشرعي، وهو ما نصَّ عليه الشارع.

والسياسات الشرعية: هي ما يفعله ولي الأمر، أو تسنُّه الدولة من نظم يُقصد بها تنظيم أحوال المجتمع، وتعاملهم فيه، وتكون غير معارضة للأحكام المنصوص عليها.

ويقصد بالمال: الذي له منفعة مقصودة مباحة، وله قيمة مادية بين الناس.

ومعنى تَصَرُّف الإنسان فيه: أي في المال، كإنفاقه، أو بيعه، ونحو ذلك من التصرفات المالية([751]).

ثالثاً: مصادر النظام الاقتصادي الإسلامي: يستمد النظام الاقتصادي الإسلامي قواعده من مصادر الدين الإسلامي، وهي:

1_ القرآن الكريم. 2_ السنة النبوية.

3_ الإجماع: وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم  بعد عصر النبوة على حكم شرعي([752]).

4_ القياس: وهو إلحاق فرع بأصل في الحكم لجامع بينهما([753]).

ومن أمثلة قياس الأوراق النقدية المتداولة الآن كالريالات، والجنيهات، والدولارات على العملة النقدية الموجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم  وهي الدينار الذهبي، والدرهم الفضي بجامع أن العلة واحدة، وهي التنمية.

5_ سد الذرائع: ويقصد بها منع الوسائل المباحة التي تؤدي إلى مفاسد([754]).

6_ العرف: وهو كل ما تعارف عليه الناس، وأَلِفُوه حتى أصبح شائعاً في مجرى حياتهم([755]).

فإذا كان العرف شائعاً بين أهله، ولم يخالف نصاً شرعياً فإنه يكون معتبراً إلا إذا صرح المتعاقدان على خلافه.

ومن الأمثلة على الأخذ بالعرف في الجانب الاقتصادي: نفقة الزوج على زوجته وأبنائه؛ حيث يرجع في تحديد مقدارها إلى العرف، قال الله _تعالى_: [وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ]البقرة: 233 ([756]).


المبحث الثاني: الأصول الاعتقادية للاقتصاد الإسلامي، وأهدافه، وخصائصه

 المطلب الأول: الأصول الاعتقادية للاقتصاد الإسلامي

لكل نظام اقتصادي أصوله وقواعده الفكرية التي يؤمن بها وينطلق منها في رسم أنظمته وسياساته الاقتصادية.

وإذا كان النظامان الرأسمالي والاشتراكي ينطلقان من قاعدة اعتقادية واحدة هي (المادية) أو (تقديس المال) فإن النظام الاقتصادي الإسلامي يختلف عنهما في الوجهة؛ حيث يقيم أصوله الفكرية على قاعدة أعظم وأهم، بل هي الأصل لكل جوانب الحياة، ألا وهي قاعدة الإيمان.

فالإيمان يمثل المنطلق الرئيس، والركيزة الأولى لكل جوانب الاقتصاد الإسلامي ومجالاته؛ فهو في حقيقته وجوهره فرع من فروع عقيدة الإيمان، ومهمته أن يحمي هذه العقيدة ويعمق جذورها، وينشر نورها، ويضع الصور العملية التي تعبر عنها، وتحقق أهدافها في واقع الحياة.

ولذا نجد أن الله _سبحانه وتعالى_ يوجه الخطاب في كتابه الكريم إلى الذين آمنوا، وذلك في سائر الأحكام الشرعية، ومنها أحكام المعاملات.

يقول _تعالى_ في آيات الربا: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ] البقرة: 278 .

فَوَجَّهَ الخطاب إلى عباده المؤمنين طالباً منهم تقواه، وذلك بتركهم الربا إن كانوا مؤمنين حقًّا، وفي آخر الآيات أعاد الأمر بتقواه، والتحذير من عقوبته في الدار الآخرة: [وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ] البقرة: 281  .

مما يعني أن الالتزام في أساسه التزام عقدي إيماني.

والمسلم حين يلتزم بهذه الأوامر والنواهي من إيتاء الزكاة، وبذل الصدقات، وترك الربا والغش...إلخ فإنه إنما يلتزم بها؛ لأنها من عند الله _عز وجل_ وهو يدرك في قرارة نفسه أنها خيرٌ له في عاجل أمره وآجله.

وارتباط الاقتصاد الإسلامي بالعقيدة يظهر في علاقته المباشرة بأركان الإيمان وخاصةً الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره([757]).

لأنه يؤمن بأن الله مطلع عليه في كل ما يأتي وما يذر، ويؤمن بأن الدنيا مزرعة الآخرة، وأنه مجازىً في الآخرة على كل عمل، ويؤمن بأنه لن يأتيه من الرزق إلا ما قدره الله له.

ومن هنا تراه يأخذ بالأسباب المشروعة، ويبذل جهده في تحصيل الرزق، راضياً بما قسم الله له، غير متسخط ولا جازع مما يصيبه من خسارة بعد فعل الأسباب.

 المطلب الثاني: أهداف الاقتصاد الإسلامي

يسعى النظام الاقتصادي إلى تحقّق عدة أهداف يمكن إبرازها في النقاط التالية:

أولاً: تحقيق حد الكفاية المعيشية:

 فالإسلام يهدف في نظامه الاقتصادي إلى توفير مستوى ملائم من المعيشة لكل إنسان، ولهذا فقد فرض الإسلام أموراً معينة كالزكاة لِتُسهم في تحقيق المعيشة للذين لا يقدرون على كفاية أنفسهم.

