الكواشف الجلية عن معاني الواسطية ()

عبد العزيز بن محمد السلمان

العقيدة الواسطية : رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذكر فيها جمهور مسائل أصول الدين، ومنهج أهل السنة والجماعة في مصادر التلقي التي يعتمدون عليها في العقائد؛ لذا احتلت مكانة كبيرة بين علماء أهل السنة وطلبة العلم، لما لها من مميزات عدة من حيث اختصار ألفاظها ودقة معانيها وسهولة أسلوبها، وأيضاً ما تميزت به من جمع أدلة أصول الدين العقلية والنقلية، وقد شرحها العديد من أهل العلم، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان - رحمه الله -.

|

 الكواشف الجلية عن معاني الواسطية

تَأْلِيفُ

 الفَقِير إلى عَفْوِ رَبِّهِ

عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ

رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى

الْمُدَرِّسُ فِي مَعْهَدِ إمامِ الدَّعْوَةِ بالرياضِ سابقاً

طُبع عَلى نَفَقَةِ مَن يَبْتَغي بذلك وجْهَ اللهِ والدار الآخرة فَجَزاه اللهُ عن الإسلام والمسلمينَ خيراً وغَفَر له ولوالديه ولمن يُعيدُ طِبَاعَتَه أو يُعِيْنُ عليها أو يَتَسبَب لها أو يُشيِرُ على مَنْ يُؤمِلُ فيه الخيرَ أن يَطبَعَه وقفَاً للهِ تعالى يُوزَّع على إخوانِهِ المسلمين اللهم صلى على محمد وعلى آله وسلم

الكَواشِفُ الجَليَّة

عَن مَعَاني الوَاسِطيَّة

تَأليف

عبد العَزيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّلِمان

المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض سابقاً

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

وَقفٌ لِله تَعَالَى


وَقفٌ لِله تَعَالَى

من أراد أن يطبعه لوجه الله تعالى لا يريد به عرضاً من الدنيا وإنما يريد أن يجعله وقفاً لوجه الله تعالى فقد أذنا له بذلك على أن يكتب مثل ما ذكرنا في الصفحة الأولى ليعلم كل من له رغبة في ذلك وجزى الله خيرا من طبعه وقفاً أو أعان على طبعه أو تسبب لطبعه وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين إنه جواد كريم قريب مجيب. اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

عبد العزيز بن محمد السلمان

المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض سابقاً


وَقْفٌ للهِ تَعَالى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي تفرد بالجلال والعظمة والكبرياء والجمال وأشكره شكر عبد معترف بالتقصير عن بعض ما أوليه من الإنعام والإفضال وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وبعد، فبما أنه طلب مني أحد إخواننا أن أحول الأسئلة والأجوبة الأصولية إلى شرح للعقيدة الواسطة فأجبته إلى ذلك وزدت ما أرى أن الحاجة ماسة إليه وحذفت ما أرى أن الحاجة إليه قليلة وراعيت في ذلك أن يكون مناسباً للأستاذ والتلميذ ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، على أني جمعت الكثير فيه من كتب المحققين كالشيخين شيخ الإسلام مؤلف العقيدة وتلميذه ابن القيم ونحوهما ومن الكتب التي تستمد من كتبهما وأمثالهما من المتبصرين وسميته (الكواشف الجلية عن معاني الواسطية) وأسأل الله الحي القيوم العلي العظيم الأول الآخر الظاهر الباطن العليم بكل شئ ذا الجلال والإكرام الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد القريب المجيب أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به من قرأه ومن سمعه ومن سعى في بثه إنه على كل شئ قدير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

باللهِ يَانَاظِراً فيه وَمُنْتَفِعاً وقل أفلهُ إلَه الخَلْقِ مَغْفِرَة وخُصَّ نفسَك مِن خَيرٍ دعوتَ به والمسلمينَ جَميعاً مَا بَداَ قمرٌ

منه سَلِ الله توفقاً لِجامِعِهِ واقْبَلْ دُعَاه وَجَنَّبْ عن مَوَانِعِه ومَن يَقُومُ بما يُكفِي لِطَابِعِه أو كوكبٌ مُستْنَيِرٌ من مَطَالِعِه


 مؤلف العقيدة

هو شيخ الإسلام ومفتي الأنام المجتهد في الأحكام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، ولد رحمه الله بحران يوم الأثنين عاشر ربيع الأول سنة 661أبو هريرةـ وقدم به والده وأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة 667هـ، فأخذ الفقه والأصول عن والده وسمع عن خلق كثير منهم الشيخ شمس الدين والشيخ زين الدين بن المنجا والمجد بن عساكر وقرأ العربية علي ابن عبد القوي صاحب عقد الفرائد وعني بالحديث وسمع الكتب الستة والمسند، وأقبل على تفسير القرآن فبرز فيه وأحكم أصول الفقه والفرائض وغير ذلك من العلوم وتأهل للتدريس وله دون العشرين سنة وتضلع في علم الحديث وحفظه حتى قالوا إن كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث، وألف مؤلفات كثيرة في فنون عديدة وله الفتاوى المفصلة ورد على المبتدعة، وقد ساق ابن القيم رحمه الله بعض مؤلفات شيخه رحمهما الله فقال:

وله المقامات الشهيرة في الورى نصر الإله ودينه وكتابه أَبدى فضائحهم وبَيَّنَ جَهلَهم ومن العجائب أنه بسلاحهم فاقرأ تصانيفَ الإمام حقيقةً أَعنى أَبا العباس أحمد ذلك البحـ واقرأ كتاب العل والنقل الذي وكذلك منهاج له في رده وكاك أهل الاعتزال فإنه وكذلك التأسيس أصبح نقضُه وكذاك أجوبة له مصرية وكذا جواب للنصارى فيه ما وكذاك شرح عقيدة للأصبها فيها النبوات التي إثباتها وكذا حدوث العالم العلوي وكذا قواعد الاستقامة إنها وكذلك توحيد الفلاسفة الأولى سفرٌ لطيفٌ فيه نقض أُصولهم وكذاك تسعينية فيها له تسعون وجهاً بينت بطلانه وكذا قواعدُه الكبار وإنها وكذا رسالته إلى البلدان والـ وكذا فتاواه فأخبرني الذي بلغ الذي ألفاه منها عدة سفرٌ يقابل كل يوم والذي هذا وليس يقصر التفسير عن وكذا المفاريد التي في كل مسـ

قد قامها في الله غير جبان ورسوله بالسيف والبرهان وأرى تناقضَهم بكل مكان أرداهم تحتَ الحضيض الداني شيخ الوجود العالِم الرباني والمحيط بسائر الخلجان ما في الوجود له نظير ثان قول الروافض شيعة الشيطان أرداهم في حفرة الجُبَّان أعجوبة للعالم الرباني في ست أسفار كتبن سمان يشفي الصدور وإنه سفران ني  شارح المحصول شرح بيان في غاية التقرير والتبيان والسُّفلي فيه أتم بيان سفران فيما بيننا ضخمان توحيدهم هم غاية الكفران بحقيقة المعقول والبرهان رد على من قال بالنفسان أعني كلامَ النفس والوجدان أو في من المائتين في الجسبان أطراف والأصحاب والإخوان أضحى عليها دائم الطوفان الأيام من شهر بلا نقصان قد فاتني منها بلا حبان عشر كبار ليس ذا نقصان ـألة سفر واضح التبيان

وكان رحمه الله لا يبالي في مقال الحق يصدع به القريب والبعيد يأمر بالمعروف العدو والصديق. وكان بعيداً عن المداهنة والمصانعة في أمور الدين لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان رحمه الله معظماً للسف الصالح ينقد من رآه خارجاً عن طريقهم. ومما يدل على أنه محب للحق بعيد عن المداجاة والمصانعة أنه لما قدم مصر عقد عدة مجالس ألقى فيها عدة محاضرات فحضر أبو حيان أحد مجالسه فأعجب به إلى أن أمتحده في هذه الأبيات:

لما أتانا تقي الدين لاح لنا على محياه من سِيما الأولى صحبوا حبر تسربل منه دهره حبراً قام ابن تيمية في نصر شرعتنا وأَظهر الحق إذ آثاره اندرست يا من يحدث عن علم الكتاب أَصِحْ

داع إلى الله فرد ما له وزر خيرَ البرية نور دونه القمر بحر تقاذف من أمواجه الدرر مقام سيد تيم إذ عصت مضر وأخمد الشر إذ طارت له شرر هذا الإمام الذي قد كان ينتظر

يشير إلى أنه المجدد، ثم بعد ذلك جرى بينهما كلام في بعض المسائل النحوية وجرى ذكرى سيبويه وقيل إن الشيخ رحمه الله استدل على مقاله ورأيه بأشياء اجتهادية فعارضه أبو حيان بأقوال سيبويه فغضب الشيخ وأغلظ القول وقال إن سيبويه ليس رسولا للنحو والعربية حتى يقبل قوله بلا حجة ولا برهان ويلزم الناس الأخذ بكل ما قال.

وقال إن سيبويه أخطأ في الكتاب في ثمانين موضعاً ما تفهمها أنت فكان ذلك سبب مقاطعته إياه وعاد ذاماً له واقعاً في دينه وعقيدته وذاكراً له بكل سوء وما كان دينه وعقيدته قبل هذه الحال غير دينه وعقيدته بعدها ولكن المتغير الهوى فبعداً له. وجرى له رحمه الله محن كثيرة منها محنة بسبب تأليفه الفتوى الحموية وجرى له رحمه الله فتياه بالطلاق الثالث.

ولما كان في سنة 726هـ وقع الكلام في شد الرحال إلى قبور الصالحين والأنبياء فأفتى الشيخ بتحريم ذلك فحصل له ما حصل من علماء زمانه وكان منشأ ذلك الهوى والحسد فحبس رحمه الله بأمر من السلطان بقلعة دمشق وبقي رحمة الله عليه سنتين وثلاثة شهور، ولما صار بالسجن قال ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت معي لا يفارقني حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة.

وكان يقول في مجلسه في القلعة لو بذلك ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال ما جزيتهم على ما تسببوا إلى ما الخير أو نحو هذا، وقال المحبوس من حبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه، وقال ابن القيم وعلم الله قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه، وقال ابن القيم وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشا منه مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف وهو مع ذلك أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدرا وأقواهم قلباً وأسرهم نفساً تلوح نضرة النعيم على وجهه.

وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت الأرض بما رحبت أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلا فيذهب ذلك كله فينقلب انشراحاً وسرورا وقوة ويقيناً وطمأنينة فسبحان من أشهد عبده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها، في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. وكان رحمه الله في هذه المدة مكباً على التلاوة والعبادة والتهجد حتى أتاه اليقين وذلك في سنة 728هـ. وقد مدح الشيخ رحمه الله بقصائد كثيرة في حياته ورثي بأكثر منها بعد وفاته، ومن مراثي العلماء والشعراء التي قيلت بعد وفاته رحمه الله ما يلي.. قال الدقوقي:

مضَى عالمُ الدنيا الذي عَزَّ فقدُه مضى الزاهد النّدبُ ابن تيمية الذي مضى الطاهر الأثواب ذو العلم والحجي يَحِنُّ إليه في النهار صيامُه وما ماتَ من تبقى التصانيفُ بعده حَمَى نفسَه الدنيا وعَفَّ تَكرُّما وكان لنا بحراً من العلم زاخراً وخَلَّفَ آثاراً حساناً حميدةً وكان يقولُ الحقَ والحقُّ حُلوهُ وفي الله لم تأخذْهُ لومةُ لائمٍ ولم تُلْهِهِ الدنيا وزخرفُها الذي وكان إماماً يُسْتضَاءُ بِنُورِهِ

وأَضْرمَ ناراً في الجوانح بُعده أَقر له بالعلم والفضل ضَدُّهُ ولم يَتَدنَّسْ بالمآثم بُرْدهُ ويشتاقُه في ظلمة الليلِ وردُه مُخَلَّدةً والعلمُ والفضلُ ولْدُه ولَمَّا يُصَعَّرْ لِلدَّنيَاتِ خدَّهُ فما بالهُ لم يَصفُ مذ غَاب وردُهُ إذا عُدُدَتْ زادتْ على ما نعُدُّهُ مَريرٌ لهذا كان يُكْرَهُ ردُّهُ ولا خافَ من غُمْرٍ تشدّدَ حَردهُ يروقُ لمن لم يُؤنسِ الدهر رُشْدهُ وبحراً من الأفضالِ قد غيِض عِدَّه

ومن مرثية الخياط الحوخي:

تَنْكَّرتِ الدنيا على كُلِّ عارف فيا أحمدَ المحمودَ قد كنت للهدى لقد كنتَ عن شرٍ بطيئاً ووانياً وللحكم طوداً راسخاً باذخ الذري وركناً لدين الله حين تهدمت يصول بسيف العلم في معرك النهي وكمن من ظلام الظلم زحزح غيهباً وكم من طريق في المباحث مبهم تولى عن الدنيا حميداً ولم يكن وعاش إلى أن مات لم يعط نفسه

رأَى منك مأهولَ المنازلِ بَلْقَعَا مناراً وللشرع الحنيفي مَشْرَعا وفي طلبِ الخبرات عجلانَ مُسرِعا وللجود والإحسان والعلم منبعا قواعده منه وهيَ وتَضعضعا وأَرماح شرع الجهل أَبلن شُرَّعا بساطع نور العدل من حين شعشعا بإيضاحه أَضحى لساريه مهيعا لزخرفها المذموم يبدي تطلعا بتأميل ما في دار دنياه مطمعا

ومن مرثية لبرهان الدين:

لِفَقْدِ الفتى التيمي تَجْري المدامعُ على ماجدٍ جَلَّتْ مَآثره التي علومٌ وأخلاقٌ كرامٌ وسددٌ وزُهْدٌ وإيثارٌ وتَقْوى وعِفَّةٌ هو الحبرُ أَما المشكلاتُ فحَلُّهَا وأما عقودُ الدين فهي وثيقةٌ تبارك مَن حَلاَّهُ بالزهد وَالتُّقَى وفي الله لم تأخُذْهُ لومةُ لائمٍ وآتاه ذو العرش المجيدُ مواهباً أما كان في دفعات غازان جائلاً يقول لجيش المسلمين أَلا ابشروا فأصبح جيش المسلمين مؤيداً تصانيفه في كل علم بديعة ولم يبتغِ شيئاً سوى وجه ربه فيا فَوْزَ مَن يَحوي تصانيفَه ولا علوماً لمن يبغي النجاة اعتنى بها وذو الفضل يؤتيه المهيمن فضلَه فلم أَر في عمري الذي طال مثله عسى الله في الجنات يجمعنا به

وتَصْدَعُ بالنوح الحمامُ الصوادعُ لها في قلوب العارفينَ مَوَاقِعُ وجُودٌ ومجدٌ باذخٌ وتَواضُعُ وتلكَ سجايا حازَها وهو يَافِعُ يَسيرٌ لديه وهو في الجَلِّ بارعُ لدَيه وعنها بالرماحِ يُنَازِعُ ورصَّعَ ذاكَ الحليَ منه التواضعُ وليس له في نصرةِ الحقِ وزِعُ وليس لما يعطيه ذو العرش مانع بعزمة ليث لم ترعه الوقائع بنصر على الأعداء والنصر واقع وغازان لاقى حتفه وهو راجع وفيها لأهل الابتداع بدائع وفي زخرف الدنيا عدته المطامع يزال لها في كل وقت يطالع وللناس في تلك العلوم منافع ولا حاصدٌ إلا لما هو زارع وما أنا في رؤيا المماثِل طامع فكل امرئٍ منا بذلك طامِعُ

ومن مرثية ابن خضر:

لقد عذبوا قلبي بنار الأحبة فقدت إماماً كان بالعلم عاملاً شجاع همام بارع في صفاته تزَهَّدَ في كلَّ الوجودِ وغَيْرُه ويَلقى لمن يَلقاه بالبِشر والرضا ويدعو لِمن قدْ نال من ثَلْم عرِضه يُجاهد في اللهِ الكريمِ بجُهْدِه ويأمر بالمعروف حُبّاً لربه تَقيٌ نقيٌ طاهرُ الذَّيْل مُذْ نشأ ألا يا تَقِيَّ الدين يا فردَ عَصْره ظَهَرتَ بأنواعِ العلومِ وجنْسهَا وأوضحت إشكالاً وبيَّنتَ مُبْهَماً وكم غُصْت في بحر المعارِف غوصةً ظَهرتَ بإحسانٍ وحسنِ سماحةٍ صَبَرت على الأحكامِ طوعاً وطاعةً وكنتَ حمولاً للنوائب كلُها لقد عِشْتَ محبوباً ومِتَّ مكرماً وبَعْدُ فللهِ المحامدُ كلُّها

وذاب فؤادي من فراق الأحبةِ وكان حقيقاً قامعاً كل بدعةِ يروم مراماً في المراقي العليةِ يَدورُ على الدنيا بنفَسٍ دَنِيَّةٍ بأوصافه الحسي ونفس زكيةِ ولم يَنتقِمْ مِمَّنْ أَتَى بالأذيةِ بِصدقٍ وإخلاص وعزم ونيةِ وينَهي عن الفحشاءِ نهياً بهِمَّةِ كريمُ السجايا ذُو صفاتٍ حميدة بوقُك قد لاحت كشمسٍ مضيئةِ وسارت بها الركبان في كل بلدة وأَبديتَ أسراراً بنفسٍ عَليِمَةِ ولجَّجْت فاستخرجتَ كلِّ يَتيمةٍ ودينٍ وتوحيدٍ وكلِّ فضيلةِ وذُقْتَ مِن الآلامِ طعمَ البليةِ صبوراً على الأقدارِ في دار غربةِ عليكَ مِن الرحمن أزْكَى تَحيةِ على ما أَرانا مِن وضوحِ المحجةِ

وبهذا قد تم ما اخترناه من المرائي التي رثي فيها رحمة الله عليه وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا ونسأل الله الحي القيوم الحليم الكريم العلي العظيم القوي العزيز مالك الملك ذا الجلال والإكرام بديع السموات والأرض فالق الحب والنوى فالق الإصباح محيي العظام وهي رميم، الأول والآخر الظاهر والباطن الذي أحاط بكل شئ علماً ، الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد أن ييسر لدين الإسلام من يقوم بنصره ويزيل ما حدث في البلاد الإسلامية من البدع والضلالات والمنكرات التي فشت فعمت وطمت وأفسدت العقائد والأخلاق وصارت عادات عند كثير من الناس وألفها الكبير فاستهان بها وشب عليها الصغير فأحبها واستأنس بها ولم يبق من ينفر منها ويبغضها وينكرها إلا القليل، فلا حول ولا قوة إلا بالله الحي القيوم العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

***

من أراد طباعة هذا الكتاب وقفاً لله تعالى فقد أذن له وجزى الله خيراً من طبعه وقفاً لوجه الله تعالى أو أعان على طبعه أو تسبب لطبعه فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إِذَا مَاتَ الْإِنَسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَا مِنْ ثَلَاثةٍ أَشْيَاءَ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ " رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ " رواه مسلم، وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إِنَّ الله يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ ، وَالرَّامِيَ بِهِ وَمُنَبِّلَهُ " رواه أبو داود، وعن زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا " متفق عليه.


وقف لله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

 خطبة العقيدة

قال المصنف رحمة الله:

"الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً."

الحمد لغة الثناء باللسان على الجميل الاختياري على وجه التعظيم والتبجيل، وعرفاً فعلى ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما على الحامد وغيره. والألف واللام للاستغراق. فجميع المحامد كلها لله ومن أسمائه تعالى الحميد، قال ابن القيم رحمه الله عليه:

وهو الحميدُ فكل حميدٍ واقع ملأ الوجودَ جميعَه ونظيرَه هو أَهلُه سبحانَه وبحمده

أو كان مفروضاً مَدَى الأزمان من غير ما عَدَّ ولا حُسْبان كل المحامد وصف ذي الإحسان

وإثبات الحمد الكامل له يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله ونعوت جلاله، إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق وغايته: أنه محمود من وجه دون وجه، ولا يكون محموداً من كل وجه وبكل اعتبار بجميع أنواع الحمد إلا من استولى على صفات الكمال جميعها فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبه.

