الحكمة من إرسال الرسل ()

عبد الرزاق عفيفي

بين المؤلف - رحمه الله - بعض الدواعي التي تقتضي إرسال الرسل، والحكمة في اختيار الرسل إلى البشر من جنسهم وبلسان أممهم، كما بين منهج الرسل في الدعوة إلى الله، والطريقة المثلى في الدعوة إلى الله.
الحكمة من إرسال الرسل

|

 الحكمة من إرسال الرسل

منهج الرسل في الدعوة إلى الله

الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله

لفضيلة الشيخ العلامة

عبد الرزاق عفيفي رحمه الله

 المقَدّمَة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولى المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالحق بشيراً ونذيراً؛ ليخرج الناس من الظلمات إلي النور بإذن ربهم إلي صراط العزيز الحميد، صلي الله عليه وعلى إخوانه النبيين والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين.

وبعد؛ فإن الله تعالى وسع كل شيء رحمة وعلماً، سبحانه له الحكمة البالغة والقدرة الشاملة والإرادة النافذة، لم يخلق عباده عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل بعدله قامت السماوات والأرض، وبحكمته وتشريعه وإرسال رسله قامت الحجة، وسعد من اتبعهم وسلك طريقهم في الدنيا والآخرة وخاب وخسر من سلك غير سبيلهم، واتبع هواه بغير هدى من الله، قال تعالى (أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً)

  وقال (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).

 وقال (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ*أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).

لا يليق بعاقل رشيد عرف كمال حكمه الله وسعة رحمته، وعرف واقع الناس وما هم فيه من هرج وفساد وضلالة؛ أن ينكر حاجة البشر إلي قيادة رشيدة، عمادها وحى الله وشريعته، تعتصم به، وتدعو الناس إليه وتهديهم إلى سواء السبيل.

فإن الإنسان قد يقصر عقله فى كثير من أحواله وشؤونه عن التميز بين الحسن من الأفعال وقبيحها، ونافعها وضارها، وقد يعجز عن العلم بما يجب عليه علمه، لأنه ليس في محيط عقله ولا دائرة فكره، مع ما في علمه به من صلاحية وسعادة، كمعرفته بالله واليوم الآخر والملائكة تفصيلاً، فكان في ضرورة إلي معين يساعده في معرفة ما قصر عنه إدراكه أو عجز عنه فهمه، ويهديه الطريق في أصول دينه. وقد يتردد الإنسان في أمر من شؤون حياته وتتملكه الحيرة فيه، إما لعارض هوى وشهوة من الحيرة، ويكشف له حجاب الضلالة بنور الهداية، ويخرجه من الظلمات إلي النور، ويكمله بمعرفة ما عجز عنه فكره وفهمه، ويوقفه على حقيقة ما تردد فيه أو عجز عنه عقله ، ويدفع عنه غائلة الألم والحيرة ومضرة الشكوك والأوهام.

إن تفاوت العقول والمدارك ، وتباين الأفكار ، واختلاف الأغراض والمنازع ،ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب وذلك مما يفضي إلي سفك الدماء ، ونهب الأموال ، والاعتداء على الأعراض وانتهاك الحرمات ، والجملة ينتهي بالناس إلي تخريب وتدمير ، لا إلي تنظيم وحسن تدبير ، ولا يرتفع هذا إلا برسول يبعثه الله بفضل الخطاب ليقيم به الحجة ، ويوضح به المحجة ، فاقتضت حكمة الله أن يرسل رسله بالهدى ودين الحق ، رحمة منه بعباده وإقامة للعدل بينهم ، وتبصيراً لهم بما يجب عليهم من حقوق خالقهم وحقوق أنفسهم وإخوانهم ، وإعانة لهم على أنفسهم ، وأعذاراً إليهم ، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن سعد بن عبادة قال : لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ( أي بحده لا بصفحته )فبلغ ذلك رسول الله ﷺ‬ فقال " أتعجبون من غيرة سعد ، لأنا أغير منه ، والله أغير منى ، ومن أجل غيره\ة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة ).

بهذا يتبين أن إرسال الله لرسل إلي الناس مبشرين ومنذرين هو مقتضي حكمته ، وموجب فضله وإحسانه ورحمته بعباده والله عليم حكيم.

ومن شاهد أحوال الناس وعرف واقعهم المرير الصاخب وعرف أن الله لم يرسل الرسل لمصلحة تعود إليه أو مضرة يدفعها عن نفسه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً بل أرسلهم لمصالح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة، أقول من عرف ذلك عرف فساد مذهب البراهمة ، لمناقصته مقتضي الحكمة والرحمة ، ومجافاته لواقع الناس.

إن إرسال الله للرسل ليس مستحيلاً في نفسه ، ولا عبثاً حتى يجافى حكمة الله ، بل هو جائز عقلاً داخل في نطاق قدرة الله الشاملة وإرادته النافذة ، فإنه سبحانه لا مانع لما أعطى ، ولا معطى لما منع ، ولا راد لما قضي ، وهو على كل شيء قدير ، يشد بهذا سنة الله في تدبيره لشؤون خلقه وتصريفه لأحوالهم في عقولهم ومداركهم وفي أبدانهم وأرزاقهم ، وفي وجاهتهم ومراكزهم في الحياة.

فإنا نشاهد أن الله سبحانه خلق عباده على طرائق شتى في أفكارهم ومذاهب متباينة في مداركهم ، فمنهم من سما عقله،واتسعت مداركه حتى وصل بثاقب فكره وانتهت به تجاربه إلي أن اخترع للناس ما رفع أولو الألباب إليه أبصارهم من أجله ، إعجاباً  به ، وشهادة له بالمهارة وأنكره عليه صغار العقول فعدوه شعوذة وكهانة ، أو ضرباً من ضروب السحر ، ولا يزالون كذلك حتى يستبين لهم بعد طول العهد ومر الأزمان ما كان قد خفى عليهم فيذعنوا له ويوقنوا بما كانوا به يكذبون.

ومنهم من ضعف عقله ، أو ضاقت مداركه ، فعميت عليه الحقائق ، واشتبه عليه الأمر الواضح ،فأنكر البديهيات ورد الآيات البينات ، بل لمنهم من انتهى به انحراف مزاجه وضعف عقله إلي أن ينكر ما تدركه الحواس كالسوفسطائية ، وكما ثبت التفاوت بين الناس في العقول والأفهام ، ثبت التفاوت بينهم أيضاً في قوة الأبدان وضعفها وسعة الأرزاق وضيقها ، ونيل المناصب العالية ، والاستيلاء على زمام الأمور ، وقيادة الشعوب والحرمان من ذلك إما للعجز أو القصور ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ، وإما لحكم أخرى علمها مدبر الكائنات وربما كشف عن كثير منها الغطاء لمن تدبر القرآن ، وعرف سيرة الأنبياء وعرف تاريخ الأمم وما جرى عليها من أحداث.

فمن بعضاً سخرياً ، وإما لحكم أخرى علمها مدبر الكائنات ، وربما مداركهم وإرادتهم وسائر قواهم وغير ذلك من أحوالهم ، لم يسعه إلا أن  يستسلم للأمر الواقع دون جدل أو مراء ، ويستيقن بأن الله الواهب النعم ، المفيض للخير له سبحانه  أن يختص بعض عباده بسعة الفكر ، ورحابة الصدر وكمال الصبر ، وحسن القيادة وسلامة الأخلاق ليعدهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة ، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم ، ويوحى إليهم بما فيه سعادة الخلق ، وصلاح الكون رحمة للعالمين ، وأعذارً للكافرين وإقامة للحجة على الناس أجمعين ، فإنه سبحانه بيده ملكوت كل شيء  لا يرد قضاؤه ، ولا يمنع عطاؤه بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير.

قال الله تعالى (َرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) ، وقال : (ُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً).

إن الفطر السليمة التى فطر الله عليها الناس لا تستبعد أيضاً ما مضت به سنة الله في عباده ، و قضت به  حكمته وعدله في خلقه من إرساله سبحانه رسلاً مبشرين ومنذرين ، بل أذعنت له ، وأيقنت به ، استجابة لمقتضي العقول الرشيدة ، بل اعترف الكفار بذلك مع انحرافهم وسلوكهم غير المنهج القويم ، ولم ينكروا الرسالة نفسها ، ولم يستبعدوا حاجتهم الهداية من الله عن طريق روح طيبة يختارها الله لوحيه أو نفس طاهرة يصطفيها الله لتبليغ شرعه، لكنهم استبعدوا أن يكون الرسل من البشر ، وظنوا خطأ أنها إنما تكون من الملائكة ، زعماً منهم أن البشرية تنافي هذه الرسالة فإنه مهما صفت روح  الإنسان وسمت نفسه ، واتسعت مداركه ، فهو في نظرهم أقل في نظرهم أقل شأناً من أن يوحى الله إليه ، وأحقر في زعمهم من أن يختاره الله لتحمل أعباء رسالته ، وإبلاغ شريعته.

ومن نظر في الكتب المنزلة ، وتصفح ما رواه علماء الأخبار ، اتضح له اعترافهم بإمكان الوحى وحاجتهم إليه حتى الكفار فإنهم إنما استبعدوا أن يختار الله لوحيه رسولاً من البشر ، قال الله تعالى (َلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ *  أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) وقال تعالى (َذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * )فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * )أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) ، وقال تعالى ()وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) الآيات . وقال تعالى ()وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ* إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُون ) الآيات : وقال تعالى : )قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) .

وقال تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). إلي غير ذلك من الآيات والأخبار التى تدل على أن إنكار الأمم لم يكن لأصل الرسالة ولا لحاجتهم إليها إنما كان لبعث رسول إليهم من جنسهم.

ولو قال قائل ، إن أئمة الكفر ، وزعماء الضلالة ، كانوا يوقنون بإمكان أن يرسل الله رسولاً من البشر ، غير أنهم جحدوا ذلك بألسنتهم حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، وتمويهاً على الطغام  من الناس ، وخداعاً لضعفاء العقول ، وتلبيساً عليهم خشية أن يستجيبوا إلي مقتضى الفطرة ، ويسارعوا إلي داعى الدين ومتابعة المرسلين – لو قال ذلك قائل التى تؤيد ذلك وتصدقه وسبق إلي لسانهم ما يرشد البصير إلي ما انطوت عليه نفوسهم من الحسد والاستكبار أن يؤتى الرسل ما أوتوا دونهم وأن ينالوا من الفضيلة وقيادة الأمم لي الإصلاح ما لم ينل هؤلاء قال تعالى : (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )

وقال تعالى (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)

وقال تعالى (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) وقال تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ).

وقال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

هذا وليس بدعاً أن يختار الله نبياً من البشر ، ويبعث إليهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، بل ذلك هو مقتضي الحكمة وموجب العقل . فإن الله سبحانه قد مضت سنته في خلقه أن يكونوا أنواعاً  مختلفة على طرائق شتى ، وطبائع متباينة ، لكل نوع غرائزه وميوله أو خواصه ومميزاته التي تقضي الأنس والتآلف بين أفراده ، وتساعد على التفاهم التعاون بين جماعاته ليستقيم الوجود ، وينتظم الكون ، فكان اختيار الرسول من الآمة أقرب إلي أخذها عنه ، وأدعى إلي فهمها منه ، وتعاونها معه لمزيد التناسب ومكان الألف بين أفراد أنوع الواحد. لو كان عمار الأرض من الملائكة لاقتضت الحكمة أن يبعث الله إليهم ملكاً رسولاً وقد أرشد الله إلي ذلك في رده على من استنكر أن يرسل إلي البشر رسولاً منهم . قال تعالى (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً)

ولكن شاء الله أن يجعل عمارة الأرض من البشر ، فاقتضت حكمته أن يرسل إليهم رسولاً من أنفسهم ، بل اقتضت حكمته ما هو أخص من ذلك ليكون أقرب إلي الوصول للغاية وتحصيل المقصود من الرسالة. فكتب على نفسه أن يرسل كل رسول بلسان قومه قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )

ولو قدر أن الله أجاب الكفار إلي ما طلبوا من إرسال ملك إليهم لجعل ذلك الملك في صورة رجل ، ليتمكنوا من أخذ التشريع عنه والاقتداء به فيما يأتى ويذر ، و يخوض معهم مادين الحجاج والجهاد. وإذ ذاك يعود الأمر سيرته الأولى ، كما لو أرسل الله رسوله من البشر ، ويقعون في لبس وحيرة جزاء وفاقاً قال تعالى (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)

ومن نظر في آيات القرآن وعرف تاريخ الأمم تبين له أن سنة الله في عباده أن يرسل إليهم رسولاً من أنفسهم . قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) 

وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً).أفكاره 

هذا وأرجو أن أكون قد بينت بهذه الكلمة الموجزة بعض الدواعي التي تقضي إرسال الرسل ، وجوانب من حكمة الله في إعدادهم واصطفائهم لتلقي الوحي عنه ، وتحمل أعباء البلاغ. وقيادتهم الأمم إلي ما فيه الصلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ، كما أرجو أن أكون قد أوضحت الحكمة في اختيار الرسل إلي البشر من جنسهم ، وبلسان أممهم ، والرد علي من يخالف في أصل إرسال الرسل ، أو يمنع أنى يكون  رسل الله إلي البشر من جنسهم ، ويخيل إليه اختصاص ذلك بالملائكة والله الهادى إلي سواء السبيل ، وصلي الله وسلم على نبينا محمد وإخوانه النبيين والمرسلين ومن اهتدى بهديهم وسلك منهجهم القويم.


 منهج الرسل في الدعوة إلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أنبيائه ورسله وآلهم أجمعين، وبعد:

فلم يكن الله سبحانه ليدع عباده سدىّ ويتركهم هملاً دون أن ويأمرهم وينهاهم ويجزيهم على ما كسبت أيديهم.

قال تعالى: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (المؤمنون 115 :116)

وقال تعالى: ( أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (القيامة:36)

(أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى) (القيامة:37)

(ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى) (القيامة:38)

(َجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) (القيامة:39)

(أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (القيامة:40)

فأرسل وسبحانه والرسل وشرع الشرائع؛ رعاية لمصالح عباده في معاشهم ومعادهم فضلاً منه ورحمة، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الانبياء:107)، وأبان الدليل وأوضح السبيل وبشر وأنذر ؛ إقامة للحجة عليهم ، وأعذاراً إلي من حقت عليه كلمة والعذاب منهم فاتبع وهوامه بغير هدى زمن الله ؛ حكمة منه وعدلاً.

قال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (النساء:165)

وقال تعالى : (وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى. )وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) (طـه:134)

) (طـه:133)

وفي " الصحيح "  : ط ان سعد بن عبادة قال : لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح . فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال :  " تعجبون من غيره سعد ؟ والله لأنا أغير من سعد ، والله أغير منى ، ومن أجل غيره الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث  المبشرين والمنذرين ، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ، ومن أجل  ذلك وعد الله الجنة "".

ومن تمتم رحمة الله بعباده ، وعمته عليهم ، وكمال حكمته في إقامة الحجة ، والأعذار إلي من سبق عليه القول منهم ؛ أن جعل شريعة كل رسول من رسله شاملة كل ما تحتاجه أمته ، جامعة لما ويصلح شأنها ،وينهض بها فى إقامة دولتها  وبناء مجدها وتقويم أودها وحفظ كيانها ، ويجعلها مثلاً أعلى في جميع شؤونها ، سعيدة في الدنيا والآخرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " ما بعث نبى  ؛ إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم " ، بل تضمنت فوق ذلك ما يكمل الضروريات والحاجيات والتحسينات على خير حال وأقوم طريق.

قال تعالى : ()مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (الأحزاب:40)

وقال : () الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً )(المائدة: من الآية3)

وقال : () وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل: من الآية89)

وعن أبي هريرة ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن مثلى ومثل الأنبياء من قبلي كمثل  رجل بنى وبيتاً ، فأحسنة وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ، ويقولون  : هلا ووضعت هذه اللبنة ! قال : فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين ".

وقال أبو ذر رضي الله عنه : " لقد توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً ".

وقال عمر رضي الله عنه : " قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقاماً ، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم ، حفظ ذلك من حفظه ، ونسيه من نسيه ".

وقال مالك بن أنس : " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ثم ذكر قوله تعالى : ()ِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)(المائدة: من الآية3. ثم ثال : فما لم يكن يؤمئذ ديناً ، فلا يكون اليوم ديناً ".