والتاريخ الإسلامي مليء بالشواهد التي تثبت أن الدولة الإسلامية كانت تنفق على الفقراء والمحتاجين، ولو كانوا غير مسلمين، وقد كان عمر بن الخطاب  رضي الله عنه  يقول لعماله على الزكاة:  ( إذا أعطيتموهم فأغنوا ) ([758]).

وليست الزكاة هي الوسيلة الوحيدة المسؤولة عن ضمان حد الكفاية في الاقتصاد الإسلامي، بل يعد من ذلك تدخل الدولة في سوق العمل؛ لإيجاد فرص العمل، والكسب للعاطلين، و إقرار الأجر العادل الذي يحقق الكفاية المعيشية للأجير، وتوجيه الموارد الاقتصادية وفقاً لاحتياجات المجتمع الحقيقية.

كل ذلك يعد من الوسائل التي تسهم في تحقيق حد الكفاية في الاقتصاد الإسلامي([759]).

ثانياً: الاستثمار _التوظيف_ الأمثل لكل الموارد الاقتصادية:

 يعد التوظيف الأمثل للموارد الاقتصادية من الأهداف الرئيسة للنظام الاقتصادي  الإسلامي، ويتحقق توظيف هذه الموارد في الاقتصاد الإسلامي من خلال عدة طرق أهمها ما يلي:

1_ توظيف الموارد الاقتصادية في إنتاج الطيبات من الرزق، والبعد عن إنتاج السلع أو الخدمات الضارة والمحرمة.

2_ العناية بإنتاج الضروريات والحاجات التي تسهم في حماية مقاصد الشريعة.

3_ إبعاد الموارد الاقتصادية عن إنتاج السلع والخدمات التي تتطلب إنفاقاً ذا طبيعة إسرافية([760]).

ثالثاً: تخفيف التفاوت الكبير في توزيع الثروة والدخل: فالإسلام ينكر التفاوت الصارخ في توزيع الدخل والثروة، وهو التوزيع غير العادل، الذي تستأثر فئة بالجزء الأكبر منه، مما يؤدي إلى الإضرار بالأغلبية الساحقة التي لا تستطيع ضمان تغطية حاجاتها الأساسية.

ولهذا لا يقر الغنى المطغي، أو تسلط الأقلية على مقدرات الجماعة _كما هو الحال في النظم الاقتصادية الوضعية_.

كما لا يقر الفقر المعدم، أو حرمان أحدٍ من وسائل المعيشة، بل يقاوم ذلك كله، ولا يقبله؛ فليس في نظام الاقتصاد الإسلامي أن يكون الظلمُ الاجتماعيُّ، أو إهمالُ حقِّ الفقراء والضعفاء، أو تكديس الثروة واكتنازها هو الغايةَ التي يسعى إليها عنصر المال، أو التوزيع في الإسلام، بل العكس هو الصحيح؛ إذ إن تخفيف التفاوت، وتقريب الفقراء من الأغنياء، ومنع تراكم الثروات المفرطة المولدة للاستبداد المضر بالأخلاق _ هدفٌ من أهداف الإسلام في مجال الاقتصاد [كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ] الحشر: 7 .

ولهذا فهو ينبذ اكتناز الأموال، والاحتكار، والربا، والقمار، والرشوة، والغش، وكل صور الاستغلال، والأنانية التي يكون الفقيرُ هو ضحيتَها.

ثم إن الإسلام يفرض الزكاة، والنفقات الواجبة، ويحث على الوصايا والأوقاف والصدقات التطوعية بما يحقق في النهاية توزيعاً عادلاً للدخل والثروة في المجتمع، ويرتقي بحال الفقير([761]).

رابعاً: تحقيق القوة المادية والدفاعية للأمة الإسلامية: فإذا كان النظام الاقتصادي في الإسلام يهدف إلى تحقيق حد الكفاية، والتصدي للفقر والفاقة _ فإن أهدافه لا تتوقف عند ذلك فحسب، وإنما تتجاوزه إلى هدف سام يتمثل في تحقيق القوة المادية والدفاعية للأمة الإسلامية بما يكفل لها الأمن والحماية، ويدرأ عنها العدو المتربص بها، والمستنزف لطاقتها الاقتصادية، يقول _تعالى_: [وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ] الأنفال: 60 ([762]).

 المطلب الثالث: خصائص الاقتصاد الإسلامي

للاقتصاد الإسلامي خصائص متعددة تميزه عن غيره من النظم الاقتصادية، أهمها على سبيل الإجمال ما يلي:

أولاً: يقوم الاقتصاد الإسلامي على أساس الاعتراف بالملكية المزدوجة، العامة _بما فيها الملكية الجماعية، وملكية الدولة، وبيت مال المسلمين_ والملكية الخاصة، ونظرته الخاصة للمال.

ثانياً: يقوم النشاط الاقتصادي في الإسلام على أساس الحرية الاقتصادية المُقيَّدة.

ثالثاً: ارتكاز الاقتصاد الإسلامي على أساس التكافل بين أفراد الأمة الإسلامية عامة.

رابعاً: الاقتصاد الإسلامي جزء من الشريعة الإسلامية _نظام الإسلام_.

خامساً: للنشاط الاقتصادي في الإسلام طابع تعبدي.

سادساً: للنشاط الاقتصادي في الإسلام هدف سامٍ يجمع بين الآخرة والأولى.

سابعاً: الرقابة على ممارسة النشاط الاقتصادي في الإسلام رقابة ذاتية في المقام الأول.

ثامناً:الاقتصاد الإسلامي لا يقول بالندرة ولا بالوفرة المطلقة، بل كل شيء بمقدار.