وقال الشيخ رحمه الله: والحمد نوعان حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه بنفسه من نعوت كماله. وهذا الحمد لا يكون إلا لمن هو  في نفسه مستحق للحمد وإنما يستحق ذلك من هو منتصف بصفات الكمال وهي أمور وجودية فإن الأمور العدمية المحضة لا مدح فيها ولا خير ولا كمال ومعلوم أن كل من يحمد فإنما يحمد على ماله من صفات الكمال. فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد، فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة وهو أحق من كل محمود.

وقال: وأما أهل التوحيد الذين يعبدون الله مخلصين له الدين فإن ما في قلوبهم من محبة الله لا يماثله فيها غيرها ولهذا كان الرب محموداً حمدا مطلقاً على كل ما فعله وحمداً خاصاً على إحسانه إلى الحامد، فهذا حمد الشكر والأول حمده على ما فعله كما قال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الأنعام: من الآية1) الآية. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (فاطر: من الآية1). والحمد ضد الذم والحمد خبر بمحاسن المحمود مقرون بمحبته، ولا يكون حمد المحمود إلا مع محبته ولا ذم المذموم إلا مع بغضه. وهو سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود ولا يكون حمد إلا بحب المحمود وهو سبحانه المعبود المحمود ولهذا كانت الخطب في الجمع والأعياد وغير ذلك مشتملة على هذين الأصلين تحميده وتوحيده. وأفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله. أهـ.

 2- معنى الإله

أما معنى "الإله" فهو المألوه المعبود المستحق لإفراده بالعبادة لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. ولفظ الجلالة الذي هو "الله" علم على ذاته سبحانه وهو أعرف المعارف على الإطلاق. وكونه سبحانه مستحقاً للأوهية مستلزم لصفات الكمال فلا يستحق أن يكون معبودا لذاته إلا هو. وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد.. كما قال تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الانبياء من الآية : 22). روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع" وفي رواية بحمد الله وفي رواية فهو أجذم رواها الحافظ الرهاوي في الأربعين له.

ومما يحمد عليه سبحانه نعمه التي لا تحصى، وأعظم نعمه إرسال محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعاملين. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الانبياء:107)

. وأما "الرسول" لغة: فهو من بعث برسالة، واصطلاحاً: إنسان ذكر أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه فإن أوحى إليه ولم يؤمر فهو نبي فكل رسول نبي ولا كل نبي رسول. وقال الشيخ: فالنبوة داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. فالأنبياء أعم والنبوة نفسها جزء من الرسالة فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة.

و"الهدى لغة": الدلالة والبيان وينقسم إلى قسمين: هدى دلالة وبيان، وهذا القسم يقدر عليه  الرسل واتباع الرسل ممن يجعله الله سببا لهداية شخص أو أشخا. قال الله تعالى: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: 7) وقال ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (الشورى: من الآية 52) وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه" لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم".

ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾[فصلت: 17] أَيْ: بينا لهم ودللناهم وأرشدناهم فلم يهتدوا وهذه التي بعثت بها الرسل لتدل الأمم إليها وتدعوهم إلى قبولها فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة.

وأما القسم الثاني: فمعناه التوفيق والإلهام وهذا لا يقدر عليه إلا الله مختص بمن يشاء الله هدايته ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾(القصص:56)  وقوله: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ﴾(الأنعام من الآية: 125)، وهذه خاصة يتفضل بها على من يشاء من عباده وهو أعلم بالمهتدين.

النوع الثالث: هداية عامة قال تعالى ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(طـه: من الآية50).

النوع الرابع: غاية هداية الدلالة والبيان والتوفيق وفائدتها ونتيجتها. قال تعالى﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾(يونس من الآية : 9). وقال إخباراً عما يقوله السعداء ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾(لأعراف: من الآية43) الآية. وقوله بالهدى المراد ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الشرع القويم والدين الكامل وما أنزل عليه من القرآن الذين به حياة القلوب وهداية الخلق.

قال ابن كثير: الهدى هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع والعمل الصالح فإن الشريعة تشتمل على شيئين. علم وعمل: فالعلم الشرعي صحيح والعمل الشرعي مقبول فإخباراتها حق وإنشآتها عدل.

وقال الشيخ تقي الدين: الخير والسعادة والكمال والصلاح منحصر في نوعين في العلم النافع والعمل الصالح وقد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأفضل ذلك وهو الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً.

فالعلم النافع هو الإيمان، والعمل الصالح هو الإسلام. العلم النافع من علم الله والعمل الصالح هو العمل بأمر الله، هذا تصديق الرسول فيما أخبر، وهذا طاعته فيما أمر، وضد الأول أن يقول على الله ما لا يعلم، وضد الثاني أن يشرك ما لمن ينزل به سلطاناً، والأول أشرف فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، اهـ.

والمراد بالدين هنا جميع ما شرعه الله من الأحكام اعتقادية كانت أو قولية أو فعلية وإضافة الدين إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته أي الدين الحق.

وقال الشيخ تقي الدين: الذي شرعه الله ورسوله توحيد و عدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد و ما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإشارة وفساد للعباد في المعاش والمعاد.

قال: ودين الأنبياء كلهم " الإسلام" كما أخبر به في غير موضع، وهو: الاستسلام لله وحده، وذلك إنما يكون بطاعته فيما أمر به في ذلك الوقت، فطاعة كل نبي هي من دين الإسلام إذ ذاك، ولهذا خرج اليهود والنصارى عن دين الإسلام فإنهم تركوا طاعة الله وتصديق رسوله واعتاضوا عن ذلك بمبدل أو منسوخ. وهكذا كل مبتدع ديناً خالف به سنة الرسول لا يتبع إلا ديناً مبدلاً أو منسوخاً.

والشرك كله من المبدل، لم يشرع الله الشرك قط وكذا كل ما كان أهل الجاهلية يحرمونه مما ذكره الله في القرآن كالسائبة والوصيلة و الحام وغير ذلك من الدين المبدل، ا هـ.

وقال فإن الله سبحانه بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وشهد له بأنه بعثه داعياً بإذنه وسراجاً منيراً وأمره أن يقول  ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: من الآية 108)

 3- الوجوه التي يستحيل معها أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين الحق

فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به الكتاب والحكمة و وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته – محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبهاً ولم يميز بين ما يحجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.

فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقاداً أو قولاً؟.

ومن المحال أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أمته كل شئ حتى الخراءة، وقال: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وقال فيما صح عنه أيضا" ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم".

وقال أبو ذر لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً، وقال عمر ابن الخطاب: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه" رواه البخاري.

ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسحة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، ثم إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه.

ثم من المحال أن تكون القرون الفاضلة، القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع، اهـ من الحموية.

وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميع الدين، أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله. فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملاً، وبين أن أصول الدين الحق الذي أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله – وهي الأدلة والبراهين والآيات الدالة على ذلك – قد بينها الرسول أحسن بيان، وأنه دل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية وبها يعلمون إثبات ربوبية الله ووحدانيته وصفاته وصدق رسوله والمعاد وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة العقلية، بل وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية، وإن كان لا يحتاج إليها فإن كثيراً من الأمور يعرف بالخبر الصادق.

ومع هذا فالرسول بين الأدلة العقلية الدالة عليها فجمع بين الطرفين السمعي والعقلي، وبينا أن أدلة الكتاب والسنة على أصول الدين ليست بمجرد الخبر كما تظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث، والفقهاء والصوفية وغيرهم بل الكتاب والسنة دلالة الخلق وهدياهم إلى الآيات والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين.

وقال: أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها ويجب أن تذكر قولاً أو تعمل عملاً كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد أو دلائل هذه المسائل.

أما القسم الأول: فكل ما يحتاج الناس  إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بياناً شافياً قاطعاً للعذر، وهذا من أعظم ما أقام به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب، فالحمد لله الذي بعث فينا رسولاً  من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة. والذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً. والذي أنزل الكتاب تفصيلاً لكل شيء.

وأما القسم الثاني وهو دلائل هذه المسائل فإن الله بين الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم ما لا يقدر أحد من هؤلاء أهل الكلام والفلاسفة وغيرهم قدره، ونهاية ما يذكرون جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه التي قال فيها (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ (الروم من الآية :58).

فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية وفي القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل، ا هـ.

قال الناظم:

فإياك عن آراء كل مزخرف فقد مات خير الخلق والدين كامل

مقالته كالسم في ضمنها الردي غني عن التبيين من كل ملحد

وقوله: ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾(التوبة: من الآية33) أي ليعليه وينصره ظهوراً بالحجة والبرهان والسيف والسنان حتى يظهر على مخالفيه.

وقد وقع ذلك فإن المسلمين جاهدوا في سبيل الله حق جهاده عملاً بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾(البقرة: من الآية193) يعني لا يكون شرك، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾(التوبة: من الآية5) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾(التوبة: من الآية73) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ﴾(التوبة: من الآية123) وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾(الحج: من الآية78)

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ﴾(التوبة: من الآية38) وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾(البقرة: من الآية216).

وقوله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم"، رواه البخاري ومسلم. وفي الحديث الذي أخرجه مسلم، " وقاتل بمن أطاعك من عصاك" وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده ولا يشرك به شيء" وفي حديث صفوان ابن عسال قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فقال: " سيروا باسم الله قاتلوا من كفر الله" الحديث رواه أحمد وابن ماجة.

وفي الحديث الذي رواه أبو داود عن أنس " الجهاد ماض منذ أن بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال "، وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال " اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله" الحديث رواه أحمد. وفي الحديث الآخر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية يقول " إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم منادياً فلا تقتلوا أحداً" رواه الخمسة إلا النسائي وفي الحديث الآخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم" أي صبيانهم رواه الترمذي. وفي حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً لا تطيب أنفسهم ويتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله" الحديث متفق عليه.

وفي حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة وفي الرجعة الثلث، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. وفي رواية: كان إذا أغار في أرض العدو نقل الربع وإذا أقبل راجعاً وكل ا لناس نقل الثلث. الحديث رواه أ حمد. وفي الحديث الآخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " رواه أبو داود وغيره..

ففي الآيات الكريمات و الأحاديث ما يدل على أنه يجب قتال الكفار ابتداء ودفاعاً. ومن أراد زيادة على ما ذكرنا فلينظر إلى الجزء الثالث من الأسئلة والأجوبة الفقهية المقرونة بالأدلة الشرعية من ص 63 إلى 84 في جواب سؤال 26. وبعد أن جاهد المسلمون في الله حق جهاده فتح الله لهم فاتسعت البلاد الإسلامية مع قلة عددهم وعددهم بالنسبة إلى جيوش أعداء الإسلام فعلت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان.

قال ابن القيم فقد ت كفل الله لهذا الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض ففي هذا تقوية لقلوبهم وبشارة وتثبيت لهم وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لابد أن ينجزه، فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصرة لعدوه ولا تخيلاً عن رسوله ودينه كيف وقد أرسله بدينه الحق ووعده أن يظهره على كل دين سواه؟!

وقوله: ﴿وكفى بالله شهيداً﴾ المعنى وكفى بشهادة الله سبحانه إثباتاً  لصدق رسوله. قال الله تعالى ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾(الأنعام: من الآية19) وشهادته سبحانه بقوله وفعله ونصره وتأييده ومن أسمائه تعالى الشهيد فلا يغيب عنه شيء. والرقيب والشهيد مترادفان وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات وبصره بالمبصرات وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(المجادلة: من الآية6) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾(النساء: من الآية1) .

ولهذا كانت المراقبة التي هي من أعلى أعمال القلوب هي التعبد باسمه الرقيب الشهيد، فمتى علم العبد أن حركاته الظاهرة والباطنة قد أحاط الله بعلمها واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنة عن كل فكر وهاجس يبغضه  الله، وعبد الله  كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.

قال: ( وأشهد أن  لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً )

الشهادة إخبار بالشيء عن علم به واعتقاد لصحته وثبوته. والمعنى: أقر واعترف مصدقاً ومعتقداً أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له، ولهذا قال: إقراراً به وتوحيداً، أي إقراراً بالقلب واللسان، وتوحيداً أي إ خلاصاً في كل عبادة قولية أو فعلية أو اعتقادية.

وأعظم ما يوحد به ويتقرب إليه به، تحقيق العقيدة السلفية المحتوى عليها هذا الكتاب مع النية الصالحة، فبتحقيق العبادة تصلح الأعمال وتقبل وتستقيم الأمور كلها، فعلى الإنسان أن يجتهد في السعي في إصلاح نيته وليحذر كل الحذر من أن يكون هدفه الدنيا.

فقد ورد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، يعني ريحها" رواه أبو داود.

قال ابن رجب رحمه الله على هذا الحديث:

سبب هذا والله أعلم أن في الدنيا جنة معجلة وهي معرفة الله ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته، والعلم النافع يدل على ذلك فمن دله علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة، ولهذا كان أشد الناس عذاباً في الآخرة عالم لم ينفعه الله بعلمه وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة الحديث حيث كان معه آلة يتوصل بها أعلى الدرجات وأرفع المقامات فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخس الأمور وأدناها وأحقرها فهو كمن معه جوهرة نفيسة لها قيمة فباعها ببعرة أو شيء مستقذر لا ينتفع به، فهذا حال من يطلب الدنيا بعلمه، بل أقبح وأقبح من ذلك من يطلبها بإظهار الزهد فيها فإن الزهد فيها فإن ذلك خداع قبيح جداً.

وقال رحمه الله: النوع الثاني من يطلب بالعلم والعمل والزهد الرئاسة على الخلق والتعاظم عليهم وأن ينقاد الخلق له ويخضعون له ويصرفون وجوههم إليه وأن يظهر للناس زيادة علمه على العلماء ليعلو به عليهم فهذا موعده النار، لأن قصد التكبير على لخلق محرم في نفسه. فإذا استعمل فيه آلة الآخرة كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من المال والسلطان.

انتهى.

وعن كعب بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار" رواه الترمذي وغيره. قال شيخ الإسلام رحمه الله: كثير من طلبة العلم ليس مقصودهم به إلا تحصيل رئاسة أو مال ولكل امرئ ما نوى، وأما أهل العلم والدين الذين هم أهله فهو مقصود عندهم لنفعه لهم وحاجتهم إلي في الدنيا والآخرة، ولهذا تجد أهل الانتفاع به يزكون به نفوسهم ويقصدون فيه اتباع الحق لا اتباع الهوى ويسلكون فيه سبيل العدل والإنصاف ويحبونه ويتلذذون به ويحبون كثرته وكثرة أهله وتنبعث هممهم على العمل به وبموجبه وبمقتضاه، بخلاف من لم يذق حلاوته وليس مقصوده إلا مالاً أو رئاسة فإن ذلك لو حصل  بطريق آخر لسلكة وربما رجحه إذا كان أسهل عليه.

وقال: وأكمل أنواع طلب العلم أن  تكون همة الطالب مصروفة في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم وفهم مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه وسائر كلامه واتباع ذلك وتقديمه على غيره، وليعتصم في كل باب من أبواب العلم بحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحيحة الجوامع. انتهى.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

والجهلُ داءٌ قاتِل وشِفاؤُهُ نَصٌ مِن القرآنِ مِن سُنَّةٍ والعِلْمُ أَقْسَامٌ ثلاثٌ مَا لَها عِلُمٌ بأوصافِ الإلَهِ وفِعْلِهِ والأَمْرُ والنهيُ الذي هُوَ دِيْنُهُ والكلُّ في القُرآنِ والسُّنَنِ التِي

أَمْرَانِ في التَّركِيْبِ مُتَّفِقَانِ وَطَبِيْبُ ذَاكَ العَالِمُ الرَّبَّانِي مِن رَابِعٍ والحَقُّ ذُو تِبْيانِ وكَذلِكَ الأَسْمَاءِ لِلرَّحمنِ وَجَزَاؤُهُ يومَ المَعَادِ الثَّانِي جَاءَتْ عن المَبْعُوثِ بالفُرقَانِ

وقال بعضهم: واعلم أن للتعلم ست مراتب: أولاً حسن السؤال، ثانيهاً حسن الإنصات والاستماع، ثالثاً حسن الفهم، رابعاً الحفظ، خامساً التعليم، سادساً وهي الثمرة العلم به ومراعاة حدوده.

وحرمانه يكون بستة أوجه: أولاً ترك السؤال، ثانياً سوء الإنصات وعدم إلقاء السمع، ثالثاً سوء الفهم، رابعاً عدم الحفظ، خامساً عليه الصلاة والسلام عدم نشره وتعليمه فمن خزن علمه ولم ينشره ابتلاه الله بنسيانه جزاء وفاقاً، سادساً عدم العمل به فإن العلم به يوجب تذكره وتدبره  ومراعاته والنظر فيه فإذا أهمل العمل به نسيه. قال بعض السلف كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به وقال بعضهم العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل فما استدر العلم واستجلب بمثل العمل به.

وللعلم ثلاث مراتب: المرتبة الأولى علم اليقين وهو انكشاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ولا يشك فيه كانكشاف المرئي للبصر، ثم يليها المرتبة الثانية وهي مرتبة عين اليقين ونسبتها إلى العين كنسبة الأولى بالنسبة للقلب، ثم تليها المرتبة الثالثة وهي حق اليقين وهي مباشرة المعلوم وإداركه الإدراك التام، فالأولى كعلمك أن في هذا الموضع ماء والثانية كرؤيتك لهذا الماء والثالثة كالشرب منه.

وقال الشيخ: لو أقام العلماء كتاب الله وفهموا ما فيه من البينات التي هي حجج الله وما فيه من الهدى الذي هو العلم النافع والعمل الصالح وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وهي سنته، لوجدوا فيها من أنواع العلوم ما يحيط بعلم الناس ولميزوا حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة حيث يقول ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾(البقرة: من الآية143) ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون من الحجج الفاسدة التي يزعم القياسيون أنهم يتمون به فروع الدين وما كان من الحجج صحيحاً ومن الرأي سديداً فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله فهمه من فهمه وحرمه من حرمه . ا هـ.

 4- أركان لا إله إلا الله وشروطها

ولكلمة الإخلاص أركان وشروط. فأركانها اثنان: نفي وإثبات. وحد النفي من الإثبات " لا إله". أي نافياً جميع ما يعبد من دون الله والإثبات " إلا الله" أي مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في ملكه. وأما شروطها فسبعة لا تصح هذه الكلمة ولا  تنفع قائلها إلا إذا استجمعت له الشروط التي تلي :

الأول: العلم، بمعناها نفياً وإثباتاً قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾(محمد: من الآية19) وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(الزخرف: من الآية86) وقال صلى الله عليه وسلم : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة".

الثاني: اليقين، أي استيقان القلب بها قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(الحجرات: من الآية15) وقال صلى الله عليه وسلم " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" وقال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة " من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة" كلاهما في الصحيح.

الثالث: الإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾(البينة: من الآية5) وقال ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾(الزمر: من الآية3) وعن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه".

وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" رواه مسلم.

الرابع: الصدق، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر:33) عن ابن عباس قال من جاء بلا إله إلا الله وقال ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾(العنكبوت: من الآية3) وقال صلى الله عليه وسلم " ما من  أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار" متفق عليه. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم " يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه" الحديث رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه شرائع الإسلام: " أفلح إن صدق".

الخامس: المحبة، قال الله  تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾(المائدة: من الآية54) وقال صلى الله عليه وسلم " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" الحديث متفق عليه .. وقال صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" متفق عليه.

السادس: الانقياد لها ظاهراً، وباطناً، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾(لقمان: من الآية22). وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾(الزمر: من الآية54) وقال صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به".

السابع: القبول لها، وقد جمع بعضهم شروط " لا إله إلا الله " في بيت فقال:

عِلْمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصِدْقُكَ مَعْ

محبةٍ وانقيادٍ والقبولِ لَهَا

فلا يرد شيئاً من لوازمها ومقتضياتها قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾(صّ:4) إلى قوله ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾(صّ: من الآية8) وقال أيضاً في حق من لم يقبلها ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (الصافات:22) إلى قوله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾(الصافات:35) ﴿ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون﴾.

