الحذر من السحر

تأليف د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي

(/)


 مقدمة

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ خُبْرًا، وَنَشَرَ رَحْمَتَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ نَشْرًا، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ؛ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوْعَدَ الْكَافِرِينَ، وَأَضَلَّ الظَّالِمِينَ، وَأَسْبَلَ عَلَى الْعَاصِينَ سِتْرًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، أَحْمَدُهُ جَلَّ وَعَلاَ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَزْكَاهُ سِرًّا وَجَهَرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَدَّخِرُهَا لِيَومِ الْفَصْلِ ذُخْرًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَزْكَى الْوَرَى طُرًّا، اصْطَفَاهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ بِشَارَةً وَنُذْرًا، وَامْتَنَّ عَلَيْهِ فَشَرَحَ لَهُ صَدْرًا، وَوَضَعَ عَنْهُ وِزْرًا، وَرَفَعَ لَهُ ذِكْرًا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» (1) ، فَصَلاَةُ رَبِّي وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ تَتْرًا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَتَابِعِيهِمْ، وَعَظِّمِ اللَّهُمَّ لَهُمْ أَجْرًا. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ مِمَّا يَسْتَهْوِي النَّفْسَ، وَتَعْظُمُ الرَّغْبَةُ إِلَيْهِ، تَشُوُّفَهَا لِمَعْرِفَةِ الْغَيْبِ، وَمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَالَمُ مِنْ أَسْرَارٍ مَخْزُونَةٍ وَعُلُومٍ مَكْنُونَةٍ، وَهِيَ تَسْعَى جَاهِدَةً إِلَى تَلَمُّسِ مَعَالِمِ ذَلِكَ الْمَسْتُورِ، مَا اسْتَطَاعَتْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً، فَتَتَشَعَّبُ بِهَا الْمَسَالِكُ، تَارَةً بِالْحَدْسِ وَأُخْرَى بِالْكَهَانَةِ، وَطَوْرًا بِالْعِرَافَةِ وَالتَّنْجِيمِ، وَآخَرُ بِالسِّحْرِ وَالتَّسْخِيرِ، حَتَّى إِنَّكَ لَتَجِدُ أَنْفُسًا انْحَدَرَتْ فَاسْتَخَفَّتْ بِعُقُولِ أَهْلِهَا، فَسَوَّلَتْ لَهُمْ تَلَمُّسَ الْغَيْبِ بِقَرَاءَةِ كَفٍّ، _________ (1) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم (384) ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

(1/5)


أَوْ تَبْصِيرٍ بِفُنْجَانٍ، أَوْ بَلَغَتْ فِي شَطَطِهَا أَنِ ادَّعَتْ تَحَكُّمًا بِالْقَدَرِ، بِمَا وَسِعَ عِلْمُهَا مِنْ أَسْرَارٍ لِحُرُوفٍ، أَوْ خَوَاصٍّ لأَِرْقَامٍ، أَوْ أَشْكَالٍ لأَِوْفَاقٍ، أَوْ رُسُومٍ طِلَّسْمِيَّةٍ، وَخُطُوطٍ رَمْلِيَّةٍ!! فَلَمْ يَدَعْ أُوْلَئِكَ الدَّجَاجِلَةُ مَسْلَكًا فِي تِلْكَ الْغِيَاهِبِ إِلاَّ سَلَكُوهُ، ضَارِبينَ عُرْضَ الْحَائِطِ بِمُسَلَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ، وَمُغْمِضِينَ طَرْفًا عَنْ مَغَبَّةِ مَا اشْتَرَوْهُ في دُنْيَاهُمْ قَبْلَ خِزْيِهِمْ في عُقْبَاهُمْ. هَذَا، وَإِنَّ مِمَّا يَبْلُغُ بِهِ العَجَبُ كُلَّ مَبْلَغٍ أَنَّكَ إِذَا وَلَجْتَ بَعْضًا مِنْ دُوْرِ الكُتُبِ، أَوْ سَارَتْ بِكَ قَدَمَاكَ مُعْتَلِيَةً أَرْصِفَةَ الطُّرُقِ، لَوَجَدتَّ كَمًّا هَائِلاً مَطْبُوعًا أَوْ مَخْطُوطًا، مِمَّا سَطَّرَتْهُ أَنَامِلُ آثِمَةٌ ثُمَّ سَمَّتْهُ زُورًا وَبُهْتَانًا - عُلُومًا رُوحَانِيَّةً، وَأَسْرَارًا نُورَانِيَةً، وَدُرَرًا حِكْمِيَّةً، وَعُهُودًا سُلَيْمَانِيَّةً، إِلى آخِرِ تِلْكَ المَنْظُومَةِ الَّتِي لاَ تَكَادُ تَنْقَضِي، اسْتَبْدَلَ أَهْلُهَا الَّذِي هُوَ شَرٌّ مَحْضٌ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؛ فَأَعْرَضُوا عَمَّا نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَْمِينُ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ صلى الله عليه وسلم، وَهُرِعُوا إِلَى زُخْرُفِ الْقَوْلِ غُرُورًا، وَمَا تُلْقِيهِ الشَّيَاطِينُ عَلَى قَلْبِ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، فَخَطَّتْ يَرَاعُهُمُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ، حَتَّى كَادَ الْمِدَادُ أَنْ يَنْفَدَ، وَالأَْنَامِلُ أَنْ تَكِلَّ. نَعَمْ، إِنَّ حَدِيثَ السِّحْرِ قَدْ مَلَأَ عَلَى النَّاسِ دُنْيَاهُمْ، وَطَبَّقَ ذِكْرُهُ الآفَاقَ، إِنَّهُ عَالمٌ يَتَتَبَّعُ أَسْرَارَهُ، وَيَهْرِفُ فِيهِ بِمَا لاَ يَعْرِفُ: كُلُّ مَنْ دَبَّ، وَلَوْ كَانَ أَكْذَبَ مَنْ دَبَّ وَدَرَجَ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَرَضَ مَكْتُوبَهُ عَلَى عَقْلِهِ فِي بُرْهَةِ إِنْصَافٍ لَهَبَّ عَقْلُهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ جُلَّ مَا كَتَبَ! لِذَلِكَ كُلِّهِ وَجَدتُّ لِزَامًا عَلَيَّ - وَقَدْ تَحَصَّلَ لِي بَعْضُ اطِّلاَعٍ عَلَى زَيْفِ مَذْهَبِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ - أَنْ أُبَيِّنَ لأَِهْلِ الإِسْلاَمِ المَسْلَكَ الأَقْوَمَ لِمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ السِّحْرِ، وَغَايَةِ أَثَرِهِ، مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِنْ مُقَارَبَتِهِ أَوْ فَعْلِهِ، وَتَبْيِينِ جَسِيمِ خَطَرِهِ عَلَى المُجْتَمَعِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ أَتْبَعْتُ ذَلِكَ بِذِكْرِ

(1/6)


مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ مَنْ ضَرُورَةِ تَحَصُّنِ المُؤْمِنِ مِنْ هَذَا الضُّرِّ، الَّذِي قَدْ يَتَهَدَّدُه عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُ، فَإِنْ مَسَّهُ شَيْءٌ مِنْ أَثَرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ - نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ - دَلَلْتُهُ عَلَى عِلاَجِ ذَلِكَ بِرُقًى مَشْرُوعةٍ، تَقْصِمُ ظَهْرَ السَّحَرَةِ الفَجَرَةِ، وَتُبْطِلُ كَيْدَهُمْ، وَتَقْطَعُ دَابِرَهُمْ، بَحَمْدِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ. هَذَا، وَقَدْ سَمَّيْتُ كِتَابِي - بِعَوْنِ اللهِ -[الْحِذْرُ مِنْ السِّحْرِ] ، وَجَعَلْتُهُ عَلَى فُصُولٍ سَبْعَةٍ بَعْدَ المُقَدَّمَةِ، رَتَّبْتُهَا كَالآتِي: * الفصل الأول: ... «آيَةُ السِّحْرِ» وَ «حَدِيثُ السِّحْرِ» ، وَمَبَاحِثُ فِي فِقْهِ العُلَمَاء لَهُمَا. * الفصل الثاني: ... بَيَانُ مَعْنى السِّحْرِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مُصْطَلَحَاتٍ. * الفصل الثالث: ... بَيَانُ أَنْوَاعِ السِّحْرِ، وَتَعَلُّقِهَا بِمَا يُسَمَّى عُلُومًا رُوحَانِيَّةً. * الفصل الرابع: ... السِّحْرُ؛ بِاعْتِبَارِهِ ظَاهِرَةً اجْتِمَاعِيَّةٍ. * الفصل الخامس: ... عَلاَمَاتٌ يُعْرَفُ بِهَا كُلٌّ مِنَ السَّاحِرِ وَالْمَسْحُورِ. * الفصل السادس: ... بَيَانُ أَحْكَامِ السِّحْرِ وَالسَّحْرَةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ. * الفصل السابع: ... فِي التَّوَقِّي مِنَ السِّحْرِ، وَعِلاَجُه. * خاتمة: ... وَفِيهَا خُلاَصَةٌ لِمُهِمَّاتِ نَتَائِجِ الْبَحْثِ، وَذِكْرٌ لِبَعْضِ التَّوْصِيَاتِ. وَإِنِّي لَأَرْجُو اللهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ عَمَلِي هَذَا خَالِصًا مِنْ أَجْلِهِ، وَأَنْ يُثِيبَنِي عَلَيْهِ مِنْ عَظِيمِ فَضْلِهِ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِ وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ، وَالآخِذُ بِيَدِ مَنْ عَوَّلَ عَلَيْهِ، وَحَسَبُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي

(1/7)


الفصل الأول «آية السحر» ، و «حديث السحر» ، ومباحث في فقه العلماء لهما

(1/9)


 الفصل الأول «آية السحر» ، و «حديث السحر» ، ومباحث في فقه العلماء لهما

تمهيد: إن الشريعة الإسلامية الغرَّاء - وهي خاتمة الشرائع - لم تكن لِتدعَ الناسَ يخبِطون خَبْط عشواءَ في شأنٍ بالغ الخطر كالسحر، ذلك الخَطْب الجلل الذي بقي مرافقًا لمسيرة كثير من الأمم السابقة، ومزاحمًا - بغير حق - لدعوات الأنبياء _ت ورسالاتهم، بل قد بلغت الصفاقة بقوم مبلغًا ادّعَوا معه أن السحر حقيقة رسالة نبيٍ قد امتن الله عليه بمُلك لا ينبغي لأحد من بعده، ذلك نبي الله سليمان عليه السلام، الذي ادعى يهودُ - ظلمًا وعدوانًا - أنه كان ساحرًا وحسب، استمد عونًا من سحره ليوطد بذلك ملكه، ويبسط نفوذه على الجن والطير والحديد والرياح، فاستساغوا عندها تعلُّمَ السحر، بل وتعليمَه، والعملَ به، وليس ذلك بمستغرب من قوم لم يَدَعوا نقيصة إلا وألصقوها - زورًا وبهتانًا - بأنبياء الله، ليستبيحوا بعدها كل معصية يشيعونها، وكل معصية يقارفونها. لذلك كله نزلت الآيات القرآنية كالصواعق على قلوبهم؛ تحرق أباطيلهم، وتعيد الأمر إلى نصابه، وتدعوهم ليثوبوا إلى رشدهم، وليدركوا مغبَّة افترائهم، فيتداركوا ما فاتهم، فلا يُؤثِرون السحر على الحق، ولا حطامَ الدنيا على ثواب الآخرة. نعم، لقد حَفَلت نصوص الكتاب والسنة، بالآيات والأحاديث، التي بينت منشأ علم السحر، والحِقْبة التي اشتهر فيها، والقوم الذين تولَّوا كِبْر تعلُّمِه وتعليمه والعملِ به، وكثرة افتتان الخلق إنسهم وجنهم به، كما بيَّنَتْ هذه النصوص - بحمد الله - حقيقة السحر وغاية تأثيره، وإمكان إبطاله، وأنه لا يعدو في حقيقته أن يكون: كيدًا زيفًا باطلاً وهمًا مموِّهًا، مغايرًا تمام المغايرة للحق الواقع البيِّن.

(1/11)


وإليك - أخي القارئ - ما يُعَدّ بحقٍّ أُمَّات النصوص في شأن السحر، والتي حُقَّ لمؤمنٍ أن يُمعِن النظر بها، ويستنبط منها كل ما يبصِّره بحقيقة السحر، وما يدعوه - في آنٍ - إلى الحذر منه، ومعاداة أهله. وقد عنيتُ بذلك نصَّيْن كريمين؛ الأول آية كريمة، والآخر حديث شريف، ولنصطلح على تسمية الآية: (آية السحر) ، والحديث: (حديث السحر) . وسأذكر كلاًّ، ثم أُتبِع ذلك ببعض ما استنبطه جهابذة أهل العلم في فقه ما يتعلق به. أ- النص الأول: آية السحر: قال الله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} . أولاً: تناسب مطلع الآية مع سِباقها: إن سِباق الآية هو قوله تعالى: [البَقَرَة: 101] {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ *} ، فما مناسبة ذلك مع آية السحر؟ إن سنة الله عز وجل جارية بأنه: ما أمات أحدٌ سُنَّةً إلا زاد في خذلانه، وذلك بأن يحيي الله على يد ذلك المُعرِض عن الحق بدعةَ ضلالةٍ، لذا فقد أعقب الله يهودَ حين نبذوا كلام الله - وهو سبحانه أَوْلى الأولياء -، أعقبهم إقبالاً على كلام الشياطين الذين هم أعدى الأعداء، فقال تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ ... } .

(1/12)


ثانيًا: تناسب مقطع الآية - أي: ختامها - مع لَحاقها: إن لحاق الآية هو قوله تعالى: [البَقَرَة: 103] {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} . فما مناسبة هذا اللحاق مع آية السحر؟ إن الله تعالى لما أخبر باجتماع المذامِّ والقبائح بيهود، حيث باعوا أنفسهم ونصيبهم في الجنة بعَرَضٍ من الدنيا قليل، فآثروا السحر على ما ينفعهم من الإيمان، وأَعْلَمَ سبحانه بأن هذا الفعل الشنيع لا يُقدِم عليه من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، أو كان له أدنى أثارةٍ من علم نافع، فكان علم يهود الذي بقي حبيس كتبهم، وصار سبيلاً لاستكبارهم وتفاخرهم، هذا العلم هو الذي أورثهم هذه الجرأة على اتباع الشياطين، فكان عدم العلم خير لهم من هذا العلم الذي أوردهم المهالك. فلمّا بيّن سبحانه ما تسبب لهم ذلك العلم بالسحر من مضارّ لا يرضاها عاقل على نفسه أتبع ذلك ببيان ما في الإعراض عن تعلم السحر من منافع جمة، من علو منزلة الثواب ودوامه، نزلاً من عند الرحمن، مما تقصر عنه الأذهان ويعجز عن وصفه إنس أو جان، فقال تعالى: [البَقَرَة: 103] {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} . فالله تعالى يرشد العلماء بأن لا خير في علم لا يمنع صاحبه عن مقارفة شر ولا يحدوه إلى نيل الخير (1) . ثالثًا: سبب نزول آية السحر: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حقٍّ كَذَب معها ألف كِذبة، فأُشْرِبَتْها قلوب _________ (1) انظر: نَظْم الدرر في تناسب الآيات والسور، للإمام برهان الدين البقاعي (1/205-210) .

(1/13)


الناس، واتخذوها دواوين، فأَطْلع الله على ذلك سليمانَ بن داود، فأخذها فدفنها تحت كرسيّه، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق، فقال: ألا أدلّكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه؟ قالوا: نعم، فأخرجوه فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر، فقال: [البَقَرَة: 102] {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ... } (1) . رابعًا: من تفسير آية السحر: 1- ... يقول تعالى: {واتبعوا} ، فمن هم المتَّبِعون؟ الصواب من القول في تأويل ذلك عموم يهود، الذين لم يزل أمر السحر فيهم، من عهد سليمان إلى أن بعث الله نبيَّه بالحق، وأن في ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجحدوا نبوته، وهم يعلمون أنه لله نبيٌّ مرسَل، وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله، وهجرهم العملَ به، وهو - أي: التوراة - في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنه كتاب الله (2) . فاليهود - المتَّبِعون للسحر - من لدن عهد سليمان إلى زمن نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم داخلون في توبيخ الله لهم على استبدالهم السحر بآيات الله في التوراة وفي الإنجيل وفي القرآن. 2- ... يقول تعالى: {مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} فما معنى {تتلوا} ؟ وما هو المتلوّ؟ ولِم عُبِّر عنه بالتلاوة؟ _________ (1) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/265) ، وصحّحه - كمافي «الدر المنثور» للسيوطي (1/233) - وسكت عنه الذهبي. وأخرجه سعيد بن منصور (2/594 برقم 207) ، والطبري في تفسيره (2/415/1662) ، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص31. (2) اختار هذا التأويل الإمام الطبري، ثم أتبعه بقوله: وإنما اخترنا هذا التأويل، لأن المتبعة ما تلته الشياطين، في عهد سليمان وبعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق، وأمر السحر لم يزل في اليهود. فكل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية. اهـ. أي ليس مقصورًا على أسلافهم وحسب. انظر: تفسير الطبري (1/491) .

(1/14)


[أما معنى {تتلوا} ، فهو: تقرأ، أي من التلاوة، أو: تَتْبع، كما تقول: جاء القوم يَتْلو بعضُهم بعضًا، أو أن معناها: تفضِّل، لأن كل من اتبع شيئًا وجعله إمامه فقد فضّله على غيره. والتعبير بـ {تتلوا} ، يعني: تَلَتْهُ، فهو بمعنى المُضِيّ] (1) . فيصير المعنى - على ما سبق -: قد فضّلت سحرة يهود، ومن تشبّه بهم، واتبعوا - وهم من شياطين الإنس - ما قرأته شياطين الجن، مما افترته كذبًا، وتقوَّلَتْه زورًا، على عهد ملك سليمان، بأن سبب ملكه إنما كان السحر وما أنزل على الملكين، والله أعلم. [أما المتلو هنا فهو: السحر. وقد عُبر عن ذلك بالتلاوة، لأن التلاوة إنما تكون - في كلام العرب - بمعنيين؛ أحدهما: الاتباع، فيكون المعنى واتبعوا ما تتّبعه الشياطين مما دفنوه تحت كرسي سليمان عليه السلام من السحر والكفر. والمعنى الآخر: القراءة والدراسة، فيكون المعنى: واتبع اليهود ما تلته الشياطين عليهم دراسة ورواية، فسارت على منهاجها في ذلك، وعملت به وروته. فيتحصل بذلك: أن اليهود اتبعوا ما تبعته الشياطين بالعمل به، وتدارسوه بالرواية عنهم] (2) . 3- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ، فما وجه التعبير بـ {على} ، مع أن التلاوة - كما سبق - تكون بمعنى الاتباع أو الدراسة؟ وما هو ملك سليمان؟ وهل يُحجر ذلك المُلك العظيم عن غيره من الخلق عامة؟ إن الدراسة - كما لا يخفى - تتضمن معنى التحديث والإخبار، وهذا _________ (1) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي (2/42) . (2) المرجع السابق (1/492) .

(1/15)


الإخبار من الشياطين بأن سبب ملك سليمان هو علمه بالسحر، قد تضمن معنى الكذب على سليمان، لذلك فقد عدّي فعل {تتلو} ، بـ {على} ، فيكون المعنى: واتبع اليهود - الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما تتلوه الشياطين وتخبر به وتحدّثه كذبًا على ملك سليمان، وقد صدّقوا ذلك التقول، وعملوا بمقتضاه!! (1) ، وثَمَّ وجه آخر للتعبير بـ {على} ، وهو [أن العرب تضع «في» موضع «على» ، و «على» موضع «في» ، ومن ذلك قول الله جلّ ثناؤه: [طه: 71] {وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} ، يعني به: على جذوع النخل. وكما قالوا: «فعلت كذا في عهد كذا، وعلى عهد كذا» بمعنى واحد] (2) . فيكون المعنى واتبعوا ما تلته الشياطين كذبًا في عهد سليمان عليه السلام. [أما ملك سليمان عليه السلام، فهو مما لا يبلغه بيان البشر، وقد ذكره الله تعالى بقوله: [سَبَإ: 12-13] {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ *يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ *} . وبقوله سبحانه: [ص: 34-40] {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ *قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ *وَالشَّيْاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ *وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ *وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ *} . _________ (1) انظر: تفسير ابن كثير (1/141) ، وانظر كذلك: نور الإيمان في تفسير القرآن، للشيخ محمد مصطفى أبي العِلا رحمه الله ص146. (2) انظر: تفسير الطبري (1/493) .

(1/16)


نعم، إن الملك الذي وهبه الله عز وجل لعبده سليمان عليه السلام قد فاق - بفضل الله - ما قد يطلبه طالب أو يطمح إليه طامح، ذلك أنه من عطاء الله الذي لا ينفد، وقد ذكرَتِ الآياتُ الكريمات التي أوردتها صنوفًا من هذا العطاء، وهي: (أ) ... تسخير الريح له، وذلك أنه عليه السلام لما عقر الخيل غضبًا لله عز وجل، عوّضه الله ما هو خير منها وأسرع: الريح اللينة تحمل بساطه يغدو عليه حيث أراد من مكان كدمشق مثلاً، إلى آخرَ يتغدّى به، كإصطخر (1) مثلاً - وهي تبعد عن دمشق شهرًا كاملاً للمسرع على دابته، كل ذلك في الغداة صباحًا، أما في الرواح مساءً فقد يروح عليه السلام ببساطه من إصطخر مثلاً إلى كابُل - المعروفة اليوم - وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع، كلُّ ذلك في المساء. (ب) ... تملُّك عينٍ تسيل بالنحاس، وهي باليمن، وقد أجراها الله لسليمان عليه السلام ثلاثة أيام، فكل ما يصنع الناس، من النحاس - إلى يومنا هذا - هو مما أخرج الله تعالى لعبده سليمان عليه السلام (2) . (ج) ... تسخير الجن له - مقهورين منقادين إليه - يعملون بين يديه بقَدَر الله، فيأمرهم سليمان بما شاء من عمل أبنيةٍ حسنة، كالمساجد والقصور والمساكن، وكذلك الصُّوَر من نحاس أو من طين أو زجاج، ويصنعون له أحواضًا عظيمة الاتساع كالجَوْبة من _________ (1) إِصْطَخْر: بلدة من أقدم مدن فارس وأشهرها، بها مسجد يعرف بمسجد سليمان عليه السلام، وبين إصطخر وشيراز - المعروفة اليوم - اثنا عشر فرسخًا، أي ما يقارب 66.5 كلم، وكان فتح إصطخر الأخير سنة ثمان وعشرين وسط خلافة عثمان رضي الله عنه. انظر: معجم البلدان لياقوت الحَمَوي (1/250) . والروض المعطار للحِمْيري ص 44. (2) هذا مروي عن ابن عباس وقتادة والسُّدِّي وغيرهم. انظر: تفسير الطبري (20/363-364) ، و «الدر المنثور» للسيوطي (1/678) .

(1/17)


الأرض (1) ، تُجمع فيها المياه، كما يعملون له آنية يُطبخ فيها، وهي - من عظم اتساعها - ثابتات في أماكنها لا تتحول ولا تتحرك، حيث إن ركائز هذه القدور هي جزء منها، فلا حاجة لنقلها وتثبيتها!! هذا الملك العظيم، الذي وهبه الله لنبيِّه سليمان عليه السلام كان سببه شرع سليمان عليه السلام الحق، ونبوته العظيمة، لا السحر كما تقولته الشياطين واتبعته اليهود، فقد امتن الله عليه بتلك الهبة الربانية، التي يتصرف بها سليمان عليه السلام كيف يشاء، [ص: 39] {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ *} . وهنا مسألة: هل كان هذا العطاء الإلهي حِجْرًا على سليمان عليه السلام، فلا يوهب لأحد من بعده، أو لا يوهب ما يوازيه أو يزيد عليه؟ قال بعضهم: معنى قوله تعالى: [ص: 35] {لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي} . أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه، كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيّه، لا أنه يُحجر على مَن بعدَه من الناس. والصحيح أنه سأل من الله مُلْكًا لا يكون لأحد من البشر مثلُه من بعده، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبه وردت الأحاديث من طُرُقٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) . _________ (1) الجَوْبة من الأرض: ما يستنقع فيها الماء، فهي كالحياض التي تردها الإبل من عِظَمها. انظر: تفسير الطبري (12/89) . (2) انظر: تفسير القرآن العظيم، للإمام ابن كثير رحمه الله. ص1469 ط - بيت الأفكار. وانظر: كذلك: الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي رحمه الله (1/43) . أما الأحاديث التي وردت من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهي تثبت أن سليمان عليه السلام قد سأل الله مُلكًا لا يكون لأحد من البشر مثله من بعده - فعديدة، منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن عفريتًا من الجنّ تفلّت عليَّ البارحةَ، ليقطع عليّ الصلاة، فأمكنني اللهُ منه، وأردتُ أن أربطَه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلُّكم، فذكرت قول أخي سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فردّه خاسئًا. متفق عليه، البخاري (4808) ، ... ومسلم (541) . وعند أحمد في مسنده (3/82) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلّي صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليسَ، فأهويتُ بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت بَرْد لُعابه بين إصبعيّ هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحدٌ فليفعل» . والحديث صحّحه - بشواهده - الألبانيُّ. انظر: الصحيحة برقم (3251) . ومن ذلك أيضًا ما أخرجه أحمد في مسنده (2/176) ، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «إن سليمان بن داود عليهما السلام، سأل الله ثلاثًا أعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون له الثالثة، فسأله حُكمًا يُصادِف حكمَه، فأعطاه الله إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيّما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد - أي بيت المقدس - خرج من خطيئته مثلَ يوم ولدته أمّه، فنحن نرجو أن يكون الله عزّ وجلّ قد أعطاه إياه» . والحديث أخرجه أيضًا من حديث ابن عمرو: النسائي (2/34) ، وابنُ ماجه (1408) ، وصحّحه ابن خزيمة، وابن حِبّان، والحاكم ووافقه الذهبي. رحم الله الجميع.

(1/18)


ويتفرع عما سبق مسألتان؛ الأولى: ما هو الجسد الذي ألقي على كرسيّ سليمان عليه السلام؟ كما في قوله تعالى: [ص: 34] {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ *} . [الجسد الذي ألقي على كرسيّ سليمان؛ هو شيطان اسمه آصِف، أو آصِر، أو صخر، أو حقيق، قال له سليمان: كيف تفتن الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فأعطاه، فنبذه آصف في البحر، فذهب مُلك سليمان، وقعد آصف على كرسيه، ومنع الله آصفَ نساءَ سليمانَ فلم يقربهن، وأنكرته أمُّ سليمان، وكان سليمان يستطعم ويُعرِّفهم بنفسه فيكذبونه، حتى أعطته امرأة حوتًا - أي سمكة كبيرة - فطيَّب بطنَه فوجد خاتمه في بطنه، فردّ الله إليه ملكه، وفرّ آصف فدخل البحر. وقد حكى النقّاش في تفسيره (1) أن الجسد الذي ألقي على كرسيّ سليمان هو ولده، الذي حملت به إحدى نسائه وقد وُلد ساقطًا أحد شِقَّيْه - أي كان نصف إنسان -، وذلك حين «قال _________ (1) تفسير النقاش - وهو: محمد بن الحسن بن محمد بن زياد - لا يعتمد عليه، كما سيأتي من كلام ابن حجر رحمه الله بقوله: والنقاش صاحب مناكير.

(1/19)


سليمان: لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأةً تَحمِل كلُّ امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل، ولم تحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شقّيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قالها لجاهدوا في سبيل الله» (1) . لكن عامّة المفسّرين على أن المراد بالجسد المذكور: شيطان، وهو المعتمد، والنقّاش صاحب مناكير] (2) . والمسألة الثانية: وقع في رواية مسلم أن عدد النساء اللائي حلف سليمان ليطوفنّ بهنّ في ليلة: ستون امرأة، وعند البخاري سبعون، فما وجه الجمع بين الروايات في ذلك؟ [إن محصّل الروايات في ذلك أنهن: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة، والجمع بينها أن الستين كنّ حرائر، وما زاد عليهن كن سراري أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكنّ دون المائة وفوق التسعين، فمن قال: تسعون ألغى الكسر - أي الزائد عن التسعين -، ومن قال: مائة جبر الكسر، ومن ثَمَّ وقع التردد في ذلك. وسليمان عليه السلام كان له ألف امرأة؛ ثلاثمائة منهن صريحة - أي حرائر - وسبعمائة سريّة، أي من الجواري] (3) . 4- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} ، فما وجه نفي الكفر عن سليمان عليه السلام، ولم يأت ذكر اتهامه بالكفر فيما سبق؟ [وجه ذلك: أن اليهود الذين اتبعوا ما تلته الشياطين على عهد سليمان عليه السلام، من سحر وكفر، قد نسبوا ذلك إلى سليمان عليه السلام، وزعموا أن _________ (1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: [ص: 30] {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ *} ، برقم (3424) ، ومسلم؛ كتاب: الأيمان، باب: الاستثناء، برقم (1654) . (2) انظر: فتح الباري، لابن حجر (6/529 وما بعدها) . (3) المرجع السابق (6/531) .

(1/20)


ذلك كان من علمه وروايته، وأنه إنما كان يستعبد من يستعبد من الإنس والجن والشياطين وسائر الخلق بالسحر، وهم إنما يريدون بذلك أن يحسِّنوا لأنفسهم العمل بالسحر، ذلك أن نبيًا قد علمه وعمل به - بزعمهم -، فلِمَ لا يفعلون هم ذلك؟! وأرادوا أيضًا أن يحسّنوا أنفسهم وفعلتهم الشنيعة عند من كان جاهلاً بأمر الله ونهيه، وعند من كان لا علم له بما أنزل الله في ذلك من التوراة، فبرَّأ الله نبيَّه سليمان عليه السلام مما نسبوه زورًا وبهتانًا إليه، وأعلمهم أنهم إنما اتبعوا - في عملهم بالسحر - ماتلته الشياطين في عهد سليمان، وأن سليمان إنما كان يأمرهم بطاعة الله، واتباع أمر الله الذي أنزله في التوراة على موسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام (1) . والحاصل: [أن اليهود لما نسبت سليمانَ إلى السحر، صاروا بمنزلة مَن نَسَبه إلى الكفر، لأن السحر يوجب ذلك، فبرَّأ الله نبيَّه من السحر، وأثبته للشياطين، وأَعْلم بأنهم كفروا بتعليمهم الناس السحر] (2) . 5- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ، [ولعل قائلاً أن يقول: أوَ ما كان السحر إلا أيام سليمان؟ فيُقال له: بلى، قد كان السحر قبل ذلك، وقد أخبر الله عن سَحَرة فرعون ما أخبر عنهم، وقد كانوا قبل سليمان، وأخبر سبحانه عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح إنه ساحر، وإنما خص الله ذكر تعليم الشياطين السحر للناس في هذا الموضع، لأن الشياطين وأتباعهم اليهود أضافوا ذلك العلم إلى سليمان عليه السلام، فأراد الله تعالى تبرئته مما نَحَلوه وأضافوه إليه، وإن كانت الشياطين تاليةً للسحر والكفرِ قبل ذلك] (3) ، أي: قبل عهد سليمان عليه السلام. [أما السحر الذي تعلّمه الشياطين الناسَ، فهو - بالإجمال - علم بأمرٍ _________ (1) انظر: تفسير الطبري، (1/493) . (2) انظر: تفسير الشوكاني (1/119) . (3) انظر: تفسير الطبري (1/497) ، وتفسير ابن كثير ص 123، ط - بيت الأفكار.

(1/21)


مؤثِّرٍ حقيقةً، ضارٍّ غير نافع، تقوم به نفوس قوية مؤثرة باستعانة بمخلوق من شيطان أو كوكب، أو دُخَن وعُقد. وقد يطلق السحر على ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده] (1) . 6- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} . وهذا النص من الآية الكريمة قد حوى مسألتين من مهمات المسائل: الأولى: هَل (ما) نافيةٌ بمعنى: لم؟ أم هي موصولة بمعنى (الذي) ، أم أنها تحتمل المعنيين؟ [اختلف أهل التأويل في هذا المقام - اختلافًا بيّنًا - فذهب الإمام القرطبيٌّ رحمه الله إلى أن «ما» نافية (2) ، وأن {هاروت وماروت} بدل من {الشياطين} , فيكون المعنِيُّ بِـ {الملكين} ، جبريل وميكائيل عليهما السلام. ذلك أن اليهود قد نسبوا السحر إليهما، فنفى الله ذلك عنهما. وعلى ذلك يكون في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل السحر على _________ (1) ما بين معقوفتين كلام للإمام ابن حجر رحمه الله. الفتح [10/232] . وسيأتي بعون الله تعالى - بيان معنى السحر تفصيلاً وأنواعه، في الفصلين: الثاني والثالث. (2) وقال - بعد أن رجّح كون (ما) نافية، {هاروت وماروت} بدل من {الشيطان} - ما لفظه: (هذا أَوْلى ما حُمِلت عليه الآية من التأويل، وأصحُّ ما قيل فيها، ولا يُلتفت إلى سواه) . ثم علل مذهبه بقوله: (فالسحر من استخراج الشياطين، لِلَطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم) ، ثم شرع رحمه الله في الرد على ما يَرِد عند استبعاد كون الاثنين [هاروت وماروت] بدلاً من الجمع [الشياطين] بخاصة أنه قد تقرر في اللغة وجوب أن يكون البدل على حد المبدل منه، فذكر ثلاثة وجوه؛ الأول: أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم الجمع، والثاني: أن هاروت وماروت لما كانا الرأس في التعليم نُصَّ عليهما دون أتباعهما. والثالث: أنهما إنما خُصّا بالذّكر من بين الشياطين لتمردهما، ثم استشهد لما قال، وذكر أن هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب] . انظر: تفسيره (2/50) . وممن ذهب إلى كون «ما» نافية، الأستاذ سيد قطب رحمه الله، مع إقراره بأن هاروت وماروت مَلَكان كانا يعلّمان من أصرّ على تعلّم السحر، ما يفرق به بين المرء وزوجه! انظر: الظلال (1/95-96) .

(1/22)


الملَكين جبريل وميكائيل، ولكنّ الشياطين - هاروت وماروت - كفروا يعلمون الناس السحر ببابل. أما الإمام الطبري رحمه الله، فقال: - بعد أن ذكر احتمال كون (ما) نافية أو موصولة، وجواز كونها محتملة للأمرين، واستدل لكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة - قال: [والصواب من القول في ذلك عندي، قولُ من وجَّه (ما) التي في قوله تعالى: {وما أنزل على الملكين} إلى أنها موصولة بمعنى «الذي» ، دون معنى (ما) التي هي بمعنى الجَحْد] (1) . فيكون المعنى على ذلك: واتبع اليهود ما تقولته الشياطين في عهد سليمان، من سحر زعموا افتراءً أنه سبب مُلكه، وكذلك اتبعوا الذي تعلموه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وأما الإمام ابن كثير رحمه الله، فبعد أن نسب القولين السابقين كلاً إلى قائله، وساق الأحاديث التي أوردها، كل منهما، وكذلك الآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، لم يصرّح رحمه الله بعد ذلك بترجيح كون (ما) نافية فينتفي بذلك إنزال السحر عليهما، أو موصولة، فيثبت ذلك لهما (2) !! إلا أنه رحمه الله ذكر بعدها ما يُشعر باختياره كون (ما) نافية، حيث قال: [وادّعى - أي الإمام الطبري - أن هاروت وماروت مَلَكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأَذِن لهما في تعليم السحر اختبارًا لعباده وامتحانًا، بعد أن بيّن لعباده أن ذلك مما يَنهى عنه على ألسنة الرسل _ت، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعلّم ذلك، لأنهما امتثلا ما أُمِرا به. وهذا الذي سلكه - أي الإمام الطبري - غريب جدًا ... ] (3) ، ثم إن ابن كثير رحمه الله، قد أشار إلى هذا الترجيح بتصريحه أن ما ذكر من تعليم هاروت وماروت الناس ما يفرقون به بين الأزواج، إنما هو من صنيع الشياطين، _________ (1) وقد علل الإمام رحمه الله - مطوَّلاً - لاختياره، انظر: تفسير الطبري (1/499) . (2) انظر: تفسير ابن كثير (1/139-148) . (3) المرجع السابق (1/142) .

(1/23)


حيث قال رحمه الله: [وقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ، أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر، ما يتصرّفون به فيما يتصرّفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرّقون به بين الزوجين، مع ما بينهما من الخُلطة والائتلاف، وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في «صحيحه» (1) ؛ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً؛ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» (2) . القول المختار في ذلك (3) : لعل ما ذهب إليه الطبري رحمه الله، من كون (ما) موصولة هو الصواب، فيكون التقدير - كما سبق -: وأقبل بعض أحبار يهود على تعلم السحر من الشياطين الذين ادَّعَوا كذبًا أنه كان سبب ملك سليمان، _________ (1) الحديث أخرجه مسلم؛ كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، برقم (2813) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (2) انظر: تفسير ابن كثير، (1/148) ، وقد روى حديث مسلم السابق باختلافٍ فيه يسير. (3) اختار هذا القولَ الإمامُ الطبري رحمه الله، وقد فصّل في الردِّ على من رجَّح عدم إنزال السحر على الملكين، انظر: تفسيره (1/497) ، كما الشوكانيُّ في تفسيره (1/130) ، وقد التمس عذرًا لجزم الإمام القرطبي بأن (ما) نافية، فقال: ولعل وجه الجزم بهذا التأويل - مع بُعدِه وظهورِ تكلُّفِه - تنزيه الله سبحانه أن ينزل السحر إلى أرضه فتنةً لعباده على ألسن ملائكته. ثم عقب رحمه الله على هذا الوجه من التفسير بقوله: وعندي أنه لا مُوجِب لهذا الوجه من التعسُّف لما هو الظاهر، فإن لله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن بنَهَرِ طالوتَ، ولهذا يقول الملَكان: [البَقَرَة: 102] {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} . اهـ. وقد اختار هذا الترجيح أيضًا الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح (10/234) ، حيث قال: [وقوله: {وما أنزل} ، «ما» موصولة، ومحلها النصب عطفًا على السحر، والتقدير: يعلِّمون الناس السحر، والمُنْزَلَ على الملكين] ، ثم ذكر رحمه الله وجه النفي، وقال بعده: [والجمهور على خلافه وأنها موصولة] .

(1/24)


وما كفر سليمان بعمل السحر ولكن الشياطين هم الذين كفروا بافترائهم ذلك، وتعليمهم السحر للناس، وتعليمهم أيضًا ما أُلهِم الملكين ببابل (1) هاروت وماروت (2) وعُلِّماه - فتنة واختبارًا للناس - من سحر التفريق. _________ (1) بابِل المذكورة في الآية، هي بابل العراق، - كما اختاره الإمام ابن كثير في تفسيره، لا بابل دُنْبَاوَنْد - كما ذكره الإمام الطبري عن السُّدِّي رحمه الله، في تفسيره [1/504] ، وقد حدّد الإمام ابن كثير بدقة متناهية موضع بابل من العراق! فقال رحمه الله: [وقال أصحاب الهيئة: وبُعد ما بين بابل - وهي من إقليم العراق - عن البحر المحيط الغربي، ويقال له: أوقيانوس: سبعون درجة، ويسمّون هذا طولاً، وأما عرضها وهو بُعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت - أي: المقابل والموازي - لخط الاستواء: اثنان وثلاثون درجة، والله أعلم] . اهـ. انظر: تفسير ابن كثير ص128، ط - بيت الأفكار. وأصحاب الهيئة، هم: المشتغلون بعلم الهيئة - أي علم الفلك -[وهو (علم يُبْحَث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسُّفلية، من حيث الكمية والكيفية والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها] انظر: موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون. للعلاّمة محمد التهانوي [1/61] . وذكر الحَمَوي في معجم البلدان [1/367] أن بابل - بكسر الباء - اسم ناحيةٍ من الكوفة والحِلَّة، ينسب إليها السحر والخمر. وبابل هي غير (بَابِلْيون) ، التي هي اسمٌ عام لديار مصرَ بلغة القدماء وأهل الكتاب كما ذكره الحَمَويُّ ايضًا [1/370] . أما سبب تسمية بابل، فذكر القرطبي [2/53] (عن ابن عبد البر أنه قال: أخصر وأحسن ما قيل في ذلك ما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نوحًا عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجُودِيّ ابتنى قرية وسمّاها ثمانين، فاصبح ذات يوم، وقد تَبَلْبَلَتْ ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم عن بعض) . أما دُنْبَاوَنْد فذكر الحموي في معجم البلدان [2/541] أنها لغة في دُبَاوند، وهو جبل - من نواحي الرَّيِّ - عالٍ مشرف شاهق شامخ، لا يفارق أعلاه الثلج شتاءً ولا صيفًا، وزعم العامّة أن سليمان ابن داود عليهما السلام قد حبس فيه ماردًا من مردة الشياطين، يقال له: صخرٌ المارد. (2) ذكر القرطبي [2/53] أنهما اسما عَلَم على المَلَكين، وهما أعجميان لا ينصرفان، والجمع: هَوَاريت ومَوَاريت، مثل طواغيت، ويقال: هَوَارتة وهَوَار، ومَوَارتة ومَوَار، ومِثْلُه جالوت وطالوت. [وقد كان إنزال الملكين هاروت وماروت للتمييز بين السحر وبين المعجزة، التي هي أمر خارق للعادة يظهر على يد النبيِّ، حيث كَثُر السحر في ذلك الزمان، وأظهر السحرة من الأمور الغريبة ما يُوقِع الشكَّ في النبوَّة، فبعث الله هذين الملكين لتعليم أبواب السحر، ... حتى يزيلا الشُّبَه، ويميطا الأذى عن الطريق. والظاهر: أنهما نزلا بصورة آدميةٍ، ولا بُعْدَ في ذلك، فقد كان جبريل عليه السلام ينزل بصورة دحية الكلبي، وغيره] . انظر: تفسير نور الإيمان للشيخ محمد مصطفى أبي العلا ص 147. أما ما ورد في شأن قصة هاروت وماروت فقد ذكر ابن كثير في تفسيره [1/146] بعد أن استوعب جميع المرويّ في ذلك أنه [مع كثرة الروايات عن خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، إلا أن حاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيلَ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمالُ القصةِ، من غير بَسْطٍ ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال] . لكنْ مع ذلك فإن الإمام ابن حجر رحمه الله ذهب إلى أن لقصة الملكين أصلاً، فقال: [وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها بحيث يُقضى بمجموعها على أن للقصة أصلاً، خلافًا لمن زعم بطلانها كالقاضي عياض ومن تبعه] . انظر: الفتح (10/235) . ولعل سبيل الجمع بين مذاهب أهل العلم في ذلك: أن ما يرويه المفسرون في قصة هاروت وماروت لا يصح رفعه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك لكونه لم يستجمع شروط الصحيح، المُصطلَح عليها عند أهل الحديث، ولكون تفصيلاتها من جملة أخبار بني إسرائيل، التي لا يعوّل عليها، لذا فقد أنكرها جمعٌ من ثقات الأئمة وعلماء الإسلام، كالقاضي عياض، والفخر الرازي، والشهاب العراقي، والإمام ابن كثير، والعلاّمة الآلوسي والأستاذ سيد قطب رحم الله الجميع، إلا أن كثرة المروي في ذلك، واستفاضة طرقه، يشير بوضوح - حسبما يرى الإمام ابن حجر رحمه الله - إلى أن للقصة أصلاً، لكن غاية ما هنالك أنهم لم يجيزوا تصحيح رفعها عند من أنكرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقتصروا على ما في القرآن مجملاً على ما أراده الله تعالى، والله أعلم.

(1/25)


أما وجه هذا الاختيار، فلأمور منها: أ- ... أن إدراج التقديم والتأخير في عبارات الآية الكريمة، يتنافى مع مقام القرآن أحسن الحديث، والبالغ شأوًا لا يُقارَب من درجات البلاغة وإعجازًا لا يبارى في منازل الفصاحة. ب - ... أن ثمة فرقًا شاسعًا بين نبل غاية الملكين من تعليم السحر، وخبث مرمى الشياطين في ذلك، فالنص الكريم قد صرّح بكون الملكين فتنة

(1/26)


وأن تعليمهم السحر للناس، إنما هو ابتلاء لهم، وتبرئة لسليمان عليه السلام مما افترته الشياطين عليه، وأنهما لا يعلمان أحدًا حتى يبذلا قصارى جهدهما في النصيحة له بنهيه عن ذلك التعلُّم، وإعلامه بمغبة ما يُقدِم عليه، ووقوعه بالكفر باعتقاده حقِّيَّته، وخسرانه المبين في آخرته. بينا كان تعليم الشياطين السحر للناس، افتراء على سليمان عليه السلام، وكفرًا بنبوته وشرعه، ودعوة إلى العمل بالسحر، وإضلالاً لعباد الله تعالى، فشتَّانَ بين مُحَذِّرٍ من ضلالة، وبين داعٍ إليها. جـ- ... أن السحرة قد كثروا في ذلك الزمان ببابل، وأن بعضهم قد افتتن الناس به، حتى ادَّعَوا له نبوة، فبعث الله هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر، حتى يزيلا اللبس الحاصل عند الناس بين معجزات الأنبياء وأباطيل السحرة. د- ... أن في جعل (هاروت وماروت) بدلاً من الشياطين، ما لا يخفى من تكلُّفٍ، لا يتناسب مع قواعد العربية التي توجب أن يكون البدل مطابقًا للمبدل منه، فكيف يكون اثنان بدلاً من جمع، وهو نادر في لغة العرب، فضلاً عن أن السياق هنا يأباه. هـ- ... أن دأْب الشياطين ودَيْدنهم هو تزيين الباطل، وتسويل الإضلال والدعوة إلى الكفر، كما قال تعالى: [الحَشر: 16] {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ *} . فكيف يسوغ أن يكون هاروت وماروت من الشياطين، مع كونهما - بنص الآية - يحذران المتعلم أشد التحذير من تعلّم السحر، وينهيانه أعظم النهي عن الوقوع بما يتسبب بكفره؟ ثم هما لا يعلّمان إلا من أبى أن ينزجر عما زجراه عنه، فلو كانا شيطانين لرحّبا به أيما ترحيب، فهو قد أقبل عليهما بكلّيته لا يريد إلا غاية ما يسعيان لأجله، وهو إضلال الناس.

(1/27)


أخي القارئ الكريم: هذا ما وفقني الله تعالى لاختياره من اجتهاد أهل العلم في هذه المسألة، ولا أجزم بترجيح فيه، إلا أنه - كما ذكر آنفًا - هو قول الجمهور منهم، ولغيرهم اجتهاده، ولكلٍّ منهم أدلته وتعليله، والله أعلم بمراده. المسألة الثانية: قد يلتبس على البعض جواز تعليم الملائكة الناس التفريقَ بين المرء وزوجه، مع ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة عن المعصية، فكيف يمكن التوفيق بين هذا وذاك؟ [إن السحر مما قد نهى الله عباده من بني آدم عنه، فغيرُ منكَرٍ أن يكون جلّ ثناؤه علّمه الملكين الذين سمّاهما في تنزيله، وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم - كما أخبر عنهما أنهما يقولان لمن يتعلم ذلك منهما: [البَقَرَة: 102] {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} ، ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه، وعن السحر، فيمحِّصَ المؤمنَ بتركه التعلم منهما، ويخزي الكافر بتعلمه السحر والكفرَ منهما، فيكون الملكان في تعليمهما مَنْ علّماه ذلك لله مطيعَيْن، إذ كانا - عن إذن الله لهما - يعلّمان. وقد عُبد من دون الله جماعة من أولياء الله، فلم يكن ذلك لهم ضائرًا، إذ لم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بل عُبد بعضهم والمعبود عنه ناهٍ. فذلك الملكان غير ضائرهما سحرُ مَن سَحَر، ممن تعلم ذلك منهما، بعد نهيهما إياه عنه، وعِظتهما له بقولهما: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} إذا كانا قد أدّبا ما أُمِرا به بقيلهما ذلك] (1) كذلك [فإن هذين الملكين قد سبق في علم الله تعالى لهما إنزالها بابل, وإنزال علم التفريق بين المرء وزوجه عليهما, فيكن هذ ... اتخصيص لهما من جملة الملائكة عليه السلام, فلا تعارض حينئذ, وذلك كما سبق في علمه تعالى من أمر إبليس من استكباره عن السجود لآدم, مع كونه في الملأ الأعلى وقد _________ (1) انظر: تفسير الطبري (1/501) .

(1/28)


قيل إنه كان من الملائكة, لقوله تعالى: [البَقَرَة: 34] {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت - على ما ذُكِر - أخفُّ مما وقع من إبليس لعنه الله] (1) . 7- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} . [تأويل ذلك: وما يعلِّم الملكان أحدًا من الناس الذي أنزل عليهما من التفريق بين المرء وزوجه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاء وفتنة لبني آدم، فلا تكفر بربّك، فيأبَوْن قبول ذلك منهما، فيتعلمون منهما السحر الذي يفرقون به بين الرجل وامرأته] (2) [وفي معنى {يعلمان} قولان؛ أحدهما: أنه من باب التعليم، الثاني: أنه من الإعلام لا من التعليم، فـ {يعلمان} بمعنى يُعْلِمان، وقد جاء في كلام العرب تعلّم بمعنى: اعْلَم] (3) . فيكون المعنى على القول الثاني: [أن الملكين يعلّمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه] (4) ، فيخبرانهم أن تعلمه والعمل به موجب لكفرهم، ولحرمانهم من نصيبهم من التنعُّم في الآخرة. [وأما الفتنة، فهي المحنة والاختبار، كما قال تعالى إخبارًا عن موسى عليه السلام: [الأعرَاف: 155] {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} ، أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك] (5) . _________ (1) انظر: تفسير ابن كثير ص 124، ط - بيت الأفكار. (2) انظر: تفسير الطبري (1/506-507) . (3) انظر: تفسير القرطبي (2/54) . (4) المرجع السابق (2/53) . (5) انظر: تفسير ابن كثير (1/148) .

(1/29)


8- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ، وهنا مسألتان أيضًا: الأولى: هل ما أُنزل على الملكين من تفريق بين المرء وزوجه، هو عينُه السحر الذي تُعلِّمه الشياطين، أم هو معنىً غير السحر؟ وهل يقدر الساحر على أكثر من التفريق؟ قال قتادة رحمه الله: (السحر سِحران: سحر تعلّمه الشياطين، وسحر يعلّمه هاروت وماروت) (1) ، وعلى ذلك يكون السحر الذي أنزل على الملكين هو سحر خاص بالتفريق بين المرء وزوجه. [ويكون عطف: {وما أنزل} على لفظ {السحر} ، لتنزيل تغاير المفهوم منزلة تغاير الذات] (2) ، فما أنزل على الملكين هو مغاير في ذاته لما تعلمه الشياطين الناس من ضروب السحر، ثم تفتري على ملك سليمان بأنه كان يسخّر من يسخّر بالسحر. والثانية: كيف يمكن للساحر التفريق بين المرء وزوجه، مع عِظم ما بينهما من الخِلْطة والائتلاف؟! [إن سبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيَّل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظرٍ أو خُلُقٍ أو نحو ذلك، أو عَقْدٍ أو بَغْضَةٍ، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفُرقة] (3) . ذلك أن [السحر تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عَيْنه وحقيقته، فتفريق الساحر بين المرء وزوجه يكون بإحداثه السبب الذي كان منه فُرْقَةُ ما بينهما] (4) . حيث لا يرى كل منهما إلا مساوئ صاحبه، ولو كانت غير ذات بالٍ، فإن الساحر يعمل بسحره على _________ (1) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (1/498) ، بإسناد صحيح. (2) انظر: نور الإيمان في تفسير القرآن للشيخ محمد أبي العلا ص 147. (3) انظر: تفسير ابن كثير 128، ط - بيت الأفكار. (4) انظر: تفسير الطبري (1/508) .

(1/30)


تبغيض كلٍّ منهما بالآخر، ليرى كلاهما تلك المساوئ البسيطة الهيِّنة عظيمةً مَهُولة، حتى يكاد كل منهما لا يطيق احتمالاً لذلك ولو لمرة واحدة، فما الحال إذًا عند تكرار ذلك؟ عندها تستحيل بنظر كل منهما الحياة الزوجية، فيتمّ فِراق ما بينهما، والعياذ بالله تعالى. 9- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، فمَنْ هؤلاء؟ وكيف يكون ضرر السحر؟ وهل (مِنْ) في الآية زائدة؟ وما معنى (بإذن الله) ؟ في قوله سبحانه: [البَقَرَة: 102] {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ، ثم نفي ذلك بقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} ؟ هذه ستُّ مسائلَ يَجْمُل بيانُها ليتبين المقصود من الآية الكريمة. أ- ... أما الضمير في قوله تعالى: {وما هم} ، فهو يشير إلى: السحرة؛ سواء منهم من تعلم سحر الشياطين، أم سحر التفريق من الملكين، ويستوي في ذلك السحرة من اليهود أو من غيرهم. [ففي قوله تعالى: {وما هم} إشارة إلى السحرة، وقيل إلى اليهود، وقيل إلى الشياطين] (1) . والمعنى: (وما المتعلمون من الملكين هاروت وماروت المعنى الذي يفرّقون به بين المرء وزوجه، بضارين من أحد من الناس إلا _________ (1) انظر: تفسير القرطبي (2/55) .

(1/31)


من قضى الله عليه - بإرادته الكونية القدرية - أن ذلك يضرّه، فأما من دفع الله عنه ضُرّه، وحفظه من مكروه السحر والنفث والرقى - أي رقى الجاهلية - فإن ذلك غير ضارِّه، ولا نائله أذاه] (1) . ب - ... أما ضرر السحر، [ففي إسناد - الآية - التفريق إلى السحرة وجعلها السحر سببًا لذلك، دليل على أن للسحر تأثيرًا في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد] (2) ، أما كيفية تأثير السحر بالتفريق، فقد سبق أن الساحر يُحدِث تخييلاً للمساوئ لكلٍّ من الزوجين، بخلاف ما هو به على الحقيقة. لكنْ بعد ثبوت ذلك من ضرر السحر، هل يستطيع الساحر تجاوز هذا الحد من الضرر، أم أن ذلك هو غاية ما يمكنه فعله؟ [ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة، لأن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذمّ للسحر وبيّن ما هو الغاية في تعليمه؛ فلو كان الساحر يقدِر على أكثر من ذلك لَذَكَره، وقالت طائفة: إن ذلك خرج مخرج الأغلب، - أي أن أغلب عمل السحرة متعلق بالتفريق - لكن الساحر يقدر على غير المنصوص عليه] (3) . [فلا يُنكَر أن يظهر على يد الساحر خَرْق العادات مما ليس في مقدور البشر؛ من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضوٍ، ولا يبعد في السحر أن يستدقَّ جسم الساحر حتى يتولّج في الكُوَّات والخوخات والانتصاب على رأس قصبةٍ، والجري على خيط مستدِقٍ، _________ (1) انظر: تفسير الطبري (1/509) . (2) انظر: تفسير الشوكاني (1/170) . (3) انظر: تفسير القرطبي (2/54) .

(1/32)


والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلبٍ، وغير ذلك] (1) . لكنْ [قد أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقُمَّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر] (2) . جـ- ... أما كون «من» زائدة في قوله تعالى: {من أحد} - في الموضعين -، كما ذكر عامّة المفسرين. فليس مقصودهم بذلك - كما قد يفهم البعض أن أهل التفسير يدّعون أن ثمة ألفاظًا مزيدة لا عمل لها!! لكنّ مقصودهم أنها قد زِيدت إلى السياق لإفادة معنى لا بدّ منه، كالتوكيد مثلاً (3) ، فيكون المعنى هنا: أنه ليس من أحد على الإطلاق يعلمه الملكان إلا بعد إنذاره وتبيين عاقبة أمر متعلم السحر والعامل به. كذلك فإن السحر، بعد أن يتعلمه السحرة ويعملوا به، ليس يضر مسحورًا على الإطلاق إلا من قضى الله عليه - بإرادته الكونية القدرية - أن ذلك يضره. د- ... قد تقرر أن السحر لا يضر مسحورًا إلا بإذن الله، فهل الإذن هنا بمعنى السماح لهم بفعل ذلك الضر؟! نقول: حاشَ لله تعالى أن يسمح بما فيه ضر لعباده، دون _________ (1) المرجع السابق (2/46) . (2) انظر: تفسير القرطبي (2/47) . (3) انظر: تفسير الشوكاني (1/120) . والقرطبي (2/55) . والطبري (1/509) .

(1/33)


استحقاق منهم لذلك. فإن الله جل ثناؤه قد حرّم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر، فكيف بذلك على وجه السحر؟ ثم إن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق بها. فإن تقرر ما سبق، فما معنى إذن الله بضر المسحور؟ قد ذكر أهل التأويل في ذلك وجوهًا محصّلها (1) أن الإذن، قد يكون بمعنى: إرادة الله تعالى الكونية والقدرية، وقضاؤه بذلك. وهذا يكون بتخلية الله تعالى بين المأذون له (الساحر) والمخلّى (المسحور) بما سبق في علم الله سبحانه ومشيئته وخلقه. فيكون المعنى - على ذلك -: أن السحرة لا يضرون بسحرهم إلا من سبق في قضاء الله أن السحر يضره، ومَنْ سبق بعلمه تعالى وقوع ذلك له، فيخلّي سبحانه - عند وقوع السحر - بين ضرر سحر الساحر، وبين المسحور فيخلق سبحانه أثر السحر فيتأثر المسحور عندها فيضره السحر، وذلك بما سبق بمشيئة الله تعالى. وبذلك تحق الفتنة على المفتونين من السحرة إن هم أصروا على تعلم السحر والعمل به، ويختبر الله من سبق كذلك علمه سبحانه أن السحر يضره، فيبتليه بالصبر على ما أصابه ولم يكن ليخطئه، كذلك يبتلي الله الناس عامة - بوصول ضرر السحر إلى المسحور -: هل ترتاب قلوبهم في صدق الأنبياء ومعجزاتهم، فيعتقد بعضهم أنهم سحرة - والعياذ بالله - فيكفر بذلك الاعتقاد، ثم يزداد كفرًا بتعلّمه السحر والعمل به؟ أم يثبت الناس على جادة الحق فيميز أحدهم بين النبيِّ والساحر، والمعجزة والسحر، فيكون _________ (1) انظر: تفسير فتح القدير للإمام الشوكاني (1/121) ، وتفسير الطبري (1/489) .

(1/34)


ذلك من مزيد إيمانه وعظيم يقينه، فيعظُم أجره ومثوبته بذلك؟ لذا فقد كان تعليم الملكين للسحر تعليمَ تحذيرٍ بوجوب اجتنابه، ونذارةٍ منه، ونهي شديد عنه، لا تعليم دعاء إليه، أو حثٍّ على طلب تحصيله، فهما في الحقيقة ممتثلان طاعة الله في التحذير من الفتنة، وإزالة الشُّبَه في ثبوت المعجزة، وإماطة الأذى عن طريق النبوَّات، وهذا - كما لا يخفى - بخلاف تعليم الشياطين للسحر، حيث لم يكتفوا بافترائهم الكذب على سليمان، بل دَعَوا إلى تعلم السحر، والعمل به، والدعوة إليه، واستبداله بشريعة الله، ومعجزات أنبيائه عليهم السلام، فهرع إليهم أولياؤهم من يهود ومن ترسّم خطاهم، فنبذوا تعاليم التوراة وكفروا بالنبيِّين عليهم السلام وبمعجزاتهم، ثم عمدوا إلى تعلم السحر والعمل به، وآمنوا بالسحرة وأباطيلهم، وعظموا أمرهم!! هـ- ... هؤلاء اليهود - الذين نبذوا عهود التوراة ونسَوْا ميثاق الله الذي واثقهم به، بأخذ تعاليم كتابه بقوة، واتبعوا السحر فصدقوا به وتعلموه وعملوا به - هل كانوا جميعًا بهذا الوصف؟ أم هم الأكثرون منهم؟ إن المتأمل في نص الآية الكريمة يجدها تشير - مع سباقها - إلى أنّ [جُلّ اليهود أربع فِرَقٍ: - ... فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها، كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأقلون المدلول عليهم بمفهوم قوله تعالى: [البَقَرَة: 100] {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} . - ... وفرقة جاهروا بنبذ عهود التوراة، وتخطي حدودها، تمردًا وفسوقًا، وهم المعنيون بقوله تعالى: [البَقَرَة: 100] {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} .

(1/35)


- ... وفرقة لم يجاهروا بنبذ تلك العهود، ولكن نبذوا لجهلهم، وهم الأكثرون المدلول عليهم بمنطوق قوله تعالى: [البَقَرَة: 100] {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} . - ... وفرقة، وهم العاملون بالسحر، تمسكوا بتلك العهود ظاهرًا ونبذوها خفية، عالمين بالحال، بغيًا وعنادًا، وهم المتجاهلون - مع كونهم يعلمون - وقد دل عليهم قوله تعالى: [البَقَرَة: 101] {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ، وهذا الفريق هو الأعظم خطرًا، والأشد كفرًا] (1) ، ذلك أن [هؤلاء من علماء اليهود الذين نقضوا عهد الله بتركهم العمل بما واثقوا الله على أنفسهم العمل بما فيه، كأنهم لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وتصديقه، فخالفوا أمر الله على علمٍ منهم بوجوبه عليهم] (2) . و ... أخيرًا، قد يتبادر إلى الفهم، وقوع تعارض بين ظاهر ما يدل عليه قوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} ، وما يدل عليه قوله سبحانه: [البَقَرَة: 102] {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، فالأول يثبت للسحرة التأثير بالتفريق، والثاني ينفي قدرتهم على الضرّ إلا بإذن الله، [والحق أنه لا تنافي بينهما، فإن المستفاد من جميع ذلك: أن للسحر تاثيرًا في نفسه، ولكنه - مع ذلك - لا يؤثر ضررًا إلا فيمن أَذِنَ الله بتأثيره فيه] (3) . _________ (1) انظر: نور الإيمان في تفسير القرآن للشيخ محمد مصطفى أبي العلا ص 145. (2) انظر: تفسير القرطبي (2/55) ، وتفسير الشوكاني (1/121) وتفسير الظلال (1/96) . (3) وهو ما رجّحه إمام المفسرين الطبري بقوله: كأنه قال جلّ ثناؤه: وما هم بضارّين بالذي تعلّموا من الملكين، من أحد إلا بعلم الله. يعني: بالذي سبق له في علم الله يضرّه. اهـ. انظر: تفسيره (1/509) .

(1/36)


10- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} . فهل يخلو تعلُّمُ السحرِ من أي نفع؟ وما هو أعظم ضررِ السحر؟ [الآية الكريمة فيها تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة، ولا يجلب إليه منفعة، بل هو ضرر محض وخسران بحت] (1) إذًا، فلِمَ يتعلم الناس السحر؟! الواقع أن المنفعة المنفية هنا هي المنفعة في الآخرة، وقد بيّن المولى عز وجل ضر السحر على صاحبه في الآخرة، فقال سبحانه: [البَقَرَة: 102] {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} ، فأي ضرر أعظم من تيئيس الساحر من رحمة ربه، وحسن ثوابه؟! [فالسحر يضر متعلمه في دينه، ولا ينفعه في معاده، فاما في العاجل في الدنيا، فإن السحرة قد كانوا يكسبون به ويصيبون به معاشًا] (2) ، لكن هذه المنفعة العاجلة في الدنيا - غير المباركة - لا يمكن مقارنتها بنفع الآخرة، كما أن الضر المترتب على تعلم السحر في الآخرة لا يوازيه بحالٍ عَرَضٌ من حطام الدنيا قليل، [ويكفي أن يكون هذا الشر المترتب على السحر هو الكفر، ليكون ضرًا خالصًا لا نفع فيه] (3) ، حتى لو توهّم السحرة أن فيه نوعَ منفعةٍ لهم. والحاصل: أن السحر يضر السحرة في دينهم، وليس له نفع لهم يوازي ضرره، [بل إن ضره يشمل دنياهم، فالساحر إذا عثر عليه فإنه يؤدب ويُزجر ويلحقه شؤم السحر] (4) . 11- ... يقول تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} . وهنا _________ (1) انظر: تفسير الشوكاني (1/121) . (2) انظر: تفسير الطبري (1/510) . (3) انظر: تفسير الظلال لسيد قطب (1/96) . (4) انظر: تفسير القرطبي (2/55) .

(1/37)


خمس مسائل مهمة، تُوصِلُنا - إن شاء الله - إلى نهاية مطافنا مع أقوال أهل العلم، في فقه هذه الآية العظيمة، وهذه المسائل هي: هل تضمّن قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ} معنى القَسَم؟ وما الذي يُستفاد من ذلك؟ وما المراد بالشراء هنا؟ وما معنى الخَلاَق؟ وما الذي ذمّه الله من فعل أحبار اليهود في الآية؟ أ - ... [إن تحقيق «مَنْ» بـ «لام اليمين» في قوله تعالى: {لمن} ، دال على أن قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} ، بمعنى القسم، فيكون معنى الكلام: واللهِ لَمَنِ اشترى السحرَ ما له في الآخرة من خلاق، فقد عبر عن الفعل بقوله تعالى: {اشتره} ، ولم يقل: يشتروه، وذلك لدخول «لام القسم» ، على «مَنْ» ، وذلك كما يقال: أُقسِم لَمَنْ قام خير ممن قعد، وكما يقال: قد علمْتَ لَعمرٌو خيرٌ من أبيك. ب- ... ويستفاد من تضمن الآية معنى اليمين: مزيد توكيد علم أحبار اليهود بما تضمنته التوراة من عهد الله إليهم: أن الساحر - وقد اشترى السحر وترك دين الله - لا خلاق له عند الله يوم القيامة، والنار مثواه ومأواه] (1) . جـ- ... أما [المراد بالشراء هنا فهو: الاستبدال، فيكون المعنى: من استبدل ما تتلو الشياطين - أي فضّل ذلك واختاره وآثره - على كتاب الله تعالى] (2) . د - ... [وأما الخلاق، فقد ذكروا معاني له؛ منها: النصيب، والحُجَّة، والدِّين، والقِوام (3) ، وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى _________ (1) انظر: تفسير الطبري (1/510) . (2) انظر: تفسير الطبري (1/511) . (3) قِوام الأمر، بالكسر: نظامُه وعِماده، يقال: فلان قِوام أهل بيته، وقِوام الأمر أيضًا مِلاكه الذي يقوم به. انظر: مختار الصحاح مادة (ق وم) .

(1/38)


«الخَلاَق» في هذا الموضع: النصيب. لأن ذلك هو معناه في كلام العرب، فيكون المعنى: ما له في الدار الآخرة حظٌ من الجنة، من أجل أنه لم يكن له إيمان ولا دين ولا عملٌ صالح يجازَى به، فلا نصيب لهم في الآخرة من الخيرات، أما من الشرور فإن لهم فيها نصيبًا] (1) . - ... أما المذموم بقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ... } ، فهو: [فعلُ المتعلِّمين من المَلَكين التفريق بين المرء وزوجه، وهذا خبر منه جل ثناؤه عن هؤلاء: أنهم بئس ما شروا - أي باعوا - به أنفسهم، برضاهم بالسحر عوضًا عن دينهم الذي به نجاةُ أنفسهم من الهَلَكة، جهلاً منهم بسوء عاقبة فعلهم، وخسارةِ صَفْقة بيعِهم] (2) . كذلك، فإن الله تعالى قد ذم أحبار اليهود في ختام الآية بقوله: [البَقَرَة: 103] {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ، بأنهم إما أن يكونوا لا علم لهم بمغبّة ما يقدمون عليه من تعلم السحر وسوء عاقبة ذلك، أو أنهم علموا ثم تركوا العمل بعلمهم، والواقع - كما أخبرت الآية: [البَقَرَة: 102] {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} - أنهم يعلمون، [لكنهم آثروا اتباع الشياطين والعمل بما أحدثته من السحر على العمل بكتاب الله ووحيه وتنزيله، عنادًا منهم، وبغيًا على رسله، وتعديًا منهم لحدوده، على معرفةٍ منهم بما عند الله من العقاب والعذاب لمن فعل ذلك] (3) . [ولبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان لهم علم بما وُعِظوا به] (4) ، [فهم قد باعوا أنفسهم _________ (1) انظر: تفسير الطبري (1/511) . (2) المرجع السابق (1/512) . (3) انظر: الطبري أيضًا (1/512) . (4) انظر: تفسير ابن كثير ص 129، ط- بيت الأفكار.

(1/39)


بما لا يزيدهم إلا تبارًا وهلاكًا، حيث أوجب لهم هذا البيعُ النار، وهي عذاب أليم؛ فلو أنهم كانوا يعلمون حقيقة ما يصيرون إليه - من العذاب الأليم - ما تعلّموا السحر، ولا عملوا به، ولا كفروا] (1) . هذا - بحمد الله - ما يسّر الله تعالى من ذكرٍ لأقوال بعض أهل العلم في تدبّر معاني هذه الآية الكريمة. ولو شاء المرء استنباط جُلّ معانيها لما وسعه مصنَّف بتمامه، فسبحان من أنزل الكتاب، وأمر عباده بتدبّر آياته: [ص: 29] {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ *} . _________ (1) انظر: نور الإيمان في تفسير القرآن، للشيخ محمد مصطفى أبي العِلا ص: 150.

(1/40)


ب- النص الثاني: حديث «السِّحْر» . أولاً: ثبوت الحديث، وتعدُّد رواياته. ثانيًا: إيراد بعض روايات الحديث. ثالثًا: بيان غريب الألفاظ. رابعًا: جملة من دعاوى منكري الحديث، وردّها. خامسًا: مسائلُ مهمة متعلقة بالحديث. أولاً: ثبوت الحديث: هذا الحديث صحيح متفق عليه (1) ، فهو في أعلى درجات الصحيح _________ (1) يُطلق أهل الحديث - نضَّر اللهُ وجوهَهم - مصطلحَ: متفق عليه، ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، وذلك لاتفاق الأمّة على تلقّي ما اتفقا عليه بالقبول. فيكون اتفاق الأمّة عليه لازم من ذلك وحاصل معه. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص: 23. ... أما درجات الصحيح السبع، فقد ذكرها ابن الصلاح في مقدمته (ص: 23-24) بقوله: ذِكْر رُتَبِ الصحيح، وأن أعلاه ما اتفق عليه البخاري ومسلم، الثانية: صحيحٌ انفرد به البخاري، الثالث: صحيحٌ انفرد به مسلم، الرابع: صحيحٌ على شرطهما، الخامس: صحيحٌ على شرط البخاري، السادس: صحيحٌ على شرط مسلم، السابع: صحيحٌ عند غيرهما، وليس على شرط أحدهما. ومعنى انفرد به البخاري، أي: عن مسلم. وانفرد به مسلم، أي: عن البخاري، والمراد على شرطهما: أن يكون رجال إسناد الحديث في كتابيهما - أي البخاري ومسلم -، لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما. انظر: النكت على مقدمة ابن الصلاح لبدر الدين الزركشي (1/198) . وقيل: شرط البخاري المعاصرة مع اللقيا، ومسلم المعاصرة وحسب، كل راوٍ عمن روى عنه هذا، وقد ذكر الحاكم - في خطبة كتابه «المستدرك» أنه لا يشترط نفس الرجال المخرّج لهم في الصحيح، بل رواة احتج بمثلهم الشيخان أو أحدهما. انظر: المستدرك (1/146) . والمقصود بقول ابن الصلاح: صحيح عند غيرهما، أي ما حكم بصحته غير البخاري ومسلم، من أصحاب الكتب الستة. وهم الأربعة المعبّر عنهم بأهل السنن: (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) . انظر: النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي (1/273) .

(1/41)


السبع، وله حكم المتواتر (1) ، وقد تعددت روايات الحديث تعدادًا بالغًا؛ من ذلك ما أخرجه البخاري في ثمانية مواضع من صحيحه، وما أخرجه مسلم في موضع واحد من صحيحه، بطريقين (2) ، ومن أهل السنن أخرجه كلٌ من النَّسائي، وابنُ ماجَهْ، كما أخرجه من غير أصحاب الكتب الستة جمّ غفير من أعلام العلماء منهم الأئمة: أحمد في خمس مواضع من مسنده، والحُميدي في مسنده، وابن سعد في طبقاته الكبرى، وابن أبي شيبة في مصنفه، والبيهقي في دلائله، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة، وغيرهم رحم الله الجميع. ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن تعدد الروايات وكثرتها، يفيد تكاملاً في معانيها، وذلك لما حوته هذه الروايات من اختلاف في الألفاظ، وزيادات في العبارات، تجعل المتأمل بها يحيط بمعنى الرواية المتفق عليها، كما أنه يدرك تفصيلات في الحديث، هي ضرورة لفهمه فهمًا دقيقًا، وهاك - مكرمًا - نصَّ هذه الروايات بتمامها، فلا تَكَلّ عن مطالعتها ولا تَمَلّ من تدبّرها؛ محبة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وطلبًا لتبلّغ حديثه، ووعيًا له. ثانيًا: إيراد بعض روايات الحديث. 1- مَرْوِيُّ الإمام البخاري رحمه الله: وقد بلغ ثمانية أحاديث - كما سبق - وصل الإمام سبعةً منها عن عائشة رضي الله عنها، وروى أحدها معلقًا (3) ، وهذا تمام نصّ الروايات، بترتيب الإمام في صحيحه: _________ (1) انظر: زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم (4/222) ، للشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله. (2) روايتا مسلم؛ كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، لكن الأولى منهما من طريق ابن نمير عن هشام، والثانية: برواية أبي أسامة (حماد بن أسامة) ، عنه. (3) المراد بالتعليق: ما حُذِف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، ولو إلى آخر الإسناد. انظر: هدي الساري مقدمة فتح الباري، لابن حجر ص: 19.