تاسعاً: الاقتصاد الإسلامي يحقق التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. ([763])


 المبحث الثالث: أسس الاقتصاد والتمويل الإسلامي

يرتكز الاقتصاد الإسلامي على عدة أسس وأصول وأركان، وهي كما يلي:

الأصل الأول: المال والملكية الاقتصادية: فتعد قضية المال والملكية من المعالم البارزة التي تميز نظاماً اقتصادياً عن غيره، وهي محور النشاط الاقتصادي في كل مجتمع؛ ولقد أقر الإسلام الملكية الفردية بكل صورها، ولم يضع لها حداً، بما في ذلك التصرف في الملكية، وطرق تنميتها، وحرية الانتفاع بها؛ فالإسلام يراعي غريزة التملك، وحب الاستئثار بالشيء.

قال الله _عز وجل_: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ] سورة آل عمران: 14.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :  ( يهرم ابن آدم، وتشيب معه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر ) ([764]).

ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية بإقرار التملك الفردي للإنسان، وحقه في التصرف ما دام أنه في الإطار الشرعي؛ رعاية للمصالح، واستجابة للغريزة التي أودعها الله فيه.

وهذا النظام الإسلامي يخالف النظام الرأسمالي الذي يعد الملكية الخاصة هي الأصل، وما عداها استثناء.

ويخالف النظام الاشتراكي الذي يعد الملكية العامة هي الأصل، ولا يعترف بالملكية الخاصة إلا في أضيق الحدود. ([765])

الأصل الثاني: الحرية الاقتصادية المقيدة: وتعني إعطاء الفرد الحرية في الاكتساب والتمتع بالطيبات، والقيام بجميع أوجه النشاط الاقتصادي ضمن دائرة الحلال والقيم والأخلاق الإسلامية.

هذا وقد وضع الإسلام قيوداً على الحرية الاقتصادية تعود آثارها الطيبة على الأفراد، والمجتمعات، فمن تلك القيود ما يلي:

1_ أن يكون النشاط الاقتصادي الذي يمارسه الأفراد مشروعاً نافعاً لهم ولمجتمعاتهم.

2_ تحريم إنتاج واستهلاك السلع، والخدمات الخبيثة المضرة بالإنسان، كما فيه قوله _تعالى_: [وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ] الأعراف: 157.

فحرية الإنتاج والاستهلاك تقع داخل دائرة الحلال.

أما السلع المحرمة، والخدمات الخبيثة فهي ممنوعة كالخمر، والمخدرات.

3_ تحريم طرق الكسب غير المشروع كالربا، والغرر، والغش بجميع صوره، كالرشوة، والتزوير([766]).

الأصل الثالث: التكافل الاجتماعي: ومعنى ذلك أن يتساند المجتمع أفراده وجماعته؛ بحيث لا تطغى مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة كما في الرأسمالية، ولا تذوب مصلحة الفرد في مصلحة الجماعة كما في الاشتراكية.

وإنما يبقى للفرد كيانه، وإبداعه، ومميزاته، وللجماعة هيئتها، وسيطرتها؛ فيعيش الأفراد في كفالة الجماعة، كما تكون الجماعة متلاقية في مصالح الأفراد، ودفع الضرر عنهم.

وهذا ما يقرره صريح القرآن، كما في قول الله _تعالى_: [وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ] المؤمنون: 52 .

وتؤيده الأحاديث النبوية الكثيرة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم :  ( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاَ )  وشبك بين أصابعه([767] وقوله صلى الله عليه وسلم :  ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ([768]).


 المبحث الرابع: الربا

أولاً: تعريف الربا: أ. تعريف الربا في اللغة: الربا مصدر ربا يربو، ربواً، ورباً، يعني الزيادة، والنمو، والارتفاع([769]).

ب. تعريف الربا في الشرع: هو زيادة في أشياء ونسأ في أشياء جاء الشرع بتحريمها([770]).

ثانياً: أنواع الربا: ينقسم الربا إلى نوعين:

النوع الأول: ربا النسيئة وله صور:

1_ الزيادة في الدين مقابل الزيادة في الأجل: ومثال ذلك أن يطلب المدين من الدائن _صاحب الدين_ تمديد أجل الدين بعد حلوله، فيقبل الدائن ذلك بشرط الزيادة في مقدار الدين.

وهذا هو ربا الجاهلية؛ لأنه كان الغالب على تعاملاتهم، فكان أحدهم إذا جاءه المدين يطلب تأجيل الدين يقول له: إما أن تقضي، وإما أن تربي، أي: إما أن تقضي الدين الذي حلَّ عليك، أو تزيد في مقداره؛ لقاء تأجيله.

2_ الزيادة المشروطة: وذلك بأن يحدد الدائن للمدين موعداً معيناً لسداد الدين، ويشترط عليه في العقد زيادة معينة إذا لم يسدد في الموعد المحدد.

النوع الثاني: ربا الفضل: وهو بيع ربوي بمثله متفاضلاً حالاً أو مؤجلاً.

ويقع في الأعيان الربوية التي نص عليها النبي  صلى الله عليه وسلم  فعن عبادة بن الصامت  رضي الله عنه  أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:  ( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإن اختلفت الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ) ([771]).

ويقاس على هذه الأشياء المذكورة ما يشترك معها في عِلَّة الربا، ومثال ذلك: بيع خمسين جراماً ذهباً بسبعين جراماً ذهباً في الحال، أو بيع خمسين ريالاً بسبعين ريالاً حالاً([772]).

ثالثاً: علة الربا: نص النبي صلى الله عليه وسلم  على الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة المتقدم، ويقاس عليها ما شاركها في العلة، و العلة فيها كما يلي:

الذهب والفضة: العلة فيهما الثمنية؛ فهما أثمان للأشياء، فيقاس عليهما ما كان ثمناً كالأوراق النقدية المعروفة؛ حيث يجري فيها الربا؛ لكونها أثماناً قياساً على الذهب والفضة.