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" متفق عليه.

وقد شهد الله لنفسه بالوحدانية في قوله ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران:18) فقد تضمنت هذه الآية الكريمة حقيقة التوحيد والرد على جميع طوائف الضلال فقد تضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به.

وعبارات السلف  في " شهد" تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار وهذه الأقوال كلها حتى لا تنافي بينها فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه فلها أربع مراتب: فأول مراتبها علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلمه بذلك وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره به ويبينه له. ورابعها أن يلزمه بمضمونها ويأمره به. فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع علمه بذلك وتكلمه وإخباره لخلقه وأمرهم وإلزامهم به.

فأما مرتبة العلم، فإن الشهادة تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهد  شاهداً بما علم له به قال الله تعالى: ﴿إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(الزخرف: من الآية86) وأشار إلى الشمس، وأما مرتبة التكلم والخبر فقال تعالى ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ (الزخرف:19) فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدها عند غيرهم.

وأما مرتبة الإعلام و الإخبار فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل، وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر، تارة يعلمه به بقول وتارة بفعل ولهذا كان من جعل داره مسجداً وأبرزها وفتح طريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها معلماً أنها وقف وأن لم يتلفظ بها، وكذا شهادة الرب عز وجل وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله أخرى فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه، وأما بيانه وإعلامه بفعله فكما قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أن لا إله إلا هو، وقال الآخر:

وفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ لَهُ كُلُّ ذَرَّاتِ الوُجُودِ شَوَاهِد

تَدُلُّ عَلَى أَنَّه الوَاحِدُ عَلَى أَنَّهُ البارِي الإلهُ المُصَوِّرُ

وقال آخر:

تَأمُلْ سُطُورَ الكائِنَاتِ فإنهَا وقد كَانَ فِيها لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا

مِن الملكِ الأعْلىَ إليكَ رَسَائِلُ أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ

ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾(التوبة: من الآية17) فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه. وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به فإن مجرد الشهادة لا يستلزمه لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده كما قال تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾(الاسراء: من الآية23) وقال ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً﴾ والقرآن كله شاهد بذلك.

ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا الله فقد أخبر ونبأ وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله وأن ألوهية ما سواه باطلة، فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهاً والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهاً، ولا إله إلا الله هي كلمة التوحيد التي اتفقت عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وما من رسول إلا جعلها مفتتح أمره وقطب رحاه كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل" وحق هذه الكلمة هو فعل الواجبات وترك المحرمات، وأما فائدتها وثمرتها فالسعادة في الدنيا والآخرة لمن قالها عارفاً لمعناها عاملاً بمقتضاها وأما مجرد النطق فلا ينفع، قال شيخ الإسلام: من اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار فهو ضال مخالف للكتاب والسنة والإجماع. اهـ.

وقيل لوهب بن منبه أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله قال بلى ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح.

قال ابن القيم رحمه الله في هادي الأرواح: وقد جعل الله سبحانه لكل مطلوب مفتاحاً يفتح به فجعل مفتاح الصلاة الطهور، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدقة، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية المحبة ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا.

ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه ومفتاح الدخول على الله إسلام القلب وسلامته له والإخلاص له في الحب والبغض له والفعل والترك، ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالأسحار وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده، ومفتاح الرزق مع الاستغفار والتقوى.

ومفتاح العز طاعة الله ، ومفتاح الاستعداد للآخر قصر الأمل ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل، وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم وهو معرفة مفاتيح الخير والشرك ولا يوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عظم حظه وتوفيقه.

فإن الله سبحانه جعل لكل خير وشر مفتاحاً  وباباً يدخل منه إليه كما جعل الشرك والكبر والإعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحاً للنار، وكما جعل الخمر مفتاحاً كل إثم، وجعل الغناء مفتاح الزنا، وجعل إطلاق النظر في الصور مفتاح العشق والطلب، وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان.

وجعل المعاصي مفتاح الكفر، وجعل الكذب مفتاح النفاق وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم وأخذ المال من غير حله، وجعل الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مفتاح كل بدعة وضلال وهذه أمور لا يصدق بها إلا كل من له بصيرة صحيحة وعقل يعرف به ما في نفسه انتهى.

وقال الشيخ رحمه الله: وشهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات وهي الأصول الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل، وما أنزل إليهم وهي الأصول الكبار التي دلت عليها وشهدت بها العقول والفطر.

وقال: " وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً مزيداً".

المعنى: أقر وأصدق التصديق الجازم من صميم قلبي المواطئ لقول لساني بأن محمداً عبد الله ورسوله إلى الناس كافة إنسهم وجنهم شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فيجب تصديقه فيما أخبر به من أخبار ما سبق وأخبار ما سيأتي ويطيعه في كل أمر وينتهي عما نهى عنه واتباع شريعته والتزم بسنته.

فالشهادة للرسول بالرسالة والعبودية مقرونة بالشهادة لله بالتوحيد لا تكفي إحداهما عن الأخرى، ولابد فيهما من اعتراف العبد بكمال عبودية النبي صلى الله عليه وسلم لربه وكمال رسالته المتضمنة لكماله صلى الله عليه وسلم وأنه فاق جميع البشر في كل خصلة كمال.

وقد جمع الله فيه أكمل الصفات وأفضلها التي يوصف بها الأنبياء في نفسه وأخلاقه وفي دينه وشريعته وما جاء به وفي جميع آياته وبراهينه المتنوعة التي هي أكثر وأقوى وأوضح من جميع البراهين اليقينية الدالة على صدقه وصحة ما جاء به.

قال ابن القيم رحمه الله: وكما أن محمداً صلى الله عليه وسلم عام الرسالة إلى كل مكلف فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه دقيقة وجليلة فكما لا يخرج أحد عن رسالته فكذلك لا يخرج حكم تحتج عليه الأمة عنها وعن بيانه لها... اهـ. وقال الشيخ:  جميع الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونها أن لا نعبد إلا الله وأن نطيع رسوله والدين كله داخل في هذا، عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله وكل ما يجب أو يستحب داخل طاعة الله ورسوله.

 5- الرسول أكمل الخلق وأصدقهم وأعلمهم

وقال: ومن تأمل ما جاء به علم أن مثل هذا لا يصدر إلا عن أعلم الخلق وأصدقهم وأبرهم، وأن مثل هذا يمتنع صدوره عن كاذب متعمداً للكذب مفترياً على الله بالكذب الصريح أو مخطئ جاهل ضال يظن أن الله أرسله ولم يرسله لأن فيما أخبر به وما أمر به من الأحكام  والإتقان وكشف الحقائق وهدى الخلائق وبيان ما يعلمه العقل جملة ويعجز عن معرفته تفصيلاً ما بين أنه من العلم والخبرة والمعرفة في الغاية التي باين بها أعلم الخلق وأكملهم.

وفيه من الرحمة والمصلحة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أن ذلك صدر عن راحم بار يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق ومن تم علمه وتم حسن قصده امتنع أن يكون كاذباً على الله يدعي هذه الدعوى العظيمة وكذلك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

وقال: إذا علم الرجل أن محمداً رسول الله بالعقل والنقل والبراهين اليقينية ثم وجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان علقه يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه على قوله ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه وأنه أعلم بالله وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب فإذا كان عقله يوجب عليه أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات من الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات واستعمالها على وجه مخصوص مع ما في ذلك من الكلفة والألم، لظنه أنه أعلم منه وأنه إذا صدقه أقرب لحصول الشفاء مع علمه أن الطبيب يخطئ كثيراً، وأن كثيراً من الناس لا يشفي بما يصفه الطبيب، بل يكون استعماله لما يصفه سبباً لهلاكه، ومع هذا يقبل قوله ويقلده وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة والسلام، والرسل صادقون مصدقون؟؟

لا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به قط، ومن عارضهم ففيه من الجهل والضلال ما لا يحصيه إذا ذو الجلال، فكيف يجوز أن يعارض من لم يخطئ قط بمن لم يصب في معارضته قط، وقال عدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفسها، فما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فهو ثابت في نفس الأمر سواء علمنا صدقه أو لم نعلم.

ومن أرسله الله إلى الناس فهو رسوله، سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق، وأن لم يصدقه الناس وما أمر به عن الله فهو أمره، وإن لم يطعه الناس فثبوت الرسالة في نفسها، وثبوت صدق الرسول، وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ليس موقوفاً على عقولنا أو على الأدلة التي نعلمها بعقولنا، وهذا ك ما أن وجود الرب وما يستحقه من الأسماء والصفات ثابت في نفس الأمر، سواء علمناه أو لم نعلمه.

فتبين بذلك أن العقل ليس أصلاً لثبوت الشرع، ولا معطياً له صفة لم تكن له ولا مفيداً له صفة كمال، إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم فالعلم تابع ليس مؤثراً فيه، فإن العلم نوعان: أحدهما العلمي وهو ما كان شرطاً في حصول المعلوم، كتصور أحدنا ما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه. والثاني الخبر النظري، وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده على العلم، كعلمنا بوحدانية الله وأسمائه وصفاته، وصدق رسله وملائكته وكتبه ورسله وغير ذلك.

فإن هذه المعلومات ثابتة سواء علمناها أو لم نعلمها فهي مستغنية عن علمنا بها، والشرع مع العقل هو من هذا الباب، فإن الشرع المنزل من عند الله ثابت بنفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه.

وهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه بعقولنا، فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالماً به، وأعطاه ذلك صفة لم تكن له قبل ذلك، ولو لم يعلمه لكان جاهلاً ناقصاً. اهـ.

وقال: ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة بل المنقول الصحيح، لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه، فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهاً فاسدة، يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع.

وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر والنبوات والمعاد، وغير ذلك، وجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالف سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه، إما حديث موضوع أو دلالة ضعيفة فلا يصلح أن يكون دليلاً لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول.

ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول، بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاؤه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته، والكلام على هذا الأصل على وجه التفصيل مذكور في موضعه. فإن أدلة النفاة للصفات والقدر، ونحو ذلك إذا تدبرها العاقل الفاضل، وأعطاها حقها من النظر العقلي علم بالعقل فسادها، وثبوت نقيضها. اهـ.

وقوله (عبده ورسوله إلخ) في هذا إشارة للرد على أهل الإفراط الذين غلوا فيه ورفعوه فوق منزلته وارتكبوا ما نهاهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو فيه كالبوصيري وأمثاله، وفيه أيضاً رد على أهل التفريط الذين يشهدون أنه رسول الله حقاً، ومع ذلك فقد نبذوا ما جاء به وراء ظهورهم واعتمدوا على الآراء المخالفة لما جاء به، ولم يميزوا بين حق الله وحق رسوله والحق كمشترك.

فحق الله عبادته وحده لا شريك له فأنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله وحده وذلك كالصلاة والحج والذبح والسجود والتوكل والرغبة والرهبة والاستعانة والاستغاثة والاستعاذة والنذر والخوف والرجاء والدعاء والتسبيح و التهليل والتكبير والإنابة والتقى وحق الرسول صلى الله عليه وسلم تعزيره وتوقيره وتبجيله قال الله تعالى ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾(الفتح: من الآية9) والحق المشترك هو الإيمان والتصديق والحب قال ابن القيم:

الرب رب والرسول فعبده فلذلك لم نعبده مثل عبادة الر كلا ولا نغل الغلو كما نهى لله حق لا يكون لغيره لا تجعلوا الحقين حقاً واحد فالحج للرحمن دون رسوله وكذا السجود ونذرنا ويميننا وكذا التوكل والإنابة والتقى وكذا العبادة واستعاذتنا به وعليهما قام الوجود بأسره وكذا التسبيح والتكبير لكنما التعزيز والتوقير حـ والحب والإيمان والتصديق لا هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة

حقاً وليس لنا إله ثان حمن فعل المشرك النصراني عنه الرسول مخافة الكفران ولعبده حق هما حقان من غير تمييز ولا فرقان وكذا الصلاة وذبح ذي القربان وكذا متاب العبد من عصيان وكذا الرجاء وخشية الرحمن إياك نعبد ذان توحيدان دنيا وأخرى حبذا الركنان والتهليل حق الهنا الديان ق للرسول بمقتضى القرآن يختص بل حقان مشتركان لا تجهلوها يا أولي العرفان

وإنما جمع له صلى الله عليه وسلم بين وصفي العبودية والرسالة، لأنهما أعلى ما يوصف به العبد، والعبادة هي الحكمة التي لأجلها خلق الله الخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات:56).

فكمال المخلوق في تحقيق تلك الغاية، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته، ولهذا ذكر الله نبيه بوصفه بالعبودية في أسمى أحواله وأشرف مقاماته، كالإسراء وقيامه بالدعوى، قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء: من الآية1) وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾(الجـن: من الآية19) وذكر بذلك الوصف في مقام الإيحاء إليه. وفي مقام التحدي بالذي أنزل عليه قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (لنجم:10) وقال ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾(البقرة: من الآية23) وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة.

ولذلك يقول المسيح عليه السلام يوم القيامة، إذا طلبوا منه الشفاعة بعد أن يتراجع الأنبياء: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عليه الصلاة والسلام عبوديته لله تعالى. والصلاة لغة الدعاء، وأصح ما قيل في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ما ذكره البخاري في الملأ الأعلى، وآله صلى الله عليه وسلم آل الشخص هم القوم المنتمون إليه الذين تجمعهم به صلة وثيقة من قرابة ونحوها وأحسن الأقوال في آل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أتباعه على دينه والصحابي كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ومات على ذلك.

وقوله ﴿ وسلم تسليماً ﴾ مزيداً والسلام بمعنى التحية أو السلامة من النقائص والعيوب ومن كل مكروه، ومن أسمائه تعالى السلام قال ابن القيم رحمه الله:

وهو السلام على الحقيقة سالم

من كل تمثيل ومن نقصان

وهاتان الجملتان خبريتان لفظاً انشائيتان معنى، وجمع المصنف بين الصلاة والسلام اقتداء بالآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾(الأحزاب: من الآية56) وقوله مزيد صفة لـ (تسليماً) وهو اسم مفعول من زاد المعتدي والتقدير مزيداً فيه.

وقوله:

وقوله: ( أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره).

أما بعد: كلمة يؤتى بها للدلالة على الشروع في المقصود ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بها في خطبه ومكاتباته، وتقديرها عند النحويين " مهما يكن من شيء بعد" وقد اختلف في أول من قالها كما أشار إلى ذلك الميداني:

جرى الخُلفُ أمَّا بَعدُ مَن كان بادئاً ويَعقوبُ أيوبُ الصبورُ وآدمُ

بها عُدَّ أقوالٌ وداودُ أَقْرَبُ وقِسٌ وسَحبانٌ وكَعبٌ وَيَعْرِبُ

والإشارة في قوله " هذا" إلى ما تضمنته العقيدة والاعتقاد مصدر اعتقد كذا إذا اتخذه عقيدة له بمعنى عقد عليه الضمير والقلب ودان لله به وأصله من عقد البيع ثم استعمل التصميم والاعتقاد الجازم فهو يطلق على التصديق وعلى ما يعتقده الإنسان من أمور الدين، والفرقة الطائفة من الناس ووصفها بأنها ناجية أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم " لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله".

ومن قوله صلى الله عليه وسلم " ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" ونجاتها من الشرور والهلاك في الدنيا والآخرة بسبب استقامتها على الحق وتمسكها بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المنصورة التي أعانها سبحانه وأيدها وقواها على من خالفها إلى قيام الساعة والمراد ساعة موتهم بمجيء الريح التي تقبض روح كل مؤمن وهي الساعة في حق المؤمنين وإلا فالساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق. وأهل بدل من الفرقة بالكسر ويجوز فيها الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم وبالنصب على إضمار فعل تقدير أعني أهل السنة.

قال الشيخ لمن اعترض نعته لأهل السنة بأنهم الفرقة ا لناجية وزعم أنه إذا كان هذا قول الفرقة الناجية خرج عن ذلك من لم يقل ذلك من المتكلمين: قال الشيخ فقلت لهم: ليس كل من خالفني في شيء من هذا يكون  هالكاً فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطاياه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة لا يجب أن يدخل فيها المتأول والتائب وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى بل موجب ذلك أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً، وقد لا يكون ناجياً كما يقال من صمت نجا. اهـ. والسنة لغة الطريقة المجعولة ليقتدي بها قال لبيد:

مِن مَعشر سَنَّتْ لهم آباؤُهم

ولكلِّ قومٍ سنةٌ وإمامُها

والسنة شرعاً أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله و إقراراته، وأهلها هم المتبعون لها المعتنون بدراستها وفهمها المحكمون لها ونسبوا إليها لتمسكهم بها وانتسابهم إليها دون الطرق الأخرى، والجماعة في الأصل القوم المجتمعون والمراد بهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

وقد تكاثرت الأدلة على لزوم الجماعة فروى الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً أن " يد الله مع الجماعة " وعن أ بي ذر مرفوعاً " من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" قال السفاريني:

اعلم هديت أنه جاءَ الخبر بأن ذِي الأمة سَوْفَ تَفْتَرِقْ ما كان في نَهْجِ النبي المصطفى وليس هذا النصُّ جزماً يُعْتَبَرْ

عن النبي المُقتَفَى خيرِ البشر بضعاً وسبعينَ اعتقاداً والمُحِقْ وصحبِهِ من غيرِ زيغٍ وجفا في فِرقةٍ إلا على أَهلِ الأثرْ

وقال أبو محمد عبد الرحمن بن اسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب " الحوادث والبدع" حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلاً و المخالف له كثيراً لأن الحق هو الذي كان عليه الجماعة الأولى من عليه الصلاة والسلام عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. وعن الحسن البصري رحمه الله أنه قال السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي فاصبروا عليها رحمكم الله فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ولا مع أهل البدع في بدعتهم وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك كونوا. انتهى

 6- الأركان الستة  وكيفية الإيمان بها

 1- الركن الأول: الإيمان بالله

وهو الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه وأنه الخالق الرازق المحيي المميت وأنه المستحق لأن يفرد بالعبودية والذل والخضوع وجميع أنواع العبادة وأنه المتصف بصفات الكمال المنزه من كل عيب ونقص، وهذا هو الأساس الأول الذي يقوم عليه بناء شخصية المسلم.

وفي كتاب العقل والنقل: الإقرار بالصانع ضروري فطري لا شيء أحوج إلى شيء من المخلق للخالق فهم يحتاجون  إليه من جهة ربوبيته إذ كان هو الذي خلقهم وهو الذي يأتيهم بالمنافع ويدفع عنهم المضار وكل ما حصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره وتسبيبه وتيسيره وهذه الحاجة التي توجب رجوعهم إليه حال اضطرارهم كما يخاطبهم بذلك في كتابه وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته فإنه لا صلاح لهم إلا أن يكون هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه ولا يجعلون له أنداداً يحبونهم كحب الله  بل يكون ما يحبونه كأنبيائه وصالحي عباده إنما يحبونهم لأجله.

ومعلوم أن السؤال والحب والذل والخوف والرجاء والتعظيم والاعتراف بالحاجة والافتقار ونحو ذلك مشروط بالشعور بالمسؤول المحبوب المرجو المخوف المعظم الذي تعترف النفوس بالحاجة  إليه والافتقار الذي تواضع كل شيء لعظمته واستسلم كل شيء لقدرته وذل كل شيء لعزته. فإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولابد لها منها بل هي ضرورية فيها كان شرطها ولازمها وهو الاعتراف بالصانع والإقرار به أولى أن يكون ضرورياً في النفوس. وأصل الإيمان قول القلب وعمله وعبوديته للخالق والقلب مفطور على هذا وهذا.

