الشامل في فقه الخطيب والخطبة ()

سعود بن إبراهيم الشريم

الشامل في فقه الخطيب والخطبة : هذا الكتاب خاص بفقه الخطيب والخطبة، فلا يدخل في ذلك ما يتعلق بالمأمومين كمسألة الإنصات للخطبة، أو تنفلهم قبل الخطبة، أو تبكيرهم لحضور الجمعة، أو نحو ذلك. ثانياً: أن هذا الكتاب جمع ما يزيد على مائة وثنتين وعشرين مسألة، كلها تخصُّ الخطيب والخطبة، مما قد لا يوجد مجتمعاً بهذه الصورة في غير هذا الكتاب حسب ما ظهر لي. ثالثاً: أن هذا الكتاب جمع أكبر قدر ممكن من أقوال أهل العلم في هذا الشأن، من أئمة المذاهب الأربعة، وأصحابهم، وغيرهم من فقهاء السلف، وذلك دون إطناب ممل، ولا إسهاب مخل.

|

 الشامل في فقه الخطيب والخطبة

تأليف :

الدكتور / سعود بن إبراهيم بن محمد الشريم

إمام وخطيب المسجد الحرام

http://www.saaid.net/


 مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد :

فإن الخطابة في الإسلام جزء لا يتجزأ من كيان الأمة الشامخ ، ولسانها الناطق ، وحبر قلمها السيال ، وحركات بنانها الحثيثة ، لها شأن جليل ، ومقصد نبيل ، وأثر ليس بالقليل ، هي منبر الواعظ ، ومتكأ الناهض ، وسلوان من هو على دينه كالقابض ، لا يعرف وسيلة في الدعوة أقرب إلى التأثير منها ، ولا وقع أشد – في التلقي بالقبول في نفوس الناس – من وقعها ، وهي مهنة النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره ، ومبتدؤه وخبره بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ، كما أنها ميدان الدعاة الرحب ، ومنهل الظامئين العذب ، وسهل الواطئين الرطب .

وبالنظر إلى ما لهذا الأمر من عظم ، فإن التهاون بشأنه لخطب جلل ، والنأي عنه فتوق وخلل ، ولأنك إذا أردت الحكم على أمة من الأمم في ثقافتها ووعيها ، وفي صحتها وعيها ، فانظر إلى خطبائها وما تحويه خطبهم ، وإلى منابرها وأين منها هم . ولقد علمت أن شيئاً من فقه الخطبة في هذا الزمان قد اندرس ، ورأيت كثيراً من الخطباء على جهل بأحكامها ، فلم يدر بعضهم ما تعلم منها وما درس ، فضعف التأهيل ، وقلَّ التأصيل ، وغاب الدليل – إلا ما شاء الله – حتى ساءني مثل هذا الواقع المرير ، فجعلني أقلب الحديث في خلدي بالتفكير ، وأزور كتاباً في صدري للتسطير ، فأحيي به ما اندرس من فقه الخطيب والخطبة ، وأطفئ به دخان هذه العُطبة، فكان الجمع لهذه النخبة ، بياناً لما في الخطابة من عظم الرتبة ، موضحاً فيها ما أبهم ، ومبيناً في ثناياها ما أشكل ، جامعاً متفرقها ، باسطاً مجتمعها ، منزلاً على الشرع نوازلها ، مستعيناً في كل ذلك على الباري جلّ شأنه ، متلمساً منه الخروج بمادة علمية واسعة فيما يخص الخطيب والخطبة ، فصار جلُّ ما جمعته مسائل فقهية بحتة ، ودقُّه مسائل توجيهية ، ومفاهيم تصحيحية ، تدور محاورها حول الخطبة والخطيب ، ثم رتبتها ترتيباً يتناسب مع ترتيب الخطبة وأحوالها منذ دخول الخطيب ناصحاً إلى أن ينصرف من صلاته راشداً .  

وقد كنت في زمن مضى أصدِّر أجزاء الخطب – التي ألقيتها من على منبر المسجد الحرام – بمسائل فقهية لطيفة تحت عنوان ( بين يدي الخطيب ) ، وذلك في كل من جزء من أجزاء خطبي المطبوعة والتي وسمتها بـ ( وميض من الحرم ) فبلغت أربعة أجزاء ، وهي تمثل ما يقارب نصف هذا السفر الكبير ، وكانت قد لقيت قبولاً واسعاً ، ورواجاً حافلاً في نفوس كثير من طلبة العلم والخطباء في داخل بلاد الحرمين وخارجها – فلله الحمد من قبل ومن بعد – إضافة إلى كثرة الطلب في إخراج هذه الحلقات في سفر مستقل على هيئة البسط والإسهاب ، فجمعت تلك الحلقات وأعدت بسط الكلام فيها ، وأضفت إليها أكثر من ضعفها ، حتى خرجت بهذه الصورة القشيبة ، ثم إنني حين استكملت هذا الكتاب في آخر شهر شعبان – من عام 1422هـ - دفعت بمسوداته إلى أصحاب الفضيلة أئمة المسجد الحرام كمعالي الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد ، وفضيلة الشيخ الدكتور / عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس ، وفضيلة الشيخ الدكتور / عمر بن محمد السبيل – رحمه الله رحمة واسعة ونور ضريحه ووسَّع مرقده – وذلك طلباً للإفادة منهم ، فشجَّعوني على ذلك ، وشاطروني الرأي في أهمية مثل هذا الموضوع وأهمية نشره ، فجزاهم الله عني خيراً وسدَّد على طريق الحق خطاهم .

وبعد تمام هذا الكتاب ، فإنني أذكر ما امتاز به في محتواه من الفوائد الظاهرة لمن قرأه ورآه ، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وإذا عرفت المبتدأ فلن يغيب ذهنك عن خبره، فكان من ذلك :

أولاً : أن هذا الكتاب خاص بفقه الخطيب والخطبة ، فلا يدخل في ذلك ما يتعلق بالمأمومين كمسألة الإنصات للخطبة ، أو تنفلهم قبل الخطبة، أو تبكيرهم لحضور الجمعة ، أو نحو ذلك.

ثانياً : أن هذا الكتاب جمع ما يزيد على مائة وثنتين وعشرين مسألة ، كلها تخصُّ الخطيب والخطبة ، مما قد لا يوجد مجتمعاً بهذه الصورة في غير هذا الكتاب حسب ما ظهر لي .

ثالثاً : أن هذا الكتاب جمع أكبر قدر ممكن من أقوال أهل العلم في هذا الشأن ، من أئمة المذاهب الأربعة ، وأصحابهم ، وغيرهم من فقهاء السلف ، وذلك دون إطناب ممل ، ولا إسهاب مخل .

رابعاً : أن الأصل في المسألة التي أوردها برمتها هو مجرد الجمع والنقل والتأليف ، إذ هو بحد ذاته جهد ليس بالسهل اليسير ، فقلَّما أدلي بدلوي في كثير من المسائل بترجيح أو مطارحة . وإن دعت الحاجة إلى شيء من ذلك ، ففي بعض المسائل التي ستتضح للقارئ خلال استقرائه لهذا الكتاب .

خامساً : أن هدفي من عدم فصل القول في كل مسألة هو أهمية هذا الأمر ، وصعوبته ، وتعدي مصلحته ، وشح الوقت المعين على ذلك ، مع قلة باعي ، وقوة الناقد الواعي ، إضافة إلى حساسية هذا الموضوع ، وما ينتج عنه من نسبة الإختيارات إلى شخصي – لاسيما في هذا الأمر المهم – مما قد يفتح عليَّ الباب أمام مطارحات ومجادلات تعكر صفو هذا الكتاب ، فتعظّم القشور ، ويهون اللباب ، وهذا مما لا طائل من ورائه ، ولا غرو في ذلك إذ تتبع العثرات في هذا الزمن على قدم وساق ، وإلى التحاسد والتباغض يكون فيها المساق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

سادساً : أنني عزوت في الهامش جميع النقولات والموارد التي في الكتاب من آيات وأحاديث ، وأقوال لأهل العلم ، من باب تقريب المصادر إلى روادها ، وغرس الثقة في نفس القارئ بإثباتها .

سابعاً : أن هذا الكتاب يعدُّ أول مرجع بهذا الحجم الكبير ، والجمع الحبير ، فيما يخص الخطيب والخطبة حسب ما بدا لي . وما قد جاء مؤلفاً فيها ، فإنما هو من باب المختصرات الفقهية ، أو التوجيهات التربوية ، والخطوات التنموية للقدرات الخطابية ، مع ما فيها من الفوائد والمُلح .

ثامناً : أنني أفردت آخر مسألتين من هذا الكتاب بأمور لا يسع الخطيب إغفالها ، ولا طالب العلم إهمالها ، وذلك لما فيها من النفع الكبير ، والفائدة العظيمة من خلال ذكر النكت المتنوعة في هذا الإطار ، قد جمعت شتاتها ، ولقطت نثارها إبان استقرائي لهذا الباب ، فرأيت أن إهمالها خسارة ، وتقييد الأوابد منها تجارة ، وذلك متمثل في مسألتين :

إحداهما : أنني دونت ما وقفت عليه من فوائد لا يستغني عنها الخطيب ، وهي في الوقت نفسه لا تحتمل أن تفرد في مسألة بحثية مستقلة ، فرأيت جمعها تحت عنوان ( فوائد متنوعة ) ، فبلغت ستّاً وعشرين فائدة .

ثانيهما : أنني قيدت كل ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم حول مسائل تخص الخطيب والخطبة تحت عنوان ( بعض ما قيل إنه مكروه أو من البدع في الخطب ) فبلغت إحدى وأربعين مسألة ، ولم ألتزم فيها بإبداء موافقتي للقائل أو مخالفته ، تغليباً لجانب النقل المجرد ، والإفادة المليحة ، وربما أبديت رأياً في بعضها إن كانت مما ورد الحديث عنها في الكتاب .

هذه هي خلاصة ما امتاز به هذا الكتاب ، وما لم أذكره أكثر من ذلك ، تركت الحكم عليه لقارئه ، وما ذاك إلا من فضل اله عليَّ وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ، وسميته ( الشامل في فقه الخطيب والخطبة ) فما كان فيه من صواب فمن الله ، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان ، والله ورسوله بريئان من ذلك ، سائلاً المولى جل شأنه أن ينفع به العباد ، وأن يجعله لي ذخراً ، ولحسن العاقبة مدخراً ، ويكفر به سيئاتي ، ويرفع درجاتي ، وأن يجعله علماً نافعاً يتبعني أجره في قبري ويوم أن ألقى الله ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب .

قاله مقيده

سعود بن إبراهيم بن محمد الشريم

مكة المكرمة . ص.ب : 7545

فاكس : 5275899 .

http://www.saaid.net/


 أهمية خطبة الجمعة :

الأمة الإسلامية أمة غراء ، سمة شريعتها أن يعبد الله وحده في الأرض ، وزمام هذا وقطب رحاه هو الدعوة إلى ذلك وبثه بالأقوال والأفعال . ولما كان القول باللسان له وقع في القلب ، وتأثير حسن في أذن السامع ، ولأن الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهل الإسلام لتأييده ونصره ، ونشر تعاليمه ومبادئه على أحسن وجه وأكمل حال ؛ فإن مخاطبة الحشود والجماعات قلما تتفق بصفة متكررة إلا في الجمع والأعياد ، ولعل من أوائل أنواع الخطابة في الإسلام هو ما صدع به المصطفى صلى الله عليه وسلم بين ظهراني قريش بعدما أنزل الله عليه قوله : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فصعد على الصفا ثم نادى : (( يا صباحاه ))  فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا بني عبدالمطلب ، يا بني فهر ، يا بني لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، صدقتموني ؟ )) قالوا : نعم . قال : (( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد )) . فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؛ فأنزل الله {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} رواه البخاري ومسلم(1) .

فخطابة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع لم يعهد لها من قبل مثيل بهذه الكيفية ، وهذا التوقيت وهذه الجرأة ، ولذلك كانت من أهم الحوادث وأعظم البواعث للدعوة الجهرية التي أطلقت الألسن من عقالها ، وأثارت الخطابة في الإسلام من مكمنها ، وأغرت العقول بأحكامها والتفنن فيها ، واختلاب الألباب بسحر بيانها فوق ما كانت عليه في جاهليتها . كيف لا ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل في معرض حديث عن الخطبة : (( إن من البيان لسحراً ))  رواه البخاري ومسلم(2) .

وبعد فرض صلاة الجمعة وخطبتها أصبحت صلة النبي صلى الله عليه وسلم بجمهور الناس تتكرر نهاية كل أسبوع ؛ مما أضفى على الخطبة شيئاً من الأهمية والمكانة ؛ لأنها منبر التوجيه والإرشاد ، فضلاً عن الأعياد والمناسبات العامة كالكسوف والاستسقاء ، ثم ورثها من بعده خلفاؤه الراشدون ، وهم أركان البلاغة ، ودعائم البيان ، وسادات الفصاحة ، ثم من بعدهم ملوك بني أمية وعمالهم ، ثم خلفاء بني العباس ، ثم اتسعت حتى أصبحت في العلماء والمشايخ ، إلى أن اتسع نطاقها لما هو أبعد من ذلك حتى أصبح في مصرٍ واحدٍ في هذا العصر أكثر من ألفي جامع ، ولله الحمد والمنة .

وقد اشتهر في أمة الإسلام خطباء كثيرون يصعب حصرهم ، غير أن من أشهرهم علي بن أبي طالب ، وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم ، وهو الذي قالوا عنه : إن ابن عباس : خطب بمكة وعثمان رضي الله عنه محاصر خطبة لو شهدتها الترك والديلم لأسلمتا . وقد ذكره حسان بن ثابت

فقال :

إذا قال لم يترك مقالاً لقائل كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع  سموت إلى العليا بغير مشقة

بملتقطات لا ترى بينها فضلا لذي إربةٍ في القول جداً ولا هزلا فنلت ذُراها لا دنيّاً ولا وغلا (3)

وقال الحسن : كان عبدالله بن عباس رضي الله عنه أول من عرف بالبصرة ، صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران ، ففسَّرهما حرفاً حرفاً . وكان والله مِثجّاً يسيل غرباً (4) ، وكان من الخطباء أيضاً عطارد بن حاجب بن زرارة ، وقد قال فيه الفرزدق بن غالب :

ومنا خطيب لا يُعاب وحاملٌ              أغرُّ إذا التفَّت عليه المجامع (5)

وكان من الخطباء المشاهير أيضاً عبدالله بن عروة بن الزبير ، وزيد بن علي بن الحسين ، والفضل بن عيسى الرقاشي ، وقس بن ساعدة ، وعمرو بن سعيد الأشدق ، وأبو الأسود الدؤلي ، ومنهم أيضاً شبيب بن أبي شيبة ، والحسن البصري ، وبكر بن عبدالله المزني ، ومالك بن دينار ، ويزيد الرقاشي ، ومحمد بن واسع الأزدي ، وغيرهم كثير وكثير ، ليس هذا محلاً لحصرهم .

ولقد أعجبني كلام جميل لطيف للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يذكر فيه أهمية الخطبة وها أنا أوجز شيئاً منه لأجل أن تحل الفائدة محلها .

فقد قال رحمه الله : " إني أحاول أن ألقي اليوم خطبة ، فلا تقولوا قد شبعنا من الخطب ، إنكم قد شبعتم من الكلام الفارغ ، الذي يلقيه أمثالي من مساكين الأدباء ، أما الخطب فلم تسمعوها إلا قليلاً ، الخطب العبقريات الخالدات التي لا تنسج من حروف ، ولا تؤلف من كلمات ، ولكنها تنسج من خيوط النور الذي يضيء طريق الحق لكل قلب ، وتحاك من أسلاك النار التي تبعث لهب الحماسة في كل نفس .

ولا تقولوا : وماذا تصنع الخطب ؟ إن خطب ديموسئين صبت الحياة في عروق أمة كادت تفقد الحياة ، وهي كلمات وقفت سداً منيعاً في وجه أعظم قائد عرفته القرون الأولى ، الإسكندر ، ووجه أبيه من قبله : فيليب .

وخطبة طارق هي التي فتحت الأندلس . وخطبة الحجاج أخضعت يوماً العراق ، وأطفأت نار الفتن التي كانت مشتعلة فيه ، ثم وجهته إلى المعركة الماجدة ، ففتح واحد من قواد الحجاج أكثر مما فتحت فرنسا في عصورها كلها ، وبلغ الصين ، وحمل الإسلام إلى هذه البلاد كلها ، فاستقر فيها إلى يوم القيامة ، ذلك هو قتيبة بن مسلم .

ولما اجتاح نابليون بروسيا ، ما أعاد لها حريتها ، ولا ردَّ عليها عزمها ، إلا خطب ( فِختِه ) التي صارت لقومه كالمعلقات يحفظها في المدارس الطلاب ... الخ (6) . اهـ .

هذا حاصل كلام الشيخ رحمه الله . والذي من خلاله يتضح شيء من الأهمية لخطب الجمع والمواسم من جهة التأثير على الناس في دعوتهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة . فلله ما أعظم رتبة الخطباء ، وما أكرم مكانتهم . إنهم يغدون في خمائل الخطابة ، فتراهم تارة يحذرون ، وتراهم تارة يبشِّرون ، وأخري يعظون ، ورابعة يذكّرون ، يستلينون الناس بالقول إذا قسوا ، ويستخضعونهم به إذا عصوا ، ويمتلكون أفئدتهم بالرغبة والرهبة أخرى ، فلله ما أعظم محل الخطباء في النفوس ، وأنفذ كلامهم في القلوب ، وأشد إثارتهم للعواطف ، وبالله كم تتجه الأنظار نحوهم ، وتحدق الأبصار شاخصة بهم، وتلتف حولهم القلوب، وتترامى إليهم الآمال .


 حكم خطبة الجمعة :

اختلف أهل العلم في حكم خطبة الجمعة هل هي واجبة أم لا ؟ على قولين :

القول الأول :

قالوا : إن الخطبة شرط لصحة الجمعة ، فلابد أن تتقدمها . وبه قال أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد (7) . وبه قال عطاء ، والنخعي ، وقتادة ، والثوري ، وإسحاق ، وأبو ثور(8) . قال القاضي عياض : وهو قول كافة العلماء(9) .

واستدل أصحاب هذا القول بأدلة ، منها :

أ- فِعْله صلى الله عليه وسلم المستمر الثابت عنه أنه كان يخطب في كل جمعة ، وهو الذي قال فيما صحَّ عنه (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) رواه البخاري .

وقد ثبت صلاته صلى الله عليه وسلم الجمعة بعد خطبتين (10) .

ب – قوله تعالى { فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } والذكر هو الخطبة ، وإن لم يكن هو الخطبة فإن الخطبة جزء منه ؛ لأنها ذكر لله فتدخل في الأمر بالسعي لها من حيث هي ذكر لله ، فدلَّ على وجوبها (11). ولأن فعله للخطبة بيان للمجمل ، وبيان المجمل الواجب واجب(12).

ج – ما رواه عبدالرزاق وابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه أنه قال : " قصرت الصلاة لأجل الخطبة(13) " وهذا لفظ ابن أبي شيبة .

وقد ذكر صاحب البدائع وابن قدامة في المغني أنه مروي عن عائشة بنحو ما روي عن عمر غير أني لم أقف عليه . والله أعلم .

القول الثاني :

قالوا : إن الخطبة ليست شرطاً ، فلو لم يتقدم الصلاة خطبة فالصلاة صحيحة وتعد جمعة .

وهذا القول قال به الحسن البصري ، وداود الظاهري ، والجويني ، وابن الماجشون من المالكية(14) ، وذكر القاضي عياض أنه رواية عن مالك أيضاً(15) .

ورجَّح هذا الشوكاني رحمه الله فقد قال : فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود الظاهري والجويني من أن الخطبة مندوبة فقط (16) . اهـ .

وقد أجاب الشوكاني عن أدلة الجمهور بما يأتي :

1- أما فعله صلى الله عليه وسلم المستمر الذي واظب فيه على الخطبة ، فقد قال عنه الشوكاني : إن مجرد الفعل لا يفيد الوجوب(17) . اهـ .

2- وأما قوله صلى الله عليه وسلم : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) فقد قال عنه الشوكاني : " وهو مع كونه غير صالح للاستدلال به على الوجوب ليس فيه إلا الأمر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليه والخطبة ليست بصلاة(18) . اهـ .

3- وأما استدلالهم بقوله تعالى{ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } وأن فعله صلى الله عليه وسلم للخطبة بيان للمجمل ، وبيان المجمل الواجب واجب ؛ فقد قال الشوكاني : " هو مردود بأن الواجب بالأمر هو السعي فقط " وقولهم بأن الذكر هو الخطبة فهو متعقب بأن المراد به الصلاة ، وغاية الأمر أنه متردد بين الصلاة وبين الخطبة ، وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة ، والنزاع في وجوب الخطبة ، فلا ينتهض هذا الدليل للوجوب(19) . اهـ . 

قلت : هذا هو حاصل كلام أهل العلم ، ولعل قول الجمهور هو الأحظ بالدليل ، ولأن عمل السلف على إثبات هذا وإنكار ما خالفه ، فقد روى عبدالرزاق وابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال : " صليت مع رجل صلاة الجمعة فلم يخطب وصلى أربعاً فخطأته ، فلما سألت عن ذلك إذا هو قد أصاب(20) " . هذا لفظ عبدالرزاق .

فيتضح بهذا الأثر أن منْ لم يخطب فإنه لا يصلي ركعتين وإنما يصليها أربعاً ، فدلَّ على التلازم بين الخطبة والصلاة .

وقد بوَّب عبدالرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما باباً ، فقالا ( باب الإمام لا يخطب يوم الجمعة كم يصلي ؟ ) (21) .

وقد جاء في المصنفين أو أحدهما عن الضحاك ، وسفيان، وعطاء، وإبراهيم ، والحسن ، ومكحول ، وطاوس ، كلهم يقولون بلزوم الخطبة مع الصلاة، وأن من لم يخطب فإنه يصلي أربعاً (22) .

تـنـبـيـه :

لقد رأيت أن أهل العلم كابن قدامة والنووي وغيرهما ، قد نسبوا إلى الحسن البصري القول بأن الخطبة ليست واجبة وذلك من خلال رواية عبدالرزاق عن سعيد قال : أخبرنا قتادة عن الحسن أنه قال – فيمن لم يخطب الجمعة – يصلي ركعتين على كل حال (23) .

والذي يظهر لي – والله تعالى أعلم – أن للحسن البصري في هذه المسألة قولين .

الأول منهما : هو ما ذكره أهل العلم سابقاً ، وثانيهما : أنه يقول بوجوب الخطبة ، لما رواه ابن أبي شيبة قال : حدثنا عبدالأعلى عن يونس عن الحسن قال : الإمام إذا لم يخطب صلى أربعاً(24) . فيتضح من هذا أن للحسن روايتين ، ولكن أيتهما المتأخرة ؟ العلم عند الله تعالى .

 2- الإخلاص والمتابعة :

الذي ينبغي للخطيب فيما يتعلق بخطبة الجمعة أن يكون منشؤها والسعي إليها وطلبها ، إنما هو من باب الإخلاص لله عز وجل والتبليغ للدين ، والدعوة إلى التمسك بالعقيدة الصحيحة والشريعة السمحة ، عملاً بقول الباري جل شأنه : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ}(25) وقوله سبحانه : { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}(26) وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( بَلّغوا عني ولو آيةً )) (27) . وقوله صلى الله عليه وسلم : (( نضَّر الله (28) امرأً سمع مقالتي فوعاها(29) ثم أداها كما سمعها .... )) الحديث (30) . ولكن هذا العمل لا يتم قبوله بعد الإخلاص لله عز وجل إلا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فهذان هما شرطا قبول العبادة لقوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }(31) قال الفضيل بن عياض : أي أخلصه وأصوبه ، وقال : " إن العمل إذا خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً .  قال : والخالص إذا كان لله عز وجل ، والصواب إذا كان على السنة(32) . اهـ .

روى الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن بشير بن عقربة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من قام بخطبته لا يلتمس بها إلا رياءً وسمعةً وقفه – عز وجل – يوم القيامة موقف رياءٍ وسمعةٍ )) (33)

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير وأحمد ، ورجاله موثقون (34) . اهـ .

وقد جمع أحد الفضلاء شرطي قبول العبادة في قوله :

واعلم بأن الأجر ليس بحاصل لابد من إخلاصه ونقائه وكذا متابعة الرسول فإنها

إلا إذا كانت له صفتانِ  وخلوه من سائر الأدران شرط بحكم نبينا العدنان

والحقيقة أن جملة من الناس يغفلون عن حقيقة المتابعة وأثرها في قبول العمل ، ويظهر هذا جلياً في واقع كثير من الناس من خلال ما يسمع في دعاء بعضهم لبعض حينما يقول  أحدهم للآخر : نسأل الله لنا ولك الإخلاص ، أو رزقك الله الإخلاص ، ويندر في مثل الدعاء أن تضاف إليه المتابعة ، بيد أن الأولى أن يقال : نسأل الله لنا ولك الإخلاص والمتابعة .

أو يكتفي بقول: نسأل الله لنا ولك القبول. حيث إن القبول لا يتم إلا بتوفر الأمرين معاً والله الموفق .

 3 – إرادة النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم : 

ينبغي للخطيب أن يجعل قصده وغايته في خطبه النصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ؛ وذلك عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي رقية تميم بن أوس الدَّاريِّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدِّينُ النَّصيحةُ)) قلنا : لمن ؟ قال : (( للهِ ولِكتابهِ ولرسُولهِ ولأئمَّةِ المسلمين وعامَّتِهم )) (35) .

قال الحافظ أبو نعيم : " هذا الحديث له شأن عظيم (36) " .

وقد نقل ابن رجب عن محمد بن أسلم الطوسي ، أنه قال عن حديث تميم : إنه أحد أرباع الدين (37).

بل قال النووي رحمه الله : " هذا حديث عظيم لشأن ، وعليه مدار الإسلام ، وأما ما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام أي أحد الأربعة التي تجمع أمور الإسلام فليس كما قالوه ، بل المدار على هذا وحده (38) " اهـ .

قال أبو حاتم البستي رحمه الله : " الواجب على العاقل لزوم النصيحة للمسلمين كافة ، وترك الخيانة لهم بالإضمار والقول والفعل معاً ، إذ إن المصطفي صلى الله عليه وسلم كان يشترط على من بايعه من أصحابه (( النصح لكل مسلم )) (39) . (40) اهـ .

وقال أيضاً : " خير الإخوان أشدهم مبالغة في النصيحة ، كما أن خير الأعمال أحمدها عاقبة وأحسنها إخلاصاً ، وضرب الناصح خير من تحية الشانئ (41).اهـ .

قلت : فإذا كان الأمر كذلك ، فإن النصح للمسلمين عامة أمارة كبرى من أمارات الاهتمام بأمورهم ، وبإحياء شعيرة الأمور بالمعروف والنهي عن المنكر في واقعهم ، وبيان حجة أهل السنة والجماعة وجهادهم لنصرة الحق بالقلم واللسان كما قد كان مرات وكرات بالسيف والسنان ، ومما لا شك فيه أن النصح دعامة من دعامات هذا الدين ، وشعار من شعاراته، وشعيرة من شعائر الإسلام الكبرى{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}(42).

وأختم أهمية النصح هنا بقول أبي داود رحمه الله بما نصه : (( كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث ، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب – يعني كتاب السنن – جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث ...... )) (43) وذكره منها قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه )) (44) .

قلت : والذي يرضاه المؤمن لنفسه هو الاستقامة على منهج أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ، وبالتالي فإن منهج أهل السنة هو ما ينبغي أن يرضاه المؤمن ، ولقد أحسن من قال :

محبك من يبدي لك النصح صافياً ويحذيك طيباً أو تقوم مطيباً              

وسيان يبدو في الرخاء وفي العسر ويلقاك بالوجه الطليق وبالبشر

فلينتبه لهذا الخطباء . والله الموفق .

 4- مخالفة قول الخطيب فعله :

مما لا شك فيه أن مخالفة القول العمل أمر خطير ، وهو سبب مقت الله لمن يوصف بذلك كما قال الله جل شأنه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} (45) وقال سبحانه ذامّاً ما وقع فيه بنو إسرائيل بقوله : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}  (46) .

بل قد جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على خطورة ذلك حتى على الخطباء الذين يعتلون المنابر ويعظون الناس ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده وأبو نعيم في الحلية وأبو يعلى(47) عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض(48) من نار ، قال : قلت : منْ هؤلاء ؟ قال : خطباء من أهل الدنيا ، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ؟ )) قال الهيثمي : " وأحد أسانيد أبي رجاله رجال الصحيح (49) . اهـ .

وفي الصحيحين (50) من حديث أسامة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار (51) فيقولون : أي فلان ، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله ، وأنهى عن المنكر وأفعله )) .

بل إن الوعظ والتوجيه والقصص ونحوه ذلك مما يقال على المنابر أو غيرها يعدُّ ولا شك من مظان الزلل وحصول العجب أو الرياء والسمعة ، ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث عوف بن مالك الأشجعي مرفوعاً (( لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال )) (52) . اهـ .

قال ابن الأثير : لا يقُصُّ تكسباً ، أو يكون القاص مختالاً يفعل ذلك تكبراً على الناس ، أو مرائياً يرائي الناس بقوله وعمله ، لا يكون وعظه وكلامه حقيقة (53) . اهـ .

بل إن مما يزيد هذا الأمر تأكيداً أن ابن الأثير أشار إلى أن المراد بهذا الحديث خطبة الجمعة على أحد الأقوال ، حيث يقول : " وقيل أراد الخطبة؛ لأن الأمراء كانوا يلونها في الأول.." (54). اهـ .

قال النخعي رحمه الله : " ثلاث آيات منعتني أن أقص على الناس {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } ، { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ }،  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} ." (55) .

وقال الخطابي : وقد قيل : إن المتكلمين على الناس ثلاثة أصناف : مذكِّر ، وواعظ ، وقاصّ . فالمذكِّر : الذي يذكِّر الناس آلاء الله ومنته ونعماءه ، ويبعثهم به على الشكر له ، والواعظ : يخوفهم بالله وينذرهم عقوبته فيردعهم به عن المعاصي ، والقاص : وهو الذي يروي لهم أخبار الماضين ، ويسرد عليهم القصص ، فلا يأمن أن يزيد فيها أو ينقص ، والمذكِّر والواعظ مأمون عليهما هذا المعنى(56) . اهـ .

فهذه الأدلة بمجموعها تدل على شدة النكير على من علم فلم يعمل بما علمه ، وهذه صفة من صفات اليهود وهم المغضوب عليهم الذين علموا فلم يعملوا .

قال ابن قدامة رحمه الله : " ويستحب أن يكون في خطبته متعظاً بما يعظ الناس به ؛ لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( عُرض عليَّ قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار . فقيل لي : هؤلاء خطباء أمتك يقولون ما لا يفعلون )) (57) .

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " يا حملة العلم ، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم ، فوافق عمله علمه ، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم ، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه إذا جلس إلى غيره (58) .

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : إن علامة الجهل ثلاث : العجب ، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه ، وأن ينهى عن شيء ويأتيه . اهـ (59) .

وقال جندب بن عبدالله البجلي عن حديث ذكره : " إن مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه كالمصباح يحرق نفسه ويضيء لغيره " . اهـ .

قال ابن عبدالبر معلقاً على هذا الكلام : أخذه بعض الحكماء فقال :

وبخَّت غيرك بالعمى فأفدته كفتيلة المصباح تحرق نفسها                    

بصراً وأنت محسِّنٌ لعماكا وتنير موقدها وأنت كذاكا (60)

بل لقد وصف بعض أهل العلم من يقول ولا يفعل بالجنون ؛ لأن الله يقول : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} .

ولقد أحسن منصور الفقيه حين قال :

إن قوماً يأمرونا لمجانين وإن هم                       

بالذي لا يفعلونا لم يكونوا يصدعونا(61)

ولقد أحسن من قال :

وعالم بعلمه لم يعملن 

معذب من قبل عباد الوثن

وقد ذكر الحافظ ابن عبدالبر عن بعض السلف مقولات في هذا الشأن منها :

1.  " من حجب الله عنه العلم عذَّبه على الجهل ، وأشد منه عذاباً من أقبل عليه العلم فأدبر عنه ، ومن أهدى الله إليه علماً فلم يعمل به " .

2.  عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : "تعلموا العلم واعملوا به ، ولا تتعلموه لتتجملوا به ، فإنه يوشك إن طال بكم زمان أن يتجمل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه " .

3.  عن عبدالله بن مسعود قال : " إن الناس أحسنوا القول كلهم ؛ فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه ، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبِّخ بنفسه " .

4.  عن الحسن البصري قال : " اعتبروا الناس بأعمالهم ، ودعوا أقوالهم ؛ فإن الله لم يدع قولاً إلا جعل عليه دليلاً من عمل يصدقه أو يكذبه ، فإذا سمعت قولاً حسناً فرويداً بصاحبه ، فإن وافق قولُه فعله فنعم ونعمة عين " .

5.  ذكر مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد قال : " أدركت الناس وما يعجبهم القول ، إنما يعجبهم العمل (62) " .

6.  وقال أبو الدرداء: ويل لمن يعلم ولم يعمل مرة، وويل لمن علم ولم يعمل سبعين مرة(63)

ومما لا شك فيه أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إنما هو كالطبيب الذي يداوي الناس ، فمن العيب أن يصف الطبيب للناس الدواء وطرق الوقاية ثم هو لا يفعل ذلك .

ولقد أحسن أبو عثمان الحيري الزاهد حين قال :

وغير تقي يأمر الناس بالتقى 

طبيب يداوي والطبيب مريض

وقد كان سفيان الثوري ينشد متمثلاً وهي لسابق البربري في شعر له مطول :

إذا العلم لم تعمل به كان حجة فإن كنت قد أوتيت علماً فإنما                

عليك ولم تعذر بما أنت جاهله يصدق قول المرء ما هو فاعله (64) 

وقال أبو العتاهية :

يا واعظ الناس قد أصبحت متهماً  كملبس الثوب من عريٍّ وعورتُه

إذ عبت منهم أموراً أنت تأتيها للناس بادية ما أن يواريها (65)

وقال أيضاً :

وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى  

وريح الخطايا من ثيابك تسطع (66)

وقال أبو حاتم البستي : " ليس الناصح بأولى بالنصيحة من المنصوح له " (67) اهـ .

فيتضح مما سبق ذكره خطورة هذا الأمر ، وأن على الخطيب أن يراعيه أشد المراعاة ؛ لأن الناس إذا علموا منه ذلك فإنهم يزدرونه ، ويكون عندهم محلاً للشماتة فضلاً عن عقوبة ذلك في الآخرة واشتداد إثمه ، والله المستعان .

تـنـبـيـه :

قد يقول قائل : هناك من الخطباء من قد يتوقف عن أمر بمعروف معين أو نهي عن منكر معين ؛ لأنه لا يفعل الأول ، أو أنه متلبس بالثاني ، فلذلك يترك مثل هذا خشية أن يكون ممن يقول ما لا يفعل .

والجواب على هذا الإشكال أورده من خلال بعض النقولات عن بعض السلف . فمن ذلك :

قول سعيد بن جبير : " إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من يكون فيه شيء ؛ لم يأمر أحد بشيء ، فأعجب مالكاً ذلك من سعيد بن جبير " (68) .

ومنه قول الحسن البصري لمطرف بن عبدالله بن الشخير : يا مطرف ، عظ أصحابك ، فقال مطرف : إني أخاف أن أقول ما لا أفعل . فقال الحسن : يرحمك الله ! وأينا يفعل ما يقول ؟ لودَّ الشيطان أنه ظفر بهذه منكم ، فلم يأمر أحد بمعروف ، ولم ينه عن منكر (69) .

ومن ذلك قول الحسن البصري أيضاً : " أيها الناس ، إني أعظكم ولست بخيركم ولا أصلحكم ، وإني لكثير الإسراف على نفسي ، غير محكم لها ولا حاملها على الواجب في طاعة ربها ، ولو كان المؤمن لا يعظ أخاه إلا بعد إحكام أمر نفسه لعدم الواعظون وقلَّ المذكرون ... الخ " (70)

وقد تحدث البيهقي جامعاً بين أدلة ذم الأمر بالشيء أو النهي عنه والآمر مخالف لما يأمر به ، فقال : " إن عدم الذم يكون فيمن الغالب عليه الطاعة ، وتكون المعصية منه نادرة ثم يتداركها بالتوبة ، والأول فيمن يكون الغالب عليه المعصية وتكون الطاعة منه نادرة ، والله أعلم .(71)

وقال النووي : قال العلماء : ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهى عنه ، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به ، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه ، فإنه يجب عليه شيئان ، أن يأمر نفسه وينهاها ، ويأمر غيره وينهاه ، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر (72) ؟ . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله ناقلاً قول بعض أهل العلم : " يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه منه ضرراً ولو كان الآمر متلبساً بالمعصية ؛ لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولاسيما إن كان مطاعاً ، وأما إثمه الخاصة به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذه به ، وأما من قال : لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة ، فإن أراد أنه الأولى فجيد ، وإلا فيلزم سدّ باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره " (73)  . اهـ .

وبما ذكرته سابقاً يزول الإشكال بإذن الله ، ولقد أحسن من قال :

ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب   

فمن يعظ العاصين بعد محمد

 5- التماس الخطيب رضا الغير :

ينبغي للخطيب أن ينتبه لناحية مهمة تعدُّ مدخلاً واسعاً من مداخل الشيطان لاسيما إذا كان الخطيب ممن يتجمهر حوله الناس ويكثر محبوه ، وهذا الأمر المهم هو طلب رضاء الناس أو التماسه ، أو موافقة النفس في التطلع إليه أو الميل له ، فالخطيب المشهور تعتريه غالباً حالتان : إما أن يرضي جمهوره بخطبة فيها نوع من القوة في النقد والإثارة حتى ولو كان حقّاً ولكن دون روية أو تسييس ، أو نظر في المقاصد والغايات ، أو في حسن التوقيت ، أو في الراجح من المصالح والمفاسد ، أو في المندوحة عن الزج بالنفس في مثل هذا ، أو أن يرضي طرفاً آخر غير الجمهور ممن هو مخالف لهم ، أو ليست له حظوة عندهم ، أو بينه وبينهم من النفرة ما يدعوه إلى قول مثل ذلك . وكلا الأمرين خطأ فادح حيث لا يخرجان عن التماس رضا الناس قبل رضا الله ، ولا أدل على خطأ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة (( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه ، وأرضى الناس عنه ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه ، وأسخط عليه الناس )) (74) .

وعند الترمذي أن معاوية كتب إلى عائشة أن اكتبي إليّ كتاباً توصيني فيه ، ولا تكثري عليّ ، فكتبت عائشة إلى معاوية : سلام عليك ، أما بعد : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ، من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس )) والسلام عليك (75) .

ولابن القيم رحمه الله كلام حول مثل هذه المسألة فيما يتعلق بإرضاء المخلوقين أيّاً كانوا ، من خلال حديث عائشة السابق .

فقد قال رحمه الله : ... وهم لا يتمكنون مما لا يريدون إلا بموافقة أولئك أو بسكوتهم عن الإنكار عليهم ، فيطلبون من أولئك الموافقة أو السكوت ، فإن وافقوهم أو سكتوا سلموا من شرهم في الابتلاء ، ثم قد يتسلطون هم أنفسهم على أولئك يهينونهم ويعاقبونهم أضعاف ما كان أولئك يخافونه ابتداء ، كمن يطلب منه شهادة الزور أو الكلام في الدين بالباطل إما في الخبر وإما في الأمر ، أو المعاونة على الفاحشة والظلم ، فإن لم يجبهم آذوه وعادوه ، وإن أجابهم فهم أنفسهم يتسلطون عليه فيهينونه ويؤذونه أضعاف ما كان يخافه وإلا عذب بغيرهم ، فالواجب ما في حديث عائشة الذي بعثت به إلى معاوية ويروى موقوفاً ومرفوعاً (( من أرضى الله بسخط الناس ..الخ الحديث )) ، وهذا يجري فيمن يعين الملوك والرؤساء على أغراضهم الفاسدة، وفي من يعين أهل البدع المنتسبين إلى العلم والدين على بدعهم"(76). اهـ

فانظر إلى كلام ابن القيم هنا ، وانظر ما يكون في المرء عرضة بإرضاء طرفين أو أحدهما ، حيث إنه يجب عليه أن يتركهما ويتجه إلى إرضاء الله وحده .

ويقول ابن القيم أيضاً : فالسعيد الرابح من عامل الله فيهم ، ولم يعاملهم في الله ، وخاف فيهم ولم يخفهم في الله ، وأرضى الله بسخطهم ولم يرضهم بسخط الله ، وراقب الله فيهم ولم يراقبهم في الله ... الخ (77) . اهـ .

قلت : هذا إذا أرضى الناس بأمر خاطئ ، أما إذا أرضى أحد الطرفين بأمر صواب وكان من أمور العبادة وهو يقصد إرضاءهم بذلك ، ويكون هذا الإرضاء هو المنشئ لهذا الأمر، فيخشى أن يكون من باب الرياء وهو الشرك الخفي الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته .

فعند ابن ماجة من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنّ أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله . أما إني لست أقول يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً . ولكن أعمالاً لغير الله وشهوة خفية )) (78) .

وعند البغوي في تفسيره بسنده عن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر )) . قالوا : يا رسول الله ، وما الشرك الأصغر ؟ قال : (( الرياء )) يقول الله لهم يوم القيامة يوم يجازي العباد بأعمالهم : (( اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء )) (79) .

وبهذا يتضح أثر هذا المسلك وأنه مظنة الزلل للخطيب ، والمفضي إلى الوقوع في مغبة الإثم ، إذ على الخطيب أن يقول الحق لوجه الله لا ينظر فيه إلى رغبة جمهور ، ولا إلى رغبة سلطان ، ولا غيره ، كما قال تعالى : {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} (80) .

لقد أورد الزبيدي شارح الإحياء كلاماً مفيداً حول التماس سخط الله برضا الناس ، فذكر قصتين واقعتين قائلاً : وقد اتفق أن الملك الظاهر بيبرس رحمه الله تعالى لما وصل الشام وحضر لصلاة الجمعة ، أبدع الخطيب بألفاظ حسنة يشير بها إلى مدح السلطان ، وأطنب فيها ، فلما فرغ من صلاته أنكر عليه وقال مع كونه تركياً : ما لهذا الخطيب يقول في خطبته السلطان السلطان ، ليس شرط الخطبة هكذا ، وأمر به أن يضرب بالمقارع ، فتشفع له الحاضرون . هذا مع كمال علم الخطيب وصلاحه وورعه ، فما خلص إلا بعد الجهد الشديد .

واتفق مثل هذا لبعض أمراء مصر في زماننا ، لما صلى الجمعة في أحد جوامع مصر ، وكان مغروراً بدولته مستبداً برأيه ، وربما نازعته نفسه في خلافة على مولانا السلطان نصره الله تعالى ، فأطنب الخطيب في مدحه بعد أن ذكر اسمه بعد اسم السلطان ، فلما فرغ من صلاته أمر بضرب ذلك الخطيب وإهانته ونفيه عن مصر إلى بعض القرى . فهذا وأمثال ذلك ينفي للخطباء أن يلتمسوا سخط الله تعالى برضا الناس ؛ فإن ذلك موجب لسخط الله تعالى والمقت الأبدي ، نسأل الله العفو منه آمين (81) . اهـ .

وتحدث الشيخ محمد رشيد رضا محذراً الخطيب بقوله : " عليه أن يراقب الله وحده ، ويذكر أنه عليم بخطرات نفسه ، وجولات ذهنه ، ثم محاسبته على ما تخفي الصدور . وإذا علم أن ثناء الناس لا قيمة له عند الله – ما لم يكن بحق – وأنه لا يحول دون ضر أراده الله بمن يقول ولا يفعل ، أو ينطق بغير ما يضمر ، ويظهر بغير ما يبطن . إذا علم ذلك سهل عليه أن يدع الناس وثناءهم جانباً ، ويولي وجهه نحو الذي فطر السموات والأرض وبيده ملكوت كل شيء ، وهو يجير ولا يجار عليه ، فإن ذلكم الجدير بالرعاية والأول بالرقابة ، والحقيق بالرغبة في ثوابه ، والرهبة من عقابه ، لا من لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً ، وربما كان ثناؤه بلسانه وبين جنبيه عدو لدود وحسود حقود . فالواعظ العاقل منْ مقال حاله ساعة يتصدى للإرشاد {لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} ، { إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} (82) . اهـ .

وقال الشيخ على الطنطاوي قاصداً الخطيب : عليه أن يبين حكم الله فقط ، لا آراءه هو وخطرات ذهنه ، ويحرص على رضا الله وحده ، لا على رضا الناس ، فلا يتزلف إلى أحد ، ولا يجعل الخطبة وسيلة إلى الدنيا ، وسبباً للقبول عند أهلها (83) . اهـ .

وقد بوَّب البخاري في صحيحه باباً فقال : " باب العرض في الزكاة " .

ثم قال البخاري : " وقال طاوس : " قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن : " ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة ، أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (84) " .

ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن رشيد أنه قال : " وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم ، لكن قاده إلى ذلك الدليل " (85) . اهـ .

قلت : ففي هذا دليل واضح على ما ذكرته ، وهو أن المرء لا ينبغي أن يقوده شيء إلى أمر من الأمور إلا الدليل الشرعي الذي يكون إتباعه إرضاءً لله عز وجل بقطع النظر عن كونه يوافق المخالف أو لا يوافقه .

 6- وقوع الخطيب في العُجب وحب الشهرة :

قد يبدأ الخطيب مشوار الخطابة بداية متواضعة ربما حقر فيها نفسه ، ولكن ما أن تقف قدماه على منبر الخطباء النجباء الذين يملكون قلوب الناس قبل أسماعهم إلا وتبقى نفسه عرضة للانزلاق في مهاوي العُجب، الذي يحمله على الاعتداد برأيه دون غيره فيقع فريسة للأخطاء ومجانبة الصواب، لاسيما في الأمور المعضلة التي تنزل بالمجتمع حيناً بعد آخر ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد ذمَّ هذه الصفة بقوله : (( إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ، ودعْ عنك العوامَّ )) رواه أبو داود والترمذي وحسنه (86) .

قال أبو حاتم البستي : " إعجاب المرء بنفسه أحد حصاد عقله (87) . اهـ .

ونقل ابن عبدالبر عن أحد السلف قوله : الإعجاب آفة الأحباب . ونقل عن آخر قوله : من أعجب برأيه ضلَّ ، ومن استغنى بعقله زلَّ (88) . اهـ .

ولو ترك المرء لنفسه مجالاً في إتباع الهوى والإعجاب بنفسه لأفسد في الناس ، ولوجد لإفساده أتباعاً من جنسه وأشياعاً قلُّوا أو كثروا. وقد أشاع ابن قتيبة إلى مثل هذا بقوله:" والناس أسراب(89) طير يتبع بعضها بعضاً ، ولو ظهر لهم منْ يدَّعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ، أو يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعاً وأشياعاً (90) .. " إلى أن قال : ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة وحب الأتباع واعتقاد الإخوان بالمقالات (91) . اهـ .

ولقد أحسن أبو العتاهية حين قال :

أأخي من عشق الرياسة خفت أن   

يطغى ويحدث بدعة وضلالاً (92)

وقد قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما : " الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم . فقال ابن عباس : الهوى كله ضلالة " (93) .

وقال الحسن البصري رحمه الله : " اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم " (94) .

وقال أبو الدرداء : علامة الجهل ثلاث : العجب ، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه ، وأن ينهى عن شيء ويأتيه (95) . اهـ .

ولقد أحسن علي بن ثابت حين قال :

المال آفته التبذير والنهب    

والعلم آفته الإعجاب والغضب (96)

والمقولات عن السلف في هذا الباب كثيرة جداً قد يطول بنا حصرها ، غير أن أحسن ما يداوي المعجب بنفسه هو أن ينظر إلى من فوقه علماً وتواضعاً من سلفنا الصالح وعلمائنا الكرام ممن قال الله عنهم { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (97) .

ومعلوم أن باب الشهرة باب غامض كما قال سفيان الثوري : " إياك أن تكون ممن يجب أن يُعمل بقوله ، أو يُنشر قوله ، أو يُسمع قوله ، وإياك وحب الشهرة فإن الرجل يكون حب الشهرة أحب إليه من الذهب والفضة ، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة " . اهـ .

قال الشاعر :

من شاء عيشاً هنياً يستفيد به فلينظرن إلى من فوقه أدباً      

في دينه ثم دنياه إقبالا ولينظرن إلى من دونه مالا

وقد نقل ابن مفلح عن الفضيل أنه قال : " من أحب أن يُذكر لم يذكر ومن كره أن يُذكر ذُكِر " (98) . اهـ .

وقال إسحاق بن بنان : قال أحمد : سمعته يقول – يعني بشراً – قال : إبراهيم بن أدهم : ما صدق الله عبد أحب الشهرة (99) . اهـ .

وقال المروزي : سمعت أبا عبدالله يقول : من بُلي بالشهرة لم يأمن أن يفتنوه إني لأفكر في بدء أمري ، طلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سنة (100) . اهـ .

وذكر ابن المبارك عن مطرف بن عبدالله بن الشخير قال : " لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أن أبيت قائماً فأصبح معجباً (101) .

وتحدث الشيخ محمد رشيد رضا موصياً الخطيب بقوله : " وإياه أن يأخذه الغرور بعلو المكانة وارتفاع الدرجة ، أو يغلبه الرياء والتطلع للثناء ، فإن ذلك مرض الواعظ القاضي على سلطانها ، المانع من تأثيرها ، بل عليه أن يراقب الله وحده .... الخ " (102) . اهـ .

 7- قوله صلى الله عليه وسلم ((إن من البيان لسحراً)).هل هو للمدح أو للذم؟.

روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن من البيان لسحراً )) (103) .

وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث ، وهل هو على وجه الذم أو على وجه المدح ؟

قال أبو حاتم البستي : " قد شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر البيان بالسحر ، إذ الساحر يستميل قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته ، والفصيح الذرب اللسان يستميل قلوب الناس إليه بحسن فصاحته ونظم كلامه ، فالأنفس تكون إليه تائقة ، والأعين إليه رامقة (104) " . اهـ .

وقال الخطابي : " البيان اثنان : أحدهما : ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان. والآخر: ما دخلته الصنعة يروق للسامعين ويستميل قلوبهم ، وهو الذي يشبه بالسحر " (105) . اهـ.

قلت : اعلم أن للعلماء حول معنى هذا الحديث توجهين أو قولين ، وهما مبنيان على ما فهمه كل منهم من نصِّ النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه عن ابن عمر قال : قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن من البيان لسحراً ، أو إن بعض البيان لسحر )) (106) .

والقولان حول هذه المسألة هما :

القول الأول :

قال أصحابه : إن هذا الحديث جاء في معرض ذم البلاغة ، إذ شبهها النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر ، والسحر محرم مذموم ، وذلك لما فيها من تصوير الباطل في صورة الحق والتفيهق (107) والتشدق (108) ، وقد جاء في الثرثارين (109) المتفيهقين ما جاء من الذم ؛ ولما فيه من التصنع والتكلف واستمالة لقلوب المستمعين حتى يحول الشيء عن حقيقته ، فيلوح للناظر في معرض غيره . وإلى هذا المعنى ذهب طائفة من أصحاب مالك ، واستدلوا على ذلك بإدخال مالك له في موطئه في باب ما يكره من الكلام (110) .

قال الباجي من المالكية : الذي ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى له وجه إن كان البيان بمعنى الإلباس والتمويه عن حقٍّ إلى باطل ، فليس يكون البيان حينئذٍ في المعاني من بابه ، فيكون في مثل هذا قد سحره وفتنه ، فيكون ذلك ذماً . وأما البيان في المعاني وإظهار الحقائق فممدوح على كل حال وإن وصف بالسحر (111) . اهـ .

والذين ذموا البيان أكدوا قولهم بما رواه الترمذي من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الحياء والعيّ شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)) (112) .

قال ابن الأثير : " وأما ( البيان ) فإنما أراد منه بالذم التعمق في النطق ، والتفاصح ، وإظهار التقدم فيه على الناس ، وكأنه نوع من العجب والكبر ، ولذلك قال في رواية أخرى ( البذاء وبعض البيان ) لأنه ليس كل البيان مذموماً (113) " . اهـ .

قلت : وقد فسر الترمذي معنى البيان الذي في الحديث بما هو أوضح من كلام ابن الأثير، حيث إنه هو من خرَّج الحديث السابق ذكره، فقد أعقبه بقوله: "والبيان: هو كثرة الكلام، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيتوسعون في الكلام ويتفصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله" (114) . اهـ.

فكلام الترمذي هذا يدل على أن البيان لا يذم إلا إذا كان فيما لا يرضي الله ، والله أعلم .

وقد تحدث ابن القيم رحمه الله واصفاً بعض الخطباء بما يذمون به فقال : " وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها ، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفِقر وعلم البديع ، فنقص بل عدم حظ القلوب منها ، وفات المقصود بها " (115) . اهـ .

ونقل الباجي : عن عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى : أن الطلق اللسان لا يزال صاحبه يكلمه حتى يأخذ بسمعه وقلبه وبصره كما يأخذ الساحر ، ألا ترى إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ما أعطي العبد شراً من طلاقة اللسان )) (116) (117) . اهـ .

القول الثاني :

وهو قول جمهور أهل العلم ، فقد ذهبوا إلى أن الحديث جاء على وجه المدح والحث على تخير الألفاظ ، والتأنق في الكلام .

واحتجوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (( إن من الشعر حكمة )) رواه البخاري (118) .

وقد قال الخطابي : " مما لا ريب فيه أنه جاء على وجه المدح له ، وكذلك مصراعه الذي بإزائه ؛ لأن عادة البيان غالباً أن القرينين نظماً لا يفترقان حكماً " (119) .

وقال ابن بطال : " أحسن ما يقال في هذا : أن هذا الحديث ليس ذمّاً للبيان كله ولا مدحاً ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( من البيان )) فأتى بلفظة ( من ) التي للتبعيض . قال : " وكيف يذم البيان وقد امتن الله به على عباده حيث قال: {خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}(120). اهـ .

قال الحافظ ابن حجر : " والذي يظهر أن المراد بالبيان في الآية المعنى الأول الذي نبَّه عليه الخطابي ، لا خصوص ما نحن فيه . وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز ، والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة ، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام ، وهذا كله من البيان بالمعنى الثاني . نعم الإفراط في كل شيء مذموم ، وخير الأمور أوسطها ، والله أعلم (121) . اهـ .

وقد قال ابن عبد البر عن قول الجمهور ما ملخصه : وأبي جمهور أهل الأدب والعلم بلسان العرب إلا أن يجعلوا قوله صلى الله عليه وسلم : (( إن من البيان لسحراً )) مدحاً وثناءً وتفضيلاً للبيان وإطراءً ، وهو الذي تدل عليه سياقة الخبر ولفظه على ما نورده في هذا الباب إن شاء الله .

فعن ابن عباس قال : " اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، ففخر الزبرقان فقال : يا رسول الله ، أنا سيد تميم ، المطاع فيهم ، والمجاب منهم ، آخذ لهم بحقوقهم ، وأمنعهم من الظلم ، وهذا يعلم ذلك – يعني عمرو بن الأهتم – فقال عمرو : وإنه لشديد العارضة ، مانع لجانبه ، مطاع في أدانيه . فقال الزبرقان : والله لقد كذب يا رسول الله ، وما يمنعه أن يتكلم إلا الحسد . فقال عمرو : أنا أحسدك ! فوالله لبئيس الخال ، حديث المال ، أحمق الوالد ، مبغض في العشيرة ، والله يا رسول الله ، ما كذبت فيما قلت أولاً ، ولقد صدقت فيما قلت آخراً ؛ رضيت فقلت أحسن ما عملت ، وغضبت فقلت أقبح ما وجدت ؛ ولقد صدقت في الأمرين جميعاً . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن من البيان لسحراً )) (122). اهـ .

قلت : رواه الحاكم (123) وأخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه (124) من غير ذكر القصة .

قال ابن عبدالبر : وفي هذا دليل على مدح البيان وفضل البلاغة ، والتعجب بما يسمع من فصاحة أهلها ، وفيه المجاز والاستعارة الحسنة ؛ لأن البيان ليس بسحر على الحقيقة . وفيه الإفراط في المدح ، لأنه لا شيء في الإعجاب والأخذ بالقلوب يبلغ مبلغ السحر . وأصل لفظة السحر عند العرب الاستمالة ، وكل من استمالك فقد سحرك . وقد ذهب هذا القول منه صلى الله عليه وسلم مثلاً سائراً في الناس ، إذا سمعوا كلاماً يعجبهم قالوا : إن من البيان لسحراً . ويقولون في مثل هذا أيضاً : هذا السحر الحلال ونحو ذلك قد صار هذا مثلاً أيضاً .

وروي أن سائلاً سأل عمر بن عبدالعزيز حاجة بكلام أعجبه ، فقال عمر : هذا والله السحر الحلال . وفي هذا الحديث ما يدل على أن التعجب من الإحسان والبيان موجود في طباع ذوي العقول والبلاغة ، وكان صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم ، إلا أنه بإنصافه كان يعرف لكل ذي فضل فضله . وفي هذا ما يدل على أن أبصر الناس بالشيء ، أشدهم فرحاً بالجيد منه ما لم يكن حسوداً . وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم يخرج إلى حد الإسهاب (125) والإطناب (126) والتفيهق ، فقد روي في الثرثارين المتفيهقين أنهم أبغض الناس إلى الله ورسوله .

وهذا – والله أعلم – إذا كان ممن يحاول تزيين الباطل وتحسينه بلفظه ، ويريد إقامته في صورة الحق ، فهذا هو المكروه الذي ورد فيه التغليظ . وأما قول الحق فحسن جميل على كل حال ، كان فيه إطناب أو لم يكن ، إذا لم يتجاوز الحق ؛ وإن كنت أحب أوساط الأمور ، فإن ذلك أعدلها ، والذي اتفق العلماء باللغة في مدحه من البلاغة والإيجاز والاختصار ، وإدراك المعاني الجسيمة بالألفاظ اليسيرة ...

وقال ابن عبدالبر أيضاً: "كان الشعبي إذا سمع حديثاً ورده، فكأنه زاد فيه من تحسينه للفظه، فسمع يوماً حديثاً وقد سمعه معه جليس له يقال له رزين ، فرده الشعبي وحسنه ، فقال له رزين : اتق الله يا أبا عمرو ، ليس هكذا الحديث ، فقال له الشعبي : يا رزين ، ما كان أحوجك إلى محدرج (127) شديد الجلد (128) لين المهزة (129) ، عظيم الثمرة(130)، أخذ ما بين مغرز(131) عنق إلى عجْب(132) ذنب ، يوضع منك في مثل ذلك ، فتكثر له رقصاتك من غير جذل ، فلم يدر ما قال له ، فقال : وما ذاك ؟ قال : شيء لنا فيه أرب ولك في أدب" . ومن أحسن ما قيل في مدح البلاغة من النظم ، قول حسان بن ثابت في ابن عباس :

صموت إذا ما الصمت زين أهله وعى ما وعى القرآن من كل حكمة       

وفتاق أبكار الكلام المختم ونيطت له الآداب باللحم والدم (133)

ولحسان أيضاً في ابن عباس رضي الله عنهما ، ويروى للحطيئة :

إذا قال لم يترك مقالاً لقائل يقول مقالاً لا يقولون مثله كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع       

بمنتظمات(134) لا ترى بينها فضلاً كنحت الصفا لم يبق في غاية فضلاً لذي إربة في القول جداً ولا هزلاً (135)

هذا خلاصة ما ذكر ابن عبدالبر (136) .

 8- قوة البيان وفصاحة اللسان للخطيب :

 الذي ينبغي للمرء هو أن لا يتصدر للخطبة إذا لم ير في نفسه الملكة والقدرة والكفاءة ، إذ ما كل شخص يصلح أن يكون خطيباً ، كما أنه ليس كل من تطبب يعد طبيباً .

وقد كان من عادة السلف الصالح أن لا يتولى أحد منهم أمر الخطابة إذا لم ير من نفسه القدرة عليها ، أو أنه أهل لها ، كما أن السلف رحمهم الله لم يجعلوا الخطابة نوعاً من الأداء الوظيفي العادي ، أو التكسب المالي ، وما ذاك إلا لإحاطتهم بعظم شأنها وعلو مكانتها ، فإن الخطيب ينبغي أن يكون عالماً بما يقول وما يذر ، ومعرباً مبيناً جهورياً صادقاً ونحو ذلك .

ومما يدل على استيعاب السلف لحقيقة هذه المسألة ، ما رواه الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه ببراءة فقال : يا نبي الله ، إني لست باللسن ولا بالخطيب ، قال : ما بد أن أذهب بها أنا ، أو تذهب بها أنت . قال : فإن كان ولابد فسأذهب أنا ، قال : فانطلق فإن الله يثبت لسانك ، ويهدي قلبك ، قال : ثم وضع يده على فمه (137) .

ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن المرء لا ينبغي له أن يعتلي المنبر أو يقوم مقام الخطيب إلا وهو يعلم من نفسه القدرة على ذلك من كافة وجوه القدرة على الخطابة ، وأنه ممن يستحق أن يوصف بأنه ( لسنٌ وخطيبٌ ) .

يدل على ذلك أيضاً ما رواه الإمام أحمد عن خالد بن معدان . قال : (( حضرنا صنيعاً لعبد الأعلى بن هلال ، فلما فرغنا من الطعام ، قام أبو أمامة ، فقال : لقد قمت مقامي هذا وما أنا بخطيب وما أريد الخطبة ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند انقضاء الطعام : الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودَّع ولا مُستغنىً عنه ، فلم يزل يرددهن علينا حتى حفظناهن )) (138) .

قال أبو حاتم البستي : " أحوج الناس إلى لزوم الأدب وتعلم الفصاحة أهل العلم ، لكثرة قراءتهم الأحاديث وخوضهم أنواع العلوم " (139) .

وقال إسحاق النهراني :

النحو يبسُط من لسان الألكنِ وإذا طلبت من العلوم أجلها فـ       

والمرء تكرمه إذا لم يلْحنِ أجلها منها مقيم الألسنِ (140)

قلت : وهذا الملكة ليست واجبة على خطيب وإلا لتوقفت الخطبة وقلَّ الخطباء ؛ لأن عدداً ليس بالقليل من الخطباء ليس لهم اهتمام بهذا الجانب ، ولكن الذي ينبغي على الخطيب هو أن يجتهد في أن تكون الخطبة قوية المعنى سليمة المبنى وإلا كان النفع قليلاً ، وكلما كان اللسان أبين فهو أقوى وأجمل ، كيف لا وقد قال موسى عليه السلام : {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } (141) وقال :{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي} (142) فلو لم يكن للفصاحة هذا الدور فما الحاجة إذاً إلى أن يطلب موسى من ربه إرسال أخيه هارون ليكون رداءاً له ؟ .

وقال ابن شبرمة : ما رأيت لباساً على رجل أحسن من فصاحة ، ولا على امرأة من شحم ، وإن الرجل ليتكلم فيعرب فكأن عليه الخز الأوكن ، على امرأة من شحم ، وإن الرجل ليتكلم فيلحن فكأن عليه أسمالاً – وهي الثياب البالية – إن أحببت أن يصغر في عينك الكبير ، ويكبر في عينك الصغير فتعلم النحو (143) . اهـ .

ونقل نحو هذا ابن قتيبة عن ابن سيرين قائلاً : " ما رأيت على رجل أحسن من فصاحة ، ولا على امرأة أحسن من شحم " (144) .

وقال أبو حاتم البستي : (( الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل ، وأحسن إزار يتزر به العاقل ، والأدب صاحب في الغربة ، ومؤنس في القلة ، وزين في المحافل ، وزيادة في العقل ، ودليل على المروءة ، ومن استفاد الأدب في حداثته انتفع به في كبره ، لأن من غرس فسيلاً يوشك أن يأكل رطبها ، وما يستوي عند أولي النهى ، ولا يكون سيان عند ذوي الحجى : رجلان أحدهما يلحن والآخر لا يلحن (145) )) . اهـ .

ولأهل العلم كلام حول هذه المسألة أنقل بعضاً من أقوالهم فيها :

فمن ذلك ما ذكره الشافعي بقوله : " ويكون كلامه مترسلاً(146)، مبيناً، معرباً، بغير الإعراب الذي يشبه العي وغير التمطيط (147) وتقطيع الكلام ومده وما يستنكر منه ، ولا العجلة فيه عن الإفهام، ولا ترك الإفصاح بالقصد ، وأحب أن يكون كلامه قصداً ، بليغاً، جامعاً"(148).

وقال البغوي : " ويستحب أن يخطب مترسلاً ، مبيناً ، ومعرباً لا يأتي بكلمات مبتذلة لا تنجع (149) في القلوب ، ولا يغرب ، بحيث لا يفهم ، ولا بما ينكره العوام لقصور فهمهم ، ولا يمد الكلمات مدّاً يجاوز الحد ، ولا يعجل عن الأفهام ، ويحترز عن التغني وتقطيع الكلام ، ولا يطول فيمل الناس بل تكون خطبته قصداً بليغاً جامعاً (150) " .

وقال أبو الحسين العمراني : " ويستحب أن يكون كلامه مسترسلاً معرباً بلا تمطيط ولا مدٍّ ، ولا يأتي بالكلام الغريب المستنكر الذي تخفى عليهم أو على بعضهم المعاني فيه ، لأن القصد بالخطبة الموعظة ، ولا يحصل إلا بما ذكرناه (151) " .

وقال النووي : " يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة مرتبة مبينة من غير تمطيط ولا تقعير (152) ، ولا تكون ألفاظاً مبتذلة ملفقة ، فإنها لا تقع في النفوس موقعاً كاملاً ، ولا تكون وحشية لأنه لا يحصل مقصودها ، بل يختار ألفاظاً جزلة (153) مفهمة " . قال المتولى : " ويكره الكلمات المشتركة والبعيدة عن الإفهام ، وما يكره عقول الحاضرين ، واحتج بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسول ؟ )) رواه البخاري في أواخر كتاب العلم (154) من صحيحه " (155) .

وقال ابن قدامة : " ويستحب أن يكون في خطبته مترسلاً ، مبيناً ، معرباً ، لا يعجل فيها ، ولا يمططها ، وأن يكون متخشعاً ....." (156) .

وقال أبو حاتم البستي : " ليست الفصاحة إلا إصابة المعنى والقصد ، ولا البلاغة إلا تصحيح الأقسام واختيار الكلام ، ومن أحمد الفصاحة الاقتدار عند البداهة ، والغزارة عند الإطالة . وأحسن البلاغة وضوح الدلالة وحسن الإشارة . ولقد سمعت محمد بن نصر بن نوفل المروزي يقول : سمعت أبا داود السنجي يقول : سمعت الأصمعي يقول : ليست البلاغة بخفة اللسان ، ولا كثرة الهذيان ، ولكن بإصابة المعنى والقصد إلى الحاجة ، وإن أبلغ الكلام ما لم يكن بالقروي المجدع ولا البدوي المعرَّب " (157) . اهـ .

قلت : ولذلك امتدح معاوية رضي الله عنه يزيد بن المقفع حينما خطب عند أخذ البيعة ليزيد بن معاوية ، إذ قال يزيد بن المقفع : " أمير المؤمنين هذا – وأشار إلى معاوية- فإن هلك فهذا -وأشار إلى يزيد -  فمن أبي فهذا - وأشار إلى سيفه - فقال معاوية : اجلس ، فإنك سيد الخطباء (158) . اهـ . وهذا دليل واضح على بلاغة ابن المقفع وحسن بيانه في إيجاز واضح جلي .

قال أبو حاتم أيضاً : " الكلام مثل اللؤلؤ الأزهر ، والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر ، إلا أن بعضه أفضل من بعض ، ومنه ما يكون مثل الخزف والحجر والتراب والمدر (159) " .

قلت : ومما يدل بُعد هذه المسألة عن عدد من الخطباء إلا من رحم الله هو ما يسمع من بعضهم – هداهم الله – من اللحن الجلي وعدم الإفصاح أو إعراب الكلام على الوجه الصحيح ، أو اختلاط الألفاظ والمعاني بذكر المترادفات على صورة المتضادات أو العكس أو ما شابه ذلك ، مما يجعل مثل ذلك كالمطارق تضرب رؤوس المستمعين الذين يميزون بين الفصاحة واللحن والخلط . ويا لله العجب كيف يشتهر خطباء ويكون لخطبهم وقع وهم يلحنون كثيراً ويعربون قليلاً . ولقد أحسن ابن قتيبة حينما قال : " دخل أعرابي السوق فسمعهم يلحنون فقال : سبحان الله! يلحنون ويربحون (160) . اهـ .

وللشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله كلام جميل حول هذا المعنى فكان مما قال فيه : " يجب أن يعنى الخطيب بتصحيح الكلام الذي ينطق به ، وملاحظته في مفرداته وعباراته فيلاحظ بنية الكلمات ملاحظة تامة ، فلا ينطق مثلاً بكلمة ( سوقة) بفتحتين كبعض الخطباء فيذهب ذلك بروعة القول وبهائه ، ولا ينطق بغير ما توجبه قواعد النحو في آخر الكلمات ، فإن ذلك يفسد المعنى . والنطق والخطأ لآخر الكلمات فوق أنه يفسد المعنى ، ويذهب برونق الخطبة ، وحسن وقعها ، وجمال تأثيرها ، ولا يظنن الخطيب أن جودة المعنى وإحكامه قد يذهبان ببعض الأخطاء ، فإن الهنات الصغيرة إذا كثرت أحدثت تأثيراً سلبياً للخطبة ، وأفسدت تأثير المعاني المحكمة ، ثم إن المستمع يلاحظ ما لا يلاحظه الخطيب ، ونظراته إلى المتكلم وكلامه نظرات فاحصة كاشفة ، وإذا ادركوا كثيراً من الأخطاء ضاع أثر الخطبة في نفوسهم(161). اهـ .

والطريقة العلمية لحل هذه المشكلة لا يمكن أن تتحقق إلا بإحدى حالين :

الحال الأول :

أن كان الخطيب ممن درس علوم الآلة ، ومنها علم النحو وعلم البيان والبلاغة ، أو كانت لديه مفاتيح النحو بحيث يميز بين المرفوع والمجرور ، والمنصوب والمجزوم ، وتقدم العامل على المعمول وما أشبه ذلك ؛ فما عليه إلا أن يطبق ما درس على خطبته شيئاً فشيئاً حتى يطابق علمه النظري واقعه العلمي . ومما لا شك فيه أن هذا لا يتأتى لأول وهلة هكذا ، ولا طفرة دون تدرج .

قال عبدالرحمن بن مهدي : " ما ندمت على شيء ندامتي أني لم أنظر في العربية " (162) . اهـ .

وقال شعبة : " مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الدابة عليها المخلاة ، ليس فيها شيء " (163) . اهـ .

الحال الثانية :

إن لم يكن الخطيب ذا إلمام بالنحو وعلم البيان والبلاغة ، فلا أقل من أن يعرض الخطبة على من يملك ذلك ليصحح له ما فيها من أخطاء ، وهذا ليس بعيب فإن المرء لا يولد عالماً ، وما هي إلا فترة من الزمن حتى يصبح للخطيب بعدها ملكة تعينه على سلامة الخطبة من اللحن ورداءة الأسلوب .

ثم إن الخطابة كسائر الصنائع والمواهب يتفاوت الناس في إتقانها والأخذ بزمامها من حيث الزمن ، فمنهم من ينجز ذلك في أمد يسير ، ومنهم من يحتاج إلى زمن أطول من ذلك ، وقد قال بعض أهل الأدب :

إنهم لم يروا خطيباً بلدياً إلا وهو في أول تكلفه للخطابة كان مستثقلاً إلى أن يتوقح وتستجيب له المعاني ، ويتمكن من الألفاظ إلا شبيب بن شيبة ، فإنه ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره (164) . اهـ .

ثم إن الخطباء البلغاء كانوا يأخذون أنفسهم بالتدرب على الخطبة إلى أن تصير لهم سجية وعادة . وقد قالوا : " إن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي كان لا يتكلم إلا اعترته حبسة في منطقة فلم يزل يتشادق ويعالج إخراج الكلام حتى مال شدقه ، ولذا لقب بالأشدق وفيه يقول الشاعر :

تشادق حتى مال بالقول شِدقُه

وكلُّ خطيبٍ لا أبا لك أشدقُ (165)

وحاصل القول أن التدرب وهذه الملكة لا تكون إلا ممن سلك سبلها واصطبر عليها يوماً فيوماً ، وراض عليها لسانه في المنتديات العامة والجمع والأعياد ونحو ذلك ، ولو راعه الموقف أولاً أمنه آخراً ، فقديماً قيل : من وقف حيث يكره وقف حيث يحب .

 9- إعداد الخطيب للخطبة :

إن الخطيب قد يلقي خطبته إما بعد تحضير وإعداد ، وإما على المجازفة والبديهة لاسيما في حق المرتجل .

والحق أن الكلام الذي لا يعدُّ له قد لا يقيم حقّاً ، ولا يخفض باطلاً ، ولا يجذب نفساً ، ولا ينفر من أمر ، لاسيما إذا كان الخطيب بين قوم فيهم من يتسقط هفواته ، ويتتبع سقطاته ، ويحصيها عليه إحصاءً . والواجب على الخطيب ألا يتوهم أن تحضير الخطبة قد ينقص من قدره ، بل الصحيح هو أن الكلام المبتذل الذي لا يعدًّ له ، ولا يزول في النفس ابتداءً ؛ هو الذي فيه مظنة العيب .

والملاحظ أن بعض الخطباء لا يعدُّ للخطبة إلا في صبح الجمعة أو قبلها بسويعات ، والذي يفعل مثل هذا إن كان فعله له سبب يبيح ذلك له فالضرورة لها أحكامها ، أما إذا كان ديدنه ذلك أو يقتلع إحدى الخطب من بعض الدواوين قبل الجمعة بزمن يسير دون النظر في ماهية الخطبة أو مدى مناسبتها لوقتها . ثم يلقيها من على المنبر من باب الأداء الوظيفي فحسب أو من باب الكسل وقلة الاكتراث بأمور المسلمين وأحوالهم ؛ فهذا ممن لا يهتم بحمل الدعوة إلى الله على وجهها الذي ينبغي ، وإنما اتخذ المنبر عادة أو تكسباً . فلا حول ولا قوة إلا بالله .

فالواجب على الخطيب أن يضع جلَّ همِّه وتفكيره في خطبة الجمعة ، ويفرغ لها الوقت الطويل لإعدادها الإعداد المناسب ، وينظر في حاجات الناس ومقتضى حالهم كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد قال ابن القيم رحمه الله عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم : " وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته " (166) .

وقال أيضاً :"وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم"(167) اهـ .

وإعداد الخطيب أو المتكلم به أمر معروف عند أصحاب هذا الشأن . ففي صحيح البخاري في قصة سقيفة بني ساعدة قول عمر رضي الله عنه : " أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر الصديق ... " (168) . هذه رواية ابن عباس .

وفي رواية عائشة : قال عمر رضي الله عنه : " والله ما أردت لذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر " (169)

وقد كان هشام بن عمار خطيب دمشق ، وكان بليغا صاحب بديهة ، وقد قال عن نفسه : (( ما أعدت خطبة ـ أي كررت ـ منذ عشرين سنة )). وقد قال عبدان : ما كان في الدنيا مثله ـ يعني في الخطبة ـ وكان من أبلغ ما يقول في خطبته : قولوا الحق ينزلكم الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضى ألا بالحق (170).                                                                                                                   

قلت:وبمثل هذا الأعداد، وتهيئة الكلام قبل اعتلاء المنبر تبرأ الذمة ويحصل المقصود، والله الموفق

 10- استيعاب الخطبة للموضوع :

يخطئ بعض الخطباء الفهم حينما يظنون أن الخطبة يمكن أن تستوعب جميع عناصر الموضوع الذي يراد طرحه ، فتجدهم يطيلون الخطبة إطالة فاحشة من أجل استيعاب الموضوع من جميع جوانبه ، وهذا أمر متعذر ، وهو من وجهة نظري ليس بصحيح ؛ لأنه يوقع في سلبيات متعددة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

أ- الإكثار من حشو الأدلة والنقاط المتعلقة بالموضوع بحيث ينسي آخرها أولها .

ب- الإطالة على المستمعين في الخطبة ، ومن ثم خروجها عن المقصود وهو التخفيف وعدم الإطالة ، ولذلك نجد بعض الخطباء قد يتجاوز النصف ساعة فأكثر ، وهذا مشاهد محسوس في زماننا هذا ، والله المستعان .

ج- أن المراد من طرح الموضوع هو التذكير والعظة ، وهذا يحصل بدون إطالة ، بل يكفي التركيز على أساسيات الموضوع مع الاقتصار على جزء من الأدلة وجزء من الأسباب وجزء من العلاج ، وبعض النقولات التي تغني عن غيرها مع عدم لزوم الاستيعاب ، لأنه كما قيل : الحر تكفيه الإشارة ، ولأن يقول المستمعون: ليته لم يسكت خير من أن يقولوا ليته سكت!! .

 11- وجهة نظر حول الخطب المجملة :

لما كانت الثمرة العائدة من خطبة الجمعة هي دعوة الناس للهدى ودين الحق ، وإحياء الفضيلة وإماتة ضدها . كانت الخطب المجملة – والتي تجمع في نفس الوقت مواضيع كثيرة – قليلة الفائدة مشتتة للأذهان قلَّ أن تلمس مواضع الداء ، وذلك كمثل الطبيب الذي يخطب الجمهور يحثهم على قواعد الصحة العامة مع سردها مفصلة .

والواقع أن بين الناس المجذوم والمبطون وذا الرمد وما شاكل ذلك من ذوي الأمراض الخبيثة أو المعدية التي تحتاج إلى إفراد في الحديث وبيان الأدوية الخاصة لها . فلذلك كان الكلام على موضوع يأخذ حقَّه من الطرح مصحوباً بالأسباب والعلاج أنفع للناس وأبلغ في التأكيد ؛ لاسيما في هذه الأزمنة التي كلَّت فيها الأنفس ، وقصرت فيها الهمم . فمن أراد العظة البليغة والقولة المؤثرة فليعمد إلى المنكرات المتفشية لاسيما ما كان فيها قريب العهد بالناس ، أو المصالح التي يغفل عنها كثير من الناس ، ثم يبين هذه الوقائع مقدماً أكبرها مصلحة أو أشرها ضرراً وأسوأها أثراً ، فيجعله محور خطابته وموضع عظته . وهذا أمر معلوم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد قال ابن القيم رحمه الله واصفاً خطبة النبي صلى الله عليه وسلم : " وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته ، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضَّ عليها " (171) .

وقال في موضع آخر: (( وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم )) (172) . اهـ .