ولا  عجب في أن يشرع الله شريعة عامة دائمة لعالم يطول عهده ويتجدد خلقه وتتطور أحواله ، ويكون التدرج في شرعها أيام رسولها ، ثم تستقر بعد وفاته إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ؛م فإن الله سبحانه أحاط بكل شيء علماً ، ووسع كل شيء رحمة وإحساناً وحكمة وعدلاً ، وخلق كل شيء فقدره تقديراً ، فهو عليم بكل شؤونه الظاهرة والباطنة ، وما يصلح حله في عاجله وآجله ، ()أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14)

)وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) (مريم:64)

إنما يستنكر ذلك زمن البشر ونحوهم من المخلوقات ؛ لأن أفكارهم محدودة ومداركهم قاصرة ، مع استيلاء الهوى عليهم وتمكن العصبية منهم 000 إلي غير ذلك مما يوجب كثرة اللغط في آرائهم ، والاضطراب والتناقض في مذاهبهم في أصول التشريع وفروعه عن  قصد وغير قصد ، وخاصة تفاصيل التوحيد والمعاد والعبادات والمعاملات  ، قال تعالى : )أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82)

الأمم الماضية لما كانت تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، وكان الوحى مستمراً ، جرت فيهم سنة التطور  فى التشريع والتدرج في الأحكام ، وكان الكثير من التفاصيل وفروع الشريعة مؤقتاً ، فنسخت الشريعة اللاحقة من أحكام الشريعة السابقة ما اقتصت المصلحة نسخة ؛ تنشئة للأمة ، وتربية لها ، وسداً لحاجتها، أو عقوبة لها على ظلمها وتمردها على شرائع ربها.

قال تعالى في رسالة عيسي عليه السلام : ()وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ )(آل عمران: من الآية50)

وقال تعالى في محمد عليه الصلاة والسلام : ()وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ) (لأعراف:156)

)الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (لأعراف:157)

وقال : ()فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً) (النساء:160)

)وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (النساء:161)

أما هذه الأمة المحمدية ؛ فشريعتها خاتمة الشرائع ، ورسولها خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا نبى بعده ؛ فاقتضت حكمه الله أن تكون شريعته فيهم عامة دائمة إلي يوم القيامة ، كفيله بجميع مصالحهم الدينية والدنيوية ، منظمة لنواحي حياتهم المختلفة ، مغنية لهم عما سواها في جميع أمورهم وشؤونهم ، ولو طال بهم الأمد ، واختلف أحوالهم على مر الأيام والعصور حضارة وثقافة ، وتباينت أفكارهم ذكاء وغباوة وحالتهم قوة وضعفاً وغني وفقراً.          

وجاءت تكاليف هذه الشريعة جملتها وتفصيلها قواعدها وجزئياتها بتحقيق مقاصد التشريع الضرورية التى لا بد منها في قيام مصالح العباد الدينية والدنيوية ، ولا تستقيم أحوالهم إلا بها ، وذلك يرجع إلي ما يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وأنسابهم وعقولهم وأموالهم  ، وبتحقيق مقاصده الحاجية التى تيسر عليهم طريق العمل للوصول للغاية المنشودة ، وتجعلهم في سعة وسهولة ، وتدفع عنهم المشوقة والحرج ، وبتحقيق ما يجمل حالهم ، ولو كان من عند غير الله ، لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.         

وصحيفة  الوجود وواقع الحياة في تاريخ الأمم أصدق شهيد بذلك × فمن ابتغيت الهدى في غير شريعة الله من النظم والقوانين الوضعية أصله الله ، ومن حكم غيرها في عقيدته أو عبادته أو معاملاته ؛ فهو مبتدع فيه جاهلية ، سيئ الظن بربه ، معجب بفكر نفسه أو أفكار من اتخذهم من زعمائه أرباباً في التشريع ، يشرعون له ما يضاهي به شريعة الله ، بل يؤثر قوانينهم مع قصورهم وتقصيرهم على شريعة أحكم الحاكمين ، وكفي بذلك زيغاً وضلالاً وكفراً وطغياناً.

قال تعالى : ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153)

وقال : ( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (لأعراف:3)

وقال : ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)

وقال : )أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50)

وقال : ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام:116)

وقال ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات:7)

000000إلي وغير ذلك من النصوص التى جئت على العمل بكتاب الله وهدى  رسوله عليه الصلاة والسلام ، وحذرت من الحيدة عن ذلك والإعراض عنه تباعاً للآراء ونحاتة الأفكار دون بينة من الله أو حجة عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم -.

وإليك كلمات في أركان الشريعة والسياسة والبلاغة ، وأمثلة من نصوص الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين ، يتبين لك منها سعة الشريعة وغناها بالنصوص والقواعد العامة والجزئيات الخاصة ، التى تشرح حق الله على عبده ، وحق العبد على ربه ، وحق الراعي والرعية ، وتحدد موقف الدولة في السلم والحرب ، والعلاقة بين أفراد الشعب وجماعاته ، بل بينت حقوق الحيوانات والعجماوات على راعيها ، وحدت من تسخيره لها وتسلطه عليها على وجه من العدالة يكفل لها البقاء، وحل جميع ما يجد من المشاكل العامة والخاصة على أقوم طريق وأهدى سبيل.

للشريعة أصول إليها ترجع ، ودعائم عليها تقوم ، فشريعة الصلاة والصيام والزكاة ونحوها من العبادات لا يستقيم أداؤها ولا التنسك بها إذا عرف  العابد أن من يتقرب إليه غنى كريم ، قوى متين ، غافر الذنب وقابل التوب ، شديد العقاب ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد 000 إلي غير ذلك من صفات الجلال والإنعام وقوة البأس وشدة الانتقام ، فإنه إذا عرفه العباد بذلك ؛ أشربت قلوبهم حبه ، واستشعرت كمال الذل له والخوف منه ، فأسلموا وجوههم إليه ، وعبدوه عبادة من يعلم  أنه يسمعه ويراه ويراقبه في كل شؤونه وأحواله ؛ رجاء رحمته ، وخشية عذابه.

وشريعة المعاملات لا تعدو ذلك النهج – نهج العبادات - ؛ فإن استقامة الناس في أخلاقهم ، وعدلهم في رضاهم وغضبهم ، وإنصافهم لأوليائهم وأعدائهم ، ونصحهم في بيعهم وشرائهم وجميع معاملاتهم يتوقف على شعور القلب بهيمنة قوة غيبية فوق قوى العالم ، قوة رب قادر يخفض ويرفع ويعطى ويمنعه على سنن قويم من الحكمة  والعدالة ، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ، ولا راد لما قضى ؛ بذلك الشعور يستقيم حال الإنسان وينتظم أمره في سره وعلنه ، فيرعى الحقوق لعذابه ونقمته ، وبذلك الشعور وحده يجتمع شمل العالم ويعم الأمن والسلام جميع مرافق الحياة.

أضف إلي ذلك أن ثبوت الشريعة في ذاتها عند المكلفين والإيمان بها يتوقف على معرفة مصدرها والثقة بطريق بلاغها ، فيجب إذن على العباد أن يعلموا أولاً أن لهم رباً خلاقاً عليماً حكيماً ، بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجعون 000 إلي غير ذلك مما تفرد به من صفات الربوبية ، ويؤدوها على وجهها ؛ استمداداً لفضل الله ورحمته ، ودفعاً للتى استوجبت إخلاص العبادة منه ، ليسلموا وجوههم إليه مكوناً وشرعاً ويعبدوه مخلصين له الدين رغبة ورهبة ، وأن يعلموا ثانياً أنه تعالى يرسل رسله ليبلغوا عنه شريعته رحمة منه وفضلاً ، ويؤيدهم بالمعجزات ، ويعصمهم في البلاغ حكمة منه وعدلاً ، ليميز الكاذب من الصادق والمبطل من المحق ؛ فيثق العباد بشريعة ربهم ، ويأمنوا عليها من الدخل والافتراء ، وتقوم عليهم بها الحجة ، قال تعالى : )وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة:47)

 لهذا بدأت الرسل دعوتها بالتوحيد وإثبات الرسالة والجزاء يوم المعاد ، فجرت على موجب العقل ومقتضي الفطرة.

وكان لزاماً على الدعاة أن يبدؤا بما بدأ به الرسل ، ويتبعوا ذلك القول في الفروع وتفاصيلها وسائر ما يكمل الأصول ويحمى حماها حسب الأهمية ، وما يشعر به الدعاة من حاجة المدعوين شعوباً وأفراداً.

سلكت الرسل في إثبات وجود الله وتوحيده وصدقهم في دعوى الرسالة وخبرهم عن اليوم  الآخر مسلك الإقناع بالحجة والبرهان وضرب الأمثال ، وجمعت في ذلك بين مناجاة العقل والتأثير على العاطفة والتذكير بما جبلت عليه النفوس وفطر عليه الخلق من الإقرار بالحق والميل إلي العدل والإنصاف ، مع لين الجانب ، والرفق في الخطاب ، والصفح الجميل في غير ذله ولا مواربة أو مداهنة ؛ فلا عنت في القول ولا تعسف ، ولا فرض لحكم على الأمة دون بينة من الله وسلطان.

ففي إثبات وجود الله اكتفوا بالاستدلال عليه بالإشارة ، مع دقة المأخذ وسهولة العبارة ، لقلة من أنكر وجوده تعالى ممن مسخت فطرهم ووضح للعقلاء جهلهم ومجافاتهم الحق وتنكبهم طريق الصواب ، قال تعالى :أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور:36) ؛ فأنكر تعالى أن يكونوا خلقوا بلا خالق ضرورة أن الأثر يحتاج في حدوثه إلي مؤثر ، كما شهد بذلك العقل والفطرة والحس ، وأنكر أن يكونوا خالقين لأنفسهم ؛ لما يلزمه من التناقض ، وأنكر أن يكونوا خالقين  للسماوات والأرض ؛ لشهادة تاريخ وجود الأمم والكونيات الأخرى بأن خلق السماوات والأرض قد كان قبل خلق ما بينهما من الأنس والجن ونحوهم ؛  فكيف يخلق المتأخر في الوجود شيئاً قد سبقه وتقدم عليه ؟ !

وقد أخذ جماعة من العلماء هذا الدليل الخبرى العقلي ، وأدخلوا عليه شيئاً من التكلف والصناعة الكلامية ، فقالوا : إن نسبة الممكن إلي طرفيه الوجود والعدم على السواء ، فلو وجد بدون سبب خارج عن  ذاته وحقيقته ، لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح ، ولو أوجد نفسه  ، لزم مع ذلك أن يكون متقدماً على نفسه باعتباره خالقاً لها ، متأخراً عنها باعتباره مخلوقاً لها ، وتقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها باطل بالضرورة لما فيه من التناقض الواضح ؛ فثبت أن العالم لا بد له من موجد غير ذاته وحقيقته ، ولا بد أيضاً أن يكون واجب الوجود لذاته ، مختلفاً عن العالم في خواصه وصفاته ن " ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11)،  ذلك ليصح أن يستند إليه العالم في وجوده بدء ودواماً ، إذ لو كان مستحيلاً لما صح أن يكون منه خلق أو تقدير ؛ لأن المستحيل عدم محض ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، ولو كان ممكناً ، لافتقر إلي من يرجح على عدمه كما سبق بيانه ، فإن استمرت الحاجة  فاستند كل في حدوثه إلي نظير له من الممكنات ؛ لزم إما الدور القبلي وإما التسلسل في المؤثرات ، وكلاهما باطل باتفاق العقلاء           

وإذا انتفى عنه الإمكان والاستحالة ، ثبت له وجوب الوجود لذاته ، ضرورة أن أقسام الحكم العقلي ثلاثة : الوجوب ، والإمكان ، والاستحالة ، وقد انتفى اثنان ، فتعين الثالث  ، وهو وجوب الوجود.

قال تعالى : ()هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد:3)

ومن نظر فيما  ترشد إليه الآيات نظراً ثاقباً ، وفكر فيما توحى به سنن الله في المخلوقات – من عجائب خلقها – من عجائب خلقها ، وحسن تنسيقها ، وشد أسرها – تفكيراً عميقاً ، وبحث في أحاكمها وبديع صنعها بحثاً برئياً من الهوى والحمية الجاهلية ، وأنصف مناظره من نفسه – فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق والإذعان له كبر يرديه ، ولا عناد يطغيه - ؛ اتضح له الهدى ، واضطره ذلك أن يؤمن من أعماق قلبه بأن للعالم رباً خلاقاً فاعلاً مختاراً حكيماً في تدبيره وتقديره ، أحاط بكل شيء علماً ، وهو على كل شيء قدير.

ومع قيام الدليل ووضوح السبيل ، تعامى بعض الناس عن الحق ، ومن أولئك : فرعون موسى ؛ فإنه أنكر بلسانه ما استيقنت به نفسه وشهدت به الفطرة وقام عليه الدليل ، من وجود واجب سبحانه ، فأقام موسى عليه الحجة بدلالة الأثر على المؤثر والصنعة على الصانع ، فوجود الخلق وعظم شأنه دليل على وجود الخالق وعظم قدرته وقدره ، وسعة علمه وكمال حكمته ، فألقمه الحجر.

وذلك بين فيما حكاه الله عنهما من الحوار  والسؤال والجواب ، قال تعالى : ()فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:16)

( قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء:29)

؛ فانظر كيف وقف موسى موقف من يصدع بالحق ويقيم عليه الحجة والبرهان ، وكيف وقف فرعون من موسى موقف السفهاء لا يملك إلا الشتم والسباب والسخرية والاستهزاء والتهديد بأليم العذاب !

وقال تعالى : ()وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرائيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) (الاسراء:102)

وقال تعالى : ()فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل:14)

فبين تعالى أنه آتى موسى الآيات التى تنير البصائر وتجلو الشكوك ، وأن موسى ثبت في ميدان الدعوة ثبات مؤمن بما جاء به موقن بنصر ربه ، فلم يرهبه جبروت فرعون ، ولم يأخذ من نفسه مأخذاً مع وحدته وضعف قومه ، أما فرعون ؛ فقد بهرته الآيات ، وأخذت عليه صولة الحق الطريق ، فلم يجد لديه سلاحاً يحفظ به ملكه في زعمه ويدافع به عن باطله إلا الخداع والتمويه على قومه ، وإنذار موسى  ومن آمن وبه أن يذيقهم أليم عذابه ، وأنى له ذلك والله من ورائهم محيط ، وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين.

( فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً) (الاسراء:104)

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : ()قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طـه:50)

إلا أنه أجمل وأوجز في الاستدلال بهذه الآيات ، وفصل في تلك.

وقد ورث ذلك الزيغ والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة ، واشتهروا بألقاب متنوعة ، فتارة يسمون بالدهريين ، وأخرى برجال الحقيقة ووحدة الوجود ، وأحياناً بالشيوعيين ، وآونة بالبهائيين 000 إلي غير ذلك من العبارات التى اختلفت حروفها ومبانيها  وائتلفت مقاصدها ومعانيها ، فكلها وترمى إلي غرض واحد ، وتدور حول محور واحد : هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر ولا له إله يقصد ويعبد، وقد تبين بما تقدم وأمثاله فساد مذهبهم وخروجه عن مقتضى العقل والفطرة وما أيد ذلك وصدقه بعد أدلة السمع.

فإن زعم بعد ذلك زاعم أن وجود العالم وليد الصدفة والاتفاق ، أو أنه نشأت أطواره عن تفاعل عناصر المادة فتفرقت إلي وحدات بعد اجتماع أو اجتمعت بعد تفرق واختلاف ، وصار لتلك الوحدات أو المركبات من الخواص ما لم يكن لها قبل ذلك من التفاعل ، وبذلك تجددت الظواهر وحدث ما نشاهد من تغير وآثار مع جريانها على سنة لا تتبدل وناموس لا يختلف ولا يتغير.  

قيل له : من الذي أودع تلك المادة طبيعتها وأكسبها خواصها ؟

فإنها إن كانت لها من ذاتها ومقتضى حقيقتها  ، لم تقبل التغير والزوال ؛ لأن ما بالذات لا يتغير ولا يزول ، وقد رأيناها تتغير وتزول ، فلا بد لها إذن من واهب يهبها وفاعل مختار عليم حكيم يوجدها ويدبرها ويضعها مواضعها ، وليس ذلك المادة أو خواصها وطبيعتها ، فإنها مع حدوثها وحاجتها ليس لها من سعة العلم وكمال الحكمة وشمول المشيئة وعظمك القدرة ما ينتظم معه الكون مع ما نشاهده من إحكام تبهر العقول دقته وجماله ، ومن إبداع يأخذ بمجامع ما فيه من شدة وقوة الرباط بين وحداته ، وكمال التناسب بين أجزائه ، وقيام كل من الآخر مقام الخادم من سيدة والراعي من رعيته.

آلا إن الطبيعة صماء لا تسمع ، بكماء لا تنطق ، عمياء لا تبصر ، جاهلة لا تعلم ، مسخرة لمن أودعها المادة ، خاضعة لتصريفه وتقديره ، سائرة على ما رسم لها من سنن ملا تعدوها ونواميس لا تخرج عنها ؛ فأنى يكون لها خلق وإبداع ، أو إليها تنظيم وتدبير ، أو منها وحي وتشريع ! إنما ذلك إلي الله الذي شهد العقل والفطرة بوجوب وكمال علمه وحكمته وغناه وقدرته 0000إلي غير ذلك من صفات جلاله ، تعالى الله عما يقول الملحدون علواً كبيراً.