(1/42)


1- ... سئل ابن شهاب - أي الزهري - رحمه الله: أَعَلى من سَحَر من أهل العهد قَتْلٌ؟ قال: بَلَغنا «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صُنِع له ذلك فلم يقتل من صَنَعه» ، وكان من أهل الكتاب (1) . 2- ... «أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُحِرَ، حتى كان يُخيَّل إليه أنه صنع شيئًا ولم يصنعه» (2) . 3- ... «سُحِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم، حتى كان يُخَيَّل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعلُه، حتى كان ذات يومٍ دعا ودعا، ثم قال: «أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما فيه شفائي؛ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما للآخر: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؛ قال: مطبوب، قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بنُ الأعصم، قال: فيما ذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: وأين هو؟ قال: في بئرِ ذَرْوَانَ» . فخرج إليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ثم رجع، فقال لعائشةَ حين رجع: «نَخْلُها كأنه رؤوسُ الشياطين» ، فقلت: أستخرجتَه؟ فقال: «لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيتُ أن يثير ذلك على الناس شرًا» . ثم دُفِنَتِ البئرُ (3) . 4- ... «سَحَر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بني زُرَيْقٍ، يقال له: لَبيدُ بنُ الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخَيَّل إليه أنه يفعل الشيء وما فَعَلَه، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلةٍ وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: «يا عائشةُ، أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فقال: مطبوبٌ، قال: من طَبَّه؟ قال: لَبيد بنُ الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وَجُفِّ طَلْعِ نخلةٍ ذَكَرٍ، _________ (1) أخرجه البخاري - معلقًا -؛ كتاب: الجزية والموادعة، في ترجمة باب: هل يُعفى عن الذمّي إذا سَحَر؟. (2) التخريج السابق، برقم (3175) ، عن عائشة رضي الله عنها. (3) أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الخَلْق، باب: صفة إبليسَ وجنودِه، برقم (3268) ، عن عائشة رضي الله عنها.

(1/43)


قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذَرْوَانَ» . فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناسٍ من أصحابه، فجاء فقال: «يا عائشةُ، كأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَاء، أو كأن رؤوسَ نخلِها رؤوسُ الشياطين» . فقلت: يا رسول الله: أفلا استخرجتَه؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهت أن أثوّر على الناس فيه شرًا» . فأمر بها فدُفِنَتْ (1) . 5- ... «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِرَ، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتِيهِنَّ - قال سفيانُ: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا - فقال: «يا عائشةُ، أَعَلِمْتِ أن اللهَ قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؛ أتاني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي، والآخرُ عند رِجْلَيَّ، فقال الذي عند رأسي للآخَرِ: ما بالُ الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لَبِيد بنُ أعصمَ - رجل من بني زُرِيْقٍ حليف ليهود، كان منافقًا - قال: وفيمَ؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ، قال: وأين؟ قال: في جُفِّ طلعةٍ ذكرٍ، تحت رَعُوفَةٍ في بئر ذَرْوَانَ» . قالت: فأتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم البئرَ حتى استخرجه، فقال: «هذه البئر التي أُرِيتُها، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّا، وكأن نخلَها رؤوسُ الشياطين» . قال: فاستُخرِج، قالت: فقلت: أفلا؟ - أي: تنشّرتَ - فقال: «أما اللهُ فقد شفاني الله، وأكره أن أُثير على أحدٍ من الناس شرًا» (2) . 6- ... سُحِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، حتى إنه ليُخَيَّلُ إليه أنه يفعل الشيء وما فَعَلَه، حتى إذا كان ذات يوم، وهو عندي، دعا الله ودعاه، ثم قال: «أَشَعَرْتِ يا عائشةُ _________ (1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: السحر، برقم (5763) ، عن عائشة رضي الله عنها. قال البخاري عقب الرواية: قال الليث وابنُ عيينة - أي سفيان -، عن هشام (بن عروة) : «في مُشطٍ ومُشاقةٍ» . يقال: المُشاطة: ما يَخْرج من الشعر إذا مُشِطَ، والمُشَاقة: من مُشَاقَةِ الكَتَّان. اهـ. (2) أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: هل يستخرج السحر؟ برقم (5765) عن عائشة رضي الله عنها.

(1/44)


أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه» . قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوبٌ، قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لَبيد بنُ الأعصم اليهوديُّ من بني زُرِيْقٍ، قال: فيما ذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ وَجُفِّ طلعةٍ ذَكَرٍ، قال: فأين هو؟ قال في بئر ذي أَرْوَانَ» . قال: فذهب النبيُّ في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخلٌ، ثم رجع إلى عائشة فقال: «واللهِ لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوسُ الشياطين» . قلت: يا رسول الله، أفأخرجتَه؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيتُ أن أُثَوِّرَ على الناس منه شرًا» وأمر بها فدُفِنَتْ (1) . 7- ... «مكث النبيُّ صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، يُخيَّل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي، قالت عائشة: فقال لي ذات يوم: يا عائشة، إن الله أفتاني في أمر استفتيتُه فيه: أتاني رجلان، فجلس أحدُهما عند رِجْلَيَّ والآخرُ عند رأسي، فقال الذي عند رِجْلَيَّ للذي عند رأسي: ما بالُ الرَّجُل؟ قال: مطبوب، يعني: مسحورًا، قال: ومَنْ طَبَّه، قال: لبيد بن أعصمَ، قال: وفيم، قال: في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ في مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ، تحت رَعُوفَةٍ في بئر ذَرْوانَ» . فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: «هذه البئر التي أُرِيتُها، كأن رؤوس نخلها روؤس الشياطين، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء» فأمر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم فأُخرج، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله فَهَلاَّ، تعني تَنَشَّرْتَ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أما الله فقد شفاني، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرًا» . قالت: ولبيد بن أعصمَ، رجل من بني زُرِيْق، حليف ليهودَ (2) . _________ (1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: السحر، برقم (5766) ، عن عائشة رضي الله عنها. (2) أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: قول الله تعالى: [النّحل: 90] {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ... } . برقم (6063) ، عن عائشة رضي الله عنها.

(1/45)


8- ... أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طُبَّ، حتى إنه لَيُخَيَّلُ إليه أنه صنع الشيء وما صَنَعه، وأنه دعا ربّه، ثم قال: أَشَعَرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه» ، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرَّجُل؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجُفّ طلعةٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذَرْوَانَ» ، وذروان بئر في بني زُرَيْقٍ، قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة رضي الله عنها، فقال: «واللهِ لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوس الشياطين» . قالت: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرها عن البئر، فقلت: يا رسول الله فهلاّ أخرجتَه؟ قال: «أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا» (1) . 2- مَرْوِيُّ الإمام مسلم رحمه الله (2) : «سَحَر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌّ من يهود بني زُرِيْقٍ، يقال له: لَبِيدُ بنُ الأعصم، قالت - أي عائشة رضي الله عنها - حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخَيَّلُ إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعلُه، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشةُ، أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ جاءني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، _________ (1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: تكرير الدعاء، برقم (6391) ، عن عائشة رضي الله عنها. (2) ما أوردته في المتن، هو نص رواية مسلم، من طريق عبد الله بن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها. أما روايته من طريق أبي أسامة - حماد بن أسامة - عن هشام، ففيه: «فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخل، وقالت: قلت يا رسول الله، فأَخْرِجه، ولم يقل: أفلا أحرقته. ولم يذكر: «فأمرتُ بها فَدُفِنَتْ» . اهـ. ... والمعنى: أن أبا كريب الراوي عن أبي أسامة لم ينقل عنه قول عائشة رضي الله عنها: أفلا أحرقته، بل نقل عنه قولها: فأخرجه. كما أنه لم ينقل عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «فأمرت بها فدفنت» ، كما نقله بروايته عن عبد الله بن نمير، رحم الله الجميع.

(1/46)


فقال الذي عند رأسي للذي عند رِجْلَيَّ، أو الذي عند رِجْلَيَّ للذي عند رأسي: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ، قال: وَجُفّ طلعةِ ذكرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أَرْوَانَ» . قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناسٍ من أصحابه، ثم قال: «يا عائشة، واللهِ لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنّاء، ولكأن نخلَها رؤوسُ الشياطين» . قالت: فقلت يا رسول الله، أفلا أحرقتَه؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا، فأمرتُ بها فدُفِنَتْ» (1) . 3- مرويُّ النَّسائي رحمه الله: وهو في موضع واحد من سننه عن زيد بن أرقم، ولفظه: سَحَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن رجلاً من اليهود سَحَرك، عقد لك عُقدًا في بئر كذا كذا، فأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فاستخرجوها، فجيئ بها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نُشِط من عِقالٍ، فما ذكر ذلك لذلك اليهودي، ولا رآه في وجهه قَطُّ (2) . 4- مرويُّ ابنِ ماجَهْ رحمه الله: وهو كذلك في موضع واحد من سننه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَحَر النبيَّ صلى الله عليه وسلم يهوديٌّ من يهود بني زُرَيْقٍ، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، قالت: حتى إذا كان ذات يومٍ، أو كان ذات ليلةٍ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشةُ، أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ جاءني رجلان، فجلس أحدهما _________ (1) صحيح مسلم؛ كتاب: السلام، باب: السحر، برقم (2189) ، عن عائشة رضي الله عنها. (2) سنن النَّسائي، كتاب: المحاربة، باب: سَحَرة أهل الكتاب، برقم (4085) .

(1/47)


عند رأسي والآخر عند رجليَّ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجليَّ، أو الذي عند رجليَّ للذي عند رأسي: ما وجع الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشطٍ ومُشاطةٍ وجُفِّ طلعةٍ ذكرٍ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذي أروانَ» ، قالت: فأتاها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أناسٍ من أصحابه، ثم جاء فقال: «واللهِ يا عائشةُ لكأنَّ ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأنَّ نخلَها رؤوس الشياطين» ، قالت: يا رسول الله، أفلا أحرقتَه؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهتُ أن أثير على الناس منه شرًا» فأمر بها فدُفِنَتْ (1) . 5- مرويُّ الإمامِ أحمدَ رحمه الله: روى الإمام الحديث في خمس مواضعَ من المسند - كما سبق ذكره - كلُّها في مسند النساء، من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، وهاك نصَّها: - ... «سُحِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فيُخَيَّلُ إليه أنه قد صنع شيئًا ولم يصنعه» (2) . - ... «سحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌّ من يهود بني زُرَيْقٍ، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه (أنه) يفعل الشيء وما يفعله، قالت: حتى إذا كان ذات يومٍ، أو ذات ليلةٍ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشةُ، شعرتُ أن الله عزّ وجلّ قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه، جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ. فقال الذي عند رأسي للذي عند رِجْلَيَّ، أو الذي عند رِجْلَيَّ للذي عند رأسي: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشطٍ _________ (1) سنن ابن ماجَهْ، كتاب: الطب، باب: السحر، برقم (3545) . ويُلحظ - هنا - مطابقة هذه الرواية لما عند مسلم رحمه الله من طريق ابن نمير، عن هشام، عن عروة، عن عائشةَ رضي الله عنها. (2) أخرجه أحمد (6/51) .

(1/48)


ومُشاطةٍ وجُفِّ طلعةٍ ذكرٍ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر أروانَ» ، قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناسٍ من أصحابه، ثم جاء فقال: «يا عائشةُ كأنَّ ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأنَّ نخلَها رؤوس الشياطين» ، قالت: يا رسول الله، فهلاّ أحرقتَه؟ قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله عزّ وجلّ، وكرهتُ أن أثير على الناس منه شرًا» فأمر بها فدُفِنَتْ (1) . - ... «لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستَّةَ أَشْهُر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه والآخرُ عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما بالُه؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لَبيد بن الأعصم، قال: فيم؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ في جُفِّ طلعةِ ذكرٍ، في بئر ذَرْوَانَ تحت راعوفةٍ، فاستيقظ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من نومه، فقال: «أيْ عائشةُ ألم تَرَيْ أن الله أفتاني فيم استفتيته، فأتى البئر، فأمر به فأُخرِج، فقال: هذه البئر التي أُرِيتُها، واللهِ كأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، وكأن روؤس نخلِها رؤوس الشياطين» ، فقالت عائشة: لو أنك - قال: كأنها تعني أن يَنْتَشِرَ - قال: «أما والله قد عافاني الله، وأنا أكره أن أثير على الناس منه شرًا» (2) . - ... «سُحِر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعلُه، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندها دعا اللهَ عزّ وجلّ، ودعاه، ثم قال: «أَشَعَرْتِ أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه» ، قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وجُفِّ طلعةِ ذكرٍ» ، قال: فأين هو؟ قال: «في بئر (ذي أَرْوَانَ) . فذهب النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشةَ فقال: «والله لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوس الشياطين» ، قلت: يا رسول الله فأَحْرِقْه، قال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله عزّ وجلّ، وخشيتُ أن أُثوِّر على الناس منه شرًا» (3) . - ... أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِر له، حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء ولم يصنع، حتى إذا كان ذات يوم رأيته يدعو. فقال: «شَعَرْتُ أن الله عزّ وجلّ قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه، فقال: أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قال الآخر: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وَجُبِّ أو جُفِّ طلعةِ ذكرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذي _________ (1) أخرجه أحمد (6/57) . (2) أخرجه أحمد، (6/63) . (3) أخرجه أحمد، (6/63-64) .

(1/49)


أَرْوَانَ» ، قال: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عائشة، قال: «وكأنها رؤوس الشياطين، وكأن ماءها نُقاعة الحِنَّاء» ، فقلت: يا رسول الله، فأخرجتَه للناس، فقال: «أما الله عزّ وجلّ فقد شفاني، وخشيتُ أن أُثوِّر على الناس منه شرًا» (1) . 6- ما رواه الحُمَيديُّ في «مسنده» : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهم، قالت: فقال ذات يوم: «يا عائشة، أعلمتِ أن الله عزّ وجلّ أفتاني في أمر استفتيته فيه: أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رِجْلَيَّ، والآخر عند رأسي، فقال الذي عنه رجليَّ للذي عند رأسي: ما بالُ الرَّجُلِ؟ قال: مطبوب. قال: ومَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن أعصمَ. قال: وفيم؟ قال: في جُفِّ طلعةِ ذكرٍ، في _________ (1) أخرجه أحمد، (6/96) .

(1/50)


مشط ومشاقة، تحت راعوفة في بئر ذروان» قالت: فجاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هذه البئر التي أُرِيتُها، كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء» ، قالت: فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرج، فقلت: يا رسول الله فهلاّ؟ قال سفيان - أي ابن عيينة - يعني تنشَّرتَ؟ فقال: «أما والله فقد شفاني، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس منه شرًا» قالت: ولبيد ابن أعصمَ رجل من بني زُرَيْقٍ حليفٌ ليهود (1) . 7- ما رواه ابن سعدٍ في «الطبقات الكبرى» : وقد أخرجه في ثلاثة مواضع فيها: الأول: عن عائشة رضي الله عنها (2) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِرَ له حتى كان يخيّل إليه أنه يصنع الشيء ولم يصنعه، حتى إذا كان ذات يوم رأيتُه يدعو، فقال: «أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيته؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما: ما وجع الرَّجُلِ؟ فقال الآخر: مطبوب. فقال: مَنْ طَبَّه؟ فقال: لبيد بن الأعصم، قال: فيمَ؟ قال: في مُشط ومُشاطة، وجُبِّ طلعةٍ ذكرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذي ذروان» ، قال: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع أخبر عائشة فقال: «كأن نخلها رؤوس الشياطين وكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء» ، فقلت: يا رسول الله: فأخرِجْه للناس، قال: «أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أثوّر على الناس منه شرًا» (3) . الثاني: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنها (4) : قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، _________ (1) مسند الحميدي، برقم (261) ، عن عائشة رضي الله عنها. (2) من طريق وهيب عن هشام، عن أبيه. (3) الطبقات الكبرى لابن سعد (2/151) ، ذِكر من قال: إن اليهود سحرت رسول الله صلى الله عليه وسلم. (4) من طريق جُوَيْبِر، عن الضحّاك، عنه. ولا يخفى ما في السند من ضعف، لانقطاعه بين ابن عباس والضحاك، فضلاً عن ضعف جويبر.

(1/51)


وأُخِّذ عن النساء وعن الطعام والشراب، فهبط عليه ملكان - وهو بين النائم واليقظان - فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما شكوُهُ؟ قال: طُبّ، يعني: سُحر. قال: ومن فعله؟ قال: لبيد بن أعصمَ اليهوديُّ، قال: ففي أي شيء جعله؟ قال: في طلعةٍ، قال: فأين وضعها؟ قال: في بئر ذروان تحت صخرة، قال: فما شفاؤه؟ قال: تنزح البئر وترفع الصخرة وتستخرج الطلعة، وارتفع الملَكان، فبعث نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم إلى عليٍّ وعمّار رضي الله عنهما، وأَمَرهما أن يأتيا الركيّ فيفعلان الذي سمع، فأتياها وماؤها كأنه قد خُضِبَ بالحِنّاء، فنزحاها، ثم رفعا الصخرة فأخرجا طلعةً، فإذا بها إحدى عشرة عقدةً، ونزلت هاتان السورتان: [الفَلَق: 1] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *} ، و [النَّاس: 1] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *} ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما قرأ آية انحلّت عقدة حتى انحلت العقد، وانتشر نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، للنساء والطعام والشراب (1) . الثالث: عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: عقد رجل من الأنصار - يعني للنبي صلى الله عليه وسلم - عقدًا، وكان يَأْمَنُه، ورمى به في بئر كذا وكذا، فجاء الملَكان يَعُودَانِه، فقال أحدهما لصاحبه: تدري ما به؟ عقد له فلان الأنصاري ورمى به في بئر كذا وكذا، ولو أخرجه لعوفي، فبعثوا إلى البئر فوجدوا الماء قد اخضرَّ فأخرجوه فرمَوْا به، فعوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدّث به ولا رُئي في وجهه (2) . 8- ما رواه ابن أبي شيبةَ رحمه الله في مصنَّفه: وذلك في موضعين منه: الأول: عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: سَحَر النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود، فاشتكى النبيُّ صلى الله عليه وسلم لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلاً كذا من اليهود _________ (1) الطبقات الكبرى لابن سعد (2/153) . (2) العزو السابق نفسه.

(1/52)


سَحَرك، عقد لك عُقَدًا، فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا، فاستخرجها، فجاء بها، فجعل كلما حلّ عقدة وجد لذلك خفة، فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم كأنما نُشِط من عِقالٍ، فما ذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك لليهودي، ولا رآه في وجهه قط (1) . الثاني: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَحَر رسولَ الله يهودي من يهود بني زُرِيْقٍ يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو كان ذات ليلة، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا، ثم دعا، ثم قال: «يا عائشةُ، أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما _________ (1) المصنف لابن أبي شيبة، (5/40) ، برقم (23508) .

(1/53)


استفتيته فيه، جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجليَّ، أو الذي عند رجليَّ للذي عند رأسي: ما وجع الرَّجل؟ قال: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مُشطٍ ومُشاطةٍ وجُفّ طلعةِ ذكرٍ، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذي أروانَ» فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه، ثم جاء فقال: يا عائشة كأنما ماؤها نُقاعة الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوس الشياطين» فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟ فقال: «لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس منه شرًا» ، فأمر بها فدُفنت (1) . 9- ما رواه البيهقي في «الدلائل» ، وهو عنده في موضعين أيضًا: الأول: عن عائشة: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم طُبَّ حتى إنه ليُخيّل إليه أن صنع الشيء وما صنعه، وأنه دعا ربّه ثم قال: «أشعرتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟» فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وَجَعُ الرّجُل؟ قال الآخر: مطبوب، قال: مَنْ طَبَّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيماذا؟ قال: في مُشطٍ ومشاطةٍ وجُفِّ طلعةٍ ذكرٍ، قال: فأين هو؟ قال: هو في ذروانَ، وذروانُ بئرٌ في بني زُريْق» . قالت عائشة: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع على عائشة فقال: «واللهِ لكأن ماءها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلَها رؤوس الشياطين» ، قالت: فقلت له: يا رسول الله، هلاّ أخرجتَه؟ قال: «أما أنا فقد شفاني الله، وكرهت أن أثير على الناس منه شرًا» (2) . الثاني: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: مَرِض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضًا شديدًا، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طِبُّه؟ قال: سُحِرَ، قال: وما سَحَرَه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلانٍ، تحت صخرةٍ في رَكِيّةٍ، فأْتُوا الركيَّ فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة ثم خذوا الكَرْبة، فاحرقوها، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمّار بن ياسر في نفرٍ فأتَوْا الركيَّ، فإذا ماؤها مثل ماء الحِنَّاء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الكربة فأحرقوها، فإذا فيه وَتَرٌ فيه إحدى عشرة عقدةً، فأنزلت عليه هاتان السورتان، فجعل كلما قرأ آية انحلّت عقدة: [الفَلَق:1] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *} ، و [النَّاس:1] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *} (3) . وقال البيهقي: الاعتماد على الحديث الأول (4) . اهـ. _________ (1) العزو السابق، برقم (23509) ، وقد روى ابن ماجه الحديث - كما سبق - من طريق ابن أبي شيبة عن ابن نمير، عن هشام، عن عروة عن عائشة. ونص الرواية مطابق لمروي مسلم، كما سبق الإشارة إليه. (2) دلائل النبوة، ومعرفة أحوال صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم» للبيهقي (6/247) . (3) العزو السابق نفسه. (4) قول البيهقي رحمه الله: الاعتماد على الحديث الأول، وهو من طريق أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها. وقد ذكر البيهقي - عقب روايته الحديث - ... أن البخاري في صحيحه قد رواه من هذا الطريق. أما الحديث الثاني، فلم يصححه الإمام، لكون محمد بن السائب الكلبي - أحد رواة الحديث عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما - ضعيف. انظر: ميزان الاعتدال للذهبي (2/656) .

(1/54)


10- ما أورده اللالكائي في «الاعتقاد» ، في موضعين منه. الأول: «سُحِر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه يخيّل إليه أنه فعل الشيء وما فَعَله» (1) . الثاني: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه شيء حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، فانتبه من نومه، فقال: «يا عائشة، إن الله تعالى أفتاني فيما استفتيته: أتاني آتيان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجليّ، فقال أحدهما للآخر: ما بالُ الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طَبَّه؟ قال: لبيد ابن أعصم، قال: فيم؟ قال: في جُفّ طلعةٍ تحت رعوفةٍ في بئر ذروان» . قالت: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرجه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه البئر التي رأيتها، كأن ماءها نُقَاعةٌ من الحِنَّا، وكأن نخلها رؤوس الشياطين» ، قالت عائشة: فقلت له: ألا تنتصر؟ قال: «أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على أحد شيئًا، قالت: ونزلت: [الفَلَق: 1-2] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *} ، حتى ختمت السورة (2) . ثالثًا: بيان غريب الألفاظ: - ... «أَشَعَرْتِ» أي أَعَلِمْتِ (3) . _________ (1) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للإمام اللالكائي مج 4/ جـ7/ ص 1285، برقم (2271) . (2) المرجع السابق، برقم (2272) . (3) كما جاء مصرّحًا به في البخاري، برقم (5765) ، وفي مسند الحميدي، برقم (261) . كلاهما من رواية سفيان بن عيينة رحمه الله.

(1/55)


- ... «أَفْتَانِي» قال ابن حجر رحمه الله (1) : (في رواية الحميدي (2) : «أفتاني في أمر استفتيته فيه» ، أي: أجابني فيما دعوته، فأطلق على الدعاء استفتاء؛ لأن الداعي طالب والمجيب، مُفْتٍ، أو المعنى: أجابني بما سألته عنه، لأن دعاءه كان أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه لِما اشتُبه عليه من الأمر، ووقع في رواية عمرة عن عائشة: «أن الله أنبأني بمرضي» ، أي: أخبرني) . ويتحصل من كلامه رحمه الله: أن «أفتاني» هي بمعنى: أجابني فيما دعوته به وطلبته منه، أو أجابني بما سألته أن يطلعني عليه مما لم أتبيّنه من حقيقة ما أشكو منه، أو أخبرني بما ألمّ بي، والله أعلم. - ... «رجلان» ، أي: ملكان (3) ، وهما جبريل وميكائيل عليهما السلام (4) . - ... «مطبوب» ، (أي: مسحور، والطَّبّ بالفتح السِّحر، وبالكسر العلاج، ويطلق على الطبيب، وقيل: هو من الأضداد (5) . و (يقال: طُبَّ الرجل إذا سُحِر، يقال: كَنُّوا عن السحر بالطِّبِّ تفاؤلاً كما قالوا للّديغ: سليم) (6) . - ... «مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ» : (أما المشط، فهو الآلة المعروفة التي يُسرَّح بها شعر الرأس واللحية، وهذا هو المشهور) (7) ، (وأما المشاطة، فهي: ما _________ (1) انظر: الفتح (10/238) . (2) انظر: مسند الحميدي، برقم (261) . (3) كما جاء مصرّحًا به، عند أحمد في مسنده (6/63) ، وابن سعد في الطبقات (2/153) ، والبيهقي في الدلائل (6/247) . (4) قال ابن حجر: سماهما ابن سعد - في رواية منقطعة عن عمر مولى غُفْرة -: جبريل وميكائيل. انظر: الفتح (10/239) . وانظر: طبقات ابن سعد (2/152) . (5) انظر: هدي الساري - مقدمة فتح الباري - لابن حجر ص: 157. (6) انظر: فتح الباري (10/239) . (7) ذكره ابن حجر في الفتح (10/239) ، ثم ذكر للمشط معاني خمسة، ثم عقّب بقوله: (ومع ذلك فالمراد بالمشط هنا هو الأول) . اهـ. أي: آلة تسريح الشعر المعروفة.

(1/56)


يخرج من الشعر إذا مُشِط) (1) . - ... «مُشَاقَةٍ» : (هي من مشاقة الكَتَّان) (2) ، أي: (ما يخرج من الكَتَّان إذا سُرِّح، وقيل: المشاقة هي المشاطة بعينها، والقاف تبدل من الطاء، لقرب المخرج، والله أعلم) (3) . وقيل: (المشاقة ما يُغزل من الكتَّان) (4) . - ... «جُفِّ طَلْعَةِ ذكرٍ» : (الجُفّ جُف الطلعة (5) ، وهو وعاؤها) (6) ، أي: (وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيّده في الحديث بقوله: «طلعةِ ذكرٍ» ) (7) . - ... «رَعُوفَةٍ» : الرعوفة: (حجر يوضع على رأس البئر لا يُستطاع قلعُه، يقوم عليه المستقي. وقد يكون - هذا الحجر - في أسفل البئر) (8) . (فإذا حُفِرت البئر تكون ناتئة هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس _________ (1) كما بيَّنه الإمام البخاري رحمه الله عقب ذكره الرواية، انظر: الصحيح برقم (5763) . وقال ابن حجر في الفتح (10/242) : وهذا لا اختلاف فيه بين أهل اللغة. قال ابن قتيبة: المشاطة ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سُرِّح بالمشط، وكذا من اللحية. (2) انظر: البخاري، برقم (5763) . (3) انظر: الفتح لابن حجر (10/242) . (4) انظر: صحيح البخاري بشرح الكرماني (12/38) . (5) الطَّلع: ما يطلع من النخلة؛ ثم يصير ثمرًا إن كانت أنثى، وإن كانت النخلة ذكرًا لم يصر ثمرًا، بل يؤكل طريًا ويترك على النخلة أيامًا معلومة حتى يصير فيه شيء أبيض مثل الدقيق وله رائحة زكية، فيلقح به الأنثى. انظر: المصباح المنير للفيومي ص: 142، مادة (طلع) . (6) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس (1/213) ، مادة (جفّ) . والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (1/269) ، مادة (جفف) . (7) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج، للنووي (14/398) . قال النووي رحمه الله: (وجب) : هكذا في أكثر نسخ بلادنا - يعني في نسخ صحيح مسلم - جب بالجيم والباء الموحدة، وفي بعضها: (جف) بالجيم والفاء، وهما بمعنىً. اهـ. (8) انظر: الفتح لابن حجر (10/245) ، وقد ذكر رحمه الله أربع لغات فيها مروية، وهي: (راعوفة - أُرْعُوفة - رعوثة - زعوبة) . اهـ. وفي النهاية لابن الأثير (2/274) أيضًا: (زعوفة) .

(1/57)


المُنَقِّي عليها) (1) . - ... «ذَرْوان» أو «ذي أَرْوان» (2) : (هي بئر لبني زريق في المدينة) (3) . - ... «نُقاعة الحِنَّاء» : (نقاعة كلِّ شيءٍ: الماء الذي ينتقع فيه) (4) ، والمراد هنا: (الماء الذي يُنقع فيه الحِنَّاء) (5) ، (أي: أن لون ماء البئر لون الماء الذي ينقع فيه الحناء) (6) . - ... «تَنَشَّرْتَ» : (التنشّر هنا يحتمل معنيين؛ الأول: من النُّشْرة، والثاني: من النَّشْر بمعنى الإخراج) (7) ، أما النشرة، فهي: (ضرب من الرقية والعلاج، يُعالج به من كان يُظن أن به مسًا من الجن، سميت نشرة لأنه يُنْشَر بها عنه ما خامره - أي خالطه - من الداء: أي يُكشف ويُزال، ونشره، أي: رقاه (8) . وأما النَّشْر بمعنى الإخراج: فهو (استخراج ما حواه الجُف) ، من سحرٍ (9) ليراه الناس، ومن ثم إحراقه (10) ، وقد عُمِل _________ (1) انظر: النهاية لابن الأثير (2/215) ، مادة: (رعف) . (2) قال النووي رحمه الله: (هكذا هو في جميع نسخ مسلم «ذي أَرْوان» ، وكذا وقع في بعض روايات البخاري، [أي: في موضع واحد، برقم (5766) كما سبق إيراده] ، وفي معظمها «ذَرْوان» ، وكلاهما صحيح، والأول أجود وأصح، وادعى ابن قتيبة أنه الصواب، وهو قول الأصمعي، وهي بئر بالمدينة في بستان بني (زريق) . اهـ. انظر: المنهاج بشرح مسلم (14/399) . (3) النهاية لابن الأثير (2/148) ، مادة (ذرا) . (4) المصباح المنير للفيومي ص: 238، مادة (نقع) . (5) المنهاج شرح مسلم، للنووي (14/399) . (6) الفتح لابن حجر (10/241) . وقد نقل رحمه الله بعده روايات في تغير لون الماء ومحصلها قولان؛ الأول: أنه قد (احمرَّ) ، والثاني: أنه قد (اخضرّ) ، ثم قوّى القول الثاني، مستدلاً له، وأفاد رحمه الله بأن تغيّر لون البئر لم يكن لرداءته بطول إقامته، إنما لما خالطه من الأشياء التي ألقيت فيه. (7) المرجع السابق (10/246) . (8) النهاية لابن الأثير (5/46) ، مادة (نشر) . (9) الفتح لابن حجر (10/246) . (10) وهو ما صرحت به رواية مسلم رحمه الله «أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ» .

(1/58)


هذا السحر (في إحدى عشرة عقدة) (1) ، (جعلت في وَتَر) (2) . - ... «نُشِطَ من عِقَال» ، - والصحيح: أُنشِط - قال ابن الأثير: في حديث السحر «فكأنما أُنشِط من عقال» ، أي: حُلَّ، وقد تكرر في الحديث، وكثيرًا ما يجيء في الرواية: «كأنما نشط من عقال» ، وليس بصحيح. يقال: نشطتُ العقدة إذا عقدتَها، وأنشطتُها وانتشطتُها إذا حللتَها (3) . (وأنشطتُ العقال: حللتُه، ويقال: الشُّفْعة كنَشْطة العقال، وهذا تشبيه لها بذلك في سرعة بطلانها بسبب التأخير، والعقال: حبل - يجعل في وسط الذراع - يُشدّ به وظيف (4) البعير مع ذراعه) (5) . والمراد في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلبث أن عوفي من مرضه، وحُلّ عنه أثر السحر حال إخراج ذلك من البئر، كأنْ لم يكن به بأس صلى الله عليه وسلم. - ... «الرَّكِيُّ» : أو الرَّكِيَّة (هي: البئر، وجمعها ركايا) (6) . - ... «فنزحاها» ، أي: (أخذا ماءها واستقياه، ويقال: بئر نَزَحٌ لا ماء فيها، أي: أُخذ ماؤها، حتى نفدَ) (7) . _________ (1) الطبقات لابن سعد (2/153) . (2) الدلائل للبيهقي (6/248) . والوَتَر: وتر القوس، جمعه أوتار، تقول: أوترت القوسَ شددت وترَها. انظر: المصباح المنير للفيومي ص 247 (وتر) . (3) النهاية لابن الأثير (5/49) ، مادة: (نشط) . (4) الوظيف: ما فوق الرُّسْغ إلى الساق، وبعضهم يقول: مُقدَّم الساق. انظر: مصباح الفيومي ص: 255، مادة (وظف) . (5) المرجع السابق ص: 160 مادة (عقل) ، وص: 231 مادة (نشط) . (6) النهاية لابن الأثير (2/237) ، مادة (ركا) . (7) المرجع السابق (5/34) مادة (نزح) ، وانظر: أيضًا: المصباح للفيومي ص: 229، مادة (نزح) .

(1/59)


رابعًا: ذكر جملةٍ من دعاوى منكري الحديث، وردّها: أنكر جماعة من أهل العلم ثبوت هذا الحديث، بل قد زعم بعضهم وضعَه (1) !! وكان مبنى دعواهم إنكارهم ابتداءً لحقيقة أثر السحر في نفس المسحور، وكذلك لإمكان تأثيره في حقائق الأشياء، واعتقادهم بأن أصل السحر لا يعدو كونه تمويهًا وتخييلاً، وأن الروايات قد أثبتت تأثيرًا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم بمرض ووجع، وأنه عليه الصلاة والسلام دعا ربّه فاستجاب له، فأنبأه تعالى بمرضه، وأن ذلك كان بأثر السحر، ثم دلّه سبحانه على كيفية التخلص من ذلك التأثير، فلما أن فعل صلى الله عليه وسلم عافاه ربه عزّ وجلّ، وهذا يناقض - في نظرهم - كون السحر من لطيف أمور التخاييل وخفيِّها، ثم إنهم زعموا - بناء على ما سبق - أن حصول مثل هذا التأثير يحطّ من منزلة النبوة، ويشكّك بما بلَّغه النبيُّون عن ربهم، حيث يكون من المحتمل أنهم تخيّلوا سماعًا للوحي ورؤية لجبريل، وليس ثَمَّ، وقالوا: إن تجويز تأثير السحر فيهم، يلزم منه الإقرار بزعم الكفار أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان رجلاً مسحورًا، كما حكاه عنهم تعالى بقوله: [الفُرقان: 8] {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا} ، ثم إن السحرة - فيما نصّ عليه القرآن - لا يتأتّى لهم الفلاح فيما رَموْا إليه، وذلك بقوله تعالى: [طه: 69] {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، وكيف - والحال هذه - قد تأتى لهم إنفاذ تأثير سحرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ثم إن المنكرين زعموا كذلك ضعفًا في إسناد الحديث، واضطرابًا في متنه، يقضيان - بما رأَوا - بردّه، وترك التمسك به. أخي القارئ: إن ما سبق هو غاية ما استند إليه منكرو هذا الحديث، وهاك - مكرمًا - وجوهًا في ردّ هذه الدعاوى، أُوردها ذبًّا عن حياض السنَّة _________ (1) ممن أنكر هذا الحديث أبو بكر الجصّاص، وأبو بكر الأصمّ، والقاسمي وغيرهم رحم الله الجميع. انظر: أحكام القرآن (1/49) ، وتفسير القاسمي (17/6308) .

(1/60)


المطهَّرة، وإظهارًا لوجه الحق الذي أقرّه جمّ غفير من أهل التفسير والسنن والفقهاء من الأعلام العلماء رحمهم الله تعالى. فأقول - مستعينًا بالله تعالى -: يمكن رد هذه الدعاوى من وجوه أربعة: الأول: ... إثبات صحة إسناد هذا الحديث. الثاني: ... إثبات سلامة متن الحديث من الاضطراب. الثالث: ... النظر فيما ادّعَوْه من إنكار حقيقة تأثير السحر. الرابع: ... النظر فيما زعموه من شبه في أن وقوع تأثير السحر قادح في منزلة النبوة، ومشكّك في صحة الوحي. أما إسناد هذا الحديث؛ فإن روايته في الصحيحين، لكافية في تلقيه بالقبول، بل هو في أعلى درجات الصحة، حيث اتفق عليه إماما أهل الحديث [والحديث إذا اتفق عليه الشيخان صار له حكم المتواتر، كما صرّح به الحافظ ابن الصلاح وغيرُه من الحُفّاظ؛ كالعراقي، وابن دقيق العيد، وابن حجر، والمحقق العلاّمة العَيْني، والجلال السيوطي، والقسطلاني، رحم الله الجميع. ثم إن رواة حديث سحر لبيد بن الأعصم للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصحيحين ليس فيهم واحد مُتكلَّم فيه بعدم العدالة، فالحديث صحيح بإجماع المحدّثين] (1) . أما ادعاء المنكرين تضعيف هذا الحديث لوجود هشام بن عروة - الراوي عن عائشة رضي الله عنها - وأن رواية هذا الحديث إنما تدور عليه في الصحيحين، [فهو مردود عند أهل العلم، فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب ردَّ حديثه، وقد رواه غير هشام، عن عروة، عن عائشة، - كما في دلائل البيهقي عن عَمْرة عن عائشة - والقصة مشهورة عند _________ (1) انظر: زاد المسلم للعلاّمة محمد بن أحمد الشنقيطي (4/223) .

(1/61)


أهل التفسير والسنن والحديث والتأريخ والفقهاء] (1) يضاف إليه أن عائشة رضي الله عنها لم تنفرد برواية هذا الحديث بل رواه - كما سبق إيراده - جمع من الصحابة، منهم: ابن عباس كما في طبقات ابن سعد، وزيد بن أرقم كما عند الحاكم مصحَّحًا، وابن أبي شيبة عنه أيضًا. والحاصل في ذلك: أن رواية الحديث في الصحيحين، ورواية غير هشام له عن عائشة، ثم رواية غير واحد من الصحابة له، كلُّ ذلك يجعل الحديث بمنأىً عن تضعيفه، كما يجعل دعوى الإنكار بهذا التضعيف غايةً في الوَهْن والتهافت، وهي رَدٌّ على القائلين بها. نأتي بعدها إلى إثبات سلامة متن هذا الحديث من الاضطراب؛ فنقول: إن المتأمل في مجموع رواياته يتبين له وقوع اختلاف ظاهر بينها من وجوه، لكن ذلك لا يقتضي وجود اضطراب في الروايات، حيث إن ذلك الاختلاف في ألفاظها لا يُفضِي إلى التناقض في معانيها، بل إلى التبيين والتكامل، وسوف أفصّل في ذلك - إن شاء الله - بما يتسع له المقام: أولاً: اختلاف الروايات في بعض ألفاظها؛ نحو: [ «أَشَعَرْتِ» ، «أَِعَلِمْتِ» ]-[ «مُشَاطَةٍ» ، «مُشَاقَةٍ» ]-[ «وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ» ، «وَجُبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ» ]-[ «بِئْرٍ ذَرْوَانَ» ، «بِئْرٍ ذِي أَرْوَانَ» ] ، [فَهَلاًّ أَخْرَجْتَهُ» ، «أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ» ]-[ «أن أُثِيرَ» ، «أن أُثَوِّرَ» ] . إن مثل هذا الاختلاف الظاهر في ألفاظ الروايات لا يترتب عليه اختلاف في المعنى، بل هو ناتج من رواية المحدثين له بالمعنى، وهو يؤدي غالبًا إلى تكامل في معاني ألفاظ الحديث لا إلى تناقض في فحوى الروايات. أما الاختلاف الظاهر الذي يُبدِي تعارضًا في الروايات، فإن _________ (1) انظر: التفسير القيم، للإمام ابن القيم ص 566.

(1/62)


المحدثين وشُرّاح الحديث لم يَدَعوا لمثل ذلك مسلكًا للطعن في صحة الأحاديث، حيث إنهم يعمدون إلى الجمع بين الروايات؛ إما بترجيح إحداها لمزيد ضبط الراوي لها ورسوخ قدمه في الإتقان في جملة الرواية وتأديته لها، أو بحمل المراد من اللفظ العام في رواية على ما جاء من لفظ خاص في أخرى، أو باحتمال تكامل المعاني في ألفاظ الروايات، أو بجعل الاختلاف في بعض الألفاظ ناشئًا من رواية الحديث بالمعنى، بما لا يغير المعنى المقصود، وهذا جارٍ من سنّة المحدثين، ولا يقدح ذلك في صحة الحديث. والمعوّل عليه عندهم: هو العمل على الجمع بين الروايات، فإن أمكن الجمع فلا مسوّغ عندها لرد الحديث أو تضعيفه. وهاك - إن شئت - مصداق ذلك في متن الحديث الذي بين أيدينا، فالجفّ والجبّ بمعنىً، وهو: وعاء الطلعة - كما سبق بيانه في موضعه - (وذروان) هي عينُها (ذي أروان) ، والمشاطة هي المشاقة، حيث تبدل القاف من الطاء لقرب مخرجهما. أما استخراج عمل السحر الذي ثبت في بعض الروايات، وانتفى حصوله في بعضها، فإنه يمكن الجمع بين الأمرين على أن الاستخراج حصل حتى رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعَلِمه، لكن الاستخراج المنفي، والذي كره رسول الله صلى الله عليه وسلم حصوله، وهو الذي طلبته السيدة عائشة، فذاك استخراج ما وقع به السحر من جف الطلعة وما حواه ذلك الجف، ثم إظهاره للناس حتى يعاينوه، فكَرِه صلى الله عليه وسلم ذلك الاستخراج لما قد يثيره من فتنة بين المسلمين الغاضبين من جهةٍ، وبين قوم الساحر (بني زريق) ويهود مِن بعدِهم من جهة أخرى، فيُهراق دم كثير بسبب ذلك، والحال أن الله تعالى قد أحدث الشفاء لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، فلا داعي إذًا لإخراج السحر كيما يعاينه الناس، مع علمه صلى الله عليه وسلم بما في معاينة الناس لهذا السحر من كشف للساحر، ومعرفة شدة عداوته وقومه ومن وراءهم، ومع ما فيه كذلك من مصلحةٍ في التحذير من أمر السحر وبيان قبحه، لكنْ - وكما هو مقرر - فإن درء المفسدة مقدّم على جلب

(1/63)


المصلحة، وبخاصة إذا كانت المفسدة المتوقعة: فتنة عظيمة كما هو الحال هنا، فَكَرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثير تلك الفتنة بين الناس، حتى إنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر ذلك لذلك المنافق، ولا رآه في وجهه قط، وكل ذلك مرده إلى بالغ حكمته صلى الله عليه وسلم، فهو الأسوة الحسنة في تعليم الصبر لمن ابتلي من أمته بمثل ذلك، ليعمد إلى الدعاء بعظيم إخلاص، ثم لا يغضب لنفسه فيسعى للانتصار لها، فيكون بذلك سببًا لإثارة شر على الناس، فإن اقتدى بنبيِّه صلى الله عليه وسلم بذلك كان ذلك سببًا متيقنًا لحصول شفائه ومعافاته، والله أعلم. ومما اختلفت به الروايات كذلك ورود بعضها بلفظ عام، والآخر مخصوصًا، ومثاله: «حتى كان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله» ، و «حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن» ، وهذا - كما هو معلوم - لا يستلزم ضعفًا في الحديث أو اضطرابًا في ألفاظ متنه، فإن لفظ الرواية الثانية جاء مخصِّصًا لما في الأولى، ومبينًا لما أُجمِل فيها، فالمراد بالشيء: مباشرة النساء، وقد ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها ما يفيد معرفة السامع للمراد، دون التصريح بما يخص الجماع، وذلك فيه مزيد تأدب واستحياء منها، وتعظيم لمقام النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لكن التصريح في بعض الروايات يبين المجمل منها، حتى لا يُظنّ أن التخيّل الذي وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامًّا في كل أفعاله صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك مسلكًا لطاعن في مقام النبوَّة الكريم، من أنه يحتمل عندئذ أن يتخيل نزول جبريل بالوحي، وليس ثمة ذلك. فتأمل - رحمك الله - كيف تكامل معنى الروايات، وكيف صدَّق بعضُها بعضًا. كما أنه لم يَرِد - فيما تتبعتُه من روايات الحديث - ما يفيد تلميحًا أو تصريحًا نسبةَ التخيل في القول إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتى يكون لذلك التخيل مدخلاً

(1/64)


في أمر التشريع. وبذلك يتحصل - مما سبق - سلامة متن هذا الحديث من الاضطراب، بحسب ما قرره علماء هذا الفن من ضبطٍ للحُكم باضطرابٍ أو عدمه، ولله الحمد والمنة. ولننظر بعدُ في شبهة قوية، قضت - بزعم معتقِدِها - بأن حديث السحر موضوع لا أصل له!! فقد أنكر قوم أن للسحر أثرًا في نفس المسحور من غير اتصال به ولا مماسة، وعليه فقد حكموا بوضع هذا الحديث، حيث إن متنه ينصّ على أن لبيد بن الأعصم قد أثّر في تخيل النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فعله للأشياء دون أن يكون قريبًا منه مماسًّا له صلى الله عليه وسلم. وفي مثل ذلك يقال: إن ظاهر نصوص الشريعة تقرر حصول أثر الساحر إذا قال الساحر عزائم، أو نفث في عقد، بل بحصول أثر العائن والحاسد من غير تلفّظ، بل بمجرد التشهّي لحصول نعمة، أو إعجاب بما حظي به المَعين من نعمة!! فكيف يُنكَر حصول أثر السحر عن بُعدٍ، وقد قال تعالى: [البَقَرَة: 102] {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وقال سبحانه: [الفَلَق] {وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وإذا استُغسِلتم فاغسلوا» (1) ، ثم إن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قد أذن بالاسترقاء من العين، وبالتداوي بعجوة المدينة للسحر (2) . كل ذلك دالّ - ولا _________ (1) هذا الحديث بتمامه مما انفرد بروايته مسلم؛ كتاب: السلام، باب: الطب والمرض والرقى، برقم (2188) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وعند الشيخين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «العين حق» . أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: العين حق، برقم (5740) ، ومسلم؛ كتاب السلام، باب: الطب والمرض والرقى أيضًا - برقم (2187) . (2) كما في الصحيحين: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو: أمر أن يسترقى من العين» . انظر: البخاري برقم (5738) ، ومسلم برقم (2195) . وفيهما أيضًا: «من تصبّح سبع تَمَرات عجوةً لم يضرَّه ذلك اليوم سمّ ولا سحر» . انظر: البخاري برقم (5769) ، ومسلم برقم (2047) .

(1/65)


ريب - على أن للسحر أثرًا في المسحور، ولا يقتصر أثره على سحر الأعين عند إيقاع الساحر لعمله، فيرى الناظر غير ما هو واقع، وإنما ذلك نوع من السحر، لا جميعه. وكما لا يخفى فإن نفس الساحر الخبيثة، أشد تأثيرًا من نفس العائن والحاسد، حيث إن العائن قد يعين صاحبه من غير قصد إيقاع ضرر به، والحاسد يوقع شرًا بمن حسده دون أن يعاينه فضلاً عن أن يماسّه، فلا شأن للمماسة في إحداث الأثر إذًا، لكن غاية ما هنالك أن حصول الضر في جميع ذلك لا يكون إلا بإذن الله، وقد قال سبحانه: [البَقَرَة: 102] {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وقال تعالى: [الفَلَق: 1-5] {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ *وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} . وقال عزّ وجلّ: [القَلَم: 51-52] {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ *} . [والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا أنه مطلق تخييل لا حقيقة له، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} فهذه الآية تدل على أن السحر شيء موجود له حقيقة تكون سببًا للتفريق بين الرجل وامرأته. وقد عبّر الله عنه بـ (ما) الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: [الفَلَق: 4] {وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *} ، يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عُقَدهن. فلولا أن للسحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه. أما قوله تعالى: [طه: 66] {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ، وقوله سبحانه: [الأعرَاف: 116] {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} ، فالآيتان تدلان على أن من السحر ما لا حقيقة له في نفس الأمر، وإنما هو تخييل لأعين الناظرين وحسب، وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدّالة على أن له حقيقة،

(1/66)


والآيات الدالة على أنه خيال] (1) . الوجه الرابع في الرد على منكري الحديث: استبعد هؤلاء أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد سُحِر، وقالوا: إن في الاعتقاد بحصول ذلك تصديقًا لمقولة الكفار وزعمهم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل مسحور، كما حكاه الله عنهم: [الفُرقان: 8] {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا} . كذلك قد زعم المنكرون أن تأثير السحر على النبيِّين عليهم السلام يحطّ من مقام نبوتهم، ويقدح بصحتها، وهو يُعدِم الثقة - بزعمهم - بما أتى به هؤلاء الأنبياء عليهم السلام من عقائد وشرائع. والردّ على هذين الزعمين يتطلب بسطًا لا يتسع له المقام لكن سأبين ما بوسعي بيانه، فأقول مستعينًا بالله تعالى: ما القصد بوصف الكفار للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنه رجل مسحور؟ إن الكفار يعيبون بذلك على المؤمنين اتباعهم وتصديقهم لرجل مسحور قد أثر السحر في اتزان عقله، بل قد أذهبه عنه بالكلية، وهو مثل قوله تعالى: [الحِجر: 6] {وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ *} ، وقوله تعالى: [القَلَم: 51] {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} . ذلك أن السحر قد يصل أثره أن يبلغ بالمسحور حدَّ الجنون، فإن تقرر أن ذلك هو قصدهم حين وصفوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالرجل المسحور، فإن وقوع أثر السحر على هيئة مرض جسدي حال بينه صلى الله عليه وسلم وبين إتيانه نساءه، لا يتطابق؛ بل لا يتوافق مع زعم الكفار بأن السحر قد أخذ بعقله، أو سلبه القدرة على التفكير، فلا يكون - على ذلك - في إثبات الحديث تصديق لمقولتهم ألبتة، [وإن قَدَّر بعد ذلك ضعيف العقيدة - مُصِرًّا - أن الحديث فيه تصادم لظاهر نص القرآن، في قولهم هذا، فنجيبه بأن قول الكفار ذلك وادعاؤهم به كان قبل قصة سحر اليهودي للنبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي مرض بسببه، وبذلك تعلم أنه لا منافاة بين الآية المذكورة _________ (1) انظر: أضواء البيان للعلاّمة الشنقيطي (4/474) .

(1/67)


وبين إثبات سحر اليهودي له عليه الصلاة والسلام] (1) . أما الزعم بأن وقوع أثر السحر على الأنبياء يحطُّ من مقام نبوَّتِهم، [فإن وقوع المرض لهم بسبب السحر، لا يجرّ خللاً لمنصب النبوة، لأن المرض الذي لا نقص فيه يقع للأنبياء في الدنيا ويزيد في درجاتهم في الآخرة، فإذا خُيّل إليه - بسبب مرض السحر - أنه يفعل شيئًا من أمور الدنيا وهو لم يفعله، ثم زال ذلك عنه بالكلية بسبب إطْلاع الله تعالى له على مكان السحر وإخراجه إياه من محله ودفنه، فلا نقص يلحق الرسالة من هذا كله، لأنه مرض كسائر الأمراض، لا تسلّط له على عقله؛ بل هو خاص بظاهر جسده كبصره حيث صار يخيل إليه فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه، وهو لم يفعله، وهذا في زمن المرض لا يضر، والعجيب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسوله صلى الله عليه وسلم قادحًا في رسالته، مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون، حيث صار يخيل إليه من سحرهم أن عصيَّهم تسعى، فثبّته الله، كما دلّ عليه قوله تعالى: [طه: 66-69] {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى *فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى *قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى *وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى *} . ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خُيّل لموسى عليه الصلاة والسلام أولاً من سعي عِصِيّ السحرة قادح في رسالته، بل إن وقوع مثل هذا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد قوة الإيمان بهم، لكون الله تعالى ينصرهم على أعدائهم، ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة ويخذل السحرة والكفرة، ويجعل العاقبة للمتقين، كما هو مبين في آيات الكتاب المبين] (2) . بقي أن دعواهم في أن تأثير السحر على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه جنس فلاح _________ (1) انظر: زاد المسلم للعلاّمة محمد بن أحمد الشنقيطي (4/222) . (2) زاد المسلم أيضًا (4/222) .

(1/68)


للساحر، حيث استطاع الإمراضَ بسحره، فيرده [أن مرض النبيِّ صلى الله عليه وسلم دام مدة ثم أطلعه الله عليه، فأخبر أصحابه بمحلّه، فوجدوه في المحل الذي أخبر به، فكان ذلك من أعلام نبوته، وشفى الله رسوله عليه الصلاة والسلام من المرض، وباء الساحر بالخزي ولم يفلح في مسعاه، كما قال تعالى: [طه: 69] {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} . والأمور لا يُنظر فيها إلا عواقبُها، والنصر في العاقبة للرسل، ولمن كان على قدمهم من أممهم] (1) . وملخص ما سبق جميعه: هو أن الحديث ثابت، وهو في أعلى درجات الصحيح، وقد سلم متنه من اضطراب وإسناده من تضعيف، وأن السحر الذي وقع قد أثّر في بعض قوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم الجسمية، دون أن يمس قدرته الفكرية بشيء، فهو من جنس المرض الذي يعتري سائر البشر، وليس ذلك قادحًا في منصب النبوة، بل هو دليل من دلائلها (2) ، حيث أثبت الحديثُ صدق النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يُخبِر به عن حال نفسه الشريفة، فضلاً عما يخبر به من خبر السماء، وإلا فلو أنه كان مُخفِيًا شيئًا لأخفى مثل هذا عن الناس مخافة أن يتنقصوا من مقامه، ثم إن إثبات ذلك دالّ بالمحصّلة على إثبات النبوَّة من حيث إن الله سبحانه قد استجاب دعاءه وأعلمه بجنس مرضه، وعيّن له موضع السحر - بتفصيل شهد الواقع أنه حق - ثم أكرمه ربّه فعافاه، وزاده إكرامًا أن أوحى إليه بدواء السحر: المعوذتين، وقد فقهَتْ مثلَ ذلك أخت الساحر لبيد بن الأعصم، حيث قالت: (إن يكن نبيًا فسيُخبَر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يُذهِب عقله) (3) ، وقال الحافظ ابن حجر: (فوقع الشِّق الأول كما في هذا الحديث الصحيح) (4) ، أي أخبره الله بذلك، وهذا - أي _________ (1) زاد المسلم أيضًا (4/223) . (2) يشار هنا إلى أن من عظيم فقه الإمام أبي بكر البيهقي اعتبارَه هذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم. انظر: دلائل النبوة (6/247) . (3) كما ذكره ابن سعد في طبقاته (2/152) ، مرسلاً عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. (4) انظر: الفتح (10/237) .

(1/69)


وقوع مرض له صلى الله عليه وسلم بسبب السحر - نظير ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من المرض بسبب تلك الشاة المسمومة التي أتت بها يهودية فأكل عليه الصلاة والسلام منها (1) ، وقد أدرك يهود خيبر أن نجاته عليه الصلاة والسلام من الموت بالحال من أثر ذلك السمِّ الفتاك الذي دُسَّ له، هو دليل دامغ على صدق نبوته، حيث سألهم صلى الله عليه وسلم: «هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟» فقالوا: نعم، فقال: «ما حَمَلكم على ذلك» ؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرّك» (2) . فلم يضره ذلك السمّ على الوجه المعهود، - وبخاصة أن اليهودية التي أهدت الشاة كانت قد أكثرت السم في الكتف والذراع؛ لأنه بلغها أن ذلك كان أحبّ أعضاء الشاة إليه صلى الله عليه وسلم - لكن أثره مع ذلك كان بصورة ألم ناشئ عن ذلك الأكل ومرض كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من تلك الأكلة أحيانًا، وقد أخبر أنس رضي الله عنه عن أثر ذلك السم بقوله: (فما زلت أعرفها في لهوات (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) ، كذلك هنا، فإن أشد أنواع السحر لم يُذهِب بعقله، بل أثّر في ظاهر جسده مرضًا حتى صار كالذي ينكر بصره وأُخِذ عن النساء فترة يسيرة. وعلى ذلك كلِّه لا يبقى لمن ادعى تنقُّصًا من مقام النبوَّة بإثبات حديث السحر حجّة، بل إن فيه من دلائل نبوَّته صلى الله عليه وسلم ما فيه، وأن من دلائلها الباهرات عصمة الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم من قتل الناس له بسُمٍّ، ولو كان فتاكًا، أو ذهول عقل بسِحر ولو كان أشد أنواع السحر، وكذلك عصمته صلى الله عليه وسلم عن مطلق تسليطٍ مُهلِكٍ من الناس، وهو القائل سبحانه: [المَائدة: 67] . _________ (1) كما في صحيح البخاري، برقم (2617) ، عن أنس رضي الله عنه، وعند مسلم من حديثه أيضًا، برقم (2190) ، بزيادة: «فسألها عن ذلك» ؟ فقالت: أردت لأقتلك، قال: «ما كان الله ليسلطك على ذاك» ، أو قال: «عليّ» . (2) كما في صحيح البخاري؛ برقم (5777) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (3) اللَّهَوات، جمع لَهاةٍ، وهي اللحمة المعلّقة في أصل الحَنَك - والحنك: ما تحت الذقن -، وقيل: هي ما بين مُنقطَع اللسان إلى منقطع أصل الفم. انظر: الفتح لابن حجر (10/258) . (4) قول أنس رضي الله عنه، هو في الصحيحين، وقد سبق تخريجه آنفًا بالهامش ذي الرقم (1) .

(1/70)


فائدة: إن ما ذكر سابقًا من أن أثر السحر الذي أصاب النبيَّ صلى الله عليه وسلم هو من جنس الأمراض التي تتسلط على ظاهر الجسد قد جاءت الإشارة إليه في لفظ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فإنه [لم يُرو عنه صلى الله عليه وسلم إلا الحديث الدالّ على المرض، بدليل قوله في مراجعة الملكين الكائنين في صفة رجلين: ما وجع الرجل، فقال المجيب منهما: مطبوب؛ وقوله صلى الله عليه وسلم بعدما أخرج المشط والمشاطة وما معهما مما عمل فيه السحر: (قد عافاني) وفي رواية (وشفاني) . ففي نفس الحديث التصريح بالوجع وبالمعافاة منه، فدلّ هذا على أنه مجرد مرض وليس في لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صار يخيل إليه فعل ما لم يفعله، وتعبير عائشة رضي الله عنها بذلك إنما هو على حسب ما ظهر لها أنه تخيّل] (1) . كذلك فإن في قوله صلى الله عليه وسلم: «من تصبّح سبع تَمْرات عجوةً لم يضرُّه ذلك اليوم سُمّ ولا سِحر» (2) . تلميح إلى مشابهة أثر السحر والسم في أن كلاً منهما ضارّ بالإمراض، وأنه يتداوى منهما، وليس بالضرورة أن يُذهِب السحرُ بالعقل، أو يُزهِق السمُّ الروح. وانظر بعدها - رحمك الله - إلى فقه الإمام البخاري رحمه الله، حيث جعل حديث السحر في كتاب الطب في صحيحه، ثم جعل بابًا في كتاب الطب: الدواء بالعجوة من السحر، ما يشير إلى أن من أثر السحر والسم إحداث ما يُمرِض، وأن عجوة المدينة يتداوى بها من جميع ذلك، والله أعلم. مسألة: متى عُمِل السحرُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ [لمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرَّمُ من سنة سبعٍ جاءت رؤساء يهودَ الذين بقوا بالمدينة ممن يُظهِر الإسلام، وهو _________ (1) انظر: زاد المسلم للعلامة الشنقيطي (4/224) . (2) متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الدواء بالعجوة للسحر، برقم (5769) . ومسلم؛ كتاب: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، برقم (2047) .

(1/71)


منافقٌ إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، وكان حليفًا في بني زُريق، وكان ساحرًا قد علمَتْ ذلك يهودُ وأنه أعلمهم بالسحر وبالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرُ منا، وقد سحَرْنا محمدًا، فسحَره منا الرجال والنساء ولم نصنع شيئًا، وأنت ترى أثره فينا وخلافه دينَنا، ومَنْ قتل منا وأجلى، ونحن نجعل لك على ذلك جُعْلا على أن تسحره لنا سحرًا ينكَؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير على أن يسحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ... ] (1) . مسألة: كم كانت مدة مرض النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا السحر؟ [ورد في ذلك روايتان، أفادت الأولى أنه صلى الله عليه وسلم أقام في ذلك المرض أربعين يومًا، والثانية أنه صلى الله عليه وسلم لبث ستة أشهر في ذلك. ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغيُّر مزاجه، والأربعين يومًا من استحكامه - أي: أثر السحر -] (2) ، [وهذا الجمع هو المتعيّن، لأنه لم يشتهر أن مرضه هذا عليه أتم الصلاة والسلام قد طال به، ولو طال به لنقل ذلك متواترًا لتوفّر الدواعي على نقله لشدة شأنه عند أصحابه وتابعيهم، لكنه لم يَطُل، ولم يتعدّ حالَ مَن عُقِد عن النساء مدةً يسيرة] (3) . أخي القارئ المكرم، أكتفي بما أوردته من بعض فقه أهل العلم لهذين النصين الجامعين - عنيت: آية السحر وحديثه -، مع أن كلاً منهما هو أهلٌ لأن يُفرَد بمصنّف تام لسعة ما حواه من معان وأحكام وعظات، سائلاً الله تعالى أن يرزقني وإياك فقهًا في دينه، وأن يهديَنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه. _________ (1) طبقات ابن سعد (2/152) ، يرويه بسنده إلى عمر بن الحكم، مرسلاً. (2) أورد ذلك ابن حجر في الفتح (10/237) ؛ الرواية الأولى: عن أبي ضمرة عند الإسماعيلي - في مستخرجه - والثانية من رواية وهيب عن هشام عند أحمد (6/63) ، وقد سبق إيرادها ص 49. (3) انظر: زاد المسلم للعلاّمة الشنقيطي (2/224) .

(1/72)


الفصل الثاني بيان معنى السحر، وما يتعلق به من مصطلحات

(1/73)


 الفصل الثاني بيان معنى السحر، وما يتعلق به من مصطلحات

درج المصنِّفون في بيان معنى السحر على الاقتصار على ذكر التعريفين اللغوي والاصطلاحي له، وقد أحببت - إتمامًا للفائدة - بيان مصطلحاتٍ لها تعلق وثيق بمعنى السحر، وعليه فإن محتوى هذا الفصل سيكون على بابين: الباب الأول في التعريف بالسحر لغة واصطلاحًا. والثاني: في بيان مصطلحات متعلقة بالسحر. الباب الأول: بيان معنى السحر؛ وفيه مبحثان: الأول: في التعريف اللغوي للسحر. الثاني: في تعريفه اصطلاحًا. المبحث الأول: التعريف اللغوي. السِّحْر مصدر سَحَر يَسْحَرُ. وله معان عديدة في أصل اللغة، منها: [صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق وخَيّل الشيءَ على غير حقيقته، قد سَحَر الشيءَ عن وجهه، أي: صَرَفَه. وإنما سمّت العرب السِّحْر سِحْرًا لأنه يزيل الصحة إلى المرض، وإنما يقال: سَحَره، أي: أزاله عن البغض إلى الحب] (1) . [ومن الصرف: البيان في فطنةٍ، والفصاحة في الكلام واللِّسانةِ فيه، كما في الحديث: «إن من البيان لسحرًا» (2) ، ومعناه - والله أعلم - أنه يبلغ من ثنائه أنه يمدح _________ (1) انظر: لسان العرب، لابن منظور (4/348) [فصل السين من باب الراء] . مادة (سحر) . (2) أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: «إن من البيان لسحرًا» . برقم (5767) ، عن ابن عمر رضي الله عنهما. وفي لفظٍ له: «إن بعض البيان لَسحرٌ» ، وعند مسلم - من حديث عمّار بن ياسر رضي الله عنهما -؛ كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخُطبة، برقم (869) : «إن طول صلاة الرجل، وقِصَر خُطبته، مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصُروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا» . ومناسبة ورود الحديث: (أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعَجِب الناسُ ... لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرًا» والرجلان هما: الحصين بن بدر، ولقبه الزِّبْرِقان - والزِّبْرقان: من أسماء القمر، وسمي به الحصين لمزيد حسنه -، وعمرو ابن الأهتم، والرجلان تميميان قدما في وفد بني تميم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم سنة تسع مع الهجرة. انظر: الفتح لابن حجر (10/247) .

(1/75)


الإنسانَ فيصدُقُ فيه حتى يصرفَ قلوب السامعين إليه، أو يبالغ في ذمّه فيصدقُ فيه حتى يصرف قلوبهم أيضًا عنه، فكأنه سَحَر السامعين بذلك] (1) . ومن معاني السحر: [الخِداع والاستمالة، وكلُّ من استمال شيئًا فقد سحره، ومنه إطلاق الشعراء سِحْرَ العيون لاستمالتها النفوس، حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرة] (2) ، ومنها: [اللطف والدقة، فكل ما لَطُف - أي: خفي - مأخذُه ودقّ سمي سحرًا، والجمع: أسحار وسُحور] (3) ، [لذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر، ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري: جعلتُ علاماتِ المودّة بيننا مصائدَ لَحْظٍ هنّ أخفى من السِّحْر ولهذا قيل لملاحة العينين: سحر؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه قول المرأة التي شُبِّبَتْ (4) بنصر بن حجّاجٍ السُّلَمي: وانظر إلى السِّحْر يجري في لواحظه وانظر إلى دَعْجٍ (5) في طَرْفه الساجي] (6) _________ (1) انظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي ص519. مادة (سحر) . (2) انظر: المفردات، للراغب الأصفهاني ص 232. مادة (سحر) . (3) انظر: تاج العروس، للزَّبِيدي (3/258) ، مادة (سحر) . (4) شُبِّبَتْ به، أي: توقَّدت نار حبِّه في قلبها حتى قالت فيه شعرًا غزلاً. انظر: المصباح المنير للفيومي ص115 (شبب) . (5) دَعَجِت العين دَعْجًا، إذا كان فيها سعة مع سواد، وقيل: شدة سوادها في شدة بياضها، فالرجل أدعج والمرأة دعجاء. انظر: المصباح المنير للفيومي ص74 (دعج) . (6) انظر: لسان العرب، لابن منظور (4/350) ، مادة (سحر) .

(1/76)


ومنها كذلك: الفساد، [تقول: طعام مسحور، إذا أُفسِد عملُه، ونَبْت مسحور: مفسود، وأرض مسحورة: أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها، فهي لا تُنبِت، وغيث ذو سِحْر إذا كان ماؤه أكثر مما ينبغي، وسَحَر المطرُ الطينَ والترابَ سِحْرًا: أفسده، وتقول غنم مسحورة: إذا كانت قليلة اللبن] (1) ، وأخيرًا من معاني السحر: العِضَه، والعِضَهُ عند العرب: شدة البَهْت وتمويه الكذب، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كنا نسمّي السحر في الجاهلية: العِضَه. وقال الشاعر: أعوذ بربّي من النافثا تِ في عِضَهِ العاضِهِ المُعْضِه] (2) والمعنى: ألتجيء إلى الله تعالى وأستجير به من شر السواحر اللواتي ينفثن في كذب الساحر وبهتانه في عُقَده، والله أعلم. [ثم السِّحْرُ يُطلق ويُراد به الآلة التي يُسحر بها، سواء كانت معنوية كالرقى والنفث في العقد، أو حسية كتصوير الصورة على صورة المسحور (3) ، وتارة يطلق ويراد به فعل الساحر] (4) . هذه معان خمسة للسحر في أصل اللغة، أوردتُّها من أجل أن يعاين القارئ ما حوته مادة هذا اللفظ من خفاء وتمويه وخداع وتخييل وفساد وكذب وبَهتٍ، فالسحر - حتى في أصله اللغوي - مبني على خلاف الحق والظهور والصدق والصلاح، فمعانيه لغةً متناسبة تمامًا مع ما سيأتي حالاً من معنىً للسحر شرعًا. _________ (1) انظر: أضواء البيان للعلاّمة محمد الأمين الشنقيطي (4/482) . (2) انظر: تفسير القرطبي (2/44) . (3) وهو المسمّى - عند السَّحَرة - بالشِّعباذ. (4) انظر: الفتح لابن حجر (10/233) .

(1/77)


المبحث الثاني: التعريف الاصطلاحي. قبل الشروع بسرد تعريفات اصطلاحية للسحر؛ لابد من تبيان الخلاف الحاصل في أمر السحر؛ وجوده وماهيته وأثره، وهل له حقيقة كغيره من الأشياء، أو هو مجرد تخييل وتمويه، [ومذهب أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقةً كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، لأن الله تعالى قد ذكره في كتابه، وذكر أنه مما يُتعلم، وذكر إشارةً إلى أنه مما يُكفَّر بتعليمه والعمل به، وأنه يفرَّق به بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتعلّم ما لا حقيقة له، وفي «حديث السحر» تصريح بإثباته، وأنه أشياء دُفِنت وأُخْرِجت، والذي يُعرَف بالعقل من هذا: أن إحالة كونه من الحقائق مُحالٌ، وغير مستنكر في العقل أن يكون الباري سبحانه يخرق العادات عند النطق بكلام مُلفّقٍ أو تركيبِ أجسامٍ؛ منها قتّالة كالسموم، ومنها مُسقِمة كالأدوية الحادّة، ومنها مُصِحّة كالأدوية المضادّة للمرض، فلم يبعد في العقل عندها أن ينفرد الساحر بعلمِ قوىً قتّالة أو كلامٍ مهلك، أو مؤدٍ إلى التفرقة] (1) . [وقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري وطائفة (2) ؛ قال النووي: والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامّة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. انتهى] (3) . تأسيسًا على ما ذكر آنفًا فإنك ستلحظ تباينًا فيما يأتي من عبارات العلماء في تعريفهم للسحر؛ وذلك تبعًا _________ (1) انظر: المُعلم بفوائد مسلم، للإمام المازري (3/93) . وقد نقل ذلك عنه كلٌّ من الإمامين ابن حجر في الفتح (10/233) ، والنووي في المنهاج شرح مسلم (14/396) . (2) المقصود بالطائفة: المعتزلة، فقد ذهب عامتهم إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به. كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره (2/45) . (3) انظر: فتح الباري لابن حجر (10/233) .

(1/78)


لما تقرر عند صاحب التعريف من كون السحر له حقيقة مؤثرة أم أنه مجرد خُدَع وتخييلات لا أثر لها (1) . وسأشرع بذكر تلك التعريفات، مستعينًا بالله تعالى: 1- ... [السحر: عبارة عن عُقَد ورقًى وكلامٍ يتكلّم به الساحر، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له (2) ، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، وما يُمرِض، وما يأخذ الرجلَ عن امرأته فيمنعه وَطْأَها، ومنه ما يفرِّق بين المرء وزوجه، وما يُبغِّض أحدهما إلى الآخر، أو يحبّب بين اثنين] (3) . 2- ... [السحر: نوعٌ يستفاد من العلم بخواصّ الجواهر (4) ، وبأمور حسابية في مطالع النجوم (5) ، فيُتخَذ من تلك الجواهر هيكل مخصوص على صورة _________ (1) قد يستغرب المرء ابتداء ذهاب بعض أهل العلم لإنكار حقيقة السحر مع كونه ثابتًا في الكتاب والسنة الصحيحة - كما سبق -[لكن محلّ النزاع في المسألة: أنه هل يقع بالسحر انقلاب عينٍ - جسم محسوس - أم لا؟ فمن قال إنه تخييل فقط منع ذلك، ومن قال إن له حقيقة منهم قَصَر تأثيره على تغيير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض - لأن النظر إلى واقع الحال ينفي إقامة البرهان على قدرة الساحر على تصيير الجماد حيوانًا مثلاً وعكسه - وهو الذي عليه جمهورهم - وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني] . انظر: فتح الباري (10/233) . والمقصود بالقول الثاني: أن السحر قد يقلب الأعيان فيُحيلها من صورة إلى أخرى. (2) معنى: (من غير مباشرة له) ، أي: أنه لا يشترط مماسة الساحر لبدن المسحور، أو لأثر منه، بل يمكن للسحر أن يعمل بمجرد العَقْد مثلاً مع النفث أو التكلم، أو الكتابة، ونحو ذلك. (3) التعريف للإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله. انظر: المغني له (10/104) . (4) [الجواهر، ج/ جوهر، وهو لفظ يطلقه المتكلمون والفلاسفة، يقصدون به كل متحيز بذاته، وقد يتركب منه غيره، وهو خلاف العَرَض، وهو جزء من غيره ليس له حقيقة بذاته] . انظر: موسوعة الكشاف للتهانوي، (1/602) [الجوهر] . والمقصود هنا بخواص الجوهر: ما جُعِل في المواد التي يستعملها السحرة من نحو زئبق وبخور وحلتيتٍ وزعفران وغير ذلك، من صفات يدّعون تناسبها مع مزاج الأفلاك والكواكب السبع السيارة، وكذلك مع ما تحبه الموكلون بها - بزعمهم - من ملائكة، حاش لهم ذلك عليهم السلام. (5) مطالع النجوم، جـ/ مطلع بمعنى زمان طلوعها من جهة الأفق الشرقي. انظر: موسوعة الكشاف أيضًا. (2/1566) [المطلِع] .

(1/79)


الشخص المسحور، ويُترصَّد له وقت مخصوص في المطالع، وتُقرَن به كلمات يُتلفَّظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويُتوصَّل في تسميتها إلى الاستعانة بالشياطين، وتَحصُل من مجموع ذلك - بحُكْم إجراء الله العادة - أحوال غريبة في الشخص المسحور] (1) . 3- ... [السحر: خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة] (2) . 4- ... [السحر: أصله طِلَّسْمٌ يُبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصيّ فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهّلوا للساحر ما عَسُر عليه] (3) . 5- ... [السحر: هو خُدَعٌ ومخاريقُ ومعانٍ يفعلها الساحر، حتى يُخيّّل إلى المسحور الشيءُ أنه بخلاف ما هو به، نظير الذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، ويرى الشيء من بعيد فيُثبته بخلاف ما هو على حقيقته] (4) . 6- ... السحر: أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيُخيّل للمسحور أنها بخلاف ما هي به] (5) . 7- ... [السحر: هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماءً، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير] (6) . _________ (1) المرجع السابق كذلك (1/936) ، ينقله عن الفتاوى الحمّادية. (2) التعريف ذكره الألوسي في «روح المعاني» له، ونسبه إلى الجمهور (1/534) . (3) التعريف ذكره القرطبي في تفسيره (2/44) ، ونسبه إلى الغَزْنَوي الحنفي في مؤلَّفه «عيون المعاني» . (4) ذكر التعريف الإمام الطبري في تفسيره (1/508) ، ودلّل على هذا المعنى، ثم قال: وبنحو الذي قلنا في ذلك قاله عدد من أهل التأويل. اهـ. (5) التعريف ذكره الإمام القرطبي في تفسيره (2/43) ، وعقّب بقوله: وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء. اهـ. (6) التعريف للإمام الشوكاني في فتح القدير (1/119) ، وبمثله عرّف العلاّمة صديق خان كما في نيل المرام له (1/57) .