الأصناف الأربعة الأخرى: العلة فيها على الصحيح الطعمُ مع الكيل أو الوزن، فالأطعمة التي تكال أو توزن يجري فيها الربا قياساً على الأصناف الأربعة الواردة في حديث عبادة بن الصامت t ( البر، الشعير، التمر، الملح ).

رابعاً: ضوابط التعامل بالأجناس الربوية: التعامل بالأجناس الربوية لا يخلو من حالتين:

الحالة الأولى: بيع جنس ربوي بمثله كبيع ذهب بذهب مثلاً، فيشترط لجواز التعامل في هذه الحالة شرطين:

1_ التماثل في القدر بين الجنسين.

2_ التقابض في مجلس العقد: ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :  ( ... مِثلاً بِمثْل سواء بسواء يداً بيد.. ) .

الحالة الثانية: بيع جنس ربوي بجنس ربوي آخر، كبيع بر بتمر مثلاً، فيشترط لجواز التعامل في هذه الحالة التقابض في مجلس العقد، وتجوز الزيادة بينهما.

ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :  ( فإذا اختلفت _ أي الأجناس _ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ) .

خامساً: أدلة تحريم الربا: الربا محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقد قال تعالى: [ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥ يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ] البقرة.

وقال تعالى: [يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ] البقرة: 278.

وأما السنة: فعن جابر رضي الله عنه  قال: لعن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال هم سواء([773]).

وعن أبي هريرة  رضي الله عنه  عنه قال سمعت أبا القاسم يقول:  ( اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) ([774]).

وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على تحريم الربا([775]).

سادساً: الحكمة من تحريم الربا:

هناك حكم كثيرة لتحريم الربا، ومنها ما يلي:

1_ الابتعاد عن الظلم واكل أموال الناس بالباطل: قال تعالى [فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ] البقرة: 279.

2_ الربا طريق للكسل والبطالة: فالنفس البشرية تميل بطبعها إلى كثرة المال مع الراحة والدعة، والربا من أقوى العوامل المؤدية إلى الكسل، والخمول، وترك البحث عن الرزق والاكتساب وبذل الجهد في ذلك.

ولا شك أن هذا مذموم في هذه الشريعة المباركة التي جاءت بالحث على العمل والاكتساب، وقد كان من صفات الأنبياء _عليهم الصلاة والسلام_ حب العمل والحث عليه؛ حيث اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم  بالرعي، والتجارة فأكل من كسب يده.

3_ الربا يربي الإنسان على الجشع والطمع، ويهدم الأخلاق الفاضلة: ذلك أن المرابي يستغل حاجات أفراد المجتمع بتطويق أعناقهم بالديون مما يجعل المدين في موقف يصعب عليه التخلص من ربقة الديون،ويسد بالتالي أبواب الخير والتعاون على البر والتقوى، ويغلق باب القرض الحسن، كما يحمله على الشح والبخل المنهي عنه، فالربا إذاً يقضي على عوامل التكافل، والتعاون.

4_ الربا طريق إلى الجريمة، وتوجيه الأموال نحو الاستثمار الضار: ذلك أن المدين مطالب بتسديد ما عليه من مستحقات هي في الغالب باهظة لصاحب المال، لذلك فهو يلجأ إلى طريق سريع تخلصه من هذه الأعباء التي أحاطت به، وحيث إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم كما قال ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم  لذلك فغالبا ما يلجأ المدين إلى الحصول على المال بأي طريق كان، إما بالسرقة المترتب عليها زعزعة الأمن، واضطراب أحوال الناس، ومعايشهم، وعدم أمنهم على أموالهم، وإما بالاشتغال في المحرمات كالمخدرات، والمسكرات، وغيرها من الوسائل المحرمة، والتي يترتب عليها إفساد المجتمع بأفراده وجماعاته.

ولهذا جاءت هذه الشريعة المباركة بتحريم الربا والتحذير منه، وترتيب الوعيد الشديد على من تعامل به.

5_ للربا آثار نفسية وصحية مدمرة: ذلك أن المرابي يستعبده المال، فيسعى للوصول إليه دونما مبالاة باعتداء على المحرمات، أو تجاوز للحدود.

ويرى بعض الأطباء أن الاضطراب الاقتصادي الذي يولد الجشع الذي لا تتوافر أسبابه الممكنة_يسبب كثيراً من الأمراض التي تصيب القلب، فيكون من مظاهرها ضغط الدم المستمر، أو الذبحة الصدرية، أو الجلطة الدموية، أو النزيف في المخ، أو الموت المفاجىء.

وهذا ما يلاحظ أثناء وقوع الخسائر في الشركات، أو المساهمات.

ولقد قرر عميد الطب الباطني في مصر الدكتور عبدالعزيز إسماعيل في كتابه (الإسلام والطب) أن الربا هو السبب في كثرة أمراض القلب.

ثم إنه مزيل للترابط والتآخي والتكافل بين الناس، فأضراره على الأفراد والمجتمعات كثيرة جدًّا ([776]).

 المبحث الخامس: الاحتكار

أولاً: مفهوم الاحتكار: يعرف الاحتكار في اصطلاح الفقهاء بأنه: هو حبس الطعام أو غيره مما يحتاج إليه الناس بقصد إغلائه عليهم.

وهو ما يعرف في الاقتصاد الوضعي بالسيطرة على عرض أو طلب السلعة، بقصد تحقيق أقصى ربح ممكن، ومن باب التحكم بهذه السلعة لغرض غير إنساني([777]).