وقال تعالى : ()تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) (الملك:5)

ولا يعيب الحق بعد ذلك أن يقل من سلك طريقه ، وأن يزيغ عنه من انتكست بصيرته وفسدت فطرته ، فاتخذ إله هواه وأضله الله على علم ، وختم على سمعه وقلبه ، وجعل على بصره غشاوة ، ولا يضير الدعاة إليه أن عدل عن الصراط المستقيم من انحراف مزاجه أو غلبته شهوته فخشى أن تحد الشريعة ممن نزعاته الخبيثة وتحول دون نزواته الدنيئة ، أو أطغاه كبره وسلطانه وخاف أن تذهب الشريعة بزعامته الكاذبة وسلطانه الجائر ، فوقف وفي سبيلها وصد عنها ولج في خصامها بغياً وعدواناً ، فإن الله ناصر دينه ومؤيد رسله وأولياؤه.

() وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: من الآية40)

 ) إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(محمد: من الآية7)                   

)ا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(الشعراء: من الآية227)

يحكى عن أبي حنيفة رحمه الله : " أن جماعة من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير الربوبية ، فقال لهم : أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة ، تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيرهما بنفسها ، وتعود بنفسها فترسي بنفسها ، وتفرغ وترجع ، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد. فقالوا : هذا محال لا يكون أبداً. فقال لهم : إذا كان هذا محالاً في سفينة ؛ فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله ؟؟ ! ".

وقد قال مثل هذه المقالة جماعة معه من العلماء ، وقولهم ليس حجة لصدوره عنهم ، بل لصحته في ذاته وشهادة الواقع له.

شهدت الفطرة بأن الله وحده خالق كل شيء ومليكه ، وإليه  يرجع الأمر كله من التصريف والتدبير ؛ فهو الذي يحيى ويميت ، وهو الذي يبسط الرزق  لمن يشاء ويقدر ، وهو الذي يرسل الرسل ، ويشرع الشرائع ليحق الحق بكلماته ويقيم العدل بين عباده شرعاً وقدراً 0000 إلي غير ذلك مما لا يحصيه العد ، ولا تحيط به العبارة.

وقام على ذلك أيضاً دليل السمع ، وأقر به كل مكلف حتى المشركون.

قال تعالى : )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) (الزخرف:12)

وقال تعالى : ()قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل:60)

)إلي أن قال ( أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل:64)

فأنكر سبحانه أن يكون معه إله فعل شيئاً منة ذلك ،وقررهم بتفرده بكل شيء من الخلق والتدبير والتصريف والتقدير ؛ ليجعل من ذلك ونحوه دليلاً على توحيد العبادة الذي هو المقصود الأول من بعثة الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع – كما سيجيء.

ونظائر ما ذكر من الآيات كثير ، ولم يعرف عن طائفة بعينها القول بوجود خالقين متكافئين في الصفات والأفعال ، ومن نقل عنهم من طوائف المشركين نسبة شيء من الآثار والحوادث إلي غير الله ، كقوم هود ، حيث قالوا فيما حكى الله عنهم : ()إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (هود:54)

، فإنما نسبوه إلي آلهتهم لزعمهم أنها وثيقة الصلة بالله ، وأنها تملك الشفاعة عنده سبحانه لمن عبدها وتقرب إليها بالقرابين ، فهى في زعمهم تملك لهم جلب النفع ودفع الضر ، لكن عن طريق الشفاعة لهم عند الله.

ومن أجل هذه الشائبة من الشرك نبه الله سبحانه على بطلانه ، وأنكر على من زعمه ؛ فقال تعالى : ()مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (المؤمنون:92)

فبين سبحانه أنه لو كان معه إله يشركه في استحقاق العبادة ؛ لكان له خلق وتقدير وملك وقهر وتدبير ؛ إذ لا يستحق العبادة إلا من كان كذلك ليرجى خيره ونفعه ؛ فيطاع أمره ، ويقصد قصده ، ويخشى بأسه ؛ فلا يعتدى على حدوده ، ولا ينتهك حماه ، ولو كان له خلق وتقدير وملك وتدبير ، لعلا على شريكه وقهره إن قوى على ذلك ليكون له الأمر وحده ، ولذهب كل بما خلق وتفرد بتدبيرك ما ملك إن لم يكن لديه من القوة ما يفرض بها سلطانه على الجميع ؛ فإن من صفات الرب كمال العلو والكبرياء والقهر والجبروت.

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : ()قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً)

، على تقدير أن المراد : لاتخذوا سبيلا إلي مغالبته وقهره ، أو الخروج عليه والتفرد عنه بما خلقوا وملكوا.

أما إن كان المعنى المراد : لاتخذوا سبيلاً إلي عبادته والقيام بواجب حقه رجاء وخوف عقابه ؛ فالآية في توحيد الإلهية ، كقوله تعالى : ()أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً) (الاسراء:57)

وقد استخلص بعض العلماء من ذلك دليلاً سموه دليل التمانع ، وجعلوا جل همهم إثبات توحيد الربوبية به ؛ قالوا : لو جاز أن يكون للعالم ربان سبخلقان ويدبران أمره ، لأمكن أن يختلفا ، بأن يريد أحدهما وجود شيء ويريد الآخر عدمه ، أو يريد أحدهما حركة شيء ويريد الآخر سكونة ، وعند ذلك إما أن ينفذ مرادهما ، وذلك محال لما يلزمه الجمع بين النقيضين ، وإما أن لا ينفذ مراد كل منهما ، وذلك محال لما يلزمه من رفع النقيضين وعجز كل منهما ، وإما أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر ، فيكون الذي نفذ مراده هو الرب دون الآخر لعجزه ، والعاجز لا يصلح أن يكون رباً.

ولو أن هؤلاء عُنوا بتوحيد الإلهية ، وصرفوا همتهم إلي بيان تفاصيله ، وأجملوا القول في توحيد الربوبية والاستدلال عليه اكتفاء بشهادة الفطرة وإقرار العبادة به وعلمه بالضرورة ، وجعلوا البحث فيه وسيلة إلي توحيد العبادة ودليلاً عليه ، لكانوا بذلك قد سلكوا طريقة القرآن ومنهج الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وقصاري القول أن انتظام العالم علوه وسفله ، وإحكام صنعه وحسن تنسيقه ، وشدة الأسر وقوة التماسك بين أجزائه ووحداته ، دليل واتضح على تفرد الله سبحانه بالربوبية ووحدانيته في أفعاله ،وبرهان قاطع على إثبات ما أثبته لنفسه من كمال الأسماء والصفات ، أو أثبتته له الرسل عليهم الصلاة والسلام من ذلك إثباتاً صريحاً مفصلاً ، لم يدع مجالاً للشك أو التأويل ولا سبيلاً إلي الريب أو التعطيل ، فزالت به الشبهة ، وحصل به اليقين.

وعلى ذلك اجتمعت شهادة الفطرة والعقل الصريح والنقل الصحيح وصدق كل منهما الآخر.

وقد ذكر ابن القيم في " مدارج السالكين " هذين الطريقين : طريق الوحى والخبر  ، وطريق الحس والعقل ، وإليك نبذة من ذلك :

فمن الأول قوله : " ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة ، علم قطعاً بطلان تأويلها بما يخرجها من حقائقها ؛ فإنها وردت على وجه  لا يحتمل معه التأويل  بوجه.

فانظر إلي قوله تعالى : ()هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (الأنعام:158) ؛ هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الله جل جلاله بإتيان ملائكته أو آياته ؟ وهل يبقي مع هذا السياق شبهة أصلاً أنه إتيانه بنفسه ؟

وكذلك قوله : )إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) ؛ ففرق بين الإيحاء العام والتكليم الخاص وجعلهما نوعين ، ثم أكد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون.

وكذلك قوله : ()وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى:51) ؛ فنوع تكليمه إلي تكليم بواسطة وتكليم بغير واسطة ، وكذلك قوله لموسى عليه السلام : ()قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي (لأعراف:144)

، ففرق بين الرسالة والكلام ، وإنما تكون الرسالة بكلامه.

وكذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام : " إنكم ترون ربكم عياناً كما ترون القمر ليلة البدر في الصحو ، ليس ةدونه سحاب ، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب " ، والاحتراز ينافي إرادة التأويل ، ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين".

ثم قال : " الطريق الثاني لإثبات الصفات : هو دلالة الصنعة عليها ، فإن المخلوق يدل على وجود خالقه ، على حياته وقدرته وعلى علمه ومشيئته ،فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزاماً ضرورياً وما فيه من الإتقان والإحكام ، ووقوعه على أكمل الوجه يدل  على حكمه فاعله وعنايته ، وما فيه من الإحسان والنفع ووصول المنافع العظيمة إلي المخلوق يدل على رحمة خالقه وإحسانه وجوده ، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه ، فمعطى الكمال أحث بالكمال ، وخالق الأسماع والأبصار والنطق أحق بأن يكون بصيراًَ متكلماً ، وخالق الحياة والعلوم والقدر والإيرادات أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه ، فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات هو من وأدل شيء على إرادة الرب سبحانه ومشيئته وحكمته التى اقتضت التخصيص 000 ".

إلي أن قال : " والإحسان إلي المطيعين والقرب إليهم بالإكرام وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه ، وعقوبته للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب والسخط ، والإبعاد والطرد والإقصاء يدل على المقت والبغض ، فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل.

ولهذا دعا الله سبحانه في كتابه عباده إلي الاستدلال بذلك على صفاته ، فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته ، وصفات كماله بآثار صفته المشهودة ، والقرآن مملوء بذلك ، فيظهر شاهد اسم الخالق من نفس المخلوق ، وشاهد اسم الرزاق من وجود الرزق والمرزوق ، وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم 000 ".

إلي أن قال : " وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره ، يعرفه من عرفه ، ويجهله من جهله ، فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته ، وكلا سليم العقل والفطرة يعرف قدر الصانع وحذقه وتبريزه على غيره وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته ؛ فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي وهذه المخلوقات من بعض صنيعه ؟ !.

وإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات وحدتها بأسرها كلها دالة على النعوت والصفات وحقائق الأسماء الحسنى ، وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى بمكابرة ، ويكفى ظهور شاهد الصنع فيك خاصة ، كما قال تعالى : )وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذريات:21)

فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب جل جلاله ونعوته وأسمائه ؛ فهى كلها تشير إلي الأسماء الحسنى وحقائقها ، وتنادى عليها ونخبر بها بلسان النطق والحال ، كما قيل :

تأمل سطور الكائنات فإنها                      من الملك الأعلى إليك رسائل

وقد خط فيها لو تأملت خطها          ألا كل شيء ما خلا الله باطل

تشير بإثبات الصفات لربها                      فصامتها يهدى ومن هو قائل

فلست ترى شيئاً أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت كماله وحقائق أسمائه.

وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها ؛  فهى تدل عقلاً وحساً وفطرة ونظراً واعتباراً ، وفي هذا المعنى قال الشاعر :

تأمل في نبات الأرض وانظر             إلي آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات                       بأحداق هي الذهب السبيك

على قضب الزبرجد شاهدات        بأن الله ليس له شريك

وإذا ثبت بدلالة الصنعة على الصانع وبأدلة السمع والفطرة وجود الله ووجوب زوجوده وتفرده بكمال الصفات والأفعال ؛ وجب على العباد أن يخلصوا له العبادة ، وأن يسلموا وجوههم إليه في السراء والضراء ، وأن ويدعوه وحده رغبة ورهبة ، خفية وجهرة ، فهذا هو مقتضي الفطرة وموجب العقل السليم ، وبه جاء النقل الصحيح.

قال تعالى : ()يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ؛ فجعل سبحانه تفرده بالربوبية خلقاً للحاصرين والسابقين ، ووضعه الأرض للأنام ، وتذليله إياها ليمشوا في مناكبها وينعموا برزقه ، ورفعه السماء بغير عمد يرونها ، وإنزاله الأمطار من السماء ليحيى بها الأرض بعد موتها ، ويخرج بها من الثمرات رزقاً لعباده ، باباً إلي توحيد الإلهية و، وآية بينة على استحقاقه وحده العبادة ، وهذا هو الطريق الفطري في الحجاج ( أعنى الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية ) ؛ فإن قلب الإنسان يتعلق أولاً بمصدر خلقه ومنشأ نفعه وضره ، ثم ينتقل بعد ذلك إلي الوسائل التى تقربه إليه وترضيه عنه وتوثق صلته به.

فتوحيد الربوبية باب إلي توحيد الإلهية ، ومن أجل ذلك أجنح الله به على المشركين وقررهم به ، وأرشد إليه رسله وأمرهم أن يدعوا به أممهم.

قال تعالى : (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ)

؛ فاستدل بتفرده بالربوبية وكمال التصرف وحماتيه ما يريد أن يحميه على استحقاقه وحده العبادة ووجوب تفرده بالإلهية.

وهذا النوع من التوحيد هو المقصود الأهم من بعثة الرسل وإنزال الكتب ، وهو الذي بدأت به الرسل دعوتها ووقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم ، وهو الذي شرع من أجله الجهاد وقامت الحرب على ساقها بين الموحدين والمشركين.

وقال تعالى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النحل:1) ؛ فأخبر أن البعث آت لا محالة ، ونزه نفسه عما زعمه المشركون من الشركاء ، ثم استدل على ذلك بآياته الكونية ؛ فقال : (خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)الآيات إلي قوله (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)

فأخبر سبحانه عن البعث والتوحيد ، ثم أقام على ذلك الحجة بآياته الكونية التى لا يشاركه فيها أحد باعترافهم  ، وثم ختم البحث بنتيجته الاستدلال ، وهو التوحيد والقدرة على البعث ، وذلك قوله : (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ )(النحل: من الآية22).

وقال تعالى : (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (يونس:31)

)قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (يونس:35)

؛ فقررهم سبحانه بما لا يسعهم إنكاره ، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والبدء والإعادة ، والإرشاد والهداية ، ليقيم به عليهم الحجة في وجوب طاعته دون سواه ، وينكر عليهم حكمهم الخاطئ وشركهم الفاضح وعكوفهم على عباده من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

وكذلك ما تقدم من قوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) إلي قوله (أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل:64)

؛ فأنكر سبحانه أن يكون معه من خلق ودبر وصرف وقدر، أو من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، أو يولى ويعزل وينصر ويخذل ، أو ينقذ من الحيرة ويهدى من الضلالة ، أو من يبدأ الخلق ثم يعيده ويبسط الرزق لمكن يشاء ويقدر 00000 إلي غير ذلك مما استأثر الله به ، وهذا مما استقر في فطرهم واستيقنت به أنفسهم ، ونطقت به ألسنتهم ، وقامت به عليهم الحجة فيما دعت إليه الرسل من توحيد العبادة.

وقال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) إلي أن قال: (قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (سـبأ:27)

فأمره سبحانه أن يسلك في دعوته لقومه طريق الفطرة والعقل؛ فيستدل بتفرد الله بالآيات الكونية على توحيد الإلهية، وأن يلين لهم الجانب في غير ذلة ولا مداهنة، ويتلطف معهم  في الدعوة والاستدلال من غير كذب ولا خداع ، حتى لا تأخذهم العزة بالإثم ، وذلك بين في قوله : (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

فهذا من منهج القرآن والرسل في الدعوة حجاج واستدلال، ورفق في القول، وأمر بالعرف ، وحسن في السياسة من غير مدارة تذهب بالحق ، وفي معنى هذه الآية كثير ، كمناظر إبراهيم ونوح وموسى وإخوانهم من النبيين لأممهم عليهم الصلاة والسلام.

ومن سلك طريق القرآن في الدعوة والاستدلال، واهتدى بهدى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الحجاج وحسن السياسة؛ قوى يقينه وخصم مناظره ؛ فإن في ذلك الحجة والبرهان من جهتين :

الأولي: الخبر عن المعصوم.

والثانية: أنه موجب الفطرة ومقتضى العقل الصحيح.                


 الرسالة

الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام ركن من أركان الدين، فلا يستقيم لأحد دين ولا يقبل منه عمل إلا إذا أيقن برسالتهم وأذعن لكل ما جاؤوا به من الشرائع كل حسب طاقته وبقدر ما بلغه من ذلك أجمالاً أو تفصيلاً. قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). وفى الحديث أن جبريل سأل النبى عليهما الصلاة والسلام عن الإيمان فبينه بقوله:  " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ".