وقد تحدث الشيخ محمد أبو زهرة مبيناً ما ينبغي للخطيب من البعد عن الخطب المجملة ، والزج بأكثر من موضوع في الخطبة الواحدة فقال : " يجعل الخطبة متصدية لعيب واحد لا تعدوه ، لأنه لو تعرض لعدة عيوب لضعف التأثير ، وما استطاع أن يصل إلى مرماه . ولذا يؤخذ على بعض خطباء المساجد أنهم في كل خطبة من خطبهم ينهون عن المعاصي جملة واحدة ، أو يحصونها إحصاء ، ويكررون ذلك في كل جمعة – والعاصي في غيه يعمه ، وهو عنهم وعن وعظهم لاهٍ – ولو خصصوا خطبهم بدل أن يعمموا لأجدى كلامهم ، ولأفاد وعظهم ، ولو صلوا إلى بعض ما يريدون ، أو نصبوا إليه (173) . اهـ .

وللشيخ علي الطنطاوي كلام حول هذا المعنى . وقد عدَّ فيه الخطب المجملة – والتي تجمع أكثر من موضوع واحد – عيباً من عيوب الخطبة فقال : " ومن عيوبها : أنه ليس للخطبة موضوع واحد معين ، بل تجد الخطيب يخوض في الخطبة الواحدة في كل شيء ، ينتقل من موضوع إلى موضوع ، فلا يوفي موضوعاً منها حقَّه من البحث ، فإذا جاء الجمعة الثانية عاد إلى مثل ما كان منه في الجمعة الأولى ، فتكون الخطب كلها متشابهة متماثلة ، ولا يخرج السامع له بنتيجة عملية . ولو أن الخطيب اقتصر على موضوع واحد جلَّ أو دقَّ ، كبر أو صغر ، فتكلم فيه ولم يجاوزه إلى غيره ، لكان لخطبته معنى ، ولأخذ السامع منها عبرة ، وحصل منها فائدة (174) . اهـ .

 12- مراعاة الخطيب لحال المستمعين :

ينبغي للخطيب أن يستحضر في نفسه قبل إعداد الخطبة وإلقائها أن السامعين يختلفون ، ففيهم العالم ، وفيهم الجاهل ، وفيهم العامي ، وفيهم الأمير والوزير ، فيكون الخطيب فيهم كالمتفرس ، إذا عليه أن يعلم مبلغ طاقاتهم وقدر استيعابهم وإقبالهم على الانتفاع ، فيعطيهم ما يتحملون ، ويمسك عما لا يطيقون ، ويوجز عند خشية السامة . وقديماً قيل : " ومن لم ينشط  لكلامه فارفع عنه مؤنة الاستماع منك " والناس لا يعدم أن يكون فيهم ذكي محتاج إلى الزيارة ، وقاصد يكتفي بالقليل ، فيضجر الذكي ويعجز القاصر ، ومنْ هذه حال الناس معه ملّوه . وملّهم ويُذكر أن الخضر قال لموسى عليهما السلام : (( يا طالب العلم ، إن القائل أقل ملالة من المستمع ، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم )) .

وروي عن ابن السماك أنه جلس يوماً للوعظ وجاريته تسمع كلامه ، فلما انصرف إليها قال لها : كيف سمعت كلامي ؟ قالت : ما أحسنهُ إلا أنك تكثر ترداده . فقال : أردده كي يفهمه منْ لم يفهمه . فقالت : إلى أن يفهمه من لم يفهمه ، قد ملَّهُ منْ فهمه (175) .

وقد قال الإمام أحمد عن الموعظة وإطالتها : لا أحب أن يملَّ الناس ، ولا يطيل الموعظة إذا وعظ (176) . اهـ .

ألا فإن مراعاة الخطيب لأفهام الناس وعقولهم لهو من أهم ما ينبغي أن يدركه كل خطيب ، وكلام أهل العلم حول هذه المسألة مطروق ومبذول ، وسأورد شيئاً من كلام بعضهم لإدراك هذا الأمر والاتعاظ به .

فلقد بوَّب البخاري في صحيحه باباً فقال : باب من خصَّ بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا . ثم أردف قول علي : حدِّثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟ (177) . اهـ .

وعند مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : (( ما أنت بِمُحدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم ، إلا كان لبعضهم فتنةً )) (178) .

وعن هشام بن عروة قال : قال لي أبي : " ما حدثت أحداً بشيء من العلم قط لم يبلغه عقله إلا كان ضلالاً عليه " (179) .

وعن أبي قلابة قال: "لا تحدث بحديث من لا يعرفه ، فإن من لا يعرفه يضره ولا ينفعه"(180) .

قال الحافظ ابن حجر : " وممن كره التحدث ببعض دون بعض : أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ، ومالك في أحاديث الصفات ، وأبو يوسف في الغرائب ، ومن قبلهم أبو هريرة في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن ، ونحوه عن حذيفة ، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين ؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي (181) . اهـ .

ثم بيّن الحافظ رحمه الله ضابط هذه المسألة فقال : وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة ، وظاهره في الأصل غير مراد ، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهرة مطلوب ، والله أعلم (182) . اهـ .

قال البغوي : " ولا يأتي بكلمات مبتذلة لا تنجع في القلوب ، ولا بما ينكره العوام لقصور فهمهم (183) . اهـ .

وقال ابن الجوزي : من المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم ، أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده . فالمخاطب لهذا مخاطر بنفسه ، فالله الله أن تحديث مخلوقاً من العوام بما لا تحتمله دون احتيال وتلطف ، فإنه لا يزول ما في نفسه ، ويخاطر المحدث له بنفسه ، فكذلك كل ما يتعلق بالأصول (184) .

وقد روى أبو داود في السنن عن بريدة عن أبيه عن جده قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن من البيان سحراً ، وإن من العلم جهلاً ، وإن من القول عيالاً)) (185)

 وقد نقل أبو داود عن صعصعة قوله : " إن من القول عيالاً " بأنه : عرض المرء كلامه أو حديثه على من ليس من شأنه ولا يريده (186) . اهـ .

ونقل الخطابي عن أبي زيد أن معناه : كأنه لم يهتد لمن يطلب علمه فعرضه على من لا يريده (187) . اهـ .

ولابن عقيل في " الفنون " : أنه سئل عن قوم يجتمعون حول رجل يقرأ عليهم أحاديث وهو غير فقيه ؟ فقال : هذا وبال على الشرع أو نحو ذلك ، فإن جماعة من العوام تفرقوا عن مجلس مثل هذا وبعضهم يقول لبعض : أستغفر الله مما فعلت كثيراً ولم أعلم أن الشرع قد نهى عنه ، قيل له : وما هو ؟ قال : كنت أبذل ماء قراحي وأبذل حقي من الماء ، وإذا هو قد نهى الشرع عنه ، فإنه روى لنا الشيخ عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يسقين أحدكم ماءه زرع غيره )) (188) وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم : (( عن بيع وشرط )) (189) وقد كنت أشرط الخيار لنفسي ، فأستغفر الله من ذلك ... وإنما الراوي إذا كان قادراً أن يبين خصوص العام المخصص وتقييد المطلق بتقييده وإلا فمخاطرة ، وربما قرأ ((نفس الرحمن من اليمن))(190) و(( الحجر الأسود يمين الله )) (191) ومعلوم أن من اعتقد ظاهر هذا كفر . (192) . اهـ .

وقال ابن عباس عن وعظ العوام : ليحذر الخوض في الأصول فإنهم لا يفهمون ذلك ، لكنه يوجب الفتن ، وربما كفروه مع كونهم جهلة . (193) . اهـ .

وقد أخرج عبدالرزاق عن معمر قال : بلغني أن عليّاً مرَّ بقاصٍ فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت ، قال : ومرَّ بآخر قال : ما كنيتك ؟ قال : أبو يحيى ، قال : بل أنت أبو اعرفوني (194) .

وقال ابن مفلح : فالحذر الحذر من مخاطبة من لا يفهم بما لا يحتمل ، وقد جرت فتن بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة سنين ، فقتل فيها من الفريقين خلق كثير ، لا يدري القاتل لِم قتل ، ولا المقتول لم قُتِل ، وإنما كانت لهم أهواء مع الصحابة فاستباحوا بأهوائهم القتل . فاحذر العوام كلهم ، والخلق جملة فقد قال الشاعر :

فسد الزمان فلا كريم يرتجى

منه النوال ولا مليح يعشق (195)

وأخرج عبدالرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن عبدالله بن عياض قال دخل عبيد بن عمير على عائشة فسألت : من هذا ؟ فقال : أنا عبيد بن عمير . قالت : عمير بن قتادة ؟ قال : نعم يا أمتاه . قالت : أما بلغني أنك تجلس ويجلس إليك ؟ قال : بلى يا أم المؤمنين ، قالت : فإياك وتقنيط الناس وإهلاكهم (196) .

وقد تحدث الشيخ على الطنطاوي عن عيوب الخطبة في العصر الحديث فقال : " ومن عيوبها أن الخطيب ( أعني بعض منْ يخطب ) يحاول أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة ، فلا يخاطب الناس على قدر عقولهم ، ولا يكلمهم على مقتضى أحوالهم ، ولا يسير بهم في طريق الصلاح خطوة خطوة ، بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة ، مع أن الطفرة في رأي علمائنا محال (197) . اهـ .

فالحاصل إذن : أن أفضل الخطباء وخيرهم الفطن الذي لا يقل ولا يمل ، والله الموفق .

 13- اقتراح حول التجديد في الخطب :

من خلال استقرائي جملة من الخطب العصرية لعدد من الخطباء على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم وأقاليمهم إلا أنني أجد اتفاقاً واضحاً في الاستدلال على المواضيع المطروحة بأحاديث مطروقة مبذولة بكثرة ، وليس هذا احتقاراً أو تقليلاً من شأنها ، كلا بل إنني أريد أن أصل إلى مرادي ، وهو التجديد في الأدلة ، لأننا ربما نجد أن الخطباء حينما يخطبون عن موضوع ما وليكن مثلاً في بر الوالدين أو صلة الرحم ؛ فإنك تجدهم يتفقون على أحاديث معينة يكثر طرحها وذكرها مع أن هناك أحاديث أخرى لا تقل عنها صحة ولا صراحة في الموضوع ، غير أن كثيراً من الناس يجهلها ولا يعرفها أو هي معلومة عند بعضهم ولكن يغفل عنها الكثير ، ولعلي أرجع السبب في ذلك إلى بعض الخطباء يقتبس من غيره في الاستدلال أو أن يكون المرجع في مثل ذلك كتاباً واحداً يعول عليه جلُّ الخطباء مثل كتاب رياض الصالحين ، وهو كتاب عظيم لكنه لم يستوعب الأحاديث كلها .

والذي أريد أن أصل إليه هو أن اختيار الأحاديث التي تخفى على كثير من الناس بسبب قلة طرحها يضيف إليهم جديداً وهو معرفة الحديث والعمل به ، وفي هذا خير كبير للأمة .

غاية ما يحتاج إليه الخطيب في هذا المجال هو التنقيب في بطون كتب الحديث والخروج بمثل هذه الفوائد .

ولعلي أختم هذه المسألة بمثال وقع لي ورأيت ثمرته في الواقع ، فقد سبق وأن خطبت بالمسجد الحرام خطبة عن الأخوة والولاء والبراء في الدين ، فبدا لي أن آتي بما يدل على الموضوع بدليل بعيد المرمى دون غيره من الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس ، فأتيت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بقتل الوزغ (198) لأنه كان ينفخ النار على أبينا إبراهيم عليه السلام ، فأخذت منه أن من كان عدواً للدين فهو عدو لنا ولو كانت حشرات صغيرة كالأوزاغ ... الخ ، وبعد الخطبة وجدت استحسان بعض الناس من جهتين : الأولى : في العلم بأن الوزغ كان ينفخ النار على إبراهيم عليه السلام . الثانية : في أن كلَّ من عادى الدين بأي نوع من أنواع العداوة فهو عدو لنا حتى ولو كان مثل الوزغ ، ولذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقتله . والله تعالى أعلم .

واللجنة الدائمة للبحوث العلمية برئاسة سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز لها كلام جيد حول هذا تقول فيه : " الأحسن أن يجدد الخطيب الخطبة بقدر ما تيسر له ذلك لما في ذلك من زيادة العلم والتشويق وقوة التأثير والبعد عن الملل والسآمة . (199)  اهـ .

 14- توقيت الخطبة عن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أو عن محاسبة النفس بنهاية العام :

إن المتتبع لأحوال جملة من الخطباء يجد أنهم يتحدثون في آخر جمعة من العام عن حادث الهجرة وما فيه من الفوائد والعظات . وهذا أمر فيه فوائد عظيمة غير أنَّ لي على هذه المسألة ثلاثة أمور من جهة تخصيصه بآخر العام :

الأمر الأول :

أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت في شهر ربيع الأول بعد مضي ثنتي عشرة ليلة منه في يوم الاثنين كما ذكر ذلك الطبري في تأريخه (200) وأن الذي ابتدأ التأريخ على الصحيح هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبع أو ثمان عشرة من الهجرة حينما احتاجوا إلى التأريخ ، فاستشار الصحابة فقال بعضهم : من مبعثه ، وقال آخرون : من مهاجره ، فقال عمر رضي الله عنه : الهجرة فرقت بين الحق والباطل فارضوا بها .

ثم اختلفوا من أي شهر يكون ابتداء السنة ، فقال بعضهم : من رمضان ، لأنه الذي فيه أنزل القرآن ، وقال آخرون : بل من ربيع الأول وقت مهاجره ، واختار عمر وعثمان على أن يكون من المحرم ، لأنه شهر حرام يلي شهر ذي الحجة الذي يؤدي المسلمون فيه حجهم الذي به تمام أركان دينهم ، فكان ابتداء السنة الإسلامية الهجرية من شهر الله المحرم (201) .

فتخصيص الخطبة عن الهجرة بنهاية العام يوهم أن الهجرة وقعت في هذا التاريخ . والواقع أن كثيراً من الناس يظنون ذلك بسبب كثرة الخطب عنها في هذا الوقت ، ويجهلون جهالة تامة أنها كانت في شهر ربيع الأول بل لربما أنكر البعض هذا الأمر بداهة .

الأمر الثاني :

أن بعض الخطباء يستغل نهاية العام وحادث الهجرة للتذكير بالمحاسبة على هيئة الالتزام بذلك في نهاية كل عام ، والذي يظهر لي أن نهاية العام أمر نسبي يختلف من شخص لآخر ، فكل شخص ينتهي عامه بتمام سنة من تاريخ ولادته أو من وقت بلوغه سن التكليف إذا كان الحديث عن المحاسبة ، فضلاً عن كون المحاسبة غير مختصة بنهاية كل عام ، فإن المرء مأمور بالتوبة والمحاسبة في كل يوم من أيام حياته ، بل إن تخصيص الحديث عن المحاسبة في هذا الوقت يوقع في أنفس الناس أنه هو وقت المحاسبة الحقيقي دون غيره من أيام السنة ، وفي هذا لبس واضح ، وبالله التوفيق .

الأمر الثالث :

أن توقيت نهاية العام بالخطبة عن هجرة النبي  صلى الله عليه وسلم قد يكون سبباً في فهم بعض الناس أن هذا يوم احتفال بهجرته بدليل أن جلَّ الخطباء يتحدثون عنه بل يكادون يجمعون عليه ، وفي هذا مدخل لأهل البدع الذين ينكر عليهم أهل السنة تخصيص يوم معين للاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم أو ما شابه ذلك .

وكل ما أدى إلى فهم خاطئ فإنه ينبغي تركه أو التنبيه إليه أو على الأقل عدم المواظبة عليه لئلا يفضي إلى الابتداع والتمسك به من قبل أهل البدع احتجاجاً به على بدعهم. والله أعلم.

ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام يشبه هذه المسألة فيما يتعلق بالمداومة على قراءة السجدة والإنسان فجر الجمعة ، فقد قال رحمه الله : " ولا ينبغي المداومة على ذلك ؛ لئلا يظن الجاهل أن ذلك واجب ، بل يقرأ أحياناً غيرهما من القرآن " (202) .

وقد قال ابن القيم رحمه الله نحواً من ذلك بما نصه : " ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعاً لتوهم الجاهلين " (203) .

وقد قال شيخنا العلامة محمد العثيمين ما نصه : " وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقة الواقع فإنه ينبغي تجنبه " (204) . والعلم عند الله تعالى .

 15- الدفع أولى من الرفع :

على الخطيب أن يحرص جاهداً حينما يشعر أن هناك ثمة أموراً يخشى من وقوعها في المجتمع ، أو من زيادة خطرها بعد الوقوع ، أن يطرحها في خطبة قبل تفاقمها ، وأن يحذر من مغبة الوقوع فيها ، وهذه المبادرة تعد أمراً مهماً مبنياً على قاعدة فقهية مشهورة وهي " أن الدافع أولى من الرفع " لأن مدافعة الشيء قبل وقوعه تكون من حيث السهولة وقلة المؤنة وضآلة المفسدة ما لا تكون بعد وقوع الشيء ورجحان مفسدته ، ولقد أحسن الشاعر حين قال :

إذا لم يغبر حائط في وقوعه 

فليس له بعد الوقوع غبار

وهكذا هي الأشياء تكون في بداية الأمر صغيرة الحجم يقل الاكتراث بها فلا تزال تزداد وتتفاقم حتى تعظم على الناس فيصعب التخلص منها .

يقول أبو حامد الغزالي : " إذا حدثت البدع الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة فلفقت لها شبهٌ وثُبِّت لها كلامٌ مؤلفٌ صار ذلك المحظور بحكم الضرورة مأذوناً فيه (205) " .

قلت : نص كلام الغزالي هنا يدل على أن حال الأمور تبدو أول وهلة مستحقرة لا يلتفت إليها حتى تستفحل فتكون كالمسلمات ومما لا يمكن درؤه إلا بعد لأي وشدائد . ثم إن مثل هذه الأمور إذا لم يسارع الخطباء في بيانها والتحذير منها إن كانت خطراً ، أو الدعوة إليها إن كانت واجباً ؛ فإن أثر هذا التأخير سيتفاقم حتى يصعب رفعه ، فحينئذ يتسع الخرق على الراتق .

وفي مثل هذا يقول الأوزاعي : " لقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما ردَّها عليه علماؤهم وفقهاؤهم " (206) . اهـ .

فإذا كان الأمر كذلك ، فإن بيان الأمور والدعوة إليها إن كانت خيراً أو التحذير منها إن كانت شراً ، وذلك قبل الوقع فيها ، كل ذلك كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ونهجه كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين (207) عن ابن عباس قال : لما أنزل الله عز وجل {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (208) أتي النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى (( يا صباحاه ))  فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه ، وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا بني عبد المطلب ، يا بني فهر ، يا بني لؤي ، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح(209) هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم ، صدقتموني ؟ )) قالوا : نعم . قال : (( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ))... الحديث .

فهذا دليل واضح على استعمال النذارة أو البشارة قبل وقوعها ، ويدل على ذلك أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه (210) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتي قومه فقال : يا قوم ، إني رأيت الجيش بعينيَّ وإني أنا النَّذيرُ العُرْيَان (211) ، فالنَّجاء ، فأطاعه طائفة من قومه فأدْلجوا (212) فانطلقوا على مُهْلتِهم ، وكذَّبت طائفة منهم ، فأصبحوا مكانهم فصبّحهم الجيشُ فأهلكهم واجتاحهم (213) ، فذلك مثلُ من أطاعني واتَّبع ما جئت به ، ومثلُ من عصاني وكذَّب ما جئتُ به من الحقِّ )) .

 وبهذا يتضح ما في الحديثين الماضيين من دلالة على ما أردت توضيحه والله الموفق .

 16- اجتهاد بعض الخطباء في تطبيق بعض السنن أو تركها :

قد يقع بعض الخطباء في شيء من الاجتهادات مما يتعلق بخطبة الجمعة ، وهذه الاجتهادات قد تتنوع ، بل يمكن أن نصنفها إلى أمرين :

الأمر الأول :

أن يجتهد الخطيب في ترك سنة من السنن المشهورة في الخطبة ، كأن يترك الحمد والثناء على قول منْ يقول إنه ليس للخطبة أركان ، أو أن يترك الجلسة بين الخطبتين فيبقى واقفاً ، أو أن يجعل الخطبة واحدة ولا يفصل بينهما على من يقول إن الخطبتين سنة .

الأمر الثاني :

أن يأتي بسنة خافية على الناس من حيث أصل الخطبة ، كأن يجعل خطبة الاستسقاء قبل الصلاة مثلاً بناء على ما ثبت في صحيح مسلم كما سيأتي بحثه في موضعه .

فهذان الأمران يختلف القول فيهما بحسب الحال ، فإن كان الشيء الذي تركه الخطيب أو عمل به في الخطبة مما يجهله عامة الناس ، أو كان حينما يفعله الخطيب سبباً للإنكار واللغط بين جمهور المصلين فالأولى للخطيب أن يراعي ذلك أشد المراعاة . وذلك من خلال التوطئة السابقة للفعل حتى يعلم الناس حكم هذه المسألة ، ومن ثم لا جرم في فعلها حتى يقلّ الإنكار إن لم ينقطع بالكلية . وهذه مسألة معروفة عند أهل العلم وهي مراعاة أحوال الناس في مثل هذا . فإن ترك السنة أحياناً إذا ظن الناس أنها بالمواظبة عليها واجبة فإنها تترك أحياناً لبيان عدم الوجوب كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم .

فقد قال شيخ الإسلام عن المواظبة على قراءة سورتي السجدة والإنسان فجر كل جمعة ما نصه : " ولا ينبغي المداومة على ذلك لئلا يظن الجاهل أن ذلك واجب ، بل يقرأ أحياناً غيرهما من القرآن " (214) . اهـ .

وقال ابن القيم أيضاً : " ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعاً لتوهم الجاهلين " (215) .

وقد ذكر شيخنا العلامة محمد بن عثيمين مثل قول الشيخين أيضاً ، فقد قال ما نصه : " وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقة الواقع فإنه ينبغي تجنبه " (216) . اهـ .

ثم أقول : إن الذي دعاني إلى طرح هذه المسألة أمران اثنان :

أما الأمر الأول :

فهو ما بلغني ممن شاهد وحضر ما وقع من أحد الخطباء حينما خطب في جمعة من الجمع بخطبة واحدة فقط ثم نزل فصلى ، فاختلف من حضر معه وكثر لغطهم وأنكروا عليه ، فقال بعضهم : الصلاة باطلة ، وقال آخرون : إنها ناقصة ، والخطيب يرى أن الخطبتين غير واجبتين ، وهو قول لبعض أهل العلم ، وأنه إنما فعل ذلك للبيان وإزالة اللبس ونحوهما .

والأمر الثاني :  

هو ما قام به أحد الخطباء أيضاًَ حينما أحيا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء فخطب قبل الصلاة ، فاشتدَّ النكير عليه ، وظهر الخلاف ، وكثر اللغط بين المصلين .

فبناء على ما سبق وددت الإشارة إلى هذه المسألة ، وأنها تحتاج إلى نوع من الحكمة والبيان السابق للفعل ؛ لأن المقصود هو العلم والتبيين لا الخلاف والتناوش الذي لا يوصل إلى ما يراد . والعلم عند الله تعالى .

 17- توقي الخطيب أن يحمل أحداً على رأيه :

الخطابة مسؤولية عظمى لا يعلم حجم خطورتها إلا من يعلم أهميتها ودقة مسلكها ، فهي منبر التوجيه والدعوة وإحياء السنن وقمع البدع وقول الحق . وفي المقابل إذا هي أسيء استعمالها انقلبت إلى الضد ، فقد تحيا من خلالها البدع ، ويشاع الباطل ، وتموت السنة ، كما أنه قد ينتشر عبرها التضليل والتمويه وما شابه ذلك . لذا كان لزاماً على الخطيب أن يستحضر هذا الأمر نصب عينيه ، وأن يعلم أن كلامه مؤثر ، وأن هناك أصنافاً تستمع إلى خطبته من بينهم العامة الذين يأخذون كلام الخطيب أياً كان صواباً أو خطأ لاسيما خطباء المساجد الكبيرة المشهورة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى ، ثم الجوامع الكبار في سائر أنحاء العالم والتي يرتادها كثير من الناس ، ولها ولخطبائها شهرة واسعة النطاق ، فعلى الخطيب أن يتقي الله فلا يخوض في نصوص الوحيين بغير حق ، وألا يقول على الله ورسوله ما لا يعلم ، وألا يكون طرحه للقضايا المهمة مبنياً على وجهة نظر شخصية عرية عن التنقيح أو التحقيق أو إصابة الصواب أو القرب منه بعد الاجتهاد في تحصيله . وألا يكون منبع خطبته وما يقرره فيها مصادر مغشوشة كحماس طائش أو إعلام مضلل أو ضغوط نفسية متعددة الجوانب . وألا يفتن الناس بأقواله المشتملة على القضايا الكاذبة والمقدمات الفاسدة ، ولينظر إلى أي شيء هو يقوم ، وإلى أي هوة يقع بنفسه أو يوقع غيره ، وإلى أي سنة سيئة يسعى في إحيائها شعر بذلك أو لم يشعر ، ليكون عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى قيام الساعة .

ولا يغرن أي خطيب فصاحة لسانه وحسن بيانه وشهرة منبره وإعجابه برأيه ما لم يكن مؤصل العلم ، واسع الروية ، طالباً للحق حريصاً عليه ، وسطاً منصفاً ، غراً لا يستغفل .

ولقد ذكر ابن عبد البر عن أحد السلف قوله: "من أعجب برأيه ضلَّ، ومن استغنى بعقله زل(217) " . اهـ .

وذكر أبو حاتم البستي أيضاً بسنده عن علي بن عبدالله بن عباس أنه ذكر عنده بلاغة رجل ، فقال : إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلاً على مقدار علمه ، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلاً على مقدار عقله (218) . اهـ .

وقال أبو حاتم أيضاً : " الخرس عندي خير من البيان بالكذب ، كما أن الحصور خير من العاهر (219) . اهـ " .

قلت : صدق أبو حاتم ، فلقد وافق حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة وفيه (( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )) متفق عليه (220) .

ولقد روى أبو القاسم الأصبهاني بسنده " أن عبدالله بن وهب قال ليوسف بن عمر : إن مالك بن أنس قال لي : يا عبدالله ، لا تحملن الناس على ظهرك ، وما كنت لاعباً به من شيء فلا تلعبن بدينك " (221)

قلت : ومراد مالك رحمه الله بقوله " لا تحملن الناس على ظهرك " كناية عن تحمل آثار الناس وذنوبهم بما يسنه مما هو سبب في إضلالهم . فإن في ذلك خطورة وحملاً للأوزار غير يسير ، لما روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ، ولا ينقص من أوزارهم شيء )) (222) وفي لفظ لمسلم أيضاً (( من دعا إلى ضلالة ..... الحديث )) وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم كفلٌ منها ؛ لأنه أول من سنَّ القتل )) (223) وعند أبي داود من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من أفتي له بغير علم كان إثمه على منْ أفتاه )) (224) .

من هذه الأدلة وغيرها بني الإمام مالك رحمه الله وصيته بقوله " لا تحملن الناس على ظهرك " . ولقد أحسن من قال :

فأحفظ وقيت فتحت رجلك هوة    

كم قد هوى فيها من الإنسان  

فعلى الخطيب أن يتقى الله سبحانه ، وأن يحسن الطرح في خطبته لاسيما في خطب النوازل والأحداث العامة التي ينتظر فيها جمهور الناس ما يقوله الخطباء ويرددونه فضلاً عن صعوبة بعض النوازل واشتباكها وعدم وضوح أبعاد معظمها ، بل قد يكون بعضها من الفتن التي يكون الماشي ، فيها خيراً من الساعي ، والقاعد خيراً من الماشي ، والساكت خيراً من المتحدث ، فعلى الخطيب أن يقول الحق إن استطاع وإلا فليصمت ولا يقولن الباطل ؛ لأن من تدخل في مثل تلك النوازل الغامضة ربما كثر سقطه ، ثم وقع فيما قال أبو حاتم البستي رحمه الله بقوله : " والسقط ربما تعدى غيره فيهلكه في ورطة لا حيلة له في التخلص منها ؛ لأن اللسان لا يندمل جرحه ولا يلتئم ما قطع به ، وكلْمُ القول إذا وصل إلى القلب لم ينزع إلا بعد مدة طويلة ، ولم يستخرج إلا بعد حيلة شديدة ، ومن الناس من لا يكره إلا بلسانه ، ولا يهان إلا به . فالواجب على العاقل ألا يكون ممن يهان به " (225) . اهـ .

إذا يتبين لنا من خلال ما سبق أن الأصل في الخطبة هو العدل وقول الحق ودلالة الناس للصواب ، فإن لم يستطع الخطيب ذلك لأسباب كثيرة يصعب حصرها ؛ فإن سكوته خير ، وإن عدم خوضه فيما لا يمكن العدل فيه أنفع له من التحدث بالخطأ ، أو الحق الذي يعتريه باطل من جهة لا يشعر بها الخطيب . وذلك كما قال أبو حاتم البستي رحمه الله : " لأنه إذا قال ربما ندم ، وإن لم يقل لم يندم ، وهو على ردِّ ما لم يقل أقدر منه على ردِّ ما قال ، والكلمة إذا تكلم بها ملكته ، وإن لم يتكلم بها ملكها ، والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته ، وإن لم ترفع لم تضره كيف لا يصمت (226) . اهـ .

 ولقد أحسن ابن زنجي البغدادي حين قال :

لئن كان يجني اللوم ما أنت قائل فلا تبد قولاً من لسانك لم يرُضْ   

ولم يك منه النفع فالصمت أيسرُ مواقعه من قبل ذلك التفكير  

ورحم الله من قال : العافية عشرة أجزاء ، تسعة منها في السكوت (227) . اهـ .

 18- ابن القيم يصف خطب النبي صلى الله عليه وسلم وحال الخطب من بعده :

لابن القيم رحمه الله كلام جميل جداً يقارن فيه بين نهجه صلى الله عليه وسلم في خطبه وما ينبغي أن يسير عليه الخطيب من إتباعه صلى الله عليه وسلم والسير على طريقه ونهجه – إذ كل خير في إتباع هديه ، وكل شر في البعد عنه وسلوك غير سبيله – وبين ما أحدث الناس في خطبهم بعد ذلك وفي عصر ابن القيم أيضاً ، فقال رحمه الله :

(( وكذلك كانت خطبه صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، ولقائه ، وذكر الجنة والنار ، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته ، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته ، فيملأ القلوب من خطبته إيماناً وتوحيداً ، ومعرفة بالله وأيامه ، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أموراً مشتركة بين الخلائق وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت ، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيماناً بالله ، ولا توحيداً له ، ولا معرفة خاصة به ، ولا تذكيراً بأيامه ، ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه ، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة ، غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ، ويبلي التراب أجسامهم . فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا ؟ وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به (228) ؟! .

ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه ، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد ، وذكر صفات الرب جل جلاله ، وأصول الإيمان الكلية والدعوة إلى الله ، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه ، وأيامه التي تخوفهم من بأسه ، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه ، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه ، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه ، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم ، ثم طال العهد ، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوماً تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها ، فأعطوها صورها ، وزينوها بما زينوها به ، فجعلوا الرسوم والأوضاع سنناً لا ينبغي الإخلال بها ، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها ، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع ، فنقص بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها (229) . اهـ .

 19- جمال الدين القاسمي ، ومحمد رشيد رضا ، ومحمد أبو زهرة ، وعلي الطنطاوي يوضحون ماهية الخطب في الصدر الأول ومتى حدث التراجع والضعف في الخطب ؟.

كان الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله ممن وهبهم الله منهاجاً نيراً لما يجب أن تكون عليه مساجد المسلمين وخطبهم وأحوالهم ، فقد قال كلاماً عظيماً في المقارنة بين الخطب في الصدر الأول وما أعقب ذلك من إهمال وقصور في حق خطبة الجمعة لدى كثير من الخطباء ، مما أودى بالمقارنة الواضحة بين ما كان عليه السلف في الصدر الأول وبين ما بعدهم من عصور الانفتاح والبعد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رحمه الله : " كانت الخطب في الصدر الأول لها المكانة العالية والمقام الأسنى . كانت موضوع المفاخرة بين العرب كما يفتخرون في الشعر . كانوا ينتقون من جواهر الألفاظ أعذبها وأظرفها وأحلاها ، ومن المعاني أرقها وأدقها وأغلاها ، ومع ذلك فكانوا يضمنونها آيات من كتاب الله تعالى لتزداد حلاوة وطلاوة (230) حتى إنه ليعاب على خطبة ليس فيها آية من القرآن الكريم (231) بلغت زمن الخلفاء الراشدين عنفوان (232) شبابها ؛ فإن القرآن بما اشتمل عليه من أبدع الأساليب أعانهم على الخوض في عُبَاب (233) التفنن في دائرة الإرشادات الجاذبة بمغناطيسها الأفئدة . كان الخطيب إذا قام لأمر ما سحر الألباب وملك بمرصعات الواعظ ما لا يملك بمرهفات (234) السيوف والرماح . يؤلف بين من تفرق ، ويسكن الفتن ، ويزيل المخاصمات ، ويقطع المنازعات ، ويقيمهم إن شاء ، ويقعدهم إن أراد بقوة اقتداره وشدة تأثيره .

متى حدث الانحطاط في الخطب ؟ : إن الخطابة قبل كانت بيد الخلفاء الراشدين والرؤساء العظام ، وكانت موضع احتراس . كان يخطب الخطيب قائماً ( إلا خطبة النكاح ) آخذا بيده عصاً أو مخصرة (235) أو قناة (236) أو غير ذلك ، فلما جاءت الدولة المروانية واستولى الترف وعمَّ ، وتولى كرسي المملكة الوليد بن عبدالملك بن مروان بدأ يخطب – وآسفاه – جالساً ترفعاً منه واستهانة بهذا الموقف الجليل . ومن هذا أخذت الخطابة في الاضمحلال والتلاشي ، فكان آخر خطيب أجاد من أئمة الإسلام المأمون بن هارون الرشيد من خلفاء الدولة العباسية ، وترك الملوك الخطابة ، ووكلوا أمرها كغيرها من الأمور لغيرهم ؛ فصارت منحطة القدر بعد الرفعة ، وموضع الاستهانة بعد التجلة تولاها أناس ما قدروها حقَّ قدرها ، وما دروا المقصود منها بجهالاتهم المطبقة ، حتى إنك لو خاطبت أحدهم عن الخطبة المتبعة وتغييرها بما يستدعيه الزمان ما أجابك إلا بقوله : لا يمكن للنفوس الآن أن تتزحزح عن غيها ، وأن الخطب الآن هي من قبيل الرسوم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

فأنت ترى اليوم ببغاء كل منبر ينفث سموم الإماتة والتدمير والإقعاد عن العمل (237) متمسكاً بمثل قوله رحمه الله : " لمن تقتني الدنيا وأنت تموت ، ولمن تبني العلياء والمقابر بيوت ... " مما أمات الأمة غافلاً عن قول سيد الزاهدين : (( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً )) (238) .

انتهى كلام القاسمي رحمه الله (239) .

قلت : وأوضح من ذلك ما ذكره ابن القيم رحمه الله من مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لمقتضى الحال في خطبته حيث كان يبين ما يحتاجونه إليه حسب تنوع الأحوال ، فقد قال رحمه الله : " وكان صلى الله عليه وسلم يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم " . وقال في موضع آخر : " وكان صلى الله عليه وسلم يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته ، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضَّهم عليها " (240) . اهـ .

وأما الشيخ محمد رشيد رضا فقد كان وصفه للخطب والخطباء العصريين مبنياً على جواب لسؤال ورد إليه . وإليك نص هذا السؤال وجوابه .

سئل الشيخ محمد رشيد رضا : كم هي ذنوب الخطيب الذي لا يأمر الناس إلا بالعجز والكسل والموت والخرافات والتقليد وسيئ العادات ؟.

فأجاب الشيخ قائلاً : " هذا الخطيب شرُّ خطباء الفتنة ، وذنوبه لا تحصى إلا إذا أمكن إحصاء تأثيرها الضار في الأمة ، وأني يحصى وهو من الأمور المعنوية التي لا تعرف بالعدِّ والحساب ، فمن سيئات هؤلاء الخطباء وآفاتهم في الأمة أن كانوا علة من علل فقرها وضعفها في دينها ودنياها ، وضياع ممالكها من أيديها ، فهم أضر على المسلمين من الأعداء المحاربين ، ومن دعاة الضلال الكافرين (241) ، ومثلهم كمثل الطبيب الجاهل يقتل العليل ، وليس هذا محل شرح سيئاتهم بالتفصيل ، ولكن لابد من التنبيه على سيئة منها حادثة لم تكن من قبل ، وهي أن أبناء المسلمين الذين تعلموا العلوم العصرية وعرفوا أحوال الأمم وسياستها ، وتأثير آدابها في مدنيتها وعزتها ، ولم يقفوا على حقيقة الآداب الإسلامية ولا غير ذلك من الأصول الدينية ، يتوهمون أن هؤلاء الخطباء ينطقون بلسان القرآن ، ويبينون للناس لباب ما جاء به الدين من الحكم والأحكام ، ويستدلون على ذلك بإجازة العلماء ما يقولون وما يوردون في كلامهم من الأحاديث وإن كانت موضوعة أو واهية ، وما يرصعونه به من الآيات وإن كانت بما ينهون عنه آمرة ، وعما يأمرون به ناهية ، ولكن أنى للسامع المسكين أن يميز الغثَّ من السمين ، إذا كان لم يطلع على تفسير الكلام القديم ، ولم يقرأ علم الحديث الشريف ، فلا جرم ينفر من الدين نفور الكاره له ، المعتقد أن معارف البشر أهدى منه ، وإذا كان عارفاً بدينه فإنه ينفر من صلاة الجمعة ، وأعرف من المصلين من يتحرى أن يدخل المسجد بعد فراغ الخطيب من خطبته ، وحدثني الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى (242) أن رجلاً من النابغين في العلوم العصرية كان كثير الخوض في الدين ، والإنكار لبعض أصوله وفروعه ، فما زال به الأستاذ حتى أزال شبهاته وأقنعه بأن يصلي ، فبدأ بصلاة الجمعة في الجامع الأزهر ، فسمع خطبة من الخطب المسؤول عنها فنفر ، وقال : إن هذا شيء لا يصلح به أمر البشر ، وما أنا بعائد إلى سماع هذه الخطابة ، انخداعاً بما للشيخ محمد عبده من الخلابة .

هذا وإن مقام الخطابة هو مقام النبي صلى الله عليه وسلم ، ومقام خلفائه ونوابهم ، وقد أهين هذا المقام في هذا العصر لاسيما في مصر ، فصار يعهد به كثيراً إلى أجهل الناس وأقلهم احتراماً في النفوس ؛ لأن الخطابة في نظر ديوان الأوقاف هنا وظيفة رسمية تؤدى بعبارة تحفظ من ورقة فتلقى على المنبر ، أو تقرأ في الصحيفة ككنس المسجد يقوم بها أي رجل ، وفي نظر طلابها حرفة ينال بها الرزق . فهمّ الديوان في الخطيب أن يكون قليل الأجرة لتتوفر أموال الأوقاف ، فيوضع ما يزيد منها عن النفقات التي لا تفيد المسلمين في خزائنه أو خزائن البنك ، وقد اجتهد الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى في إحياء هذا الركن الإسلامي بجعل الخطابة خاصة بالعلماء والأعلام ، فوقفت السياسة في طريق مشروعه مدة حياته ولعلها تتنحى فينفذ بعد موته (243) " .اهـ .

وقال في موضع آخر – عن خطب هذا العصر والتي كان يشاهدها في كثير من البلاد الإسلامية في عصره - : ولم أر خطيباً ذكرني خطبة النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة . زارني سيد عراقي مثل لي تحريض العرب على القتال بخطبة تضطرب لها القلوب ، وتثير كوامن الحمية والنجدة من قرارات النفوس (244) .اهـ .

وفي موضع آخر سئل عن خطبة من الخطب ، فكان مما قال في الجواب عن هذا السؤال : يجب إصلاح الخطابة في المساجد الجامعة ، وترك تلك الخطب المحشوة بالأباطيل المميتة للهمم ، وقد كتبت قبل إنشاء (المنار) فصلاً طويلاً في الخطابة أودعته كتابي (الحكمة الشرعية) فهل ينتظرون مني أن أجيز تلك الخطب السخيفة المألوفة ، وما فيها من الأحاديث الموضوعة (245) .اهـ .

وقال في موضع آخر : إننا كثيراً ما نسمع من خطباء الجمعة الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمحرفة ، حتى صار يضيق صدري من دخول المسجد لصلاة الجمعة قبل الخطبة الأولى أو في أثنائها ، فمن سمع الخطيب يعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً يعلم أنه موضوع يحار في أمره ؛ لأنه إذا سكت على هذا المنكر يكون آثماً ، وإذا أنكر على الخطيب جهراً يخاف الفتنة على العامة . والواجب على مدير الأوقاف منع الخطباء من الخطابة بهذه الدواويين المشتملة على هذه الأحاديث ، أو تخريج أحاديثها إذا كانت الخطب نفسها خالية من المنكرات والخرافات والأباطيل ، وما أكثر ذلك فيها (246) .اهـ .

ثم قال الشيخ محمد رشيد رضا :" من أمعن نظره فيما قلناه ونقلناه يأسف لحال الأمة الإسلامية كيف أن – سادتها وكبراءها – في العصور المتأخرة أساءوا في إدارة شؤونها وتربية أبنائها واستدرجوها في الاستكانة والاستخذاء حتى نزعت منها روح الحرية ، وفقدت النعرة والحمية، وحلَّ محل ذلك الضعف والخمول وعدم المبالاة بحفظ الحوزة وحماية الحقيقة " (247) .

وأما الشيخ محمد أبو زهرة فقد تحدث عن ميزات خطب المتقدمين بنحو ما ذكر جمال الدين القاسمي ، ثم أخذ يذكر ما وصلت إليه الخطب بعد تلك العصور ، فكان مما قال : فيها المبالغة والإغراق ، لكثرة النفاق ، والخداع والملق والمدح ، فإن هذه الأمور صوت الصدق خافتاً ، وصوت الكذب عالياً ، والمبالغات والغلو ترد من أبواب الكذب ، حيث تختفي الصراحة ، هذا إلى أن تسابق الخطباء في مدح الخلفاء جعل كلاً يجتهد في المعاني ، والغوص فيها ؛ ليصلوا إلى قصب السبق قبل غيرهم ، وذلك يدفعهم حتماً إلى الإغراق . وقد كانت جمهرة الأمة في صدر الدولة ممن يقيمها القول البليغ ويقعدها ، يفقهون مرامي العبارات ، ومرامي الكلام ، فكان من حالهم مشجع للخطباء على القول ، فلما حالت الحال ، وغلبت العجمى ، لم يكن من القوم من يحسن الاستماع ، ولا من الخطباء من يجيد البيان ، كما أن قعود الخلفاء عن الخطابة وإنابة غيرهم منابهم في الصلاة بالناس كانت سبباً في استهانة الناس بمواقف الخطابة تقليداً لخلفائهم ، ومحاكاة لأمرائهم ، والناس لملوكهم تبع ، وقد تبع استهانة الناس بالخطابة استهانتهم بالخطيب ، وقلة احترامهم له ، وبهذا ضعفت الرغبة في القول (248)  . اهـ .

وأما الشيخ علي الطنطاوي فله كلام جيد حول قوة الخطب عند المتقدمين ، وما امتازت به خطبهم ، ثم عرّج على خطب المتأخرين واصفاً إياها بالضعف والتراجع ، فكان مما قال :" لو كان عشر هذه المنابر في أيدي جماعة من الجماعات العامة المنظمة ، لصنعت بها العجائب . فما بالنا وهي في أيدينا لا نصنع بها شيئاً . كان للرسول صلى الله عليه وسلم منبر واحد ، دعا منه فلبَّت الدنيا ، واستجاب العالم ، وترك به على الأرض أعظم أثر عرفه تاريخ الأرض ، وعندنا اليوم مائة ألف منبر مبثوثة ما بين آخر أندونيسيا وآخر المغرب ، كلها مزخرف منقوش ، استنفد جهد أهل العمارة ، وعبقرية أهل الفن ، وفيها المكبرات والإذاعات ، تحمل الصوت منها إلى آفاق الأرض ، فيُسْمعُ خطباؤها الملايين ، ولا نرى لها مع ذلك أثراً في إصلاح ، ولا عملاً في نهضة ..... ولو سألت من شئت من المصلين عن هذه الخطب ، لسمعت منه طرفاً من عيوبها .

فمن عيوبها هذا التطويل ، وهذا الإسهاب حتى لتزيد الخطبة الواحدة أحياناً على نصف ساعة ، مع أن السنة تقصير الخطبة ، وتطويل الصلاة .

ومن عيوبها : أنه ليس للخطبة موضوع واحد معين ، بل تجد الخطيب يخوض في الخطبة الواحدة في كل شيء .

ومن عيوبها : أن الخطيب ( أعني بعض من يخطب ) يحاول أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة ، فلا يخاطب الناس على قدر عقولهم ، ولا يكلمهم على مقتضى أحوالهم ، ولا يسير بهم في طريق الصلاح خطوة خطوة ، بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة ، مع أن الطفرة في رأي علمائنا محال .

ومن عيوبها : أنها صارت ( كليشات ) معينة ، ألفاظ تردد وتعاد ، لاسيما في الخطبة الثانية ، مع أن الخطبة الثانية لا تختلف في أصل السنة عن الأولى ، وما يلتزمه الخطباء فيها من الصلاة الإبراهيمية ، والتراضي عن الخلفاء والتابعين بأسمائهم ، لم يلتزمه أحد من السلف .

ومن عيوبهم : هذا التكلف في الإلقاء ، وهذا التشدق في اللفظ ، وهذه اللهجة الغربية . وخير الإلقاء ما كان طبيعياً لا تكلف فيه، والرسول صلى الله عليه وسلم قد كره المتشدقين وذمهم.

ومن أعظم عيوب الخطبة في أيامنا : أن الخطيب ينسى أنه يقوم مقام رسول صلى الله عليه وسلم ، ويتكلم بلسان الشرع ، وأن عليه أن يبين حكم الله فقط ، لا آراءه هو وخطرات ذهنه ، ويحرص على رضا الله وحده ، لا على رضا الناس ، فلا يتزلف إلى أحد ، ولا يجعل الخطبة وسيلة إلى الدنيا ، وسبباً للقبول عند أهلها .

ومن عيوبها : أن من الخطباء من يأتي بأحكام غير محققة ، ولا مسلمة عند أهل العلم ، يفتي بها على المنبر ، ويأمر الناس بها ، ولو اقتصر على المسائل المتفق عليها فأمر بها العامة ، وترك الخلافيات لمجالس العلماء لكان أحسن .

ومنهم ( وهذا كثير ) من يأتي بالأحاديث الموضوعة ، أو الضعيفة المتروكة ، مع أنه لا يجوز لأحد أن يسند حديثاً إلى رسول صلى الله عليه وسلم حتى يتوثق من صحته . فليتنبه الخطباء إلى هذا ، فإنه من أهم المهمات (249) . اهـ . 

 20 الخطبة بين الارتجال والقراءة من الصحيفة :

الأصل في الخطابة عند العرب قبل الإسلام ومن ثم بعد الإسلام إلى قرون قريبة قد خلت ، إنما تكون بطريق الارتجال ، وما شهرة من اشتهر منهم – كقيس بن ساعدة وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم وعبدالملك بن مروان الذي شيبته المنابر وسحبان وائل وغيرهم – إلا من هذا الباب . كل أولئك وغيرهم إنما كانوا يخطبون ارتجالاً .

ومما لاشك فيه أن الارتجال هو الأكمل في الخطابة وهو أصلها ، وهو علامة الملكة والقدرة . وحاجة الخطيب في الجملة إلى الارتجال أمر لاشك في استحسانه ، إذ القدرة عليه من ألزم الصفات للخطيب الناجح ، وما ذاك إلا لحاجته أحياناً إلى البديهة الحاضرة ، والخاطر السريع ، الذي يفرضه عليه واقع الأمر فيما يكن قد أعدَّ له من قبل . وقد روي أن أبا جعفر المنصور كان يخطب مرة فقال : " اتقوا الله ، فقال رجل : أذكّرك من ذكّرتنا به . فقال أبو جعفر : سمعاً سمعاً لمن فهم عن الله وذكّر به ، وأعوذ بالله أن أذكّر به وأنساه فتأخذني العزة بالإثم ، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ، وما أنت ؟ والتفت إلى الرجل فقال : والله ما الله أردت بها ، ولكن ليقال قام فقال ، فعوقب فصبر ، وأهون بها لو كانت العقوبة وأنا أنذركم أيها الناس أختها ، فإن الموعظة علينا نزلت وفينا نبتت ، ثم رجع إلى موضعه من الخطبة (250) . اهـ .

قلت : فها هو المنصور حينما قدر على الارتجال استطاع أن يأتي بهذا النوع من الكلام المسكت . بخلاف الخطابة من الورق لأنها تعدُّ من قبل ، ولا يزل عنها الخطيب قيد أنملة ؛ فلم يكن فيها ما يدل على الملكة الآنية ، بل إن بعض أهل العلم يجعلها نوعاً من المعايب إلى عهد ليس بالبعيد . كما ذكر ذلك الشيخ علي محفوظ عضو جماعة كبار العلماء بالأزهر والمتوفى سنة 1361 هـ .

فقد قال في كتابه " الإبداع في مضار الابتداع " ما حاصله : " أما ما يقع من بعض العامة حين نزول الخطيب من على المنبر من التمسح بكتفه وظهره فمما لا أصل له ، وكذلك البيارق التي تنصب على جانبي المنبر والستارة التي تسبل على بابه ، وبعض الخطباء يستتر بهذه البيارق ؛ لأنه لسوء حفظه يقرأ الخطبة في الورق ، وبذلك يضيع أثر الخطبة في نفوس السامعين (251). اهـ .

قلت : بيد أن الأمور في هذا العصر قد اختلفت ، فقد ضعفت اللغة لدى كثير من الناس ، وقلَّ الاعتياد على الارتجال في الخطب في كثير من الأصقاع حتى اختلفت أعراف الخطباء في ذلك ، فصار كثير منهم لا يرتجلون إما رغبة منهم ، أو من باب عدم القدرة . ولكن لسائل أن يسأل أيهما أفضل ؟ الارتجال أم الخطبة بالقراءة من الورق ؟ .

فالجواب : هو أنه لاشك في أن الارتجال هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم ومن جاء من بعدهم. ولكن هل فعله صلى الله عليه وسلم هذا للتعبد أم أنه فعل جبلي؟

الذي يظهر لي – والله أعلم – أنه فعل جبلي ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً . ولكن قد يشكل على هذا فعل الصحابة رضي الله عنهم حيث إن بعضهم كانوا يرتجلون مع علمهم بالقراءة والكتابة .

ولعل من المناسب هنا أن أقول : ينبغي أن ينظر في المسألة :

فإن كان الخطيب ممن لديه ملكة الارتجال ، بحيث يجيد مخارج الحروف مع إعرابها خالية من اللحن والتلعثم (252) والكلام المكرر ، أو أن يرتج عليه كثيراً بحيث تفقد هيبة الخطيب والخطبة ، فإن الارتجال هنا أفضل وأكمل .

وأما إن كان الأمر غير ذلك ، فإن الخطابة بالورق أكثر نفعاً ، بحيث لا يخرج الخطيب عن الموضوع أو ينسى أو يزل أو يلحن . ولعل الأمر في ذلك واسع والله الموفق .

قال ابن مفلح : قال أبو المعالي وابن عقيل : ولمن لا يحسن الخطبة قراءتها من صحيفة . قال : كالقراءة في الصلاة لمن لا يحسن القراءة في المصحف . كذا قال . وسبق أن المذهب لا بأس بالقراءة في المصحف . قال جماعة : كالقراءة من الحفظ فيتوجه هنا مثله ؛ لأنه الخطبة شرط كالقراءة (253) . اهـ .

 21- لباس الخطيب في الجمعة :

 وردت أحاديث كثيرة في استحباب التطيب والتجمل في الثياب يوم الجمعة ، وهي أحاديث عامة يدخل فيها الإمام والمأموم . فمن ذلك ما رواه ابن ماجة عن عبدالله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر يوم الجمعة : (( ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة ، سوى ثوب مهنته )) (254) .

وهناك حديث خاص يدل على استحباب ذلك للخطيب أيضاً ، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال : يا رسول الله ، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة ، وللوفد إذا قدموا عليك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ... )) (255) الحديث .

وعند البيهقي من حديث جابر رضي الله عنه : (( كان للنبي صلى الله عليه وسلم برد يلبسها في العيدين والجمعة )) (256) .

قلت : يؤخذ من الحديث العام استحباب لباس الثياب الحسنة للخطيب وغيره ، والحديث الخاص يزيد التأكيد في حق الخطيب ، وأنه يستحب له التجمل زيادة على الآخرين ، وهذا هو الذي فهمه أهل العلم من هذه الأحاديث ، وإليك شيئاً من أقوالهم في هذا .

فقد قال الشافعي: وأحب للإمام من حسن الهيئة ما أحب للناس ، وأكثر منه . (257). اهـ .

وقال أبو الحسين العمراني الشافعي : ويستحب للإمام من ذلك – أي اللباس يوم الجمعة – أكثر مما يستحب لغيره ؛ لأنه يقتدى به . (258) . اهـ .

وقال ابن قدامة : " الإمام في هذا ونحوه آكد من غيره ؛ لأنه المنظور إليه من بين الناس . (259) . اهـ .

وقال النووي :" ويستحب للإمام أكثر مما يستحب لغيره من الزينة وغيرها ، وأن يتعمم ويرتدي أفضل ثيابه البيض كغيره . هذا هو المشهور . (260) . اهـ .

قلت : هذا حاصل بعض كلام أهل العلم حول هذه المسألة ، وهو ظاهر ولا إشكال فيه بل هو موافق لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله والعلم عند الله تعالى .

 22- لبس السواد أو البياض للخطيب :

 اختلف أهل العلم في لبس الخطيب للسواد أو البياض أيهما أفضل ؟ على قولين هما :

 القول الأول :

وبه قال بعض الحنفية . فقد قال صاحب الدر المختار الحنفي : " ومن السنة جلوسه في مخدعه عن يمين المنبر ، ولبس السواد ... الخ " (261) . اهـ .

قال ابن عابدين معلقاً على الكلام السابق : اقتداء بالخلفاء وللتوارث في الأعصار والأمصار ، والظاهر أن هذا خاص بالخطيب ، وإلا فالمنصوص أنه يستحب في الجمعة والعيدين لبس أحسن الثياب . وفي شرح الملتقى من فصل اللباس : ويستحب الأبيض وكذا الأسود ؛ لأنه شعار بني العباس ، ودخل عليه الصلاة والسلام مكة وعلى رأسه عمامة سوداء . انتهى .

وفي رواية لابن عدي (262) : كان له عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه . (263) . اهـ .

قلت : لا أعلم دليلاً لأصحاب هذا القول سوى ما رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن حريث (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء )) (264) .

قلت : وهذه القصة كانت عام الفتح ، كما هو واضح في مجموع رواياتها .

وفي رواية عند مسلم قال : (( كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء ، قد أرخى طرفيها بين كتفيه )) (265) .

القول الثاني :

وقال به جمهور أهل العلم ، وهو استحباب لبس البياض للخطيب وغيره .

فقد قال الشافعي : وأحب ما يلبس إلى البياض ، فإن جاوزه بعصب اليمن والقطري وما أشبهه مما يصبغ غزله ولا يصبغ بعدما نسج فحسن . (266) . اهـ .

وقال أبو الحسين العمراني : ويستحب له أن يلبس من الثياب البيض لقوله صلى الله عليه وسلم : (( البسوا البياض ، فإنها خير ثيابكم )) (267) ولأن البياض كان أكثر لبس النبي صلى الله عليه وسلم و (( كفن في ثلاثة أثواب بيض )) (268) (269) . اهـ .

وقال الماوردي : " كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة يلبسون البياض . (270) " اهـ .

وقال النووي : ويلبس أحسن ثيابه ، وأفضلها البيض . (271) . اهـ .

وقال ابن قدامة : وأفضلها البياض لقوله عليه السلام : (( خير ثيابكم البياض ، البسوها أحياءكم ، وكفنوا فيها موتاكم )) (272) .

قلت : إن نظرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذكر أن أفضل الثياب البياض ، وإن نظرنا إلى فعله فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه لبس السواد مطلقاً أي بدون تخصيص بيوم الجمعة ، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (( خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة ، وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شعرٍ أسْوَدَ )) (273)

وفي حديث جابر عند مسلم أيضاً قال : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء )) (274)

وعند مسلم أيضاً (( أنه صلى الله عليه وسلم خطب أمام أصحابه عام الفتح وعليه عمامة سوداء )) (275) . كما مرَّ معنا قبل قليل .

وأخرج أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : (( صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بردة سوداء فلبسها، فلما عرق فيها وجد ريح الصوف فقذفها، وكانت تعجبه الريح الطيبة )) (276) .

ولم أقف على حديث واحد يبين أنه صلى الله عليه وسلم لبس في الجمعة بخصوصها أسود أو أبيض ، وإنما هي أحاديث عامة جاءت في هذا وهذا دون تقييد بالجمعة .

ولكن عند التأمل نجد أن قوله صلى الله عليه وسلم يعمُّ جميع أمته كما هو مقرر عند الأصولين ، فهو صلى الله عليه وسلم قد فضَّل البياض وحثَّ عليه ، فبناء على ذلك يكون البياض هو الأفضل ، ولو لبس الخطيب السواد في بعض الأحيان فلا بأس ولكن لا يداوم عليه لما ذكر أهل العلم من أن المداومة عليه أمر محدث .

فقد قال الماوردي : " وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعاراً لهم " (277) .

وقال ابن القيم : " جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعاراً لهم ، ولولاتهم وقضاتهم وخطبائهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يلبسه لباساً راتباً ، ولا كان شعاره في الأعياد ، والجمع ، والمجامع العظام ألبتة ، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة ، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد ، بل كان لواؤه أبيض " (278) . اهـ .

وقال في موضع آخر عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وهديه في لباسه : (( ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواداً . (279) .اهـ .

بل قد ذهب الغزالي إلى أبعد من ذلك وهو القول بكراهة لباس السواد للخطيب فقد قال : " ولبس السواد ليس من السنة ، ولا فيه فضل ، بل كره جماعة النظر إليه لأنه بدعة محدثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (280) .اهـ .

وقال في موضع آخر : " وأما مجرد السواد – أي للخطيب – فليس بمكروه لكنه ليس بمحبوب إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض " (281) .

قلت : ومراد الغزالي ببدعية لبس السواد إنما هو للخطيب في الجمعة ، وأما مطلقاً فإن الأحاديث التي ذكرتها سابقاً ترد ذلك .

ولكن النووي رحمه الله لم يذهب إلى بدعية لبس السواد في الخطبة ، فقد قال عن لبسه صلى الله عليه وسلم العمامة السوداء عام الفتح وخطبته بها : " فيه جواز لبس الأسود في الخطبة ، وإن كان الأبيض أفضل منه ، وأما لباس الخطباء السواد في حالة الخطبة فجائز ، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بياناً للجواز " (282) . اهـ .

قلت : يمكن أن يجمع بين قول الجمهور وقول النووي ، على أن البدعية إنما هي في المداومة على لبس السواد واتخاذه شعاراً في هذه المناسبة . والعلم عند الله تعالى .

تـنـبـيـه :

أخرج البيهقي وابن سعد في الطبقات الكبرى من حديث جابر : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس برده الأحمر في العيد والجمعة )) (273) .

قلت : ضعَّفه الحافظ ابن حجر لأجل الحجاج بن أرطأة . (284) .اهـ .

 23- هل تنعقد الجمعة إذا كان الخطيب في حكم المسافر ؟ .

اتفق أهل العلم على أن المسافر لا يجب عليه الجمعة ، كما اتفقوا على أن الأفضل للمسافر أن يحضر الجمعة ، ثم اختلفوا هل تنعقد الجمعة لو كان الخطيب والإمام مسافراً أو لا ؟ على قولين :

القول الأول :

قال أصحابه : إن الجمعة لا تنعقد إذا كان الخطيب مسافراً . وبذلك قال الحنابلة . وعللوا ذلك بأنه من غير أهل فرض الجمعة ، فلم تنعقد الجمعة به ، ولم يجز أن يؤم فيها ، كالنساء والصبيان ، ولأنه لم ينوِ الإقامة في هذا البلد على الدوام ، فأشبه أهل القرية الذين يسكنونها صيفاً ويظعنون عنها شتاءً (285) .

ودليل عدم وجوب الجمعة على المسافر ما رواه الدار قطني عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة ، إلا مريضاً ، أو مسافراً ، أو امرأة أو صبياً أو مملوكاً )) (286) . وقد روى البيهقي مثله مختصراً (287) .

القول الثاني :

قالوا : إن الجمعة تنعقد بالخطيب إذا كان مسافراً . وبه قال أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي (288) . وعللوا ذلك بأنهم رجال تصح منهم الجمعة ، ومن صحت منه الجمعة صحت به ، وكما أن صلاة غير الجمعة تصح خلفه ، فكذلك الجمعة . فإن قيل : ليس فرض الجمعة عليه ، قيل : ليس يأثم بتركها ، وهو يؤجر على أدائها ، وتجزئ عنه كما تجزئ عن المقيم .

قلت : أظهر القولين هو صحة القول بجواز خطابة المسافر وإمامته في الجمعة ، لأن الأصل صحة صلاته ، ومن صحت صلاته لنفسه صحت لغيره ، ولعدم وجود دليل يدل على أن الجمعة لا تنعقد به ، وغاية ما استدل به من منع من ذلك مجرد تعليلات لا تنهض على مقاومة الأصل القوي وهو صحة صلاته .

قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي : " وأما القول الصحيح الذي نختاره في هذه المسألة ، فهو أنه يجوز لكل المذكورين أن يؤموا في الجمعة ، حتى المسافر سفر قصر إذا وصل إلى بلد تقام فيه الجمعة ، صحَّ أن يؤمهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله .... )) (289) الحديث وهو في الصحيح . وهذا عام في الجمعة والجماعة ، وهو يتناول المسافر إذا صار بمحل تقام فيه الجمعة . وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد يدل على المنع ، وإنما الشارع لم يجعل على المسافرين جمعة ولا عيداً ، رفقاً بهم ورحمة ، ولهذا إذا صلوا مع الناس الجمعة فصلاتهم صحيحة (290) .

 24- التوقيت لدخول الخطيب :

يلحظ على بعض الخطباء – وفقني الله وإياهم وجميع إخواننا المسلمين – أنهم يلتزمون في دخولهم إلى المنبر وقتاً واحداً على مدار السنة ، حتى ولو اختلف التوقيت فزاد أو نقص صيفاً وشتاءً ، وهذا فيما يظهر لي أنه ليس بجيد بل هو خلاف الأول ؛ لعدة أمور :

الأمر الأول : أن عدم التزام وقت معين فيه خروج من خلاف أهل العلم في وقت الجمعة : وهل هو بعد الزوال أم قبله أو مع الزوال ؟.

حيث اختلف أهل العلم في ذلك قولين :

القول الأول : قالوا : إن وقت الجمعة هو وقت الظهر ، أي بعد الزوال ، ولا تجوز قبله . وهذا قول أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه ، وهي التي اختارها الآجري ، وفضَّلها ابن قدامة والمرداوي (291) .

واستدلوا بحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)) رواه البخاري(292) .

وبحديث سلمة بن الأكوع قال : كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ، ثم نرجع نتتبع الفيء . رواه البخاري ومسلم (293) .

قال الشافعي : ولا اختلاف عند أحد لقيته ألا تصلى الجمعة حتى تزول الشمس(294). اهـ .

ونقل النووي عن الشافعي أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال (295) . اهـ .

وقد بوَّب البخاري باباً فقال : باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس .

قال الحافظ ابن حجر : جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها ، لضعف دليل المخالف عنده(296) . اهـ .

القول الثاني : أن أول وقت الجمعة هو وقت صلاة العيد . وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، وهي من مفرداته ، وهي التي عليها أكثر أصحابه (297) .

قال ناظم المفردات :

لجمعة وقت الوجوب يدخل

إذ ترتفع شمس كعيدٍ نقلوا (298)

قال العبدري : قال العلماء كافة : لا تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال إلا أحمد ، ونقل الماوردي عن ابن عباس كقول أحمد . ونقل ابن المنذر عن عطاء وإسحاق قال : وروي ذلك بإسناد لا يثبت عن أبي بكر وعمر وابن مسعود ومعاوية (299) .

ودليل هذا القول حديث جابر رضي الله عنه قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس )) رواه مسلم (300) .

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : (( كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ يستظل به)) . رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: ((نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء ))(301) .

وعند ابن أبي شيبة من رواية عبدالله بن سيدان قال : شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار ، وشهدتها مع عمر رضي الله عنه فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول تنصف النهار . ثم شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار ، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره (302) .

وقد أجاب الجمهور على أدلة أصحاب القول الثاني كالتالي :

أولاً : جوابهم عن حديث جابر وما بعده أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد ولا غيره ، وفيه إخبار أن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال لا أن الصلاة قبله (303) .

ثانياً : وجوابهم عن حديث سلمة لا حجة في أنه قبل الزوال ، لأنه ليس معناه أنه للحيطان شيء من الفيء ، وإنما معناه ليس فيها فيء كثير بحيث يستظل به المار . وهذا معنى قوله : وليس للحيطان ظلٌّ يستظل به ، فلم ينف أصل الظل وإنما نفى كثيره الذي يستظل به ، وأوضح منه الرواية الأخرى (( نتتبع الفيء )) فهذا فيه تصريح بوجود الفيء لكنه قليل (304) .

ثالثاً : جوابهم عن أثر أبي بكر وعمر ، أن رجاله ثقات إلا عبدالله بن سيدان ، فإنه تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة ، قال ابن عدي : شبه المجهول . وقال البخاري : لا يتابع على حديثه ، بل عارضه من هو أقوى منه ، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة (( أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس)) إسناده قوي . ذكره الحافظ ابن حجر(305) .

الأمر الثاني :

أن التزام وقت معين لدخول الخطيب – مع اختلاف الفصول والتوقيت – فيه مشقة على الناس من حيث الواقع ، فلو نظرنا مثلاً إلى وقت الظهر في مدينة الرياض لوجدنا أنه كغيره يختلف باختلاف الفصول ، فقد يدخل وقت الظهر في الساعة الحادية عشرة ونصف الساعة تقريباً كأدنى حد له في السنة ، وقد يصل إلى الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق تقريباً كأعلى حد له في السنة ، ومع ذلك تجد بعض الخطباء يلتزم الدخول مطلقاً طوال العام في الساعة الثانية عشرة تقريباً ، مع أن وقت الزوال يبدأ في الساعة الحادية عشرة ونصف الساعة تقريباً ، فيكون هناك زيارة نصف ساعة على الناس تأخيراً قد تثقل عليهم في مقابل قرب دخول وقت العصر الذي يكون دخوله مبكراً في مثل هذا الفصل كحال الظهر أيضاً ، فيصبح الوقت بين الظهر والعصر قليلاً عند بعض المساجد التي تؤخر الصلاة .

والذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال: (( كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع فنتتبع الفيء)) (306) أخرجه البخاري ومسلم (307) وفي رواية عنه عند مسلم : (( فنرجع وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به )) وفي هذا دليل على التبكير بها في  وقتها حسب اختلاف دخوله بالنسبة لفصول السنة . والعلم عند الله تعالى .

  25- هل يحضر الخطيب إلى المسجد قبل وقت دخوله ؟ :

يجتهد بعض الخطباء – حرصاً منهم على الخير – في الحضور للمسجد قبل وقت دخولهم بوقت طويل أو قصير ، وذلك لأجل تحصيل الأجر في قراءة قرآن ، أو تنفل مطلق .

والذي ينبغي أن يعلمه كل خطيب : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يحضر للمسجد يوم الجمعة إلا وقت دخوله إلى المنبر، ولم يرد ما يدل على أنه كان يبكر لأجل التنفل أو قراءة القرآن.

والذي يظهر لي أن عامة أهل العلم يقولون بهذا ، غير أن بعضهم قد تكلم عن حكم تبكير الخطيب للمسجد قبل وقت دخوله ، فها أنا أذكر بعض ما وقفت عليه من أقوالهم ، فأقول :

قد نقل النووي رحمه الله عن المتولي من الشافعية قوله : يستحب للخطيب ألا يحضر للجمعة إلا بعد دخوله الوقت ، بحيث يشرع فيها أول وصوله المنبر ؛ لأن هذا هو المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا وصل المنبر صعده ولا يصلي تحية المسجد ، وتسقط هنا التحية بسبب الاشتغال بالخطبة كما تسقط في حق الحاج إذا دخل المسجد .

وقال جماعة من أصحابنا : تستحب له تحية المسجد ركعتان عند المنبر ، وممن ذكر هذا البندنيجي والجرجاني .... ، والمذهب أنه لا يصليها ؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل أنه صلاها ، وحكمته ما ذكرته ، ولم يذكر الشافعي وجماهير الأصحاب التحية ، وظاهر كلامهم أنه لا يصليها (308) . اهـ .

وقال أبو زرعة العراقي عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين(309) وفيه: ((من راح في الساعة الأولى .... )) الحديث : قد يستدل بعمومه على استحباب التبكير للخطيب أيضاً ، لكن ينافيه قوله في آخره (( فإذا خرج الإمام طويت الصحف )) فدلَّ على أنه لا يخرج إلا بعد انقضاء وقت التبكير المستحب في حق غيره .

وقال الماوردي من أصحابنا : يختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت الذي تقام فيه الصلاة ولا يبكر ، إتباعاً لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، واقتداء بالخلفاء الراشدين (310) .اهـ .

وقال ابن حبيب المالكي : يجوز له إذا أتي قبل الزوال أن يتنفل في المسجد ، وكذلك بعد الزوال إذا لم يرد أن يخطب ، ويسلم على الناس حين دخوله ، ولا يسلم إذا صعد على المنبر (311) . اهـ .

وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن : " وأما تقدم الخطيب في المسجد يصلي ويقرأ قبل الخطبة والصلاة فلا بأس به ، لكن ينبغي أن يكون في ناحية يراه المأمومون إذا خرج إليهم للخطبة (312). اهـ .

وقال شيخنا العلامة محمد بن عثيمين : إن السنة للإمام أن يتأخر – أي في ذهابه للمسجد في الجمعة – وأما ما يفعله بعض أئمة الجمعة الذين يريدون الخير فيتقدمون ليحصلوا على أجر التقدم الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم : (( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة )) فهؤلاء يثابون على نيتهم ، ولا يثابون على عملهم ؛ لأنه خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة إنما يأتي عند الخطبة ولا يتقدم ، ولو كان هذا من الخير لكان أول فاعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم (313) . اهـ .

قلت : وبهذا تعلم أن السنة ألا يبكر الخطيب قبل وقت دخوله ، عملاً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن من فعل ذلك لم يكن قد فعل محرماً ، ولكنه فعل ما هو خلاف السنة ، إلا أن بعض المساجد لها من الخصوصية في الواقع ما يستلزم حضور الخطيب قبل وقته ، لأسباب ترجع إلى كل مسجد بحسبه ، فمثلاً في المسجد الحرام تقتضي الحال تبكير الخطيب قبل وقت دخوله بزمن يسير ، وهذا أمر لا بأس به ، غير أن الأكمل والأقرب لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ألا يدخل الخطيب المسجد إلا إلى منبره مباشرة . والعلم عند الله تعالى .

 26- السنة القبلية للخطيب وغيره :

هذه المسألة لا تخص الخطيب بمفرده ، بل يشاركه معه غيره من المأمومين ، ولكن لما كان الخطيب ممن تشمله هذه المسألة ، فإنني سأذكر ما وقفت عليه من كلام أهل العلم حولها .

فلقد اختلف أهل العلم : هل للجمعة سنة قبلية أم لا على قولين :

القول الأول :

وهو الذي دلَّت عليه نصوص السنة ، على أنه ليس للجمعة سنة قبلية . وهذا هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي (314) .

وتعليلهم في ذلك هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته فإذا رقي المنبر أخذ بلال في الأذان . ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً ، ولا نقل هذا عنه أحدٌ ، ولا نقل عنه أيضاً أنه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة ، ولا وقت بقوله صلاة مقدرة قبل الجمعة ، ولم يقم أحد غيره يركع ركعتين بعد أذان الجمعة ألبتة ، وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد لا سنة لها قبلها .

قال شيخ الإسلام : ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت ، مقدرة بعدد ، لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم ، أو فعله . وهو لم يسن في ذلك شيئاً لا بقوله ولا فعله (315) . اهـ .

وقال ابن القيم : " وهذا كان رأي عين ، فمتى كانوا يصلون السنة ؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال رضي الله عنه من الأذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين ، فهو أجهل الناس بالسنة (316) . اهـ .

القول الثاني :

قالوا : " إن للجمعة سنة قبلية ، فمنهم من جعلها ركعتين ، كما قاله طائفة من أصحابه الشافعي وأحمد . ومنهم من جعلها أربعاً ، كما نقل عن أصحاب أبي حنيفة ، وطائفة من أصحاب أحمد ، وقد نقل عن الإمام أحمد ما ستدل به على ذلك (317) .

قلت : وبه قال النووي في الخلاصة (318) .

وقد احتج أصحاب هذا القول على ذلك بما ذكره البخاري في صحيحه فقال : باب الصلاة قبل الجمعة وبعدها . ثم ساق بسنده عن ابن عمر (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين ، وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته ، وبعد العشاء ركعتين ، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين )) (319) .

وبما رواه أبو داود وابن حبان عن نافع قال: وكان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك(320) .

واستدلوا كذلك بما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة وجابر بن عبدالله قال : (( جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( أصليت الركعتين قبل أنْ تجيء ؟ قال : لا ، قال : فصلّ ركعتين وتجوَّز فيهما )) (321)

واستدلوا كذلك بما رواه البزار عن أبي هريرة بلفظ (( كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها أربعاً )) (322)

واستدلوا كذلك بأن الجمعة إنما هي ظهر مقصورة فتكون سنة الظهر سنتها (323) . واستدلوا كذلك بقياس الجمعة على الظهر (324) .

وقد أجاب المحققون من أهل العلم على أدلة القائلين بالسنة القبلية للجمعة كالتالي :

أولاً : جوابهم بما بوَّب له البخاري وبما ساقه معه من حديث ابن عمر ، على أنه لم يقع ذكر الصلاة قبل الجمعة في هذا الحديث ، فلعل البخاري أراد إثباتها قياساً على الظهر . ذكر ذلك ابن التين وقواه الزين بن المنير (325) .

وقال ابن القيم عن صنيع البخاري هذا : وهذا لا حجة فيه ، ولم يرد به البخاري إثبات السنة قبل الجمعة ، وإنما مراده أنه هل ورد في الصلاة قبلها أو بعدها شيء ؟ ثم ذكر هذا الحديث ، أي : أنه لم يرو عنه فعل السنة إلا بعدها ، ولم يرد قبلها شيء (326) . اهـ .

ثانياً : جوابهم عن حديث ابن عمر أنه كان يطيل الصلاة ... الخ .

فقد قال ابن القيم : وهذا لا حجة فيه على أن للجمعة سنة قبلها ، وإنما أراد بقوله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك : أنه كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته لا يصليهما في المسجد ، وهذا هو الأفضل فيهما (327) . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر : وأما قوله كان يطيل الصلاة قبل الجمعة . فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعاً ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة ، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة ، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها بل هو تنفل مطلق ، وقد ورد الترغيب فيه كما تقدم في حديث سلمان وغيره حيث قال فيه (( ثم صلى ما كتب له )) (328) . اهـ .

ثالثاً : أما جوابهم عن حديث سليك الغطفاني فقد قال ابن القيم : قال شيخنا أبو العباس : وهذا غلط ، والحديث المعروف في الصحيحين عن جابر قال : (( دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : أصليت ؟ قال : لا ، قال : فصلَّ ركعتين . وقال : إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما )) . فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث ، وأفراد ابن ماجة في الغالب غير صحيحة ، هذا معنى كلامه . وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزي : هذا تصحيف من الرواة ، إنما هو ((أصليت قبل أن تجلس)) فغلط فيه الناسخ (329) . اهـ .

رابعاً : أن حديث البزار قال عنه الحافظ ابن حجر : في إسناده ضعف (330) . اهـ .

خامساً : وأما قولهم : إن الجمعة ظهر مقصورة فقد قال شيخ الإسلام : هذا خطأ من وجهين : أحدهما أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر كل يوم باتفاق المسلمين ، والوجه الثاني : هب أنها ظهر مقصورة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي في سفره سنة الظهر المقصورة لا قبلها ولا بعدها ، وإنما كان يصليها إذا أتم الظهر فصلى أربعاً ، فإذا كانت سنته التي فعلها في الظهر المقصورة خلاف التامة كان ما ذكروه حجة عليهم لا لهم (331) . اهـ .

وقال ابن القيم عمن قال إنما ظهر مقصورة : وهذه حجة ضعيفة جداً ، فإن الجمعة صلاة مستقلة بنفسها تخالف الظهر في الجهر ، والعدد ، والخطبة .... الخ (332) . اهـ .

سادساً : وأما قياسهم الجمعة على الظهر ، فقد قال ابن القيم : هو قياس فاسد ، فإن السنة ما كان ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل ، أو سنة خلفائه الراشدين ، وليس في مسألتنا شيء من ذلك ، ولا يجوز إثبات السنن في مثل هذا بالقياس (333) . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر : ورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة (334) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : والصواب أن يقال : ليس قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : (( بين كل أذانين صلاة )) (335)  ويتوجه أن يقال : هذا الأذان لما سنَّه عثمان واتفق المسلمون عليه ، صار إذاناً شرعياًَ ، وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الأذان الثاني جائزة حسنة ، وليس سنة راتبة ، كالصلاة قبل المغرب . وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه . وهذا أعدل الأقوال ، وكلام الإمام أحمد يدل عليه (336) . اهـ .

هذا حاصل أقوال أهل العلم في هذه المسألة . والعلم عند الله تعالى .

 27- حكم تحية المسجد للخطيب :

لو دخل الخطيب متجهاً إلى المنبر ، فها يشرع في حقِّه أن يصلي ركعتين تحية المسجد ؟ .

نقل النووي في المجموع عن المتولي : أنه لا يصلي تحية المسجد ، وأنها تسقط بسبب الاشتغال بالخطبة ، كما تسقط في حق الحاج إذا دخل المسجد الحرام بسبب الطواف .

وقال جماعة من أصحاب الشافعي : تستحب له تحية المسجد ركعتان عند المنبر .

والمذهب عند الشافعية : أنه لا يصليها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل أنه صلاها ، ولم يذكر الشافعي وجماهير أصحابه التحية ، وظاهر كلامهم أنه لا يصليها (337) .

 28- تخطي الإمام رقاب المصلين يوم الجمعة :

عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يحضر الجمعة ثلاثة نفر ، رجل حضرها يلغو ، وهو حظه منها ، ورجل حضرها يدعو ، فهو رجل دعا الله عز وجل ، فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه ، ورجل حضرها بإنصات وسكون ، ولم يتخط رقبة مسلم ، ولم يؤذِ أحداً ، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام ، وذلك أن الله تعالى يقول {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }(338) رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وصححه (339) .

وعند ابن ماجة أن رجلاً جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (( اجلس فقد آذيت وآنيت(340))) (341) وهو عند النسائي وأبي داود بدون لفظ (( آنيت )) (342)

وعند الترمذي وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً إلى جهنم )) (343) . قال الترمذي : لا نعرف إلا من حديث رشدين بن سعد ، وقد ضعَّفه بعض أهل العلم من قبل حفظه .