ثانياً: مساوئ الاحتكار: يمكن أن تجمل مساوئ الاحتكار بما يلي:

أ. ارتفاع أثمان السلع والخدمات.

ب. التحكم ولو بقدر يسير في أسعار المواد الخام والسلع المصنوعة.

ت. إبقاء النواحي الفنية على حالها لعدم وجود المنافسة العادلة.

ث. تحديد الإنتاج ونقص كمياته في كثير من الأحيان.

ج. أنه لا يشبع حاجات الأفراد بالقدر الكافي.

ح. العمل على إذلال الشعوب، والسيطرة عليهم بشتى الوسائل، حتى إن بعض المحتكرين؛ تحقيقاً لأهداف الاحتكار يلجأون إلى إتلاف فائض الإنتاج للإبقاء على الأسعار على المستوى المطلوب، أو تخزينها رغم ما يتحملونه من تكاليف باهظة للتخزين؛ للتحكم بأقوات الشعوب في عصر يسمى عصر العولمة.

أما من الجانب الآخر فربما يكون الاحتكار احتكار شراء _طلب_ فيتآمر المحتكرون على بخس أثمان المواد الخام التي تنتجها البلاد النامية بخاصة. ([778])

ثالثاً: حكم الاحتكار: تضافرت الأحاديث النبوية الشريفة على بيان حرمة الاحتكار، ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:  ( لا يحتكر إلا خاطئ )  وفي رواية:  ( من احتكر فهو خاطئ ) .([779])

ويعلق الشوكاني على أحاديث الاحتكار بقوله:  ( ولا شك أن الأحاديث تنهض بمجموعها للاستدلال على عدم جواز الاحتكار، والتصريح بأن المحتكر خاطئ كافٍ لإفادة عدم الجواز؛ لأن الخاطئ: المذنب العاصي ) . ([780])

رابعاً: الاحتكار المباح: يعدُّ من الاحتكار المباح ما يلي:

أ. ما يدخره الإنسان لقوته وقوت عياله، إلا في أوقات الأزمات؛ حيث يغالي الناس في خزن المواد الضرورية، مما يؤدي إلى اعتباره احتكاراً.

ب. ما يخزن؛ ليستهلك في وقت لاحق؛ لأن إنتاجه ربما يكون موسمياً، في حين أن استهلاكه يستمر طيلة أيام السنة مثل الحبوب، أو التمر.

ج. ما يدخل ضمن احتياطيات الدولة لمواجهة الطوارئ؛ وذلك لحماية المنتجين والمستهلكين، كالاحتياطي الاستراتيجي من الوقود والحبوب. ([781])


 الفصل الثالث

 النظام الاجتماعي في الإسلام


 المبحث الأول: مفهوم الاجتماع، والحياة الاجتماعية في الإسلام

 المطلب الأول: مفهوم الاجتماع، وما يتعلق به

يحسن قبل الدخول في بعض تفصيلات النظام الاجتماعي في الإسلام الوقوف على بعض المصطلحات التي تدور في ذلك الفلك، كالمجتمع، والجماعة، والأمة.

1. معنى الاجتماع: أصل مادة اجتماع (جمع)  من جمع الشيء عن تفرقه يجمعه جمعاً، وجَمَّعه، وأَجْمَعه فاجتمع، وكذلك وتَجَمَّع واستجمع.

والمجموع: الذي جمع من ههنا وههنا، وتَجَمَّع القوم: اجتمعوا من ههنا وههنا _كما يقول ابن منظور_([782]).

ويُلْحظ في هذا التعبير: استحضار نشأة المجتمعات([783]).

2. معنى المجتمع البشري: المجتمع البشري عبارة عن مجموعة من الناس مُكَوَّنة من أفراد([784]).

أو: هو عدد كبير من الأفراد المستقرين، تجمعهم روابطُ اجتماعيةٌ، ومصالحُ مشتركةٌ تصحبها أنظمة تضبط السلوك، وسلطةٌ ترعاها([785]).

3. معنى المجتمع الإسلامي: لا يبعد مفهوم المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات إلا بما فيه من خصائص وصفات سيأتي بيان لشيء منها.

وعلى هذا فيمكن تعريف المجتمع الإسلامي بأنه: خلائق مسلمون في أرضهم، مستقرون تجمعهم رابطة الإسلام، وتدار أمورهم في ضوء تشريعاته، وأحكامه، ويرعى شؤونهم ولاة أمر منهم([786]).

4. معنى الجماعة: الجماعة هي الطائفة من الناس يجمعها رابط فأكثر، كالقرابة، أو الجنس؛ فهي بهذا المفهوم جزء من مكونات المجتمع([787]).

5. تعريف الأمة: تطلق كلمة الأمة على عدة إطلاقات، فتطلق على الفترة الزمنية، وعلى الجماعة من الناس، وعلى الشريعة، وعلى غير ذلك.

وتطلق في الاصطلاح الاجتماعي على كل جماعة يجمعهم أمْرٌ ما، إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد سواء كان ذلك بغير إرادتهم كالجنس واللون، أو باختيارهم كالمعتقد والأرض([788]).

6. تعريف الأمة الإسلامية: يمكن أن تعرف الأمة الإسلامية في ضوء دلالة النصوص الشرعية بأنها: جماعات من الناس تجمعهم عقيدة الإسلام بغض النظر عن أي اعتبار.

ويشهد لهذا الإطلاق: القرآن الكريم، قال الله _عز وجل_: [وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ] المؤمنون: 52 .

وإذا تأمل الباحث في أحوال الدول عموماً رأى أنها _مع محاولاتها الجادة للانضواء تحت أمة واحدة_ لم تستطع ذلك.