ومن زعم أنه آمن ببعض الرسل دون بعض لم يقبل منه ذلك، وكان في حكم من كفر بالجميع، وذلك لأمرين

الأول: أن من تقدم من الرسل قد بشر بمن تأخر منهم وأخذ عليه وعلى من تبعه العهد والميثاق إن أدركهم أن يؤمنوا به وينصروه وإن من تأخر منهم مصدق لما بين يديه منهم. فمن كفر بواحدٍ منهم تقدم أو تأخر فهو كافر بجميعهم.

 الثانى أن المر الذي ثبت به رسالة من آمن به منهم ومن أجله صدقه وهو " المعجزة " قد أجرى الله مثله على يد من كفر به من الأنبياء تصديقاً لهم فى دعوى الرسالة قال ﷺ‬ " ما من الأنبياء نبى إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة " فكان إيمانه بمن آمن به وكفره غيره منهم اتباع للهوى لا لدليل النبوة وإلا لأمن بالجميع، ومن كان إيمانه تبع هواه ولو تغير هواه لتغير إيمانه فليسس بمؤمن في حكم الشريعة.

قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً* أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً).

والقول في رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام، يتشعب شعباً كثيرة ويرجع إلي مباحث عدة، يرجع إلي إمكان أن يوحى الله إلي بعض من يصطفية من عباده بشريعة ليهدى بها أمته سواء السبيل. ثم إليم حاجة العالم إلي هذه القيادة الرشيدة والشريعة المستقيمة، ليكون إرسالهم على مقتضى الحكمة وموجب العدالة الإلهية. ثم إلي بيان ما يؤيدهم الله به من الآيات البينات، والمعجزات الباهرات التى تدل على صدقهم فيما ادعوه من الرسالة والبلاغ عن الله، لتقوم بذلك الحجة، وينقطع العذر، ثم إلي بيان ما يتعلق بذلك من تنوع المعجزات وحكمته. وبيان الفوارق بين المعجزات والسحر والكهانة. وبيان ما يعد الله به رسله قبل الرسالة من السيرة الحميدة والأخلاق الفاضلة، ليكون ذلك أقرب إلي أن تستجيب لهم أممهم وتتقبل عنهم ما دعوهم إليه.

وقد تكفل الله ببيان ذلك كله خبراً وعقلاً وفطرة فيما أنزل علىس رسله فعلمهم سبحانه طريق الحجة والبرهان التى يخضع لها العقل الصريح، وسلك بهم الطريقة المثلى التى لا يرتاب فيها إلا من سفه نفسه وأنكر فطرته.

وإليك تفصيل ذلك لتعلم أن الشرائع الإلهية تعتمد غي أصولها الحجة والإقناع ، وإن جاء في فروعها وتفاصيل أصولها ما قد يعجز العقل عن إدراك حكمته ، فطريق ثبوت مثل هذا الخبر عن المعصومين عليهم الصلاة والسلام.

 1_ إمكان الوحى والرسالة:

لا يبعد في نظر العقل، ولا يستحيل في تقدير الفكر ، أو يختص واهب النعم ومفيض الخير سبحانه ، بعض عباده بسعة في الفكر ورحابة في الصدر ، وحسن قيادة وكمال صبر وسلامة في الأخلاق ليعدهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة ، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم ، ويوحى إليهم بما فيه سعادة الخلق وصلاح الكون ، رحمة للعالمين وأعذاراً إلي الكافرين ، وإقامة للحجة على الناس أجمعين فإنه سبحانه بيده ملكوت كل شيء وهو الفاعل  المختار لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع وهو على كل شيء قدير ، وآية ذلك أنا نشاهد الله سبحانه خلق عاده على طرائق شتى في أفكاره ، ومذاهب متباينة في مداركهم ، فمنهم من سما عقله واتسعت مداركه وأطلع من الكون على كثير من أسراره حتى وصل بما منحه الله من ثاقب الفكر ويسر له من التجارب إلي أن اخترع للناس ما رفع إليه من أجله أولو الألباب رؤوسهم إعجاباً به ، وشهادة له بالمهارة ، وأنكره عليه صغار العقول وعدوه شعوذة وكهانة أو ضرباً من ضروب السحر. ولم يزالوا كذلك حتى استبان لهم بعد طول العهد ومر الأزمان ما كان قد خفى عليهم فأذعنوا له وأيقنوا بما كانوا به يكذبون.

ومنهم من ضعف عقله وضاقت مداركه ، فعميت عليه الحقائق واشتبه عليه الواضح منها ، فأنكر البديهات ورد الآيات البينات ، ومنهم من انتهى به انحراف مزاجه واضطراب تفكيره إلي أن أنكر ما تدركه الحواس كطوائف السوفسطائية.

وكما ثبت التفاوت بين الناس في العقول والأفكار بضرورة النظر وبديهة العقل ، ثبت التفاوت بينهم أيضاً في قوة الأبدان وضعفها ، وسعة الأرزاق وضيقها ونيل المناصب العالية والاستيلاء على زمام الأمور ، وقيادة الشعوب والحرمان من ذلك إما للعجز وإما للقصور أو التقصير وإما لحكم أخرى يعلمها بارئ الكائنات ، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ، ورما كشف الغطاء عن كثير منها لمن تدبر القرآن وعرف سيرة الأنبياء وتاريخ الأمم وما جرى عليها من أحداث.

فمن شاهد ما مضت به سنة الله في عباده ، من التفاوت بينهم في مداركهم وقواهم وإرادتهم وغير ذلك من أحوالهم ، لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع ويستيقن أن الله ينبىء  من شاء من خلقه ، ويصطفى من أراد من عباده (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً). (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) . (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

بل هذا الحوار وأمثاله مما دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا أصل الرسالة ، ولم يكونوا يستبعدون أن يصطفي الله روحاً طيبة لوحيه أو يختار نفساً طاهرة لتبلغ رسالته وهداية خلقه ، لكنهم استبعدوا أن كون ذلك الرسول من البشر ، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة ، زعماً منهم أن البشرية تنافى الرسالة ، فمهما صفت روح الإنسان وسمت نفسه ، واتسعت مداركه ، فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلاً لأن يوحى الله إليه وأحقر من أن يختاره سبحانه لتحمل أعباء رسالتهم .

وقد ذكر الله عنهم هذه الشبهة وردها بما لا يسع العاقل إلا قبوله والإذعان له ، ومن نظر في الكتب المنزلة وتصفح ما رواه علماء الأخبار مما دار بين الأنبياء وأممهم من الجدال والحجاج اتضح له ذلك.

قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ). الآيات إلي قوله )قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ).

فانظر كيف فروا من ميدان المناظرة إلي استعجال الهلاك ، وطلبوا  ذلك من نوح فبين لهم أن ذلك إلي الله لا إليه إن عليه إلا النصح والبلاغ المبين ، وإقامة الحجة والبرهان. وقال تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ* سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ) . فذكر شبهتهم ثم ردها بما آتاه من المعجزة الدالة على صدقه ، وبنصره وإهلاكهم فإن العاقبة للمتقين.

وقال  تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً ) 

وقال تعالى : (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) . إلي غير ذلك من الآيات التى دلت على أن إنكار الأمم لم يكن لأصل الرسالة ، إنما كان لبعث رسول إليهم من جنسهم.

ولو قال قائل ، إن أئمة الكفر ، وزعماء الضلالة ، كانوا يوقنون بإمكان أن يرسل الله رسولاً من البشر ، غير أنهم جحدوا ذلك بألسنتهم حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ، وتمويهاً على الطغام  من الناس ، وخداعاً لضعفاء العقول ، وتلبيساً عليهم خشية أن يستجيبوا إلي مقتضى الفطرة ، ويسارعوا إلي داعى الدين ومتابعة المرسلين – لو قال ذلك قائل التى تؤيد ذلك وتصدقه وسبق إلي لسانهم ما يرشد البصير إلي ما انطوت عليه نفوسهم من الحسد والاستكبار أن يؤتى الرسل ما أوتوا دونهم وأن ينالوا من الفضيلة وقيادة الأمم لي الإصلاح ما لم ينل هؤلاء قال تعالى : (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )

وقال تعالى (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)

وقال تعالى (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) وقال تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ).

وقال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

هذا وليس بدعاً أن يختار الله نبياً من البشر ، ويبعث إليهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، بل ذلك هو مقتضي الحكمة وموجب العقل . فإن الله سبحانه قد مضت سنته في خلقه أن يكونوا أنواعاً  مختلفة على طرائق شتى ، وطبائع متباينة ، لكل نوع غرائزه وميوله أو خواصه ومميزاته التي تقضي الأنس والتآلف بين أفراده ، وتساعد على التفاهم التعاون بين جماعاته ليستقيم الوجود ، وينتظم الكون ، فكان اختيار الرسول من الآمة أقرب إلي أخذها عنه ، وأدعى إلي فهمها منه ، وتعاونها معه لمزيد التناسب ومكان الألف بين أفراد أنوع الواحد. لو كان عمار الأرض من الملائكة لاقتضت الحكمة أن يبعث الله إليهم ملكاً رسولاً وقد أرشد الله إلي ذلك في رده على من استنكر أن يرسل إلي البشر رسولاً منهم . قال تعالى (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً)

ولكن شاء الله أن يجعل عمارة الأرض من البشر ، فاقتضت حكمته أن يرسل إليهم رسولاً من أنفسهم ، بل اقتضت حكمته ما هو أخص من ذلك ليكون أقرب إلي الوصول للغاية وتحصيل المقصود من الرسالة. فكتب على نفسه أن يرسل كل رسول بلسان قومه قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )

ولو قدر أن الله أجاب الكفار إلي ما طلبوا من إرسال ملك إليهم لجعل ذلك الملك في صورة رجل ، ليتمكنوا من أخذ التشريع عنه والإقتداء به فيما يأتى ويذر ، و يخوض معهم مادين الحجاج والجهاد. وإذ ذاك يعود الأمر سيرته الأولى ، كما لو أرسل الله رسوله من البشر ، ويقعون في لبس وحيرة جزاء وفاقاً قال تعالى (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ)

ومن نظر في آيات القرآن وعرف تاريخ الأمم تبين له أن سنة الله في عباده أن يرسل إليهم رسولاً من أنفسهم . قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) 

وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً).

وفي ذلك رد واضح على من زعم منافاة البشرية للرسالة ببيان سنة الله في رسله وحكمته في اختيارهم على نحو يكفل المصلحة وينتهي بالأمة إلى المقصود.

 2_ حاجة العالم إلى الرسالة:

الأفعال الاختيارية : منها ما تمد عقباه فيجمل فعله ، والحرص عليه ، ولو ناله في سبيل تحصيله حرج ومشقة ، وأصابه في عاجل أمره كثير من الآلام . ومنها ما تسوء مغبته ، فيجدر بالعاقل أن يتماسك دونه ، وأن يتنكب طريقه ، خشيه شره ، وطلباً للسلامة من ضره ، وإن كان فيه ما فيه من الملذات العاجلة التى تغرى الإنسان بفعله وتخدعه عما فيه سلامة نفسه.

غير أن عقله قد يقصر في كثير من شؤونه ، عن التميز بين حسن الأفعال وتقبيحها ، ونافعها وضارها ، فلا بد من معين يساعده على ما قصر عنه إدراكه ، وقدس يعجز كلياً عن العلم بما يجب عليه علمه ، لأنه ليس في محيط عقله ، ولا دائرة فكره ، مع ما في علمه من صلاحه وسعادته ، وذلك : كمعرفته الله ، واليوم الآخر والملائكة تفصيلاً ، فكان في ضرورة إلي من يهديه إلي الطريق في أصول دينه ، وقد يتردد في أمر إما لعارض هوى وشهوة ، أو لتزاحم الدواعى واختلافها ، فيحتاج إلي من ينقذه من الحيرة ، ويكشف له حجاب الضلالة بنور الهداية ، فبان بذلك حاجة الناس إلي رسول يخرجهم من الظلمات إلي النور ، ويكلمهم بمعرفة ما قصرت عنه أفهامهم ، ويوقفهم على حقيقة ما عجزوا عنه ، ويدفع عنهم الألم والحيرة ، ومضرة الشكوك.

-ضف إلي ذلك أن تفاوت العقول والمدارك ، وتباين الأفكار ، واختلاف الأغراض ، والمنازع ، ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب ، وذلك يفضي إلي سفك الدماء ، ونهب الأموال ، والاعتداء على الأعراض وانتهاك الحرمات ، وبالجملة ينتهى إلي تخريب وتدمير ، لا إلي تنظيمٍ وحسن تدبير ، ولا يرتفع ذلك إلاس برسول يأتي بفصل الخطاب ، ويقيم الحجة ، ويوضح المحجة ، فاقتضت حكمة الله أن يرسل رسله رحمة بعباده ، وإقامة للعدل بنهم ، تبصيراً لما يجب عليهم من حقوق خالقهم ، وإعانة لهم على أنفسهم ، وأعذاراً إليهم ، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله.

من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب. ، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن سعد بن عبادة قال : لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ( أي بحده لا بصفحته )فبلغ ذلك رسول الله ﷺ‬ فقال " أتعجبون من غيرة سعد ، لأنا أغير منه ، والله أغير منى ، ومن أجل غيره\ة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة ).

بهذا يتبين أن إرسال الله لرسل إلي الناس مبشرين ومنذرين هو مقتضي حكمته ، وموجب فضله وإحسانه ورحمته بعباده والله عليم حكيم.

ومما تقدم يعلم أن إرسال الله الرسل مما يدخل في عموم قدرته – تعالى – وتقتضيه حكمته ، فضلاً منه ، ورحمة ، والله عليم حكيم ، هذا هو القول الوسط ، والمذاهب الحق.

وقد أفرط المعتزلة فقالوا : إن بعثة الرسل واجبة على الله – تعالى – إبانة للحق ، وإقامة للعدل ، ورعاية للأصلح ، وهذا مبنى على ما ذهبوا إليه من القول التحسين والتقبيح العقليين ، وهو أصل فاسد.

-تطرف البراهمة فأحالوا أن يصطفى الله نبياً ، ويبعث من عباده رسولاً ، وزعموا أن إرسالهم عبث ، إما لعدم الحاجة إليهم اعتماداً على العقل في التمييز بين المفاسد والمصالح ، واكتفاء بإدراكه ما يحتاج إليه العباد ف المعاش والمعاد ، وإما لاستغناء الله عن عباده ، وعدم حاجته إلي أعمالهم ، خيراً كانت أم شراً ، إذ هو – سبحانه – لا ينتفع بطاعتهم ، ولا يتضرر لمعصيتهم ، وقد سبق بيان عدم كفاية العقل في إدراك المصالح والمفاسد وحاجة العالم إلى الرسالة تحقيقاً لمصالحهم مع غنى الله عن الخلق وأعمالهم ، فليس إرسالهم عبثاً بل هو مقتضي الحكمة العدالة.

 3_ طريقة الرسل في إثبات العبادة :

لم يدع الأنبياء أممهم إلي الإيمان بما جاءوا به من الشرائع دون بيئة أو برهان يكون شاهد صدق على إثبات أن ما دعوهم إليه وحى من الله وشرعه الذي ارتضاه لعباده ديناً ، ولم يلزموهم بذلك دون إقناع تقوم به الحجة ويسقط به العذر ، بل تحدى كل رسول أمته بما آتاه الله من الآيات البينات ، والمعجزات الباهرات التى يخضع لها العقل السليم ، وتتصاغر أمامها قوى البشر ، وطلب منهم أن يأتوا بمثل أن يأتوا بمثل ما ظهر علي يده من خوارق العادات – وأنى لهم ذلك وهو من اختصاص واهب القوى والقدر – فلما عجزوا عنه كان دليلاً واضحاً على صدقهم في دعوى الرسالة ، وأن ما جاءوا به شرع الله ودينه الحق.

فإن الله سبحانه من كمال الحكمة والعدالة وسعة الرحمة والجود وسابغ الكرم والإحسان ما يمتنع معه أن يؤيد متنبئاً كذاباً يخدع العباد ويفسد عليهم أمر دينهم ودنياهم : بل يستحيل في حكمه وعدله أن يبقي عليه أو يهمله ؛ لما في ذلك من التلبيس والتضليل وفساد الكون وتخريبه ، وهو شر محض ، والشر ليس إليه سبحانه ، ففي الحديث : " الخير كله بيديك والشر ليس إليك "

وقد بين سبحانه أنه بالمرصاد لمن افترى عليه كذباً ، أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه بشيء ، فقال تعالي (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ *فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ).

وإذا أبت حكمة الله وسعة رحمته أن يترك عباده سدى ، فلا يرسل إليهم رسولاً يأمرهم وينهاهم ، ويبين لهم معالم الهدى وشرائع الحق ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة ، فالأولى في حكمه العدل ورحمته الواسعة أن يقضي على المتنبئين كذباً وافتراء ، وأن يعاجلهم بالعقوبة والهلاك رحمة للعالمين وتمييزاً بين رسله الصادقين والمتنبئين الكاذبين.