وقال: وكلما كانت حاجة الناس إلى معرفة الشيء وذكره أشد وأكثر كانت معرفتهم به وذكرهم له أعظم وأكثر، وكانت طرق معرفته أظهر وأكثر وكانت الأسماء ا لمعرفة له أكثر، وكانت معانيه أدل. ولما كانت حاجة النفوس إلى معرفة ربها أعظم الحاجات كانت طرق معرفتهم له أعظم من طرق معرفة ما سواه، وكان ذكرهم لأسمائه أعظم من ذكرهم لأسماء ما سواه. وله سبحانه في كل لغة أسماء وله في اللغة العربية أسماء كثيرة، والصواب الذي عليه جمهور العلماء أنها لا تنحصر في تسعة وتسعين كما في أحاديث أخر.

وفيه من القضايا الكلية الضرورية أن كل محدث لابد له من محدث وكل مفعول ومصنوع لابد له من فاعل وصانع وكل ممكن لابد له من واجب والآية والدلالة يجب أن يكون ثبوتها مستلزماً لثبوت المدلول الذي هو آية وعلامة عليه إلى أن تندرج تحت قضية  كلية، وإذا كان كذلك فجميع المخلوقات مستلزمة للخالق بعينه وكل منها يدل بنفسه أن له محدثاً بنفسه والعلم بأفراد ذلك لا يحتاج إلى العلم بالقضية الكلية، وهو أن كل محدث فلابد له من محدث.

وفيه: ومن أنكر من أهل الإلحاد وجود الرب قيل له معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر إلى خالق، وأما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه، وإما غني عما سواه، وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا يكون إلا بالقديم والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني عنه فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب نفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه، وما سواه بخلاف ذلك.

وقد علم بالحس والضرورة وجود موجودات سواه، وما سواه بخلاف ذلك وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن، والحادث لا يكون واجباً بنفسه ولا قديماً أزلياً، ولا خالقاً لما سواه، ولا غنياً عما سواه.

فثبت بالضرورة وجود موجودين أحدهما غني والآخر فقير، وأحدهما خالق والآخر مخلوق، وهما متفقان في كون كل منهما شيئاً موجوداً ثابتاً ليس أحدهما مماثلاً للآخر في حقيقته إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه وأحدهما غني عن كل ما سواه والآخر ليس بغني، وأحدهما خالق والآخر ليس بخالق.

فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب، فيلزم اجتماع النقيضين  على تقدير تماثلهما وهو منتف بصريح  العقل كما هو منتف بنصوص الشرع مع اتفاقهما في أمور أخرى كما أ ن كلا منهما م وجود ثابت له حقيقة و ذات هي نفسه فعلم بهذه البراهين اتفاقهما من وجه واختلافهما من وجه فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلا قائلاً للباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً للباطل والله أعلم.

وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه فإن الله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضاً مختص بوجوده وعمله وقدرته والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه (ا هـ من م م ).

وفيه: وبين الخالق والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على ذي بصيرة منها أن الرب غني بنفسه عما سواه ويمتنع أن يكون مفتقراً إلى غيره بوجه من الوجوه والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية، ومنها أن الرب وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين، فهو يخلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته، والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره.

ومنها: أن الرب أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه عنه بخلاً عليه، ومنها أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك، مما يحصل به العلم والعمل الصالح وهو الهادي لعباده فلا حول ولا قوة إلا به، ولهذا قال أهل الجنة ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾(لأعراف: من الآية43) وليس يقدر المخلوق كل شيء. ومنها أن نعمة على عباده أعظم من أن تحصى فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم تقم العبادة بشكر القليل منهما فكيف والعبادة من نعمته أيضاً.

قال بعضهم :

إذا كان شكري نعمةً نعمةً فكَيفَ بلوغُ الشُكْرِ إلا بِفضلِهِ

عَليَّ إذاً في مِثْلِهَا يَجبُ الشُكْرُ وإن طَالَتِ الأيامُ واتَّصَلَ العُمْرُ

ومنها أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته فلن يدخل أحد الجنة بعمله. وما من أحد غلا وله ذنوب تحتاج إلى مغفرة الله. ا ه من كتاب التوسل والوسيلة.

 2- الركن الثاني: الإيمان بالملائكة

الإيمان بالملائكة هو التصديق الجازم بأن لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، وأنهم كما وصفهم الله عباد مكرمون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بالقيام بها، ويجب الإيمان على التفصيل بمن ورد تعيينه باسمه المخصوص كجبريل وميكائيل وإسرافيل ورضوان ومالك, فجبريل هو الموكل بأداء الوحي وهو الروح الأمين، وميكائيل الموكل بالقطر، وإسرافيل الموكل بالصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح.

ومنهم الموكل بأعمال العباد وهم الكرام الكاتبون ومنهم الموكل بحفظ العبد من بين يديه ومن خلفه وهم المعقبات، ومنهم الموكل بالجنة ونعيمها وهم رضوان ومن معه، ومنهم الموكل بالنار وعذابها وهم مالك ومن معه، ومنهم الموكل بفتنة القبر وهم منكر ونكير، ومنهم حملة العرش.

ومنهم الموكل بالنطف في الأرحام وكتابة ما يراد بها، ومنهم ملائكة يدخلون البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا؟ً ثم لا يعودون، ومنهم ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر وغير ذلك.

ويجب الإيمان بمن لم ي رد تعيينه باسمه المخصوص ولا تعيين نوعه المخصوص إجمالاً والله أعلم بعددهم، قال تعالى: ﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ ﴾(البقرة: من الآية285) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ ﴾(البقرة: من الآية177). فجعل الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة وسمى من آمن بهذه الجملة مؤمنين كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة بقوله ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ ﴾(النساء: من الآية136).

وفي حديث جبريل " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه" فهذه الأصول اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه  عليهم أجمعين و لم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل وجميع الرسل عليهم السلام وجميع أهل الملل يعلمون قطعاً أن الملائكة ليست كما ي قول الزنادقة أنها قوى معنوية، وإنما هم مخلوقون من نور كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .

وأنهم كما وصفوا بالكتاب والسنة ومن زعم أن جبريل هو العقل الفعال وهو ما يتخيل من نفس النبي صلى الله عليه وسلم من الصور الخيالية وكلام الله ما يوجد في نفسه كما يوجد في نفس النائم فهذا مما يعلم كل من علم بما جاء به الرسول أنه من أعظم الأمور تكذيباً للرسول ويعلم أن هؤلاء أبعد عن متابعة الرسول من كفار اليهود والنصارى وأن هذا كلام زنادقة الفلاسفة.

 3- الركن الثالث: الإيمان بكتب الله

الإيمان بكتب الله هو التصديق الجازم بأن لله كتباً أنزلها على أنبيائه ورسله وهي من كلامه حقيقة وأنها نور وهدى وأن ما تضمنته حق وصدق ولا يعلم عددها إلا الله وأنه يجب الإيمان بها جملة إلا ما سمى منها وهي التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهيم وموسى.

قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ ﴾(آل عمران: من الآية4) وقال: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾(النساء: من الآية163) وقال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (النجم:37) وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى:19) فيجب الإيمان بها على التفصيل والبقية إجمالاً.

ويجب مع الإيمان بالقرآن وأنه منزل من عند الله الإيمان بأن الله تكلم به حقيقة كما  تكلم بالكتب المنزلة على أنبيائه ورسله وأنه المخصوص بمزية الحفظ من التغيير والتبديل والتحريف.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9) وقال: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:42).

ومنزلة القرآن من الكتب المتقدمة كما ذكر الله فيه قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾(المائدة: من الآية48) وقال: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (يونس:37) وقال: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(يوسف: من الآية111).

قال المفسرون: مهيمناً مؤتمناً وشاهداً على ما قبله من الكتب ومصدقاً لها يعني يصدق ما فيها من الصحيح وينفي ما وقع فيها من تحريف وتغيير وتبديل فما شهد له بالصدق فهو المقبول وما شهد له بالرد فهو المردود وله يخضع كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص:53).

ويجب على كل أحد أتباعه ظاهراً وباطناً والتمسك به والقيام بحقه. قال الله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام:155) وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾(لأعراف: من الآية3) وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله فقال: " خذوا بكتاب الله وتمسكوا به" وفي حديث علي مرفوعاً: " إنها ستكون فتن قلت ما المخرج منها يا رسول الله قال: كتاب الله " وذكر الحديث.

ومعنى التمسك به والقيام بحقه وحفظه وتلاوته والقيام به آناء الليل والنهار وتدبر آياته وإحلال حلاله وتحريم حرامه والإنقياد لأوامره والانزجار بزواجره والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه والوقوف عند حدوده والذب عنه لتحريف الغالين المبطلين والنصيحة له بكل معانيها والدعوة إليه على بصيرة.

وفي جواب أهل العلم والإيمان: السلف متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب وهو أعلى منها درجة فإنه قرر ما فيها من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر وزاد ذلك بياناً وتفصيلا وبين الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة وبين أيضاً ما كتموه مما أمر الله ببيانه.

وكل ما جاءت به النبوات بأحسن الشرائع والمناهج التي نزل بها القرآن فصارت له الهيمنة على ما قبله من الكتب من وجوه متعددة فهو شاهد بصدقها بكذب ما حرف منها وهو حاكم بإقرار ما أقره الله ونسخ ما نسخه فهو شاهد في الخبريات حاكم في الأمريات وكذلك معنى الشهادة و الحكم يتضمن إثبات ما أثبته الله من صدق ومحكم وإبطال ما أ بطله من كذب ومنسوخ.

ثم إنه معجز في نفسه لا يقدر الخلائق أن يأتوا بمثله ففيه دعوة الرسول وهداية الرسول وبرهانه على صدقه ونبوته وفيه ما جاء به الرسول وفيه أيضاً من ضرب الأمثال وبيان الآيات على تفصيل ما جاء به الرسول ما لو جمع إليه علوم جميع العلماء لم يكن عندهم إلا بعض ما جاء به القرآن.

ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون من أصناف العلماء في أصناف العلوم والفنون لم يجد عندهم إلا بعض ما جاء به القرآن ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر ولا كتاب آخر فضلاً عن أن تحتاج شيئاً لا يستقل بنفسه عن غيره سواء كان من علوم النقل أو علوم العقل ولله الحمد.

وقال: ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل أو الحس إلا وفي القرآن بيان معناه فإن القرآن جعله الله شفاء لما في الصدور وبياناً للناس فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة  والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول إما أن يعرفوا اللفظ وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة.

ومن ههنا يقع الشرك وتفريق الدين شيعاً كالفتن التي تحدث بالسيف، فالفتن القولية والفعلية من الجاهلية بسبب خفاء النور عنهم فإذا انقطع عنهم نور النبوة وقعوا في ظلمة البدع وحدثت ا لبدع والفجور ووقع الشرع بينهم.

وفي كتاب العلم المأمول من ما نقله من كتاب العقل والنقل لشيخ الإسلام رحمهما الله، والمقصود أنه لو ساغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به علم ولا هدى فإن الذين سلكوا هذا السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته وشكه والمسلمون يشهدون عليه بذلك.

فثبت بشهادته وإقراره على نفسه وشهادة المسلمين الذين هم شهداء الله في الأرض أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه بيقين يطمئن إليه ولا معرفة يسكن بها قلبه والذين ادعوا في بعض المسائل أن لهم معقولاً صريحاً يناقض الكتاب قابلهم آخرون من ذوي المعقولات فقالوا إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول فصار ما يدعى معارضته للكتاب والسنة من المعقولات ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صحيح إما بشهادة أ صحابه عليه وشهادة الأمة وإما بظهور تناقضهم ظهوراً لا ارتياب فيه وإما لمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات لهم بل من تدبر ما يعارضون به الشرع من العقليات وجد ذلك مما يعلم بالعقل الصريح بطلانه.

والناس إذا تنازعوا في المعقول لم يكن قول طائفة لها  مذهب حجة على الأخرى بل يرجع في ذلك إلى الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولاهوى فامتنع حينئذ أن يعتمد على ما يعارض الكتاب من الأقوال التي يسمونها معقولات وإن كان ذلك قد قالته طائفة ك بيرة لمخالفة طائفة كبيرة لها، ولم يبق إلا أن يقال إن كل إنسان له عقل فيعتمد على عقله وما وجده معارضاً لأقوال الرسول من رأيه خالفها وقدم رأيه على نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ومعلوم أن هذا أكثر ضلالاً واضطراباً.

فإن كان فحول النظر وأساطين الفلسفة ا لذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات ثم لم يصلوا إلى معقول صريح يناقض الكتاب بل إما إلى حيرة وارتياب وإما على اختلاف بين الأحزاب فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب، فالأول ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(النور: من الآية39) والثاني ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾(النور: من الآية40) وأصحاب القرآن والإيمان في نور على نور ثم ذكر الآيات المتعلقة بذلك ا هـ.

 4- الركن الرابع: الإيمان بالرسل:

الإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بأن لله رسلاً أرسلهم لإرشاد الخلق في معاشهم ومعادهم اقتضت حكمة اللطيف الخبير أن لا يهمل خلقه بل أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين فيجب الإيمان بمن سمى الله منهم في كتابه على التفصيل والإيمان جملة بأن لله رسلاً غ يرهم وأنبياء لا يحصى عددهم إلا الله ولا يعلم أسماءهم إلا هو جل وعلا.

قال الله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾(النساء: من الآية164) وعدد المذكورين في القرآن خمسة وعشرون وهم آدم، نوح، إدريس، صالح، إبراهيم، هود، لوط، يونس، إسماعيل، إسحق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هارون، اليسع، ذو الكفل، داود، ذكريا، سليمان، إلياس، يحي، عيسى، محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.

موضوع الرسالة

وموضوع الرسالة التبشيرية والتنذير قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾(النساء: من الآية165) والحكمة في ذلك دعوة أممهم إلى عبادة الله وحده قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾(النحل: من الآية36) وأفضل المرسلين أولو العزم وهم المذكورين في سورة الشورى، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾(الشورى: من الآية13) وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾(الأحزاب: من الآية7).

وأفضل أولياء الله أنبياؤه وأفضل أنبيائه المرسلون وأفضل المرسلين أولوا العزم وأفضل أولوا العزم محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون يوم القيامة وصاحب الوسيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقاً وأولهم بعثاً ومن حين بعثه الله جعله الفاروق بين أوليائه وبين أعدائه فلا يكون ولياً لله إلا من آمن به وبما جاء به واتبعه ظاهرا وباطناً ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أوليائه، بل من خالفه كان من أعدائه وأولياء الشيطان. اهـ. (من م م).

 ما يجوز على الرسل وما يجب علينا نحوهم

الواجب علينا نحو الرسل والأشياء التي تجوز عليهم والأدلة على صدقهم وما أيدهم الله به: يجب علينا تصديقهم وأهنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمروا به وبينوه بياناً واضحاً شافياً كافياً لا يسع أحداً ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل خلافه.

قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾(النساء: من الآية80) وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾(البقرة: من الآية285)، ويجب علينا الإيمان بأنهم معصومون من الكبائر وأما الصغائر فقد تقع منهم والكتاب و السنة يدلان على ذلك ولكن لا يقرون عليها بل يوفقون للتوبة منها ويجب احترامهم وأن لا يفرق بينهم.

قال ابن كثير على قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً ﴾(النساء:من الآية151)

يتوعد تبارك وتعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم .

والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو للعصبية أو للتشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيماناً شرعياً إنما هو عن غرض وهوى وعصبية اهـ.

ويجب الاهتداء بهديهم والائتمار بأمرهم والكف عن ما نهوا عنه ويجب الاعتقاد أنهم أكمل الخلق علماً وعملاً وأصدقهم وأبرهم وأكملهم أخلاقاً وأن الله خصهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد وبرأهم من كل خلق رذيل ويجب محبتهم وتعظيمهم ويحرم الغلو فيهم ورفعهم فوق منزلتهم، ويجوز في حقهم شرعاً وعقلاً النوم، والنكاح والأكل والشرب، والجلوس والمشي والضحك وسائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي إ لى  نقص في مراتبهم العلية.

فهم بشر تعريهم مايعتري سائر أفراده فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام وتمتد إليهم أيدي الظلمة وينالهم الاضطهاد وقد يقتل الأنبياء كما أخبر الله بذلك في كتابه بقوله سبحانه ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾(آل عمران: من الآية112).

ومن الأدلة على ما ذكرنا أولاً منأنه يجوز في حقهم أشياء قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾(الفرقان: من الآية20) وقال عز من قائل ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾(المائدة: من الآية75).

وقال صلى الله عليه وسلم : " لكني أصلي وأنام، واصوم وأفطر، وأتزوج النساء" وكان صلى الله عليه وسلم يمرض ويتألم ويشتكي، وكان يصيبه الحر والبرد، والجوع والعطش والغضب والضجر والتعب، ونحو ذلك مما لا نقص عليه فيه.

وأما الأدلة على صدق الرسل فكثيرة، أعظمها شهادة الله لهم بأنهم صادقون قال الله تعالى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر:33) وقال عز شأنه ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾(يّـس: من الآية52) وقال عزم من قائل عن إسماعيل عليه السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾(مريم: من الآية54) وقال عن إبراهيم ﴿إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾(مريم: من الآية41) وقال ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الصافات:182) فسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب إلى غير ذلك من الأدلة، فهم أصدق الخلق على الإطلاق، عليهم أ فضل الصلاة والسلام، وأيدهم بالدلائل الدالة على صدقهم في دعواهم الرسالة، فمن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم القرآن العظيم الذي أعجز الورى كلهم، ومثل انشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب ومعراجه إلى السماء، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وكفاية الله أعداءه وعصمته من الناس، وإجابة دعائه، وإعلامه بالمغيبات الماضية، والمستقبلة.

فالقرآن جاء به ذكر عن آدم ونشأته وما وسوس به إليه إبليس وما وقع له من الهبوط إلى الأرض بعد أن كان في الجنة وحدثنا عن نوح عليه السلام وما لقيه من قومه من أذى وسخرية وما دعا الله به وما أرشده الله إليه من صنع الفلك وركوبه وإنجائه وأصحاب السفينة ودعوته لابنه وعصيانه له وانهمار السماء وتفجر الأرض عيوناً وغرق الكافرين ونجاة المؤمنين.

وأخبر القرآن عن موسى عليه السلام وما تم عند ولادته وما وقع له في مصر وما حدث له في مدين وما رآه في جبل الطور وما كلف به من أعباء الرسالة وما دار بينه وبين فرعون من حوار وما جرى من السحرة وما انتهى إليه أمر فرعون وملإه وموسى وقومه وأخبر القرآن الكريم ع ن عيسى وأمه عليهما السلام وما وقع لهما من الخوارق وما صنعه لهما بنو إسرائيل من مكائد وأخبره عن غيرهم من الأنبياء قال الله تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (القصص:44).

وقال تعالى ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ﴾(هود: من الآية49) وقال ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف:102) فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمها عن مشاهدة ولكن أعلمه إياها الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء قال تعالى ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (لأعراف:7) .

وأخبر صلى الله عليه وسلم بأمور غيبية عن القرآن قال الله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾(النور: من الآية55) وتحقق الوعد وقال ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾(الفتح: من الآية27) وقال ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ﴾(الأنفال: من الآية7) وقوله ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ﴾(القمر: من الآية45) فكان ما أخبر به على أتم الوجوه.

ومن هذا الباب إخباره عن مكنون الضمائر فيما أتى به من القرآن فقال ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ﴾(آل عمران: من الآية122) وقال الله تعالى ﴿ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾(المجادلة: من الآية8) إلى غير ذلك من الآيات.

قال الشيخ: ومثل إخبار أهل الكتاب قبله. وبشارة الأنبياء به، ومثل إخبار الكهان والهواتف به، ومثل قصة الفيل، التي جعلها الله آية في عام مولده من العجائب الدالة على نبوته.

ومثل امتلاء السماء ورميها بالشهب التي ترجم بها الشياطين، بخلاف ما كانت العادة عليه قبل مبعثه، وبعد مبعثه، ومثل إخباره بالغيوب التي لا يعلمها أحد إلا بتعليم الله من غير أن يعلمه إياها بشر. اهـ.