(1/80)


8- ... [السحر: كل أمر خَفِيَ سببُه وتُخُيِّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع] (1) . 9- ... [السحر: علم يستفاد منه حصول مَلَكةٍ نفسانية، يُقتدر بها على أفعال غريبة، لأسباب خفيّة] (2) . 10- ... [السحر والطلّسمات: علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر (3) ، إما بغير مُعين (4) أو بمعين من الأمور السماوية، والأول - أي الذي هو بغير معين - هو: السحر، والثاني: هو: الطلسمات] (5) . نظرة تدبّر في هذه التعريفات العشرة: لو تأملت أخي القارئ فيما سبق من تعريفات متعلقة بالسحر - والحال أن ثنايا كتب التوحيد والتفسير والفروع حافلة بأكثر من ذلك -، أقول: لو تدبّرت هذه التعريفات لظهر لديك جليًا أنها - على كثرتها - لم تفِ بمعنى جامع مانع للسحر، حيث إن بعضها أثبت حقيقة أثر السحر، ونفى بعضها ذلك، وفرق أحدها بين السحر والطلسم بينا سوّى آخرُ بينهما، وطابق _________ (1) التعريف للإمام الجصّاص. انظر: أحكام القرآن له (1/50) ، وبمثل هذا التعريف عرّف الفخر الرازي، ونصه: (لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببُه، ويُتخيَّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع) . انظر: تفسير الرازي (3/187) . (2) التعريف للإمام ابن عابدين - الحنفي - انظر: حاشيته المسماة: ردّ المحتار على الدرّ المختار (1/31) . (3) عالم العناصر: اصطلاح يقصد به ما هو خلاف عالم الأفلاك أو العالم العلوي، فهو العالم الأرضي المادي، وفيه - عند الفلاسفة - أربع طبائع: التراب، النار، الهواء والماء. (4) المقصود بمعين: مزاج الأفلاك أو العناصر، أو خواص الأعداد، وطبائع الحروف، وغير ذلك مما يستعين به أهل العمل بالطّلسمات.. (5) التعريف لابن خلدون. انظر: مقدمته ص 496.

(1/81)


البعض تعريفَ السحر لغةً، ومايَزَ آخرُ بينهما، واقتصر أحدها على بيان نوع من أنواعه كالتنجيم، واختصر آخر أعماله المخصوصة فلم يُمثِّل لها، كما لم يُبيِّن أثرها. التعريف المختار: إن هذا التباين بين هذه التعريفات هو ما حدا بالعلاّمة التهانوي في كشّافه - على كثرة بحثه وسعة اطلاعه - إلى القول: [لم يصل إليّ تعريف يعوّل عليه في كتب الفقه] ، ثم إنه عرّف السحر بما يجمع غالبًا بين جميع ما سبق من تعريفات، فقال: [والأقرب أنه الإتيان بخارق عند مزاولةِ قولٍ أو فعل محرّمٍ في الشرع، أجرى الله سبحانه سنته عنده ابتلاءً] (1) . ولو جاز لنا - توضيحًا - تعديل طفيف على تعريفه هذا، لقلنا إن التعريف المختار للسحر هو: إتيان نفس شريرة أمرًا خارقًا - ضارًا غير نافع - عند مزاولتها قولاً أو فعلاً محرّمًا في الشرع، أجرى الله سبحانه سُنّته - الكونية - عنده ابتلاءً. شرح وجيز للتعريف، مع بيان محترزاته: (إتيان) : دلت على مباشرة الساحر السحرَ، لا مجرّد تعلّمه، أو تعليمه. (نفس شريرة) : دلت على أن من شرط إعمال السحر أن يقوم بمزاولته [نفس خبيثة، ينفصل عنها نَفَس ممازج للشر والأذى مقترن بالريق الممازج لذلك، والحال أن تلك النّفْس قد تساعدت والروح الشيطانية على أذى المسحور. قال تعالى: [الفَلَق: 4] {وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *} ، فإن النفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس الخبيثة، لا النساء النفاثات وحسب، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة تلك الأنفس الخبيثة والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث _________ (1) انظر: موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للعلاّمة، محمد علي التهانوي (1/935) .

(1/82)


دون التذكير، والله أعلم] (1) . (أمرًا) : المقصود شأن ذو بال، فإن من السحر ما يؤثر في القلوب والعقول والأبدان؛ فيُمرِض ويقتل ويُذهِل فيُذهِب باللبّ، ويفرّق بين المرء وزوجه، ويحبّب بين اثنين أو يأخذ أحدهما عن الآخر. (خارقًا) : المعنى حصول أمر بخلاف ما عُهِد حصولُه، وفيه إثبات حقيقة تأثير السحر، لا أنه مجرد تمويه وتخييلات، [ولا يُستنكر في العقل أن الله سبحانه وتعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفّق، أو تركيب أجسام، أو المزج بين قوى على ترتيبٍ لا يعرفه إلا الساحر، وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسُّموم، ومنا مُسقِمة كالأدوية الحادّة، ومنها مُضِرّة كالأدوية المضادّة للمرض، لم يستبعد عقله عندئذٍ أن ينفرد الساحر بتعلّم قُوىً قتالةٍ أو كلام مُهلِك أو مؤدٍ إلى التفرقة] (2) . وهنا مسألتان: الأولى: إذا جاز خرق العادة على يدي الساحر، فبمَ يقع الفرق بينه وبين النبيِّ الصادق؟ والجواب: أن العادة تنخرق على يد النبيِّ والساحر، والفرق أن النبيَّ عليه السلام يتحدى بها ويُعجز بها الخلقَ فتدلّ على صدقه؛ والساحر لا يتحدى بها ولا يستعجز بها الخلق، ولو تحدى بها لم تنخرق له] (3) . والثانية: هل إن خرق العادة بإتيان الساحر سحره، لازم الحصول؟ [الحق أن السحر مع كونه أمرًا خارقًا للعادة إلا أنه مسبَّبٌ عن سبب معتادٍ كونُه عنه] (4) ، والمعنى: أن السحر هو علم بأمر عادي يتوصل إليه _________ (1) هذا ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله. انظر: التفسير القيم له ص 563. (2) انظر: معارج القبول للعلاّمة حافظ الحَكَمي (2/687) . (3) انظر: زاد المسلم للعلاّمة محمد بن أحمد الشنقيطي (4/228) . (4) انظر: زاد المسلم أيضًا (2/226) .

(1/83)


بطلبه في الغالب، أي أنه لا يؤثر ضرًا إلا إذا خلّى الله تعالى بين الساحر وبين ما أراد، وقد لا يكون ذلك، قال تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} . إذًا فالسحر يؤثر بعلة عادية، وليس سببًا مولِّدًا مُوجبًا للحدوث، لذا فإنه يمكن إبطال وصوله ابتداءً بوجود مانع من تحصّنٍ بذكر الله، كما يمكن إبطال أثره بعد وقوعه برقية شرعية، أو دعاء مشروع، ونحوه، والله أعلم. (ضارًّا غير نافع) : قال تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} ، [أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره] (1) ، لكنْ، هل للسحر نفع؟ الواقع أن السحر شر محض وضر خالص على الساحر في دينه وعاقبة أمره، حيث إنه تعمُّدٌ لإيقاع أذى بالمسحور، وهو ضرّ عظيم له - عياذًا بالله - لكن مع ذلك كله فإن الساحر يُفتَن بتعلم السحر، ليجني بعمله متاعًا من الدنيا قليل من تحصيل مال، أو كسب جاه، ولو كان ذلك مقابل خسرانه نصيبه من نعيم الآخرة! بالمقابل فإن المسحور مع عظم ما نزل به من ضرّ، فإنه يبتلى بذلك، وهو يجني نفعًا عظيمًا بصبره على ذلك وتعلقه بقدرة الله في كشف الضر عنه. أما تقييد الأمر الخارق بكونه ضارًا غير نافع، فذلك ليخرج به نحو معجزةٍ لنبيٍّ أو كرامةٍ لوليّ، فإن في المعجزة إظهار الحق بالتدليل على صدق دعوى النبوة، وإثبات وجوب الإيمان بمن أتى بها، مع لزوم اتباعه، وفي ذلك ما لا يخفى من عظيم النفع في الدارين، كما أن في الكرامة للولي تصديق النبيِّ الذي سار الوليُّ بحسن اتباعه والتأسي به، وفي ذلك من النفع باستمرار اتباع الخلق للرسالة ما فيه، فضلاً عما تتضمنه الكرامة من بشرى للوليِّ ودلالةٍ على محبة الله له، ومزيد عنايته به. _________ (1) انظر: تفسير ابن كثير ص 129، ط - بيت الأفكار.

(1/84)


(عند مزاولتها قولاً أو فعلاً محرّمًا في الشرع) : أي أن من شرط تأثير السحر حصول استرضاء من الساحر لشيطانه، فإذا استرضاه بما يكون كفرًا بواحًا بنفسه كعبادة كوكب مثلاً، أو النطق بالاستعانة بغير الله، أو أطاعه باقتراف الكبائر محادّة لله ولرسوله، عندها فقط تقع معونة الشيطان لتلك النفس الشريرة فيمكنها بعدها أن تنفث شرها، محاولة إيقاع ضرّها بالمسحور. [فالسحر لا يظهر إلا على كافر أو فاسق، فهو توصل بمحظور إلى محظور. ويخرج باشتراط مزاولة قول أو فعل محرم: ما يفعله أصحاب الحِيَل بمعونة الآلات والأدوية أو ما يُريه صاحب خفة اليد، فإن ذلك - وإن سمي سحرًا - فإنه على المجاز لا على الحقيقة، لما فيه من مشابهة السحر في الدقة، لأن السحر في الأصل موضوع لما خفي سببه] (1) . (أجرى الله سبحانه سنته الكونية عنده) : [المعنى أن السحر ليس بمؤثر بذاته نفعًا ولا ضرًا، وإنما يؤثر بقضاء الله تعالى وقدره، وخلقه وتكوينه، عند مزاولة الساحر سحره، لأنه تعالى خالق الخير والشر، والسحر من الشر، ولهذا قال تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، فيكون التأثير بقضاء الله الكونيّ القدريّ، لا الشرعيّ، فإن الله لم يأذن بذلك شرعًا] (2) . ويخرج بذلك - كما لا يخفى - المعجزة والكرامة، فإنهما تقعان بإذن الله الشرعي، فهما مما يختص بمرضاة الله سبحانه ومحابّه. (ابتلاءً) : أي: امتحانًا وفتنة للساحر، قال تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} ، فالساحر مع علمه القاطع بشدة النهي عن تعلم السحر فإنه يتعلمه، ثم يعمل به، فيفتن بذلك عن دينه، _________ (1) انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للعلاّمة التهانوي. (1/935) السحر. (2) انظر: معارج القبول، للعلاّمة حافظ الحَكَمي. (2/685) .

(1/85)


ويمتحن في إيمانه، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويشتري الحياة الدنيا بالآخرة، [فتحق الفتنة على المفتونين، فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم لو كانوا يعلمون حقيقة الصَّفْقة] (1) ، ولعل في قول صاحب التعريف: ابتلاءً، ما يشير أيضًا إلى أن المسحور يبتلى - أي يمتحن في تَمسّكه بدينه، ويقينه بقدرة الله وحكمته - بإجراء الإذن الكوني بإيقاع تأثير السحر به؛ ليؤجر بعدها فيكون ذلك تثبيتًا له ورفعًا لمنزلته وسببًا في شفائه، والله أعلم. *** _________ (1) انظر: في ظلال القرآن لسيد قطب (1/96) .

(1/86)


الباب الثاني: بيان مصطلحات متعلقة بالسحر. إن المصنفات التي تناولت أمر السحر - بيانًا وتحذيرًا - قد حفَلت بكمٍّ لا بأس به من ألفاظٍ نُثرت في ثناياها، قد ذكرها المصنفون عَرَضًا عند تعريفهم بالسحر، أو عند التنفير من تعلمه أو تعاطيه، لكن هذه المصطلحات بقيت مرتبطة بالسحر دون أن يُكشف اللِّثامُ عن وجه معانيها، فقد يقع المرء في تعلمها أو يُلبّس ساحر ماكر بأمثالها على كثير من الناس دون أن يُتفطّن إليها؛ لذا فقد أردت بيانها بما يناسب المقام؛ ليعلم القارئ وجهَ تعلُّقِها بالسحر ونسبتِها إليه فيحذرها كما يحذّر منها، وهي عشرة مصطلحات: 1- الطَّلِسْم، أو الطِّلَّسْم، والشائع في نطقه طَلْسَم، بوزن جعفر، والمقصود به: [الخطوط المجهولة المعاني، وكذلك كل كلام أعجمي جُهِل معناه] (1) . [ويزعم السحرة أن بهذه الطلسمات تقتدر النفوس البشرية على التأثيرات في عالم العناصر، بشرط استعانة تلك النفوس بالأمور السماوية] (2) ، [فهذه الطلسمات مُحدِثة - عندهم - لأمر خارق يكون مبدؤه القوى السماوية الفعّالة، فإذا مُزجت بالقوى الأرضية المنفعلة، حدثت عندئذٍ أمور غريبة وآثار مخصوصة] (3) ، والحاصل أن الطلسمات هي: ما يكتبه الساحر بإيحاء من شيطانه، ويكون محتويًا - غالبًا - على حروف وأعداد يستعين عند كتابتها بما يدعيه من تأثير روحانية الكواكب على ما يقابلها من أسرار الحروف وخفايا ترتيب الأعداد، مع مناسبة ذلك لخواص العناصر والموجودات، بما يُحدِث _________ (1) انظر: أحكام العزائم والرقى للعلاّمة عبد الرحمن الأهدل ص61. (2) انظر: مقدمة ابن خلدون ص 496، وتعريفه نصًا: [علوم بكيفية استعداداتٍ تقتدر بها النفوس البشرية على التأثيرات في عالم العناصر إما بغير معين أو بمعين من الأمور السماوية، والأول هو السحر، والثاني هو الطلسمات] . (3) انظر: موسوعة الكشّاف للعلاّمة التهانوي. (2/1138) (الطلسم) .

(1/87)


تأثيرًا عجيبًا بها؛ من تآلف وتنافر، وغضب ورضى، وتيسير أمر أو توقيف حال، ونحوه. وهو أمر يتكلف الساحر لعمله الجهد الجهيد، ويبذل في إتقانه العمر المديد، حيث إن نفسه لم تبلغ أن تؤثر بهمتها فقط في الموجودات، لذا فهو مضطر للجوء إلى حِمى الكواكب السبع السيارة، ليستنزل روحانيتها، ويستعلم أمزجتها، لتقوم هي بدورها بالتأثير في قوى أرضية، وذلك عند قيام المُطلسِم بكتابة أعداد وحروف تناسب أمزجة تلك الكواكب!! فاعجب - أخي القارئ - لتلك الاستعانة الظاهرة بتلك الأجرام السماوية، وذلك التزلّف لجنابها المعظّم، لذا [فإن الشريعة لم تفرّق بين السحر والطلسمات، وجعلته كلَّه بابًا واحدًا محظورًا] (1) . وهاك مصوّرًا (2) لنماذج من طلاسم وجدت في أحجبة يعلّقها أهلُها، ولا علم لهم بما حوته من طلسمات شركية وأعمال سحرية!! فالحذر كل الحذر من التسهّل في تعليق الأحجبة. _________ (1) انظر: مقدمة ابن خلدون ص502. (2) صورة

(1/88)


2- التنجيم (1) : وهو [الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيجُ بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية كما يزعمون] (2) ، وهذا العلم قد يوهم ظاهرُ اسمه أنه لا تعلُّق له بالسحر، وأنه داخل في الكهانة أو العرافة، فالمنجِّم يستدل بالتشكُّلات الفلكية وأوضاع الكواكب على ما يكون - بزعمه - من حوادث في الكون، لكن الناظر في حال كثير من المنجّمين يدرك أنهم لم يقتصروا على إخبار الناس بما يكون من حوادث أرضية عامة؛ من نحو خسف، أو قحط، أو فيضان، أو هلاك بحرب، بل تعدَّوا ذلك إلى ما يختص الآدميين، فزعموا أن لحركة الكواكب في أبراج السماء تأثيرًا بذواتها على إحداث حسن طالع المرء أو شؤمه، ولهم في ذلك جداول مقررة بالغة في الدقة يحكمون بها - بزعمهم - من خلال حساب حروف الاسم، واسم الأم، وزمن الولادة، ومكانها؛ وذلك بإعمال ما يُعرف بحساب الجُمّل الكبير، مع إسقاط عددٍ بعينه من الجمع، ثم بحساب ما يفضُل ينسبون صاحب الاسم إلى برج من الإثني عشرَ برجًا المعروفة - من الحَمَل إلى الحوت - ليحكم بعدها المنجّم تبعًا للبرج، بطالع المرء من الكواكب السبعة السيارة، وبها يعرف سعوده أو نحوسه، وطبعه - مزاجه - وغير ذلك، والواقع أن حكمه إنما يكون بما يوحيه إليه شيطانه، فترى كثيرًا من الناس يسارعون إليهم، وقد يغيّر أحدهم اسمه، أو يفترق عن زوجه بسبب أنهما من طبائع كواكب مختلفة؛ فهذا ناريٌ وتلك مائية، وذاك هوائيٌ وزوجُه ترابية، أو أن فلانًا يولد له لكن امرأته عاقِرٌ - بحكم الكواكب عياذًا بالله - فيفارقها، وغير ذلك مما يدّعونه من تحكم بمصائر الناس، وكأن ذلك الساحر المنجّم قد سبق بتخرُّصه علمَ المَلَك الموكّل بكتابة الرزق والأجل والعمل والشقاوة أو السعادة للجنين، ونحن نعلم - كما في الحديث - أن ذلك المَلَك يسأل ربّه إعلامَه بحال الجنين، حتى يأمره ربُّه بما شاء سبحانه، فمالِ هؤلاء الدجاجلة _________ (1) انظر في هذا المبحث: معارج القبول للعلاّمة الحكمي (2/701) . (2) التعريف لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. انظر: مجموع فتاواه (5/192) .

(1/89)


قد اختلقت لهم شياطينهم أكذوبةً صناعةً، فأيقنوا بصدقها ثم زعموا علمًا بغيب استأثر الله بعلمه؟! وما بال أقوام هرعوا إلى أبوابهم يصدِّقونهم فيما يقولون، فيبغضون فلانًا لأجلهم ويحبون آخر بحكمهم، ولا يفعلون أشياء في أيامٍ بعينها مخافة نحوسهم، ولا يتزاوجون إلا بليلة سعد يزعمونها، وفي ساعة سعيدة يدّعون علمها، يكون كوكب فيها في ساعة سعيدة!! أو يكون القمر مقترنًا فيها بمنزلة تكون الزهرة فيها في شَرَفها ناظرة إلى القمر ما يوجب التآلف والتوادّ!! إن مثل هذا التصديق والاعتقاد بقدرة المنجّم الساحر على التحكم بذلك كلِّه، هو - ولا ريب - كفر، والعياذ بالله.

(1/90)


وها هم أولاء أهل التنجيم، بل أهل الشعوذة، يتسللون لِواذًا، مبتغين دخول بيوت المسلمين على حين غفلة من أهلها؛ فبينا تجتمع الأسرة المسلمة تنقِّل نواظرها لمتابعة ما قد ينفع من برامج متلفزة، وقليلٌ ما هي! إذ يطلع عليها دون استئذان من تزيّا بزيِّ السَّحَرة، وادعى زورًا معرفةً بالتنجيم، وأعظم على الله الفِرْية بزعمه أنه من أهل الولاية الصالحين، فبات يلقي على مسامعنا ما ينفر منه من له أدنى مُسْكة من عقل، أو أثارة من علم، ثم إن هذا المشعوذ مع كونه لم يحصِّل معرفةً بالتنجيم تُذكر، ولم يدرك من صنوف السحر ما يُعتبر، إلا أنه - وبكل صفاقة - لا يَدَع علمًا من علوم الدين أو الدنيا إلا ويدلي فيه بدلوه، حتى باتت سورة (الزُّمَر) عنده سورة الرَّمْز، وصار نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام عنده منجمًا يستغيث بالكواكب يرتجي منها التلطف لتَدارَكه بالشفاء!! مستدلاً في ذلك بقول الله تعالى: [الصَّافات: 88-89] {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ *فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ *} ، ويحَ هؤلاء ما أعظم جرأتهم على دين الله؛ إن أحدهم لم يكلِّف نفسه النظرَ في كتاب تفسير معتبرٍ قبل أن يفسر معنى نظر أبي الأنبياء إلى النجوم، ولو أن مدّعٍ منهم نظر إلى أشهر التفاسير (تفسير ابن كثير مثلاً) لوجد حلاًّ للمعضلة التي حار في فهمها، لكنّ الظن بأمثاله هو تعمُّد تشويه جلالة قَدْر أنبياء الله تعالى. يقول الإمام ابن كثير في تفسيره (1) : (إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أَزِف خروجُهم إلى عيدٍ لهم، فأحبّ أن يختليَ بآلهتهم فيكسرها، فقال لهم كلامًا هو حقٌّ في نفس الأمر، فهِموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه) . اهـ. وهكذا يهرف هؤلاء السحرة بما لا يعرفون، فهم كَذَبة حتى في ادعائهم معرفةً بالتنجيم؛ فالتنجيم - على ما تقرر عند أهله - يستحيل أن يدرك المتمرِّسُ فيه معرفةَ تفاصيل حياة الإنسان التي قد تخفى حتى على أقرب الناس إليه، فما بال أحدهم حال سماعه اسم المتصل وزمن ولادته، وبلمسة من أنامله الآثمة على جهاز حاسوب، يُبدي للمتصل دقائقَ متعلقةً بصحته، فهو يُنْبئه بنوع الألم، وبدرجة التألّم، بل بوقت حدوث ذلك الألم واشتداد وطأته، وكأن أحدهم قد بات ابن سينا عصرِه أو بقراط دهرِه، كلُّ ذلك يتم بتقنية الاستشعار عن بُعد، وحال معرفة اسم المريض وزمن ولادته فقط!! تَطْلع علينا هذه الأقنية متبعةً سَنن أقنية غربية ما فتئت منذ زمن بعيد تمارس الدجل والشعوذة؛ تارة بورق اللعب (الكوتشينة) ، وأخرى بكُرة بِلَّوْرية، وثالثة بشاشات فلكية، فأبى دجاجلة العرب إلا اتباع دجاجلة الغرب حَذْو القُذَّة بالقُذَّة ودخلوا جُحر الضبِّ الذي دخلوه، بل إن بعضهم قد سبق أولئك في جُحْر الشعوذة، فبعد أن عَلِم أحدهم ما عَلِمَ من أمر الإسلام وأيقن تنفيرَه الشديد من ولوج دهاليز السحر والكهانة والتنجيم لم يُثْنِه ذلك كلِّه عن محادَّة الله ورسوله، فأوغل في ذكر وَصْفات للشفاء ابتدعها وجانَبَ بها جادَّة السُّنَّة، فهو يأمر مثلاً بتلاوة آيات سبعين مرة، بينا هو بالكاد يستطيع تلاوتها مُنزَّهة عن اللَّحْنين الخفيِّ والجليِّ في التلاوة، فتراه يرفع مخفوضًا أو يؤنِّث مذكرًا أو يُحِيل المفعول به فاعلاً!! فاعجب - أخي القارئ - لأمثال هؤلاء حين تنهال عليهم الاتصالات من كل حَدَب وصوب، وما أحسب أكثر المتواصلين معهم إلا متواطئين على نشر تلك الشعوذات بغية عَرَض من الدنيا قليل، فالحذر الحذر من تصديق أولئك السَّحَرة المُنَجِّمين سواء أتيناهم في دُورهم أم تسوَّروا علينا بيوتنا فدخلوها، بل إن خطر هؤلاء المتسوِّرين قد يكون أشد فتكًا من خطر ساحر التزم داره أو تنقّل بشخصه بين دُور مَنْ يطلبه ويُغدِق عليه من عطاءاته، فالساحر المنجِّم على شاشة التلفاز يبلغ تأثيره عمومَ الناس، الناشئة فَمَن فوقَهم، وهو يشوِّه صورة الدِّين الحنيف عند من اعتنقه ومن لم يعتنقه، وقد أحسنَتْ إحدى دول الخليج العربي صنعًا بحظر دخول أمثال هؤلاء أراضيها، لكن مدعي السحر والتنجيم - للأسف، وبالتقدم التقني الحاصل - ما زالوا يتواصلون بمشاهديهم، فالحذر الحذر من جميع هؤلاء الذين لم يَدَعوا أكاذيب إلا اختلقوها، ولا علمًا بغيب إلا ادّعوا تملّك مفاتحه، بصناعة اخترعتها لهم شياطينهم، ثم ألقتها في رُوْعهم، فصاروا عبّادًا للنجوم من دون الله، وتكلّفوا ما لا علم لهم به، فضلّوا وأضلّوا وأضاعوا نصيبهم من الآخرة، والعياذ بالله تعالى. وهاك أخي القارئ - نصَّ فتوى صدرت عن أكابر علمائنا، تبين حقيقة هؤلاء، وتصف سبيلهم، وتُحذِّر منهم، وتشدِّد النكيرَ عليهم: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فإن ما تبثُّه هذه القنوات من علم السِّحر والشعوذة والكهانة من أعظم المنكرات ومن أعظم الفساد، وإضلال الناس، وهي علوم تقوم على الكذب والدجل ودعوى علم الغيب بما يدَّعونه من النظر في النجوم والطوالع كما يقولون، أو مما يتلقَّوْنه من أصحابهم من شياطين الجن، وقد لا تكون لهم خبرة في هذه العلوم الشيطانية ولكنهم يدَّعونها كذبًا وزورًا لكسب المال، وهذه العلوم لا تَرُوج إلا على الجُهَّال والمغفَّلين وضعفاء الدين، وقد ذمَّ الله السِّحر والسَّحَرة والكُهَّان، كما قال الله تعالى: [طه: 69] {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، وقال: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} ، وقال تعالى في سحرة فرعون: [يُونس: 81] {قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} ، وثبت في صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا» (2) ، وجاء في السُّنن: «من أتى كاهنًا أو عرَّافًا فسأله عن شيء فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد» (3) ، وسواء ذهب السائل إليهم ببدنه أو اتصل عليهم بواسطة الهاتف: الحكم واحد. وعلى هذا، فيجب الحذر من مشاهدة هذه البرامج فمشاهدتها ولو لمجرد الفرجة حرام، وأما الاتصال على أصحاب هذه البرامج لسؤالهم ففيه الوعيد المتقدم. ويجب على أولياء أمور الأُسَر منعُهم من مشاهدتها أو الاتصال على هؤلاء السَّحَرة والمشعوذين؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته» (4) ، وقال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكَرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ... » (5) . ويجب على المسلمين التناصحُ والحذر والتحذير من التواصل مع هذه القنوات التي هَمُّ أصحابِها كسبُ المال ولو من الحرام، بل وأكثرهم يقصد الفساد والإفساد، فنقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. الموقعون: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي _________ (1) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ص: 1450 ط - بيت الأفكار. (2) أخرجه مسلم، بلفظ: «من أتى عرّافًا ... » الحديث؛ كتاب: السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهّان، برقم (2230) ، عن بعض أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم. (3) الحديث رواه الأربعة أهل السنن: أبو داود برقم (3904) ، والنسائي برقم (131) ، والترمذي برقم (135) ، وابن ماجه برقم (639) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في مسنده (2/408) ، والحاكم في مستدركه - واللفظ له - (1/8) ، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي. وصحّحه الألباني في «الإرواء» برقم (2006) . (4) متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن، برقم (893) ، ومسلم؛ كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، برقم (1829) . (5) أخرجه مسلم؛ كتاب: الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، برقم (49) ، عن أبي بكر رضي الله عنه.

(/)


3- النَّفْث في العُقد: وهو نفخ مع ريق خفيف، أو دونه، يقوم به من له نفس ساحرة مؤثرة، من رجال أو نساء، ينفثون في عقدة أو أكثر من عُقَد الخيوط حين يسحرون بها وأكثر من يقوم بذلك السواحر، وهن النساء اللواتي يتعاطين السحر، ويقمن بذلك خاصة في حال طمثهن (المحيض) ، فيعقدن في سحرهن، ثم ينفثن في عقدهن (1) . قال تعالى: [الفَلَق: 4] {وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *} ، [فالنفاثات هنا: هن الأرواح والأنفس النفاثات، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة، والأرواح الشريرة، وسلطانه إنما يظهر منها، فلهذا ذكرت النفاثات هنا بلفظ التأنيث دون التذكير، والله أعلم] (2) . وفي الأثر: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ _________ (1) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي (2/50) . (2) انظر: التفسير القيم، للإمام ابن القيم ص563.

(1/90)


إِلَيْهِ» (1) . [وهذا النفث من السحرة وأهل الباطل هو المذموم، ولا يلزم منه ذمّ النفث مطلقًا، ولا سيما بعد ثبوته في الرقية المشروعة - بأحاديث صحيحة] (2) . 4- التميمة: وهي - في الأصل -[خرزات كانت العرب تعلّقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإسلام] (3) ، لكنها تعم كل رقية مكتوبة معلّقة على أولاد أو غيرهم، وتسمى أيضًا الحجاب، أو الجامعة، لدفع العين أو أذى جن، أو مرض، ونحو ذلك؛ وهي نوعان: الأول: ما يكون فيها من أسماء الشياطين، أو احتوى على عظمٍ أو خَرَز أو مساميرَ أو طلاسم ونحوه. وهذا النوع لا شك بتحريمه، وهو من أنواع الشرك الأصغر، إن لم يحو استقسامًا أو استعانة صريحة بمخلوق، فيكون الاعتقاد به عندها شركًا أكبر، والعياذ بالله تعالى، وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرُّقى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ (4) شِرْكٌ» (5) ، ولتوعّده صلى الله عليه وسلم من تعلّق قلبه بحفظ تميمة _________ (1) أخرجه النسائي - في سننه -؛ كتاب: المحاربة [تحريم الدم] باب: الحكم في السَّحَرة، برقم (4084) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ويشار هنا إلى أن مرويّ النسائي لهذا الحديث مرفوعًا، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ضعيف الإسناد؛ لأن فيه عَبَّاد بن ميسرة المِنْقَرِيّ، وهو ليّن الحديث، ضعّفه أحمد، فضلاً أنه عنعن هذا الحديث عن الحسن البصري. والحديث - دون جملته الأخيرة - ضعّفه الألباني. انظر: ضعيف سنن النسائي برقم (276) . أما جملة: «ومن تعلّق شيئًا وكل إليه» ، في آخر الحديث، فقد أخرجها الترمذي (2072) ، وأحمد (4/311) ، كلاهما من حديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه. وقد حسّن الألبانيّ رحمه الله إسناد هذا الجزء من الحديث، وذكر له شاهدًا عن الحسن البصريّ مرسلاً، وكذلك مرفوعًا. انظر: "غاية المرام"، ص182. (2) انظر: فتح الباري لابن حجر (10/220) . (3) انظر: النهاية لابن الأثير، (1/197) مادة (تمم) . (4) التِّوَلَة: بكسر التاء، وفتح الواو -: ما يُحبّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره. (5) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الطب، باب: في تعليق التمائم، برقم (3883) ، وابن ماجَهْ؛ كتاب: الطب، باب: تعليق التمائم، برقم (3530) ، عن زينب زوج ابن مسعود رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد في مسنده (1/380) ، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وصحّحه الألباني في «الصحيحة» برقم (2972) .

(1/91)


أو وَدَعَة، بقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً (1) ، فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ» (2) . والنوع الثاني من التمائم: هو ما يعلّق من الآيات القرآنية والتعوّذات والأدعية النبوية، وتعليق ذلك اختلف في جوازه العلماء، فأجازه البعض، مُلحِقًا له بجنس الرقية الجائزة، ومنعه آخرون، [ومن حجة المانعين: أن الرقى قد جاء ما يقيد مطلق جوازها، في قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (3) ، بينا لم يُسْتَثْنَ من تحريم التمائم شيء، وكذلك احتج المانعون بالقول بسد الذرائع المفضية إلى الشرك، وقالوا: [لو أنا جوّزنا التمائم المحتوية على دعوات مباحة، لانفتح باب عظيم أدخل فيه من شاء ما شاء، ولاشتبهت عندها التميمة الجائزة بالممنوعة، وتعذّر التمييز بينهما إلا بمشقة عظيمة، لذا فقد وجب سد ذلك الباب وقفل هذا الطريق حماية لجانب التوحيد مما قد يشوبه من دَخَل وشبهات. هذا، فضلاً عن احتمال امتهان تلك التمائم من القرآن أو السنة، بحملها في حال لا تليق كدخول خلاء بها، أو حصول جماع ونحو ذلك] (4) . 5- الاستحضار، وهو من أنواع الاستعانة الشركية من قِبَل الساحر أو العرّاف، وهو استنزال الأرواح في قوالب الأشباح - الأجساد -، أي: ادعاء حلول روح ما في جسم مادي، وهو نوعان: وسيلة الأول منهما ادعاء طلب استنزال روح من أرواح الملائكة عليهم السلام!! والآخر طلب تلبُّس جني بجسد إنسي؛ وذلك لتدل الملائكة أو الجِنّة - بزعمهم - على أمر مغيّب كاسم _________ (1) الودعة: صدفة لحلزونات بحرية، وهو معروف. كانت العرب في الجاهلية تعلّقها، تستبشر بها. (2) أخرجه أحمد في مسنده (4/154) ، من حديث عقبة بن عامر الجُهَني رضي الله عنه. والحاكم في مستدركه (4/216) ، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. والحديث ضعّفه الألباني في «الضعيفة» برقم (1266) . (3) أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، برقم (2200) ، عن عوف بن مالكٍ رضي الله عنه. (4) انظر: الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية. إعداد المؤلف ص 251. نقلاً من فتاوى اللجنة الدائمة.

(1/92)


سارق ما، أو تعيين مكان لمسروق، وذلك محرّم لاشتماله على اعتقاد ما لا يصح في حق الملائكة عليهم السلام من معصية الله تعالى، ولتضمنه استعانة صريحة بهم أو بالجن، وهم يسمون الملائكة هنا (الموكّلون) ، والجن المتعاون معهم خُدّام العزائم، والعزائم: علم يُتعرّف منه كيفية تسخير الأرواح واستخدامها كتسخير المَلَك والجن، فالعزيمة كلام - يكون غالبًا غير مفهوم - يتوافق عليه الساحر وشيطانه، بحيث يلتزم الشيطان معونة الساحر كلما نطق بالعزيمة، فيكون مسخرًا لذلك، ويكون الساحر قد تقرّب مسبقًا من شيطانه بأنواع القُرَب المحرمة، وكلما بالغ الساحر في طاعة شيطانِه، فلم يتورع عن ارتكاب الشركيات والمحرمات القبيحة، كلما تعهد شيطانه بمزيد معونته له. [واعلم - رحمك الله - أن تسخير الجن أو المَلَك من غير تجسّدها وحضورها يسمى علم العزائم، بشرط تحصيل المقاصد بواسطتها. وأما حضور الجن وتجسدها فإنه يسمى علم الاستحضار، ولا يشترط تحصيل المقاصد بها] (1) . 6- الرقى: وقصدت بها هنا معنى خاصًا، وهو الرقى الممنوعة كرقى الجاهلية ورقى الهند والفارسية، وغيرهم، التي ربما احتوت على طلاسم، واستعانة بمخلوقين، وربما كانت كفرًا (2) ، [وعلم الرقى: علم باحث عن مباشرة أفعال مخصوصة تترتب عليها بالخاصية آثار مخصوصة، كعقود الخيط والشعر وأمثالهما، وإنما سميت رقية لأنها كلمات رقيت من صدر الراقي، زعموا أنها كُشِفت من الجن أو سُمِعت في المنام] (3) . ووجه تعلق هذا العلم بالسحر ظاهر، حيث احتوى على عُقَدٍ ورقيٍ عليها بألفاظٍ تكون في غالبها محتوية لكلمات كفرية، أو استعانة بمخلوق، بما يسخِّر شيطانَ الساحر لخدمته في إيقاع أذى بمن رُقِي له. _________ (1) انظر: موسوعة مصطلحات مفتاح السعادة ومصباح السيادة، للعلاّمة طاش كبرى زاده ص 162. (2) انظر: الإعلام بقواطع الإسلام، لابن حجر - الهيتمي الفقيه - (2/182) . (3) انظر: موسوعة مصطلحات مفتاح السعادة، للعلامة طاش كبرى زاده. علم الرقى. ص 478.

(1/93)


7-8-9 العيافة والطَّرْق والخطّ؛ أما العيافة فالمقصود بها: [زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها، وهو من فعل أهل الجاهلية] (1) ، وفي الأثر: «العيافة والطِّيَرة، والطَّرْق من الجبْت» (2) ، أي من السحر (3) ، أما الطِّيَرة: [فهي التشاؤم بالشيء، وأصلها التطيّر بالسوانح والبوارح (4) من الطير والظّباء وغيرهما، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أن ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضرّ] (5) ومن صور الطيرة أيضًا التشاؤم بالأسماء والأماكن والأشخاص، وهو داء دبّ في سائر الأمم إلى _________ (1) انظر: النهاية لابن الأثير (3/330) (عيف) . (2) أخرجه أبو داود في سننه؛ كتاب: الكهانة والتطيّر، باب: في الخطّ وزجر الطير، برقم (3907) ، وأحمد في مسنده، (3/477) ، من حديث قَبِيصَةَ بنِ مُخَارِقٍ رضي الله عنه. والحديث: ضعيف لا يثبت؛ وذلك لاختلاف الرواة في إسناده عن عوف - وهو ابن أبي جميلة الأعرابي - فقد اضطربوا في تحديد اسم من روى عنه عوف، فقال بعضهم حيّان بغير نسبة له، وقال بعضهم حيّان أبي العلاء، أو حيّان بن عمير أو ابن مخارق، ما يشير إلى عدم الضبط، وهو موجب لضعف الحديث. انظر: غاية المرام برقم (301) . (3) [هذا ما يؤثر عن عمر رضي الله عنه، في معنى الجبت، وقال العلاّمة الجوهري في الصحاح: «الجبت» : كلمة تقع على الصنم والكاهن والسّاحر، ونحو ذلك، وهذا ليس من محض العربية، لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذَوْلَقِيّ] . انظر: تفسير ابن كثير ص 434، ط - بيت الأفكار. وحروف الإذلاق - كما هو معلوم - مجموعة في قولك: [فِرْ مِنْ لُبّ] . ... [وهذه المعاني للجبت لا منافاه بينها، لأن العيافة والطّرق من عمل الكهان، والكاهن عامل بالسحر، والسحر من عمل الشيطان، كما أن عبادة الصنم هي شرك من عمل الشيطان] . انظر: معارج القبول للعلاّمة الحكمي (2/706) . (4) البوارح، جمع بارح، وهو الطير أو الظباء الذي يتشاءم به إذا ظهر وبرز، يقال: هو كبارح الأروى، وهو مثل يضرب للمشؤوم، وذلك أن الأروى مساكنها الجبال، فلا تكاد تُرى إلا نادرًا فإذا ظهرت عَظُم التشاؤم بها. أما السوانح: جمع سانح، وهو الطير أو الظباء الذي يتشاءم بعدم ظهوره، ومنه قول الراجز: وهنّ يَبْرَحْنَ له بُرُوحًا ... وتارة يأتِينَه سُنُوحًا انظر: معجم المقاييس لابن فارس (1/126) [مادة: برح] . (5) انظر: النهاية لابن الأثير (3/152) .

(1/94)


عصرنا هذا، فترى أحدهم يمقت رقمًا بعينه. وإنْ تعجبْ بعدها فاعجبْ لتشاؤم قوم برسلهم! قال تعالى: [يس: 18] {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، وقال سبحانه: [النِّسَاء: 78] {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} . وقد نفى الإسلام الطيرة وبيّن فساد التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع؛ وأعلم الناسَ ألاّ علامة بذلك على ما يحذرون ألبتة، وأن أثره إنما يكون في نفس المتطيِّر لا بالمتطيَّر به، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا طِيَرة، وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة، يسمعها أحدكم» (1) . [فأين الطيرة من الفأل الصالح السارّ للقلوب المؤيّد للآمال الفاتح باب الرجاء المسكّن للخوف الرابط للجأش الباعث على الاستعانة والتوكل عليه، فهذا ضدّ الطيرة، فالفأل يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد، والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك] (2) . أما الطَّرْق، فمعناه: [الضرب بالحصا الذي يفعله النساء، وقيل: هو الخطّ بالرمل] (3) ، فعلى الأول يكون الطرق: رمي عدد من الحصيات غير محدد، أو من الوَدَع (صدف لحلزونات بحرية) ، يرميها العرّاف في زاوية، ثم يشرع باستعادتها حصاتين حصاتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، ثم ينظر ما تبقى منها، فإن كان شفعًا (عددًا مزدوجًا) استدل بذلك على حسن الطالع، وإن كان وترًا (مفردًا) دلّه على سوء الطالع! فإن كان استدلال الرامي بالحصى كان عرّافًا وحسب، وإن كان بإخبار شيطانه له، فهو كاهن (4) . _________ (1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الطيرة، برقم (5754) ، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: الطيرة والفأل، برقم (2223) . وعندهما، عن أنس رضي الله عنه: «ويعجبني الفأل الصالح» . (2) انظر: مفتاح دار السعادة، للإمام ابن القيم (2/569) . (3) انظر: النهاية لابن الأثير (3/121) (طرق) . (4) انظر: القول المعين لأسامة المعاني ص 313، ينقله عن نص فتوى للعلامة ابن جبرين حفظه الله.

(1/95)


وأما الخطّ بالرمل: [وهو المسمى بالخط، والضرب، فطريقته: أن يقوم الخاطّ برسم خطوط كثيرة متفرقة على أرضٍ ليّنة، يرسمها بخفة بالغة وعجَلة متعمَّدة، فلا يُعرف عند ذلك عددها، ثم يمحوها خطين خطين، فإن بقي خطان مثلاً كان علامة عنده على النجاح، وإن بقي خط واحد فهو بزعمه دليل على الخيبة والحرمان] (1) . وقد يسأل المرء بعدها - على فرض ثبوت الحديث - عن إعلام النبيِّ صلى الله عليه وسلم بكون العيافة والطرق من جملة السحر، مع أن ظاهر معناهما العرافة أو الكهانة على أبعد تقدير؟ والجواب: [أن المتأمل في حال العائف والخاطّ، يجد أنهما مشتركان مع الساحر في أمور منها: انتكاس الفطرة بالاعتقاد بدعوى مشاركة الله باختصاصه بعلم الغيب، وأن أفعالهما تتم غالبًا - كما السحر - بأنواع التقرب لشياطينهم بأنواع الشرك والمحرمات، واعتقادهما إمكان نزول ضر بعبدٍ بغير إذن الله بذلك، وخوفهما - كما الساحر - من مخالفة أوامر شياطينهما، وفي ذلك كله عبادة صريحة لغير الله، وشك ظاهر بحكمة الله في قضائه وتقديره] (2) . فصلاة ربي وسلامه على من أوتي جوامع الكلم، وحاز أقطار العلم، وحوى مجامع الفهم، ولم يدع بابًا للخير إلا أرشد أمته إليه، ولا بابًا للشرّ إلا حذرها منه. مسألة: الخطّ بالرمل علم معروف مشتهر، فهل هو الضرب على الرمل بعينه، أم أنهما متغايران؟ الظاهر، والله أعلم، أنهما متغايران، فالخط بالرمل، هو الرسم ثم الإزالة على ما سبق بيانه، - وهو المسمى بالطَّرْق - أما الضرب على _________ (1) انظر: معالم السنن للخطّابي ص 374. (2) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد. د. صالح الفوزان ص 84.

(1/96)


الرمل، فهو رسم مجموعات من خطوطٍ يحيط بها نقاط يدل كلٌّ منها على طبع من الطبائع الأربعة - النار والهواء والماء والتراب - فالنارية مثلاً هي: والهوائية هي:، والمائية هي:، والترابية هي:، فيقوم الضارب باستخراج طبيعة المضروب له من خلال معرفة اسمه واسم أمه، وهم يزعمون أن عدد حروف ذلك كلِّه يخرج منه جملة بحساب الجُمّل (1) ، تدل على برج صاحبها، وبالتالي سعده أو نحوسه، ذلك أن الضارب يقرأ في جداول لديه فينظر في الجدول المختص بذلك البرج، فيسرد على الشخص أمورًا تتعلق به، وواضح أن هذا الضرب على الرمل هو من علم التنجيم المحرم، الموقع بالشرك، وذلك لاعتقاد كلٍّ من المنجّم، والمصدّق له، بتأثير الأحوال الفلكية بالتسبب في مجريات الحوادث الأرضية، واعتقادهما بتحكم العالم العلوي - على ما يزعمون - بالعالم السفلي، ومن ذلك عموم ما يجري على الخلق من نعمة أو شقوة، ومن توفيق أو خيبة، مضاهئين بذلك قول الصابئة عبدة النجوم، والعياذ بالله تعالى. فائدة: جاء في صحيح مسلم رحمه الله، سؤال معاويةَ بن الحَكَم السُّلَمي رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور منها: الخط، فقال رضي الله عنه: ومنا رجال يخطُّون، فقال صلى الله عليه وسلم: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» (2) . _________ (1) حساب الجُمّل، أو حساب الأبجد، هو اسم لحساب مخصوص تكون الأرقام فيه تبعًا لحروف الأبجد، وسيأتي تفصيل له - إن شاء الله - عند مبحث الأوفاق، انظر: ص148 وما بعدها. (2) جزء من حديث، أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، برقم (537) ، وفي كتاب السلام، أول باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه.

(1/97)


قال الإمام النووي رحمه الله: [اختلف العلماء في معنى الخط، والصحيح أن من وافق خطُّه خطَّ ذلك النبيِّ فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، والمقصود: أنه حرام، لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها ... ] (1) . فحذار أخي المسلم الحصيف، من تلبيس إبليس وجنده الضعيف، بقولهم: ما دام قد فعله نبي من الأنبياء، فما المانع من فِعْله في حقنا؟! والإجابة كما سلف: (ذلك النبيُّ لا منعَ في حقه، وكذا لو علمنا موافقته، ولكن لا علم لنا بها، وقد حصل اتفاق من العلماء على النهي عنه الآن) (2) . 10- النِّيرَنْجات - أو سحر الاستعانة بالخواص الطبيعية بواسطة الكتابة-: وهي جمع نِيرَنْج، [وهو معرّب نِيرَنْكْ، وهو: التمويه والتخييل، وهو إظهار غرائب الامتزاجات بين القوى الفاعلة والمنفعلة، وذلك بقصد صدور آثار مطلوبة من الحبّ والبغض، والإقبال والإعراض، وأمثال ذلك، بكتابات مخصوصة مؤلفة من الروحانيات المبثوثة في العالم] (3) . ولا شك بأن عمل النيرنجات هو من فعل السحرة الذين يعتقدون قدرة المخلوقات الروحانية - بزعمهم - على التأثير في عالم الطبيعة، بل والتحكم فيه. [وطريقهم إلى ذلك كتابات مجهولة الدلالات، فكأنها أرقام وحروف للأوائل] (4) . فتكون النيرنجات - على ذلك - أشبه بسحر الطلسمات، إلا أن الطلسمات مختصة بتمزيج القوى الفاعلة السماوية فقط، بمقابلها من القوى المنفعلة الأرضية، والنيرنجات لا تختص، بل تعم القوى الفاعلة المبثوثة في العالم أجمع، والله أعلم. _________ (1) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (5/22) . (2) انظر: شرح النووي أيضًا بالعزو السابق. (3) انظر: موسوعة مصطلحات مفتاح السعادة ومصباح السيادة، لطاش كبرى زاده (علم النيرنجات) ص 973. (4) المرجع السابق بالعزو نفسه.

(1/98)


11- الشعوذة، أو الشعبذة: [وهي معرب شعباذة، وهو اسم رجل ينسب إليه هذا العلم، وهو علم مبني على خفة اليد، بأن يُري الناسَ الأمر المكرر واحدًا لسرعة تحريكه، والواحد مكررًا، ويري الجماد حيًا، ويخفي المحسوس عن أعين الناس، بلا أخذٍ من عندهم باليد، إلى غير ذلك من الأحوال، وهذا - كما يظهر - ليس من السحر في شيء، وإنما هو من قبيل تعلّم الأسباب اليقينية الموصلة إلى ذلك، وأن كل من اطّلع عليها قدر على مثلها، وإن كان لعدّه من السحر نوع سبيل] (1) . والشعوذة هي أكثر ما يفعله من يسمّون سحرة في عصرنا في السيرك وغيره، إلا أن بعضهم قد يتفق مع شيطانه أن يعاونه في التخييل في قدرة الرائين لا في حقيقة المرئي، فإن كان كذلك فهو - بلا ريب - نوع من سحر الأعين، والله أعلم. أخي القارئ، أقتصر على ذكر هذه المصطلحات الإحدى عشر، علمًا أن ما يتعلق بأمر السحر من ألفاظ يتداولها أهلها ويخطّونها في مصنفاتهم لا تكاد تنحصر، لكن أردت بيان ما اشتهر منها، كما سأبين - إن شاء الله - في الفصل التالي - أنواع علوم متعلقة بالسحر، تفنى أعمار أهل الشر في تلقيها وإتقانها والعمل بها قد سمَّوْها - زورًا - علومًا عُلْوية روحانية، وأسرارًا مكتومة لَدُنِّية!! *** _________ (1) انظر: موسوعة مصطلحات مفتاح السعادة ومصباح السيادة، لطاش كبرى زاده. (علم الشعبدة والتخيلات) ، ص 499.

(1/99)


الفصل الثالث بيان أنواع السحر، وعلاقتها بما يسمى (علومًا روحانية)

(1/101)


 الفصل الثالث بيان أنواع السحر، وعلاقتها بما يسمى (علومًا روحانية)

تمهيد: الغموض يكتنف عالم السحر: إن المتتبع لما أُلّف عن السحر؛ من مصنفات تبحث في ماهيته وطرائقه وتأثيره، أو تلك التي تذكر أنواعه عَرَضًا بغية التعريف بها، ومن ثم بيان خطرها وذمّها بغرض التحذير منها، إن المستقرئ لذلك كله - أو لكثير منه- ليجد غموضًا يكتنف عالم السحر، وضبابية ترتسم من حوله، ما يجعل محاولة استقصاء أنواعه، ومعرفة ضروبه وفنونه أمرًا عسيرًا، دونه عقبات كؤود، قد يكون مرجعها إلى أمور أربعة: أولها: ندرة المصنفات الأمهات في هذا العلم، والتي إن وُجد بعضها ضنّ أهلها بالتصريح فيها بطرائق أعمال السحر، فلا يُتاح لكل قارئ معرفتها، وآثروا - ولله الحمد - إبقاء مخبوء يكتمونه عمن هو ليس أهلاً لمعرفته!! ومما اشتهر من تلك المصنفات: كتاب (غاية الحكيم) للمجريطي (1) ، وكتاب (سحر النَّبَط) _________ (1) مسمى الكتاب بتمامه: (غاية الحكيم وأحق النتيجتين بالتقديم) ، ألفه صاحبه المجريطي: أبو القاسم مَسْلمة بن أحمد القرطبي [المتوفى سنة 395هـ] ، في السحر على طريقة اليونان، فرغ منه سنة 348هـ، ذكر فيه أنواع الطلسمات وفنون أنواع السحر، ورتبه على أربع مقالات، قال فيه: جمعت هذا الكتاب من 134 كتابًا للحكماء ونَفَحْتُه في مدة ستة سنين] . انظر: كشف الظنون لحاجي خليفة (4/300) . ومجريط: بلدة في الأندلس، وهي مدريد عاصمة أسبانيا اليوم. وقول المجريطي (نفحته) ، أي: أعطيته لقارئه هبة ومعروفًا، وهو قد فاض من عندي كنفخ الطِّيْب ونشره. انظر: معجم المقاييس لابن فارس (نفح) . قلت: ليته ما فعل، وما جهد نفسه بنفحه، فقد حوى كتابه الطامّات مما لا يحسن بالمسلم معرفته، فضلاً عن حرمة اعتقاده أو العمل به.

(1/103)


لابن وحشية (1) ، وكتاب (الجمهرة) (2) للخوارزمي، وكتاب (العَماء) (3) للدَّسْتُميساني، وكتاب البُّوني المسمّى (شمس المعارف الكبرى) (4) ، وغيرها مما قد يُطَّلع عليه بقصد الحذر لما فيه، لا لعلمه ولا للعمل به. والثاني: أن من تعرض لبيان هذه الأقسام من علماء الأمة، ذكرها ضمن مسائل عديدة تعرض فيها لتفسير آية كريمة، أو شرح حديث شريف، أو تفصيل مسألة فقهية، ونحو ذلك، مما حصر ذكر هذه الأنواع في بوتقة البحث العلمي المراد به تأصيل مسائل ومناقشتها وتحرير محل النزاع فيها، ومن ثم تقرير ما ذهب إليه الكاتب. وقد اكتفى بعضهم بكونه ناقلاً أمينًا لما دوّنه سابقه من هذه الأقسام بقصد التعليق على ما ذهب إليه، وتقرير خلافه أحيانًا. والمثال عليه: ما دوّنه الإمام الجصّاص في (أحكام القرآن) ، ومن بعده الفخر الرازي في تفسيره الكبير، والأئمة: النووي في شرحه لصحيح مسلم، وابن حجر في شرحه لصحيح البخاري، وابن كثير في تفسيره، وغير هؤلاء العلماء _________ (1) ابن وحشية: هو أحمد بن علي، أبو بكر (المتوفى 296هـ) ، انظر: معجم المؤلفين لعمر كحالة (2/23) . (2) مسمّى الكتاب بتمامه: (جمهرة في علم السحر على طريقة العرب والقِبْط) للخوارزمي: المنصور بن علي، أبو نصر (المتوفى 425هـ) . انظر: دائرة المعارف الإسلامية (3/365) . (3) ومسمّاه بتمامه: (العماء في علم السحر على طريقة العرب والعبرانيين) ، لخلف بن يوسف الدَّستُميساني، لا يُعرف زمن وفاته. انظر: هديَّة العارفين لإسماعيل باشا البغدادي (1/348) . (4) ومسمّاه: شمس المعارف ولطائف العوارف، لأحمد بن علي البوني (المتوفى سنة 922هـ) . ... تنبيه: ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون (4/75) أن أول كتاب البُونيّ قوله: «الحمد لله الذي أطلع شمس المعرفة ... إلخ» ، والمطبوع المتداول اليوم أوله: «شهادة أزلٍ، فمن نور هذه الشهادة اغترف المضعِفون علمًا ... إلخ» ، مما يشير إلى أن الكتاب الأصل مغاير لما هو عليه اليوم، وقد حوى الأخير أوفاقًا (جداول) مثلثة ومربعة إلى مثمنة ودوائر فيها استدعاء للجن، يُزعم أن فيها الاسم الأعظم، وفي بعضها خلط أسماء لله تعالى بأسماء مخلوقين، وبمنازل القمر، وبأرقام مكررة وبحروف كذلك، وجعل جميع ذلك تمائم يعلقها المرء يتحصن بها، ويقضي بها حوائجه! ويدل جميع ذلك على أن الكتاب قد داخله تحريف عن أصله بقصد نشر تلك العلوم المنحولة، ونسبتها إلى مؤلف الكتاب، والله أعلم.

(1/104)


الأفذاذ ممن كتب في الأنواع، أو اكتفى بالنقل عن سابقه، والتعليق عليه. والأمر الثالث: أن الأنواع التي ذكرها المصنفون - قديمًا وحديثًا - منها ما تعلق بتقسيم أصل السحر بين حقيقة وتخييل، أو بتقسيمه من حيث أهلُه القائمون بعمله، وطرائقُهم في ذلك، وأدواتهم فيه، أو تقسيمه بحسب ما ترتب عليه من أثر بالمسحور، من تفريق أو تحبيب وغيرهما، وقد تجد أيضًا من نوّعه تبعًا للأحكام الشرعية في تعلمه والعمل به. الرابع الأخير منها: أن بعض المصنفين المعاصرين - ممن ادعى حيازة علوم الأولين وربما الآخِرِين! - قد أغرق المكتبات في بعض البلاد بمصنفات حوت غثًا لا سمينًا من أسحار حمراء وسوداء، وأسرار العلوم المكتومة، وكيمياء القدماء المخزونة، ومجربات ما أنزل الله بها من سلطان وبركات الحروف، وقدرات الأعداد، وعلوم الأوفاق والزايرجات، وغيرها كثير مما تأنف الأنامل عن تسطير مثله، ثم نسب ذلك كله إلى علوم روحانية، اصطفاها من علوم أهل بابل، وحِكَم الإغريق، وأقلام الأولين وخطوطهم، بما جعل المطّلع عليها فضلاً عن العالم بها أو العامل بها - عياذًا بالله - في تعبٍ مُضنٍ دونه نيل شهادة علمية مرموقة، أو إتقان كثير من علوم الشريعة المطهرة!! وليس أدل على ذلك مثالاً كتب - الملقب بـ (الأستاذ الكبير) مدير عام معهد الفتوح الفلكي!! - عبد الفتاح الطوخي، الذي ألقى بما يربو عن ثلاثين مؤلفًا فيما ادعاه كشفًا لتلك الأسرار الخفية، والعلوم اللدنية، من تنجيم، وكشف طالع، وتسخير، واستحضار، وصرف عُمّار، وفتح مندل، ودعوات، وأوفاق، وخواتم، وأرصاد، وفك طلاسم، ومجرّبات، وتعبير رؤى، وعلوم نفس، وتنويم، وعلم فراسة، وليس هو الوحيد المبرّز في هذا المضمار فقد نافسه خلق كثير - من الرافضة - غرقوا في بحور الغرائب وأسرار الأجفار، والحروز المنسوبة زورًا لأئمة آل البيت الأطهار، وأغرقوا معهم جِبِلاًّ كثيرًا لا يزال كثير منهم يحتفظون بهذه الكتب

(1/105)


في نفائس مقتنياتهم وخاصة مكتباتهم! أقول: قد أسهمت أمثال هذه المصنفات في إضفاء مزيد من التدليس في أمر السحر، حتى إنها قد خيلت للقارئ أن السحر صنوف لا تنحصر، وأن قدرات السحرة لا يحدها ضابط؛ فمن المجريات في طبهم التي ما تركت داء إلا وأحدثت له دواء، إلى خرصٍ بحسن طالع أو نحسه، إلى تسخير روحانية كوكب وإلزام للمَلَك المُوكَّل به، الذي يقوم بدوره بتسخير الجن المتحكم بالفيوضات الروحانية لذلك الكوكب، إلى صناعة حُجُب مطلسمة تجلب الصحة وتمنع السقم، وتقضي سائر الحوائح من تفريق وتهييج محبة، إلى فتح مندل يجلب الغائب ويحضر المسروق، إلى تحضير جانّ، وإخراجه بل وإحراقه أحيانًا، إلى آخر منظومتهم التي تكاد لا تنتهي! أخي القارئ، هذه الأمور الأربعة - المذكورة آنفًا - قد تكون أسبابًا مهمة حالت بين المسلم المعاصر وفهمه لحقيقة السحر، وأنواعه، وقد يكون ذلك - بتقدير الله - من الخير لهذه الأمة المكرمة، حيث انحصر اهتمام جُلّ المسلمين بمطالعة ما دوّنه علماؤهم في أقسام السحر، دون الخوض في معرفة تفصيلات ذلك، ونحن - بعون الله تعالى - سنسلك مسلكهم في بيان تقسيم السحر، مع قصد كشف ستر الدجاجلة، وتصنيفهم علوم الشر التي دوّنوها في تلك الأقسام، ليُعلَم وثيقُ علاقتِها بالسحر، فيُتقى تعلُّمُها ويُحذر أهلها، وعلى ذلك، فإن هذا الفصل سوف يحوي بابين: الأول: في مراتب السحر وأقسامه. وفيه أربعة مباحث: 1- مراتب السحر من حيث الحقيقةُ والمجاز. 2- أقسام السحر، من حيث طرائقه وأهله. 3- أنواع السحر، من حيث تأثيره. 4- تقسيم السحر من حيث الحكم الشرعي.

(1/106)


والباب الثاني: في بيان علاقة السحر بما يسمى علومًا روحانية. وفيه مبحثان: 1- التعريف ببعض هذه العلوم، وبيان تعلُّقِها بالسحر. 2- في التحذير من مصنفات حوت هذه العلوم.

(1/107)


الباب الأول: مراتب السحر وأقسامه أولاً: مراتب السحر من حيث ماهيته؛ حقيقة ومجازًا. إن أشهر من تعرّض لمراتب السحر من حيث الحقيقة والمجاز ابنُ خلدون في مقدمته (1) ، حيث يقول: (والنفوس الساحرة على مراتب ثلاث يأتي شرحُها: فأولها: المؤثّرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين، وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة السحر، والثاني: بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواصّ الأعداد، ويسمّونه الطِّلّسمات، وهو أضعف رتبةً من الأول، والثالث: تأثير في القوى المتخيلة؛ يَعمَد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيّلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها أنواعًا من الخيالات والمحاكاة، وصورًا مما يقصده من ذلك، ثم يُنزِلها إلى الحِسّ من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك، كما يُحكى عن بعضهم أنه يري البساتين والأنهارَ والقصورَ وليس هناك شيء من ذلك، ويسمى هذا عند الفلاسفة: الشعوذة أو الشعبذة) (2) . يتبين مما سبق أن إعمال السحر - بمراتبه الثلاثة - لا بد فيه من تأثير نفس ساحرة قوية، سواء كان تأثير السحر بهذه النفس وحسب، أو باستعانتها بتوجهٍ إلى من تستعين به من مخلوق، أو بصرف تأثيرها إلى قدرات التخيل لدى الرائين، ومنها إلى قدرة الإبصار لديهم، كل ذلك اعتبره - رحمه الله - سحرًا لأن التعويل فيه إنما يكون على اقتدار النفس البشرية على التأثير بالهمة، وقَد بيّن أن هذه القوة هي قوة كامنة في تركيب الإنسان، لكنها إنما تظهر بالدِّرْبة على ذلك شأنها في ذلك؛ شأن سائر القوى البشرية الموهوبة _________ (1) المقصود مقدمة كتاب ابن خلدون المسمى: كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. (2) مقدمة ابن خلدون، ص497.

(1/108)


للإنسان، وفي ذلك، يقول: [ثم هذه الخاصية - أي اقتدار النفس البشرية على التأثير بالهمة والإرادة - تكون في الساحر بالقوة شأن القوى البشرية كلها، وإنما تخرج إلى الفعل بالرياضة (1) ، ورياضة السحر كلها إنما تكون بالتوجّه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل، فهي لذلك وِجْهة إلى غير الله وسجود له، والوجهة إلى غير الله كفر] (2) . أما المراتب الثلاثة فأحسب أنك أدركت أن سحر الهمة، وسحر الاستعانة، مرتبتان للسحر الحقيقي، وأن الثالث هو سحر تخييل لا حقيقة له. وقد قرر ذلك ابن خلدون عند تعليله لاختلاف العلماء في حقيقة السحر، فقال رحمه الله: [ولما كانت المرتبتان الأُولَيَان من السحر لها حقيقة في الخارج، والمرتبة الأخيرة الثالثة لا حقيقة لها؛ اختلف العلماء في السحر، هل هو حقيقة أو إنما هو تخييل، فالقائلون بأن له حقيقة نظروا إلى المرتبتين الأولَيَيْن، والقائلون بأنْ لا حقيقة له نظروا إلى المرتبة الثالثة الأخيرة، فليس بينهم اختلاف في نفس الأمر، بل إنما جاء من قِبَل اشتباه هذه المراتب، والله أعلم] (3) . وعلى ذلك يكون ابن خلدون رحمه الله قد جعل أصولاً عامة يمكن أن يندرج تحتها صنوفًا تكاد ألا تحصى من أنواع السحر، قد تشعّب في ذكرها بعض أهل العلم. وإذا جاز لنا إجمال مذهبه - بما ييسر فقه ذلك على القارئ - فإن ذلك منحصر في ستة أمور: _________ (1) إن للسحرة بالطلسمات، صحيفة يسمونها (الخَزِيريّة) ، يتدارسونها، تحوي دعواتٍ كفرية، وإشراك لروحانيات الجن والكواكب، يزعمون أنهم بهذه الرياضة والوِجْهة يصلون إلى حصول الأفعال لهم، انظر: مقدمة ابن خلدون ص 501. (2) انظر: ص 498 من مقدمة ابن خلدون أيضًا. (3) انظر: المرجع نفسه، بالعزو السابق.

(1/109)


1- ... أن النفس القوية المؤثرة هي شرطٌ لحصول السحر. 2- ... هذه النفس، لا بد من تدريبها لتقوى مَلَكة التأثير فيها. 3- ... هذه الدِّرْبة إنما تكون بصنوف من التقرب لغير الله - والعياذ بالله -. 4- ... فإن كملت قوة هذه النفس بالتأثير بالإرادة، فاستغنت عن معين لها كان ذلك أشد ما يكون من السحر، وهو سحر له حقيقة في الخارج، أي: يؤثر تفريقًا وتحبيبًا واختلاطًا في عقل المسحور، وتغييرًا في مزاجه، وإمراضًا لبدنه. 5- ... أما النفس التي لم تتكامل قوتها بالتأثير بالهمة فقط، فهي تبقى قاصرة عن إعمال السحر، إلا إذا استعانت بمخلوق من مزاجٍ لأفلاك، أو خواص لعناصر أو تأثير لأعداد، ويسمى فاعل ذلك ساحر بالطلسمات، وهو سحر له حقيقة أيضًا، وهو مؤثر، لكنه لا يبلغ بتأثيره كما سابقه. وتأثير هذين النوعين بإيقاع الضر إنما يكون بأمر عادي أي ليس محتمًا حصوله، لكن يكون بإذن الله الكوني القدري، فيخلق الله - إن شاء - أثرَ هذا السحر - عند عمل الساحر له - فيبتلي به الساحر فتنة، والمسحورَ صبرًا وامتحانًا. 6- فإن عجزَتْ تلك النفس عن التأثير - حقيقة - بإرادتها وهمتها، وكذلك باستعانة بغيرها، عمد صاحبها إلى روحانية ملك - بزعمهم - أو كيد شيطان، أو إلى التأثير بطريق التخييل؛ وسبيل ذلك: محاولة السيطرة على مخيّلة الرائي النفسية، ومن ثم إسقاط ذلك على رؤيته الحسية البصرية، ليريَه ما ليس موجودًا حقيقة، وهذا الأخير هو سحر المجاز أو التخييل، وهو ما يسمى بالشعوذة. وهنا تنبيه إلى أن المرتبة الثالثة، وهي سحر التخييل - إذا اعتمد فيها

(1/110)


الساحر على الخفة الفائقة، والسرعة الباهرة، والكلام المؤثر بالناظر، مع صرف بصره إلى ما يريده الساحر عما لا يريده، كان ذلك شعوذة وسحر مجازٍ لا على الحقيقة، أما إن عمد الساحر إلى تقديم الولاء والتعظيم لشيطانه (وهو ما يسمى بالقُمْرة) ، مع التمتمة بعزيمة أو إقسام ونحوه قاصدًا عون ذلك الشيطان فيما يخيِّلُ به للناظر، فهو - ولا ريب - سحر على الحقيقة لا على المجاز. ثانيًا: أقسام السحر، باعتبار أهله وطرائق حصوله. إن تقسيم أعمال السحر من حيث طرقه وأهله القائمون به، هو التقسيم الأكثر تشعبًا، الذي يكاد لا يخلو منه مصنف معتبر من المصنفات التي تعرضت لبيان أنواع السحر، بغرض التحذير منه، لكنْ يبقى أن تقسيم الإمام الفخر الرازي (604هـ) ، في تفسيره (1) ، هو الأشهر من بينها حيث نقل عنه ذلك التقسيم جمّ غفير من أهل العلم من بعده، ومن هؤلاء مَنْ أثبت تعقيبًا على تقسيماته، كالحافظ ابن كثير في تفسيره (2) ، والعلاّمة التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون (3) ، والعلاّمة الشنقيطي في أضواء البيان (4) ، وغيرهم، في حين اكتفى كثير من المصنفين قديمًا وحديثًا - حين التعرض لذكر أقسام السحر - إلى الاقتصار على ذكر تقسيم الرازي رحمه الله. وإتمامًا للفائدة - إن شاء الله - سأعمد إلى ذكر هذا التقسيم مشفوعًا بتعليقات الإمام ابن كثير رحمه الله عليه، كما سأورد - بعون الله - بعض تقسيمات لمن سبق الرازي، ومن لحق به؛ من أجل استخراج مجمل أنواع السحر، ومن ثم معرفة ما يدخل منها في سحر الحقيقة أو سحر التخييل، - بحسب إيراد ابن _________ (1) هو المسمى: التفسير الكبير، أو مفاتيح الغيب. (2) انظر: تفسير القرآن العظيم، له. ص 130، ط- بيت الأفكار. (3) انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي. (1/938) . (4) انظر: أضواء البيان، له (4/482) .

(1/111)


خلدون رحمه الله لمراتب السحر الثلاث. تأسيسًا على ما سبق، فإن مطالب هذا المبحث تكون كالآتي: أ- ذكر تقسيمات لأنواع السحر سابقة لتقسيم الإمام الرازي رحمه الله. ب- ... إيراد تقسيم الرازي وتعليق ابن كثير عليه. ج- ... ذكر تقسيمات للسحر بعد تقسيم الرازي رحمه الله. د- ... ذكر مجمل الأنواع، مع بيان إمكان انضباطها تحت مراتب السحر؛ حقيقة ومجازًا. أ- ذكر تقسيمات لأنواع السحر سابقة لتقسيم الإمام الرازي رحمه الله. * تقسيم الإمام أبي بكرٍ الجصّاص (1) المتوفى (370هـ) رحمه الله: قسّم الإمام رحمه الله ضروب السحر إلى خمسة أقسام (2) : 1 - ... سحر أهل بابل؛ الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: [البَقَرَة: 102] {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} ، وكانوا قومًا صابئين يعبدون الكواكب السبعة، ويسمّونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها. 2 - ... سحر (الشعوذة) أو التخييلات التي مظهرها على خلاف حقائقها، فمنها ما يعرفه الناس بجَريان العادة بها وظهورها، ومنها ما يخفى ويَلْطُف، ولا يعرف حقيقته ومعنى باطنه إلا من تعاطى معرفة ذلك، وتكلّف فعله والبحثَ عنه. 3- ... ما يدّعيه السحرة من حديث الجن وطاعاتهم لهم بالرقى والعزائم _________ (1) سبق في الفصل الأول ص60 وما بعدها ذكرُ إنكار بعض أهل العلم - منهم الإمام الجصّاص رحمه الله - حديث السحر، وتضاربه في دعواه تلك، فراجعه إن شئت. (2) انظر: أحكام القرآن، له (1/52-57) .

(1/112)


ومنه سحر النِّيرنْجِيّات (1) . ويتوصّلون إلى ما يريدون من ذلك بتقدمة أمورٍ ومواطأة قومٍ قد أعدّوهم لذلك. وضرر أصحاب العزائم وفتنتهم على الناس غير يسير، وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم بالرقى التي هي من أسماء الله تعالى. 4- ... السعي بالنميمة والوشاية بها والبلاغات، والإفساد والتضريب من وجوه خفية لطيفة، وذلك عام شائع في كثير من الناس، وقد يتم التفريق بين الزوجين بمثل ذلك من إفساد ذات البين. 5- ... الاحتيال في إطعام المسحور بعض الأدوية المبلّدة المؤثرة في العقل، والدُّخن (التدخينات) المُسدِرة (2) المسكرة، نحو دماغ الحمار أو غير ذلك مما يُذهِب فطنته، فيقول الناس: إنه مسحور. * تقسيم الراغب الأصفهاني المتوفى (502هـ) رحمه الله. قسمّ الراغب السحر إلى ثلاثة معان (3) : 1- ... سحر الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يدٍ، وما يفعله النمّام بقولٍ مُزخرَف عائقٍ للأسماع (4) ، وعلى ذلك قوله تعالى: _________ (1) سبق بيان معنى النيرنجيات أو النيرنجات، وأنه: سحر الاستعانة بالخواص الطبيعية بواسطة كتابات مجهولة الدلالات. انظر: تفصيل ذلك ص 101 وما بعدها. (2) المُسدرة: أي الباعثة على التحيّر، والسادر المتحير، وهو أيضًا الذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع. انظر: مختار الصحاح (س د ر) . (3) انظر: المفردات في غريب القرآن له، ص232، لفظ (سحر) . (4) عائق للأسماع، المقصود: ما يمنع سبيل الإصلاح بسماع محاسن الخصم؛ لاعتقاد شدة عداوته.

(1/113)


[الأعرَاف: 116] {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} . 2- ... السحر باستجلاب معاونة الشيطان بضربٍ من التقرب إليه، كقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} . 3- ... السحر بما يذهب إليه الأغتام (1) ، وهم يزعمون أنه من قوته يغيّر الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حمارًا، ولا حقيقة لذلك عند المحصِّلين، أي: أهل تحصيل العلم. * تقسيم الإمام ابن حزم الظاهري (المتوفى 456هـ) ، رحمه الله: ذكر الإمام أربعة أقسام للسحر، هي (2) : 1- ... سحر يكون من قِبل الكواكب، كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب (أي في برج العقرب) ، فينفع إمساكه من لدغة العقرب، ومن هذا الباب كانت الطلسمات. 2- ... سحر يكون بالرقى - أي: الضارة - وهي: كلام مجموع من حروف مقطعة في طوالع معروفة، يحدث لذلك التركيب قوة تستثار بها الطبائع وتُدافِع قوىً أخرى. 3- ... سحر يكون بالخاصّة، أي: بالصفة الملازمة لبعض الأشياء؛ كالحجر الجاذب للحديد، وهو المغناطيس، وما أشبه ذلك. 4- ... سحر يكون بلطفِ يدٍ، وهي أعمال لطيفة لا تُحيل طبعًا أصلاً، أي: _________ (1) الغُتمة في المنطق مثل العُجمة وزنًا ومعنىً، والأغتام والغُتْم، جمع أغتم، وهو الذي لا يُفصح شيئًا. انظر: المصباح المنير للفيومي (غتم) . ص168، والمقصود هنا: نُطق هؤلاء بكلمات غير مفهومة، على وجه السرعة. (2) انظر: الفصل في الملل والنحل، له (5/5) .