 4-الفرق بين المعجزة والسحر:

        كل ما لم تبلغه البشر ولم يقع في دائرة قدرتهم ؛ فهو معجز ، وقد تطلق المعجزة على ما خرج من طاقة العامة من الخلق دون الخاصة ، كبعض المسائل العلمية المشكلة ، واختراع بعض الآلات والأجهزة الحديثة ونحوها مما لا يقوى عليه إلا الخواص من الناس ، كالغوص والسباحة وحمل الأثقال ، وهذا عجز نسبي يكون في مخلوق دون آخر .

والمراد من المعجزة: هذا الأمر الخارق للعادة و، الخارج عن سنن الله العامة في خلقه ، الذي يظهره الله على يد مدعى النبوة ، تصديقاً له في دعواه  ، وتأييداً له في رسالته ، مقروناً بالتحدى لأمته ومطالبتهم أن يأتوا بمثله ، فإذا عجزوا ؛ كان ذلك آية من الله على اختياره إياه وإرساله إليهم بشريعته.

أما السحر فهو في اللغة: كل وما دق ولطف وخفى سببه ، فيشمل قوة البيان ، وفصاحة اللسان ؛ لما في ذلك من لطف العبارة ودقة المسلك ، ويشمل النميمة ، لما فيها من خفاء أمر النمام وتلطفه في خداع من نم بينهما ليتم له ما يريد من الوقعية ، ويشمل العزائم والعقد التى يعقدها الساحر وينفخ فيها مستعيناً بالأرواح الخبيثة من الجن ليصل بذلك – في زعمه – إلي ما يريد من أحداث والمكاسب. 

فيتخلص ليست من عمل النبىى وكسبه ، غنما هي خلق محض من الله على خلاف سننه في الكائنات ، وقد طلب من محمد - صلى الله عليه وسلم - آية ؛ فقال بإرشاده مولاه : ()ْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ )(الأنعام: من الآية109).

وقال لمن استعجلوا ما توعدهم به بأمر  ربه : ) مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)(الأنعام: من الآية57) )قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) (الأنعام:58) .

أما السحر ، فمن عمل الساحر وكسبه ، سواء أكان تعويذات أم بياناً أم نميمة أم غير ذلك ، وله أسبابه ووسائله التى قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها وعمل بها إلي مسبباتها ؛ فليس خارقاً للعادة ، ولا مخالفاً لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها والوسائل بمقاصدها.

المعجزة تظهر على يد مدعى النبوة ؛ لتكون آية على صدقه في دعوى الرسالة التى بها هداية الناس من الضلالة وإخراجهم من الظلمات إلي النور ، والأخذ بأيديهم إلي ما ينفعهم في عقائدهم وأخلاقهم وأبدانهم وأموالهم.

والسحر خلق ذميم أو حرفة أو صناعة يموه بها الساحر على الناس ويضللهم ويخدعهم بها عن أنفسهم وما ملكت أيديهم ، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حلة ، ويفرق بها بين المرء وزوجه والصديق وصديقه ، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة في خفاء والناس عنه غافلون.

ج) سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة وعاقبته مأمونة ، فهو صريح في القول والفعل ، صادق اللهجة ، حسن العشرة ، سخى ، كريم ، عفيف عما في أيدي الناس ، يدعو إلي الحق وينافح عنه بقوة وشجاعة.

        أما الساحر ، فسيرته ذميمة ، ومغبته وخيمة ، خائن ، خداع ، سيئ العشرة ، يأخذ ولا يعطى ، يدعو إلي الباطل ، ويسعى جهده في ستره خشية أن يفتضح أمره ويكشف سره ؛ فلا يتم له ما أراد من الشر والفساد.

د) من ظهرت على يده المعجزة ويقود الأمم والشعوب إلي الوحدة والسعادة ويهديها طريق الخير ، وعلى يده يسود الأمن والسلام وتفتح البلاد ، ويكون العمران ، والساحر آفة الوحدة ونذير الفرقة والتخريب والفوضى والاضطراب.   

 5_ تنوع المعجزة مع بيان الحكمة في ذلك:

        آيات الأنبياء التى أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها وتباينت مظاهرها وأشكالها ، إلا أنها تجتمع في أن كلاً منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله منفردين أو مجتمعين ؛ فكانت بذلك شاهد صدق على الرسالة ، وحجة قاطعة تخرس الألسنة ، وينقطع عندها الخصوم ، ويجب لها التسليم والقبول .

        ويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره وبرز فيه قومه ، وعرفوا بالمهارة فيه ؛ ليكون ذلك أدعى إلي فهمها ، وأعظم في دلالتها على المطلوب ، وأمكن في الإلزام بمقتضاها.    

        ففي عهد موسى ؛ انتشر السحر ، ومهر فيه قومه ؛ حتى أثروا به على النفوس ، وسحروا أعين الناظرين ، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده ، وإن كان عال الهمة قوى العزيمة ؛ فكان ما آتاه الله نبيه موسى الله ذلك في كثير من الآيات ، قال تعالى : ()وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) (طـه:17)

)قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى)

، ولهذا بهت السحرة ، وبطل ما وجاءوا به من التمويه والتخيل ، وامتاز الحق من الباطل.

        قال تعالى في بيان ذلك في المباراة التى كانت بين موسى عليه مالسلام والسحرة : ()فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)

        وفي عهد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام برع بنو إسرائيل في الطب ، فكان مما آتاه الله أن يصور من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه ، فيكون طيراً بإذن الله ، وإبراء الأكمة والأبرص ، وإحياء الموتى بإذن والله 0000 إلي غير ذلك من الآيات التى تثبت بها رسالته ، وقامت بها الحجة على قومه.

        وفي عهد محمد - صلى الله عليه وسلم - كان العرب قد بلغوا الغاية في الفصاحة وقوة البيان ، وجرت الحكمة على ألسنتهم ؛ حتى اتخذوا ذلك ميداناً للسباق والمباراة فأنزل الله القرآن على رسوله عليه الصلاة والسلام  ، فكانت بلاغته وبيانه وما تضمنه من الحكم والأمثال جانب ما كان من تأييد إعجازه.

        قال - صلى الله عليه وسلم - " وما من الأنبياء نبى وقد أعطى من الآيات نبى إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي ؛ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".

 6_ معجزات الأنبياء لا تنحصر فيما تحدى به كل نبي قومه:

        وليست معجزات موسى وعيسي ومحمد عليهم الصلاة والسلام قاصرة على ما ذكر ، وإنما ذلك بيان لما تحدى به كل منهم قومه ، وجعله قاعدة يبنى عليها دعوته ويثبت بها شريعته ، وإلا ؛ فلهؤلاء وغيرهم من الأنبياء كثير من الآيات البينات والدلائل الواضحات التى دلت على صدقهم سوى ما تحدى به كل نبي قومه :

        منها ما يرجع إلي سيرتهم قبل الرسالة ؛ فإن الله قد أعدهم لتحمل أعباء رسالته.

        ومنها ما يرجع إلي إثبات جأشهم وقوة بأسهم في مقام الدعوة والجهاد في سبيل الله ؛ نصرة للحق ، ونشراً له بنفسه وبمن آمن معه ، كوما أقلهم عدداً وأضعفهم جاهاً  ، مع غنى خصومهم وكثرة عددهم وعددهم وقوة سلطانهم 000 إلي غير ذلك مما يدل على صدق الداعي فى دعوته وكمال يقينه بها.           

        ومنها ما يرجع إلي سلامة الشريعة التى يدعون إليها ، وحكمتهم في حمل الناس عليها ، وقوة حججهم في الدفاع عنها ، وما شوهد من آثارها في صلاح من اهتدى بها من الأمم وفي الدولة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والحرب والسلم ، وغير ذلك ومن أحوال الشعوب ، حتى إذا حرفوها وعن مواضعها وتأولوها على غير وجهها ، أو أعرضوا  عنها وتركوا العمل بها ؛ دالت دولهم وساءت حالهم ، فإن العاقبة للمتقين ، والخيبة والخسران على المفسدين.

        ومن ذلك يتبين أن الرسالة ليست شعوذة ولا كهانة ؛ فإن الرسل عرفوا بالصدق والأمانة ، والشياطين إنما تترك على من يجانسهم فى الكذب والافتراء والإفك والبهتان.

        قال تعالى : ()هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) (الشعراء:221)

)تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) (الشعراء:222)

)يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) (الشعراء:223)

، ولو لمست الشياطين السماء استراقاً للسمع أو طلباً للوحي ؛ ما وجدوا إلي ذلك سبيلاً.

        قال تعالى في شأن القرآن : ()وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) (الشعراء:210)

)وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ) (الشعراء:211)

)إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (الشعراء:212)

        وليست الرسالة ما تجود به قريحة الشعراء وتمليه عليهم مشاعرهم مما تهواه نفوسهم ؛ فإن الشعراء – إلا من عصم الله – يغلب عليهم أن يسلكوا كل فج ، ويضربوا في كل وادٍ ، ومن سلك سبيلهم كان على شاكلتهم في الغي والفساد.

        أما الرسل ؛ فقد جاءوا بالهدى ودين الحق ، ومن سلك سبيلهم كان على بصيرة فيعمله ، وبينه من أمره ، واستقامة في سيره.

        قال تعالى : ()وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) (الشعراء:224)

)أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) (الشعراء:225)

)وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ) (الشعراء:226)

)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )(الشعراء: من الآية227)

        ومن المعجزات ما يرجع إلي آيات حسية أكرم الله بها رسله ومن آمن بهم ، من تفريج كربه ، وإزالة شدة ، أو خوارق عادات طلبتها الأمة بغياً وعناداً  ؛ وكانشقاق القمر ، فأجيبت إليها دفعاً للحرج عن الرسل وزيادة في التثبيت لهم والأعذار إلي من كفر بهم ، ومنها ما يرجع إلي تعليم الصناعات وتيسير طريقتها ؛ كإسالة عين القطر ، إلانة الحديد لداود عليه السلام على خلاف السنة الكونية ، ليكون ذلك آية له وكرامة ، وليكون سعة للعباد ورحمة لهم ، وكتسخير الريح والطير والجبال والجن لسليمان عليه السلام 00000 إلي غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله.

        ومن اطلع لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -  في كثير من قصص القرآن والطريقة المثلي التى يثبت بها  رسالته ويحاج بها أمته ، وأرشده إلي كون ذلك القصص آية بينة توجب عليهم أن يستجيبوا لما دعاهم إليه من التصديق برسالته والإيمان بسائر ما جاءهم به من عند الله.

قصة يوسف عليه الصلاة والسلام

 بين سبحانه لرسوله محمد ﷺ‬ في كثير من قصص القرآن الطريقة المثلى التي يثبت بها رسالته ويحاج بها أمته . وأرشده إلى كون ذلك القصص آية بينة توجب عليهم أن يستجيبوا لما دعاهم إليه من التصديق برسالته والإيمان بسائر ما جاءهم به من عند الله .

من ذلك قصة يوسف عليه الصلاة والسلام . إن هذه القصة فيها كثير من العجائب والعبر والعظات والأحكام والأخلاق وألوان الابتلاء والامتحان والفضل والإحسان . والذي أقصد إليه من مباحثها أمرين لمزيد اتصالهما بما أنا بصدد الكلام عنه ، الأول : كيف كانت هذه القصة معجزة لرسول الله محمد ﷺ‬ . الثاني : كيف كانت هذه القصة دليلا على أن الله يعد رسله في حياتهم الأولى قبل الرسالة لتحمل أعبائها حين إرسالهم إلى أممهم .

أما الأول : فإنه تعالى ذكر قصة يوسف عليه الصلاة والسلام في القرآن مفصلة لتكون آية بل آيات على نبوة رسوله محمد  ﷺ‬ وبيان ذلك أنه كان أميا لم يقرأ شيئا من كتب الأولين ولا درس شيئا من تاريخهم ولا خط من ذلك شيئا بيمينه حتى يرتاب في أمره ويتهم بأنه تكلم بما قرأ أو درس قال تعالى :             (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)  .

بل كان من الغافلين عن قصة يوسف وأمثالها لم تخطر له ببال ولم تقرع له سمعا قبل أن يوحي الله بها إليه ويذكرها له في محكم كتابه قال تعالى في مطلع سورة يوسف : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) .

وقال بعد ذكر يوسف لرؤياه وعرضها على أبيه ووصية أبيه له :                 ( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) .

ولم تكن قصة يوسف بالأمر الذي اشتهر في العرب وتناولوه بالحديث فيما بينهم بل كانت غيبا بالنسبة إليهم ولا كان محمد مع يوسف وأخوته ولا شهد مكرهم به ولا كيدهم له فيتهم بأنه تكلم بأمر شهده أو انتشر بين قومه قال تعالى لنبيه محمد في ختام قصة يوسف عليهما الصلاة والسلام :                                    ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).            

ولا يسع أحد أن يقول إنه عرف تفاصيل القصة من اليهود . فإن السورة مكية واليهود كانوا يعيشون بالشام والمدينة وما حولها . ولم يعرف عنه أنه اتصل بهم قبل الهجرة ولا دارسهم شيئا من العلوم . ولو كان تم شيء من ذلك لانكشف أمره لطول العهد وكثرة الخصوم وحرج قومه من دعوته وسعيهم جهدهم في الكيد له والصد عنه وحرصهم على تشويه سمعته والقضاء عليه وعلى دعوته حتى رموه بالسحر والكهانة والجنون واتهموه زورا بالكذب وهو في قرارة أنفسهم الصادق الأمين . وتبادلوا الرأي فيما يوقعونه به من حبسه أو طرده من بيتهم وتشريده وانتهى أمرهم بالاتفاق على قتله فأنجاه الله من كيدهم وكتب له الهجرة إلى المدينة حيث عز الإسلام وقامت دولته . قال تعالى :                            (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) .

فقوم هذا شأنهم معه لا يخفي عليهم أمره وهو يعيش بين أظهرهم وهم له بالمرصاد . فلو وجدوا سبيلا إلى الطعن عليه باتصاله باليهود والأخذ عنهم لسارعوا إلى فضيحتة والتشنيع عليه بذلك ولم يضطروا إلى الإفتراء عليه ولا إلى التفكير في قتله أو تشريده ولا إلى نشوب الحرب بينه وبينهم سنين طويلة ولم يلجئوا إلى اتهامه تهمة تحمل ردها في طيها فقد اتهموه برجل أعجمي بمكة وادعوا أنه يعلمه فسفه الله أحلامهم وألقمهم الحجر قال تعالى :                   ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) .

وليست قصة يوسف خبرا مقتضبا عبر عنه بالجملة أو الجملتين فيقال : إن صدقة في الحديث عنها وليد الصدفة والاتفاق . بل هي قصة كثيرة العجائب متشعبة الموضوعات . وقعت بين أطراف مختلفة في أزمان متباعدة . فمن رؤيا صادقة إلى مؤامرة ثم نجاة يتبعها بيع ثم إيواء . إلى مراودة يتبعها هم ثم عصمة من الفحشاء . إلى سجن فيه دعوة إلى التوحيد مع رفق وحسن سياسة وتأويل للرؤيا أصدق تأويل ، يتبع ذلك خروجه عليه السلام من السجن بريئا من التهمة وتوليه شؤون الدولة واجتماع إخوته به مع معرفته لهم وإنكارهم إياه وما أكثر ما دار بينه وبينهم من الأحاديث وما جرى من الأحداث . إلى أن انتهى ذلك بتعريفه لهم بنفسه وعفوه عنهم وحضور أبويه إليه على خير حال إلى غير ذلك من التفاصيل التي يعرفها البصير بكتاب الله . وقد سيقت القصة مفصلة في جميع نواحيها مستوفاة في جميع فصولها في أدق عبارة وأحكم أسلوب .

أفيعقل بعد ذلك أن يقال : إن صدقهﷺ‬ فيما سرده من قضايا ووقائعها وعجائبها على هذا النهج الواضح والطريق السوي وليد الصدفة والاتفاق !!.

ختم سبحانه سورة يوسف بمثل ما بدأها به من الإرشاد إجمالا إلى القصد الذي من أجله سيقت القصة وهو أن تكون آية على نبوة محمدﷺ‬ وصدقه فيما جاء به من التشريع وأ، قصة يوسف ونحوها مما نزل به الوحي مستقى من المشكاة التي أخذ منها الأنبياء فليس حديثا مفتري ولكنه تصديق لما بين يديه من كتب المرسلين وتفصيل لما يحتاج إليه المكلفون من التشريع في معاشهم ومعادهم . وجماع الهداية والرحمة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . أفيمكن أن تكون هذه القيادة الرشيدة بهذا التشريع المستقيم من لإنسان أمي عاش في أمة أمية من عند نفسه دون وحي من الله . كلا إنها العناية الربانية والرسالة ليكون رحمة للعالمين ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .                  