وكما أيد الله موسى بالآيات البينات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾(الاسراء: من الآية101)  وكما أيد الله سائر رسله، مع انضمام ذلك إلى أحوالهم الجليلة، وأخلاقهم الفاضلة الجميلة، من سلامة الفطرة والعفاف، والكرم والشجاعة، والعدل والنصح.

وحاصل جواب الشيخ في إثبات الوساطة بين الله وبين عباده، أنها على قسمين: واسطة من تمام الدين والإيمان إثباتها وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وغيره من المرسلين، وسائط بين الله وبين عباده في تبليغ دينه، وشرعه، وواسطة شركية وهي التقريب إلى أحد من الخلق ليقربه على الله، وليجلب له المنافع التي لا يقدر عليها إلا الله، أو يدفع عنه المضار.

فهذا النوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فالخلق مضطرون إلى وساطة الرسل في تبليغ الدين، وليس بهم حاجة على وساطة  أحد في طلب الحوائج من الله فليس بين العبد وبين الله حجاب، ولا واسطة، اهـ من العلم المأمول.

وفي كتاب العقل والنقل، الآيات والبراهين دالة على صدق الرسل، وأنهم لا يقولون على الله إلا الحق، وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله، من الخبر والطلب، لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيء من الخطأ، كما اتفق على ذلك جميع المقربين بالرسل من المسلمين، واليهود والنصارى، وغيرهم.

فوجب أن جميع ما يخبر الرسول عن الله صدق وحق لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي، ولا سمعي، فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزماً قاطعاً أنه حق، وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أ خبر به، وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي لا عقلي، ولا سمعي، وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك، فإنما هو بحجج داحضة وشبه من جنس شبه السوفسطائية.

وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك، وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح، كان هذا العقل شاهداً بأن كل ما خالف خبر الرسول، فهو باطل، فيكون هذا العقل والسمع جميعاً شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع، وفيه: والكلام هناإنما هو لمن علم أن الرسول صادق وأن ما جاء به ثابت، وأن إخباره لنا بالشيء يفيد تصديقاً بثبوت ما أخبر به.

فمن كان  هذا معلوماً له امتنع أن يجعل العقل مقدماً على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأما من أفصح بحقيقة قوله وقال إن كلام الله ورسوله في التوحيد وأمور الغيب لا يستفاد منه علم بالحقيقة، فهذا لكلامه مقام آخر.

وقال الشيخ رحمه الله: إذا تعارض دليلان سواء كانا سمعيين أو عقليين أو أحدهما سمعياً والآخر عقلياً، فالواجب أن يقال: لا يخلو إما أن يكونا قطعيين أو يكونا ظنيين، وإما أن يكون أحدهما قطعياً، والآخر ظنياً، فأما القطعيان فلا يجوز تعارضهما سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو أحدهما عقلياً والآخر سمعياً، وهذا متفق عليه بين العقلاء.

لأن الدليل القطعي هو لذي يجب ثبوت مدلوله، ولا يمكن أن تكون دلالته باطلة، وحينئذ فلو تعارض دليلان قطعيان، وأحدهما يناقض مدلول الآخر، لزم الجمع بين النقيضين وهو محال، بل كل ما يعتقد تعارضه من الدلائل التي يعتقد أنها قطعية، فلابد من أن يكون الدليلان أو أحدهما غير قطعي، أو أن لا يكون مدلولاهما متناقضين، فأما مع تناقض المدلولين المعلومين فيمتنع تعارض الدليلين، وإن كان أحد ا لدليلين المتعارضين قطعياً دون الآخر، فإنه يجب تقديمه باتفاق العقلاء، سواء كان هو السمعي أو العقلي، فإن الظن لا يدفع اليقين.

وأما إن كانا ظنيين فإنه يصار إلى طلب ترجيح أحدهما، فأيهما ترجح، كان هو المقدم سواء كان سمعياً أو عقلياً. اهـ. ولا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح أجمع المسلمون على نقيضه معلوماً بالعقل الصريح البين لعامة العقلاء فإن ما يعلم بالعقل الصريح البين أظهر مما لا يعلم إلا بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية.

فإذا لم يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يعلم نقيضه بالأدلة الخفية كالإجماع ونحوه فأن لا يكون فيها ما يعلم نقيضه بالعقل الصريح الظاهر أولى وأحرى، ولكن عامة موارد التعارض هي من الأمور الخفية المشبهة التي يحار فيها كثير من العقلاء كمسائل أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله وما بعد الموت من الثواب والعقاب و الجنة والنار والعرش والكرسي وعامة ذلك من أنباء الغيب التي تقصر عقول أكثر العقلاء عن تحقيق معرفتها بمجرد رأيهم.

ولهذا كان عامة الخائضين فيها بمجرد رأيهم إما متنازعين مختلفين وإما حيارى متهوكين وغالبهم يرى أن أمامه أحذق منه  في ذلك ولهذا  تجدهم عند التحقيق مقلدين لأئمتهم فيما ** من العقليات المعلومة بصريح العقل فتجد أتباع أرسطو يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات والإلهيات مع أن كثيراً منهم قد يرى بعقله ما قاله أرسطو وتجده لحسن ظنه به يتوقف في مخالفته أو ينسب النقص في الفهم على نفسه مع أنه يعلم أهل العقل المتصفون بصريح العقل أن في المنطق الخطأ البين ما لا ريب فيه كما ذكر في غير هذا الموضع.

وقال ابن القيم رحمه الله مشيراً إلى نصوص الشرع

ونصوصه ليست تعارض بعضها أو أن يكون البعض ليس بثابت وإذا ظننت تعارضاً فيها فذا

بعضاً فسل عنها عليم زمان ما قاله المبعوث بالقرآن من آفة الأفهام والأذهان

وقال:

وإذا تعارض نص لفظ و ارد فالعقل إما فاسد ويظنه الـ أو أن ذاك النص ليس بثابت

والعقل حتى ليس يلتقيان ـرائي صحيحاً وهو ذو بطلان ما قاله المعصوم بالبرهان

وفي " الجواب الصحيح لمن بدل المسيح" الدلائل الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكثر من الدلائل الدالة على صدق موسى وعيسى، ومعجزاته أعظم من م عجزات غيره والكتاب الذي أرسل به أشرف من الكتاب الذي بعث به غيره والشريعة التي جاء بها أكمل من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام وأمته أكمل في جميع الفضائل من أ مة هذا وهذا ولا يوجد في التوراة والإنجيل علم نافع، وعمل صالح، إلا وهو في القرآن أو مثله، أو أ كمل منه وفي القرآن من العلم النافع والعمل الصالح، ما لا يوجد في التوراة والإنجيل ففما من مطعن من مطاعن أعداء الأنبياء يطعن به على محمد صلى الله عليه وسلم، إلا ويمكن توجيه ذلك الطعن وأعظم منهع على موسى وعيسى فيمتنع الإقرار بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام مع ا لتكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يفعل ذلك إلا من هو أجهل ا لناس وأضلهم، أو من هو أعظمهم عناداً واتباعاً لهواه.

وقال: ومن صدق محمداً فقد صدق كل نبي، ومن أطاعه فقد أطاع كل نبي، من كذبه فقد كذب كل نبي، ومن عصاه فقد عصا كل نبي" اهـ.

وقال: ويجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إيماناً مجملاً عاماً ولا ريب أن معرفة ما جاء به على التفضيل فرض كفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل في ت دبر ا لقرآن وعلم الكتاب والحكمة و حفظ الذكر والدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين، فهو واجب على الكفاية منهم وأما ما وجب على أعيانهم فهو يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم وماأمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم، أو عن فهم دقيقة ما يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل، ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث وا لمجادل، ما لا يجب على من ليس كذلك اهـ (من كتاب العقل والنقل).

وقال: ولا ريب أن من لقي الله بالإيمان بجميع ما جاء به ا لرسول مجملاً مقراً بما بلغه من تفصيل الجملة غير جاحد لشيء من تفاصيلها أن يكون بذلك من المؤمنين، إذ الإيمان بكل فرد من تفصيل ما أخبر به الرسول وأمر به غير مقدور للعباد، إذ لا يوجد أحد إلا وقد خفي عليه بعض ما قاله الرسول اهـ (من التسعينية).

وقال: ضمن الله السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله وتوعد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك، فطاعة الرسول هي مناط السعادة وجوداً وعدماً، وهي الفارقة بين أهل الجنة والنار ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس فدل الخلق بما بينه لهم، وقال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾(التغابن: من الآية16) فمن اجتهد بطاعة الله ورسوله بحسب الاستطاعة كان من أهل الجنة والله يرفع درجات المتقين المؤمنين بعضهم على بعض بحسب إيمانهم وتقواهم، اهـ.

 5- الركن الخامس: الإيمان بالبعث

البعث لغة التحريك والإثارة وشرعاً إعادة الأبدان وإدخال الأرواح فيها فيخرجون من الأحداث أحياء مهطعين إلى الداعي كما ذكر الله تعالى ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (القمر:7) وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (المعارج:43)، وقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (النازعـات:14) ، ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾(الاسراء: من الآية51) وقال، ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ (مريم:67)، وقال ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ (مريم:93) وقال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ (مريم:95) وقال: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ (طـه:102) وقال ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾(الحج: من الآية7) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:16) وقال ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾(الروم: من الآية25)، وقال ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾(طـه: من الآية55) وقال ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (الصافات:19) وقال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾(الزمر: من الآية68) وقال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾(المجادلة: من الآية6) وحيث أنه يوجد قسم من الناس قد عميت بصائرهم يثبتون بعث الأرواح دون الأجسام رأيت أنه من المناسب سوق آيات واضحات الدلالة على بعث الأجساد، قال تعالى:

1- ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (القيامة:4)

2- ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾(الأنعام: من الآية94)

3-  ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾(الاسراء: من الآية51)

4- ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ﴾(الكهف: من الآية48)

5- ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور:24)

6- ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يّـس:65)

7- ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾(الانبياء: من الآية104)

8- ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾(الروم: من الآية27)

9-  ﴿ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ﴾(فصلت: من الآية21).

10- ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾(محمد: من الآية15)

11- ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ﴾(التوبة: من الآية35)

12- ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾(غافر: من الآية18)

ومن السنة ما ورد عن المقداد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فيه". رواه مسلم.

وفي حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم" فيختم على فيه، ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق" ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للعاص بن وائل، وقد جاء بعظم قديم ففتته بيده وقال: يا محمد يحي الله هذا بعد ما أرم؟ قال: " نعم يبعث الله هذا ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم" فنزلت هذه الآية الكريمة: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يّـس:77- 79) إلى غير ذلك، من الآيات والأحاديث الكثيرة الصريحة الدالة على ذلك والإيمان بالبعث واجب لما تقدم ولما يأتي وإنكاره كفر ناقل عن الملة الإسلامية بالكلية قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن:7) وقال: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (يونس:53) هذه الآية ليس لها نظري إلا آيتان آخريان يأمر تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد: الأولى آية التغابن التي سقناها قبل هذه وفي سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾(سـبأ: من الآية3).

فيا عَجباً ممن يُضِيْع حَيَاته ومنْ تُتَوفّى نفسُه كلَّ ليلةٍ بلى قادِرٌ أنشاهُ أَوَّل مَرَّةٍ

على حِفْظِ مالٍ وهو لِلغَير يَدخرُ وتَرْجعُ فيه كيف للبَعثِ يُنْكِرُ على ردِّ رُوْحٍ منه في الجسمِ أقْدرُ

ومن السنة ما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه أياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد " وفي رواية عن ابن عباس " وأما شتمه إياي فقوله لي ولد وسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً" رواه البخاري.

قال ابن القيم:

وهو الصبورُ على أَذَى أعدائِهِ قالُوا لَهُ وَلدٌ وَلَيس يُعِيدُنَا هَذَا وذَاكَ بسَمْعِهِ وِبعِلْمِهِ لكن يُعَافِيهِمْ وَيرْزُقْهُمْ وَهُمْ

شَتَمُوهُ بَلْ نَسَبُوْهُ لِلْبُهتَانِ شَتْماً وَتَكْذِيْباً مِن الإنسانِ لَوْ شَاءَ عَاجَلَهُمْ بكلِ هَوَانِ يُؤْذُوْنَهُ بالشِرْكِ والكُفْرَانِ

قال الشيخ: الإعادة بعد الممات يعيد الله الخلق بعدما استحالت أجسامهم إلى غيرها فيعيدها من تلك الأجزاء التي انقلبت واستحالت إليها خلقة كاملة مخلوقة للبقاء والنشأة الأولى خلقة فساد وفناء، فالنشأة الأولى والثانية نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان ويتشابهان من وجه ويفترقان ويتنوعان من وجه آخر ولهذا جعل المعاد هو المبدأ وجعل مثله أيضاً فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو وباعتبار ما بين النشأتين من الفروق فهو مثله.

وقال الشيخ: أصول الدين الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم قد بينها الله في القرآن أحسن بيان وبين دلائل الربوبية والوحدانية ودلائل أسماء الرب وصفاته وبين دلائل نبوة أنبيائه وبين المعاد وبين إمكانه وقدرته عليه في غير موضع وبين وقوعه بالأدلة السمعية والعقلية فكان في بيان الله أصول الدين الحق وهو دين الله وهي أصول ثابتة صحيحة معلومة تتضمن بيان العلم النافع والعمل الصالح الهدي ودين الحق وأهل البدع ليس فيما ابتدعوه لا هدى ولا دين حق وكل ما خالفوا فيه الشرع، فقد خالفوا فيه العقل فإن الذي بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء هو حق وصدق وتدل عليه الأدلة العقلية فهو ثابت بالسمع والعقل والذين خالفوا الرسل ليس معهم سمع ولا عقل كما أخبر الله عنهم ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:10) ، ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج:46) فالشرع هو الحق والعدل والقسط والصدق، وما بعد الحق إلا الضلال.

وقال: فالمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعلى وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج ومتفقون على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخله الجنة ولا يعذب وعلى أن من لم يؤمن بأن محمداً رسول الله فهو كافر وأمثال هذه الأمور التي هي أصول الدين وقواعد الإيمان التي اتفق عليها المنتسبون للإسلام والإيمان فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد وبعض معاني الأسماء أمر خفيف بالنسبة على ما اتفق عليه من أن المخالفين للحق البين من الكتاب والسنة هم عند جمهور الأمة معروفون بالبدعة مشهود لهم بالضلالة ليس لهم في الأمة لسان صدق ولا قبول عام كالخوارج والرافطة والقدرية ونحوهم وإنما يتنازع أهل العلم والسنة في أمور دقيقة تخفى على أكثر الناس ولكن يجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله اهـ.

 6- الركن السادس: الإيمان بالقدر

الإيمان بالقدر: التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره وأنه الفعال لما يريد لا يكوةن شيء إلا بإرادته ولا يخرج عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر ولا يتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ وأنه خالف أفعال العباد من الطاعات والمعاصي ومع ذلك فقد أمر العباد ونهاهم وجعلهم مختارين لأفعالهم غير مجبورين عليها بل هي واقعة بحسب قدرتهم وإرادتهم يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

وبهذا الركن تتم الأركان الستة، وقال ابن القيم:

فالرسل متفقون قطعاً في أصو كل له شرع ومنهاج وذا فالدين في التوحيد دين واحد دين الإله اختاره لعباده  فمن المحال بأن يكون لرسله وكذلك نقطع أنهم جاءوا بعد وكذاك نقطع أنهم أيضاً دعوا إيماننا بالله ثم برسله وبجنده وهم الملائكة الأولى هذي أصول الدين حقاً لا أصـ

ل الدين دون شرائع الإيمان في الأمر لا التوحيد فافهم ذان لم يختلف منهم عليه اثنان ولنفسه هو قيم الأديان في وصفه خبران مختلفان ل الله بين طوائف الإنسان للخمس وهي قواعد الإيمان وبكتبه وقيامه الأبدان هم رسله لمصالح الأكوان ول الخمس للقاضي هو الهمدان


إثبات صفات الله المقدم:

بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تحريف ولا تكييف

قوله: (ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل).

هذا شروع في التفصيل بعد الإجمال ومن هنا للتبعيض والمعنى ومن جملة إيمان أهل السنة والجماعة بالأصل الأول الذي هو أعظم الأصول وأساسها وهو الإيمان بالله أنهم يؤمنون بما وصف به نفسه إلخ. التحريف: هو التغيير والتبديل واصطلاحاً تغيير ألفاظ الأسماء الحسنى والصفات العلى ومعانيها وهو ينقسم إلى قسمين تحريف لفظ وتحريف معنى كقول ا لجهمي في قوله تعالى ﴿استوى﴾. استولى بزيادة اللام وكقول اليهود في قوله تعالى ﴿وقولوا حطة﴾ حنطة وكقول بعض المبتدعة في قوله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ بنصب الجلالة وكقول بعض المبتدعة أن تفسير الغضب إرادة الانتقام وكتفسيرهم للرحمة بإرادة الإنعام قال ابن القيم رحمة الله:

أُمِرَ اليَهودُ بأن يَقُولُوا حِطَّةً وكذلكَ الجهميُ قِيْلَ لَهُ اسْتَوَىَ قال اسْتَوى اسْتَولَى وذا مِن جَهْلِهِ نونُ اليهودِ ولامُ جَهْمِيٍّ هُمَا

فَأبَوا وقالُوا حِنْطَةً لِهَوَانِ فأَبَى وَزَادَ الحرفَ للنكْرَانِ لُغةً وَعقْلاً ما هُمَا سِيَّانِ في وَحْيِ ربِ العرشِ زَائِدتَانِ

وأما التعطيل فهو مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك قال تعالى ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾(الحج: من الآية45) أي أهملها أهلها وتركوها، ويقال: جيد عطل، أي خال من الزينة، قال امرؤ القيس:

وجِيدٍ كَجِيدِ الريمِ ليس بفَاحِشٍ

إذا هِيَ نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ

والمراد به هنا نفي الصفات الإلهية عن الله وإنكار قيامها بذاته أو إنكار بعضها وأنواع التعطيل ثلاثة:

أولاً تعطيل الله جل وعلا من كماله المقدس وذلك بتعطيل أسمائه وصفاته كتعطيل الجهمية والمعتزلة، ومن نحا نحوهم.

ثانياً: تعطيل معاملته بترك عبادته أو عبادة غيره معه.

ثالثاً: تعطيل المصنوع من صانعه كتعطيل الفلاسفة الذين زعموا قدم هذه المخلوقات وأنها تتصرف بطبيعتها فهذا من أبطل الباطل وأمحل المحال إذ لا يمكن وجود ذات بدون صفات.

وأول من قال بالتعطيل في الإسلام الجعد بن درهم، قال الشيخ، أصل مقالة التعطيل للصفات أنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام – الجعد بن درهم – وأخذها عنه الجهم ابن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل أن الجعد أخذ مقالته عن إبان بن سمعان وأخذها ابنان من طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان الجعد فيما قيل من أرض حران، وكان فيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا دين أهل نمروذ، ونمروذ هو ملك الصابئة الكلدانية المشركين فكانت الصائبة إلا قليلاً منهم إذ ذاك على الشرك وعلماؤهم هم الفلاسفة فيكونه الجعد أخذها عن الصابئة والفلاسفة فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين، والفلاسفة الضالون هم إما من الصابئين وإما من المشركين ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته وكلام الأئمة كثير في ذمهم وتضليلهم، انتهى بتصرف.

وقتل الجعد خالد بن عبد الله القسري بعد استشارة علماء زمانه. وذلك في المائة الثانية قال ابن القيم رحمه الله:

ولأجلِه ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِدُ الْـ إذ قالَ إبراهيمُ ليسَ خَلِيلَهُ شَكَرَ الضَّحِّيةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ

قَسْرِيُ يومَ ذَبائِحِ القُربَانِي كَلا ولا مُوْسَى الكَلِيمَ الدانِي للِهِ دَرُّكَ مِن أخِي قُرُبَانِي

وقتل الجهم سلم بن أحوز أمير خراسان. وأما التكييف فهو تعيين الكنه يقال كيف الشيء أي جعل له معلومة وأما التمثيل فهو التشبيه وينقسم إلى قسمين تشبيه مخلوق بخالق وتشبيه خالق بمخلوق والأول كتشبيه النصارى المسيح بن مريم بالله وكتشبيه اليهود عزيراً بالله وكتشبيه المشركين أصنامهم بالله. القسم الثاني تشبيه الخالق بالمخلوق كتشبيه المشبه الذين يشبهون الله بخلقه فيقولون له وجه كوجه المخلوق ويد كيد المخلوق وسمع كسمع ا لمخلوق وبصر كبصر المخلوق ونحو ذلك.