(1/114)


لا تغير طبيعة شيء إلى طبيعة أخرى؛ وذلك كما يفعل العجائبي الذي يضرب بسكينة في جسم إنسان فيظن من رآه ممن لا يدرك حيلته أن السكين غاصت في جسد المضروب، وليس كذلك، بل كان نِصاب السكين مثقوبًا فقط، فغاصت السكين في النصاب. ب- تقسيم الإمام الرازي (المتوفى 606هـ) ، رحمه الله، وتعليق الإمام ابن كثير عليه: يعتبر تقسيم الرازي للسحر هو الأشهر في ذلك، وقد عوّل عليه أكثر من لحقه؛ وقد قسّم رحمه الله السحر ثمانية أقسام (1) ، هي: 1- سحر الكِلْدانيين والكَسْدانيين، وهم قوم يعبدون الكواكب - السبعة السيّارة - ويزعمون أنها هي المدبّرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنُّحُوسة، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مُبطِلاً لمقالتهم ورادًّا عليهم في مذهبهم. وقد ذكر الإمام ابن كثير، أن الإمام الرازي قد استقصى - في كتاب: «السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم» المنسوب للرازي، وقد صنّفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد - طرائقَ هؤلاء في مخاطبة كلٍّ من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون، وما يلبسونه، وما يتنسّكون به (2) . 2- سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ذلك أن النفوس خُلقِت مطيعة للأوهام، وأن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، ويكون تأثير النفوس بالأوهام بقدر قوة هذه النفوس، وكلما فارقت هذه النفوس ملذاتها، كلما عظمت قوة تأثيرها. وهذا الذي ذكره الرازي قد تعقبه ابن كثير _________ (1) انظر: التفسير الكبير، له (2/187) ، وقد ذكرت الأقسام الثمانية، بتصرُّف. (2) انظر: تفسير القرآن العظيم، ص 130، ط بيت الأفكار.

(1/115)


ببيان أن ذلك - أي: ترك النفوس ملذاتها - هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة يكون حالاً صحيحةً شرعية، وهذه مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم - أي: السحرة بقوة النفس - هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن للدجّال لعنه الله من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، لكنه مذموم شرعًا، وكذلك كل من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (1) . 3- سحر الاستعانة بالأرواح الأرضية أو السُّفْلية، وهم الجن: مؤمنهم وكافرُهم، والاتصال بهم عامة أسهل شأنًا من الاتصال بالأرواح السماوية، فهو يحصل بأعمال سهلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن. 4- سحر التخيّلات والأخذ بالعيون: وكيفيته أن المشعبذ الحاذق يعلم أن أغلاط البصر كثيرة، وأن القوة الباصرة إنما تدرك المحسوسات إذا تسنى لها زمنًا كافيًا لذلك، وأنها قد تختلط عليها المُبْصَرات إذا توالى عرضها بأزمان صغيرة غير كافية لإدراك كل منها على حدة، ويدرك المشعوذ كذلك أن انشغال النفس بما تهتم به قد يذهلها عن إدراك شيء آخر يقل في أهميته عن الأول باعتقاد الناظر، كما أن السرعة بعمل شيء ما - حال انشغال الناظر بغيره - يُظهر للناظر شيئًا لم يكن يتوقع ظهوره، فيتعجب منه جدًّا، والحال أن مبنى خفاء أعمال الشعوذة على شيئين: أحدهما إشغال الناظر والأخذ بعينيه إلى أمر غير مراد، من صورة أو حركة أو كلام، والثاني: الإسراع بالإتيان بعمل ثانٍ، مع التركيز على مؤثرات خارجية كشدة الإضاءة أو العمد إلى ألوان مظلمة، مما _________ (1) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ص 130؛ ط - بيت الأفكار.

(1/116)


يُضعِف القوة الباصرة، أو صرف الأذهان بكلام تنشغل النفس به ريثما يُتِمّ المشعوذ عمله بسرعة، فيخيل للناظر غير ما ينظر إليه. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله [وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: [الأعرَاف: 116] {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} ، وقال تعالى: [طه: 66] {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} ، قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر، والله أعلم] (1) . 5- سحر الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النِّسَب الهندسيَّة تارة، وعلى ضروب الخيلاء أخرى، كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يُعدَّ من باب السحر (2) ، لأن لها أسبابًا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها، لكن لعسر تعلم ذلك عَدّ أهل الظاهر ذلك من باب السحر. قال الإمام ابن كثير بعد ذكره لهذا النوع: [ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم مما يُرُونهم إياه من الأنوار؛ كقضية القُمامة التي لهم ببيت المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام منهم، أما الخواص منهم فيعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم!!] (3) . _________ (1) انظر: تفسير ابن كثير ص130. ط - بيت الأفكار. (2) يدخل في ذلك ما استجد في عصرنا من عجائب الصنائع وباهر المخترعات، منها أدوات الاتصال، والحواسيب الآلية، ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وآلات التنقل، ورفع أثقال هائلة بمبدأ «الهيدروليك» ، وذلك باستخدام الطاقة الحركية للسوائل، وغيره كثير مما يصعب حصره، والحال أن أسبابه قد صارت معلومة عند الناس، لكنها لو عُرِضت على أسلافنا لجزموا - لخفاء سببها - بأنها من عجيب السحر، وأنه لا يقدر عليها إلا من تولى كِبْر السحر وسَبَر غَوْره!!. (3) انظر: تفسير ابن كثير ص 131. ط - بيت الأفكار.

(1/117)


6- سحر بالاستعانة بخواص الأدوية والموادّ، مثل أن يُجعل في طعام المسحور بعض الأدوية المبلِّدة نحو دماغ الحمار، أو المزيلة للعقل نحو الدخن المسكرة، وهذا النوع لا يمكن إنكار أثره، ذلك أن أثر التصرف بخواص المواد مشاهد، ومن ذلك أثر المغناطيس الجاذب للحديد، إلا أن الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب، والباطل بالحق (1) . يقول الإمام ابن كثير بعد نقله لهذا النوع: [يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدّعي الفقر (2) ، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًا أنها أحوال له، من مخالطة النيران ومسك الحيات، إلى غير ذلك من المُحالات] (3) . 7- سحر تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم لله تعالى!! وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا _________ (1) مما يندرج في هذا النوع استغلال بعض المشعوذين معرفتهم بخصائص المواد التي كُشِف أكثرها في عصرنا، ومنه - مثالاً لا حصرًا - الخصائص الكيميائية لبعض المواد كالفوسفور الذي يشتعل تلقائيًا عند اتحاده مع أكسجين الهواء، فيشعل به المشعوذ منديلاً، أو استغلالهم خصائص المادة الفيزيائية كحصول ليونة في بعض الخلائط المعدينة التي تنثني تلقائيًا عند وصولها درجة معينة من الحرارة، فإذا أمسك بها المشعوذ - فاكتسبت من يده حرارة الجسم 37 درجة مئوية - بفعل قانون الانتقال الحراري - انحنت في يده، مُلبِّسًا على الحضور بأن هذا الأثر كان بقدرته الفائقة على التركيز البصري النابع من نفسه الخارقة!! وغير ذلك مما يصعب حصره، ويدركه من له إلمام بهذه العلوم. انظر: السحر والسحرة من منظار القرآن والسنة. د. إبراهيم أدهم ص 34. (2) المقصود بالفقر هنا: حال الزهد والصلاح والافتقار إلى الله تعالى. لا الفقر إلى المال، كما هو متبادر. (3) انظر: تفسير ابن كثير ص 131، ط - بيت الأفكار. وقول الإمام: مخالطة النيران ومسك الحيات، فإن طريقتهم في ذلك أن يعمد أحدهم إلى دُهن خاص يدّهن به، فيحجز ذلك عنه أثر النار أو لسع الحيات. وقوله رحمه الله: من المحالات، المقصود به: في الأحوال العادية غير الخارقة، أو من المُحال في حق هؤلاء الدجاجلة من غير استعانتهم بتلك الخواص للمواد، والله أعلم.

(1/118)


اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، وإذا حصل الخوف ضَعُفت القُوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء. قال الإمام ابن كثير معلقًا على هذا النوع: [هذا النمط يقال له: التَّنْبَلة، وإنما يَرُوج على الضعفاء العقول من بني آدم، وفي علم الفراسة (1) ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من تافهه، فإذا كان المُتنبِل - أي الساحر - حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره] (2) . 8- سحر، بالسعي بالنميمة، والتضريب، من وجوه خفية لطيفة، وذلك شائع بين الناس. فائدة جليلة للإمام ابن كثير في التعليق على هذا النوع: [النميمة على قسمين؛ تارة تكون على وجه التحريش وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه. فأما إذا كانت على وجه الإصلاح وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: «ليس بالكذاب من يَنِمُّ خيرًا» (3) ، أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب، كما جاء في _________ (1) علم الفِراسة: هو علم يُتعرف فيه أخلاقُ الإنسان من أحواله الظاهرة من الألوان والأشكال والأعضاء. وبالجملة هو: الاستدلال بالخَلْق الظاهر على الخَلْق الباطن، وموضوعه ومنفعته ظاهران، ومن الكتب المؤلفة فيه كتاب «الفراسة» للإمام الفخر الرازي، صاحب التفسير. انظر: موسوعة مصطلحات مفتاح السعادة، لطاش كبرى زاده ص 537. (2) انظر: تفسير القرآن العظيم، ص 131. ط - بيت الأفكار. (3) متفق عليه من حديث أم كُلْثوم بنت عقبة رضي الله عنهما، أخرجه البخاري؛ كتاب: الصلح باب: ليس الكذاب الذي يُصلح بين الناس، برقم (2692) . ومسلم؛ كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه، برقم (2605) . بلفظ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيُنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» .

(1/119)


الحديث: «الحرب خَدْعة» (1) ، وكما فعل نُعَيْمُ بن مسعودٍ (2) - الغطفاني رضي الله عنه، بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) - في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظةَ، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأَمَ بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحدو على مِثْل هذا الذكاء والبصيرة النافذة، والله المستعان] (4) . جـ- ذكر تقسيماتٍ للسحر بعد تقسيم الإمام الرازي رحمه الله. يعتبر تقسيم الإمام الرازي رحمه الله عمدةَ كثيرٍ من أهل العلم ممن جاء بعده، لكنْ ذَكَر بعض منهم تعليقًا كالإمام ابن كثير - وقد سبق ذكر ذلك - واكتفى البعض بنقلها سردًا، كما وُجِد من استقل بذكر تقسيمات للسحر، وافق بعض منها ما ذكره الإمام الرازي ومن قبله، في حين استقل البعض الآخر عنها، وقد اخترت من ذلك ستة تقسيمات للسحر لعلماء أعلام، سأوردها مقتبسة من كلامهم؛ وذلك لما حوته من مزيد فائدة في معرفة تلك الأقسام. * تقسيم الإمام القرطبي (المتوفى 671هـ) رحمه الله (5) : 1- ... سحر يكون بخفة اليد كالشعوذة، وهي خفة في اليدين وأُخذة كالسحر. 2- سحر يكون بكلام يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى. 3- سحر يكون من عهود الشياطين. _________ (1) متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أخرجه البخاري؛ كتاب: الجهاد والسِّيَر، باب: الحرب خَدْعة برقم (3030) . ومسلم؛ كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز الخِداع في الحرب، برقم (1739) . (2) القصة أخرجها ابن هشام في السيرة (3/185-187) ، وابن جرير في تاريخه (2/577-579) ، وغيرهما. وهذه القصة في روايتها ضعف. انظر: ما قاله الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه: السيرة النبوية (2/430) . (3) العبارة المعترضة مستفادة من معارج القبول للعلاّمة الحكمي (2/709) . (4) انظر: تفسير القرآن العظيم، ص 131. ط - بيت الأفكار. (5) انظر: الجامع لأحكام القرآن له، (2/44) .

(1/120)


4- سحر يكون بأدوية وأدخنة وغير ذلك. * تقسيم الإمام شهاب الدين القرافي المالكي (المتوفى سنة 684هـ) (1) : ويلحظ بهذا التقسيم أنه باعتبار الآلة التي يتم فيها السحر، وهو ثلاثة أنواع: 1- ... السِّيمياء (2) ، وهي ما يُركَّب من خواص أرضية كدهن خاص أو كلمات خاصة، توجب إدراك الحواس الخمس أو بعضها بما له وجود حقيقي، أو بما هو تخيّلٌ صرف من مأكول أو مشموم أو غيرهما. 2- ... الهِيمياء، وهي ما يوجب ذلك - أي ما ذكر في السيمياء - مضافًا لآثار سماوية لا أرضية، أي: يحصل بأثر سماوي لا بخواص أرضية. 3- ... سحر باستخدام بعض خواص الحقائق، ومن مجرّبات ذلك بزعم السحرة، أن نوعًا من الكلاب إذا رمي بسبع أحجار، فعضّ كلاً منها وطرحت هذه الأحجار بعدها في ماء، فمن شربه ظهرت عليه آثار خاصة. * تقسيم الإمام الفيروزأبادي مجد الدين (المتوفى 817هـ) (3) : 1- ... سحر الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها، نحو ما يفعله _________ (1) انظر: أنوار البروق في أنواء الفروق، المشتهر بكتاب «الفروق» للقرافي (4/138) ، عند بيان الفرق الثاني والأربعين بعد المائتين، وانظر: كذلك حاشية ابن عابدين (1/31) . (2) لفظ سيمياء عبراني معرب، أصله سيم يَه، ومعناه اسم الله. انظر: موسوعة مصطلحات مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده ص 489. (3) انظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، له. (3/198) . ويلحظ هنا تطابق تقسيم الفيروزأبادي لتقسيم الراغب الأصفهاني، وقد سبق ذكره ص: 117.

(1/121)


المشعوذ من صرف الأبصار عما يفعله بخفة يد، وما يفعله النمّام بقول مزخرف عائق للأسماع. 2- ... سحر باستجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه. 3- ... ما يذهب إليه الأغتام، مما يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، ولا حقيقة لذلك عند المحصِّلين. * تقسيم الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى (852هـ) رحمه الله (1) : 1- ... سحر الاستمالة، فكل من استمال شيئًا فقد سحره، ومنه سحر العيون، لاستمالتها النفوس. 2- ... سحر يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده. 3- ... سحر بالاستعانة بخواص المواد، كالحجر الذي يجذب الحديد المسمى المغنطيس، وهو سحر لا حقيقة له كسابقه. 4- ... سحر يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها بزعمهم. 5- ... سحر يحصل بالجمع بين الاستعانة بالشياطين ومخاطبة الكواكب، فيكون ذلك أقوى بزعمهم. وهذه الأقسام الخمسة يطلق لفظ السحر عليها باعتبار فعل الساحر. 6- ... سحر بالرقى - أي: رقى الجاهلية - والنَّفْث في العقد. 7- ... سحر بتصوير الصورة على صورة المسحور، وهو المسمى بالشِّعْباذ. _________ (1) انظر: فتح الباري (10/232) .

(1/122)


وهذان الضربان الأخيران، سحر باعتبار الآلة التي يُسحَر بها. فالأولى منهما معنوية، والأخيرة حسية. * تقسيم العلاّمة أحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبرى زادَهْ (المتوفى 968هـ) رحمه الله (1) : قسّم طاش كبرى زاده السحر باعتبار طرق السحرة فيه، وهي أربع طرق: 1- ... طريق الهند، وهو طريق السحر بتصفية النفس. 2- ... طريق النَّبَط (2) ، وهو بعمل عزائم في أوقات مناسبة. 3- ... طريق اليونان، ويكون بتخيُّر روحانية الأفلاك والكواكب. 4- ... طريق العبرانين والقبط والعرب، ويكون بذكر أسماء مجهولة المعاني كأنها أقسام وعزائم، كأنهم يزعمون أنهم يُسخِّرون بها ملائكة قاهرة للجن. * تقسيم العلاّمة حافظ الحَكَمي (المتوفى 1377هـ) رحمه الله (3) : 1- ... سحر باستخدام علم التنجيم، ومن أعظم أنواع التنجيم ما يفعله عَبَدة النجوم، ويعتقدونه في السبعة السيّارة وغيرها. 2- ... سحر بزجر الطير والخطّ بالأرض. 3- ... سحر بالعقد بالخيوط، والنَّفْث على كل عقدة، من أجل أن ينعقد - أي يتم ويثبت - ما يريده الساحر من السحر، والعياذ بالله. _________ (1) انظر: موسوعة مصطلحات مفتاح السعادة (علم السحر) ص 487. (2) النَّبَط والنَّبِيط: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقَيْن. انظر: مختار الصحاح (نبط) . (3) انظر: معارج القبول للحكمي (2/701) .

(1/123)


4- ... سحر يكون بالتخييل في قلب الأعيان، ومن ذلك: حسن البيان في المفاخرة والخصومات بالباطل، كذلك منه العَضْهُ، وهي - كما في الحديث - «النميمة القالة، بين الناس» (1) . وهذا النوع وإن لم يكن سحرًا حقيقة، فإنه يعمل عمل السحر. د- ذكر مجمل الأنواع، وإمكان انضباطها بحسب مراتب السحر حقيقة ومجازًا. أخي القارئ، تلك جملة من أنواع السحر، مما ذكره أهل العلم، وإنك لتلحظ فيها تطابقًا تارة وتداخلاً أخرى، وقد يدخل فيها ما ليس معتبرًا في السحر أصلاً، وهذه الأنواع منها ما تعلق بأهل السحر، أو بصنوف أعمالهم، أو بطرقهم بالتوصل إلى اكتساب السحر، أو بالآلة التي يسحرون بها، مما استدعى كثرة في الأنواع من غير أن ينضم بعضها إلى بعض لعلة جامعة بينها، وقد يكون نافعًا - إن شاء الله - إدراج جميع تلك الأنواع في مراتب السحر من حيث الحقيقة والمجاز، بحسب ما قرّره العلاّمة ابن خلدون رحمه الله. فنقول: إن تعداد هذه الأصناف - بانضمام ما تجانس منها باعتبار الساحر أو عمله أو آلته - يصل إلى تسعة عشر نوعًا، هي: 1- ... سحر بتصفية النفس القوية المؤثرة بالهمة والإرادة. 2- ... سحر التنجيم، وهو سحر الصابئة من أهل بابل عَبَدة الكواكب. 3- ... سحر الطلسمات، بكتابة خطوط وكلام مجهول المعنى، مع الاستعانة بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد. 4- ... سحر بعزائم ورقى، يزعم أهلها تسخير ملائكة قاهرة للجن بها، _________ (1) أخرجه مسلم؛ كتاب: البرّ والصلة والآداب، باب: تحريم النميمة، برقم (2606) ، عن ابن مسعود رضي الله عنه.

(1/124)


أو تسخير ملوك الجن بها. 5- ... سحر بعهود شيطانية، يتحصل الساحر عليها بعد تقديمه ضروبًا من التقرب لشيطانه، عياذًا بالله تعالى من ذلك. 6- ... سحر بألفاظ لا يتبين معناها، ولا يفصح عنها أهلها، وهو سحر الأغتام، الذين يزعمون أن قوته تغير الصور والطبائع. 7- ... سحر بخواص حقائق الموجودات، وهو - كما يزعمه السحرة - بأن ثمة خصائص لبعض الحقائق لها تسلّط على النفوس، كالمشط والمشاطة وجُفّ طلعٍ ذكر - كما سبق ذكره في قصة سحر اليهودي للنبيِّ صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك أيضًا بزعمهم وجود تناسب بين بعض الموجودات، كرمي سبع حجارة لنوع من الكلاب، فإن عضّ كلَّ واحدة منها، ثم وضعت في ماء فشربه شارب سُحِر بذلك. 8- ... سحر معتمد على خصائص المادة، كجذب المغنطيس الحديدَ، وغيرها كثير مما تقرر في علم الكيمياء الحديث - من أثر مواد تنتج ألوانًا بعينها أو دخانًا، أو نارًا عند تفاعلها مع مواد أخرى. 9- ... سحر الأخذ بالعيون، وهو سحر الشعوذة - أو خفة اليد -، ومنه النيرنجيات، ومنه كذلك سحر يظهر من تركيب آلات على نسب هندسية، وهو شائع في عصرنا لما توصل إليه العلم والتقنية الحديثة بما يوهم الرائي سحرًا. 10- ... سحر بعقد خيوط، والرّقي عليها، بتلاوة رقى بكلمات ضارة من رقى الهند أو رقى الجاهلية ونحوها، ثم النفث بها باستحضار إرادة إيقاع ضرٍّ بالمسحور. 11- ... سحر السيمياء، أو تركيب بعض الخواص الأرضية، أو قول كلماتٍ خاصة.

(1/125)


12- ... سحر الهيمياء، أو سحر بآثار الخواص السماوية. 13- ... سحر التَّنْبَلة، أو سحر تعليق القلب، بادعاء معرفة اسم الله الأعظم، وطاعة الجن للساحر بذلك. 14- ... سحر بالاستعانة بخواص الأدوية المبلِّدة، أو التدخينات المُسكِرة. 15- ... سحر تخييل الباطل في صورة الحق، ومنه سحر البيان، وسحر العَضْهِ، وهي النميمة بالقالة بين الناس. 16- ... سحر الكهانة بادعاء معرفة شيء من الغيب، بالاستعانة بزجر الطير، أو الخط بالأرض، أو الضرب بالحصى، أو حساب الطالع ونحو ذلك مما يفعله الدجاجلة وما أكثرهم. 17- ... سحر استمالة النفس، ومنه سحر العيون، وسحر الطبيعة ونحو ذلك. 18- ... سحر بالجمع بين الاستعانة بالشياطين بالتقرب إليهم، ومخاطبة الكواكب وعبادتها. 19- ... سحر بتصوير الصورة على صورة المسحور، - وهو المسمّى بالشِّعْباذ - وقد يغرز فيها أبر ونحو ذلك. أخي القارئ، تلك جملة من أنواع السحر، تدلّك بحالها على كثرة الأنواع المختلفة الداخلة فيه، وأن قَدْرًا مشتركًا بينها جميعًا لا يتحقق، بما يفسر اختلاف عبارات العلماء في تعريف السحر اصطلاحًا جامعًا لأنواع مانعًا لغيرها، لكن مع ذلك فإنه يمكن تقرير أن جميع أنواع السحر لا بد فيها من همة وإرادة نفس بشرية قوية تؤثر بنفسها، أو بمعين لها، أو تقدر على التخييل في نفس الرائي أو في هيئة المرئي، وأن خطر هذا السحر يكون بالترتيب السابق، فما كان باقتدار النفس فقط فهو الأعظم خطرًا، ومنه السحر بعقد خيوط والرَّقْي عليها ثم النفث بها، ومنه كذلك سحر أهل بابل

(1/126)


مما أنزل على الملكين هاروت وماروت فيها، أو مما تقولت به الشياطين على سبب ملك سليمان، مما يؤثر - بإذن الله الكوني - تفريقًا أو تحبيبًا، لكن هذا النوع من السحر قد دَرَس العلمُ به، وكادت المعرفة به أن تكون مستحيلة، لكن إن وجدت، ووجد من علمها، فإن خطرها يبقى هو الأكثر ضرًا من بين أنواع السحر، لذا فقد ذُكِر هذا الأثرُ في كتاب الله وفي سنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وهو غاية ما يقتدر عليه ساحر أثيم، ولا ينحل أثر ذلك إلا برقى مشروعة، من أعظمها تلاوة المعوذتين، وقول التعوذات النبوية الكريمة. ولو أنك تأملت سائر أنواع السحر من بعد ذلك لوجدتها أسحارًا معتمدة على تنجيم وطلسمات - في تمائم وأحجبة - وعزائم مسخرة وعهود شيطانية، واستعانة بهم في إحداث وسوسة أو مس، أو دلالة على مسروق ونحوه، أو كانت معتمدة على كلام معجم حوى كفرًا، أو اعتمدت على تركيب خواص أرضية أو أدوية أو تدخينات، أو كانت تخييلاً وشعوذة وعلمًا خفيًا بحقائق علمية، أو إيحاءات نفسية بحيازة معرفة الاسم الأعظم، أو بطريق التخاطر الفكري المعروف بالتلباثي، أو كهانة بخط في الرمل، أو رصدًا للحفاظ على مخبوء، أو أنه سحر في اللغة وحسب كسحر البيان وسحر العَضْه، مع كونهما يُخيِّلان كما يعمل السحر. وعلى ذلك كله نجد أن تقسيم العلاّمة ابن خلدون رحمه الله السحر إلى تلك المراتب الثلاثة التي سبق ذكرها، يمكن إدراج جميع أنواع السحر فيها بما يمايز بينها، ويزيل اللبس عن مفهوم السحر، فيكون السحر المؤثر بهمة الساحر وتصفية نفسه مع قوله رقى ضارة أو نفث في عقد، أو تصوير المسحور، هو من مرتبه السحر الحقيقي بغير مُعين، وكذلك سحر الطلسمات والتنجيم بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها المزعومة، والعزائم المسخرة على خواص حقائق بعض الموجودات، وكذلك سحر الهيمياء بآثار الخصائص السماوية - بزعمهم - والكهانة بأنواعها، كل ذلك سحر على الحقيقة لكن بمعين، وتكون الشعوذة وما

(1/127)


شاكلها من تخييل، كالسيمياء، والنيرنجيات، وسحر الأغتام، وسحر الأدوية والتدخينات، كل ذلك وإن عمل عمل السحر في التخييل وإيقاع الضر إلا أنه لا يسمى سحرًا حقيقة، بل مجازًا، ومن باب أولى في ذلك أن يكون سحر الاستمالة والبيان والعِضَهِ تخييلاً لا حقيقة، والله أعلم. ثالثًا: أنواع السحر من حيث أثره على المسحور. قسّم بعض المصنفين المعاصرين (1) السحر باعتبار تأثيره إلى أقسام عديدة، منها: 1- سحر التفريق وهو المسمّى (الصرف) ، وهو: عمل السحر للتفريق بين الزوجين، أو لبثِّ البغض والكراهية بين صديقين أو شريكين. قال تعالى: [البَقَرَة: 102] {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} . وفي الحديث: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمَهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» (2) . ويدخل في سحر التفريق، سحر الرَّبْط (العَقْد أو العَصْب) ، ويسمى بالصَّرْف، وله صور عديدة، منها: الحِسِّي، كأن يؤخذ الرجل عن زوجته فلا يستطيع جماعها إما بعُنّة يجدها عند إرادة الجماع، وإما بحدوث قذف _________ (1) منهم الشيخ وحيد عبد السلام بالي، في كتابه «الصارم البتار» وقد استفدت هذا المبحث من كتابه القيم، ومنهم ماهر كوسا، في كتابيه: فيض القرآن، والسيف الفالق، وقد أوصل هذه الأنواع في الباب الرابع من الكتاب الأخير إلى ثمانية عشر نوعًا، ومنهم أيضًا: إبراهيم عبد البر في كتابه الرد المبين في الباب الثاني منه، وغيرهم. (2) سبق تخريجه ص24، بالهامش ذي رقم (1) .

(1/128)


سريع، ونحو ذلك. ومن الربط ما يكون معنويًا: كانعدام شهوة أو تقبيح صورة، أو وجود غَيْرَة غير مبررة شرعًا، أو الإحساس براحة نفسية عند الابتعاد عن أهله، وقد يحدث الربط أيضًا للمرأة بطرق منها ما يسمى بالتغوير، وهو شعور الرجل بأن امرأته ليست بكرًا عند شروعه بجماعها أول مرة، ومنه التصفيح فلا يتمكن الرجل معه من الجماع، ومنه النزيف، بحيث أنه كلما أراد جماعًا أعاقه عن ذلك جريان دم في عرق الرحم بركضة يركضها شيطان الساحر، وكما يكون الربط معنويًا للرجل، فإن ذلك ينطبق على المرأة أيضًا، ومن ذلك شعورها بالتبلّد التام حال الجماع، وهو المسمى بربط البرود أو التبلّد، ومما يجدر التنبه إليه هنا إلى أن أمراضًا عضوية أو نفسية تلمّ بالرجل أو المرأة قد تكون سببًا في إضعاف القدرة الجنسية لديهما، لذا ينبغي عدم التسرع بالحكم بوجود سحر ربطٍ إلا بعد استشارة أهل الطب في ذلك بما يقطع الشك باليقين، فإذا ما سَلِما من أي علة عضوية أو نفسية غلب على الظن عندها حصول ربط، فيُعمد إلى علاجه. 2- سحر المحبة (التِّوَلة) : وهو المسمى بالعطف، ويكون - غالبًا - بطلب المرأة من ساحر أن يوقع محبة بل شغفًا بها في قلب زوجها، فيأمرها عندئذ بإحضار أثر من ثياب زوجها، غير طاهر ولا منظف، ثم يأخذ خيوطًا منه، فيعقدها وينفث بها، ثم تدفنه في مكان مهجور، أو يقرأ ما يأمره به شيطانه من أقوال مُعجَمة تتضمن شركًا بالله، يقرأها على ماء نجس، أو على قطرات من دم ونحوه، ثم تخلطه المرأة بما يَطْعمه زوجها أو يشربه، فيصير الزوج عندها كخاتم في إصبعها لا يعصي لها أمرًا ولا يردّ لها طلبًا، وهو مبالغ في غَيْرته عليها، مُفرِط في جماعها، غير صابر على فراقها ولو للحظات، وبئسما صنعت تلك المرأة، ولو أنها عمدت إلى التحبب إلى زوجها فكانت عَرُوبًا تكثر التزين له، وتريه جميل فعالها، لوجدت - بإذن

(1/129)


الله - تعلّقًا منه متزنًا عاقلاً حكيمًا، يُؤثِر فيه محبتها، ويُحسن به عشرتها. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» (1) . وهنا مسألة: قد يُشكِل التعارض - فيما يظهر - بين قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرُّقى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» ، وبين «ترخيصه عليه الصلاة والسلام في الرقية من العين، والحُمَةِ، والنَّمْلة» (2) ، والجواب: أن الرقى المنهي عنها هي التي فيها شرك أو استغاثة بغير الله تعالى، أو ألفاظ جُهِل معناها، لاحتمال تضمنها كفرًا، وقد دل الحديث على جواز الرقى عامة إلا ما حوى شركًا منها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ، اعْرُضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (3) . 3- سحر التخييل، وقد سبق بيانه، وأنه على ضربين؛ إما بالتأثير في القوى المتخيِّلة للرائي وهي التي تكون في نفسه، أي: بالتأثير المعنوي والإيحاء لهذه القوى بصور يريدها الساحر، أو بالتأثير في قوة الإبصار المحسوسة بالاعتماد على أخطاء البصر بصرفه إلى مُبصَر معين حتى إذا حدّق فيه انصرف عن غيره، أو بإمهال البصر زمنًا غير كاف فيُشكِل عليه _________ (1) سبق تخريجه ص 95 بالهامش ذي الرقم (2) . (2) أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحُمَة والنظرة، برقم (2196) ، عن أنس رضي الله عنه. والبخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما موقوفًا، قال: (لا رقية إلا من عين أو حُمَةٍ) . ومعناه: لا رقية أولى وأشفى من الرقية من هذه الأمور، والحُمَة بالتخفيف: السَّمُّ، وقد يشدّد، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة، لأن السم يخرج منها. انظر: النهاية لابن الأثير (1/449) [حمه] . ... أما النَّمْلة: فهي قروح تخرج في الجَنْب، وغيره من الجسد، وهي أيضًا: بثرة تخرج بالتهاب واحتراق ويرمّ مكانُها يسيرًا ثم يَدُبُّ إلى موضع آخر كالنَّمْلة. وإن داء النملة سمي بذلك لكون المصاب به يحس كإحساس من تدبّ عليه نملة وتعضّه. ... انظر: "النهاية" لابن الأثير (5/105) ، والتاج للزبيدي (8/146) . (3) أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، برقم (2200) ، عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه.

(1/130)


المُبصَر، ونحو ذلك مما يعمد إليه المشعوذ الحاذق، ولسحر التخييل طريق آخر - هو الأخطر - حيث يقوم الساحر فيه بإحضار شيء يعرفه الناس ثم يتمتم بعزيمته الشركية وطلسماته الكفرية، حتى يعينه شيطانه فيُري الناسَ الشيء على غير حقيقته، وقد يدخل هذا النوع في سحر التفريق، حيث يري الشيطانُ الرجلَ امرأتَه الجميلة قبيحة المنظر، وفي سحر المحبة يريه عكس ذلك، فيحببه بها. وهذا ليس من الشعوذة بل هو سحر على الحقيقة بالاستعانة بالشياطين. قال تعالى: [الأعرَاف: 116] {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} . وقال تعالى: [طه: 66] {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} . 4- سحر الجنون: ومن أعراضه الشرود والذهول والنسيان الشديد، والتخبّط في الكلام ومنها شخوص البصر - جموده - وزوغانه، مع عدم القدرة على الاستقرار في مكان واحد، أو الاستمرار بعمل معين، وعدم الاهتمام بالمظهر، وفي الحالات الشديدة ينطلق على وجهه لا يلوي على شيء، وربما نام في الأماكن المهجورة. ويكون هذا النوع بتسليط الساحر جنًا موكلاً بالسحر، فيؤثر في قدرة المسحور الفكرية وبخاصة القدرة على التذكر، والتركيز في عمل الأمور ونحو ذلك. عن خارجةَ بن الصَّلْت، عن عمّه، أنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم أقبل راجعًا من عنده، فمرّ على قوم عندَهم مجنون مُوثق بالحديد، فقال أهله: إنا حُدِّثْنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير، فهل عندكم شيء تداوونه به؟ فرقيتُه بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه، فقال: «هل إلا هذا؟» أو قال: «هل قلتَ إلا هذا؟» ، قلتُ: لا، قال: «خذها،

(1/131)


فلَعَمْري لَمَن أكل برقيةِ باطلٍ، لقد أكلتَ برقيةِ حقٍّ» . وفي رواية: (فرقاه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام، غُدْوةً وعشيةً، كلما ختمها جمع بُزَاقه، ثم تفل) (1) . 5- سحر الخُمول: ومن أعراضه الميل إلى العزلة والانطواء الكامل، والصمت المستديم، والشرود الذهني، وكثرة الصداع، والهدوء والسكون والخمول الدائم. ويحصل هذا النوع بالتسليط أيضًا، فيرسل الساحر الجني إلى الشخص المراد سحره، ويأمره بأن يتسبب بهذا الأذى له. 6- سحر الهواتف: ومن أعراضه رؤية أحلام مفزعة، وكأن مناديًا يناديه، وقد يسمع أصواتًا تخاطبه يقظةً، لكنه لا يرى أشخاصًا، وهو يعاني كثرة الوسوسة، والشك في أصدقائه وأحبابه، وقد يرى في منامه كأنه سيسقط من عَلٍ، أو يرى حيوانات تطارده في المنام. ويكون هذا النوع بإرسال الساحر جنيًا، ويكلفه إشغال هذا الشخص يقظة ومنامًا، وقد يصل بالمسحور الأمر إلى الجنون، وقد يقتصر الأمر على المعاناة من الوسوسة. 7- سحر المرض، أو الإمراض: ومن أعراضه حدوث ألم مستمر في عضو من أعضاء الجسد، أو حصول نوبات صرع (تشنجات عصبية) ، أو شلل في عضو من الأعضاء، أو حتى شلل كلي للجسد، أو قد تتعطل إحدى الحواس عن العمل. ويكون هذا السحر بإرسال الساحر جنيًا إلى مراكز الحواس في مخ المسحور فيعبث بها حتى يمنع عملها أو يؤثر فيها. 8- سحر النزيف، وهو سحر يتسبّب فيه الساحر، بتسليطه لشيطان على امرأة يريد سِحرها، ويكلفه بالتسبب في إنزال الدم من رحمها باستمرار، _________ (1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الطب، باب:، كيف الرقى؟ برقم (3896) ، وصحّحه النووي في الأذكار برقم (87) ، كما صحّحه الألباني في صحيح أبي داود برقم (3297) .

(1/132)


متعديًا في ذلك زمن تحيّضها المعتاد، فإذا وصل الجني إلى عِرْق معروف في الرحم، ركضَهُ ركضةً فسال العِرْق دمًا، فتعاني تلك المرأة معاناة الحائض من النساء بسبب تلك الجِرْية الشيطانية، وقد يستمر النزيف أشهرًا، وقد يكون مقدار الدم قليلاً أو كثيرًا. هذا، ومما يجدر ذكره هنا أن ركضة الشيطان هذه قد تحصل من غير تسليط ساحر بذلك، ويكون ذلك ابتداءً وتلاعبًا من الشيطان من أجل أن يمنع تلك المرأة عن إتمام عباداتها - من صلاة وطواف وصيام وتلاوة ومكث في مسجد - فإذا جرى الشيطان بقوة عند عرق في الرحم تسبب باستمرار تدفق الدم مهراقًا متعديًا زمن الحيضة المعتاد، فتظن المرأة أن حيضها مستمر، فتمتنع عما ذكرناه، لكن الشرع المطهر - كما هو مقرر في كتب الفروع - قد اعتبر ذلك استحاضة (1) لا تحجز المرأة عن إتمام عباداتها، وقد جرى مثل ذلك لبعض الصحابيات رضي الله عنهن، منهن: أم حبيبة حَمْنة بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وهي أخت زينب أم المؤمنين رضي الله عنها، ومنهن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها، وكذا سهلة بنت سهيل رضي الله عنها. فلما أن استفتت كلٌّ منهن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، بيّن لهن عليه الصلاة والسلام بأن الأمر لا يعدو أن يكون داءً عَرَض للمرأة، فهي تُستحاض، أو هو عِرْق انقطع، بسبب ركضة من ركضات الشيطان فيه، كما في حديث: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي ... » (2) . فإن الشيطان - كما في الصحيح -: «يَجْرِي مِنِ ابْنِ _________ (1) الاستحاضة: أن يستمر بالمرأة خروج الدم بعد أيام حيضها المعتادة. انظر: النهاية لابن الأثير [1/469] (حيض) . (2) أخرجه الترمذيُّ؛ كتاب الطهارة؛ باب: ما جاء في المستحاضة، برقم (128) ، عن حَمْنة بنت جحش رضي الله عنها. وحسّنه الألباني. انظر: صحيح الترمذي (110) . وأخرجه أبو داود؛ كتاب: الطهارة، باب: من قال: تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غُسلاً، برقم (288) مختصرًا، وبرقم (296) ، من حديث أسماء بنت عُمَيْس رضي الله عنها.

(1/133)


آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» (1) ، وهذه الركضة قد تكون بتسليط ساحر لشيطان على تلك المرأة، فإن كان ذلك فهو ما يعبّر عنه بـ (سحر النزيف) فتُرقى المرأة بالمشروع، فتشفى بإذن الله، وإلا فهو داء استحاضةٍ عضوي يمكن علاجه عند أهل الطب. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن لمن شكت مثل ذلك طُرقًا للقيام بالعبادة فعلى أيهما قويت المرأة، فهي أعلم بحالها، وهذه الطّرُق ثلاثةٌ مستفادة من أحاديثَ صِحاحٍ، وهي كالآتي: أ - ... أن تغتسل لكل صلاة، بعد انقضاء مثل أيام حيضها، حتى تحيض فترى دم الحيض الذي يَعْرِف (له رائحته المميزة) ، ويُعْرَف (تعرفه النساء) . ب- ... إنْ شقَّ عليها ذلك، فإنها تغتسل لصلاة الفجر، وتؤخر الظهر، وتقدم العصر، وتغتسل لأداء الصلاتين، كذلك تفعل للمغرب والعشاء، فتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل وتصلي الصلاتين. جـ- ... فإن وجدت حرجًا في ذلك أيضًا، فإنها تغتسل إذا انقضت مثل أيام حيضها (ستة أو سبعة أيام) ، ثم تتوضأ بعدُ لكل صلاة، ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزئها، ولو استمر تدفق الدم، وكان لونه مختلفًا عن دم الحيض، ليس بأسود مثله، وذلك الحكم غاية في التيسير عليها. _________ (1) جزء من حديث أخرجه البخاري بنحوه؛ كتاب: الاعتكاف، باب: هل يخرج المعتكف، برقم (2035) عن صفية بنت حيي أم المؤمنين رضي الله عنها. ومسلم - واللفظ له - كتاب: السلام، باب: بيان أنه يُستحب لمن رُئي خاليًا بامرأة....، برقم (2175) ، عنها أيضًا. ... وكذا أخرجه أحمد في مسنده بلفظه، (3/284) ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ... فائدة: لم يكن عند مسلم من حديث صفية رضي الله عنها إلا هذا الحديث. وقد أورده البخاري في ست مواضع، والله أعلم. ... ولفظ الحديث بتمامه: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيّ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي (يبلغ) مِنَ الإِْنْسَانِ مَجْرى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُقْذَفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» قاله النبيُّ صلى الله عليه وسلم لرجلين من الأنصار لما رأياه صلى الله عليه وسلم منصرفًا من مُعتَكَفه، ترافقه صفية رضي الله عنها، فسلّما وأسرعا رضي الله عنهما.

(1/134)


وقد استحب النبيُّ صلى الله عليه وسلم للمرأة المستحاضة أن تفعل الأمر الأول إنْ هي قَوِيت عليه، وقد فعلت ذلك حمنة رضي الله عنها، كما سيأتي من قول السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. وهاك أخي القارئ أدلة من السنة المطهرة دالَّة بمجموعها على ما أسلفت بيانه: - ... سألت أم حبيبة حَمْنَةُ بنت جحش رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الدم؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سُبْحَانَ اللهِ!، إِنَّ هَذا مِنَ الشَّيْطَانِ» (1) «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ» (2) . «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (3) ، قالت عائشة رضي الله عنها: فكانت تغتسل لكل صلاة (4) . - ... وكانت سهلة بنت سهيل رضي الله عنها قد استُحيضت، فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، «فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ» (5) . _________ (1) سبق تخريجه ص137، بالهامش ذي الرقم (2) . (2) سبق تخريجه أيضًا ص137، بالهامش ذي الرقم (2) . (3) أخرجه مسلم، كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم (334) ، عن عائشة رضي الله عنها. (4) قول السيدة عائشة رضي الله عنها، أخرجه أبو داود، كتاب: الطهارة، باب: ما روي أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، برقم (289) . (5) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب: من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غُسلاً، برقم (295) ، عن عائشة رضي الله عنها. ومعنى جَهَدها ذلك، أي: شقّ عليها. ... هذا، وقد أخرج الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، أربع روايات، تبين حكم المستحاضة أيضًا، وجميعها من مسند النساء، فلتنظر بأرقامها (27685 - 27904 - 28022 - 28182) لمن شاء مزيد علم في ذلك.

(1/135)


- ... وقالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إني لا أطهُر، أَفَأَدع الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا [قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها] ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» (1) . زاد هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله قولَه صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ، حَتّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» (2) . هذا، ومحلّ تفصيل أحكام ذلك كتب الفروع، إلا أني أردت بيانه لشرف تعلُّقه بأعظم العبادات البدنية، ركنِ الدين: (الصلاة) . 9- سحر تعطيل الزواج، ومن أعراضه صداع بين الحين والآخر، وضيق شديد في الصدر، ورؤية كل خاطب بمنظر قبيح، مع كثرة الشرود الذهني، والقلق في أثناء النوم، وقد يصاحب ذلك ألم دائم في المعدة أو في فقرات الظهر، وسبيله أن يوكل الساحر جنيًا بحجز فتاة عن الزواج، فيلازمها، فيؤثر فيها بحيث تنفر من كل زوج يتقدم لخطبتها، أو يلقي في القوة المتخيِّلة عند الخاطب صورة قبيحة لتلك الفتاة فلا يرغب بخطبتها، وقد يخيل ذلك للفتاة أيضًا فترى كل خاطب لها بصورة قبيحة. ولو فرض أن تقدم لها خاطب فإنه سرعان ما يتراجع عن ذلك بفعل وسوسة ذلك الجني له. وفي حالات سحر التعطيل تجد الرجل الخاطب يشعر بضيق شديد إذا ما تخطى عتبة دار المخطوبة، وكأنه في سجن يتطلع بشوق للخروج منه. _________ (1) أخرجه البخاري واللفظ له؛ كتاب: الحيض، باب: الاستحاضة، برقم (306) ، ومسلم؛ كتاب: الحيض، باب: المستحاضة وغُسلُها وصلاتُها، برقم (333) ، عن عائشة رضي الله عنها. (2) الزيادة عند البخاري، من رواية هشام بن عروة عن أبيه، وهي في كتاب: الوضوء، باب: غسل الدم، برقم (228) . والعبارة المفسِّرة بين معقوفتين هي: جزء من رواية عند البخاري أيضًا، كتاب: الحيض، باب: إذا حاضت في شهر ثلاثَ حِيَض، برقم (325) ، عن عائشة رضي الله عنها.

(1/136)


هذا، وقد أوردت هذا التقسيم النافع لآثار السحر، قاصدًا بذلك التعريف بأن هذه الأنواع التسعة تدخل جميعها في مرتبة السحر الحقيقي، حتى إن سحر التخييل - وهو النوع الثالث منها - يدخل من وجهٍ بالسحر حقيقةً من أجل أن الساحر قد يوكّل جنيًا بأن يُرِيَ الزوجة قبيحة في نظر الزوج أو العكس، حتى يبغض كلٌّ منهما زوجَه، وقد يؤدي ذلك إلى التفريق بينهما، والعياذ بالله. مسألة مهمة: كيف يقوم السحرة بأعمالهم تلك، فيؤثرون بها على المسحور؟ إن أهمية بيان هذه المسألة تكمن في ضرورة تبصير المسلم المعاصر بهذه الطرق، ليشتد حذره منها، فلا يدع للسحرة مسلكًا إليه، وهذا من باب الأخذ بالأسباب، فإن «الْمُؤْمِنَ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ» (1) . هذا، وإن للسحرة العشرات من الوسائل يعمدون إليها، بقصد التأثير بسحرهم، من ذلك (2) : 1- ... دفن أعمالهم في تراب مقبرة. 2- ... دفن العمل السحري فيما اتصل بالدار من حديقة ونحوها. 3- ... كتابة السحر في كاغد - جلد ميتةٍ -، وجعلُه في قبضة الساحر، وهو لا يغلقها تمامًا، ثم يشير بها إلى ناحية من أراد سحره، من جهةٍ لا يراه المسحور منها. _________ (1) هذا نصّ حديث مرويٍّ ضعيف. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني رحمه الله (760) ، وفي الصحيح: «إِنَّ أَنَسًا غُلاَمٌ كَيِّسٌ» ، متفق عليه. (والكَيْس: العقل، والكَيْس في الأمور يجري مجرى الرفق فيها) . انظر: النهاية لابن الأثير (4/218) . (2) انظر: في وسائل السحرة هذه: «شموس الأنوار» لابن الحاج التلمساني، و «منبع أصول الحكمة» للبوني، و «شمس المعارف الكبرى» له أيضًا، وقد ذكرتها هنا للتحذير منها، وحسب.

(1/137)


4- ... كتابة ما يريد من سحر في شقف طاجنٍ قديم، ثم يدقُّه ناعمًا، ويتكلم عليه بما يريده، ثم يذرّه بين اثنين ليفترقا. 5- ... رشُّ الماء الذي مُحي به أثرُ الكتابة السحرية عند عتبة الدار، المراد سحر أهلها. 6- ... إعطاء المراد سحره ما يكتحل به، وهو - في حقيقته - مما جفف من عيون بعض الحيوان كالقنفذ والبومة ونحوهما، وقد تمتم عليها الساحر بما أراد. 7- ... طلب الساحر من المراد سحره شيئًا من أثره، كشعر، أو قطعة من ثوبه، ثم يجعل ذلك في حجاب يعلقه المسحور، فلا يفارقه أثر ذلك ما دام مُعلِّقًا الحجاب، والحجاب يحوي - غالبًا - أوفاقًا، وخواتم، ودوائر شركية، ونحوه. 8- ... تمتمة الساحر، في مجلسٍ ما، بتعاويذَ سحرية، ثم الإشارة بيده إلى المراد سحره. 9- ... إعطاء الساحر المراد سحره ما يأكله أو يشربه، والحال أنه قد قرأ عليه طلاسمه، وبخّره ببخور عنده في ساعة يعرفها مناسبة لعمله. 10- ... جعل سحره في صُرَّةٍ من ثوب المسحور، ثم تعليقها في مهب ريح، أو على غصن شجرة، أو على نعل فرس معلقة على باب، ليؤثر بسحره ذلك كلما هبت الريح، أو اهتز الغصن، أو كلما فتح الباب. 11- ... صنع شعباذ (صورة للمسحور على شكل صنم) ، وغرز أبرٍ فيه، وجعله في أسفل بئر مثلاً، أو مدفونًا في تراب، ونحوه. هذا، وطرقهم في ذلك تبلغ المئات، ليس القصد هنا إحصاءها، إنما التحذير الشديد من التسهل في قصد هؤلاء الدجاجلة، أو السماح لهم بأخذ شيء من الأثر، أو أخذ حجاب وتعليقه دون النظر إلى ما فيه، والتنبُّه عند أخذ مأكول أو مشروب أو كحل، والحذر ممن يشير بقبضته في مجلس إلى

(1/138)


جهة ما، وضرورة العمد إلى إزالة كل أثر لمرشوش في مكان يتخطاه أهل البيت، كعتبة الدار مثلاً، أو عند باب السيارة، ونحو ذلك. فالحذر الحذر من التهاون في ذلك، فإن المؤمن حصيف متفرِّسٌ ينظر بنور الله تعالى. وهاك أخي القارئ طرقًا - بإجمال - تبطل هذه الأسحار بما يناسب المقام، وسيأتي تفصيل لها عند بيان طرق إبطال السحر (1) : 1- ... الحجامة، وهي من أنفع ما يستخرج به عمل السحر من بدن المسحور. 2- ... إزالة المرشوش على الأرض بماءٍ طَهور. 3- ... إتلاف عمل السحر - إن عثر عليه مدفونًا أو معلقًا ونحوه - إتلافه: بتمزيقه، أو حرقه، أو رميه في ماءٍ جارٍ طهورٍ، أو إتلاف عُقَدٍ بعد القراءة عليها. 5- ... قراءة سورة البقرة - بتمامها - إذا شك أهل الدار بوجود أثر للسحر في دارهم. 6- ... إخراج كل ما يمنع دخول الملائكة عليهم السلام الدار، من مثل شُخوص منحوتة، أو كلب، أو صور مُنَفَّرة، أو صورٍ لعوراتٍ، ونحو ذلك. 7- ... فتح كل حجاب قبل تعليقه - علمًا أن مطلق تعليق التمائم والحجب لا يشرع، إلا عند بعض أهل العلم بضوابط ذكروها (2) -، فكل حجاب حوى أوفاقًا - رقمية أو حرفية -، أو طلاسم، أو دوائر، أو مثلثات، أو أسهمًا، أو خواتم، أو أسماء سريانية، أو رسم شعباذ، أو الأشكال السبعة التي يدعي السحرة أنها الاسم الأعظم (3) ، أو آيات كتبت معكوسة الترتيب، أو كتبت مختلطة بطلاسم، أو كتبت مقطعة الحروف، أو أُنقص منها بما يغيّر _________ (1) انظر: ما سيأتي ص 283، وما بعدها. (2) راجع - إن شئت - مبحث التميمة ص94، وما بعدها. (3) انظر: ما سيأتي ص 153، وما بعدها.

(1/139)


معناها، والعياذ بالله، أو حوت أسماء الكواكب السبعة السيارة (1) ، _________ (1) الكواكب السبع السيارة التي يزعم المنجمون السحرة استنزال روحانياتها، بأوقات مناسبة معلومة لديهم، هي: زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر. انظر: - رحمك الله - كيف خلط هؤلاء الدجاجلة بين تأثير الكواكب بالمفهوم العلمي (فيزيائيًا وكيميائيًا) تأثيرًا ماديًا صِرْفًا؛ كالمدّ والجَزْر، وآثار مغناطيسية وإشعاعية، مؤثرة على حالة الجو العامة والاتصالات اللاسلكية، وبين اعتقادهم بإمكانها تغيير مجريات حياة الناس، والتحكم بمصائرهم حين يكتب الساحر المنجّم رموزًا، ويحرق لها بخورًا، في أوقات معينة، حين يكون كوكب معين في برج معين!!. انظر: السحر والسحرة من منظار القرآن والسنة. د/إبراهيم أدهم ص37 وما بعدها. ... هذا، وإن الخلط بين الشمس والقمر من جهة والكواكب الخمسة المتبقية من جهة أخرى، لا يتوافق في التسمية مع مُسلَّمات علم الفلك، فذانك نجم وتابع، والأخرى كواكب سيارة، ولقد وصل عدد الكواكب السيارة حول الشمس - فيما تقرر من علمٍ حديث - إلى أحد عشر كوكبًا، وذلك باكتشاف كوكبين بعد كوكب (نبتون) الذي اكتشف عام 1846م، وقد أطلق على الأخير منهما مؤقتًا اسم [2003- يوبي - 313] ، وذلك بعد اكتشاف كوكب أصغر من كوكب بلوتو كان قد أطلق عليه اسم [2003- إي يو - 61] . وقد تم اكتشافهما عام 2003م، باستخدام أحدث المراصد الفلكية، المتميزة بحساسية خاصة للأشعة الحرارية. فأين هذه الجهود العلمية المكثفة من دجل أولئك المنجمين، الذين ما فتئوا يعتقدون القوة الروحية في أجرام سماوية إنما خلقها الله عز وجلّ؛ زينة للسماء، وعلاماتِ هدايةٍ للمسافر في ظلمات البر والبحر، ورجومًا لمسترقي السمع من الشياطين. فبعد أن داست أرجل الإنسان القمر، وبعد أن حطت مركبة - غير مأهولة - على المريخ، وبعد هبوط مسبارٍ (هويجنز) على أرض قمر (تيتان) ، التابع لكوكب زحل، ما زال السحرة المنجمون مصرّين على أن لهذه الأجرام روحانيات تُستنزل وسعود تُرتجى ونحوس تُتقى، وملوكًا من الجن مقهورين لرؤساء من الملائكة، لا يعصون لهم أمرًا، وأن الجميع - باعتقادهم - محكومون بعزائم وإقسامات وعهود تتلى، فلا يتخلّف عن الامتثال لها جِنٌّ ولا مَلَك!!. والحق أن عامة السحرة - من منجمين وغيرهم - إنما هم عابدون - على الحقيقة - لشياطين الجن يرجون لديهم نفعًا أو ضرًا، فهؤلاء لا يمتون بصلة إلى التقرب لمَلَكٍ - ولو ادّعوا زورًا ذلك - فالملائكة عليهم السلام من جميع ذلك براء، قال تعالى: [سَبَإ: 40-42] {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ *قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ *فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ *} .

(1/140)


أو أسماء سبعة للقمر (1) ، وغير ذلك، فإن الواجب الحذر البالغ من التهاون في تعليقها، فهي مظنة الأعمال السحرية، أعاذنا الله والمسلمين والمسلمات من شر ذلك. رابعًا: قسما السحر، من حيث الحكمُ الشرعي (2) . [السحر - من هذه الحيثية قسمان -: أ- شرك، وهو ما يكون سحرًا حقيقة بعُقد ورقى، وقراءات وطلاسم، يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين، أو عبادة كواكب ونحو ذلك. ب- فسق وعدوان، وهو الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها، مما يؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله. وتأسيسًا على ذلك، فإن من كان سحره بواسطة الشياطين، فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك له إلا بالشرك غالبًا، ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوها، فإنه لا يكفر، ولكن يعتبر عاصيًا معتديًا] (3) . *** _________ (1) أسماء القمر - عندهم -: لياخيم، ليالغو، ليافور، لياروث، لياروغ، لياروش، لياشلش، والسحرة يدعون أن لها خواصًا عجيبة وأسرارًا غريبة، وهي لا تعدو كونها أسماء لشياطين مردة، كما تدل عليه عبارات إقسامهم وعزائمهم التي امتلأت كتبهم بها، ومنها: «منبع أصول الحكمة» للبوني، كما في ص 293 منه. (2) سيأتي - بعون الله - فصل مختص بأحكام السحر والسحرة، لكن ذكرت النوعين هنا إتمامًا للتقسيمات في هذا الفصل. (3) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (1/489) ، للعلاّمة ابن عثيمين رحمه الله.

(1/141)


الباب الثاني: بيان علاقة السحر بما يسمى علومًا روحانية المبحث الأول: التعريف ببعض هذه العلوم، وبيان تعلُّقِها بالسحر. إن مما تقرر، وصار مسلّمًا فيه - بما تضافرت عليه نصوص الشريعة، وما بات إجماعًا بين أهل الإنصاف من علماء التجريب ورواد الفكر قديمًا وحديثًا - أن دين الإسلام دعا في أصول تعاليمه إلى إعمال العقل والتدبر طريقًا أمثل للتوصل إلى حقائق هذا الكون، ومن ثم التسليم بحقائق الإيمان، والدعوة إليه. فالعلم نتاج المنطق والحجة والبرهان، ولا يمكن لمؤمن التسليم لتخرّصٍ في نظرية، أو لاحتمالٍ في فرض علمي، إلا بعد تمحيص ذلك مرارًا، وعرضها على مُسلَّمات العقل والواقع تكرارًا، لتصير بعدها (معلومة) يمكن الوثوق بها، والتسليم لها. والعلم بهذا المعنى إما أن يكون محسوسًا تجريبيًا، أو غيبًا إيمانيًا؛ أما الأول فطريقه أهل العلوم التطبيقية، وقد دعا الإسلام إلى توقير هؤلاء والأخذ بيدهم ليكونوا سببًا لبيان الحجة على ما أشارت إليه النصوص الشرعية لحقائق كونية كبرى، بثها الله سبحانه في نفس الإنسان وفيما حوله من خلق الله، وقد ظهرت آثار هذا العلم جلية فيما اشتهر في عصرنا بالإعجاز العلمي في القرآن والسنَّة، بما أبهر عقول المناوئين للإسلام قبل الموالين له. وأما الثاني وهو العلم الغيبي الإيماني، فطريقة الأوحد: الوحي من الله تعالى، بالسماع من رسله عليهم السلام، ولا سبيل إلى معرفة شيء من هذه المغيبات عنا إلا بذلك، لكن - في الوقت عينه - كان للتوثق من وصول هذا العلم إلينا قواعد قررها علماء الإسلام، وهو ما اشتهر بعلم الإسناد، فالقرآن العظيم وصل إلينا متواترًا تكفّل الله سبحانه بحفظه، أما السنة المطهرة فقد قيّض الله لها رجالاً جهابذة نَفَوا عنها ما ليس منها، ومحّصوا أسانيد وصولها إلينا، فمنها متواتر ومنها

(1/142)


آحاد، حتى إنهم حكموا - بتصنيف لم يوجد مثله في أمة - بصحة أو حسن أو ضعف، بما عرف في علم مصطلح الحديث عند أهله. والقصد من إيراد ما تقدم إظهار أن وصف (علوم) ، لا ينطبق على المسماة علومًا روحانية ألبتة؛ فهي لا ينطبق عليها أسس التجريب العلمي ولا السماع الصحيح، ولن يعدو قدرُها أن تكون تخرّصات ورجمًا بالغيب ارتضاه أهله من شياطين الإنس والجن، واستبدلوا ذلك بالعلم اليقين، وبالوحي الصادق المبين. وعلى ذلك فإني سأقتصر على إيراد بعض منها، علمًا أنها قد تفوق المئة!! وذلك من باب تبيين علاقتها الوطيدة بأنواع السحر، وتقرير افتراء أهلها على دين الله تعالى، مع التحذير من سلوك مسلكهم أو تصديق شيء مما عندهم، أو حتى تصفح شيء من كتبهم، فإن الله تعالى قد أبدل المؤمنين ما يجعلهم في غُنية عن مثل ذلك: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإليك أخي القارئ بيان بعض من ذلك من خزائن أهله المكنونة - بزعمهم - بيد أنها في واقعها مشرعة الأبواب على أرصفة الشوارع ينادي عليها كل ناعق، متوسلاً إلى كل غاد أو رائح أن يقتنيها!! وهذه المسماة - زورًا - كتب العلوم الروحانية لا تعدو كونها أحد نوعين؛ الأول: كتب تدل قارئها على معرفة كتابة حروز وأحجبة قد حوت صنوفًا من الاستغاثات الشركية، أو الطلّسمات المبهمة الخفية، أو الأشكال والجداول المحتوية أرقامًا وحروفًا، وهي محاطة بأسماء ملائكة تارة، وبأسماء شياطين أخرى، أو هي أحجبة حوت دوائر حوت - بزعمهم - اسم الله الأعظم، وقد وضع فيها مزيجًا عجيبًا من أرقام وحروف - عربية وسريانية - وأسماء لله تعالى، وأسماء لملائكة، وأسماء لشياطين، وآيات قرآنية، ودعوات شركية، بما يجعل المرء يدهش لجرأة هؤلاء القوم على محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولعل ما

(1/143)


يدعو لمزيد من العجب وضع أقوام مثل هذه الأحجبة على صدورهم أو صدور أولادهم مدّعين أن فيها حفظًا تامًا، وحرزًا عامًا، وحجابًا نافعًا مانعًا لكل ضر قد ينزل بهم!! أما النوع الثاني من هذه الكتب الرخيصة ثمنًا ومحتوى، فإنها تدل قارئها على معرفة كيفية ممارسة السحر بطرق شتى منها: التنجيم، ومنها الدعوات الشركية، والاستنزالات العلوية - أي لأرواح ملائكة - والاستحضارات السفلية - أي لأرواح شياطين -، ومنها تعلم كتابة الطلاسم وفكها، ومنها ما يعرّف القارئ بعلوم الرمل والكيمياء وما يسمونه مجرّبات، وفتح مندل، وقرعةٍ، وإرسال جنٍّ، وإخراجه، وتعلم الرصد وحله!! وإنك لتجد في ثنايا هذه المصنفات دواء لكل داء، بما تعجز عنه جهابذة الأطباء الحذاق، حتى لو حازوا الزمالات العلمية من كافة أنحاء المعمورة!! وغير ذلك الكثير مما تفنى فيه أعمار طوال، وينشغل فيه الفكر والبال، وهو برمّته مدعاة إلى الهلاك والوبال، وها أنا ذا أشرع بذكر ما يلزم المسلمَ المعاصر معرفتُه، مما حوته هذه الكتب مما سمَّوه علومًا روحانية، ليكون - إن شاء الله - على بيِّنة من أمر هؤلاء، فيحذرهم ويحذِّر منهم، ويبرأ إلى الله تعالى منهم ومن فعالهم، والله المستعان. 1- الأوفاق (1) : جمع وَفْقٍ، وهو عبارة عن مربع تنقسم أضلاعه _________ (1) انظر: في هذا المبحث: قدرة الخلاّق في علم الأوفاق ص 45 لعبد الفتاح الطوخي، والبداية في علوم الحرف والأوفاق، له أيضًا، (1/120) وما بعدها. وله أيضًا: هداية العباد في أسرار الحروف والأعداد، ص 49 وما بعدها - وكان الأَولى تسمية هذا الكتاب: إضلال العباد في أسحار الطلاسم والأرصاد، فقد حوى ما حواه منها والعياذ بالله - وانظر كذلك: شموس الأنوار، الباب الأول من الجزء الأول، للمسمى ابن الحاج التلمساني، ومنبع أصول الحكمة لأحمد البوني ص 58 وما بعدها.

(1/144)


بخطوط مستقيمة يحصل من تقاطيعها مربعات صغار متساوية الطول والعرض، عدتها كعدة ما يخرج من ضرب أقسام أحد الأضلاع في مثله، ثم ينزل في تلك المربعات أعدادًا متوالية تنزيلاً مخصوصًا، بحيث يصير ما يجمع في كل صف من الصفوف؛ طوله وعرضه وقطرَيْه مساويًا بعضه لبعض في الحساب ويكون العدد في كل منها خاليًا عن التكرار، والخطوط مستقيمة والبيوت - أي المربعات الصغيرة - متساوية، والأعداد على نظام واحد: الآحاد تحت الآحاد، والعشرات تحت العشرات، وهكذا. ولتخطيط الوفق صفة عند أهله، فإنْ بدأ برسم خطوطه من أعلى اليمين فقد قصد به الخير من تحبيب وجلب رزق ونحوه، وإنْ بدأ برسم خطوطه من أسفل الشمال، فهو لعمل الشر من تفريق وتعسير ونحوه، والعياذ بالله من جميع ذلك. ويشترط فيه كذلك أنه لو زيد على مفتاح الوفق - وهو أول عدد فيه - لو زيد واحدًا مثلاً للزم زيادة واحد أيضًا في جميع مربعاته، ولو زيد اثنان زيد كذلك في جميع مربعاته. والأوفاق قد تكون مثلثة، أي عدد المربعات فيها طولاً وعرضًا وقطرًا ثلاثة. هكذا، وقد تكون مربعة أي عدد مربعات الوفق في جميع الاتجاهات أربعة هكذا وهكذا تتعدد الأوفاق بتعداد مربعاتها فتسمى وفقًا مثلثًا، مربعًا، مخمسًا ... إلخ. وهم يختارون لهذه الأوفاق حروفًا وجُمَلاً، ثم يدخلون

(1/145)


أعداد هذه الحروف والجمل بحسب طريقة الجُمَّل (1) واختيار هذه الحروف والجمل، وكتابة ما يوافقها في طريقة أبجد أو حساب الجُمّل، يكون بحسب ما يريده كاتب الوفق من عمل والعياذ بالله تعالى. هذا، ويشترط هؤلاء - فضلاً عن صحة كتابة الوفق بالشكل الذي ذكر - شروطًا منها: أن يُدخَّن حال الكتابة بتدخين مناسب للعمل من البخور، ولن نلج هذا الباب من معرفة ما يناسب كل عمل من تدخينات، لكن نذكر من التدخينات إجمالاً: لِبان ذكر جاوي، زعفران، مستكي، حلتيت، كُنْدُر، عوسج، زرنيخ، كافور، إلى آخر الدُّخن التي تناسب العمل المراد، بحسب الزمن (الليلة) التي كتب فيها الوفق، وحال الكوكب السيار من الكواكب السبعة التي يقدسونها. هذا، أخي القارئ، ما تَحْسُن معرفتُه من قبح عمل هؤلاء القوم، الذين _________ (1) طريقة الجُمّل، أو حساب الأبجد، هي اسم لحساب مخصوص، وذلك أنهم عيّنوا من حروف: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ، وهي جامعة - كما لا يخفى - جميع حروف الهجاء، جعلوا من الألف إلى الطاء المهملة أي غير المنقوطة للآحاد التسعة المتوالية، ومن الياء المثناة أي بنقطتين إلى الصاد للعشرات، ومن القاف إلى الظاء المعجمة أي المنقوطة، لآحاد المئات التسع، وعيّنوا الغين المعجمة للأَلْف. فيكون الترتيب كالتالي: ... أب ج د هـ وز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ... 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 20 30 40 50 60 70 80 90 ... ق ر ش ت ث خ ذ ض ظ غ ... 100 200 300 400 500 600 700 800 900 1000 ... انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون، للعلاّمة التهانوي (الحساب) ص 663. ... هذا وإن لحساب الجُمّل، طرقًا أخرى، فما ذكر سابقًا يسمى الجمّل الكبير، أما الصغير فكل حرف من هذه الحروف يقابله رقم بالترتيب من (1) إلى (28) ، وهناك طريقة التهجي، وذلك بأن يبسط الحرف كما ينطق باللسان، ثم يستنطق بالأعداد مثلاً حرف - أ - يبسط ألف، ثم يستنطق بالأعداد بعد بسطه، فيكون = الرقم 111، وباء = 3 وج = 53، وهكذا. وهذه الطرق جميعها هي طرق حسابية استخدمها العرب، وليست مذمومة لذاتها، لكن استعمالها بما سبق تفصيله في أوفاق باعتقاد تأثيرها، هو ما يُذَمُّ؛ وذلك لدخوله في عموم السحر، والله أعلم.

(1/146)


اتخذوا أرقامًا وحروفًا وكواكب أربابًا من دون الله، فضَلُّوا وأَضَلُّوا. وخلاصة القول أن كتابة الأوفاق بالحروف أو بالأرقام التي تناسبها، بقصد التأثير بها على شخص بعينه، والاعتقاد بتأثيرها، إنما هو ضرب من ضروب السحر الحقيقي، وبخاصة إذا عرفت أنهم يزيدون حولها توكيلاً لجانّ أو لملك قاهر، يدّعون أنهم خُدّام لهذه الحروف ولتلك الأعداد!! 2- الطوالق (1) السليمانية؛ إن كثيرًا من الحروز والأحجبة الشركية تحفل بذكر هذه الطوالق،: والمقصود بهم، اثنا عشر رجلاً من رجال الجن، يزعم المعتقدون بهم أنهم ممن دخل على سيِّدنا سليمانَ رسولِ الله عليه السلام، وقد سيطر بهم - بزعم هؤلاء - على جميع قبائل الجن، ويقصّون في ذلك عجبًا من أن كل طَوْلق من هؤلاء لما دخل حاوره سليمان النبيُّ عليه السلام طالبًا اسمه وفِعاله ومسكنه، فأعلمه ذلك الجنيُّ بعظيم قدرته على التأثير بأبناء آدم، فاستفسر النبيُّ سليمان عليه السلام عن دواء ذلك، فدلّه الطولق على أمور منها: أدوية يدهن بها، وأحجبة تعلق على الصدور، وتعاويذ حوت طلسمات واستغاثات شركية، كتبت مجاورة لآيات قرآنية وأدعية نبوية!! مع معرفة هؤلاء الطوالق الاثني عشر بطالع الشخص (2) الذي لهم سيطرة عليه، فمنهم - مثلاً - الطولق صفصف بن مروان الذي يؤثر بمن كان طالعه الأسد والشمس، ودقعش ذاك الذي يؤثر بمن طالعه السنبلة وعطارد، هكذا وكأن هؤلاء الطوالق موكلين بخلق الله، ولا نجاة لهذا الخلق إلا بتعلم ما تعلمه سليمان عليه السلام - بزعمهم - من هؤلاء، فاعجبْ لمن يصنع حجابًا حوى مثل ذلك، وازدد في العجب لمن يقصده أو يصدقه أو يعلق ذلك _________ (1) انظر: في ذلك الطوالق السليمانية، - من غير ذكر اسم مؤلِّفٍ - من منشورات دار الفنون، بيروت. (2) الطالع: جزء من منطقة البروج الاثني عشر، يكون على الأفق الشرقي في وقت مخصوص. فإن كان ذلك الوقت زمان ولادة شخصٍ ما يقال له طالع ذلك الشخص. انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون للعلاّمة التهانوي (2/1139) .

(1/147)


الحجاب. وللمعرفة وحسب سأسرد أسماء هذه الطوالق المزعومة، علمًا أن كتبًا كاملة ألفت في شرح هذه القصة الخرافة المدسوسة على تأريخ بني إسرائيل، ومن ثم نُحِلت زورًا وبهتانًا على نبي الله سليمان عليه السلام. ثم إن أصحاب هذه الكتب يَدْعون - بكل صفاقةٍ - أمَّةَ خاتم النبيِّين صلى الله عليه وسلم لتعتقد بها وتدعَ ما سواها!! أما الطوالق فهم بالترتيب الذي دخلوا فيه على سليمان عليه السلام- كما زعموا - كالآتي: 1- زوبعة. 2- ميمون. 3- جابر بن مروان. 4- ميمون بن زكية. 5- صفصف بن مروان (ويبدو أنه أخ شقيق لجابر!) . 6- دقعش. 7- زوبعة ابن مروان. (كذلك هو أخ لمن سبقاه على ما يظهر!) . 8- سهورا. 9- أبو البِشْر. 10- مكيل. 11- منذر. 12- شمت. أخي القارئ؛ لا ريب أنك قد استشفّيت مما سبق أن كتبة الحروز والأحجبة المحتوية لاستغاثات شركية بهؤلاء الطوالق، مع الاعتقاد بروحانية ما دلوا عليه من طوالع الكواكب، قد عملوا سحرًا حقيقيًا، حيث تتوكل شياطين الجن بإعمال ذلك وإيقاعه، أعاذنا الله والمسلمين من شر ذلك. 3- الدوائر الشركية: وهي مما تحويه عامّةُ الأحجبة (السحرية) أيضًا؛ وتلك الدوائر منها ما يسمونه الدائرة العظمى، وهي دائرة كتب عند محيطها آية الكرسي إلا أنهم حذفوا من أولها اسم الله تعالى، وادعوا أن ذلك - أي آية الكرسي من غير ذكر اسم الله في أولها - هي الاسم الأعظم!!، ومنها ما قُطّع مساحات كتب في وسطها آية قرآنية ومن حولها حروف كتبت بلغات غير عربية، مما يحوي شركًا غالبًا، ومنها دائرة جعل في وسطها اسمُ حامل الحجاب، ومن حولها أشكال يزعم هؤلاء أنها كانت منقوشة على خاتم نبيِّ الله سليمان عليه السلام، وهي أشكال أو خواتم سبعة، سيأتي رسمها قريبًا،

(1/148)


والحاصل أن تلك الدوائر مما يكاد لا يحصى محتواه (1) ، لذا فإن كل حجاب حوى دوائر فيها حروفًا وأعدادًا، وآيات قرآنية - وبخاصة آية الكرسي - قد كتبت معكوسة أو مزجت كلماتها بما هو من غيرها أو أدغمت فيها أسماء لله تعالى بأسماء لا يُعلَم معناها، أو حوت أشكالاً لا يُدرك المراد منها كنجوم وخطوط، فإن ذلك جميعه علامات دالة على أن هذا الحجاب شركي، قصد به أذى حامله، واسترضاء كاتبه لشيطانه، بإشاعته الشرك بين العباد، وصرفهم عن الاستغاثة برب العباد. 4- الأشكال السبعة (2) ، ولا يكاد يخلو حجاب أو أي عمل سحري منها وهي المسماة عندهم - الخواتم السبعة، أو الأحرف السبعة يجعلونها في أوفاق أو دوائر، وهي حروف ذكر أن عليًا رضي الله عنه وجدها على صخرة منقوشة فأخبر أنها اسم الله الأعظم، وفسّرها بهذه الأبيات - وهي قصيدة أبياتها ستون - جاء فيها: ثلاثُ عِصِيٍّ صُفِّفَتْ بعد خاتِم ... على رأسها مثلَ السِّنان المقوَّم وميمٌ طميسٌ أبترُ، ثم سُلَّمٌ ... إلى كل مأمول وليس بسُلّم وأربعةٌ شِبْه الأنامل صُفِّفت ... تشير إلى الخيرات من غير معصَمِ _________ (1) من شاء الاطلاع على رسوم بعض هذه الدوائر، فدونه ما سمي: منبع أصول الحكمة للبوني (ص103، 107) ، وليطّلع على المصنف المسمى: اسم الله الأعظم، لعبد الفتاح الطوخي. فقد حوى الكتابان على الغثِّ الكثير منها. (2) انظر: في ذلك - إن شئت - منبع أصول الحكمة للبوني ص 100، وقد ذكرها ضمن ما يسمى الدعوة الجَلْجُوتية، وهي ستون بيتًا، سيأتي ذكرٌ مفصل لها مع غيرها من الدعوات - إن شاء الله - في المبحث التالي.