قلت : هذه الأحاديث السابقة تدل على المنع من تخطي رقاب المصلين يوم الجمعة ، غير أن جمهور أهل العلم استثنوا من ذلك الإمام إذا لم يجد طريقاً للمنبر إلا بتخطي الرقاب ، وإليك أقوالهم في هذه المسألة :

قال الشافعي : وإن كان الزحام دون الإمام الذي يصلي الجمعة لم أكره له من التخطي ، ولا من أن يفرج له الناس ما كره للمأموم؛ لأنه مضطر إلى أن يمضي إلى الخطبة والصلاة لهم.(344)

وقال ابن قدامة : فأما الإمام إذا لم يجد طريقاً ، فلا يكره له التخطي؛ لأنه موضع حاجة (345). اهـ.

وقال المرداوي : وقيل : يتخطى الإمام مطلقاً (346). اهـ .

وقال النووي : فإن كان إماماً ولم يجد طريقاً إلى المنبر والمحراب إلا بالتخطي لم يكره ، لأنه ضرورة . نصَّ عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب (347) .

وقال العراقي : وقد استثني من التحريم أو الكراهة الإمام ، أو منْ بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي (348) . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر عن حديث التخطي : قال الشافعي : أكره التخطي إلا لمن لا يجد السبيل إلى المصلى إلا بذلك اهـ . وهذا يدخل فيه الإمام ومن يريد وصل الصف المنقطع ... (349) . اهـ .

قلت : واستدل بعض أهل العلم على جواز التخطي للإمام بما رواه عقبة بن الحارث قال : صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر ، ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ، ففزع الناس من سرعته ، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال : ((ذكرت شيئاً من تبر(350)كان عندنا ، فكرهت أن يحسبني فأمرت بقسمته))  رواه البخاري والنسائي وأحمد (351) .

قال الحافظ ابن حجر : وفيه أن التخطي للحاجة مباح (352) . اهـ .

قلت : فهذا الحديث يدل على التخطي حال خروجه صلى الله عليه وسلم من بينهم ذاهباً إلى بيته ، وحال عودته من بيته ليقف موقفه في الصلاة ، فحصل تخطيه صلى الله عليه وسلم هنا على حالين . والعلم عند الله تعالى .

 29- اتخاذ المنبر في الجمعة :

قال النووي : " أجمع العلماء على أنه يستحب كون الخطبة على منبر للأحاديث الصحيحة ، ولأنه أبلغ في الإعلام ، ولأن الناس إذا شاهدوا الخطيب كان أبلغ في وعظهم . قال أصحابنا : فإن لم يكن منبر استحب أن يقف على موضع عالٍ ، وإلا فإلى خشبة ونحوها بالحديث المشهور في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : ((كان يخطب إلى جذع قبل اتخاذ المنبر )) قالوا: ويكره المنبر الكبير جداً الذي يضيق على المصلين إذا لم يكن المسجد متسعاً(353)". اهـ

وقال الحافظ ابن حجر : " تشرع الخطبة على المنبر لكل خطيب ، خليفة كان أو غيره ، لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه " .

وقال ابن بطال : " إن كان الخطيب هو الخليفة فسنته أن يخطب على المنبر ، وإن كان غيره يخير بين أن يقوم على المنبر أو على الأرض . وتعقبه الزين بن المنير بأن هذا إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء ، فإن كان من الخلفاء الراشدين فهو سنة متبعة ، وإن كان من غيرهم فهو بالبدعة أشبه منه بالسنة (354) " .

وقال المرداوي : ومن سننهما – أي  خطبتي الجمعة – أن يخطب على المنبر أو موضع عال بلا نزاع (355) . اهـ .

إذا علمت كلام أهل العلم في ذلك، فاعلم أن الدليل على ما ذكروه أحاديث كثيرة منها:

ما رواه البخاري : (( أن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد امتروا في المنبر مم عُودُه ؟ فسألوه عن ذلك ، فقال : والله إني لأعرف مما هو ، ولقد رأيته يوم وُضِع ، وأول يوم جلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة – امرأة من الأنصار قد سماها سهل – (( مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلَّمت الناس ))، فأمرته فعلمها من طرفاء الغابة ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فوضعت هاهنا ، ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها ، وكبَّر وهو عليها ، ثم ركع وهو عليها ، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ، ثم عاد ، فلما فرغ أقبل على الناس فقال : ((أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا ، ولتعلموا صلاتي)) (356) .

ومن ذلك ما رواه البخاري عن جابر بن عبدالله قال : " كان جذعٌ يقوم إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العِشار (357) ، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يدع عليه " (358) .

ومنها ما رواه أبو داود عن ابن عمر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بدن قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك ؟ قال : بلي ، فاتخذ له منبراً مرقاتين )) (359) .

قال الحافظ ابن حجر : " إسناده جيد (360) ". اهـ .

ومنها ما رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة والحاكم والبيهقي عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما ، وعليهما قميصان أحمران يعثران فيهما ، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فقطع كلامه فحملهما ثم عاد إلى المنبر ثم قال : (( صدق الله {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} (361) رأيت هذين يعثران في قميصيهما ، فلم أصبر حتى قطعت كلامي ، فحملتهما )) (362) .

قال الحاكم : صحيح على شرط مسلك ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي .

 30- أين يكون المنبر في المسجد ؟

فالجواب : أنه قد أخرج البخاري في صحيحه من حديث يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال : كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزها (363) .

وأخرجه مسلم أيضاً بلفظ : (( وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر شاة )) (364) .

وعند أبي داود بلفظ : (( كان بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الحائط كقدر ممر الشاة )) (365) .

قلت : يؤخذ من هذا الحديث أن منبر النبي صلى الله عليه وسلم كان قريباً جداً من جدار القبلة حتى لم يبق بينه وبين الحائط إلا قدر ممر شاة .

قال النووي رحمه الله : " قال أصحابنا وغيرهم : ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب ، أي على يمين الإمام إذا قام في المحراب مستقبل القبلة ، وهكذا العادة (366) " . اهـ .

وقال ابن القيم : ولم يوضع المنبر في وسط المسجد ، وإنما وضع في جانبه الغربي قريباً من الحائط ، وكان بينه وبين الحائط قدر ممر الشاة (367) . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر : " قال الرافعي وغيره : كان منبر النبي صلى الله عليه وسلم على يمين القبلة " .

قال ابن حجر : " لم أجد حديثاً ولكنه كما قال ، فالمستند فيه إلى المشاهدة ، ويؤيده حديث سهل بن سعد في البخاري (368) في قصة عمل المرأة المنبر ، قال : فاحتمله النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه حيث ترون (369) " . اهـ .

وقال في الشرح الكبير : ويستحب أن يكون المنبر عن يمين القبلة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا صنع (370) . اهـ .  

 31- حكم جلوس الخطيب على المنبر بعد أن يسلم على الناس وقبل الأذان ، وموضع وقوفه عليه :

أخرج البخاري في صحيحه من حديث السائب بن يزيد قال : (( كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما . فلما كان عثمان رضي الله عنه ، وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على الزوراء)) (371).

وعند النسائي : (( كان بلال يؤذن إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ، فإذا نزل أقام )) (372) .

ففي هذين الحديثين دلالة ظاهرة على مشروعية الجلوس على المنبر للخطيب قبل أن يؤذن المؤذن . وعلى هذا جمهور أهل العلم .

وقد بوَّب البخاري في صحيحه باباً فقال : "باب الجلوس على المنبر عند التأذين"(373) . اهـ.

قال الحافظ ابن حجر : " استدل البخاري بهذا الحديث على الجلوس على المنبر قبل الخطبة خلافاً لبعض الحنفية " (374) . اهـ .

وقال في موضع آخر : وأشار الزين بن المنير إلى أن مناسبة هذه الترجمة الإشارة إلى خلاف من قال : الجلوس على المنبر عند التأذين غير مشروع ، وهو عند بعض الكوفيين ، وقال مالك والشافعي والجمهور : هو سنة " (375) . اهـ .

وقد اختلف من أثبت هذه الجلسة في الحكمة منها ، فقال قوم : لأجل الأذان ، وقال آخرون : لراحة الخطيب .

وقال الزين بن المنير : " الحكمة فيه سكون اللغط ، والتهيؤ للإنصات ، والاستنصات لسماع الخطبة ، وإحضار الذهن للذكر " (376) .

تـنـبـيـه :

أين يجلس الخطيب ، وأين يقف من المنبر ؟ .

فالجواب : قال الشافعي رحمه الله : " بلغنا عن سلمة بن الأكوع أنه قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبتين وجلس جلستين حكى الذي حدثني قال : استوي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدرجة التي تلي المستراح قائماً ، ثم سلم وجلس على المستراح حتى فرغ المؤذن من الأذان ، ثم قام فخطب الخطبة الأولى ، ثم جلس ، ثم قام فخطب الخطبة الثانية ، وأتبع هذا الكلام الحديث ، فلا أدري أحدثه عن سلمة أم شيء فسره هو في الحديث(377) " . اهـ .

قال النووي رحمه الله : يستحب أن يقف على الدرجة التي تلي المستراح كما ذكره المصنف ، قال الشيخ أبو حامد : فإن قيل : قد روي أن أبا بكر نزل عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم درجة ، وعمر درجة أخرى ، وعثمان أخرى ، ووقف علي رضي الله عنه في موقف النبي صلى الله عليه وسلم . قلنا : كل منهم له قصد صحيح ، وليس بعضهم حجة على بعض ، واختار الشافعي وغيره موافقة النبي صلى الله عليه وسلم ، لعموم الأمر بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم (378) . اهـ .

وقال المرداوي في الإنصاف : " وكان يقف على الثالثة التي تلي مكان الاستراحة . ثم وقف أبو بكر على الثانية ، ثم عمر على الأولى تأدباً ، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر . ثم وقف علي موقف النبي صلى الله عليه وسلم . ثم في زمن معاوية قلعه مروان ، وزاد فيه ست درج ، فكان الخلفاء يرتقون ست درج ، ويقفون مكان عمر (379) . اهـ .

 32- أي الرجلين يقدم الخطيب عند صعوده المنبر وكذا عند نزوله ؟ ..

بوَّب البخاري في صحيحه باباً فقال : باب التيمن في دخول المسجد وغيره ، وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى ، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى (380) اهـ .

قال الحافظ ابن حجر عن حديث ابن عمر هذا:ولم أره موصولاً عنه لكن في المستدرك للحاكم(381) من طريق معاوية بن قرة عن أنس أنه كان يقول : " من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى ، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى " والصحيح أن قول الصحابي : " من السنة كذا " محمول على الرفع (382) .

قلت : إنما أوردت ما يتعلق بتقديم اليمنى عند دخول المسجد ، وحديثنا هنا عن صعود المنبر وما ذاك إلا من باب أن صعود المنبر إنما يكون في معظم الصور إذا كانت صلاة الجمعة داخل المسجد حتى يكون ذلك من القياس ؛ ولأن تقديم اليمنى يتعلق بأمور الفضائل والتكريم ، فتقدم فيه اليمنى عملاً بحديث عائشة الذي في الصحيحين قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمن ما ستطاع في شأنه كله : في طهوره ، وترجله ، وتنعله . وهذا لفظ البخاري (383) .

ومما لا شك فيه أن صعود المنبر من جهة التكريم أعظم من مجرد التنعل أو الترجل ، فيكون تقديم اليمين حال صعوده هو الأفضل بناء على حديث عائشة ، لاسيما وأن الصعود إنما هو لأداء عبادة وتبليغ رسالة وهي الخطبة ، والله أعلم .

وأما عند النزول فيحتمل أن يقدم اليسرى قياساً على الخروج من المسجد ، ويحتمل أن يقدم اليمنى بناء على عموم حديث عائشة رضي الله عنها ، لاسيما إن قلنا : إن العلة في تقديم اليسرى في الخروج من المسجد ؛ لأنه خروج من مكان العبادة إلى مكان الدنيا وشواغلها ، فإن النازل من المنبر غير خارج من العبادة ، بل إنه سينتقل من عبادة إلى عبادة أخرى وهي الصلاة ، فيكون تقديم اليمنى حال النزول أولى وأقرب ، عملاً بعموم حديث عائشة رضي الله عنها .

ولشيخ الإسلام رحمه الله كلام جيد حول أفعال الجوارح يقول فيه : " والأفعال نوعان : أحدهما مشترك بين العضوين . والثاني : مختص بأحدهما ، وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء ، والغسل ، والابتداء بالشق الأيمن في السواك ، ونتف الإبط ، وكاللباس ، والانتعال ، والترجل ، ودخول المسجد والمنزل ، والخروج من الخلاء ونحو ذلك . وتقدم اليسرى في ضد ذلك ، كدخول الخلاء ، وخلع النعل ، والخروج من المسجد .

والذي يختص بأحدهما : إن كان من باب الكرامة كان باليمين ، كالأكل والشرب والمصافحة ومناولة الكتب وتناولها ونحو ذلك . وإن كان ضد ذلك كان باليسرى ، كالاستجمار ومس الذكر ، والاستنثار ، والامتخاط ، ونحو ذلك .  (384) اهـ .

 33- كيفية صعود الخطيب المنبر :

استحب جماعة من أهل العلم منهم ابن عقيل وغيره : أن يكون الخطيب حالة صعوده على تؤدة وإذا نزل يكون مسرعاً مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة (385) .

وأما ما يفعل حال الصعود من بعض عوام الخطباء من التباطؤ – وهو خلاف التؤدة – حين صعوده فقد عدَّه بعضهم من البدع ، كما ذكر ذلك أبو شامة في الباعث (386) ، وذكره القاسمي في إصلاح المساجد(387) ، وذكره غيرهما .

ومثل ذلك دقُّ الخطيب المنبر عند صعوده ثلاث مرات بعصى أو نحوها دقاً مزعجاً أو مرتفعاً ، كما ذكر ذلك في الباعث (388) ، وروضة الطالبين للنووي (389) ، وإصلاح المساجد (390) ، وغيرها .

قال الحافظ ابن حجر : ويكون صعوده فيه على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السطح .... (391) . اهـ .

 34- حكم قراءة الخطيب عند صعوده المنبر آية { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} أو حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : أنصت ، والإمام يخطب فقد لغوت )) رواه البخاري ومسلم (392)

سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن هذه المسألة فأجاب قائلاً : " الحمد لله ليس هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين العلماء ، لكن تبليغ الحديث ، فعله من فعله لأمر الناس بالإنصات ، وهو من نوع الخطبة .... " (393) . اهـ .

قلت : لعلَّ شيخ الإسلام يقصد هنا فعل عثمان الذي رواه الشافعي وسيأتي بعد قليل .

قال ابن نجيم الحنفي : " ولم أر فيما عندي من كتب أئمتنا حكم المرقى الذي يخرج الخطيب من مخدعه ويقرأ الآية كما هو المعهود هل مسنون أم لا ؟ " (394) . اهـ .

وقال في موضع آخر : " ثم اعلم أن ما تعورف من أن المرقى للخطيب يقرأ الحديث النبوي ، وأن المؤذنين يؤمنون عند الدعاء ، ويدعون للصحابة بالرضى ، وللسلطان بالنصر ، إلى غير ذلك ، فكله حرام على مقتضى مذهب أبي حنيفة رحمه الله . وأغرب منه أن المرقى ينهى عن الأمر بالمعروف بمقتضى الحديث الذي يقرأه ، ثم يقول : انصتوا رحمكم الله . ولم أر نقلاً في وضع هذا المرقى في كتب أئمتنا " (395) . اهـ .

قال ابن عابدين : " وذكر العلامة ابن حجر في التحفة أن ذلك بدعة ، لأنه حدث بعد الصدر الأول ، قيل : لكنها حسنة ؛ لحث الآية على ما يندب لكل أحد من إكثار الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسيما في هذا اليوم ، وكحث الخبر على تأكد الإنصات المفوت تركه لفضل الجمعة ، بل والموقع في الإثم عند الأكثرين من العلماء . وأقول – القائل ابن حجر – يستدل لذلك أيضاً بأنه صلى الله عليه وسلم أمر من يستنصت له الناس عند إرادته خطبة منى في حجة الوداع ، فقياسه أنه يندب للخطيب أمر غيره بالاستنصات ، وهذا هو شأن المرقي ، فلم يدخل ذكره للخبر في حيز البدعة أصلاً " . اهـ .

وذكر نحوه الخير الرملي الشافعي وأقره عليه وقال : " إنه لا ينبغي القول بحرمة قراءة الحديث على الوجه المتعارف ؛ لتوافر الأمة وتظاهرهم عليه . اهـ .

أقول – أي ابن عابدين - : كون ذلك متعارفاً لا يقتضي جوازه عند الإمام القائل بحرمة الكلام ولو أمراً بمعروف أو ردَّ سلام ؛ استدلالاً بما مرَّ ، ولا عبرة بالعرف الحادث إذا خالف النص ؛ لأن التعارف إنما يصلح دليلاً على الحل إذا كان عاماً من عهد الصحابة والمجتهدين كما صرحوا به ، وقياس خطبة الجمعة على خطبة منى قياس مع الفارق ، فإن الناس في يوم الجمعة قاعدون في المسجد ينتظرون خروج الخطيب متهيئون لسماعه ، بخلاف خطبة منى فليتأمل (396) .

وذكر ابن القيم متحدثاً عن صفة خطبته صلى الله عليه وسلم بعد أن يصعد المنبر فقال : ويأخذ بلال في الأذان ، فإذا فرغ منه قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة ، لا بإيراد خبر ولا غيره " (397) . اهـ .

وقال في موضع آخر.. أخذ المؤذن في الأذان فقط ، ولم يقل شيئاً قبله ولا بعده (398). اهـ.

قلت : قد وقفت على رواية عند مالك في الموطأ ، والشافعي في الأم ، تدل على أن عثمان رضي الله عنه كان يقرأ حديث الإنصات ، إلا أن ذلك لم يكن حال صعوده على المنبر ، وإنما كان أثناء الخطبة .

فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى : " أخبرنا مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبدالله ، عن مالك بن أبي عامر ، أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته – قلما يدع ذلك إذا خطب – إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا له وأنصتوا ؛ فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للسامع المنصت ، فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف وحاذوا بالمناكب ، فإن اعتدال الصفوف  من تمام الصلاة ، ثم لا يكبر عثمان حتى يأتيه رجال قد وكلهم بتسوية الصفوف فيخبروه أن قد استوت فيكبر " (399) .

وقد سئلت اللجنة الدائمة برئاسة سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز عن هذه المسألة ، فأجابت اللجنة بما نصه: " وقول الإمام هذا الحديث عند صعوده المنبر بدعة.. الخ وبالله التوفيق .." (400) .

 35- اتخاذ الخطيب للعصا :

جاء في ذكر العصا للخطيب روايات متعددة .

منها : ما رواه الشافعي في مسنده عن إبراهيم عن ليث بن أبي سليم عن عطاء مرسلاً (( أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتمد على عنزته اعتماداً)). ورواه كذلك في الأم. ورواه البيهقي في السنن(401)

قال الحافظ في التلخيص : وليث ضعيف (402) .

ومنها : ما رواه أبو داود في سننه من حديث الحكم بن حزن ، الحديث وفيه (( شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام متوكئاً على عصا أو قوس )) (403) . قال الحافظ في التلخيص : إسناده حسن، وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة(404)، وله شاهد من حديث البراء بن عازب عند أبي داود بلفظ : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي يوم العيد قوساً فخطب عليه)). وطوله أحمد(405) ورواه الطبراني(406) وصححه ابن السكن (407). اهـ.

قال مالك : مما يستحب للأئمة أصحاب المنابر أن يخطبوا يوم الجمعة ومعهم العصي يتوكؤون عليها في قيامهم ، وهو الذي رأينا وسمعنا (408) . اهـ .

وقال الشافعي : " ويعتمد الذي يخطب على عصا أو قوس أو ما أشبههما ؛ لأنه بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتمد على عصا " (409) .

وقال النووي : " يسن أن يعتمد على قوس ، أو سيف ، أو عصا ، أو نحوها " (410) .

وقد قال بمشروعية العصا كقول مالك والشافعي الإمامُ أحمد (411) ، وجمْعٌ من أهل العلم ، وبه قال الصنعاني في السبل (412) والشوكاني في نيل الأوطار (413) . وذهب بعض الحنفية إلى كراهية اتخاذ الخطيب للقوس أو العصا .

فقد قال صاحب التاتار خانية ونسبة لصاحب المحيط البرهاني ما نصه : " وإذا خطب متكئاً على القوس أو على العصا جاز إلا أنه يكره ؛ لأنه خلاف السنة " (414) . اهـ .

قلت : ولم أقف على دليل لما ذكره الحنفية من الكراهة ، بل الدليل على خلافه كما سبق ، بل إنني وقفت على ما يدل أن بعضهم استحب اتخاذ السيف بدلاً من العصا .

فقد قال صاحب التاتار خانية وعزاه لصاحب روضة العلماء قال : " الحكمة في أن الخاطب يخطب متقلداً بالسيف ما قد سمعت الفقيه أبا الحسن الرستغفني رحمه الله يقول : " كل بلدة فتحت عنوة بالسيف يخطب الخاطب على منبرها بالسيف ليريهم أنها فتحت بالسيف ، فإذا رجعتم عن الإسلام فذلك باق في أيدي المسلمين نقاتلكم به حتى ترجعوا إلى الإسلام ، وكل بلدة أسلم أهلها طوعاً يخطبون بلا سيف ، ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فتحت بالقرآن فيخطب بلا سيف ، ومكة فتحت بالسيف فيخطب مع السيف " (415)  . اهـ .

قلت : وقد ردَّ ابن القيم رحمه الله على مثل هذا القول بقوله : "ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائماً ، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف ، فمن فرط جهله ، فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ، ولا قوس ، ولا غيره ، ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفاً ألبتة ، وإنما كان يعتمد على عصاً أو قوس " (416) . اهـ .

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية : " أما السيف فليس بمشروع ، وهم عللوا ذلك بأنه إشارة إلى أن الدين فتح به . وهذا غير صحيح إنما فتح بالقرآن ، وإنما السيف منفذ فقط " (417) . اهـ .

وقال شيخنا محمد بن عثيمين : " تعليلهم بأنه إشارة إلى أن هذا الدين فتح بالسيف فيه نظر ، فالدين لم يفتح بالسيف ؛ لأن السيف لا يستعمل للدين إلا عند المنابذة ، فإذا أبي الكفار أن يسلموا أو يبذلوا الجزية فإنهم يقاتلون ، أما إذا بذلوا الجزية فإنهم يتركون ، وهذا هو القول الذي تدل عليه الأدلة " (418) . اهـ .

قلت : ولا أدري ما هو الدليل على ما ذكره ابن القيم من التفريق بين ما كان قبل اتخاذه صلى الله عليه وسلم المنبر وبين ما كان بعده ، فربما اطلع على دليل لم أجده حسب البحث القاصر ، ولكنني وقفت على كلام للسمهودي صاحب كتاب (( وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى )) ، يدل على أن في منبره صلى الله عليه وسلم ما يسمى " رمانة " يضع يدع عليه أثناء الخطبة ، أو في الجلوس بين الخطبتين . فمن ذلك قوله عن ابن النجار : " وطول رمانتي المنبر اللتين كان يمسكهما بيده إذا جلس شبر وأصبعان " .

ونقل السمهودي أيضاً عن ابن زبالة قوله : " .. إلى طرف رمانته التي يضع عليها يده الكريمة ... الخ " .

ونقل أيضاً عن ابن عساكر عن شيخه ابن النجار قوله : " وقد احترقت بقايا منبر النبي صلى الله عليه وسلم القديمة ، وفات الزائرين لمس رمانة المنبر التي كان صلى الله عليه وسلم يضع يده المقدسة المكرمة عليها عند جلوسه عليه " (419) . اهـ .

وقال أبو منصور الكرماني الحنفي : " وتجعل يدك على رأس الرمانة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده عليها عند الخطبة " (420) . اهـ .

قلت : يظهر مما سبق ما يشير إلى تقوية كلام ابن القيم رحمه الله ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتخذ عصاً إذا خطب بعد ما وضع له المنبر  ، والله أعلم .

وقد يشكل على ما سبق ذكره عن ابن القيم أنه رحمه الله قد أشار في أول كتابه الزاد في فصل هدية صلى الله عليه وسلم في خطبته بما نصه : "وكان إذا قام يخطب أخذ عصاً ، فتوكأ عليها وهو على المنبر ، كذا ذكره عنه أبو داود عن ابن شهاب ، وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك " (421) . اهـ .

قلت : فأنت ترى هنا أبن القيم رحمه الله ، لم يفصل الكلام كما فصل في الوضع السابق ذكره ، والتفصيل متأخر عن كلامه في أول كتابه ، فيحتمل أن يكون هو المعتمد عنده ، لاسيما وقد نصَّ في كلامه على عدم اتخاذه صلى الله عليه وسلم للعصا بعد اتخاذه المنبر ، ويحتمل أن يكون كلامه رحمه الله هناك هو المعتمد على أنه لا فرق بين ما كان قبل اتخاذه المنبر وما كان بعد اتخاذه المنبر بدليل استمرار فعل الخلفاء الثلاثة من بعده .

ثم إنني اطلعت على كلام للإمام مالك قد يكون مما يؤيد به قول ابن القيم في التفصيل بين ما كان قبل اتخاذه صلى الله عليه وسلم المنبر ، وما كان بعد اتخاذه ؛ حيث قال الإمام مالك عن خروج الإمام في الاستسقاء : " وليس يخرج في صلاة الاستسقاء بمنبر ، ولكن يتوكأ الإمام على عصا" (422) . اهـ .

فيفهم من كلام مالك أنه قال بسنية اتخاذ العصا هنا ؛ لأنه لا يرى الخروج بالمنبر في الاستسقاء ، فاعتاض بالعصا عن المنبر . والله أعلم .

قال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز عن حديث الحكم بن حزن ما نصه : " الحديث يدل على شرعية الاتكاء على عصا أو قوس في الخطبة ، لأن هذا من شأنه صلى الله عليه وسلم ، ولعل السر في هذا – والله أعلم – أنه أجمع لليدين ، وأجمع للقلب من الحركة ، وأقرب إلى الإقبال على الخطبة " (423) .

وقال رحمه الله عن الحديث : إسناده حسن ، ورواه أحمد أيضاً ، وجاء في الباب آثار أخرى فيها مقال ، ولكنها تشهد لهذا المعنى (424) . اهـ .

قلت : وما قاله سماحة شيخنا ، قد قال بمثله الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية رحمه الله حيث قال عن حديث الحكم ما نصه : " فيه فوائد : منها شرعية الاعتماد في الخطبة على قوس أو على عصا . وذلك لكونه أرفق للخطيب وأثبت له . لاسيما إذا كان يطول وقوفه أو مقصود مهم . فكونه معتمداً على قوس أو عصا هو السنة ، وخصّ القوس والعصا ؛ لأنهما يستصحبان عادة زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما تستصحب العصا عندنا (425) " . اهـ .

قلت : وقد قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين : " إنه إذا احتاج إلى العصا فإنه يشرع له ذلك وهو سنة ؛ لأن ذلك يعينه على القيام الذي هو سنة ، وما أعان على سنة فهو سنة ، وأما إذا لم يكن هناك حاجة فلا حاجة إلى حمل العصا " (426) . اهـ .

فـائدتان :

الأول : بأي اليدين يمسك الخطيب العصا ؟

الجواب : قال النووي : " قال القاضي حسين والبغوي : يستحب أن يأخذه في يده اليسرى ، ولم يذكر الجمهور اليد التي يأخذه فيها .

وقال أصحابنا : ويستحب أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر"(427). اهـ.

وقال في الإنصاف : "وهو مخير بين أن يكون ذلك في يمناه أو يسراه . ووجه في ( الفروع ) توجيهاً، يكون في يسراه، وأما اليد الأخرى فيعتمد بها على حرف المنبر أو يرسلها"(428).اهـ

الثانية : إذا لم يكن مع الخطيب قوس أو عصا فماذا يفعل ؟

فالجواب : قال الشافعي رحمه الله : " وإن لم يعتمد على عصا أحببت أن يسكن جسده ويديه ، إما بأن يضع اليمنى على اليسرى ، وإما أن يقرهما في موضعهما ساكنتين " (429) . اهـ .

وقال النووي : " قالوا : فإن لم يجد سيفاً أو عصا ونحوه ، سكن يديه بأن يضع اليمنى على اليسرى ، أو يرسلهما ولا يحركهما ، ولا يعبث بواحدة منهما ، والمقصود الخشوع والمنع من العبث " (430) . اهـ

وقال في الإنصاف : " وإذا لم يعتمد على شيء ، أمسك يمينه بشماله ، أو أرسلهما " (431) . اهـ .

 36- حكم اتخاذ الخطيب لمكبر الصوت :

هذه المسألة ليست من المسائل المهمة ، ولا هي مما يحتاج إليها الخطيب ، أو يفتقر إلى معرفة الحكم فيها ، لأنها من المسائل التي ينبغي أن لا يجادل منصف في جواز استعمال مكبر الصوت في الخطبة والصلوات ، ثم إن السواد الأعظم لم تشكل عليهم هذه المسألة ، ولكنني أوردها هنا من باب الفائدة ، لأنها من المسائل التي لبعض أهل العلم كلام حولها ؛ ولأمر آخر وهو أنه لا يخلو هذا الزمان ممن يجادل في مكبر الصوت ومدى مشروعية استعماله في العبادات كوسيلة موصلة ، أو على الأقل يجادل في استحسان ذلك من عدمه وإن لم يقل بتحريمه ، وأمثال هؤلاء قلة لا تذكر .

ولذا فإنني سأذكر كلام بعض أهل العلم حول هذه المسألة .

فقد سئل الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله : ما رأيكم في استعمال مكبر الصوت للخطيب ؟

فأجاب : رأينا أنه لا بأس به ، وهنا فائدة نافعة لهذه المسألة وغيرها ، وهي أن الأمور الحادثة بعد النبي صلى الله عليه وسلم قسمان : عبادات وعادات . أما العبادات : فكل من أحدث عبادة لم يشرعها الله ورسوله فهو مبتدع .

وأما العادات : فالأصل فيها الإباحة ، فكل من حرم عادة من العوائد الحادثة فعليه الدليل ، فإن أتى بدليل يدل على المنع والتحريم من كتاب الله أو سنة رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم ، أو قياس على أصل شرعي ، فهو محذور وممنوع ، وإلا فالأصل الإباحية ، وقد ذكر شيخ الإسلام هذين الأصلين في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) وغيره من كتبه . فهذه الآلات الحادثة من هذا الباب ، الأصل فيها الإباحة . والمباحات كلها إن أعانت على خير فهي حسنة ، وإن أعانت على شر فهي سيئة ، والله أعلم (432) . اهـ .

قلت : وللشيخ ابن سعدي رحمه الله خطبة جمعة بمناسبة وضع مكبر الصوت في المسجد ، حيث استنكر بعض الناس استعماله في المسجد ورأوا أنه من البدع المحدثة ، فردَّ الشيخ على زعمهم هذا في خطبة كاملة (433) .

وسئلت اللجنة الدائمة عن الإمام يصعد على المنبر ومعه المذياع ليأخذ صوته ما حكم ذلك؟ .

فأجابت اللجنة بما نصه: " يجوز ذلك ؛ ليساعده على إبلاغ صوته لأكثر عدد " (434) . اهـ.

وفي قرارات المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي :

أما استخدام مكبر الصوت في أداء خطبة الجمعة والعيدين ، وكذا القراءة في الصلاة وتكبيرات الانتقال ، فينبغي استعماله في المساجد الكبيرة ، لما يترتب عليه من المصالح الشرعية . والله الموفق (435) . اهـ .

وللشيخ بكر أبو زيد كلام جيد حول هذه المسألة ، سأورد شذرات منه لما فيه من الفائدة ، فقد قال : " لا أرى مكبر الصوت إلا من نعم الله تعالى على أهل القبلة ، لإعلان الشعائر الإسلامية ، وإبلاغ الخير للبرية ، ونفوذه إلى أسماع أكبر عدد ممكن في الأحياء ، ورحاب المساجد ، والمنتديات ، ولا ينكر الخير إلى نفس مريضة ، ولا تلتفت إلى ما فاه به بعضهم وجرت به أقلام آخرين من تحريمه في الخير ، كما لو كان في الشر ، حتى سمعت من بعض الأفاقين ، ما أذكره للفُرْجة ، قال : ( فون ) اسم للشيطان ، وهذا من مكره ؛ ولذا قيل له : ( مكرفون ) .

ولا يستنكر هذا فإن مواجهة كل جديد بالرفض ، والتحريم ، علة فاشية من قديم ، ومنه ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره : ( 1/ 433 ) أن : ( الساعة المائية ) لما اخترعت ، قابلها بعضهم بأنها سحر .

ومواجهة الرفض هذه موجودة لدى بعض من المسلمين ، ولدى آخرين من الكافرين ، أمام أي جديد ، وانظر أمثله موسعة لهذا في ( التاريخ القويم ) للكردي : ( 3/ 187 – 190 ) ذكرها استطراداً ....

وقال أيضاً: "لا أرى الحال في جميع ما ذكر إلا من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"(436) .

 37- الطهارة من الحدث في الخطبة :

اختلف أهل العلم في اشتراط الطهارة أثناء الخطبة على قولين :

القول الأول :

قالوا : لا يشترط الطهارة من الحديث سواء كان حدثاً أصغر أو حدثاً أكبر .

وممن قال بهذا أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي في القديم ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه(437).

وعللوا لما ذهبوا إليه بثلاثة أمور :

أولها : أنه لو افتقر الخطيب إلى الطهارة لا فتقر إلى استقبال القبلة كالصلاة .

ثانيها : أن الخطبة ذكر يتقدم الصلاة ، فلم تكن الطهارة فيه شرطاً كالأذان .

ثالثها : أن الخطبة من باب الذكر ، والمحدث والجنب لا يمنعان من ذكر الله تعالى ، والاعتبار بالصلاة غير سديد (438) .

قلت : ولكن يلاحظ هنا أمران :

الأول : أن الشافعية يقولون : إن خطبة الجنب لا تصح قولاً واحداً ، لأن القراءة في الخطبة واجبة عندهم ، ولا تحتسب قراءة الجنب (439) .

الثاني : عند الحنابلة : أن الأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة من الجنابة ؛ لأنهم يشترطون قراءة آية فصاعداً ، وليس ذلك للجنب (440) .

القول الثاني :

قالوا : يشترط في الخطبة الطهارة من الحدث سواء كان حدثاً أكبر أو أصغر .

وممن قال بهذا الشافعي في الجديد ، وأبو يوسف ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (441).

ودليلهم في هذه المسألة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب متطهراً ، وقد قال (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) (442) ؛ ولأنه ذكر شرط في الجمعة فشرط فيه الطهارة كتكبيرة الإحرام ؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عقيب الخطبة ولا يفصل بينهما بطهارة ، فدلَّ على أنه كان متطهراً ؛ ولأنه لو لم يكن متطهراً لاحتاج إلى الطهارة بين الصلاة والخطبة فيفصل بينهما ، وربما طوَّل على الحاضرين (443) .

وقد قال الإمام أحمد فيمن خطب وهو جنب ، ثم اغتسل وصلى بهم : يجزئه (444) . اهـ .

 38- سلام الخطيب على المأمومين :

جرت عادة عامة الخطباء في سائر الأقطار والأمصار على أن يسلموا على المأمومين بعد صعودهم المنبر ، وعلى أن هذه هي السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الحق ، غير أن عدداً من الخطباء وأهل العلم يظنون أن هذه المسألة مجمع عليها بين أهل العلم ، غير أن الأمر ليس كذلك ، بل هي من مسائل الخلاف المشهورة .

وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين :

القول الأول :

استحب جمهور أهل العلم كابن عباس ، وابن الزبير ، وعمر بن عبدالعزيز ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرهم أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا صعد المنبر (445) .

وعند الشافعية يستحب له أن يسلم مرتين : الأولى عند دخوله المسجد يسلم على من هناك ، وعلى من عند المنبر إذا انتهى إليه ، والثانية إذا وصل أعلى المنبر (446) .

وقال المرداوي من الحنابلة : " ويسلم أيضاً على من عنده إذا خرج " (447) . اهـ .

وقد استدل من يرى السلام بأحاديث منها :

1- ما رواه البيهقي وابن ماجه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم (( كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة قال : السلام عليكم )) (448) .

وقد ضعَّف هذا الحديث الطحاوي وقال : " لم يرد في ذلك شيء صحيح ، وروي فيه أحاديث ضعاف " (449) . اهـ .

وقال النووي في المجموع: "رواه البيهقي من رواية ابن عمر وجابر، وإسنادهما ليس بقوي"(450) . اهـ .

وضعفه ابن عدي وابن حبان ، كما ذكر ذلك الحافظ في التلخيص (451) .

وقال عنه الزيلعي : " حديث واهٍ " (452) . اهـ .

وأيده على ذلك المناوي صاحب فيض القدير (453) .

وقال عنه البوصيري : " في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف " (454) . اهـ .

وذكر ابن أبي حاتم في العلل أنه سأل أباه عن هذا الحديث فقال : "هذا حديث موضوع" (455). اهـ.

قلت : وما ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه فيه مبالغة ، إذ ليس في رجال السند من اتهم بالكذب ، والحديث هذا قد حسنه السيوطي في الجامع الصغير (456) .

2- ما ذكره الشافعي بقوله : " بلغنا عن سلمة بن الأكوع أنه قال : " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبتين ، وجلس جلستين ، وحكى الذي حدثني قال : استوى صلى الله عليه وسلم على الدرجة التي تلي المستراح قائماً ثم سلم ، ثم جلس على المستراح ..... الحديث " (457) .

قلت : وقد رأيت أن الشافعي قد ذكر هذا بلاغاً فهو موصولٌ .

3- ما رواه أبوَّ بكر بن أبي شيبة عن الشعبي قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال : السلام عليكم ... الحديث " (458) .

قال الحافظ : وهو مرسل . وفي الباب عن عطاء مرسلاً " (459) .

قلت : والحديث صححه الشيخ الألباني لشواهده (460) . والله أعلم .

القول الثاني :

وهو قول أبي حنيفة ومالك، حيث ذهبا إلى أن سلام الإمام على المأمومين إذا صعد المنبر مكروه .

فقد قال أبو حنيفة : " يكره " .

وقال مالك : " لا يسلم وأنكر ذلك " (461) .

ولكن أبا حنيفة ومالك يقولان بمشروعية سلام الخطيب على المأمومين عند بداية دخوله للمسجد ، لا عند صعوده على المنبر .

ودليلهما في ذلك أنه لم يصح في هذا شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم .

فقد قال أبو حنيفة : " خروج الإمام يقطع الكلام ، وهذا يدل على أنه يمنعه السلام " (462) . اهـ .

قال أبو جعفر الطحاوي : " لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء صحيح ، وروي فيه أحاديث ضعاف ، والقياس يمنع منه ، لأنه إذا تقدم للإمام لا يسلم ، والمؤذن إذا أشرف على الناس لا يسلم ، فكذلك إذا صعد على المنبر " (463) . اهـ .

وقد يستدل لأصحاب هذا القول بما رواه عبدالرزاق بسنده عن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم الجمعة إذا استوى على المنبر يجلس ، فإذا جلس أذن المؤذن ...... الحديث (464) .

وعند أبي داود في السنن أن عمر قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ – أراه المؤذن – ثم يقوم فيخطب ، ثم يجلس فلا يتكلم ، ثم يقوم فيخطب " (465) .

قال المنذري : " في إسناده العمري ، وهو عبدالله بن عمر بن حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطاب وفيه مقال " (466) . اهـ .

وأخرج أبو داود في مراسيله عن ابن شهاب قال : " بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبدأ فيجلس على المنبر ، فإذا سكت المؤذن قام فيخطب الخطبة الأولى ...... الحديث " (467) .

قال الزيلعي عن حديث ابن عمر السابق ، وحديث ابن شهاب هذا : وفي هذا المرسل وفي الحديث قبله جلوسه عليه السلام على المنبر قبل الخطبة ، وليس ذلك في غيرهما ، وكل منها يقوي الآخر (468) . اهـ .

قلت : ويتضح من الروايات السابقة أن الرواة ذكروا أن أول ما يبدأ به صلى الله عليه وسلم بعد صعود المنبر هو الجلوس . فلعل من لم ير السلام بعد الصعود اعتمد على مثل هذا . والله أعلم .

وخلاصة المسألة : أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أبو جعفر الطحاوي . وكما ضعَّف تلك الأحاديث النووي ، والحافظ ابن حجر ، والزيلعي ، والمناوي ، والبوصيري ، وغيرهم .

تـنـبـيـه :

على فرض صحة أحاديث سلام الخطيب على المأمومين ، فإن هذه الأحاديث منها ما جاء فيه ذكر السلام مبهماً ، ومنها ما فسر بقوله : " السلام عليكم " دون ورحمة الله وبركاته ، فهل يقتصر على ما ورد ، أو يؤخذ بالأكمل كما في الحديث الذي صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم عند أبي داود والترمذي والنسائي من حديث عمران بن حصين قال : (( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليكم فردَّ عليه السلام ، ثم جلس فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( عشر )) ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله، فردَّ عليه فجلس فقال: (( عشرون )) ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فردَّ عليه فجلس فقال : (( ثلاثون )) (469) ؟ .

وحاصل هذه المسألة فيما يظهر لي أن الأمر في ذلك واسع ، وأنه وإن لم يصح بخصوص الجمعة شيء عند من يضعف ذلك ، فعموم الأحاديث الدالة على السلام على المسلمين تؤيد ذلك ، وعموم حديث عمران بن حصين السابق يدل على أفضلية السلام بتمامه ، ولو اقتصر على جزء منه ، كأن يقول : السلام عليكم ، أو يقول : السلام عليكم ورحمة الله ، فلا بأس ، لكنه ترك الأكمل . والله أعمل .

 39- ترديد الخطيب وهو على المنبر خلف المؤذن :

أخرج الشيخان عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : (( سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر ، أذن المؤذن قال : الله أكبر الله أكبر ، قال معاوية : الله أكبر الله أكبر ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال معاوية : وأنا . فقال : أشهد أن محمداً رسول الله ، فقال معاوية : وأنا . فلما أن قضى التأذين قال : يا أيها الناس ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المجلس حينما أذن المؤذن يقول ما سمعتم مني من مقالتي )) (470) .

قلت : هذا الحديث فيه فوائد :

الأولى : أن البخاري بوَّب له في صحيحه فقال :"باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء".

الثانية : تعلم العلم وتعليمه من الإمام وهو  على المنبر .

الثالثة: أن الخطيب يجيب المؤذن وهو على المنبر. على اختلاف في هذه الإجابة هل هي واجبة أو مستحبة ؟ على قولين عند أهل العلم . فقال قوم: "إن الإجابة واجبة"، لعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الجماعة من حديث أبي سعيد مرفوعاً : (( إذا سمعتم النداء فقولوا مثلها يقول المؤذن )) (471) .

وقد حكى الطحاوى هذا القول عن قوم من السلف، وبه قالت الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب(472).

وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم الوجوب ، واستدلوا بما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع مؤذناً ، فلما كبر قال : ((على الفطرة ، فلما تشهد قال : خرج من النار)) (473) .

قال الجمهور : لما قال صلى الله عليه وسلم غير ما قاله المؤذن علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب (474) .

الرابعة : أن ترديد الخطيب يكون بصوت يسمع من حوله ، كما هو نص الحديث .

الخامسة : أن فيه جلوس الخطيب قبل الخطبة (475) .

تـنـبـيـه :

هل يقول الخطيب بعد هذا الترديد ما ورد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الله له الوسيلة ؟

الظاهر من حديث معاوية هذا أنه لم يذكره . لكن هل يعني اقتصار الراوي على هذا أنه لم يذكره مطلقاً، أو أنه لم يذكره جهراً كما ذكر غيره ولكنه ذكره في نفسه فلم ينقله الراوي ؟.

فالجواب: أن الأمر يحتمل هذا وهذا ، ولكن لعل الأقرب والأظهر أن كانت وحي النبي صلى الله عليه وسلم لن يقتصر في هذا الموضع على بعض سنته صلى الله عليه وسلم ويدع بعضها ، لاسيما إذا كان المتعلق واحداً ، وأن فعل معاوية كان من باب الإخبار بالسنة . ثم على فرض أنه لم يذكره،فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم دالة على إجابة المؤذن وإتباع الإجابة بالصلاة عليه وسؤال الله له الوسيلة كما جاء في الأحاديث مطلقاً دون تقييد بوقت معين. والله أعلم.  

فـائدة :

تحدث ابن القيم رحمه الله واصفاً شيئاً من خطبته صلى الله عليه وسلم بقوله : " وكان منبره ثلاث درجات ، فإذا استوى عليه ، واستقبل الناس ، أخذ المؤذن في الأذان فقط ، ولم يقل شيئاً قبله ولا بعده ، فإذا أخذ في الخطبة ...... الخ " (476) . اهـ .

وقال في موضع آخر : " ويأخذ بلال في الأذان ، فإذا فرغ منه قام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة ، لا بإيراد خبر ولا غيره " (477) . اهـ .

قلت : ظاهر كلام ابن القيم هنا أنه يرى أن الخطيب لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان ، ولا يقول شيئاً غير الخطبة . فهل هذا هو واقع كلام ابن القيم ؟ .

الجواب : أن كلامه يحتمل أمرين :

الأمر الأول :

أنه لم يبلغه حديث معاوية السابق الخاص بالترديد من على المنبر ، أم ربما غاب عنه الاستشهاد بحديث معاوية ، أو بالأحاديث العامة الدالة على إجابة المؤذن وسؤال الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك .

الأمر الثاني :

يحتمل أن ابن القيم رحمه الله لم يغب عنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الترديد ، ولكنه أورد كلامه السابق في معرض الرد على عادة بعض الخطباء في قراءة حديث الإنصات عند الصعود على المنبر ، أو بعد فراغ المؤذن وقبل الخطبة . ولعل هذا الاحتمال هو الأظهر ؛ لأنه قال : " لا بإيراد خبر ولا غيره " . ويؤكد هذا أنه يمكن أن يكون ابن القيم ممن يرى سنية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان للخطيب ، ولكنه لا يجهر بها كما هو الحال في حديث معاوية السابق ويحمل نفيه رحمه الله على الأشياء التي يجهر بها . والعلم عند الله تعالى .

 40- إقبال الخطيب بوجهه على المأمومين ، وعدم التفاته يميناً وشمالاً :

اعتاد بعض الخطباء على الالتفات يميناً وشمالاً أثناء الخطبة ، أو عند الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهم على المنبر .

ولأهل العلم في هذه المسألة كلام أورد بعضه ، لأجل إيضاح المقصد .

فقد قال الشافعي : " ولا أحب أن يلتفت يميناً ولا شمالاً ليسمع الناس خطبته ؛ لأنه إِنْ كان لا يسمع أحد الشقين إذا قصد بوجهه تلقاءه ، فهو لا يلتفت ناحية يسمع أهلها إلا خفي كلامه على الناحية التي تخالفها مع سوء الأدب من التلفت " (478) . اهـ .

وذكر الكاساني استحباب أن يستقبل الإمام المأمومين بوجهه ، وبين أن الاستماع لا يتكامل إلا بالمقابلة (479) . اهـ . فمعنى هذا أن الالتفات يقطع تكامل الاستماع عنده .

ونقل النووي في المجموع عن صاحب الحاوي وغيره أن هذا الالتفات باطل لا أصل له ، واتفق العلماء على كراهة هذا الالتفات ، وهو معدود من البدع المنكرة (480) . اهـ .

وقال الماوردي : "ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً ، ولا يفعل ما يفعله أئمة هذا الوقت من الالتفات يميناً وشمالاً في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليكون متبعاً للسنة" (481) . اهـ .

قلت : وأنت ترى الماوردي هنا يشكو ما يفعله بعض خطباء زمانه ، ومعلوم أن الماوردي قد توفي سنة 450 من الهجرة .

وقد ذكر ابن قدامة وغيره : أن من سنن الخطبة أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ، ولأنه أبلغ في سماع الناس وأعدل بينهم ، فإنه لو التفت إلى أحد جانبيه لأعرض عن الجانب الآخر (482) . اهـ .

وقد قال القاسمي في كتابه إصلاح المساجد : " ولا أصل لذلك ، بل السنة استقبال الناس بوجهه من أول الخطبة إلى آخرها " (483) . اهـ .

قلت : وقد استدل من منع من الالتفات بما رواه عدي بن ثابت عن أبيه قال : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم)) رواه ابن ماجة (484).

وأخرج الترمذي نحوه عن ابن مسعود (485) . وقال الترمذي : " لا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء . والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم " . اهـ .

وقد جاء عند مسلم في العيدين الحديث وفيه : (( قام صلى الله عليه وسلم فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم )) (486) .

وقد خالف أبو حنيفة في ذلك ، فذهب على مشروعية الالتفات يميناً وشمالاً . فقد قال صاحب البيان : " وقال أبو حنيفة : " يلتفت يميناً وشمالاً كالمؤذن " (487) . اهـ .

قال النووي عن كلام أبي حنيفة : " وهذا غريب لا أصل له " (488) . اهـ .

قلت : فعلى قول من منع من الالتفات ، فإنه ينبغي أن يستثنى من ذلك التفات الخطيب أثناء الخطبة بسبب أمر يقتضي ذلك ، كما دلَّ عليه ما رواه النسائي عن أبي بكرة يقول : (( لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن معه ، وهو يُقْبل على النَّاس مرَّةً وعليْه مرَّةً، ويقول: إن ابني هذا سيِّدٌ، ولعلَّ الله يصلح بهِ بين فئتين من المسلمين عظيمتين )) (489) .

تـنـبـيـه :

قال الشيرازي صاحب المهذب : " ومن سننها – أي الخطب – أن يقبل على الناس ، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً ، لما روى سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (( كان إذا خطبنا استقبلناه بوجوهنا واستقبلنا بوجهه )) (490) . اهـ .

قلت : لم أقف على هذا الخبر عن سمرة حسب البحث والتتبع ، ولم أر من ذكر غيره الشيرازي .

وقد أشار النووي في المجموع إلى قول الشيرازي هذا فقال : " وأما حديث سمرة ... " ثم وجدت بياضاً يدل على سقط في كلام النووي ، وهو كذلك في جميع نسخ المجموع ، فلا أدري بماذا علق النووي على حديث سمرة هذا. ولا أعرف أحداً سبق الشيرازي بحديث سمرة.

وقد أخذ العمراني الشافعي هذا عن الشيرازي فاحتج بحديث سمرة في كتابه البيان(491). والله أعلم.

 41- إذا استدبر الخطيب المأمومين واستقبل القبلة :

السنة على الخطيب أن يستقبل المأمومين حال الخطبة ويستدبر القبلة ، وعلى هذا مضت السنة . غير أنه قد يحصل من بعض الخطباء خلاف ذلك لسبب أو لآخر بحيث يستدبر الخطيب المأمومين ويستقبل القبلة .

ولأجل أن ندرك حكم هذه المسألة ، فإنني أورد بعض كلام أهل العلم حولها .

فقد تكلم عن هذه المسألة النووي رحمه الله فقال ما نصه : " قال إمام الحرمين : سبب استقبالهم له واستقباله إياهم واستدباره القبلة أن يخاطبهم ، فلو استدبرهم كان قبيحاً خارجاً عن عرف الخطاب ، ولو وقف في آخر المسجد واستقبل القبلة فإن استدبروه كان قبيحاً ؛ وإن استقبلوه .  استدبروا القبلة ؛ فاستدبار واحد واستقبال الجمع أولى من عكسه . قال أصحابنا : ولو خالف السنة وخطب مستقبل القبلة مستدبر صحت خطبته مع الكراهة ؛ كذا قطع به جماهير الأصحاب في جميع الطرق ؛ وفيه وجه شاذ أنه لا تصح خطبته . حكاه الدارمي والشاشي وغيرهما ؛ وهو مخالف لما قطع به ؛ وأن له بعض الاتجاه ؛ وطرد الدارمي الوجه فيما إذا استدبروه أو خالفوا هم أو هو الهيئة المشروعة بغير ذلك " (492) . اهـ .

وقال ابن قدامة : " ولو خالف هذا واستدبر الناس واستقبل القبلة صحت الخطبة لحصول المقصود بدونه ، فأشبه ما لو أذَّن غير مستقبل القبلة " (493) . اهـ .

وقال ابن عقيل : " ويحتمل أن لا يصح ؛ لأنه ترك الجهة المشروعة، أشبه ما لو استدبر القبلة في الصلاة؛ ولأن مقصود الخطبة الموعظة ، وذلك لا يتم باستدبار الناس " (494) . اهـ.

وقد ذهب الشوكاني إلى عدم وجوب استدبار الخطيب للقبلة واستقباله للحاضرين ، بل جعل ذلك مجرد هيئة حسنة كان يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويفعلها من بعده من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ، ولكن لا دليل يدل على الوجوب ؛ لأن تأدية الذكر المأمور بالسعي إليه ممكنة بدون ذلك (495) .

قلت : المقصود من كلام أهل العلم السابق ذكره ، هو فيما لو استقبل الخطيب القبلة واستدبرهم حال الخطبة والكلام . فلا يدخل في ذلك ما لو استدبرهم حال سجوده للتلاوة ، أو حال استدبارهم لحاجة عارضة وهو لا يخطب ، كأن يستدبرهم ليأخذ حاجة من خلفه أو نحو ذلك كصعوده على المنبر بعد نزوله منه ليأخذ حاجة ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع الحسن والحسين . والعلم عند الله تعالى .

 42- حكم تلحين الخطبة والترنم فيها :

إن المتتبع لأحوال بعض الخطباء ، لاسيما في زمن ليس بالبعيد ، ليلحظ أن عدداً منهم كانوا يترنمون في الخطب ويلحنونها ويقرؤونها كما يقرؤون القرآن أو نحواً من ذلك ، بحيث يكون معها مدٌّ وتمطيطٌ وتغنٍ .

ومثل هذا الفعل قد نزل بعض أهل العلم كلاماً وحكماً شرعياً عليه .

فقد روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها في وصف حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (( كان يحدث حديثاً لو عدَّه العادُّ لأحصاه )) وقالت : " لم يكن يسرد الحديث كسردكم" (496)، قال الحافظ ابن حجر : "المراد بذلك المبالغة في الترتيل والتفهيم. (497)اهـ.

قلت : قد يظن ظان أن معنى قول الحافظ : ( الترتيل ) أنه هو التغني . والصواب أنه ليس كذلك ؛ لأن الترتيل لا يأتي بمعنى التغني والتلحين ، وإنما هو كما قال ابن الأثير : " ترتيل القراءة : التأني فيها ، والتمهل ، وتبيين الحروف والحركات " (498) . اهـ .

ويؤكد ابن الأثير ذلك بقوله : "لم يكن يسرد الحديث سرداً "أي يتابعه ويستعجل فيه" (499).

وروى أبو داود في السنن عن جابر قال : (( كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل )) (500) . ونقل صاحب عون المعبود عن المنذري : أن الراوي عن جابر مجهول (501) .

قلت : كان في زمن مضى لدى بعض الأوساط النجدية قد انتشر بين خطبائها تلحين الخطب والترنم فيها ، وتكاد هذه الصور تكون انقرضت إلا لدى البعض من كبار السن وغيرهم ، وبشكل خاص في بعض القرى ، أو المدن الصغيرة .

وقد تكلم أهل العلم عن حكم هذا الفعل وما يجب تجاهه ؛ فكان من المناسب أن أسرد أقوالهم طلباً للإفادة والإيضاح :

فقد قال الشافعي : " وأحب أن يكون كلامه مترسلاً ، مبيناً ، معرباً ، بغير الإعراب الذي يشبه العي ، وغير التمطيط وتقطيع الكلام ومدِّه، وما يستنكر منه .. الخ (502) . اهـ .

وقد اختار الشافعي هذا الشيرازي صاحب المهذب (503) .

وقال البغوي : " ولا يمد الكلمات مدّاً يجاوز الحد ، ويحترز عن التغني وتقطيع الكلام (504) " . اهـ .

وقال النووي : " يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة ، مرتبة مبينة ، من غير تمطيط ولا تقعير (505) " . اهـ .

وقال أيضاً : " التمطيط : الإفراط في مد الحروف . يقال مطَّ كلامه إذا مدَّه ، فإذا أفرط فيه قيل مططه (506) " . اهـ .

وقال ابن قدامة : " ويستحب أن يكون في خطبته مترسلاً ، مبيناً ، معرباً ، لا يعجل فيها ولا يمططها ... الخ " (507)

قلت : وعدَّ صاحب الإبداع – وهو الشيخ علي محفوظ – الترنم في الخطيب من البدع المحدثة ، ومثله الشيخ بكر أبو زيد (508) .

وقد تحدث ابن الجوزي معرضاً بالذي يتغنون في وعظهم ، ويطربون به كالألحان فقال : تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ ، يعتقدها العوام وجهال العلماء قربة ، وهي منكر وبعد . وذاك أن المقرئ يطرب ويخرج الألحان إلى الغناء ، والوعظ ينشد بتطريب أشعار المجنون وليلى ، فيصفق هذا ، ويخرق ثوبه هذا .. ومعلوم أن هذه الألحان كالموسيقى ، توجب طرباً للنفوس ونشوة ، والتعرض لما يوجب الفساد غلط عظيم .. ألا إن الواعظ مأمور بأن لا يتعدى الصواب ، ولا يتعرض لما يفسدهم (509) . اهـ .

وقد أشار الشيخ محمد رشيد رضا إلى حكم الخطبة بالألحان قائلاً : روى مسلم وابن ماجه عن جابر رضي الله عنه أنه قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم )) الحديث . فهذه هي السنة في كيفية أداء الخطبة ، وهذا ما يرجى به التأثير والاتعاظ بها التي شرع لأجله ، وكل أداء يخالفه فهو مكروه ، وأشده كراهة تكلف الألحان والنغمات فيها كما يفعله بعض الترك وغيرهم ، وإذا قيل بحرمة هذه الألحان والنغمات الموسيقية في الخطبة لم يكن بعيداً ؛ لأنه على مخالفته للسنة الصحيحة تشبه بالكفار في خطبهم الدينية وعبادتهم ولو من بعض الوجوه ، فإن لم يكن تشبهاً لاشتراط القصد في معنى التشبه كان تركاً لما أمرنا به من مخالفتهم في أمثال هذه الأمور ، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء وقيل له إن اليهود تصومه أمر بمخالفتهم بصيام يوم قبله أو بعده ، ولأنه مفوت لحكمة الدين في الخطبة وهو الزجر المؤثر في القلوب ، والوعظ الذي يزع النفوس ، وهذه النغمات من اللهو الذي ترتاح إليه النفوس وتستلذه ، وترويح النفوس بالمباح غير محظور ، ولكن الخطبة لم تشرع له ، والمساجد لم تبن لأجله . وقد صارت الخطبة في أكثر البلاد الإسلامية رسوماً تقليدية مؤلفة من أسجاع متكلفة كسجع الكهان ، وتؤدى بنغمات موقعة كنغمات القسوس والرهبان (510) . اهـ .

 43- الخطبة بغير العربية أو ترجمتها لغير العربية :

قبل أن أتحدث عن حكم الخطبة بغير العربية أود أن أجعل مقدمة لهذا الحديث بكلام للشيخ محمد رشيد رضا عن هذا الموضوع يقول فيه : " قد بينا غير مرة ، أن معرفة اللغة العربية واجبة على كل مسلم ؛ لأن فهم الدين وإقامة شعائره وأداء فرائضه ، كل ذلك موقوف على فهْم هذه اللغة ، ولا تصح إلا بها ، وخطبة الجمعة من أقلها تأكيداً وثبوتاً ، وإن كانت من أكبر الشعائر فائدة . وقد كان الذين يدخلون في الإسلام من الأعاجم على عهد الصدر الأول يبادرون إلى تعلم اللغة العربية ؛ لأجل فهم القرآن والسنة والارتباط بصلة اللغة التي لا تتحقق وحدة الأمة بدونها ، وكان الصحابة يخطبون الناس باللغة العربية في كل بلاد يفتحونها ، وما كان يمر الزمن الطويل على بلاد يدخلونها إلا وتتحول لغتها إلى لغتهم في زمن قصير بتأثير روح الإسلام ، لا بالترغيب الدنيوي ولا بقوة الإلزام ، ولو كانوا يرون إقرار من يدخل في دينهم من الأمم الأعجمية على لغاتهم لبادروا هم إلى تعليم لغات تلك الأمم ، وأقاموا لهم فرائض الدين وعباداته بها ، وبقي الروماني رومانيّاً ، والفارسي فارسيّاً وهلم جرا .

وأن التفريق الذي نراه اليوم في المسلمين باختلاف اللغات ، هو من سيئات السياسة ومفاسدها الكبرى ، وإذا لم ترجع الدولتان العثمانية والإيرانية ، إلى السعي في تعميم اللغة العربية في مملكتيهما ، فسيأتي يوم تندمان فيه ، وإننا لا نعتد بإصلاح في الهند ، ولا بغيرها من بلاد المسلمين ، ما لم يجعل ركن التعليم الأول تعلم العربية وجعلها لغة العلم " (511) . اهـ .

قلت : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه يشترط في خطبة الجمعة أن تكون باللغة العربية ، كما أنه لم يأت ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من الصحابة أو القرون المفضلة قد خطب الجمعة بغير العربية مع وجود الأعاجم وانتشارهم في بلاد المسلمين بعد الفتوحات الإسلامية . وإنما كان صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه ومن بعدهم يخطبون باللغة العربية ، لأنها لغتهم ولغة قومهم ، ومن ثم فقد تنازع العلماء في جواز الخطبة بغير العربية أو ترجمتها . وإليك بعض أقوالهم في هذا :

فقد قال ابن العلاء الأنصاري الحنفي : " ولو خطب بالفارسية جاز عند أبي حنيفة على كل حال ، وروى بشر عن أبي يوسف : إذا خطب بالفارسية وهو يحسن العربية لا يجزيه ، إلا أن يكون ذكر الله في ذلك بالعربية في حرف أو أكثر من قبل أنه يجزي في الخطبة ذكر الله تعالى ، وما زاد فهو فضل ، قال الحاكم أبو الفضل : " هذا خلاف قوله المشهور " (512) . اهـ .

وقال القاضي البغدادي المالكي : " قال ابن القاسم : لا يجزيه – أي في الخطبة – إلا أن يأتي بما يكون عند العرب خطبة (513) . اهـ .

وقال أبو الحسين العمراني الشافعي : " ويشترط أن يأتي بالخطبة بالعربية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يخطبون بالعربية ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) " .

فإن لم يوجد فيهم من يحسن الخطبة بالعربية احتمل أن تجزئهم الخطبة بالعجمية ، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية ، كما قلنا في تكبيرة الإحرام (514) . اهـ .

وقد صحح النووي اشتراط الخطبة بالعربية كالتشهد وتكبيرة الإحرام مع قوله صلى الله عليه وسلم (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بالعربية . وهذا هو أحد الطريقين عند الشافعية (515) .

وقال المرداوي الحنبلي : " لا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة على الصحيح من المذهب . وقيل.: تصح . وتصح مع العجز ، قولاً واحداً ، ولا تعبر عن القراءة بكل حال" (516). اهـ.

وقد صحح الحافظ ابن رجب عدم إجزاء الخطبة بغير العربية مع القدرة (517) .

وقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية رحمه الله : " لابد من إلقاء الخطبة باللغة العربية ، وإذا كان جميع الذين يحضرون الخطبة لا يفهمون خطبة الجمعة لجهلهم اللغة العربية فينبغي للخطيب أن يشرح لهم معانيها باللغة المحلية بعد الفراغ من إلقائها لتحصل لهم الفائدة المقصودة من الخطبة " (518) . اهـ . فالشيخ رحمه الله يرى أن الخطبة لا تصح إلا باللغة العربية . ولا مانع من ترجمتها بعد انقضائها كما ترى .

وقد وجه سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز أقوال أهل العلم في هذه المسألة إلى قولين اثنين مع تعليلاتهما والترجيح فقال ما حاصلة :

1- منع من ذلك بعض أهل العلم سدّاً للذريعة ومحافظة على اللغة العربية ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ، وفعله صلى الله عليه وسلم مفسر لما هو واجب وهو الأمر بإقامة الجمعة والسعي إليها والاستماع إلى ذكر الله ، وما فسر الواجب فهو واجب . وعلى هذا سار الأسلاف ، حتى إنهم كانوا يلقونها بالعربية في بلاد العجم وغيرها ، وحثّاً للناس على تعلم اللغة العربية التي هي لغة القرآن .

2- وذهب آخرون من أهل العلم إلى جواز ذلك إذا كان المخاطبون أو لا أكثرهم لا يعرفون اللغة العربية نظراً للمعنى الذي من أجله شرع الله الخطبة ، وهو إبلاغ الناس حتى يفهموا ما شرعه الله لهم ، وما نهاهم عنه بناءً على أن القصد هو مراعاة المعاني والمقاصد ، الذي هو أولى من مراعاة الألفاظ والرسوم ، لأن المنع من ذلك والناس لا يفهمون يذهب المقصود الذي شرعت من أجله الخطبة وهو التذكير والبلاغ (519) . اهـ .

ثم يتحدث سماحة شيخنا عن الترجيح بين القولين فيقول :

ولعل الأظهر والأقرب – والعلم عند الله تعالى – أن يفصَّل في المسألة . فيقال : إن كان معظم من في المسجد من الأعاجم الذين لا يفهمون اللغة العربية فلا بأس من إلقائها بغير العربية أو إلقائها بالعربية ومن ثم ترجمتها .

وأما إن كان الغالب على الحضور هم ممن يفهمون اللغة العربية ويدركون معانيها في الجملة ، فالأولى والأظهر الإبقاء على اللغة العربية وعدم مخالفة هدى النبي صلى الله عليه وسلم ، لاسيما وقد كان السلف يخطبون في مساجد يوجد بها أعاجم ، ولم ينقل أنهم كانوا يترجمون ذلك ؛ لأن العزة كانت للإسلام والكثرة والسيادة للغة العربية .

وأما ما يدل على الجواز عند الحاجة فإن لذلك أصلاً في الشريعة وهو قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } (520)ومن ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لما غزوا بلاد العجم من فارس والروم لم يقاتلوهم حتى دعوهم إلى الإسلام بوساطة المترجمين (521) . اهـ .

ووافق سماحة الشيخ على هذه المسألة اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية ، واختاره شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين كما في شرحه على الزاد (522) .

فقد قال شيخنا العلامة محمد بن عثيمين في شرحه على زاد المستنقع : " إن كان يخطب في عرب فلابد أن تكون بالعربية ، وإن كان يخطب في غير العرب قال بعض العلماء : لابد أن يخطب أولاً بالعربية ، ثم يخطب بلغة القوم الذين عنده .

وقال آخرون : لا يشترط أن تكون بالعربية بل يجب أن يخطب بلغة القوم الذين يخطب فيهم ، وهذا هو الصحيح لقوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } (523) " . ولا يمكن أن ينصرف الناس عن موعظة وهم لا يعرفون ماذا قال الخطيب ؟ والخطبتان ليستا مما يتعبد بألفاظهما حتى نقول لابد أن تكونا باللغة العربية ، لكن إذا مرَّ بالآية فلابد أن تكون بالعربية ؛ لأن القرآن لا يجوز أن يغير عن اللغة العربية (524). اهـ .

وفي قرار مجلس المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي ما يلي : الرأي الأعدل : " هو أن اللغة العربية في أداء خطبة والعيدين ، في غير البلاد الناطقة بها ، ليست شرطاً لصحتها ولكن الأحسن أداء مقدمات الخطبة وما تضمنته من آيات قرآنية باللغة العربية ، لتعويد غير العرب على سماع العربية والقرآن ، مما يسهل تعلمها ، وقراءة القرآن باللغة التي نزل بها ، ثم يتابع الخطيب ما يعظهم به بلغتهم التي يفهمونها " (525) . اهـ .

هذا حاصل ما وقفت عليه في هذه المسألة .

يبقى سؤال وهو : متى تكون الترجمة إذا احتيج إليها ؟

فالجواب : أن من أهل العلم من أجاز الترجمة في أي وقت شاء سواء كان ذلك قبل الخطبة ، أو أثناءها ، أو بين الخطبتين ، أو بعد انتهاء الخطبة كلها ، رعاية للمقصود والنفع العام .

والذي يظهر لي – والله تعالى أعلم – أن تكون كما سبق ذكره قبل الخطبة مطلقاً أو بعدها مطلقاً ؛ لأن المقصود الإفهام ، وهو يحصل بما ذكرت ، ولأن في الترجمة أثناء الخطبة أو بين الخطبتين أو بعدها وقبل الصلاة إطالة وتشويشاً ونقصاً في الموالاة .

قال ابن قدامة رحمه الله : " والموالاة شرط في صحة الخطبة ، فإن فصل بعضها من بعض بكلام طويل أو سكوت طويل أو شيء غير ذلك يقطع الموالاة استأنفها ، والمرجع من طول الفصل وقصره إلى العادة . وكذلك يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة " (526) . اهـ .

قلت : ولعل الفاصل اليسير الذي لا يخل بالموالاة للحاجة لا يقطع ذلك ، فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أنس قال : (( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينزل من المنبر ، فيعرض له الرجل في الحاجة فيقوم معه حتى يقضي حاجته ثم يقوم فيصلي)) (527) .

هذا حاصل زبدة هذه المسألة ، والعلم عند الله تعالى .

 44- مفهوم الموعظة :  

يخطئ بعض الناس – من خطباء وغيرهم – في مفهوم الموعظة ، وماهيتها ، فقصرها بعضهم على التخويف والنذارة ، وقصرها آخرون على الترغيب والبشارة ، ونتيجة هذين القولين أحدثت نقداً من البعض – بسبب قصور هذا الفهم – على بعض الخطباء الذين يتكلمون في خطبهم عن بعض الأحداث المعاصرة ، سواء كانت اجتماعية ، أو اقتصادية ، أو سياسية ، أو أحداث ومتغيرات واقعية ، أو نحو ذلك ، والتعليق عليها بما ينفع المسلمين ، ومن ثم فقد يوجه اللوم على من يسير على هذه الطريق بأنه لا يهتم بالوعظ في خطبة ، وإنما خطبه خارجة عن نطاق الوعظ ، ولو أنه فعل كذا وكذا .. الخ .

وأقول بياناً لهذا المفهوم البعيد عن الصواب :

الوعظ في اللغة :

قال في الصحاح : الأمر بالطاعة والوصية بها ، والنصح والتذكير بالعواقب . نقول : وعظته وعظاً فاتعظ ، أي قبل الموعظة (528) .

قال في المصباح المنير : " وعظه يعظه وعظاً وعظة : أمره بالطاعة ووصاه بها ، وعليه قوله تعالى{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ}(529) أي أوصيكم وآمركم ، فاتعظ أي ائتمر وكف نفسه" . والاسم : الموعظة ، وهو واعظ ، والجمع وعاظ (530) . اهـ .

وقال الراغب الأصفهاني : الوعظ : زجر مقترن بتخويف . قال الخليل : هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب (531) . اهـ .

فتبين إذن أن العظة في اللغة هي الأمر والتذكير .

والوعظ في الاصطلاح :

قال عنه العلامة محمد الأمين الشنقيطي ما نصه : فإن قيل يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي كقوله هنا : { يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }(532) مع أنه ما ذكر إلا الأمر والنهي في قوله : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } إلى قوله : { وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء } وكقوله في سورة البقرة بعد أن ذكر أحكام الطلاق والرجعة : { ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } (533) وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة : { يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً } (534) مع أن المعروف عند الناس أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك ، لا بالأمر والنهي ؟ .

فالجواب : أن ضابط الوعظ هو الكلام الذي تلين له القلوب ، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم ونواهيه ، فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله ، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله . وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه ، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه ، فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال ، فلانت قلوبهم خوفاً وطمعاً (535) . اهـ .

قلت : وبهذا يتضح غلط من قصر مفهوم الوعظ على مجرد الترغيب أو الترهيب ، أو عليهما جميعاً ، وبه يتبين كذلك أن كل ما أوصل إلى التذكر أو تصحيح الخطأ في كل شأن من شئون الناس الدينية أو الدنيوية فهو من الوعظ ، ولذلك جاء الوعظ حتى في الأمر والنهي كما ذكر العلامة الشنقيطي آنفاً .

وأقول – زيادة على آيات الطلاق التي أوردها رحمه الله – كذلك آيات الظهار ، حيث قال جل شأنه { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ } (536) وهذا في جانب فقهي بحت، وقال سبحانه :{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}(537) وهذا في جانب العقائد ، وقال سبحانه : { فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ } (538) وهذا في جانب تأديب الزوج زوجته ، وقال سبحانه عن موسى : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً } (539) فهنا أتى بكلمة ( شيء ) وهي نكرة في سياق الإثبات فلا تفيد العموم ، ولكنها أفادت العموم في هذه الآية بدخول كلمة ( كل ) ، فدل على أنه كتب له في كل شيء موعظة ، فلم يخص أمراً دون آخر .

وبهذا يتضح أن مفهوم الموعظة فيه عموم واسع ، وأن من قصره على مجرد الترغيب أو الترهيب فهو مخطئ . والعلم عند الله تعالى .

 45- مراعاة الخطيب المقتضى الحال في الخطبة : 

الأولى للخطيب أن يراعي في خطبته مقتضى الحال التي يعيشها الناس ، فلا تكون خطبته بعيدة عن واقعهم ، وما يحتاجون إليه في النصح والتوجيه ، أو أن تغلب الرتابة والتكرار في معظم الخطب . وهذا أمر معلوم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

فقد تحدث ابن القيم رحمه الله عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته حيث قال : وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته ، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها .

وقال أيضاً في موضع آخر : وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم (540) . اهـ .

قلت : ويستدل لكلام ابن القيم بما رواه النسائي عن أبي سعيد الخدري قال : (( جاء رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب بهيئة بذة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصليت ؟ قال : لا . قال : صل ركعتين . وحث الناس على الصدقة ، فألقوا ثياباً فأعطاه منها ثوبين ، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فحث الناس على الصدقة ، قال : فألقي أحد ثوبيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة ، فأمرت الناس بالصدقة فألقوا ثياباً فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما، فانتهره، وقال: خذ ثوبك))(541)

وهذا الحديث يدل بوضوح على مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لمقتضى الحال في خطبة الجمعة ، وعلى هذا كان فعل السلف من بعده .

فقد جاء عن الفاروق رضي الله عنه فيما رواه مسلم في صحيحه ، عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر أبا بكر ، قال : إني رأيت كأن ديكاً نقرني ثلاث نقرات ، وإني لا أراه إلا حضور أجلي ، وإن أقواماً يأمرونني أن أستخلف ، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ، ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم فإن عجل بي أمر ، فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، وإني قد علمت أن أقواماً يطعنون في هذا الأمر ، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام ، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال . ثم إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه ، حتى طعن بأصبعه في صدري ، فقال : يا عمر ، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ، وإني إنْ أعش أقض فيها بقضية يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن ، ثم قال : اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار ، وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم ، وليعلِّموا الناس دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ويقسموا فيهم فيئهم ، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم . ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً )) (542) .

قلت : وفعل عمر هذا دليل جلي على مراعاة مقتضى الحال في خطب الجمعة ، وأنها ليست على رتابة دائمة . والله أعلم .

وما أحسن ما تحدث به الشيخ محمد أبو زهرة عن هذا الجانب المهم – وهو مراعاة مقتضى الحال – فقد قال ما نصه : (( مراعاة مقتضى الحال لب الخطابة وروحها ، فلكل مقام مقال ، ولكل جماعة من الناس لسان تخاطب به ، فالجماعة الثائرة الهائجة تخاطب بعبارات هادئة ، لتكون برداً وسلاماً على القلوب . والجماعة الخنسة الفاترة ، تخاطب بعبارات مثيرة للحمية ، موقظة للهمم ، حافزة للعزائم ، والجماعة التي شطت وركبت رأسها ، تخاطب بعبارات فيها قوة العزم ونور الحق ، فيها إرعاده المنذر ، ويقظة المنقذ ، واعتزامة الأيد القوى ، وفيها روح الرحمة ، وحسن الإيثار ، ليجتمع الترهيب مع الترغيب ، ومع سيف النقمة ريحان الرحمة ، لذلك وجب أن يكون الخطيب قادراً على إدراك الجماعة وما تقتضيه ، والإتيان بالأسلوب الذي يلائمه (543) )) . اهـ .

وقال الشيخ محمد رشيد رضا – واصفاً مراعاة الخطيب لمقتضى الحال - : " بيَّنا لك أن خير الخطب ما كان مصدره نفس الخطيب وشعوره وإحساسه ، لا نفس غيره ممن مضت بهم القرون ، وكانوا في عالم غير عالمنا ، ولهم أحوال تخالف حالنا ، فمن أراد العظة البالغة ، والقولة النافذة ، فليرم ببصره إلى المنكرات الشائعة ، والحوادث الحاضرة ، خصوصاً ما كان منها قريب العهد ، لا تزال ذكراه قائمة في صدور الناس ، وحديثه دائراً على ألسنتهم ، أو ذائعاً في صحفهم ، أو تراه مشاهداً بينهم ، ثم يتخير من هذه الحوادث ما يجعله محور خطابته ومدار عظته ، ثم ينظر ما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة في الموضوع الذي تخيره ويجيد فهمها ، ويفكر في الأضرار المالية والصحية والخلقية والاجتماعية التي قد تنشأ عن هذه الجريمة التي جعلها موضع عظته ، ويحصي هذه الأضرار في نفسه أو بقلمه . هذا إذا أرد التنفير من رذيلة ، أو الإقلاع عن جريمة ذاع بين الناس أمرها ، أو طفح عليهم شرها ، فإن أراد الترغيب في فضيلة ، أو الحث على عمل خيري ، أو مشروع حيوي ، فليفكر في مزاياه تفكيراً واسعاً مراعياً الصالح العام دون المآرب الخاصة (544) . اهـ .

وفي سؤال للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز ونصه : " هل يصح أن يتدخل الخطيب أثناء الخطبة في مواضيع تواجه الحياة ؟ وتدخل بعض الشيوخ في السياسة ؟ "

فأجابت اللجنة بما نصه : " للخطيب أن يبين في خطبة الجمعة وفي دروسه ومحاضراته ما تحتاجه الأمة من المعارف النافعة ، وأن يعالج أمر الشعب ، ويحل مشاكلهم قدر استطاعته ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، سواء سمي ذلك سياسة أو خطبة جمعة ، أو تعليماً أو إرشاداً ، وما كان يترتب عليه من كلامه فتنة أو مفسدة راجحة على ما يقصد من المصلحة أو مساوية لها ترك الحديث فيه إيثاراً للمصلحة الراجحة ، أو حذراً من وقوع ما لا تحمد عقباه . وبالله التوفيق ... الخ " (545)

 46- مفهوم قصر الخطبة وطول الصلاة : 

هذه مسألة مهمة يغفل عنها عدد من الخطباء ليس بالقليل ، ألا وهي مسألة قصر الخطبة وطول الصلاة ، فالناس فيها بين الإفراط والتفريط إلا من رحم الله ، فبعضهم يطيل إطالة مملة فيخالف بذلك السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وآخرون يقصرونها قصراً مخلاً بحيث تقل فائدتها المرجوة منها ، وسبب ذلك هو عدم فهم الحديث الوارد في هذه المسألة فهماً صحيحاً .