فلا مذهب التشبيه نرضاه مذهباً ولكن بالقرآن نهدي ونهتدي

ولا مقصد التعطيل نرضاه مقدصاً وقد فاز بالقرآن عبد قد اهتدى

تنبيه: الفرق بين التحريف والتعطيل نفي المعنى الحق دل عليه الكتاب والسنة وأما التحريف فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق فإن التعطيل أعم مطلقاً من التحريف بمعنى أنه كلما وجد التعطيل دون العكس وبذلك يوجدان معاً فيمن أثبت المعنى الباطل ونفي المعنى الحق، ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة وزعم أن ظاهرها غير مراد ولكنه لم يعين لها م عنى آخر وهو ما يسمونه بالتفويض.

وقوله رحمه الله:

" بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في أسمائه وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه لا سمى له ولا كفو له ولا ند". قال الإمام الشافعي رضي الله ع نه آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وقال الإمام أحمد رحمه الله نؤمن بها ونصدق ولا نرد شيئاً ونعمل أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق وصدق ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير انتهى وقال عمر بن عبد العزيز قف حيث وقف القوم فإنهم عن علم وقفوا أو ببصر نافذ كفوا ولهم كلى كشفها كانوا أقوى وبالفضل لو كان فيها أحرى فلئن قلتم حدث بعدما حدث فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم وقد وصفوا منه ما يشفي وتكلموا منه بما يكفي فما فوقهم محسر وما دونهم مقصر ولقد قصر عنهم قوم. فجفوا وتجاوزهم آخرون فغلوا وأنهم فيما بين ذلك لعلى صراط مستقيم وقال أبو عمرو الأوزاعي رضي الله عنه عليك بإثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفه لك بالقول، وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعى الناس إليها هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان علي أو لم يعلموها قال لم يعلموها قال فشيء لم يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه علمته أنت؟1 قال فإني أقول قد علموها قال فوسعهم أن لا يتكلموا بها ولا يدعوا الناس إليها أم لم يسعهم؟! قال بلى وسعهم قال فشيء وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسعك أنت؟! فانقطع الرجل وكان الخليفة حاضراً فقال لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم، وقال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاته الأمر بعده سنناً الأخذ بها تصديق للكتاب واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها من اهتدى بها فهو مهتد ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. اهـ.

وفيما نقله الشيخ رحمه الله في الحموية من ما ذكره أبو سليمان الخطابي قال وما جاء منها في الكتاب والسنة فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله وحققها قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف وإنما القصد في ذلك سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه الأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ويحتذى في ذلك حذوها ومثاله فإذا كان معلوماً إثبات الباري سبحانه إنما إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف فإذا قلنا يد وسمع وبصر وما أشبهها فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ولسنا نقول إن معنى اليد القوة أو النعمة ولا معنى السمع والبصر العلم ولا نقول إنها جوارح ونشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل ونقول إن القول إنما وجب بإثبات الصفات لأن التوقيف ورد بها ووجب نفي التشبيه عنها لأن الله ليس كمثله شيء وعلى هذا جرى قول السلف وفي أحاديث الصفات هذا كله كلام الخطابي وهكذا قال أبو بكر بن الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك انتهى.

 مذهب السلف في الصفات:

أهل السنة يصدقون ويعتقدون بأن الله سبحانه ليس يشبهه ولا يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله لأن أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها كمال وعظمة فهذه الآية هي قطب أهل السنة والجماعة في باب الصفات فإن الله عز وجل قد جمع فيها بين النفي والإثبات فمن فهم هذه الآية حق فهمها وتدبرها حق تدبرها مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله تعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الشورى: من الآية11) فإن الإثبات بعد ذلك النفي للمثل قد اشتمل على برد اليقين وشفاء الصدور وإثلاج القلوب فبهذه الحجة والبرهان القوي يتحطم كثير من البدع ويرغم بها أنوف طوائف من القاصرين المتكلمين المتأولين ولا سيما إذا ضم إليه قوله سبحانه وتعالى ﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾(طـه: من الآية110) وقوله: ﴿ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الاسراء: من الآية1) أي وهو السميع لما ينطق به خلقه على اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم البصير الذي أحاط بصره بجميع المبصرات فيرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء،ويرى سريان القوت في أعضاء الحيوانات الدقيقة وسريان الماء في الأغصان، وهذه الحيوانات التي اطلع عليها أخيراً التي تعادل الذرة الدقيقة آلافاً منها يراها جل وعلا كالشمس، لا إله إلا هو.

قال بعضهم:

يا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَهَا وَيَرى مَنَاطَ عُروقِهَا في نَحْرِهَا امنُنْ عَليَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُوْ بِهَا  

في ظُلْمَةِ اللَّيلِ البَهِيْمِ الأَلْيَلِ والمُخَ في تِلكَ العِظامِ النُحَّلِ مَا كَانَ مِنِّيِ في الزَّمَانِ الأوَّلِ

ففي الآية:

أولاً – رد على المشبهة.

ثانياً- فيها رد على المعطلة وهم نفات الصفات من جهمية أو معتزلة أو قدرية أو أشاعرة أو غيرهم.

ثالثاً: فيها رد على المعتزلة ونحوهم ممن يثبتون الأسماء دون الصفات.

رابعاً: فيها رد على الأشاعرة الذين يثبتون بعض الصفات ويؤولون البعض الآخر وهم متناقضون.

خامساً: إثبات صفات السمع.

سادساً- إثبات صفة البصر.

سابعاً – تنزيه الله عن مشابهة خلقه.

ثامناً – تقديم النفي على الإثبات لأن الأول من التخلية والثاني من التحلية.

تاسعاً- فيها نفي مجمل وإثبات مفصل.

عاشراً – رد على من زعم أن السمع والبصر بمعنى واحد هو العلم.

الحادي عشر – دلالة على كثرة صفات كمال الله ونعوت جلاله وأنها لكثرتها وعظمتها لم يكن فيها مثل.

الثاني عشر – إثبات صفة الكلام لله.

الثالث عشر – الحث على مراقبة الله في السر والعلانية.

ومراقبة الرب عز وجل علم العبد وتيقنه بإطلاع الله على ظاهره وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله ومطلع على عمله كل وقت وكل لحظة ونفس وطرفه. وقوله فلا ينفون عنه إلخ هذا تقرير على ما تقدم فإنهم إذا كانوا يؤمنون بالله على هذا الوجه فلا ينفون الخ والمواضع جمع موضع والمراد بها المعاني التي يجب تنزيل الكلام عليها لأنها هي المتبادرة منه عند الاطلاق فهم لا يعدلون به عنها وأما الإلحاد فهو الميل والعدول عن الشيء والإلحاد في أسماء الله وصفاته هو الميل بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها إلى الإشراك والتعطيل والكفر، وأقسامه خمسة: أولاً تسمية الله بما لا يليق بجلاله وعظمته كتسمية النصارى له أباً والفلاسفة موجباً بذاته أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك. ثانياً أن يسمى بها بعض المخلوقات كتسميتهم اللات بما يتقدس ويتنزه عنه كقول اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة إن الله فقير وقولهم يد الله مغلولة وقولهم إن الله استراح يوم السبت تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. رابعاً تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول إنها ألفاظ مجردة لا تضمن صفات ولا معاني.

خامساً: تشبيه صفاته بصفات خلقه:

وقوله (لأنه لا سمي له الخ). هذا تعليل لقوله فيما تقدم إخباراً عن أهل السنة أنهم لا يكيفون ولا يمثلون ولا يحرفون ولا يعطلون المعنى ليس له مثيل ولا شبيه ولا موصوف يستحق اسمه وصفته على التحقيق فهو سبحانه المتفضل بجليل النعم وحقيرها وهو المستحق للعبادة والتعظيم الذي يجب الاعتراف بربوبيته والخضوع لسلطانه وليس المعنى أنه لا يوجد من يتسمى باسمه لأن بعض أسمائه قد يطلق على غيره ومعنى الكفؤ المكافئ المساوي وأما الند فمعناه المساوي المثيل وقد دل على نفي السمي قوله تعالى ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾(مريم: من الآية65) فإن الاستفهام هنا إنكاري معناه النفي ودل على نفي الكفو قوله تعالى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الاخلاص:4) وأما الند فقال تعالى ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: من الآية22) وخلاصة ما ت قدم أن السلف رضي الله عنهم يؤمنون بكل ما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إيماناً سالماً من التحريف والتعطيل ومن التكييف والتمثيل ويجعلون الكلام في ذات الباري وصفاته باباً واحداً فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فكما أن لله ذاتاً لا تشبهها الذوات فله صفات لا تشبهها الصفات. فإثباتنا للصفات إثبات بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف. إثبات وجود

قال ابن القيم رحمه الله:

لنسا نشبه ربنا بصفاتِنا كَلا ولا نُخْلِيْهِ مِن أوصافِهِ مَن شَبَّهَ اللهَ العظيمَ بخَلْقِهِ أَو عَطَّلَ الرحمنَ مِن أوصافِهِ

إنَّ المُشَبَّهَ عابدَ الأَوثانِ إن المعطلَ عابدَ البُهْتَانِ فهو الشَّبِيْهُ لِمُشْرِكٍ نَصْرَانِي فَهوَ الكَفُورُ وليسَ ذا إِيمَانِ

 المنحرفون عن طريق السلف:

قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية.

المنحرفون عن طريقة السلف ثلاث طوائف أهل التخييل وأهل التأويل، وأهل التجهيل.

فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه فإنهم يقولون: إن ما ذكر الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور لا أنه بين به الحق ولا الهدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق. ثم هم على قسمين منهم من يقول إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه ويقولون إن من المتفلسفة الإلهية من علمها وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين. وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية باطنية الشيعة وباطنية الصوفية.

ومنهم من يقول: بل الرسول علمها لكن لم يبينها وإنما تكلم بما يناقضها وأراد من الخلق فهم ما يناقضها لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا ت طابق الحق ويقول هؤلاء يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل قالوا لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر. وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجري ويقول إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه طريقة الباطنية باطنية الملاحدة الإسماعيلية ونحوهم.

وأما أهل التأويل فيقولون أن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا ك لامه عن مدلوله ومقتضاه ويعرفوا الحق من غير جهته هذا قول المتكلمة و الجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك والذي قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء، إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم في الحقيقة لا الإسلام نصروا ولا الفلاسفة كسروا.

وأما أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف يقولون إن الرسول لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف الآيات ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك وكذا قولهم في أحاديث الصفات أن معناها لا يعلمه إلا الله مع أن الرسول تكلم بها ابتداء فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه وهولاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾(آل عمران: من الآية7) وهو وقف صحيح لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره وبين التأويل الذي انفرد الله بعلمه وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين وغلطوا في ذلك، فإن لفظ التأويل يراد به ثلاث معاني، فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين:هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك فلا يكون معنى اللفظ المرافق لدلالة ظاهرة تأويلاً على إصطلاح هؤلاء وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك وأن للنصوص تأويلاً يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه المتأولون ثم كثير من هؤلاء يقولون تجرى على ظاهرها فظاهرها مراد مع قولهم أن  لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم.

والمعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه وهذا هو معنى التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾(آل عمران: من الآية7) والمعنى الثالث أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها وإن وافقت ظاهره ا هـ. فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو الحقيقة يؤول إليها الكلام فتأويل الخبر هو عين المخبر به وتأويل الأمر نفس الفعل المأمور به كما قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن. متفق عليه وقال تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾(لأعراف: من الآية53) ومنه تأويل الرؤيا تأويل العمل كقوله ﴿ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ ﴾(يوسف: من الآية100) وقوله ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾(يوسف: من الآية6) وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(النساء: من الآية59) وقوله ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾(الكهف: من الآية78) وقوله ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾(الكهف: من الآية82).

وقال رحمه الله: والرسول بلغ البلاغ المبين وبين مراده فكل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه أنه يحتاج فيه إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره فلابد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر إذ لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان المراد الحق ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه لإمكان معرفة ذلك بعقولهم فإن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين الذي هدى الله به العباد وأخرجهم به من الظلمات إلى النور وفرق الله به الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الرشاد والغي وبين أولياء الله وأعدائه وبين ما يستحق الرب من الأسماء والصفات وما ينزه عنه من ذلك حتى أوضح الله به السبيل وأنار به الدليل وهدى به الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ا هـ.

وبالتالي فالنبي صلى الله عليه وسلم اهتم بدعوة الناس إلى ما يسعدهم في دينهم ودنياهم حتى قال الله له ﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾(فاطر: من الآية8) وقال ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:3) وقال ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (الكهف:6) واشتد حرصه إلى هدايتهم إلى مكارم الأخلاق وتعليمهم الشريعة الفاضلة التي رفعت أهلها أيام كانوا متمسكين بها وجرد نفسه عن الحظوظ البشرية ولذلك أنه لما شج رأسه يوم أحد وكسرت رباعيته وحل به ما يذهب بلب الحكيم ورشد الحكيم لم يزد على أن اعتذر لهم مما فعلوا فقال " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" ولهذا قال الله عنه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:128).

تنبيه: استنتج نفاة الصفات المؤلون لها بدعتهم من أنه لو كان له صفة مثل السمع والبصر واليد والوجه ونحو ذلك لكان له مثيل من عبادة ودليلهم قوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾(مريم: من الآية65) وقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الاخلاص:4) والجواب أن يقال لا يلزم من إثبات الصفات لله أن يكون له مثيل أو سمي لأنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾(الشورى: من الآية11) فلله ذات لا تشبهها الذوات وكذلك صفاته لا تشبهها الصفات فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فهو لا سمي له ولا كفو ولا ند ويوصف عملهم هذا بالألغاز والأحاجي والتدليس الذي هو خلاف اللسان العربي المبين فاثباتنا للصفات إثبات بلا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف وإنما هو إثبات وجود.

لا يقاس الله سبحانه وتعالى بخلقه:

" وقوله: ولا يقاس بخلقه فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً من خلقه ثم رسله صادقون مصدقون بخلاف الذين يقولن عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الصافات:180- 182)

فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب".

القياس في اللغة التمثيل، قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾(النحل: من الآية74) فلا يقاس سبحانه بخلقه في أفعاله ولا في صفاته كما لا يقاس بهم في ذاته خلافاً للمعتزلة ومن وافقهم من الشيعة فإنهم قاسوه سبحانه بخلقه فشبهوه بهم فوضعوا له شريعة من قبل أنفسهم فقالوا يجب على الله كذا ويحرم عليه كذا بالقياس على المخلوق فالمعتزلة ومن وافقهم مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات جحدوا بعض ما وصف به نفسه فسموه توحيداً وشبهوه بخلقه فيما يحسن ويقبح من الأفعال وسموا ذلك عدلاً فعدلهم إنكار قدرته ومشيئته العامة الكاملة التي لا يخرج عنها شيء من الموجودات ذواتها وصفاتها وأفعالها وتوحيدهم إلحاد في أسماء الله الحسنى وتحريف لمعانيها عما هي عليه فكان توحيدهم في الحقيقة تعطيلاً وعدلهم شكراً اهـ. (من كلام ابن القيم).

الخلاصة: أنه لا يجوز أن يشرك هو سبحانه والمخلوق في قياس ولا ت مثيل ولا قياس شمول تستوي أفراده ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزه عنه قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾(الروم: من الآية27).

وقوله: ( فانه أعلم بنفسه الخ..) هذا تعليل لصحة مذهب السلف في الإيمان بجميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة ووجه ذلك أنه إذا كان أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً الخ..

فإذاً يجب الرجوع في باب الأسماء والصفات نفياً وإثباتاً إلى ما قاله الله ورسوله الذي هو أعلم خلقه به وأن لا يترك ذلك إلى قول من يفترون الكذب على الله ويقولون عليه ما لا يعلمون ووجه ذلك أن الكلام إنما تقصر دلالته على المعاني المرادة منه لأحد ثلاثة أمور إما لجهل المتكلم وعدم علمه بما يتكلم به وإما لعدم فصاحته وقدرته على البيان، وإما لكذبه وغشه وتدليسه.

ونصوص الكتاب والسنة بريئة من هذه الأمور من كل وجه، فكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في غاية الوضوح والبيان، كما أنها المثل الأعلى في الصدق والمطابقة للواقع.

وقوله: (وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً من خلقه) هذا أخذاً من قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾(النساء: من الآية122) الخ، ففيها إخبار بأن حديثه وإخباره وأقواله في أعلى المراتب من الصدق، بل أعلاها، فكل ما قيل في العقائد والعلوم والأعمال مما يناقض ما أخبر الله به فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق اليقين.

وقوله ( ثم رسله صادقون مصدقون) والصدق مطابقة الخبر للواقع، وقوله صادقون: أي فيما جاءوا به عن الله سبحانه مصدقون فيما يأتيهم من الوحي الكريم.

وقوله (بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون) أي بخلاف القائلين على الله في شرعه ودينه أو في أسمائه وصفاته وأفعاله ما لا يعلمون، بل بمجرد عقولهم الفاسدة وتخيلاتهم الكاسدة التي ما أنزل الله بها من سلطان، فالقول على الله بلا علم من أعظم المحرمات، وهذا المناسب لذكرها هذه الآية في هذا الموضع والله أعلم.

وقوله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون ... الخ) ساق المصنف رحمه الله الآية في هذا المقام تعليلاً لما تقدم من كون كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم أكمل صدقاً وأتم بياناً ونصحاً، وأبعد عن العيوب والآفات من كلام كل أحد.

مفردات آية العز:

سبحان: اسم مصدر من التسبيح الذي هو التنزيه والإبعاد عن السوء، العزة: القوة والغلبة والامتناع، الرب: السيد المربي لجميع الخلق بأصناف النعم، السلام: بمعنى التحية والسلامة من النقائص والرذائل. المرسلين: جمع رسول، وهو من أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، وعرفه بعضهم فقال: إنسان ذكر أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه. الحمد: لغة المدح على فعل حسن صدر عن فاعله باختياره سواء أسداه إلى الحامد أو إلى غيره.

المعنى الإجمالي للآية الكريمة:

في هذه الآية الكريمة أدب رباني وختام إلهي لتلك السورة التي نفت عن الله الصاحبة والزوجة والشريك والولد والقرين، حتى يتأدب المسلمون بهذا ولا يخلوا به في ختام جلائل أعمالهم فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل مما لا يليق بجلاله وعظمته ثم سلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب وفيه إشارة إلى أنه كما يجب تنزيه الله عز وجل وإبعاده عن كل شائبه عيب ونقص فيجب اعتقاد سلامة الرسل في أقوالهم وأفعالهم عن كل عيب كذلك فلا يكذبون على الله، ولا يشركون، ولا يغشون أممهم، ولا يقولون على الله إلا الحق، عليهم الصلاة والسلام.

قال الشيخ: أهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين وما أخبروا به وجب تصديقهم فيه باجماع المسلمين، وما أمروا به ونهوا عنه فهم مطاعون فيه عند جميع فرق الأمة والجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر، ومن يجوز الكبائر يقولون إنهم لا يقرون عليها بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنزلة أعظم مما كان قبل ذلك، اهـ.

ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)".

وعن عبد الله بن زيد بن أرقم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قال دبر كل صلاة ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر".

ما يؤخذ من الآية:

1- تنزيه الله وتقديسه وتبرئته عما يقول الظالمون.

2- صحة ما جاء به المرسلون وأنه الحق لا مرية فيه.