(1/149)


وهاءٌ شقيقٌ ثم واوٌ مقوّسٌ ... كأنبوب حجّامٍ وليس بمِحْجَم فهذا هو الاسم المعظّم قدرُه ... فإن كنت لم تعلمه من قبل فاعلمِ وقد رسمها أهلها هكذا:.... ........ فإذا ما رأيتَها في حجاب أو نُقِشت على أسورةٍ، أو كانت في وَفْقٍ أو دائرة أو مثلث، فاعلم - رحمك الله - أن هذا من عمل السحرة، ذلك أن هذه الأشكال لا يُدرى معناها يقينًا، وقد تكون عزيمة شركية أو توكيلاً شيطانيًا، أو طلسمات شركية تكتب في الأحجبة السحرية، فالحِذْر الحِذْر من اعتقاد كونها اسم الله الأعظم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. 5- الطِّلَّسْمات؛ وهي كذلك من أشهر ما تحويه الأحجبة، ويكاد لا يخلو حجاب منها، وهي - كما سبق - خطوط مجهولة المعاني، وكلام معجم لا يُدرى تفسيره [وقيل معنى الطلسم: عَقْد لا ينحلّ، وقيل: هو مقلوب اسمه، أي: مسلط، لأنه من جواهر القهر والتسلط] (1) ، والذي يعنينا من ذكر الطلسم هنا أن تلك المصنفات المشبوهة قد حوت فيما حوته على رسوم لطلاسم، ترسمها، وتحث على كتابتها، لأعمال هي غاية في الضرر، ثم يدعي مصنفوها بعد ذلك أنهم إنما دلوا على ذلك من أجل أن يكتب هذا الحجاب لمُستحِقِّه، وينزِّهون أنفسهم عن قصد الظلم ويَدْعون الله - بعد تعليمها والحث على كتابتها - أن يرزقهم النجاح والفلاح!! والحاصل أن هذه الخطوط ليس مستحيلاً فك قراءتها، حيث إنها تكتب بحروف أقلام تسمى روحانية (2) ، _________ (1) انظر: موسوعة مصطلحات مفتاح السعادة، لطاش كبرى زاده (علم الطلسمات) ، ص 526. (2) أوصل بعض أهل هذه الطلاسم عددَ الأقلام الروحانية إلى تسعين قلمًا، من أهمها: القلم الداودي، والقلم المشجر الهندي، وقلم السروك، والقلم اليوناني، وقلم هرمس الحكيم، وقلم هرمز الفارسي، وغيرها. ولكل من هذه الأقلام ترتيبان، فمنها ما رتب على (أبتث) ، ... ومنها ما رتب على ترتيب (أبجد) . يكتب السحرة بها طلاسمهم المحتوية غالبًا على شرك، ولا يستطيع فك قراءتها إلا من تعلم هذه الأقلام جميعها. انظر: بعض رسم حروف هذه الأقلام في كتاب: الخزائن لأحمد النّراقي، بتعليق حسن زاده الآملي ص 316 وما بعدها. ... ملحوظة: قد يكتب أهل الطلاسم، طلسمًا حرفيًا يخلطون فيه حروفًا من أقلام متعددة، وبترتيبين مختلفين (أبجد وأبتث) ، فيلزم عندها لقراءته المعرفة بالأقلام التسعين جميعًا، كأن تكون هذه الأقلام التسعون مكتوبة في صحيفة كبيرة واحدة ليتسنى فك ذلك الطلسم. وهاك أخي القارئ مصوّرًا لأربعة من هذه الأقلام المزعومة، لتتبين صورة حروف الطلسمات، ولتعلم إذا صادفتها أو ما شاكلها في ورقة أنها قد حوت عملاً سحريًا، أعاذنا الله والمؤمنين والمؤمنات من شر ذلك.

(1/150)


تكون معروفة عند أهلها؛ فهي طلاسم لمن لا يعرف هذه الأقلام وهي حروف لها أشكال محددة، تقابل الحروف العربية؛ يتألف منها كلام يقرؤه أهله كما يقرأ أحدنا حروف لغة يعرفها، وكلما ازداد الساحر معرفة برموز الأقلام الروحانية كان عندها أقدر على كتابة أعمال سحرية مطلسمة، كما أنه يكون متمرسًا في فك عبارات تلك الطلسمات. 6- ما يدّعون أنه الاسم الأعظم: تحوي بعض الحروز على ألفاظ أو أشكال رمزية ادعى أهل الأسرار المخفية أنها اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ثم هم قد اختلفوا في تحديده على ثلاثة مدَّعَيَات، وذلك تبعًا لطرائقهم العجيبة في استخراجه، وخلاصة ذلك عندهم أن الاسم الأعظم قد يكون هو: أَهَمْ كَسَقْ حَلَعْ يَصْ!!! (1) أو أَهْيَا شَرَاهْيَا أَدُونَايْ أَصْبَاوُتْ آلْ شْدَايْ!! أو هو المرموز إليه بالأشكال السبعة السابقة (2) . ولنر ما تأويل هذه الألفاظ المشكلة عندهم: - أما (أهم كسق حلعْ يص) فهي أحد عشر حرفًا؛ فالألف منها ترمز لاسم الله، والهاء: لاسم الهادي، والميم: لاسم المالك، والكاف: لاسم الكافي، والسين: لاسم السلام، والقاف: لاسم القهار، والحاء: لاسم الحليم، واللام: لاسم اللطيف، والعين: لاسم العليم، والياء: لاسم [يمين _________ (1) انظر: اسم الله الأعظم لعبد الفتاح الطوخي ص 28، ولا شك أنك تلحظ أن الحروف المختارة مطابقة لفواتح بعض السور لكن بترتيب مختلف {كهيعص - حم - حمعسق ألم} ، وهو أمر قصده هؤلاء إرضاءً لشياطينهم، والعياذ بالله. (2) قد تضارب هؤلاء - ومنهم البوني - في تحديد هذا الاسم الأعظم في مصنفاته، فتراه يذكر تارة أنه الأشكال السبعة، وأخرى أنه أهم كسق حلع يص، وتراه ينص أحيانًا عليه بقوله: [وهذا هو الاسم الشريف: اللهم إني أسألك كحع كهكجع كهيج ملهيج مكهيج يسعطاط تلبحد مهلهاه سهلمي وروره ياهو هو كباسعيد سرطعه طهطيال مهطيوله، وهو اسمك العظيم الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت ... ] . فانظر - رحمك الله - مدى جرأة هؤلاء وصفاقتهم على أسماء الله تعالى، حتى جاؤوا بهذه الألفاظ المعجمة ليجعلوها اسم الله الأعظم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. انظر: شمس المعارف للبوني (1/38) ومنبع أصول الحكمة له ص 143.

(1/152)


اليمين] (1) ، والصاد: لاسم الصمد. - وأما: أهيا شراهيا أدوناي أصباوت آل شداي، فهي ألفاظ بالعبرانية، أبقوها كذلك لئلا يعرفها أحد!! وقيل معناها: يا قديم يا دائم يا أحد يا واحد يا صمد. لكنهم فيما يكتبون من دوائر في أحجبتهم يُصِرُّون على إثباتها بالعبرانية، ثم هم يُتبِعونها بلفظ استحضار الجن وتسخيرهم بقولهم: الوَحَا الوَحَا، العَجَل العَجَل، الساعةَ الساعة. كما يكتبون حولها آيات قرآنية، متبعةً بنص استحضارٍ واضح لخُدّام الأسماء الحسنى، وإقسام عليهم بالإجابة، فهل يكون بعد الاستعانة الصريحة بالجن مكان للطلب باسم الله الأعظم!! (2) - وأما الرموز في الأشكال السبعة - وقد سبق رسم لها - التي يزعم زاعمهم أنها نقشت على خاتم سليمان عليه السلام، بل هي منقوشة عند باب الكعبة (3) ، والواقع يكذب زعمهم، وشرح هذه الأشكال عندهم: [أن الله تعالى يقول: أنا الله الواحد الأحد الملك الحي، أنا الله يسبح لي الظلال والفي، أنا الله الصانع لا يدركني الفي، أنا الله الذي ليس كمثله شي، أنا السميع البصير خالق كل حي] (4) . ولنا هنا أسئلة بدهية متعلقة بتفسيرهم لهذه الأشكال؛ من ذلك: كيف استدل هؤلاء من هذه الأشكال على هذه العبارات؟! وما الفرق بين الظلال والفي؟ أليس من الأَوْلى أن تكون: الحَرور والفي؟ ثم ما معنى: لا يدركني الفي، وصفةُ مَنْ هذه؟! وكيف يكون الخلق للأحياء، ماداموا أحياءً؟! - والخلق كما تقرر هو إيجادٌ _________ (1) لا يخفى أن [يمين اليمين] ، ليس من أسماء الله تعالى، فالأسماء الحسنى تعلم بالتوقيف، لا بالاجتهاد. ومعنى يمين اليمين، أي كثير الخير والإنفاق. (2) انظر: الدائرة التي أثبتها البوني في مصنفه شمس المعارف ص 38. (3) كما ذكر البوني في منبع أصول الحكمة ص 173. (4) انظر: مجربات الدَّيْربي بتحقيق محسن عقيل، ص 171 وانظر: الاسم الأعظم للمولى. د. حسن قريب الله. ص 105.

(1/153)


من عدم - ثم هل إن الخلق مقتصر على الحياة، أم أن الله تعالى خالق كل شيء؟! خلق الموت والحياة، والجماد والنبات، والأرض بما فيها والسموات بما فيها، والكرسي والعرش. [الزّخرُف] {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ *} . هذا، وقد وردت تفسيرات لهذه الأشكال لا إسناد لها يعتد به، فهي ضروب من التخرص في تأويل ذلك، ومنها أن الخاتم ذا الأركان خمسة، يشير إلى التطواف بأركان الملكوت. وأن الألِفات الثلاثة ترمز إلى الجمع لمعنى الشفع والوتر، والألف الممدود فوقها دل على كمال القهر والغلبة، والألفات الأربع لكل ذي قوائم أربع، والميم المنطمسة دلت على انطماسها بمداد العُبَّاد والعلماء والزُّهاد، والسُّلَّم يعني معراج السموات السبع الطباق، والهاء المقوسة تدل على إحاطة العلم والأمر. وثمة تأويلات أخرى نضرب صفحًا عن ذكرها، ولا ندخل في اختلافات أهلها بها فقد صرح كبيرهم البوني في منبع أصول الحكمة بما نصه (1) : وأما الأحرف السبعة التي هي.............. فاختلف الحكماء في معانيها على أقوال كثيرة، والحق أنها من غوامض الأسرار التي لا ينبغي التصريح بها حتى يكشفه الله تعالى للطالب إلهامًا أو منامًا!! فلينتظر منتظرهم كشفًا أعظم بإلهام أو بمنام، ونحن ننتظر رحمة الله باتباع رسوله خير الأنام صلى الله عليه وسلم. أخي القارئ، أكتفي بهذه النماذج التي هي أُمَّات ما قد تجده في كثير من الأحجبة، وأضرب صفحًا بعدها عن تفصيل لما يسمى حروزًا وختومًا تعددت عند أهلها؛ منها ما تعلق بالأسماء الحسنى فجعلوا لكل اسم حرزًا حوى وفقًا بحروفه وأعداده وقد توكل به - بزعمهم - مَلَك عُلْوي وملك سُفْلي، ومن حمل هذا الوفق استُحسِن له القيام برياضات روحية مضنية من صيام وخلوة وتكرار قول الاسم مئات المرات في أوقات عينوها له، ما أنزل الله بذلك من سلطان، كما جعلوا حروزًا مختصة بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، _________ (1) انظر: ص 101 من المصنَّف المذكور.

(1/154)


وآخر مختص بفاطمة الزهراء رضي الله عنها، وكذلك فإن لديهم لكلٍّ من الأئمة الاثني عشر (1) حجابًا مختصًا به، وعُوَذًا وهياكل سبعة، مما لا يتسع المقام لذكره، وقد لا يمكن حصره (2) . المبحث الثاني: في التحذير من مصنفات حوت هذه العلوم: ولنشرع بعدها في ذكر بعض المصنفات المسماة روحانية، ولسان حالها ناطق بأنها إنما جعلت من أجل تعليم ممارسة السحر بطرق متنوعة، ونحن نذكر تلك المصنفات كيما يحذر القارئ من اقتنائها مغترًا بزخرف جمال مظهرها المخالف لقبح مخبرها، ومن هذه الكتب: 1- شمس المعارف ولطائف العوارف، المشتهر بشمس المعارف الكبرى، لمؤلفه أحمد بن علي البُوْني، وهو من أكثر الكتب المتعلقة بطريق التنجيم، بل والأمرِ بعمله - لكن لمستحقه بزعمه -، فهو يحدد ساعات فلكيةً تصلح لأعمال الشر، ويُصرِّح فيه بمُعتقَده بتقديس الكواكب السبع السيارة، ومن قوله في ذلك: (وقوى هذه السبع الدراري مأخوذة من قوى التقطعيات الباطنة، وهي: لا إله إلا الله؛ فهذه مستمدة من هذه العلويات الأقدسيات) (3) . كما حوى الكتاب أوفاقًا، وقرر أن لها تأثيرًا عظيمًا في كل ما يريده كاتبها، وهو يفعل بها ما يشاء، ووضع شروطًا لصحة كتابة كل وفق _________ (1) الأئمة الاثني عشر هم الذين يعتقد الرافضة عصمتهم ووجوب اتباعهم، وهم على الترتيب، الأئمة: 1- علي رضي الله عنه. 2- الحسن بن علي. 3- الحسين بن علي. 4- علي بن الحسين (زين العابدين) . 5- محمد بن علي (الباقر) . 6- جعفر بن محمد (الصادق) . 7- موسى بن جعفر (الكاظم) 8- علي بن موسى (الرضا) . 9- محمد بن علي (الجواد) . 10- علي بن محمد (الهادي) . 11- الحسن بن علي (العسكري) ، 12- محمد بن الحسن (المهدي) . وهم أئمة أهل البيت المطهَّرين رحمهم الله تعالى، وكانوا قدوة في التمسك بالحق والتواصي به والدعوة إليه. فانظر - رحمك الله - ما نسب إليهم زورًا وبهتانًا [النُّور: 16] {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} . (2) انظر: غياث المستغيثين لمحمد آل طعمه، ص 315، وما بعدها. وانظر: الكشوف في الإعجاز القرآني وعلم الحروف لرضوان فقيه، ص260 وما بعدها. (3) انظر: (1/14) من المصنف المذكور.

(1/155)


منها، وحاصل ذلك أن تكون الأعمال مرتبة في أوقات محددة موافقة لسعود الكواكب أو نحوسها، وادعى فيه معرفته بالأسماء التي كان عيسى عليه السلام يحيي بها الموتى بإذن الله! كما ادعى فيه معرفة الاسم الأعظم وجعل أوفاقًا لكلٍّ من الأسماء الحسنى، وأوفاقًا للحروف من فواتح السور، وأوفاقًا تعمل لما يخطر ببالك وما لا يخطر من قضاء حاجات، حتى استنطاق ما في القلوب، وحَجْب الأبصار، وعَقْد الألسنة، ورؤية الأرواح من غير حجاب! وأعمالاً لتفريق المجتمعين، ولتهييج المحبة (التِّوَلة) ، وهذه مما اتُّفِق على كونه من أعمال السحر، كما حوى ذكر أعمال السحر الخاصة بحقائق الموجودات، والعقاقير والتدخينات، وغير ذلك الكثير مما يُنبي عن مَشْرب صاحب الكتاب في تعليم السحر وإيهام القارئ بالقدرة غير المتناهية للأعمال السحرية من استحضار الجن والملائكة والطلب منهم، فينصرف بعدها عن الطلب من الله تعالى، ويفني عمره في تعلم رياضات السحر، وأعماله. هذا، وإن خطر الكتاب لجسيم، لكونه من أكثر الكتب رواجًا في هذا الباب، ولأن كاتبه يدس في ثنايا كتابه السُّمَّ في الدَّسَم، فبينا يتقبل القارئ مبدأ فضل الأسماء الحسنى ووجوب دعاء الله بها، إذا به يجعل لها أوفاقًا حرفية وعددية، ويصاحب كتابتَها تقربٌّ إلى الكواكب السبع بكتابتها في طالعٍ سعيد، مع استدعاء خادم كل اسم من الملائكة بزعمه، فهيطال مثلاً خادم اسمه تعالى (الحي) (1) ، وتفصيل الأمر فيما حواه هذا المصنف لا يحسن في هذا المقام، لكنِ القصدُ التحذير منه وعدم الاغترار بثناء كثير من الناس عليه، وقد كان أول من أثنى عليه - بما هو ليس أهله - صاحبُه، حيث قال في ختام كتابه ما نصه: [واعلم أن كتابي هذا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... فإن كنت تنكره أو تلقيه فللبيت رب يحميه، ... فيا حسرتا على من كان في نهار غفلته مفرطًا، وعن رفقته ذوي المعارف مثبَّطًا، لقد بان _________ (1) انظر: (4/95) من المصنف المذكور.

(1/156)


خسرانه عند إرباح العالمين ونُسِخ اسمه من لوح المقربين ... ] . انظر - رحمني الله وإياك - هل بعد هذه العبارات من تجرؤ على دين الله؟! فكتاب البوني موصوف عنده بوصف القرآن العظيم، ومعظَّم لديه تعظيمَ بيت الله العتيق، ومن لا يقرّ بذلك يتولى البوني الحكم عليه بنفسه يوم الدين بالخسران المبين، ونسخ اسمه من لوح الأبرار في علّيين!!! كما وطرده من ملأ المقربين!! 2- منبع أصول الحكمة، للبوني نفسه، وهو مختصر مشابه في كثير من محتواه لسابقه، لكن البونيَّ ضمَّنه شرحين لدعوتين اشتُهرتا بين أهل هذه الأسرار؛ الأولى بمسمّى (الدعوة البِرْهَتِيَّة) ، والثانية المدعوّة (الدعوة الجلجوتية الكبرى) ، أما الأولى فهي - بزعمه [قسم عظيم لا يتخلف عنه ملك ولا يعصيه جن ولا عفريت ولا مارد ولا شيطان، وهي تغني عن جميع ما عداها من العزائم والأقسام وتتصرف في جميع الأعمال من استنزال أملاك واستحضار أعوان وجلبٍ ودفع وصرع وقهر وإخفاء وإظهار، وغير ذلك من كل ما يريده الإنسان من خير أو شر] (1) . والبرهتية نسبة إلى بِرْهَتِيْهٍ بالعِبْريّة ومعناه - بزعمهم - بالعربية قُدُّوس أو سُبُّوح، وهي قصيدة حوت ثمانية وعشرين اسمًا من الأسماء المعجمة ادَّعَوا أنها أسماء الله تعالى، وهي غريبة في لفظها غاية الغرابة، وهي - في حقيقتها من العهود والاستحضارات الشيطانية، والتوكيلات السفلية، والاستغاثات الشركية، كما هو مصرح به في كيفية القسم بهذه الأسماء (2) . أما الدعوة الثانية، فهي المسماة بالجلجوتية الكبرى، وقد ذكر لها طريقتين صغرى وكبرى، فكانت الصغرى قصيدة بستين بيتًا حوت وصف الأشكال السبعة التي سبق بيانها، وكانت الكبرى في أربعة وستين وثلاثمائة _________ (1) انظر: ص 69، من المصنَّف المذكور. (2) هذا مصوّر من «منبع أصول الحكمة» يدلك أخي القارئ على مدى الإغراب والعجمة في هذه الأسماء، مع خلطها باستحضار، واستغاثات، ونسبة ذلك كلِّه إلى نبيِّ الله سليمان عليه السلام، فإن لم يكن ذلك من اتباع ما تتقوله الشياطين وتكذب به على ملك سليمان، فما هو إذًا؟! =

(1/157)


بيتًا، وقد سماها مباركة مع كونها حوت بنص قوله إعمالاً للسحر، ففيها: وبالطلسمات الساحرات وسحرِها سحرت عيون العالمين بما حوت طلاسم أسماء وسحر طلاسم سحرت بها كل العيون فأسحرت كما أن القصيدة حوت استغاثة بمخلوقات، ومن ذلك قوله: بعزة خُوطير له المجد والثنا ويا قَلْنَهُودٍ قاهرَ الجن إذ عصَتْ بسطوة بَرْشانٍ قوي وقاهر له الملك والأملاك جمعًا تواضعَتْ ويا كَظُهَير، يا إلهي بجاهه بعز نَمو شَلَخٍ به السعد أقبلَتْ ويا فَزْمَز أسرع بنَجْج مقاصدي بقزٍّ بمزٍّ فالملوك تسارعَتْ إلى ما هنالك من طامات أطّت بها القصيدة وحُقّ لها أن تئطَّ، فما نوعُ شركٍ إلا وله قد حَوَتْ!! مع هذا كله، فإن البوني يبارك هذه القصيدة، ويذكر أن خواصها لا تحصى وتصاريفها لا تستقصى!! ثم يأمر طالبَ السحر بقراءة هذه الدعوة - وهي 360 بيتًا كما سبق - سبع مرات، وأحيانًا ثمان وعشرين مرة في جلسة واحدة، لا يفصل بينها سوى تأدية الفرائض من الصلاة!! ونحن نقول لهؤلاء: أما كان كتاب الله تعالى هو الأحق بالتلاوة والحفظ والتدبر من جلجوتيتكم هذه؟! أما كانت أسماء الله الحسنى أحق بأن يدعى بها من هذه الألفاظ المعجمة التي في بِرْهتيتكم تلك؟! فيا من اقتنى مثل هذه الكتب هلاّ بادرت إلى إتلافها، فإن العمر فرصة ثمينة لإعماره بطاعة الله تعالى، وهو

(1/159)


القائل سبحانه: [البَقَرَة: 186] {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ *} ، وإن التلفّت لمثل هذا السراب، أو السعي في ولوج هذا الباب، مضيعة للأعمار مجلبة للدمار، أعاذنا الله والمسلمين من ذلك. 3- مصنفات عبد الفتاح الطوخي: أغرق هذا الرجل أسواق المكتبات العامَّة، بل أرصفة المارَّة - ردهة من الزمن - بطوفان من تصانيفه التي ما تركت سبيلاً إلى إفساد عقول الناشئة بخاصة والناس بعامة إلا سلكته، وقد هالني حقًا هذا الكمُّ الهائل من هذه الكتب، وقد بلغت عندي نيفًا وخمسين كتابًا، لن أعمد في هذا المقام إلى سرد أسمائها فإن شأنها عندي أهون من ذلك بكثير، لكنْ سأذكر واحدًا منها هو دالٌّ بمضمونه على منهج التأليف والقصد منه، وذلك ضنًّا مني بوقت القارئ من الانشغال بمثل ذلك. أ - البداية والنهاية في علوم الحرف والأوفاق والأرصاد والروحاني: هذا كتاب وضعه مؤلفه بجزءين جمع فيهما ستة ومائة مما سماه دروسًا قدّم لها بدعوى تعظيم الله لأمر السحر من دون سائر الموجودات، واحتج بقوله تعالى: [الأعرَاف: 116] {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} ، ألم يقرأ الطوخي قوله تعالى في توعد الله تعالى الكفرة بتعذيبهم في الآخرة وتعظيم ذلك بقوله سبحانه: [البَقَرَة: 7] {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} . وقولَه تعالى في وصف سوء العذاب على بني إسرائيل بأنه بلاء عظيم: [البَقَرَة: 49] {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ *} . وقولَه تعالى في توعُّد المنافقين المحادِّين لله ورسوله بخزي عظيم: [التّوبَة: 63] {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ *} .

(1/160)


ألم يدرك الطوخي - وهو من بزّ أقرانه وسبق سابقيه وأعجز لاحقيه عن مقاربته، فضلاً عن اللحاق به أو التفوق عليه - أن الوصف تابع للموصوف، فقُبح السحر جرّ إلى وصف التعظيم للسحر مبالغة في تقبيح شأنه وأمر أهله، لا للثناء عليه كما توهّم صاحب المصنفات الخمسين. وإني قد سقت هذا الرد عليه قاصدًا أن لا يغترّ القارئ بكثرة المصنفات والعبقرية الحسابية الفذة، التي تظهر في أشكال جداول هذه الكتب، وإنما جميع ذلك هو من واسع المعرفة بعلوم الشر، ويحضرني هنا قول الشاعر: إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهادُه ولنعد بعدها إلى ذكر شيء مما حواه كتابه «البداية والنهاية» ، فمن ذلك: - ... اعتقاد أن الحروف تتبع عناصر الموجودات، فمنها نارية وترابية وهوائية ومائية (1) . - ... اعتقاد أن لكل عدد خواص وأسرار، وأن بعضها يتحابُّ وبعضها يتنافر (2) . - ... اعتقاد تقسيم جهات العالم بحسب كلمات أبجد هوز، وأنها منقوشة كذلك عند العرش، لكنها نُقِشت نقشًا معنويًا لا ماديًا، ولا يعقلها إلا العالِمون (3) ! - ... يدل في كتابه على أمور تستعمل كلها في أعمال السحر: منها الأوفاق، حيث يفصّل في صفة تخطيطها من المثلث منها إلى المعشر، ومنها الأرصاد مع شروط كتابة ذلك من إطلاق بخور كوكب الساعة، والكتابة على معدن مناسب لعنصر الكوكب، في مكان خال عن الناس _________ (1) انظر: "البداية والنهاية" للطوخي (1/38) . (2) انظر: المرجع السابق (1/206) . (3) انظر: كذلك "البداية والنهاية" للطوخي (1/119) .

(1/161)


والحيوانات، وبرسم شعباذ (1) يمثل هيئة العمل المراد من تباغض أو تنافر، وصورة الكتابة في الخير في الوفق، كما صورة الكتابة في الشر (2) . ومما دل عليه الكتاب أيضًا في جزئه الثاني: مظاهر الكواكب واتصالاتها وما تدل عليه، واعتقاده وجوب اتباع الناس لهيئات الكواكب، فيقول: حيثما رأيت السُّعود فقُلِ الخيرَ، وحيثما رأيت النُّحوس فقل الشر! ... والسعود فاضلة كريمة، والنحوس جاهلة لئيمة، والسعد يعطي، والنحس يسترجع (3) ! ويعتقد الطوخي بتحكم الطوالع بمصير الإنسان، فيقول: ومن كان له المريخ والزُّهرة في السادس - أي في الطالع السادس عند مولده -: كان طبيبًا حاذقًا في الطب، ومن كان عطارد راجعًا في مولده والزهرة تتلقاه بنورها كان غنيًا محسنًا، ومن كان عطارد في مولده في الثاني عشر من الطالع كان ذكيًا حليمًا عليمًا، كما أن الزهرة - باعتقاده - تَحُلّ ما يعقده المرّيخ والمشتري يحلّ ما يعقده زحل، فما أعظم قوة الزهرة إذا كان في الربع الشرقي، وإن كانت في الجنوب دلت على عطايا جزيلة، كذلك إن كان المشتري في الشمال (4) !! ثم يستخرج بعدها أسماء الملوك العلوية والملوك الأرضية (خدام الأيام والليالي) ، حيث يرفض ما قرره غيره من أن ملك يوم الأحد مُذْهَب، ومن بعده الاثنين مُرّة ثم الأحمر وبرقان وشمهورش والأبيض وميمون، ويذهب إلى طريقة في الاستخراج ليكون اسم الملك مخالفًا لما تقرر عندهم فيكون عينيائيل مثلاً أو شحنمنيائيل!! ولو ذهبنا نتتبع ما في هذا الكتاب لطال بنا المقال، لكن ما سبق قد دل بوضوح على مدى إغراق الرجل في تعليم صنوف السحر _________ (1) الشِّعْباذ: ما كان في السحر من تصوير الصورة على هيئة المسحور، والعياذ بالله. (2) انظر: "البداية والنهاية" للطوخي (1/170) . (3) انظر: المرجع السابق (2/34-36) . (4) انظر: كذلك "البداية والنهاية" للطوخي (2/37) .

(1/162)


بالتنجيم والطلاسم والأوفاق، ولم يُخفِ ذلك في مطلع كتابه حيث قال: كتاب به جميع الطلاسم وحلُّ الرموز السحرية والروحانية، العُلْوية والسُّفْلية من عهد آدم عليه السلام حتى عهدنا الحاضر، جمعنا فيه السحر القديم والحديث من سحرة الفراعنة، وسحرة الهنود، وسحرة المغاربة، وسحرة السودان، والسحرة المصريين والأجانب في جميع العصور والأزمان، ثم يقول بعد تعمُّده جَمْع هذه الموبقات: أسأل الله أن ينفع به المطيعين لله رب العالمين وأن يجازيني به خيرًا يوم الدين، إنه سميع مجيب الدعوات، آمين (1) ، وعلى هذا المنوال جميع مصنفاته الخمسين، فيها تعليم الاستحضار والتسخير والاستخراج، والدعوات الشركية، والتوكيلات الشيطانية، والسحر؛ الأحمر منه والأسود، وعلم الرمل، وعلم النّجامة، وطب الحروف، وضرب المندل، وأعمال: إرسال الهواتف والفرقة والطلاق، وعقد اللسان وسلب العقل والعقد عن الزواج، وغيرها مما يصعب حصره، وكأني به قد أوتي علم الأولين والآخرين، فلم تفته فائتة، ولم تند عنه واردة ولا شاردة إلا وغاص في مكنونها وعرفها كُنْه المعرفة!! 4- المصنف المسمى (فتح الملك المجيد المُؤلَّف لنفع العبيد، وقمعِ كلِّ جبارٍ عنيد) ، والمشتهر بمُجرّبات الدَّيْرَبي الكبير، لأحمد الدَّيْرَبي، وهو ستة وثلاثين بابًا في خواص الآيات والسور، وفي ذكر حجب مجرّبة تنفع - بزعمه - لكثير مما عجز عنه الطب الحديث، وفي رقى مشهورة النفع للحيات والعقارب، وطرد البق والبرغوث وجلب الحمام والسمك، وختامه شعوذة بحيل لإمساك النار وإدخال بيضة في قمقم، وإشعال النار في شمعة طين، ثم فيه فائدة للمقامرين ليتعرفوا على البيضة التي تكسر جميع البيض!! إلى آخر ما فيه من مجربات يحث عليها أهلها، _________ (1) انظر: "البداية والنهاية" للطوخي (2/2) .

(1/163)


والحق يقال: إن التساهل في أمر هذه المجربات قد فتح باب الفتنة على مصراعية لأعمال السحر، فقد احتج قوم بالتجريب لحصول المنفعة، فجرّوا على الأمة ما لا حصر له من المجرّباب، لكن الفيصل في ذلك - كما لا يخفى -[أن الأفعال إنما يثبت استحبابها واتخاذها دينًا، إذا وافقت كتاب الله تعالى وسنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى ذلك من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانًا على فوائد، لأن مفاسدها تكون راجحة على فوائدها] (1) . ولنعد بعدها إلى هذه المجربات والفوائد لنجد أن عامة ما ذكر فيها من خصائص الآيات والسور لم تصح، ثم إن التصرفات بها بكتابتها على هيئات مخصوصة، ككتابة في إناء زجاج ثم محوها بماء ورد، أو على شقفة طين نيئة لم تحرق، ثم سحق الطين، وخلطه مع تراب من مقبرة قديمة وتراب آخر من دار خربة، ثم رش ذلك في موضع دار عدوٍّ لخرابه يوم السبت، كل ذلك مما يُستشف منه نوع استهزاء بآيات الله تعالى، وإن لم يكن ذلك فالبدع المُضِلَّة، وإلا فهل تستعمل آيات القرآن من قوله تعالى: [هُود] {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ *مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ *} . هل يعقل أن تكون سببًا في إصابة امرئ بحمى، إن رسمت في قدر باسم شخص مع شيء من أثره، ويجعل القدر على نار حتى يغلي فالمعمول له تأخذه الحمى من حينه ووقته، هذا ما قاله الديربي فهل من نفعٍ يفوق هذا النفع من مجرباته؟! كما حوى كتابه تلك الأشكال السبعة - المذكورة آنفًا - وأنها مجربة النفع أيضًا، وهكذا فهو كتاب غلب عليه الدلالة على أعمال سحرية مجربة، لا شأن لها ألبتة بالرقى الشرعية أو بخصائص السور وفضائل _________ (1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ص 322.

(1/164)


الآيات، وعلم الطب والكيمياء، مما ادُّعي - زورًا - أن الكتاب قد حَفَل به. أخي القارئ، هذه نماذج لما قد يقع تحت يدك من أمثال هذه المصنفات المسماة روحانية، فاحذرها كل الحذر، ولا تغتر بعناوينها الطنانة وألفاظها الرنانة، ولا بثناءٍ عليها، فإن المؤمن كيّس فطن، واعلم - رحمك الله - أن الكتب من أمثالها قد بلغت مئات، كلها يسميها أهلها: علاجًا روحانيًا، وأسرارًا مكتومة مخفية، وكواكب درّية، وعلومًا لدنّية، ودعوات مباركات عليّة، ومجرّبات نافعة جليّة، وشموس أنوار، وكنوز أسرار، ومفاتيح غيبيّة، وطوالع فلكيّة، وقُرْعات (1) مباركات، وشموس معارف، ومنابع حكمة، _________ (1) المقصود بالقُرعة: ما يستخرج به الفأل، وما يستنطق به ما في الضمير، من نية مقصودة في فعل أمر أو تركه، وطريقتها - اختصارًا - أن يعمد أحدهم إلى صحيفة جهّزها أصحابها، حوت جدولاً على هيئة مستطيل حوى ستة عشر حرفًا في طوله، وعشرة في عرضه، وقد عُنوِنِ بطلب معين، نحو: عقد النكاح خير أم لا؟ هذه المرأة تتزوج أم لا؟ عاقبة هذا الأمر خير أم لا؟ وهكذا، ووضع بجانب الجدول خمس آيات كريمات، ثم يغمض مريد القرعة عينيه ويضع إصبعه السبابة على حرف، ثم يسير منه أربعة حروف فيحفظ هذا الحرف، ثم يسير منه أربعة حروف، فيحفظه وهكذا إلى أن يعود إلى حرفه الأول الذي اختاره مغمضًا عينيه، فيخرج - بزعمهم - من مجموع الحروف المأخوذة آية من الآيات الخمس التي كتبت على جانب هذه الصحيفة، ترشد بمضمونها المستخير بهذه القرعة على ما يجب عليه فعله من إقدام أو إحجام، أو خيرية لأمر أو عدمها، وهكذا. ... ومن أشهر هذه الصحائف ما ينسب - زورًا - إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ولابن العربي وغيرهما. انظر: قرعة الإمام جعفر الصادق. لعبد الفتاح الطوخي. وقرعة ابن العربي (مخطوط) . بعنوان: قرعة شريفة. ... هذا، وأنواع القرعة لا تقتصر على الاستخارة بالآيات القرآنية، فمنها أيضًا ما يسمونه: (قرعة الأنبياء) ، وحاصلها جدول مرسوم في بيوته أسماء الأنبياء وأسماء الطيور! الجدول فيه تراجم، لكل اسم ترجمة خاصة به، يُذكر فيها أمور من المنافع والمضارّ، يقال للشخص غمّض عينيك وضع إصبعك في الجدول؛ فإذا وضعها على اسم قرئت له ترجمته ليعتقد أنه يكون له ذلك المذكور منها، وقد عدّ العلماء القرعة من باب الاستقسام بالأزلام الذي كان في الجاهلية. انظر: أضواء البيان للعلاّمة محمد الأمين الشنقيطي (4/493) .

(1/165)


وأصولاً جَفْرية (1) ، وحروفًا نورانية، وطبًا روحانيًا وحكمة علية، وهي في حقيقتها أبعد ما تكون عن الروح والعلم والحكمة والبركة والنفع، بل هي متسمة بأضداد ذلك، وقد اتصف أهلها كذلك بالزيغ والإفساد فكانوا ممن ألقت شياطينهم إليهم زخرف القول غرورًا، وأزّتهم على الإضلال أزًّا، ومنّتهم بقدرة فائقة على التحكم بمصائر الناس، بطريق أوحت به إليهم: أنْ راقبوا أوضاع الأفلاك، وناسبوا ذلك بأحرف وأعداد، واستجلبوا روحانية تلك الكواكب وخدامها من الجن والأملاك، فإنهم يسبغون عليكم من سحائب فضلهم كما يغيثونكم بوابل بركتهم، إن أنتم استدعيتموهم بأبخرة يحبونها، وبإقسامات وعهود يلتزمونها، لا يستطيعون فكاكًا منها ولا تحويلاً عنها!! هكذا صدّق إبليس عليهم ظنه، فاستخفّ عقولهم وعلّق قلوبهم بسراب يحسبه الظمآن ماءً، فهم يسعون إليه بكليتهم، يتعلمون منه فنون السحر بمشقة بالغة، وبرياضات وخلوات قاهرة، ولو شاء شيطانهم لوفّر عليهم ذلك العناء المضني والتعلم المفني، فعاونهم _________ (1) علم الجَفر: علم يُبحث فيه عن الحروف من حيث هي بناء مستقل بالدلالة، ويُعرف من هذا العلم - بزعمهم - حوادثُ العالم إلى انقراضه، ويُنسب فيه إلى علي رضي الله عنه كتابان: الجفر والجامعة، قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم. انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للعلاّمة التهانوي (1/568) . ... هذا وقد توسع قوم في الخوض بهذا، ثم نسبوا كل ما بدا لهم إلى علي رضي الله عنه؛ وصنفوا في ذلك مصنفات حوت أوفاقًا وحروزًا، ودوائر سمَّوها عروش الحروف وأبراج النجوم وحروفها وأملاكها وجداول تضمنت منازل القمر، حتى إنهم وصلوا إلى استنطاق جداول الحروف لمعرفة الغيب، مما هو من عمل المنجمين السحرة، وقد ادعوا أن ذلك كله من القواعد الجفرية، وقد عظموا شأن هذه القواعد حتى قال قائلهم: من علم هذه القواعد الجفرية لم تخف عليه ذرة من الوجود! ومن كتب الجفر وحمله معه أطاعته جميع المخلوقات ولم يعاده أحد، ومن عاداه انقاد له، ومن صحبه في سفر حصل مراده. ... انظر: «الكواكب الدرية في الأصول الجفرية» لعثمان العمري، وانظر: كذلك: «قواعد الجفر» لحسن الأخلاطي.

(1/166)


ابتداءً، لكنه - نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن - قصد إذلالهم، فاستعبدهم وأراق ماء وجوههم، كما أخسرهم إيمانهم، فخسروا باتباعه دنياهم مع أخراهم. أعاذنا الله من شر الشيطان وشِرْكه وشَرَكه، ومن شر أتباعه وفجورهم، وردَّ كيدَهم في نحورهم، وحفظ على الأمة دينها، وزادها إيمانًا مع إيمانها، آمين. ***

(1/167)


الفصل الرابع السحر؛ باعتباره ظاهرةً اجتماعية

(1/169)


 الفصل الرابع السحر؛ باعتباره ظاهرةً اجتماعية

تمهيد: يعتبر علم السحر، والاشتغال به، من الأمور التي حظيت باهتمام المجتمعات الإنسانية قديمًا وحديثًا، حيث إنه من العلوم التي يكتنفها الغموض، وتحيط بها هالة من التعظيم، النابع من خوف الإنسان بعامة مما يكون خفيًا عن حواسه، وهو يعتقد مع ذلك أنه قد يتسبب له بخطر محدق. لذا، فإن معرفة شيء ما عن هذه الظاهرة سرعان ما يستهوي كثيرًا من الناس، وذلك بسبب ما يسمى - في علم النفس - بالوحدة النفسية بين البشر، فالشعوب على اختلافها تعرف طقوس السحر وطلاسمه وتعاويذه، والمجتمعات تنقسم فيما بينها بين من ينظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها وسيلة لمعرفة آثارها، أو وسيلة للتسلية وإشباع رغبة النفس بالاستطلاع على المغيبات، وبين من يعتبرها أساسًا يبني عليها حياته، وتكون محور اهتمامه ومأخذ تفكيره (1) . وسنبحث - إن شاء الله - في هذا الفصل باختصار تأريخ السحر، مع بيان أثر السحرة وأعمالهم في المجتمعات، والعلاقة الوطيدة بين انحراف الشباب خاصة، وبؤر السحر والشعوذة، وسبيل الخلاص من ذلك. وعليه، فإن الفصل يحوي أربعة مباحث تتناول الآتي: أولاً: لمحة تأريخية عن السحر لدى الشعوب. ثانيًا: الوظيفة الاجتماعية لظاهرة السحر. _________ (1) انظر: السحر والمجتمع، د. سامية الساعاتي ص 7.

(1/171)


ثالثًا: السحر وشباب الأمة. رابعًا: نظرة تربوية لاستنقاذ الشباب من أوكار الانحراف. أولاً: لمحة تأريخية عن السحر لدى الشعوب (1) : عرفت الإنسانية فنون السحر منذ عهود قديمة، وظهر في ذلك مخطوطات ومنقوشات صخرية تدل بمجموعها على مبلغ اهتمام الإنسان بأداة السحر باعتبارها معينًا له في حل المشكلات المتعلقة بعالم الغيب، لرفع الأستار عنه، والوقاية من أخطاره المحدقة. وقد اختلف المؤرخون في تحديد أول من مارس طقوس السحر وأعماله، إلا أن بعضًا منهم يرجح أن يكون زرادشت (زوروستر) ، في بلاد الفرس، والواقع أنه منذ القرن الأول الميلادي إلى ما بعده استخدمت كلمة (مجوس) للإشارة إلى السحرة والراجمين بالغيب الوافدين أساسًا من بابل، واعتبر المجوس البابليون غالبًا من السحرة. ثم لحق الفرس الكنعانيون حيث اعتقدوا اتصال الكلاب والقطط بالشياطين وتأثير أصواتها على الناس، أما الكلدانيون فقد اهتموا بدراسة الكواكب والنجوم، واعتقدوا جزمًا بتأثير حركتها على حياة البشر وهم ينسبون إليها أفعالاً كثيرة، ويعملون أعمالهم السحرية معتمدين على حركات الكواكب وأوقاتها ومواضعها، وعليه فإنهم أول من اعتمد النِّجامة كسبيل للسحر، أما المصريون القدماء فقد اعتبروا السحر علمًا من علوم الكهنوت، وربطوا كثيرًا من الطقوس الدينية بالسحر وتعاليمه، وعليه فقد كان السحر لديهم دينًا تطبيقيًا اشتغل به كبار رجال الدين. _________ (1) انظر: السحر والمجتمع د. سامية الساعاتي ص15 وما بعدها. والسحر والسحرة من منظار القرآن والسنة، د. إبراهيم أدهم ص 227، وكذلك انظر: فنون السحر لأحمد الشنتناوي ص114.

(1/172)


أما الهنود القدماء فقد احتل السحرة لديهم - وما زالوا - مكانة كبيرة، واختلطت الطقوس السحرية لديهم بكثير من عاداتهم، فكثرت عندهم التعاويذ والرقى، وكان منها ما يُستخدم للضر أو للنفع بحسب اعتقادهم؛ فقد تُمرض أو تشفي أو تضمن السعادة أو تجلب النحس، وتعدى أثر السحر لديهم إلى إخصاب الأرض وإجدابها، ولهم كتب في ذلك منها ما يسمى (سر الأسرار) ، ويعتقد الهنود أن معبوداتهم في الثالوث الهندي، وهو يتألف من برهما وفشنو وسيفا، تخضع للسحرة وتأتمر بأوامرهم؛ لأنها لا تقوى على مقاومة تعاويذ ورقى السحرة الهنود!! كما قد ذاع صِيت السحر في أوروبا في عصورها المظلمة. أما اليونان القدماء، فقد تعلموا السحر بالتنجيم، واعتقدوا بأن انتصار الإسكندر المقدوني على سائر الملوك كان بفعل معرفته بالأعمال السحرية، في حين أن الرومان عاش أباطرتهم الوثنيون في رعب من السحر، واتخذوا إجراءات تحميهم منه، وكان المتمرِّسون بالسحر في مجتمعهم يُعدون أشرارًا مشعوذين ويُحاكَمون تبعًا لذلك. وفي روما كانت شهرة الكلدانيين من بابل ذائعة في مضمار السحر، وكان يُعتقد أن في حوزتهم أسرار السحر والتنجيم. أما اليهود فقد كانوا - وما زالوا - من أكثر الشعوب تعلمًا وممارسة للسحر، فقد ورثوه صاغرًا عن صاغر مما تقولته الشياطين على ملك سليمان عليه السلام، ويعرف سحرهم باسم مكايد بني إسرائيل وهي تسع وثلاثون مكيدة - أي عملاً سحريًا - فيها من الضر المقصود ما الله به عليم، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. أما السحر لدى أهل الصين فهو من أقدم ما عرفته الإنسانية منذ ثلاثة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح عليه السلام، ويعتقد أن كتاب (التغيرات) لكونفوشيوس الصيني هو أقدم كتاب في هذا المضمار.

(1/173)


هذا بإجمال سرد دال على تغلغل السحر في سائر المجتمعات، بما يفسر - تأريخيًا - نسبة عامة الأقوام دعوات رسلهم عليهم السلام إلى السحر، ووصمهم للأنبياء بأنهم سحرة يبغون حيازة الملك بسطوة سحرهم، وبتمرسهم في فنونه. قال الله تعالى: [الذّاريَات: 52] {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ *} . وقال سبحانه حكاية عن قوم فرعون، وعن كفار قريش: [القَصَص: 48] {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} . وقال عز من قائل: [الأعرَاف: 108-109] {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ *قَالَ الْمَلأَُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ *} . ثانيًا: الوظيفة الاجتماعية لظاهرة السحر. قد يسأل المرء متعجبًا: ما الذي يجعل من السحر ظاهرة اجتماعية مهمة مستمرة في حياة الناس، مع ما توصل إليه العلم الحديث من تقنيات متطورة بما يذهل العقول ويكاد يذهب بالألباب؟ فالعالم بات قرية صغيرة، يتناقل أهله فيها شتى المعارف في ثواني معدودة، بل يأتيك بالأخبار من لم تُزوِّد، فتلك الأقمار الصناعية في مئات المدارات تبث ما شاءت من غث وسمين، وتلك المركبات الفضائية تصطدم بنيازك عمدًا لتأخذ عينات منها فتحللها وتنبئنا بمكوناتها في مراكز وكالات الفضاء، وأخرى تحط غير مأهولة على سطح المريخ، لتنقل إلينا كثيرًا من طبيعة أرضه ومحيطه!! [ومعلوم أن هذا الكوكب هو من السبع الدراري السيارة التي ما زال أهل السحر بالتنجيم مصرين على أن له روحانية تُستنزَل وملكٌ موكل وجنٌ خادم، ومعدن مناسب للتقرب إليه، وثياب للمُتقرِّب إليه مختصة به يُرضي مزاجَ الكوكب بلبسها، وبخورات تستجلب تأثيره، فيُعمل عندئذٍ الكوكب - بزعمهم - تفريقًا وتحبيبًا وإمراضًا ومعافاة، وحربًا وسلمًا، وسعدًا ونحوسًا، وخصبًا للأرض أو جدبًا، بل تعدى ذلك كله إلى التصرف بأسعار السلع التي من جنس معادنه إغلاء وإرخاصًا] (1) !! _________ (1) انظر: إحكام الحكيم في علم التنجيم، لعبد الفتاح الطوخي (3/145) .

(1/174)


ونعود بعدها إلى تعليل تواصل هذه الظاهرة في المجتمعات البدائية منها والمتقدمة، لنجد أسبابًا ثلاثة تكمن وراء ذلك (1) : 1- شغف الإنسان بفطرته - إلى تفسير الظواهر الغامضة والغريبة في الكون، فلا تبقى في مخيلته مجهولة يتوجس منها خيفة، ويترقب أن تداهمه في كل لحظة، فإذا ما استكشف حقيقة هذا المجهول تسبب له ذلك باطمئنان نفسي، وجعل لهذه المجهولات قدرها الذي تستحقه دون المبالغة في جعل هالة حولها تقلق النفس وتؤرق الروح وتشغل الفكر. 2- شعور الإنسان دومًا بحاجته لقوى خارقة تختصر له طريق البلوغ إلى مآربه، وبخاصة إذا ما بذل في تحصيل حاجاته قصارى جهده فأعجزه ذلك، عندها يبحث جادًا عن وسائل تنوّله - بأقل جهد ممكن - مراده، وتحقق له بتعويذة مثلاً أو بكتابة وَفْقٍ جميع حاجاته!! فمن كانت عاقرًا فإنها تلد بحمل حجاب، ومن كان مبتلى بمرض عضال أعجز أهل الطب، تخلص منه بطلسم قاهر لا يرد أمره ولا يتخلّف وعده! وهذا الشعور بالقصور الإنساني تزيد نسبته عند الإنسان البدائي الأمي، لكنه قد يتعداه إلى من حاز أعلى الدرجات العلمية، بل وإلى حكام الشعوب أحيانًا، فينشئ أحدهم حربًا مثلاً أو يعقد سلمًا تبعًا لتكهن كاهن أو تنجيم ساحر أو نبوءة عراف!! 3- استخدام بعض الناس السحر كوسيلة للدفاع من أذى الآخرين، وكذلك لحماية الممتلكات الخاصة، لاعتقادهم بذلك، وقد يستعمل البعض السحر لإيذاء الآخرين بالتفريق أو الأمراض ونحوه أو التنكيل بالأعداء، أو لجلب محبوب، أو حتى لجلب زبون، أو ترويج كاسد من سلعة، ولعل هذا الدافع هو الأقوى لاستمرار هذه الظاهرة، فالإنسان تتعدد حاجاته وهو يسعى حثيثًا لتحقيقها، ومن الناس من يعتقد أن السحر هو الطريق الوحيد لذلك. _________ (1) انظر: السحر والمجتمع، د. سامية الساعاتي. ص 161 وما بعدها.

(1/175)


تلك هي الوظائف الاجتماعية - الحيوية والنفسية - التي تؤديها ظاهرة السحر، وهي تمثل جميع خصائص الظاهرة الاجتماعية، ما ضمن لها البقاء في المجتمعات، إما باعتبارها اعتقادات أو عادات، أو موردًا سخيًا للتكسب به، أو سبيلاً للوجاهة والسلطة عند من يمنح السحرة هالة، ويعتقد بهم قدرة فائقة. ثالثًا: السحر، وشباب الأمة. إن من المسلّم به - في علم الاجتماع - أن الإنسان هو نتاج ثقافته، وأن التنشئة الاجتماعية هي عملية تحويل هذا الإنسان (الكائن الخام عند مولده) إلى كائن مثقف واعٍ متفاعل بإيجاب مع تلك البيئة المحيطة به. كما أن الإنسان بحكم فطرته ينزع دومًا وبإصرار إلى مزيد من الاستقلال والحرية المتنامية سعيًا إلى تحقيق ذاته والسموّ بها، وهذا النزوع هو منبع متدفق لعملية التجديد الاجتماعي، ومن غير هذا التمرد - إن صحّ التعبير - يبقى المجتمع آسنًا آيلاً إلى التحلل الذاتي، ومن ثم الاندثار. أخي القارئ، لقد سقت إليك هذا التمهيد لنخلص معًا إلى أن نَزَعات الشباب المستمرة إلى التغيير ليست في ذاتها مذمومة، بل هي الأداة الأقوى إلى الحدّ من سطوة تلك العادات الاجتماعية، التي قد لا تكون دومًا متوافقة مع روح الدين وتعاليمه. وعلى ذلك؛ فإن الانفتاح لتقبّل كل حسن من الجديد، يزيد من كفاءة الأمة على عيش عصرها، بل واستباق كفاءته أحيانًا، وقد عاشت الأمة حِقَابًا من الزمن فاقت فيه بوعيها المتجدد أمم عصرها، فبينا كانت أوروبا تتناحر إماراتها، وتغرق في ظلمات جهالتها، كانت الأندلس تزهو حينها بمنارات معاهدها واختراعات علمائها، وكانت مثالاً يحتذى انبهر به كل من حولها!!

(1/176)


إن الثروة الهائلة في الشباب تستبق إليها مُستغرَبات من الثقافة من كل حَدَب وصوب، وتقف كثير من مجتمعاتنا - للأسف البالغ - موقف المتفرج العاجز عن التكيف مع الثقافات المستجدة، بما عطّل بشكل كبير دور الشباب في الإنتاج والرقي بالمجتمع،، ووجد كثير منهم نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ، فبين الحَجْر على تفكيره وإلزامه العادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وبين دائرة الوارد عليه من سموم الأفكار وشائن السلوك، فأضحى كثير منهم فريسةَ هذا التناقض بما أوقعه في دائرة الفراغ القاتل، فتوجّه بعدها إلى ما يخطر ببالك وما لا يخطر، فتارة للخلاعة وطورًا لمخدرات، وثالثة لسحر وشعوذة، ورابعة لأفكار هدامة لبست لبوس الإسلام واحتجبت بستاره وظن أهلها أنهم يحسنون صنعًا. إن ما يعنينا من ذلك كله أن نُشخِّص توجُّه بعض الشباب إلى مسارح الشعوذة، وخلوات السحرة، ومعابد الشياطين الفجرة، نعم لقد وجد في بعض مجتمعات المسلمين من الشباب من يقيم قداسًا أسود يتقرب فيه إلى الشيطان بفض بكارة عذراء، أو بتعذيب طفل، وشرب من دمه، أو بممارسة شتى أنواع الرذيلة، بل والاستهزاء بالأديان كافة، ثم تعدى تلك الغرفات المظلمة التي تقام فيها هذه الطقوس الفاجرة، تعداها إلى حرمة القبور، لتُنبش ويُعبث بعظام أهلها، ثم تُرتكب الفواحش عندها (1) !! هذه الجماعات الهدّامة - التي لم يعد أمرها خافيًا - قد عظّم قوم من شأن خطرها على الدين، وادّعى بأنها ستكون معول هدم يفتّ في عضده _________ (1) هذه الأفعال الفاجرة، وغيرها كثير مما يقوم به من يتسمون بعبدة الشيطان، وهم جماعة ارتضوا ما ابتدعَتْ لهم يهود من طقوس، فألفت لهم كتبها وأناشيدها وموسيقاها ورموزها، ثم رصدوا أموالاً مقنطرة لنشرها في العالم. انظر: كتاب عجائب الزمان في أخبار عبادة الشيطان. د. عبد الحميد هنداوي ص 31.

(1/177)


وينال منه. ونحن نقول: إن هذه الطقوس المشينة والرموز المهينة، ليست - في اعتقادنا - إلا تسخير الساحر لبعض الشباب لأجل إتمام تقربه لشيطانه، فإن ما يفعله هؤلاء يدخل في ما يشترطه شيطان الساحر من النيل من الدين وأهله، وامتهان مقدساته، وذلك ليتم الساحر عقد الاستعانة بشيطانه. ونحن لا ننكر هنا أن هذه الجماعة المنحرفة كانت حصيلة جهد مضن وإنفاق سخي من أعداء الأمة، لكن اختصاص إطلاق لفظ (عبدة الشيطان) على هؤلاء قد يوهم أن من عداهم من السحرة والكهان والمنجمون، وأصحاب الدعوات الشركية، والعزائم الشيطانية براء من هذه العبادة، إنهم جميعًا في ذلك سواء، وبخاصة إذا اطلعنا على صنوف التقرب للشيطان التي نص عليها أهل السحر في كتبهم، فهي تكاد تكون متطابقة مع طقوس هؤلاء، لكن غاية الفرق بينهم أن السحرة يستفيدون من هؤلاء الشباب كوسيلة لتقربهم إلى شياطينهم في حصول أعمالهم السحرية، أما الأتباع فهم أداة رخيصة وفريسة سهلة تُلتَهم على مذبح السحرة، فترى أحدهم ينهي حياته ملقيًا بنفسه من شاهق، أو قاطعًا عروق يده، أو محرقًا نفسه، عياذًا بالله تعالى من ذلك، فما الذي حدا بشاب في ريعان شبابه إلى هذه النهاية المفجعة، والخاتمة البائسة؟! إنه ذلك الضياع، فبعد أن فشل في تحقيق ذاته في مسرح الحياة، وبعد أن بقيت طاقاته منحصرة بين جنبيه، فلم تجد منفذًا إلى تثقيف واع يواكب العصر، ولم تتقن عملاً منتجًا يحقق الإبداع، ولم يلق ذلك الشاب أسرة تحيط به رعاية، وتسهم في حل مشكلاته، ولا مجتمعًا ينفض عنه باليَ عاداته، ويتمسك بعظيم عباداته،، عندها تلقفته صحبة السوء، وسحبته إلى دُور المشعوذين وخِرَب السحرة المجرمين، فغلب على ظنه أنه قد يحقق شيئًا ما بطريقهم، يحقق به ذاته ويتوصل به إلى تطلعاته، عجز فآوى إلى أوكارهم، حتى إذا استيأس من نفعهم وعلم بشاعة ما أقدم عليه، وعجزت كثير من مؤسسات المجتمع التربوية عن استيعاب معضلاته تلك، ازداد

(1/178)


ضياعًا وحيرة فلم يجد سبيلاً عندها إلا ذلك السقوط المريع والنهاية البائسة. هذا، وإننا في ذلك لا نبرئ ساحة نفر من الشباب لديه استعداد مسبق لهذا الانحراف، وهو يميل بطبعه إلى اتباع الهوى وتحكيم الشهوات، فيكون وَقودًا لهؤلاء السحرة والكهنة، ولتلك الدعوات الهدامة المنحرفة. رابعًا: نظرة تربوية لاستنقاذ الشباب من أوكار الانحراف (1) . إن المنهجية العلمية تقتضي النظر إلى المشكلة المراد تشخيصها ووضع الحلول الناجعة لها؛ نظرًا يشمل جميع حيثياتها حتى يمكن بذلك معالجتها، والتخلص من أثرها، وإني لا أدعي في هذا أني قد أتممت تشخيص هذه المشكلة الاجتماعية المهمة، فإن ذلك قد يحتاج إلى عقلية فذة قد تقارب ما عند ابن خلدون رحمه الله، وأنّى لي مثل ذلك، لكني أحسب أني في هذه العجالة قد ألقيت الضوء على جانب مهم من أسباب ما وقع به أولئك الشباب، ولن نسلك في علاج ذلك مسلك الغربيين الذين قطعوا أشواطًا في العمران واستخدام الموارد وتصنيع الأدوات، لكنهم حسبما هو ظاهر من حالهم لم يرتقوا إلى البعد الداخلي للحضارة، ولم يلامسوا بحضارتهم ما وُجِدوا لأجله، لذا فإن مبلغ علمهم قد بقي منحصرًا في تحقيق القدر الأكبر من الترفُّة والتقدم المادي البحت، لكنْ والحق يقال إن أهل الغرب قد بذلوا جهودًا مضنية لتقرير فكرة التغيير والتقدم المستمر في أذهان شعوبهم فاستطاع مفكروهم عبر قرون متواصلة أن يفتحوا دائرة التفكير المنغلق إلى أفق الوعي الحضاري المتجدد، وأن يعزّزوا الثقة بالقدرات الإنسانية للتطور نحو الأفضل، وفي هذا المضمار بالذات نرى أن أمة الإسلام المكرمة هي الأحق بهذا النمط من التفكير الجادّ والانفتاح على آفاق تحديث الحياة وتمدينها، ذلك أن ديننا الحنيف لم يَدَع مسلكًا يثبّت فيه مفهوم التمدين الإنساني الذي _________ (1) مستفاد - بتصرف - من كتاب: تجديد الوعي. أ. د. عبد الكريم بكّار. ص115 وما بعدها.

(1/179)


يسخّر كل أنشطة الحياة لكسب رضوان الله تعالى في هذه الحياة إلا وسلكه. ولنأت بعد تقرير ذلك إلى ما نحسبه مسهمًا في تخليص شبابنا من براثن تلك الدعوات الهدامة، وهو يتلخص في ضرورة توجيه موارد الأمة وثرواتها وجهة التنمية الإنسانية، أعني بذلك تنمية العقل والروح والمشاعر والطموح الخاص لدى الشباب، وأن يكون جميع ذلك متوازنًا وموازيًا لتوفير الحاجات المادية بتوفير فرص عمل مناسبة لهم، فإن هذا التوازن - وبخاصة إذا أطر بإطار المشروعية والاعتدال - أشعر الشباب بملئهم حيزًا مهمًا في المجتمع، وأكسبهم خبرة عملية يستنتجون من خلالها ما يسمى فقه الموازنات، وفقه الأولويات، فلا يكون أحدهم كتاجر خارج السوق، أو مهندس ينشئ المشاريع على صفحات الورق، فإذا طبق الشباب تعاليم الدين عمليًا في المجتمع، تعرفوا عندها على الموازنة بين هذه التعاليم، وتقديم أولوياتها في التطبيق، لكن لو بقي أحدهم أسير سماع محاضرات علمية، وهو يمارس دور المتلقّي دومًا، ويشعر بأنه قد أقصي عن مسرح الحياة العامة، فإنه بطبيعة الشباب التواقة دومًا إلى الانتقاد والتغيير سوف ينتقد ولا شك كل ما حوله، لما يجده من هوة سحيقة بين ما يتلقفه نظريًا، وبين ما يراه في أرض الواقع، ولو أنه شارك - ولو بقدْر يسيرٍ - في بناء ما حوله لوجد أن طموحاته تلك تحتاج إلى جهد عظيم في البناء واستفراغ كل الطاقات في خدمة مجتمعه، فلم يجد عندئذ وقتًا ضائعًا أو غير ضائع ليصرفه فيما يعتبره هو إزهاقًا لطاقاته، واستخفافًا بإمكاناته، فلا مشعوذ دجال يستخف عقله، ولا صاحب يُمَنِّيهِ بقدرة الساحر فلان على تحقيق أمنياته، ولا جماعة منحرفة لها أن تبذر بذارها الفاسدة في أرض عقله. وها هم رسل الله عليهم السلام كانت تأتيهم معونة الله تعالى من حيث لم يحتسبوا، وفي اللحظة الأخيرة الحاسمة، وبعد استفراغهم ومن معهم

(1/180)


كامل جهدهم، تأتيهم الثمرة لجهودهم تلك، [يُوسُف: 110] {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} . وقد كان الله عزّ وجل قديرًا على نصرهم ابتداءً، لكن سنة الله تعالى في خلقه اقتضت أن يبذل العبد كل الوسع، وأن يستفرغ جميع الطاقة، ثم إذا ما عجز عن تحقيق مراده طلب العون أو جاءه المدد، فلو تقرر في أذهان شبابنا - عمليًا - مثل هذه المعاني الشرعية، فأي مشعوذ دجال له أن يستخف عقولهم؟! وأي ساحر فاجر يوهمهم بقدراته الخارقة؟ وأي جماعات منحرفة لها أن تبذر بذارها الفاسد في أرض عقولهم؟ لقد أضَحوا شبابًا يعملون بجِدٍّ على تحديث مجتمعاتهم والرقيِّ بها، وفق توازن شرعي، وسلّم أولويات للمهمات، بما يخدم وطنهم، ويحقق رسالتهم في الحياة. ***

(1/181)


الفصل الخامس علامات يُعرف بها كلٌ من الساحر والمسحور

(1/183)


 الفصل الخامس علامات يُعرف بها كلٌ من الساحر والمسحور

تمهيد: لا ريب في أن القارئ الحصيف الذي أمعن النظر بما سبق عند بيان أنواع السحر (1) ، قد أدرك يقينًا سبب إعراض أئمة أهلم العلم - عند تعرضهم لبيان هذه الأنواع - عن تفصيل ما يُعرف به العمل السحري، خشية أن يكون ذلك سبيلاً غير مقصود لتعلمه، أو العمل به؛ حيث اكتفَوا من ذلك بالإشارة عن العبارة. إلا أنا قد بينا - فيما سبق - أن اشتمال أي مكتوب على أوفاق أو ذكر للطوالق السليمانية والدوائر الشركية والنِّجامة، أو تصوير لشِعْباذ (2) ، أو للأشكال السبعة أو تقديس للكواكب السبعة السيارة، أو البروج الاثني عشر الفاعلة المختارة، أو ذكر الطلاسم المجهولة المعاني، والعزائم الشركية، والاستحضار مع الاستعانة، والحجب والتمائم المكتظة بالأرقام والحروف، كل ذلك - بالإجمال - علامات تُنْبئ بأن من كتبها أو قالها، كان مقارِبًا لعمل السحر، ونحن سنضرب صفحًا عن المصوّرات لذلك - وهي التي تعجّ بها كتب المشعوذين (3) - ولننزه كتابنا هذا عنها، لكن قد يكون من الأهمية بمكانٍ بيان حال كلٍّ من الساحر والمسحور الذي قد يخفى على كثير من الناس، فيأتي ساحر مثلاً يتلبس بلبوس صالحي الرقاة، فيعمد إلى قول عُوَذِه وعزائمه الشركية، ثم هو يمنح الملتجئ إليه حروزًا طلسمية، ويأمره بمخالفة أمور شرعية، ويستحضر القوى الجنيّة، ويستنزل - بزعمه - روحانيات الكواكب _________ (1) انظر: ص107، وما بعدها. (2) الشعباذ: هو رسم شخص يرمز إلى هيئة المسحور، يُكتب عنده ما يكتبون من عمل، والعياذ بالله تعالى. (3) انظر: - مثالاً لا حصرًا - إن شئت: «شمس المعارف ولطايف العوارف» ، وكتاب «الأصول والضوابط المحكمة» ، المشتهر بمنبع أصول الحكمة، كلاهما لأحمد البوني، وانظر: «شموس الأنوار وكنوز الأسرار» ، لابن الحاج التِّلْمِساني، وغيرها.

(1/185)


العليّة، أو يضع بين يديه زجاجة مكوَّرةً بِلَّوْرِية، ثم يدعي بعد ذلك أنه راق من ثقات الرقاة، ووليّ من خُلّص الأولياء. لذا، فقد أجد أن من الواجب المتحتم كشف عَوار سلعة هؤلاء، وذلك ببيان علامات - لا تتخلّف - يُعرفون بها، تحذيرًا لمن قد يُغتر بهم أو يقع في شَرَكهم. أما المسحور - عافانا الله -، فقد يكون وجوده في الواقع من أندر النادر، لكن كثيرًا من الناس يزعم في كثير من الأمراض النفسية أو حتى العضوية وجود سحر على المريض، فتتلقفه عندها أيادي المشعوذين الدجاجلة، فيخرج من بين أيديهم وقد تملّكه سحر، أو تلبّسه شيطان، وقد تمكن الدجال من عقله ونفسه، بل ومن جيبه أيضًا!! لذلك فإن الناس ينقسمون في شأن الاستدواء لمرضهم أقسامًا، فمن عائذ بطبيب نفسي لا يغادر عيادته إلا للرقاد ليلاً، إلى آخر قد تعلّق بأهداب مشعوذ ينتظر عند بابه الساعات الطوال، وثالث يجزم بوجود سحر عليه فهو يرقي نفسه ويرقيه غيره بما شُرِع وما لم يُشرَع، ورابع لا يثق بطب نفسي ولا برقية مشروعة، فتراه يجري التحاليل ويكررها مرات، ويتعلق قلبه بأدوية أطباء الأمراض العضوية، يجمع منها في خاصّةِ خزائنه العشرات. أخي القارئ، نحن فيما قدّمنا لا نقلّل ألبتة من أهمية الطب بشقَّيْه العضوي والنفسي، أو من فعالية الطب البديل (1) ، الذي يثبت فعاليته باطراد، _________ (1) الطب البديل أو الطب المساعد: (Alternative Medicine) هو فرع من علوم الطبابة، يستخدم مكان الطب التقليدي، ومن طرقه المشتهرة: الوخز بالأبر، والطب الغذائي، وطب الصوم، وهو طب وقائي وعلاجي في آنٍ، والتداوي بالأعشاب، والطب الموازن للطاقة الحيوية (الماكروبيوتك) ، وفروع الطب البديل قد تصل إلى مئة وخمسين نوعًا، تعتبر الحجامة من أشهر طرقها العلاجية، حيث أدخلها هذا الطبُّ في علاج العديد من الأمراض المستعصية؛ من بينها: السرطان، وأمراض الدم، والسكر، والضغط، والصرع، والشلل، وتكاد فوائد الحجامة ألا تحصى، وهي مما أكد عليه الطب النبوي، وإن هذا الطب الكريم فيه الكثير من الطرق العلاجية التي تخلو من أي آثار جانبية، إذا ما استخدمت بطرق مقننة علمية. انظر: الطب البديل ينال الاعتراف الرسمي. مقال علمي. مجلة الصحة والطب. العدد 371/ ديسمبر 2005م.

(1/186)


كما أننا لا نحجز الناس عن الاسترقاء عند ثقات الرقاة، لكنْ غاية ما هنالك أننا ندعو إلى أن يسعى المرء إلى تشخيص حاله المَرَضيّة تشخيصًا صائبًا، ثم ليعمد بعدها إلى علاج نفسه بما يناسب حاله، دون الرجوع - بحالٍ - إلى مشعوذٍ ادّعى صلاحًا، والصلاح منه براء. من أجل ذلك كان من الضرورة بيان أعراض قد تظهر على المسحور، فإذا ما ظهرت وجب التأكد من قِبَل الأطباء إلى خلوّ هذه الحالة من أمراض عضوية أو نفسية، ومن ثم يُعمد إلى الاسترقاء عند من يُظن به الصلاح، وسأبين فيما يلي علامات كلٍّ من الساحر والمسحور، والله المستعان. أولاً: علامات يُعرَف بها الساحر. إن تمييز الساحر عن غيره يمكن بعلامات يدركها كلُّ من أوتي شيئًا من الفراسة؛ من ذلك أنك إذا نظرت إلى وجهه استشفيت فيه قبحًا ظاهرًا، وظلمة بادية، وذلك من أثر كفره والعياذ بالله، ثم إنك إذا سمعت صوته فستدرك حالاً - من نبرته ولحن قوله - أنه يوهم سامعه بصلاحه، وحرصه على شفائه، ومن ذلك أيضًا أنه يحاول التلبيس على المريض بإيحاءات جسدية كتحريك اليدين، وإغماض متكرر للعينين، وغير ذلك كثير مما لا تخطئه فراسة المؤمن، لكن مع ذلك فإن للساحر علامات ظاهرة يمكن التعرف عليه من خلالها، [منها: (1) 1- ... سؤاله عن اسم المريض، واسم أمه (2) . _________ (1) انظر: الصارم البتار، لمؤلفه وحيد عبد السلام بالي، ص78، وما بعدها، بتصرّف يسير. (2) لعل العلة في الاستفسار عن اسم الأم، أن شيطان الجن لا يُثبت نكاحًا بعقد شرعي، فهو ينسب الولد لأمّه دون أبيه، مخالفًا بذلك قوله تعالى: [الأحزَاب: 5] {ادْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} . وفي طلب اسم المريض، أيضًا أهمية بالنسبة للساحر، حيث إنه يجمع الأرقام الموازية لأحرف الاسم، لينظر موافقتها لبرج ما، فيستلهم النفع أو دفع الضر من روحانية كواكب ذلك البرج، ولينظر من خلال اسم الشخص واسم أمه أيضًا إلى حروف مشتركة ... يستدل من خلال ذلك على موضع دفن السحر (والعياذ بالله) ، في أرض أم في مياه، بحسب زعمهم، قاتلهم الله.

(1/187)


2- ... طلبه من المريض تزويده بأثر من آثاره المادية (كالمشط، أو الثوب، أو مُشاطة - ما يبقى في المشط من أثر الشعر عند تسريحه - أو عِمامة ... إلخ) (1) . 3- ... طلبه أحيانًا لحيوان بصفات معينة، كسواد لونٍ مثلاً، ليذبحه بذكر اسم غير الله عليه، أو بغير ذكر اسم الله عليه، وربما لطخ بدمه أماكن الألم من المريض، أو رمى به مذبوحًا في مكان خَرِب (2) . 4- ... كتابته للطلاسم، وهي المحتوية على أشكال، وأسهم، وحروف مقطعة، وأعداد في أوفاق، ورسوم لأبراجٍ، وكتابةٍ لأسماء كواكب (3) . 5- ... رفع الصوت بتلاوة آيات من القرآن، ثم الإسرار والتمتمة بكلام غير مفهوم وبعزائم شركية، بحيث لا يسمعها المريض فيلتبس الأمر عليه (4) . _________ (1) وذلك لاعتقادهم بتأثير خواص الأشياء التي تماس البدن، أو تلازمه، أو تكون جزءًا منه. (2) صفة السواد تهواها الجن، لميلها عامة إلى الظلمات، وكذلك قد يعمد الساحر إلى بتر أذن حيوان أو وَشْمه قبل ذبحه محادّة لأمر الله تعالى، ومحاولة منه للتغيير في الخلق، ثم إنه لا يزكي الذبيحة لينْجُسَ بذلك دمُها، ثم يلقيها في مكان مهجور؛ لأن الأماكن الخَربِة هي مهوى استقرار الشياطين من الجن. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنهم - أي: شياطين الجن - يُوجَدون كثيرًا في الخراب والفَلَوات، ويوجدون في مواضع النجاسات؛ كالحمامات، والحُشوس، والمزابل والقمامين، والمقابر. وإن الشيوخ الذين تقترن بهم الشياطين، وتكون أحوالهم شيطانية لا رحمانية، يأوون كثيرًا إلى هذه الأماكن التي هي مأوى الشياطين". اهـ. انظر: الدليل والبرهان على صَرْع الجن للإنسان، ص 38. (3) وهي السبع السيّارة؛ وذلك - كما يزعمون - لاستنزال سعود تلك الكواكب حال كونها في مقابَلة القمر، مشرفة عليه، أو لتسليط نحوسها عند إدبارها عن القمر، أو وُقُوب القمر - اختفاؤه وغيابه - عنها في بعض ليالي الشهر!!. (4) وهذا يوهم المريض بأنه يُعالَجُ بالقرآن، وكي يسترضي الساحر أيضًا بذلك شيطانه، وهو يخلط آيات من القرآن الكريم بتمائم وطلاسم وعزائم شركية، والعياذ بالله.