قال أبو وائل : خطبنا عمار فأوجز وأبلغ . فلما نزل قلنا : يا أبا اليقظان ! لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست – أي أطلت قليلاً ! – فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه – أي علامة – فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة ، وإن من البيان سحراً )) رواه مسلم (546)  .

وقد كره الشافعي إطالة الخطبة فقال : " وأحب أن يكون كلامه – أي الخطيب – قصداً بليغاً جامعاً.. وإذا فعل ما كرهت له من إطالة الخطبة، أو سوء الأدب فيها.. الخ"(547).

وقال ابن حزم : " ولا تجوز إطالة الخطبة " (548) . اهـ .

وقال النووي رحمه الله : المراد من الحديث أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المأمومين . (549) اهـ .

وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر بن سمرة قال : كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً (550) .

قال النووي رحمه الله : أي بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق (551) .اهـ .

وقال أيضاً : يستحب تقصير الخطبة للحديث المذكور وحتى لا يملوها ، قال أصحابنا : " ويكون قصرها معتدلاً ولا يبالغ بحيث يمحقها (552) .اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر : " قوله ( قصداً ) القصد : الوسط ، أي لا قصيرة ولا طويلة " (553) . اهـ .

وقال ابن القيم : " وكان صلى الله عليه وسلم يقصر في خطبته أحياناً ويطيلها أحياناً بحسب حاجة الناس ، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة " (554) . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر : " وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة ، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام " (555) . اهـ .

وقال الحسين العمراني : " ويستحب أن يقصر الخطبة . قال الشافعي في القديم : يخطب بقدر أقل سورة ولم يعين . وقد بينه في الأم فقال : أن يأتي بالألفاظ الواجبة التي ذكرناها " (556) .اهـ .

وقال في الإنصاف : " ويقصر الخطبة . هذا بلا نزاع . لكن تكون الخطبة الثانية أقصر . قاله القاضي في التعليق . والواقع كذلك " (557) . اهـ .

قال أبو محمد : شهدت ابن معدان في جامع قرطبة قد أطال الخطبة ، حتى أخبرني بعض وجوه الناس أنه بال في ثيابه وكان قد نشب في المقصورة (558) .

قلت : لعل ابن حزم أراد بما أورده عن ابن معدان أثر البعد عن السنة وعدم تطبيقها وذلك بسبب إطالة الخطبة ، خلافاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .

وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن الحكم ابن أبي عقيل الثقفي أنه كان نائباً عن ابن عمه الحجاج بن يوسف ، وكان على طريقة ابن عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة حتى يكاد الوقت أن يخرج ، وقد أورد أبو يعلى قصة يزيد الضبي وإنكاره على الحكم هذا الصنيع (559) . اهـ .

قلت : ولأجل أن نصل إلى تحديد تقريبي من حيث فهم معنى طول الصلاة وقصر الخطبة بالتوقيت العصري ، فأقول وبالله التوفيق :

إنك لو قرأت في صلاة الفجر مثلاً بالجمعة والمنافقين قراءة متأنية ؛ لأخذت الصلاة منك ما لا يقل عن عشر دقائق إن لم تصل إلى خمس عشرة دقيقة ، وقد جربت ذلك فوجدته كذلك ، وهذا كله إذا قرأت حدراً مع ركوع الصلاة وسجودها ؛ فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ينفذ أمر ربِّه { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } سورة المزمل ، آية : 4 وكان يطيل الركوع والرفع منه ، والسجود والجلوس بين السجدتين ، ويقول راوي الحديث: حتى يقول القائل إنه نسي (560) ، فإذا كان الأمر كذلك فقد تصل الركعتان بالنسبة لمن أراد أن يطبق صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عشرين دقيقة أو ما يقاربها على الأقل ، فيكون قصر الخطبة بالنسبة إلى الصلاة أقل من عشرين دقيقة أو يقاربها . هذا على سبيل المثال . وإلا فخير الأمور الوسط كما قال جابر بن سمرة – رضي الله عنه – في الحديث السابق .

ومما يؤكد ما مضى ، هو ما أخرجه ابن شيبة من طريق طاوس قال : " أول من خطب قاعداً معاوية حين كثر شحم بطنه (561)"  . وهذا الأثر مرسل يعضده ما رواه سعيد بن منصور عن الحسن قال : " أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان ، وكان إذا أعيى جلس ولم يتكلم حتى يقوم ، وأول من خطب جالساً معاوية (562) " .

وروى عبدالرزاق عن معمر عن قتادة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً ، حتى شق على عثمان القيام فكان يخطب قائماً ثم يجلس ، فلما كان معاوية خطب الأولى جالساً ثم يقوم فيخطب الآخرة قائماً " (563) .

فيفهم من هذه الروايات كلها أن الخطبة ليست قصيرة جداً كما يظن البعض ، لأنها لو كانت كذلك لما احتاج عثمان رضي الله عنه إلى أن يجلس فيها جلسة غير الجلسة التي بين الخطبتين ، ولما احتاج معاوية رضي الله عنه أن يجلس كذلك في الخطبة الأولى . فدلَّ ذلك على أن الخطبة وسط بين القصر والطول .

قلت : فالعجب كل العجب من بعض الخطباء الموصوفين بالعلم كيف يطيلون الخطبة حتى يتجاوز بعضهم ثلاثة أرباع الساعة أو أقل قليلاً ؟ ولربما قال الناس ليته سكت . ومن هنا يظهر الفقه الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث .

ولقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حينما قال : إنكم في زمان قليل خطباؤه كثير علماؤه ، يطيلون الصلاة ، ويقصرون الخطبة ، وسيأتي عليكم زمان ، كثير خطباؤه ، قليل علماؤه .. الحديث .

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات (564) . اهـ .

ولقد أحسن الشيخ على الطنطاوي حينما تحدث عن عيوب الخطبة في زماننا فقال : " من عيوبها هذا التطويل ، وهذا الإسهاب ، حتى لتزيد الخطبة الواحدة أحياناً على نصف ساعة ، مع أن السنة تقصير الخطبة وتطويل الصلاة ، وألا تزيد الخطبة على سورة من أوساط المفصل ، وكذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولا خير فيما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم (565) . اهـ .

تنبيه :

هنا إشكال يتعلق بهذه المسألة وهو : هل المراد بالحديثين السابقين من ذكر طول الصلاة وقصر الخطبة متعلق بخطبة الجمعة مع صلاتها فقط ؟ بحيث يفهم منه أن ركعتي صلاة الجمعة ينبغي أن تكونا أول من الخطبة ، أو يفهم منه أن صلاة الجمعة تكون طويلة بالنسبة لعموم صلوات الجمع ، والخطبة تكون قصيرة بالنسبة لعموم خطب الجمع ، لا أن الخطبة تكون أقصر من صلاة الجمعة بخصوصها ؟ أو أن المراد طول صلاة الرجل مطلقاً بحيث تشمل كل الصلوات وقصر خطبة الرجل في الجمعة ؟.

فالجواب : أن الأمر يحتمل هذا وهذا .

قال الشوكاني : وظاهر الأمر بإطالة الصلاة في هذا الحديث – يعني حديث عمار – المخالفة لقوله في حديث جابر بن سمرة : كانت صلاته قصداً وخطبته قصداً (566) . اهـ .

وقال النووي : لا مخالفة ؛ لأن المراد بالأمر بإطالة الصلاة بالنسبة إلى الخطبة لا التطويل الذي يشق على المأمومين (567) .ا هـ .

وقال الحافظ العراقي : " أو حيث احتيج إلى التطويل لإدراك بعض من تخلف . قال : وعلى تقدير تعذر الجمع بين الحديثين يكون الأخذ في حقنا بقوله ؛ لأنه أدل ، لا بفعله ؛ لاحتمال التخصيص " (568) . اهـ .

وقال الشوكاني : " وقد ذكرنا غير مرة أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة ، مع عدم وجدان دليل على التأسي في ذلك الفعل بخصوصه وهذا منه " (569) . اهـ .

قلت : ولم أقف على ما يدل صراحة بأن المراد صلاة الجمعة مع خطبتها . فيحتمل أن يكون المعنى : إن طول صلاة الرجل في أي صلاة ، وقصر خطبته مئنة من فقهه ، لا أن ركعتي الجمعة تكونان أطول من الخطبة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ثبت عنه عند مسلم في صحيحه أنه قرأ سورة ( ق) كاملة في الخطبة (570) ، ومما لاشك فيه أن قراءتها ترتيلاً يجعلها أطول من ركعتي الجمعة إذا لم يقرأ فيها إلا بسبح والغاشية ، وقد يستأنس لذلك بما ذكره القرطبي رحمه الله عن الفراء في قوله تعالى : { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } قال الفراء : { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } أي ما يكون من عمره {وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ  } بمعني معمر آخر ، أي ولا ينقص الآخر من عمره إلا في كتاب ، فالكناية في { عُمُرِهِ } ترجع إلى آخر غير الأول ، وكنى عنه بالهاء كأنه الأول ، ومثله قولك : عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر " (571) اهـ .

فتفسير القرطبي هذا مع قول الفراء فيما إذا كان اللفظ واحداً كقوله : { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } فكيف بحديث قصر الخطبة وطول الصلاة فهو من باب أولى ، فيكون المعنى على الحديث السابق : طول صلاة الرجل في جميع صلواته ، وقصد خطبته في الجمعة مئنة من فقهه لا أن الخطبة تكون أقصر من صلاة الجمعة لذاتها ، هذا ما ظهر لي . والعلم عند الله تعالى .

 47- أركان خطبة الجمعة عند أهل العلم : 

اعلم أن لأهل العلم أقولاً تتعلق بما يسمى ( أركان الخطبة ) ، إذ إن منهم من جعل للخطبة أركاناً لا تتم إلا بها ، ومنهم من خالف في ذلك فلم يوجب أركاناً للخطبة ، بل جعل ما يسمى خطبة من تسبيح وتهليل خطبة كاملة صحيحة ، ومنهم من اشترط ما يسميه العرب خطبة عادة ، وإليك أقوال المذاهب في هذه المسألة كالتالي :

مذهب الحنفية :

عند أبي حنيفة أن الشرط في الخطبة أن يذكر الله تعالى على قصد الخطبة ، قلَّ الذكر أم كثر ، حتى لو سبح أو هلل أو حمد الله تعالى على قصد الخطبة أجزأه .

وذهب أبو يوسف ومحمد : إلى أن الشرط أن يأتي بكلام يسمى خطبة في العرف .

ودليلهم في ذلك هم مطلق ذكر الله لقوله تعالى : { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وذكر الله تعالى معلوم لا جهالة فيه ، فتقييده بذكر يسمى خطبة أو بذكر طويل لا يجوز إلا بدليل .

ومن ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للخطيب الذي قال : " من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى : (( بئس الخطيب أنت )) (572)  ، فسماه خطيباً بهذا القدر من الكلام (573) .

بل نقل عن أبي يوسف : أن الإمام إذا عطس على المنبر فقال ( الحمد الله ) ثم نزل وصلى بالناس جازت صلاته ، وكان حمده خطبة ، ثم رجع عن ذلك وقال: لا يكون خطبة .

ومن الحنفية من قال : " إذا عطس على المنبر وحمد الله تعالى ، إذا نوى به الخطبة كان خطبة ، وإذا نوى حمد العطس لا يكون خطبة " (574) .

قال ابن المنذر معقباً على قول أبي حنيفة : فأما ما قال النعمان ، فلا معنى له ، ولا أعلم أحداً سبقه إليه ، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يقال لمن قال سبحان الله ، قد خطب ، وإذا كان القول هذا سبيله ، فلا معنى للاشتغال به (575) . اهـ .

مذهب المالكية :

ذهب ابن القاسم من المالكية إلى أنه لا يجزئ عنده إلا أقل ما يقع عليه اسم خطبة في كلام العرب المؤلف المبتدأ بالحمد لله (576) . وأما تكبيرة أو تهليلة أو تسبيحة كما قال أبو حنيفة فلا تجزئه .

وذكر ابن عبدالحكم عن مالك أنه : إن كبر أو هلل أو سبح أجزأه من الخطبة (577) .

قال ابن عبدالبر عن قول ابن الحكم هذا : لم أر لذكره وجهاً (578) . اهـ .

مذهب الشافعية :

قال الشافعي : وأقل ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين : أن يحمد الله تعالى ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقرأ شيئاً من القرآن في الأول ، ويحمد الله عند ذكره ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله ، ويدعو في الآخرة ، لأن معقولاً أن الخطبة جمع بعض الكلام من وجوه إلى بعض ، هذا أو جز ما يجمع من الكلام(579). اهـ.

وقال النووي : قال أصحابنا : فروض الخطبة خمسة ، ثلاثة متفق عليها ، واثنان مختلف فيهما.

فالمتفق عليها : أحدهما : حمد الله تعالى ، ويتعين لفظ الحمد .

ثانيها : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتعين لفظ الصلاة .

ثالثها : الوصية بتقوى الله تعالى .

قال النووي : " ولا يتعين لفظها على الصحيح " (580) . اهـ .

والمختلف فيه : قراءة القرآن ، وفيه أربعة أوجه ، أصحها ما نص عليه في الأم تجب في إحداهما أيتها شاء .

والدعاء للمؤمنين وفيه قولان ، ورجح جمهور الشافعية وجوبه ، وهو الصحيح المختار (581) . اهـ بتصرف .

وقال النووي أيضاً : " قال أصحابنا : لو قرأ آية فيها موعظة ، وقصد إيقاعها عن الوصية بالتقوى وعن القراءة ، لم تحسب عن الجهتين بل تحسب قراءة . ولا يجزئه الإتيان بآيات تشتمل على جميع الأركان ؛ لأن ذلك لا يسمى خطبة ، ولو أتي ببعضها في ضمن آية جاز " (582) . اهـ .

هذه بعض أقوال أئمة الشافعية ، أما أدلتهم على ما ذهبوا إليه فهي كالتالي :

أولاً : دليل حَمْدِ الله تعالى في الخطبة عندهم ، هو ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول : (( من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وخير الحديث كتاب الله )) (583) .

ثانياً : دليلهم على ركنية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ، هو أنها عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى فافتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان والصلاة ، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ، ولم يصلوا على نبيهم ؛ إلا كان عليهم ترة ، فإن شاء عذبهم ، وإن شاء غفر لهم )) (584) .

وقد ترجم البيهقي لهذا الحديث فقال : " باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة " (585) . اهـ .

ثالثاً : ودليلهم على الوصية بالتقوى هو أنها المقصود الأعظم من الخطبة ، وهو تذكير الناس ووعظهم . على أن الصحيح عند الشافعية أنه لا يتعين لفظ نصاً كما تقدم .

رابعاً : ودليلهم على قراءة آية من القرآن في إحدى الخطبتين ، ما رواه البخاري ومسلم من حديث يعلى بن أمية قال : " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }(586).

واستدلوا أيضاً بحديث جابر بن سمرة قال : " كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما ، يقرأ القرآن ويذكر الناس " رواه مسلم (587) .

ولأحاديث أخرى جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ آيات من القرآن وهو على المنبر . اكتفيت منها بما أوردته . والعلم عند الله تعالى .

خامساً : دليلهم على الدعاء للمؤمنين في الخطبة هو ما رواه البخاري ومسلم من طلبه صلى الله عليه وسلم الغيث حينما استسقى يوم الجمعة (588) .

مذهب الحنابلة :

مذهب الحنابلة في هذه المسالة مقارب لمذهب الشافعية .

فقد قال ابن قدامة : ويشترط لكل واحدة منهما حمد الله تعالى ؛ والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد لله فهو أبتر )) (589) .

وإذا وجب ذكر الله تعالى وجب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، لما روي في تفسير قوله تعالى { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } قال : لا أذكر إلا ذكرت معي (590) ؛ ولأنه موضع وجب فيه ذكر الله تعالى والثناء عليه ؛ فوجبت فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كالأذان والتشهد ، ويحتمل ألا تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر في خطبته ذلك ، فأما القراءة فيحتمل أن تشترط في الخطبتين ، ويحتمل أن تشترط في إحداهما ؛ لما روى الشعبي قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال : (( السلام عليكم )) ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ، ثم يقوم فيخطب ثم ينزل ، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه " رواه الأثرم (591) ويحتمل ألا يجب شيء سوى حمد الله والموعظة ؛ لأن ذلك يسمى خطبة ويحصل به المقصود فأجزأ . وما عداه فليس على اشتراطه دليل .

ولا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق .. الخ (592) اهـ بتصرف .

وقال ابن قدامة أيضاً : " سئل أحمد عمن قرأ سورة الحج على المنبر أيجزئه ؟ قال : لا . لم يزل الناس يخطبون في الثناء على الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم . وقال : لا يكون الخطبة إلا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو خطبة تامة ، ولأن هذا لا يسمى خطبة ولا يجمع شروطها . وإن قرأ آيات فيها حمد الله تعالى والموعظة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم صح لاجتماع الشروط " (593) . اهـ .

وذكر البعلي عن شيخ الإسلام قائلاً : " ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمداً عبدالله ورسوله ، وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين ، وتردد في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ، وقال في موضع آخر : ويحتمل – وهو الأشبه – أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيها واجبة " (594) . اهـ .

وأوجب التشهد في الخطبة ابنُ القيم رحمه الله مثل شيخه (595) ، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم عند أحمد ، وأبي داود ، والترمذي ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((كل خطبة ليس فيها تشهد ، فهي كاليد الجذماء))(596) ، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب .

قال الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث : " فيه مقال (597) " . اهـ .

وهذا الحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة (598) ، ووافقه الألباني فقال : " صحيح " (599) .

وفي ( دلائل النبوة ) للبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً حكاية عن الله عز وجل : (( وجعلت أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي )) .

قلت : رواية البيهقي هذه عزاها في سبل السلام (600) إلى دلائل النبوة ، غير أني لم أعثر عليها فيه .

وقال ابن القيم : وقد اختلف في اشتراط الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لصحة الخطبة : قال الشافعي وأحمد رحمهما الله في المشهور من مذهبهما : لا تصح الخطبة إلا بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حنيفة ومالك: تصح بدونها ، وهو وجه في مذهب أحمد(601) . اهـ .

قلت : قد روى الطبراني في الكبير عن عبدالله بن الزبير قال : ليس من السنة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر .

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس(602). اهـ .

وقد استدل الحنابلة على ما ذهبوا إليه في اشتراط بعض الأركان بمثل ما استدل به الشافعية .

هذا هو حاصل أقوال أهل المذاهب الأربعة حول مسألة أركان الخطبة وما يشترط فيها

وقد مال الشوكاني إلى عدم اشتراط شيء في الخطبة ، وذهب إلى أن حاصل الخطبة وروحها هو الموعظة الحسنة من قرآن أو غيره ، وأما من أوجب بعض الشروط وأهمل البعض الآخر فإن الشوكاني قد جعل ذلك مما لا ينبغي من منصف ، وأنه مجرد تحكم وخلط عظيم يقع فيه بعض المصنفين (603) .

وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله : اشتراط الفقهاء الأركان الأربعة في كل من الخطبتين فيه نظر ، وإذا أتى في كل خطبة بما يحصل به المقصود من الخطبة الواعظة الملينة للقلوب فقد أتي بالخطبة ، ولكن لاشك أن حمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءة شيء من القرآن ، من مكملات الخطبة وهي زينة لها (604) . اهـ .

وقال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين عن مثل قول ابن سعدي : هذا القول له حظ من النظر (605) . اهـ .


 48- قول بعض أهل العلم: لا يكفي مجرد التحذير من الدنيا وزخرفها في الخطبة: 

قال إمام الحرمين من الشافعية : " ولا خلاف أنه لا يكفي التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها ، لأن ذلك قد يتواصى به منكرو الشرائع ، بل لابد من الحث على طاعة الله تعالى والمنع من المعاصي . قال أصحابنا : ولا يجب في الموعظة كلام طويل ، بل لو قال : أطيعوا الله كفى (606)".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ولا يكفى في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت ، بل لابد من مسمى الخطبة عرفاً ، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود "(607)

وتحدث ابن القيم واصفاً خطب النبي صلى الله عليه وسلم ثم استدرك بعدها قائلا : " لا كخطب غيره التي إنما تفيد أموراً مشتركة بين الخلائق ، وهي النوح على الحياة ، والتخويف بالموت ، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيماناً بالله ، ولا توحيداً له ، ولا معرفة خاصة به ، ولا تذكيراً بأيامه ، ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه ، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة ، غير أنهم يموتون ، وتقسم أموالهم ، ويبلي التراب أجسامهم ، فيا ليت شعري أي أيمان حصل بهذا ؟ أو أي توحيد معرفة وعلم نافع حصل به ؟!اهـ (608).

قلت : كلام ابن القيم هذا ليس على ظاهره حتى لا يفهم أنه يهون من شأن هذه الأمور ، لكنه ذكر ذلك واصفاً بعض الخطب في زمانه حيث إن معظمها يكون هكذا ، ويغلب عليها جانب التصوف ومجرد ذم الدنيا دون الاهتمام بالتوحيد وأصول الدين التي ينبغي أن يذكر بها الناس ، والله أعلم .

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية : " ينبغي أن تكون الخطبة مشتملة على ذكر دعائم الدين وقواعده العظام ، وكذلك ينبغي بل يجب أن يأتي بما يحرك القلوب . أما شيء لا يحركها فلا ينبغي .

ثم الاقتصار على ذكر فناء الدنيا والموت لا يكفي ، كما أنه لا يكفي الاقتصار على كلمات الحكم النافعة . لابد من موعظة وشيء يحرك القلوب . ثم أيضاً اعتماد التسجيع وكونه هو همّ الخطيب مرجوح ولا ينبغي . فإن أتى به مع إتيانه بالأمور الهامة فلا مانع . (609)  . اهـ .

 49- افتتاح الخطب : 

سار جماعة من الخطباء على صيغة محددة لافتتاح خطب الجمعة والعيدين ولاستسقاء ، فجعلوا افتتاح خطب بالحمد والثناء ، وجعلوا افتتاح العيدين بالتكبير ،وافتتاح الاستسقاء بالاستغفار.

فأما الجمع فهذه هي سنتها باتفاق أهل العلم وهي أن تفتتح بالحمد .

وأما ما خصَّ به الاستسقاء والعيدان :

فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب افتتاح خطبتي العيدين بالتكبير تسع تكبيرات (610) .

ودليلهم في ذلك ما روى عن عبيد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة مرسلاً (( أنه بدأ الخطبة بالتكبير تسع تكبيرات " رواه الشافعي والبيهقي(611) .

وأما في الاستسقاء ، فظاهر صنيع الشافعي ، وذكره غير واحد من الشافعية ، أنه يفتتحها بالتكبير . وبقية أصحابه على يبدل التكبيرات المشروعة في أول خطبتي العيد بالاستغفار ، فيستغفر الله تعالى في افتتاح الأولى تسع مرات ، وفي الثانية سبعاً،ولا يكبر(612) .

وعند الحنابلة : أن المذهب افتتاح الاستسقاء بالتكبير ، وعليه معظم أصحابهم ، وهو من مفردات أحمد ، فقد قال ناظم :

وهكذا التكبير في ابتدائها    ***   يشرع كالعيد وفي أثنائها (613)

وقيل: يفتتحها بالاستغفار، وقيل: بالحمد ، وهي التي اختارها شيخ الإسلام وابن رجب (614)

قال ابن القيم : وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء ، فقيل : يفتتحان بالتكبير ، وقيل : تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار ، وقيل : يفتتحان بالحمد . قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وهو الصواب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم )) وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله (615). اهـ .

وقد ردَّ شيخ الإسلام ابن تيمية على من فعل مثل هذا ، حيث قال : " لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح خطبة بغير الحمد ، لا خطبة عيد ، ولا خطبة استسقاء ، ولا غير ذلك " (616) . اهـ .

وقد ردَّ ابن القيم أيضاً على من فعل مثل ذلك بقوله : وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله . وأما قول كثير من الفقهاء : إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار ، وخطبة العيدين بالتكبير ، فليس معهم فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ألبتة ، وسنته تقتضي خلافه ، وهو افتتاح جميع الخطب بـ " الحمد لله " وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد ، وهو اختيار شيخنا قدس الله سرَّه . (617) . اهـ .

وقال في موضع آخر : " وكان صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ، ولم يحفظ عنه في حديث واحد ، أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير " (618) . اهـ .

وقال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز : " أما ما يروى عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة مرسلاً " أنه بدأ الخطبة بالتكبير تسع تكبيرات " فليس في الأحاديث الصحيحة ما يدل عليه بل هو مرسل ، والأفضل البدء بالحمد لفعل النبي صلى الله عليه وسلم" (619). اهـ.

قلت : وهو اختيار العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية (620) . ولكن يشرع الإكثار من التكبير في خطبتي العيدين لما روى ابن ماجة في سننه عن سعد رضي الله عنه قال : ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر بين أضعاف الخطبة،يكثر التكبير في خطبة العيدين))(621)


 50- حكم افتتاح خطبة الجمعة بخطبة الحاجة : 

عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : (( علَّمنا خطبة الحاجة : الحمد لله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يقرأ ثلاث آيات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } سورة آل عمران ، آية :  102 { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} سورة النساء ، آية : 1 ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} سورة الأحزاب ، آية : 70 ))

رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، والبيهقي(622). وهذا لفظ النسائي .

وعند أبي داود والترمذي وابن ماجه بلفظ : (( إن الحمد لله )) .

وعند ابن ماجه : (( وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له )) .

وعند أبي داود بلفظ : (( في خطبة الحاجة في النكاح وغيره )) .

قلت : هذا الحديث أورده أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه في كتاب النكاح ، وأورده النسائي والبيهقي في كتاب الجمعة .

قال شعبة : " قلت لأبي إسحاق : هذه القصة في خطبة النكاح وفي غيرها ؟ قال : في كل حاجة " (623) . اهـ .

قال صاحب عون المعبود : " وقد استدل بحديث ابن مسعود هذا على مشروعية الخطبة عند النكاح وعند كل حاجة " (624) . اهـ .

وقد وضع النسائي لهذا الحديث باباً فقال : باباً كيفية الخطبة .

وكذلك البيهقي أدرج هذا الحديث تحت باب ( كيف يستحب أن تكون الخطبة ) .

فيتضح من صنيعهما أنهما يريان مشروعية الإتيان بخطبة الحاجة في خطبة الجمعة .

قال السندي في حاشيته على النسائي: قوله ( في خطبة الحاجة ) الظاهر عموم الحاجة للنكاح وغيره ، ويحتمل أن المراد بالحاجة النكاح إذ هو الذي تعارف فيه الخطبة دون سائر الحاجات ، وعلى كل تقدير فوجه ذكر المصنف الحديث في هذا الباب ، لأن الأصل اتحاذ الخطبة ، فما جاز أو جاء في موضع جاز في موضع آخر أيضاً ، وكأنه جاء فيه ، والله تعالى أعلم (625) . اهـ .

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ولهذا استحبت وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموماً وخصوصاً من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك ، وموعظة الناس ومجادلتهم : أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية " . اهـ .

وقال أيضاً : " فإن حديث ابن مسعود لم يخص النكاح ، وإنما هي خطبة لكل حاجة في مخاطبة العباد بعضهم بعضاً ، والنكاح من جملة ذلك ، فإن مراعاة السنن الشرعية في الأقوال والأعمال في جميع العبادات والعادات ، هو كمال الصراط المستقيم ، وما سوى ذلك إن لم يكن منهياً عنه ، فإنه منقوص مرجوح ، إذ خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم " (626) . اهـ .

فظاهر ما مضى ذكره يدلُّ على أنه لا بأس بافتتاح خطبة الجمعة بخطبة الحاجة في بعض الأحيان . نعم لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح بها خطبة الجمعة ، ولكن هذا لا يمنع من الإتيان بها ، لأنه ليس هناك افتتاح بعينه لا تصح الخطبة إلا به ، بل بأي كيفية حمد الله وأثنى عليه في افتتاح خطبة الجمعة فقد وافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا أتى بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك فهو خير وأحسن .

وقد يستأنس للقول بجواز الإتيان بخطبة الحاجة في خطبة الجمعة بما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال : (( الحمد لله نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر الله شيئاً )) (627).

ففي صدر هذا الحديث شبه بصدر حديث خطبة الحاجة ، ولا يختلف معه إلا في إيراد الآيات الثلاث التي في خطبة الحاجة . والله أعلم .

تـنـبـيـه :

ذكر الشيخ بكر أبو زيد أن التزام افتتاح خطبة الجمعة بخطبة الحاجة الواردة في حديث ابن مسعود من محدثات الخطبة (628) .

وقد حدثني أحد المشايخ الفضلاء نقلاً عن أحد العلماء المشاهير في هيئة كبار العلماء : أنه يرى أن مجرد افتتاح خطبة الجمعة بخطبة الحاجة يعدُّ بدعة محدثة ، ويستدل لذلك بكون حديث ابن مسعود جاء في خطبة النكاح .

قلت : والصواب خلاف ذلك بل هو جائز وليس بدعة ، لأن حديث ابن مسعود جاء في خطبة النكاح وغيرها كما هي رواية أبي داود ، ثم كيف نحكم بالبدعية وقد سبق النسائي بالقول بجوازها في الخطبة وكذلك البيهقي ، وكذلك من تقدم ذكرهم من أهل العلم في ذلك ، فالقول بالتبديع صعب المرتقى ، إلا إذا التزم ذلك في كل جمعة فقد يكون للقول بالبدعية وجاهة . والعلم عند الله تعالى .

 51- كراهة تشدق الخطيب وتكلفه في كلامه : 

قد مرَّ معنا فيما مضى أن الخطيب مطالب في الجملة بالإعراب والفصاحة وحسن البيان ، وذكرنا ما يتعلق بذلك من استدلالات بالنصوص الشرعية وأقوال أهل العلم ، غير أن الأمر ينبغي أن يكون وسطاً بين الإفراط والتفريط ، أي بين الغلو والجفاء ، فلا نترك الفصاحة والبلاغة بالكلية ، كما أنه لا ينبغي للخطيب أن يتعمق فيها بحيث يصل إلى درجة التشدق والتكلف البغيض .

فقد روى أبو داود والترمذي وحسَّنه من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها )) (629)     .

قال في النهاية : " هو الذي يتشدق في الكلام ، ويفخم به لسانه ، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفّاً " (630) . اهـ .

وروى الترمذي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون )) (631) . ورواه أحمد من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه (632) .

قال في النهاية : الثرثار : الذي يكثر الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق . (633) اهـ .

والمتشدق : المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز . (634) . اهـ .

والمتفيهق : الذي يتوسع في الكلام ويفتح فاه به . (635) . اهـ .

وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال – أو الناس – لم يقبل منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً )) (636) . قال المنذري : يشبه أن يكون الحديث منقطعاً (637) . اهـ .

قال الخطابي : بعد أن بوَّب لهذا الحديث باباً فقال : ( ومن باب تعليم الخطب ) : صرف الكلام : فضله وما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة ، ومن هذا سمي الفضل بين النقدين صرفاً . وإنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع ، ولما يخالطه من الكذب والتزيد ، وأمر صلى الله عليه وسلم أن يكون الكلام قصداً تلو الحاجة ، غير زائد عليها ، يوافق ظاهره باطنه ، وسرّه علنه (638) . اهـ .

وقد ذكر أبو حامد الغزالي الآفة السادسة من آفات اللسان فأدرج تحتها : التقعر في الكلام بالتشدق ، وتكلف السجع والفصاحة ، والتصنع فيه بالتشبيبات والمقدمات ، وما جرى به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة .

ثم قال : وكل ذلك من التصنع المذموم ومن التكلف الممقوت .. ثم قال أيضاً : بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده ومقصود الكلام التفهيم للغرض ، وما وراء ذلك تصنع مذموم (639) . اهـ .

ثم استدرك الغزالي بعد عرضه لمثل هذا وبين ما لا يدخل في هذا الذم فقال : ولا يدخل في هذه تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط وإغراب ، فإن المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها ، فلرشاقة اللفظ تأثير فيه فهو لائق به (640) . اهـ .

فـائـدة :

روي عن معاوية رضي الله عنه أنه قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر " .

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ، وفيه جابر الجعفي والغالب عليه الضعف (641)

 52- السجع في الخطب : 

       قال الحافظ ابن حجر : السجع هو تناسب آخر الكلمات لفظاً ، وأصله الاستواء .

وفي الاصطلاح : الكلام المقفى ، والجمع أسجاع وأساجيع (642) .اهـ .

ثم إن السجع في الخطب يعدُّ من الأمور التي لم يتخل عنها الخطباء في القديم ولا في الحديث ، وهو بلا شك جمال في الخطبة إذا أحسن الخطيب استعماله ، غير أن كثيراً من الخطباء قد بالغوا فيه مبالغة ظاهرة حتى صار عيباً في الخطبة ، بحيث لا تكاد تسمع أربع كلمات قد تزيد أو تنقص إلا وتراها مسجوعة سجعاً متكلفاً ، مما يسبب الملل لدى المستمع ، أو يقلل من قيمة الدلالات والألفاظ بسبب الترادف المتكرر في السجع ؛ لأن الخطيب قد يعبر عن شيء يكفي فيه كلمتان – فحسب – بكلمات كثيرة مترادفة لأجل السجع المراد . وهذا في الحقيقة سجع متكلف ، وتكرار وحشو يجعله إلى الذم أقرب . وذلك كمن يقول مثلاً : توالت الأحداث عليكم ، وجاءت مسرعة إليكم ، وحطَّت رحالها لديكم .

فلو نظرنا إلى قوله توالت ، وجاءت ، وحطت . لوجدنا أنها كلمات مترادفة كلها تدل على معنى واحد .

وأما السجع الذي كان يستعمله العرب فقد كانت كل سجعة فيه تختلف عن التي تليها من حيث المعنى ، وإنما التوافق يكون في قافيتها الأخيرة .

فمن ذلك ما ذكره الجاحظ عن عمر بن ذر حين قال : الله المستعان على ألسنة تصف ، وقلوب تعرف ، وأعمال تخلف .

أو كسؤال بعض الأمراء حينما سأل رسولاً قدم من جهة السند : كيف رأيتهم البلاد ؟ فقال : ماؤها وشل ، ولصها بطل ، وتمرها دقل ، إن كثر الجند بها جاعوا ، وإن قلوا بها ضاعوا . اهـ (643) .

فيلاحظ من الأمثلة التي أوردها الجاحظ تغاير ظاهر بين معانيها، ففي المثال الأول ذكر الألسنة والقلوب والأعمال، وفي المثال الثاني ذكر الماء واللص والتمر، بخرف المثال الأول الذي ظاهره التكلف والسجع المترادف على كلمة واحدة وهي ( توالت الأحداث عليكم...الخ ) .

وقد اختلف أهل العلم في حكم السجع على قولين :

القول الأول :

قال أصحابه : إن السجع مذموم ، واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين من حديث أبي  هريرة رضي الله عنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر ، فأصاب بطنها وهي حامل ، فقتلت ولدها الذي في بطنها ، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أنَّ دية ما في بطنها غُرة (644) عبدٌ أو أمةٌ ، فقال ولي المرأة (645) التي غرمت : كيف أغرم يا رسول مَنْ لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهلَّ (646) ، فمثل ذلك يُطلُّ (647) ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما هذا من إخوان الكهان(648)  )) (649) . هذا لفظ البخاري .

وعند مسلم (( من أجل سجعه الذي سجع )) وهذا مدرج من الراوي كما نقله الحافظ ابن حجر عن القرطبي (650) ، وكذا ذكر الصنعاني (651) .

وقد أخرجه مسلم من حديث المغيرة وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أسجع كسجع الأعراب ؟! )) (652) . اهـ .

وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قال لابن أبي السائب قاص أهل المدينة : " إياك والسجع ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا لا يسجعون " . رواه أحمد وابن حبان في صحيحه (653) .

القول الثاني :

قال أصحابه : إن السجع ليس مكروهاً على إطلاقه ، بل المكروه منه ما يقع من التكلف في معرض مدافعة الحق ، وأما ما يقع عفواً بلا تكلف في الأمور المباحة فجائز ، وعلى ذلك يحمل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم . وقد ذكر ذلك النووي والحافظ ابن حجر والصنعاني والشوكاني وغيرهم ، واختاره شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز (654) .

قال الحافظ ابن حجر : والحاصل أنه جمع الأمرين من التكلف وإبطال الحق كان مذموماً ، وإن اقتصر على أحدهما كان أخف في الذم ، ويخرج من ذلك تقسيمه إلى أربعة أنواع ، فالمحمود ما جاء عفواً في حق ، ودونه ما يقع متكلفاً في حق أيضاً ، والمذموم عكسهما (655).

ونقل الجاحظ عن عبدالصمد الرقاشي معلقاً على حديث النبي صلى الله عليه وسلم في سجع الكهان قوله : " لو أن هذا المتكلم لم يرد إلا الإقامة لهذا الوزن ما كان عليه بأس ، ولكنه عسى أن يكون أراد إبطالاً لحق فتشادق في كلامه " (656) . اهـ .

وقد ذكر أبو حامد الغزالي أن تكلف السجع مذموم (657) . اهـ .

وقال الشيخ محمد رشيد رضا واصفاً بعض الخطب المعاصرة بما نصه : " وقد صارت الخطبة في أكثر البلاد الإسلامية رسوماً تقليدية مؤلفة من أسجاع متكلفة كسجع الكهان " (658) . اهـ .

وقال أيضاً في موضع آخر موصياً الخطيب : " وإياه والسجع المتكلف ، والمحسنات المرذولة التي كثيراً ما تخفي الأغراض وتعمي المعاني ، وتأخذ بصاحبها القول وقصده " (659)  . اهـ .

وقال الشيخ العلامة مفتي الديار السعودية محمد بن إبراهيم : " اعتماد التسجيع وكونه هو همّ الخطيب مرجوح ولا ينبغي . فإن أتى به مع إتيانه بالأمور الهامة فلا مانع (660).اهـ .

قلت : وبه يعرف أن السجع المتكلف ، وكذلك السجع الذي فيه إبطال لحق ، فهو المذموم عند أهل العلم . والله أعلم .


 53- الشعر في الخطب  : 

 عاب عليَّ أحد طلبة العلم الفضلاء كيف أورد الشعر أحياناً في خطبي ، وذكر أن هذا الأمر محدث ، ولم يعرف إلا من عصر الحجاج فما بعده ، وأن العز بن عبدالسلام يرى أنه بدعة (661) ، وأن هذا أمر لا ينبغي ، فتأدبت معه في الخطاب لسعة علمه ومنزلته ، مع قناعتي بأن ما قاله ليس صحيحاً ، كما أنه قد لا يخفى عليه وعلى غيره أن كثيراً من الخطباء قد يأتون في خطبهم بألفاظ لم تكن في خطب النبي صلى الله عليه وسلم ولا خطب أصحابه ولا القرون الأولى المفضلة .

ومن ذلك مثلاً قول معظم الخطباء " أقول قولي هذا .." وقولهم في آخر كل خطبة " اذكروا الله العظيم يذكركم .." ، بل مواظبة بعضهم على الدعاء للسلاطين ، مع أن العز بن عبدالسلام يقول أيضاً ببدعية الدعاء للسلاطين (662) وهذا الذي حاورني قد استشهد بقول العز بن عبد السلام في بدعية الإتيان بالشعر في الخطبة ، والعجب هنا أنه لم يأخذ بقول العز بن عبدالسلام في الدعاء للسلطان ، وغير ذلك من الألفاظ التي اتخذها جمهور الخطباء عادة ، ولو تركها أحد لربما أنكر عليه .

ولردِّ شبهة ذم الشعر في الخطبة أقول وبالله التوفيق :

لاشك أن الإكثار من الشعر بحيث يطغى على جوانب أهم منه ، كالقرآن والسنة ، وما هو أنفع من الشعر ، قد يكون مذموماً ، بل ويزداد ذمّاً إذا اشتمل على قبح أو كذب أو فحش أو تفحش . قال الله تعالى { وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } سورة الشعراء ، آية : 224 .

وقد قال بعضهم : " أعذب الشعر أكذبه " .

وقال بعض العلماء : لم ير متدين صادق اللهجة يأتي بالعجيب في شعره . وقد قال الشافعي – رحمه الله – عن الإكثار من الشعر :

ولولا الشعر بالعلماء يزري   *** لكنت اليوم أشعر من لبيد

وقد اختلف أهل العلم في ذم الشعر ومدحه .

وخلاصة الكلام في ذلك ما قاله الحافظ ابن حجر: "والذي يتحصل من كلام العلماء في حد الشعر الجائز أنه إذا لم يكثر منه في المسجد ، وخلى عن هجو ، وعن الإغراق في المدح والكذب المحض .. وقد نقل ابن عبدالبر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك " (663) .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول : " الشعر منه حسن ومنه قبيح ، خذ الحسن ودع القبيح ، ولقد رويت من شعر كعب بن مالك أشعاراً ، منها القصيدة فيها أربعون بيتاً ودون ذلك " (664) .

قال الحافظ ابن حجر : " وسنده حسن " (665) . اهـ .

وروي مثل ذلك عن عبدالله بن عمرو مرفوعاً ، وسنده ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر (666) .

قال الشافعي : والشعر كلام ، فحسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح الكلام غير أنه كلام باق سائر ، فذلك فضله على الكلام (667) . اهـ .

وقد أخرج الطبري من طريق ابن جريج قال : " سألت عطاء عن الحداء والشعر والغناء فقال : لا بأس به ما لم يكن فحشاً " (668) .

قلت : الذي يظهر لي هو أن الخطيب لا بأس بأن يستعمل الشعر إذا كان موعظة ظاهرة يرتدع بها عن خبث الباطن ، أو حكمة نادرة يتعظ بها في كشف السر الكامن ، ويؤيد هذا قول ابن الجوزي : " فإن من العوام من يعجبه حسن اللفظ ، ومنهم من يعجبه الإشارة ، ومنهم من ينقاد ببيت من الشعر " (669) . اهـ .

قلت : وقد سمعت سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز وهو يقرر أن لا بأس بإيراد الشعر في الخطبة دون إسراف إذا كان حكمة ينتفع بها ، وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء من حديث أبي ابن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إن من الشعر حكمة )) رواه البخاري (670) .

ومما يدل على ذلك هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه عند مسلم حديث يتعلق بخطبة وفيه (( وإن من البيان سحراً )) (671) .

وقوله هذا فيه تأويلان :

أحدهما : أنه على وجه الذم ؛ لأنه إمالة للقلوب ، وصرفها بمقاطع الكلام إليه حتى يكسب من الإثم به كما يكسب بالسحر . وبهذا قال مالك (672) رحمه الله .

والثاني : أنه على وجه المدح ؛ لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان ، وشبهه بالسحر ؛ لميل القلوب إليه . وهذا التأويل هو الصحيح المختار ، كما ذكر ذلك النووي رحمه الله (673) .

قلت : فإذا كان البيان يشبه السحر ، وقد ذمه بعض أهل العلم كما رأيت على أحد التأويلين ، وعلى التأويل الثاني أنه مدح ، فكان ما يشبه السحر يعد مدحاً ولو كان في الخطبة ، لأن الحديث ورد في الخطبة كما سيأتي قريباً إن شاء الله .

فإذا كان الأمر كذلك فإن قوله صلى الله عليه وسلم في الشعر : (( إن من الشعر حكمة )) لا يحتمل تأويلين كما احتمله تأويل البيان ، فإن الحديث هنا محكم يدل دلالة واضحة على أن الحكمة قد تنطلق من الشعر ، و " من " هنا للتبعيض ، فيلخص عندنا هنا أن الشعر لا بأس به إذا أتي به في المجامع والمواعظ والخطب بشروطه المذكورة آنفاً .

ويؤيد ذلك أنه ثبت في الأحاديث الصحيحة (674) ذكر الأشعار أمام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي ، من قبل حسان بن ثابت وكعب بن زهير ، وغيرهما . وليس المنبر في المساجد العادية بأفضل من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو منبره . والعلم عند الله تعالى .

وقد اطلعت على رأي خاصة للشيخ بكر أبو زيد حول تضمين خطبة الجمعة أبياتاً من الشعر . وها أنا ذا أورد كلامه من باب الفائدة ، مع قناعتي الخاصة بما رجحته سابقاً ، فقد قال بما نصه : "

لا أعرف في خطب النبي صلى الله عليه وسلم ولا في خطب الصحابة رضي الله عنهم الاستشهاد بالشعر ببيت فصاعداً ، وعلى هذا جرى التابعون لهم بإحسان .

وقد استمرأ بعض الخطباء في القرن الرابع عشر تضمين خطبة الجمعة البيت من الشعر فأكثر ، بل ربما صار الاستشهاد بمقطوعات شعرية متعددة ، وربما كان إنشاد بيت لمبتدع ، أو زنديق ، أو ماجن .

والمقام في : ( خطبة الجمعة ) مقام له خصوصيات متعددة يخالف غيره من المقامات ، في الدروس ، والمحاضرات ، والوعظ ، والتذكير ، وهو مقام عظيم ، لتبليغ هذا الدين صافياً ، يجهر فيها الخطيب بنصوص الوحيين الشريفين ، وتعظيمهما في القلوب ، والبيان عنهما بما يليق بمكانتهما ، ومكانة فرائض الإسلام ، فلا أرى لك أيها الخطيب للجمعة إلا اجتناب الإنشاد في خطبة الجمعة ، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو بك أجمل وبمقامك أكمل . والله المستعان " (675)  .

 54- إذا كان الخطيب يقول في خطبته ما هو كذب أو ظلم  : 

هذه المسألة مهمة جداً ، قلما يتفطن لها عدد من الخطباء ، وذلك من خلال عرض بعض المقدمات الفاسدة والقضايا الكاذبة أثناء الخطبة ، وقد يكون ذلك من باب قصد الكذب – وهو قليل – وقد يكون من باب جهل القائل ، أو التلبيس عليه ، أو الاجتهاد الخاطئ الذي يسوغ له قوله هذا .

وقد أشار بعض أهل العلم إلى شيء من ذلك ، كما في رواية ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن حماد قال : قلت لإبراهيم : إن الكتب تجيء من قبل قتيبة فيها الباطل والكذب ، فإذا أردت أكلم صاحبي أو أنصت ؟ قال : لا ، بل أنصت – يعني في الجمعة - (676) . اهـ.

قلت : معنى هذا أن الخطيب في زمن قتيبة بن مسلم يقرأ صحفاً فيها شيء من الكذب والباطل .

قال النووي : " ويكره المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم ، وكذبهم من كثير من ذلك ... الخ (677) ". اهـ .

قلت : ففي هذا إثبات احتمال وقوع الكذب ، بل وقوعه من قبل بعض الخطباء من خلال قول النووي هذا .

ويؤيده قول الحافظ ابن حجر : " واختلف السلف إذا خطب – أي الخطيب – بما لا ينبغي من القول " (678) . اهـ .

فدلَّ على أن من الخطباء من قد يقول ما هو باطل أو كذب في خطبهم .

وقد وجَّه الحافظ ابن حجر فعل مروان بن الحكم حين قدَّم خطبة العيد على الصلاة ، بأن قصده مراعاة مصلحته في إسماعهم الخطبة ؛ لأنهم كانوا في زمنه يتعمدون ترك سماع خطبته ؛ لما فيها من سبِّ من لا يستحق السبّ ، والإفراط في مدح بعض الناس (679). اهـ .

قال الكاساني : " وإنما أحدث بنو أمية الخطبة – أي العيدين – قبل الصلاة ؛ لأنهم كانوا يتكلمون في خطبتهم بما لا يحل ، وكان الناس لا يجلسون بعد الصلاة لسماعها ، فأحدثوها قبل الصلاة ليسمعها الناس " (680) . اهـ .

وقد نقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله : قال الإمام أحمد رحمه الله : " أكذب الناس على رسول صلى الله عليه وسلم السؤال والقصَّاص ، فيجب منع من يكذب مطلقاً ، فكيف إذا كان يكذب ويسأل ويتخطى ؟ وكيف من يكذب على رؤوس الناس في مثل يوم الجمعة ؟ فنهي من يكذب من أعظم الواجبات ، بل وينهى من روى ما لا يعرف أصدق هو أم كذب ؟ " (681) . اهـ .

وقال الشيخ عبدالله أبو بطين : " بخلاف ما في بعض الخطيب من الثناء والمدح بالكذب ، وولي الأمر يدعى له لا يمدح لاسيما بما ليس فيه .. الخ " (682) . اهـ .

قلت : ويشتد الأمر في هذه المسألة إذا غلب على طبع بعض الخطباء جانب القصص ، حيث إنها مظنة الخلط بين الكذب والصدق ، والحق والباطل ، والصحيح والضعيف من الأحاديث . ولذلك جعل ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية فصلاً كاملاً عن وعظ القصاص وضررهم وكذبهم ، وقد ذكر في هذا الفصل قول الإمام أحمد : ما أحوج الناس إلى قاص صدوق . وفي رواية إسحاق بن إبراهيم عن أحمد قوله عن القصاص : عامة ما يتحدثون به كذب . وفي رواية أبي الحارث قوله : أكذب الناس القصاص والسؤَّال (683) .اهـ .

وروى أبو داود وأحمد عن عوف بن مالك الأشجعي مرفوعاً : " لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال " (684) .

قال ابن الأثير في النهاية :" أي لا ينبغي ذلك إلا لأمير يعظ الناس ويخبرهم بما مضى ليعتبروا , أو مأمور بذلك ، فيكون حكمه حكم الأمير ، ولا يقص تكسباً ، أو يكون القاص مختالاً يفعل ذلك تكبراً على الناس ، أو مرائياً يرائي الناس بقوله وعمله ، لا يكون وعظه وكلامه حقيقة . وقيل : أراد الخطبة ؛ لأن الأمراء كانوا يلونها في الأول ويعظون الناس فيها ، ويقصون عليهم أخبار الأمم السالفة "(685).اهـ

 ويحسن بي هنا أن أورد كلاماً جميلاً لابن مهدي المقبلي أنقله هنا للفائدة والاتعاظ المكملين  للبحث الممتع في هذا الكتاب .   

يقول المقبلي :" أما ما ذكر عن الناصر ـ قدس الله روحه ـ من وقوع الكذب من خطيبهم، وكذلك عن أكابر من أهل البيت ، فالظاهر ـ فيما نظن ـ أنهم أرادوا أنه كحضور الصلاة مع وجود منكرات عارضة مستمرة، كتقول الخطيب على الله أنه ارتضى الجائر ـ يعني الحاكم الجائر ـ فيكون ذلك كسائر البدع والمنكرات التي قلَّ ما يخلو منها محل، وأن تفاوتت كتفاوت مابين السماء والأرض ، لكنها اشتركت في كونها بدعة أو منكراً ، وقد ابتلي الناس بها في القديم والحديث ، وهذه هي الفتنة التي تركت الحليم حيران ، والله المستعان " (686) . اهـ

  ويقول أيضاً في موضع آخر : " وأما ذكر الخلفاء ـ أي في الخطبة ـ عدلهم وجائرهم ، فما هو إلا بدعة ، والتعلق بالعوائد الذي لا شاهد لأهلها ، ولا صدرت عن محلها ، إنما من أرباب الملوك ، وخطباء السوء ، وعلماء الحطام ، فليس فيها متشبث للمتقي ، كيف وأكثر ما يجري منها الكذب والزور كما تجدهم ، ومن هو أعلى درجة كالمفتين والقضاة يحكمون لسلطان جهتهم بوجوب المقاتلة معه لسلطان آخر من المسلمين ، وعلماء الآخر يفعلون ذلك خلفاً عن سلف ، إلا الغراب الأبقع فهل يتعلق بفعلهم وعادتهم منصف لنفسه ولربه؟ فعبارتهم بقولهم (عادة المسلمين) كلمة يخف لها من لم يكن من الاستدلال بورد ولا صدر"(687) .اهـ.

 55- إيراد الأحاديث الضعيفة في الخطب : 

        أود - قبل الحديث عن كلام أهل العلم في هذه المسألة- إيراد كلم جميل للشيخ محمد رشيد رضا عن كثرة ترديد الأحاديث الضعيفة والموضوعة من قبل بعض الخطباء في عصره .

فقد قال رحمة الله :" إننا كثيراً ما نسمع من خطباء الجمعة الأحاديث الضعيفة والموضوعة والحرفة ، حتى صار يضيق صدري من دخول المسجد لصلاة الجمعة الأولى أو في أثنائها ، فمن سمع الخطيب يعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً يعلم أنه موضوع يحار في أمره؛ لأنه إذا سكت على المنكر يكون آثماً ، وإذا أنكر على الخطيب جهراً يخاف الفتنة على العامة. والواجب على مدير الأوقاف منع الخطباء من الخطابة بهذا الدواوين المشتملة على هذه الأحاديث ، أو تخرج أحاديثها إذا كانت الخطب نفسها خالية من المنكرات والخرافات والأباطيل ، وما أكثر ذلك فيها "(688) .اهـ.     

وقد عدَّ الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله إيراد الأحاديث الضعيفة والموضوعة من عيوب خطب هذا العصر .

       فإنه قال رحمة الله: "ومنهم - أي الخطباء- (وهذا كثير) من يأتي بالأحاديث الموضوعة ، أو الضعيفة المتروكة ، مع أنه لا يجوز لأحد أن يسند حديثا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتوثق من صحته؛ فليتنبه الخطباء إلى هذا ، فإنه من أهم المهمات"(689) .اهـ

وقد سئل ابن حجر في فتاويه عن خطيب يرقى المنبر كل جمعة ، ويذكر أحاديث لا  يبين مخرجيها ولا رواتها . ما حكم ذلك ؟.   

فأجاب بما حاصله : " إنه لا يجوز لـه أن يروي الحديث من غير أن يذكر الرواة أو الخرجين، إلا إذا كان من أهل المعرفة بالحديث ، أو ينقلها من كتبة ، وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث ، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك ، فلا يحل ذلك . ومن فعله عزر عليه التعزير الشديد . وهذا حال أكثر الخطباء ، فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث ، حفظوها وخطبوا بها (كذا) من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلاً أم لا . فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك , ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه من ذلك إن ارتكبه ...الخ " (690) .اهـ .

قال الشيخ محمد رشيد رضا معلقاً على كلام ابن حجر : "ولا يخفى أنه ليس عندنا في هذا العصر حفاظ ولا محدثون ، فيا ليت مدير الأوقاف يلزم الخطباء بتخريج الأحاديث من الكتب الصحيحة ، وعزوها في الخطبة إلى مخرجيها كالبخاري ومسلم وغيرهما من الحافظ " (691) . اهـ .

قلت : هذه المسألة تتردد كثيراً بين الخطباء ما بين مؤيد لها أو رافض ، ولما لها من أهمية كبرى وحاجة ماسة إلى كشف الحديث عنها من منطلق علمي مؤصل؛ فإن أهل العلم اختلفوا في قبول الحديث الضعيف والاحتجاج به في الأحكام الشرعية وفضائل الأعمال على ثلاثة أقوال :

القول الأول :

ذهب أصحابه إلى جواز الاحتجاج بالحديث الضعيف مطلقاً في الأحكام وفي الفضائل ، غير أنهم اشترطوا لذلك شرطين :

أحدهما : أن يكون الضعف غير شديد .

وثانيهما : ألا يوجد في الباب غيره ، وألا يوجد ما يعارضه .

وهذا القول مروي عن الأئمة الأربعة (692) وأبي داود السجستاني (693) ، وغيرهم . ووجهة رأي أصحاب هذا القول هي أن الحديث الضعيف لما كان محتملاً للإصابة ولم يعارضه شيء قوي فيعمل به . إضافة إلى أن الحديث الضعيف عندهم أقوى من رأي الرجال .

القول الثاني :

ذهب أصحاب هذا القول إلى أن الحديث الضعيف لا يجوز الاحتجاج به مطلقاً ، لا في الأحكام ولا في غيرها من فضائل الأعمال والترغيب والترهيب .

وممن قال بهذا القول يحيى بن معين (694)، والبخاري(695)، ومسلم(696)، والحافظ النيسابوري(697)، وأبو زرعة الرازي ، وأبو حاتم الرازي وابنه (698) ، وابن حبان(699)، والخطابي(700) ، وابن حزم (701) ، وابن العربي (702)، وشيخ الإسلام ابن تيمية(703)، وغيرهم .

وتعليل أصحاب هذا القول هو أن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح ، والله عز وجل قد ذمَّ الظن في أكثر من آية ، كما أن في الأحاديث الصحيحة ما يغني المسلم عما سواها من الأحاديث الضعيفة .

القول الثالث :

وقد سلك أصحاب هذا القول مسكاً وسطاً بين القولين السابقين ، فقالوا : نحن لا نحتج بالأحاديث الضعيفة في الأحكام ، ولكننا نعمل بها في فضائل الأعمال ، وفي الترغيب والترهيب .

وقال بهذا القول جمهور العلماء من محدثين وفقهاء ، كما ذكر ذلك النووي في كتابه الأربعين النووية (704) . بل قد حكى الاتفاق على ذلك بين أهل العلم .

ومن هؤلاء الذين قالوا بهذا القول سفيان الثوري (705) ، وعبدالله بن المبارك (706) ، وعبدالرحمن بن مهدي (707) ، وسفيان بن عيينة(708) وأحمد بن حنبل(709)، وابن عبدالبر(710) ، والنووي (711) ، وابن كثير (912) ، وغيرهم .

وقد اشترط أصحاب هذا القول شروطاً للعمل بالحديث الضعيف عندهم ، فجعلوا هذه الشروط ثلاثة وهي :

1.  أن يكون الضعف غير شديد ، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ، ومن فحش غلطه .

2.  أن يكون الضعف مندرجاً تحت أصل عام ، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً .

3.  ألا يعتقد عند العمل به ثبوته ، لئلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله .

قلت : وهذه الشروط الثلاثة نقلها الحافظ السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر ، ونقل عن ابن عبدالسلام وابن دقيق العيد الشرطين الأخيرين ، والشرط الأول نقل العلائي الاتفاق عليه (713) . اهـ .

وقد نقل العلامة أحمد شاكر عن الإمام أحمد ، وعبدالرحمن بن مهدي ، وعبدالله بن المبارك قولهم : إذا روينا في الحلال والحرام شددنا ، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا (714) . اهـ .

قلت : الذي يظهر – والله أعلم – أن أرجح الأقوال السابقة هو قول المانعين من قبول الحديث الضعيف مطلقاً، لا في الأحكام الشرعية ولا في فضائل الأعمال؛ لأمور منها :

1.  اتفاق علماء الحديث على تسمية الحديث الضعيف بالمردود .

2.  أن الضعيف لا يفيد إلا الظن المرجوح ، والظن لا يغني من الحق شيئاً .

3.  أن تجويز الاحتجاج بالحديث الضعيف يترتب عليه ترك الأحاديث الصحيحة والزهد فيها .

4.  قد تكون الأحاديث الضعيفة سبباً في نشوء البدع من خلال تشريع ما لم يشرعه الله ، أو يشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم .

5.  ولأن من أجاز ذلك فإنه يجاب عن أقوالهم بما يأتي :

أولاً : أن ما نقل عن الإمام أحمد وابن مهدي وابن المبارك قد أجاب عنه العلامة أحمد شاطر في الباعث الحثيث ، حيث قال : " فإنما يريدون فيما أرجح ، والله أعلم – أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة ، فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم أمراً واضحاً ، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو بالضعف فقط (715) " اهـ .

قلت : ولعل مراد العلامة أحمد شاكر وغيره بالحسن الحسنُ لغيره ، وأما الحسن لذاته فهو حجة ، كما قال الحافظ العراقي في ألفيته :

وهو بأقسام الصحيح ملحق        ***    حجية وإن يكن لا يلحق (716)

وقال العلامة الألباني معقباً على كلام أحمد شاكر : وعندي وجه آخر في ذلك ، وهو أن يحمل تساهلهم المذكور على روايتهم إياها مقرونة بأسانيدهم كما هي عادتهم ، فيكون ذكر السند مغنياً عن التصريح بالضعف ، وأما أن يرووها بدون أسانيدها كما هي طريقة الخلف ، ودون بيان ضعفها كما هو صنيع جمهورهم ، فهم أجل وأتقى لله عز وجل من أن يفعلوا ذلك ، والله تعالى أعلم (717) . اهـ .

ثانياً : أن الشروط التي ذكرها الحافظ ابن حجر يجاب عنها كالتالي :

أما الشرط الأول: فإن معرفة حال الحديث وكونه شديد الضعيف من عدمه مما يشق الوقوف عليه عند جماهير الناس ، وأما سماسرة (718) الحديث فعندهم في الصحيح غنية عن الضعيف .

وأما الشرط الثاني : وهو أن يكون الحديث مندرجاً تحت أصل عام فهذا ردٌّ على أصحابه ، لأننا لو قلنا به ؛ لظهر أن العمل في الواقع ليس بهذا الحديث الضعيف ، وإنما هو بالأصل العام الذي اندرج تحته الحديث الضعيف ، وأن العمل به وارد سواء وجد الحديث الضعيف أم لا .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة ، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت ، إذا لم يعلم أنه كذب ، وذلك أن العمل إذا عُلم أنه مشروع بدليل شرعي ، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب ، جاز أن يكون الثواب حقاً . ولم يقل أحد من الأئمة : إنه يجوز أن يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف ، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع . (719) . اهـ .

وأما الشرط الثالث : فإنه يرد على نفسه ، إذ ما الفائدة من حديث لا تعتقد عند العمل به ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم لئلا ينسب إليه ما لم يقله . والواقع أنه إذا لم نعتقد ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو وكلام البشر سواء .

ولذلك فإن حاصل الأمر أنه لا يجوز العمل بالحديث الضعيف عند أئمة المحققين ، كابن معين ، والبخاري ، ومسلم ، وابن العربي ، وابن حزم ، وابن رجب ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم ، وغيرهم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة ، ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه " (720) اهـ .

هذا حاصل الكلام حول هذه المسألة . والعلم عند الله تعالى .

 56- حكم استشهاد الخطيب بشيء من التوراة والإنجيل في الخطبة : 

قد يحتاج بعض الخطباء في خطبهم إلى إيراد شيء من الاستشهاد بنصوص التوراة أو الإنجيل على مسألة من المسائل التي يطرحها في خطبته ، مع العلم بأن التوراة والإنجيل محرفة عما أنزلت عليه . ولعل من المناسب هنا أن أورد كلاماً مفيداً يصب في هذا الإطار من  باب توضيح هذه المسألة .

فقد قال ابن مفلح : سئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن هذه المسألة في رواية إسحاق بن إبراهيم فغضب فقال : " هذه مسألة مسلم ؟! وغضب . وظاهره الإنكار ، وذكره القاضي ثم احتج بأنه عليه الصلاة والسلام لما رأى في يد عمر قطعة من التوراة غضب وقال : (( ألم آت بها بيضاء نقية )) ؟ الحديث ، وهو مشهور رواه أحمد وغيره (721) ، وهو من رواية مجالد وجابر الجعفي ، وهما ضعيفان ، ولأنها كتب مبدلة مغيرة ، فلم تجز قراءتها والعمل عليها ، قال : وهذه مسألة جرت بين شيوخنا العكبريين ، فكان ابن هرمز والد القاضي أبي الحسين يقص بهذه الكتب – وكانت معربة – فأنكر عليه أبو عبدالله بن بطة ذلك وصنف فيه جزءاً ذكر فيه ما حكينا من رواية إسحاق ، وذكر فيه أيضاً عن أحمد رواية أبي يحيى الناقد : سمعت أحمد يقول : الاشتغال بهذه الأخبار القديمة يقطع عن العلم ، وذكر حديث عمر .

وذكر أيضاً بإسناده أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دخل مسجد دمشق فإذا كعب يقص فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من قصَّ بغير كتاب الله وسنة نبيه فاضربوا رأسه )) فما رئي كعب في ذلك المجلس بعد . وبإسناده أن رجلاً أهدى إلى عائشة رضي الله عنها هدية فقال : " لا حاجة لي في هديته بلغني أنه يتتبع الكتب الأول والله تعالى يقول : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } ذكره القاضي في الجزء الثاني من الجامع عند الكلام على القراءة والمصحف .. الخ (722) .

 57- رفع الصوت في الخطبة : 

كتب بعض المؤلفين المعاصرين كتباً صدروها بوصايا للخطباء كطريق للخطيب الناجح ، وقد أفلحوا في بعضها وأخطأوا في البعض لآخر وهو كثير ؛ نظراً لاعتمادهم على كتب غربية أجنبية في وصف الخطيب الصيت الناجح ، ولم يراعوا في ذلك ما كان من هديه صلى الله عليه وسلم ، فكان مما فيه استنكار رفع الصوت في الخطبة، أو الانفعال فيها، وإن ذلك نوع تشنج قد يثير المستمعين ويذهب بجمال الخطبة وحيويتها.

ولا شك أن هذا خطأ واضح لم يكن لقائله نصيب من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهديه في خطبته، حيث إنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (( أنه كان إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته ، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول : صبَّحكم ومسَّاكم..)) (723).

       وفي لفظ عند مسلم : ((يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ، ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته..)) فذكره.

       وأخرج أحمد والدارمي والحاكم والبيهقي (724) عن شعبة عن سماك بن حرب قال : سمعت النعمان  بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  ويخطب يقول : ((أنذرتكم النار، أنذرتكم النار .حتى لو أن رجلاً كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا . قال : حتى وقعت خميصة(725) كانت على عاتقه عند رجليه)). قال الهيثمي : رواه أحمد ورجاله ورجال الصحيح (726)   

قال الشافعي رحمه الله : "وأحب أن يرفع صوته حتى يسمع أقصى من حضره إن قدر  ذلك "(727) .اهـ

وقال صاحب المهذب : " ويستحب أن يرفع صوته لحديث جابر " (728). اهـ 

وقال النووي : "يستحب رفع صوته زيادة على الواجب لما ذكره الصنف"(729). اهـ

وقال أبو الحسين العمراني : " ويستحب أن يرفع صوته بالخطبة ، لحديث جابر ، ولأن القصد بالخطبة الإعلام ، فكان رفع الصوت أولى  "(730) . اهـ

وقال ابن قدامة : " ويستحب أن يرفع صوته ، ليسمع الناس "(731) . اهـ  

وقال الصنعاني : " يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته ، ويجزل(732) كلامه، ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب (733). اهـ

وقال الشوكاني : يستحب للخطيب أن يضخم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلامه ، ويظهر غاية الغضب والفزع ؛ لأن تلك الأوصاف إنما تكون عند اشتدادهما (734). اهـ

فتبين لك أيها القارئ مما سبق ذكره ، أن رفع الصوت والحماس في الخطبة كان من هديه صلى الله عليه وسلم ، وهو من الأمور التي لها وقع في قلوب المستمعين، مع ملاحظة أن رفع الصوت وعلوه هنا لا يراد به الصراخ الفزع الذي يذهب بجمال الخطبة ووقْعها في نفس المستمع ، كما أنه لا يراد به أن يكون احمرار العينين وشدة الغضب في كل شيء . بل ما أحسن ما ذكر القاضي عياض عن حديث جابر هذا ، فقد قال بما نصه : هذا حكم المحذر  والمنذر ، وأن تكون حركات الواعظ والمذكر وحالاته في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ، ومطابق له ؛ حتى لا يأتي بالشيء وضده . وأما اشتداد غضبه فيحتمل أنه عند نهيه عن أمر خولف فيه شرعه ، أو يريد أن صفته صفه الغضبان عند إنذاره (735). اهـ  

قلت : قد يقول قائل : إن كلام أهل العلم عن استحباب رفع الصوت للخطيب حال الخطبة إنما هو لأجل إسماع المأمومين ، وأما في هذا الوقت الذي وجدت فيه مكبرات الصوت فإنه لا يطلب فيه رفع الصوت على ما كان في السابق ، لأن مكبرات الصوت تأتي بالمقصود ، وتفهم دون المبالغة في رفع الصوت .

  ويجاب عن هذا القول بأنه لابد من مراعاة أمرين هنا: 

الأمر الأول : أن الفقهاء استحبوا رفع الصوت مطلقاً دون المبالغة في علوه ، وهذا سببه ظاهر ، وهو من أجل إسماع الحضور، ولعدم وجود مكبرات في الصوت في ذلك الحين .

الأمر الثاني : أن هناك رفعاً للصوت مستحباً حال الخطبة بحيث يبالغ في رفعه، وذلك أمر زائد على مجرد الإسماع ، بل هو مقترن بالغضب والفزع والإنذار ، وهذا لا يكون في جميع الخطبة .   والعلم عند الله تعالى .

 58- قراءة سورة ( ق ) وهل تقرأ في كل جمعة أم لا ؟ : 

 ثبت عند مسلم في صحيحه من حديث أم هشام بنت حارثة رضي الله عنها قالت : ما أخذت : { ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس (736) .

وقد اتفق أهل العلم على مشروعية قراءة سورة ( ق ) على المنبر في خطبة الجمعة ، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى أبعد من ذلك ، حيث قالوا بمشروعية قراءتها في كل جمعة ، وممن ذهب إلى ذلك النووي والصنعاني وغيرهما .

فقد قال النووي عن حديث أم هشام : وفيه استحباب قراءة ( ق ) أو بعضها في كل خطبة (737) . اهـ . وقال الصنعاني بمثل قول النووي (738) .

قلت : ووجه الدلالة على أن المراد عموم الجمع في قول النووي والصنعاني ، هو أن لفظة " جمعة " نكرة في سياق الإثبات ، وهي لا تفيد العموم ، ولكنها أفادت العموم في هذا الحديث بدخول لفظة " كل " عليها ولكن يظهر لي والله أعلم : أن هذا الحديث هو من العام المخصوص ، بدليل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم   أنه خطب خطباً كثيرة ليس فيها ذكر سورة ( ق ) .

فقد روى ابن ماجة بإسناد حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قرأ يوم الجمعة تبارك ، وهو قائم .. ) (739) .

ورواه أحمد بلفظ (( قرأ يوم الجمعة براءة وهو قائم )) (740) .

وروى أبو داود في سننه عن أبي سعيد قال : (( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم   وهو على المنبر ( ص ) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه )) (741) قال العراقي : وإسناده صحيح . نقل ذلك الشوكاني في نيل الأوطار (742).

وقال الشوكاني بعد ذكر أحاديث كثير لا تخلو من مقال في قراءة سورة من القرآن على المنبر ما نصه : والظاهر من أحاديث الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يلازم قراءة سورة أو آية مخصوصة في الخطبة ، بل كان يقرأ مرة هذه السورة ومرة هذه ، ومرة هذه الآية ومرة هذه (743) . والله أعلم .

 59- تلفظ الخطيب بقوله : ( سيدنا محمد ) في الخطبة : 

اعتاد بعض الخطباء في خطبهم حين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : اللهم صل على سيدنا محمد .. الخ .

والحاصل : أن لفظة سيدنا لم ترد في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، ولكن لو أتى بعضهم بلفظة ( سيدنا ) حال التشهد في الخطبة ، كأن يقول : وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، لكان أخف من الأول ؛ لأنه ليس من باب الصلاة عليه ، وإنما هو من باب الشهادة والإخبار .

ثم إن هذا الأمر الثاني يعترضه حالتان :

الحالة الأولى : جوازه على الإطلاق ، لقوله صلى الله عليه وسلم (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة )) رواه مسلم(744) .

ولكن يشكل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا تفضلوني على موسى .... )) الحديث . أخرجاه في الصحيحين (745) .

والجواب عن هذا : هو أن النهي إنما هو في التفصيل على وجه التخصيص ، أي لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه ، بخلاف قوله : (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة )) (746) فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه (747) .

الحالة الثانية : أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : أنت سيدنا فقال : (( السيد الله تبارك وتعالى )) رواه أبو داود بسند جيد (748) .

وقد قال ابن القيم في بدائع الفوائد : اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر ، فمنعه قوم ، ونقل عن مالك ، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لما قيل له ( يا سيدنا ) قال : السيد الله تبارك وتعالى )) وجوَّزه قوم ، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار (( قوموا إلى سيدكم )) (749) وهذا أصح من الحديث الأول (750) . اهـ .

وقد سئل العلامة بن إبراهيم مفتي الديار السعودية رحمه الله عن الإتيان بلفظة ( سيدنا محمد ) في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فقال ما خلاصته : لا يخفى أن الاقتصار على ما ورد في الأحاديث ، وما جاء عن سلف هذه الأمة وأئمتها أولى وأفضل وأكمل ، ولاسيما إذا كان ذلك في نفس الصلاة ، فلا ينبغي أن يأتي في الصلاة بألفاظ غير ما ورد . فإن كان خارج الصلاة فهو أيسر ، وتركه أولى على كل حال . وعلى كل فهذه الكلمة لم ترد عن السلف ، فمن تركها فقد أحسن ، ومن قالها فلا ينهى عنها نهياً مطلقاً ، بل يرغب بما هو الأفضل ، وهذا لا يغض من قدر نبينا صلوات الله وسلامه عليه ، فإن له عند المسلمين من المنزلة والمحبة والتعزير والتوقير ما لا يعلمه إلا الله – بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم – وهو بلا شك سيدنا وسيد جميع الخلق ، ولكن اقتران هذه الكلمة بالصلاة عليه دائماً باستمرار لا نراه ، لأنه لم يرد بهذه الصفة . والله أعلم (751) . اهـ .

 60- استحباب قول : (( أما بعد )) في الخطبة : 

ذهب جماعة من المحققين إلى استحباب قول الخطيب بعد الحمد والثناء :"أما بعد" (752) ، وذلك تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم .

وقد قال بذلك جماعة من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية (753) ، وتلميذه ابن القيم (754) .

فقد قال شيخ الإسلام : ويخاطب الناس بقوله : أما بعد . اهـ .

وبه قال النووي (755) ، والحافظ ابن حجر (756) ، والصنعاني (757) ، وجماعة .

       وقد عقد البخاري في صحيحه باباً في استحبابه فقال : " باب من قال في الخطبة بعد الثناء : " أما بعد (758) " وذكره فيه جملة من الأحاديث .

قال الصنعاني: وظاهره أنه صلى الله عليه وسلم كان يلازمها في جميع خطبه.اهـ(759)

قال الحافظ ابن حجر : وقد كثر استعمال المصنفين لها بلفظ ((وبعد)) ومنهم من صدر بها كلامه فيقول في أول الكتاب: أما بعد حمد الله فإن الأمر كذا ولا حجر في ذلك(760) اهـ 

قال سيبويه : " أما بعد " معناها مهما يكن من شيء بعد .

وقال أبو إسحاق الزجاج : إذا كان الرجل في حديث فأراد أن يأتي بغيره قال : أما بعد ، وهو مبني على الضم ، لأنه من الظروف المقطوعة عن الإضافة (761) .

قلت : وقد اختار ابن مالك ما ذهب إليه سيبويه فقال في الخلاصة :

أما كمهما يكن من شيء وفا   *** لتلو تلوها وجوباً ألفاً (762)

وقد اختلف أهل العلم في أول من قالها فقيل : داود عليه السلام فيما رواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري (763) ، وفي إسناده ضعف ، كما قال الحافظ في الفتح (764) .

وقيل : أنه يعقوب عليه السلام ، رواه الدار قطني في غرائب مالك كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر . وقيل غير ذلك .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : والأول أشبه (765) . اهـ . يعني داود عليه السلام ، وعلى هذا جماعة من المفسرين .

 61- حكم التابع لكلمة : (( أما بعد ))  : 

إن بعض الخطباء يوردون هذه الكلمة في افتتاح خطبهم ولكنهم لا يتبعونها بالفاء على الدوام أو في أكثر الأحيان . فمثلاً يقول بعضهم : أما بعد ، أيها الناس . ولعل الأظهر في هذا أن يقال : أما بعد ، فيا أيها الناس لأمرين :

الأمر الأول :

أنه هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه حيث كان يقول في خطبته (( أما بعد ، فإن خير الحديث كتاب الله .. )) الحديث رواه مسلم والنسائي من حديث جابر (766) .

الأمر الثاني :

أنه هو المقدم عند بعض المحققين من النحويين . فقد قال ابن مالك في الخلاصة :

أما كمهما يكن من شيء وفا   *** لتلو تلوها وجوباً ألفاً

أي أن الفاء تأتي تالية لكلمة ( بعد ) التي هي تلي كلمة ( أما ) وأن هذا يكون للوجوب كما هو مألوف . هذا معنى ما أراده ابن مالك هنا .

وقد خالفه في ذلك ابن عقيل فذكر في شرحه أن هذه الفاء تأتي بقلة كقوله صلى الله عليه وسلم : (( أما بعد ، ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله )) رواه البخاري (767) . وقال بعض أهل العلم : إن هذا الحديث جاء على تقدير القول . والتقدير هو : أما بعد ، فأقول ما بال رجال ... (768) الحديث ، والعلم عند الله تعالى .

 62- بماذا تضبط كلمة وخير ( الهدي ) هدي محمد صلى الله عليه وسلم ؟ : 

للخطباء حول نطق كلمة ( الهدي ) توجهان ، فالبعض منهم ينطقها بفتح الهاء وسكون الدال ، والبعض الآخر ينطقها بضم الهاء وفتح الدال ، والواقع أن كلا النطقين صحيح حسب ما ذكره أهل العلم في هذا ، حيث إن كلامهم عن هذه المسألة منطلق من حديث قد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبدالله قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه ، وعلا صوته ، واشْتد غضبه حتّى كأنه منذِرُ جيش ، يقول : صبَّحكم ومسَّاكم . ويقول : (( بعثت أنا والساعة كهاتين )) ويقرن بين إصبعيه السَّبابة والوسطى . ويقول : أما بعد ، فإن خير الحديث كتابُ الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة ، ثم يقول : (( أنا أوْلى بكل مؤمن من نفسه ، فمن ترك مالاً فلأهله ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليَّ )) (769) .

وقال القاضي عياض : رويناه هنا – أي في مسلم – بضم الهاء فيهما وفتح الدال ، فمعناه الدلالة ، وروينا الحرف في غير الكتاب : (( خير الـهَدْي )) فتح الهاء فيها وسكون الدال . وفي هذا الكتاب أدخله الهروي وفسره بالطريق ، أي أن أحسن الطريق طريق محمد ، يقال : فلان حسن الهَدْي ، أي الطريقة والمذهب في الأمور كلها والسيرة ومنه (( اهدوا هدي عمار )) (770) . اهـ .

قال النووي رحمه الله : وقوله "خير الهُدَى هُدَى محمد" هو بضم الهاء وفتح الدال فيهما ، وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضاً ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين(771). اهـ . وقال : وكلاهما صحيح ، فمن فتح فمعناه الطريقة والأخلاق ، ومن ضمَّ فمعناه الإرشاد (772) . اهـ .

 63- أمر الخطيب للداخل أن يصلي ركعتين : 

قد يلاحظ الخطيب أثناء خطبته مصلين يدخلون المسجد بعد ابتدائه بالخطبة ، ثم يجلسون ولا يصلون ركعتين تحية المسجد ، فهل للخطيب أن يقطع خطبته ويأمر الداخل بأن يصلي ركعتين أو لا ؟ .