وما زال الناس يسمعون بمصطلح الأمم الأوربية.

وكذلك الدول الإفريقية؛ فإنها على ما بينها من روابط تسمى الأمم الأفريقية.

على حين أنك لا تسمع بمصطلح الأمم الإسلامية، بل هي أمة مسلمة واحدة، برغم ما بين أفرادها من اختلاف في اللغة، والجنس، والأرض.

وهذا يعني أن أمة الإسلام تتكون من عدة مجتمعات لاعتبارات تفرض نفسها.

لكن التوافق بين المجتمعات الإسلامية ملحوظ؛ بسبب اتفاقهم على مرجعية عليا واحدة، وهي الإسلام([789]).

 المطلب الثاني: الحياة الاجتماعية في الإسلام

للشرائع السماوية مزية تقويم النفوس، وإنارة البصائر، وفتح طريق الحكمة.

ولا ريب أن نصيب الإسلام من هذه المزية أوفر وأجلى؛ فهو خير الأديان، وخاتمها، وأشملها، وأكملها؛ فلا غرو _إذاً_ ألا يغادر صغيرة ولا كبيرة من قضايا العقائد والسلوك، والتربية، والأخلاق، والأحكام، والاجتماع، والسياسة إلا وأحاط بها جملة وتفصيلاً.

والذي يعنينا ههنا ما كان من شأن الاجتماع الذي أعلى الإسلام مناره، فلبست به النفوس أدباً ضافياً، وأخذت به صورةً منتظمةً، وبَصُرَت العقول بحقائق كانت غامضة.

فبعد أن تكاملت هدايةُ الإسلام، وأخذت بالإصلاح من جميع أطرافه _ وضعت مكان الجهالة علماً، ومكان الأهواء الطاغية همماً سامية، ومكان الخسران فلاحاً وصلاحاً.

ولم يكتف الإسلام بإصلاح النفوس بالعقائد الصحيحة السليمة، وبتشريع العبادات التي تؤكد صلة العبد بربه.

بل زوَّد النفوس بالأخلاق الزاهرة، وأرسى قواعد الاجتماع على أحسن ما يكون؛ حيث نظر إلى أن الإنسان لم يخلق في عُزْلةٍ من الناس، وإنما خلق ليكون في جماعة تتعاون على القيام بمصالح الحياة، والأخذ بوسائل السعادة؛ فَعُني بحقوق ذوي القربى، فقرر النفقات، والمواريث في نظم محكمة، وحرص على إسعادهم بالبر بهم من طريق المروءة، ومكارم من الأخلاق، وحاط الزوجية بحقوق تجعل الزوجية في ألفة صادقة، وعيشة راضية، وأخذ بإصلاح رابطة أخرى هي رابطة الجوار، إلى غير ذلك مما يحفظ نظام الاجتماع من الاختلال([790]).

فمن أجل ذلك كانت دعوة الإسلام تخالف ما سبقها مخالفة بينة من جهة كونه ديناً عاماً؛ حيث استعد البشر إلى قبول دين عام، ومن جهة اتساع أصول دعوته فضلاً عن فروعها، ومن جهة اقتضاء العلم العمل، وامتزاج العقيدة فيه بالشريعة، وتلازمهما؛ فضبط للأمة نظامها الاجتماعي في تصاريف الحياة كلها، تكملةً للنظام الديني الذي هيأ الناس للاتحاد، والمعاشرة؛ فلما اكتملت للإسلام هذه الصفة عُلِم أنه الدين المراد لله _تعالى_ أن يكون دين البشر، وأن ما تقدم من الأديان كان تمهيداً، وتدرجاً إلى قمته.

قال الله _عز وجل_: [إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ] آل عمران: 19 .

وقال: [وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ] المائدة: 48 .

والحاصل أن الإسلام داعٍ إلى إصلاحِ البشر من جميع نواحي حياتهم، وإصلاحُ البشرِ يحصل بإصلاح أفراده، ثم بإصلاح مجموعه في حال اجتماعه؛ فالإصلاح الاجتماعي _إذاً_ هو من أسمى أغراض الإسلام؛ قال الله _عز وجل_: [وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا] الأعراف: 56 ([791]).

قال العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله :  ( ومن عجيب المناسبات وبديع تأييد الله _تعالى_ هذا الدين وتيسير أسباب ظهوره أن جعل لمدة ظهوره طورين عظيمين هما: طور إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم  بموطنه مكة _وهذا طور ما قبل الهجرة_ وطور ما بعد هجرته إلى يثرب.

وإن غَرَضَيْ التشريع الإسلامي كانا موزعين على ذينك الطورين، فكان الطور الأول معظمه للإصلاح الفردي، وكان الطور الثاني معظمه للإصلاح الاجتماعي، و ما دخل الإسلام في طوره الثاني عند الهجرة إلا وقد كانت له جماعة صالحة كاملة الأُهبة لما يناط بعهدتها من الإصلاح، فكانت جامعة المسلمين يومئذ تتألف  من المسلمين الأولين القاطنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  بمكة وهم نحو خمسين رجلاً، ومن المسلمين المهاجرين إلى الحبشة وهم نحو ثمانين رجلاً، ومن مسلمي الأوس والخزرج أهل المدينة وهم زهاء أربعة آلاف رجل.

هذا كله عدد صالح لنشر إصلاح الإسلام، وبثّ فضيلته في نفوس الناس فيما بعد، والصدع بدعوته على رؤوس الملأ؛ فكان الإسلام يومئذ حقيقاً بأن يسرع في إصلاحه الاجتماعي، وتأسيس قواعده، وإشادة صروحه ) ([792]).