وأما الثاني : فإن في تفاصيل القصة كثيرا من الأسرار والعجائب التي يعد الله بها رسله ويهيء بها رسله ويهيء بها أنبياؤه لقيادة الأمم وسياسة الشعوب من أخلاق سامية وآداب عالية وحكمة بالغة وقوة عزيمة وعقائد صحيحة وبيان ذلك من وجوه كثيرة .

أ – منها صفاء روح يوسف ونقاء سريرته وهذا واضح من الرؤيا الصادقة التي رآها في صغر سنه وأول نشأته فتحقق تأويلها بسجود أبويه وإخوته له في كبر سنه وختام حياته (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)

وقال : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ) .

ب -  ومنها ما خصه الله به من الميزات التي زادت تعلق والده به وحبه له وحملت أخوته على التآمر عليه والكيد له فأشار بعضهم بقتله ليخلو لهم وجه أبيهم وتطيب لهم الحياة مع أبيهم من بعده . ورأى آخرون إن في إبعاده عن أبيه الكفاية فلما أجمعوا أأمرهم على ذلك ورموه في غيابة الجب ، أوحى الله إليه (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) .

إيناسا له وإزاحة للغمة عن نفسه وهيأ له من أخرجه من البئر لكنهم باعوه بثمن بخس دارهم معدودة . فرعاه الله وجعله عند من يكرم مثواه ومكن له في الأرض وعلمه من تأويل الأحاديث                                                         ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .

ج – ومنها عفة فرجه ونزاهة نفسه مع توافر دواعي الشهوة وتهيء أسباب الجريمة من دوام الخلوة ومزيد الخلطة ودعوة امرأة العزيز له ومراودتها له عن نفسه وأخذها الحيطة في إغلاق الأبواب . قال تعالى :

( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) .

لقد كان يوسف عليه السلام من المخلصين لله . فاستعاذ به ولجأ إليه وفزع إلى من بيده مقاليد الأمور والقلوب يصرفها كيف يشاء وتبرأ من حوله وقوته إلى حول الله وقوته واستقبح أن يقابل جميل من أحسن مثواه بخيانته في عرضه وذكر ما يصيب الظالمين في العواقب من الخسارة والدمار ولم يأبه بالسجن والوعيد بالأذى إن لم يكن عند رغبتها ويحقق لها ما تريد .

( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

ثم قص الله على رسولهﷺ‬ خبر يوسف مع صاحبيه في السجن فقال تعالى :

( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَان ِ) .

فانظر إلى سلامة فطرته وصحة عقيدته وتناسيه البلاء وذكره لأسلافه وأجداده الطاهرين المصلحين ، إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، ليتخذ منهم قدوة له في التوحيد والدعوة إليه والحذر من الشرك وبيان فساده بالأدلة والبرهان . وأنظر إلى كرم خلقه مع صاحبيه حتى شهدا له بالمعرفة والفضل والإحسان وإلى حسن سياسته معهم في الدعوة إلى الله حيث انتهز حاجتهم إلى تأويل ما رأياه فعرفهم بنفسه وبين لهم مكانته ليقبل منه قوله وينتفع بنصحه فدعاهما إلى التوحيد وزينه وحذرهما من الشرك وفبحه وإيثاره ذلك على ما سألاه عنه دون تضييع لما تعلقت به نفوسهما من تأويل الرؤيا ولا مجابهة بالمكروه لمن دلت رؤياه على سوء عاقبته ، بل أبهم الأمر فقال : أما أحدكما فيسقى ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه . وقد حقق الله ما قال فصار كل منهما إلى ما ذكره له في تأويل رؤياه .

د – ومنها أن يوسف مع ثقته بربه وتوكله عليه ، أراد أن يأخذ بأسباب الخلاص مما أصابه من البلاء وليس في ذلك ما يعيبه أو يغض من توكله على الله فإنه قد زج به في السجن ظلما وعدوانا بشهادة خصومه . ودفع الظلم مشروع بل قد يكون واجبا ( وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) .

ولكن الله أراد أن يزيده تمحيصا وصدقا في التوكل عليه وحده وقوة في الصبر على البلاء فأنسى الشيطان ذلك الفتى أن يذكر يوسف لربه بالخير فلبث في السجن بضع سنين . ثم اختار الله له طريقا إلى الخلاص خيرا من الطريق التي رسمها لنفسه كما سيأتي بيانه .

ه – ومنها إن الله سبحانه شاء أن تكون نجاته بما آتا من العلم والحكمة وبما علمه من تأويل الأحاديث ، لا بشفاعة أحد ولحاجة الأمة راعيها ورعيتها إليه دون حاجته إليهم ، ليكون ذلك أكرم لنفسه وأعز لها ولئلا يكون لأحد عليه سوى الله منة فهيأ له السبيل لذلك ورأى ملك مصر رؤيا هاله أمرها وعجز إشراف قومه عن تعبيرها ( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ) .

ولما أنتهى أمر الرؤيا إلى يوسف أولها أصدق تأويل وبين أنها كشفت للأمة عن مستقبلها في رخائها وشدتها أربع عشرة سنة ( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) .

فأخذ ذلك التعبير من قلب الملك مأخذه ولم يسمعه إلا أن يرسل بإحضار يوسف إليه فأبى حتى ينظر في قضيته مع النسوة . فإنه قد زج به في السجن من أجلهن ( قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) .

ففعل الملك وظهرت براءة يوسف ( قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) .

ولما طلبه الملك بعد ذلك وحضر عنده                                           (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) .

ثقة منه بنفسه وعلما منه بأنه ليس في الأمة من يصلح لتدبير شؤون الدولة الاقتصادية وتصريف أمورها علةى وجه يحفظ كيانها سواه فطلب ذلك لمصلحة الأمة لا لحظ نفسه فاستجاب له الملك لعلمه وصدقه وأمانته وأتم الله ليوسف ما شاء من نعمته ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) .

وبذلك يتبين أن الله محص يوسف ورعاه بتتابع البلاء والإنجاء .

ابتلاه بكيد إخوته له ورميهم إياه في الجب ثم أنجاه . وابتلاه ببيع السيارة له ثم هيأ له من أحسن مثواه . ابتلاه بتسليط امرأة العزيز عليه وبالنسوة اللاتي قطعن أيديهن ثم عصمه وحماه وابتلاه بالسجن ثم أخرجه منه بريئا من التهمة عليما بربه وبشؤون الأمة في وقت اشتدت فيه حاجة البلاد إلى حفيظ عليم يدبر أمرها ويقودها في حياتها خير قيادة فتولى أمرها واستسلم له أهلها . وفي قصة يوسف سوى ما ذكر شيء كثير يدل على أن الله سبحانه تعهد يوسف برعايته وتولاه في أطوار حياته ليتخذه رسولا يضطلع بأعباء الرسالة . وليجعل من سيرته الحميدة آيات بينات على صدقه فيما جاء به وأمانته في البلاغ عن رب العالمين .

كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد تتابع المعجزات على ثبوتها واضحة ظاهرة لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ،ولكن المشركين تعنتوا معه حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تين لهم الحق، وأنفة واستكبارا أن يتبعوا رجلا منهم فطلبوا منه أن بأتيهم بآية، فهدى الله رسوله الى أن فيما أوحى اليه من القرآن آيات بينات على نبوته، وبعد ذلك نبأ موسى وفرعون.

فقد أوضح له فى قصصهما:

أولاً :وجه دلالته على رسالته.

ثانياُ:سنته الحكمية فى أعداد الأنبياء لتحمل أعباء الرسالة.

أما الأول: ذكر الله سبحانه وتعالى في أول سورة القصص بيانا عن نشأة موسى عليه الصلاة والسلام وحاله قبل الرسالة وأتبع ذلك بيانا عن رسالته إلى أن أنجاه ومن آمن معه وأهلك أعداءه ، ليكون ذلك القصص في جملته آية على نبوة محمدﷺ‬        وصدقه فيما أنزل عليه من الوحي ودعا إليه أمته كما يرشدنا إلى ذلك بقوله تعالى في مطلع السورة : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .

وقوله تعالى : عند إنتهاء ما أراد ذكره من القصة : ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )

أما ما ذكر في هذه السورة من تفاصيل القصة فآيات بينات تدل على كمال رعاية الله لموسى عليه الصلاة والسلام ، في جميع شؤونه : في رضاعته وكفالته وعلمه وحكمته وإعداده بالقوة والأخلاق الفاضلة من نصرة المظلوم وإعانة الضعيف وعزة النفس وصدق التوكل على الله والأمانة وحسن المعاملة ، ليكون رسولا ينقذ به – سبحانه – الشعوب من الاستعباد ويخلصها من الطغيان والاستبداد ويهدي به القلوب وينير به البصائر وإليك شيئا من تفصيلها ترى منه ما ذكرت :

1- قدم الله بين يدي هذه القصة جملة من الآيات بين فيها سنته العادلة وحكمته البالغة في القضاء على من علا في الأرض وأفسد فيها . ومنة على المستضعفين والتمكين لهم وإدالتهم من عدوهم ، فضلا منه ورحمة والله عليم حكيم .      (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) .

ثم فصل ذلك فيما ذكره بعد من القصة .

2 – ولد موسى بن عمران عليه السلام في مصر وكان ملكها إذ ذلك جبارا جائرا يقتل ذكران بني إسرائيل ويستحي نساءهم فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في اليم إذا خافت عليه من فرعون وجنوده ووعدها وعدا صادقا أن يرده إليها ففعلت وأنجاه الله والتقطه آل فرعون وتداولوا الرأي فيه .

وعند ذلك مر موسى بطور آخر من أطوار الخطر ثم كتب الله أن ينتهي بهم التفكير في أمره إلى أن يتخذه الفرعون ولدا وأن ينشأ في بيت ملك يتربى فيه على العزة وشدة البأس وقوة العزم والأخذ بالحزم ولا يصاب بما أصيب به قومه من العذاب والذل والهوان .

وبذلك يصلح لحمل أعباء الرسالة . ومواجهة فرعون في جبروته وطغيانه         

ثم أولاه الله نعمة أخرى فكتب عليه ألا يرضع إلا من أمه حتى اضطر فرعون ومن معه إلى أن يردوه إلى أمه وهم لا يشعرون وبهذا التدبير الحكيم واللطف الخفي أنجز الله لأم موسى وعده . فرجع إليها ولدها لتكفله ويتمتع بعطفها وينعم بحنانها وتقر به عيناها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق .

3- هذه الحلقة من حياة موسى كلها عبر وآيات : منها :

إن الله سبحانه وتعالى جعل نجاته مما أصاب غيره من أبناء قومه فيما يراه الناس دمارا وإلقاء بالنفس إلى التهلكة .

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) .

ومنها : أنه سبحانه وتعالى كتب لموسى الحياة السعيدة في بيت من يخشى عليه منه ، فعاش بين أظهرهم عيشة الملوك .

(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) .

ومنها : أن الله حرم عليه تحريما كونيا أن يرضع من امراة سوى امه فكان ذلك فيما يرى الناس ، بلاء اصابه وهو في الأمر نفسه كمال اللطف من الله والرحمة بموسى ليرجعه إلى أمه وهم لا يشعرون فاجتمع له إلى السلامة والنجاة عطف الأمهات وعز الملوك .

()وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (القصص:13)

ومنها : حفظ الله سبحانه وتعالى على موسى صفاء روحه وسلامة فطرته فمع أنه عاش في بيت ملك واوساط ظلم وطغيان فإنه لم يتأثر بما تأثر به من قضى ايامه الأولفى من حياته في بيئة إستشرى فيها الفساد وطبعت بطابع الجبروت والاستبداد ولم يصب بما يصاب به أبناء الملوك ومن يتقلب في النعمة ورغد العيش حين تهمل تربيته من جهل ومن استهتار أو رخاوة وخلاعة ومجون بل صانه الله من كل ما يشينه وآتاه العلم النافع والحكمة البالغة وسداد الرأي كما حفظ عليه نعمته من قبل في بدنه .

()وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:22)

4- جبل الله نبيه موسى على الحزم والأخذ بقوة في نصرة المظلوم والضرب على يد الظالم وذلك يتجلى في الخصومة التي كانت بين إسرائيلي وفرعوني فإن موسى لم يلبث أن أغاث من اشتغاث به فوكز القبطي فقضى عليه اقامة للعدل وانصافا للمظلوم كما طبعه على الرفق بالضعيف والعطف عليه ومد يد العون إليه ويتجلى ذلك منه في قوله تعالى :

()وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) .

فجمع له بين شدة البطش على الظالمين وكمال الرفق .

5- كان من آثار عناية الله بموسى ورعايته له أنه قوى فيه الوعي الديني واستحكمت الصلة بينه وبين ربه . فأحب ما يحبه الله من العدل والإنصاف وكره ما يبغضه الله من الظلم والعدوان لذلك فزع إلى ربه واعترف بظلمه لنفسه حينما قضى القبطي نحبه من وكزته واسرع إلى الاستغفار لله تعالى من ذنبه .

()قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * لَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) .

وفاض قلبه ايمانا بالله فعظمت ثقته وتوكله عليه لذلك قصد إليه وحده في غربته وحيرته رجاء أن يهديه سواء السبيل .

()وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص:22)

ولما استبدت به الحاجة واخذ منه الرجوع مأخذه توجه إلى ربه فسأله من فضله فأبت عليه عزة نفسه إن يشكو حاجته لغيره او يعرض لمن سقى لهما بطلب الأجر 

()فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص:24)

وقد استجاب الله دعاءه . وهيأ له بيئة صالحة يحيا فيها حياة طيبة فقد عرض عليه شعيب لما عرفه عنه من القوة والامانة إن يزوجه احدى ابنتيه على إن يرعى له الغنم ثماني حجج وان اتم عشر سنوات كان ذلك مكرمة منه فالتزم موسى بذلك ولم يمنعه ما كان فيه اولا من رغد العيش وحياة الملوك إن يكون اجيرا يأكل ويتزوج من كسب يده وأشهد ربه على ذلك :

()قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (القصص:28)

وقد ثبت أنه أتم أبعد الأجلين .

فهذه سلسلة من حياة موسى عليه السلام قبل الرسالة تضمنت شيئا من مما حباه الله به من العلم والحكمة والمروءة والنجدة ونصرة المظلوم والأخهذ على يد الظالم والعطف على الضعيف وقوة الإيمان بالله والصدق في الاتجاء إليه والتوكل عليه والتواضع مع عزة النفس وغير ذلك من مكارم الاخلاق التي يعد بها الله من اختاره للرسالة وقيادة الأمم .

6- سئل من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون فأرسله معه ليكون عونا له في الحجاج وخاف إن يبطش بهما فرعون وجنوده وان يقتلوا موسى بالقبطي الذي سبق إن قتله فقال الله له :

()قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طـه:46)

وجعلف لهما سلطانا من الآيات تقوم به الحجة وتنخلع به قلوب الجبارين وتمتليء بالوهن والضعف وبذلك يثبت موسى في ميدان الدعوة إلى الله فبات واثقا بربه مؤمنا بما يدعو إليه من الهدى والنور وتجلى في حجاجة صولة الحق واحس في نفسه بالعزة والقوة وبذلك ذل جبروت فرعون وتلاشى عند تألهه وتعاليه ولم يعد يملك لموسى من الكيد الا إن يرعد ويبرق ويموه ويخدع .

()وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26)

ولم يكن ليأخذ على يديه احد ولا هناك من الاسباب الداعية ما يمنعه من إن يبطش بموسى فإن الدولة دولته والجنود دجنوده لكنها عهناية الله برسوله وما آتاه وسلطان قد بهر فرعون وقطع نياط قلبه ولم يملك – ايضا – ملأ فرعون سوى إن يسيروا حفيظته ويغروه بموسى ومن آمن به :

()وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (لأعراف:127)

افلا يرى العاقل إن موسى وهو وحيد غريب وقومه مستعبدون لم يقف هذا الموقف من فرعون وملئه . والدولة دولتهم الا وهو مؤيد من ربه صادق في دعوته وإن هذا لهو الحق المبين .

7- جرت سنة الله العادلة إن يفتح بالحق بين رسله ومن آمن بهم من الامم ومن سار سيرهم ويجعلهم خلفاء الارض ويهلك من كذب بهم وانحرف6 عن طريقهم ليكون ذلك من آيات الله التي يفصل بها بين الصادق والكاذب والحق والباطل والشريعة والقوانين الجائرة .

()إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51)

()وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (القصص:37)

()قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  * ُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (لأعراف:129)

وهذا هو ما انتهى به امر موسى وقومه مع فرعون ومثله .

()فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) .

()فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ *أ َزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * َنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * َّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) .

فانظر كيف اتحدت وسيلة النجاة للأولياء والهلاك للأعداء إنها آية الله الباهرة لقد اهلك فرعون وجنده بما جعله طريقا لنجاة موسى وقومه هذا إلى جانب انفلاق البحر وتماسك مائة وخروجه عن طريق السيلان بضربة عصا .