اختلف أهل العلم في ذلك على قولين :

القول الأول :

قالوا : على الخطيب إذا رأى الداخل قد جلس فلم يصل ركعتين أن يأمره بأن يصليهما . وبهذا قال الشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم (773) .

واستدلوا على ذلك بما رواه مسلم من حديث جابر بن عبدالله قال : جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة يخطب ، فقال له (( أركعت ركعتين ؟ )) قال : لا ، فقال : (( اركع )) (774) .

وبما رواه مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما )) (775) .

القول الثاني :

قالوا : إن الخطيب لا ينبغي له أن يأمر الداخل بصلاة ركعتين ، ولا ينبغي للداخل أن يصلي ركعتين والإمام يخطب . وهذا قول أبي حنيفة ومالك وغيرهما (776) .

ودليلهم في ذلك هو قوله تعالى : { فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } سورة الأعراف ، آية ( 204 ) والصلاة تفوِّت الاستماع والإنصات ، فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السنة ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذين جاء يتخطى رقاب الناس (( اجلس فقد آذيت وآنيت )) رواه ابن ماجة (777) . قال البوصيري في زوائد سنن ابن ماجه : هذا إسناد رجاله ثقات ، وله شاهد من حديث عبدالله بن بسر رواه أبو داود والنسائي والبيهقي (778) .

واحتجوا كذلك بما رواه الطبراني من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( إذا دخل أحدكم المسجد والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام )) قال الهيثمي : وفيه أيوب بن نهيك ، وهو متروك ضعَّفه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال : يخطئ (779) . اهـ .

قلت : ولكن هذا القول خلاف الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي هي نص المسألة .

وأما حديث أمره للرجل بقوله : " اجلس " فهو قضية عين ، يحتمل أن يكون الموضع يضيق عن الصلاة ، أو يكون في آخر الخطبة بحيث لو تشاغل للصلاة فاتته تكبيرة الإحرام ، كما ذكر ذلك ابن قدامة (780) .

قلت : ويزاد على قول ابن قدامة ، أن هذا الداخل ربما كان قد صلى ثم قام فتقدم وتخطى رقاب الناس .

وأما حديث ابن عمر فقد قال عنه النووي : غريب ، ولو صحَّ لحمل على ما زاد على ركعتين جمعاً بين الأحاديث (781) . اهـ .

 64- إذا كان الخطيب مبتدعاً فما حكم الصلاة خلفه ؟ : 

قال في نهاية المحتاج : ويحرم على الإمام كما قاله الماوردي نصب الفاسق إماماً في الصلوات ؛ لأنه مأمور بمراعاة المصالح ، وليس منها أن يوقع الناس في صلاة مكروهة (782). اهـ

وقد اتفق أهل العلم على أنه لا تجوز الصلاة خلف الكافر ، ولا خلف المبتدع الذي يكفر ببدعته، ثم اختلفوا في حكم إعادة الصلاة، والصحيح في ذلك وجوب الإعادة كما ذكر ذلك النووي، وابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية (783)، وغيرهم .   

وأما إذا كان الخطيب مبتدعاً بدعة لا تخرجه من الملة، فإليك أقوال أهل العلم في هذا المسألة:

قال الشافعي رحمة الله : ومن صلى صلاة من بالغ مسلم يقيم الصلاة أجزأته ومن خلفه صلاتهم ، وإن كان غير محمود الحال في دينه ، أي غاية بلغ يخالف الحمد في الدين ، وقد صلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خلف من لا يحمدون فعاله من السلطان وغيره(784) .ا هـ

قال الماوردي معلقاً على كلام الشافعي السابق : وهذا صحيح ، وقد نص الكلام عليه ، وذكرنا أن من ائتم بفاسق لم يعد وأجزأته صلاته إذا لم يخرج نفسه من الملة...؛ ولأن كل من صحت إمامته في النافلة صحت في الفريضة كالعدل. وروى جعفر بن محمد أنه قيل له : أكان الحسن والحسين إذا صليا خلف مروان بن الحكم يعيدان الصلاة ؟ فقال: لا، ما كانا يزيدان على الصلاة معه غير النوافل(785) .ا هـ    

وروى النسائي بسنده عن أبي العالية قال : أخَّر زياد الصلاة فأتاني ابن صامت فألقيت له كرسيّاً فجلس عليه ، فذكرت له صنع زياد فعضَّ على شفتيه وضرب على فخذي وقال : إني سألت أبا ذركما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال: إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك، فقال عليه الصلاة والسلام : ((صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركت معهم فصلِّ ، ولا تقل إني صليت فلا أصلي)) (786).

وقد روى البيهقي في باب الصلاة خلف من لا يحمد فعله بسنده عن عبد الكريم البكاء قال : " أدركت عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يصلي خلف أئمة الجور(787) " .

وقد بوَّب ابن المنذر في كتابه الأوسط باباًً فقال : ذكر وجوب حضور الجمعة الأئمة الجور والصلاة خلفهم، ثم قال: قال جلَّ ذكره: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } الآية ، سورة الجمعة ، آية ( 9 ) . فظاهر هذه الآية توجب السعي إذا نودي للصلاة من الجمعة في كل وقت وزمان، ليس لأحد أن يستثني وقتاً دون وقت ، ولا إماماً دون إمام إلا بحجة، وقال عثمان بن عفان وهو محصور: إن الصلاة من أحسن ما عمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن، وإذا أساءوا فلا تسئ، وقال أبو عبيد: شهدت العيد مع علي وعثمان محصور ، واعتزل ابن عمر منى في قتال ابن الزبير، فصلى مع الحجاج، وقال ابن عمر: الصلاة حسنة لا أبالي من يشاركني فيها. والأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن التابعين في هذا الباب تكثر.(788) ا هـ 

وقال النووي : ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم، ومنا كحتهم ، وموارثتهم ، وإجراء سائر الأحكام عليهم ... قال ابن المنذر: أجاز الشافعي الصلاة خلف من أقامها- يعني من أهل البدع - وإن كان غير محمود في دينه، وأن حاله أبلغ في مخالفة حد الدين . هذا لفظه. قال ابن المنذر : إن كفر ببدعة لم تجز الصلاة وراءه ، وإلا فتجوز وغيره أولى (789) . اهـ      

       وقال في نهاية المحتاج : والعدل أولى بالإمامة من الفاسق ... وإنما صحت - أي إمامة  الفاسق-لخبر الشيخين أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج، قال الإمام الشافعي: وكفى به فاسقاً . وتكره - أي الصلاة – خلفه وخلف مبتدع لا يكفر ببدعته (790). اهـ    

قال ابن قدامة : فأما الجمع والأعياد فإنها تصلى خلف كل بر وفاجر . وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة، وكذلك العلماء الذين في عصره... قال أحمد : أما الجمة فينبغي شهودها، فإن كان الذي يصلي منهم أعاد ، وروي عنه أنه قال: من أعاد فهو مبتدع . وهذا يدل بعمومه على أنها لا تعاد خلف فاسق ولا مبتدع ؛ لأنها صلاة أمر بها ، فلم تجب إعادتها كسائر الصلوات(791) .اهـ   

قلت : وأما ما عدا الجمعة والأعياد فقد فرَّق ابن قدامة فيها بين منْ يظهر بدعته ويدعو إليها فعليه الإعادة، وبين من لم يظهر ذلك فلا إعادة على المؤتم به... الخ (792) . اهـ.

وقال المرداوي : لو غلب الخوارج على بلد ، فأقاموا فيه الجمعة، فنصَّ أحمد على جواز. اتباعهم . قاله ابن عقيل . قال القاضي : ولو قلنا : من شرطها الإمام ، إذا كان خروجهم بتأويل سائغ . وقال ابن أبي موسى : إذا غلب الخارجي على بلد وصلى فيه الجمعة ، أعيدت ظهراً .(793) اهـ

وذكر المرغيناني في الهداية أن المذهب عند الحنفية هو صحة الصلاة خلف الفاسق مطلقاً(794) . اهـ

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الصلاة خلف المبتدع ، فأجاب قائلاً: ولو علم المأمون أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته ، أو فاسق ظاهر الفسق ، وهو الإمام الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين ، والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك ، فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف ، وهو مذهب أحمد ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وغيرهم . ولهذا قالوا في العقائد : إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام برّاً كان أو فاجراً .

وقال شيخ الإسلام أيضاً : ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة .. فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون ، كما كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ، وابن مسعود وغيره يصلون خلف الوليد ابن عقبة ، وكان يشرب الخمر ، حتى إنه صلى بهم مرة الصبح أربعاً ثم قال : أزيدكم ؟ فقال ابن مسعود : ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة ، ولهذا رفعوه إلى عثمان . وفي صحيح البخاري (795) أن عثمان رضي الله عنه لما حُصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان فقال : إنك إمام عامة وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة ؟ فقال : يا ابن أخي ، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسنوا فأحسن معهم ، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم ، ومثل هذا كثير (796) . اهـ .

وسئل أيضاً عن خطيب قد حضر صلاة الجمعة فامتنعوا عن الصلاة خلفه لأجل بدعة فيه ... ؟

فأجاب : ليس لهم أن يمنعوا أحداً من صلاة العيد والجمعة وإن كان الإمام فاسقاً ، وكذلك ليس لهم ترك الجمعة ونحوها لأجل فسق الإمام ، بل عليهم فعل ذلك خلف الإمام وإن كان فاسقاً ، وإن عطلوها لأجل فسق الإمام كانوا من أهل البدع ، وهذا مذهب الشافعي ، وأحمد ، وغيرهما . وإنما تنازع العلماء في الإمام إذا كان فاسقاً أو مبتدعاً وأمكن أن يصلي خلف عدل . فقيل : تصح الصلاة خلفه وإن كان فاسقاً . وهذا مذهب الشافعي ، وأحمد في إحدى الروايتين ، وأبي حنيفة ، وقيل : لا تصح خلف الفاسق إذا أمكن الصلاة خلف العدل ، وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد (797) . والله أعلم . اهـ .

قال أبو جعفر الطحاوي في معتقده : (( ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم )) اهـ .

قلت : وقد شرح ابن أبي العز الحنفي هذا الكلام بنفس كلام شيخ الإسلام السابق فارجع إليه في شرحه للطحاوية (798) .

وقد روى ابن أبي شيبة بسنده عن الأعمش قال : كان أصحاب عبدالله يصلون مع المختار الجمعة ويحتسبون بها .

وروى بسنده أيضاً : أن أبا وائل جمع مع المختار (799) . اهـ .

 65- إذا كان الخطيب من مذهب غير مذهب المأمومين  : 

لقد تكلم بعض أهل العلم عن هذه المسألة في كتبهم ، وأسهبوا في ذكرها مع نقل الأدلة وأقوال السلف في ذلك ، ولعل من المناسب هنا أن أختصر ما ذكره أهل العلم في ذلك من خلال نقل كلام شيخ الإسلام حول هذه المسألة ، فقد جمع فيها فأوعى حيث قال بعد سؤاله عن مثل هذا ؟ أي عن صلاة الرجل خلف إمام من مذهب غير مذهبه .

فأجاب بما حاصله : الحمد لله . نعم تجوز صلاة بعضهم خلف بعض ، كما كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، ومن بعدهم من الأئمة الأربعة ، يصلي بعضهم خلف بعض ، مع تنازعهم في هذه المسألة المذكورة وغيرها ، ولم يقل أحد من السلف : إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض ، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة ، وإجماع سلف الأمة وأئمتها ، وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم : منهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها ، ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها ، وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت ، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ... ومع هذا كان يصلي بعضهم خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سرّاً ولا جهراً ، وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ ، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد .

وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف ، فقيل له : فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ تصلي خلفه ؟ فقال : كيف لا ؟! أصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك (800) . اهـ .

ثم قال أيضاً : وبالجملة فهذه المسائل لها صورتان :

إحداهما : ألا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة ، فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم . وليس في هذا خلاف متقدم ، وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين فزعم أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح وإن أتي بالواجبات ، لأنه أداها وهو لا يعتقد وجوبها .. ولهذا لا يعتد بخلاف مثل هذا فإنه ليس من أهل الاجتهاد .

الصورة الثانية : أن يتيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده ، مثل أن يمس ذكره ، أو النساء بشهوة ، أو يحتجم أو يفتصد ، أو يتقيأ ، ثم  يصلي بلا وضوء ، فهذه الصورة فيها نزاع مشهور : فأحد القولين : لا تصح صلاة المأموم ، لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه كما قال ذلك من قاله من أصحاب أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد .

والقول الثاني : تصح صلاة المأموم ، وهو قول جمهور السلف وهو مذهب مالك ، وهو القول الآخر في مذهب الشافعي وأحمد بل وأبي حنيفة ، وأكثر نصوص أحمد على هذا ، وهذا هو الصواب لما ثبت في الصحيح (801) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم )) (802) . اهـ .

 66- حكم النعي على المنبر : 

النعي هو : خبر الموت يقال : نعاه نعياً بالضم ، والناعي هو الذي يأتي بخبر الموت فيذيع به ويخبر به ويندبه ، والمشهور في العربية أن العرب كانوا إذا مات منهم شريف أو قتل بعثوا راكباً إلى القبائل ينعاه إليهم يقول : نعاءِ فلاناً أو يا نعاء العرب : أي هلك فلان (803) .

ثم اعلم أن هذه المسألة – أي النعي على المنبر – متفرعة عن أصلها وهي حكم النعي في الإسلام ، وحاصل كلام أهل العلم حول النعي هو كالتالي :

روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث حذيفة رضي الله عنه: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن النعي )) (804) قال الحافظ ابن حجر : إسناده حسن (805) .

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إياكم والنعي ، فإن النعي عمل الجاهلية )) . رواه الترمذي (806) مرفوعاً هكذا ، ورواه موقوفاً وذكر أنه أصح .

قال الشوكاني : " حديث ابن مسعود في إسناده أبو حمزة ميمون الأعور وليس بالقوى عند أهل الحديث ، وقد اختلف في رفعه ووقفه ، ورجَّح الترمذي وقفه وقال : إنه حديث غريب (807) .

ثم إن الترمذي قد فسر النعي بأنه عندهم أن ينادي في الناس أن فلاناً مات ليشهدوا جنازته . وقال بعض أهل العلم : " لا بأس أن يعلم الرجل أهل قرابته " ، وروي عن إبراهيم أنه قال : " لا بأس بأن يعلم الرجل قرابته (808) . اهـ .

قال الحافظ ابن حجر : " إنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه ، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق " (809) . اهـ .

قلت : هذا فيما يخص المنع من العني . وهناك ما يدل على الإذن فيه ، فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، خرج إلى المصلى فصف بهم وكبَّر أربعاً))(810).

وأخرج البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب – وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم لتذرفان (811) – ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له )) (812) .

وللجمع بين أحاديث المنع وأحاديث الإذن يقول الحافظ ابن حجر : (( ليس ممنوعاً كله " ، ثم ذكر عن ابن المرابط قوله : " إن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله ، لكن في تلك المفسدة مصالح لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره ، والصلاة عليه ، والدعاء له ، والاستغفار ، وتنفيذ وصاياه ، وما يترتب على ذلك من الأحكام .

وأما نعي الجاهلية فقال سعيد بن منصور أخبرنا ابن علية عن ابن عون قال : قلت لإبراهيم : " أكانوا يكرهون النعي ؟ قال : نعم . قال ابن عوف : كانوا إذا توفي الرجل ركب رجل دابة ثم صاح في الناس : أنعي فلاناً " .

قال الحافظ ابن حجر: وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره . فإن زاد على ذلك فلا .

قال ابن العربي : يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات :

الأولى : إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح ، فهذا سنة .

الثانية : دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره .

الثالثة : الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم (813) .

وقال الصنعاني رحمه الله : " ومنه النعي من أعلى المنارات كما يعرف في هذه الأعصار في موت العظماء (814) " . اهـ .

وقال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز حينما سئل عن حكم النعي في الجرائد فأجاب : " هو محل نظر ؛ لما فيه من التكلف غالباً ، وقد يباح إذا كان صدقاً وليس تكلفاً ، وتركه أولى وأحوط (815) . اهـ .

وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز وعضوية الشيخ عبدالله بن غديان والشيخ عبدالله بن قعود عن حكم الإعلان بوفاة ميت على سبورة موضوع في المسجد .

فأجابت اللجنة : " لا ينبغي اتخاذ لوحة في المسجد للإعلان فيها عن الوفيات وأشباهها ، ذلك لأن المساجد لم تبن لهذا (816) . اهـ .

وقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية رحمه الله حينما سئل : " إذا وقف على أهل المسجد وقال : فلان مات . فقال : هذا من نعيه (817) " . اهـ .

وقد تحدث الشيخ الألباني معدداً ما يحرم على أهل الميت ، فذكر من ذلك : الإعلام عن موته على رؤوس المنابر ونحوها ، لأنه من النعي ... (818) .

قلت : هذا خلاصة حاصل هذه المسألة حول النعي عموماً ، ويفهم من ذلك أن المساجد ليست محلاً للنعي فضلاً عن أن يكون في الخطبة أيضاً والتي هي الحمد والثناء والوعظ والتذكير . فالذي يظهر – والله أعلم – أنه لا يجوز الإعلان عن الوفاة من قبل الخطيب للأدلة الماضية وأقوال أهل العلم فيها ، ولئلا تكون ذريعة إلى صيرورة المنابر محلاً لنعي الموتى فيتسع الأمر إلى أن يصبح عادة ، فتطغي على ما شرعت الخطبة لأجله ، وإن كان ثم استثناء للنعي في هذه المسألة فإنه يكون لموت العظماء كالسلاطين والعلماء ممن لهم بين المسلمين عموماً فضل ولاية أو إمامة علم ، كما قالوا مثل ذلك في الصلاة على الغائب، والعلم عند الله تعالى.

 67- رثاء الميت على المنبر : 

هذه المسألة تختلف عن مسألة النعي السابقة ؛ لأن النعي هو الإخبار بالوفاة ، وأما الرثاء فهو تعداد محاسن المتوفى وذكر فضائله . والرثاء من رثيت الميت مرثية ورثوته أيضاً ، إذا بكيته وعددت محاسنه ، وكذلك إذا نظمت فيه شعراً (819) .

ثم إن طبيعة العربي تميل إلى كونه حساساً إلى درجة أن ألم الفَقْدِ يدفعه فينطق لسانه ببيان محامد من فقده ، وموضع الآلام في نفسه ، والرثاء ميدان واسع للقول البليغ ، يكشف فيه اللسان عن ألم اللوعة وحزها في النفس ، إذ ينفتق بما انفطر به القلب ، وانشقت المرائر لاسيما إذا كان المتوفى من العظماء المخلصين من الولاة والعلماء ممن تثلب الأمة بوفاتهم .

والواقع أنني لم أقف على ما يكون شافياً كافياً من كلام أهل العلم حول هذه المسألة التي هي رثاء الميت ، غير أنها قد تندرج في كلامهم بعض الأحيان من خلال حديثهم عن مسألة النياحة والحديث عنها . وسأذكر هنا ما وقفت عليه من كلام أهل العلم على وجه الاختصار للإفادة ؛ فأقول وبالله التوفيق :

قال البخاري في صحيحه: باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد ابن خولة (820) .

وذكر بسنده عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي ، فقلت : إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة ، أ فأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا . فقلت: بالشطر ؟ فقال : لا . ثم قال : الثلث والثلث كبير – أو كثير – إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك ، فقلت : يا رسول الله ، أخلف بعد أصحابي ؟ قال : (( إنك لن تخلف فتعمل عملاً صالحاً إلا ازددت به درجة ورفعة ، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ، اللهم امض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد ابن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة " .

قال الحافظ ابن حجر : " الرثاء بكسر الراء وبالمثلثة بعدها مدة ، مدح الميت وذكر محاسنه . قال الإسماعيلي معترضاً على البخاري : " ليس هذا من مراثي الموتى ، وإنما هو من التوجع ، يقال : رثيته إذا مدحته بعد موته ، ورثيت له إذا تحزنت عليه " (821) . اهـ .

قال الحافظ : " ويمكن أن يكون مراد البخاري هذا بعينه كأنه يقول ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم ، فهو من التحزن والتوجع وهو مباح ، وليس معارضاً نهيه عن المراثي ، التي هي ذكر أوصاف الميت الباعثة على تهيج الحزن وتجديد الولعة " وهذا هو المراد بما أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم من حديث عبدالله بن أبي أوفى قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المراثي " (822) وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ : " نهانا عن المراثي " (823) . ولا شك أن الجامع بين الأمرين التوجع والتحزن (824) . اهـ .

ونقل ابن الجوزي عن ابن عقيل قال : " حضرنا عزاء رجل قد مات له ولد ، فقرأ المقرئ { يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ } ، فقلت له : هذه نياحة بالقرآن (825) . اهـ .

وقال جمال الدين القاسمي : " جاء في الفصول من كتب الحنابلة تحريم النحيب وتعداد المحاسن والمزايا وإظهار الجزع ، لأن ذلك يشبه التظلم من الظالم وهو عدل من الله تعالى . وقال الشيخ تقي الدين : وما هيج المصيبة من وعظ أو إنشاد شعر فمن النياحة " . نقله في شرح الإقناع .

وفي فتاوى ابن حجر : إن المراثي التي تبعث على النوح وتجديد الحزن – كما يصنعه الشعراء في عظماء الدنيا ، وينشد في المحافل عقب الموت – فهي نياحة محرمة بلا شك نقله الأذرعي . وقال ابن عبدالسلام : بعض المراثي حرام كالنواح ؛ لما فيه من التبرم بالقضاء ، إلا إذا ذكر مناقب عالم ورع أو صالح للحث على سلوك طريقته وحسن الظن به (826) " . اهـ.

وفي مسائل أبي داود قال : قلت لأحمد : " أولياء الميت يقعدون في المسجد يعزون ؟ قال : أما أنا فلا يعجبني ، أخشى أن يكون تعظيماً للميت أو قال للموت (827) " .

قلت : يفهم من كلام أحمد أن ما كان سبيلاً إلى تعظيم الميت فإنه يتحرج منه ، ومن ذلك التعزية في المسجد ، فمن باب أولى الحديث عنه في المسجد ، أو على المنبر بجامع خشية التعظيم .

وقال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز حينما سئل عن القصائد التي فيها رثاء للميت هل هي من النعي المحرم ؟ .

فأجاب : " ليست القصائد التي فيها رثاء للميت من النعي المحرم ، ولكن لا يجوز لأحد أن يغلو في أحد ويصفه بالكذب كما هي عادة كثير من الشعراء (828) . اهـ .

وقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم : "النياحة أنواع: منها تعديد فضائل الميت على وجه التفجع ، ومنها الصراخ والصوت بالبكاء ، ومنه شق الجيوب ، وجعل الرماد على الرأس ، أو حثو التراب أو التخبيط على الجسد ، ونحو ذلك مما يظهر منه الجزع على المصيبة (829) " . اهـ .

وقد تحدث الحافظ ابن حجر حول حديث البخاري في قصة وفاته صلى الله عليه وسلم وقول فاطمة رضي الله عنها : " يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه .. الحديث " (830) ، فقال: " ويؤخذ من قول فاطمة .. الخ جواز ذكر الميت بما هو متصف به إن كان معلوماً . قال الكرماني : " ليس هذا من نوح الجاهلية من الكذب ورفع الصوت وغيره ، إنما هو ندبة مباحة (831). اهـ.

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن قول فاطمة رضي الله عنها : يا أبتاه .. الخ : استدل به بعض أهل العلم على أن القليل من الندب إن كان على سبيل الحقيقة جاز (832) . اهـ .

قال الشوكاني رحمه الله : " وعلى فرض صدق اسم النوح في لسان الشارع على مثل هذا ، فليس في فعل فاطمة وأبي بكر (833) دليل على جواز ذلك ، لأن فعل الصحابة لا يصلح للحجية كما تقرر في الأصول ، ويحمل ما وقع منهما على أنهما لم يبلغهما أحاديث النهي عن ذلك الفعل ، ولم ينقل أن ذلك وقع منهما بمحضر جميع الصحابة حتى يكون كالإجماع منهم على الجواز لسكوتهم عن الإنكار : والأصل أيضاً عدم ذلك (834) " . اهـ .

وقال الشيخ صالح الفوزان : " أما الإعلام بموت الميت على صفة الجزع وتعداد مفاخره ، فذلك من فعل الجاهلية ، ومنه حفلات التأبين وإقامة المآتم (835) " . اهـ .

قلت : هذا مختصر حول ما يتعلق برثاء الميت ، وهو غير مخصوص بما يكون على المنبر بل هو عام كما ترى .

والذي يظهر لي – والله أعلم – من خلال ما سبق ذكره ، أنه يفرق بين من يرثى بعد وفاته مباشرة على وجه الجزع والتحزن والتضجر ، وذلك يتضح من خلال معاني المراثي سواء ما كان منها شعراً أو نثراً . هذا في الأوقات الاعتيادية ، أما إذا كان على المنابر فيتضح ذلك من خلال عرض الخطيب وأسلوبه في تعداد محاسن الميت ، وذلك برفع الصوت مثلاً أو الصراخ أو البكاء أو الإيضاح بهلاك الناس ، أو ضعيف الدين بعد وفاته ونحو ذلك ، فيحتمل أن يكون هذا النوع من الرثاء أقرب إلى المنع ، وإلى أنه هو المقصود في الحديث ، لاسيما إذا كان فيه مغالاة أو تعظيم خارج عن المقصود كما مرَّ معنا .

وأما إذا كان الرثاء غير متصل بوفاته مباشرة بحيث ليس المراد منه تهييج المصيبة أو إثارة الحزن كما قال شيخ الإسلام ، وإنما المراد منه ذكر فضائله ومحاسنه من باب الدعاء له والتأسي به ، فعلى هذا يحمل قول من أجاز ذلك بهذه الشروط ، ولا شك أن هذه المسألة من الأمور المنتشرة في هذا الوقت . والذي أراه هو المنع من المبالغة في ذلك ، أو اتفاق الخطباء في الخطبة عن أحد الموتى في وقت واحد ، أو أوقات متقاربة خشية الوقوع في الغلو ، لاسيما وأن الخطبة عبادة محضة منع بعض أهل العلم فيها من الدعاء لمعين كسلطان ونحوه . وما ذاك إلا لما يرون من أن الخطبة ليست محلاً للحديث عن أشخاص بأعينهم إذ لم تكن عادة السلف على هذا ، مع ما يكون من وفيات لعظماء الإسلام من خلفاء وأئمة علماء ، فالنعي حينئذ يكون من باب أولى . والله أعلم .

 68- التعريض في الخطبة ومفهومه : 

التعريض في اللغة من عرَّض ، وهو خلاف التصريح ، يقال : عرَّضت لفلان وبفلان إذا قلت قولاً وأنت تعنيه ، ومنه المعاريض في الكلام ، وهي التورية بالشيء عن الشيء (836).

وقال القرطبي في تفسيره : " هو إفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره ، وهو من عرض الشيء وهو جانبه ، فكأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره " (837)  . اهـ .

قلت : المعلوم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعرض في خطبه ولا يصرح ، والأدلة على هذا متوافرة ، فمنها على سبيل المثال ما رواه البخاري ومسلم من حديث الإفك ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي ، والله ما علمت في أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً ، وما يدخل على أهلي إلا معي )) الحديث (838) .

ومنه ما رواه الشيخان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وفيه (( فقام خطيباً فقال : بلغني أن أقواماً يقولون كذا وكذا ، والله لأنا أبر وأتقى لله منهم .. )) الحديث (839) .

وقد عقد البخاري باباً في صحيحه فقال : باب من لم يواجه الناس بالعتاب . وذكر بسنده عن عائشة قالت : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً رخص فيه ، فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال : (( ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية )) (840) .

قال الحافظ ابن حجر : " ما بال أقوام " في رواية جرير " ما بال رجال " قال ابن بطال : هذا لا ينافي الترجمة ، لأن المراد بها المواجهة مع التعيين كأن يقول : ما بالك يا فلان تفعل كذا ، وما بال فلان يفعل كذا ، فأما مع الإبهام فلم تحصل المواجهة وإن كانت صورتها موجودة وهي مخاطبة من فعل ذلك ، لكنه لما كان من جملة المخاطبين ولم يميز عنهم صار كأنه لم يخاطب . اهـ(841) .

قلت : وبهذا يتضح أن التعريض أبلغ من التصريح وأعظم تأثيراً في القلب ، وأدعى إلى التنبيه للخطأ مع ما فيه من مراعاة حرمة المخاطب بترك المجاهرة بالتوبيخ ، بخلاف التصريح فإنه قد يورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ، ويهيج الحرص على الإصرار ، والبقاء على ما لام عليه الموبخ، لاسيما إذا كانت نفس المعرض به منطوية على الكبر، وعدم قبول النصيحة .

تــــنـبــيـــــه :

قد يقول قائل : إن البعض يذهب مذهباً بعيداً ، ويرى أن التعريض لابد أن يكون بصورة لا يفهمها إلا المعني بالأمر فقط دون غيره من المستمعين ، فهل هذا المفهوم يعدُّ صحيحاً ؟

فالجواب : أن هذا المفهوم ليس بصحيح ، ولم أر من قال بهذا من أهل العلم ، بل إن الأدلة الشرعية دلَّت على خلافه . ففي حديث الإفك يعلم كثير من الصحابة أن الذي تولى كبر القضية هو عبدالله بن أبي بن أبي سلول ؛ حيث إن الأمر قد استفاض بينهم على أنه ابن سلول ، وكذلك في مسألة حجة الوداع وامتناع من امتنع حتى قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ، فالذين عرَّض بهم النبي صلى الله عليه وسلم هنا إنما هم معرفون في الواقع ، وبعض المستمعين لكلام النبي صلى الله عليه وسلم في هذا من الصحابة كانوا يعلمون من هو المقصود بهذا الكلام حال خطبته صلى الله عليه وسلم ، غير أنه لم يصرح بأسمائهم ، ويؤكد هذا أيضاً قول ابن بطال السابق : " فأما مع الإبهام فلم تحصل المواجهة وإن كانت صورتها موجودة وهي مخاطبة من فعل ذلك " اهـ .

ويؤيد هذا أيضاً صور التعريض التي ذكرها الفقهاء فيما يتعلق بالمعتدة ، حيث أجازوا التعريض بخطبتها دون التصريح ، فكان من أمثلة ذلك قولهم : " كان يقول الرجل للمعتدة : إني في مثلك لراغب " (842) .

فالحاصل أنه لا ينبغي أن يفهم التعريض على أنه لا يكون إلا بصورة لا يعرفها إلا نفس المقصود ، وبناء على هذا لو عرف كاتب أو متكلم مشهور قد أخطأ في مسألة ما ، واشتهر خبره بين الناس ، بحيث إنه أوقع فساداً أو ضلالاً أو نحو ذلك بينهم ، ثم عرَّض به الخطيب في الجمعة فقال : " ما بال رجال يفعلون كذا وكذا ، أو يقولون كذا وكذا ... الخ " . فإن هذا لا يعد تصريحاً ولو كان جمهور المستمعين يعلمون من هو المعرض به وإن لم يصرح الخطيب باسمه ، فهذا هو التعريض بعينه كما دلت على ذلك الأدلة ، وعلى ذلك فقس ، ليتضح لك الأمر ، وهو يقع كثيراً في هذه الأزمنة ؛ لكثرة الأخطاء والمنكرات التي يجهر بها عبر وسائل متعددة كالتلفاز والمذياع ، والصحافة والمطبوعات . والله هو المستعان وعليه التكلان .

 69- حكم التعريض بالأمير أو السلطان في الخطبة ؟ : 

إن من المقرر عند أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لولاة الأمر الشرعيين المبايعين بالبيعة الشرعية وإن جاروا وظلموا ، أو كذبوا وجروا ، كما أنه يجب إجلالهم وتقديرهم والدعاء لهم ، وإن وجد منهم فسق ظاهر ، ولذلك حرم الخروج عليهم وقتالهم كما ذكر ذلك كثير من أهل العلم ، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول : " والأئمة لا يقاتلون بمجرد الفسق ، وإن كان الواحد المقدور قد يقتل لبعض أنواع الفسق كالزنا وغيره . فليس كل ما جاز فيه القتل جاز أن يقاتل الأئمة لفعلهم إياه ، إذ فساد القتال أعظم من فساد كبيرة يرتكبها ولي الأمر ، ولهذا نصَّ من نصَّ من أصحاب أحمد وغيره على أن النافلة تصلى خلف الفساق ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها ، وهؤلاء الأئمة فساق وقد أمر بفعلها خلفهم نافلة " (843) . اهـ .

قلت : ويقال مثل ذلك في كل ما من شأنه إثارة الفتنة ، وبعث ما لا تحمد عقباه ، وإذكاء ما مفسدته أرجح من مصلحته ، فضلاً عما جاء من النهي عن سبِّ الأمير والإنكار عليه علناً ، ففي المصنف لابن أبي شيبة قال طاوس : قلتُ لابن عباس : أنهى أميري عن المعصية ؟ قال : لا ، تكون فتنة ؟ قال : قلت : فإن أمرني بمعصية ؟ قال : " فحينئذ " (844) .

وروى الترمذي عن زياد بن كُسَيْب العدوي قال : كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق فقال أبو بلال : انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق . فقال أبو بكرة : اسكت . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله )) قال الترمذي : حسن غريب (845) .

وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على حديث علي رضي الله عنه : " حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟ وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان (846) . اهـ .

وقال الشوكاني رحمه الله : ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يُنَاصحه ، ولا يُظهر الشّناعة عليه على رؤوس الأشهاد ، بل كما ورد في الحديث : أنه يأخذ بيده ويخلو به ويَبْذُل له النَّصيحة ، ولا يُذِل سلطان الله (847) . اهـ .

قلت : يشير الشوكاني رحمه الله إلى ما رواه ابن أبي عاصم في السنة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمراً فلا يبدِه علانية ، ولكن ليأخذ بيده فيخلوا به ، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له" (848) .

ويدل لذلك ما رواه البخاري ومسلم عن الأعمش قال : سمعت أبا وائل قال : قيل لأسامة : ألا تكلّم هذا ؟ قال : قد كلمته ما دون أن أفتح باباً أكونُ أول من يَفتحه ، وما أنا بالذي أقول لرجل – بعد أن يكون أميراً على رجلين – أنت خير .. الحديث " وفي لفظ لمسلم " ألا تدخل على عثمان فتكلمه " (849) .

قال الحافظ ابن حجر : قال المهلب : أرادوا من أسامة أن يكلم عثمان وكان من خاصته وممن يخف عليه في شأن الوليد بن عقبة ؛ لأنه كان ظهر عليه ريح نبيذ وشهر أمره ، وكان أخاً لعثمان لأمه وكان يستعمله . فقال أسامة : قد كلمته سرّاً دون أن أفتح باباً ، أي باب الإنكار على الأئمة علانية ؛ خشية أن تفترق الكلمة ، ثم عرفهم أنه لا يداهن أحداً ولو كان أميراً ، بل ينصح له في السر جهده (850) .... اهـ .

وقال القاضي عياض : " مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك ، بل يتلطف به وينصحه سرّاً فذلك أجدر بالقبول " (851) . اهـ .

قلت : وهذا الأمر بعدم الإنكار علانية ليس من باب المداهنة ، وإنما هو من باب المداراة ، فقد قال الحافظ : فيه ذم مداهنة الأمراء في الحق وإظهار ما يبطن خلافه كما المتملق بالباطل ، وضابط المداراة ألا يكون فيها قدح في الدين ، والمداهنة المذمومة أن يكون فيها تزيين القبيح وتصويب الباطل ونحو ذلك (852). اهـ .

وقال أيضاً : وفي الحديث تعظيم الأمراء والأدب معهم ، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم ؛ ليكفوا ويأخذوا حذرهم بلطف وحسن تأدية ، بحيث يبلغ المقصود من غير أذية للغير (853) . اهـ .

ونقل ابن عبدالبر عن أيوب بن القرية : " أحق الناس بالإجلال ثلاثة : العلماء ، والإخوان ، والسلطان ، فمن استخف بالعلماء أفسد مروءته ، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه ، والعاقل لا يستخف بأحد . اهـ (854).

وقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية : " ونصيحة الأمير والمأمور بالسر ، وبنية خالصة تعرف فيها النتيجة النافعة للإسلام والمسلمين ... بل في السر قم بواجب النصيحة ، وفي العلانية أظهر وصرح بما أوجب الله من حق الإمارة والسمع والطاعة لها ، وأنها لم تأت لجباية أموال وظلم دماء وأعراض من المسلمين ، ولا يظهر عليك عند الرعية ولاسيما المتظلمين بالباطل عتبك على الأمير وانتقاده إياه ، لأن ذلك غير نافع الرعية بشيء (855) " .. اهـ .

وقال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز : " ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر ؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى ، وعدم السمع والطاعة في المعروف ، ويفضي إلى الخوض في الذي يضر ولا ينفع ، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان ، والكتابة إليه ، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير ، وإنكار المنكر من دون ذكر الفاعل ، فينكر الزنى وينكر الخمر وينكر الربا من دون ذكر من فعله ، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلاناً يفعلها لا حاكم ولا غير حاكم (856) " . اهـ .

قلت : وبحاصل ما مضى ذكره تتضح أهمية معرفة هذا الأمر ، وأنه باب عظيم ينبغي أن يتنبه إليه جميع الخطباء ، وأن يراعوا أصل المسألة في ذلك . والله المستعان .

 70- تحريك الخطيب يديه حال الخطبة أو الإشارة بهما : 

  اعتاد بعض الخطباء – لاسيما المرتجل منهم – على أن تحريك اليدين أو إحداهما حال الخطبة ، ويشير بهما يمنة ويسرة ، وربما اشتد هذا التحريك عند الانفعال .

وقد دلَّ على منع رفع اليدين وتحريكهما للخطيب أثناء التكلم في الخطبة ، وأنه لا يكون إلا برفع السبابة فقط ، ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عمارة بن رؤيبة قال : (( إنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال : قبَّح الله هاتين اليدين ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا ، وأشار بإصبعه المسبحة )) (857) .

وقد فهم العلامة الطيبي من هذا الحديث : أنه يدل على منع اليدين عند التكلم في الخطبة فقد قال : قوله " رافعاً يديه ، يعني عند التكلم كما هو دأب الوعاظ إذا حموا ، ويشهد له قوله : (( أشار بأصبعه المسبحة )) ، قوله ( أن يقول ) أي يشير عند التكلم في الخطبة بأصبعه يخاطب الناس وينبههم على الاستماع . اهـ(858) .

قلت: ومما يؤيد فهم الطيبي هذا أن النسائي بوَّب لذلك فقال : باب الإشارة في الخطبة(859).

وبوَّب ابن أبي شيبة باباً فقال : " الرجل يخطب يشير بيده " (860) .

وعلى مثل هذا سار صاحب عون المعبود فقد قال : " أراد الراوي أن رفع اليدين كلتيهما لتخاطب السامعين ليس من دأب النبي صلى الله عليه وسلم ، بل إنما يشير النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه السبابة (861) . اهـ .

وقال الشافعي : وإن لم يعتمد على عصا أحببت أن يسكن جسده ويديه ، إما بأن يضع اليمنى على اليسرى ، وإما أن يقرهما في موضعهما ساكنتين (862) . اهـ .

وتحدث ابن قدامة في المغني بعد أن استحب الاعتماد على قوس أو سيف أو عصا ، وذكر الدليل على ذلك قائلاً : ولأن ذلك أعون له ، فإن لم يفعل فيستحب أن يسكن أطرافه ، إما أن يضع يمينه على شماله ، أو يرسلهما ساكنتين إلى جنبيه (863) . اهـ .

وقال النووي في المجموع بعد ذكر العصا أو السيف : قال أصحابنا : ويستحب أن يشغل يده الأخرى بأن يضعها على حرف المنبر . قالوا : فإن لم يجد سيفاً أو عصا ونحوه سكن يديه بأن يضع اليمنى على اليسرى أو يرسلهما ولا يحركهما ، ولا يعبث بواحدة منهما ، والمقصود : الخشوع والمنع من العبث (864) . اهـ .

وقال الشوكاني عن الحكمة من اتخاذ العصا أو السيف حال الخطبة ما نصه : قيل : والحكمة في ذلك الاشتغال عن العبث ، وقيل : إنه أربط للجأش(865) . اهـ (866).

قلت : وبمثل ما ذكر الشوكاني رحمه الله قال شيخنا العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ، كما تقدم ذكر ذلك عند الكلام عن اتخاذ العصا للخطيب .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة ، وهو أصح الوجهين لأصحابنا ؛ النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يشير بأصبعه إذا دعا ، وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استسقى على المنبر " (867) . اهـ .

وقال ابن القيم رحمه الله : وكان صلى الله عليه وسلم يشير بأصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه (868) . اهـ .

وقال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين ما نصه : " ليس من السنة أن يحرك يديه ، وإن كان بعض الخطباء بلغني أنهم يفعلون ذلك .. إلى أن قال : أما خطبة الجمعة فإن المغلب فيها التعبد ؛ ولهذا أنكر الصحابة على بشر بن مرواه ، حيث رفع يديه في الدعاء ، مع أن الأصل في الدعاء رفع اليدين ، فلا يشرع فيها إلا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم "(869) . اهـ .

قلت : يتضح مما سبق أن الأصل في اليدين عدم الحركة ، وأنه لا يشغلهما أو يشغل إحداهما إلا في الأمور التالية :

1.  أن يشير بالسبابة (870) كما مرَّ سابقاً .

2.  أن يمسك العصا – على القول بسنيتها – بإحدى اليدين ، ويمسك بالأخرى الورقة إن كان غير مرتجل ، أو يمسك بحرف المنبر كما مرَّ في مبحث اتخاذ العصا للخطيب ، فارجع إليه .

3.  إذا أراد الخطيب أن يمثل بيديه عن شيء ما ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل حينما قرن بين السبابة والوسطى في خطبته ، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وفيه : ( .. ويقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ... الحديث (871) .

أو كما في الحديث الآخر الذي رواه الشيخان عن زينب بنت جحش (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوماً فزعاً يقول : لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم (872) يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وحلق بأصبعْيه الإبهام والتي تليها ... الحديث (873) .

أو كما في الحديث الذي رواه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ، وقال بأصبعْيه السّبَّابة والوسطى )) (874) .

وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : (( كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة )) (875) .

أو كما في الحديث الآخر الذي رواه الشيخان عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن المؤمِن للمؤْمنِ كالبنيانِ يَشُدُّ بعضُهُ بعضاً وشبَّك أصابعهُ )) (876) وهذا لفظ البخاري .

قلت : قد يقول قائل : إن حديث (( بعثت أنا والساعة كهاتين )) قد ورد في خطبة الجمعة ، بخلاف الأحاديث الأخرى التي مضت ، فإنها كانت في غير خطبة ، فلماذا لا نقتصر على النص ونأخذ بالذي فعله صلى الله عليه وسلم في الخطبة بخلاف غيره ؟

فالجواب أن يقال : لا بأس بالاستعانة باليدين أو إحداهما إذا احتاج الخطيب إلى ذلك من جهة بيان الشيء الذي لا يتضح إلا بالإشارة كما في الحديث الأول ، وأما حديث زينب وغيره وهو وإن كان خارج الخطبة إلا أن الخطيب إذا رواه وأشار بيده كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنما هو في الحقيقة يروي رواية ، وتكون هذه الإشارة جزءاً من الرواية ، فلا حرج حينئذ في ذلك ، ولا يعدُّ مثل هذا من الحركات التي لا ينبغي للخطيب أن يفعلها بيديه أو إحداهما حال الخطبة . والعلم عند الله تعالى .

فـوائـد :

الأولى : قد يقول قائل : لقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم (( كان يشير بمخصرة إذا خطب )) . والمخصرة شيء يتوكأ عليه كالعصا .

فالجواب : أن الحديث رواه البزار من حديث عبدالله بن الزبير عن أبيه . وقال : لا نعلمه إلا عن ابن الزبير ، ولا له عنه إلا هذا الطريق (877) .

قال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه البزار وفيه ابن لهيعة وفيه كلام (878) .

الثانية : أورد ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن شعبة عن سماك بن حرب قال : قلت له : كيف كان يخطب النعمان ؟ قال : كان يلمّع بيده . قال : وكان الضحاك بن قيس إذا خطب ضمَّ يده على فيه .

وروى أيضاً عن مجاهد قال : إذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده .

وروى أيضاً عن ابن سيرين قال : كانوا يستأذنون الإمام وهو على المنبر ، فلما كان زياد وكثر ذلك قال : من وضع يده على أنفه فهو إذنه (879) . اهـ .

الثالثة : روى الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث الثمالي قال : بعث إليَّ عبدالملك بن مروان فقال : يا أبا أسماء ، إنا قد أجمعنا الناس على أمرين قال : وما هما ؟ قال : رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة ، والقصص بعد الصبح والعصر ، فقال : أما إنهما أمثل بدعتكم عندي ، ولست مجيبك إلى شيء منهما ، قال : لم ؟ قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما أحديث قوم بدعة ، إلا رفع مثلها من السنة ، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة )) (880)  .

ذكر هذا الحديث المنذري وأشار إلى ضعفه (881) .

وقال الهيثمي : رواه أحمد والبزار ، وفيه أبو بكر بن عبدالله بن أبي مريم وهو منكر الحديث (882)

 71- الجمع بين النهي عن تشبيك الأصابع في المسجد وتشبيك الخطيب يديه للتمثيل : 

قد يحتاج الخطيب في خطبته إلى تحريك يديه للتمثيل كما مرَّ معنا سابقاً، فقد يشبك بين أصابعه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :((إن المؤمن للؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) وشبَّك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه (883).

         ولكن قد يشكل على هذا ما جاء من النهي عن تشبيك الأصابع في المسجد ، كما في مسند أحمد عن مولى لأبي سعيد الخدري قال :((بينما أنا مع أبي سعيد الخدري وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخلنا المسجد فإذا رجل جالس في وسط المسجد محتبياً مشبك أصابعه بعضها في بعض ، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يفطن الرجل لإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي سعيد فقال : (( إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن ، فإن التشبيك من الشيطان ، وإن أحدكم لا يزال في صلاة مادام في المسجد حتى يخرج منه))(884) . قال الهيثمي : رواه أحمد وإسناده حسن .(885) اهـ

وعن كعب بن عجزة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إذا توضأ أحدكم ، ثم خرج عامداً إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة )) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان (886).  

فالجواب عن هذا الإشكال من وجوه :

 الوجه الأول :  

أن أحاديث النهي لا تصح بل هي ضعيفة . فقد قال ابن بطال : هي مراسيل ومسندة من طرق غير ثابتة(887) .اهـ

وقال الحافظ ابن حجر عن حديث أبي سعيد : في إسناده ضعيف ومجهول . وقال عن حديث كعب بن عجزة : في إسناده اختلاف ضعفه بعضهم بسببه (888).اهـ

 الوجه الثاني :

ما ذكره الشوكاني من أن ظاهر أحاديث النهي عن التشبيك للتحريم لولا حديث ذي اليدين(889) . اهـ

قلت : وحديث ذي اليدين رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء ، فصلى بنا ركعتين ثم سلم ، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ، وشبك بين أصابعه ... الحديث)) (890)

قال الحافظ ابن حجر : حديث أبي هريرة دالٌّ على جوازه – أي التشبيك – في المسجد(891) . اهـ

قال صاحب النتقي : وقد ثبت في خبر ذي اليدين أنه عليه الصلاة والسلام شبك أصابعه في المسجد، وذلك يفيد عدم التحريم ، ولا يمنع الكراهة لكونه فعله نادراً (892). اهـ. 

 الوجه الثالث :

 أنه ليس بين الأحاديث تعارض ، إذا المنهي عنه هو فعله على وجه العبث ، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس . ويجاب عن حديث ذي اليدين بأن تشبيكه إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه ، فهو في حكم المنصرف من الصلاة (893). والله أعلم .

 72- حكم التغني بالآيات القرآنية في الخطبة ؟ : 

هناك أمر يلفت انتباهي كثيراً عند سماع خطب يوم الجمعة في أماكن متفرقة ألا وهو : ما يفعله بعض الخطباء حين استشهادهم في خطبهم ببعض الآيات حيث يقومون بالتغني بها وترتيلها ولو كانت آيتين فأقل ، بل إن بعضهم لا يكاد يمرُّ بآية إلا ويتغنى بها ، ومحط السؤال هنا هو : هل لهذا الفعل أصل من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أو فعل الصحابة أم لا ؟

والواقع أنني لم أجد حسب بحثي القاصر ما يدل على هذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعل الصحابة، بل إنني وجدت أحاديث كثيرة يستشهد فيها النبي صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ولم يأت فيها ما يدل على أنه كان يتغنى بها ،كما جاء عن الشيخين في صحيحيهما عن عبدالله بن مسعود قال : لما نزلت {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } سورة الأنعام ، آية ( 82 ) . شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: " أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( إنه ليس بذلك ، ألا تسمع إلى قول لقمان :{ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}سورة لقمان ، آية ( 13 ) . (894)

قلت : فأنت ترى في هذا الحديث أنه لم يذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تغني بهذا الآية ولا ابن مسعود كذلك . ومثل هذا كثير في السنة ولو فعله صلى الله عليه وسلم لنقل إلينا .

بل إنه قد جاءت أحاديث تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ شيئاً من القرآن في خطبته، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر قول الله تعالى : {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ} (895)

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ وهو على المنبر سورة (ص) (896).

وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة (ق) على المنبر ، كما مرَّ معنا سابقاً في مبحث مستقل بهذا الخصوص .  

ومع ذلك فإن كل من رووا هذا الأحاديث لم يذكروا أن لنبي صلى الله عليه وسلم تغني بتلك الآيات التي قرأها على المنبر ، مع عدا سورة (ق) فإنها لا تدخل ضمن هذا المسألة في نظري ، لأنه لم يأت بها على وجه الاستشهاد ، وإنما قرأها قراءة كاملة متصلة ، ومثل هذا يتحمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قد رتلها وتغني بها.

ومع ذلك فإنني لازلت أبحث جاهداً للوصول إلى نتيجة مقنعة تؤكد ما يذكره البعض من أن فعل هذا في الخطب بدعة ، إلا أن صعوبة التبديع تجعلني أتقاصر عن هذا البحث ، ولكنني أقول : إن هذا خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم المعروفة عنه بالاستقراء سواء كانت في أثناء الخطبة أو في أثناء حديثه للصحابة رضي الله عنهم ، ولا أعلم بعد التتبع ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يتغنى بالآية الواحدة أو الآيتين في الاستشهاد. والعلم عند الله تعالى .

تـنـبــــــــــيــــه :

قد يقول قائل : إن الله أمر نبيه بقوله {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} سورة المزمل ، آية (4) ولم يقيد ذلك بأكثر من آيتين أو نحوهما ؟.

فالجواب : أن يقال : هناك فرق بين الترتيل والتغني ، فأنا أقول : لا بأس للخطيب إذا استشهد بآية أو آيتين أن يرتل ، لكنه لا يتغنى ؛ لأن هناك فرقاً بينهما ، وهو أن التغني كما قال في النهاية : ترتيل القراءة : التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات(897) . اهـ.  

وأما التغني فقد جاء ما يدل عليه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :((ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيِّ يتغنى بالقرآن يجهر به)) (898)

قال الشافعي : معناه تحسين القراءة وترقيقها (899) . اهـ .

وقال ابن كثير عن قوله تعالى { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} أي: اقرأه على تمهل(900) . اهـ

وبهذا يتضح الفرق بين التغني والترتيل ، وأن التأني لا بأس به في الخطب بخلاف التغني ، فأنني لم أقف على ما يدل عليه من فعله صلى الله عليه وسلم . والله أعلم .

  فـائدة :

قال الشيخ بكر أبو زيد : مما أحدثه الوعاظ ، وبعض الخطباء في عصرنا ، مغايرة الصوت عند تلاوة الآيات من القرآن لنسق صوته في وعظه أو الخطابة .

وهذا لم يعرف عن السالفين ، ولا الأئمة المتبوعين ، ولا تجده لدى أجلاء العلماء في عصرنا ، بل يتنكبونه ، وكثير من السامعين لا يرتضونه ، والأمزجة مختلفة ، ولا عبرة بالفاسد منها ، كما أنه لا عبرة بالمخالف لطريقة صدر هذه الأمة وسلفها ، والله أعلم (901).

 73- التزام كثير من الخطباء ببعض الألفاظ في الخطبة على الديمومة : 

إن المتتبع لكثير من خطباء المسلمين اليوم ليكاد يجدهم متفقين على التزام بعض الألفاظ في الخطب على الديمومة ، وقلَّ أن يتركوا هذا العادة ، بل ربما ظن كثير من العامة أن مثل هذه الألفاظ يعد من صلب الخطبة ، أو أن الخطبة تكون ناقصة من دون إيرادها ، أو أن يحصل النكير من بعض العامة إذا تركت ، وما ذاك إلا لكثرة مداومة الخطباء عليها ، وأذكر على سبيل المثال بعض الألفاظ كقولهم مثلاً :

اختتام آخر الخطبة الأولى بآية ، وقبل أن يختم بهذه الآية يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، في حين إنه لا يستعيذ بالله في إيراد غيرها من الآيات .   

       المواظبة على ختم الخطبة بقول بعضهم : أقول قولي هذا وأستغفر الله... الخ. وإن كان بعض أهل العلم يذكرها في كتبهم إلا أنه لا دليل على ما ذكروه ، فمن ذلك ما قاله البغوي: "ويستحب أن يختم خطبته بقوله : أستغفر الله لي ولكم . وبمثل ذلك قال النووي (902) .

قول بعضهم على سبيل الديمومة : هذا وصلوا رحمكم الله ... الخ في آخر الخطبة الثانية. أو جعل محل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع دائماً.

 قول بعضهم في آخر الخطبة الثانية على سبيل الديمومة :عباد الله ، اذكروا الله العظيم يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ... الخ .

وهناك ألفاظ أخرى كثيرة منها ما يتفق عليه كثير من خطباء العالم ، ومنها ما اتفق عليه خطباء أقطار معينة بحسب عرفهم وعادتهم في هذه الخطب.

وهذه الألفاظ قلَّ أن تختفي لدى كثير من الخطباء ، وقد عدَّ بعض أهل العلم التزام ذلك من البدع ، وإن كنت أستثقل إطلاق التبديع في مثل هذا ، غير أن الذي ينبغي للخطيب أن ينوِّع في مثل هذا ، لئلا يظن الناس أن هذا من الواجب ، بل إن ترك الشيء لتوضيح الحقيقة قد يجب على المسلم الذي يقتدى به ، بل ترك السنة أحياناً إذا ظن بعض الناس من خلال المواظبة عليها أنها واجبة ، فإن هذا الترك يكون مستحباً ، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" فإنه إذا ظن العامة أن المواظبة على قراءة السجدة والإنسان في فجر الجمعة من الواجب ؛ فإنه يستحب تركها أحياناً لإزالة هذا اللبس " (903) . اهـ .

وقد قال ابن القيم رحمه الله في مثل هذا أيضاً : ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة ، يعني سورة السجدة دفعاً لتوهم الجاهلين (904) . اهـ .

وقال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين : " وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقة الواقع فإنه ينبغي تجنبه " (905) . اهـ .

 74- التزام صورة واحدة في الخطبة الثانية : 

جرت عادة بعض الخطباء -وفقهم الله- التزامهم صورة واحدة في الخطبة الثانية، وذلك من وجهين :

الوجه الأول :

أنهم يجعلون الخطبة الثانية قصيرة جدّاً على شبه الديمومة .

الوجه الثاني :

أن الخطبة تكاد تكون منفصلة عن الأولى بحيث يغلب عليها وضع معين لا يتغير ويسمونها ( خطبة النعت ) .

وهذان الوجهان لا يعرف لهما أصل شرعي ولا أثر واضح عن السلف ، بل قد يظن كثير من المستمعين أن ما يفعل بهذه الصورة هو السنة ، والواقع خلاف ذلك . فالذي ينبغي للخطيب أن يتنبه لهذه المسألة ، وينوِّع في الأمر ، فيجعلها تارة مكملة للخطبة الأولى ، وتارة مساوية لها ، وتارة أنقص منها ، وتارة بموضوع آخر . كل هذا لا بأس به ، وإنما الذي يخشى هو التزام طريقة واحدة يفهم عامة الناس من خلالها أنها هي السنة ، وما عداها مخالف لها . وهذا في غاية الخلط .

وقد عدَّ بعض أهل العلم هذا الالتزام من البدع . والعلم عند الله تعالى .

 75- التشريك بين ضمير الله ورسوله في الخطبة : 

المراد بالتشريك هنا كأن يقول الخطيب عن الله ورسوله : " ومن يعصهما " " ومن يطعهما" ، أو " من يغضبهما " وهكذا .

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على وقوع ذلك في خطبته صلى الله عليه وسلم ، فقد روى أبو داود من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال : (( الحمد الله ، نستعينه ونستغفره ، من يُطع الله تعالى ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر الله تعالى شيئاً )) (906) صحيح إسناد هذا الحديث النووي في شرح مسلم (907) .

وقد أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث جواز التشريك بين ضمير الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أثناء الخطبة ومطلقاً أيضاً (908) .

ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث : (( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما )) (909) .

وما ثبت عنه في تحريم لحوم الحمر الأهلية ، حيث أمر منادياً ينادي (( إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية )) (910) .

وقد أشكل هذا الأمر على بعض أهل العلم ، حيث أوردوا عليه ما جاء عند مسلم وأبي داود والنسائي من حديث عدي بن حاتم أن خطيباً خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يطع الله تعالى ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى(911) فقال له صلى الله عليه وسلم : (( بئس الخطيب أنت ، قل : ومن يعص الله تعالى ورسوله فقد غوى )) (912).

قال الشافعي عن هذا الحديث : " فبهذا نقول . ومن قال : ومن يعصهما كرهت ذلك القول له حتى يفرد اسم الله عز وجل ، ثم يذكر بعده اسم رسوله صلى الله عليه وسلم ، لا يذكره إلا منفرداً " (913) . اهـ .

وقد حمل النووي هذا على أن سبب الإنكار عليه : " أن الخطبة شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإرشادات والرموز ... ، قال : وإنا ثنى الضمير في مثل قوله : (( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما )) ، لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم ، فكل ما قلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه ، بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها ، وإنما يراد الاتعاظ بها " (914) . اهـ .

وأجيب عن قول النووي هذا : بأنه قد وقع الجمع بين الضميرين منه صلى الله عليه وسلم في الخطبة لا في تعليم الأحكام كما في رواية أبي داود السابقة .

وقال القاضي عياض وجماعة من العلماء (915) : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنكر على الخطيب لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية ، وأمره بالعطف تعظيماً لله تعالى بتقديم اسمه ، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : (( لا يقل أحدكم : ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن ليقل : ما شاء الله ثم شاء فلان ))(916) . اهـ .

وأجيب عن هذا القول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم شرك بين الضميرين كما سبق.

وقد نقل السندي عن العز بن عبدالسلام قوله : " من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى ، وذلك ممتنع على غيره . قال : وإنما يمتنع من غيره دونه ؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية ، بخلافه هو ، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك " (917) . اهـ .

وقال بعض أهل العلم : يمكن أن يقال : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنكر على ذلك الخطيب التشريك ، لأنه فهم منه اعتقاد التسوية ، فنبهه على خلاف معتقده ، وأمره بتقديم اسم الله تعالى على اسم رسوله صلى الله عليه وسلم تعظيماً لله تعالى ؛ ليعلم بذلك فساد ما اعتقده (918) .

وقد ذكر القرطبي وغيره توجيهاً لبعض القراء حول قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } حيث جمع هنا بين ضمير اسم الله وملائكته في قوله ( يُصَلُّون ) .

فبناءً على ذلك وجه بعض القراء هذا الذم الذي جاء في الحديث إلى أن هذا الخطيب وقف على قوله ( ومن يعصهما ) بمعنى أنه قال ( فقد رشد ومن يعصهما ) فكأنه يوهم أنه من يعصهما فقد رشد أيضاً ؛ فلذلك أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم .

وتوجيه القراء هذا لم تساعده الرواية ، فإن الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد ، وأن آخر كلامه إنما هو ( فقد غوى ) (919) . اهـ .

قلت : ويؤكد هذا أنه صلى الله عليه وسلم قال مصححاً للخطيب : ( قل : ومن يعص الله ورسوله) ومعلوم أن هذا لا يحل الإشكال بناء على توجيه بعض القراء . والله أعلم.

هذا حاصل قول أهل العلم في هذه المسألة ، والعلم عند الله تعالى .

 76- كلام الخطيب أثناء الخطبة بكلام خارج عنها : 

لا بأس للخطيب أن يخرج عن خطبته بكلام يحتاج إليه في نصح أو إنكار منكر أو نحو ذلك ، ويدل على هذا ما رواه الشيخان من حديث جابر رضي الله عنه قال : جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال : (( أصليت يا فلان ؟ )) قال : لا ، قال : (( قم فاركع )) (920) وفي رواية : (( فصل ركعتين )) .

ويدل عليه أيضاً ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث بريدة في قصة نزوله صلى الله عليه وسلم من المنبر لما رأى الحسن والحسين وفيه : ثم قال : (( صدق الله { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } سورة التغابن ، آية : 15 . رأيت هذين فلم أصبر )) ثم أخذ في خطبته (921)  .

ويدل على ذلك أيضاً ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما " أن عمر بن الخطاب بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة ، دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فناداه عمر : أية ساعةٍ هذه ؟ فقال : إني شُغِلت اليوم ، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النّداء ، فلم أزد على أن توضأت . قال عمر : والوضوء أيضاً ؟ وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل " (922) واللفظ لمسلم .

قال مالك : لا بأس أن يتكلم الإمام في الخطبة على المنبر إذا كان في أمر أو نهي ، ولا نراه لا غيّاً ، ولقد استشارني بعض الولادة في ذلك فأشرت عليه (923) . اهـ .

وقال الشافعي رحمه الله : "ولا بأس أن يتكلم الرجل في خطبة الجمعة وكل خطبة فيما يعنيه ويعني غيره بكلام الناس ، ولا أحب أن يتكلم فيما لا يعنيه ولا يعني الناس ، ولا بما يقبح من الكلام، وكل ما أجزت له أن يتكلم به أو كرهته فلا يفسد خطبته ولا صلاته"(924).اهـ

قال النووي : " وفي تحريم الكلام على الخطيب طريقان : أحدهما على القولين . والثاني وهو الصحيح ، وبه قطع الجمهور يستحب ولا يحرم ؛ للأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في الخطبة . والأول أن يجاب عن ذلك بأن كلامه صلى الله عليه وسلم كان لحاجة . ثم قال النووي أيضاً : " هذا كله في حال الخطبة ، أما قبل الشروع فيها وبعد فراغها فيجوز الكلام بلا خلاف لعدم الحاجة إلى الاستماع ، فأما في الجلوس بين الخطبتين فطريقان ... الخ " (925) .

وأشار الكاساني في الحنفية إلى كراهة تكلم الخطيب حال الخطبة في غير الأمر بالمعروف فقال : " ويكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة ، ولو فعل لا يفسد الخطبة ، لأنها ليست بصلاة ، فلا يفسدها كلام الناس لكنه يكره ، لأنها شرعت منظومة كالأذان ، والكلام يقطع النظم إلا إذا كان الكلام أمراً بالمعروف فلا يكره لما روى عن عمر ... وهذا لأن الأمر بالمعروف يلتحق بالخطبة ، لأن الخطبة فيها وعظ فلم يبق مكروهاً " (926) . اهـ .

قلت : استدل من منع الخطيب من الكلام بما رواه الشيخان (927) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت (928) ..... )) .

ونقل ابن الجوزي في التحقيق التسوية بين الخطيب والمستمع عن الأكثرين (929) .

قال أبو زرعة العراقي عن كلام ابن الجوزي هذا : فيه نظر (930) . اهـ .

وقال ابن القيم رحمه الله واصفاً خطب النبي صلى الله عليه وسلم : " ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين ، ونهى المتخطي رقاب الناس عن ذلك ، وأمره بالجلوس وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض ، أو السؤال لأحد من أصحابه فيجيبه ، ثم يعود إلى خطبته فيتمها " (931) . اهـ .

وقال الخطابي : فيه جواز الكلام في الخطبة لأمر يحدث ، وأن ذلك لا يفسد الخطبة . وقال بعض الفقهاء : إذا تكلم أعاد الخطبة . والسنة أولى ما اتبع (932) . اهـ .

قال في الإنصاف : وتبطل الخطبة بكلام يسير محرم على الصحيح من المذهب . وقيل : لا تبطل كالأذان وأولى وأطلقهما في الفروع (933) . اهـ .

وقال ابن حزم : " فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله تعالى ولا من الدعاء المأمور به فالكلام مباح حينئذ " (934) . اهـ .

وقال أيضاً : " وأما إذا أدخل الإمام في خطبته مدح من لا حاجة بالمسلمين إلى مدحه ، أو دعاءً فيه بغي وفضول من القول ، أو ذم من لا يستحق ، فليس من الخطبة ، فلا يجوز الإنصات لذلك بل تغييره واجب إن أمكن (935) . اهـ .

وقال ابن قدامة : " ويحتمل أنه إن كان دعاءً مشروعاً كالدعاء للمؤمنين والمؤمنات والإمام العادل ، أنصت له ، وإن كان لغيره لم يلزم الإنصات ، لأنه لا حرمة له (936) . اهـ.

وتحدث أبو زرعة العراقي في شرحه على تقريب الأسانيد حول الحديث عن تكلم الإمام في الخطبة بما هو خارج عن الموعظة وأصل الخطبة قائلاً : " قال ابن المنذر : كان النخعي وسعيد بن جبير وإبراهيم بن مهاجر والشعبي وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب (937)، وقال بعضهم : إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا .. قلت – أي أبو زرعة - : ويحتمل أن تكون الإشارة إلى كلام بعينه أتى به الحجاج لا ينبغي سماعه ، لما فيه من سبِّ الصحابة رضي الله عنهم ، أو الأمر بالظلم وما لا يجب امتثاله ، أو عند قراءة كتب وردت عليه من الخليفة فيها ما لا ينبغي فعله (938) . اهـ .

وقد قال ابن حزم : روينا من طريق سفيان الثوري عن مجالد قال : رأيت الشعبي وأبا بردة بن أبي موسى الأشعري يتكلمان والحجاج يخطب حين قال : لعن الله ولعن الله . فقلت : أتتكلمان في الخطبة ؟ فقالا : لم نؤمر بأن ننصت لهذا .... قال ابن حزم : كان الحجاج وخطباؤه يلعنون عليّاً وابن الزبير رضي الله عنهما (939) . اهـ .

وذكر ابن عبدالبر أن عبدالله بن عروة كان ينصت للخطيب ، فإذا شتم عليّاً تكلم ويقول : إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا (940) . اهـ .

وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي ومحمد بن علي بن الحسين أنه لا بأس بالكلام والصحف تقرأ يوم الجمعة (941) .

وروى أيضاً عن أبي بردة وعمر بن عبدالعزيز أنهما كانا يتكلمان في هذه الحالة (942) .

وروى أيضاً عن حماد بن أبي سليمان : إنما كان السكوت قبل اليوم إذا وعظوا بكتاب الله وقالوا فيه ، فنسكت لصحفهم هذه (943)

وروي أيضاً عن الحسن البصري أنه كان يكره الكلام والصحف تقرأ (944) . وروى أيضاً عن إبراهيم النخعي أنه قيل له : إن الكتب تجيء من قبل قتيبة فيها الباطل والكذب ، فأكلم صاحبي أو أنصت ؟ قال : بل انصت – يعني في الجمعة .

قال أبو زرعة : فطرد النخعي والحسن منع الكلام في الخطبة وسدا الباب في ذلك . قال ابن بطال : وروى ابن وهب وابن قانع وعلي بن زياد عن مالك أن الإمام إذا لغى وشتم الناس فعلى الناس الإنصات ولا يتكلمون . وروى عنه إذا خطب في أمر ليس من الخطبة من أمر كتاب يقرؤه أو نحو ذلك فليس على الناس الإنصات ، ورأى الليث إذا أخذ الإمام في غير ذكر الله والموعظة أن يتكلم ولا ينصت . انتهى .

وقال ابن حزم : فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله تعالى ولا من الدعاء المأمور به فالكلام مباح حينئذ (944) . اهـ .

 77- تبسم الخطيب وضحكه : 

قال أهل اللغة : التبسم مبادئ الضحك ، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور ، فإن كان بصوت وكان بحيث يُسمع من بعد فهو القهقهة وإلا فهو الضحك ، وإن كان بلا صوت فهو التبسم ، وتسمى الأسنان في مقدم الفم الضواحك وهي الثنايا والأنياب ، وما يليها تسمى النواجذ (945) .

وقد أخرج البخاري في صحيحه(946) من حديث أنس رضي الله عنه : (( أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب بالمدينة فقال : قحط المطر ، فاستسق ربَّك . فنظر إلى السماء ، وما نرى من سحاب ، فاستسقى ، فنشأ السحاب بعضه إلى بعض ، ثمّ مُطروا حتى سالت مثاعب(947) المدينة ، فما زالت إلى الجمعة المقبلة ما تُقِلع ، ثم قام ذلك الرجل – أو غيره – والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : غَرِقْنا فادع ربَّك يحبسها عنا ، فضحك ثم قال : (( اللهمَّ حوالينا ولا علينا )) – مرتين أو ثلاثاً – فجعل السحابُ يتصدَّع (948) عن المدينة يميناً وشمالاً يمطر ما حوالينا ، ولا يمطر فيها شيء يريهم الله كرامة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجابة دعوته )) . اهـ .

قلت : الشاهد من حديث أنس قوله " فضحك " .

قال الحافظ ابن حجر : " وفي رواية قتادة في الأدب (( فادع ربك أن يحبسها عنا فضحك)). وفي رواية ثابت ((فتبسم)) زاد في رواية حميد ((لسرعة ملال ابن آدم))(949).اهـ

وقال الحافظ أيضاً : وفيه جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجباً من أحوال الناس(950). اهـ .

 78- إذا أغمي على الخطيب : 

 إذا أغمي على الخطيب أثناء الخطبة فإن وضوءه ينتقض يسيراً كان الإغماء أو كثيراً ، وذلك بالإجماع كما حكاه ابن المنذر بقوله : " أجمع العلماء على وجوب الوضوء على المغمى عليه ؛ لأن حسه أبعد من حس النائم بدليل أنه لا ينتبه بالإنباه(951) . اهـ .

وأما صحة الخطبة من عدمها فمبني على مسألة اشتراط الطهارة لها ، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم سبق ذكره مفصلاً في مبحث " الطهارة للخطبة " .

فمن قال بشرطيه الطهارة كأبي يوسف والشافعي في الجديد وأحمد في رواية عنه (952)، فإنها تبطل ؛ لأن الإغماء ينقض الوضوء عندهم .

ومن قال بعدم اشتراطها كأبي حنيفة ومالك والشافعي في القديم وأحمد في رواية (953) ، فإن الخطبة صحيحة مع قولهم بأن الإغماء ينقض الوضوء .

قال صاحب الفتاوى التاتار خانية الحنفي : ولو خطب ثم مات أو جن أو أغمي عليه أو ارتد هل يعيد الخطبة؟ قال القاضي بديع الدين: لا رواية لهذا ، وينبغي أن يعيد(954). اهـ.

وقال النووي : " لو أغمي على الخطيب في أثنائها أو أحدث – وشرطنا الطهارة – فهل يبني عليها غيره ؟ ، فيه طريقان أصحهما وبه قطع البغوي وصححه المتولي أن فيه قولين بناء على الاستخلاف في الصلاة ، والثاني القطع بالمنع حكاه المتولي (955) " . اهـ .

 79- أكل الخطيب وشربه حال الخطبة : 

قال ابن المنذر : لا بأس به ، لأن الأشياء على الإباحة ، ولا تمنع حجة منه ، والوقوف عنه أحسن في الأدب (956) . اهـ .

قلت : وبه قال طاوس كما في مصنف ابن أبي شيبة (957) .

وقال ابن الهمام : يحرم في الخطبة الأكل والشرب والكتابة . (958) . اهـ .

وذكر ابن عابدين : " أنه يكره الفصل في الخطبة بأمر الدنيا ما عدا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذا الوضوء أو الغسل لو ظهر أنه محدث أو جنب ، بخلاف ما إذا أكل أو شرب فإنه يستأنف الخطبة (959) " . اهـ .

وقال أبو الحسين العمراني الشافعي : " يجوز شرب الماء في حال الخطبة للعطش أو للتبرد . وقال مالك وأحمد والأوزاعي : " لا يجوز " . قال الأوزاعي  : " فإن فعل ذلك بطلت جمعته " .

دليلنا : أن الكلام إذا لم يبطلها فشُرْب الماء أولى (960) . اهـ .

وقال النووي : " قال أصحابنا : يكره لهم شرب الماء للتلذذ ، ولا بأس بشربه للعطش للقوم والخطيب ، هذا مذهبنا ، قال ابن المنذر : رخص في الشرب طاوس ومجاهد والشافعي ، ونهى عنه مالك والأوزاعي وأحمد (961) " . اهـ .

وقال أبو زرعة العراقي : " يجوز أن يتكلم الخطيب في أثنائها وينزل عن المنبر ويمشي ويشرب ويأكل اليسير الذي لا يحصل به التفريق " (962) . اهـ .

قلت : هذا هو حاصل أقوال أهل العلم في هذه المسألة . فلا أعلم حجة لمن منع من ذلك ، ولا دليل مع من شبَّه الخطبة بالصلاة . لأنها لو كانت صلاة لافتقرت إلى تكبير واستقبال قبلة وتسليم وغير ذلك . ومعلوم أن القول الصحيح هو أن الحدث لا يبطل الخطبة كما مرَّ معنا . فمن باب أولى الأكل والشرب . ولذلك فإن الصحيح إن شاء الله هو جواز الأكل والشرب حال الخطبة إلا أنه يكره ؛ لما يسببه من انشغال وإذهاب لهيبة المقام . والعلم عند الله تعالى .

 80- إذا قرأ الخطيب آية فيها سجدة : 

لابد قبل الشروع فيما يتعلق بهذه المسألة ، أن أتحدث عن حكم سجود التلاوة باختصار شديد ، فأقول :

اختلف أهل العلم في سجود القرآن على قولين :

فعند الحنفية ، ورواية عن الإمام أحمد أن سجود التلاوة واجب (963) ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (964) رحمه الله .

وذهب الجمهور إلى أن سجود التلاوة سنة وليس واجباً (965) .

والذي يظهر أن الجمهور هم أحظ بالدليل من غيرهم ، وكان مما استدلوا به على ما ذهبوا إليه ما روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال : " قرأتُ على النبي صلى الله عليه وسلم { وَالنَّجْمِ } فلم يسجد فيها " (966) . فلو كان السجود واجباً لأمره النبي صلى الله عليه وسلم ولو بعد ذلك .

ويدل لذلك أيضاً : ما رواه البخاري في صحيحه بسنده في قصة قراءة عمر بسورة النحل وستأتي بعد قليل .

ومما يتعلق بهذه المسألة أيضاً باختصار أن سجود التلاوة يكون في حق القارئ والمستمع على ما دلَّت عليه السنة ؛ لما جاء في صحيح البخاري أن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته )) (967) .

وأما السامع وهو غير المستمع فلا يؤكد في حقه السجود مثلها يؤكد على المستمع كما قال الشافعي رحمه الله .

وقد روى عبدالرزاق بسند صحيح " أن عمران بن الحصين مَّ بقاص فقرأ القاص السجدة فمضى عمران ولم يسجد معه " (968) .

وصحَّ مثل ذلك عند عبدالرزاق عن سلمان (969) . وروى مثله عن عثمان رضي الله عنه " أنه مرَّ بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان فقال عثمان : إنما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد " (970) . اهـ .

بقي معنا ما يتعلق بسجود الخطيب على المنبر إذا مرَّ بآية سجدة . فالذي وقف عليه هو أن مالكاً رحمه الله يرى أن يمرّ على آية السجود ولا يسجد (971) .

ولكن المتأمل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجد خلاف ما ذهب إليه مالك رحمه الله .

فقد أخرج أبو داود وابن خزيمة والحاكم من حديث أبي سعيد : ((قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ( ص ) ، فلما بلغ السجد نزل فسجد وسجد الناس معه ، فلما كان يوم آخر قرأها ، فلما بلغ السجدة تشزَّن (972) الناس للسجود ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود فنزل وسجد وسجدوا))(973) .

قال الشوكاني : رجال إسناده رجال الصحيح (974) . اهـ .

ومن ذلك ما ثبت عند البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل ، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس ، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال : يا أيها الناس ، إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، ولم يسجد عمر رضي الله عنه (975) .

قال الحافظ ابن حجر : للخطيب إذا مرَّ بآية سجدة أن ينزل إلى الأرض ليسجد بها إذا لم يتمكن من السجود فوق المنبر ، وإن ذلك لا يقطع الخطبة ، ووجه ذلك فعل عمر مع حضور الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم ، وعن مالك يمرُّ في خطبته ولا يسجد ، وهذا الأثر وارد عليه (976) . اهـ .

قلت : فيثبت بذلك مشروعية سجود التلاوة ولو على المنبر ، وهذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

قال النووي : " قال أصحابنا : ولو قرأ سجدة نزل وسجد إن لم يمكنه السجود على المنبر ، فإن أمكنه ، لم ينزل بل يسجد عليه ، فإن لم يمكن السجود عليه وكان عالياً وهو بطيء الحركة بحيث لو نزل لطال الفصل ترك السجود ولم ينزل ، وهو موافق لنص الشافعي في المختصر " (77 . اهـ .

وقال ابن قدامة : " وإن قرأ السجدة في أثناء الخطبة ، فإن شاء نزل فسجد ، وإن أمكن السجود على المنبر سجد عليه . وإن ترك السجود فلا حرج ، فعله عمر وترك . وبهذا قال الشافعي . وترك عثمان ، وأبو موسى ، وعمار ، والنعمان بن بشير ، وعقبة بن عامر . وبه قال أصحاب الرأي ؛ لأن السجود عندهم واجب . وقال مالك : لا ينزل ؛ لأنه صلاة تطوع ، فلا يشتغل بها في أثناء الخطبة ، كصلاة ركعتين . ولنا فعل عمر وتركه ، وفعل من سمينا من الصحابة ، رحمة الله عليهم ، ولأنه سنة وجد سببها ، لا يطول الفصل بها ، فاستٌحب فعلها ، كحمد الله تعالى إذا عطس ، وتشميت العاطس ، ولا يجب ذلك ؛ لما قدمنا من أن سجود التلاوة غير واجب " (978) . اهـ .

تـنـبـيـه :

ذهب الماوردي من الشافعية إلى أن الأولى للخطيب ألا يقرأ في خطبته آية سجدة ، ولو قرأ فالأولى ألا يسجد لئلا ينشغل بالسنة عن الواجب (979) . اهـ .

قلت : قوله بأن الأولى ألا يقرأ آية سجدة فيه نظر ، لورود الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سجدة وسجد ، وكذلك عن عمر رضي الله عنه كما مرَّ سابقاً .

فـائدة :

كيفية نزول الخطيب من المنبر لأجل السجود .