هذا  وسيتبين فيما يلي من مباحث شيء من عناية الإسلام بالاجتماع، وذلك من خلال الحديث عن بعض الروابط الاجتماعية، والأخلاق التي ترسي دعائم الاجتماع.


 المبحث الثاني: مكانة الجار في الإسلام

 المطلب الأول: مفهوم الجوار

أولاً: تعريف الجار: أ. الجار في اللغة: قال ابن منظور رحمه الله :  ( والجوار: المجاورة، والجار الذي يجاورك.

وجاور الرجلَ مجاورة وجِوارًا وجُوارًا، والكسر أفصح: ساكَنَهُ.

وإنه لَحَسنُ الجيرة: لحالٍ من الجوار، وضربٍ منه )  ([793]).

وقال:  ( وجارُك: الذي يجاورك، والجمع أجوار، وجيرة، وجيران، ولا نظير له إلا قاعٌ، وأقواعٌ، وقيعان، وقيعة )  ([794]).

ب. تعريف الجار في الاصطلاح: هو مَنْ جاورك جوارًا شرعيًا سواء كان مسلمًا أو كافرًا، برًّا أو فاجرًا، صديقًا أو عدوًّا، محسناً أو مسيئاً، نافعًا أو ضارًّا، قريـبًا أو أجنبيًّا، بلديًّا أو غريبًا.

وله مراتب بعضها أعلى من بعض، تزيد وتنقص بحسب قربه، وقرابته، ودينه، وتقواه، ونحو ذلك، فَيُعْطى بحسب حاله وما يستحق ([795]).

ثانياً: حد الجوار: اختلفت عبارات أهل العلم في حد الجوار المعتبر شرعًا، فمما قيل في ذلك ما يلي:

1_أن حد الجوار أربعون دارًا من كل جانب، وقد جاء ذلك عن عائشة _رضي الله عنها_ كما جاء عن الزهري والأوزاعي _رحمهما الله_.

2_أنه عشرة دور من كل جانب.

3_أن من سمع النداء هو جار، وقد جاء ذلك عن علي رضي الله عنه .

4_أن الجار هو الملاصق الملازق.

5_أن حد الجوار هم الذين يجمعهم مسجدٌ واحدٌ.

والأقرب _والله أعلم_ أن حد الجوار يُرجع فيه إلى العرف؛ فما علم عرفاً أنه جار فهو جار([796]).

ثالثاً: شمول مفهوم الجار: لا ريب أن الجوار في المسكن هو أجلى صور الجوار وأوضحها.

ولكن مفهوم الجار والجوار _في الإسلام_ لا يقتصر على الجوار في المسكن فحسب؛ بل هو أعم من ذلك؛ فالجار معتبر في المتجر، والسوق، والمزرعة، والمكتب، ومقعد الدرس.

ومفهوم الجار يشمل الرفيق في السفر؛ فإنه مجاور لصاحبه مكانًا وبدنًا، ولكل واحد منهما على الآخر حق الجوار.

والزوجة كذلك تسمى جارة، كما جاء في تفسير قوله_تعالى_[وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ] (النساء: 36).

وكذلك مفهوم الجار يشمل الجوار بين الدول والممالك؛ فلكل دولة على جارتها حق الجوار.

وكذلك يُقال للذي يستجير بك: جار، وللذي يجير: جار.

 المطلب الثاني: وصاية الإسلام بالجار

لقد أوصى الإسلام بالجار، وأعلى من قدره؛ فللجار في الإسلام حرمة مصونة، وحقوق كثيرة لم تعرفها قوانين الأخلاق، ولا شرائع البشر.

بل إن تلك القوانين والشرائع الوضعية لتتنكر للجار، وتستمرئ العبث بحرمته؛ إذ غالبًا ما يكون العبث بحق الجار أسهل تناولاً، وأقل كلفة، وأسنح فرصة.

ولقد بلغ من عِظَم حق الجار في الإسلام أن قرنَ الله حق الجار بعبادته وتوحيده_تبارك وتعالى_وبالإحسان إلى الوالدين، واليتامى، والأرحام.

قال _عز وجل_ في آية الحقوق العشرة: [وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ] (النساء: 36).

فقوله _تعالى_: [وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى]: هو الذي بينك وبينه قرابة، وقيل: هو الذي قَرُبَ جوارُه، وقيل: المسلم، وقيل: الزوجة.

وقوله: [وَالْجَارِ الْجُنُبِ]: قيل: هو الذي يعد في العرف جارًا وبينك وبين منزله فسحة.

وقيل: هو الذي ليس بينك وبينه قرابة، وقيل: الزوجة: وقيل: غير المسلم ([797]).

أما السنة النبوية فقد استفاضت نصوصها في بيان رعاية حقوق الجار، والوصاية به، وصيانة عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسد خلَّته، وغض البصر عن محارمه، والبعد عن ما يريبه ويسيء إليه.

ومن أجلى تلك النصوص وأعظمها ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر _رضي الله عنهما_أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:  ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه )  ([798]).

أي ظننت أنه سَيَبْلُغني عن الله الأمرُ بتوريث الجارِ الجارَ.

وهذه كلمة جامعة بالغة؛ فإن الوصاية بالجار تشمل كف الشر عنه، وإسداء الخير إليه، وقوله  صلى الله عليه وسلم :  ( حتى ظننت أنه سيورِّثه )  يدل على أن الوصاية بالجار كانت على جانب عظيم من التأكد، والحث على رعاية حقوقه ([799]).

 المطلب الثالث: حقوق الجار في الإسلام

حقوق الجار على وجه التفصيل كثيرة جدًا وأما أصولها فتكاد ترجع إلى أربعة حقوق، وهي كما يلي:

1_ كف الأذى: فقد تقدَّم أن للجار مكانةً عالية، وحرمةً مصونة.