(1/188)


6- ... إعطاء المريض ما يسمى "حجابًا"، وهو: تميمة شركية يعلّقها المريض، وتحوي مربعاتٍ بداخلها حروف وأرقام وعزائم، وكلام غير مفهوم، ويأمره بالحرص التام على عدم فك ذلك الحجاب (1) . 7- ... أمره للمريض أن يعتزل الناس مدة معينة، في غرفة مظلمة لا يدخلها ضياء نور الشمس، وهو ما يسميه العامة (الحِجْبة) (2) . 8- ... أحيانا يطلب من المريض ألا يمس ماءً لمدة، تكون - غالبًا - أربعين يومًا (3) ، أو يأمره بأن يضع في عنقه صليبًا، وهذه العلامة تدل على أن شيطان الجن الذي يخدم الساحر هو نصراني. فإن كان عدوًا للنصرانية أمره أن يجعل الصليب منكسًا أو معقوفًا متكسرًا (4) . 9- ... إعطاؤه المريض أشياء يدفنها في الأرض (5) . 10- ... يعطيه أحيانًا أوراقًا يحرقها ويتبخّر بها (6) . 11- ... إخباره المريض أحيانًا باسمه، واسم بلده، ومشكلته العُضال التي جاء _________ (1) الحرص على عدم فك الحجاب، علّته: أن الساحر يكون قد وكّل شيطانًا من الجن بحراسة الحجاب، فلو فُكَّ الحجاب فسد السحر، وعوقب ذلك الجني الحارس من قِبَل الساحر، كذلك ليتأكد الساحر من أن ساحرًا آخر لن يبطل ما جعله من سحر في حجابه. (2) يأمره بذلك استرضاءً لشياطين الجن بالتشبه بهم في محبة المكوث في الظلمات، لأنها رمز لبغض نور الحق. قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257] . (3) وذلك ليبقى المريض نجسًا، فتتمكن شياطين الجن من الاقتراب منه، ومسه، بل ربما تلبست به، والعياذ بالله عزَّ وجلَّ. (4) أما تنكيس الصليب أو عقفه، فلإيقاع النكاية بالنصارى، وللتلبيس عليهم في آن معًا، وذلك بإيهامهم أن ديانتهم بالاعتقاد بالصلب هي صحيحة، فلا يفارقونها بعد ذلك ألبتة. (5) وذلك لتمكين شيطان الجن من حراسة هذه الأشياء. (6) وهي تحوي عزائم شركية، أو ما فيه استهزاء بشيء من الدين، والعياذ بالله، أما سبب الأمر بالتبخر بها، فلأجل أن تخالط نَفَسه، وبشرته، فيسهل بذلك دخول شيطانٍ فيه، والعياذ بالله.

(1/189)


ينشد حلاً لها (1) . 12- ... قد يكتب للمريض نوعًا آخر من «الحجاب» وهو ورقة فيها حروف مقطعة، أو يكتب هذه الحروف في طبق من الخزف الأبيض، ويأمر المريض بإذابته بماء ثم شربه (2) . 13- ... التحدث أحيانًا مع أشخاص غير منظورين في المجلس، فيطلب منهم السماح والإذن بالعون، ويُصرّح لهم بأن المريض ما أتى إلا وهو محب لهم موقن بقدراتهم ... إلخ (3) . 14- ... أحيانًا يأمر المريضَ بلبس الجديد من الملبس؛ كقميص، ثم يأمره بشق جهة اليد اليمنى من القميص، أو نزع جيبه وجعلها على ظهره، وغير ذلك (4) . 15- ... لا يستقبل الساحر أحدًا في شهر رمضان المبارك، وبخاصة في العشر _________ (1) يتوخى الساحر بذلك إيقاع المهابة في قلب المريض، واعتقاده بقدراته الباهرة، وإنما هو إخبار من شيطان الساحر عما عرفه مسبقًا من حال هذا المريض. (2) وذلك كي تخالط تلك الطلاسم داخلة بدن المريض، وتجري مجرى الدم في عروقه، فيتمكن الشيطان بذلك من أن يجري بها. (3) ويحقق الساحر بذلك مطلبين له: الأول إيهام المريض بقدرته على رؤية ما لا يراه، والثاني: استرضاء الشيطان الحاضر - والعياذ بالله - بتقديم الولاء والمحبة والإذعان له، نعوذ بالله السميع العليم مما يفعلون. (4) وذلك بقصد التأكد من أن المريض لا يخالف لهم أمرًا، حتى لو مس ذلك شخصيته الاعتبارية بين الناس!! أو لإيقاع المريض بالاستخفاف بنعمة الله في الملبس الجديد، ومحادة لما أرشدت إليه الشريعة المطهرة، من وجوب المحافظة على النعمة، وترك التبذير لها. ومعلوم أنه يستحب لنا ترقيع الثوب، حتى وإنْ بَلِي، إن أمكننا ذلك، كما في حديث عائشة رضي الله عنها: "إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَسَيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ ... وَلاَ تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ". أخرجه الترمذي برقم (1780) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، ثم ذكر قول البخاري في صالح بن حسان (الراوي عن عروة عن عائشة رضي الله عنها) ، قال: هو منكر الحديث. انظر: علل الترمذي الكبير، ترتيب أبي طالب القاضي ص 748. والحديث ضعفه الألباني. انظر: الضعيفة برقم (1294) .

(1/190)


الأواخر منه، كذلك في العشر الأوائل من ذي الحجة (1) . 16- ... من كان متحصِّنًا بالأذكار المشروعة، فإن الساحر يرفض استقباله أيضًا (2) . 17- ... وضع زجاجة بلورية مكورة بين يديه، أو طَسْتٍ فيه ماء وقد نُجِّس ببول صبي مثلاً (3) . هذا، وإن طرائق السحرة تكاد لا تنحصر، اللهم إنا نعوذ بك من كيد الفجار وطرائق الأشرار، ومِنْ طَوَارِقِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ إِلاّ طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ، يَا رَحْمنُ (4) . ثانيًا: في ذكر علاماتٍ يُعرف بها المسحور (5) . 1- ... كثرة الصدود عن ذكر الله تعالى، والميل إلى ترك العبادات، والإعراض عن سماع كل ما له تعلُّق بالدِّين. 2- ... كثرة تعرضه لأحلام مفزعة «الكوابيس» . _________ (1) ذلك أن الشياطين تصفّد في رمضان، كما أن أعظم الخزي للشيطان الرجيم إنما يكون في يوم عرفة. (2) حيث إنه لا سبيل للشيطان عليه حال التحصّن. (3) ليتمكن شيطان الجن بالتمثل في هذه الأشياء، والظهور للساحر، فيعاينه ويتحدث معه، فلو غطى الطست مثلاً، فإن شيطانه يُحضر له ما دفن من سحر عَمِله ساحر آخر، فيوقعه في الماء، أو قد يقذفه من السقف على شكل ورقة ملتفة، أو قطعة قماش، أو صرة من جلد قد أُحكِم ربطُها، لكنّ ذلك لو حصل فإن السحر لا يزول به، ولو أن المريض قصده مرارًا لأخرج له عملاً - سحرًا - في كل مرة!! (4) هذا جزء من حديث، دعا فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات اللاتي لا يجاوزهن بَرٌ ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وشر ما يَعْرُج فيها، وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يَخْرُج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن» . أخرجه مالك في الموطأ، مرسلاً عن يحيى بن سعيد رحمه الله، كتاب: الشِّعْر، باب: ما يؤمر به من التعوّذ برقم (10) ، وقد أخرجه أحمد في مسنده موصولاً، (3/419) ، من حديث عبد الرحمن بن خَنْبَشٍ رضي الله عنه. صحّحه الألباني: انظر: صحيح الجامع الصغير برقم (74) . (5) انظر: «الصارم البتار» لوحيد بالي ص151، و «إعجاز القرآن» لناصر المنشاوي ص46.

(1/191)


3- ... الصداع الشديد المستمر. 4- ... كثرة وقوع الشجار - لأمور غير ذات بال - بين الزوجين، أو غيرهما. 5- ... الغضب المفرط المتكرر، من غير مسوّغ ظاهر. 6- ... كثرة الشرود والذهول. 7- ... النسيان الشديد. 8- ... تخيُّل حصول شيء، والحال أنه لم يحصل. 9- ... شخوص البصر (جموده) ، وزَوْغه. 10- ... كثرة الملل من الاستقرار في مكان واحد، أو التأفّف الكثير من الاستمرار في عمل معين. 11- ... عدم الاهتمام بالمظهر، فهو يبدو غالبًا أشعث الرأس، بالي الثوب، متسخ الجسد. 12- ... الهِيام على وجهه لا يلوي على شيء، ولا يدري أين يذهب، وربما نام في الخِرَب (الأماكن المهجورة) . 13- ... تغير في لون البشرة، وبخاصة في لون بشرة الوجه إلى السواد. هذه بعض الأعراض التي تبدو جلية على المسحور، لكن ينبغي هنا تمييز بعض هذه الأعراض عن أعراض تطابقها، قد تظهر على بعض مَن يعانون من أمراض عضوية كداء الشقيقة، أو نفسية كداء انفصام الشخصية، المتسبب في اختلال التصرف، وكثرة الوهم والقلق والأرق، أو المعاناة من عقدة النقص البسيط أو المركب، المتسبب لكثرة النقد الذي يكون غالبًا في غير محله، مما يتسبب في كثير من حالات التخاصم بين الزوجين، أو ظهور علامات جنون العظمة (داء الكِبْر) ، فالواجب في هذه الحالات جميعها - أولاً - المعالجة العضوية لدى أهل الاختصاص، فإن لم تُجْدِ

(1/192)


هذه المعالجة نفعًا، عُمِد إلى العلاج النفسي، فإن أعيا الأطباء مداواتُه، عمَد المريض عندئذ إلى التداوي بالرقى المشروعة، عند من يرجو صلاحه، ويتوسم خيرًا فيه، ولا يُعمَد إلى ذلك ابتداءً، خشية أن يعتقد ضعاف النفوس أن المرض - وهو مرض عضوي يحتاج إلى العقاقير الطبية - لم يَنْتَفِ عن المريض بعد رَقْيِه؛ فيؤثر ذلك نقصًا في إيمانهم. هذا، مع يقيننا التام بأن الرقى المشروعة تؤثر بالشفاء - بإذن الله - حتى لو كان المرض عضويًا أو نفسيًا، لكنْ قد أُمِرنا ابتداءً بالتداوي والأخذ بالأسباب، وهذا مما لا ينفي وقوع شفاء بمحض التوكل على الله، أو بأثر طلب الشفاء برقية مشروعة. قال الله تعالى: [الإسرَاء: 82] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا *} . وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً (1) وقال صلى الله عليه وسلم: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عز وجل (2) . وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام - حين سألته صلى الله عليه وسلم الأعرابُ: يا رسول الله أنتداوى؟ -: تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ عز وجل لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الْهَرَمُ» (3) . _________ (1) أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً، برقم (5678) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (2) أخرجه مسلم، كتاب: السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم (2204) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (3) أخرجه أبو داود - واللفظ له - كتاب: الطب، باب: الرجل يتداوى، برقم (3855) ، والترمذي - وصحّحه - كتاب: الطب، باب: ما جاء في الدواء والحثِّ عليه، برقم (2038) ، وابن ماجَهْ، كتاب: الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم (3436) ، وأحمد في مسنده (4/278) ، بزيادة في آخره: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» ، من حديث أسامةَ بن شريك رضي الله عنه. انظر: صحيح أبي داود برقم (3264) .

(1/193)


أخي القارئ، تلك هي - بإجمال - العلامات الدالّة على الساحر، والأعراض التي يستشف من خلالها المعالج احتمال وجود سحر على المريض، فيعمد عندها إلى استخراجه وإبطاله، - إن أمكن معرفة موضعه - أو الاحتجام، أو بالتداوي بعجوة المدينة، ويكون ذلك مترافقًا مع الرَّقْي المشروع، فإن عولج المريض بمثل ما سبق، ولم يكتب له شفاء به، عدنا إلى الاستطباب العضوي، أو النفسي، [ولا بد من الإشارة في هذا المقام إلى أن كثيرًا من الناس يعتقد أن الأدوية في العلاج لدى الطبيب النفسي ما هي إلا جرعات مسكّنة منوِّمة تسلك بالمريض سبيل الإدمان، وهذا اعتقاد خاطئ عند تعميمه، حيث إن الأدوية النفسية لا تؤدي إلى ذلك، باستثناء مجموعة صغيرة منها كبعض أدوية القلق، إذا ما استخدمت لفترات طويلة وبدون إشراف طبي مباشر من طبيب حاذق أمين. وكذلك فإن اعتقاد البعض أن الطب النفسي ليس إلا جلسات كلامية، لذا فلا حاجة - باعتقادهم - إلى العلاج النفسي، وهذا بدوره اعتقاد خاطئ، فإن العلاج النفسي غير الدوائي ليس مجرد حوار يجريه الطبيب مع مريضه، إنما هو حوار مقنّن يتبع منهجًا علميًا وبرنامجًا خاصًا، يقوم المختص فيه بما يسمونه (علاجًا مساندًا) يُطمئن فيه المريض ويُوجِّهه، ومن ثم يشرع بعلاجه سلوكيًا، فيجتهد في تعديل بعض السلوكيات المَرَضِيّة مع استبدالها بأخرى مناسبة، ثم يعمد إلى العلاج المعرفي فيصحح فيه بعض أساليب التفكير الخاطئة لدى المريض مع استبدالها بأساليب صحيحة، وهكذا بتدرجٍ إلى أن يعمد الطبيب إلى الدواء، أو - في حالات متقدمة - إلى علاجات جراحية محدّدة. وبالإجمال فإن التداوي النفسي ليس وصمة عار تلحق بالمريض، بل هو نمط علمي للعلاج قد يُخلِّص المريض من أعراض عضوية يرتبط ظهورها ارتباطًا وثيقًا بمرض نفسي (1) ، فضلاً عن _________ (1) إن بعض الأمراض النفسية قد تظهر بصورة مرض عضوي، كالاكتئاب عند بعض كبار السن، فإنه قد يؤدي إلى شعور بالغثيان، بل وألم في المفاصل.

(1/194)


تخليصه من آثار الأعراض النفسية] (1) . فليكن المسلم حصيفًا، وليعمد ابتداءً إلى التداوي المشروع بشقَّيْه العضوي والنفسي؛ فإن عجز كلاهما، ثم استدام عليه ظهور أعراض مَرَضِيّة، فليعمد عندها إلى التداوي بما شرع من الرقى، ومن طرق إبطال السحر، والتخليص من أثر العين، مما جعلته الشريعة سببًا متيقنًا للشفاء من ذلك، والله أعلم. *** _________ (1) انظر: العلاج النفسي والعلاج بالقرآن، د. طارق الحبيب. ص 357 وما بعدها.

(1/195)


الفصل السادس أحكام السحر والسّحَرة في الشريعة المطهّرة

(1/197)


 الفصل السادس أحكام السحر والسّحَرة في الشريعة المطهّرة

تمهيد: لقد حرص الإسلام بأصوله العامة أن يلقي في رُوع المؤمن مسلّمات يفرّق فيها بين الحق والباطل، حيث تمثل تعاليمه ميزانًا لا شطط في حكمه، يعتمد ابتداءً على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإذا ما أصدر الإسلام حكمًا أو قرر أصلاً وجدنا ذلك متناسقًا بالكلية مع فتوى القلب السليم، ومنحى العقل الحكيم، بينا نجد في كثير من دساتير الأمم قناعًا مشرقًا للتشريعات يقابله وجه عملي لتلك التشريعات تُصيِّرها أسطرًا في أدراج أهل القانون لا تجد إلى الواقع سبيلاً، فإذا ما حرّموا الخمر مثلاً شجعوا الاتجار به، وإذا ما دَعَوا إلى حقوق الإنسان سارعوا إلى انتهاكها بل سحقها، في المقابل نجد أن أمة الإسلام قد لبست وجهًا مجردًا عن الأقنعة في تاريخها، فإذا ما أُعلم الناس بتحريم بادروا إلى الانتهاء عنه، وإذا ما دُعوا إلى فضيلة امتثلوها. ولعل ما يعنينا من ذلك - في مقامنا هذا - أن من المسلّم فيه عند كل مؤمن وضع السحر وما دار في فلكه في دائرة المحرمات، لما علم من أصل وجوب توحيد الله تعالى، وبناء المجتمع على صفاء العقيدة، وأن الحرص على ذلك هو مكمن القوة في هذا المجتمع، فالمسلم إذا اطلع على فروع أحكام السحر وجدها حالاً قد وافقت ما تأصّل في نفسه، فها هو الفاروق عمر - فيما اشتهر من موافقاته - قد أيقن بتحريم الخمر في قرار نفسه، حتى إنه طلب مرارًا في دعائه: (اللَّهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شفاءً) (1) ، لقد كان عمر رضي الله عنه يريد أن يُظهر الله تعالى هذا التحريم الباتّ. كذلك المؤمن؛ فإنه _________ (1) أخرجه أبو داود، كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر، برقم (3670) . عن عمر رضي الله عنه. صححه الألباني. انظر: صحيح أبي داود (3117) .

(1/199)


إذا ما عرف حقيقة السحر وما ينطوي عليه من محاولة دك حصن التوحيد والنيل من أهله أدرك حرمته لا محالة، فإذا به يجد في كتاب الله تعالى وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم مصداق ما أفتاه به قلبه السليم وفطرته القويمة. تأسيسًا على ما سبق سأتعرض في هذا الفصل لبيان مسائل وأحكام متعلقة بالسحر تقررت في فروع الفقه الإسلامي، تحذر من تعاطي السحر وتُنفِّر من أهله، وسيكون ترتيب ذلك على ثلاثة أبواب؛ هي كالآتي: الأول: السحر ثابت، وله حقيقة. الثاني: في إظهار فروق بين السحر وكلٍّ من المعجزة والكرامة. الثالث: في بيان أحكام السحر والسحرة. الأول: السحر ثابت، وله حقيقة. سبق مرارًا في ثنايا البحث (1) تقرير أن مذهب أهل السنة وجمهور العلماء أن السحر أمر ثابت الوجود، وأنه لو لم يكن موجودًا حقيقة لم ترد النواهي عنه في الشرع، والتصريح بكفر متعلمه والعامل به، وتوعُّد السحرة بحرمان نصيبهم في الآخرة، والتصريح كذلك بالاستعاذة من شر أهله، واعتباره من السبع الموبقات، وأن خلاف العلماء في كون السحر أمر له حقيقة أو هو مجرد تخييل، مردّه إلى نظرهم لمراتب السحر المنقسمة بين الحقيقة والتخييل، وأنه ليس بينهم اختلاف في نفس أمر السحر إنما ذلك من قبل اشتباه هذه المراتب. أقول: مع أن ذلك قد سبق تقريره، إلا أن الحاجة ملجئة للتذكير به، من أجل تعلقه بحكم السحر وعقوبه الساحر، [فمن زعم - وهم عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإستراباذي من أصحاب الشافعي - أن _________ (1) انظر: الفصل الأول، في معرض الرد على منكري حديث السحر، ص 60 وما بعدها. وكذلك في الفصل الثالث عند بيان مراتب السحر وأقسامه ص 112 وما بعدها.

(1/200)


السحر خُدع ومخاريقُ وتمويهات وتخييلات لم يوجب، تبعًا لهذا الأصل، قتلَ الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدًا فيقتل به قصاصًا] (1) ، أما جمهور علماء الأمة الذين هم على أصل إثبات السحر وأن له حقيقة، فقد كفّروا الساحر بنفسه على تفصيلٍ سيأتي قريبًا إن شاء الله. تنبيه: مما يجدر التنبّه إليه هنا أن وصف السحر بأنه حق - كما تجده في بعض كلام أهل العلم (2) - ليس مقصودًا به المعهود من الحق الذي يقابل الباطل، إنما المقصود: [أنه حقٌ وجودُه وتصوره وأثره بإذن الله القدري الكوني] (3) . فالسحر هو عين الباطل كما لا يخفى، كذلك فإن معنى قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الْعَيْنُ حَقٌّ» (4) ، أي: الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونه (5) . مسألة: سبق ذكر أن جمهور العلماء قد قطعوا بأن للسحر حقيقة، واختار آخرون - منهم: أبو جعفر الإستراباذي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري - أن السحر تخييل فقط، فأي شيء يترتب على هذا الاختيار؟ [محل النزاع في هذه المسألة هو: هل يقع بالسحر انقلاب عين أو إحالة طبع أو لا؟ فمن قال إنه تخييل فقط منع ذلك، ثم من قال إنه له حقيقة اختلفوا: هل يقتصر تأثيره على تغيير المزاج فيكون مرضًا من الأمراض؟ _________ (1) انظر: تفسير القرطبي (2/45) . (2) قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (2/44) : وعندنا أنه - أي السحر - حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء. اهـ. (3) انظر: حاشية ابن عابدين (1/31) . (4) سبق تخريجه ص65، بالهامش ذي الرقم (1) . (5) انظر: فتح الباري لابن حجر (10/213) .

(1/201)


أو أن تأثيره يتعدى ذلك وقد ينتهي إلى الإحالة بحيث يصيّر الجماد حيوانًا مثلاً وعكسه؟ وقد ذهب جمهور القائلين بحقيقة السحر إلى أن تأثيره لا يتعدى تغيير المزاج أو التفريق بين متحابّين ونحوه، وذهبت طائفة قليلة منهم إلى قدرة الساحر على قلب عين أو إحالة طبع ونحوه. والواقع لا يشهد بما ذهب إليه هؤلاء، حيث إن كثيرًا من السحرة الذين يدّعون قدرة على تغيير الأشياء لا يستطيعون إقامة البرهان على ذلك] (1) . هذا، وقد [أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقُمّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر] (2) . الثاني: في إظهار فروق بين السحر وكلٍّ من المعجزة والكرامة (3) . أ- الفرق بين المعجزة والسحر: يتبين هذا الفرق من وجوه عديدة، منها ما يختص بماهية كل منهما، أو بالقرائن المصاحبة لهما، أو باعتبار القصد منهما، ويمكن إدراج ذلك في ثمانية فروق كالآتي: _________ (1) انظر: فتح الباري (10/233) . هذا، وقد أطال ابن حزم في تقرير أن السحر لا يحيل الأعيان ولا يقلب الطبائع بما يستحسن مراجعته. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنّحل، جـ5، ص 2 وما بعدها. (2) انظر: تفسير القرطبي (2/47) . (3) انظر: في هذا المبحث: الفروق للإمام القرافي (4/168) ، وفتح الباري لابن حجر (10/233) ، وزاد المسلم للشنقيطي (4/228) ، والمُعلِم بفوائد مسلم للمازري (3/94) ، وتفسير القرطبي (2/47) ، ومقدمة ابن خلدون ص 502، فقد اجتمعت عندي هذه الفروق من ذلك كله، لكني أثبتها بنقاط محددة تيسيرًا على أخي القارئ.

(1/202)


المعجزة ... السحر 1- ... مقترنة دومًا بدعوى النبوة، وبالتحدي لإثبات صدقها. ... 1- ليس فيه دعوى للنبوة، أو تحدٍّ لإثباتها. 2- لا توجد إلا من نبي، ولا يُمكِّن الله أحدًا أن يأتي بمثلها، أو بمعارضتها. ... 2- يوجد من الساحر وغيره، فيمكن معارضته، بل إبطاله. كما يمكن لجماعة الإتيان به في وقت واحد. 3- لا تكون إلا بما يُعجِز الخلقَ الإتيانُ بمثله. ... 3- لا يبلغ - إجماعًا - ما تبلغه المعجزة من مثل: فلق البحر أو قلب عصا حيةً، أو إحياء موتى ونحوه. 4- دالّة على فضل وشرف من ظهرت على يديه، ولا يكون المتحدّي بها إلا أفضل الناس خَلْقًا وخُلُقًا، محبّب لأصحابه معظم عندهم. ... 4- دالّ على كفر صاحبه وفسقه، فأثر السحر لا يجري على المسحور، إلا حال كون الساحر مفتونًا في دينه خاسرًا لآخرته، ممقوت محتقر بين الناس. 5- خارق للعادة اتفاقًا، ليست مسبَّبة عن أمر عادي. ... 5- ليس خارقًا للعادة - على قول بعض أهل العلم - بل هو علم بأمر عادي يجري الله بمشيئته الكونية أثرًا في نفس المسحور عند تعلق نفس الساحر بذلك، أو قيامه بما يوجب السحر. والسحر إن اعتبر خرقًا للعادة - وهو قول الأكثر - فإنه يبقى أنه ليس موجبًا لحدوث أثره، ولا علة مطّردة لوقوعه، ولا سببًا مولّدًا لذلك. بل قد يقع الأثر وقد لا يقع، فهو من جملة ما يُحدِثه الله تعالى ابتلاءً وفتنة عند وجود السحر.

(1/203)


المعجزة ... السحر 6- يكون أثرها على كافة الخلق. ... 6- مختص أثره بمن عُمِل له لا يتعداه. 7- القصد منها: نصرة الدين ووجوب اتباع المرسلين. ... 7- القصد منه: إيقاع الضر والأذى، مع الإفساد والإضلال. 8- يكون وقوعها بمحض المنة من الله تعالى على عبده بقصد تأييد دعوى نبوته، لهداية قومه. ... 8- يكون وقوعه من الساحر بعد أشياء يفعلها وقوى يمازج بينها، ومعاناة يتكبدها، وعلوم يتقنها بمشقة، ورياضات وخلوات. هذه وجوه ثمانية يتبين بها الفرق بين المعجزة والسحر جليًا، وقد يكون ثَم غيرها، لكن في ذلك القدر كفاية لبيان خِسّة السحر وأهله، وافتراقهم ظاهرًا وباطنًا عما جاء به المرسلون عليهم السلام. ب- الفرق بين الكرامة (1) والسحر. يتبين الفرق بينهما من وجوه، منها: الكرامة ... السحر 1- حدوثها يكون ابتداءً من الله تعالى محبة بعبده الولي وإظهارًا لصدق نبوة من اتبعه ذلك الولي. ... 1- حدوثه يكون - كما سبق - بأشياء يفعلها الساحر ومعاناة يعانيها. _________ (1) الكرامة: «ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة» . انظر: تعريفات الجرجاني، ص 235. ... يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (من أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وما يُجْري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة) . انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (3/156) .

(1/204)


الكرامة ... السحر 2- حدوثها دال على صلاح العبد وعلمه بأحكام الشريعة وحسن عمله بها. ... 2- حدوثه دال على كفر الساحر وفسقه، وجهله، وتعدّيه حدود الله، باستعانته بالشياطين والتقرب إليهم. 3- يخفيها من ظهرت على يديه جاهدًا، طلبًا لرضى الله تعالى وتواضعًا له سبحانه. ... 3- يفاخر به الساحر، ويعمل جاهدًا لإظهاره، طلبًا للسلطة والتكسب. هذه بتفصيل الوجوه التي يفترق بها كل من المعجزة والكرامة عن السحر، ويبقى أنها جميعًا تتفق في كونها خوارق للعادة، لكن يفترق السحر والكرامة من جهة عن المعجزة: أن الولي والساحر لا يتحديان بانخراق العادة، ولو فُرض أنهما تحديا الخلق بانخراق العادة لم تنخرق لهما، لكن النبي تقترن معجزته دومًا بدعوى النبوة، والتحدي لإثباتها. والله أعلم. ثالثًا: بيان أحكام السحر والسحرة: لا ريب بأن هذا الباب هو واسطة عِقْد نظام هذا الفصل وقطب رحاه، إذ هو المقصود منه، بل المقصود من مجمل الكتاب، فلو أدرك أولئك السحرة والمشعوذون جسيم خطر ما يقدمون عليه، ولو تفهم كثير من الناس حقيقة هؤلاء وعاقبة أمر من يأتيهم ويتبع أثرهم، لولوا مدبرين عن ذلك كله، إلا أن الشياطين سولت لهؤلاء بأن أعمالهم قد تندرج في علوم الدين وأصوله، فها هم هؤلاء يجعلون أوفاقًا بأسماء الله الحسنى، وقرعات بآيات الكتاب، وحروزًا وأحجبة نسبوها زورًا لآل البيت الأطهار، ومثلثات لعلماء أخيار، وأقسامًا على ملائكة أبرار، واستخدامًا لملوك الجن بحيازة الاسم الأعظم لله العلي الجبار، فما المعيب في ذلك كله ما دام أنه باسم الدين ومحبة بعباد الله الصالحين؟! نعم، هذا هو زعم كثير من هؤلاء، ثم إنهم

(1/205)


ازداد عملهم حُسنًا وتشبّع خيرًا - بزعمهم - حيث هرعوا إلى نجدة المرضى وجلب المسروق، وإخراج الجن الصارع من بدن الممسوس، فعظم تأثر الناس بهم، وافتتانهم بهم، أقول: لو علم الناس حقيقة هؤلاء الذين يفتّون في عضد الإسلام، ويحاولون دك أركانه، وأنهم من جنس عبدة الشياطين، والمشركين والمستقسمين بالأزلام، والصابئة عبدة النجوم، وأنهم سحرة مارقون من الدين، وكهنة تتنزل عليهم الشياطين، ودجالون مشعوذون يطلبون فتات الدنيا وحطامها، لانفض كثير من الناس عنهم، فلا يُظن بمسلم أن يرضى لتعاليم الإسلام السمحة، التي أفاضت على الإنسانية قرونًا خيرًا وعلمًا وحقًا، أن تغدو ألغازًا وطلسمات وحجبًا وتعويذات، وأن يتزاحم أهل الإسلام طالبين العلاج الروحاني من أسرار الحروف، وخواص الأعداد، وقدرات الأفلاك. هذا، وإن الشريعة لم تَدَع أمر هؤلاء يخبطون في مصائر الخلق خبط عشواء، بل أكدت النصوص الكريمة كونهم من حزب الشيطان، وأنهم صائرون إلى ما يصير إليه من الخسران، فلم تفسح لهم ولو كمَفْحَص قَطاةٍ (1) في حظيرة الإيمان، أو تؤمّلهم ولو بموضع سوط في جنان الرحمن. فواعجبًا ممن رضي بالنجم ربًا وبالسحر والكهانة دينًا، وبالاستقسام استخارة ودليلاً، ونبذ كتاب الله وراء ظهره، وأخرج هدي رسول الإسلام من قلبه قبل عقله، وحفظ الدعوات الشركية وهجر الاستجارة برب البرية، ثم هو من بعد ذلك كله قصد الضرّ بالعباد، بيد أنه نصح من تعلّم منه ألا يعمل هذا الضر إلا لمستحقه، ومِن فَرْط تقواه فقد نبّه المتعلم إلى ضرورة استحضار تقوى الله في عمل السحر، فإنه إن عمل ذلك لغير مستحقه فهو _________ (1) القطاة: نوع من الطير، تحفر في الأرض موضعًا كأنها تفحص فيه لتبيض فيه، واسم ذلك الموضع مَفحَص، ومنه قيل فحصت عن الشيء إذا استقصيت في البحث عنه، وتفحّصت مثله. انظر: المصباح المنير (فحص) . وفي الحديث: «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة، لبيضها أو أصغر، بنى الله له بيتًا في الجنة» . أخرجه أحمد في مسنده (1/241) ، من حديث عبد الله بن العباس رضي الله عنهما. وهو حديث صحيح بشواهده. انظر: «صحيح الجامع» برقم (6129) .

(1/206)


المسؤول عن ذلك يوم التناد!! أما سمع أحدهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُْولى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (1) ؟! أخي القارئ؛ بعد أن تبين لك حقيقة السحرة، وقبح فعالهم، هاك أحكام هؤلاء في الفقه الإسلامي؛ وهي - مع تشعّبها - مُتضمَّنة في مبحثين اثنين، كالآتي: الأول: بيان حكم تعلّم السحر، وتعليمه. الثاني: بيان الأحكام المتعلقة بالساحر، وفيه خمسة مطالب: 1- ... حكم ساحر المسلمين. 2- ... حكم ساحر أهل الكتاب. 3- ... حكم النساء السواحر. 4- ... هل يُستتاب الساحر، وهل تقبل توبته؟ 5- ... ما هي النُّشْرة؟ وهل يُسأل الساحر حلَّ السحر؟ _________ (1) أخرجه البخاري؛ كتاب: أحاديث الأنبياء، بابٌ بعد باب حديث الغار، برقم (3484) ، عن أبي مسعود (عقبة بن عمرو) البدريّ الأنصاريّ رضي الله عنه. وفي معنى الحديث أوجهٌ من أحسنها: أنه توبيخ ووعيد، فمن لم يستحْي من فعل القبيح فَعَل ما أمره به هواه وما حدثته به نفسه، وليفعل ما هو فاعل فإنه مجزي به، فإن الله يراه، وسوف يجازى على قبيح صنعه.

(1/207)


المبحث الأول: بيان حكم تعلم السحر، وتعليمه. [إن الحكم في ذلك مترتب - كما لا يخفى - على إثبات أن ما يتعلمه المتعلم سحرًا؛ فإن الله تعالى قال في الملكين: [البَقَرَة: 102] {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} ، فبيّن عزّ وجلّ أن متعلم السحر بمجرد تعلّمه يكفر سواء عمل به وعلّمه أو لا. فالملكان عرفا أن السحر من الكفر، وأن من تعلمه خرج الإيمان من قلبه. كذلك، فإن الله سبحانه قد أيأس من ارتضى تعلم السحر من نصيبه في الجنة، فقال تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} ، وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه، فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة، فمن حُرِمها فلا حظ له بإيمان. ثم إن من أصرح الأدلة على كفر المتعلم للسحر ونفي الإيمان عنه بالكلية قوله تعالى: [البَقَرَة: 103] {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} . فإنه لا يقال للمؤمن المتقي ولو أنه آمن واتقى، وإنما يقال ذلك لمن كفر وفجر] (1) . إذا تقرر ذلك يُنظر بعدها في القدر المتعلَّم الذي يصير به المتعلِّم كافرًا والعياذ بالله، [فإن كان السحر مما يُعظّم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومما يؤدي إلى الكفر كذلك تعلم سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة فإنه كفر بلا نزاع؛ كما دل عليه قوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ، وقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} ، وقوله عزّ وجلّ: [طه: 69] {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، ثم إن كان السحر المُتعلَّم لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمةً شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر] (2) . _________ (1) انظر: معارج القبول للعلاّمة حافظ الحكمي رحمه الله (2/695) . (2) انظر: أضواء البيان للعلاّمة الشنقيطي رحمه الله (4/494) .

(1/208)


[فالقول بأن السحر كفر على الإطلاق لا يستقيم، وأنه يجب البحث عن مرتبة السحر، فإن كان على التخييل فلا ريب أنه ليس بكفر إنما هو معصية وفسق، لكن إن كان السحر على الحقيقة ننظر؛ فإن كان في ذلك ردّ ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر، وإلا فلا، فليس كل ما يسمى سحرًا كفرًا، إذ ليس سبب التكفير ما يترتب عليه من الضرر، بل لما يقع به ويلازمه مما هو كفر؛ كاعتقاد انفراد الكواكب بالربوبية، أو إهانة قرآن، أو كلام مُكفِّر ونحو ذلك] (1) . ويدخل في ذلك: [الساحر المتعلم من الشياطين فإن كلَّ تعلُّمِه كفر؛ قليله وكثيره، كما هو ظاهر القرآن] (2) . أخي القارئ، يتحصل مما سبق في حكم تعلم السحر وتعليمه أمور، أوجزها بما يلي: 1- ... ينبغي ابتداءً التثبُّتُ من كون المُتعلَّم سحرًا. 2- ... إن كان هذا السحر على الحقيقة لا على التخييل أو المجاز، يُنظر بعدها في نوعه. 3- ... إن ثبت أن نوع السحر الحقيقي من جنس ما يعظّم فيه غير الله تعالى، أو يُستهزأ فيه بالدين، كإهانة مصحف أو استحلال محرّم مجمع على تحريمه، أو كان فيه تصريح بكلام مكفّرٍ، أو القيام بما يقتضي التكفير من نحو سجود لنجم أو تذللٍ لشيطان أو استغاثة صريحة به، أو تعلّم ما اتفق على كونه سحرًا كسحر بني إسرائيل المتلقى عن شياطينهم، أو سحر هاروت وماروت، كان ذلك القَدْر من التعلم وشروطه كافيًا للحكم بأنه كفر، وأن متعلمه ومعلّمه قد انتفى عنهما وصف الإيمان، والعياذ بالله تعالى. _________ (1) انظر: حاشية ابن عابدين (1/31) . (2) انظر: معارج القبول للعلامة الحكمي (2/699) .

(1/209)


4- ... فإن كان سحرًا حقيقيًا - من غير ما سبق - كالسحر بخواص النفوس القوية، أو بخواص العناصر الأرضية كدهن خاص أو مائعات خاصة، أو بخواص أدوية وعقاقير كالمرائر والأكباد والأدمغة لحيوانات معينة، مما له أثر في الواقع على المسحور بتغير الطبع أو العادة ونحوه، فإن ذلك السحر يحرم حرمة شديدة، لكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر، إلا إذا استحلّ الساحر ما يفعله، واعتقد إباحته، والله أعلم. بقي استكمالاً لبيان هذا المبحث التنبيه على مسألة أوردها أبو عبد الله الرازي في «تفسيره» . تفيد بأن علم السحر ليس بقبيح ولا محظور بل هو جائز وقد يكون واجبًا في حال من الأحوال، مما يُشكِل على قارئه، ويوهمه خلاف المذهب الحق، أردت نقلها كما هي، ومن ثم إثبات وجوه ردّ الإمام ابن كثير عليه بنص كلامه، إتمامًا للفائدة إن شاء الله تعالى. قال الإمام ابن كثير رحمه الله - في تفسيره (1) ناقلاً كلامًا للرازي من تفسيره: [المسألة الخامسة: في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: [الزُّمَر: 9] {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ، ولأن السحر لو لم يكن يُعلَم لَما أَمْكَنَ الفرقُ بينه وبين المُعجِز، والعلم بكون المُعجِز مُعجِزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا كيف يكون حرامًا وقبيحًا؟] ثم قال الإمام ابن كثير رادًا عليه في هذه المسألة ما نصه: [هذا لفظُه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظرٌ من وجوه، أحدها: قوله: (العلم بالسحر ليس بقبيح) ، إن عنى به ليس بقبيح عقلاً، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون _________ (1) انظر: في نقل المسألة وردّها، ص 129-130 من التفسير المذكور، ط - بيت الأفكار.

(1/210)


هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا ففي هذه الآية الكريمة - أي قوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} - تبشيع لتعلّم السحر، وفي الصحيح: «مَنْ أَتى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (1) ، وفي الأثر: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً وَنَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ» (2) ، وقوله أي الرازي-: (ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك) ، كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث، واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصُهم على ذلك، ثم إدخالُه السحر في عموم قوله تعالى: [الزُّمَر: 9] {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ، فيه نظر؛ لأن هذه الآيةَ إنما دلت على مدح العالِمين بالعلم الشرعي، ولِمَ قلتَ إن هذا - أي علم السحر - منه؟! ثم ترقِّيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن معظمَ معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم إن العلم بأنه - أي: القرآن العظيم - مُعجِز لا يتوقف على علم السحر أصلاً. ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتَهم، كانوا يعلمون المُعجِز، ويفرّقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلّموه ولا علّموه، والله أعلم] . لقد بيّن الإمام ابن كثير رحمه الله فيما سبق تهافت القول بجواز تعلم السحر أو وجوبه، وقد ذكر رحمه الله - في ثنايا وجوه الرد - انعدام نص قول أيٍ من أهل التحقيق في العلم بجواز تعلم السحر وعدم حظر ذلك، وقد يكون مناسبًا في هذا المقام إثبات بعض نصوص _________ (1) تقدم تخريجه ص: 93 بالهامش ذي الرقم (2) . (2) تقدّم تخريجه وأنه حديث ضعيف، ص94 بالهامش ذي الرقم (3) .

(1/211)


هؤلاء، وهم جمهور العلماء على ما نقله الإمام ابن كثير أيضًا في تفسيره (1) عن الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة (2) في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) ، حيث قال: [اختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك، ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إنْ تعلّمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلّمه معتقدًا جوازه أو أنه ينفعه كَفَرَ، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر، وقال الشافعي رحمه الله: إذا تعلّم السحر قلنا له: صِفْ لنا سحرك، فإنْ وَصَفَ ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابلَ من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يُلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفرَ فإن اعتقد إباحته فهو كافر] . اهـ. هذا ويقول ابن قدامة المقدسي رحمه الله: (تعلم السحر وتعليمه حرام على المذهب الصحيح، لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم) (3) . ويقول النووي رحمه الله: (تعلّمُ السحر حرام على المذهب الصحيح، وبه قطع الجمهور، كالفلسفة والشعبذة والتنجيم وعلوم الطبائعيين وكل ما كان سببًا لإثارة الشكوك) ، ويقول أيضًا: ويحرم تعلمه وتعليمه لقوله تعالى: [البَقَرَة: 102] {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ، فذمّهم على تعليمه، لأن تعلّمه يدعو إلى فعله وفعله محرّم، فحرم ما يدعو إليه (4) . هذا وقد يكون من أصرح ما يدل على علة تحريم تعلّم السحر، ما تنبّه إليه العلاّمة الشنقيطي رحمه الله، بقوله: (اعلم أن الناس قد اختلفوا في تعلم السحر من غير عمل به، _________ (1) انظر: ص 132 من التفسير المذكور، ط - بيت الأفكار. (2) هو الوزير الصالح العالم العادل يحيى بن محمد، ويكنى أبا المظفّر، (499-560هـ) ، حفظ القرآن الكريم وختمه بالقراءات والروايات، وكان عبدًا لله تقيًا. انظر: ترجمته مستوفاة في «شذرات الذهب» (4/191-197) ، و «ذيل طبقات الحنابلة» (3/251-289) . (3) انظر: المغني مع الشرح الكبير (10/106) . (4) انظر: المجموع شرح المهذب (1/27) - (19/240) .

(1/212)


هل يجوز أو لا؟ والتحقيق وهو الذي عليه الجمهور: هو أنه لا يجوز، ومن أصرح الأدلة في ذلك تصريحه تعالى بأنه يضرّ ولا ينفع في قوله: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} وإذا أثبت الله أن السحر ضار، ونفى أنه نافع، فكيف يجوز تعلّم ما هو ضرر محض لا نفع فيه؟! (1) . وإذا كان لي ختامًا من بيانٍ لعلة تحريم تعلّم السحر، فقد أشارت إلى ذلك الآية الكريمة: [البَقَرَة: 102] {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} فإن مفهوم الآية قد دلّ بوضوح على التحريم، إذ هي نصت على كون تعلم السحر فتنة، وهذا متضمّن للتحذير الشديد من تعلّمه، كما أنها رتبت كفرًا على من تعلمه، فكيف يكون تعلُّم أمرٍ يفتن المرءَ عن دينه، ويعرّضه للكفر، كيف يكون ذلك حلالاً؟! كذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نصّ على أن السحر من الموبقات السبع، في قوله صلى الله عليه وسلم: «اِجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكَ بِاللهِ، وَالسِّحْرَ، وَقَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلَ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (2) . فكيف يكون تعلّم المُوبِق المهلك - وقد سبقه الشركُ ولحق به أعظمُ الكبائر - حلالاً؟! أما قول الإمام ابن حجر رحمه الله في تجويز بعض أهل العلم تعلم السحر لأسباب: (وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفرٌ عن غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فأما الأول - أي بقصد التمييز - فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد، فمعرفة الشيء _________ (1) انظر: أضواء البيان له (4/501) . (2) متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: الشرك والسحر من الموبقات ومسلم؛ كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها وانظر: - رحمك الله - إلى عظيم فقه الشيخين، في اختيار عنواني الباب، فكأن البخاري رحمه الله يشير به قرب مأخذ السحر من الشرك واتحاده به، وكأن مسلمًا رحمه الله يشير إلى أن هذه الموبقات - ومنها السحر - هي من أكبر الكبائر.

(1/213)


بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به. وأما الثاني - أي: تعلم السحر بقصد إزالته عمن وقع فيه - فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يَحِلّ أصلاً، وإلا جاز للمعنى المذكور، وهذا فصل الخطاب في هذه المسألة (1) . اهـ. فإن عبارة الإمام الأخيرة المفيدة لجواز تعلم السحر إن لم يشتمل على كفر أو فسق بقصد إزالة السحر عن المسحور قد يُشكِل فهمُها على ظاهرها، إلا أن الإمام رحمه الله قد بيّن مراده بهذا، في باب (هل يستخرج السحر) ، فذكر أن الجواز المذكور هو تعلم النشرة، وأنها على نوعين منها ما يكون بالرقى والأدعية والتعويذ، ومنها النشرة التي هي من عمل الشيطان، وهي المشتملة على تعلّم نوع من أنواع السحر. وأن حكم تعلم الأخيرة يختلف بقصد المتعلم، فمن قصد خيرًا فخير؛ وإلا فهو شر. ومع هذا البيان، فقد ذكر العلاّمة الشنقيطي بعد أن ساق كلام الإمام ابن حجر هذا ردًا مقتضبًا هاك نصه: (قوله - أي بجواز تعلم السحر إن لم يشتمل على نوع كفر أو فسق - خلاف التحقيق، إذ ليس لأحد أن يبيح ما صرّح الله بأنه يضر ولا ينفع، مع أن تعلمه قد يكون ذريعة للعمل به، والذريعة إلى الحرام يجب سَدّها، هذا هو الظاهر لنا، والعلم عند الله تعالى] (2) . اهـ. أخي القارئ، أما وقد تبين لك مذهب عامة علماء المسلمين إلى تحريم تعلم السحر وتعليمه حرمة شديدة، وأنه إن اشتمل على تعظيم مخلوق أو تقرب إليه من دون الله، أو اعتقاد بحِلِّ السحر، صار مكفّرًا بإجماعهم، وأنه إن كان من التخييل والشعوذة فإنه يحرم كذلك لكنه لا يكون مكفّرًا، إلا إذا اشتمل على استعانة صريحة بشيطان ونحوه. أقول: حيث تبين لك ذلك، أنتقل بعدها - مؤسِّسًا على ما سبق - إلى حكم الساحر، وبالله التوفيق. _________ (1) انظر: فتح الباري (10/235) . (2) انظر: أضواء البيان له (4/503) .

(1/214)


المبحث الثاني: بيان الأحكام المتعلقة بالساحر. هذا المبحث يشتمل على كل من المطالب الآتية: 1 - حكم ساحر المسلمين. 2- حكم ساحر أهل الكتاب. 3- حكم السواحر من المسلمات. 4- حكم قبول توبة الساحر. 5- حكم النُّشْرة، وهي حل السحر بسحر مثله. 1- حكم ساحر المسلمين (1) - وهو من تعلم سحرًا وعمل به وكان من المسلمين -: فالتحقيق أن يُنظر في السحر الذي استعمله فإن كان سحرًا مما ثبت أن الله تعالى قد كفّر بتعلمه من سحر هاروت وماروت، - ومنه سحر التفريق - أو مما تقولته الشياطين على ملك سليمان عليه السلام، أو ثبت أنه سحر اشتمل على كفر باعتقاد أو قول أو فعل، فلا شك بأن الساحر عندها يقتل كفرًا - أي أنه يستحق بكفره بسحره ما يستحقه المرتد - لقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» (2) ، وأما إن كان الساحر قد عمل السحر الذي لا يبلغ بصاحبه الكفر - كالاستعانة بخواص النفوس أو الخواص المنسوبة إلى بعض الحقائق، أو استعماله لعقاقير وتدخينات تؤثر في بدن المسحور وإرادته - فهذا هو محل الخلاف بين العلماء، فمنهم من قال: يُقتل حدًا إذا عمل بهذا السحر، سواء قتل بسحره أحدًا أم لم يقتل، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم الأئمة: مالك وأبو حنيفة وأحمد في أصح الروايتين، وذهب الشافعي وابن المنذر ومن وافقهما إلى أن الساحر لا يقتل إن عمل بسحر لا _________ (1) استفدت هذا المطلب بكماله من أضواء البيان للعلاّمة الشنقيطي رحمه الله. وذلك باقتباسٍ واختصارٍ بما ييسّر على القارئ. انظر: منه (4/497-501) . (2) أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه؛ منها في كتاب الجهاد والسِّيَر، باب: لا يُعذّب بعذاب الله، برقم (3016) ، وفي كتاب: استتابة المرتدين، باب: حكم المرتد، برقم (6922) ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما.

(1/215)


يبلغ به الكفر، إلا إن قتل بسحره نفسًا معصومة فإنه يُقتل بها قصاصًا لا حدًّا (1) . وقد استدل كل من أصحاب القولين بأدلة، فاحتج القائلون بالقتل حدًا بحديث: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» (2) أو: «ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» ، واحتجوا كذلك بثلاثة آثار عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم عمر وابنته حفصة أم المؤمنين وجُنْدَب بن كعب الأزدي رضي الله عنهم، أما الأول: فعن عمر رضي الله عنه (أنه كتب قبل موته بسنة أنِ اقتلوا كل ساحر، قال - أي بجالةُ بن عبدة -: فقتلنا في يوم ثلاث سواحر) (3) . وفي روايةٍ: (اقتلوا كلَّ ساحر وساحرة) (4) . والثاني: أن حفصة زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها، سحرَتْها، وقد كانت _________ (1) قال ابن حجر في «الفتح» (10/247) وقال الشافعي: لا يُقتل إلا إن اعترف أنه قتل بسحره فيُقتل به. فإن اعترف أن سحره قد يقتل وقد لا يقتل، وأنه سحره وأنه مات لم يجب عليه القصاص، ووجبت الدية في ماله لا في عاقلته، قال ابن حجر رحمه الله بعدها: ولا يُتصوّر القتل بالسحر بالبيّنة. - أي: أنه لا يمكن إثبات حدوث قتل بسحر، لا بشهادة الساحر أو غيره، ولا بأثر السحر - ثم قال: وادعى أبو بكر الرازي في الأحكام (3/195) : أن الشافعي تفرّد بقوله إن الساحر يُقتل قصاصًا إذا اعترف أنه قتله بسحره، والله أعلم. (2) أخرجه الترمذي - مرفوعًا -، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في حد الساحر، برقم (1460) ، عن جُنْدَب بن كعب الأزدي البَجَلي رضي الله عنه. قال الترمذي: (لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعّف في الحديث، والصحيح عن جندب موقوف، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس وقال الشافعي: إنما يُقتل الساحر إذا كان يعمل من سحره ما يبلغ الكفرَ، فإذا عمل عملاً دون الكفر فلم ير عليه قتلاً) . اهـ. وقال ابن كثير في تفسيره (ص 129) بعد أن ذكر تضعيف الترمذي الحديث بإسماعيل بن مسلم، قال: قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر (الكبير 2/1666) ، عن الحسن، عن جُنْدَب مرفوعًا، والله أعلم. والحديث ضعّفه الألباني كما في «الضعيفة» برقم (1446) . (3) أخرجه البخاري؛ كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، برقم (3156) . واللفظ المذكور أثبته ابن حجر في الفتح من زيادة مسدد وأبي يعلى في روايتَيْهما. (4) أخرجه البيهقي في الكبرى (8/136) ، عن بجالة أيضًا.

(1/216)


دبّرتها (1) . فأمرت بها فقُتِلت (2) . أما الأثر الثالث: فهو ما روي عن جُنْدَب البَجَلي أنه قتل ساحرًا كان عند الوليد بن عقبة، ثم قال: [الأنبيَاء: 3] {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} (3) . قال ابن كثير رحمه الله (4) : (وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيردّ إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين (5) ، فلما كان الغدُ جاء مشتملاً على سيفه، وذهب الساحر يلعب لعبَه ذلك، فاخترط الرجل سيفَه فضرب عُنُق الساحر، وقال: إن كان صادقًا فليُحْيِ نفسه، ثم تلا قوله تعالى: [الأنبيَاء: 3] {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} ، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه، والله أعلم. اهـ. تلك هي الآثار الثلاثة التي احتج بها القائلون بقتل الساحر مطلقًا، ويعتضد ذلك بحديث: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» (6) ، والآثار المذكورة والحديث فيهما دلالة قوية على أنه يقتل ولو لم يبلغ به سحره الكفر، لأن _________ (1) «دبّرتها» ، أي أن حفصة رضي الله عنها كانت قد علَّقت عتقَ هذه الجارية على موت حفصة، فاستعجلت الساحرة موت حفصة بسحرها، فأمرت حفصةُ بها فقُتِلت. (2) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (10/135/90290) ، وعبد الرزاق في «مصنفه» (10/180-181/18747) ، والبيهقي (8/136) ، بإسناد صحيح. وأخرجه مالك في «الموطأ» (43/19) ، كتاب العقول، باب: ما جاء في الغيلة والسحر. (3) أخرجه الدارقطني في «سننه» (3/114) ، ومن طريقه البيهقيُّ (8/136) ، وابن عساكر في «تاريخه» (11/309) بإسناد صحيح. (4) انظر: تفسيره ص 129، ط - بيت الأفكار. (5) هو جندب بن عبد الله بن سفيان البَجَلي، العَلَقي، له ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفقا على سبعة وانفرد مسلم بخمسة، روى عنه الحسن وابن سيرين وأبو مِجْلَزْ، مات بعد الستين. انظر: ترجمته في «أُسْد الغابة» برقم (804) ، «والإصابة» برقم (116) ، و «الاستيعاب» برقم (344) . ولعلّ الصحيح أن قاتل الساحر هو جندب الخير، وهو ابن كعب الأزدي، التابعي، لا جندب البَجَلي العلقي الصحابي، والله أعلم. (6) سبق تخريجه قريبًا بالهامش ذي رقم (2) من ص220. وأنه حديث ضعيف.

(1/217)


الساحر الذي قتله جندب رضي الله عنه كان سِحْرُه من نحو الشعوذة والأخذ بالعيون، حتى إنه يُخيِّل إليهم أنه أبان رأسَ الرجل، والواقع بخلاف ذلك. وقول عمر رضي الله عنه: «اقتلوا كلَّ ساحر» يدل على ذلك أيضًا؛ لمجيئه بصيغة العموم. واحتج من قال: بأنه إن كان سحره لم يبلغ به الكفر لا يقتل بحديث ابن مسعود: «لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلاَّ بِإِحْدى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» (1) ، وقالوا: إن السحر الذي لم يكفر صاحبُه ليس من الثلاث المذكورة. واحتجوا أيضًا بأن عائشة رضي الله عنها باعت مدبّرة لها سحرَتْها (2) ، ووجه الدلالة: أنه لو وجب قتلها لما حلّ بيعها. أخي القارئ، هذا عرض بما يتسع له المقام لأقوال العلماء في حكم قتل الساحر الذي تعاطى سحرًا حقيقيًا، لكنه لا يبلغ به الكفر، أذكر بعدها ترجيحًا في ذلك للعلاّمة الشنقيطي رحمه الله، حيث قال: [والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، ولم يقتل إنسانًا: أنه لا يُقتل، لدلالة النصوص القطعية، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح. وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سُنَّة مرفوعة غير ظاهر عندي. والعلم عند الله تعالى. مع أن القول بقتله مطلقًا قوي جدًا لفعل الصحابة له من غير نكير] (3) . اهـ. هذا ما رجّحه الشنقيطيُّ رحمه الله من التورع عن قتل امرئ مسلم إلا بدليل قطعيِّ الثبوت والدلالة، مع إشارته - في ختام كلامه - إلى قوة مذهب _________ (1) متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الديات، باب قول الله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَْنْفَ بِالأَْنْفِ وَالأُْذُنَ بِالأُْذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المَائدة: 45] . ومسلم؛ كتاب: القَسامة والمحاربين، باب: ما يباح فيه دم المسلم، برقم (1676) . (2) أخرجه (6/40) ، ومالك في «الموطأ» برقم (1635) ، باب: ما جاء في حد بيع المدبر، وقد صحّح إسناده الحافظ في «التلخيص» (4/41) . (3) انظر: أضواء البيان للعلاّمة الشنقيطي (4/501) .

(1/218)


الجمهور بالقتل مطلقًا، بما يُشعر بأن ترجيحه فيه عنده نظر، وبخاصة إذا عرفت أنه قد صرّح في موضع آخر بوجوب قتل ساحر أهل الذمة، وأنه لا يكون أشد حرمة من ساحر المسلمين، بل يقتل كما يقتل ساحر المسلمين (1) . كذلك فقد رجّح الإمام القرطبي منع قتل الساحر إلا إن اشتمل سحره على كفر، فقال بعد أن نقل قول ابن المنذر بهذا المذهب واحتجاجه له، قال: قلت: وهذا صحيح، ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف، والله تعالى أعلم (2) . ولعلّ المختار في ذلك ما كاد أن يكون إجماعًا من كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ، وتابعيهم (4) ومن تبعهم (5) ، وكان عليه عملهم، من وجوب قتل الساحر مطلقًا لردته بسحره، سواء أتى بسحره بمكفِّرٍ، أو قتل به نفسًا معصومة أم لا. وهو مذهب الأئمة: أبو حنيفة ومالك وأحمد في أصح الروايتين - كما ذكر آنفًا - وقد رجح ذلك صاحب المغني (6) ، كما رجحه العلامة ابن عثيمين رحمه الله (7) والحافظ أبو بكر المالكي رحمه الله (8) . وقد يكون مناسبًا في هذا المقام إيراد أقوال بعض الأئمة الناقلين لوجوب قتل الساحر مطلقًا: _________ (1) انظر: أضواء البيان له (4/511) . (2) انظر: تفسير القرطبي (2/48) . (3) من القائلين بذلك من الصحابة: عمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وحفصة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجندب البجلي، وأبو موسى الأشعري. (4) من التابعين القائلين بوجوب القتل مطلقًا: عمر بن عبد العزيز، عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، الحسن البصري، وغيرهم، وعدّتهم سبعة كما ذكر القرطبي في تفسيره (2/47) . (5) من تابعي التابعين القائلين بذلك: أبو حنيفة ومالك وأحمد وأبو ثور وإسحاق بن راهْوَيْه وابن شهاب. (6) انظر: المغني مع الشرح الكبير، لابن قدامة المقدسي (10/116) . (7) انظر: المجموع الثمين من فتاوى الشيخ ابن عثيمين (2/134) . (8) انظر: عارضة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للإمام أبي بكر المالكي (3/195) .

(1/219)


- ... قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أكثر العلماء قالوا على أنه يقتل، أي: الساحر) ، وقال أيضًا: (أكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله) (1) . - ... وقال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: (وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المنصوص عنه، وهذا هو الماثور عن الصحابة، كعمر وابنه، وعثمان، وغيرهم) (2) . - ... وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: (وحد الساحر القتل؛ روي ذلك عن عمر، وعثمان ابن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب ابن كعب - أي الأزدي (3) - وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة ومالك) ، ثم نقل رحمه الله أثر عمر رضي الله عنه: (أن اقتلوا كل ساحر) ، ثم قال: (وهذا اشتهر فلم يُنكَر، فكان إجماعًا) (4) . - أما الإمام الشوكاني؛ فبعد أن قرر وجوب قتل الساحر، عاد فرجّح مذهب الشافعيّ رحمه الله بتقييد ذلك بما إذا تضمن ذلك السحر كفرًا، فقال رحمه الله: «باب من يستحق القتل: هو الحربي، والمرتد، والساحر،....» ثم قال: _________ (1) انظر: في الموضع الأول مجموع الفتاوى (28/346) ، وفي الثاني (29/384) . (2) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص 505. (3) قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (2/46) في قصة ساحر الوليد بن عقبة وقتل جندب له، قال: (فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب، هذا هو جندب بن كعب الأزدي، ويقال البَجَلي ... ) إلى آخر كلامه. وقد يفهم من قوله، ويقال البجلي، أن جندبَ الأزدي وجندب البجلي مُسمَّيان لصحابي واحد، والواقع أن جندب البجلي هو العَلَقي، وهو له صحبة، ومات بعد الستين، لكن قاتل الساحر هو جندب الخير الأزدي وهو ابن كعب، وقد اختُلِف في صحبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال أبو عبيد: قتل بصفّين. انظر: تقريب التهذيب ص 121. (4) انظر: المغني مع الشرح الكبير، له (10/116) .

(1/220)


«وأما الساحر فلِكَوْن عمل السحر نوعًا من الكفر، ففاعله مرتد يستحق ما يستحق المرتد» ، ثم قال بعدها: «والأرجح ما قاله الشافعي، لأن الساحر إنما يُقتل لكفره، فلا بد أن يكون ما عَمِله من السحر موجبًا للكفر» (1) . هذا، والنُّقول عن العلماء في هذه المسألة عديدة، يصعب حصرها (2) ، أقتصر على ما أوردت منها، والله المستعان وعليه التُّكلان. 2- حكم ساحر أهل الكتاب: وهو المتعاطي للسحر حال كونه كتابيًا معاهدًا، أي ذميًا؛ يهوديًا كان أو نصرانيًا، فعند الجمهور: مالك والشافعي وأحمد أنه يُعزَّر ولا يُقتل، واحتجوا بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتل لبيد بن الأعصم، وكان يهوديًا سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وعند أبي حنيفة: أنه يُقتل كما يقتل الساحر المسلم. قال الإمام الجصّاص مبينًا مذهب أبي حنيفة في وجوب قتل الساحر الذِّمِّي ما نصُّه: (العبد المسلم والذمّي والحرُّ الذمّي؛ مَن أقرَّ منهم أنه ساحر فقد حلّ دمُه، فيُقتل ولا يُقبل منه توبته) (3) . ويقول الإمام القرطبي - وهو مالكيُّ المذهب -: (وأما ساحر الذمة، فقيل: يُقتل، وقال مالك: لا يُقتل إلا أن يقتل بسحره ويضمن ما جنى، ويُقتل إن جاء منه ما لم يُعاهد عليه) (4) . _________ (1) انظر: نيل الأوطار، له (7/176) . (2) ما يجدر ذكره هنا أن من أهل العلم من ذهب إلى عدم قتل الساحر جملة! يقول ابن حزم رحمه الله رادًا على القائلين بقتل الساحر: (فَنَظَرُنا أن يكون لهم في الآية - أي آية السحر من سورة البقرة (102) - مُتعلَّق أصلاً، ولا في شيء من القرآن، ولا من السنن الصحاح، ولا في السنن الواهية، ولا في إجماعٍ، ولا في قول صاحب، ولا في قياس، ولا نظر، ولا رأيٍ سديد يصح، بل كل هذه الوجوه مبطلة لقولهم. انظر: المحلَّى (8/399) . (3) انظر: أحكام القرآن، للجصّاص (1/60) . (4) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (2/49) .

(1/221)


أما الإمام النووي فقد بيّن مذهب الشافعية بقوله: (إن الذمي عندهم لا يُقتل، فقد «سئل الزهري أعلى مَنْ سحر من أهل العهد قتلٌ؟ فقال: بلغنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صُنِع له ذلك فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب» (1) . أي لبيد بن الأعصم. وقد بيّن ابن قدامة المقدسي مذهب الحنابلة بقوله: وساحر أهل الكتاب لا يقتل لسحره، إلا أن يَقتل به، ويكون - أي سِحْرُه - مما يَقتُل غالبًا، فيُقتل الساحر قصاصًا، وذلك أن لبيد بن الأعصم سحر النبيَّ صلى الله عليه وسلم فلم يقتله، ولأن الشرك أعظم من سحره فلا يُقتل به، والأخبار وردت في ساحر المسلمين، لأنه يكفر بسحره، وهذا - أي ساحر أهل الكتاب - كافر أصلي) (2) . فائدة: قال ابن بطّال - شارح البخاري - رحمه الله بعد أن ذكر قول ابن شهاب الزهري: بلغنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم صُنِع له ذلك ... ، قال: (لا يُقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، لقول ابن شهاب، ولكن يعاقب، إلا أن يقتل بسحره، فيُقتل، أو يُحدِث حدثاُ فيؤخذ منه بقدر ذلك) (3) . هذا، وبعد الإعلام بأن الجمهور على عدم قتل ساحر أهل الكتاب، خلافًا لأبي حنيفة، فقد رجّح العلاّمة الشنقيطي رحمه الله القول بوجوب قتل ساحر أهل الذمة - كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله - وهاك قوله: (وأظهر الأقوال عندنا أنه لا يكون أشد حرمة من ساحر المسلمين، بل يُقتل كما يقتل ساحر المسلمين، وأما عدم قتله صلى الله عليه وسلم لابن الأعصم، فقد بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة، فدلّ على أنه لولا ذلك لقتله. وقد _________ (1) انظر: المجموع شرح المهذب (19/246) . (2) انظر: المغني مع الشرح الكبير (10/115) . (3) انظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطّال (5/358) .

(1/222)


ترك صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين لئلا يقول الناس محمد يقتل أصحابه، فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام، مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق، وهو عبارة عن المنافق، والله تعالى أعلم) (1) . 3- حكم المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تُقتل ولكن تُحبس، وقال الثلاثة - أي مالك والشافعي وأحمد - حكمها حكم الرجل على التفصيل الذي سبق، والله أعلم (2) . قال العلاّمة الشنقيطي رحمه الله بعد أن حكى الاختلاف السابق في حكم المسلمة الساحرة - مُرجِّحًا قول الجمهور -: (وأظهر القولين عندي: أن المرأة الساحرة حكمها حكم الرجل الساحر، وأنها إن كفرت بسحرها قُتلت كما يقتل الرجل لأن لفظة: «مَنْ» في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (3) ، تشمل الأنثى على أظهر القولين وأصحِّهما إن شاء الله تعالى. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: [النِّسَاء: 124] {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ، فأدخل الأنثى في لفظة (مَنْ) ، وقوله تعالى: [الأحزَاب: 31] {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ، إلى غير ذلك من الآيات) (4) . 4- حكم قبول توبة الساحر؟ قال ابن كثير في تفسيره (5) : (قال - أي الوزير ابن هبيرة - وهل إذا تاب الساحر تُقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنه لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل) . _________ (1) انظر: أضواء البيان، له (4/511) . (2) انظر: تفسير ابن كثير، ص 132، ط - بيت الأفكار. (3) سبق تخريجه ص219، بالهامش ذي الرقم (2) . (4) انظر: أضواء البيان، له (4/498) . (5) ينقله عن كتاب «الإشراف على مذاهب الأشراف» للوزير ابن هبيرة رحمهما الله. انظر: ص 132 من تفسير ابن كثير. ط - بيت الأفكار.

(1/223)


وقال القرطبي في تفسيره: (ذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا: يُقتل ولا يُستتاب، ولا تُقبل توبته، لأنه أمر يَسْتَسِرُّ به كالزنديق والزاني) (1) ، واحتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته، لأن السحر باطن لا يُظهره صاحبه فلا تُعرف توبتُه كالزنديق؛ وإنما يستتاب من أظهر الكفرَ مرتدًا. قال مالك: فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبًا قبل أن يُشهد عليهما قُبلت توبتُهما، والحجة في ذلك قوله تعالى: [غَافر: 85] {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} ، فدل على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب، فكذلك هذان) (2) أي: الساحر والزنديق. وقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم رحمه الله، بعد أن ذكر أثر عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: (اقتلوا كل ساحر) ، قال: (ظاهره أنه يُقتل من غير استتابة، وهو المشهور عن أحمد، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، لأن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة) (3) . اهـ. أما العلاّمة الشنقيطي رحمه الله فقد رجّح استتابة الساحر، وقبول توبته، وهاك قولَه (4) : (وأظهر القولين عندي في استتابته أنه يُستتاب، فإن تاب قُبلت توبته) ، ثم علل قبول توبة الزنديق (بأن الله تعالى لم يأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالتنقيب عن قلوب الناس، بل بالاكتفاء بالظاهر، وأن ما يخفونه في سرائرهم أمره إلى الله تعالى) . وظاهر ترجيحه رحمه الله أنه مختص بالساحر فيما إذا أسرّ بسحره أو لم يُقِرّ به، والله أعلم. _________ (1) انظر: (2/47) من التفسير المذكور. (2) انظر: كذلك تفسير القرطبي (2/48) . (3) انظر: حاشية كتاب التوحيد، له. ص 192. (4) انظر: أضواء البيان، له (4/497) .

(1/224)


5- حكم النُّشرة، وهي: حل السحر بسحر مثلِه، فإن الحكم في هذه المسألة بالجواز أو عدمه، ينبغي التأسيس له بمعرفة المقصود بحل السحر عن المسحور، هل هو عين النُّشْرة أم عمل آخر لا يتعلق بها؟ ولبيان ذلك لا بد من معرفة المقصود بالنشرة وبيان حكمها، ومن ثم تقرير حكم حل السحر عن المسحور بطريق السحر. أ- أما النُّشْرة - بالضمّ - فهي: (ضرب من العلاج، يُعالَج به من يُظن أن به سحرًا، أو مسًا من الجن، وقيل لها ذلك، لأنه يُنْشَر بها عنه ما خامره من الداء، أي يُكشف ويُزال) (1) . (وإذا نُشِّر المسفوع كان كأنما أُنشط من عقال) (2) ، ومعنى ذلك: (أن من به نظرة من الشيطان، أي علامة منه، أو ضربة واحدة منه، أو كان به إصابة بالعين، إذا عولج بالنشرة، حُلّ عنه ذلك سريعًا وقام كأنْ ليس به شيء) (3) . أما حكم النشرة ففيه تفصيل؛ وهو تبع لما تكون عليه، وهي على أحد ضربين: الأول: تعويذة مشروعة أو رقية جائزة مَقُولة أو مكتوبة (لتقرأ على المريض، ولينفث عليه بها، لا لِتُعَلَّق فتكون تميمة) ، ويقصد بهذه النشرة معالجة من كان به طِب. أي: سحر أو عين أو مس أو عَصْب عن امرأته. والثاني: حل السحر عن المسحور بسحر أو بألفاظ أعجمية - لا تُعلَم - أو بطلاسم لا يُفهم معناها، أو بألفاظ شركية، ونحوه مما كان معهودًا من النشرة في الجاهلية. _________ (1) انظر: النهاية لابن الأثير، مادة (نشر) 5/54. (2) انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة (نشر) . (3) انظر: النهاية لابن الأثير مادة (سفع) 2/375. ومادة (نشط) 5/57.

(1/225)


فالنشرة الأولى لا بأس بها، لما فيها من المصلحة وطلب المنفعة، وعدم المفسدة، بل ربما تكون مطلوبة لأنها مصلحة بلا مضرّة (1) . وأما الثانية؛ وهي استخراج السحر بسحر أو بألفاظ أعجمية أو بما لا يُفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز، فإنه ممنوع (2) . وعلى هذا التفصيل السابق تُحمل أقوال بعض أهل العلم الذين أجازوا النشرة، وعللوا لجوازها بحصول النفع، أو كونها بالعربية، ومن هؤلاء سعيد ابن المسيَّب، والمُزَنِيُّ، والشَّعْبي، والطبري، كما يفسّر بهذا التفصيل قولُ من منعها من أهل العلم؛ كالحسن البصري، وابن تيمية، وابن القيم، وابن الجوزي، رحم الله الجميع. وهاك أخي القارئ أدلة كلٍّ من الفريقين، بعدما علمت طريق الجمع بين مذاهبهم في حكم النشرة. من أدلة القائلين بجواز النشرة: 1- ... قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين سألته عائشة رضي الله عنها: أفلا؟ أي: تنشَّرْتَ، فقال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا» (3) . ووجه الاستدلال في ذلك: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم ينكر على السيدة عائشة سؤالها، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر - في هذا الحديث - حرمة النُّشرة، مع أن المقام مقام بيان الحكم، مع شدة الحاجة إليه، فعُلِم بذلك أصل مشروعية النشرة، والله أعلم. 2- ... واستدلوا أيضًا بقول سعيد بن المسيَّب لما سأله قتادةُ رحمهما الله قائلاً: رجل به طِبّ، أو يؤخذ عن امرأته، أيُحَلُّ عنه أو يُنَشَّر؟ قال: _________ (1) مستفاد من نص فتوى للعلاّمة ابن عثيمين رحمه الله. انظر: الفتاوى الذهبية ص 156، إعداد: المؤلف. (2) انظر: أضواء البيان للعلاّمة الشنقيطي (4/505) . (3) سبق تخريجه ص43، بالهامش ذي الرقم (3) .

(1/226)


لا بأس، إنما يريدون به الإصلاحَ، فأما ما ينفع الناس فلم يُنْهَ عنه (1) . اهـ. أما القائلون بتحريم النشرة، لكونها من السحر، فمن أدلتهم: - ... ما نصت عليه الآية الكريمة: [البَقَرَة: 102] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} ، فقد صرّحت بأن السحر ضُرّ محض لا يتأتى منه نفع قط، فكيف ينتفع المنشّر عنه بسحر؟! - ... وكذلك النصُّ على عدم فلاح الساحر مطلقًا، في قوله تعالى: [طه: 69] {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، فكيف يرجى ممن لا يتأتى له فلاح في جميع أمره في الدنيا والآخرة أن ينفع مسحورًا بنُشرة يعملها؟! - ... ومن أدلتهم أيضًا قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك» (2) . - ... وقولُه صلى الله عليه وسلم حين سئل عن النشرة: «هو من عمل الشيطان» (3) . ووجه الاستدلال في الحديثين السابقين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيّد في الحديث الأول جواز الاسترقاء بما لم يكن فيه شرك، ومعلوم أن النشرة بالسحر قد تتضمن شركًا، أو كلامًا أعجميًا - لا يُعلم - قد يحوي شركًا، أما الحديث الثاني فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم النشرة من عمل الشيطان؛ لأنه _________ (1) قول ابن المسيِّب رحمه الله أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، بعد ترجمة باب: هل يستخرج السحر؟ قبل حديث عائشة رضي الله عنها، برقم (5765) . (2) أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، برقم (2200) ، عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه. (3) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الطب، باب: في النشرة، برقم (3868) ، وأحمد في «مسنده» (3/361) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. هذا، وقد صحّح الحديثَ النوويُّ، والألبانيُّ كما في «المشكاة» (4553) ، وجوّد إسناده ابنُ مفلح وابن عبد الوهاب وابن باز وابن عثيمين رحم الله الجميع.