قال الخطابي : " إذا قرأ الإمام السجدة وهو يخطب يوم الجمعة فإنه إذا أراد النزول لم يقهقر(980) ، ونزل مقبلاً على الناس بوجهه حتى يسجد . وقد فعله عمر بن الخطاب " (981) . اهـ .

قلت : ولا يشكل على هذا ما جاء عند البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي في قصة صناعة المنبر وفيه : (( ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها – أي أعواد المنبر – وكبَّر وهو عليها ، ثم ركع وهو عليها ، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ... الحديث )) (982) .

فلا يصح أن يقول قائل : إنه إذا أراد أن يسجد للتلاوة فإنه ينزل من المنبر القهقرى ؛ لأن الذي في حديث سهل كان في الصلاة ، وأما حديث السجود للتلاوة فهو أثناء الخطبة ، ولا يقاس هذا على هذا .

وقد ذكر الخطابي والحافظ ابن حجر : أن علة نزوله صلى الله عليه وسلم القهقرى لأجل أنه كان في صلاة ، ولئلا يولي القبلة قفاه محافظة على استقبال القبلة (983) .

 81- إذا كان الخطيب والمأمومون كلهم خرساً أو كانوا كذلك دون الخطيب : 

ذكر في الإنصاف أنه إذا كان المأمومون كلهم صمّاً فعلى قولين : قيل : تصح الخطبة وقيل : لا تصح . وإن كانوا كلهم خرساً مع الخطيب فالصحيح من المذهب أنهم يصلون ظهراً لفوات الخطبة صورة ومعنىً . قلت – أي صاحب الإنصاف - : فيعايى بها (984) . وفيه وجه ، يصلون جمعة ، ويخطب أحدهم بالإشارة ، فيصبح كما تصح جميع عباداته ، من صلاته ، وإمامته ، ولعانه ، ويمينه ، وتلبيته ، وشهادته ، وإسلامه ، وردته ، ونحو ذلك . قلت – أي صاحب الإنصاف - : فيعايى بها أيضاً (985) . اهـ .

قلت : وهذا هو الصحيح . ومعنى يعايى بها أي : أن الفقهاء يجعلونها لغزاً .

 82- قول الخطيب : (( قال الله تعالى : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )) : 

يقع بعض الخطباء في خطأ ظاهر ، وذلك حينما يقول بعضهم : يقول الله تعالى في محكم التنزيل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. ثم يورد الآية ووجه الخطأ في ذلك هو إيراد الاستعاذة بعد قوله : يقول الله تعالى ، فيكون المعنى أن الاستعاذة هي مما قاله الله تعالى وهذا ليس بصحيح ، فالأولى أن يستعيذ فقط دون أن يسبقها بقوله : قال الله تعالى ، أو أن يكتفي بقوله : يقول الله تعالى ، ثم يورد الآية دون أن يستعيذ .

قال ابن عابدين الحنفي في حاشيته : " جرت العادة إذا قرأ الخطيب الآية أنه يقول : قال الله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : " { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً } سورة الجاثية ، آية : 15 . الخ ، وفيه إيهام أن أعوذ بالله من مقول الله تعالى ، وبعضهم يتباعد عن ذلك فيقول : قال الله تعالى كلاماً أتلوه بعد قولي أعوذ بالله ... الخ ، ولكن في حصول سنة الاستعاذة بذلك نظر ، لأن المطلوب إنشاء الاستعاذة ، ولم تبق كذلك بل صارت محكية مقصوداً بها لفظاً ، وذلك ينافي الإنشاء كما لا يخفى ، فالأولى أن لا يقول : قال الله تعالى ، ولشيخ مشايخنا العلامة إسماعيل الجراحي شارح البخاري في رسالة في هذه المسألة لا يحضرني الآن ما قاله فيها ، فراجعها (986) . اهـ .

 83- حكم استعاذة الخطيب وبسملته عند قراءة آيات في الخطبة : 

في هذه المسألة أمران : الأول : حكم الاستعاذة . والثاني : حكم البسملة .

الأمر الأول :

حكم الاستعاذة ، الكلام حول هذه المسألة من وجوه .

الوجه الأول :

قال الله تعالى : {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} سورة النحل، آية: 98 . قد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الآية على قولين :

القول الأول :

قالوا : محل الاستعاذة بعد القراءة تمسكاً بظاهر هذه الآية . وممن قال بهذا حمرة وهو أحد القراء وأبو حاتم السجستاني كما ذكر ذلك ابن كثير (987) . وروي أيضاً عن أبي هريرة ومحمد بن سيرين والنخعي ، وكان أبو هريرة يتعوذ بعد فراغ الفاتحة لظاهر الآية . كما نقل ذلك النووي عنهم (988) . اهـ . وهو قول داود الظاهري (989) .

قال ابن العربي عن هذا القول : انتهى العي بقوم إلى أن قالوا : إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذٍ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم (990) . اهـ .

القول الثاني :

قالوا : إن محل الاستعاذة قبل القراءة ، وأن معنى الآية : أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله كقوله تعالى :{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ..الآية}سورة المائدة ، آية: 6 أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة . وأمثال هذا في القرآن كثير . قال القرطبي : فأوقع الماضي مكان المستقبل كقول الشاعر :

وإني لآتيكم لذكر الذي مضى  ***  من الود واستئناف ما كان في غد

أي ما يكون في غد (991) . اهـ .

وسار على هذا القول جمهور العلماء ، وهو الصحيح كما بيَّن ذلك ابن العربي والقرطبي وابن كثير وغيرهم ، وحكى الجصاص بأن القول الأول قول شاذ (992) ، وضعَّف ابن الجزري صحة ما يروى عن أصحاب القول الأول (993) .

الوجه الثاني :

حكم الاستعاذة عند القراءة خارج الصلاة :

اختلف أهل العلم في ذلك على قولين :

القول الأول :

قال أصحاب هذا القول بوجوب الاستعاذة عند القراءة خارج الصلاة . وممن قال بذلك عطاء ، واختاره ابن حزم (994) .

ودليل هذا القول هو ظاهر الآية ، حيث إنه أمر ، والأمر يقتضي الوجوب .

القول الثاني :

قال أصحابه : إن الاستعاذة هنا مستحبة ، وهو قول جمهور أهل العلم (995) ، وحكى السرخسي وابن عطية الإجماع على أنها سنة ، وذكر السرخسي أن قول عطاء مخالف للإجماع (996) .

قال الطبري : " ليس بالأمر اللازم وإنما هو إعلام وندب . وذلك لا خلاف بين الجميع أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءته أو بعدها أنه لم يضيع فرضاً واجباً (997) . اهـ .

ودليل من قال بالاستحباب هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يورد كثيراً من الآيات في الخطب وفي غير الخطب ، وما نقل عنه أنه كان يفتتحها بالبسملة أو الاستعاذة .

الوجه الثالث :

وهو الجهر بها :

ذهب جمهور القراء إلى القارئ يجهر بها في غير الصلاة ، كما ذكر ذلك الإمام مكي (998) ، وذهب آخرون إلى الإسرار بها ؛ لئلا يظن ظان أو يتوهم متوهم أنه من القرآن أو أنه فرض لازم ، وهو مروي عن حمزة ونافع (999) .

الوجه الرابع :

اتفق القراء على مشروعية التعوذ قبل البسملة وذلك في ابتداء السور ، وأما إذا ابتدأ القارئ من وسط السورة أو نحو ذلك فقد اختلفوا هل يتعوذ أو يبسمل ، أو يجمع بينهما ؟ وصحح بعضهم أنه يتعوذ فقط ويقف بعد الاستعاذة ثم يقرأ القرآن ، ويجوز له أن يصل الاستعاذة بالقراءة مباشرة دون توقف (1000)

الأمر الثاني :

حكم قراءة البسملة في غير الصلاة :

أجمع العلماء على مشروعية التسمية عند القراءة خارج الصلاة عند قراءة أول السورة ما عدا سورة براءة (1001).

أما عند وسط السورة فيتعوذ فقط ولا يبسمل عند أكثر أهل العلم (1002) .

واختلفوا في الجهر بها أو الإسرار على قولين (1003) .

قلت : والأظهر والأقرب هو القول بالجهر بها ؛ لموافقته لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج الإمام أحمد ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أنزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم . { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ{1} فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{2} إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ{3} } .. الحديث )) (1004) .

وهذا الحديث دليل واضح في أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بها في غير الصلاة ، وإلا لما نقلها الراوي كما سمعها . والعلم عند الله تعالى .

 84- تخصيص الخطيب الآية التي يقرآها في آخر الخطبة أو نحو ذلك بالاستعاذة أو البسملة دون غيرها من الآيات : 

ما يلتزمه بعض الخطباء في خطبهم من التغاير اللافت عند الاستشهاد بالآيات هو محل نظر ، حيث إن بعض الخطباء لا يزيد على قوله : قال الله تعالى ، ثم يقرأ الآية أو يقول نحو ذلك ، ولكنه إذا أراد أن يختم الخطبة بآية قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم يقرأ الآية فتجده يخصص الآية الأخيرة بالاستعاذة دون سواها، ولاشك أن هذا لا وجه له لأمور ثلاثة .

أحدها : أن هذا ليس بقراءة ، وإنما هو استشهاد بآية ، والله يقول : {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} سورة النحل، آية: 98 .  والمراد بالقراءة هنا التلاوة .

وثانيها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك حسب الاستقراء في استشهاداته بالآيات ، فلم يرد أنه كان يستعيذ بالله إذا استشهد بآية ، إلا في حالة واحدة وهي التي ذكرناها سابقاً في سورة الكوثر ، حيث بدأها بالبسملة .

وثالثها : أن مثل هؤلاء الخطباء يلتزم الاستعاذة في الآية الأخيرة ، دون ما يسبقها من آيات ، ولا شك أن هذا تخصيص بدون مخصص ، وهنا مثار الإشكال والنقص ، فالأولى أن يأتي بالاستعاذة فيها كلها ، أو يترك الاستعاذة فيها كلها .

قال صاحب الفتاوى التاتار خانية الحنفي : " إذا أراد – أي الخطيب – أن يقرأ سورة تامة يتعوذ في أولها ويسمي ، وإن قرأ آية من القرآن اختلف المشايخ فيه ، قال بعضهم : " يتعوذ ويسمي ، وأكثرهم قالوا : " يتعوذ ولا يسمي " ، ولهذا تعارف الخطباء ترك التسمية أحياناً والإتيان بالتعوذ على كل حال يقولون : " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وقد يسمون وقد لا يسمون " . وأصل الاختلاف في القراءة في غير الخطبة إذا أراد أن يقرأ سورة يتعوذ ويسمي ، وإذا أراد أن يقرأ آية هل يسمي ؟ فعلى الاختلاف (1005) : . اهـ .

فـائدة :

حكى أبو الحين السخاوي إجماع المسلمين على أن الاستعاذة قبل القراءة ، وقال داود الظاهري : " الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة عملاً بالآية { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ }(1006)

وممن قال بهذا حمزة وهو أحد القراء ، وأبو حاتم السجستاني (1007) ، وروي أيضاً عن أبي هريرة ومحمد بن سيرين والنخعي (1008) . وذلك تمسكاً بظاهر الآية .

قال ابن العربي : انتهى العي بقوم إلى أن قالوا : إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم (1009) . اهـ .

قلت : ينبغي أن لا يكون كلام ابن العربي هذا موجهاً إلى ما روي عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي ، لما في عبارته من الغلظة والفظاظة ، ولأن هذا القول منقول عنهم بصيغة التمريض ، فلعله إذن يشير بقوله هذا إلى داود الظاهري . والله أعلم .

 85- هل يزيد الخطيب في الخطبة حتى يفرغ الداخل من تحية المسجد ؟  : 

جرت العادة على تخلف بعض المصلين عن التكبير يوم الجمعة ، فقد يأتي بعضهم وقد قارب الخطيب من نهاية خطبته ، فإذا دخل هذا المتأخر مع نهاية خطبة الخطيب ثمَّ شرع هذا المتأخر بتحية المسجد بحيث إن الخطيب سينتهي من خطبته قبل أن يتم هذا المتأخر ركعتي التحية ، فما موقف الخطيب حينئذ ؟ .

الواقع أنه ليس في هذه المسألة نص شرعي يمكن التمسك به ، غير أن هناك أقوالاً لبعض أهل العلم أورد بعضها :

فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى متحدثاً عن المأموم إذا دخل المسجد والإمام يخطب بما نصه : " فإذا دخل والإمام في آخر الكلام ولا يمكنه أن يصلي ركعتين خفيفتين قبل دخول الإمام في الصلاة ... إلى أن قال : وأرى للإمام أن يأمره بصلاتهما ويزيد في كلامه بقدر ما يكملهما ، فإن لم يفعل الإمام كرهت ذلك ولا شيء عليه (1010) . اهـ .

وقال النووي : "قال صاحب العدة : يستحب للإمام أن يزيد في الخطبة قدراً يمكنه أن يأتي بالركعتين فيه ، وهذا موافق لنص الإمام الشافعي ، فإنه قال في الأم .. الخ (1011). اهـ .

 86- هل نزول الخطيب من المنبر عند الحاجة إلى ذلك : 

هذا المسألة تنبني على الخلاف فيما يتعلق بالموالاة في الخطبة وعدم قطعها بفاصل يطول . ولا شك أن نزول الخطيب من المنبر ثم العودة إليه يعد من الفاصل ، ولكن هذا الفاصل هل يبطل الموالاة على قول من يشترط الموالاة ؟! فإنه إن طال الفاصل بطلت وعليه أن يعيد ، وإن لم يطل الفاصل لم تبطل ؟

قال الشافعي رحمه الله : " ولا بأس أن ينزل عن المنبر للحاجة قبل أن يتكلم ثم يعود إلى المنبر ، وإن نزل عن المنبر بعدما تكلم استأنف الخطبة ، لا يجزئه غير ذلك ، لأن الخطبة لا تعد خطبة إذا فصل بينها بنزول يطول أو بشيء يكون قاطعاً لها " (1012) . اهـ .

وقد أخرج الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث عبدالله بن بريدة عن أبيه قال : (( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ، ثم قال : (( صدق الله : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } سورة التغابن آية :15 . رأيت هذين فلم أصبر ، ثم أخذ في خطبته )) واللفظ لأبي داود (1013) .

وقد أخرج أبو داود وابن خزيمة والحاكم ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ على المنبر ( ص ) وبلغ السجدة نزل فسجد (1014) .

وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل ، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد .. الخ (1015) .

ففي هذه الأحاديث دليل على جواز النزول للخطيب إذا احتاج لذلك ، وظاهره أنه لم يطل الفصل .

قال أبو زرعة العراقي : " قد يستدل بهذه القصة من لا يوجب الموالاة في الخطبة ، لكنه زمن يسير لا يقطع الموالاة عند من يشترطها ، فليست هذه الصورة في موضع النزاع .. والمرجع فيما يقطع الموالاة من كلام أم فعل إلى العرف ، وحيث انقطعت الموالاة استأنف الأركان . وقد يقال : لم تكن هذه الخطبة خطبة الجمعة ، لكن النسائي بوَّب عليه نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة يوم الجمعة . وقال الحاكم : هو أصل في قطع الخطبة والنزول من المنبر عند الحاجة " (1016) . اهـ .

وقد استدل الحافظ ابن حجر بهذه الأحاديث على أن النزول لا يقطع الخطبة (1017) .

وأما النووي فإنه قد فرَّق في ذلك بين النزول الذي يطول بسببه الفصل ، وبين الذي لا يطول به الفصل ، فذهب إلى أنه إذا كان مما يطول به الفصل فإنه يترك السجود ولا ينزل ، ويرى أن هذا هو الموافق لنص الشافعي (1018) .

إشكـال وردُّه :

قال أبو زرعة العراقي عن حديث الحسن والحسين السابق ذكره : " إن قلت ظاهر الحديث أن قطع الخطبة والنزول لأخذهما فتنة دعا إليها محبة الأولاد ، وكان الأرجح تركه والاستمرار في الخطبة وهذا لا يليق بحال النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يقطعه عن العبادة أمر دنيوي ، ولا يفعل إلا ما هو الأرجح والأكمل . قلت : قد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم جواز مثل ذلك بفعله فكان راجحاً في حقه لتضمنه بيان الشريعة التي أرسل بها ، وإن كان مرجوحاً في حق غيره ، لخلوه عن البيان ، وكونه نشأ عن إيثار مصلحة الأولاد على القيام بحق العبادة ، ونبَّه عليه الصلاة والسلام بما ذكره في ذلك على حال غيره في ذلك لا على حال نفسه ، فإنه عليه الصلاة والسلام لا يفعل ذلك إلا لمصلحة راجحة على مصلحة الخطبة ، وبتقدير أن يكون لمصلحة مرجوحة فذلك الفعل في حقه راجح على الترك ، لكونه بيَّن به جواز تقديم المصلحة المرجوحة على الأمر الراجح الذي هو فيه ، والله أعلم " (1019)

 87- حكم قيام الخطيب أثناء الخطبة : 

اختلف أهل العلم في اشتراط قيام الخطيب حال الخطبة على قولين :

القول الأول :

وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما ، قالوا : إن القيام ليس شرطاً في صحة الخطبة (1020) ، لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال ، فلم يجب له القيام كالأذان ، فإن تركه صحت الخطبة .

واستبدل بعضهم لهذا القول بما أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي سعيد (( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله ... )) (1021) .

وبما أخرجه البخاري وغيره أيضاً من حديث سهل وفيه (( مُري غلامك يعمل لي أعواداً أجلس عليها )) (1022) .

وأجيب عن الدليل الأول : بأنه كان في غير خطبة الجمعة ، وعن الدليل الثاني : باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس أول ما يصعد وبين الخطبتين (1023) .

القول الثاني :

وهو قول مالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ، على أن القيام حال الخطبة شرط لابد منه (1024)  .

واحتج هؤلاء بما رواه مسلم وغيره عن جابر بن سمرة قال : (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً ، ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائماً فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب ، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة )) (1024) .

قال النووي : المراد الصلوات الخمس لا الجمعة (1025) . اهـ .

وقال الشوكاني : ولابد من هذا ، لأن الجمع التي صلاها صلى الله عليه وسلم من عند افتراض صلاة الجمعة إلى عند موته لا تبلغ ذلك المقدار ولا نصفه (1026) . اهـ .

واحتجوا كذلك بما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يقعد ، ثم يقوم كما تفعلون الآن )) (1027) .

وبما رواه مسلم عن كعب بن عجرة قال : دخل المسجد وعبدالرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً فقال : انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً ، وقد قال الله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً } (1028) .

قال القاضي عياض : هذا الذم وإطلاق الخبيث عليه يشير إلى أن القيام عندهم كان واجباً ، وأما ظاهر الآية فلا دليل فيها إلا من جهة إثبات القيام للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويحمل ذلك على أن المراد به أنه كان قائماً يخطب ، وأن أفعاله على الوجوب ، مع اتفاقهم على كونه مشروعاً(1029) . اهـ .

وقال ابن المنذر : والذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ، ما يفعله الأئمة إذا فرغ المؤذن من الأذان قام الإمام فخطب خطبة ... الخ (1030) . اهـ .

وقال النووي : ودليلنا أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )) . مع الأحاديث الصحيحة المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم (( كان يخطب خطبتين قائماً يجلس بينهما )) (1031) . اهـ .

وقال ابن قدامة : قال الأثرم : سمعت أبا عبدالله يُسْئَل عن الخطبة قاعداً ، أو يقعد في إحدى الخطبتين ؟ فلم يعجبه ، وقال : قال الله تعالى : { وَتَرَكُوكَ قَائِماً } . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً . فقال له الهيثم بن خارجة : كان عمر بن عبدالعزيز يجلس في خطبته . فظهر منه إنكار (1032) . اهـ .

فـائدتان :

الأولى :

قال الحافظ ابن حجر : أخرج ابن أبي شيبة عن طاوس " خطب رسول الله قائماً ، وأبو بكر قائماً ، وعمر قائماً ، وعثمان قائماً ، وأول من جلس على المنبر معاوية " (1033) .

وعنده من طريق الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه (1034) . وهذا مرسل يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال : " أول من استراح في الخطبة عثمان ، وكان إذا أعيى جلس ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالساً معاوية " (1035).

وذكر الهيثمي عن موسى بن طلحة قال : شهدت عثمان يخطب على المنبر قائماً ، وشهدت معاوية يخطب قاعداً ، فقال : أما إني لم أجهل السنة ، ولكن كبرت سني ورقَّ عظمي ، وكثرت حوائجكم ، فأردت أن أقضي بعض حوائجكم قاعداً ، ثم أقوم فآخذ نصيبي من السنة .

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ، وفيه قيس بن الربيع وقد وثقه شعبة والثوري ، وضعَّفه غيرهما (1036) . اهـ .

وروى عبدالرزاق عن معمر عن قتادة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً ، ثم فعل ذلك عثمان حتى شقَّ عليه القيام ، فكان يخطب قائماً ، ثم يجلس ثم يقوم أيضاً فيخطب ، فلما كان معاوية خطب الأولى جالساً ثم يقوم فيخطب الآخرة قائما " (1037) .

قال الحافظ ابن حجر : ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعداً ، لأنه تبين أن ذلك للضرورة . اهـ (1038) . والعلم عند الله تعالى .

الثانية :

أخرج عبدالرزاق عن محمد بن راشد قال : حدثنا سليمان بن موسى أن رسول الله وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً لا يقعدون إلا في الفصل بين الخطبتين ، وأول من جلس معاوية ، فلما كان عبدالملك خطب قائماً وضرب برجله على المنبر وقال : هذه السنة ، فلما طال عليه الأمر جلس بعد (1039) . اهـ .

قلت : وقد رأيت أن هذا الحديث مرسل ، فسليمان بن موسى ليس صحابيّاً .


 88- حكم جلوس الخطيب بين الخطبتين : 

 روى الشيخان عن ابن عمر قال : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما )) (1040) وقد تقدم من حديث جابر بن سمرة عند مسلم .

وقد اختلف أهل العلم في حكم هذه الجلسة على قولين :

القول الأول :

ذهبوا إلى عدم وجوب هذه الجلسة وأنها مستحبة ، لأنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالجلسة الأولى . وبهذا قال جمهور أهل العلم (1041) .

قال ابن عبدالبر : ذهب مالك والعراقيون وسائر فقهاء الأمصار إلا الشافعي إلى أن الجلوس بين الخطبتين لا شيء على من تركه (1042) . اهـ .

القول الثاني :

وهو قول الشافعي ، وحكى أنه رواية عن مالك على أن الجلوس بين الخطبتين واجب(1043) .

قال الحافظ ابن حجر : وزعم الطحاوي أن الشافعي تفرد بذلك وتعقب بأنه محكي عن مالك أيضاً في رواية، وهو المشهور عن أحمد، نقله شيخنا في شرح الترمذي(1044) اهـ .

واستدل الشافعي فعل النبي صلى الله عليه وسلم  ومواظبته على ذلك مع قوله ((صلوا كما رأيتموني أصلي ))(1045) .

وأجاب ابن دقيق العيد عن قول الشافعي هذا بقوله : يتوقف ذلك على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخل تحت كيفية الصلاة ، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل (1046) . اهـ .

وحكى ابن المنذر أن بعض العلماء عارض الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم   واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى ، فإن كانت مواظبته دليلاً على شرطية الجلسة الوسطى فلتكن دليلاً على شرطية الجلسة الأولى (1047) . اهـ .

وتعقب الحافظ ابن حجر ابن المنذر بقوله : وهذا متعقب بأن جلَّ الروايات عن ابن عمر ليست فيها هذه الجلسة الأولى ، وهي من رواية عبدالله العمري المضعف فلم تثبت المواظبة عليها ، بخلاف التي بين الخطبتين (1048) . اهـ .

وقد نصر قول الشافعي هذا النووي في المجموع ، واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم((صلوا كما رأيتموني أصلي )) (1048) مع الأحاديث المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين قائماً يجلس بينهما (1049) . اهـ .

قلت : والقول بالوجوب هو ظاهر صنيع البخاري في صحيحه حيث بوَّب لذلك باباً فقال : باب العقدة بين الخطبتين يوم الجمعة .

قال الحافظ ابن حجر : وظاهر صنيعه أنه يقول بوجوبها كما يقول به في أصل الخطبة(1050) . اهـ .

قال ابن المنذر : والذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ما يفعله الأئمة ، وهو جلوس الإمام على المنبر أول ما يرقى إليه ، ويؤذن المؤذن والإمام جالس ، فإذا فرغ المؤذن من الأذان قام الإمام فخطب خطبة ثم جلس وهو في حال جلوسه غير خاطب ولا يتكلم ، ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية ثم ينزل عند فراغه (1051) . اهـ .

فـوائد :

الأولى: اختُلف في الحكمة من هذه الجلسة بين الخطبتين :

 قال الحافظ ابن حجر : قيل : للفصل بين الخطبتين ، وقيل : للراحة . وعلى الأول وهو الأظهر يكفي السكوت بقدرها . ويظهر أثر الخلاف أيضاً فيمن خطب قاعداً لعجزه عن القيام . وقد ألزم الطحاوي من قال بوجوب الجلوس بين الخطبتين أن يوجب القيام في الخطبتين ، لأن كلاً منهما اقتصر على فعل شيء واحد(1052) .اهـ 

الثانية : لم يرد نصٌّ صريحٌ في تحديد مقدار هذه الجلسة ، غير أن بعض الفقهاء قد تكلموا عن ذلك :

فقد قال في التاتار خانية : قال السرخسي : إذا تمكن في موضع جلوسه واستقر كل عضو منه في موضعه قام من غير مكث ولبث .

وكان ابن أبي ليلى يقول : إذا مسَّ الأرض في موضع جلوسه أدنى مسة قام إلى الخطبة الأخرى . وقال بعض الحنفية : مقدار ثلاث آيات (1053).اهـ

وقال الطحاوي : " بقدر ما يمس موضع جلوسه من المنبر " (1054).اهـ 

وقال النووي : " قال أصحابنا : وهذا الجلوس خفيف جداً قدر سورة الإخلاص تقريباً ، والواجب منه قدر الطمأنينة " (1055) . اهـ .

وقال في الإنصاف : تكون الجلسة خفيفة جداً . قال جماعة : بقدر سورة الإخلاص (1056). اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر : " وقدرها من قال بوجوبها بقدر جلسة الاستراحة ، وبقدر ما يقرأ سورة الإخلاص " (1057) . اهـ .

الثالثة : ما يقال في الجلسة بين الخطبتين :

لم أقف على ما يدل شرعاً على أن الخطيب يقوم شيئاً في هذه الجلسة . وقد قال ابن قدامة : " ولنا أنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع " (1058)  . اهـ .

وأورد الحافظ ابن حجر الحديث الذي رواه أبو داود بلفظ : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين ، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ، ثم يقوم فيخطب ، ثم يجلس فلا يتكلم ، ثم يقوم فيخطب )) (1059) .

قال الحافظ ابن حجر : واستفيد من هذا أن حال الجلوس بين الخطبتين لا كلام فيه ، لكن ليس فيه نفي أن يذكر الله أو يدعوه سرّاً (1060)

 89- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر أو الأمر بها : 

       جرت عادة كثير من الخطباء على أن يختموا الخطبة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو الأمر بذلك ، وهذا لا دليل عليه في هذا الموضع ، والأولى ألا يقتصر على موضع واحد إن كان ، فتارة يصلي عليه في أولها ، وأخرى في أوسطها ، ولا يلتزم موضعاً واحداً يوهم أن ذلك هو السنة .

وهل يأمر المصلين بذلك ؟ .

الجواب : لا دليل على الأمر بها ، ولا مانع من ذلك أحياناً للتذكير بفضلها لاسيما في يوم الجمعة ، لأن الخطبة للموعظة والتذكير والإرشاد ، وأما الديمومة فلا دليل عليها . ولكن عمل الناس من قديم الزمن على ذلك ، غير أني لا أعلم مستنداً لهذا بل إنني وقفت على أثر ضعف يمنع من ذلك ، فقد روى الطبراني في الكبير عن عبدالله بن الزبير قال : " ليس من السنة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر " .

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير وفيه ليث بن أبي سليم ، وهو مدلس (1061) . اهـ .

قلت : فعلى قول ابن الزبير هذا يكون الأمر بها من باب أولى . ولكن الأثر هذا ضعيف كما ترى .

وأقدم ما وقفت عليه من الأقوال في هذه المسألة هو قول الأوزاعي رحمه الله ، والذي توفي سنة مائة وسبع وخمسين . فقد قال رحمه الله : " إذا صلى الإمام على النبي سكت حتى يصلي الناس ، فإن لم يسكت أنصت الناس ، وأمنوا على دعائه " (1062) . اهـ .

ثم يليه في القدم قول أبي يوسف رحمه الله حيث توفي سنة ثنتين وثمانين ومائة من الهجرة

فقد قال رحمه الله : "إن الإمام إذا قرأ في خطبته { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } أنه ينبغي للناس أن يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال " (1063) . اهـ .

وكان أبو جعفر الطحاوي يقول : " على القوم أن يستمعوا إلى أن يبلغ الخطيب إلى قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } سورة الأحزاب، آية: 56.(1064) . اهـ.

وقال ابن المنذر – وهو من أهل القرن الثالث-: واختلفوا فيما يفعله المستمع للخطبة إذا قرأ الإمام {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ }الآية, فقالت طائفة : يصلون عليه في أنفسهم ويسلمون تسليماً ...الخ(1065) . اهـ

       وقد ذكر ابن حزم في معرض حديثه عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة قائلاً : "والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر الخطيب في الصلاة عليه والتأمين على دعائه"(1066) . اهـ 

وقال النووي : " قال في البيان : إذا قرأ الإمام في الخطبة : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } جاز للمستمع أن يصلي على النبي ويرفع بها صوته " (1067) . اهـ .

وتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مشيراً إلى مثل هذا ، فلم ينكره حيث قال : " وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بالصلاة والسلام عليه مخصوصاً بذلك فقال : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } سورة الأحزاب ، آية : 56. فهنا أخبر وأمر . وأما في حق عموم المؤمنين فأخبر ولم يأمر ، فقال تعالى : { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ } سورة الأحزاب ، آية : 43. ولهذا إذا ذكر الخطباء ذلك قالوا : إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه ، وثنى بملائكته ، وأيَّه بالمؤمنين من بريته أي قال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } اهـ(1068) .

قلت : فدلَّ هذا على شهرة هذه المقولة منذ زمن متقدم أي في القرن الثاني الهجري . والعلم عند الله تعالى .

ثم إنني وقفت على كلام للشيخ الطنطاوي رحمه الله وهو من المعاصرين وقد قال فيه بما نصه : " وما يلتزمه الخطباء فيها – أي في الخطبة الثانية – من الصلاة الإبراهيمية ، والترضي عن الخلفاء والتابعين بأسمائهم ، لم يلتزمه أحدٌ من السلف (1069) . اهـ .

تـنـبـيـه :

ذكر فضيلة شيخنا الدكتور صالح الفوزان أن أمر الخطيب للحضور بأن يصلوا على النبي صلى الله وسلم من الابتداع والجهل ، فقد قال بما نصه : وربما أن بعض الخطباء يأمر الحاضرين بذلك – أي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا جهل وابتداع لا يجوز فعله (1070) . اهـ .

وقد تحدث معي بعض طلبة العلم عن هذه المسألة ورأى بعضهم أنها بدعة ونسبوا ذلك إلى شيخ الإسلام رحمه الله .

قلت : ولا يثبت عن شيخ الإسلام أنه وصف أمر الخطباء بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالبدعية حسب اطلاعي وبحثي . بل إنه أوردها في كلامه على هيئة المقر لها إذ لم يتعرض لها بشيء . فلعل هؤلاء الذين نقلوا عن شيخ الإسلام هذه المسألة قد وهموا والتبس عليهم الأمر بكلام آخر ذكره شيخ الإسلام لكنه يخص المؤذنين والحضور ولا يتعلق بالخطيب ، فلعلَّ من قرأ ذلك قد قاس الخطيب عليه ، أو ظن أن كلام شيخ الإسلام عام يشمل حتى الخطيب . وإليك نص كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة .

فقد قال رحمه الله : "جهر المؤذن بذلك -أي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم- كجهره بالصلاة والترضي عند رقي الخطيب المنبر ، أو جهزه بالدعاء للخطيب والإمام ، ونحو ذلك: لم يكن على عهد رسول الله صلى الله وسلم، وخلفائه الراشدين ، ولا استحبه أحد من الأئمة. وأشد من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة، وكل ذلك بدعة والله أعلم(1071). اهـ .

قلت : قول شيخ الإسلام ( وأشد من ذلك الجهر بنحو ذلك في الخطبة ، وكل ذلك بدعة ) هذه العبارة هي محل وهم من ظن أن شيخ الإسلام يرى أن الأمر بالصلاة من قبل الخطيب بدعة ، وهذا الوهم باطل من وجوه :

الوجه الأول : أنه قال ( الجهر بنحو ذلك في الخطبة ) معلوم أن الخطبة ليست سرية بل هي جهرية ، فدلَّ على أن مراد شيخ الإسلام هو الجهر بها من قبل المؤذن أو الحضور .

الوجه الثاني : أنه مرَّ معنا أن شيخ الإسلام أورد قول الخطباء بالأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإقرار بذلك ، ولم ينكر بشيء من صور الإنكار ، فدلَّ على أنه لا يقول بالبدعية .

الوجه الثالث : أن مما يؤيد أن مراد شيخ الإسلام هو ما يفعله المؤذنون وقت الخطبة من الجهر بالأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، هو كلامه في موضع آخر أصرح من الوضع السابق حيث قال : " وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها ، فهذا مكروه باتفاق الأئمة " (1072) . اهـ ، فدلَّ على أن قوله هنا ( وقت الخطبة ) هو قوله هناك في ( الخطبة ) وكلاهما يرجعان إلى فعل المؤذن . والله أعلم .

 90- إذا أغلق على الخطيب : 

قد يتلعثم الخطيب أو يغلق عليه في خطبته كما يغلق عليه في صلاته . فقد ذكر ابن قتيبة جملة من الذين أرتج (1073) عليهم وهم على المنبر ، كاليربوعي ، وعبدالله بن عامر ، وخالد بن عبدالله القسري ، ومعن بن زائدة ، وعبدربه اليشكري، وروح بن حاتم ، وغيرهم.

كما أنه ذكر عن ثابت قطنة  أنه صعد منبراً بسجستان فحمد الله ثم أرتج عليه ، فنزل وهو يقول :

فإلا أكن فيكم خطيباً فإنني *** بسيفي إذا جدَّ الوغى الخطيب

فقيل له : لو قلتها على المنبر كنت أخطب الناس (1074) . اهـ .

وليس ذلك ببعيد ، إذ خطبة الجمعة أمرها عظيم ، فإن المنبر له هيبة لا يمكن إنكارها ، وقد ذكر ابن مفلح ما يدل على ذلك بقوله : وذكر ابن عبدالبر عن جماعة منهم عثمان ، وعبدالرحمن بن خالد بن الوليد ، وعبدالملك بن مروان ، ومعن بن زائدة ، وخالد القسري ، أنهم خطبوا فأرتج عليهم ، وعن بعضهم قال : هيبة الزلل تورث حصراً ، وهيبة العافية تورث جبناً . وذكر أبو جعفر النحاس أنه أرتج على يزيد بن أبي سفيان(1075) فعاد إلى الحمد ثلاثاً ، فأرتج عليه فقال : يا أهل الشام ، عسى الله أن يجعل بعد عسر يسراً ، وبعد عيّ بياناً ، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل ، ثم نزل ، فبلغ ذلك عمر بن العاص فاستحسنه . وقيل لعبدالملك بن مروان : عجل عليك الشيب ، فقال : كيف لا يعجل وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين ! (1076) وخطب عبدالله بن عامر في يوم أضحى فأرتج عليه ، فقال : لا أجمع عليكم لوماً وعياً ، من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي. وأرتج على معن بن زائدة فقال – وضرب برجله المنبر – فتى حروب لا فتى منابر (1077) . اهـ .

وقد خطب خالد بن عبد الله القسري مرة ، فعندما أرتج عليه اعتذر قائلا: أيها الناس ، إن الكلام يجيء أحيانا فيتسبب سببه ،و يعزب أحياناً فيعز طلبه، فربما طولب فأبى ،و كوبر فعصى ، فالتأني لمجيبه أصوب من التعاطي  لآبيه(1078) . اهـ .           

قلت : وقد نسب بعض أهل العلم عن عثمان رضي الله عنه أنه قال : الحمد لله فأرتج عليه فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً ، وأنتم إلى إمام فعَّال أحوج منكم إلى إمام قوَّال ، وستأتيكم الخطب بعد ، وأستغفر الله لي ولكم ، ونزل وصلى بهم ولم ينكر عليه أحد (1079)0

قال في فتح القدير عن قصة عثمان هذه : " إنها لم تعرف في كتب الحديث بل في كتب الفقه (1080) " . اهـ .

وذكر الزيعلي أنها لم ترو مسندة وإنما ذكرها القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب غريب الحديث من غير سند . وأقره ابن حجر في الدراية (1081)  .

وقال عبيد الله بن زياد : نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البريد ، والتشرف للخطيب . اهـ . (1082) .

وقد قال الشافعي رحمه الله : وإذا حُصر الإمام لقن .

قال النووي في المجموع : " قال الشيخ أبو حامد والأصحاب: ونص – أي الشافعي – في مواضع أخر أنه لا يلقن . قال القاضي أبو الطيب : قال أصحابنا : ليست على قولين بل على حالين فقوله : " يلقنه " أراد إذا استنطقة التلقين بحيث سكت ولم ينطق بشيء، وقوله "لا يلقنه" أراد ما دام يردد الكلام ويرجو أن ينفتح عليه فيترك حتى ينفتح عليه، فإن لم ينفتح عليه لقن، واتفق الأصحاب على أن مراد الشافعي هذا التفصيل، وأنها ليست على قولين(1083)اهـ

وقال البغوى : " يلقن إن كانت الخطبة معهودة يعرفونها كما يفتح على الإمام القراءة .. وإن لم تكن الخطبة معروفة لا يلقن " (1084) . اهـ .

قلت : وهو قول جمهور أهل العلم في الفتح على الإمام في الصلاة وتلقينه ، ولاشك أن الخطبة أقل شأناً من الصلاة ، ويدل على جواز تلقين الإمام ما رواه أبو داود وغيره من حديث المسور بن يزيد الأسدي رضي الله عنه قال : شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقرأ في الصلاة فترك شيئاً لم يقرأه ، فقال له رجل : يا رسول الله ، تركت آية كذا وكذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((هلا أذكرتنيها)) قال : كنت أراها نسخت (1085).

ولأبي داود أيضاً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه ، فلما انصرف قال لأُبي رضي الله عنه : (( أصليت معنا )) قال : نعم . قال : (( فما منعك ؟ )) (1086) .

إشكـال ودفـعـه :

قد يشكل على هذين الحديثين السابقين ما رواه أبو داود أيضاً من حديث علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا علي ، لا تفتح على الإمام في الصلاة )) (1087) .

فالجواب على هذا : هو أن الإشكال يزول بأن حديث علي ضعيف لا يقاوم الحديثين السابقين فلا معارضة حينئذ .

قال الخطابي عن حديث علي هذا : إسناد حديث أُبيّ رضي الله عنه جيد ، وحديث علي رضي الله عنه من رواية الحارث وفيه مقال (1088) . اهـ .


 91- ذكر الخلفاء الراشدين وغيرهم في الخطبة : 

       جرت عادة بعض أهل السنة من قديم الزمن على ذكر الخلفاء الأربعة الراشدين وغيرهم – كالعشرة المبشرين بالجنة والعمين والبسطين – في خطبهم ، وذلك بالدعاء لهم والثناء عليهم حتى لقد عدَّ بعض أهل العلم ذلك من شعار أهل السنة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية على ما سيأتي .

       ولعل أول من سنَّ ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة هو عمر بن عبدالعزيز لما كان بعض بني أمية يسبون عليّاً ، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1089) .

وقد خالف في ذلك بعض أهل العلم كالمقبلي ، ورأى أن هذا من الأمور المبتدعة . فقد قال بما نصه : " وأما ذكر الخلفاء عدلهم وجائرهم فما هو إلا بدعة ، والتعلق بالعوائد الذي لا شاهد لأهلها ، ولا صدرت عن محلها ، إنما هي من أرباب الملوك ... فليس فيها متشبث للمتقي " (1090) . اهـ .

ثم إن الشيعة قد خالفوا أهل السنة في ذلك فأنكروا ذكر الخلفاء الأربعة وابتدعوا مكانها ذكر الأئمة الاثنى عشرية (1091) .

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى التومرتية الذين كانوا يدعون لابن التومرت مع تركهم لذكر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فقال : " ووصفوه بالصفات التي تُعلم أنها باطلة ، وجعلوا حزبه هم خواص أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتركوا مع ذلك ذكر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين .... الخ " (1092) . اهـ .

ويمكن أن يرد على من أنكر ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة بما ذكره شيخ الإسلام راداً على هذا الزعم الباطل بما خلاصته :

الوجه الأولى :

أن ذكر الخلفاء على المنبر كان على عهد عمر بن عبدالعزيز ، بل قد روي أنه كان على عهد عمر بن الخطاب ، وحديث ضبة بن محصن رضي الله عنه من أشهر الأحاديث في قصة أبي موسى الأشعري الذي كان يدعو في خطبته لعمر بن الخطاب .

الوجه الثاني :

أنه قد قيل : إن عمر بن عبدالعزيز ذكر الخلفاء الأربعة لما كان بعض بني أمية يسبون عليّاً ، فعوَّض عن ذلك بذكر الخلفاء والترضي عنهم ليمحو تلك السنة الفاسدة .

الوجه الثالث :

أن أهل السنة لا يقولون إن ذكر الخلفاء في الخطبة فرض ، بل يقولون إن الاقتصار على علي وحده أو الأئمة الاثنى عشر هو البدعة المنكرة التي لم يفعلها أحد ، لا من الصحابة ، ولا من التابعين ، ولا من بني أمية ، ولا من بني العباس ، وإن كان ذكر علي لكونه أمير المؤمنين مستحب ، فذكر الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدين أولى بالاستحباب .

الوجه الرابع :

أن ذكر الخلفاء الراشدين على المنبر يوم الجمعة إنما هو تعويض عن سبِّ من يسبهم ويقدح فيهم ، ليكون ذلك حفظاً للإسلام بإظهار موالاتهم والثناء عليهم ، ومنعهم ممن يريد عوراتهم والطعن عليهم . ولو ترك الخطيب ذكر الأربعة جميعاً لم ينكر عليه ، وإنما المنكر الاقتصار على واحد دون الثلاثة السابقين كما أنكر على أبي موسى ذكره لعمر دون أبي بكر ، مع أن عمر كان هو الحي خليفة الوقت (1093) . اهـ .

وحاصل كلام شيخ الإسلام في هذا هو أن ذكر الخلفاء الراشدين لا يجب في كل زمان ومكان إلا إذا قدر أن الواجبات الشرعية لا تقوم إلا بإظهار ذكر الخلفاء فإنه يكون مأموراً به في هذه الحال بحيث إذا ترك ظهر شعار أهل البدع والضلال كالاثني عشرية والتومرتية(1094) .

وقال ابن نجيم الحنفي : وذكر الخلفاء الراشدين مستحسن . بذلك جرى التوارث . وبذكر العمين(1095) . اهـ .

قلت : يعني بالعمين : حمزة والعباس رضي الله عنهما .

وذكر ابن عابدين مثل قول ابن نجيم (1096) .

وقال الزبيدي : " وذكر الخلفاء الراشدين عموماً ، والعمين ، والسبطين ، وأمهما ، وجدتهما ، مستحسن ، وإن احتاج إلى ذكر الأربعة الخلفاء على الخصوص بأن كان في بلدٍ فيه الرافضة ، فلا بأس أن يطيل بذكرهم كل واحد باسمه مع الأوصاف اللائقة بهم ، ثم يعطف عليهم بالباقين من العشرة " (1097) . اهـ .

وقال الشيخ محمد رشيد رضا : " الترضي عن الخلفاء الراشدين ، وسائر العشرة من الصحابة المبشرين بالجنة – رضي الله عنهم – حسن ، وقد شرع الله لنا أن ندعوا لأنفسنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، وهؤلاء العشرة خيارهم " (1098). اهـ .

 92- حكم الدعاء في الخطبة الجمعة : 

       لم أقف على نص صحيح يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا في خطبة الجمعة بدعاء معين سوى ما جاء عنه في دعاء الاستسقاء وهو في خطبة الجمعة على المنبر كم سيأتي بيانه إن شاء الله .

ولأهل العلم أقوال حول هذه المسألة حيث ذهب جمهورهم إلى مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة واستحبابه للمؤمنين والمؤمنات ، وفي مصالح المسلمين الدنيوية والأخروية . وإليك بعض أقواله في هذا :

فقد قال الكاساني الحنفي: من سنن الخطبة أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات اهـ (1099) .

وقد حكى النووي عن الشافعية قولين أحدهما : أنه مستحب . والثاني : أنه ركن لا تصح الخطبة إلا به وهو الصحيح المختار . اهـ . (1100) .

وقال ابن قدامة : ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه والحاضرين (1101) . اهـ .

قال المرداوي : بلا نزاع . وأشار بعض أهل العلم أنه باتفاق الأربعة ، لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ففيها أولى (1102) . اهـ .

وقال الرملي : يسن الدعاء للمؤمنين بأخروي لا دنيوي ، لاتباع السلف والخلف ، ولأن الدعاء يليق بالخواتيم (1103) . اهـ .

وقد ذهب ابن حزم إلى مشروعية دعاء الخطيب في الخطبة (1104) .

وقد ذكر شيخ الإسلام وابن القيم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا أشار بأصبعه . اهـ (1105) فهذا يدل على أنهما يقولان بمشروعية الدعاء في الخطبة .

قلت : ويستدل لأصحاب هذا القول بدليلين : أحدهما : حينما استسقى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يوم الجمعة كما في الصحيحين وغيرهما (1106) .

وثاني الدليلين : هو ما رواه أحمد عن حصين بن عبدالرحمن السلمي عن عمارة بن روبية (( أنه رأى بشر بن مروان رافعاً يديه يشير بأصبعه يدعو ، فقال : لعن الله هاتين اليدين ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى المنبر يدعو وهو يشير بأصبع )) وفي رواية لأحمد (( بأصبعه السبابة )) (1107) وأصل هذه القصة عند مسلم بلفظ آخر .

وقد ذهب البيهقي والشوكاني إلى مشروعية الدعاء في الخطبة عملاً بهذا الحديث(1108).

قلت : وفي كلام بعض أهل العلم ما يشير إلى التردد في القول بمشروعية الدعاء حال الخطبة .

فظاهر كلام الشافعي يدل على أنه لا يقوم بذلك فإنه قد نصَّ قائلاً : وأحب أن يخلص الإمام ابتداءً النقص في الخطبة بحمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم والعظة والقراءة ولا يزيد على ذلك (1109) . اهـ .

قلت : يؤكد ذلك إيراده رحمه الله لأثر عطاء حين سأله ابن جريج : ما الذي أرى الناس يدعون به في الخطبة يومئذ ، أبلغك عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عمن بعد النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال : لا إنما أحدث ، إنما كانت الخطبة تذكيراً . اهـ (1110).هذا ظاهر كلام الشافعي ، والله أعلم .

وقال المقبلي : وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فتحتاج إلى نقل ، ولا نعلمه ، وكذلك التزام الدعاء بل أكثريته لم ينقل (1111) . اهـ .

وقال شيخنا العلامة الشيخ محمد بن عثيمين : " ينبغي أيضاً في الخطبة أن يدعو للمسلمين الرعية والرعاة ... الخ " ثم قال : " لكن قد يقول قائل : كون هذه الساعة مما ترجى فيها الإجابة ، وكون الدعاء للمسلمين فيه مصلحة عظيمة موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وما وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله ، فتركه هو السنة ، إذ لو كان شرعاً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، فلابد من دليل خاص يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمسلمين ، فإن لم يوجد دليل خاص فإننا لا نأخذ به ، ولا نقول إنه من سنن الخطبة ، وغاية ما نقول : إنه من الجائز لكن قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ((كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة)) فإن صحَّ هذا الحديث فهو أصل في الموضوع ، وحينئذ لنا أن نقول : إن الدعاء سنة . أما إذا لم يصح فنقول : إن الدعاء جائز ، وحينئذ لا يتخذ سنة راتبة يواظب عليه ، لأنه إذا اتخذ سنة راتبة يواظب عليه فهم الناس أنه سنة، وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقة الواقع فإنه ينبغي تجنبه(1112) .اهـ

قلت : قول شيخنا ابن عثيمين : " كل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقة الواقع فإنه ينبغي تجنبه " !!! . اهـ قد قال بمثله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول ترك قراءة سورتي السجدة والإنسان فجر الجمعة أحياناً بما نصه : " ولا ينبغي المداومة على ذلك ، لئلا يظن الجاهل أن ذلك واجب ، بل يقرأ أحياناً غيرهما من القرآن " (1113)  . اهـ .

وبمثل قول شيخ الإسلام قد قال ابن القيم رحمه الله بما نصه : " ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السور في فجر الجمعة ، دفعاً لتوهم الجاهلين (1114) " . اهـ .

قلت : والحديث الذي ذكره شيخنا أخرجه البزار والطبراني في معجمه الكبير عن سمرة بن جندب رضي الله عنه ، ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات كل جمعة(1115) قال البزار : لا نعلمه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد . وفي إسناد البزار يوسف بن خالد السمتي ، وهو ضعيف كما ذكر ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد(1116) ، وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام : رواه البزار بإسناد فيه لين (1117).  

قلت : وهناك حديث آخر لم يذكره شيخنا ، وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عن ابن شهاب قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على المنبر يوم الجمعة ، فيؤمن الناس ، قال ؛ وقد قال عطاء : هو حدث وهو حسن (1118). اهـ

قلت : وهذا حديث مرسل من قبل الزهري .

وقد يؤكد كلام شيخنا ما ذكره ابن قدامة بقوله : " إذا بلغ الخطيب إلى الدعاء فهل يسوغ الكلام ؟ فيه وجهان : أحدهما الجواز لأنه فرغ من الخطبة وشرع في غيرها فأشبه ما لو نزل... إلى أن قال : ويحتمل أنه إن كان دعاءً مشروعاً كالدعاء للمؤمنين والمؤمنات وللإمام العادل ، أنصت له، وإن كان لغيره لم يلزم الإنصات ، لأنه لا حرمة له(1119) ".

قلت : لاحظ قول ابن قدامة " لأنه فرغ من الخطبة " فدلَّ على أن الدعاء ليس من الخطبة على الاحتمالين . والله أعلم .

وقال الشيخ محمد رشيد رضا عن الدعاء في خطبة الجمعة :" ولا ينبغي أن يلتزم دائماً ، لئلا يظن العوام أنه واجب ، وإذا كان ملتزماً في بلد وخشي من سوء تأثير تركه في العامة فينبغي للخطيب أن يتقي سوء هذا التأثير بأن يذكر على المنبر أن هذا دعاء مستحب على إطلاقه ، ولم يطلبه الشرع في الخطبة فهو ليس من أركانها ولا من سننها . وإلا بقي مواظباً عليه(1120) . اهـ  

وقد قال الشيخ علي الطنطاوي :" والدعاء الذي يكون في آخر الخطبة ليس شرطاً ولا كان السلف يواظبون عليه(1121) ".اهـ  

 فـائدة :

قال في "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج": وجزم ابن عبد السلام في الأمالي والغزالي تحريم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع ذنوبهم وبعدم دخولهم النار ، لأنا نقطع بخبر الله تعالى وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم من يدخل النار ، وأما الدعاء بالمغفرة في قوله تعالى حكاية عن نوح : { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} سورة نوح ، آية : 28 . ونحو ذلك ، فإنه ورد بصيغة الفعل في سياق الإثبات ، وذلك لا يقتضي العموم ، لأن الأفعال نكرات ، والجواز قصد ومعهود خاص وهو أهل زمانه مثلاً (1122).اهـ .

 93- الدعاء للسلطان في الخطبة : 

الدعاء للسلطان أو ولاة أمور المسلمين مسألة لا تخلو من حيث القسمة من حالين :

الحال الأولى : أن يدعى له مطلقاً دون تقييد بخطبة أو نحوها .

أما الحال الثانية : فهي أن يدعى له حال الخطبة .

فأما الحال الأولى :

فإن من اعتقاد أهل السنة والجماعة : طاعة ولاة الأمر بالمعروف ، وأن ذلك فريضة ما لم يأمروا بمعصية ، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق للخير والسداد .

يقول الطحاوي رحمه الله في متنه في الاعتقاد عن الأئمة والولاة : ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاة والمعافاة..الخ(1123).اهـ .

قال بعض أهل العلم : وأما الدعاء مطلقاً لولي أمر المسلمين منهم فهو مستحب(1124) . ومن ذلك ما ثبت عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال : " لو أن لنا دعوة مستجابة ما صيرناها إلا للإمام " ونسب بعض أهل العلم ذلك للإمام أحمد أيضاً كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره .

وفي كتاب " السنة " للخلال بسنده عن الإمام أحمد : " وإني لأدعو له – الإمام – بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد ، وأرى ذلك واجباً علي " (1125) اهـ .

وقد ذكر أبو عبدالله الإمام أحمد رحمه الله الخليفة المتوكل رحمه الله فقال : إني لأدعو له بالصلاح والعافية (1126) . اهـ .

وقد ثبت عنه أيضاً أنه دعا للمتوكل وقال : " أيده الله : ثم قال : " وإني أسأل الله أن يديم توفيق أمير المؤمنين أعزه الله بتأييده ، ثم قال : فأسأل الله أن يستجيب في أمير المؤمنين صالح الدعاء ، وأن يتم ذلك لأمير المؤمنين أدام الله عزه ، وأن يزيد في نيته ويعينه على ما هو عليه " (1127) . اهـ .

وأخرج البيهقي في الشعب حديث((الدين النصيحة..))الحديث ثم قال: قال أبو عثمان الزاهد : " فانصح للسلطان وأكثر من الدعاء له بالصلاح والرشاد بالقول والعمل والحكم ، فإنهم إذا صلحوا صلح العباد بصلاحهم ، وإياك أن تدعو عليهم باللغة فيزدادوا شرّاً ، ويزداد البلاء على المسلمين ، ولكن ادع لهم بالتوبة فيتركوا الشر فيرتفع البلاء من المؤمنين " (1128) .

قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري : " وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى ، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله " .

ويقول فضيل بن عياض : "لو كانت لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان" قيل له: يا أبا علي، فسِّر لنا هذا ؟ قال: "إذا جعلتها في نفسي لم تتعدني ، وإذا جعلتها في السلطان صلح بصلاحه العباد والبلاد" .فأمرنا أن ندعوا لهم بالصلاح ، ولم نؤمر أن ندعوا عليهم وإن ظلموا وإن جاروا ، لأن ظلمهم وجورهم على نفسهم ، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين (1129) .

وقال المناوي متحدثاً عن السلطان : " وقد حذر السلف من الدعاء عليه ، فإنه يزداد شرّاً ويزداد البلاء على المسلمين " (1130) .

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته " الجواب الباهر في زوار المقابر " التي وجهها إلى السلطان فكان مما قال فيها : إني لما علمت مقصود ولي الأمر السلطان – أيده الله وسدده – فيما رسم به ... الخ " .

ثم قال أيضاً : " فأنا أعلم أن الحق ظاهر مثل الشمس يعرفه أقل غلمان السلطان الذي ما رئي في هذه الأزمان سلطان مثله – زاده الله علماً وتسديداً وتأييداً ... " (1131) . اهـ .

قلت : ومن تتبع كلام أهل السنة والجماعة علم أن الدعاء مطلقاً لولاة الأمر بالصلاح والهداية أمر مبذول ومطروق ؛ لأن الدعوة بالصلاح للسلطان متعدية المصلحة بحيث إنه إذا صلح صلَح بصلاحه العباد والبلاد ، ومما يستأنس به فيما يتعلق بالدعاء لولاة الأمر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، ويصلون عليكم وتصلون عليهم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم )) الحديث رواه مسلم (1132) .

المقصود بالصلاة هنا : ( الدعاء ) على أحد التفاسير .

هذا حاصل ما يخص الدعاء للسلطان مطلقاً دون تقييد .

وأما الحال الثانية :

وهي التي تعنينا هنا ، حيث تخص الدعاء للسلطان أثناء الخطبة ، فللعلماء في ذلك آراء أسرد وقفت عليه منها وهي على ثلاثة آراء :

الرأي الأول :

وهم الذين منعوا من الدعاء للسلطان أثناء الخطبة دون غيرها وقالوا : " إن هذا محدث لا أصل له " .

وممن قال بذلك عطاء ، كما روى الشافعي في الأم بسنده عن ابن جريج قال : قلت لعطاء: ما الذي أرى الناس يدعون به في الخطبة يومئذ أبلعك عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ، إنما أحدث، إنما كانت الخطبة تذكيراً))(1133)

قال النووي عن رواية الشافعي هذه : إسنادها صحيح إلا عبدالمجيد فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، وضعفه أبو حاتم الرازي والدار قطني (1134) . اهـ .

قال الشافعي في الأم : " فإن دعا لأحد بعينه أو على أحد كرهته ، ولم تكن عليه إعادة (1135) " .

وقال البيهقي في " السنن الكبرى " : " باب ما يكره من الدعاء لأحد بعينه أو على أحد بعينه في الخطبة " . ، ثم أورد أثر عطاء ، ثم أسند عن ابن عون قال : نبئت أن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه كتب ألا يسمى أحد في الدعاء (1136) " .

وقال البغوي : " ولا يستحب الدعاء للوالي على التخصيص في الخطبة . سئل عطاء عن ذلك فقال : " إنه محدث ، وإنما كانت الخطبة تذكيراً (1137) " .

وقد استدل القاضي أبو يعلي على أنه لا يستحب بأثر عطاء السابق(1138) .

وقد ذكر الشاطبي في كتابه " الاعتصام " عن العز بن عبدالسلام : " أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة ... لم يكن عليه من تقدم .. الخ (1139) " اهـ .

قال الشيرازي صاحب المهذب : " وأما الدعاء للسلطان فلا يستحب – يعني في الجمعة – لما روي أنه سئل عطاء عن ذلك فقال : إنه محدث ، وإنما كانت الخطبة تذكيراً (1140) ".

وقال صاحب " الدر المختار " الحنفي : " ويندب ذكر الخلفاء الراشدين والعمين حمزة والعباس – لا الدعاء للسلطان ، وجوَّزه القهستاني ، ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه(1141)" .

وقال في " البحر الرائق " للحنفية : "إنه لا يستحب، واستدل بقول عطاء ..(1142)".

وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " : " وقد استثنى من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كلام لم يشرع في الخطبة مثل : الدعاء للسلطان مثلاً ، بل جزم صاحب " التهذيب " بأن الدعاء للسلطان مكروه " اهـ (1143) . واستثني الحافظ ابن حجر ما إذا خشي الخطيب على نفسه فيباح له ، وأما إذا لم يخف الضرر فلا (1144) .

ونقل الفتوحي من الحنابلة عن القاضي أبي يعلي أنه قال عن الدعاء للسلطان : لا يستحب لأنه لم ينقل عن السلف (1145) . اهـ .

وقال المقبلي : وأما ذكر الخلفاء عدلهم وجائرهم فما هو إلا بدعة ، والتعلق بالعوائد الذي لا شاهد لأهلها ، ولا صدرت عن محلها ، إنا هي من أرباب الملوك وخطباء السوء ، وعلماء الحطام ، فليس فيها متشبث للمتقي ، كيف وأكثر ما يجري منها الكذب والزور كما تجدهم ... الخ (1146) . اهـ .

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية : " وها هنا مسألة بحث : وهي الدعاء للسلطان ، وتسميته في الخطبة . والمعول عليه منذ سنين أنه وإن كان مباحاً أصله ، لكن له شرط ، فتركه أولى " (1147) . اهـ .

وقال الشيخ علي الطنطاوي : والدعاء للسلاطين بأسمائهم بدعة (1148) . اهـ .

الرأي الثاني :

قد ذهب أصحاب هذا الرأي إلى المنع من المجازفة في وصف السلطان أثناء الدعاء له ، ولم يمنعوا من مجرد الدعاء المقتصد الخالي من المجازفة في الوصف والثناء .

فقد قال النووي : " ويكره المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم ، وكذبهم في كثير من ذلك كقولهم : السلطان العالم العادل ونحوه (1149) " . اهـ .

وذهب شمس الدين الرملي من الشافعية إلى أن الدعاء للسلطان لا بأس به إذا لم يكن هناك مجازفة في وصفه وإلا فإنه يكون ممنوعاً ، ويسن الدعاء للأئمة المسلمين ولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك (1150) . اهـ .

وقد عاب شيخ الإسلام ابن تيمية على من كانوا يدعون لابن التومرت ويجازفون في وصفه والثناء عليه ، فقد قال رحمه الله : " ووصفوه بالصفات التي تعلم أنها باطلة ، وجعلوا حزبه عم خواص أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتركوا مع ذلك ذكر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ... الخ " (1151) اهـ .

وقد قال الزبيدي شارح الإحياء : " وكرهوا الإطناب في مدح الجائرين من الملوك بأن يصفه عادلاً وهو ظالم ، أو يصفه بالغازي وهو لم يوجف على العدو بخيل ولا ركاب ، ولكن مطلق الدعاء لهم بالصلاح لا بأس به ، وكذا لا بأس بأن يصفه ببعض الألقاب اللائقة بحاله ، فإن تعظيم الملوك شعار أهل الإسلام ، وفيه إرهاب على الأعداء (1152) . اهـ .

وقال أيضاً: "ومما يكره للخطيب المجازفة في أوصاف السلاطين بالدعاء لهم(1153).اهـ

وقد ذهب الشيخ عبدالله أبو بطين أيضاً إلى المنع من المجازفة في وصف السلطان وقال : " إنما يُدعى له لا يمدح لاسيما بما ليس فيه .... " (1154)اهـ .

وقال الشيخ محمد رشيد رضا : " وكذلك الدعاء لولي أمر المسلمين فهو ليس من أركان الخطبة ولا من سننها ، ويراعى فيه أن لا يكون متضمناً لمنكر ، كإقرار الظلم أو الفسق ومدح أهلهما ، ولا لألفاظ من الإطراء في المدح والتعظيم الذي لا يليق أن يوجه إلا إلى الله تعالى (1155) . اهـ .

وقال في موضع آخر : وما قط قصد الشارع أن تكون خطبة الجمعة فصيدة محشوة بألقاب الإطراء والتعظيم ، وارتكاب الكذب على خد قولهم ( أعذب الشعر أكذبه ) ، ولا دوراً أو موالاً يتوخى فيه حسن الإيقاع وموافقة أصول الأنغام ، وتكون للأمة بمثابة ( نشيدٍ وطني ) كما عند سائر الأمم (1156) . اهـ .

وقد ذكر الشيخ محمد أبو زهرة أن من الأشياء التي اشتهر بها خطباء بني أمية على وجه الذم والكراهة هي المبالغة والإغراق ؛ لكثرة النفاق ، والخداع والملق والمدح ، فإن هذه الأمور يكون صوت الصدق فيها خافتاً ، وصوت الكذب عالياً ، والمبالغات والغلو ترد من أبواب الكذب ، حيث تختفي الصراحة ، هذا إلى أن تسابق الخطباء في مدح الخلفاء جعل كلاً يجتهد في المعاني ، والغوص فيها ، ليصلوا إلى قصب السبق قبل غيرهم ، وذلك يدفعهم حتماً إلى الإغراق . اقرأ خطبة عمرو بن سعيد التي مدح فيها يزيد بن معاوية عند العهد له ، فقد جاء فيها : أما بعدلا ، فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه ، وأجل تأمنونه ، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم ، وإن افتقرتم لذات يده أغناكم ، جذع قارح سوبق فسبق ، وموجد فمجد ، وقورع ففاز سهمه ، فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه (1157) . اهـ

قلت : وقد يستأنس لأصحاب هذا الرأي بما رواه الترمذي في جامعه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( الحياء والعيُّ شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق )) قال الترمذي عن البيان الذي في الحديث : هو كثرة الكلام ، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيتوسعون في الكلام ، ويتفصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله (1158) . اهـ .

الرأي الثالث .

ذهب أصحاب هذا الرأي إلى الإذن بالدعاء للسلطان أثناء الخطبة ، غير أنهم اختلفوا في عباراتهم حول هذه المسألة . فمنهم من عبر باستحسان ذلك ، ومنهم من قال إنه يسن ، ومنهم من عبر بالجواز ، بل إن بعضهم قد عبر بالوجوب كالقهستاني من الحنفية على ما سيأتي ، مع أنهم كلهم متفقون على اشتراط أن يكون هذا الدعاء معتدلاً وليس فيه مجازفة أو وصفة بما ليس فيه .

وإليك عبارات أهل العلم في هذا القول :

قال ابن قدامة : " وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن . واستدل بدعاء أبي موسى الأشعري لأبي بكر وعمر أثناء الخطبة " (1159) .

قلت : ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن فعل أبي موسى هذا رواه الطلمنكي من حديث ميمون بن مهران قال : " وهو من أشهر الأحاديث " (1160) اهـ .

قال ابن قدامة : ولأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم ، ففي الدعاء له دعاء لهم ، وذلك مستحب غير مكروه (1161) .

وقال أيضاً في معرض كلام له : " إن كان دعاءً مشروعاً كالدعاء للمؤمنين والمؤمنات والإمام العادل أنصت له ، وإن كان لغيره لم يلزم الإنصات ، لأنه لا حرمة له (1162).

وقال الفتوحي من الحنابلة عن الدعاء للسلطان : يسن ؛ لأن صلاحه صلاح للمسلمين ، ولأن أبا موسى الأشعري كان إذا خطب يدعو لعمر (1163) . اهـ .

وقال الحافظ العراقي متحدثاً عن الدعاء للسلطان في خطبة الجمعة : " إنما يُدعى للسلطان بالصلاح والتوفيق وعز الإسلام به ، وقد كان يُدعى للأئمة في زمن عمر رضي الله عنه (1164) "

وجوَّز الدعاء للسلطان في الخطبة القهستاني من الحنفية ، وتبعه ابن عابدين في حاشيته ، فقال هذا الكلام بتمامة : " ثم يدعو لسلطان الزمان بالعدل والإحسان ، متجنباً في مدحه عما قالوا إنه كفر وخسران " ، كما في الترغيب وغيره (1165) .

وقال أيضاً : بل لا مانع من استحبابه فيها كما يُدعى لعموم المسلمين ، فإن في صلاحه العالم . وما في البحر من أنه محدث لا ينافيه ، فإن سلطان هذا الزمان أحوج إلى الدعاء له ولأمرائه بالصلاح والنصر على الأعداء (1166) .

وقال أيضاً : فإن الدعاء للسلطان على المنابر قد صار الآن من شعار السلطنة ، فمن تركه يخشى عليه ولذا قال بعض العلماء : لو قيل : إن الدعاء له واجب لما في تركه من الفتنة غالباً لم يبعد ، كما قيل به في قيام الناس بعضهم لبعض . والظاهر أن منع المتقدمين مبني على ما كان في زمانهم من المجازفة في وصفه ، مثل السلطان العادل الأكرم شاهنشاه الأعظم مالك رقاب الأمم . (1167) . اهـ .

قلت : ولذلك قال ابن نجيم : " ومنهم من اختار التباعد حتى لا يسمع مدح الظلمة في الخطبة ، ولهذا اختار بعضهم أن الخطيب ما دام في الحمد والمواعظ فعليهم الاستماع ، فإذا أخذ في مدح الظلمة والثناء عليهم فلا بأس بالكلام حينئذ (1168) " .

ويؤيد كلام ابن نجيم ما قاله ابن عابدين أيضاً بما نصه : قال في البزازية : فلذا كان أئمة خوارزم يتباعدون عن المحراب يوم العيد والجمعة (1169) .

وأعود إلى كلام ابن عابدين في الدعاء للسلطان حيث يقول : " وأما ما اعتيد في زماننا من الدعاء للسلاطين العثمانية أيدهم الله تعالى كسلطان البرين والبحرين وخادم الحرمين الشريفين ، فلا مانع منه ، والله تعالى أعلم (1170) . اهـ " .

وقال شمس الدين الرملي من الشافعية : " بل يسن ولا بأس كما في الروضة والمجموع بالدعاء للسلطان بعينه إن لم يكن في وصفه مجازفة (1171) " .

وقال النووي في " المجموع " : " وأما الدعاء للسلطان – يعني في الجمعة – فاتفق أصحابنا على أنه لا يجب ولا يستحب ، وظاهر كلام المصنف وغيره : أنه بدعة إما مكروه ، وإما خلاف الأولى . هذا إذا دعا له بعينه ، فأما الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك ، ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق . والمختار أنه لا بأس بالدعاء للسلطان بعينه إذا لم يكن مجازفة في وصفه ونحوها " والله أعلم (1172) . اهـ .

وقال صاحب حدائق الأزهار : " وندب في الأولى الوعظ وسورة ، وفي الثانية الدعاء للإمام صريحاً أو كناية ثم للمسلمين (1173) " .

قال الشيخ عبدالله أبو بطين : الدعاء حسن ، يُدعى بأن الله يصلحه ويسدده ويصلح به ، وينصره على الكفار وأهل الفساد ، بخلاف ما في بعض الخطب من الثناء والمدح بالكذب ، وولي الأمر إنما يُدعى له لا يمدح لاسيما بما ليس فيه ، وهؤلاء الذين يمدحون في الخطب هم الذين أماتوا الدين ، فمادحهم مخطئ ، فليس في الولاة اليوم من يستحق المدح ، ولا أن يثنى عليه ، وإنما يُدعى لهم بالتوفيق والهداية (1174) . اهـ .

وفي فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما نصه:"الأفضل إذا دعا الخطيب أن يعم بدعوته حكام المسلمين ورعيتهم ، وإذا خصَّ إمام بلاده بالدعاء بالهداية والتوفيق فذلك حسن ، لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين إذا أجاب الله الدعاء (1175) ". اهـ .

قلت : ولابن عابدين كلام جيد في توجيه كلام من منع الدعاء للسلطان من المتقدمين حيث قال : والظاهر أن منع المتقدمين مبني على ما كان من المجازفة في وصفه ، مثل السلطان العادل الأكرم شاهنشاه الأعظم مالك رقاب الأمم . (1176) اهـ .

ويؤيد كلام ابن عابدين هذا ما جاء في أصول الصفار حيث سئل عن الخطباء الذين يخطبون على المنابر يوم الجمعة ما قالوا في ألقاب السلاطين : السلطان العادل الأعظم ، شاهنشاه الأعظم ، مالك رقاب الأمم .. الخ هل يجوز ذلك ؟ فقال : لا ، لأن بعض ألفاظه كفر وبعضها كذب . وقال أبو منصور : من قال للسلطان الذي بعض أفعاله ظلم : عادل ، فهو كافر . وأما شاهنشاه فهو من خصائص الله تعالى بدون وصف الأعظم لا يجوز وصف العباد به ، وأما مالك رقاب الأمم فهو كذب . (1177) . اهـ .

وقد تحدث الشيخ محمد أبو زهرة واصفاً بعض معايب الخطباء الأمويين فقال : " منها المبالغة والإغراق ، لكثرة النفاق والخداع والملق والمدح ، فإن هذه الأمور يكون صوت الصدق فيها خافتاً ، وصوت الكذب عالياً ، والمبالغات والغلو ترد من أبواب الكذب ، حيث تختفي الصراحة ، هذا إلى أن تسابق الخطباء في مدح الخلفاء جعل كلاً يجتهد في المعاني والغوص فيها ، ليصلوا إلى قصب السبق قبل غيرهم وذلك يدفعهم حتماً إلى الإغراق (1178). اهـ .

هذا حاصل ما وقفت عليه في هذا المسألة . والعلم عند الله تعالى .

قلت : ولعل الأمر في ذلك واسع فهو لا يخرج عن دائرة أهل السنة والجماعة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذكر الخلفاء في الخطبة : إنه ليس كل خطباء السنة يذكرون الخلفاء في الخطبة ، بل كثير من خطباء السنة بالمغرب وغيره لا يذكرون أحداً من الخلفاء باسمه ، وكان كثير من خطباء المغرب يذكرون أبا بكر وعمر عثمان ، فإن كان ذكر الخلفاء بأسمائهم حسناً فبعض أهل السنة يفعله ، وإن لم يكن حسناً فبعض أهل السنة يتركه ، فالحق على التقديرين لا يخرج عن أهل السنة (1179) . اهـ .

قلت : وذكر السلاطين من باب أولى . والعلم عند الله تعالى .

فـــائدة :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " الكلام في ذكر الخلفاء الراشدين على المنبر ، وفي الدعاء لسلطان الوقت ، ونحو ذلك : إذا تكلم في ذلك العلماء أهل العلم والدين ، الذين يتكلمون بموجب الأدلة الشرعية ، كان كلامهم في ذلك مقبولاً ، وكان للمصيب منهم أجران ، وللمخطئ أجر على ما فعله من الخير ، وخطؤه مغفور له " (1180) . اهـ .

وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز بما نصه : " هل يصح للخطيب أن يمدح سلطان البلد أثناء الخطبة ؟ .

فأجابت اللجنة بما نصه : " الأصل في خطبة الجمعة تعليم أمور دينهم ، ووعظهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وتوجيههم إلى ما فيه مصلحتهم في الدنيا والأخرة . لكن إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما فيه من محاسن الإسلام درءاً لفتنة الخروج عليه ، وترغيباً للناس في موالاته ولزوم الجماعة ، وتشجيعاً له على فعل الخير فلا حرج في ذلك ، بل هو حسن لعظم المصلحة في ذلك . وبالله التوفيق (1181) .

وقال الشيخ علي الطنطاوي : يكره ذكره السلطان بالتعظيم ، فإن قال عنه ما ليس فيه كما كان بعض الخطباء في مصر يقولون عن فاروق .. فكذبٌ وافتراء (1182) . اهـ .


 94- رفع اليدين للدعاء في الخطبة :

اختلف أهل العلم في رفع اليدين للدعاء في الخطبة على قولين :

القول الأول :

قالوا : إن رفع اليدين للدعاء جائز حال الخطبة ، وهو أحد الوجهين للحنابلة كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (1183) وهو قول بعض المالكية كما ذكر ذلك القاضي عياض(1184) .

وقد بوَّب البخاري لذلك باباً وأطلق فقال : ( باب رفع اليدين في الخطبة ) (1185) . فلعله يرى جواز رفع اليدين في الخطبة بدليل أنه لم يقيد الرفع بشيء في تبويبه رحمه الله .

ودليل أصحاب هذا القول ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم حين استسقى في يوم الجمعة مدَّ يديه ودعا )) (1186) .

القول الثاني :

قالوا : إن رفع اليدين في الجمعة غير مشروع إلا في الاستسقاء ، وهو قول مالك(1187) والشافعية(1188) ونقل شيخ الإسلام أنه أصح الوجهين عند الحنابلة(1189) .

ودليلهم في ذلك حديث عمارة بن رؤيبة عند مسلم أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يده فقال : قبح الله هاتين اليدين ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا ، وأشار بأصبعه المسبحة(1190) .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال : " رفع الأيدي يوم الجمعة محدث " .

وأخرج أيضاً عن طاوس قال : " كان يكره دعاءهم الذي يدعونه يوم الجمعة ، وكان لا يرفع يديه " (1191) . اهـ .

وقال البيهقي : " من السنة ألا يرفع يديه في حال الدعاء في الخطبة ، ويقتصر أن يشير بأصبعه " (1192) . اهـ .

وقال شيخ الإسلام : ويكره للأمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة ، وهو أصح الوجهين لأصحابنا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يشير بإصبعه إذا دعا . وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استسقى على المنبر (1193) . اهـ .

وقال ابن القيم : وكان يشير بإصبعه السبابة في خطبته عند ذكر الله تعالى ودعائه (1194) . اهـ .

وذهب الشوكاني إلى كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء ، وأنه بدعة (1195) . اهـ .

قلت : الصواب في هذا أن اليدين لا ترفع للدعاء في الخطبة ، إلا إذا استسقى الإمام في خطبته ، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري (1196) ، وأما إذا لم يستسق فإنه لا يرفع يديه في الدعاء ، وإنما يشير بأصبعه السبابة إذا دعا وإذا ذكر الله ؛ لما مرَّ ذكره . والله أعلم .

 95- متى يقول الخطيب عن المطر (( اللهم حوالينا ولا علينا )) :

من المعلوم أن للخطيب أن يستسقي في الجمعة كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، غير أن بعض الخطباء لا يفرقون بين طلب نزول المطر وبين رفعه ، وذلك من حيث إن بعضهم يجمع الأمرين في دعائه فيقول الدعاء المشهور في طلب السقيا (( اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً .. الخ )) ثم يتبع ذلك بقوله : (( اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الضراب والآكام ... الخ )) .

والصواب في هذه المسألة هو التفريق بين الأمرين ، فلا يجعل قوله : (( اللهم حوالينا ولا علينا )) إلا فيما إذا كثر المطر عليهم وخشوا ضرره ، وأما إذا لم يكن كذلك فإن هذه الصيغة لا شرع حينئذٍ .

وقد بوَّب البخاري في صحيحه باباً في ذلك فقال : باب الدعاء إذا كثر المطر (( حوالينا ولا علينا ))(1197) . اهـ .

فقيد هذه المقولة بما إذا كثر المطر ، فمفهومه أنه لا يقال ابتداء ، ولا بعد نزول المطر إذا لم يكن كثيراً يخشى ضرره .

وأورد البخاري في هذا الباب حديث الأعرابي المشهور في طلب السقيا والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة وفيه (( فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه : تهدمت البيوت ، وانقطعت السبل فادع الله يحبسها عنا ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال (( اللهم حوالينا ولا علينا )) (1198) . اهـ .

إذا علمت ذلك أيها القارئ فاعلم أن لأهل العلم حول هذه المسألة كلاماً أورد بعضه للتأكيد على هذه المسألة :

فقد قال الشافعي : " وإذا خاف الناس غرقاً من سيل أو نهر دعوا الله بكفِّ الضرر عنهم ، وأن يجعل حيث ينفع ، ولا يضر البيوت من الشجر والجبال والصحاري إذا دعا بكف الضرر " (1199) . اهـ .

وقال ابن قدامة : " وإذا كثر المطر أو مياه العيون بحيث يضرهم ، دعوا الله تعالى أن يخففه ويصرف عنهم مضرته ، ويجعله في أماكن تنفع ولا تضر ، كدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولأن الضرر بزيادة المطر أحد الضررين ، فيستحب الدعاء لإزالته كانقطاعه (1200) . اهـ .

وقال النووي : " قال الشافعي والأصحاب : وإذا كثرت الأمطار وتضرر الناس بها فالسنة أن يدعو برفعها (( اللهم حوالينا ولا علينا ))(1201) . اهـ .

وقال ابن الهمام : " فإن زاد المطر حتى خيف الضرر قالوا : (( اللهم حوالينا ولا علينا ... الخ ))(1202) . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " وفيه الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقاً لاحتمال الاحتياج إلى استمراره ، فاحترز فيه بما يقتضى رفع الضرر وإبقاء النفع " (1203) . اهـ .