وفي قصص موسى من الآيات سوى ذلك ما يبهر العقول ويأخذ بمجامع القلوب ولا يدع مجالا للريب وقولا لقائل الا من سفه نفسه وسعى في هلاكها والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

  كتبه

 عبد الرزاق عفيفي


 طريقة المثلى للدعوة إلي الله :

 الحلقة الأولى:-

        يختلف حال الداعية في استدلاله باختلاف حال من يسأله عن قضية أو يحاجه فيها ؛ فقد يكون مقراً بأصول تلط القضية ، معترفاً بما يوجب عليه التزامها والعمل بها ، فلا يشغل المستدل نفسه بإثبات تلك الأصول وإقامة الحجة عليها ، بل يوجه عنايته إلي بيانك اقتضاء هذه الأصول إثبات دعواه فيما خالفه فيه خصمه ليحمله على موافقته فيها واعتقاده إياها والعمل بها ، ومن ذلك استدلال الرسل عليهم الصلاة والسلام بما أقر به المشركون من توحيد الربوبية على إثبات ما أنكروه من توحيد الإلهية ، وقد أرشد الله جل شأنه إلي هذا في كثير من آيات القرآن ، وهى أدلة عقلية نقلية في وقت واحد ، ومن ذلك أيضاً احتجاج المسلم على المسلم وبقوله تعالى : ()إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)

؛ على حفظ القرآن ، وصيانة نصوصه وألفاظه من التحريف والتبديل ، وبقائه بلفظهم كما نزل ليكون حجة على عباده إلي أن تقوم الساعة ، وهذا دليل نقلى تقوم به الحجة على من آمن ببقاء ما بين دفتى المصحف إلي وقت الخصومة ، لكنه خالف في استمرار حفظه في المستقبل.

        وقد يكون السائل شاكياً في أصول ما سأل عنه ، طالباً على تلك الأصول أو منكراً لها ، حتى إذا ما ثبتت بالحجة ، ثبت تبعاً لها ما سأل عنه أو نكره ، فيضطر المستدل إلي إثبات هذه الأصول بالأدلة العقلية ، كالذي حاج إبراهيم عليه السلام في ربه ؛ فإن إبراهيم عليه السلام  استدل على إثبات الربوبية لله بأنه هو الذي يحيى ويميت ، فسلك الكافر في جداله طريق التمويه وادعى لنفسه أنه يحيي ويميت ، وقصد معنى سوى الذي قصد إليه إبراهيم عليه السلام في استدلاله ، فأتاه إبراهيم عليه السلام بآية أخرى من آيات الربوبية على سبيل المثال ، لا يجد الكافر سبيلاً إلي التمويه والمغالطة فيها ، فقال :

() فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(البقرة: من الآية258)

        وكفرعون ، فإنه قال لقومه : () أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)(النازعـات: من الآية24)

وقال : ()ي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)(القصص: من الآية38)

        وذكر الله في آيات من سورة الشعراء محاجة فرعون لموسى عليه السلام في ربه  ، وإنكاره عليه أن يتخذ رباً سواه ، وإقامة موسى الحجة عليه ؛ فقال تعالى : ()قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:23)

)قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) (الشعراء:24)

)قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ) (الشعراء:25)

)قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) (الشعراء:26)

)قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (الشعراء:27)

)قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (الشعراء:28)

)قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء:29)

؛ فهذا استدلال عقلى استدل فيه بالأثر على المؤثر ، وبالآيات الكونية على بارئها ، ولا شك أن ذلك مما يدل على اختصاصه تعالى بالربوبية ، ويلزم من ذلك اختصاصه تعالى بالألوهية.

        وكذلك منكروا النبوة يستدل عليهم بالمعجزات وخوارق العادات لإثبات النبوة كما هي سنة الله في رسله عليهم الصلاة والسلام ، فإنه يؤيدهم بالمعجزات  التى تدل على صدقهم في دعوى الرسالة وتقوم بها الحجة على أممهم.

        وليس بمجدٍ في مثل ذلك الاستدلال بالنقول الخبرية المحضة ؛ كقوله تعالى : ()قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الاخلاص:1) في إثبات التوحيد ، وقوله : ()وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (سـبأ:28)

في إثبات الرسالة ، ولا يكفى في محاجة من ينكر بقاء القرآن محفوظاً منذ نزل إلي زمن المحاجة الاستدلال بقوله تعالى : ()إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ؛ بل الإثبات بذلك مستحيل لما يترتب عليه من الدور السبقي أو التسلسل الممنوع.

        والذي يتعين الاستدلال به في مثل ذلك الدليل العقلي المحض أو النقلي المتضمن للدليل العقلي ؛ كالآيات التى استدل بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام على من حاجة في ربه ، والآيات التى استدل بها موسى على فرعون ، وكثير من الآيات القرآنية التى استدل بها على البعث موسى وعلي فرعون ، وكثير من الآيات القرآنية التى استدل بها على البعث والنشور يوم القيامة ؛ بل يستدل على إثبات بقاء القرآن محفوظاً إلي يومنا بنقله نقلاً متواتراً وبكونه معجزة خالدة وإلي يوم القيامة ، وإليك وبيان ذلك :

أما بيان كونه ضبط من حين نزوله وتتابعه نقلاً متواتراً يفيد القطع واليقين و، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان له كتاب يكتبون له الوحى وغيره ، وكان إذا نزلت عليه سورة أو آيات أو آية أو بعض آية أملى ذلك على كاتب منهم ، فكتبه على ما تيسر له من العسب والحجارة الرقيقة والعظام ونحوها ، واستمر ذلك حتى أكمل الله دينه وأتم على الأمة الإسلامية نعمته ، ومع ذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ما نزل عليه من قراءة تثبت وتفهم ودراسة في الصلاة وغيرها ، وكان ينزل عليه جبريل عليهما الصلاة والسلام فيدارسه القرآن في شهر رمضان ، واستمر ذلك حتى توفاه الله ، هذا مع عصمته في البلاغ والتشريع.

وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤون وما نزل من القرآن ويتدارسونه فيما بينهم ؛ فلا يكادون ينتهون مما تعهدوه بالتلاوة والدراسة من السور أو الآيات إلا وقد حفظوه وفهموه وعملوا به ، فجمعوا بذلك بين الحفظ والعلم والعمل ، يعرف ذلك من قرأ في دواوين السنة والسيرة وعلم ما فيهما من الأحاديث والآثار ، وكان مدى إلمام بحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحياة أصحابه رضي الله عنهم ، وعرف مدى وعنايتهم بحفظ الدين عامة وحفظ القرآن خاصة.

        وقد اشتهر بحفظ القرآن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، منهم : أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ،وعثمان بن عفان ، وعلى بن أبي طالب ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، وأبو زيد الأنصاري ؛ رضي الله عنهم.

        ولما كان يوم اليمامة وكثر  القتل فيمن كان في جيش المسلمين من القراء لزيادة حرصهم على القتال وحث بعضهم بعضاً عليه بكلمة : " يا أهل القرآن !"  إثارةً لشعورهم وغيرتهم  على الإسلام حتى يتسابقوا  إلي القتال نصرة لدين الله ، لما كان ذلك ، اتفق الصحابة رضي الله عنهم على جمع القرآن مما كتب فيه ومن صدور الحفاظ الثقاب ؛ فتم ذلك على أكمل وجه وأحكمه ، وكانت الصحف التى جمع فيها عند أبي بكر ( خليفة رسول الله ) إلي أن توفى ، ثم عند عمر أيام خلافته إلي أن توفى ؛ رضي الله عنهما ، ثم كانت عند بنته حفصة.

        وقد علم أن القرآن نزل على سبعة أحرف ( أي : لغات ) ، وكان كل جماعة يقرؤون بحرف منها ، فلما تولى عثمان رضي الله عنه الخلافة أشير عليه أن يجمع القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة ، فأمر رضي الله عنه بذلك ، و تمت كتابة القرآن على حرف واحد بأيدي القراء الثقاب ، وقويل بالصحف التى كانت عند حفصة رضي الله عنها وثبت اتفاقهما ، نسخ منه مصاحف أرسلها إلي عواصم الإمارات الإسلامية بعد أن قرأه على الصحابة بين يديه ، فأقروها رضي الله عنهم ، واحتفظ بالأصل عنده بالمدينة المنورة ، وصار المعتبر عند الصحابة رضي الله عنهم هذه المصاحف ، وثبت ثبوتاً يوجب اليقين ويفيد القطع بأن ما جمع هو ما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واستمر العمل إلي يومنا هذا تنقلها كل طبقة من الأمة عمن قبلها كتابة وحفظاً.

        وقد بلغ عدد من كتبه وحفظه في كل طبقة حداً فوق التواتر الذي لا يبقي معه موضع لريبة ، ولا يدع مجالاً لشك في أن ما وصلنا هو ما جمعه أبو بكر الصديق أولاً ، ثم عثمان ثانياً ؛ رضي الله عنهما.

وهذا في إفادة اليقين كالأخبار الكثيرة عن المدن المشهورة في إفادة اليقين بوجودها ، ولو لم يكن إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن ما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وفي المصحف في خلافة عثمان رضي الله عنهما  هو القرآن المنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - مفيداً لليقين ؛ لما كان هناك ما يفيد اليقين سوى المحسات ، ولو لم تكن الأخبار عن حفظ القرآن في صدور قراء المسلمين ، وعن كتابتهم إياه مع الإحكام والدقة في الضبط فهماً في جميع الطبقات مفيدة لليقين ، لما كان هناك أخبار تفيد اليقين ، أراد أن يجمع القرآن من أفواه القراء وحفاظ القرآن دون الرجوع إلي ما كتب مخطوطاً أو مطبوعاً أو مسجلاً في أشرطة ؛ لوسعه ذلك  بيسر وسهولة ؛ فكيف أصوله وفروعه شأواً بعيداً وغاية قصوى في النهوض به في شتى جوانبه وجميع نواحيه ؟ ‍0.

إن الواقع لأعظم بينة وأقوى شهيد على بقاء القرآن محفوظةً نصوصه من يوم نزل إلي وقتنا.

وإما إثبات بقائه محفوظاً بكونه

 معجزة خالدة إلي يوم القيامة ؛ فإن ما كان به معجزة ودليلاً على نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن تزوله عليه لا يزال قائماً ؛ فهو لا يزال يتحدى العالم أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته وقوة أسلوبه وفي أحكام تشريعه وصلاحيته للنهوض بالأمم مع تفاوت طبقاتها واختلاف أحوالها في كل زمان ومكان ، وفي قصصه الصادق  عن الأمم السابقة وأخباره عن سائر الغيبيات السابقة واللاحقة ، ولم يأت أحد بمثله حتى وقتنا الحاضر مع بعد العهد بنزوله ، ومضي أكثر من ثلاثة عشر وكيدهم لهم ودأبهم فى العمل للقضاء على هذا الدين ، ومع تقدم الناس في العلوم الكونية والثقافات المتنوعة ، ويأبي الله إلا أن يحفظ دينه ويعلى كلمته ويكتب للقرآن والسنة الصحيحة البقاء ؛ لتقوم بذلك الحجة على الناس.

 الحلقة الثانية:

عنى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلي افسلام ، ووجه جل همه واعظم عنايته إلي إيضاح التوحيد وبيانه وإقامة الحجة عليه ، فبدأ به وكرر الدعوة مع اختلاف لهجته في ذلك ليناً وشدة ، وذكر أنواعاً من الأدلة على التوحيد ، وسلك طرقاً شتى في الاستدلال بها عليه ، إتماماً لإقامة الحجة ، وزيادة في الأعذار إلي الأمة ، وأملأ في أن يجد كل نوع منها ، أو وجه من وجوه الاستدلال بها منفذاً إلي القلوب ، فإن الناس مختلفون في مداركهم للحق وعناداً وصدوداً عنه ، فما يجدى من الأدلة وطرق الاستدلال بها مع طائفة قد لا تؤثر على طائفة أخرى.

وفيما يلي بيان ذلك :

أنكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام علىأبيه آزر أن يتخذ أصناماً آلهة ، ولم يقرن ذلك فيما ذكر الله عنه في سورة الأنعام بما يخفف من وطأة الإنكار على نحو ما ذكر الله سبحانه عنه في سورة مريم ، حيث مهد فيها قبل الإنكار بندائه بقلب الأبوة ، ولما أشرك قومه مع أبيه في الحكم كان أشد لهجة وإنكاراً، قال تعالى (َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ *. فحكم عليهم بالجهل البين ، وعمى البصائر ذلك ليثير عواطفهم ، ويدفع بهم إلي التفكير فيمن يستحق أن يعبدوه مخلصين له الدين ولا يشركوا به شيئاً ، أهو من بيده ملكوت كل شيء وهو ولى نعمتهم ، أم الهياكل الأرضية والسماوية وهى لا تملك  لنفسها ضراً ولا نفعاً ، ولا تغنى عنهم من الله شيئاً ثم عسى أن تجد هذه الإثارة من أبيه وقومه قلوباً واعية تحفظ عنه ما يقول ، وعقولاً رشيدة تفقه ما سمعت من البلاغ وإحساساً مرهفاً فتتأثر بذلك وتستجيب إلي دعوة الحق ( نَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) .

بصر الله عز وجل خليله إبراهيم عليه السلام بالدلائل الكونية الدالة على وحدانيته سبحانه في ربوبيته وألوهيته ، فأراه آياته في ملكوت السماوات والأرض ، ليتعلم حقيقة التوحيد ، أو ليزداد علماً به ويقيناً إلي يقينه ، وأرشده إلي وجد الاستدلال بها ، وكيف يسلك طريقها في البلاغ أو البيان ومناظرة الخصوم ، ليفصل بذلك بين الحق والباطل ، ويلزمهم الحجة والبرهان .

قال الله تعالى (َكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ *فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ *فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

كان قوم  إبراهيم الخليل صابئة يعبدون الكواكب السيارة ، ويقيمون لها الهياكل في الأرض من الأحجار ونحوها ، وكانوا يعظمونها ويتقربون إليها بالذبائح وغيرها ، وكانوا يستغيثون بها ويضرعون إليها ، فناظرهم عليه السلام في ذلك ، ولم يشأ أنى يسلك في هذه المناظرة طريق الاستدلال الإيجابي المباشر على أن الله لا رب غيره ولا إله سواه ، بل دعوى قومه وعقيدتهم الشركية موضوع وبحثه ونقاشه معهم ، وفرضها فرض المستدل لما لا يعتقده ثم يكر عليه بالنقض والإبطال ، ويكشف عن وجه الحق.

فحينما أظلم الليل ورأي إبراهيم عليه الصلاة والسلام النجم قال : هذا ربي ، فرضاً وتقديراً ، أو أهذا ربي ، فلما غاب عن أعين الناس علم أنه مسخر ليس أمره إليه ، بل إلي مدبر حكيم يصرفه كيف يشاء أما الرب فأمره إلي نفسه ، بل أمر غيره إليه ، وهو دائم لا يحول ولا يزول ، بيده مقاليد الأمور ، وهو على كل شيء قدير.

ثم انتقل بهم في البحث إلي كوكب آخر هو في نظرهم أشد ضوء ، وفي مرآي أعينهم أكبر حجماً ، وهو القمر. فلما رآه طالعاً قال : هذا ربي فرضاً منه لذلك وتقديراً ، أو أهذا ربي ؟ فلما ذهب عن أعين الناظرين تبين أنه ليس بالرب الذي يجب أن تألهه القلوب ، ويضرع إليه العباد في السراء والضراء يرجون رحمته ويخافون عذابه. ويستهدونه فيهديهم إلي سواء السبيل ، ولذا قال : (فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ).

ثم انتقل بهم إلي معبود آخر لهم أكبر جرماً من النجم ومن القمر ، وأعظم ضياء منهما وهو الشمس ، فلما رأي الشمس بازغة قال : (فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). فاستدل بما يعرض لها من غيرها على أنها مأمورة بأمر ربها وأنها مدبرة مسخرة بتسخير خالقها.

فإذا كانت هذه الكواكب الثلاثة أرفع من الكواكب السيارة شأناً ، وأعلى قدراً ، وأعم نفعاً عندهم. وقد قضت لوازمها بانتفاء سمات الربوبية والألوهية عنها ، وأحالت أن تستوجب لنفسها حقاً لها في العبادة والتقرب إليها فما عداها من سائر الكواكب أبعد من أن يكون له حظ ما في الربوبية أو الإلهية ، وأحرى بنفى ذلك عنه ، واستحالته عليه. ولذا أعلن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في ختام المناظرة براءته مما يزعمون من الشركاء وأسلم وجهه لله وحده الذي فطر السماوات والأرض ، وأبدع خلقها دون شريك أو ظهير يعينه في ذلك ، وضمن إعلان النتيجة الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية ، وهذا هو معنى لا الله ، فإن ما فيه البراءة من الشركاء نظير نفى الإلهية الحقه عن الشركاء في كلمة التوحيد ، وما فيه من إسلام وجهه لله نظير الاستثناء في كلمة التوحيد ، لدلالته على إثبات الإلهية الحقة لله ، ومثله قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ).