(1/227)


لا يُعلم عند العرب من شأن النشرة - إذا أُطلقت - إلا النشرة المعهودة في الجاهلية، وأصلها عندهم: حل السحر بسحر مثله. هذا، وقد بسطت القول في حكم النشرة بما يتسع له المقام؛ وذلك لشدة حاجة المبتلى بسحر إليها، ولكثرة وقوع المسألة فيها، والمختار من أقوال العلماء في حكمها قول من ذهب إلى التفصيل، حيث يمكن به الجمع بين ما ظاهره التعارض من النصوص، والله أعلم. أما ما ذكره بعض أهل العلم مما عرفه العرب واشتهر عندهم من طُرُق للنشرة، فأذكرها هنا إتمامًا للمطلب، ولا أجزم بنفعها أو مشروعيتها، ما خلا ما يقرأ من آيات الله تعالى في الصنفين الثالث والرابع منها: 1- ... [ما يسمّى (الحَلّ) ، وهو أن الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها، فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسًا ذا قطارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجِّج نارًا في تلك الحزمة، حتى إذا ما حمي الفأسُ استخرجه من النار وبال على حرّه، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. 2- ... أن يتنشّر بأن يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة، وورد البساتين، ثم يلقيها في إناء نظيف، ويجعل فيها ماءً عذبًا، ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليًا يسيرًا، ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. 3- ... أن يخرج الإنسان في موضع عضاه (1) ، فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كلٍّ، ثم يدقّه ويقرأ فيه، ثم يغتسل به. _________ (1) موضع عضاه: أي أرض يكثر فيها نوع من الشجر يسمى العضاه، وهو شجر كبير، كثير الشوك طويلُه. انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الهاء، فصل العين. مادة (عضه) .

(1/228)


4- ... أن يأخذ سبع ورقاتٍ من سدر أخضر، فيدقّه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، والقواقل (1) ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كلُّ ما به، وهو جيد للرجل إذا حُبِس عن أهله] (2) . *** _________ (1) القواقل: هي السور الكريمة الأربع: الكافرون - الصمد - الفلق - الناس. (2) ذَكَرَ هذه الصنوف من النشرة، ابنُ حجر رحمه الله. انظر: الفتح (10/244) . ونقل الإمام الأولى منها والثانية عن حمّاد بن شاكر، وهو أحد رواة صحيح البخاري كما في سير أعلام النبلاء للذهبي (15/5) . ونقل الثالثة عن الشعبي كما في مصنف عبد الرزاق (11/13) . ونقل الرابعة منها عن ابن بطّال شارح البخاري، وهو من كبار السادة المالكية، كما في سير أعلام النبلاء للذهبي (18/47-48) .

(1/229)


الفصل السابع الوقاية والعلاج

(1/231)


 الفصل السابع الوقاية والعلاج

تمهيد (1) : التحصين أمر مشروع: للمرء أن يسأل ابتداءً، بعدما ثبت لديه جواز تأثير السحر مرضًا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع عظيم مقامه وصدق توجّهه وملازمة وِرده، وبخاصة إذا ما علم بعدها أن سلطان السحر إنما يكون في القلوب الضعيفة، لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها، فكيف جاز بعد هذا كله أن يؤثر سحر ابن الأعصم مرضًا ألمّ برسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمًا له صلى الله عليه وسلم ستة أشهر (2) ؟! وهل للتوقي من السحر بعد ذلك جنس فائدة؟! لعل الجواب عن ذلك يكمن في أمور منها: أن تأثير السحر على الأرواح الضعيفة إنما هو محمول على الغالب، فلا يمنع احتمال تأثيره على الأرواح القوية المتحصنة، وأن هذا التأثير الأخير قد يكون للابتلاء بالصبر ورفع المنزلة، وأن ما وقع له صلى الله عليه وسلم إنما هو لبيان تجويز ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم، كما في حق كلِّ أحد من البشر، فهو إثبات لبشريته صلى الله عليه وسلم منعًا للغلو في حقه عليه الصلاة والسلام، كما أن فيه تعليمًا لنا بالقدوة على الصبر على البلاء، ولزوم التضرع إلى الله تعالى مع إظهار مزيد الافتقار إليه سبحانه، ومن الحِكَم في ذلك أيضًا إظهار عظيم عناية الله بنبيّه صلى الله عليه وسلم وعصمته له من أذى الناس فلا سمّ ولا سحر يضرّانه - ضرًا معهودًا بأثرهما - عليه الصلاة والسلام، فقد كان سحر ابنِ الأعصم من أشد أنواع السحر ضررًا، وكان سمّ اليهودية _________ (1) انظر: فتحَ الباري (10/246) وما بعدها. (2) قال ابن حجر رحمه الله - بعد ما نقل عن السهيلي قولَ الزهري: أنه صلى الله عليه وسلم لبث ستة أشهر، قال: وقد وجدناه موصولاً بإسناد الصحيح فهو المعتمد. انظر: الفتح (10/237) .

(1/233)


لذّاعًا فتاكًا، قد جعلَتْ كمًّا منه في موضع الكتف من الشاة، ومع أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد التقمه، فلم يضره الضر المعهود، وهذا من أعظم دلائل نبوَّته عليه الصلاة والسلام، كما أن في حصول أثر السحر إرشادًا لنا إلى وجوب الحذر البالغ من السحر، ومعرفة خطر أهله، وفيه كذلك ظهور أثر الإخلاص في الدعاء للنجاة من كيد الكائدين وشر الحاقدين، وبيان أن أكثر العاملين بالسحر إنما هم من يهود ومَنْ تبعهم، مع ظهور عظيم أثر الاسترقاء بالمعوّذتين وأنهما أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر، وأنه «مَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا قَطُّ» (1) ، كما أن في إثبات حصول أثر السحر على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يفيد مزيد الأمانة في النقل من لدن الصحابة ومن بعدهم من التابعين، ثم من نقل ذلك من المحدثين، حيث إنهم لو كانوا يخفون شيئًا مما قد يُتوهَّم منه التنقُّص من كمال قَدْر النبوَّة وعظيم شأن الرسالة لأخفَوْا مثلَ ذلك. هذا، والحِكم البالغة في ذلك تكاد ألا تحصى، وقد حفلت بها كتب شروح السنة المطهرة لمن شاء المزيد، وبالله تعالى حسن التوفيق. أخي القارئ، بعد تقرير أن التوقي والتحصين من السحر أمر مشروع بل هو مطلوب، أعمد إلى بيان تحصينات للمؤمن تقيه بإذن الله تعالى شر السحرة الأشرار، وتحصنه من كيدهم المهين، ثم أُتبِع ذلك بطرق مشروعة للمعالجة من أثر السحر، وأختم بذكر رقى مشروعة من كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، مفصَّلة تقي عامة أنواع الضرِّ بإذن الله. وسأقدّم بين يدي ذكر هذه _________ (1) هذا جزء من حديث؛ أخرجه أبو داود؛ كتاب: الصلاة، باب: في المعوّذتين، برقم (1463) ، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. وتمام الحديث: عن عقبة قال: بينا أنا أسيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين الجُحفة والأبواء، إذ غشينا ريح وظلمة شديدة، «فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ بـ {أعوذ برب الفلق} , و {أعوذ برب الناس} ، ويقول: يا عقبة، تعوّذ بهما، فما تعوّذ متعوّذ بمثلهما، وسمعتُه يؤمّنا بهما في الصلاة» .

(1/234)


الرقى - إتمامًا للفائدة إن شاء الله - بيان معنى الرقى، وأنواعها، ومسائل مهمة متعلقة بها (1) . وعلى ما ذكر آنفًا تكون الأبواب المندرجة في هذا الفصل كالآتي: الأول: بيان تحصينات واقية من السحر، بإذن الله تعالى. الثاني: الطرق المشروعة لإبطال السحر. الثالث: التداوي بالرقى المشروعة ويشمل مبحثين: 1- بيان معنى الرقى، وأنواعها، ومسائل مهمة متعلقة بها. 2- ذكر رقى مشروعة من الكتاب والسنة. _________ (1) للتوسّع بمعرفة التحصينات الواقية، وأصول التداوي المشروع من هدي النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والاستشفاء بالرقى المشروعة من عامة ما قد يصيب المؤمن، من عين أو حسد أو سحر وغيره. انظر: الفصلين الثالث والرابع من كتاب: التحصين من كيد الشياطين. إعداد المؤلف.

(1/235)


الباب الأول: التحصينات الواقية من السحر، بإذن الله تعالى. إن الشريعة المطهرة لم تدع حصنًا منيعًا يقي المؤمن كل شر إلا وشرّعت أبوابه داعية أتباعها إلى ولوجه، والتحصن فيه، فمن أخذ تلك التحصينات بقوة وعض عليها بالنواجذ نجا، ومن أعرض عنها أو تساهل بشأنها عرّض نفسه إلى التهلكة، وتجاذبته أهواؤه، وعبثت به نفوس السحرة الخبيثة، وتمكنت من إعمال سحرها عليه. وسأبين فيما يلي بعضًا من هذه التحصينات الواقية، وهي بمجملها أربعة تحصينات. الحصن الأول: تحقيق الإخلاص في توحيد الله سبحانه: ويكون ذلك باليقين الجازم بعظمة الله عزّ وجلّ وقَدْره حقَّ قدره، وإفراده سبحانه بالعبادة، والاعتقاد بأنْ لا استحقاق في شيء منها لأحد غيره، وذلك بتوحيد الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، وهو درع حصين وسلاح مكين لا يمكن لمخلوق أن يتسلل منه، أو يقارب حِماه، إذ إن صاحبه لا يستعيذ إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يطلب نفعًا إلا من الله، ولا يستدفع ضرًا إلا بالله، ولا يتقرب إلا لله. هذا، وإن النظر في كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم يرشد إلى حقيقة أن الإخلاص هو حقيقة الإيمان، ومبنى رفعته، وهو صفة المصطفَيْن الأخيار من عباد الله الصالحين، فتأمّل معي - أخي الحصيف - هذه النصوص المباركة: - ... قال تعالى: [الزُّمَر: 2-3] {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ *أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ *} .

(1/236)


- ... وقال سبحانه: [الزُّمَر: 14] {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي *} . - ... وقال جلَّ ذِكره: [غَافر: 14] {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ *} . - ... وقال تبارك اسمه: [ص: 45-46] {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ *إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ *} . - ... وقال عزّ وجلّ: [الحِجر: 39-42] {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ *إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *} . فانظر - رعاك الله - إلى عظم شأن هذا الحصن، وإلى عجز إبليس وجنده، وضعفهم عن مجرد إغواء من اتصف بالإخلاص، فكيف لساحر بعدها - وهو خادم صاغر لشيطانه - أن يقارب مؤمنًا بضرٍّ، أو يُنزِل به شرًا؟! أما رأيت كيف تجتنب الشياطين طريقًا مرّ بها عمر رضي الله عنه كما أعلمه به المعصوم صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجَّاَ إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (1) بل أضحى الشيطان يرتعد خوفًا من إخلاص عمر رضي الله عنه وقوته في الحق، كما بشّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرَ بقوله: «إَنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ» (2) . _________ (1) متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أخرجه البخاري كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، برقم (3294) . ومسلم؛ كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر رضي الله عنه برقم (2396) . (2) أخرجه الترمذي - وصحّحه -؛ كتاب: المناقب، باب [قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ» ] ، برقم (3690) ، وابن حِبّان برقم (4371) ، وأحمد في مسنده (5/353) . عن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه. وقد صحّح الحديثَ الألبانيُّ كما في «الصحيحة» برقم (2261) .

(1/237)


وأما الحصن الثاني - بإذن الله - فيكون في تعظيم الله بالإكثار من ذكره سبحانه: - ... ومن أعظم أنواع الذكر المُحصِّنة لقلب المؤمن، والتي ينبغي له الاشتغال بها: تلاوة القرآن الكريم، مع الاجتهاد في تدبُّره وحفظه، فهذا يوهن بل يبطل أي سلطان لشيطان أو لمن تقرّب إليه من ساحر مشعوذ، كما أخبر بذلك سبحانه: [النّحل: 99-100] {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ *} . ومما لا يخفى مزيد فضلِ بعض سور القرآن الكريم، كما بعض آياته، التي صحّ بمزيد فضلها النصُّ، أما السور، فمنها: - ... سورة الفاتحة، ويتلوها المؤمن سبع عشرة مرة في صلواته من اليوم والليلة، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} : هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيْتُهُ» (1) . وقال عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلاَ فِي الإِْنْجِيلِ، وَلاَ فِي الزَّبُورِ، وَلاَ فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيْتُهُ» (2) . ومن فضلها العظيم أنها رقية مشروعة، قد «أقرّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفرًا من الصحابة رضي الله عنهم، رقَوْا بها - مجتهدين في كونها رقية - سيدَ حيٍّ من أحياء العرب، كان قد لُدِغ، فشفي، فقال صلى الله عليه وسلم للراقي، وهو أبو سعيد _________ (1) أخرجه البخاري؛ كتاب: التفسير، باب: ما جاء في فاتحة الكتاب، برقم (4474) ، عن أبي سعيد بن المعلّى رضي الله عنه. (2) أخرجه الترمذي - وصحّحه -؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، برقم (2875) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1/238)


الخدري رضي الله عنه: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» (1) . - ... سورة البقرة بتمامها في البيت، فتكون حصنًا حصينًا لأهله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (2) . وقال عليه الصلاة والسلام في فضلها أيضًا: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (3) . فهي حصن حصين يبطل أعمال السَّحَرة الأشرار، وكيد أتباعهم الفجّار. - ... ومن السور الداعية لِتَنَزُّل السَّكينة على قلب المؤمن، سورة الكهف، وقد قال عليه الصلاة والسلام لمن تنزلت عليه سحابة غَشِيَتْه عند قراءته لها،: «اقْرَأْ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ» (4) . - ... ومن فُضليات السور أيضًا سورة (الكافرون) ، فإنها براءة من الشرك، وهي لا تَدَع للشيطان على الإنسان سلطانًا ألبتة، وقد أمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم _________ (1) معنى حديثٍ أخرجه البخاري؛ كتاب: الإجارة، باب: ما يُعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب، برقم (2276) . ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم (2201) ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (2) أخرجه مسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، برقم (780) ، وأحمد في مسنده بلفظ «يفر» بدل «ينفر» ، في مواضع عدة منها في مسند المكثرين، برقم (7808) ، وبرقم (9030) . والترمذي بنحوه، أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة البقرة وآية الكرسي، برقم (2877) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (3) هذا جزء من حديث أخرجه مسلم بطوله؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، برقم (804) ، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. و «البَطَلة» ، هم السحرة، كما ذكره معاوية بن سلام، (أحد رواة هذا الحديث) . (4) متفق عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، أخرجه البخاري؛ كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (3614) ، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: نزول السكينة لقراءة القرآن، برقم (795) .

(1/239)


نوفلَ بن معاويةَ رضي الله عنه، أن يتلوها إذا أوى إلى فراشه، بقوله صلى الله عليه وسلم «قل: {قال يا أيها الكافرون} ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ» (1) . - ... ومن السور الكريمات المحصِّنات: سورة الإخلاص والمعوِّذتان، إذا قرئت ثلاثًا، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن خُبيب رضي الله عنه: «قل: {قل هو الله أحد} وَالْمُعوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» (2) . كما أن سورة الإخلاص تعدل ثُلُثَ القرآن، فقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة حين احتشد الناس لسماع ثلث القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرأها قال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلاَ إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (3) ، كذلك، فإن المعوذتين رقية شرعية للمريض، كما صحّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه كَانَ إِذَا اشْتَكى - أي: مَرِضَ - نَفَثَ عَلَى _________ (1) أخرجه أبو داود - واللفظ له - كتاب: الأدب، باب: ما يقول عند النوم، برقم (5055) ، عن نوفل الأشجعي رضي الله عنه. والترمذي؛ كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في من يقرأ من القرآن عند المنام، برقم (3403) ، عن فروة بن نوفل، وكذلك عن نوفل رضي الله عنهما. صحّحه الألباني. انظر: صحيح الترمذي برقم (3643) . (2) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، برقم (5082) ، والترمذي؛ كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند النوم، برقم (3575) ، عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. اهـ. قال الألباني: وهو كما قال. انظر: الكلم الطيب برقم (19) . (3) أخرجه البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل: {قل هو الله أحد} ، برقم (5013) بلفظ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» . وفي كتاب الأَيْمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبيِّ صلى الله عليه وسلم، برقم (6643) ، وفي كتاب التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى: برقم (7375) ، جميعها عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه. ... وأخرجه مسلم بنحوه، في مواضع من كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل قراءة {قل هو الله أحد} ، برقم (811) ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وبرقم (812) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1/240)


نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا اشْتَكى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رضي الله عنها تَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَتَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ [رَجَاءَ بَرَكَتِهَا] (1) . وأما الآيات الكريمات، التي تقي تلاوتُها - بإذن الله - من صنوف الشرور. - فأولها: آية الكرسي، وذلك لما صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من قوله لأبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه، «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» ، قُلْتُ: {اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قال: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وقال: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» (2) . وتلاوة هذه الآية هي أعظم سبب لحفظ الله تعالى لعبده، ولحجز الشياطين كافة عمن يقرأها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: وكّلني رسول صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذتُه فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: - ذلك الشيطان اللص -: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تُصبح، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» (3) . _________ (1) أخرجه البخاري - واللفظ له - في كتاب المغازي، باب: مرض النبيِّ صلى الله عليه وسلم ووفاتُه صلى الله عليه وسلم، برقم (4439) ، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: رقية المريض بالمعوّذات والنفث، برقم (2192) ، عن عائشة رضي الله عنها. وما بين معقوفتين عند مسلم رحمه الله. (2) أخرجه مسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، برقم (810) ، عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه. ... وأخرجه أحمد في المسند، من مسند البصريين، برقم (20864) ، عن رجل من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم - هو أبيٌّ رضي الله عنه -. (3) أخرجه البخاري مطوّلاً، كتاب: الوكالة، باب: إذا وكّل رجلاً فترك الوكيلُ شيئًا فأجازه فهو جائز، برقم (2311) ، وباختصار - وهو اللفظ المختار -؛ في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، برقم (3275) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1/241)


- ومن ذلك أيضًا، الآيتان من خواتيم سورة البقرة، وهي قوله تعالى: [البَقَرَة: 285-286] {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *} . فقد صحّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنهما تكفيان من قرأهما من غائلات الليل، قال صلى الله عليه وسلم: «الآْيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (1) . وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ تَعَالى كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلاَ يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطَانٌ» (2) . - ... ومن صنوف الشرور العظمى التي يتحصن المسلم منها فتنة (المسيح الدجّال) ، ويكون ذلك التحصن بحفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، وعشرٍ من آخرها. وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ [مِنْ آخِرِ] سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» (3) . _________ (1) متفق عليه: أخرجه البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل سورة البقرة، برقم (5009) ، عن أبي مسعود البدري الأنصاري رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل الفاتحة وخواتيم البقرة، برقم (807) . (2) أخرجه الترمذي - وحسّنه واستغربه -؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في آخر سورة البقرة، برقم (2882) ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. صحّحه الألباني. انظر: صحيح سنن الترمذي برقم (2311) . (3) أخرجه مسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، برقم (809) ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه. قال مسلم رحمه الله: قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همّام، من أول الكهف. اهـ.

(1/242)


لقد تفضّل الله تعالى على المؤمن بهدايته للإيمان، وإن تلاوة ما سبق ذكره من السور والآيات لم يكن لينفع قارئه، النفع التام، إلا إذا صدر عن قلبٍ مخلَّصٍ من شوائب الشرك، ولوثات الرياء، فاحرص على حفظ النعمة العظمى، والمنة الكبرى: نعمة الإيمان، فهي الحصن الحصين، وهي التي تُحِيل النطق بالأذكار - ومن أعظمها تلاوة آيات الله تعالى - من مجرد قولٍ لكلمات يلهج بها اللسان، إلى أنوار من الهدى تحمي القلب فيطمئن بها، وتُبصِّره بالحق فيعقله فيتدبّر عندها هوان الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، وتزكو نفسه، فتتلبسها السكينة، ويجلّلها الفلاح، وإن نعمة الإيمان هي التي تكشف للروح معنى النفخة العلوية والخِلْقة السويّة التي أسجد اللهُ تعالى ملائكتَه الكرام بسببها لآدم عليه السلام، كما تكشف للروح شدة عداوة إبليس لبني آدم عليه السلام، وتكبُّرَه الذي حجب عنه كل خير، وأحاله رجيمًا مذؤومًا مدحورًا، ملعونًا، مُتوعَّدًا بأشد العذاب، إذا عقل القلب ذلك اتخذت الروحُ عندها الشيطانَ عدوًا، وحذِرَتْ مكايده، وحصَّنَتِ النفس من مداخله، ولا يقتصر أمرها على ذلك، بل إن هذه النعمة العظمى تلقي السرور والحبور في مناحي القلب، فيأمر القلبُ الجسدَ بحسن الامتثال للوهّاب، وبشدة الكراهية لمخالفة أمره، فتمتثل الجوارح عندها بالعبادة فيحقق العبد غاية وجوده، والحكمة من خلقه، فيعبد ربّه حق العبادة، ويتوكل عليه حق التوكل. أخي القارئ الكريم، إذا عرفت قدر تلاوة آيات الله تعالى في مقام الأذكار المُحَصِّنة، وارْتَضْتَ في رَوْضِها، ورتَّلْتَها ترتيلاً آناء الليل وأطراف النهار، فهاك باقةً عطرة من أذكار نبوية شريفة، فاح شذاها من محبة النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمته، ومزيد رحمته ورأفته بهم، وإشفاقه عليهم من أن تَجَاذَبَهُمْ أهواؤهم، وتأمَّر عليهم نفوسُهم بالسوء، أو يُضِلَّهم قرناؤهم من شياطين الإنس والجن. وقد دلنا عليه الصلاة والسلام على أن الخلق جميعَهم عجَزَة لا يملكون ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله، وأن الله سبحانه هو الذي يُجري -

(1/243)


إن شاء - نفعًا أو ضرًا على أيديهم، وأن القلم قد جرى في علمه تعالى بما هو لنا أو علينا، فالتعويل كله على إرادة الله وقدرته سبحانه، قال عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَْقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (1) . فإن استقر هذا المعنى في فؤادك حصل لك عندها انتفاع تام بالأذكار النبوية، وتحصنت بها بإذن الله، فلا يضرك شيء بعدها يقينًا، بل ولا يجرؤ مخلوق على ضُرِّك، فإن أهل الحصن لا ينعمون بالاطمئنان والأمان إلا إذا وقف عند أبواب أسوارهم جند أشاوس يخشى العدو من مجرد التفكير بغزوهم، هذا مَثَلُ قلب المؤمن وقد أيقن بعزة الله سبحانه، ولهج لسانه بما أرشده إليه نبيُّه صلى الله عليه وسلم. هذا، وإن من مهمات التحصينات بالأذكار النبوية؛ الأوراد عند الإصباح والإمساء، وكذلك عند النوم. أولاً: التحصينات بأذكار الإصباح والإمساء، وقد حفلت بإيراد ما صح منها كتبُ السنّة المطهّرة (2) ، وليس الغرض هنا استقصاءها، لكن الاختيار منها، مبينًا فضلها تفصيلاً بحسب ما يقتضيه المقام: 1- ... تلاوة آية الكرسي: [البَقَرَة: جزء من الآية 255] {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... } ، فهي أعظم آية في كتاب الله تعالى (3) ، وهي الكلمات النافعة التي لا يزال على قارئها من الله حافظ، ولا يقربه _________ (1) جزء من حديث أخرجه الترمذي - وصحّحه -؛ كتاب: صفة القيامة، باب: حديث حنظلة، برقم (2516) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (2) قد جمعت - بحول الله وقوته - ما تيسر من أذكار اليوم والليلة عامة، ومن أذكار الصباح والمساء خاصة، بتوسعٍ فيها، في مؤلّف سميته: «وِرْد اليوم والليلة» فانظره، إن شئت مزيد فائدة. (3) كما في مسلم وغيره؛ عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه، وقد تقدّم تخريجه ص241، بالهامش ذي الرقم (2) .

(1/244)


شيطان (1) ، وإن فيها وفي قوله تعالى: [آل عِمرَان: 1-2] {الم *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ *} ، اسم الله الأعظم (2) ، وآية الكرسي مكتوبة تحت العرش (3) ، وإن فضلها يكاد لا يحصى. _________ (1) كما في البخاري، - تعليقًا بصيغة الجزم - وقد مر تخريجه ص241 بالهامش ذي الرقم (3) . قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (4/487، 488) : هكذا أورد البخاري هذا الحديث هنا - أي: في كتاب الوكالة - ولم يصرّح فيه بالتحديث، وزعم ابن العربي أنه منقطع، وأعاده - أي البخاري - في صفة إبليس وفي فضائل القرآن، لكن باختصار -[وقد وصله النَّسائي - أي: في عمل اليوم والليلة وليس في السنن الصغرى، كما ذكره العينيُّ في عمدة القاري (10/145) -، والمَزِّي في تحفة الأشراف (10/349) ]- وأبو نُعيم من طرق إلى عثمان المذكور - أي: ابن الهيثم (أبو عمرو) -، وذكرتُه - أي الإمام ابن حجر رحمه الله - في «تغليق التعليق» (3/296) ، من طريق عبد العزيز بن منيب، وعبد العزيز بن سلام، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وهلال بن بشر الصوّاف، ومحمد بن غالب الذي يقال له: تمتام، وأقربهم لأن يكون البخاري أخذه عنه - إن كان سمعه من ابن الهيثم، هو هلال بن بشر، فإنه من شيوخه، أخرج عنه في «جزء القراءة خلف الإمام» . اهـ. كلام الحافظ رحمه الله. وقد أشار رحمه الله إلى هذه الرواية كذلك في هدي الساري ص 42. فليراجع. ... فائدة: إن سبب ورود الحديث، حادثة تكررت لاثنين من الصحابة، رضي الله عنهما، أبي هريرة، وأبي أيوب الأنصاري، مفاد الأولى تعدي شيطان على مال الصدقة، وقد كان أبو هريرة حارسًا عليها، فلما أن أَسَرَه، علّمه أن يقرأ آية الكرسي، ودله على فضلها، والثانية: وهي عند الترمذي برقم (2880) ، وأحمد برقم (23990) مفادها أن غُولاً (جنس من الجن والشياطين) ، كان يسرق تمرًا لأبي أيوب كان يضعه في سَهْوة له (طاقٍ في الحائط يوضع فيه الشيء) ، فلما أَسَرَه أبو أيوب، علَّمه أن يقرأ آية الكرسي، كي لا يقربه شيطان بعد ذلك. انظر: صحيح الترمذي برقم (2309) . (2) هذا على القول بأن الاسم الأعظم: (الحيُّ القيُّوم) ، كما في حديث أخرجه الترمذي، وحسَّنه، برقم (3475) ، عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنهما. لكن الخلافُ في تحديد الاسم الأعظم مشتهر لا يخفى، وذلك تبعًا لما وردت به نصوص السنة على تفاوت بينها في صحة وحُسن وضعف، وقد نقل ابن حجر رحمه الله جملة ما وقف عليه في تعيين الاسم الأعظم فذكر أربعة عشر قولاً. انظر: الفتح (11/187 وما بعدها) . (3) كما في جزء من حديث، في مسند أحمد، (5/25) ، من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه، وفيه: «واستُخرِجت {لا إله إلا هو الحي القيوم} من تحت العرش فوُصلت بسورة البقرة ... » الحديث.

(1/245)


2- ... تلاوة سورة الإخلاص، والمعوذتين. أما الإخلاص، فهي تعدل ثلُث القرآن (1) ، ومن فَقِهَ معناها وأحبّ أن يقرأ بها أحبَّه الله عزّ وجلّ (2) ، وهي سبب موجب - برحمة الله - لدخول الجنة (3) ، ومن دعا بها فقد دعا الله عزّ وجلّ باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب (4) ، وهي حصن مع المعوذتين، تكفي من كل شيء (5) ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الْفَجْرِ {قال يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} (6) . وأما سورتا الفلق والناس، فهما السورتان المعوِّذتان (7) ، ما تعوّذ متعوِّذٌ _________ (1) كما في الحديث الذي سبق تخريجه ص244 بالهامش ذي الرقم (3) . (2) أخرجه البخاري ومسلم، أما البخاري ففي مواضع منها: في كتاب فضائل القرآن، باب: فضل {قل هو الله أحد} برقم (5013) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفي كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم أمتَه إلى توحيد الله تبارك وتعالى، برقم (7375) ، عن عائشة رضي الله عنها. وأما مسلم؛ ففي كتاب: صلاة المسافرين وقصرِها، باب: فضل قراءة {قل هو الله أحد} برقم (813) ، عنها أيضًا. (3) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في سنن النسائي، وجامع الترمذي. أما النسائي؛ ففي كتاب الافتتاح، باب: الفضل في قراءة {قل هو الله أحد} برقم (995) ، وأما الترمذي - وقد صححه -؛ ففي كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة الإخلاص وسورة إذا زُلزلت، برقم (2897) . انظر: صحيح سنن الترمذي برقم (2320) . (4) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الصلاة، باب ما يقول بعد التشهّد، برقم (985) ، عن محجن بن الأدرع رضي الله عنه. وكذا في سنن الترمذي - وحسّنه -؛ كتاب الدعوات، باب: ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم (3475) . وأخرجه أحمد في مسنده، (5/349) ، مطولاً، من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه. (5) سبق ذكر الحديث وتخريجه، ص244، بالهامش ذي الرقم (2) . (6) أخرجه مسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر، برقم (726) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (7) تسمية السورتين بالمعوِّذتين، ورد فيه أحاديث عديدة، منها، قوله صلى الله عليه وسلم: «قل: {قل هو الله أحد} ِ والمعوّذتين حين تمسي وحين تصبح (ثلاث مرات) تكفيك من كل شيء» ، وقد مرّ تخريجه ص240 هامش ذي رقم (2) . وقد سمى الصحابة السورتين بالمعوّذتين اقتداء ... بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ منهم: عائشة، في وصفها لقراءة النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالإخلاص وبالمعوّذتين في الركعة الثالثة من الوتر. كما أخرجه أحمد في المسند (6/227) . وأبو سعيد الخدري بقوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ من الجانّ وعين الإنسان، حتى نزلت المعوّذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما» ، كما في الترمذي - وحسّنه -، برقم (2058) ، والنسائي، برقم (5496) ، وابن ماجَهْ، برقم (3511) . انظر: صحيح سنن الترمذي برقم (1681) .

(1/246)


بمثلهما، ويستحب أن يقرأ بهما في صلاة الصبح (1) ، وكذلك في أدبار الصلوات (2) ، وحين الإصباح والإمساء مع سورة الإخلاص ثلاث مرارٍ - كما مرّ آنفًا -، كما يقرأ المؤمن بذلك جميعه وينفث بهما في كفيه إذا أوى إلى فراشه، ويتعوذ بهما عند شكايته المرض، ويرقي بهما نفسه عند نزول المرض، كل ذلك اقتداءً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم (3) . 3- ... قول: (لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، عشر مرارٍ أو مائة مرّة. فمن قالها (عشرًا) كان كمن أعتق رقبةً من ولد إسماعيل عليه السلام. ومن قالها (مائةً) كتبت له مائة _________ (1) وذلك لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعقبةَ بن عامر رضي الله عنه: «يا عقبةُ، تعوَّذ بهما، فما تعوّذ متعوِّذ بمثلهما» . وقال عقبةُ: وسمعته يؤمُّنا بهما في الصلاة. والمقصود بالصلاة صلاة الصبح، كما صرّح به عقبة رضي الله عنه عند أبي داود، برقم (1462) . (2) كما أمر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم عُقْبَةَ رضي الله عنه فيما أخرجه أبو داود؛ في كتاب: الصلاة، باب: في الاستغفار، برقم (1523) . والترمذي، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في المعوِّذتين، برقم (2903) وقال: هذا حديث حسن غريب، والنسائي؛ كتاب السهو، باب: الأمر بقراءة المعوّذات بعد التسليم، برقم (1337) . (3) القراءة بهما وبسورة الإخلاص - عند النوم - فلفعله صلى الله عليه وسلم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَوى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هَوُ اللهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ» . أخرج ذلك البخاري؛ كتاب: الطب، باب: النفث في الرقية، برقم (5748) ، عن عائشة رضي الله عنها. كما أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: رقية المريض بالمعوّذات والنَّفْث، برقم (2192) عنها أيضًا.

(1/247)


حسنة، ومحي عنه مائة سيئة، ثم كانت له حِرْزًا من الشيطان في يومه ذاك حتى يمسي (1) . 4- ... قول: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (ثلاث مرات) ، وهذه لو وزنت بما يقوله المؤمن من أذكار منذ انقضاء صلاة الفجر إلى وقت الضحى، لوزنتهن (2) . 5- ... ثم يَشْرع بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ (فِي الْعَالَمِينَ) ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (3) . يكررها عشرًا، أو يكثر منها ما شاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا (4) ، كما أنه يستحب للمؤمن أن يبالغ في الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته، وذلك امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم بقوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ _________ (1) أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل التهليل، برقم (6403) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وبرقم (6404) ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، برقم (2693) ، عنه أيضًا. (2) كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، بقوله لأم المؤمنين جويرية رضي الله عنها، حين مكثت من بعد صلاة الصبح جالسة في مسجدها تذكر الله تعالى إلى أن أضحت: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمَ لَوَزَنَتْهُنَّ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» . أخرجه مسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: التسبيح أول النهار وعند النوم، برقم (2726) ، عن جويرية رضي الله عنها. (3) أخرجه البخاري؛ كتاب: أحاديث الأنبياء، بابٌ بعد باب: (يزفُّون) ، برقم (3370) ، وأخرجه مسلم؛ كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهُّد، برقم (405) ، عن كعب بن عُجْرة رضي الله عنه.. ... - وما بين معقوفتين [إبراهيم وعلى] في الموضعين هي في البخاري. أما زيادة (في العالمين) في التبريك، فهي عند مسلم رحمه الله. (4) سبق تخريجه ص5 بالهامش ذي الرقم (1) .

(1/248)


عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيه الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ (1) . 6- ... قول أفضل الاستغفار وسيِّده، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ [لَكَ] بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ» (2) . وقد أَعْلَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعظيم فضل هذا الاستغفار بقوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (3) . وأنّى يكون لشيطان سلطان على من هو معدود في أهل الجنة؟! قال تعالى: [الحِجر: 42] {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *} ، وقال سبحانه: [النّحل: 100] {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ *} . 7- ... ملازمة الاستغفار والتوبة في اليوم والليلة، ما يحبط محاولات الشيطان المتكررة لإغواء من استطاع من بني آدم وإلحاقهم بمعيته إلى مستقره الأخير وإلى مصيره البئيس، فالعبد - إذا غفر الله له وتاب عليه - أيأس شيطانه من اللحاق به، فيعاود الكرّة مرة بعد مرة عسى أن ينال مبتغاه وغاية مناه، فيلزم العبدُ عندها الاستغفارَ والتوبة، لتبدأ بعدها المحاولات _________ (1) جزء من حديث أخرجه أبو داود؛ باب: فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، برقم (1047) ، وأحمد في مسنده (4/8) ، من حديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه. وقد صحّحه الألباني كما في «الإرواء» برقم (4) . (2) أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: أفضل الاستغفار، برقم (6302) ، عن شداد ابن أوس رضي الله عنه، وبرقم (6323) ، عنه أيضًا، لكنْ بتأخير لفظ: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ» . وبزيادة لفظ «لَكَ» ، في الموضع الثاني. (3) هذا تمام رواية - سيد الاستغفار -، بالتخريج السابق.

(1/249)


من جديد، ولعل ذلك هو سر إشفاق النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أمته المكرمة بأمرهم بتكرار الاستغفار والتوبة سبعين أو مائة مرة، مع أن العبد قد لا تبلغ ذنوبه هذا الكمّ في اليوم، إلا أن وساوس شياطين الإنس والجن قد تبلغ ذلك، وقد تزيد، عياذًا بالله تعالى من شر وساوسهم. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مَائِةَ مَرَّة (2) . فإذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم - وشأنه دوام ذِكر الله تعالى - يفتر عن الذكر أحيانًا، فيَعُدّ ذلك صلى الله عليه وسلم خلاف الأولى في حقه، فيشرع بالاستغفار والتوبة، فما بال أحدهم وقد علا الرّان (3) قلبَه ساعات، بل ربما أيامًا، ثم يسأل بعدها مستغربًا كيف تسلّط شيطان على قلبه؟! وكيف تلبّس به وجرى في دمه؟! وكيف صرعه مسٌّ شيطاني، أو أضرّ به سحر سُفْلي، أو عانه عائن، أو أضر به شر حاسد؟! حتى إذا استعصى علاج ذلك على الخلق عرف آنذاك أن ما أصابه كان بما كسبت يداه واشتغلت به يمناه، وبما أعرض قلبه عن ذكر مولاه، فيمّم وجهه مسارعًا إلى راقٍ يرقيه، أو صالح يدعو له، وكان الأجدر به أن يعلم ابتداءً أنْ لا ملجأ ولا منجىً من الله إلا إليه، وأن الأمر كله لله، فلو تعلق بالرقية أو بصلاح عبد يرقيه وحسب، لم ينفعه ذاك، حتى يعود إلى مولاه ويطلب رضاه، عندها ينفع التحصينُ _________ (1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: استغفار النبيِّ صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة، برقم (6307) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (2) أخرجه مسلم؛ كتاب: الذّكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه، برقم (2702) ، عن الأغرِّ المُزَني رضي الله عنه. ومعنى: «لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي» ، قال أهل اللغة: الغَيْنُ والغيمُ بمعنىً، - أي بمعنى واحد - والمراد هنا: ما يتغشى القلبَ من غفلات عن ذكر الله تعالى. انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج، للإمام النووي رحمه الله. (17/26) . (3) الرّان، والرَّيْن سواء؛ وأصله: الطبع والتغطية، ومنه قوله تعالى: [المطفّفِين: 14] {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *} ، أي طبع وختم على قلوبهم كثرة ذنوبهم. انظر: غريب الحديث والأثر لابن الأثير مادة (رين) (2/291) .

(1/250)


ويوفق الله الراقي والمسترقي، ويشفي الله عبده من كل ما يؤذيه، ويقوم كأنما نشط من عقال، كأنْ ليس به ضُرٌّ مسَّه. 8- ... ومن الأذكار المُحصِّنة لقلب المؤمن في الإصباح والإمساء، أيضًا قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ (أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى) الْمُلْكُ لِلّهِ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ، لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ويزيد إن شاء إذا أمسى: رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا (1) ، أَصْبَحْنَا (أَمْسَيْنَا) عَلَى فِطْرَةِ الإِْسْلاَمِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِْخْلاَصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (2) ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ومن فضل قول ذلك أن العبد إذا نزل منزلاً فقالها لم يضره شيء؛ إنس ولا جان ولا حيوان، حتى يترك منزله ذلك (3) . كذلك قول: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعِ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَْرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (يقولها ثلاثًا) ، ومن فضلها: أن قائلها لا تصيبه فَجْأَةُ بلاءٍ (4) ، وقول: رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِْسْلاَمِ دِينًا، _________ (1) أخرجه مسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: التعوّذ من شر ما عُمِل ومن شر ما لم يُعمَل، برقم (2723) ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (2) أخرجه أحمد في مسنده، (3/407) ، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» برقم (1) ، وابن السُّنِّي برقم (34) . من حديث عبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنه. والحديث صحّحه النووي، والعراقي، والألباني كما في «الصحيحة» برقم (2989) . (3) كما صحّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: في التعوّذ من سوء القضاء ودَرَك الشقاء وغيره، برقم (2709) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (4) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح، برقم (5088) . والترمذي، كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى، برقم (3388) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وابن ماجَهْ، برقم (3938) ، من حديث عثمان رضي الله عنه. والحديث صحّحه الحافظ ابن حجر، والألبانيُّ. انظر: نتائج الأفكار (2/347) ، وصحيحَ ابن ماجه برقم (3134) .

(1/251)


وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيًّا يقولها ثلاثًا كذلك. فمن قال ذلك كان حقًا على الله تعالى أن يُرضيه يوم القيامة (1) . ثانيًا: الأذكارُ المتعلقة بالنوم؛ ومن ذلك: - ... تلاوة آية الكرسي [أعظم آية في كتاب الله، وسيدة آي القرآن] . كما جاء في رواية استحفاظ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أبا هريرة لزكاة رمضان، وقد أتاه آتٍ يحثو من مال الصدقة مرات عديدة - وهو يَعِدُ بألا يعود، ثم هو يعود حتى قال لأبي هريرة رضي الله عنه: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، فأعلم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا هريرة عن حقيقة هذا الآتي بقوله: صَدَقَكَ، وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ (2) . - ... تلاوة خواتيم سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} إلى آخر السورة الكريمة [البقرة 285-286] . وذلك لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: الآْيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ؛ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ (3) . - ... تلاوة سورة (الكافرون) ، لقوله عليه الصلاة والسلام: اقْرَأْ: [الكافِرون: 1] {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *} ، ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ (4) . 4- ... النفْث في اليدين - باطن الكفَّين -، مع قراءة سورة الإخلاص والمعوّذتين، فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ نَفَثَ فِي _________ (1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: ماذا يقول إذا أصبح، برقم (5072) . وأحمد في مسنده - بزيادة (ثلاثًا) - (4/337) ، من حديث خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2) سبق تخريجه ص245 بالهامش ذي الرقم (3) . (3) سبق تخريجه ص246، بالهامش ذي الرقم (1) . (4) سبق تخريجه ص244، بالهامش ذي الرقم (1) .

(1/252)


يَدِهِ وَقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ (1) . - ... التكبير أربعًا وثلاثين، والحمد ثلاثًا وثلاثين، والتسبيح ثلاثًا وثلاثين، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لعلي وفاطمة رضي الله عنهما: إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، فَكَبِّرَا اللهَ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ (2) . - ... ومن ذلك، إِسْباغُ الوضوءِ، وَالاضْطِجاع على الشِّق الأيمن، مع قول: اللهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ (3) . هذا، وقد اقتصرت على ما رأيتَ، سائلاً الله تعالى أن يوفقني وإياك للتحصن بذكره في جميع أحوالنا، وأن يُذهِب عنا رجز الشيطان ويُضعف كيده، ويُخزي جنده ويُعدم سلطانه، وأن يمتن الله عزّ وجلّ علينا فيوفقنا لأن نكون من عباده المخلَصين. آمين. _________ (1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: التعوذ والقراءة عند المنام. برقم (5017) ، عن عائشة رضي الله عنها، وبرقم (6319) ، عنها أيضًا، والمختار لفظ الثانية. ... النفث: نفخ لطيف بلا ريق. وسورة الإخلاص مع المعوّذتين، تسمى جميعًا المعوِّذات. (2) أخرجه البخاري؛ كتاب: فرض الخُمُس، باب: ما ذكر عن دِرع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، برقم (3113) ، عن علي رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: التسبيح أول النهار وعند النوم، برقم (2727) ، عن عليٍّ رضي الله عنه. (3) أخرجه البخاري - واللفظ له - كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا نام، برقمي (6311) و (6313) ، ومسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: ما يقول عند النوم، برقم (2710) ، عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه..

(1/253)


الحصن الثالث: الإكثار من الاستعاذة بالله تعالى: إن تحصين المؤمن نفسه مدارُه جميعًا على وقاية قلبه مما قد يؤثر فيه فيفتح فيه ثلمة يلج الشيطان وأتباعه منها فيستحوذ على روحه، أو يضره في جسده، وقد علمت - بفضل الله - ما يحصن قلبك بتلاوة آيات الله تعالى، وملازمة ما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذكار مباركات، لكن مع ذلك فقد يتحيّن الشيطان وجنده من السحرة - عياذًا بالله - فرصة يغفل فيها العبد عن ذكر ربه، فيقع المؤمن عندها بتأثير أعمالهم، ويكون فريسة سهلة لمكائدهم، لذا فقد أرادت الشريعة المطهرة ألاّ تدع لعدوك إليك سبيلاً يسلكه، ولا تسلُّطًا يتسلط به عليك، فإن غفلت أو أُنسيت، أو شغلك شاغل عن ذكر ربك، فما أيسر من أن تتلفظ عندها بكلمات تلتجئ بقولهن إلى حمى مولاك، وتستجير بعزته، وتستمسك بقدرته، وتُظهِر بها مدى ضعفك وافتقارك، فيُضعِف اللهُ كيد عدوك، فيخنس عن قلبك. فإذا ما أردت - أخي المؤمن - أن تتخلص من كيد شياطين الإنس والجن، لتلج في حِرْز العبادة والتقوى، فما عليك إلا أن تستعين بخالقهم، وتستجير بجنابه سبحانه، وتلتجئ إلى حماه، وتلوذ بكنفه، فهو القادر سبحانه على إعاذتك من نزغات الشيطان، ومن كيد السحرة الفجرة، الذين ما فتئوا يخدمون شياطينهم ويتقربون إليهم. لذلك كله فقد أرشدت الشريعة المطهرة إلى وجوب الاستعاذة بالله تعالى رحمة بهذا الإنسان وطلبًا لسلامته، وتحصينًا متواصلاً له، وهاك نصوصًا من كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم دالّة على ذلك: - ... قال الله تعالى: [الأعرَاف: 200] {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *} .

(1/254)


- ... وقال تبارك اسمه: [النّحل: 98] {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} . - ... وقال سبحانه: [المؤمنون: 97-98] {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *} . - ... وقال عزّ وجلّ: [فُصّلَت: 36] {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} . أما السنُّة فمنها قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم - لرجل مغضَبٍ قد احمرّ وجهُه -: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فقال الصحابة للرجل: ألا تسمع ما يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لست بمجنون (1) . ويُلحظ هنا ضرورة أن يكون غضب المؤمن لله تعالى، فلا يغضب لأمر من أمور الدنيا، ولا ينتقم لنفسه قطّ، وإن له في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ، إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلّهِ بِهَا» (2) . ومن مواضع الاستعاذة عند استفتاح صلاة التطوع، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا - ثَلاَثَ مِرَارٍ - وَالْحَمْدُ لِلّهِ كَثِيرًا - ثَلاَثَ مِرَارٍ - وَسُبْحَانَ _________ (1) متفق عليه من حديث سليمان بن صُرَد رضي الله عنه. أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6115) ، ومسلم؛ كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، برقم (2610) . والقائل للرجل الغضبان، هو الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، كما في سنن أبي داود برقم (4780) ، بلفظ: (فجعل معاذ يأمره، فأبى ومَحِكَ، وجعل يزداد غضبًا) . (2) جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: المناقب، باب: صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، برقم (3560) ، ومسلم؛ كتاب: الفضائل، باب: مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام، برقم (2327) ، عن عائشة رضي الله عنها.

(1/255)


اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - ثَلاَثَ مِرَارٍ - اللهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ، قلت - القائل: جبير بن مُطعِم رضي الله عنه -: همزُه ونفثُه ونفخُه؟ قال صلى الله عليه وسلم: أَمَّا هَمْزُهُ: فَالْمَوْتَةُ (1) الَّتِي تَأْخُذُ ابْنَ آدَمَ، وَأَمَّا نَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ (2) . كذلك، فإن الاستعاذة تتأكد عند إرادة الشروع بتلاوة آيات من القرآن الكريم. قال تعالى: [النّحل: 98] {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} . وفي ذلك حِكم بالغة أوجزها فيما يلي: - ... أن القرآن الكريم وهو شفاء للصدر وهداية للقلب، يشفي الله به الصدر مما علق به من الوساوس، فيصير القلب قابلاً للهداية فيتأثر بما يتلوه صاحبه من آيات الله، كما وتؤثر التلاوة عندها بمن يسمعها، ويمكن إذ ذاك تمكُّن الهداية في النفس وبقاؤها مانعًا للنفس عن الشهوات، وحاجزًا للفكر عن الشبهات، وهذا من أشد ما يغتاظ به الشيطان _________ (1) الموتة: أي الخَنْق، الذي يأخذ صاحبَ المس، والعياذ بالله تعالى. (2) أخرجه أصحاب السنن: - أبو داود؛ كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، برقم (775) ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفي الكتاب عينه، باب: ما يُستفتح به الصلاة من الدعاء، برقم (764) ، عن جبير بن مُطعِم رضي الله عنه. - الترمذي؛ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة برقم (242) ، عن أبي سعيد رضي الله عنه. قال أبو عيسى: وحديث أبي سعيد رضي الله عنه أشهر حديث في هذا الباب. اهـ. - والنَّسائي؛ في الصلاة، كتاب: الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة، عنه أيضًا. - وابن ماجهْ؛ كتاب: أبواب إقامة الصلوات والسنن فيها، باب: الاستعاذة في الصلاة، برقمي (807) و (808) ، الأول عن جبير، والثاني عن ابن مسعود رضي الله عنهما. والحديث أخرجه أحمد في مسنده؛ مسند المدنيين، من حديث جبير بن مُطعِم رضي الله عنه، برقم (16860) ، وكذلك برقم (16861) . وفي مسند الأنصار، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، برقم (22530) ، لكنْ في آخره: «شِرْكِهِ» بدل «نَفْثِهِ» . والحديث صحّحه الألباني. انظر: «الإرواء» برقم (342) .

(1/256)


الرجيم، لذا، فهو يهرع عندئذٍ لشغل القارئ والسامع عن ذلك الانتفاع، حسدًا من عند نفسه، وحجزًا للمؤمن عن الهداية، فإذا استعاذ المؤمن صرف اللهُ كيدَ الشيطان وأَذِن بهدايته وانتفاعه بالتلاوة، ولله الحمد والمنة. قال تعالى: ُ [الإسرَاء: 45] {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا *} . وقال سبحانه وتعالى: [فُصّلَت: 44] { ... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً ... *} . - ... ومن الأحوال أيضًا التي تتأكد فيها مشروعية التعوّذ حدوث نزغ من الشيطان، أو طائف منه، قال تعالى: [الإسرَاء: 53] {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً *} . وقال سبحانه: [الأعرَاف: 200-201] {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ *} . فائدة في الفرق بين العدو الإنسيِّ، والعدو الشيطانيّ: قال الإمام ابن كثير رحمه الله: قال الله تعالى: [الأعرَاف: 199-200] {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *} وقال تعالى: [المؤمنون: 96-97] {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *} وقال تعالى: [فُصّلَت: 34-36] {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} .

(1/257)


قال رحمه الله: [فهذه ثلاث آيات (1) ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدوّ الإنسيِّ والإحسان إليه ليردَّه عنه طبعُه الطيبُ الأصلِ، بالموادّة والمُصافاة، ويأمر سبحانه بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالةَ، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبلُ] اهـ. من كلام الإمام رحمه الله (2) . - ... كما يشرع التعوّذ بالله، عند إرادة دخول الخلاء، فقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء، قال: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (3) . - ... وعند سماع نباح الكلاب، أو نهيق الحُمُر - في الليل خاصةً - وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ [فَإِنَّهُ رَأَى] شَيْطَانًا» (4) الحديث. ولقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحُمُرِ بِاللَّيْلِ _________ (1) يعبّر السلف - رحمهم الله - عن الموضع من القرآن بالآية، وإن كان قد حوى أكثر من آية فيما اصطُلح عليه بعدُ من مطالع الآيات ومقاطعها، ومن ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: أخوف آية في القرآن: [الزّلزَلة: 7-8] {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *} ، فقد أطلق تسمية آية على هذا النص، وفيه آيتان كما لا يخفى. (2) انظر: تفسير القرآن العظيم، للإمام ابن كثير رحمه الله. ص 730 ط: بيت الأفكار. (3) متفق عليه، من حديث أنس رضي الله عنه؛ أخرجه البخاريُّ، في موضعين، الأول: في كتاب الوضوء، باب: ما يقول عند الخلاء، برقم (142) ، والثاني: في كتاب الدعوات، باب: الدعاء عند الخلاء، برقم (6322) . ومسلم؛ كتاب الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء، برقم (375) . (4) جزء من حديث متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومطلع الحديث: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا» . ... أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الخلق باب: خير مال المسلم غنم، برقم (3303) . ومسلم؛ كتاب: الذّكر والدعاء، باب: استحباب الدعاء عند صياح الديك، برقم (2729) . وما بين معقوفتين من لفظِ مرويِّ البخاري رحمه الله.

(1/258)


فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لاَ تَرَوْنَ» (1) . - ... هذا، ومما يحسن ختم صنوف التعوذ به، الاستعاذة بالله تعالى من أن يتسلط الشيطان على نفس المؤمن عند النزع الأخير، فيُخْتَمُ له بخاتمة السوء، عياذًا بالله، لذا فقد شُرِع لنا التعوذ بالله تعالى من ذلك، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ» (2) . كذلك فإن مما يشرع في التحصين بذكر الله تعالى تعويذ الولد، وذلك بما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعوّذ به الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقول: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ - عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ -: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ (3) . ومما يدخل في تحصين الولد كذلك ما أرشد إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا، [وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ] (4) . ومما يحصَّن به المولود أيضًا التأذين في _________ (1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: نهيق الحمير ونباح الكلاب، برقم (5103) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وصحّحه الألباني بطرقه. انظر: الكلم الطيب برقم (221) . وأخرجه الترمذيُّ - وصحّحه -؛ كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا سمع نهيق الحمار، برقم (3459) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (2) جزء من حديث، أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب: في الاستعاذة، برقم (1552) عن أبي اليَسَر رضي الله عنه. صحّحه الألباني. انظر: صحيح أبي داود (1373) . (3) أخرجه البخاري؛ كتاب: أحاديث الأنبياء عليهم السلام، بابٌ بعد باب [الصَّافات: 94] {يَزِفُّونَ *} : النَّسَلان في المشي، برقم (3371) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ... و «هامّة» ، بالتشديد - كما في الرواية -: هي واحدة الهوام، وهي ذات السموم، وقيل: دواب الأرض التي تهمّ بأذى الناس، وهذا مما لا يصح نفيه - أي في تأويل حديث: (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامّة، ولا صفر) - إلا إن أُريد به أنها لا تضر بذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته، انظر: فتح الباري: (10/241) . (4) متفق عليه، من حديث عبد الله بن العباس رضي الله عنهما؛ أخرجه البخاري؛ كتاب: الوضوء، باب: التسمية على كل حال، وعند الوِقاع، برقم (141) ، ومسلم؛ كتاب: النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجِماع، برقم (1434) ، وما بين معقوفتين زيادة عند البخاري رحمه الله.

(1/259)


أُذنه حين الولادة، كما: أَذَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أُذُنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ - بِالصَّلاَةِ (1) . ولعل الحكمة في ذلك: أن تسبق كلمةُ التوحيد إلى قلب المولود، قبل أن ينخسه الشيطان أو ينزغه، أو يطعنه - يمسه - في جنبيه بأصبعه، فإذا سمع النداء للصلاة استقرت كلمة التقوى في قلبه، وعلَتْ روحَه، فلا يجتاله الشيطان عن الفطرة التي فُطر عليها، ولا يتسلط عليه بعد ذلك ولا يضره. أما الرابع من التحصينات الواقية - بإذن الله - فهو: بالاجتهاد في تحقيق حسن الاقتداء بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم. ويكون ذلك بإعمال سنّته صلى الله عليه وسلم فيما أرشدت إليه من محادّة الشيطان، وقصد مخالفته، ومخالفة أتباعه. وليس المقصود في هذا المقام استقصاء الوصايا النبوية الكريمة جميعها، لكنْ بعض ما أرشدت إليه، ومن ذلك: 1- ... أكثِرْ من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وبخاصة عند الغضب. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (2) . 2- ... سمِّ الله تعالى، عند كل أمرٍ ذي بال من قول أو عمل تريد الشروع به. كتلاوة القرآن، والوضوء، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وركوب الدابة، وعند البدء بطعام أو شراب، _________ (1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: في المولود يؤذّن في أذنه، برقم (5105) ، عن أبي رافع رضي الله عنه. والترمذي؛ كتاب: الأضاحي، باب: الأذان في أذن المولود، برقم (1514) ، عنه أيضًا. قال أبو عيسى (الترمذي) : هذا حديث حسن صحيح. والعمل في العقيقة عليه. اهـ. ومعنى «بالصلاة» ، أي: بأذان الصلاة، وهو متعلق بـ «أذَّن» ، والمعنى: أذّن بمثل أذان الصلاة، وهذا يدل على سُنّية الأذان في أذن المولود. انظر: عون المعبود للعظيم آبادي (14/7) . (2) سبق تخريجه ص259، بالهامش ذي الرقم (1) .

(1/260)


أو عند ذبح مأكول اللحم، أو عند إرادة الجماع، أو دخول الخلاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كُلُّ كَلاَمٍ، أَوْ أَمرٍ ذِي بَالٍ، لاَ يُفتَحُ بِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَهُوَ أَبْتَرُ» (1) . 3- ... تيمَّنْ في شأنك كلِّه، فقد: «كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (2) ، أي: في الأمور المستحسنة جميعها (3) . اهـ. 4- ... خالف سَمْت الشيطان، ومحبوبَه وما يميل إليه، ومن ذلك: * ... الكِبْرُ والاستعلاء، وهما داءان مهلكان مانعان من كل خير، مردّهما إلى العُجْب بالنفس، والبَطْرِ بأنعُم الله وكفرٍ وجحود بها، وهذا عين ما اتصف به إبليس الرجيم حين أمره الله تعالى بالسجود لآدم تكريمًا لهذا الخَلْق؛ اعترافًا بقدرة الخالق، وامتثالاً لأمره سبحانه، قال تعالى: [ص: 73-78] {فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ *قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *} ، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا زَادَ اللهُ _________ (1) أخرجه أحمد في المسند، (2/359) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو في مصنّف عبد الرزاق، بمعناه، برقم (10455) - (20280) ، وكذا هو عند البيهقي في الكبرى، برقم (10331) . كل ذلك بلفظ: «فَهُوَ أَبْتَرُ» ، وعند أبي داود، بلفظ: «فَهُوَ أَجْذَمُ» ، كتاب: الأدب، باب: الهُدى في الكلام، برقم (4840) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا. والحديث ضعيف، وقد توسّع في تخريجه مع بيان ضعفة الشيخ الألباني رحمه الله. انظر: «الإرواء» برقم (1) ، (2) . (2) متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري؛ كتاب: الوضوء، باب: التيمُّن في الوضوء والغُسل، برقم (168) . ومسلم؛ كتاب: الطهارة، باب: التيمُّن في الطُّهور وغيره، برقم (268) . (3) قال الإمام النووي رحمه الله: (قاعدة الشرع المستمرة أن كلَّ ما كان من باب التزيين والتحسين استُحِبَّ فيه التيمُّنُ، وما كان بضِدّ ذلك استُحِبَّ فيه التياسر) . اهـ. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (3/160) .

(1/261)


عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ تَعَالى» (1) . * ... والعجلةُ [وهي المانعة عن التمهل والتأمل قبل الشروع بالأفعال، فيشرع المرء بها من غير تبصُّرٍ ولا معرفة، فيروّج الشيطانُ شرَّه على المستعجِل من حيث لا يدري] (2) ، ومردّ العجلة الكِبْر والعُجْب بالنفس، والتشبّع بما لم يعط، فإن المرء إذا اعتدّ بنفسه توهّم قدرته على إنجاز ما يريده كأسرع ما يكون، فإذا حاول ذلك أعياه الأمر، فاستشاط عندها غيظًا، وربما جرّه ذلك إلى إحباطٍ يستتبع تركًا للأعمال النافعة، واستسلامًا لوساوس الشيطان بالعجز، والتنحّي جانبًا عن مسار العمل النافع، وترك الاستعانة بالله، فيلقي الشيطان عندئذٍ شُبُهاته في قلبه، ويُخيِّل إليه عجز الإنسان عمومًا عن أداء ما يحقق له الاستخلاف في الأرض أو القيام بما خُلِق له من العبادة، فيتوجه عندها إلى اتباع الهوى والتطفل على موائد الغير، ويُمضي حياته على هذا المنوال!! فهل كان يتصور عند تعجّله في أداء مهامه أن يصير إلى ما صار إليه؟! قال الله تعالى: [الإسرَاء: 11] {وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً} . وقال سبحانه: [الأنبيَاء: من الآية 37] {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ... } ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأَْنَاةُ مِنَ اللهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (3) . وقال عليه الصلاة والسلام: «يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ _________ (1) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب: البِرّ والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع، برقم (2588) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (2) انظر: الإحياء، لأبي حامد الغزالي رحمه الله (3/33) . (3) أخرجه الترمذي؛ كتاب: البرّ والصلة، باب: ما جاء في التأنِّي والعجلة، برقم (2012) ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد المهيمن بن عباس بن سهل، وضعَّفه من قِبَل حفظه. اهـ. وقد حسّن الحديثَ الألبانيُّ - رحمه الله - في الصحيحة برقم (3795) .

(1/262)


مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (1) . فإن كان التعجُّل مذمومًا حالَ الدعاء، عندما تعظم الرغبة في الاستجابة، فكيف بما دون ذلك من أمور الدنيا؟! * ... والغضبُ: وهو آفة الخُلُق، ويكون بتوقّد جمرة في قلب ابن آدم تؤزُّه على إنفاذ ما يريده قسرًا، وإن الملقي لهذه الجمرة الخبيثة هو الشيطان الرجيم؛ يلقيها على حين غفلة من هذا القلب عن ذكر الله. وكم ألحق الغضب بابن آدم من ويلات تندَّم بعد وقوعها، بل استغرب أحيانًا صدورها عنه، لكنْ لاتَ ساعةَ مَنْدَمِ، فكم من قتيل - بغير حق - وطلاق بغير بصيرة، وعداوة بغير مسوِّغٍ، وقطيعة رحم جرَّاء غضب في ساعة غفلة، غطى عقل صاحبه، وأحرق الحكمة المودعة في قلبه، فاستحال شبيهًا بمجنون، لا يعي ما يقول ولا يدرك ما يفعل، فغلب الشيطان على عقله واستحوذ على بصيرته فأوقعه بما لا يريد فأورده المهالك، والمرء يحسب - أنه في ذلك كله - ينتصر لنفسه، ويُنْفِذ رأيه، ويحقق مراده. لذا، فقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن الوقوع بمثل هذا الفخ الشيطاني المتكرر، حيث حذر عليه الصلاة والسلام مرارًا من الغضب، وأرشد النبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم إلى قول الكلمة الطيبة، وإلى أن يملك المؤمن نفسه عند الغضب، وأن يكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وبالوضوء عند الغضب، كما أرشد عليه الصلاة والسلام إلى تغيير هيئة الغضبان بجلوسٍ بعد قيام، وباستلقاء بعد _________ (1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات: باب: يُستجابُ للعبد ما لم يعجل، برقم (6340) ، ومسلم؛ كتاب: الذِّكْر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل، برقم (2735) .

(1/263)


جلوس، مما يُسهم في إطفاء جذوة تلك الجمرة المتوقدة في قلبه. قال الله تعالى: [آل عِمرَان: 134] {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . وقال رسول صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (1) . وقد روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم الدلالةُ على مايطفئ الغضب، من وضوء، وتغيير هيئة: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (2) . وأوصى عليه الصلاة والسلام جاريةَ بن قدامة رضي الله عنه، بقوله مرارًا: «لاَ تَغْضَبْ» (3) . وقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوْ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ، وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ» (4) . * ... والحَيْرة: وهي كثرة التردد، وذلك سبب مؤكد لاستهواء الشيطان ابنَ آدم بإضلاله، وتسييره إلى مَهلِكه، لكنِ المؤمنُ يحزم أمره فيما يريد في حياته الدنيا، أما غيره فقد تلمّس معالم طريقه من وحي شيطان إنس أو جن، فاجتاله وألقى في رُوْعه الشبهات وتلاعب به _________ (1) متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6114) . ومسلم؛ كتاب: البِر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب، برقم (2609) . (2) أخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند الغضب، برقم (4784) ، عن عطيةَ السعدي رضي الله عنه. وهذا الحديث ضعيف. (3) أخرجه البخاري؛ كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، برقم (6116) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (4) أخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند الغضب، برقم (4782) ، عن أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه. صحّحه الألباني. انظر: صحيح أبي داود (4000) .

(1/264)


حتى أضلّه، فألفى الأفّاكون - من سحرة ودجاجلة - طريقًا إليه، فهلك هلاكًا محتمًا، والعياذ بالله تعالى. قال تعالى: [الأنعَام:71] {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ ... } (1) ، وقال سبحانه: [النِّسَاء: 143] {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ ... } ، وقد أرشد الله عزّ وجلّ نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ومن بعده أمته صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: [آل عِمرَان: 159] {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مرشدًا أمته صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلاَ يَقُولَنَّ: اللهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّه لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (2) . فتأمّل - رحمك الله - إن كان العزم مأمورًا به عند إرادة العمل الصالح، وفي مقام الطلب من الله تعالى مع أن الأصل هو الحث على عمل الصالحات، مع عظم مشروعية الدعاء، فكيف بما هو دون ذلك من الأمور؟!. * ... والتبذير، ويكون بالإسراف في الإنفاق، ومجانبة التوسط فيه، وكذلك في الإنفاق بغير وجه حق، أو في معصية، أو في الحث عليها، والمؤمن يجانب ذلك كلَّه، فيكون إنفاق النعمة - من مالٍ وغيره - عنده قوامًا بين الإسراف والتقتير، مع إعطاء كل ذي حقٍّ _________ (1) {استهوته} : أضلَّته، كما في البخاري، كتاب: التفسير، من تفسير سورة الأنعام، في سياق النقل عن ابن عباس رضي الله عنهما. وفي الفتح [8/141] : هو تفسير قتادة، أخرجه عبد الرزاق. اهـ. (2) متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: «لِيعزم المسألة فإنه لا مكرِه له» برقم (6338) . ومسلم؛ كتاب: الذِّكْر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: العزم بالدعاء، ولا يقل: إن شئتَ، برقم (2678) .

(1/265)


حقه، وفي طاعة الله بمباح أو قُرْبَةٍ، وهو يعلم أن مِنْ أَحَبِّ ما يُنفَق به المال عند الله تعالى: ما كان زكاةً، أو صلة أرحام، أو إحسانًا إلى جار مسكين، أو إجابةً لسائل. وحيث يجانب المؤمنُ ذلك فقد قارب التشبه بصفة الشيطان في التبذير والسَّفَه، الذي يودي به إلى كفرٍ بالنعمة وجحود بها، وذلك باستعمالها في غير ما وُهِبَتْ لأجله، فيتآخى المسرف المبذر مع الشيطان من هذه الحيثية، فيكون للشيطان على إخوانه المبذرين سبيل للغواية ونوع تسلطٍ على قلوبهم الجاحدة. قال تعالى: [الإسرَاء: 26-27] {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا *إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيْاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا *} . وقال سبحانه: [الفُرقان: 67] {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا *} . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (1) . وجاء رجل إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، مَنْ أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» (2) . _________ (1) متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: البيوع، باب: من أحبّ البَسْط في الرزق، برقم (2067) ، ومسلم؛ كتاب: البِرّ والصلة والآداب، باب: صلة الرَّحِم وتحريم قطيعتها، برقم (2557) . (2) أخرجه مسلم - واللفظ له -؛ كتاب: البرّ والصلة والآداب، باب: بِرّ الوالدين وأنهما أحقُّ به، برقم (2548) ، وعند البخاري؛ من غير زيادة: «ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» في آخره. كتاب: الأدب، باب: من أحق الناس بحسن الصحبة، برقم (5971) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1/266)


وقد روي عن النبيِّ - عليه أزكى صلاة وأتم تسليم - أن رجلاً كان ذا مال كثير وذا أهل وولد وحاضرةٍ، كيف يصنع بماله؟ فأمره صلى الله عليه وسلم بقوله: «تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ، فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصلُ أَقْرِبَاءَكَ، وَتعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ» (1) . * ... المِراء، أو الجدال بالباطل، ومردّه إلى (إعجاب كل ذي رأي برأيه) (2) ، وأصله من الكِبْر المذموم. والجدل مشتق من محاولة كل من المتخاصمين جَدْل صاحبه عن رأيه، فإن كان بغير وجه حق سُمّي مِراءً، وهو المعنيّ هنا، وإن كان بالحق سمي جدالاً، وقد فطر الإنسان على حب المجادلة، فمن أعمل ذلك من غير حجة بيِّنةٍ، وكان قصده إعلاء كلمته وإظهار مذهبه تعظيمًا لشأن نفسه وتحقيرًا لنظيره، لا إظهارًا لوجه الحق الذي التزمه، وجد إذ ذاك غيظًا في قلبه واستفاض حَنَقًا على صاحبه، فإن قهره الخصم بحجته الدامغة استحال الغيظ غِلاًّ في قلبه، حتى إذا تظاهر أنه نسي تلك الجولة الخاسرة، تحوّل الغِلُّ في قلبه إلى إِحَنٍ وحقد دفين، وهو أخطر مدخل للشيطان على قلبه، حيث يبقى صاحبه يتحين الفرصة ليُنفِذ غيظه، ولينقضّ على صاحبه فيفتك به. إن مثل هذا المشكِّك بالحق - لأجل رأيه - لا _________ (1) جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده، (3/136) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وهذا الحديث ضعيف. (2) هذا مستفاد من حديث، أخرجه الترمذي مطولاً - ومنه: «.... حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوىً متَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ ... » الحديث - كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، برقم (3058) ، عن أبي ثعلبة الخُشَني رضي الله عنه. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه أبو داود أيضًا مطولاً برقم (4341) . وابن ماجه كذلك، برقم (4014) . والحديث ضعّفه الألباني. انظر: «الضعيفة» برقم (1025) .

(1/267)


ريب أنه وليٌّ للشيطان، قد زخرف له مولاه الكِبْرَ والمماراةَ على أنها فضيلة يُتوصَّل بها إلى تحقيق الذات وقهر الخصم. هذا، فضلاً عما يورثه هذا الجدل من تحريش من الشياطين بين المتخاصمَيْن، هذا إن لم تتعصب لرأي كل واحد منهما زمرة، مما يثير العداوة والبغضاء بينهم، وقد تجد أحدهم على أتم الأهبة لعمل ما بوسعه ليوقع الضر بصاحبه وقد يسلب عقله بسحر، أو يفرق بينه وبين من يحب، أو يتسبب في إمراضه، أو حتى قتله، وهذا عين ما يبغيه الشيطان وأتباعه من تحريش بين الناس، وإيقاع العداوة بينهم. - ... قال تعالى: [الكهف: 54] {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} . - ... وقال سبحانه: [الأنعَام: 121] {وَإِنَّ الشَّيْاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَولِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} . - ... وقال عزّ شأنه: [غَافر: 56] {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *} . - ... وقال تقدست أسماؤه: [الأنعَام: 112] {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ *} . - ... وقد طرق النبيُّ صلى الله عليه وسلم باب حجرة عليٍ وفاطمةَ عليهما السلام ليلةً، فقال: «أَلاَ تُصَلِّيَانِ» ، فقلت - أي علي رضي الله عنه -: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعَثَنا، فانصرف حين قلنا ذلك، ولم يرجع إلي شيئًا، ثم سمعته - وهو مولٍّ [أي قد قَفَل راجعًا] يضرب

(1/268)


فَخِذه - وهو يقول: [الكهف: 54] {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (1) . * ... والعمد إلى تغيير خلق الله تعالى، وهو من أعظم ما يستهوي الشياطين، والعياذ بالله عزّ وجلّ، فتعمد إلى تزيين ذلك للناس، فيقع كثير منهم في هذا الشَّرْك، متوهّمين بأن هذا التغيير يحسّن مظهرهم ويرفع منزلتهم، وقد لا يقتصر هذا التغيير على صاحبه، بل قد يسوِّل له الشيطان أن يتعدى ذلك إلى محاولة تغيير وتشويه خلقٍ آخر، وهذا عين ما فعله بعض مشركي العرب، حين عمدوا إلى تشقيق آذان الأنعام وجعلوا ذلك سمة وعلامة على تحكّمهم بجواز الانتفاع بها، أو على حرمة ذلك، أو على اختصاص هذا النفع بأناس دون آخرين، ومن ذلك ما ادَّعَوْه افتراءً من [بَحِيرة، أو سائبة، أو وصيلة، أو حامٍ] (2) ، فوقعوا في تغيير دين الله، ومحادّة _________ (1) أخرجه البخاري - واللفظ له - كتاب: أبواب التهجَّد، باب: تحريض النبيِّ صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل، برقم (1127) . ومسلم؛ صلاة المسافرين وقَصْرِها؛ باب: ما رُوي فيمن نام الليل أجمعَ حتى أصبح، برقم (775) ، عنه أيضًا. (2) السائبة: هي الناقة التي كانت تُسيَّبُ في الجاهلية لنذر أو نحوه، لكونها قد ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، فلا يُركب ظهرها ولا يُشرب لبنها، إلا ولدُها فيُشرِبونه من لبنها، وكذلك الضيف، وتبقى كذلك حتى تموت، فإذا ماتت اشترك في أكلها الرجال والنساء، ثم بُحِرَتْ أذن بنتها الأخيرة، أي شُقَّتْ الأذن وخُرِقَتْ. فسميت هذه البنت (بحيرة) ، وكان حكمها كحكم أمها بعد ذلك. أما (الوصيلة) : فهي الشاة تلد سبعة أبطن، عَناقين عَناقين - أي: أنثيين أنثيين -، فإن ولدت في الثامنة جَدْيًا - أي: ذكرًا -: ذبحوه لآلهتهم المزعومة، واختصُّوها به، وإن ولدت جديًا وعناقًا، قالوا: قد وصلت أخاها، أي: وصلت العناق أخاها الجدي، فلا يذبحون أخاها من أجلها، ولا تشرب لبنَها النساءُ، وكان لبنها للرجال فقط، ثم يُجْرُونها مجرى السائبة - على ما عَرَفْتَ من حالها -. وأما (الحامي) ، فهو الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم، بحيث لَقِحَ ولدُ ولدِه، فيقولون: قد حمى ظهرَه، فلا يُركب، ولا يُجَزُّ له وبرٌ، ولا يُمنع من مرعى. ... انظر: في بيان ذلك كله، مختار الصحاح، مادة (سيب - بحر - وصل - حمي) .