تـــنـبـيـه :

ذكر الشيرازي صاحب المهذب في كتابه التنبيه : أن الإمام يقول ذلك مع جملة الدعاء ، ولا يشترط أن يكون إذا خشى الضرر(1204) . اهـ .

قال النووي معقباً على كلام الشيرازي : " وأما قول المصنف في التنبيه في أثناء دعاء الاستسقاء لطلب المطر : (( اللهم حوالينا ولا علينا )) فمما أنكروه عليه ، وإنما يقال هذا عند كثرة الأمطار وحصول الضرر بها ، كما صرح به في الحديث ونصَّ عليه الشافعي والأصحاب رحمهم الله (1205) . اهـ .

فــائدة :

قال الحافظ الطيبي : " (( ولا علينا )) عطف على جملة ، أي امر حوالينا ولا تمطر علينا ، ولو لم يكن بالواو لكان حالاً ، أي أمطر على المزارع ولا تمطر على الأبنية ، وأدمج في قوله (( ولا علينا )) معنى المضرة ، كأنه قيل : أجعل لنا لا علينا (1206) . اهـ .

قلت : وقد ذكر الحافظ ابن حجر كلام الطيبي هذا على وجه الاستحسان له (1207) .

 96- اختتام الخطيب خطبته بالاستغفار أو بقوله (( والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ))  :

الحديث عن هذه المسألة من شقين :

الشق الأول :

اختتام الخطبة بالاستغفار . وهذا يحتمل اختتام الخطبة الأولى أو اختتام الخطبة الثانية ، ويحتمل الأمرين معاً .

ولم أقف على نص حديث صحيح يدل اختتام الخطبة بالاستغفار كما سيأتي ذكر ذلك بعد قليل . ولكنني وقفت على كلام لابن القاسم نقله عن الإمام مالك قائلاً : " وسمعته – أي مالك – يقول : من سنة الإمام ومن شأن الإمام أن يقول إذا فرغ من خطبته : يغفر الله لنا ولكم . فقلت : يا أبا عبدالله ، فإن الأئمة يقولون اليوم : اذكروا الله يذكركم ، قال : وهذا حسن ، وكأني رأيته يرى الأول أصوب (1208) .

وقال الشافعي : " يقرأ في الخطبة الثانية آية أو أكثر منها ، ثم يقول : استغفر الله لي ولكم " اهـ(1209) . وللبغوي من الشافعية كلام نقله عنه النووي ، فقد قال النووي : يستحب للخطيب أن يختم خطبته بقوله : استغفر الله لي ولكن . ذكره البغوي (1210) .

ووقفت كذلك على كلام لابن القيم في وصف خطبته صلى الله عليه وسلم قال فيه : وكان يختم خطبته بالاستغفار (1211) . اهـ .

ووقفت كذلك على كلام لابن شاس المالكي ، قال فيه : ويختم بأن يقول : استغفر الله لي ولكم ، فإن قال : اذكروا الله يذكركم فحسن(1212) . اهـ .

وأما الأحاديث فقد وقفت على حديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات كلّ جمعة دون تحديد لآخر الخطبة أو أولها ، فقد أخرج البزار والطبراني في معجمه الكبير (1213) عن سمرة بن جندب رضي الله عنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات كل جمعة )) وفي إسناد هذا الحديث يوسف بن خالد السمتي ، وهو ضعيف كما ذكر ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد (1214) .

وقال الحافظ ابن حجر : رواه البزار بإسناد فيه لين (1215) .

 وأخرج أبو داود في مراسيله من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبدأ فيجلس على المنبر ، فإذا سكت المؤذن قام فخطب الخطبة الأولى ، ثم جلس شيئاً يسيراً ثم قام فخطب الثانية ، حتى إذا قضاها استغفر الله ثم نزل فصلى(1216) .

فيتضح من خلال ما سبق أنه لم يثبت في هذه المسألة شيء بعينه من الاستغفار ، ولعل الأمر في ذلك واسع . وإنما استشكل من استشكل المواظبة عليه والالتزام به في موضع بعينه .

أما الشق الثاني :

وهو اختتام الخطبة بقوله (( والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته )) .

فإن غاية ما وقفت عليه حسب البحث والتتبع هو ما ذكره ابن هشام عن ابن إسحاق قال : وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبدالرحمن – ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل – أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ... الحديث ، إلى أن قال : فإن بها تجزئ الحسنة عشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1217) . اهـ .

قلت : ابن إسحاق رأى أبا سلمة بن عبدالرحمن ولم يرو عنه ، وأبو سلمة بن عبدالرحمن يروي عن بعض الصحابة ولم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه قد توفي سنة 94 هـ (1218) .

وقال ابن إسحاق أيضاً : ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال : (( إن الحمد الله أحمده وأستعينه ... إلى أن قال : إن الله يغضب أن ينكث عهده ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1219) . اهـ .

قلت : وهذه الرواية والتي قبلها أوردها البيهقي في دلائل النبوة (1220) بسنده من طريق ابن إسحاق إلى أبي سلمة . وقال ابن كثير رحمه الله : وهذه الطريق أيضاً مرسلة ، إلا أنها مقوية ما قبلها ، وإن اختلفت الألفاظ (1221) . اهـ .

هذا حاصل ما وقفت عليه في هذه المسألة . والعلم عند الله تعالى .

 97- وقت نزول الخطيب من المنبر  :

لأهل العلم كلام حول هذه المسألة وسوف أورد شيئاً مما وقفت عليه فيها فمن ذلك :

قول ابن المنذر : والذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ما يفعله الأئمة .. إلى أن قال : ثم ينزل عند فراغه (1222) . اهـ .

فمفهوم كلامه أن وقت نزول الخطيب من المنبر يكون حين فراغه من الخطبة .

وقال ابن عابدين الحنفي : " فإذا أتم الإمام الخطبة أقيمت الصلاة بحيث يتصل أول الإقامة بآخر الخطبة ، وتنتهي الإقامة بقيام الخطيب مقام الصلاة " (1223) . اهـ .

وقال الشافعية : ويستحب له أن يأخذ في النزول من المنبر عقب فراغه ، ويأخذ المؤذن في الإقامة ، ويبلغ المحراب مع فراغ الإقامة (1224) . اهـ .

وقال البغوي : " فإذا فرغ من الخطبة أخذ في النزول ، وأخذ المؤذن في الإقامة ، ثم يتقدم فيصلي بهم " (1225) . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر: ويستنبط من حديث السائب بن يزيد في البخاري: أن الخطبة بعد الزوال ، لأنه ذكر فيه أن التأذين كان حين يجلس على المنبر ، فإذا نزل أقام (1226). اهـ.

وقال المرداوي : إذا فرغ من الخطبة نزل ، وهل ينزل عند لفظ الإقامة ، أو إذا فرغ بحيث يصل إلى المحراب عند قولها ؟ يحتمل وجهين . قاله في التلخيص ، وتبعه في الفروع ، وابن تميم في أول صفة الصلاة : أحدهما ينزل عند لفظ الإقامة . قدمه في الرعايتين والحاويين . والثاني : ينزل عند فراغه (1127) . اهـ .

قلت : لا أعلم دليلاً يدل على ما ذكره أهل العلم في هذه المسألة ، بل ثبت ما يدل على خلافه ، ولعل الأمر في ذلك واسع . وإن نزل بعد فراغه من الخطبة فهو أولى لعدم الحاجة إلى بقائه على المنبر ، لموافقة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نزوله من المنبر قبل الإقامة . والعلم عند الله تعالى .

 98- هل يجوز أن يتولى الصلاة من لم يتولى الخطبة ؟ :

السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة . لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاهما بنفسه ، وكذلك خلفاؤه من بعده .

ولهذه المسألة عند أهل العلم صورتان :

الصورة الأولى :

أن يخطب رجل ويصلي آخر . فللإمام أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات :

الرواية الأولى : جواز ذلك للعذر ، نصَّ عليه لأنه إذا جاز الاستخلاف في الصلاة الواحدة للعذر ففي الخطبة مع الصلاة أولى .

الرواية الثانية : أنه إذا لم يكن هناك عذر فقد قال أحمد : لا يعجبني من غير عذر . وهذا يحتمل المنع ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاهما ، وقد قال : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) (1228) ، ولأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين . ويحتمل الجواز ، لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة فأشبهتا صلاتين .

والرواية الثالثة : أنه لا يجوز الاستخلاف لعذر ولا لغيره ، لأن هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه . لكن الرواية الأولى هي المقدمة في المذهب (1229) .

وبالجواز والصحة قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين (1230) .

وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (1231) . لكنهم اختلفوا : هل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة أو لا ؟ . فيه روايتان عند الحنابلة :

إحداهما : أنه يشترط ، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وأبي ثور وهو أحد القولين عند الشافعية ، وهو المذهب لدى جمهورهم (1232) ، لأنه إمام في الجمعة فاشترط حضوره الخطبة كما لو لم يستخلف .

والرواية الثانية : لا يشترط ، وهو قول الأوزاعي والشافعي (1233) ، لأنه ممن تنعقد به الجمعة فجاز أن يؤم فيها كما لو حضر الخطبة .

الصورة الثانية :

أن يحدث الخطيب في الصلاة ويستخلف من لم يحضر الخطبة .

فعند الحنفية والمالكية وهو قول الشافعي ، وأصح الوجهين عند أصحابه ، وأصح الروايتين عند الحنابلة ، أنها تصح وتكون جمعة ولو لم يحضر المستخلف الخطبة (1234) ؛ لأن تحريم الأول انعقدت للجمعة لوجود شرطها وهو الخطبة .

هذا حاصل الكلام عن هذه المسألة ، والله تعالى أعلم .

تـنـبـيـه :

قال شيخنا العلامة محمد بن عثيمين : " هل يشترط أن يتولى الخطبة الواحدة واحد ؟ أي : لو أن رجلاً خطب الخطبة الأولى في أولها ، وفي أثنائها تذكر أنه على غير وضوء مثلاً فنزل ، ثم قام آخر وأتم الخطبة ؟ لم أر حتى الآن من تكلم عليها ، ولكنهم ذكروا في الأذان أنه لا يصح من رجلين أي : لا يصح أن يؤذن الإنسان أول الأذان ، ثم يكمله الآخر ؛ لأنه عبادة واحدة ، فكلما أنه لا يصح أن يصلي أحد ركعة ، ويكمل الثاني الركعة الثانية ، فكذلك لا يصح أن يؤذن شخص أول الأذان ويكمله آخر ، أما الخطبة فقد يقال : إنها كالأذان أي : لابد أن يتولى الخطبة الواحدة واحد ، فلا تصح من اثنين ، سواء لعذر أو لغير عذر ، فإن كان لغير عذر فالظاهر أن الأمر واضح ؛ لأن هذا شيء من التلاعب .

وإذا كان لعذر : مثل أن يذكر الإمام الذي بدأ الخطبة أنه على غير وضوء ، ثم ينزل ليتوضأ ، فهنا نقول الأحوط أن يبدأ الثاني الخطبة من جديد ، حتى لا تكون عبادة واحدة من شخصين " (1235) . اهـ .

 99- القراءة في صلاة الجمعة :

يحرص بعض الخطباء عن حسن نية أن يقرأ في صلاة الجمعة آيات تتناسب مع موضوع خطبة الجمعة ، وهذا خلاف السنة ، وهو وإن كان عن حسن نية فإن الأكمل اتباع سنته صلى الله عليه وسلم ، وقد جاءت قراءته صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة على عدة وجوده .

الوجه الأول :

قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم عند مسلم أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة في الركعة الأولى ، وسورة المنافقين في الركعة الثانية (1236).

الوجه الثاني :

أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأولى سبح ، وفي الثانية الغاشية (1237) .

الوجه الثالث :

ثبت عنه عند مسلم أنه كان يقرأ فيها بالجمعة و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } (1238) وهذا الأخيرة سنة مهجورة ، فيتبين من هذا أن ما يفعله بعض الخطباء من ترك ذلك فإنه خلاف السنة ، وكذلك الاقتصار على بعض السورة ، أو يقرأ إحداهما في الركعتين ، وهذا خلاف السنة أيضاً .

قال ابن القيم رحمه الله : " وجهال الأئمة يداومون على ذلك " (1239) . يقصد بذلك من يقرأ بعض السورة أو يقرأ إحداهما في الركعتين .

قلت : إذا علمت ذلك فاعلم أن لأهل العلم كلاماً حول هذه المسألة ، فمن ذلك : أن أبا حنيفة وأصحابه لا يحددون شيئاً معيناً في قراءة صلاة الجمعة إلا فاتحة الكتاب ولو قرأ سورة الجمعة وسورة المنافقين ؛ فحسن لفعله صلى الله عليه وسلم ، ولكن لا يواظب على قراءتها بل يقرأ غيرها في بعض الأوقات حتى لا يؤدي إلى هجر بعض القرآن ، ولئلا تظنه العامة حتماً (1240) . اهـ .

وعند مالك أنه يستحب أن يقرأ الإمام في الجمعة { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } مع سورة الجمعة .

وقال مرة أخرى : أما الذي جاء به الحديث ، فـ { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } مع سورة الجمعة ، والذي أدركت عليه الناس { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } .

قال ابن عبدالبر : تحصيل مذهب مالك أن كلتا السورتين قراءتهما حسنة مستحبة مع سورة الجمعة في الركعة الثانية ، وأما الأولى فسورة الجمعة ، ولا ينبغي للإمام عنده أن يترك سورة الجمعة ولا سورة  { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } و { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } في الثانية ، فإن فعل وقرأ بغيرهما فقد أساء ، وبئس ما صنع ، ولا تفسد بذلك عليه صلاته إذا قرأ بأم القرآن وسورة معها في كل ركعة منها(1241) . اهـ .

وعند الشافعي أن الأفضل قراءة الجمعة والمنافقين ؛ لثبوت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بهما ، وتواليهما في التأليف ، وإذا كان من يحضر الجمعة بفرض الجمعة ، وما نزل في المنافقين ، وإن قرأ بسبح والغاشية فحسن عنده لكن الأول أفضل ، وما قرأ به الإمام يوم الجمعة وغيرها من أم القرآن وآية أجزأه ، وإن اقتصر على أم القرآن أجزأه ولا يحب له ذلك (1242) . اهـ ، وعند أحمد مثل الشافعي .

وقال ابن قدامة بعد ذكر ذلك : " ومهما قرأ فهو جائز حسن إلا أن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ، ولأن سورة الجمعة تليق بالجمعة لما فيها من ذكرها والأمر بها والحث عليها " (1243) . اهـ .

قال الشافعي رحمه الله : " وإن بدأ الإمام يوم الجمعة فقرأ بسورة المنافقين في الركعة الأولى قبل أم القرآن ، عاد فقرأ أم القرآن قبل أن يركع ، أجزأه أن يركع بها ولا يعيد سورة المنافقين ، ولو قرأ معها بشيء من الجمعة كان أحب إليَّ ، ويقرأ في الركعة الثانية بسورة الجمعة " (1244) .

وقال النووي : " قال الشافعي : فإن قرأ في الأولى المنافقين قرأ في الثانية الجمعة ، قال المتولي وغيره : ولا يعيد المنافقين ، ولو قرأ في الأولى غير الجمعة والمنافقين قال أصحابنا : قرأ في الثانية السورتين ، بخلاف ما لو ترك الجهر في الأوليين من العشاء لا يجهر في الأخريين ؛ لأن السنة الإسرار في الأخريين ، ولا يمكنه تدارك السنة الفائية إلا بتفويت السنة المشروعة الآن ، وأما هنا فيمكنه جمع السورتين بغير إخلال بسنة ( فإن قيل : ) هذا يؤدي إلى تطويل الركعة الثانية على الأولى ، وهذا خلاف السنة ( فالجواب : ) أن ذلك الأدب لا يقاوم فضيلة السورتين . والله أعلم (1245) .

فـــــــائدة :

قال الشيخ بكر أبو زيد : وقد فشا في عصرنا العدول من بعضهم عن هذا المشروع – أي في صلاة الجمعة – إلى ما يراه الإمام من آيات أو سور القرآن الكريم متناسباً مع موضوع الخطبة ، وهذا التحري لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يعرف عن سلف الأمة ، فالتزام ذلك بدعة ، وهكذا قصد العدول من المشروع إلى سواه على سبيل التسنن ، فيه استدراك على الشرع وهجر المشروع واستحباب ذلك ، ولإيهام العامة به ، والله أعلم (1246) . اهـ

 100- القنوت للنوازل في الجمعة : 

ثبت في لصحيحين صلى الله عليه وسلم ((كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب))(1247)

وعند أحمد وأبي داود من حديث ابن عباس (( قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح )) (1248) .

فهل الجمعة تدخل في هذا أم لا ؟ الجواب : أنه مبني على مسألة الجمعة هل هي ظهر مقصورة أو صلاة مستقلة بذاتها ؟ .

والأحاديث لم تشر إلى الجمعة ، وقد لا يصح قياس هذه المسألة على مسألة الجمع بين الصلاتين ، فالعلة موجودة في الظهر والجمعة ، ولكن الجمعة تفارق الظهر بكونها فيها خطبة والقنوت إنما هو دعاء .

فلعل الأظهر أنه يكتفي بالدعاء أثناء الخطبة لحصول المقصود ، لكن هناك حديث رواه الطبراني في الأوسط عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها (1249) . اهـ .

قال الهيثمي في مجمع الزوائد : رجاله موثقون (1250) .

وقال ابن القيم في الزاد عن إسناد هذا الحديث ما نصه : وهذا الإسناد وإن كان لا تقوم به حجة ، فالحديث صحيح من جهة المعنى ، لأن القنوت هو الدعاء ، ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل مكتوبة إلا دعاء فيها . اهـ(1251) .

وقال الشافعي : " حكى عدد صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ما علمت أحداً قنت فيها إلا أن تكون دخلت في جملة قنوته في الصلوات كلهن حين قنت على قتلة أهل بئر معونة...(1252) " .

قلت : روى عبدالرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة قالا : ليس في الجمعة قنوت ، قال معمر : وأخبرني من سمع الحسن يقول مثل ذلك (1253).

وروى أيضاً عن جرير عن عطاء قال : قلت له : القنوت في ركعتي الجمعة ؟ قال : لم أسمع بالقنوت في المكتوبة إلا في الصبح ، وأنكر أن يكون في الجمعة قنوت (1254) . اهـ .

وعند عبدالرزاق عن إسرائيل بن يونس قال : أخبرني أبو إسحاق قال : خرجت مع أبي إلى الجمعة وأنل غلام ، فلما خرج علي فصعد المنبر ، قال أبي : أي عمرو ؟ قم ، فانظر إلى أمير المؤمنين ، قال : فقمت فإذا هو قائم على المنبر ، وإذا هو أبيض الرأس واللحية عليه إزار ورداء ، ليس عليه قميص ، قال : فما رأيته جلس على المنبر حتى نزل عنه ، قلت : لأبي إسحاق : فهل قنت ؟ قال : لا (1255) . اهـ .

وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم وطاوس قالا : القنوت يوم الجمعة بدعة .

وروى أيضاً عن مكحول أنه كان يكره القنوت يوم الجمعة .

وروى أيضاً عن يحيى بن أبي بكير قال : حدثني أبي بكير قال : حدثني أبي قال : أدركت الناس قبل عمر بن عبدالعزيز يقنتون في الجمعة فلما كان زمن عمر بن عبدالعزيز ترك القنوت في الجمعة (1256) . اهـ .

وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في القنوت في الجمعة ، فكرهت طائفة القنوت في الجمعة ، وممن كان لا يقنت في صلاة الجمعة علي بن أبي طالب ، والمغيرة بن شعبة ، والنعمان بن بشير ، وبه قال عطاء ، والزهري ، وقتادة ، ومالك ، وسفيان الثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، وقال أحمد : بنو أمية كانت تقنت . قال أبو بكر : بالقول الأول أقول (1257) . اهـ .

 101- الجمع بين الجمعة والعصر للمطر : 

الأصل في هذه المسألة هو الخلاف في الجمع بين الصلاتين لعذر المطر ، وحاصل الأقوال في ذلك هو عدم جواز الجمع بين الصلاتين مطلقاً إلا يوم عرفة عند الحنفية ، وأما عند المالكية فيجوز التقديم في المطر لمن يصلي المغرب والعشاء ، دون غيرهما الظهر والعصر .

وعند الشافعية يجوز الجمع بين الصلاتين ، سواء بين الظهر والعصر أو المغرب والعشاء ، وعند الحنابلة روايتان : إحداهما : لا يجوز إلا بين المغرب والعشاء ، وحكى ابن قدامة أن أحمد سئل عن الجمع بين الظهر والعصر في المطر قال : لا ، ما سمعت .

وذكر صاحب الإفحاص أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر للمطر ، وذكر أنها رواية عن أحمد ، وقال : إنها هي المذهب (1258) .

قلت : وبالنظر إلى علة الجمع وهي رفع المشقة ، فإنها دالة على وجودها في الظهر والعصر ، والمشقة تجلب التيسير ، لاسيما وأن لهذه المسألة أصلاً وهو حديث ابن عباس في الصحيحين ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر )) (1259) قيل لابن عباس : لِمَ فعل ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته . وصحَّ من حديثه : (( من غير خوف ولا مطر )) (1260) .

قلت : والعجب هنا أن مالكاً رحمه الله قال بعد حديث ابن عباس : أرى ذلك في المطر ، ومع ذلك فهو لا يرى الجمع للمطر إلا بين العشاءين فقط دون الظهرين فتنبه .

خلاصة المسألة : أن الصحيح فيها إن شاء الله تعالى ، الذي دلَّت عليه النصوص ، ودلَّ عليه النظر : هو جواز الجمع بين الظهر والعصر للمطر ، لأن تجويزنا الجمع بينهما بدون مطر ولا سفر ولا خوف كما في الحديث السابق يلزمنا أن نجيزها لواحد من هذه الأعذار . فما موجب التفريق بين الظهرين والعشاءين ؟

أما حجة من قصرها على العشاءين بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ذلك ، فإن هذا لا يعني أن حديث ابن عباس لم يدل عليها .

قال شيخ الإسلام عن حديث ابن عباس السابق : وبهذا استدل أحمد على الجمع لهذه الأمور بطريق الأول ، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى ، وهذا من باب التنبيه بالفعل ، فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر ، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع ، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها .

قلت : بقي عندنا حكم جمع صلاة الجمعة مع العصر للمطر ، وقد جوز ذلك الشافعية كقولهم في الظهر ، بخلاف الأئمة الثلاثة ، فقد قال النووي : " يجوز الجمع بين الجمعة والعصر في المطر ، ذكره ابن كج وصاحب البيان وآخرون (1261) " اهـ .

ولابن القاسم من المالكية كلام قد يدل على شيء مقارب لقول الشافعية ، فقد سئل : أرأيت لو أن إماماً لم يصل بالناس الجمعة حتى دخل وقت العصر ؟ قال : يصلي بهم الجمعة ما لم تغيب الشمس ، وإن لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب (1262) . اهـ .

فمفهوم كلام ابن القاسم أنه إذا صلى الجمعة بعد دخول وقت العصر فإنه سيصلي بعدها العصر . وهذه صورة من صور الجمع بينهما بقطع النظر عن وجاهة ما ذكره ابن القاسم ، إلا أن مبدأ الجمع بين الجمعة والعصر وارد عنده في مثل هذه الحال ، فيوافق بذلك ما اختاره الشافعية .

فالذي يظهر لي – والله أعلم – أن الراجح في هذه المسألة هو ما اختاره الشافعية لوجود العلة المقتضية للجمع . ولا يلزم من عدم ذكر الجمعة في حديث ابن عباس أنها غير داخلة في إذن الجمع ، ولا يؤثر فيها على الصحيح خلاف أهل العلم في كونها ظهراً مقصورة أو هي صلاة مستقلة بذاتها ، والمعنى العام للجمع بين الصلاتين هو وضع إحداهما في وقت الأخرى ، وهذا حاصل بالجمعة لاسيما في الإذن بنقل العصر من موضعها إلى موضع الجمعة ، إذ لا فرق بين عصر السبت والخميس وبين عصر الجمعة ، ثم إن الذين لم يجوزوا الجمع بين الظهرين للمطر ، نلزمهم بوجود المشقة في الظهرين كما هو الحاصل في العشاءين ، وينتج عن هذا الإلزام إلحاق الجمعة بهما في الحكم ، وقد يؤكد هذا ما جاء في الصحيحين(1263) أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير : " إذا قلت : أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل : حي على الصلاة ، قل : صلوا في بيوتكم فكأن الناس استنكروا ، قال : فعله من هو خير مني ، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض (1264) .

قال الحافظ ابن حجر عن حديث ابن عباس هذا : وبه قال الجمهور ، ومنهم من فرَّق بين قليل المطر وكثيره . وعند مالك : لا يرخص في تركها بالمطر . وحديث ابن عباس هذا حجة في الجواز(1265) " اهـ .

قلت : وقد يعترض بعضهم على هذا بحديث الأعرابي الذي في الصحيح(1266) حينما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال : (( يا رسول الله هلك المال .. الحديث ، وفيه ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم ، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة .. الحديث )) فقالوا : قوله في هذا الحديث " ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر ؛ يتحادر على لحيته " دليل على المنع من الجمع بين الجمعة والعصر للمطر ؛ لأن سبب الجمع وجد قبل أن ينزل من المنبر ، ومع ذلك لم يرد في الحديث أنه جمع بينها وبين العصر .

فالجواب من وجوه :

الوجه الأول :

أنه لا يلزم من عدم ذكر الجمع أنه صلى الله عليه وسلم لم يجمع ؛ لأنه يحتمل أن الراوي لم يذكر الجمع للمعلم به ، وإنما روى ما يحتاج إليه من قصة الأعرابي بدليل أنه لم يرو ما فعله صلى الله عليه وسلم بعد نزوله من المنبر وأمثال هذا كثير في رواية الأحاديث . كما أن الراوي ذكر أنهم " مطروا الجمعة ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة " ومع ذلك لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في تلك الأيام بخصوصها .

الوجه الثاني :

أن ابن عباس قد تقدم أنه أذن للناس في ترك الجمعة لأجل المطر ، وفي رواية لأجل الوحل(1267) والطين ، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك . وفي حديث الأعرابي هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في الجمعة الثانية والمطر لا يزال ينزل ، فعلمنا أنه صلى الله عليه وسلم أقام الجمعة ولم يتركها ولم يقل للناس صلوا في بيوتكم ، فقد يفهم منه أنه قبل الرخصة ، وقد يكون في الواقع أشياء لم تذكر في الحديثين للمعلم بها من أوجه أخرى ، ومع ذلك لا نرد حديث ابن عباس لأننا رأينا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب الجمعة الثانية والمطر ينزل .

الوجه الثالث :

أن الشارع لا يجمع بين المتضادات ولا يفرِّق بين المتماثلات . فمن يقول يجمع بين الظهر والعصر للمطر ، ولا يجمع بين الجمعة والعصر للمطر ؛ يلزمه أن يجيب على المسألة الفرضية وهي لو كان هناك جامع كبير يتسع لآلاف البشر فنزل المطر أثناء الخطبة ثم جاء رجلان مسبوقان فاتهما الركعتان جميعاً ، فإنها تكون في حقهما ظهراً . فهل يمكن إذا سلك الإمام أن نقول لهؤلاء الألوف لا تجمعوا واذهبوا إلى بيوتكم ونقول لهذين المسبوقين اللذين صارت الجمعة في حقهما ظهراً لعدم إدراكهما الركوع : لكما أن تجمعا معها العصر لأجل المطر ؛ ليكون الحاصل أنكما جمعتما بين الظهر والعصر لا بين الجمعة والعصر !! فالواقع إذا أن القول بمثل هذا غريب جدّاً بعيد عما عرف من قواعد الشريعة وأصولها .

الوجه الرابع :

أن قياس الجمعة على الظهر في بعض الأمور المشتركة قد قال به أنس بن مالك ، ونحا نحوه البخاري في صحيحه ، فقد عقد باباً فيه بقوله : " باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة " . وأورد فيه حديث أنس بن مالك يقول : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة " يعني الجمعة " (1268) .

قال الحافظ ابن حجر : وعرف بهذا أن الإبراد بالجمعة عند أنس إنما هو بالقياس على الظهر . ثم قال الحافظ أيضاً : وقال الزين بن المنير : نحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة ولم يبت الحكم بذلك ... فرجع عنده إلحاقها بالظهر ... (1269) اهـ .

قلت : وبهذا يتضح أنه ليس الإبراد بأولى في القياس بالظهر من الجمع للمطر .

فحاصل ما مضى أن الأظهر والأقرب – والله أعلم – هو جواز الجمع بين الجمعة والعصر لأجل المطر بدليل ما تقدم ذكره ، والعلم عند الله تعالى " .

تـنـبـيــــه :

سئل سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز عن حكم جمع العصر إلى الجمعة للمطر ؟

فأجاب بنا نصه : لا يجوز الجمع بين صلاتي العصر والجمعة في مطر ولا غيره ؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم فيما نعلم ؛ ولأن الجمعة لا تقاس على الظهر ، بل هي عبادة مستقلة ، والعبادات توقيفية لا يجوز إحداث شيء فيها بمجرد الرأي (1270) . اهـ .

قلت : وبالذي قاله الشيخ عبدالعزيز قد قاله شيخنا العلامة محمد بن عثيمين ، فلقد سمعته بأذني في حوار دار بيني وبينه حول هذه المسألة . والله الموفق .

 102- تحدث الخطيب أو غيره على الناس بالوعظ أو غيره بعد صلاة الجمعة  : 

هذه مسألة تتكرر في كثير من الجوامع حيث يقوم الإمام نفسه أو بعض الحريصين فيحدثون الناس بعد الجمعة بواعظ أو إلقاء بيان أو نحوه .

فقد نقل ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال : إذا كانوا يقرءون الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة أعجب إلى أن يسمع إذا كان فتحاً من فتوح المسلمين ، أو كان فيه شيء من أمور المسلمين فليستمع ، وإن كان شيئاً إنما فيه ذكرهم فلا يستمع (1271) . اهـ

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتى الديار السعودية ما حاصله : إن الوعظ والإرشاد والتعليم لا يقيد بزمن ، بل ينظر فيه المصلحة وحالة المتعلمين ونحوهم ، فينبغي تخولهم بالموعظة وعدم الإملال .. وأما المنع من الموعظة والتذكير بعد صلاة الجمعة فلا أعلم له أصلاً ، بل قد روي عن جماعة من الأئمة كالشيخ تقي الدين أنه كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة ، وكذلك يذكر الشيخ عبدالغني بن سرور صاحب العمدة وغيرهم . (1272) اهـ .

وقال أيضاً : قال ابن تيمية : فإن ابن أبي كان مظهراً لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به ، وكان كل جمعة يقوم خطيباً في المسجد يأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم قال الشيخ محمد بن إبراهيم معلقاً على ذلك : هذا مما يستدل به على أنه لا بأس بالموعظة بعد الجمعة ، ولعله لا في كل شيء ، وكان الشيخ تقي الدين يحاضر بعد الجمعة في أشياء من بيان السنة ، فلعله إذا كان لأشياء هامة لا بأس ، ولعه إذا كان من باب الوعظ ، لا ينبغي اكتفاءً بالخطبة . (1273) اهـ .

وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بما نصه : هل يجوز الخطبة أو الوعظ بعد صلاة الجمعة ؟.

الجواب : لا نعلم دليلاً يدل على منع الموعظة بعد الصلاة ، ومعلوم أن الدواعي لإلقاء الموعظة تختلف باختلاف أحوال من يلقيها ، وحاجة الناس لها ، وأحوال الأئمة الذين يقومون بإلقاء الخطب ، فمن أراد الجلوس للاستماع أو أراد الخروج ، فالأمر في ذلك واسع . وأما الآية التي ذكرتها وهي قوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} سورة الجمعة، آية:10 . فلا تتعارض مع إلقاء الموعظة (1274) . وبالله التوفيق .

 103- السنة البعدية للخطيب وغيره وكم عددها وأين تصلى ؟ : 

روى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات )) (1275) .

وروى الجماعة أيضاً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته )) (1276) .

وروى أبو داود في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ، ثم تقدم فصلى أربعاً ، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ، ولم يصل في المسجد ، فقيل له في ذلك فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك (1277) .

قال العراقي : لإسناده صحيح . وقد سكت عنه أبو داود والمنذري (1278) كما حكي ذلك الشوكاني (1279) .

قلت : هذه الأحاديث الثلاثة نتج عنها أقوال ثلاثة في السنة البعدية للجمعة :

فقال قوم : إن سنة الجمعة البعدية أربع ركعات منفصلة ، وممن قال بذلك : ابن مسعود والنخعي (1280) وأصحاب الرأي ، وكذا الشافعي ومالك وأحمد (1281) . واستدلوا بحديث أبي هريرة السابق .

وقال آخرون: إن سنة الجمعة البعدية ركعتان ، وممن قال بذلك: الشافعي وأحمد(1282) . وقد حكاه عنهما الترمذي (1283) وفعله عمران بن حصين (1284) .

قلت : ولكن ردَّ العراقي على قول الترمذي بأن الشافعي وأحمد لم يريدا بذلك إلا بيان أقل ما يستحب ، ولإلا فقد استحبا أكثر من ذلك (1285) .

 ومن قال بهذا القول استدلوا بما رواه الجماعة عن ابن عمر كما سبق ذكره .

وقال جماعة : إن السنة البعدية للجمعة ست ركعات منفصلة ، ودليلهم حديث ابن عمر السابق عند أبي داود . وممن قال بذلك : علي وأبو موسى رضي الله عنهما ، وعطاء ومجاهد وحميد بن عبدالرحمن والثوري(1285) ، وهو رواية عن أحمد فقد قال : وإن شاء صلى ستّاَ (1286) .

ونقل ابن قاسم في حاشيته على الروض عن شيخ الإسلام ما نصه : وقال الشيخ وغيره : أدنى الكمال ست (1287) . اهـ .

فمما سبق يفهم أن الجمع سنة ، ولكن بعضه أكمل من بعض ، إلا أن حديث ابن عمر في الست ركعات قد أجاب عنه الحافظ العراقي بقوله : فليس في ذلك علم ولا ظن أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل بمكة ذلك ، وإنما أراد رفع فعله بالمدينة فحسب ، لأنه لم يصح أنه صلى الجمعة بمكة ، وعلى تقدير وقوعه بمكة منه فليس ذلك في أكثر الأوقات بل نادراً (1288) . اهـ .

قلت : وقول العراقي له وجه قوي من النظر .

وأكثر الخلاف دائر على الأربع والثنتين ، إذ فيهما القولان .

وقد جمع بعض أهل العلم بين القولين : على أن الأربع إذا صلاها في المسجد ، والثنتين إذا صرها في بيته . جمعاً بين الروايات . وممن قال بذلك إسحاق بن راهويه (1289) ، وشيخ الإسلام ، وتلميذه ابن القيم .

وقد قال شيخ الإسلام : والقول الوسط العدل ، هو ما وافق السنة الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ، وفي صحيح مسلم أنه قال : (( من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل بعدها أربعاً )) وقد روى الست عن طائفة من الصحابة جمعاً بين هذا وهذا (1290) . اهـ .

وقال ابن القيم : قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية : إن صلى في المسجد صلى أربعاً ، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين . قلت : وعلى هذا تدل الأحاديث ، وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً ، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين (1291) . اهـ (1292).

قال ابن المنذر : إن شاء صلى ركعتين ، وإن شاء اربعاً ، ويصلي أربعاً يفصل بين كل ركعتين بتسليمة أحب إلي(1293) . اهـ .

وقد قال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز في دروسه على بلوغ المرام ما نصه : " إن أقلها اثنتان وأكثرها أربع ، ولا فرق بين أن يصليها في البيت أو في المسجد ، وهذا القول أظهر ؛ لأن القول مقدم على الفعل ، ولأنه يحتمل أن يكون فعله للتخفيف ، أو أن هذا قبل أن يأمر بالأربع ، فالأولى والأظهر هو هذا القول جمعاً بين الأدلة (1294) " اهـ . كلامه بتصرف يسير .

تـنـبـيـه :

ما هو الأفضل للخطيب أن يصلي السنة البعدية في المسجد أو في البيت ؟

قال الإمام مالك : ينبغي للأئمة اليوم إذا سلموا من صلاة الجمعة أن يدخل الإمام منزله ويركع ركعتين ولا يركع في المسجد (1295) . اهـ .

قلت : ودليل مالك فيما ذكر هو ما رواه الشيخان عن ابن عمر (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين)) (1296).

وبما رواه أبو داود وابن حبان عن نافع قال : (( كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك )) (1297) .

قال الحافظ ابن حجر : " قال ابن بطال : والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واختصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت انتهى. وعلى هذا فينبغي ألا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى.(1298) اهـ

 104- إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد : 

ثبت عند أبي داود وابن ماجة وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( قد اجتمع في يومكم هذا عيدان ، فمن شاء أجزأه من الجمعة ، وإنا مجمعون )) (1299) .

وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال :

فمنهم من قال : تجب الجمعة على من شهد العيد كما تجب سائر الجمع ، للعمومات الدالة على وجوب الجمعة . وهذا القول نصره ابن المنذر فقال : العيد سنة والجمعة فرض ، فلا يترك فرض بتطوع (1300) . اهـ .

ومنهم من قال : تسقط عن أهل البر ، مثل أهل العوالي والشواذ ، لأن عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم العيد .

ومنهم من قال : إن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة ، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ، ومن لم يشهد العيد (1301) .

والصحيح من هذه الأقوال ، وهو الذي اختاره جماعة من المحققين ، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله : أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة . وقال ضيخ الإسلام : لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد . وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كعمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن الزبير وغيرهم ، ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف . وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم (1302) . اهـ .

وقال سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز : " أما الإمام وخطباء المساجد فيصلون ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها (1303) " . اهـ .

 105- استحباب دخول الإمام بيته أو حجرته ليصلي ركعتين بعد الجمعة : 

أخرج الشيخان من حديث ابن عمر : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين ، وبعد المغرب ركعتين في بيته ، وبعد العشاء ركعتين ، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين )) (1304) .

وأخرج أبو داود وابن حبان عن نافع قال : ((كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ، ويصلي بعدها ركعتين في بيته ، ويحدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك)) (1305) .

قال ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا أبو بكر قال : حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عمر أنه كان يستحب للإمام إذا صلى أن يدخل .

وقال أيضاً : حدثنا وكيع عن أبي العميس عن محمد بن عمرو عن عطاء أن ابن عباس كان إذا صلى الجمعة فسلَّم ودخل .

وقال أيضاً : حدثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته (1306) . اهـ .

قال الإمام مالك : ينبغي للأئمة اليوم إذا سلموا من صلاة الجمعة أن يدخل الإمام منزله ويركع ركعتين ولا يركع في المسجد . (1307) اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على حديث البخاري ومسلم عن ابن عمر : قال ابن بطال : والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت انتهى . وعلى هذا فينبغي ألا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى . (1308) اهـ .

 106- اتخاذ المنبر يوم العيد : 

قال ابن القيم رحمه الله عن المنبر في صلاة العيدين : " ولم يكن هنالك منبر يرقى عليه ، ولم يكن يخرج منبر المدينة ، وإنما كان يخطبهم قائماً على الأرض ، قال جابر : (( شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ، ثم قام متوكئاً على بلال .. )) متفق عليه(1309) (1310) .

قلت : في الصحيحين من حديث أبي سعيد في صفة صلاة العيدين وفيه (( .. فيقوم مقابل الناس ، والناس جلوس على صفوفهم .. قال أبو سعيد : فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان – وهو أمير المدينة – في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ..(1311) "

بوَّب البخاري لهذا الحديث فقال : باب الخروج إلى المصلى بغير منبر . قال الحافظ ابن حجر عن تبويب البخاري : " يشير إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي سعيد الذي ساقه في هذا الباب ، وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة (1312) من طريق الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال : " أخرج مروان المنبر يوم عيد ، وبدأ بالخطبة قبل الصلاة فقام إليه رجل فقال : يا مروان ، خالفت السنة .. " الحديث (1313) اهـ .

وذكر الحافظ أيضاً رواية ابن خزيمة : (( خطب يوم عيد على رجليه )) (1314) وهذا مشعر بأنه لم يكن بالمصلى في زمانه منبر . ويدل على ذلك قول ابي سعيد " فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان .. (1315) .

وقد وقع في المدونة لمالك ، ورواه عمر بن شبة عن أبي غسان عنه قال : " أول من خطب الناس في المصلى على المنبر عثمان بن عفان ، كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت " .

قال عنه الحافظ ابن حجر: هذا معضل ، وما في الصحيحين أصح ، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان ولم يطلع على ذلك أبو سعيد (1316) اهـ .

وذكر الحافظ أيضاً من فوائد حديث أبي سعيد : " وفيه أن الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى أولى من القيام على المنبر ، والفرق بينه وبين المسجد أن المصلى يكون بمكان فيه فضاء فيتمكن من رؤيته كل من حضر بخلاف المسجد ، فإنه يكون في مكان محصور فقد لا يراه بعضهم (1317) " .

قال ابن القيم رحمه الله : وفي الصحيحين أيضاً عن جابر : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد ، فلما فرغ نبي الله صلى الله عليه وسلم نزل فأتى النساء فذكرهن .. )) الحديث(1318) وهو يدل على أنه كان يخطب على منبر ، أو على راحلته ، ولعله كان قد بني له منبر من لبن (1319) أو طين أو نحوه ! .

قيل : لا ريب في صحة هذين الحديثين ، ولا ريب أن المنبر لم يكن ليخرج من المسجد ، وأول من أخرجه مروان بن الحكم فأنكر عليه ، وأما منبر اللبن والطين فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة كما هو في الصحيحين (1320) ، فلعله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في المصلى على مكان مرتفع أو دكان ، وهي التي تسمى مصطبة ، ثم ينحدر منه إلى النساء ... ) (1321) اهـ .

 107- حكم تنفل الإمام قبل العيدين وبعدهما ؟ : 

بوَّب البخاري في صحيحه باباً فقال : باب الصلاة قبل العيد وبعدها . ثم قال : وقال أبو المعلا : سمعت سعيداً عن ابن عباس كره الصلاة قبل العيد .

ثم أورد حديث سعيد عن ابن عباس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ومعه بلال )) ورواه مسلم أيضاً (1322) .

قلت : اختلف السلف في المسألة على أقوال :

القول الأول :

وقال به الأوزعي ، والثوري ، والحنفية : على أنه يصلى بعدها لا قبلها ، وقد ذكر ابن المنذر عن أحمد أن هذا فعل الكوفيين (1323) .

القول الثاني :

وقال به الحسن البصري وجماعة : على أنه يصلى قبلها لا بعدها . وذكر الإمام أحمد رحمه الله أن هذا عمل البصريين (1324) .

وقد أسند البيهقي عن جماعة منهم ، أنس : (( أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام )) (1325) وسكت عليه الحافظ في التلخيص (1326) .

القول الثالث :

وقال به الزهري ، وابن جريج ، وأحمد ، وجماعة من المحققين ، ونقله الإمام أحمد عن المدنيين : على أنه لا يصلى قبلها ولا بعدها(1327) .

وعن مالك رحمه الله أنه منعه في المصلى ، وعنه في المسجد روايتان(1328) .

ونقل بعض المالكية الإجماع على أن الإمام لا يتنفل في المصلى (1329)

وقال ابن العربي : التنفل في المصلى لو فعل لنقل (1330) .

القول الرابع :

وبه قال الشافعي رحمه الله على أنه يجب على الإمام ألا يتنفل قبلها ولا بعدها ، وأما المأموم فمخالف له في ذلك (1331) .

قال النووي في شرح مسلم : قال الشافعي وجماعة من السلف : لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها (1332).

ولكن تعقبه الحافظ ابن حجر وقال : فإن حمل كلامه على المأموم وإلا فهو مخالف لنص الشافعي المذكور(1333) .

قلت : هذا حاصل الخلاف في هذه المسألة . وقد قال ابن القيم – رحمه الله – " ولم يكن هو – يعني النبي صلى الله عليه وسلم – ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى شيئاً قبل الصلاة ولا بعدها (1334) " .

وبهذا يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي قبلها ولا بعدها إذا كان في المصلى . وأما إذا كان في المسجد فلعل الأظهر أنه لا بأس أن يصلي ركعتي التحية ولا يتنفل ، وأما بعدها فلا .

ثم إذا كان قد صلى في المصلى أو في المسجد فإنه قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي قبل العيد شيئاً ، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين)) أخرجه ابن ماجه (1335) بإسناد حسن وصححه الحاكم (1336) كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (1337) .

وذكر في التلخيص ما أخرجه البزار من حديث الوليد بن سريع عن علي في قصة له : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها ، فمن شاء فعل ، ومن شاء ترك )) (1338) فسكت عنه الحافظ وقال : ويجتمع بين هذا وبين حديث أبي سعيد أن النفي إنما وقع في الصلاة في المصلى(1339) . اهـ .

قال ابن العربي: التنفل في المصلى لو فعل لنقل،ومن أجازه رأى أنه وقت مطلق للصلاة ، ومن تركه رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ، ومن اقتدى فقد اهتدى(1340)اهـ .

وقال ابن المنذر : الصلاة جائزة قبل صلاة العيد وبعده ، ليس لأحد أن يحظر منه شيئاً ، وليس في ترك النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي قبلها وبعدها دليل على كراهية الصلاة في ذلك الوقت ؛ لأن ماهو مباح لا يجوز حظره إلا بنهي يأتي عنه ، ولا نعلم خبراً يدل على النهي عن الصلاة قبل صلاة العيد وبعده ، وصلاة التطوع في يوم العيد وفي سائر الأيام في البيوت أحب إلينا للأخبار الدالة على ذلك (1341) . اهـ .

وقال النووي : ولا حجة في الحديث لمن كرهها ، لأنه لا يلزم من ترك الصلاة كراهتها ، والأصل ألا منع حتى يثبت(1342) . اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر : والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافاً لمن قاسها على الجمعة . اهـ . والله تعالى أعلم (1343) .

 108- التكبير في خطبتي العيدين : 

قال مالك : من السنة أن يكبر الإمام في خطبة العيدين تكبيراً كثيراً(1344) .

وقال ابن قدامة : ويستحب أن يكثر التكبير في أضعاف خطبته ، فإذا كبَّر في أثناء الخطبة كبَّر الناس بتكبيره(1345) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وكان التكبير أيضاً مشروعاً في خطبة العيد زيادة على الخطب الجمعية (1346) . اهـ .

قلت : والشافعي وأصحاب يرون التكبير في خطبة العيدين ، غير أنهم يستحبون أن يستفتح به الخطبة . وقد مرَّ معنا ذكر ذلك عنهم وعن غيرهم تحت مبحث ( افتتاح الخطب ) فلتراجعه .

وأما الدليل على ما ذكره مالك وابن قدامة وغيرهما ، فهو ما رواه ابن ماجة في سننه عن سعد القرظ مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة ، ويكثر التكبير في خطبتي العيدين (1347) .

وفي سنده عبدالرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن ، وهو ضعيف ، وأبوه سعد بن عمار مستور (1348) .

قال ابن المنذر : ليس في عدد التكبير على المنبر سنة يجب أن تستعمل ، فما كبر الإمام فهو يجزئ ، ولو ترك التكبير وخطب لم يكن عليه في ذلك شيء (1349) . اهـ .

وأورد ابن قدامة ما روي عن أبي موسى أنه كان يكبر يوم العيد على المنبر اثنتين وأربعين تكبيرة (1350) .

قلت : الذي يظهر أن العمل عند جمهور أهل العلم على استحباب التكبير أثناء الخطبة . والعلم عند الله تعالى .

 109- خطبة العيدين هل هي قبل الصلاة أم بعدها؟ : 

روى الشيخان في صحيحهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة)) (1351) وفي رواية لهما عن ابن عباس : شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فكلهم كانوا يصلون قبل (1352) ، وعندهما أيضاً من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى ، وأول شيء يبدأ به الصلاة ، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم )) (1353) .

قلت : أُخِّرت الخطبة عن الصلاة ؛ لأنها لم تكن واجبة فجعلت في وقت يتمكن من أراد تركها ، بخلاف خطبة الجمعة ، كما قال ذلك ابن قدامة (1354) .

وقد نقل الصنعاني رحمه الله الإجماع على عدم وجوب الخطبة في العيدين (1355) .

قال ابن المنذر : ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة في يوم العيد، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون المهديون ، وعليه عوام علماء أهل الأمصار(1356) . اهـ .

وقال القاضي عياض : هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار وفقهاء الفتوى ، ولا خلاف بين أئمتهم فيه (1357) . اهـ .

وقال النووي : مذهب العلماء كافة أن خطبة العيد بعد الصلاة (1358) . اهـ .

وقال ابن قدامة رحمه الله: " وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة ، لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين إلا عن بني أمية وروي عن عثمان وابن الزبير أنهما فعلاه ولم يصح ذلك عنهما ، ولا يعتد بخلاف بني أمية ؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم ، ومخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وقد أنكر عليهم فِعْلهم ، وعدَّ بدعة ومخالفاً للسنة(1359)"اهـ

وقال الصنعاني : وعلى كل تقدير فإنه بدعة مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم (1360). اهـ .

قلت : أما ما روي عن عثمان رضي الله عنه فقد رواه ابن المنذر بسند صحيح إلى الحسن البصري قال : " أول من خطب قبل الصلاة عثمان ، صلى بالناس ثم خطبهم – يعني على العادة – فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك (1361) " . قال الحافظ ابن حجر : أي صار يخطب قبل الصلاة (1362) . اهـ .

وأخرج البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر .. )) الحديث (1363) .

قال الحافظ ابن حجر : "هذا مشعر بأن الكلام وقع قبل إيقاع الصلاة، فيستلزم تقديم الخطبة على الصلاة بناءً على أن هذا الكلام من الخطبة؛ ولأنه عقب الصلاة بالنحر"(1364)اهـ

وقال الكرماني : " المستفاد من حديث البراء أن الخطبة مقدمة على الصلاة (1365) " .

وقال ابن بطال : " غلط النسائي فترجم بحديث البراء فقال " باب الخطبة قبل الصلاة (1366) " . اهـ .

قال الحافظ ابن حجر مرجحاً أن الخطبة بعد الصلاة : " والمعتمد في صحة ما تأولناه رواية محمد بن طلحة عن زبيد في هذا الحديث بعينه بلفظ : خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أضحى إلى البقيع فصلى ركعتين، ثم أٌقبل علينا بوجهه وقال:((أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر))الحديث. فتبين أن ذلك الكلام وقع منه بعد الصلاة(1367)"اهـ.

إشكـال ودفـعـه :

مرَّ معنا أن عثمان رضي الله عنه قدَّم الخطبة على الصلاة ، وكذلك عمر رضي الله عنه فيما رواه عبدالرزاق وابن أبي شيبة (1368) .

قال الحافظ ابن حجر عنه : هذا إسناد صحيح ، خلافاً للقاضي عياض ومن تبعه فيما زعموه أنه لا يصح عن عمر (1369) .

وقال الحافظ ابن حجر : عما جاء عن عمر وعثمان : " لكن يعارضه حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي بعده(1370) ، وكذا حديث ابن عمر (1371) ، فإن جُمع بوقوع ذلك منه نادراً وإلا فما في الصحيحين أصح(1372) . اهـ .

وقال العراقي عن أثر عمر : " وهذا الأثر وإن كان رجاله ثقات فهو شاذ مخالف لما ثبت في الصحيحين ، وأما رواية عثمان فلم أجد لها سنداً(1373) . اهـ .

وقال ابن العربي : " وقد وقعت رواية عن ابن نافع عن مالك أول من قدَّم الخطبة على الصلاة في العيد عثمان " . وهي باطلة مدسوسة فلا تلتفتوا إليها (1374) . اهـ .

وبناء على ما سبق فإنه قد اختلف أهل العلم فيمن هو أول من قدم الخطبة على الصلاة في العيدين ؟ . فقال بعضهم : أول من فعل ذلك مروان بن الحكم كما عند مسلم في صحيحه (1375) . وقال آخرون : " إنه عثمان (1376) . وقال آخرون : " إنه عمر (1377) . " وقال آخرون : " هو معاوية ، لما رواه عبدالرزاق ، الشافعي (1378) . وقال آخرون : " إن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة . رواه ابن المنذر عن ابن سيرين (1379) " . وقال آخرون : " إنه ابن الزبير في آخر أيامه (1380) " . قال القاضي عياض عن أثر معاوية ، ومروان ، وزياد ، : ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان ، لأن كلاً من مروان وزياد كان عاملاً لمعاوية ، فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله (1381) ، والله أعلم .

قال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – في شرحه على بلوغ المرام : " والأشهر أن أول من فعل ذلك مروان بن الحكم في خلافة معاوية حيث كان أميراً على المدينة (1382) " اهـ .

تـنـبـيـه :

تقدم ذكر قول ابن قدامة ، والصنعاني ، بأن تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين بدعة (1383) . مع أنه ثبت عن عثمان رضي الله عنه ، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (1384) ، فهل يكون ما فعله عثمان بدعة ؟

فالجواب : أن ابن قدامة يرى عدم صحة أثر عثمان ، فلأجل هذا أطلق لفظ البدعة ، وإلا لو ثبت عنده لكان هذا اجتهاداً من عثمان خالف به سنة نبوية ، فتقدم السنة النبوية على السنة الراشدة . والله أعلم .

وأما قول الصنعاني فقد أعقبه عو بقوله : وقد اعتذر لعثمان بأنه كثر الناس بالمدينة وتناءت البيوت ، فكان يقدِّم الخطبة ليدرك من بَعُدَ منزله الصلاة ، وهو رأي مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم (1385) . اهـ .

 110- هل للعيد خطبتان ؟ : 

ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، وغيرهم ، على أن للعيد خطبتين كما هي الحال في الجمعة (1386) .

وقد قال مالك : يقوم إمامهم فيخطب خطبتين (1387) . اهـ .

وقال الشافعي : مثل قول مالك ، فاستحب أن يخطب للعيد خطبتين . وقال : وإن خطب في غير يوم الجمعة خطبة واحدة فلا إعادة عليه وقد أساء ، وخطبة الجمعة تخالف هذا (1388) . اهـ . وقد استدل هؤلاء بما رواه ابن ماجة عن جابر رضي الله عنه أنه قال : (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائماً ثم قعد ثم قام)) (1389) . وفي إسناده إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف كما ذكر ابن حجر في التلخيص (1390) . وبما رواه الشافعي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة رضي الله عنه قال : " السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس " (1391) .

قال الشوكاني : وعبيدالله المذكور من فقهاء التابعين ، وليس قول التابعي من السنة ظاهراً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يكون قوله من السنة دليلاً على أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما تقرر في الأصول(1392) . اهـ . وقال الحافظ ابن حجر عمن يرى الخطبتين في العيدين : " مقتضاه أنه احتج بالقياس (1393) " . اهـ .

 111- هل يجلس الخطيب في صلاة العيدين بعد أن يصعد المنبر ؟ : 

ورد في هذه المسألة عن مالك رحمه الله روايتان(1394) .

وقال القاضي البغدادي موجهاً لهاتين الروايتين : فإذا قلنا إنه يجلس فاعتباراً بالجمعة ، لأن من سنة الخطبة الجلوس قبلها ، ولأن كل جلوس في الخطبة سنة في الجمعة سنة في خطبة العيد أصله الجلوس بين الخطبتين ، ولأن في الجلوس استراحة من تعب الصعود والانتظار للناس أن يأخذوا مجالسهم ، وإذا قلنا : يخطب ولا يجلس ، فلأنه لا معنى يقتضي جلوسه ، لأنه يجلس في الجمعة انتظاراً للفراغ من الأذان ، وهذا معدوم في خطبة العيد (1395) . اهـ .

وللشافعية في هذه المسألة وجهان الصحيح منهما أنه يستحب أن يجلس على المنبر بعد الصعود ، وهو الذي نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه أصحابه (1396) .

وعند الحنابلة فيها روايتان قيل : يجلس بعد صعوده المنبر قبلهما ليستريح ويرد غليه نَفَسه ، ويتأهب الناس للاستماع .

وحكي أن هذا هو الصحيح من المذهب نصَّ عليه كما في خطبة الجمعة . قال في الإنصاف : وهو الصحيح (1397) . اهـ .

وقيل : لا يجلس عقيب صعوده ؛ لأن الجلوس في الجمعة للأذان ولا أذان ها هنا . ذكر ذلك ابن قدامة(1398) .

قلت : هنا سكت ابن قدامة بعد حكاية القولين ، مع أنه في الاستسقاء قال عن صعود المنبر : إذا صعد المنبر جلس ، وإن شاء لم يجلس ، لأن الجلوس لم ينقل ، ولا ها هنا أذان ليجلس في وقته (1399) . اهـ .

قال الشوكاني : عن قول من يقول إنه لا يجلس بعد الصعود : هذا صواب ، لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قعد في خطبة العيد ، بل كان يفرغ من الصلاة فيقوم ثم يخطب (1400) . اهـ .

قلت : ولعل الصواب هو ما ذهب إليه الشوكاني من أنه لا يجلس ، لأن الجلوس للأذان ، ولأن أحاديث وصف صلاة العيدين في الصحيحين وغيرهما لم يأت فيها ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس قبل أن يخطب في العيدين .

ففي الصحيحين من حديث ابن عباس وفيه: ((فصلى ثم خطب ثم أتى النساء..))(1401) ولهما من حديث جابر وفيه : (( فبدأ بالصلاة ثم خطب )) (1402) .

ولهما من حديث أنس وفيه : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر ثم خطب (1403) .. )) وغير ذلك من الأحاديث . ولم يرد فيها أنه جلس قبل الخطبة ، بل قد سبق ما يدل على الخلاف هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ منبراً في العيدين أم لا ؟ فعلى من لا يرى أنه اتخذ منبراً فيكون الجلوس متعذراً على من يأخذ به ، وهذا واضح بيِّنٌ . والعلم عند الله تعالى .

 112- هل خطبة الاستسقاء قبل الصلاة أم بعدها ؟ : 

اختلف أهل العلم في هذه المسألة إلى قولين هما :

القول الأول :

قال أصحابه : إن الصلاة قبل الخطبة . وبهذا القول قال محمد بن الحسن وأبو يوسف من الحنفية(1404) ، وبه قال المالكية (1405) ، وهو المرجح عند الشافعية(1406) ، وهو رواية عن الإمام أحمد وهي المشهورة في المذهب (1407) .

واستدل أصحاب هذا القول على ما ذهبوا إليه بأدلة منها :

1.  ما رواه أحمد والبهقي وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي ، فصلّى بنار ركعتينبلا أذان ولا إقامة ، ثم خطبنا ودعا الله عز وجل وحوَّل وجهه نحو القبلة رافعاً يديه ، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر ، والأيسر على الأيمن )) (1408) .

 نقل الحافظ في التلخيص عن البيهقي في الخلافيات أنه قال : رواته ثقات (1409) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه : إسناده صحيح (1410) .

2.  ما رواه مالك في الموطأ وأحمد في المسند من حديث عبدالله بن زيد رضي الله عنه قال : (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، ثم استقبل القبلة فدعا )) (1411) .

قال ابن عبدالبر : إن رواة مالك لم يختلفوا في عدم ذكر الصلاة إلا أن إسحاق بن عيسى الطباع روى هذا الحديث عن مالك فزاد فيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ في الاستسقاء بالصلاة قبل الخطبة ... وقد روى هذا الحديث عن عباد بن تميم محمد بن شهاب الزهري ، وحسبك به جلالة وحفظاً وفهماً ، فذكر فيه الصلاة . (1412) . اهـ .

قال القرطبي : يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة لمشابهتها للعيد ، وكذا ما تقرّر من تقديم الصلاة أمام الحاجة (1413) .

القول الثاني :

قال أصحابه : إن الخطبة قبل الصلاة ، وبهذا القول قال الليث بن سعد ، وحكى ابن عبدالبر أنه قول مالك الأول ثم رجع عنه إلى أن الخطبة بعد الصلاة (1414) ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ، وقدَّم عمر بن عبدالعزيز الخطبة على الصلاة ، وبه قال ابن الزبير وأبان بن عثمان وابن المنذر وغيرهم (1415) . وبوَّب له النسائي في سننه فقال : باب الصلاة بعد الدعاء ، وكذلك بوَّب له ابن خزيمة في صحيحه ، وبه قال ابن حزم (1416) .

واستدل أصحاب هذا القول على ما ذهبوا إليه بأدلة منها :

1.  ما رواه البخاري ومسلم والأربعة وغيرهم من حديث عبدالله بن زيد رضي الله عنه : (( خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو ، وحوَّل رداءه ثم صلى ركعتين ، جهر فيهما بالقراءة )) (1417) .

2.  ما رواه البخاري عن أبي إسحاق : (( خرج عبدالله بن يزيد الأنصاري ، وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم ، فاستسقى فقام بهم على رجليه على غير منبر فاستغفر ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ، ولم  يؤذن ولم يقم)) (1418) .

3.  ما وراه أبو داود وابن حبان والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت : (( شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر ، فقعد على المنبر فكبر صلى الله عليه وسلم ، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين .. )) (1419) .

هذا ملخص أدلة أصحاب هذا القول .

وقد أجابوا عن أدلة أصحاب القول الأول : بأن الحديث الأول فيه النعمان بن راشد ، وهو متكلم فيه ، وقد أخطأ في سند الحديث ومتنه .

فقد وهم الدار قطني النعمان بن راشد ، وذكر أنه خالف الثقات من أصحاب الزهري ، وصوَّب روايتهم عليه (1420) . اهـ

وقال ابن عبدالبر عن النعمان بن راشد : أخطأ في إسناده ، ولم يذكر فيه الصلاح ، ولم يتابع على إسناده هذا ، وليس هذا الحديث عن مالك عن ابن شهاب (1421).اهـ.

وقال ابن خزيمة بعد أن أخرج الحديث الأول : في القلب من النعمان بن راشد ، فإن في حديثه عن الزهري تخليطاً كثيراً (1422) . اهـ .

وأجابوا عن الحديث الثاني : بأنه من رواية إسحاق بن عيسى الطباع وهو وإن كان صدوقاً إلا أنه أخطأ فيه على مالك ، لأن رواة مالك لم يذكروا فيها الصلاة ، وقد أشار ابن عبدالبر إلى ذلك . لكنه قبل روايته بهذه الزيادة (1423) .

الخـلاصـة :

أن هذه المسألة قد علم فيها قول عامة الفقهاء كما ذكر ذلك ابن عبدالبر ، وأن الخطبة بعد الصلاة ، وليس ذلك للوجوب ، وإنما على سبيل التخيير ، فإن شاء قدَّم الخطبة ، وإن شاء قدَّم الصلاة .

فقد قال الحافظ ابن حجر : ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك . بأنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب ، فاقتصر بعض الرواة على شيء وبعضهم على شيء ، وعبر يعضهم عن الدعاء بالخطبة ، فلذلك وقع الاختلاف (1424) . اهـ.

وقال في موضع آخر : وصرح الشيخ أبو حامد وغيره بأن هذا الخلاف في الاستحباب لا في الجواز (1425) . اهـ .

قال سماحة العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية – رحمه الله – في تقرير له بما نصه : " نعرف أنه قد جاء تقديم الصلاة على الخطبة وهو الذي عليه العمل ، وصرح به الأصحاب ، ولكن يجمع بينه وبين حديث عبدالله بن زيد بأن الكل جائز ، فيكون وجهان في ذلك كل سنة " (1426) . اهـ .

وقال سماحة العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية في تعليقه على فتح الباري ما نصه : " أخرج أحمد رحمه الله حديث أبي هريرة المذكور بإسناد حسن ، وصرَّح فيه بأنه – خطب بعد الصلاة – ويجمع بين الحديثين بجواز الأمرين ، والله أعلم " (1427) .

وقال في شرحه على بلوغ المرام : فإن قدَّم الخطبة فجائز ، وإن صلى أولاً فجائز ، كل ذلك وارد (1428) . اهـ .

وقال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين في شرحه على الزاد ما نصه : " وعلى هذا فتكون خطبة الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها " (1429) . اهـ .

هذا حاصل ملخص المسألة . والله تعالى أعلم .

تـنـبـيـــــه :

في مذهب الحنابلة أربع روايات في مسألة خطبة الاستسقاء :

الأول : أن الخطبة بعد الصلاة وهي المشهورة .

الثانية : أنها قبل الصلاة .

والثالثة : هو مخير قبل أو بعد .

والرابعة : ألا يخطب وإنما يدعو ويتضرع ، لقول ابن عباس : " لم يخطب كخطبتكم هذه لكن لم يزل في الدعاء والتضرع " (1430) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة " (1431) .

فـائدة :

روى البخاري في صحيحه من طريق عبدالله بن أبي بكر سمع عباد بن تميم عن عمه قال : (( خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقي ، استقبل القبلة فصلى ركعتين وقلب رداءه ، قال سفيان: فأخبرني المسعودي عن أبي بكر قال : جعل اليمين على الشمال)) (1432).

وقال الحافظ في الفتح : قوله " عن أبي بكر " يعني : ابن محمد بن عمرو بن حزم بإسناده ، وهو عن عباد بن تميم عن عمه ... الخ ، ثم قال : قال ابن بطال : حديث أبي بكر يدل على أن الصلاة قبل الخطبة ، لأنه ذكر أنه صلى قبل قلب ردائه ، قال : وهو أضبط للقصة من ولده عبدالله بن أبي بكر حيث ذكر الخطبة قبل الصلاة ) اهـ (1433) . والله أعلم .

 113- هل خطبة الاستسقاء واحدة أم ثنتان ؟ : 

اختلف أهل العلم في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال :

القول الأول :

قالوا : إن الإمام يخطب خطبتين يفصل بينهما بالجلوس . وممن قال بذلك محمد بن الحسن (1434) صاحب أبي حنفية ، والإمام مالك (1435) ، والإمام الشافعي (1436) ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (1437) .

قلت : ولا أعلم دليلاً لأصحاب هذا القول إلا ما ذكره مالك حينما سئل أيجلس الإمام فيما بين الخطبتين في صلاة الاستسقاء ؟ فقال : نعم فيما بين كل خطبة جلسة (1438) . اهـ .

وكذلك قياس الشافعي الاستسقاء على خطبة العيدين (1439) . ولم أجد دليلاً غير ما ذكرته عنهما ، والله أعلم .

القول الثاني :

قالوا : إن الإمام لا يخطب في الاستسقاء إلا خطبة واحدة . وممن قال بذلك الإمام أحمد في أصح الروايتين عنه (1440) ، وقال به عبدالرحمن بن مهدي (1441) . وأبو يوسف(1442)  واختاره الزيلعي(1443) ، وابن قدامة(1444) ، ودليل أصحاب هذا القول هو ما جاء في الأحاديث السابقة بأنه صلى الله عليه وسلم خطب بهم في الاستسقاء هكذا مطلقاً ، ولم يأت ما يدل على أنه جلس بينهما جلسة للاستراحة .

وقد أخرج أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متبذلاً متواضعاً متخشعاً متضرعاً ، حتى أتى المصلى ، فلم يخطب كخطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح (1445) .

قال الزيلعي بعد حديث ابن عباس هذا : مفهومه أنه خطب خطبة واحدة فلذلك نفى النوع ، ولم ينف الجنس ، ولم يرو أنه خطب خطبتين (1446) اهـ .

وقال ابن قدامة عن حديث ابن عباس السابق : وهذا يدل على أنه ما فصل بين ذلك بسكوت ولا جلوس ، ولأن من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين ، ولأن المقصود إنما هو دعاء الله تعالى ليغيثهم ، ولا أثر لكونها خطبتين في ذلك (1447) . اهـ .

القول الثالث :

وبه قال الطبري ولم أقف على من قال به غيره ، وهو أنه مخير بين أن يخطب خطبة واحدة أو خطبتين (1448) .

قلت : لا أعلم للطبري دليلاً هلى ما ذهب إليه . والله أعلم .

هذا هو حاصل الخلاف في هذه المسألة ، ولعل من قال : إنها خطبة وأحدة هم الأحظ بالدليل الشرعي على ما مرَّ . والعلم عند الله تعالى .

 114- حكم تحويل الخطيب لردائه في الاستسقاء : 

هذه المسألة ليست خاصة بالخطيب وحده ، بل يشاركه فيها جميع المصلين ، على قول جمهور أهل العلم كما سيأتي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند عند أحمد (( أنه حوَّل رداءه وتحول الناس معه )) (1449) .

ولأن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه به دليل ، كيف وقد ثبت الدليل ، وعقل المعنى في ذلك ، وهو التفاؤل بقلب الرداء ، ليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخصب .

وخالف في ذلك الليث بن سعد ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن (1450) ، حيث احتجوا بأنه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أصحابه .

أما حكم تحويل الرداء ، فقد اختلف فيه أهل العلم :

فذهب أبو حنيفة إلى منع ذلك فقال : لا يسن قلب الرداء ، لأنه دعاء ، فلا يستحب تحويل الرداء كما في سائر الأدعية ، وما روي أنه قلب الرداء فمحتمل ، يحتمل أنه تغير عليه فأصلحه ، فظن الراوي أنه قلب ، أو يحتمل أنه عرف من طريق الوحي أن الحال ينقلب من الجدب إلى الخصب في قلب الرداء بطريق التفاؤل ففعل ، وهذا لا يوجد في حق غيره (1451) . اهـ .

وذهب جمهور أهل العلم كصاحبي أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، إلى خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة ، فقالوا : إن تحويل الرداء سنة(1452) . ودليلهم في ذلك جميع الأحاديث الثابتة في أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك . فلا عبرة بما ذهب إليه أبو حنيفة لأنه خلاف الدليل .

وقد قال ابن قدامة بعد عرض قول أبي حنيفة هذا : وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع (1453) . اهـ .

 115- كيفية تحويل الخطيب لردائه في الاستسقاء : 

اختلف أهل العلم في هذه الكيفية على قولين :

القول الأول :

وهو قول الجمهور : أنه يجعل الأيسر على الأيمن ، ويجعل الأيمن على الأيسر ، وبهذا قال مالك ، والشافعي في القديم ، وأحمد ، وصاحبا ابي حنيفة ، وبه قال عبدالرحمن بن مهدي ، وإسحاق ، وأبو ثور ، ووكيع وغيرهم (1454) .

قال ابن عبدالبر : وعلى ذلك أهل العلم (1455) .

واستدل الجمهور بما روى البخاري من حديث عباد بن تميم عن عمه قال : (( خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقي ، واستقبل القبلة فصلى ركعتين ، وقلب رداءه . قال سفيان : فأخبرني المسعودي عن أبي بكر قال : جعل اليمين على الشمال )) (1456) وزاد فيه ابن ماجة وابن خزيمة من هذا الوجه : (( والشمال على اليمين )) (1457) . وفي رواية عند أبي داود من طريق الزهري عن عباد بلفظ (( فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر ، وعافه الأيسر على عاتقه الأيمن )) (1458) .

القول الثاني :

وهو قول الشافعي في الجديد ، فقد ذهب إلى أن كيفية التحويل هي أن ينكس الرداء فيجعل أعلاه أسفله ، ويزيد مع تنكيسه فيجعل شقه الذي على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر ، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن ، فيكون قد جاء بما أوراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نكسه ، وبما فعل من تحويل الأيمن على الأيسر (1459) . اهـ . خلافاً للجمهور ولمالك الذي نصَّ بقوله : لا يقلبه فيجعل الأسفل الأعلى ، والأعلى الأسفل (1460) . اهـ .

ودليل الشافعي على ما ذهب إليه هو ما رواه أحمد وأبو داود من حديث عبدالله بن زيد (( أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة له سوداء ، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها ، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه )) (1461) قال ابن دقيق العيد في الإلمام : رجاله رجال الصحيح (1462) .

قال الحافظ ابن حجر : ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط (1463) .

قلت : الرواية التي استدل بها الشافعي مدارها على الدراوردي وقد قال عنه أحمد : كان معروفاً بالطلب ، وإذا حدَّث من كتابه فهو صحيح ، وإذا حدَّث من كتب الناس وهِم ، وكان يقرأ من كتبهم ويخطئ ، وقال عنه أبو زرعة : سيئ الحفظ ، فربما حدث من حفظه الشيء فيخطئ (1464) . اهـ .

ثم إن الناظر في طرق حديث عبدالله بن زيد يظهر له خطأ الدراوردي في مخالفته جميع الرواة .

ويؤكد ذلك ما رواه الحميدي عن سفيان عن المسعودي أنه قال لأبي بكر ابن حزم : جعل الأعلى على الأسفل ، والأسفل على الأعلى ؟ قال أبو بكر بن حزم : لا ، بل جعل الأيسر على الأيمن ، والأيمن على الأيسر (1465) .

وقال ابن قدامة عن قول من قال بالتنكيس : الزيادة التي نقلوها إن ثبتت فهي ظن الرواي لا يترك لها فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد نقل تحويل الرداء جماعة ، لم ينقل أحد منهم انه جعل أعلاه اسفله ، ويبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك في جميع الأوقات لثفل الرداء (1466) . اهـ .

وقال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز في تعليقه على فتح الباري بعد كلام الحافظ ابن حجر السابق : ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط . قال سماحته : ليس الأمر كما قال الشارح بل الأولى والأحوط هو التحويل بجعل ما على الأيمن على الأيسر وعكسه ؛ لأن الحديث بذلك أصح وأصرح ، ولأن فعله أيسر وأسهل . والله أعلم . اهـ (1467) .

 116- متى يحوِّل رداءه في الاستسقاء ؟ : 

اختلف كلام أهل العلم حول هذه المسألة على النحو التالي :

فقد ذهب أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، إلى أنه يحول رداءه إذا مضى صدر من خطبته (1468) .

وذهب مالك إلى أنه فرغ من خطبته يستقبل القبلة مكانه ويحول رداءه قائماً (1469) .

وذهب الشافعي إلى أنه يحول رداءه وهو مستقبل القبلة في الخطبة الثانية عنده ، وذلك قبل فراغه منها ، كما نصَّ هو على ذلك (1470) .

وفي مذهب أحمد أنه يستحب أن يحول رداءه في حال استقبال القبلة (1471) ، لأن في حديث عبدالله بن زيد (( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي فحوَّل إلى الناس ظهره ، واستقبل القبلة ثم حوَّل رداءه )) متفق عليه (1472) وفي لفظ لمسلم : (( فحوَّل رداءه حين استقبل القبلة )) .

قال الحافظ ابن حجر عن حديث تحويل الرداء : ثم إن ظاهر قوله (( فقلب رداءه )) أن التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء ، وليس كذلك بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستسقاء . وقد بيَّنه مالك في روايته المذكورة ولفظه (( حول رداءه حين استقبل القبلة )) ولمسلم من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد (( وإنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوَّل رداءه )) وأصله للمصنف ، وله من رواية الزهري عن عباد (( فقام فدعا الله قائماً ، ثم توجَّه قبل القبلة وحوَّل رداءه )) ، فعرف بذلك أن التحويل وقع أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء (1473) .

قلت : الذي يظهر لي – والعلم عند الله تعالى – أن ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر وسبقه به ابن قدامة هو الأقرب وهو الأحظ بالدليل ، لأن الإمام حال الخطبة يكون مستقبلاً الناس ، والأحاديث دلَّت على أن التحويل كان حين استقبل القبلة ، وبالله التوفيق .

فــائدة :

متى يعيد الرداء إلى مكانه بعد تحويله ؟

قال الشافعي رحمه الله : ولا يحول رداءه إذا انصرف من مكانه الذي يخطب فيه . وإذا حولوا أرديتهم أقروها محولة كما هي ، حتى ينزعوها متى نزعوها (1474). اهـ .

وقال النووي : يتركونها محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم ، وتبقى كذلك في منازلهم حتى ينزعوا ثيابهم ، سواء نزعوها أول وصولهم المنازل أم بعده (1475) . اهـ .

 117- كيفية رفع اليدين للدعاء في الاستسقاء : 

 أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه )) (1476) .

ولمسلم من حديث أنس أيضاً : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء )) (1477) .

ولأبي داود من حديث أنس أيضاً (( كان يستسقي هكذا ، ومدَّ يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه )) (1478) .

قال النووي : هذا الحديث يوهم ظاهره أنه لم يرفع صلى الله عليه وسلم إلا في الاستسقاء ، وليس الأمر كذلك ، بل قد ثبت رفع يديه صلى الله عليه وسلم في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء ، وهي أكثر من أن تحصر ، ويتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء .. الخ (1479) . اهـ .

وقال القاضي عياض : قوله (( فأشار بظهر كفيه إلى السماء )) هذا اختيار جماعة من العلماء في رفع اليدين عند مواطن الدعاء ... وأما صورة رفعها فهذا المروي في الحديث وهو الذي فسَّره مفسرون بالرهب في قوله تعالى { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } سورة الأنبياء آية : 90 . قالوا : وأما عند المسألة والرغبة فبسط الأيدي وظهورها إلى الأرض وهذا الرغب (1480) . اهـ . ثم قال أيضاً : وهذا يدل على رفعهما فوق الصدر وحذو الأذنين ، لأن رفعهما مع الصدر لا يكشف بياض الإبط (1481) . اهـ .

وقال النووي : قال جماعة من أصحابنا وغيرهم : السنة في كل دعاء لرفع البلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء ، وإذا دعاء لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء ، واحتجوا بهذا الحديث (1482) . اهـ .

وقال الحافظ ابن الحجر : وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه وبه حينئذ يرى بياض إبطيه (1483) . اهـ .

ثم قال الحافظ ايضاً : الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهراً لبطن كما قيل في تحويل الرداء ، أو هو إشارة إلى صفة المسئول ، وهي نزول السحاب إلى الأرض (1484) . اهـ .

قلت : وأما ما يفعله بعض الناس من رفع اليدين في دعاء الاستسقاء إلى علو يجاوزون به الرأس ، فإن هذا غلط يرده ما رواه أبو داود عن عمير مولى بني أبي اللحم (( أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء(1485) قائماً يدعو ، يستسقي رافعاً يديه قبل وجهه لا يجاوز بهما رأسه)) (1486)

 118- وجهة نظر حول موضوع خطبة الاستسقاء : 

        من يشاهد في وقتنا الحاضر كثيراً من صلوات الاستسقاء يجد أن جملة من الأئمة يغفلون عن جانب مهمٍ فيها ألا وهو كثرة الاستغفار والتضرع ، حيث إن عدداً منهم ليس بالقليل يجعل جلَّ اهتمامه في الخطبة بما لم يشرع الاستسقاء لأجله ، حيث يضمنون خطبهم أموراً خارجة عن مقتضى الحال فلربما تحدث بعضهم عن قضايا اجتماعية ، وآخرون عن قضايا سياسية ، وطائفة أخرى عن شئون المسلمين العامة أو الخاصة ، أيا كان ذلك الموضوع وأهميته ومصلحته إلا أن خطبة الاستسقاء لها مقام آخر ، هو مقام الاستغفار والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتذلل بين يديه ، فلا مجال فيه لذكر قضية المرأة مثلاً أو التغريب أو التربية أو ما شاكل ذلك . ولبيان وجاهة ما ذكرته وأنه هو الأقرب إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنني سأورد ما يدل على هذا من خلال عدة أمور :

الأول : أنه قد جاء في حديث أبي إسحاق : (( خرج عبدالله بن يزيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم فاستسقى ، فقام بهم على رجليه على غير منبر ، فاستغفر ، ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ، ولم يؤذن ، ولم يقم )) رواه البخاري (1487) .