وهذا الضرب من الاستدلال قد سلك سبيله في المناظرة كثير في العلماء قديماً وحديثاً ، وقد جاء في الكتاب والسنة كثيراً لكن على منهج العرب في حديثهم وطريقتهم في المناظرة والحجاج ، فإن رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد بدأت في العرب ، وبلغتهم نزل القرآن لا على طريق الصناعة المنطقية ، حيث يقولون في مثل هذا الموضع إجمالاً : لو كانت هذه الكواكب أرباباً أو آلهة ما حالت ولا زالت ، لكنها تحول وتزول ، فليست أرباباً ، فإن الله حى دائم لا يحول ولا يزول.

للداعية إلي الإسلام أن يسلك هذه الطريقة ،طريقة إبراهيم عليه السلام حسبما تقتضية الحال ، فيتنزل مع مناظره من دعاة الباطل ، ويفرض دعواه واقعة ويرتب عليها لوازمها الباطلة وآثرها الفاسدة ، ثم يكر عليها بالنقض والإبطال ، وقد توجب عليه الأحوال والظروف سلوكها والدعوة بها أحياناً ، فإن الدعوة إلي الحث كما تكون بتزيينه وذكر محاسنه للترغيب فيه ، واستمالة النفوس إليه تكون بتشويه الباطل وذكر مساويه ومخازيه ، تنفيراً منه ليهرب المبطلون عنه. وتتفتح قلوبهم للحق ، فلتزموه.

هذا وقد ذهب جماعة من المفسرين وغيرهم إلي ما تقدم من أن حديث إبراهيم في شأن الكواكب مع قومه كان على سبيل المناظره والحوار مع المشركين ، ليقيم عليهم الحجة لا ليكسب هدى بعد حيرة ، ولا ليستفيد علماً بعد شك ، واختار ذلك ابن كثير في تفسيره ، قال : والحق أن إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبيناً لهم بطلان  ما كانوا عليه من عباده الهياكل ، وهى الكواكب السبعة المتحيزة 00 ثم قال : وكيف يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام ، وهو الذي قال الله في حقه : (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ).

وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

وقال تعالى : (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

ثم استدل بنصوص خلق الناس على الفطرة السليمة : كقوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ). وحديث " كل مولود يولد على الفطرة " .. والحديث القدسى " إنى خلقت عبادى حنفاء " ثم قال : فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة ، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين ناظراً في هذا المقام ، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة ، والسجية المستقيمة بعد رسول الله (ﷺ‬) بلا شك ولا ريب ، ومما يؤكد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً لقوله تعالى ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ)  .. مع تصرف .

ويؤيده أيضاً ما ذكر في مطلع هذه الآيات من دعوة إبراهيم لأبيه وقومه إلي التوحيد ، وإنكاره ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الأصنام التى جعلت تماثيل وهياكل رمزية للكواكب ، قال تعالي (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ). فبدأ الآيات التوحيد والبراءة من الشرك وختمها بذلك ، فدل على أنه كان مؤمناً بذلك مؤقتاً به أولاً وآخراً على السواء ويؤيده أيضاً قوله تعالى  في ختام المحاجة : (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).

وروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أن مقام إبراهيم في هذه الآيات مقام نظر لا مقام مناظرة واختاره واستدل عليه بقوله : ( لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)(الأنعام: من الآية77)

وذكر محمد بن إسحاق ما يفيد أن ذلك حين خرج إبراهيم من السرب الذي ولدته فيه أمه لما خافت عليه من نمرود بن كنعان . أ .هـ باختصار .

وبيان ذلك أن إبراهيم كان قبل الرسالة في حيرة في تعيين من يعبده وإن كان يعتقد بفطرته السليمة أن للعباد ربا له قدره وعظمته وجلاله وحكمته في تدبيره وتصريفه لشئون خلقه فنظر في السنن الكونية نظرة اعتبار واستدلال لنفسه نظر في النجم ثم الشمس ليخرج نفسه من القلق والحيرة إلى العلم والهدى والرشاد فلم يجد فيها سمات الربوبية  ولا الصفات التي تستحق بها ان تؤله وتعبد وانتهى به نظره واستدلاله لنفسه إلى ما أعلنه أخيراً من البراءة من الشرك والشركاء والتوجه لله رب العالمين وحده ثم كان مقام دعوته لأبيه وقومه إلى التوحيد ومناظرته لهم فيما كانوا عليه من الشرك بعد الرسالة .

وعلى هذا يستطيع الداعية إلى الإسلام أن يجد لنفسه أيضاً قدوة حسنة وأسوة رشيدة في سيرة إبراهيم عليه السلام وفي خبر الله عن منهجه في هذه الآيات فيبدأ بالنظر في الآيات الكونية والدلائل الشرعية ليعلم الحق في نفسه أولاً ثم يتبع ذلك الدعوة إليه ليكون في دعوته على بينة وبصيرة فعلى كلا المعنيين لهذه الآيات يجد الداعية إلى الحق في خليل الرحمن مثالاً حسناً يحتذيه وميزاناً عادلاً يزن به عقيدته وعمله ودعوته ويقتفي أثره فيه .

إن دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه وقومه إلى التوحيد مع سلامتها وقوة استدلاله عليها ، وحسن سياسته وحكمته واستقامة منهجه فيها لم تجد لديهم قبولاً لأن قلوبهم في غلاف من العناد والصدود واللجاج فلم تتفتح لدعوة الحق ولم تشأ أن تتقبلها ولأن عواطفهم متبلدة بل ممسوخة قد انحرف بها الهوى وتقليد الآباء وتحكم العادات السيئة عن الجادة والاعتدال فلم تتأثر بالحق ولم تجد لنفسها فيه لذة ولا راحة بل ذهبوا يجادلونه في الحق بعدما تبين ويهددونه ويخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء فلا يحمد العاقبة فما كان من إبراهيم عليه السلام إلا أن ثبت على الحق واطمأنت به نفسه وازداد إيماناً به فأنكر عليهم جدالهم إياه بالباطل وتخويفه من خطر آلهتهم مع أنها لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً ولا تدفع عنها بأساً وهو يركن إلى الركن الركين ويتوكل على رب العالمين قد أخلص له قلبه وأسلم له وجهه وقام بما أمره به من الدعوة للحنيفية السمحة فهو أحق بالأمن والسلام ممن هددوه وخوفوه لكن على تقدير أن يصيبه مكروه فهو من الله سبحانه ابتلاء وامتحاناً اقتضته حكمته وعدله قال الله تعالى : (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُون )وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون )الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) 

فعليكم معشر الدعاة أن تثبتوا على الحق في ميدان الدعوة وأن تصبروا على الأذى وألا تنخلع قلوبكم لكيد الكائدين وتهديد المعتدين : وتوكلوا على الله أسوة بخليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين.

لما فات إبراهيم عليه السلام أن يؤمن به قومه فتستقر حياته بين أظهرهم ويشتد عضده بهم وتولوه بالأذى وبلغ بهم الكيد له أن القوة في النار ففر إلى ربه وهاجر طالباً لدعوته قوماً آخرين لما أصيب بذلك لم يكله الله إلى نفسه ولم يحرمه جزاء عمله فوهب له من تقر بهم عينه وهب له إسحاق ويعقوب وجعلهما من أنبيائه وهادهما إلى الصراط المستقيم وتتابعت النبوة والرسالة من بعده في ذريته إلى أن ختمت بنبوة الرسول الكريم محمد ﷺ‬ .

فيا معشر الدعاة إلى الحق :كونوا واثقين بالله مطمئنين إلى صادق وعده مؤملين النصر والخير وحسن العواقب ولكن لابد لكم من الابتلاء بالسراء والضراء فاشكروا ربكم على ما أولاكم من الخير واصبروا على الشدة واللأواء وليكن لكم في خليل الرحمن وإخوانه الأنبياء خير أسوة فقد ابتلوا فصبروا وشكروا فجزاهم الله خير الجزاء قال الله تعالى : )وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)

وقال تعالى : )وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين )فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه وسلم .

 الحلقة الثالثة:-

لم يرسل الله – تعالى – رسولاً إلا أمره بالتوحيد والدعوة إلي عبادة الله وحده لا شريك له ، قال الله تعالى (َلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) ، وقال تعالى : (َمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، وقد عنى الرسل عليهم الصلاة والسلام بذلك ، فبدءوا البلاغ بدعوة أممهم إلي أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئاً ، وقطعوا فيه شوطاً بعيداً حتى شغلوا به الكثير من أوقات البلاغ ، ولا عجب في ذلك فإن التوحيد أصل الدين وذروة سنامه ، وملاك والإسلام ودعامته الأولى ،  لا تصح من إنسان قربه ، ولا يتقبل الله منه عبادة إلا إذا كانت مقرونة بالتوحيد وإخلاص القلب لله وحده ، قال تعالى (ِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) ، وقال : (َمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) ، وقد أرشد الله الناس إلي أيسر الطرق في الدعوة إلي التوحيد وأسهلها ، وأقربها إلي معرفة الحق وأعدلها ، وهو الاستدلال بآيات الله وسننه الكونيه وتفرده سبحانه بتصريفها وتدبيرها على تفرده بالإلهية واستحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له ، فذلك أهدى سبيلاً وأقوم دليلاً، وأقوى في إقناع الخصم وإلزامه الحجة ، فإنه مقتضى العقل الصريح وموجب الفطرة السليمة ، قال الله تعالى : (َا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فرتب سبحانه نهيه إياهم عن اتخاذهم شركاء له فى العبادة على علمهم وإقرارهم بأنه – تعالى –وحده هو الذي خلقهم وخلق الذين من قبلهم ، وهو الذي جعل الأرض قراراً ، وذللها لهم ليمشوا في جوانبها ، وليبتغوا من فضله ، ورفع السماء بلا عمد وأنزل من والسماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لهم ، لينعموا بما آتاهم من النعم  وليتمتعوا بما أفاض عليهم من الخيرات لعلهم يتقون ربهم وولى نعمتهم ، فيعبدوه وحده لا شريك له مخلصين له الدين ، شكراً له على ما أسبغ عليهم من نعمة وأفاض عليهم من بركاته ، وفي القرآن كثير  من النظائر لهاتين الآيتين في بيان أسلوب الدعوة ورسم الطريق الناجحة في إقامة الحجة وإلزام الخصم ، لقد سلك الأنبياء والمرسلون هذه الطريقة في دعوتهم أممهم إلي الهدى ودين الحق ، اهتداءً بهدى الله واسترشاداً بإرشاده وهو العليم الحكيم ، ومن أبرزهم في ذلك أولو العزم من الرسل ، ومنهم إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام.

أرسل الله جل شأنه خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلي قوم من الفرص عتاة جبارين يعبدون التماثيل ، فأنكر عليهم عكوفهم لها وتقريهم إليها ، قال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ* إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) ، ولما لم يكن لديهم حجة يعتمدون عليها في عبادتهم الأصنام تعللوا لباطلهم بما وجدوا عليه آباءهم من التقرب إلي التماثيل وعبادتهم إياها ، فألغوا عقولهم وقلدوا آباءهم على غير هدى وبصيرة (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)، فسفه إبراهيم عليه الصلاة والسلام أحلامهم ، وحكم عليهم وعلى آبائهم بالحيرة والضلال المبين (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ، وبين لهم أن التماثيل لا تسمع النداء ، ولا تستجيب الدعاء ، ولا تملك نفعاً ، ولا توقع ضراً ، فلا يليق بعاقل أن يتخذها آلهة مع من فطر السماوات والأرض ، وإليه مقاليد الأمور ، يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير قال : (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) .

فلما  ركبوا رؤوسهم ، وأبو إلا اللجاج والعناد ، والعصبية الممقوتة في تقليد الآباء والأجداد أعلن براءته منهم وشدة عداوته لهم ولما يعبدون من دون الله (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ *الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ *وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) وجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه لا بد له من سلوك طريق آخر عملى في إقامة الحجة : ليكون أقوى فى الإبانة عن الحق ، وأملك في إلزام الخصم ، يضطرهم به إلي الاعتراف بما هم فيه من ضلال وظلم وانحراف ، فأقسم بالله أن يكبد لأصنامهم وهم عنها غائبون ، وانتهز فرصة خروجهم من البلد لبعض شأنهم ، وذهب إلي آلهتهم خفية لئلا يراه أحد فيصده عن تنفيذ ما أراد  ، فجعلهم قطعاً صغاراً إلا كبيراً لهم تركه  سالماًُ ، ليكون له وهم معه شأن عند التحقيق فيما جرى على أصنامهم ، فلما عادوا إلي منازلهم ما أصيبت به آلهتهم (َالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ *قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) ، فلما حضر مجلسهم أخذوا يقررونه بما صنع بآلهتهم ، قالوا : من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ فأجابهم بنسبة ما حدث إلي من لا يتأتى منه ، نسبة إلي كبير التماثيل وهو – كما يعلم ويعلمون – جماد لا حراك به ، ذلك ليرشدهم إلي مكان الخطأ في عكوفهم على التماثيل ، عبادة لها وتقرباً إليها ، ويصرفهم عنها إلي عباد الله وحده لا شريك له ، ويوحى إليهم بأنه  هو الذي كاد لأصنامهم وأنزل بهم ما يكرهون ، وقد أكد ذلك بأمره إياهم أن يسألوا التماثيل عمن أصابهم بالتكسير والتحطيم إن كانوا يملكون جواباً (َالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) ، وقد نجحت هذه الطريقة إلي حد ما، وأوجدت فيهم وعياً ، فثابوا إلي رشدهم وما كان في أصل قرائحهم واعترفوا بأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم تماثيل لا تملك لنفسها نفعاً ولا تدفع عنها بأساً ، وظلموا إبراهيم عليه السلام بصدهم عن دعوته ، وإعراضهم عما جاءهم به من الآيات البينات على التوحيد وإخلاص العبادة لله رب العالمين ، لكنهم لم يلبثوا أن ركبوا رؤوسهم ونكصوا على أعقابهم وارتكسوا في حماة الضلال والحيرة عصبية لما ورثوه عن آبائهم من الشرك والبهتان المبين ، قال تعالى : (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ، وقد نجحت هذه الطريقة إلي حد ما ، وأوجدت فيهم وعياً ، فثابوا هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم تماثيل لا تملك لنفسها نفعاً ولا تدفع عنها باساً ، وظلموا إبراهيم عليه السلام بصدهم عن دعوته ، وإعراضهم عما جاءهم به من الآيات البينات على التوحيد وإخلاص العبادة لله  رب العالمين ، لكنهم لم يلبثوا أن ركبوا  رؤوسهم ونكصوا على أعقابهم وارتكسوا في حماة الضلال والحيرة عصبية لما ورثوه عن آبائهم من الشرك والبهتان المبين ، قال تعالى (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) ، لقد ازداد طريق الحق وضوحاً وبياناً  ، واستحكمت حلقات الحجة لإبراهيم على أبيه وقومه ،  وحق له أن يضيق ذرعاً من صدودهم ، وأن يتأفف ضجراً من طغيانهم وشركهم ، وأن ينكر عليهم ذلك إنكاراً صارخاً ، ويرميهم بالخبال وإلغاء  العقول (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) لقد أخذت الحمية الجاهلية للباطل من نفوس قوم إبراهيم عليه السلام مأخذها ، وتمكنت منهم العصبية لطاغوت التقليد للآباء والأجداد فيمل أصيبوا عقوله وأفكارهم إلي شر وجهة ، وصرفتهم عن الحق حتى ملكت مشاعرهم ، ووجهت عقولهم وأفكارهم إلي شر وجهة ، وصرفتهم عن الحق المبين والصراط المستقيم ، وزينت لهم أن يتخلصوا من إبراهيم عليه السلام ، وينزلوا به أشد العقاب انتصاراً لآلهتهم الباطلة ، وانتقاماً منه جزاء له عما صنع لها من تحطيم وتكسير ، ويعلم الله انه ما أراد بذلك إلا الخير لهم ، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلي نور التوحيد (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) ، لكن يأبي الله إلا أن ينصر رسوله وخليله إبراهيم عليه السلام ، وأن يخذل أعداءه وأعداء دينه ، ويبطل ما كادوا لأوليائه فيبوءا بالخسران المبين ، إمضاء لسنته العادلة الحكيمة في أوليائه وأعدائه ، قال تعالى (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ *  وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ )

وقال تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ *يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) ، وقال تعالى : (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) .

والله الموفق ، وصلي الله على نبينا محمد وآله وسلم.