ومن أجل ذلك جاء الزجر الأكيد والتحذير الشديد في حق من يؤذي جاره؛ فالأذى بغير حق محرم، وأذية الجار أشد تحريمًا.

جاء في صحيح البخاري عن أبي شريح  رضي الله عنه عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:  ( والله لايؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ) .

قيل: من يا رسول الله ؟

قال:  ( من لا يأمن جارُه بوائقه ) ([800]).

وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال:  ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ) ([801]).

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة_رضي الله عنه _:  ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره ) ([802]).

2_ حماية الجار: فمن الوصية بالجار ومن حقه حمايته، ومما ينبه لشرف همة الرجل نهوضه لإنقاذ جاره في بلاء يُنال به، سواء كان ذلك في عرضه، أو بدنه، أو ماله أو نحو ذلك.

3_الإحسان إلى الجار: فلا يكفي الرجل في حسن الجوار أن يكف أذاه عن جاره، أو أن يدفع عنه بيده أو جاهه يدًا طاغيةً، أو لسانـًا مقذعًا.

بل يدخل في حق الجار أن يُحْسَن إليه في كافة وجوه الإحسان، فذلك دليل الفضل، وبرهان الإيمان، وعنوان الصدق.

جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:  ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )  ([803]).

ولمسلم_أيضًا_:  ( فليحسن إلى جاره )  ([804]).

فمن الإحسان إلى الجار تعزيته عند المصيبة، وتهنئته عند الفرح, وعيادته عند المرض، وبداءته بالسلام، و طلاقة الوجه عند لقائه، وإرشاده إلى ما ينفعه في أمر دينه ودنياه، ومواصلته بالمستطاع من ضروب الإحسان.

4_احتمال أذى الجار: فللرجل فضل في أن يكف عن جاره الأذى، وله فضل في أن يذود عنه، ويجيره عن أيدٍ أو ألسنة تمتد إليه بسوء، وله فضل في أن يواصله بالإحسان جهده.

وهناك فضل رابع، وهو أن يغضي عن هفواته، ويتلقى بالصفح كثيرًا من زلاته وإساءاته، ولا سيما إساءة صدرت عن غير قصد، أو إساءة ندم عليها وجاء معتذرًا منها.

فاحتمال أذى الجار وترك مقابلته بالمثل من أرفع الأخلاق وأعلى الشيم.

ولقد فقه السلف هذا المعنى وعملوا به.

  ( روى المرُّوذي عن الحسن: ليس حسن الجوار كف الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى ) ([805]).


 المبحث الثالث: صلة الرحم

 المطلب الأول: مفهوم صلة الرحم، وكيفية تحققها
 أولاً: مفهوم صلة الرحم

قال ابن منظور رحمه الله :  (  وصلت الشيء وَصْلاً وصِلةً, والوصل ضد الهجران ) ([806]).

وقال:  ( ويقال: وصل فلان رحمه يَصِلُها صِلةً وبينهما وصْلةٌ: أي اتصال وذريعة ) ([807]).

وقال:  ( التواصل ضد التصارم ) ([808]).

وقال: عن صـلة الرحم:  ( قال ابن الأثير: وهي كناية عن الإحسان إلى الأقـربين من ذوي النسب والأصهار, والعطف عليهم, والرفق بهم, والرعـاية لأحوالهـم, وكـذلك إن بعـدوا وأسـاءوا, وقَطْعُ الرحمِ ضد ذلك كله )  (4).

 ثانياً: كيفية تحقق صلة الرحم

صلة الرحم تتحقق بأمورٍ عديدة؛ فتكون بزيارتهم، وتفقد أحوالهم, والسؤال عنهم, والإهداء إليهم, وإنزالهم منازَلهم, والتصدق على فقيرهم, والتلطف مع غنيِّهم, وتوقير كبيرهم, ورحمة صغيرهم وضعفتهم, وتعاهدهم بكثرة السؤال والزيارة إما أن يأتي الإنسان إليهم بنفسه, أو يصلهم عبر الرسالة, أو المكالمة الهاتفية.

وتكون باستضافتهم, وحسن استقبالهم, وإعزازهم, وإعلاء شأنهم, وصلة القاطع منهم.

وتكون _أيضًا_ بمشاركتهم في أفراحهم, ومواساتهم في أتراحهم, وتكون بالدعاء لهم, وسلامة الصدر نحوهم, وإصلاح ذات البين إذا فسدت بينهم, والحرص على تأصير العلاقة وتثبيت دعائمها معهم.

وتكون بعيادة مرضاهم, وإجابة دعوتهم.

وأعظم ما تكون به الصلة, أن يحرص المرء على دعوتهم إلى الهدى, وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر([809]).

 المطلب الثاني: فضائل صلة الرحم في الشريعة الإسلامية

لقد جاءت الشريعة الإسلامية ببيان فضل صلة الرحم؛ ونصوص الكتاب والسنة في ذلك متظاهرة, وكذلك أقوال العلماء والحكماء, فمن تلك الفضائل ما يلي:

1_صلة الرحم شعار الإيمان بالله واليوم الآخر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( من كان يؤمن بالله واليـوم الآخر فليكرم ضيفه, ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه )  ([810]).

2_صلة الرحم سبب لزيادة العمر وبسط الرزق: فعن أنس بن مالك  رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :  ( من أحب أن يبسط له في رزقه, ويُنْسَـأَ له في أثره فَليصل رحمه ) ([811]).

ومما قاله العلماء في معنى زيادة العمر, وبسط الرزق الواردين في الحديث م