الثاني : وعن عبدالله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال : (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استسقى لنا ، أطال الدعاء وأكثر المسألة .. )) (1488) .

الثالث : حديث عائشة عند أبي داود وغيره لم تذكر فيه إلا افتتاح الخطبة بالحمد ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه ، ووعدكم أن يستجيب لكم ، ثم قال : (( الحمد الله رب العالمين )) (1489) فظاهره أنه لم يزد فيها على الدعاء والتضرع إلا هذه المقدمة التي وردت في الحديث .

الرابع : حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أصحاب السنن قال : (( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج متبذلاً متواضعاً ، متضرعاً ، حتى أتى المصلى ، فلم يخطب خطبتكم هذه ، ولم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ، وصلى ركعتين كما يصلي في العيد (1490) . هذا لفظ الترمذي .

قلت : وهو صريح أشد الصراحة في أن خطبته صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء إنما هي الدعاء والتضرع والتكبير ، ويؤكد ذلك قول ابن عباس (( فلم يخطب خطبتكم هذه )) .

الخامس : ما رواه عبدالرزاق وابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه: أنه خرج يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع ، فقالوا له : يا أمير المؤمنين ، ما رأيناك استسقيتنا ؟ فقال : لقد طلبت القطر بمجاديح(1491) السماء التي يستنزل بها القطر ، قال { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10}يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً{11}وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }سورة نوح:آية10- 12 .{ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ } سورة هود : آية : 52 .

السادس : قال الشافعي : ويخطب الإمام في الاستسقاء خطبتين كما يخطب في صلاة العيدين ، يكبر الله فيهما ، ويحمده ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكثر فيهما الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه ، ويقول كثيراً : { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً{10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً } (1492) .

وقال أيضاً : ويكون أكثر دعائه الاستغفار يبدأ به دعاءه ، ويفصل به بين كلامه ، ويختم به ، ويكون أكثر كلامه ، حتى ينقطع الكلام ويحض الناس على التوبة والطاعة والتقرب إلى الله عز وجل (1493) .

السابع : ما ذكره بعض أهل العلم من أنه يستحب للإمام أن يعظ الناس قبل الخروج ، ويأمرهم بالتوبة ورد المظالم ونحو ذلك ، مما يدل على أن الأصل في الاستسقاء هو الدعاء والاستغفار لا أنه كالخطب التي تلقى في هذا العصر .

فقد أخرج عبدالرزاق عن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب إلى ميمون بن مهران ، أني كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا وكذا ، شهر كذا وكذا يستسقوا ، ومن استطاع أن يصوم أو يتصدق فليفعل ، فإن الله يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى{14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} سورة الأعلى ، آية : 14 – 15 . وقولوا كما قال أبوكم {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } سورة الأعراف آية : 23 . وقولوا كما قال نوح : { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ } سورة هود : آية : 47 وقولوا كما قال موسى : { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } سورة القصص ، آية 16 . وقولوا كما قال يونس : { لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } سورة الأنبياء ، آية : 87 . (1494) .

وقال الشافعي رحمه الله : بلغنا عن بعض الأئمة أنه كان إذا أراد أن يستسقي أمر الناس ، فصاموا ثلاثة أيام متتابعة ، وتقربوا إلى الله عز وجل بما استطاعوا من خير ، ثم خرج في اليوم الرابع فاستسقى بهم ، وأنا أحب ذلك لهم ، وآمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صياماً ، من غير أن أوجب ذلك عليهم (1495) .

وقال ابن قدامة : وإذا عزم الإمام على الخروج ، استحب أن يعد الناس يوماً يخرجون فيه ، ويأمرهم بالتوبة من المعاصي ، والخروج من المظالم ، والصيام والصدقة وترك التشاحن ، ليكون أقرب لإجابتهم ... الخ (1496) . اهـ .

قلت : ومما سبق كله يتضح أن السنة في خطبة الاستسقاء كثرة الدعاء والاستسغفار والتضرع والموعظة اليسيرة ، وأنها كما قال ابن عباس : ليست كالخطب التي تخطب في هذا العصر ، والله المستعان .

 119- هل للخسوف والكسوف خطبة؟ : 

اختلف أهل العلم في صلاة الكسوف هل تشرع لها خطبة أم لا ؟

على قولين :

القول الأول :

قالوا : إنه لا تشرع للكسوف والخسوف خطبة .

وممن قال بذلك الحنفية ، والمالكية ، وأصح الروايتين عند الحنابلة .

فقد قال الكاساني : ولا خطبة فيها عندنا ، لأن الخطبة لم تنقل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى قولها – أي عائشة – (( خطب )) أي دعا ، أو لأنه احتاج إلى الخطبة ردّاً لقول الناس : إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم ، لا للصلاة . والله أعلم (1497) . اهـ .

وذكر ابن عبدالبر عن مالك : لا خطبة في الكسوف ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خطب لتعريف الناس أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته (1498) . اهـ .

وقال ابن قدامة : ولم يبلغنا عن أحمد رحمه الله أن لها خطبة ، وأصحابنا على أنها لا خطبة لها ... ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلاة والدعاء والتكبير والصدقة ، ولم يأمرهم بخطبة ، ولو كانت سنة لأمرهم بها ، ولأنها صلاة يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة ، وإنما خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة ليعلمهم حكمها ، وهذا مختص به ، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة (1499) اهـ .

القول الثاني :

قالوا : يشرع لهما خطبة ، وممن قال بذلك الشافعي ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، غير أن الشافعي يرى أنها خطبتان قولاً واحداً ، وأحمد يرى أنها خطبتان على إحدى الروايتين ، وفي الرواية الأخرى أنها خطبة واحدة .

قال الشافعي : ويخطب الإمام في صلاة الكسوف نهاراً خطبتين . وإن ترك الخطبة كرهت ذلك له ، ولا إعادة عليه (1500) . اهـ .

قال النووي في المجموع : وبه قال جمهور السلف ، ونقله ابن المنذر عن الجمهور (1501) . اهـ .

وقال المرداوي : وعنه يشرع بعد صلاتها خطبتان ، سواء تجلى الكسوف أو لا . اختارها ابن حامد والقاضي ، وقدَّمه ابن رجب (1502) . اهـ .

قلت : وبه قال إسحاق والطبري كما ذكر ذلك ابن عبدالبر (1503) . اهـ .

قال الحافظ ابن حجر معقباً على قول من لم يرى الخطبة للكسوف : وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه وهي ذات كثرة ، وبما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث ، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف ، والأصل مشروعية الاتباع ، والخصائص لا تثبت إلا بدليل ... وقال ابن دقيق العيد : فينبغي التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف (1504) . اهـ .

قلت : القول بمشروعية الخطبة في صلاة الخسوف هو الصحيح الذي دلَّ عليه الدليل من فعله صلى الله عليه وسلم . والعلم عند الله تعالى .

 120- إذا اجتمع عيد وكسوف ، أو جمعة وكسوف : 

 هناك أمران حول هذه المسألة :

الأمر الأول : قبل أن أذكر أقوال أهل العلم حول هذه المسألة ، فإنني أود الإشارة إلى أمر مهم حولها ، وهو : هل يمكن أن يجتمع عيد وكسوف أم لا ؟

ذكر الشافعي رحمه الله ما يدل على أنه يرى إمكانية اجتماع عيد وكسوف كما في كتابه الأم (1505) .

قلت : وقد عاب بعض أهل العلم على الشافعي هذا القول .

فقد قال القرافي رحمه الله : إن اجتماعهما محال عادة ، فإن كسوف الشمس إنما يكسف بالقمر إذا حال بيننا في درجتها يوم تسع وعشرين ، وعيد الفطر يكون بينهما نحو ثلاثة عشر درجة ومنزلة ، والأضحى يكون بينهما نحو مائة وثلاثين درجة وعشر منازل ، نعم يمكن عقلاً أن يذهب ضوء الشمس بغير سبب أو بسبب غير القمر ، كحياة إنسان بعد قطع رأسه أو إخلاء جوفه ، الكلام على مثل هذا منكر بين الفقهاء مع أن الشافعي وجماعة من العلماء تحدثوا فيه (1506) . اهـ .

وقد أشار الماوردي إلى ما عيب به على الشافعي بقوله : فإن قيل تصور الشافعي اجتماع الخسوف والعيد محال ، لأن العيد إما أن يكون في أول الشهر إن كان فطراً ، أو في العاشر إن كان نحراً ، والخسوف إما أن يكون في الثامن والعشرين إن كان للشمس ، وفي الرابع عشر إن كان للقمر ، فاستحال اجتماع الخسوف والعيد (1507) . اهـ .

ثم أجاب الماوردي عن هذا بثلاثة أجوبة :

الأول : أن الشافعي لم يكن غرضه في هذا تصحيح وقوعه ، وإنما كان غرضه الكشف عن معاني الأحكام بإيقاع التفريع في المسائل ليتضح المعنى ويتسع الفهم ، وبذلك جرت عادة العلماء في تفريع المسائل ، حتى قالوا في الفرائض مائة جدة وخمسون أختاً وإن كان وجود ذلك مستحيلاً .

الثاني : أن الشافعي تكلم على ما يقتضيه قول أهل النجوم الذي لا يسوغ قبول قولهم ، وقد نقل الواقدي وأهل السير أن الشمس خسفت في اليوم الذي مات فيه إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان اليوم العاشر من الشهر ، وروى ذلك علقمة عن ابن مسعود .. الخ .

الثالث : أنه وإن كانت العادة فيما ذكروا ، فقد ينتقض عند قيام الساعة ووجود أشراطها ، فبيَّن الحكم فيها قبل وجودها (1508) . اهـ .

وقال الفقيه ابن الحاجب المالكي : واعترض على من قدر اجتماع عيد وكسوف باستحالته عادة ، وأجيب بأن المقصود ما يقتضيه الفقه بتقدير الوقوع ، ورده المازري بأن تقدير خوارق العادات ليس من دأب الفقهاء (1509) . اهـ .

وقد أشار ابن مفلح إلى هذه المسألة ، واختار عدم إمكانية اجتماع الكسوف والعيد ، وذكر أن هذا هو اختيار شيخ الإسلام ، ثم قال : ورد بوقوعه في غيره ، فذكر أبو شامة الشافعي في تاريخه أن القمر خسف ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ، وكسفت الشمس في غده ، والله على كل شيء قدير ، قال : واتضح بذلك ما صوره الشافعي من اجتماع الكسوف والعيد ، واستبعده أهل النجامة ، هذا كلامه ، وكسفت الشمس يوم موت إبراهيم عاشر شهر ربيع الأول ، قاله غير واحد ، وذكره بعض أصحابنا اتفاقاً . قال في الفصول : لا يختلف النقل في ذلك ، نقله الواقدي والزبيري ، وأن الفقهاء فرعوا وبنوا على ذلك ، إذا اتفق عيد وكسوف (1510) . اهـ .

هذا هو حاصل القول من الأمر الأول .

الأمر الثاني : أقوال الفقهاء عن مسألة اجتماع كسوف وعيد أو جمعة .

قال ابن الحاجب المالكي : " إذا اجتمعت مع فرض ، فالفرض – أي يقدم – إن خيف فواته (1511) . اهـ .

وقال القرافي : إذا اجتمع عيد وكسوف قُدِّم الكسوف (1512) . اهـ .

وقال الشافعي : " ولإن كسفت الشمس يوم جمعة ، ووافق ذلك يوم الفطر بدئ بصلاة العيد ، ثم صلى الكسوف إن لم تنجل الشمس ، قبل أن يدخل في الصلاة . ولإذا كسفت الشمس والإمام في صلاة العيد ، أو بعده قبل أن يخطب ، صلى صلاة الكسوف ثم خطب للعيد والكسوف معاً خطبتين يجمع الكلام للكسوف وللعيد فيهما (1513) . اهـ.

وقال أيضاً : " وإن اتفق العيد والكسوف في ساعة صلى الكسوف قبل العيد ؛ لأن وقت العيد إلى الزوال ، ووقت الكسوف ذهاب الكسوف (1514) . اهـ .

وقال في موضع آخر : " وإن كسفت الشمس في وقت الجمعة ، بدأ بصلاة كسوف الشمس وخفف فيها ، فقرأ في كل واحدة من الركعتين اللتين في الركعة بأم القرآن وسورة ( قل هو الله أحد ) . وما أشبهها ، ثم خطب في الجمعة ، وذكر الكسوف في خطبة الجمعة " (1515) . اهـ .

ثم قال كلاماً يجمع هذه الأمور كلها في قاعدة عامة فقال : " إذا اجتمع أمران يخاف أبداً فوت أحدهما ، ولا يخاف فوت الآخر ، بدأ بالذي يخاف فوته ، ثم رجع إلى الذي لا يخاف فوته " (1516) . اهـ .

وبمثل قول الشافعي هذا قال الماوردي (1517) .

وقال ابن قدامة : إذا اجتمع صلاتان ، كالكسوف مع غيره من الجمعة ، أو العيد ، أو صلاة مكتوبة ، أو الوتر ، بدأ بأخوفهما فوتاً ، فإن خيف فوتههما بدأ بالصلاة الواجبة ، فإن لم يكن فيهما واجبة بدأ بآكدهما (1518) . اهـ .

وقال ابن مفلح : يقدم – أي الكسوف على الجمعة – إن أمن فوتها ، أو لم يشرع في خطبتها ، وكذا على العيد والكتوبة في الأصح (1519) . اهـ .

هذا هو حاصل كلام أهل العلم حول هذه المسألة . وفي كلام ابن قدامة تصوير للمسألة على هيئة التقعيد ، وله حظ ثم النظر ، فيبدأ أولاً بما يخاف فوته ، ثم يقدم الواجبة إن خاف فواتها ، ثم يبدأ بآكدهما إذا لم يكونا واجبتين ، ككسوف واستسقاء ، أو عيد على رأي من لا يقول بوجوب العيد . والعلم عند الله تعالى .

 121- بعض ما قيل إنه مكروه أو من البدع في الخطب :         

 هناك من تكلم من أهل العلم حول بعض الأمور التي يقع فيها بعض الخطباء في خطبهم في القديم والحديث . وقد وقع نظري على جملة منها رأيت من المناسب أن أوردها هنا للفائدة ، غير أن هذا الإيراد ليس دليلاً على أنني أقول بها أو ببعضها ، أو أرفضها أو أرفض بعضها ، وإنما المقصود من ذلك تمام الفائدة والاطلاع على ما ذكره أهل العلم في هذا الباب ، ولربما علقت على بعضها وأبديت وجهة نظري تجاهها . فمما وقفت عليه في ذلك ما يلي :    

1-كراهة خروج الخطيب ومعه شاويش يصيح بين يديه ، أو أن يلبس طيلساناً ، أو طرحة ، أو سواداً ، أو أن يدعو على المنبر وهو مستقبل القبلة . ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله(1520) .  

2- كراهية سلام الخطيب على المأمومين وهو على المنبر بعد أن يكون قد سلم عند دخوله المسجد .

 قال بذلك الحنفية والمالكية (1521). بخلاف الجمهور الذين هم أحظ بالدليل. وقد سبق ذكر ذلك في مبحث مستقل فلتراجعه . 

3- دق الخطيب بالسيف أو بالعصا على درج المنبر في صعوده ، وهذا قال عنه النووي : " باطل لا أصل له وبدعة قبيحة(1522) " وأفتت اللجنة الدائمة للإفتاء ببدعيته (1523).

4- دعاء الخطيب إذا انتهى صعوده على المنبر قبل جلوسه ، وربما توهم بعض جهلتهم أنها ساعة إجابة الدعاء وذلك خطأ إنما ساعة الإجابة بعد جلوسه ... ذكره النووي(1524) .

وقال شيخ الإسلام : وأما دعاء الإمام بعد صعوده، ورفع المؤذنين أصواتهم بالصلاة، فهذا لم يذكره العلماء ، وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعي(1525) . اهـ

   وزاد الشيخ بكر أبو  زيد : دعاء الخطيب عند أسفل المنبر، وحال الجلوس عليه(1526) .                                                 

5- الالتفات يميناً وشمالاً في الخطبة عند الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أو في غيرها . قاله صاحب الحاوي والنووي، وابن رجب، وابن عابدين(1527) وقالوا : هو معدود من البدع المنكرة                                                                        

وقال الشيخ بكر أبو زيد : " الالتفات في الخطبة لا يشرع" (1528). اهـ 

6- الدعاء للسلطان ، ذكره عطاء بن أبي رباح والشافعي والبيهقي والعز بن عبد السلام والشيرازي والنووي والحافظ ابن حجر ... وغيرهم على أنه محدث (1529).

7- القنوت للنوازل في الجمعة ، ذكره عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة كذلك عن إبراهيم بقوله : والقنوت في الجمعة بدعة (1530).

 وروى ابن أبي شيبة عن طاوس قال: القنوت يوم الجمعة بدعة . وأخرج أيضاً عن مكحول أنه كان يكره القنوت يوم الجمعة (1531).

8- ما قاله النووي رحمه الله : يكره في الخطبة أشياء ... ذكر منها: المجازفة في أوصاف السلاطين في الدعاء لهم ، وكذبهم في كثير من ذلك كقولهم السلطان العالم العادل ونحوه . وذكره صاحب الفتاوى التاتار خانية، وابن عابدين(1532) .

9- المبالغة في الاسراع في الخطبة الثانية وخفض الصوت بها . وذكرها النووي في المكروهات في الخطبة (1533).

10- قول الخطيب : "من يطع الله ورسوله، فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى " بالتشريك بين ضمير الله وضمير رسوله. ذكر ذلك الشافعي وجعله من مكروهات الكلام في الخطبة(1534)

11- الزيادة في الخطبة على الحمد والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم والعظة والقراءة, فمن زاد على هذا فقد كرهه الشافعي رحمه الله (1535).

12- كلام الإمام أثناء الخطبة فيما لا يعنيه ولا يعني الناس، أو بما يقبح من الكلام ، فقد كرهه الشافعي كذلك(1536)

13- أمر الخطيب المأمومين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حال الخطبة . قال الشيخ صالح الفوزان: هذا جهل وابتداع لا يجوز فعله (1537).

قلت: قد فصلت القول في هذه المسألة، وبينت الراجح فيها من خلال مبحث مستقل في هذا الكتاب فارجع إليه.

14- إطالة الخطبة وسوء الأدب فيها أو في الخطيب نفسه مما كرهه الشافعي رحمه الله(1538) .

فقد حرَّم ابن حزم على الخطيب إطالة الخطبة(1539) .

15- التزام الخطيب افتتاح خطب الجمعة بخطبة الحاجة. ذكر ذلك الشيخ بكر أبو زيد(1540)

16- عدم حسن الهيئة للخطيب في لباسه وطيبه ونحو ذلك مما كرهه الشافعي أيضاً(1541).

17- كراهة الكلمات المشتركة في الخطبة والبعيدة عن الأفهام وما تكره عقول الحاضرين. ذكر ذلك النووي رحمه الله(1542) .

18- استدبار الخطيب للمأمومين واستقباله القبلة حال الخطبة ، كرهه جماعة من أهل العلم كالشافعي وابن قدامة والنووي(1543) .

19- كراهية كلام الخطيب حال الخطبة في غير الأمر بالمعروف ، ذكر ذلك الحنفية(1544) .

20- قراءة الخطيب في صلة الجمعة آيات تناسب موضوع الخطبة. ذكر هذا الشيخ بكر أبو زيد وقال: التزام ذلك بدعة (1545).

21- كراهة تخطي الخطيب رقاب الناس من غير حاجة. ذكر ذلك الشافعي وابن قدامة والنووي وغيرهم  (1546).

22- ما يفعله بعض الخطباء من التباطؤ حين صعوده المنبر:

قال جمال الدين القاسمي ناقلاً عن أبي شامة قوله:" ومن البدع المشعرة بأنها من السنن بعمومها وشهرتها واستدامة مبتدعيها لفعله، ما يفعله عوام الخطباء وشبه العوام من أمور نذكرها منها تباطؤ الخطيب في الطلوع(1547)..

23- مغايرة الخطيب صوته أثناء الخطبة عند تلاوة آيات من القرآن، بحيث يتغنى بها على خلاف نسق صوته في بقية خطبته.

ذكر هذا الشيخ بكر أبو زيد ، وعدَّه مما أحدثه الوعاظ وبعض الخطباء(1548).

قلت: وقد ذكرت مبحثاً بهذا الخصوص في هذا الكتاب فارجع إليه.

24-تكلف الخطيب رفع الصوت في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فوق المعتاد.

قال أبو شامة: " وذلك جهل لأنها دعاء له عليه الصلاة والسلام وجميع الأدعية السنة فيها الإسرار دون الجهر غالباً " (1549).

وقد عدَّ الشيخ بكر أبو زيد ذلك من المحدثات في الخطبة (1550).

25- رفع بعض الخطباء أيديهم عند الدعاء لغير الاستسقاء في الخطبة: أخرج عبدالرزاق عن إبراهيم قال: رفع اليدين والقنوت في الجمعة بدعة(1551).    

وقال أبو شامة : " وأما رفع أيديهم عند الدعاء فبدعة قديمة روى الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث رضي الله عنه قال: " بعث إلي عبدالملك بن مروان فقال :" يا أبا أسماء ، إنا قد جمعنا على أمرين ، رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة, والقصص بعد الصبح والعصر" فقال : " إنهما أمثل بدعكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منها " .قال:لم ؟ قال: " لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة ))(1552).  

وذكر الشوكاني أن رفع اليدين في مثل هذه الصورة بدعة، وقال مثل ذلك الشيخ بكر أبو زيد(1553) .

26- هز الخطيب يديه حال الخطبة تفاعلاً معها.

كره ذلك جماعة من أهل العلم كالشافعي، وابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام ، وابن القيم ، والطيبي ، والشوكاني، وابن عثيمين، وبكر أبو زيد(1554) .  

27- قول الشعر في الخطبة:

ذكر العز بن عبد السلام أن إيراد الشعر في الخطبة من البدع، ومثله الشيخ بكر أبو زيد(1555) .

قلت : وقد تقدم ذكر الكلام عن الشعر في الخطبة مطولاً في مبحث مستقل مع بيان الراجح في ذلك فارجع إليه .

28- الترنم والتمطيط أثناء الخطبة:

كره ذلك جماعة من أهل العلم كالشافعي(1556) رحمه الله ، وتبعه في ذلك الشيرازي(1557) والبغوي(1558) وأبو الحسين العمراني(1559) والنووي(1560) وابن قدامة(1561) ، وابن الجوزي(1562) ، والشيخ محمد رشيد رضا (1563)، والشيخ علي محفوظ(1564) ،والشيخ بكر أبو زيد (1565) وغيرهم .

29- قصد الخطيب أن يكون لابساً ثوباً أسود يغلب عليه الحرير، أو ممسكاً بيده سيفاً مذهباً ، ذكر ذلك الغزالي وأبو شامة رحمه الله(1566). بل قال الغزالي فيمن هذه حاله من الخطباء " هو فاسق والإنكار عليه واجب ". 

قلت : وقول الغزالي هذا بشرط أن يكون مع السواد حرير والسيف مذهب!! وليس لمجرد السواد فتنبه. وقد بيَّن ابن القيم أنه خلاف هديه صلى الله عليه وسلم (1567).

30- قول الخطيب : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة . ذكر ذلك الشيخ محمد رشيد رضا ، والشيخ بكر أبو زيد(1568)

31- المواظبة على قراءة حديث في آخر الخطبة الأولى دائماً. قال عنها الشقيري : بدعة (1569) .

32- المواظبة في آخر الخطبة الأولى أيضاً على حديث (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) ذكر ذلك الشقيري ، والشيخ بكر أبو زيد(1570) .      

33- التزام ختم الخطبة الثانية من يوم الجمعة بقول : " اذكروا الله يذكركم"  أو " إن الله يأمر بالعدل والإحسان". ذكر ذلك الشقيري ، والشيخ بكر أبو زيد(1571) .

وقال الشيخ بكر أبو زيد : " وأصل ذكر هذه الآية في آخر الخطبة ينسب إلى عمر بن عبد العزيز كما ذكره ملا علي القاري رحمه الله تعالى في كتابه (شم العوارض في ذم الروافض )(1572) .اهـ    

34- العدول عن السنة في القراءة لصلاة الجمعة وقراءة ما يراه الإمام من آيات وسور متناسبة مع موضوع الخطبة . ذكر ذلك الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (1573) .

35- النعي للموتى من على المنبر .

قال الصنعاني في سبل السلام :" ومنه- أي النعي المحرم – النعي من أعلى المنارات كما يعرف في هذه الأعصار في موت العظماء (1574).     

36- قراءة الخطيب عند صعوده المنبر آية{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} سورة الأحزاب آية : 56 .  وحديث النبي صلى الله عليه وسلم (( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : انصت ، والإمام يخطب فقد لغوت)) رواه البخاري ومسلم (1575).

ذكر بدعية ذلك ابن نجيم الحنفي ، وابن عابدين ، وللجنة الدائمة للإفتاء (1576).    

وقد عدَّ الشيخ بكر أبو زيد التزام قراءة آية{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}  من المحدثات في الخطبة (1577) .

37- إذا خطب الخطيب وهو جالس . رواه ابن أبي شيبة عن طاوس قال : الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة(1578) .

  38- نزول الخطيب في الخطبة الثانية إلى درجة سفلى ثم العودة إلى الدرجة العليا ، ذكر ابن عابدين عن ابن حجر في التحفة وقال : بدعة قبيحة شنيعة(1579) .اهـ

 39- اعتماد التسجيع في الخطبة وكونه هو همّ الخطيب . ذكر ذلك الشيخ محمد ابن إبراهيم مفتي الديار السعودية ، والشقيري ، والشيخ بكر أبو زيد(1580) .

40- ختم الخطبة الأولى أو الثانية بالسلام.

 ذكر الشيخ بكر أبو زيد أنها من محدثات الخطب(1581) .

  قلت: قد ذكرت هذه المسألة في مبحث مستقل في هذا الكتاب فراجعه .

41- تخصيص الخطيب نفسه بالدعاء .

ذكر الشيخ بكر أبو زيد أنه من محدثات الخطب(1582) .

 122- فوائد متنوعة :

هناك فوائد متنوعة وقفت عليها أثناء البحث والاطلاع مما لا يحتمل أن يكون بحثاً متكاملاً على حدة ، كما أنه يعز على أن أتركها شاردة دون تقييد ، لأجل حصول الفائدة وتمام النفع فكان من ذلك ما يلي :

1- هل يحق للخطيب أن يؤذن بعد أن يصعد على المنبر ويسلم على الناس ؟.

لم أقف على قول لأحد من أهل العلم تكلم عن هذه المسألة حسب البحث والاستقراء ، ولم أقف كذلك على حديث أو أثر يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن أحداً من الصحابة ومن بعدهم أنه كان يجمع بين كونه خطيباً ومؤذناً في نفس الوقت .

ولو فرض أن خطيباً فعل مثل ذلك ، لجمعه بين الوظيفتين مثلاً ، أو لعدم وجود من يحسن الأذان أو نحو ذلك ، فالذي يظهر لي – والله أعلم- أنه لا بأس بذلك، لعدم ورود ما يمنع من ذلك وإن كان هذا خلاف الأولى ، وأما إن كان هناك من يحسن الأذان من المأمومين فهذا هو الأولى، وهو الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكل خير في اتباع هديه صلوات الله وسلامه عليه. والعلم عند الله    

2- اقتباس لخطب من الغير: 

    سئل سماحة شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز عن حكم من يقرأ خطبة الجمعة من كتاب مختص بالخطب كابن نباتة ؟.

فأجاب بما نصه:

خطب ابن نباتة فيها بعض الأخطاء ، فينبغي للخطيب أن يتحرى الكتب الجيدة التي وضعت في الخطب ليستفيد منها ، فإن هناك كتباً كثيرة فيها خطب نافعة ، مثل خطب الشيخ عبد الله الخياط ، وخطب الشيخ عبد الرحمن السعدي ، وخطب الشيخ عبد الله بن قعود ، وخطب الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ، وخطب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن ، وغيرهم من أهل العلم ، مع العناية بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة في كل خطب ، مع مراعاة ما يناسب المقام في كل وقت .

أما الخطب التي ليست لأهل العلم المعروفين بالعلم والفضل واعتقاد أهل الستة والجماعة فالواجب الحذر منها . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين(1583) .

3- حكم الصلاة خلف خطيب قال : إن الله تكلم بكلام أزلي قديم ليس بحرف ولا صوت، فهل تسقط الجمعة خلفه أم لا؟ وما يجب عليه؟.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا السؤال فأجاب بقوله:

الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، وأن هذا القرآن الذي يقرؤه الناس هو كلام الله ، يقرؤه الناس بأصواتهم . فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري، والقرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه . وإذا كان الإمام مبتدعاً ، فإنه يصلي خلفه الجمعة وتسقط بذلك ، والله أعلم(1584) .

4- حكم الصلاة خلف إمام قتل نفساً؟

أجاب الشيخ الإسلام: من كان من الخطباء يدخل في مثل هذه الدماء فإنه من أهل البغي والعدوان ، الذين يتعين عزلهم ، ولا يصلح أن يكون إماماً للمسلمين، بل يكون أماماً للظالمين المعتدين ، والله أعلم(1585) .

5- حكم الصلاة خلف إمام خبب(1586) امرأة على زوجها حتى فارقته وصار يخلو بها ؟

أجاب شيخ الإسلام بما ملخصه: في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ليس منا خبب امرأة على زوجها أو عبداً على مواليه))(1587) ومثل هذا لا ينبغي أن يولى إمامة المسلمين ، إلا أن يتوب ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإذا أمكن الصلاة خلف عدل مستقيم السيرة فينبغي أن يصلى خلفه، فلا يصلي خلف من ظهر فجوره لغير حاجة ، الله أعلم (1588)  

6- قول بعض الناس : لا تصح الجمعة خلف إمام لم يتزوج. 

سئل العلامة الشيخ عبد الله أبو بطين عن هذه المسألة فأجاب بما نصه:

وأما صلاتكم الجمعة خلف الإمام الذي ما تزوج فليس الزواج بشرط، وإنما الشرط البلوغ والاستيطان(1589) .

7- حكم قول الخطيب : الحمد الذي تحيرت العقول في مبدأ أنواره، وتاهت الألباب في حمديته وكنه ذاته ؟

   سئل العلامة الشيخ عبدالرحمن بن حسن حفيد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله- عن هذا السؤال فأجاب بما نصه: فهذه الألفاظ التي ابتدعها من تمسك بقول أهل الكلام الحادث المذموم ، فإنهم الذين تاهوا وتحيروا في الإيمان الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب ، وإلا فطريقة القرآن حمد الله لنفسه بأسمائه وصفاته وما يعرف به ويوجب الإيمان به ، ومعرفته ، وإثبات ربوبيته وصفات كماله ، فهذا هو توحيد المعرفة والإثبات الذي هو توحيد المرسلين ، ودعوا به الأمم إلى توحيد الإرادة والقصد الذي هو توحيد الألهية... وقال:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً} سورة الكهف ، آية : 1 .  فهذا وأمثاله هو طريقة القرآن يحمد نفسه على ما يتصرف به إلى خلقه ليعرفوه بذلك الذي أبدعه وأوجده وأنعم به كقوله:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} سورة فاطر ، آية : 1  وأمثال هذا في القرآن كثير ، وبتدبره والعلم به يحصل كمال الإيمان وتنتفي الحيرة . وأما أهل الجدل من أهل الكلام فهم الذين تحيروا وتاهوا كما أخبر بذلك نفر من متقدميهم(1590) .اهـ .

8- هل يتشهد الخطيب مرتين في خطبته أم يكتفي بواحدة ؟

أخرج عبدالرزاق عن ابن جريج عن عطاء : وفيه " إنما كانوا يتشهدون مرة واحدة الأولى (1591) " .

9- ولّى الإمام شخصاً إمامة الجمعة ، فهل له أن يؤم في الصلوات الخمس الأخرى وبالعكس أم لا ؟

ذكر صاحب الأحكام السلطانية وقدمه صاحب الفروع أنه ليس له ذلك ولا لمن ولىّ أحدهما أي الجمعة أو الخمس أن يؤم في عيد وكسوف واستسقاء ، لعدم شمول ولايته لذلك . ولعل المراد : أنه لا يستفيد ذلك بالولاية ، لا أنه يمتنع عليه الإمامة ، إذ إقامة الصلوات لا تتوقف على إذنه وأما إذا قلّد جميع الصلوات فتدخل المذكورات في عمومها للإتيان بصيغة العموم (1592)  .

10- حكم الصلاة خلف إمام يقرأ على الجنائز ؟

   أجاب شيخ الإسلام قائلاً : إذا أمكنه أن يصلي خلف من يصلي صلاة كاملة ، وهو من أهل الورع فالصلاة خلفه أولى من الصلاة خلف من يقرأ على الجنائز ، فإن هذا مكروه من وجهين : من وجه أن القراءة على الجنائز مكروهة في المذاهب الأربعة ، وأخذ الأجرة عليها أعظم كراهة ، فإن الاستئجار على التلاوة لم يرخص فيه أحد من العلماء ، والله أعلم (1593) .

11- قصة حضرها ابن حزم حول طول الخطبة :

قال ابو محمد بن حزم : شهدت ابن معدان في جامع قرطبة قد أطال الخطبة ، حتى أخبرني بعض وجوه الناس أنه بال في ثيابه ، وكان قد نشب في المقصورة (1594) . اهـ .

قلت : لعل ابن حزم أراد بما أورده عن ابن معدان ، أثر البعد عن السنة وعدم تطبيقها ، وذلك بسبب إطالة الخطبة خلافاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم . والله أعلم .

12- حكم الصلاة خلف إمام يبصق في المحراب ؟

أجاب شيخ الإسلام قائلاً : الحمد لله ينبغي أن ينهى عن ذلك ، وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه عزم إماماً لأجل بصاقه في القبلة ، وقال لأهل : (( لا تصلوا خلفه )) فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول ، أنت نهيتهم أن يصلوا خلفي قال : (( نعم إنك قد آذيت الله ورسوله )) (1595) . فإن عزل عن الإمامة لأجل ذلك أو انتهى الجماعة أن يصلوا خلفه لأجل ذلك ، كان ذلك سائغاً . والله أعلم (1596) .

13- موقف الخطيب في المسجد الحرام حال الخطبة ، واستلامه للحجر الأسود إذا نزل عن المنبر .

روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب وظهره إلى الملتزم )) (1597) .

قال الهيثمي : رواه أحمد ، وفيه عبدالله بن المؤمل ، وهو ثقة وفيه كلام (1598) .

وقد فعل معاوية رضي الله عنه مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج أحمد عن عبدالله بن علي أنه سمع معاوية يخطب في ظل الكعبة وهو يقول : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلي الذهب ولبس الحرير " (1599) .

وأخرج عبدالرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء قال : رأيت خالد بن العاص يخطب قائماً بالأرض ، مستنداً إلى البيت .. الخ (1600) . اهـ .

وروى عبدالرزاق أيضاً عن ابن جريج قال : " قلت لعطاء : أرى الأئمة إذا نزلوا على المنبر استلموا الركن قبل أن يأتوا المقام ، أبلغك فيه شيء ؟

قال: لا، قلت: أتستحبه؟ قال: لا، إلا أن استلام الركن ما أكثرت منه فهو خير"(1601)

14- حكم الصلاة خلف من به عذر : يده الشمال خلفه من حد الكتف ، وله أصابع لحم ؟ .

أجاب شيخ الإسلام بقوله : إذا كانت يداه يصلان إلى الأرض في السجود ، فإنه تجوز الصلاة خلفه بلا نزاع . وإنما النزاع فيما إذا كان أقطع اليدين والرجلين ونحو ذلك . وأما إذا أمكنه السجود على الأعضاء السبعة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : (( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : الجبهة ، واليدين ، والركبتين ، والقدمين )) (1602) . فإن السجود تام وصلاة من خلفه تامة ، والله أعلم (1603) .

15- القراءة في خطبة الجمعة :

جاء في بعض الأحاديث ما يدل على مشروعية قراءة شيء من القرآن في الخطبة ، فمن ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم في صحيحه من حديث أم هشام قالت : ما أخذت ( ق ) والقرآن المجيد إلا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها على الناس في كل جمعة (1604)

وأخرج أبو داود وابن خزيمة والحاكم من حديث أبي سعيد : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ( ص ) فلما بلغ السجدة نزل فسجد فسجد الناس معه ... الحديث (1605) .

قال الشوكاني : ورجال إسناده رجال الصحيح . وقد سكت عليه أبو داود والمنذري(1606) . اهـ .

وأخرج البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة الحج حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد فسجد الناس .. الحديث (1607) .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عاصم بن كليب عن أبيه قال : كان عمر يعجبه أن يقرأ سورة آل عمران في الجمعة إذا خطب .

وأخرج بسنده عن علي أنه قرأ وهو على المنبر { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .

وأخرج عن حذيفة أنه قرأ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ } .

وأخرج عن أبي موسى الأشعري : أنه قرأ السجدة الآخرة في سورة الحج .

وأخرج عن عمر بن عبدالعزيز أنه قرأ على المنبر { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ } وفي يده عصا (1608) . اهـ .

وعن أحمد وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر (براءة) (1609).

16- ما ذكره الحافظ ابن حجر عن الحجاج وابن عمه في تطويل الجمعة :

ذكر الحافظ ابن حجر عن الحكم بن أبي عقيل الثقفي أنه كان نائباً عن ابن عمه الحجاج بن يوسف ، وكان على طريقة ابن عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة حتى يكاد الوقت أن يخرج . وقد أرود أبو يعلى قصة يزيد الضبى وإنكاره على الحكم هذا الصنيع (1610).اهـ .

17- ما حكم الخطيب يردف خطبة معينة في كل جمعة ، ولا تتجاوز ثمان دقائق ؟

أجابت اللجنة الدائمة بما نصه : لا يشترط في صحة صلاة الجمعة أن تكون الخطبة طويلة ، ولا يشترط أيضاً في صحتها أن يكون لكل جمعة خطبة ، بل يجوز أن تتكرر خطبة واحدة لصلوات جمع ، ولكن الأحسن أن يجدد الخطيب الخطبة بقدر ما تيسر له ذلك ؛ لما في ذلك من زيادة العلم والتشويق وقوة التأثير والبعد عن الملل والسآمة (1611) . اهـ .

18- خطيب كرر قراءة الفاتحة مرتين في صلاة العيد أو الجمعة فما الحكم ؟

أجابت اللجنة الدائمة بما نصه : لا يجوز القصد إلى تكرار قراءة الفاتحة مرتين لا في صلاة الجمعة أو العيد ، ولا في غيرهما من الصلوات ، لعدم ورود ذلك عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) متفق على صحته . ولكن الصلاة صحيحة ، وينبغي نصحه بترك ذلك حتى لا يعود إليه في صلاة أخرى (1612) . اهـ .

19- الخطيب يخطب بورقة تأتيه من وزارة الشئون الدينية فما الحكم ؟

أجابت اللجنة الدائمة بما نصه : تجوز صلاة الجمعة خلفه إذا كانت خطبة مشتملة على الثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والموعظة الحسنة والأمر بتقوى الله تعالى ، ولا منافاة بين ذلك وبين كونها في ورقة تأتيه من وزارة الشئون الدينية (1613) . اهـ .

20- هل يأخذ الخطيب الأجرة على خطبة الجمعة ؟

أجابت اللجنة الدائمة على ذلك بقولها : " يجوز للقائمين على شئون المسجد أخذ مرتب على ما يقومون به من شئون المساجد ، سواء في ذلك الأئمة والخطباء والمؤذنون والفراشون ، لقيامهم بواجب إسلامي عام ، واشتغالهم بالمصالح العامة . وبالله التوفيق (1614) . اهـ .

21- حكم الصلاة خلف الخصي :

أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بقوله : الحمد لله تصح خلفه كما تصح خلف الفحل باتفاق أئمة المسلمين ، وهو أحق بالإمامة ممن هو دونه ، فإذا كان أفضل من غيره في العلم والدين كان مقدماً عليه في الإمامة ، وإن كان المفضول فحلاً . والله أعلم (1615) .

22- كلام جميل للشيخ محمد أبي زهرة عن طول الخطب وقصرها ، أورده هنا لما فيه من الفائدة . فقد قال رحمه الله : " خطب الخوارج في جملتها أميل إلى الطول ، لما كانت تشتمل عليه من الحجج والأدلة ، والمآخذ على حكم الأمويين ، وإعلان مساويهم ، فترى خطب أبي حمزة الشاري ، وقطري وغيرهما من خطباء الخوارج فيها الطول واضحاً ، وقد رويت مع طولها ، ونقلتها المصادر الأدبية كالبيان والتبيين ، والعقد الفريد ، والأمالي ، والكامل ، فدلَّ ذلك على نفاستها وجودتها .

وخطب الوعاظ والزهاد ، كالشعبي وابن سيرين والحسن البصري أميل إلى الإيجاز ، اخذاً بمذهب السلف الصالح ، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن طول الخطبة ، ولخوفهم من أن تكون الإطالة ثرثرة وتفيهقاً ، وتشادقاً ، وكل أولئك قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .

وخطب الأمويين ومن والاهم ، ومن كان على شاكلتهم فيها الطول المفرط في الطول ، وفيها المتوسط ، وفيها القصير المفرط في القصر ، فترى خطبة سحبان بين يدي معاوية عندما أحضره لقولها مفرطة في الطول كما ذكرنا ، وخطب الحجاج وزياد بن أبيه وغيرهما بين الطول والقصر ، وخطب الذين ارتج عليهم في الخطبة قصيرة جدّاً ، ومن ذلك خطبة خالد بن عبدالله القسري عندما ارتج عليه . فاعتذر قائلاً : " أيها الناس ، إن الكلام يجيء أحياناً ، فيتسبب سببه ، ويعزب أحياناً فيعز طلبه ، فربما طولب فأبى ، وكوبر فعصى ، فالتأني لمجيه أصوب من التعاطي لآبيه .

وقد كان بعض الخطباء يعمد إلى ذلك النوع من الإيجاز من غير ضرورة ولا ارتاج ، كما فعل يزيد بن المقفع عند أخذ البيعة ليزيد بن معاوية ، إذ قال : أمير المؤمنين ، هذا – وأشار إلى معاوية - ، فإن هلك فهذا - وأشار إلى يزيد -، فمن أبي فهذا - وأشار إلى سيفه .

فقال معاوية : اجلس فإنك سيد الخطباء .

وربما كان يدفعهم إلى ذلك التطويل المفرط ، والقصر المفرط ، قصد التفنن ، وبيان البراعة ، وإثبات قدرتهم على الوفاء في الطول من غير إملال ، وعلى الإيجاز الذي يعد الأكثرون البلاغة فيه .

وليس معنى ذلك أن تطويلهم وإيجازهم لم يكن مراعىً فيه مقتضى الحال ، بل إن مراعاة المقام كانت ثابتة في كثير من أقوالهم ، ولكن حرصهم على الاشتهار بالبراعة كان لا يقل عن حرصهم على ملاحظة المقام ، لأن القول صار غرضاً لذاته في ذلك العصر على ما بيناه آنفاً  (1616)  .

23- من صلى بالناس الجمعة في مرض النبي صلى الله عليه وسلم ؟

سئل الشيخ محمد رشيد رضا عن هذه المسألة فأجاب بما نصه : " قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم مرض مرض الموت في أواخر صفر أو أوائل ربيع الأول ، وقالوا : إن المرض قد اشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال ، وقالوا : إنه توفي حين اشتد الضحى من يوم الاثنين ، وقالوا : إن أبا بكر رضي الله عنه هو الذي كان يصلي بالناس بأمره عليه الصلاة والسلام في المدة التي لم يكن يستطيع الخروج فيها ، وقالوا : إنه خرج في صبيحة يوم الاثنين وأبو بكر يصلي الصبح بالناس فضحك سروراً برؤيتهم ، وكادوا يفتنون في صلاتهم فرحاً به إذ ظنوا أنه عوفي ، وأراد أبو بكر أن يتأخر ليتم صلى الله عليه وسلم الصلاة بالناس ، فأشار إليه بأن يمضي في صلاته .

وقال بعضهم : إن أبا بكر صلى في الناس سبع عشرة صلاة ، ولم أر أحداً قال إن منها صلاة الجمعة . ورأيت في الإحياء أن ابتداء الإذن لأبي بكر رضي الله عنه بالصلاة بالناس كان في أول ربيع الأول ، فإذا كانت وفاته صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر منه كما هو المشهور ، فالصلوات التي أمَّ أبو بكر بها الناس كانت متفرقة ، ومنها الليالي التي اشتدَّ بها المرض ، فلا عجب إذا كان صلى الله عليه وسلم هو الذي صلى بالناس آخر جمعة من أيام حياته الشريفة (1617) . اهـ .

24- هل تقام الجمعة في السجن أم لا ؟

سئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية عن إقامة صلاة الجمعة في السجن .

فأجاب فضيلته بما نصه : " لم يبلغنا أن أحداً من السلف فعل ذلك مع أنه كان في السجون أقوام من العلماء المتورعين ، والغالب أنه يجتمع معهم أربعون وأكثر موصوفون بصفات من تنعقد بهم الجمعة ، فلو كان ذلك جائزاً لفعلوه . ووجه عدم جواز إقامتها في السجن أن المفصود من الجمعة إقامة الشعار ، ولذلك اختصت بمكان من البلد مالم يوجد مسوغ شرعي يوجب تعددها من ضيق المسجد وحصول العداوة وغير ذلك من الأسباب " (1618) . اهـ .

قلت : وبمثل قول الشيخ محمد بن إبراهيم ، قال سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز ، وبه أفتت هيئة كبار العلماء بالمملكة (1619) .

25- وصف لخطبة الجمعة في الأستانة بتركيا زمن الشيخ محمد رشيد رضا .

ذكر الشيخ رحمه الله أنه قد وصلت إليه رسالة من عالم عثماني عنوانها ( أهكذا يخلف محمد في أمته ) فكان مما ذكر فيها ما يحصل في صلاة الجمعة والتي يسمونها ( السلاملك ) وأن صاحب الرسالة العالم العثماني يهوي بعمامته بين قدمي سلطانهم وهو يشكر له ويدعو . ثم قال هذا العالم العثماني واصفاً الخطيب : وإذا أمَّ المسجد لأداء فريضة الجمعة سمع حمامة المنبر المطوقة بالذهب تغرد بصوت يستثير الطرب ، ويقول : الحمد لله ثم الحمد لله . الحمد لله الذي أيد دين حبيبه بدوام سلطة ملوك آل عثمان الغازي عبدالحميد خان ، وأبقى شريعة نبيه ببقاء عبدالحميد خان . فسبحان الذي أخذ انتقامه من عدوه بعدالة ملوك آل عثمان الغازي عبدالحميد خان ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له منح الأمن والراحة على عباده بمحافظة ملوك آل عثمان الغازي عبدالحميد خان . ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي بنى نصرة الله على عباده بإطاعة عساكر ملوك آل عثمان الغازي عبدالحميد خان . صلى الله عليه وعلى آله .

عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لكل نبي رفيق في الجنة ، ورفيقي فيها آل عثمان الغازي عبدالحميد خان )) صدق رسول الله الذي مدح في الحديث جنود المنتسبين بملوك آل عثمان الغازي عبدالحميد خان . انتهى كلام الخطيب الذي يصفه العالم العثماني .

ثم قال الشيخ محمد رشيد رضا معلقاً على ما مضى ذكره : " اضحك أيها القارئ أضحك الله سنك ، كأني بك وقد ارتبت في هذه الخطبة وحسبتها من أوضاع كاتب السطور ، أو تماجنه ، لكني أحلف لك بكل ما تكلفني الحلف به أن هذه الخطبة قرئت مرات متعددة في أسكدار في جامع رأس السوق في بني جشمة . وبعض الذي يفهمون نهضوا حالاً ، وانخزلوا عن الجماعة وخرجوا من الجامع ، وقرئت أيضاً في جوامع أخر ، وأجيز واضعها بمائة ليرة ، وسمعها شيخ الإسلام (1620) وغيره من العلماء وسكتوا . فمن أمعن نظره فيما قلنا ونقلناه يأسف لحال الأمة الإسلامية كيف إن سادتها وكبراءها في العصور المتأخرة أساءوا في إدارة شؤونها وتربية أبنائها واستدرجوها في الاستكانة والاستخذاء حتى نزعت منها روح الحرية ، وفقدت النعرة والحمية ، وحلَّ محل ذلك الضعف والخمول وعدم المبالاة بحفظ الحوزة وحماية الحقيقة " (1621) . اهـ .

26- تكلم الإمام على أولاد يلعبون أثناء الخطبة .

سئل الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم مفتى الديار السعودية عن إمام يخطب خطبة الجمعة فجاء صبيان يلعبان ، فتوقف عن الخطبة ، وتكلم على الأولاد ، وقال : " الله يقلعكم " . ثم تكلم على الحاضرين ، وقال : " أنتم ما تعرفون تربون أولادكم ، قوموا خرجوهم فلم يقم أحد ، ثم أكمل الخطبة الأولى ، وأخذ عصاه ونزل عن المنبر ، وضرب الصبيين وأخرجهما من المسجد . ويسأل عن حكم ذلك .

فأجاب الشيخ رحمه الله بما نصه : " ما كان ينبغي للإمام أن  يفعل هذا ، وإذا أراد أن يعلمهم فيكون بطريقة الحكمة والموعظة الحسنة وتبيين كلام أهل العلم ، وكأن الإمام – وفقه الله – لم يبلغه الحديث الصحيح : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس إماماً وهو حامل أمامة بنت بنته زينب على عاتقه . فإذا ركع وضعها ، وإذا رفع من السجود أعادها )) . وقصة ركوب الحسين عليه في سجوده . وكلام العلماء في هذا معروف . ومع هذا فلا تبطل الخطبة بمثل هذا الكلام ؛ لأنه ليس بكلام محرم ، وإنما هو مكروه لا يليق من مثل هذا الإمام في مثل هذا المقام ، مع أن جنس الكلام من الإمام وهو يخطب جائز لا بأس به ، فيجوز له أن يخاطب أحد المأمومين أو يخاطبه فيما كان فيه مصلحة عامة أو خاصة " (1622) . اهـ .

هذا آخر ما تم جمعه في هذا الكتاب ، وكان الفراغ منه ليلة العشرين من شهر شعبان من عام أربعمائة واثنين وعشرين وألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم داخل الحجر بجوار الكعبة المشرفة . جعل الله هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، موافقاً هدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .



(1)  انظر : صحيح البخاري برقم ( 4801 ) ، وصحيح مسلم برقم ( 208 ) .

(2)  انظر : صحيح البخاري برقم ( 5146 ) ، وصحيح مسلم برقم ( 869 ) .

(3)  انظر : البيان والتبيين للجاحظ ص (174) .

(4) انظر : البيان والتبيين للجاحظ ص (174) .

(5)  انظر : المصدر السابق .

(6)  انظر : هتاف المجد للشيخ علي الطنطاوي ص (23) .

(7) انظر : بدائع الصنائع (2/195) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ( 1/ 227 ) ، المجموع ( 4/ 383 ) ، المغني ( 3/ 170 ) ، مصنف عبدالرزاق (3/ 222) .

(8)  انظر : المغني (3/ 171 ) .

(9)  انظر : إكمال المعلم (3/256 ) .

(10)  انظر : المجموع ( 4/ 383 ) ، المغني (3/ 171 ) .

(11)  انظر : بدائع الصنائع (2/195) ، المغني (3/ 171 ) .

(12)  انظر : نيل الأوطان (3/278 ) .

(13)  انظر : مصنف عبدالرزاق (3/237 ) ، مصنف ابن أبي شيبة (2/ 128 ) .

(14)  انظر :فيما مضى : المجموع ( 4/ 383 )  ، المغني ( 3/ 171 ) ، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ( 1/ 227 ) .

(15)  انظر : إكمال المعلم (3/256 ) .

(16)  انظر : نيل الأوطان (3/278 ) .

(17)  انظر : نيل الأوطان (3/277 ) .

(18)  المصدر السابق .

(19)  انظر : نيل الأوطان (3/278 ) .

(20)  انظر : مصنف عبدالرزاق (3/171 ) ، مصنف ابن أبي شيبة (2/ 31 ) .

(21)  انظر : مصنف عبدالرزاق (3/171 ) ، مصنف ابن أبي شيبة (2/ 31 ) .

(22)  انظر : المصدرين السابقين .

(23)  انظر : مصنف عبدالرزاق (3/172 ) .

(24)  مصنف ابن أبي شيبة (2/ 31 ) .

(25)  سورة آل عمران: الآية187.

(26)  سورة الأحزاب : آية 39. 

(27)  أخرجه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما البخاري في صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء رقم ( 3461 ) ، والترمذي (5/40 رقم 2669 ) والدارمي (1 / 136 ) وأحمد (2/159 ) .

(28)  أي ألبسه الله النضرة وهي الحسن وخلوص اللَّون ، فيكون تقديره : أجمله الله وزيَّنة ، أو يكون في معنى : أوصله الله إلى نضرة الجنة وهي نعمتها ونضارتها . ( المحدث الفاصل بين الراوي والوعي للرامهرمزي ص ( 173 )

(29)  وعَيْتُ الحديث أعِيه وَعْياً فأنا واعٍ ، إذا حفِظْتُه وفَهِمْتُه ، وفلان أوعى من فلان : أي أحفظ وأفهم ( النهاية ( 5/207 ) .

(30)  أخرجه الترمذي في جامعه : العلم (5/ 34 رقم 2658) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، وأخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص ( 18) بسنده عن عبيدة بن الأسود ، عن القاسم بن الوليد الهمذاني ، عن الحارث ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عبدالله بن مسعود . قال الخطيب بعد ذكر الحديث : حدثني من سمع عبدالغني بن سعيد المصري الحافظ يقول : أصح حديث يروى في هذا الباب حديث عبيدة بن الأسود هذا .

(31)  سورة هود: آية7

(32)  انظر : جامع العلوم والحكم (1 / 26 ) .

(33)  انظر : مسند أحمد (3 / 500) ، المعجم الكبير (2 / 29 ) .

(34)  انظر : مجمع الزوائد ( 2 / 191 ) .

(35)  انظر : صحيح مسلم كتاب الإيمان ( 1/74 رقم 55 ) .

(36)  انظر : جامع العلوم والحكم لابن رجب ( 1/185 ).

(37)  نفس المصدر السابق .

(38)  انظر : شرح النووي على صحيح مسلم (2/37 ) .

(39)  رواه البخاري ( كتاب الإيمان باب 42 رقم 57 ) ، مسلم ( كتاب الإيمان باب 97 رقم 199 ) .

(40)  انظر : روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ( 194 ) .

(41)  انظر : روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ( 194 ) .

(42)  سورة الحج ، آية : 32 .

(43)  ذكر هذا القول الحافظ المنذري في مقدمة مختصر سنن أبي داود عن أبي بكر : محمد بن بكر بن داسة ، يرويه عن أبي داود ( 1 / 6 ) .

(44)  أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى اله عليه وسلم قال : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه )) صحيح البخاري : كتاب الإيمان ( رقم 13 ) صحيح مسلم ( 1 / 67 رقم 71 ) .

(45)  سورة الصف ، آية : 2 -3 . 

(46)  سورة البقرة ، آية:44

(47)  انظر : المسند ( 3 / 120 ) الحلية ( 2 / 386 ) مسند أبي يعلى ( 3992 ) .

(48)  القرْضُ : القطع . قرضه يقْرِضُه قرْضاً وقرَّضه : قطعه . والمقراضان : الجلمان : لسان العرب ( مادة قرض ) .

(49)  انظر : مجمع الزوائد ( 7 / 276 ) .

(50)  صحيح البخاري : كتاب الفتن ، باب (17رقم 7098 ) وصحيح مسلم ( 4/ 2290 رقم 2989 ) .

(51)  أي يجتمعون حوله ، يقال : أطاف به القوم إذا حلَّقوا حوله حلقة وإن لم يدوروا ، وطافوا إذا داروا حوله ( فتح الباري 13 / 52 ) .

(52)  انظر : مسند أحمد (6 / 23 ) ، سنن أبي داود ( 4 / 72 رقم 3665 ) .

(53)  انظر : النهاية ( 4 / 62 ) .

(54)  انظر : النهاية ( 4 / 62 ) .

(55)  انظر : تفسير القرطبي ( 18 / 72 ) .

(56)  انظر : معالم السنن ( 4/ 72 ) .

(57)  انظر : المغني ( 3/180 ) وقد تقدم تخريج الحديث أول المبحث .

(58)  انظر : نحوه في الآداب الشرعية (2 / 53 ) .

(59)  انظر : جامع بيان العلم وفضله (1 / 143 ) .

(60)  انظر : المصدر السابق ( 1 / 195 ) .

(61)  انظر : انظر تفسير القرطبي ( 1 / 410 ) .

(62)  انظر : صحيح جامع بيان العلم وفضله . اختصار الزهيري ( 260 ) .

(63)  انظر : صيد الخاطر ص (50) إحياء علوم الدين ( 1 / 63 ) .

(64)  انظر : صحيح جامع بيان العلم وفضله . اختصار الزهيري ( 260 ) .

(65)  انظر : صحيح جامع بيان العلم وفضله . اختصار الزهيري ( 246 ) ، الآداب الشرعية (1 / 207 ) .

(66)  انظر :  تفسير القرطبي ( 1 / 410 ) .

(67)  انظر : روضة العقلاء ص ( 195 ) .

(68)  انظر : إحياء علوم الدين ( 2 / 313 ) . تفسير القرطبي ( 1 / 411 ) .

(69) انظر : تفسير القرطبي ( 1 / 410 ) .

(70)  انظر : المصدر السابق .

(71)  انظر : الجامع لشعب الإيمان ( 13 / 256 ) .

(72)  انظر : شرح النووي لمسلم ( 1 / 300 ) .

(73)  انظر : فتح الباري (14 / 554 ) .

(74)  أخرجه ابن حبان في صحيحه ( 1 / 247 رقم 267 ) وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الطبراني في معجمه الكبير ( 11 / 268 ) (( من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه ، وأسخط عليه من أرضاه في سخطه . ومن أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه ، وأرضى عنه من أسخطه في رضاه ، حتى يزينه قوله وعمله في عينه )) . وفي حديث أنس عند العسكري كما في كشف الخفاء ( 1/ 235 ) (( ما من مخلوق يلتمس رضا مخلوق بمعصية الخالق إلا سلط الله عليه . وما من مخلوق يلتمس رضا الخالق في سخط المخلوق إلا كفاه الله مؤنته )) .

(75)  انظر : جامع الترمذي ( 4/ 610 رقم 2414 ) .

(76)  انظر : الفوائد ( 1/209 ) ، زاد المعاد (3/15 ) ، حادي الأرواح (1 / 54 ) .

(77)  انظر : طريق الهجرتين ( 1 / 108 ) .

(78)  انظر : سنن ابن ماجة ( 2/ 1406 رقم 4205 ) .

(79)  انظر : تفسير البغوي ( 1 /285 ) .

(80)  سورة الأحزاب:آية 39. 

(81)  انظر : اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للزبيدي (3 / 231 ) .

(82)  انظر : مجلة المنار (29 / 342 ) .

(83)  انظر : فصول الإسلام ص ( 127 ) .

(84)  انظر فتح الباري (4 / 67 ) .

(85)  انظر فتح الباري (4 / 68 ) .

(86)  من حديث أبي ثعلبة الحشني رضي الله عنه . سنن أبي داود (4 / 512 ) ، جامع الترمذي ( 5 / 257 رقم (3058 )  .

(87)  انظر : روضة العقلاء ص ( 62 ) .

(88)  انظر : جامع بيان العلم وفضله (1 / 142 )

(89)  السِّربُ والسُّربةُ من القطا ، والظباء والنساء : القطيعُ يقال مرَّ بي سِرب من قِطاً وظباءٍ ووحشٍ ونساءٍ أي قطيع . والجمع أسراب . لسان العرب ( مادة سرب ) .

(90)  الشَّيعةُ : أتباع الرجل وأنصاره ، وجمعها شِيعٌ ، وأشياعٌ جمع الجمع . لسان العرب ( مادة شيع ) .

(91)  انظر : تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ( 14 ) .

(92)  انظر : جامع بيان العلم (1 / 143 )

(93)  انظر : الإبانة لابن بطة ( 1 / 355 ) .

(94)  انظر : المصدر السابق ( 1 / 389 ) .

(95)  انظر : جامع بيان العلم وفضله (1 / 142 )

(96)  انظر : جامع بيان العلم (1 / 143 ) .

(97)  سورة يوسف ، آية :76  .

(98)  انظر : الآداب الشرعية ( 2 / 233 ) .

(99)  انظر : المصدر السابق .

(100)  انظر : المصدر السابق .

(101)  انظر : الزهد لابن المبارك ص ( 151 ) .

(102)  انظر : مجلة المنار (29 / 342 ) .

(103)  انظر : صحيح البخاري ( 10 / 203 حديث رقم 5146 ) ، صحيح مسلم ( 2/ 594 حديث رقم 869 ) .

(104)  انظر : روضة العقلاء ص ( 219 ) .

(105)  انظر : فتح الباري (11 / 403 )

(106)  الموطأ ( 2/ 986 ) . صحيح البخاري : كتاب الطب ( رقم 5767 ) .

(107)  قال الأصمعي : أصل الفّهْق الامتلاء ، فمعنى المتفيهق الذي يتوسع في كلامه ويفهق به فمه . المتفيهقون : هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم .

(108)  الشِّدق : جانب الفم ، وخطيب أشدق بيّن الشدق : مجيد . والمتشدق الذي يلوي شِدقه للتَّفصُّح ، وفي الحديث : (( أبغضكم إليَّ الثَّرثارون )) وقيل : أراد بالمتشدق : المُسْتهزئ بالناس يلوي شِدْقه بهم وعليهم . وتشدَّق في كلامه : فتح فمه واتسع .

(109)  الثَّرثارُون : هم الذين يُكثرون الكلام تكلُّفاً وخروجاً عن الحق ، والثَّرثرة : كثرة الكلام وترديده . النهاية ( 1/ 209 ) .

(110)  انظر : التمهيد ( 5/ 279 ) ، معالم السنن ( 4/ 136 ) ، فتح الباري ( 11 / 403 ) الآداب الشرعية ( 2 / 93 ) ، النهاية ( 2 / 312 ) .

(111)  انظر : المنتقى ( 7 / 310 ) .

(112)  انظر : جامع الترمذي حديث رقم ( 2027 ) .

(113)  انظر : النهاية ( 1 / 171 ) ، تحفة الأحوذي ( 6/ 165 ) .

(114)  انظر : جامع الترمذي المصدر السابق . 

(115)  انظر : زاد المعاد ( 1 / 224 ) .

(116)  رواه الديلمي من حديث ابن عباس ( الفردوس 4 / 120 رقم 6373 ) .

(117)  انظر : المنتقى ( 7 / 310 ) .

(118)  انظر : صحيح البخاري كتاب الأدب ( حديث رقم 6145 ) .

(119)  انظر : التمهيد ( 5/ 279 ) ، معالم السنن ( 4/ 137 ) ، والآداب الشرعية ( 2 / 93 ) ، فتح الباري ( 11 / 403 ) .

(120)  انظر : فتح الباري ( 11 / 403 وما بعدها ) .

(121)  انظر : فتح الباري ( 11 / 404 ) .

(122)  انظر : التمهيد ( 5/ 171 – 172 ) .

(123)  انظر : المستدرك ( 3 / 613 ) .

(124)  انظر : مسند أحمد ( 1 / 269 ) صحيح ابن حبان ( 7 / 515 رقم 5750 ) .

(125)  أسهب في الكلام : أطال . أساس البلاغة ص ( 315 ) .

(126)  الإطناب : البلاغة في المنطق والوصف مدحاً كان أو ذماً . وأطنب في الكلام : بالغ فيه والإطناب : المبالغة في مدح أو ذم والإكثار فيه . لسان العرب ( مادة طنب ) .

(127)  المُحدْرج : السوط . القاموس المحيط ( 1 / 189 )

(128)  قال محقق التمهيد : كذا ثبت في سائر النسخ " الجلد " بتقديم اللام على الدال ، ولعل الصواب " الجدل " بمعنى محكم الفتل . وفي عيون الأخبار ( 2 / 37 ) ما يفيد ذلك قلتُ : في عيون الأخبار شديد الفتل جيّد الجلاز عظيم الثمرة ، لدْنِ المعزَّة يأخذ منك فيما عجْبِ الذَّنبِ ومغرِز العُنقِ . ِ

(129)  يراجع معناه .

(130)  ثمرة السوط : طرفه ، وثمر السياط : عُقَدُ أطرافها . لسان العرب ( مادة ثمر )

(131)  مغرز : مُلزق . لسان العرب ( مادة غرز ) .

(132)  العجْبُ : العظيم الذي في أسفل الصُّلْب عند العجْر . لسان العرب ( مادة عجب ) .

(133)  لم أقف على هذين البيتين في ديوانه المطبوع .

(134)  في ديوانه ص ( 212 ) " بملتقطات " بدل " بمنتظمات " .

(135)  انظر : ديوانه ص (212 ) وليس فيه البيت الثاني وإنما فيه بدله

            سموْت إلى العلْيا بغير مشقة                        فنِلْت ذُراها لا دنيا ولا وغْلا

(136)  انظر : التمهيد : ( 5 / 174 – 179 ) ، الآداب الشرعية ( 2 / 94 ) .

(137)  انظر : المسند ( 1 / 151 ) .

(138)  انظر : المسند ( 5 / 262 ) .

(139)  انظر : روضة العقلاء ص (223 ) .

(140)  انظر : الكامل للمبرد ( 1 / 239 ) .

(141)  سورة طـه آية :27، 28

(142)  سورة القصص آية :34

(143)  انظر : روضة العقلاء ص ( 219 ) ، عيون الأخبار لابن قتيبة ( 2 / 554 ) .

(144)  انظر : عيون الأخبار المصدر السابق .

(145)  انظر : روضة العقلاء ص (220 ) .

(146)  في الحديث ص (5) (( كان في كلامه ترْسيل )) أي ترتيل . يُقال : ترسَّل الرجل في كلامه ومشْيه إذا يعْجل . النهاية ( 2 / 223 ) .

(147)  مطَّه : مده وبابه ردّ وتمطَّط : تمدد . مختار الصحاح ص ( 627 ) .

(148)  انظر : الأم ( 1 / 177 ) ، المهذب ( 1 / 370 ) .

(149)  نجع فيه الخطابُ والوعظُ ، والدواءُ : أي دخل وأثَّر . الصحاح ( مادة نجع ) .

(150)  انظر : المهذب ( 2 / 342 ) .

(151)  انظر : البيان ( 2 / 578 ) .

(152)  قعَّر في كلامه ، وتقعَّر : تشدَّق وتكلم بأقصى قعْر فمه ، وقيل : تكلم بأقصى حلقه . والتقعير في الكلام التَّشدُّق فيه . لسان العرب مادة ( قعر ) .

(153)  اللفظ الجزْل : خلاف الركيك . الصحاح ( مادة جزل ) .

(154)  باب 49 ( رقم 127 ) .

(155)  انظر : المجموع ( 4 / 358 ) .

(156)  انظر : المغني ( 3 / 180 ) .

(157)  انظر : روضة العقلاء ص (222 ) .

(158)  انظر : الخطابة لمحمد أبي زهرة ص ( 311 ) .

(159)  انظر : المصدر السابق ( 223 ) .

(160)  انظر : عيون الأخبار ( 2 / 556 ) .

(161)  انظر : الخطابة ص ( 146 ) .

(162)  انظر : روضة العقلاء ص (221 ) .

(163)  انظر : المصدر السابق (223) .

(164)  انظر : فن الخطابة لعلي محفوظ ص (18 ) .

(165)  انظر : البيان والتبين ص ( 167 ) ، فن الخطابة لعلي بن محفوظ ص (18) .

(166)  انظر : زاد المعاد ( 1/ 189 ) .

(167)  انظر : زاد المعاد ( 1/ 428 ) .

(168)  صحيح البخاري حديث رقم ( 6830 ) وانظر فتح الباري (14 / 111 ) .

(169)  صحيح البخاري حديث رقم ( 3668 ) وانظر فتح الباري (7 / 368 ) .

(170)  انظر : سير أعلام النبلاء ( 11 / 429 – 430 ) .

(171)  انظر : زاد المعاد ( 1/ 189 ) .

(172)  انظر : زاد المعاد ( 1/ 428 ) .

(173)  انظر : الخطابة ص (207) .

(174)  انظر : فصول إسلامية ص (125) .

(175)  انظر : الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( 2 / 6 ) .

(176)  انظر : الآداب الشرعية (2 / 86 ) .

(177)  انظر : فتح الباري ( 1 / 304 ) .

(178)  انظر : مقدمة صحيح مسلم ، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ( 1/ 11 ) .

(179)  انظر : المصدر السابق .

(180)  انظر : المصدر السابق .

(181)  انظر : فتح الباري ( 1 / 304 ) .

(182)  انظر : فتح الباري ( 1 / 304 ) .

(183)  انظر : التهذيب ( 2 / 342 ) .

(184)  انظر : صيد الخاطر ص ( 426 ) .

(185)  انظر : سنن أبي داود ، كتاب الأدب ، باب 96 ، ( حديث رقم 5002 ) .                                                           

(186)  انظر : المصدر السابق .

(187)  انظر : معالم السنن ( 4 / 138 ) .

(188)  أخرجه أبو داود النكاح ، باب 45 ( رقم 2158 ) وأحمد (4/ 108 ) والترمذي النكاح ، باب 35 رقم (1131 ) .

(189)  رواه الطبراني في الأوسط كما في نصب الراية (4/ 17) وهو ضعيف .

(190)  أخرجه أحمد ( 2 / 541 ) .

(191)  أخرجه ابن عدي في الكامل (1/، 336 ) والخطيب في تاريخ بغداد ( 6/ 328) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/85 ) وقال : هذا حديث لا يصح .

(192)  انظر : الآداب الشرعية ( 2 / 87 ) .

(193)  انظر : المصدر السابق .(2/ 89) .

(194)  انظر : مصنف عبدالرزاق (3/ 220 ) .

(195)  انظر : الآداب الشرعية ( 2 / 90 ) .

(196)  انظر : مصنف عبدالرزاق (3/ 216 ) .

(197)  انظر : فصول إسلامية ص (125) .

(198)  كما في حديث أم شريك رضي الله عنها . عند البخاري ( الأنبياء : 3359 ) ومسلم (4/ 1757 رقم 2237 ) .

(199)  انظر : فتاوى اللجنة ( 8 / 238) .

(200) انظر: تاريخ الطبري ( 2/ 393 ) .

(201)  انظر : نفس المصدر السابق .

(202)  انظر : مجموع الفتاوى (24/ 206 ) .

(203)  انظر : زاد العاد (1 / 375 )

(204)  انظر : الشرح الممتع ( 5 /87 ) .

(205)  انظر : إحياء علوم الدين ( 1 / 22 ) .

(206)  انظر : الحجة في بيان المحجة للأصبهاني ( 1 / 102 ) .

(207)  انظر : صحيح البخاري تفسير سورة سبأ باب رقم 2 ( رقم 4801 ) وصحيح مسلم كتاب الإيمان ، باب 89 ( رقم 208 ) .

(208)  سورة الشعراء، آية :214

(209)  سفْحُ الجبل : وجهه ما قرب من أسفله . ولم يبلغ ذِروته . المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث ( 2 / 94 ) .

(210)  انظر : صحيح مسلم ( 4 / 1788رقم 2283 ) .

(211)  النَّير العربان : خص العُريان لأنه أبين للعين ، وأغرب وأشنع عند المبصر ، وذلك أن ربيئة القوم وعينهم يكون على مكان عال ، فإذا رأي العدو قد أقبل نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه ويبقى عرياناً . النهاية ( 3 / 225 ) .

(212)  أدلجوا : الدلجة هو سير الليل يقال : أدلج بالتخفيف إذا سار من أول الليل ، وادَّلج بالتشديد إذا سار من آخره . النهاية ( 2 / 129 ).

(213)  اجتاحهم : استأصلهم . انظر : النهاية ( 1 / 311 ) .

(214)  انظر : مجموع الفتاوى ( 24 / 206 ) .

(215)  انظر : زاد المعاد (1/ 375 ) .

(216)  انظر : الشرح الممتع ( 5 / 87 ) .

(217)  انظر : جامع بيان العلم وفضله ( 1 / 142 ) .

(218)  انظر : روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص (222 ) .

(219)  انظر : المصدر السابق ص ( 221) .

(220)  صحيح البخاري : كتاب الأدب ، باب 36 ( رقم 6018 ) وصحيح مسلم : كتاب الإيمان ، باب 19 ( رقم47 ) .

(221)  انظر : الحجة في بيان المحجة ( 1 / 207 ) وروى اللالكائي نحوها في شرح السنة ( 1 / 144 ) .

(222)  انظر : صحيح مسلم : ( 2 / 705 رقم 1017 ) .

(223)  صحيح البخاري : أحاديث الأنبياء ( رقم 3335 ) ، صحيح مسلم : ( 3 / 1303 رقم1677 ) .

(224)  سنن أبي داود : ( 4 / 66 رقم 3657 ) .

(225)  انظر : روضة العقلاء ص (56 ) .

(226)  انظر : المصدر السابق ص ( 45) .

(227)  انظر : المصدر السابق ص ( 46) .

(228)  قد يفهم البعض من كلام ابن القيم هنا – لأول وهلة – أنه يحقر من جانب التزهيد في الدنيا والتخويف بالموت ، وهذا ليس بصحيح ، وإنما هو رحمه الله يعيب على من لا يربطون هذا التزهيد وهذا التخويف بمقاصدهما من خطورة الانغماس في الدنيا وما يفوته من مصالح الأخرة وإقامة توحيد الله في أرضه ، وكذلك الموت بتذكير الناس بحسابهم وحالهم من بعده وما سيلقونه من جنة أو نار ، وغير ذلك مما أعده الله لعباده المؤمنين والكافرين . هذا هو مراد ابن القيم رحمه الله وقد تبع فيه ما ذهب إليه شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومن قبله أبو المعالي الجويني . وللشيخ محمد بن إبراهيم كلام جيد حول هذا المعنى . انظر إلى ذلك كله مفصلاً في مبحث ( قول بعض أهل العلم : لا يكفي مجرد التحذير من الدنيا وزخرفها في الخطبة ) من هذا الكتاب . 

(229)  انظر : زاد المعاد ( 1 / 423 ) .

(230)  طُلاوة : أي رونقاً وحُسناً . النهاية (3 / 137 ) .

(231)  قلت : بل إن بعض أهل العلم قال بوجوب ذكر آية أو آيات من القرآن في الخطبة ، وعدَّ ذلك من أركانها كما سيأتي ذكره في مبحث مستقل بعنوان ( أركان خطبة الجمعة عند أهل العلم ) .

(232)  عُنْفُوان الشيء : أوله . مختار الصحاح ص ( 458 ) .

(233)  عُبابُ كل شيء : أوّله . لسان العرب ( مادة عُبب ) .

(234)  مرهفات : أرهفتُ سيفي أي رقَّقْته فهو مرهف ، وسهم مُرْهف وسيق مرهف ورهيف ، وقد رهفته وأرهفته فهو مرهوف ومُرْهف ، أي رقّت حواشيه . لسان العرب ( مادة رهف ) .

(235)  مخصرة : المِخْصرة كالسوط ، وكل ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوه . الصحاح ( مادة خصر ) .

(236)  القناة : الرمح . القاموس المحيط ( 4 / 383 ) .

(237)  في وصفه هذا مبالغة واضحة لاسيما حينما قال : " ببغاء كل منبر " فأتى بلفظة كل . ولكن أقول : لعله من باب العموم الذي أريد به الخصوص لاسيما في البلاد التي عاش فيها القاسمي ، فقد كانت مليئة بما ذكر ، ولا يلزم من هذا تعميم ما ذكره على جميع بقاع المسلمين . والله أعلم .

(238)  لم أقف عليه بهذا اللفظ مرفوعاً ، وقد أخرج ابن قتيبة في غريب الحديث ( 1 / 286 ) من حديثعبداله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال : (( أحرث لديناك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً )) .

وأخرجه مرفوعاً في السنن الكبرى ( 3 / 19 ) من حديثه وأوله : (( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ... فاعمل عمل امرئ يظن أنه لن يموت أبداً ، أو احذر حذر من يخشى أن يموت غداً . قال البيهقي : روي هذا الحديث من طرق موصولاً ، ومرسلاً ، ومرفوعاً ، وموقوفاً ، وفيه اضطراب ورجح البخاري في التاريخ إرساله ( إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 9/ 41 ) . قال الألباني : حديث (( اعمل لديناك كأنك تعيش أبداً )) لا أصل له مرفوعاً وإن اشتهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة ، وضعَّف رواية البيهقي المتقدمة ، السلسلة الضعيفة ( 1 / 20 رقم 8 ) .

(239)  انظر : إصلاح المساجد ص ( 67 ) وما بعدها .

(240)  انظر : زاد المعاد ( 1 / 189 ، 428 ) .

(241)  قد يلاحظ القارئ قوة عبارات الشيخ محمد رحمه الله في الخطباء . وهي وإن كانت عبارات قاسية وجارحة ، إلا أنه يحكي واقعاً للخطباء ملموساً في عصره . مع أننا لا نتفق معه على التعميم في الألفاظ ، إذ لا يزال في عصره من الخطباء من هم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم في خطبهم فتنبَّه . 

(242)  يقصد شيخه محمد عبده فقد كان يلقب بالإمام آنذاك .

(243)  انظر : مجلة المنار ( 8/ 671 ) .

(244)  انظر : مجلة المنار ( 15/ 29 ) .

(245)  انظر : مجلة المنار ( 12/ 417 ) .

(246) انظر : مجلة المنار ( 26/ 186) .

(247)  انظر : مجلة المنار ( 9/ 618 ) .

(248)  انظر : الخطابة ص ( 308 ، 340 ، 341 ) بتصرف يسير .

(249)  انظر : فصول إسلامية . للطنطاوي ص ( 123 وما بعدها ) .

(250)  انظر : الخطابة لمحمد أبي زهرة ص (143 ) .

(251)  انظر / الإبداع في مضار الابتداع ص ( 177 ) .

(252)  تلعثم عن الأمر : نكل وتمكَّث وتأَنَّى وتبصَّر . لسان العرب ( مادة لعثم ) .

(253)  انظر : الفروع (2 / 117 ) .

(254) انظر : سنن ابن ماجة ، كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة ( 1 / 348 ) .

(255)  صحيح البخاري كتاب الجمعة ، باب 7 ( رقم 886 ) .

(256)  انظر : السنن الكبرى (3/350 ) .

(257)  انظر : الأم (1 / 337 ) .

(258)  انظر : البيان ( 2/ 588 ) .

(259)  انظر : المغني ( 3 / 230 ) .

(260)  انظر : المجموع ( 4/ 368 ) .

(261)  انظر : رد المحتار (  3 / 21 ) .

(262)  انظر : الكامل ( 6/ 2113 ) من حديث جابر رضي الله عنه .

(263)  انظر : رد المحتار (  3 / 21 ) .

(264) انظر : صحيح مسلم ، كتاب الحج ، حديث رقم ( 1359 ) .