3- إثبات صفة الربوبية.

4- إثبات صفة العزة.

5- إثبات صفة الكلام لله.

6- الرد على منكري الصفات.

7- إرشاد العباد إلى حمده على إرساله رسله إليهم مبشرين ومنذرين.

8- تعليم العباد كيف يصنعون عند إنعامه عليهم، وما يثنون به عليه.

9- في الآية دليل على أن القرآن كلام الله لا كلام محمد ولا جبريل ولا غيرهما.

10- رد على اليهود القائلين عزير ابن الله.

11- رد على النصارى القائلين عيسى ابن الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

12- فيها رد على المشركين القائلين إن الملائكة بنات الله.

13- فيها رد على من نسب إلى الله الصاحبة والولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

14- إثبات صفة الحمد لله جل وعلا.

15- إثبات صفة الخلق لله.

16- إثبات الألوهية.

17- الحث على الاقتداء بالرسل.

18- دليل على أن الله هو الغني الحميد المربي لجميع الخلق تربية عامة، ولأوليائه تربية خاصة، تربية القلوب بالعقائد النافعة و الأعمال الصالحة.

19- دليل على صدق الرسل.

20- وجوب اعتقاد سلامة الرسل في أقوالهم وأفعالهم.

21- دليل أن الرسل لا يغشون.

22- دليل على أن الرسل ناصحون.

23- وجوب احترام الرسل.

24- وجوب اعتقاد أنهم أكمل الخلق علماً وعملاً، وأبرهم وأكملهم أخلاقاً.

25- وجوب محبتهم وتعظيمهم والاهتداء بهديهم.

26- دليل علىنصح الرسل واخلاصهم.

 ضابط نافع في كيفية الإيمان بالله وأسمائه وصفاته

(وقوله: وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي و الإثبات فلا عدول لأهل السنة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين).

فيما ذكر المصنف ضابط نافع في كيفية الإيمان بالله سبحانه وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأنه مبني على أصلين: أحدهما النفي وثانيهما الإثبات.

أما النفي فإنه ينفي عن الله ما يضاد الكمال من أنواع العيوب والنقائص وينفي عنه أن يكون له شريك أو نديد أو شبيه في شيء من صفاته أو في حق من حقوقه الخاصة فكل ما ينافي صفات الكمال فإن الله منزه عنه.

أما الإثبات فإنه يجمع الأمرين: إثبات المجملات كالحمد المطلق والكمال المطلق والمجد المطلق ونحوها، وإثبات المفصلات كتفصيل علم الله وقدرته وحكمته ورحمته ونحو ذلك من صفاته.

والنفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتاً فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص ومشاركة أحد من خلقه في شيء فإنها تدل على أضدادها من أنواع الكمال فنفي الشريك والند والنظير لإثبات كمال عظمته، ونفي الصاحبة والولد والظهير يتضمن كمال ربوبيته وقهره، ونفي العجز لكمال قدرته، ونفي الجهل والنسيان وعزوب شيء عن علمه يتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي الظلم لإثبات  عدله ونفي النوم والسنة لإثبات كمال حياته وقيوميته، ونفي ا لعبث وترك الخلق سدى لكلما حكمته التامة، ونفي المثل لكمال ذاته.

قال الشيخ: والله سبحانه بعث الرسل بما يقتضي الكمال من إثبات أسمائه وصفاته على وجه التفصيل والنفي على طريق الإجمال للنقص والتمثيل، فالرب تعالى موصوف بصفات الكمال التي لا غاية فوقها منزه عن النقيض بكل وجه ممتنع أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال فأما صفات النقص فهو منزه عنها مطلقاً، وأما صفات الكمال فلا يماثله بل و يقاربه فيها شيء من الأشياء والتنزيه بجميعه نوعان: نفي النقص، ونفي مماثلة غيره في صفات الكمال كما يدل على ذلك النصوص والعقل.

وقال: وأما المخالفون للرسل من المشركين والصابئة ومن أتبعهم من الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ونحوهم فطريقتهم نفي مفصل وإثبات مجمل، ينفون صفات الكمال، ويثبتون ما لا يوجد إلا في الخيال، فيقولون: ليس بكذا إلى آخر ما يقولون اهـ.

وقوله( فلان عدول لأهل السنة الخ) هذا م رتب على ما ت قدم من بيان أن ما جاء به الرسل هو الحق الذي يجب اتباعه ولا يصح العدول عنه، وقد علل ذلك بأنه الصراط المستقيم، فأهل السنة يقتفون آثار المرسلين ويستضيئون بأنوارهم مؤمنون بجميعهم مصدقون لهم في كل ما أخبروا به من الغيب إذ هو الحق والصدق الذي يجب اعتقاده واتباعه ولا تجوز مخالفته، وأعظم ما جاء به المرسلون هو الدعوة إلى التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له، ومعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله وأنه لا شبيه له ولا نظير له فهذا دينهم من أولهم إلى آخرهم.

تنبيه

الرسل والكتب والفطر السليمة والوجود كله الجميع شاهد بإثبات الصفات لله  جل وعلا. قال ابن القيم رحمه الله:

وإذا تَأَمَّلْتَ الُوجُودَ رَأيتَهُ بشهادةِ الإثباتِ حَقاً قائِما وكذاكَ رسلُ اللهِ شاهدةً بِهِ وكذاكَ كتبُ اللهِ شاهدةً بِهِ وكذا العُقُولُ المُستَنيِراتُ التِي

إن لَم تَكُنْ مِن زُمْرَةِ العُمْيَانِ للهِ لا بشَهَادَةِ النُّكْرانِ أيضاً فَسَلْ عَنْهُمْ عَلِيْمَ زَمَانِ أيضاً فَهَذَا مُحْكَمُ والقُرْآن فِيها مَصَابِيْحُ الهُدَى الرَّبَّانِي

ودين الأنبياء كلهم الإسلام.

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾(آل عمران: من الآية19) أي الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ليس لله دين، فالإسلام دين أهل السماوات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض لا يقبل الله من أحد سواه. قال تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85)

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إنا معشر الأنبياء ديننا واحد" وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة وبالبراءة من الشرك وأهله.

وقوله: (فإنه الصراط المستقيم) أي أن ما جاء به المرسلون هو الصراط المستقيم الموصل إلى السعادة الأبدية.

قال ابن القيم: والقول الجامع في تفسير الصراط المستقيم أنه الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله، وجعله موصلاً لعباده إليه، ولا طريق لهم سواه، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة، وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون إرادة إلا متعلقة بمرضاته، وهذا هو الهدى وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها.

وقال: والطريق إلى الله واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلاً لمن سلكه إلى الله فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه إلى ربه طريق العلم و التعليم قد وفر عليه زماناً مبتغياً به وجه الله فلا يزال عاكفاً على طريق العلم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص، أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه، ومنهم من يكون سيد عمله الذكر، ومنهم من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي، ومنهم من يكون طريقه الصوم، ومنهم من يكون كثرة تلاوة القرآن، ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهم من يكون طريقه الحج والاعتمار، ومنهم من يكون طريقه قطع العقلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة وحفظ ا لأوقات أن تذهب ضائعة، ومنهم الجامع الفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبودية قبلة قلبه ونصب عينية وقد شارك أهل كل عمل وذلك فضل الله، انتهى.

وقال رحمه الله:

وَتَرَى المُوَحِّدَ دَائِماً مُتَنَقِلاً ما زال ينزل في الوفاء منازلا لكنما معبوده هو واحد

بمنَازِلِ الطَّاعَاتِ والإحسان وهي الطريق له إلى الرحمن ما عنده ربان معبودان

وقال الشيخ: والناس لهم في طلب العلم والدين طريقان مبتدعان وطريق شرعي، فالطريق الشرعي هو النظر بما جاء به الرسول والاستدلال بأدلته والعمل بموجبها، فلابد من علم بما جاء به وعمل، لا يكفي أحدهما وهذا الطريق المتضمن للأدلة العقلية والبراهين اليقينية، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بين بالبراهين العقلية ما يتوقف السمع عليه، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله عباده أن يسألوه هدايته، وأما الطريقان المبتدعان فأحدهما طريق أهل الكلام البدعي والرأي البدعي فإن هذا فيه باطل كثير، وكثير من أهله يفرطون فيما أمر الله به رسوله من الأعمال فيبقى هؤلاء في فساد علم وفساد عمل وهؤلاء منحرفون إلى اليهودية الباطلة، والثاني طريق أهل الرياضة والتصوف والعبادات البدعية وهؤلاء منحرفون إلى النصرانية الباطلة اهـ.

والصراط يضاف إلى الله ، إذ هو شرعه ونصبه كقوله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾(الأنعام: من الآية153) وقوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾(الشورى: من الآية52، 53)، وتارة يضاف إلى العباد كما في الفاتحة لكونهم أهل سلوكه وهو المنسوب لهم وفي تخصيصه لأهل الصراط ا لمستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم، وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر فكل الخلق في نعمه، وذكر الصراط المستقيم مفرداً معرفاً تعريفين: تعريفاً باللام تارة، وتعريفاً بالإضافة، وذلك يفيد تعيينه واختصاصه وأنه صراط واحد، وأما طريق أهل الضلال فأنه سبحانه يجمعهما ويفردها، والصراط المذكور  في الكتاب والسنة ينقسم إلى قسمين: معنوي وحسي. فالمعنوي ما تقدمت الإشارة إليه والحسي هو الجسر الذي ينصب على متن جهنم يوم القيامة يرم الناس عليه على قدر أعمالهم، فبحسب الاستقامة على ذلك الصراط المعنوي الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار الدنيوية تكون الاستقامة على ذلك الصراط الحسي حذو القذة بالقذة جزاء وفاقاً وما ربك بظلام للعبيد.

والأنبياء: جمع نبي وهو من أوحى إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، وأما الصديقون فهم الذين صدقوا أقوالهم بأفعالهم، فالصديق المبالغ في الصدق، وأما الشهيد فهو المقتول في سبيل الله، قيل: سمي بذلك لأن ملائكته الرحمة تشهده أي تحضره، وأما الصالحون فجمع صالح وهو القائم بحقوق الله وحقوق خلقه.

وقال الشيخ: لفظ الصالح والشهيد يذكر مفرداً فيتناول النبيين والصديقيين والشهداء ويذكر معه غيره فيفسر بحسبه، اهـ.

سورة الإخلاص

وقوله: ( وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الاخلاص:1- 4) .

هذا شروع في إيراد النصوص من الكتاب والسنة وتفاصيلها الداخلة في الإيمان بالله وأنه يجب الإيمان بها وإثباتها، ونفي التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل عنها، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن، وذلك أن القرآن اشتمل على علوم كثيرة وهي ترجع إلى ثلاثة علوم:

أولاً: علوم الأحكام و الشرائع الداخلة فيها علوم الفقه كلها عبادات ومعاملات وتوابعها.

ثانيهاً: علوم الجزاء على الأعمال، والأسباب التي يجازي بها العاملون على ما يستحقون من خير وشر، وبيان تفاصيل الثواب والعقاب.

ثالثاً: علوم التجويد، وما يجب على عباده من معرفته والإيمان به، وهو أ شرف العلوم الثلاثة.

وسورة الإخلاص كفيلة باشتمالها على أصول هذا العلم وقواعده، فإن قوله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:1) أي الله متفرد بالعظمة والكمال ومتوحد بالجلال والمجد والكبرياء، يحقق ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (الاخلاص:2) أي الله السيد العظيم الذي قد انتهى في سؤدده ومجده وكماله فهو العظيم الكامل في عظمته العليم الكامل في علمه، الحكيم الكامل في حكمه، فهو الكامل في نعوته وأسمائه وصفاته، ومن معاني الصمد أنه الذي تصمد إليه الخلائق كلها وتقصده في جميع حاجاتها ومهماتها.

قال ابن القيم:

وهو الإلهُ السَّيِّدُ الصَّمَدُ الذِي الكامِلُ الأوصافِ مِن كِل الوُجُوْ

صَمَدَتْ إليهِ الخَلْقُ بالإذْعَانِ هِ كَمَالُه مَا فِيْهِ مِن نُقْصَانِ

فهو المقصود وهو الكامل المعبود فاثبات الوحدانية ومعاني الصمدية كلها يتضمن إثبات تفاصيل جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى فهذا أحد نوعي التوحيد وهو الإثبات وهو أعظم النوعين، والنوع الثاني التنزيه لله عن الولادة والند وهو أعظم النوعين، والنوع الثاني التنزيه لله عن الولادة والند والكفر والمثل وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الاخلاص:3، 4) .أي ليس له مكافئ ولا مماثل ولا نظير.

قال الشيخ تقي الدين: وتنزيهه عن المثل والولد يجمع كل التنزيه، ولما كان الشرك أكثر في بني آدم من القول بأن له لود كان تنزيهه عنه أكثر، وكلاهما يتقضي إثبات مثل وند من بعض الوجوه فإن الولد من جنس الوالد ونظير له وكلاهما يستلزم الحاجة والفقر فيمتنع وجود قادر بنفسه، فالذي جعل شريكاً لو فرض مكافئاً لزم افتقار كل منهما وهو ممتنع، وإن كان غير مكافئ فهو مقهور والولد يتخذه لحاجته إلى معاونته له كما يتخذ المال، فإن الولد إذا اشتد أعان والده فإن كون الخلق مملوكاً لخالقه وهو مفتقر إليه من كل وجه والخالق غني عنه يناقض اتخاذ الولد، لأنه إنما يكون لحاجته إليه في حياته أو ليخلفه بعد موته، والرب غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه وهو الحي الذي لا يموت والوالد في نفسه مفتقر إلى ولد مخلوق لا حيلة له فيه، والولادة بغير اختيار الوالد، والرب تعالى يمتنع أن يحدث شيء بغير اختياره، واتخاذ الولد هو عوض عن الولادة لمن يحصل له فهو أنقص في الولادة، اهـ.

وسميت هذه السورة بسورة الإخلاص لأنها أخلصت في وصف الرحمن، ولأنها تخلص قارئها من الشرك الاعتقادي العلمي، وتدل على أنواع التوحيد الثلاثة فدلالتها على توحيد الأسماء والصفات بالمطابقة وعلى توحيد الربوبية بالتضمن وعلى توحيد الألوهية والعبادة بالالتزام لأن دلالة الدليل على كل معناه تسمى مطابقة، وعلى بعضه تضمن، وعلى ما يستلزمه من الخارج يسمى التزاماً، وسيقت هذه السورة لما تضمنته من النفي والإثبات لأن فيها شاهداً للضابط الذي ذكره المصنف من أنه سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات.

ففي الآية:

1- أولاً: إثبات وحدانية الله.

2- كمال غنى الله سبحانه وفقر الخلائق إليه.

3- الرد على من قال أن القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم.

4- الرد على اليهود القائلين عزير ابن الله.

5-إثبات صفة الكلام.

6- الرد على النصارى القائلين إن عيسى بن الله.

7- الحث على التوكل على الله إذ هو الواحد المقصود في الحوائج.

8- الرد على المشركين القائلين الملائكة بنات الله.

9- الحث على عبادة الله وحده لا شريك له.

10- تنزيه الله عن مشابهة خلقه.

11- تلقي العقيدة من الكتاب والسنة.

12- إثبات أولية الله.

13- نفي الزوجة عن الله.

14- الرد على من قال بالطبيعة وأنها التي توجد الأشياء.

15- الرد على من قال لله كفواً أو ند أو مثيل.

16- إثبات الألوهية.

17- شرف علم التوحيد.

18- إثبات الصمدية لله المقصود في الحوائج.

19- إن هذه السورة تضمنت أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة.

20- أن من اعتقد وحدانية الله وصمديته وأنه الفعال لما يريد خلص قلبه من كل غاشية ومن كل شائبة ومن كل تعلق بغير الله.

21- أن هذه السورة تضمنت نفي الشريك بجميع أنواعه، فقد نفى عن نفسه أنواع الكثرة بقول ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:1) ونفى عن نفسه أنواع الاحتياج بقوله ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾(الإخلاص:2) ونفى عن نفسه المشابهة والمجانسة بقوله ﴿لَمْ يَلِدْ ﴾(الإخلاص: من الآية3) ونفى عن نفسه الحدوث بقوله ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾(الإخلاص: من الآية3) ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:4).

وقال الشيخ: والله منزه أن يوصف بشيء من الصفات المختصة بالمخلوقين وكل ما اختص بالمخلوقين فهو نقص والله تعالى منزه عن كل نقص ومستحق لغايات الكمال، وليس له مثل في شيء من صفات الكمال، فهو منزه عن النقص مطلقاً، ومنزه في الكمال أن يكون له مثل، وقد دل على ذلك سورة (قل هو الله أحد) فبين أنه صمد، واسمه الأحد يتضمن نفي المثل واسمه الصمد يتضمن جميع صفات الكمال.

وقال: التشبيه الممتنع تشبيه الخالق بالمخلوق أو تشبيه المخلوق بالخالق فيمتنع اتصال الرب بشيء من خصائص المخلوقين، كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من خصائص الخالق، ويمتنع أن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب، وأما إذا قيل: حي وحي، وعالم وعالم، وقادر وقادر، وقيل لهذا قدرة ولهذا قدرة، ولهذا علم ولهذا علم، كان نفس علم الرب لم يشركه فيه العبد ونفس علم العبد لا يتصف به الرب، تعالى عن ذلك.

وكذلك سائر الصفات وليس في إثبات هذا محذور فإن المحذور إثبات شيء من خصائص أحدهما للآخر اهـ.

آية الكرسي

( " وقوله: وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة:255)  ولهذا من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح).

أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أعظم آية في كتاب الله وذلك لاشتمالها على أجل المعارف وأوسع الصفات، فأخبر أنه المتوحد في الألوهية المستحق لاخلاص العبودية، وأنه الحي الكامل كامل الحياة، وذلك يقتضي كمال عزته وقدرته وسعة علمه وشمول حكمته وعموم رحمته وغير ذلك من صفات الكمال الذاتية، وأنه القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته وقام بالموجودات كلها فخلقها وأحكمها ورزقها ودبرها وأمدها بكل ما تحتاج إليه وهذا الاسم يتضمن جميع الصفات الفعلية ولهذا ورد: إن الحي القيوم هو الاسم الأعظم إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى، بدلالة الحي على الصفات الذاتية والقيوم على الصفات الفعلية والصفات كلها ترجع إليهما.

قال ابن القيم:

هَذَا ومِن أَوصَافِهِ القَيُّومُ والْـ إِحْدَاهُمَا القَيُّومُ قَامَ بِنَفْسِهِ فالأولُ استغناؤُهُ عَن غَيرِهِ والوصفُ بالقَيُومِ ذُوْ شَأنٍ عَظِـ والحي يتلوه فأوصاف الكمـا فالحي والقيوم لن تتخلف الـ

قَيُّومُ فِي أوصافِهِ أَمْرَانِ والكَونُ قَامَ بِهِ هُمَا الأَمْرَانِ والَفقْرُ مِن كُلٍّ إليهِ الثاني م هَكَذا مَوصُوفً أيضاً عظيم الشان ل هما لأفق سمائها قطبان أوصاف أصلاً عنهما ببيان

ومن كمال قيوميته أنه (لا تأخذه سنة ولا نوم) والسنة النعاس، وهو الذي يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين ويكون في الرأس فإذا وصل إلى القلب صار نوماً، والنوم غشية ثقيلة تقع على القلب تمنعه معرفة الأشياء فلا يحس ولا يشعر بها.

ثم ذكر عموم ملكه للعالم العلوي والسفلي، ومن تمام ملكه أن الشفاعة كلها له فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ففيها ذكر الشفاعة التي يجب إثباتها وهي التي تقع بإذنه لمن ارتضى، والشفاعة المنفية التي يعتقدها المشركون وهي ما كانت ت طلب من غير الله أو بغير إذنه، فمن كمال عظمته سبحانه أن لا ينفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن ارتضى قوله وعمله وبين أن المشركين لا تنفعهم شفاعة الشافعين.