(1/269)


ما شرعه لخلقه، واسترضَوْا بذلك الشيطانَ الرجيم، ومن ثَمَّ استحوذ عليهم فمَرَدُوا على الشرك، وحاربوا دين الله حرب استماتة لا هوادة فيها. يتبين بما سبق أن تغيير خلق الله، هو مدعاة لطرد الإنسان من رحمة الله تعالى، ذلك أنه - في حقيقته - تدخُّلٌ سافِرٌ في حق التشريع الذي هو من أخص خصائص الألوهية. ومما يدخل في تغيير خلق الله تعالى ما يحرم من زينة النساء: كالوشم (1) ، والنَّمْص (2) ، والتفلُّج (3) في الأسنان، ووصل الشعر، وما يحرم من زينة الرجال: كالتزين بما اختُصّت به النساء من لباس، أو تحلٍّ بذهب، أو ادهانٍ بطِيب ملوّنٍ كحناء في اليدين أو الرِّجْلين، أو تَزَعْفُرٍ (4) لكونه مختصًا بالنساء، وكذلك التزيُّن بما فيه مُثْلة أو تشويه للخِلْقة، كالقَزَع (5) ، وغير ذلك كثير مما يَطْلُع به علينا، أصحاب (التقليعات الغربية) وإنْ كلُّ ذلك إلا مدعاة للشياطين لاستخفاف نفوس فاعليه، مما يتسبب باستهوائها لتلك الأنفس، ومن ثم استعبادها وإضلالها. _________ (1) الوشم: جعل علامة مستقرة في الجلد، وذلك بغرز إبرة فيه، ثم ذَرُّ - أي: إلقاء - النَّثُور، وهو مادة تترسّب في مسام الجلد تسمى النَّيْلَج، تُجعل بعد الغرز في الجلد. انظر: مختار الصحاح (وشم) . (2) النَّمْصُ، نتف الشعر من الوجه، وتسمى من تفعله نامصة، ومن تأمر بفعله متنمِّصة، أو منتمصة. انظر: النهاية لابن الأثير (5/104) . (3) التفلّج: ما تفعله المرأة بأسنانها للتفريج قليلاً ما بين الثنايا والرَّباعيات، وكُنَّ يفعلن ذلك رغبة في التحسين. انظر: النهاية أيضًا (3/420) . (4) التزعفر: صبغ الثوب بالزعفران، أو التطيُّب به. انظر: مختار الصحاح مادة (زَعْفَرَ) . (5) القَزَع: أن يُحلَق رأسُ الصبي، ويُترَكَ في مواضعَ منه الشعرُ مُتفرِّقًا. انظر: مختار الصحاح، مادة (قَزَعَ) . ويكون ذلك على وجه غير متناسق، مما كان يفعله بعض الأعراب في الجاهلية، ويفعله - للأسف - بعض شبابنا اليوم، وهو ما يطلق عليه قصة الكابوريا، تقليدًا لمن يسمى بـ (الهيبيز أو البنكيز) من فَسَقة الغربيين.

(1/270)


وهاك - مكرمًا - ما يدل من كتاب الله تعالى وسنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم على التحذير مما سلف ذكره: قال الله تعالى: [النِّسَاء: 117-119] {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيدًا *لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأََتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا *وَلأَُضِلَّنَّهُمْ وَلأَُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً *} . وقال عزّ وجلّ: [المَائدة: 103] {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} . وقال عزّ وجلّ: [الرُّوم: 30] {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ *} . قال الإمام ابن كثير رحمه الله: [الرُّوم: 30] {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، قال بعضهم: معناه لا تُبدِّلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرًا بمعنى الطَّلَب، كقوله تعالى: [آل عِمرَان: 97] {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} ، وهذا معنى حسنٌ صحيح. اهـ (1) . والمعنى المقصود: أمّنوا - أعطوا الأمان - كمن استأمن بدخوله بيت الله المحرّم. وقال الإمام البخاري رحمه الله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه} : لدين الله. اهـ (2) . وقد خطب النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال في خُطبته: «إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا: كَلُّ مَا نَحَلْتُهُ عِبَادِي _________ (1) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (ص1326) ، ط - بيت الأفكار. (2) انظر: صحيح البخاري: كتاب: التفسير، مطلع عنوان بابٍ فيه، من تفسير سورة الروم، وتمامُه: خُلُق الأولين: دينُ الأولين، والفطرةُ: الإسلام. اهـ.

(1/271)


حَلاَلٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ... » الحديث (1) . وفي الصحيح قولُه صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما لي لا ألعنُ مَن لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ومَن هو في كتاب الله [الحَشر: 7] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2) . وقد تزوجَتْ جاريةٌ من الأنصار، فمرضت وتمعّط شعرها، فأرادوا أن يَصِلُوها، فسألوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: «لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» (3) . أما تشبُّه كلٍّ من الجنسين بالآخر، فقد «لَعَنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (4) . كما أمر عليه الصلاة والسلام بإخراج المتشبِّهين بالنساء من البيوت، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» (5) . _________ (1) أخرجه مسلم - مُطوّلاً - كتاب: الجنة، باب: الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه برقم (2865) . ومعنى «نَحَلْتُه» ، النُّحْل، بالضم: العطية والهبة ابتداءً من غير عِوَض ولا استحقاق. انظر: النهاية (5/24) . (2) جزء من حديث متفقٍ عليه، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: {وما آتاكم الرسول فخلوه} ، برقم (4886) . ومسلمٌ؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، برقم (2125) . (3) أخرجه البخاري؛ كتاب اللباس، باب: الوصل في الشعر، برقم (5934) ، ومسلم؛ بلفظ: «فَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا» ، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، برقم (3123) ، عن عائشة رضي الله عنها.. (4) أخرجه البخاري؛ كتاب: اللباس، باب: المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال، برقم (5885) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (5) أخرجه البخاري؛ كتاب اللباس، باب: إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت، برقم (5886) ، عن ابن عباسٍ أيضًا.

(1/272)


وقد «أُتي النبيُّ صلى الله عليه وسلم بمُخنَّثٍ قد خضب يديه ورجليه بالحِنَّاء، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا بَالُ هَذَا؟» ، فقيل: يا رسول الله، يتشبَّه بالنساء! فأُمر به فنُفي إلى النقيع (1) ، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: «إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» (2) . وأما حرمة تَخَتُّمِ الرجل بذهب، فقد رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ» ، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا واللهِ، لا آخذه أبدًا، وقد طَرَحه رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) . وأما كراهة التَّزَعْفُر، فقد «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» (4) . وأما كراهية القَزَع، فلِما صح «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ القَزَعِ» (5) . _________ (1) النقيع: ناحية عن المدينة، وليس بالبقيع، الذي هو موضع مقبرة أهل المدينة. كما بينه أبو داود رحمه الله، بعد إخراجه للحديث. وبين المدينة والنقيع عشرون فرسخًا، - أي ما يقارب 110.88 كلم - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حماه لخيله، وله هناك مسجد يقال له مقمّل، وهو من ديار مُزَينة. انظر: معجم البلدان لياقوت الحَمَوي، (5/348) . (2) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأدب، باب: الحكم في المخنثين، برقم (4928) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. صحّحه الألباني. انظر: صحيح أبي داود (4119) . (3) أخرجه مسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال ... ، برقم (2090) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (4) متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: اللباس، باب: التزعفر للرجال، برقم (5846) ، ومسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: نهي الرجل عن التزعفر، برقم (2101) ، عن أنس رضي الله عنه. والحديث عند الجماعة إلا الموطأ، وقال الترمذي: ومعنى كراهية التزعفر للرجل: أن يتطيب به. اهـ. (5) أخرجه البخاري - مطولاً - كتاب: اللباس، باب: القزع، برقم (5920) ، ومسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهة القَزَع، برقم (2120) ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال مسلم رحمه الله: قال - أي (عبيد الله بن حفصٍ الراوي عن عمر بن نافع) - قلت لنافع: وما القَزَع؟ قال: يُحلق بعضُ رأس الصبي ويُترك بعض. اهـ.

(1/273)


* ... والعمد إلى أفعال يحبها الشيطان، قد يستصغرها المؤمن فلا يلقي لها بالاً، ومن ذلك: 1- ... الإكثار من التثاؤب. 2- ... ترك القيلولة (وهي نومة يسيرة قبيل الزوال) . 3- ... الجلوس في مجلس الشيطان، وهو الموضع الذي تخلله الظل والشمس. 4- ... التصرف باليد الشمال في أكل وشرب، أو أخذ وإعطاء. 5- ... ترك التأذين (المناداة للصلاة) . 6- ... النوم الطويل، وترك قيام الليل. 7- ... ترك اللقمة إذا سقطت على الأرض، لما فيه من تفريطٍ بنعمة الله تعالى. 8- ... المكث على غير وضوء، وترك صلاة الجماعة في المسجد. 9- ... اقتناء كلب (لغير صيد أو حراسة أو زرع) ، أو وضعِ صورٍ في البيوت، لذوات أرواح، ولو لم يكن لها ظِلّ. 10- ... العمد إلى الأكل منفردًا، والإكثار من المأكل والمشرب، لحد الشِّبَع والتُّخَمة. ومن أدلة النهي عما سبق بترتيبه: - ... قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبَ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» (1) . _________ (1) أخرجه البخاري - مطوّلاً -؛ كتاب: الأدب، باب: ما يُستحَبُّ من العطاس وما يُكرَه من التثاؤب، برقم (6223) ، ومسلم - بشطره الثاني -؛ كتاب: الزهد والرقائق، باب: تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، برقم (2994) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1/274)


- ... ترغيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيلولة، معللاً ذلك بأن الشياطين لا تقيل. قال صلى الله عليه وسلم: «قِيلُوا، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لاَ تَقِيلُ» (1) . - ... «نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجْلَسَ بَيْنَ الضِّحِّ وَالظِّلِّ، وَقَالَ: مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ» (2) . - ... قال عليه الصلاة والسلام: «لاَ يَأْكُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلاَ يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا» (3) . وقال صلى الله عليه وسلم: «لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ، وَيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ، وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ» (4) . - ... قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتّى لاَ يَسْمَعَ الأَْذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَْذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ ... » الحديث (5) . _________ (1) رواه أبو نُعيم في الحِلْية، انظر: صحيح الجامع: (4/147) . (2) أخرجه أحمد في المسند، (3/414) ، من حديث رجلٍ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال المنذري في الترغيب والترهيب (5/260) : سنده جيد. اهـ. وصحّحه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ، برقم (3081) . وكان سعيد بن المسيِّب يقول: [مقيل الشيطان بين الظل والشمس] . انظر: آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجانّ. لبدر الدين الحنفي. ص: 235. والضِّح - بالكسر وتشديد الحاء -: شعاع الشمس. انظر: مختار الصحاح، لابن الأثير، مادة (ضحَحَ) . (3) أخرجه مسلم؛ كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، برقم (2020) ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال مسلم: [قال - أي سالم -: وكان نافع يزيد فيها: «وَلاَ يَأْخُذُ بِهَا، وَلاَ يُعْطِي بِهَا» ] . اهـ. (4) أخرجه ابن ماجَهْ، كتاب: أبواب الأطعمة، باب: الأكل باليمين، برقم (3266) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقد صحح سندَه المنذريُّ في الترغيب والترهيب (4/191) . والألباني. انظر: «صحيح الترغيب والترهيب» برقم (2114) . (5) جزء من حديثٍ أخرجه البخاري بتمامه؛ كتاب: السهو، باب: إذا لم يدرِ كم صلّى برقم (1231) ، ومسلم بنحوه؛ كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهربِ الشيطان عند سماعه، برقم (389) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ... والتثويب: الإقامة، والضُراط: هو حُصاصُ الشيطان - أي: شدة عَدْوه - وصوتُه. كما بيَّنه مرويُّ مسلم رحمه الله.

(1/275)


- ... قال الله تعالى: مخاطبًا نبيَّه صلى الله عليه وسلم: [المُزّمل: 1-4] {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *} . ويقول عليه الصلاة والسلام: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلاَثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ، بِكُلْ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ» (1) . - ... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُم عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذىً، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلاَ يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ» (2) . - ... سمع عثمانُ بن عفان رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلاَّهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ» (3) . وقال عليه أعطر الصلاة وأزكى التسليم: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ (أَوِ الْمُؤْمِنُ) ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ - نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ - مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ _________ (1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: أبواب التهجُّد، باب: عَقْد الشيطان على قافية أحدكم إذا لم يصلِّ بالليل، برقم (1142) ، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرها، باب: ما روي فيمن نام الليل أجمعَ حتى أصبح، برقم (776) . (2) أخرجه مسلم؛ كتاب الأشربة، باب: استحباب لعق الأصابع والقصعة، برقم (2033) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (3) أخرجه البخاري؛ كتاب: الرقاق، باب: قول الله تعالى: ُ $ % × ' () ِ [فَاطِر: 5] {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... } . برقم (6433) ، ومسلم - واللفظ له - كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عَقِبه، برقم (232) ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.

(1/276)


بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيَئةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» (1) . فأكرِمْ بمنزلةٍ نزلها المُسبِغُ لوضوئه، الماشي إلى الجماعات، فقد أخزى اللهُ شيطانَه، وسلّمه من مكائده، وجعل سعيَ شيطانِه هباءً منثورًا، لمّا أشغل قلبه وجوارحه بطاعة مولاه سبحانه. - ... قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (2) . وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ، كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» (3) . ويقول عليه الصلاة والسلام: «لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ» (4) . - ... قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، قال: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟» قالوا: نعم. قال: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، _________ (1) أخرجه مسلم؛ كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء، برقم (244) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعن عثمان رضي الله عنه، برقم (245) ، بلفظ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» . (2) متفق عليه؛ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أخرجه البخاري؛ كتاب الذبائح والصيد، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، برقم (5481) ، ومسلمٌ؛ كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، برقم (1574) . (3) متفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: المزارعة، باب: ما يُحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، برقم (2322) ، ومسلمٌ؛ كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، برقم (1575) . (4) متفق عليه، من حديث أبي طلحة رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين، برقم (3225) ، ومسلم؛ كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان، برقم (2106) .

(1/277)


وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، يُبارَكْ لَكُم فِيهِ» (1) . ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ، يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ، فَثُلُثُ طَعَامٍ، وَثُلُثُ شَرَابٍ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ» (2) . أخي القارئ، تلك تحصينات أربعة أوردتُّها مدلِّلاً عليها، فاجتهد وُسْعَك في حفظ الله تعالى يحفظْك، فإنك إنْ فعلتَ فلن يضرَّك شيء بعدها، - شيطان ولا غيره - لكنَّ ذلك لا يمنحك عصمة مستمرة، فالعبد المؤمن قد يغفُل عن صنوف الحفظ تلك، لا بعمدِ محادّةٍ، لكنْ بغلَبة نفسٍ وميلِ هوىً، فيعمد ساحر لعين إلى تسليط خادمه ابتداءً على عبدٍ أذيةً له، أو استرضاء لعدوٍّ متربصٍ به، والحال أنه بحسب تمكّن العبد من تحصين نفسه، يتفاوت ضُرُّ ذلك عليه، أو يتملكه الضرّ حال خلوّه من ذلك التحصين، عياذًا بالله تعالى. لذا، فإن ثمة طرقًا مشروعة لإبطال السحر، سأبينها فيما يلي مستعينًا بالله تعالى متوكلاً عليه. *** _________ (1) أخرجه أبو داود؛ كتاب: الأطعمة، باب: في الاجتماع على الطعام، برقم (3764) ، عن وحشيِّ بنِ حربٍ رضي الله عنه. قال أبوداود: إذا كنت في وليمةٍ فوُضع العَشاء فلا تأكل، حتى يأذن لك صاحب الدار. اهـ. وأخرجه عنه ابن ماجَهْ أيضًا؛ كتاب: الأطعمة، باب: الاجتماع على الطعام، برقم (3286) . حسّنه الألباني بشواهده. انظر: «الصحيحة» برقم (664) . (2) أخرجه من أهل السنن: الترمذيُّ؛ كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل، برقم (2380) . وقال الترمذي: حسن صحيح. والنسائي - في الكبرى - (4/2769) ، باب: ذِكْر القَدْر الذي يُستحَب للإنسان من الأكل. وابن ماجَهْ، كتاب: الأطعمة، باب: الاقتصاد في الأكل وكراهية الشِّبَع، برقم (3349) . وأخرجه أحمد في المسند، (4/132) ، الجميع من حديث المقدام بن مَعْدِي كَرِب الكِندي رضي الله عنه. والحديث صحّحه الألباني. انظر: «الصحيحة» ، برقم (2265) .

(1/278)


الباب الثاني: الطرق المشروعة لإبطال السحر. إن من رحمة الله بعباده أنه - سبحانه - جعل: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ، بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» (1) ، وإن من أعظم الداء ما قد يبتلى به المؤمن من مرضٍ بأثر سحر، قد يصل به إلى صَرْع بسبب المس من الجن، بتسليط ساحر لعين، وذلك المس - عياذًا بالله - يكون بالإجمال: إما لاستحسان بعض الصور الإنسيّة، وإما بقصد إيقاع الأذية (2) ، وقد أتت أدلة الشرع مثبتة إمكان حصول هذا الصرع، وإن كان حصوله في غاية الندرة، لكنه مما تقرر إمكانُه عند أهل السنة والجماعة، فلا يُعتدّ بقول من أنكر ذلك كالجُبّائي من المعتزلة، والرازي من الأطباء، وغيرهما. أقول: لما كان هذا المس من أعظم ما يبتلى به مؤمن بسبب أثر السحر، فقد جعلت الشريعة طرقًا عديدة لمعالجة أثر السحر وإبطاله، من أنفعها الرقى المشروعة - وسيأتي باب مختص ببيان ما يتعلق بها - لكن ثمة طرق أخرى يتم بها إزالة السحر، هذا بيانها: 1- ... استخراج السحر، وإبطاله: وطريقته أن يُنظر فيما فعله الساحر، فإن جعله في موضع، وعُرِف موضع ذلك (3) ، فإن هذا الشيء يُزال ويتلف إما بحرق أو بإتلاف أو برمي في ماء جارٍ ونحو ذلك، وهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب، ويبطل به السحر (4) . _________ (1) أخرجه البخاري - بلفظ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» -؛ أول كتاب الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم (5678) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومسلم - بلفظه -؛ كتاب: السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم (2204) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (2) انظر: فتح الباري، لابن حجر رحمه الله (10/119) . (3) يمكن معرفة موضع السحر بالإكثار من الدعاء بإخلاص، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك فإن لولي أمر المسلمين إلزام الساحر بالدلالة على موضع السحر، وكذلك إلزامه بإزالة ما تسبب به من ضرر. (4) انظر: زاد المعاد، لابن القيم رحمه الله (3/104) .

(1/279)


2- ... الحجامة (1) : (وتكون باستفراغ الدم في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نَفَع جدًا، ذلك أن السحر الذي هو مركّب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطبيعة عنها، وهو سحر التمزيجات، وهو أشد ما يكون من السحر، ولا سيما في الموضع الذي انتهى السحر إليه، فيكون استعمال الحجامة في ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر من أنفع المعالجة إذا استُعمِلت على القانون الذي ينبغي) (2) . 3- ... تناولُ سبعِ تَمْرات صباحًا قبل تناول أي طعام أو شراب، وبخاصة صنف من تمر المدينة، هو العجوة، وهو (ضرب من أجود تمر المدينة وألينه وهو أكبر من الصَّيْحَانِيّ، يضرب بلونه إلى السواد، وهو مما غرسه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة في المدينة النبويَّة المنوَّرة) (3) ، وبخاصة منه ما كان من عجوة عالية المدينة (4) ، - فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ _________ (1) الحِجامة: هي المداواة بالمِحْجَم، وهي: آلة الحَجْم، وهي تشبه كأسًا يُفرغ منه الهواء، ويوضع على الجلد فيُحدِث فيها تهيّجًا وينجذب إليه الدم أو المادة بقوة، فيقوم الحجّام عندها بإخراج ذلك الدم المنجذب بمِشْرط. ومنافع الحجامة - سوى إبطال أثر السحر - جمّة، منها: أنها تُنْقِي سطح البدن باستفراغ العروق من أخلاط الدم الزائد الفاسد هذا. انظر: الطب النبوي لابن القيم ص 43. ... هذا، وإن الحجامة تساعد بشكل ملحوظ - كما قرره أطباء الطب البديل اليوم - في التداوي من أمراض عديدة: كداء الشقيقة، والتجلط الدموي، وداء آلام المفاصل، وغيرها. (2) انظر: زاد المعاد، لابن القيم (3/104) . (3) انظر: فتح الباري، لابن حجر (10/249) ، ينقله عن ابن الأثير في غريب الحديث، مادة (عجا) 3/188. (4) عالية المدينة: القرى التي في الجهة العالية من المدينة، وهي جهة نجد. انظر: الفتح لابن حجر (10/249) .

(1/280)


تَمْرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَومَ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» (1) . فائدة: [إن نفع هذا العدد (سبعة) من هذا التمر (العجوة) من هذا البلد (المدينة) من هذه البقعة بعينها (عالية المدينة) ، من السُّم والسحر، بحيث تمنع إصابته، هو من الخواص لهذا التمر التي لو قالها بقراط وجالينوس (من أكابر أطباء اليونان) ، وغيرهما من الأطباء، لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أن القائل طبيب إنما معه الحَدْس والتخمين والظن، فمَنْ كلامُه يقين، وقطعٌ وبرهان، ووحيٌ صلى الله عليه وسلم أولى أن تُتلَقَّى أقوالُه بالقبول والتسليم وترك الاعتراض] (2) . 4- ... التنشر بما سبق بيانه (3) ، من أنواع النشرة، وهي اختصارًا: أ- ... أن يخلط بماء سبع ورقات من سدر أخضر دُقَّت بين حجرين، ثم يُقرأ بالماء آيةُ الكرسي، والقواقل - الكافرون، الإخلاص، المعوذتان -، ثم يحسو منه ثلاثًا، ويغتسل به. ب- ... إلقاء ما استطاع جمعَه من ورد البساتين، في ماء عذب، ثم يغليه فإذا تبرّد أفاضه عليه. جـ- ... يجمع من ورق شجر العضاه، ثم يدقه، ويخلطه بماء، ويقرأ على هذا الماء، ثم يغتسل به. _________ (1) متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الدواء بالعجوة للسحر، برقم (5769) . ومسلم؛ كتاب: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، برقم (2047) . (2) أفاده الإمام ابن القيم رحمه الله، بعد أن بيّن أن للعدد (سبعة) خاصية ليست لغيره، وأن العجوة يكثر نفعها - في دفع أثر السم وضر السحر - لأهل المدينة ومن جاورهم، إذا اعتقد أحدهم جازمًا النفع بذلك. انظر: الطب النبوي (ص 75 - 78) . (3) انظر: ص 232 وما بعدها.

(1/281)


وهذه النشرة مختصة النفع بمن حُبِس عن أهله، وهو السحر المسمى بالصَّرْف. 5- ... الاغتسال بماءٍ فرات، أي: عذب، سبع مرات. تقول السيدة عائشة: (من أصابه سم أو سحر، فليأت الفراتَ (1) ، فليستقبل الجِرْيَةَ، فيغتمس فيه سبع مرات) (2) . هذه طرق خمس لإبطال السحر، والعلاج من أثره، لكن يبقى أن الرقى المشروعة هي الأنفع في ذلك كلِّه، وهو ما سأبيّنه في الباب الآتي. _________ (1) لعل تخصيص نهر الفرات بالذكر هنا، لعظم جريان مائه، مع عذوبته الفائقة. ولو اغتسل المسحور بماء نهر ما، أو بأي ماء طهور كماء البئر أو البحر مثلاً، لتحقق المراد من توجيه السيدة عائشة رضي الله عنها، والله أعلم. (2) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/434) . برقم (22864) ، بإسناد حسن.

(1/282)


الباب الثالث: التداوي بالرقى المشروعة، ويشمل مبحثين: 1- بيان معنى الرقى، وأنواعها، ومسائل مهمة متعلقة بها. 2- ذكر رقى مشروعة من الكتاب والسنة. المبحث الأول: بيان الرقى، وأنواعها، ومسائل مهمة متعلقة بها. أولاً: التعريف بالرقية: * الرُّقْيَة: - بالضمّ - هي العُوذة التي يُتعوَّذ بها (1) ، ويُرقى بها صاحب الآفة كالحُمَّى والصَّرْع، وغير ذلك من الآفات (2) ، فهي إذًا: [كلام يُستشفى به من كل عارض] (3) ، وجمعها: رُقًى - بالضم فالفتح - والراقي أو الراقيهْ، بالهاء: هو صانع الرقية أو الرُّقَى، وجمعه رُقاة، ويقال في تأنيث ذلك: هي راقية، وتجمع على رَوَاقٍ (4) ، وكذلك يقال: رجل رقّاء، أي: صاحب رُقًى، وجمعه: راقون (5) . ثانيًا: أنواع الرقى: الرقى خمسة أقسام، هاك بيانَها وأحكامها (6) : أ- ... ما كان بكلام الله تعالى، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فهذا جائز، بل مستحب. _________ (1) انظر: معجم المقاييس لابن فارس (1/480) . (2) انظر: النهاية لابن الأثير (2/231) . (3) كما ذكره ابن حجر رحمه الله، بنقلٍ عن ابن درستُوَيْه. انظر: الفتح (4/530) . (4) انظر: المعجم الوسيط ص: 367، مادة (رقى) . (5) انظر: لسان العرب لابن منظور: (3/1711) مادة (رقا) . (6) انظر: في أقسام الرقى وأحكامها: "فتح الباري" (4/534-535) ، وكذا انظر: نقلَه عن الإمام القرطبي رحمه الله، في "الفتح" (10/207) .

(1/283)


ب- ... ما يلتحق بذلك مما كان بالذكر والدعاء المأثور، وهذا حكمه كسابقه، جائز مستحب. جـ- ... ما كان منها بالذكر والدعاء غير المأثور، مما لا يخالف ما في المأثور، وهذا جائز. د- ... الرقى بما لا يعقل معناه، كالرقى التي كانت في الجاهلية، فهذه يجب اجتنابها، لئلا يكون فيه شرك أو ما يؤدي إلى الشرك. هـ- ... ما كان بأسماء غير الله من مَلَكٍ، أو صالح، أو معظَّمٍ من المخلوقات كالعرش، كأن يقول: أرقيك بحق جبريل عليه السلام، ونحو ذلك، فهذا ليس من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه وصفاته، فيُترك (1) . ولعل مجمع ما سبق يمكن استنباطه من إرشاد النبيِّ صلى الله عليه وسلم لصحابته رضي الله عنهم، بقوله: «اعْرُضُوا عَلَيَّ رُقاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (2) . «مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» (3) . _________ (1) فإن تضمن التعظيم نوع مناداة أو استغاثةٍ، كقوله: يا حملة العرش، أو أغثنا يا جبريل، ونحو ذلك، معتقدًا قدرة المخلوق على جلب نفع أو دفع ضر، كان فعله شركًا صريحًا، والعياذ بالله، وهذا النوع من التعظيم لا يدخل - أصلاً - في مسمى الرقية، لذا فإنه لم يُجعل قسمًا مستقلاً لها. (2) أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، برقم (2200) ، عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه. (3) التخريج السابق، وفي رواية - عند مسلم (2199) ، عن جابر رضي الله عنه -: «فَلْيَفْعَل» .

(1/284)


ثالثًا: ضابط الرقية المشروعة: [أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: - ... أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته. - ... أن تكون باللسان العربي، أو بما يُعرف معناه من غيره. - ... أن يعتقد - كل من الراقي والمَرْقِيِّ - أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى] (1) (فمهما كان فيه استعاذة بالله تعالى، أو استعانة به وحده، أو ما يعطي معنى ذلك، فالاسترقاء به مشروع) (2) . رابعًا: بيان عشر مسائل مهمة متعلقةٍ بالرقى: المسألة الأولى: ما حكم الاسترقاء - طلب الرقية ممن يعرف الرقى، بسبب العين - وهل فيه منافاة للتوكل؟ الجواب: [قد جاء في بعض الأحاديث جواز الاسترقاء، وفي بعضها النهيُ عنه، فمن الجواز: قوله صلى الله عليه وسلم حين رأى في بيت أم سَلَمة رضي الله عنها جارية في وجهها سَفْعةٌ (3) : «اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» (4) ، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: «أَمَرَنِي _________ (1) أفاده الإمام ابن حجر رحمه الله، كما في "الفتح" (10/206) . (2) قاله الإمام ابن حجر رحمه الله، انظر: "الفتح" أيضًا: (10/208) . (3) سَفْعة: أي بوجهها صُفْرة، كما فُسِّرت بالحديث. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (14/407) ، أو السَّفْعة: هو أن يكون بالوجه موضعًا على غير لونه الأصلي، وقد يكون سوادًا، أو صُفْرةً، أو حمرة يعلوها سواد. انظر: "الفتح" لابن حجر (10/212) ، والمعنى: أن في وجهها علامة من الشيطان، وأن هذا الأثر في الوجه (السَّفْعة: الصُّفْرة) قد أدرك الجاريةَ من قِبَل النظرة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (2/337) . (4) متفق عليه؛ من حديث السيدة أم سَلَمة رضي الله عنها: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: رقية العين، برقم (5739) ، ومسلمٌ؛ كتاب: السلام، باب: استحباب الرقية من العين، برقم (2197) .

(1/285)


رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم - أَوْ: أَمَرَ - أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ» (1) ، ومن النهي قوله صلى الله عليه وسلم في الثناء على خواص أولياء الله تعالى، المتوكلين حق التوكل عليه سبحانه، بكونهم «لاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَلاَ يَكْتَوُونَ، وَلاَ يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (2) . والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع في ذلك أن الرقى يُكره منها ما كان بغير اللسان العربي، وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزّلة، وأن يعتقد أن الرقية نافعة لا محالة فيتكل عليها] (3) ، [فالمراد إذًا بترك الرقى والكيّ هو ضرورة الاعتماد على الله تعالى في دفع الداء، مع تمام الرضا بقَدَره سبحانه، لا القدح في جواز ذلك - أي الاسترقاء - لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب] (4) . فتبين من ذلك أن الاسترقاء مشروع، ولا منافاة بينه وبين التوكل، لكن بالشروط المعتبرة في جواز الرقية، إلا أن بعضًا من عباد الله الصالحين (5) قد تم استسلامهم لقضاء الله وقدره، فهم لا يلتفتون إلى سبب قد يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا، لاعتقادهم يقينًا بأن تمام التوكل على الله يلزمه عدم التعلق بالأسباب الظاهرة، والله سبحانه أعلم. _________ (1) متفق عليه؛ من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري ومسلم؛ بالتخريج السابق، البخاري برقم (5738) ، ومسلم برقم (2195) . (2) جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: من لم يَرْقِ، برقم (5752) ، عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومسلم؛ كتاب: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، برقم (218) ، عن عمران بن حُصَيْن رضي الله عنهما. (3) انظر: النهاية لابن الأثير، (2/231) . (4) وجه الجمع هذا، نقله الإمام ابن حجر رحمه الله عن الإمام الخطابي ومن تبعه. انظر: الفتح (10/224) . (5) وعِدَّتهم «سبعون ألفًا - أو سبع مائة ألف - يدخلون الجنة بغير حساب، متماسكون، آخذ بعضهم بعضًا، لا يدخل أوَّلُهم حتى يدخلَ آخرُهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» . وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل عُكَّاشةَ بنِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيِّ رضي الله عنه بقوله: [اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ] » . انظر: البخاري، برقم (3247) ، ومسلم؛ برقم (219) .

(1/286)


المسألة الثانية: ما حكم ما يُعطاه الراقي، أجرةً على الرقية المشروعة؟ الجواب: لقد أقر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أخذَ بعضٍ من صحابته - عليهم رضوان الله - أجرةً على رقية رقى بها أحدهم (1) سيدَ قومٍ في حيٍّ من أحياء العرب بفاتحة الكتاب، كانوا قد نزلوا عند واحة ماءٍ، وقد صالحهم الصحابة على قطيعٍ (2) ، فقال عليه الصلاة والسلام: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ قَدْ أَصَبْتُمُ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (3) . [وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذِّكر، وأنها حلال لا كراهة فيها، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ» إنما قاله صلى الله عليه وسلم تطييبًا لقلوبهم، ومبالغةً في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه] (4) . وعليه، فقد اتفق الفقهاء على جواز أخذ الراقي الأجرة على الرقية وتمام تملّكه لهذه الأجرة، لكنِ الأَوْلى عندهم ترك طلبها، بل وتركها بالكلِّية احتسابًا للأجر عند الله، _________ (1) قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم (14/408) : (هذا الراقي هو أبو سعيد الخُدْرِي الراوي رضي الله عنه. كذا جاء مبينًا في رواية أخرى في غير مسلم) . اهـ. فانظر رحمك الله إلى مزيد فضل أبي سعيد رضي الله عنه وجمّ أدبه، حيث [صرّح عن نفسه تارة وكنّى أخرى] ، كما أفاده الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح (4/533) . هذا، والتصريح هو عند أبي داود؛ كتاب الطب، باب: في الرقى، برقم (3900) ، والترمذي، في الطب، باب: ما جاء في أخذ الأجرة على التعويذ، برقم (2063) ، وابن ماجَهْ؛ كتاب: التجارات، باب: أجر الراقي، برقم (2156) . وهو عند أحمد أيضًا، في مسند المكثرين من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، برقم (11086) . (2) قال النووي رحمه الله: والمراد بالقطيع المذكور في هذا الحديث ثلاثون شاة. كذا جاء مبينًا - أي: في غير مسلم -. اهـ. انظر: مسلم بشرح النووي (14/409) . (3) متفق عليه، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ أخرجه البخاري؛ كتاب: الإجارة، باب: ما يعطَى على الرقية ... ، برقم (2276) ، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار، برقم (2201) . (4) انظر: مسلم بشرح النووي (14/410) .

(1/287)


على أن الراقي لا يستحق أجرًا إلا إذا صحَّ انتفاعه بالرقية. ونحن نرى أن كثيرًا ممن عُرِفوا بالعلاج عن طريق الرقى، - للأسف البالغ - لم يفقهوا حق الفقه كلامَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ» (1) ، فأوّلوا ذلك بالتوسع في طلب الأجرة على الرقية، دونما نظر لحال المرقي، أو احتسابٍ للأجر والمثوبة عند الله تعالى في قصد نفع المسلمين، وذلك هو المشاهد من حال العديد ممن يتصدر - في عصرنا - لادعاء السبق إلى الولاية الخاصة، مع حيازته تمام التقوى والصلاح، ودفع الداء وجلب الشفاء، للعامة والخاصة!! فإلى الله المشتكى، وهو المستعان المرتجى. المسألة الثالثة: في بيان معنى النفث وهل يشرع في الرقية؟ النَّفْثُ: شبيه بالنفخ، وهو أقل من التَّفْل، لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق (2) . فكأنه بصفة بين النفخ الذي هو بلا ريق، والتفل الذي لا بد فيه من ريق، [والصواب أن النفث فيه ريق خفيف] (3) ، ولعله المقصود فيما صح من فعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقد «كَانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا اشْتَكى، يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ صلى الله عليه وسلم كَانَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رضي الله عنها تَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَتَمْسَحُ بِيَدِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا» (4) . أما حكم النفث في الرقية، [فقد أجمعوا على جوازه، واستحبه _________ (1) أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الشرط في الرقية، برقم (5737) ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (2) انظر: مادة (نفث) : النهاية لابن الأثير، (5/75) ، والقاموس للفيروزآبادي؛ ص: 227. (3) كما صوَّبه الإمام ابن حجر رحمه الله. انظر: "الفتح" (10/220) . (4) متفق عليه؛ من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب فضل المعوّذات، برقم (5016) ، ومسلم؛ كتاب السلام، باب: رقية المريض بالمعوّذات والنفث، برقم (2192) .

(1/288)


الجمهور، من الصحابة والتابعين، ومَن بعدَهم] (1) . وأما [محل التفل في الرقية فإنه يكون بعد القراءة، لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق] (2) . [وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض كانفصال ذلك - الريق - عن الراقي] (3) . المسألة الرابعة: هل يُشرَع المسح في الرقية؟ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعثمانَ بنِ أبي العاص الثقفيِّ رضي الله عنه حين شكا إليه وجعًا يجده في جسده منذ أسلم: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللهِ، ثَلاَثًا، وَقُلْ، سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» (4) [ومقصود الحديث أنه يستحب وضع يده على موضع الألم] (5) في الرقية. فقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يمسح بيده اليمنى (6) ، ومسحت السيدة عائشة رضي الله عنها بيد النبيِّ صلى الله عليه وسلم رجاء بركتها، كما مر ذلك آنفًا. و «كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إِذَا اشْتَكى إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثم قال: أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا» (7) . وفائدة المسح باليمنى [حصول _________ (1) انظر: المنهاج، صحيح مسلم بشرح النووي، (14/403) . (2) القول للإمام ابن أبي جمرة، كما نقله عنه الحافظ في الفتح: (4/533) . (3) القول للقاضي عياض، كما نقله ابن حجر عنه في الفتح: (10/208) . (4) أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: استحباب وضع يده على موضع الألم، مع الدعاء، برقم (2202) ، وعند أبي داود، برقم (3891) ، بلفظ «اِمْسَحْهُ بِيَمِينَكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ ... » . والترمذي برقم (2080) ، وابن ماجه برقم (3522) بلفظ: «اِجْعَلْ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَيْهِ، وَقُلْ ... » . عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه. (5) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (14/411) . (6) كما في البخاري برقم (5743) ، ومسلم برقم (2191) . (7) متفق عليه من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري؛ كتاب الطب، باب: مسح الراقي الوجع بيده اليمنى، برقم (5750) ، ومسلم، كتاب: السلام، باب: استحباب رقية المريض، برقم (2191) .

(1/289)


التفاؤل لدى كلٍّ من الراقي والمرقيِّ بزوال ذلك الوجع] (1) . [وفي مسح جسد المريض تأنيس له وتعرُّف لشدة مرضه، ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحًا] (2) . وهذا - كما لا يخفى - مشروط بعدم مس النساء الأجانب. المسألة الخامسة: في بيان فرقٍ بين معنى الرقية المشروعة والعُوذة: من المعلوم أن الرقية ليست مختصة بوقت ما، فهي أعم من التعوّذ، بهذا الاعتبار، فهي قد تكون قبل وقوع البلاء وبعده، لكن التعوذ يكون - غالبًا - قبل وقوع البلاء، مخافة أن يقع، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» (3) . [لكن يحتمل أن يقال - أيضًا -: إن الرقى أخص من التعوذ، من حيث المشروعية، ذلك أن الخلاف في الرقى مشهور، ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع] (4) ، يتحصل مما سبق أن الرقية هي أعم من التعوذ من حيث وقت وقوعها، لكنها أخص منه من حيث مشروعيتها بضوابط - سبق تفصيل لها (5) -، وأن بعضها منهي عنه، لكونه حوى شركًا، أو ما يحتمل الشرك، بينما يكون التعوّذ مشروعًا مستحبًا في جميع الأوقات، فهو إن أطلق لفظه، انصرف إلى معنى التعوذ بالله تعالى والالتجاء إليه، لذا فلا خلاف في استحبابه بحال. لكن يبقى بعد ذلك أن الأغلب من أقوال العلماء - من أهل _________ (1) كما نقله ابن حجر عن الطبري في الفتح: (10/218) . (2) انظر: فتح الباري لابن حجر (10/126) ، ينقله عن الإمام ابن بطال رحمه الله. (3) أخرجه مسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب: في التعوّذ من سوء القضاء ودَرَك الشقاء وغيره، برقم (2708) ، عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها. (4) انظر: فتح الباري لابن حجر، (10/207) . (5) انظر: ص289.

(1/290)


اللغة والحديث والفقه - يقضي بعدم التفريق بينهما، وعلى أن الرقية والتعويذ هما صنوان مترادفان، والله أعلم. المسألة السادسة: في ذكر معانٍ لطيفة، وحكم بالغة، في اعتبار فاتحة الكتاب، والمعوّذات، أمهات الرقى المشروعة، وأنه - لجلالتها - لو اقتُصِر عليها لكفى. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع، فما الظن بكلام رب العالمين، ثم بالفاتحة: التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها، لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله تعالى ومجامعها، وإثبات المعاد، وذكر التوحيد، والافتقار إلى الرب في طلب الإعانة والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء، وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم المتضمن كمال معرفة الله وتوحيده وعبادته، بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى: مُنْعَمٍ عليه لمعرفته بالحق والعمل به، ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته، وضالٍ لعدم معرفته له، مع ما تضمنَتْه من إثبات القَدَر والشرع والأسماء والمَعاد والتوبة وتزكية النفس، وإصلاح القلب، والرد على جميع أهل البدع، وحقيقٌ بسورة هذا بعض شأنها أن يُستشفى بها من كل داء، والله أعلم) (1) . وقال الإمام النووي رحمه الله: (وإنما رقى بالمعوّذات: لأنهم جامعات للاستعاذة من كل المكروهات جملة وتفصيلاً. ففيها الاستعاذة من شر ما خلق فيدخل فيه كل شيء، ومن شر النفاثات في العقد وهن السواحر، ومن شر الحاسدين، ومن شر الوسواس الخناس، والله أعلم) (2) . وقال الإمام _________ (1) انظر: زاد المعاد لابن القيم، (3/143) . والمثبت هنا ما نقله الإمام ابن حجر عنه - بتصرف يسير - في الفتح (10/209) . (2) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (14/404) .

(1/291)


ابن بطّال رحمه الله: (في المعوِّذات جوامع من الدعاء. نعم، أكثر المكروهات من السحر والحسد وشر الشيطان ووسوسته، وغير ذلك، فلهذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يكتفي بها) (1) . ويتفرع عن ذلك مسألة: هل إن اكتفاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمعوّذات وترك ما سواها (2) دالٌّ على حظر الرقي بغيرهما؟ الجواب: (أن هذا لا يدل على المنع من التعوّذ بغير هاتين السورتين، بل يدل على الأولوية، ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما، وإنما اجتزأ - اكتفى - بهما صلى الله عليه وسلم لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلاً) (3) . المسألة السابعة: أيرقي أهلُ الكتاب المسلمين؟ الجواب: (اختُلف في استرقاء أهل الكتاب (4) ، فأجازها قوم وكرهها _________ (1) كما نقله الإمام ابن حجر عنه في الفتح (10/208) . (2) كما في الترمذي - وحسَّنه - كتاب: الطب، باب: ما جاء في الرقية بالمعوذتين، برقم (2058) ، عن أبي سعيد رضي الله عنه. بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوَّذ من الجانّ وعين الإنسان، حتى نزلت المعوّذتان، فلما نزلتا أخذ بهما، وترك ما سواهما» . وعند أبي داود؛ كتاب: الخاتم، باب: ما جاء في خاتم الذهب، برقم (4222) عن ابن مسعود رضي الله عنه، بلفظ: «كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يكره عشر خلال» ، فذكر منها: «والرُّقى إلا بالمعوّذات» الحديث. وهو في ضعيف سنن أبي داود (904) . وعند النسائي؛ كتاب: الزانية، باب: الخضاب بالصفرة، برقم (5091) ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا بلفظ: «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال» وذكر منها: «الرُّقى إلا بالمعوِّذات» الحديث. (3) الجواب من كلام الإمام ابن حجر رحمه الله. انظر: الفتح (10/206) . (4) المقصود: الاسترقاء بما عندهم مما لم يحرّفوه من الكتاب، أي: من التوراة والإنجيل، لا بالقرآن، ففي الموطأ (50/4) : أن أبا بكر رضي الله عنه دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها، فقال: ارقيها بكتاب الله. اهـ. [فقد أمر الصدّيق الكتابيّة التي وجدها ترقي عائشة أن ترقيَ بما في كتابها] . انظر: المُعلِم بفوائد مسلم للإمام المازري (3/95) .

(1/292)


مالك رحمه الله، لئلا يكون ما يرقون به مما بدلوه - أي حرّفوه من الكتاب - وأجاب من أجاز ذلك: بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه، وهو كالطب سواء كان غير الحاذق لا يحسن أن يقول - أي: في الطب - والحاذق يأنف أن يبدّل حرصًا على استمرار وصفه بالحذق لترويج صناعته. والحق أنه - أي: استرقاء أهل الكتاب - يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال) (1) . فالحاصل في ذلك أن الراقي من أهل الكتاب، إن عُرف عنه أنه رقّاء، وكان حافظًا للكتاب، ويرقي بما يُعرف من ذكر الله، وكان المريض بحاجة ماسة، وليس مِنْ راقٍ من المسلمين، جاز، والله أعلم. المسألة الثامنة: قال قوم: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة، واحتجوا بما صح أنْ: «لاَ رُقْيَةَ إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (2) ، فهل الرقية مختصة فعلاً بهاتين العلتين؟ الجواب: (إن معنى الحصر في ذلك أنهما - أي العين واللدغة السامّة - أصلُ كلِّ ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خَبَل أو مسّ، ونحو ذلك، لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني، كما يلتحق بالسم أيضًا كل ما عرض للبدن من قَرْح ونحوه _________ (1) هذا من كلام الإمام المازري رحمه الله، انظر: المُعلم بفوائد مسلم (3/95) ، وانظر: الفتح لابن حجر (10/207) . ... - وما سُطِّر تحته هو ترجيح للإمام ابن حجر رحمه الله، في جواز ذلك باعتبار الأشخاص واختلاف الأحوال. (2) أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، برقم (5704) ، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما موقوفًا. ومسلم؛ كتاب: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، برقم (220) ، عن بريدة بن حُصَيْبٍ رضي الله عنه، موقوفًا أيضًا.

(1/293)


من المواد السَّمِّيَّة، خاصة وأنه قد وقع في روايات أخرى (1) : الترخيص بالرقية من الدم والنَّمْلة (2)) . هذا جواب، وجواب آخر: (قيل: المراد بالحصر معنى الأفضل، أي: لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف إلا ذو الفقار) (3) . (فليس معنى الحديث إذًا تخصيص جواز الرقية بهذه الثلاثة - أي مع النَّملة - وإنما معناه: سئل عن هذه الثلاثة فأذِن فيها، ولو سئل عن غيرها لأذِن فيه. وقد أذِن صلى الله عليه وسلم لغير هؤلاء، وقد رقى هو صلى الله عليه وسلم في غير هذه الثلاثة، والله أعلم) (4) . المسألة التاسعة: هل تَرُدُّ الرقى من قَدَر الله من شيء؟ الجواب: أن الرقى، والتداوي بعامة، لا يعارض قدر الله تعالى، بل هي مما قدَّره الله تعالى، فجعله سببًا عظيمًا للاستشفاء، فكما أن «الْعَيْنُ حقٌّ» (5) ، والإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونُه، كذلك فإن الرقية تحقَّقَ كونُها سببًا للاستشفاء بها من العين، وغيرها. والحاصل من ذلك: أن المرض، ووقوع ضرر العين، والحسد، والسحر، والمس، لا يكون إلا بإذن الله، ُ صلى الله عليه وسلم [البَقَرَة: 102] {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ... } . فكذلك الرقى المشروعة لا يقع نفعها إلا بإذن الله تعالى. وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرقية هي مما قدَّره الله سببًا للنفع بإذنه، وذلك حين استشكل أبو خزامة رضي الله عنه - من بني الحارث بن سعد - _________ (1) انظر: أبا داود (3884) ، والترمذي (2057) ، وابن ماجه (3513) . (2) سبق التعريف بالنملة والحُمَة ص 134، بالهامش ذي الرقم (2) . (3) نص الجوابَيْن للإمام ابن حجر رحمه الله. انظر: الفتح (10/206) . وقد أجاب الإمام ابن القيم، بمثل الجواب الثاني أيضًا. انظر: زاد المعاد (3/142) . (4) هذا الجواب الأخير، للإمام النووي رحمه الله. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (14/406) . (5) سبق تخريجه ص65، بالهامش ذي الرقم (1) .

(1/294)


ذلك المعنى، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ رقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتُقاةً نتقيها، هل ترد من قَدَر الله شيئًا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» (1) . وكذا وقع مثل هذا لكعب بن مالك رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: «يَا كَعْبُ، بَلْ هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ» (2) ، فدل ذلك كلُّه على أن الرقية لا ترد القدر (3) ، بل إن القدر شامل لحدوث المرض، وطلب الاستشفاء، وتحقيق الشفاء أو عدمه، فلا يتحقق الشفاء إلا بإذن الله وتقديره، قال تعالى: [الشُّعَرَاء: 80] {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *} فالرقية ليست تشفي بذاتها بل الشفاء بذات الله تعالى، والله أعلم. المسألة العاشرة: وهي آخر المسائل: يحتج بعضٌ من المعالجين بالرقى، بقولهم: هذا مجرّب نافع، فهل تكون كل رقية - جُرِّبَتْ منفعتُها - مشروعة؟! الجواب: أن احتجاج هؤلاء بالتجريب والمنفعة، باب للفتنة في ذلك عظيم، حيث يجرُّ بعده ما لا حصر له من [المجرَّبات] ، فتستحب عندهم _________ (1) أخرجه الترمذيُّ؛ كتاب الطب، باب: ما جاء في الرقى والأدوية، برقم (2065) ، وفي كتاب القَدَر - وصحّحه -، باب: ما جاء لا ترد الرقى ولا الدواء من قَدَر الله شيئًا، برقم (2148) ، وابن ماجَهْ؛ كتاب: الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم (3437) . والحديث عند الحاكم في «مستدركه» (4/399) ، من حديث أبي خزامة بن يَعْمُر رضي الله عنه. وقد ضعفه الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجهْ برقم (749) . (2) أخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" برقم (6100) من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه. وحسَّنه لغيره الألباني. انظر: «أحاديث مشكلة» (ص13 رقم 11) . (3) فائدة: عنون الإمام الترمذي رحمه الله: باب ما جاء لا تردّ الرقى ولا الدواء من قَدَر الله شيئًا، وهذا - ولا شك - دال على عظيم فقه الإمام رحمه الله لمعنى الحديث. لكنْ عنون ابن ماجَهْ رحمه الله - باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، فلعله بمثابة بيان - من الإمام رحمه الله - أن الرقى والأدوية هي مما قدر أن يكون سببًا للشفاء، كما قدر أن يكون الداء سببًا للمرض، والله أعلم.

(1/295)


لنفعها المجرَّب، لكنِ الفيصلُ في ذلك كلِّه، [أن الأفعال إنما يثبت استحبابها واتخاذها دينًا، إذا وافقت كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى ذلك من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانًا على فوائد، لأن مفاسدها تكون راجحة على فوائدها] (1) ، ولعل بعضًا من هؤلاء قد [تمسك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «اعْرُضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (2) ، أو بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» (3) ، فأجازوا بذلك العمومِ كلَّ رقية جُرِّبَتْ منفعتُها، ولو لم يُعقل معناها، والحال أن الحديث قد قيّد جواز الرقية بما ليس فيه شرك أو كان غير موصل إليه، [فمهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك فإنه يُمنع، وما لا يعقل معناه لا يُؤمَن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا] (4) . خامسًا: في أمور: ينبغي توافرها في كلٍّ من الراقي والمرقي، ليتم الانتفاع بالرقية، بإذن الله عزّ وجلّ. قال العلاّمة الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله تعالى: لا تفيد القراءة على المريض إلا بشروط: أولاً: أهلية الراقي: بأن يكون من أهل الخير والصلاح والاستقامة والمحافظة على الصلوات والعبادات والأذكار والقراءة والأعمال الصالحة وكثرة الحسنات، والبعد عن المعاصي والبدع والمُحْدَثات والمنكرات وكبائر الذنوب وصغائرها، والحرصِ على الأكل الحلال والحذر من المال الحرام أو المشتَبَه، _________ (1) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ص 322. (2) سبق تخريجه ص288، بالهامش ذي الرقم (2) . (3) سبق تخريجه أيضًا بالعزو والسابق. (4) انظر: فتح الباري لابن حجر (10/206) .

(1/296)


لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَة» (1) ، « ... وَذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ، يا ربِّ يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بالحرام، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» (2) . فطِيب المطعم من أسباب قبول الدعاء، ومن ذلك عدم فرض الأجرة على المرضى، والتنزّه عن أخذ ما زاد على نفقته، فذلك أقرب إلى الانتفاع برقيته. الشرط الثاني: معرفة الرقى الجائزة من الآيات القرآنية: كالفاتحة، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، وآخر سورة البقرة، وأول سورة آل عمران، وآخرها، وآية الكرسي، وآخر سورة التوبة، وأول سورة يونس، وأول سورة النحل، وآخر سورة الإسراء، وأول سورة طه، وآخر سورة المؤمنون، وأول سورة الصافّات، وأول سورة غافر، وآخر سورة الجاثية، وآخر سورة الحشر، ومن الأدعية القرآنية المذكورة في الكَلِم الطيب ونحوه، مع النَّفْثِ بعد كل قراءة، وتكرار الآية مثلاً (ثلاثًا) وأكثر. الشرط الثالث: أن يكون المريض من أهل الإيمان والصلاح والخير والتقوى والاستقامة على الدين، والبعدِ عن المحرمات والمعاصي والمظالم، لقوله تعالى: [الإسرَاء: 82] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا *} ، وقوله سبحانه: [فُصّلَت: 44] {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً} ، فلا تؤثر الرقى غالبًا في أهل المعاصي وترك الطاعات وأهل التكبّر والخُيَلاء والإسبال وحلق اللحى والتخلف عن الصلاة وتأخيرها _________ (1) أخرجه الطبراني في «الأوسط» ، (7/255) برقم (6491) ، والحديث ضعفه الألباني. انظر: «الضعيفة» برقم (1812) . (2) أخرجه مسلم؛ كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب، برقم (1015) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(1/297)


والتهاون بالعبادات، ونحو ذلك. الشرط الرابع: أن يجزم المريض بأن القرآن شفاء ورحمة وعلاج نافع، فلا يفيد إذا كان مترددًا يقول: أفعل الرقية كتجربة إن نفعت وإلا لم تضر، بل يجزم بأنها نافعة حقًا، وأنها هي الشفاء الصحيح كما أخبر الله تعالى. فمتى تمت هذه الشروط نفعت بإذن الله تعالى، والله أعلم (1) . وقد يضاف إلى ذلك: - توجُّه كلٍّ من الراقي والمرقي أثناء الرقية إلى الله عز وجل بإخلاص، واستحضار كل منهما الافتقار إلى قدرة الله ورحمته ولطفه، والصدق في طلب كشف الضر والبلاء، ليوافق القلبُ اللسان، ورقية الإنسان نفسه قد تكون أرجى للشفاء، لقوله تعالى: [النَّمل: 62] {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} . - كذلك ألا يستعجلَ كلٌ من الراقي والمرقي أثرَ الرقية بالشفاء أو زوال الكرب، لأن الرقية هي من جنس الدعاء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «يُسْتَجَابُ لأَِحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فلا، أو فلم يُسْتَجَبْ لِي» (2) . - ومن ذلك أيضًا علم الراقي بطرق الرقية المشروعة، وهي أربعة: القراءة يتبعها النَّفْث، أو القراءة بغير نفث، أو جعل بعض الريق على طرف السبابة، ثم وضعها في تراب طاهر، مع قول الرقية المأثورة في ذلك (3) ، أو مسح موضع _________ (1) فتوى لفضيلة العلامة عبد الله بن جبرين حفظه الله، ونفع بعلمه، عليها توقيعه. انظر: سلسلة الفتاوى الشرعية، فتاوى الرقى والتمائم، ص: 8. إعداد المؤلف. (2) سبق تخريجه ص267، بالهامش ذي الرقم (1) . (3) الرقية المأثورة هي قوله صلى الله عليه وسلم: «بِسْم اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» . وهو متفق عليه من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها: أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: رقية النبيِّ صلى الله عليه وسلم برقم (5746) ، ومسلمٌ؛ كتاب: السلام، باب: استحباب الرقية، برقم (2194) .

(1/298)


الألم باليد اليمنى عند القراءة بعامة، وبخاصة عند الدعاء المأثور (1) . - كذلك، فإن من مهمات شروط الانتفاع بالرقية: ألا يتجاوز أي منهما - الراقي والمرقي - إلى معصية عند الرقية، كالتسهّل في رقية النساء: من مثل كشف عورة، أو مسٍّ لأجنبية، أو نظرٍ مُحدِق في العيون، بحجة ما يسمُّونه: الكشف بالنظر، إلى ما هنالك مما هو واقع - للأسف البالغ - وتأنف الأنامل عن تسطير مثله. هذا، ويحسن بنا في هذا المقام ذكر نص فتوى للشيخ ابن جبرين نفع الله بعلومه، حيث سئل حفظه الله: إذا احتاجت المرأة إلى القراءة عليها، فهل يجوز للقارئ أن يمسَّ شيئًا من جسدها أثناء القراءة، أو يكشف شيئًا من اليدين أو الصدر للنفث عليه، فأجاب، أكرمه الله: - ... لا مانع من استعمال الرقية على المرأة مع النفث والنفخ، لكنْ لا يَحِلّ لها أن تكشف شيئًا من جسدها لغير النساء أو المحارم، ولا يحل للقارئ الأجنبي أن يباشر لمس بشرتها بدون حائل، بل يقرأ عليها وهي متحجبة، أو يقرأ عليها أحد نسائها أو محارمها، أو تقرأ هي على نفسها بما تيسَّر من القرآن، فالكلُّ يُرجى فيه الشفاء والنفع من الله تعالى. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (2) . _________ (1) كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمُ مِنْ َجسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللهِ، ثَلاَثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» . أخرجه مسلم؛ كتاب: السلام، باب: استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، برقم (2202) ، عن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه، وهو عند الترمذي بلفظ: «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ ... » الحديث، برقم (3588) ، عن أنس رضي الله عنه. (2) انظر: النذير العريان لمؤلفه فتحي الجندي، ص: 267. كذلك انظر: فتوى - له حفظه الله وأمتع به - بمعناها، في سلسلة الفتاوى الشرعية، فتاوى الرقى والتمائم، ص: 108، إعداد المؤلف.

(1/299)


هذا، ومن شروط الرقية في حق الراقي بآيات الله تعالى، بخاصةٍ: أن يكون على طهارة من الحدث الأكبر (الجنابة) ويضاف إليه - في حق الراقية - أن تكون متطهرة من حيض ونحوه، أما المرقي - ذكرًا كان أو أنثى - فإن كان يتضرر بتأخير الرقية لأجل أن يتطهر، فلا بأس بأن يُرقَى على حاله، وإن كان الأكمل في حقه أن يكون طاهرًا (1) . ومما يجدر ذكره أيضًا أن من أدب الرقية: أن يكونا - الراقي والمرقي - على وضوء، وأن يتوجها إلى جهة القبلة، وأن تُفتتح الرقية بحمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن تختتم بذلك، (ذلك أن الرقية هي من جنس الدعاء) ، فيتأدب بها بآدابه، لكن الأكمل في حق الراقي رفع صوته، بما يُسمِع المرقيَّ، ليُعلِم بما يرقي، والأكمل في حق الداعي أن يخفض صوته ما أمكن، مع لزوم حضور قلب كلٍّ منهما، والخشوع وإظهار الخضوع والافتقار إلى الله تعالى، والله سبحانه أجلُّ وأعلم. _________ (1) كما أفتى به فضيلة العلاّمة ابن جبرين حفظه الله، انظر: سلسلة الفتاوى الشرعية فتاوى الرقى والتمائم، ص: 20 وص: 22. إعداد المؤلف.

(1/300)


المبحث الثاني: ذكر رقى مشروعة من الكتاب والسنة: أخي القارئ الكريم، بما سبق ذكره يكون قد تمّ - إن شاء الله - بيانُ ما أحسب أنك في سعي إلى معرفته واجتهاد لتحصيله، من أمور لا غنية عن معرفتها لطالب النفع بالرقى، وذلك قبل شروعه في بذل وُسْعه في تعلم رقى مشروعة، وها أنا ذا - حبًا وكرامة - أشرع في ذكرها، مستعينًا بالله تعالى، ملتزمًا كونها على سبيل الاتباع، مباعدًا بها عن سبل الابتداع، وقد اجتهدت فيما أذكر منها بإيراد الآيات الكريمات بترتيب المصحف الشريف، ذاكرًا لما صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فضل الاستشفاء به، ومتجوِّزًا في ذكر آيات رَجَح لدى كثير من أهل العلم جواز ذكرها في الرقى، باعتبار أن القرآن الكريم كله هدى ورحمة وشفاء للمؤمنين، كما في قوله تعالى: [الإسرَاء: 82] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ... } ، وقوله سبحانه: [فُصّلَت: 44] {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ ... } ، وكذلك لما روي عنه صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ» (1) ، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الدَّوَاءِ الْقُرْآنُ» (2) . وحاصل ذلك أن القرآن جميعَه - لا بعضًا منه - يُستشفى به، [فلم تُحدَّد الرقية الشرعية في سورة مخصوصة، ولا آيات معدودة، ولا أدعية معينة، بل أُطلِقت كما في قوله صلى الله عليه وسلم «لاَ بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (3) ، وإن الله _________ (1) أخرجه ابن ماجَهْ؛ كتاب: الطب، باب: العسل، برقم (3452) ، والحاكم في «المستدرك» (4/200) ، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وهو حديث ضعيف، والصواب أنه موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه، كما جزم بذلك البيهقي في «الشُّعب» (4/172) برقم (2343) ، وانظر: «الضعيفة» للألباني برقم (1514) . (2) أخرجه ابن ماجَهْ، في كتاب: الطب، باب: الاستشفاء بالقرآن، برقم (3501) ، عن علي رضي الله عنه بإسنادٍ ضعيفٍ فيه الحارث الأعور. انظر: «الضعيفة» للألباني، برقم (3093) . (3) سبق تخريجه ص288، بالهامش ذي الرقم (2) .

(1/301)


تعالى وصف القرآن كلَّه بأنه شفاء ورحمة للمؤمنين، ولم يحدد آيات خاصة] (1) ، لذلك كلِّه لست مقتصرًا في ذكر الرقى من القرآن على الآيات التي صحت النصوص الدالة على خصوص الاستشفاء بها، لكنْ سأوردها ومعها ما يُستشَفُّ منه وجه نفعٍ فيما يُقرأ لأجله. أما الوارد من السُّنَّة، فإني لا أتعدى في ذلك ما صحَّ منه أو كان حَسَن الرُّتبة، مقدِّمًا بين يدي ذلك كله بأنواع من الثناء على الله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله صلى الله عليه وسلم، ليختار الراقي - وفَّقه الله - منها ما يشاء، أو يزيد عليها، ومن ثَمَّ فإنه لا يعجل بالشروع في الرقية قبل تقديم ذلك، ولا يختم الرقية إلا بها أو بنحوها، فإن ذلك أرجى للقبول والنفع بإذن الله تعالى. هذا، وقد اخترت - بفضل الله - ترتيب إيراد الرقى - بعد افتتاحها - على النحو الآتي: أ- رقية وقائية تحفظ المؤمن بإذن ربه. ب- رقية من السحر. ج- رقية لمن به مس، والعياذ بالله. د- رقية جامعة من السنة المطهرة لعموم الاستشفاء بها. افتتاح الرقية (2) : بتمجيد الله تعالى وحمده، والثناء عليه سبحانه، والصلاةِ والسلام على رسوله النبيِّ الأميِّ صلى الله عليه وسلم: _________ (1) الكلام بين معقوفتين جزء من نص فتوى للشيخ ابن جبرين حفظه الله. انظر: سلسلة الفتاوى الشرعية؛ فتاوى الرقى والتمائم ص: 28. إعداد المؤلف. (2) يقدم الراقي بين يدي الرقية، التحميدَ والثناء، كذلك الصلاةَ والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» أخرجه الترمذي - وصحّحه -؛ كتاب: الدعوات، باب: في إيجاب الدعاء بتقديم الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبله، برقم (3477) ، عن فَضَالةَ بنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه. صحَّحه الألباني. انظر: صحيح الترمذي، برقم (2767) .

(1/302)


أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (1) بسم الله الرحمن الرحيم - من القرآن الكريم: - ... {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [الفَاتِحَة: 2] . - ... {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا *} [الكهف: 1] . - ... {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ *} [سَبَإ: 1] . - ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *} [آل عِمرَان: 102-103] . - ... {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ *} [محَمَّد: 19] . _________ (1) الاستعاذة: لفظ يُطلب فيه الالتجاء إلى الله تعالى والتحصن به سبحانه من الشيطان الرجيم، وصيغتها المختارة هي [أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] ، على ما أتى في سورة النحل من قوله تعالى: [النّحل: 98] {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *} . ويصح فيها زيادة تنزيه الله تعالى كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يترك الزيادة، وهذا النقل لم يصح، لذا، فإن زيادة التنزيه لا تمنع، وبخاصة أنه قد ورد أحاديث أُخَر أصح إسنادًا تزيد في التنزيه؛ فالقارئ إذًا مخير بين الاقتصار على ما أجملته الآية، أو الزيادةِ عليه بما يفيد التعظيم، أو النقص منه بما يفيد مطلق الاستعاذة، والله أعلم. انظر: الوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع، للشيخ عبد الفتاح القاضي رحمه الله ص: 43.

(1/303)


- ... [طه: 8] {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى *} . - ... {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعرَاف: من الآية 180] . - ... {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . [الإسرَاء: 110] - ... {هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *} [غَافر: 65] . - من سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم: - ... لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّموَاتِ وَرَبُّ الأَْرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (1) . - ... لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ (2) . - ... لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (3) . - ... سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ _________ (1) متفق عليه، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الكرب، برقم (6346) ، ومسلمٌ؛ كتاب: الذِّكر والدعاء، باب: دعاء الكرب، برقم (2730) . (2) أخرجه البخاري؛ كتاب: الأذان، باب: الذِّكر بعد الصلاة، برقم (844) ، ومسلم؛ كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم (593) ، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ... وقال الحسن: الجَدُّ: غنًى. كما أورد الإمام البخاري عقب الرواية. (3) أخرجه مسلم؛ بالتخريج السابق، برقم (594) ، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

(1/304)


كَلِمَاتِهِ (ثلاث مرات) (1) . - ... سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ (2) . - ... اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّموَاتِ وَالأَْرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ (3) . - ... اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ [فِي الْعَالَمِينَ] ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (4) . _________ (1) أخرجه مسلم؛ كتاب: الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، برقم (2726) ، عن أم المؤمنين جويريةَ رضي الله عنها. (2) أخرجه مسلم؛ كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، برقم (487) ، عن عائشةَ رضي الله عنها. (3) أخرجه مسلم؛ كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، برقم (477) ، عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه. (4) أخرجه البخاري؛ كتاب أحاديث الأنبياء، بعد باب: (يزفون) ، برقم (3370) ، وفي مواضع عدة، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه. ومسلم؛ كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد، برقم (405) عنه أيضًا. والزيادة في الموضعين [إبراهيم وعلى] : وردت في رواية البخاري يرحمه الله، وزيادة [في العالمين] وردت في رواية مسلم رحمه الله. ... فائدة: هذه الصيغة للصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم هي المختارة، [وهي أفضل الكيفيات في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وذلك لكون النبيِّ صلى الله عليه وسلم علّمها أصحابه رضي الله عنهم، بعد سؤالهم عنها، ولأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يختار لنفسه إلا الأشرف والأفضل. ويجب عند أهل النظر أن يتخير الإنسان للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم أصحّ المروي إسنادًا، ومن أصحها إسنادًا أتمَّها معنًى] . انظر: القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلم ص: 14 وما بعدها، للإمام السخاوي رحمه الله. ... هذا، وقد أفاد الإمام ابن القيم رحمه الله أن من مواطن الصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم: عند الدعاء، وقال: والصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم للدعاء بمنزلة الفاتحة من الصلاة. كما ذكر رحمه الله تسعًا وثلاثين فائدة حاصلة بالصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم. انظر: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، ص: 377.

(1/305)


أ- رقية وقائية تحفظ المؤمن بإذن ربه: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم * سورة الفاتحة: - ... {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} * من سورة البقرة: - ... {الم *ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ *أُولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} - ... {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ *لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} - ... {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ *آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا

(1/306)


غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *} * من سورة الأنعام: - ... {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} *من سورة التوبة: - ... {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} * من سورة يوسف: - ... {.. فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} * من سورة الرعد: - ... {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} * من سورة الحِجر: - {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ *وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ

(1/307)


رَجِيمٍ *إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} * من سورة الأنبياء: - ... {قُلْنَا يانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} * من سورة الصافات: - ... {وَالصَّآفَّاتِ صَفًّا *فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا *فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا *إِنَّ إِلهَكُمْ لَوَاحِدٌ *رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ *إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ *وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإَِ الأَْعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ *إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} * من سورة الانفطار: - ... {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} * من سورة الطارق: - ... {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} * سورة الكافرون: - ... {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ *وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} * سورة الإخلاص: - ... {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} .

(1/308)


* سورة الفلق: بسم الله الرحمن الرحيم - ... {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ *وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} * سورة الناس: بسم الله الرحمن الرحيم - ... {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *} .

(1/309)


ب- رقية من السحر: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم * سورة الفاتحة: - ... {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} * من سورة البقرة: - ... {الم *ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ *أُولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} - ... {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *}

(1/310)


- ... {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ *لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} - ... {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ *آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *} * من سورة آل عمران: - {الم *اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ *نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِْنْجِيلَ *مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ *إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَْرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ *هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَْرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

(1/311)


- ... {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} - ... {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *} - ... {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ *} - ... {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *} - ... {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ *رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ *رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ *} * من سورة الأنعام: - ... {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ *}

(1/312)


* من سورة الأعراف: - ... {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بَأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ *ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *} - ... { ... وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ *} - ... {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ *قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ *وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ *فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ *وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ *قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *} * من سورة الأنفال: - ... {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ *} * من سورة التوبة: - ... {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *} * من سورة يونس: - ... {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ *أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ

(1/313)


مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ *إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَْمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ *إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ *هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآْيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ *إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ *أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَْنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ *دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} - ... {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ *قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} - ... {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ *فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ *فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ *وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ *} - ... {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *}

(1/314)


* من سورة يوسف: - {.. فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} * من سورة الرعد: - ... {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ *لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ *} * من سورة إبراهيم: - ... {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ *مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ *} * من سورة النحل: - ... {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ *يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ *خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ *} * من سورة الإسراء: - ... {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيرًا *وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا *وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا *} - ... {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَْسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ

(1/315)


بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً *وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} * من سورة طه: - ... {طه *مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى *إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى *تَنْزِيلاً مِمَنْ خَلَقَ الأَْرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى *الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى *وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى *اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَْسْمَاءُ الْحُسْنَى} - ... {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى *قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى *فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى *قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى *وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى *فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى *} * من سورة الأنبياء: - ... {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ *} - ... {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ *} - ... {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَانُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ *} * من سورة المؤمنون: - ... {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ *فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ *وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ *وَقُلْ رَبِّ

(1/316)


اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ *} * من سورة الفرقان: - ... {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا *} * من سورة الشعراء: - ... {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ *فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ *قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ *} * من سورة النمل: - ... {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *} - ... {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ *وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ *} - ... {وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ *إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ *فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ *} * من سورة العنكبوت: - ... {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ *} * من سورة الصافات: - ... {وَالصَّآفَّاتِ صَفًّا *فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا *فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا *إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ *رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ *إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ *وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإَِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ *إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ *}

(1/317)


* من سورة الزمر: - ... {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ *اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *} - ... {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ *} * من سورة غافر: - ... {حم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ *} * من سورة الجاثية: - ... {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ *وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ *وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ *وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ *وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ *وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ *ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمْ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ

(1/318)


يُسْتَعْتَبُونَ *فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} * من سورة الحشر: - ... {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} * من سورة الطلاق: - ... {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} * سورة الشرح: - {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ *الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ *وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ *فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ *وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} * سورة الكافرون: - ... {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ *وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ *}

(1/319)


* سورة الإخلاص: - ... {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ *} * سورة الفلق: - ... {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ *وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ *وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ *وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ *} * سورة الناس: - ... {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *}

(1/320)


جـ - رقية لمن به مس - ومن أثره الصَّرْع - والعياذ بالله تعالى (1) : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم * سورة الفاتحة: - ... {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} * من سورة البقرة: - ... {الم *ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ *أُولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} - {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ _________ (1) سأورد في هذه الرقية، ما يعالج به المس عمومًا، كذلك ما يخوَّف به الجني المتلبس ببدن المصروع، بقصد إخراجه، وسأميّزه بوضع علامة W كيلا يعمل به الراقي إلا أن يتيقّن تلبس جني يتخبَّط من كان به مس، وقد استعصى إخراجه، مع إيذائه للمصروع. وقد أوردت فيها أيضًا ما يسمى بآيات السكينة الست، وقد ميَّزتها بوضع علامة WW لتُعرَف، وهي تقرأ أيضًا إذا اشتدت على الراقي الأمور وزادت سطوة الجني المتلبس على الراقي، أو ازداد تخبط من به مس. انظر: مدارج السالكين في منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *} 2/523-525. للإمام ابن القيم يحكيه عن شيخه - شيخ الإسلام - ابن تيمية، رحمهما الله.

(1/321)


الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *} - {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *} - {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *} ** {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... *} * {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *} - {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ

(1/322)


وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ *لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النَّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *} - ... {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ *آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