ثم ذكر سعة علمه وإحاطته وأنه لا تخفى عليه خافية من الأمور ولا بينة وأما الخلق فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء منها، وهو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية والقدرية، وهو جزء يسير جداً مضمحل في علوم الباري ومعلوماته كما قال أعلم الخلق، وهم الرسل والملائكة (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) وكما قال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر.

ثم أخبر سبحانه عن عظمته وجلاله وأن كرسيه وسع السماوات والأرض وما فيهما، وأنه حفظهما وأسكنهما عن الزوال والتزلزل وجهلهما على نظام بديع جامع للأحكام والمنافع ا لمتعددة التي لا تحصى، والصحيح أن الكرسي غير العرش، وأنه في العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض ومع ذلك فلا يؤوده، أي لا يث قله ولا يكرثه حفظهما، أي حفظ العالم العلوي والسفلي وذلك لكمال قدرته وقوته.

(وهو العلي العظيم) ختم سبحانه هذه الآية بهذين الإسمين الجليلين فهو سبحانه الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه علو الذات بكونه فوق الخلق على العرش استوى وعلو القدر إذ أن كل صفة كمال ثابتة له وله من ت لك الصفة أعلاها وغايتها وأكملها، المتعالي عن نسبة النقص إليه المتصف بأعلى صفات الكمال العظيم الذي له جميع أوصاف العظمة والكبرياء وله العظمة والتعظيم الكامل في قلوب أنبيائه وملائكته وأصفيائه فلا أعظم منه ولا أكبر.

قال الشيخ: يجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة على الخالق تعالى في غاية الصغر كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة ولا نسبة إلى عظمة الباري بوجه من الوجوه وهي في قبضته أصغر من الخردلة في كف الإنسان والخليقة مفطورة على أنها تقصد ربها في جهة العلو لا تلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة وجاءت الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين من المتفلسفة وغيرهم فإنهم غيروا الفطرة في العلم و الإرادة جميعاً، اهـ.

فحقيق بآية احتوت على هذه المعاني الجليلة أن تكون أعظم آيات القرآن، وأن يكون لها من المنع وحفظ قارئها من الشرور والشياطين ما ليس لغيرها،

ما يؤخذ من آية الكرسي:

1- إثبات الألوهية

2- انفراده بالألوهية.

3- إثبات صفة الحياة.

4- إثبات القيومية لله.

5- تنزيه الله عن السنة.

6- تنزيه الله عن النوم.

7- تنزيه الله عن العجز لما في ذلك من المنافات لكمال حياته وقيوميته وقدرته.

8- إثبات سعة ملكه وأنه تعالى له ما في السماوات والأرض ملكاً وخلقاً ليس له في ذلك شريك ولا منازع وأن الجميع عبيده وتحت قهره وسلطانه.

9- إثبات سعة علمه وأنه محيط بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها وأنه لا يغفل ولا ينسى ولا يلهيه شأن عن شأن.

10- اختصاصه بالتعليم وأن الخلق لا يعلمون إلا ما أعلمهم جل وعلا قال تعالى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾(النحل: من الآية78).

11- إثبات الشفاعة بإذنه جل وعلا.

12- أن عظمة الكرسي من جملة الأدلة الدالة على عظمة الله.

13- اثبات صفة الكلام لله وهي من الصفات الذاتية الفعلية.

14- اثبات صفة العلم وهي من الصفات الذاتية.

15- إثبات عظمة الله واقتداره وأنه لا يعجزه شيء.

16- اثبات أن الله تعالى متعالي عن النقص وأنه فوق خلقه بذاته.

17- الترقي في نفي النقص من الأضعف إلى نفي الأقوى لأن من لا تغلبه السنة قد يغلبه النوم لأنه أقوى.

18- إثبات المشيئة لله.

19- الرد على المشركين القائلين بأن أصنامهم تشفع.

20- الرد على القدرية القائلين إن الله لا يعلم الأشياء غلا بعد وقوعها تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

21- الرد على من زعم أن الكرسي علمه أو أنه قدرته أو ملكه أو نحو ذلك.

22- إثبات البعث والحشر والحساب والجزاء على الأعمال.

23- الحث على مراقبة الله الذي لا يغيب عن نظره العبد.

24- عظم شأن آية الكرسي حيث أن من قرأها لا يقربه شيطان.

25- الحث على حفظ هذه الآية وقراءتها عند النوم وبعد الصلاة

26- أن الله إذا شاء كشف للعباد بقدر عن شيء من علمه قال تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾(فصلت: من الآية53).

27- أن الكرسي أوسع من السموات والأرض.

28- اثبات قوة الله، قال تعالى ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾(البقرة: من الآية165)

29- الحث على الاتجاه إلى الله بالعبودية والعبادة فلا يكون عبداً إلا لله ولا يتجه بالعبادة إلا لله ولا يلتزم بطاعة إلا طاعة الله وما يأمر به من الطاعات.

30- إن العباد لا يملكون الأعيان ملكاً مطلقاً وإنما يملكون التصرف فيها على مقتضى الشرع.

31- نفي الشفاعة بغير إذن الله.

32- إن شعور الإنسان أن ما في السماوات وما في الأرض وكل شيء ملك لله حسب لقمع حدة الشره والطمع والحرص والتكالب على الدنيا.

33- إن العباد لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً.

34- إن استحضار ذلك وأن ما في يده عارية إلى أمد محدود يكسب في النفس القناعة والرضا بالرزق والسماحة والجودة بالموجود.

35- إن النوم والسنة صفة نقص ولهذا نزه سبحانه وتعالى نفسه عنهما وةكل نقص أو عيب فالله منزه عنه.

36- تنزيه الله عن الولد والزوجة والشريك في الملك.

37- الرد على من نسب إلى الله الولد والزوجة.

38- الرد على من قال أن ما هناك فضاء لا سماء.

39- إن في السماوات خلقاً لا يعلمهم إلا الله جل وعلا.

40- إثبات علو الله على خلقه وإن مما هو ثابت لله وواجب له جهة العلو اللائقة بجلاله وعظمته من غير إحاطة به.

41- إن العباد لا يجرؤون على الشفاعة أو التكلم إلا بإذنه وذلك لعظمته وجلاله والسبب في سياق الآية لما تضمنته من النفي والإثبات لأن فيها شاهداً للضابط الذي ذكره المصنف من أنه سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات ولما احتوت عليه من المعاني الجليلة والأسماء الحسنى والصفات العلى، وروى في فضل آية الكرسي أحاديث منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: وكلين رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعني  فإن محتاج ولي عيال وبي حاجة شديدة قال فخليت عنه فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قال قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فعل ذلك ثلاث ليال كل ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: أما إنه قد كذبك وسيعود، فلما كان في الثالثة قلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود، فقال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها فقلت وما هي قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾(البقرة: من الآية255) حتى ختم الآية، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما إنه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: ذاك شيطان".

احاطة علم الله بالمخلوقات:

( وقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد:3) وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾(الفرقان: من الآية58) وقوله ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾(الأنعام: من الآية18).

قد فسر صلى الله عليه وسلم هذه الأسماء الأربعة بقوله " أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء" فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة وهي تنقسم إلى قسمين زمانية ومكانية فأحاطت أوليته بالقبل وأحاطت آخريته بالبعد وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن فما من ظاهر إلا والله فوقه وما من باطن إلا والله دونه فالأول قدمه والآخر بقاؤه ودوامه والظاهر علوه وعظمته والباطن قربه ودنوه وفي قوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد:3) من الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة ومن العالم العلوي والسفلي ومن الظواهر والبواطن والواجبات والجائزات والمستحيلات فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.

ما يؤخذ من الآية:

1- إثبات أوليته وسبقه لكل شيء.

2- إثبات دوامه وبقائه وأنه لا شيء بعده.

3- إثبات تعالى الله على مشابهة خلقه وإثبات جهة العلو لله.

4- إفادة قربه وأحاطته سبحانه.

5- سعة علمه وأنه أحاط بكل شيء علماً.

6- رد على المعتزلة ومن سلك طريقهم.

7- رد على من قال إنه يعلم الكليات دون الجزئيات.

8- رد على من ينكر صفة العلم.

9- إثبات صفة الكلام لله.

10- رد على من ينكر صفة العلو لله على خلقه.

11- الحث على مراقبة الله في السر والعلانية.

12- الرد على الجهمية ونحوهم.

13- إثبات علو الله على خلقه.

وقوله : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾(الفرقان: من الآية58) التوكل اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله وفعل الأسباب، أي وتوكل على الرب الدائم الباقي رب كل شيء ومليكه واجعل ملجأ وذخراً لك وفوض أمرك إليه واستسلم له واصبر على ما نابك فيه فإنه كافيك وناصرك ومبلغك ما تريد.

قال ابن القيم: أجمع القوم على أن التوكل لا ينافي الأسباب فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وغلا فهو باطل وتوكل فاسد. وقال سهل بن عبد الله من طعن في الحركة فقد طعن في السنة ومن طعن في السنة في التوكل فقد طعن في الإيمان فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم والكسب سنته فمن  عمل على حاله فلا يتركن سنته. والتوكل ينقسم إلى قسمين القسم الأول التوكل على الله فهو من أشرف أعمال القلوب وأجلها والثاني التوكل على غيره سبحانه ويقسم إلى ثلاثة أقسام الأول: التوكل على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالتوكل على الأموات والطواغيت في جلب رزق أو دفع ضر أو نصر أو نحو ذلك فهذا شرك أكبر. الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله عليه من رزق أو دفع أذى ونحو ذلك فهذا النوع شرك أصغر الثالث: توكيل الإنسان غيره في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه فهذه الوكالة الجائزة لكن ليس له أن يعتمد عليه بل يتوكل على الله في تيسير أمره، وذلك من جملة الأسباب الجائزة.

وقال الشيخ: إعراض القلب عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله لاسيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق بحيث يكون قلبه معتمداً إما على رئاسته وأتباعه ومماليكه وأما على أهله وأصدقائه وإما على أمواله وذخائره وأما على ساداته وكبرائه كمماليكه وملكه وشيخه ومخدومه وغيرهم ممن هو قد مات أو يموت.

قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾(الفرقان: من الآية58) وقال الشيخ: القلب لا يصح ولا يسر ولا يلتذ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه ولو حصل كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له ولا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله فهو دائماً مفتقر إلى حقيقة (إياك نعبد وإياك نستعين) فهو مفتقر إليه من حيث هو المطلوب المحبوب المعبود ومن حيث هو المستعان به المتوكل عليه فهو إلهه لا إله له غيره وهو ربه ولا رب له سواه ولا تتم عبوديته إلا بهذين، اهـ.

ما يؤخذ من الآية الكريمة:

1- إثبات صفة الحياة وهي الصفات الذاتية فحياته سبحانه أكمل حياة وأتمها ويستلزم ثبوتها ثبوت كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة وخصص صفة الحياة إشارة إلا أن الحي هو الذي يوثق به في المصالح ولا حياة على الدوام إلا لله سبحانه دون الأحياء المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ماتوا ضاع من يتوكل عليهم.

2- الأمر بالتوكل على الله.

3- الرد على من أنكر صفة الحياة أو أولها بتأويل باطل.

4- إثبات البقاء لله فهو الآخر ليس بعده شيء.

5- إثبات صفة الكلام وأن القرآن كلام الله لا كلام محمد ولا جبريل ولا غيرهما.

وقوله: ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾(الأنعام: من الآية18) الحكيم مأخوذ من الحكمة وله معنيان أحدهما بمعنى القاضي العدل الحاكم بين خلقه بأمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري وله الحكم في الدنيا والآخرة والمعنى الثاني أنه المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد.

قال ابن القيم: الحكمة حكمتان عليمة وعملية، فالعلمية الاطلاع على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقاً وأمراً وقدراً أو شرعاً والعملية وضع الشيء في موضعه اهـ.

وحكمته صفة قائمة به كسائر صفاته من سمعه وبصره ونحو ذلك وهي تنقسم إلى قسمين: إحداهما حكمة في خلقه وهو نوعان: الأول إحكام هذا الخلق وإيجاده في غاية الإحكام، والاتقان، الثاني صدوره لأجل حكمة محمودة أمر لأجلها وخلق لأجلها. الثانية الحكمة في شرعه وتنقسم إلى قسمين الأول كونها في غاية الإحسان والإتقان الثاني كونها صدرت لحكمة عظيمة يستحق عليها الحمد.

وأما الخبير فهو من الخبرة بمعنى كمال العلم ووثوقه والإحاطة بالأشياء على وجه الدقة فالعلم عندما يضاف إلى الخفايا الباطنية يسمى خبرة ويسمى صاحبها خبيراً والله سبحانه لا يجري في الملك والملكوت شيء ولا تتحرك ذرة فما فوقها وما دونها ولا يسكن ولا يضطرب نفس ولا يطمئن إلا وعنده من ذلك خبرة ففي الآية:

1- إثبات صفة الحكمة.

2- إثبات صفة الخبرة.

3- الحث على مقام المراقبة لله الذي يرى الدقيق والجليل.

4- الرد على من قاله إنه يعلم الكليات دون الجزئيات.

5- الرد على القدرية نفاة العلم عن الله.

6- الرد على الجهمية ومن تبعهم من معتزلة وأشاعرة.

7- إثبات صفة الكلام.

8- إثبات الحياة.

9- إحاطة علم الله بكل شيء.

 صفة العلم

( " وقوله : ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾(الحديد: من الآية4)، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام:59)، وقوله ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾(فاطر: من الآية11) ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾(الطلاق: من الآية12) ").

وفي هذه الآيات دليل على إثبات صفة العلم وهي من الصفات الذاتية وعلمه سبحانه شامل لكل شيء ومحيط به فيعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، قال ابن القيم.

وهو العليم أحاط علماً بالذي وبكل شيء علمه سبحانه وكذاك يعلم ما يكون إذا وما

في الكون من سر ومن إعلان فهو المحيط وليس ذا نسيان قد كان والموجود في ذا الآن

في الآية الأولى إثبات علم الله فهو سبحانه يعلم ما يدخل في الأرض من المياة والكنوز والأموات والبذور والوحوش والأوادم في الكهوف وغير ذلك ويعلم ما يخرج منها من نبات ومعادن ومياه وأموات وأبخرة وغير ذلك ويعلم ما ينزل من السماء من ملائكة وأمطار ومصائب وحر وبرد وغير ذلك وما يعرض فيها من حفظة وأعمال، وقد أنكر غلاة القدرية علم الله القديم وأنه يعلم الأشياء قبل وقوعها، وقد اشتد إنكار السلف عليهم وقالوا ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه كفروا، وقال الإمام أحمد في رده على الجهمية والزنادقة: فإن قال الجهمي ليس له علم كفر وإن قال لله علم محدث كفر حيث زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له عملاً فعلم، فإن قال لله علم وليس مخلوقاً ولا محدثاً رجع عن قوله كله وقال بقول أهل السنة.

والدليل العقلي على علمه تعالى أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل ولأن إيجاده الأشياء بإراده، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزماً للعلم، ولأن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم ولأن  من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال ويمتنع أن لا يكون الخالق عالماً، وهذا له طريقان: أحدهما أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق وأن الواجب أكمل من الممكن ونعم أنا لو فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر غير عالم كان العالم أكمل فلو لم يكن الخالق عالماً لزم أن يكون الممكن أكمل منه وهو ممتنع. الثاني أن يقال كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه ومن الممتنع أن يكون فاعل الكامل ومبدعه عارياً منه بل هو أحق به والله تعالى له المثل الأعلى ولا يستوي هو والمخلوق في قياس تمثيلي ولا في قياس شمولي بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أولى به وأحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزه الخالق عنه أولى.

وكمال من أعطى الكمال بنفسه أيكون قد أعطى الكمال وماله أيكون إنسان سميعاً مبصراً وله الحياة وقدرة وإرادة والله قد أعطاه ذاك وليس هـ

أولى وأجدر عند ذي العرفان ذاك الكمال أذاك هو إمكان متكلماً بمشيئة وبيان والعلم بالكلي والأعيان ذا وصفه فاعجب من البهتان

ما يؤخذ من الآية الكريمة:

1- إثبات صفة العلم.

2- الرد على القدرية.

3- الرد على المعتزلة حيث قالوا عليهم بلا علم.

4- إحاطة علمه بكل شيء فلا تخفى عليه خافية.

5- الرد على الجهمية والقدرية المنكرين لصفة العلم.

6- الرد على من زعم أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات.

7- دليل على علو الله على خلقه.

8- إثبات صفة الكلام لله.

9- دليل على عظمته.

10- دليل على قدرة الله.

11- الحث على مراقبة الله في السر والعلانية.

12- دليل على المعية العامة.

13- إثبات صفة البصر لله.

14- دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

15- إثبات الألوهية لله.

16- دليل على سعة علم الله.

17- إثبات صفة الحياة لله.

الآية الثانية: هذه الآية من أعظم الآيات تفصيلاً لعلم الله المحيط، والمعنى أن عنده سبحانه خاصة مخازن الغيب أو مفاتحه فهو الذي يحيط بها علماً وسواه جاهل لا يعلم منها شيئاً إلا ما أعلمه الله فقوله: ﴿ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾(الأنعام: من الآية59) جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى.

قال المناوي: فمن ادعى علم شيء منها كفر وخص علم ما في البر والبحر بالذكر لأنهما من أعظم مخلوقات الله ولكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما، والخلاصة: أنه سبحانه يعلم الغيب والشهادة والأحوال الظاهرة والباطنة والرطبة واليابسة.

روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مفاتح الغيب خمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:34) ) ".

ويؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة العلم.

2- رد على المعتزلة.

3- إثبات اللوح المحفوظ.

4- دليل على عظمة الله وسعته وكمال صفاته.

5- أن اللوح المحفوظ محيط بالأشياء كلها.

6- الرد على من أنكر صفة العلم من جهمية ومعتزلة.

7- رد على القدرية الذين يزعمون أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها.

8- إثبات صفة الكلام لله والمأخذ من أن الله هو الذي تكلم به وقال وعنده مفاتح الغيب الآية.

9- أن الله يعمل المنظور والمحجوب والمعلوم والمجهول وجميع ما في الزمان والمكان على السواء فلا يخفى عليه شيء جل وعلا.

10- الحث على خوف الله.

11- الرد على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب.

12- الرد على القدرية الذين يزعمون أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها.

13- إثبات الألوهية.

14- إثبات خبرة الله بالأشياء كلها.

15- دليل على علو الله على خلقه والمأخذ من قوله ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾(الأنعام: من الآية59).

16- التعميم الشامل للموت والحياة والذبول والأزدهار.

17- أن حركات البذور والنماء المنشقة من الغور إلى السطح ومن كمون إلى اندفاع يعلمها الله.

18- فيها ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمالين ونحوهم من المبدعين ما ليس من شأنهم ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم.

19- تنبيه المكلفين إلى عدم إهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب.

20- ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحواله وكثرة ما فيه.

21- الحث على المراقبة في السر والعلانية.

22- إثبات قدرة ا لله وأنه لا يعجزه شيء.

23- ذكر البحر وكثرة ما فيه لأن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب.

24- دليل على أن الله يعلم الكليات والجزئيات فلا تخفى عليه خافية وإن دقت وخفي محلها، فهو سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما قال سبحانه ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (لأنفال:23)، وقال تعالى

﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾(الأنعام: من الآية28)  وأخبر سبحانه عن أشياء لم تكن وستكون كاخباره عن محاجة أهل النار قال تعالى ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ﴾ (غافر:47) الآيات الثلاث وقال ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً ﴾(لأعراف: من الآية44) الآيات السبع، إلى غير ذلك من الآيات.

25- أنه يفهم من الآية أن معلومات ما في البر وما في البحر حقير في جنب ما دخل في عموم ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾(الأنعام: من الآية59) الآية الثالثة المعنى: لا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به سبحانه يعلم في أي يوم تحمل وفي أي يوم تضع فلم يخرج عن علمه وتدبيره ويعلم هل هو ذكر أو أنثى، ففي هذه الآية:

1- إثبات صفة العلم.

2- انفراده سبحانه بعلم ما في الأرحام وعلم مدته فيها.

3- الرد على من أنكر صفة العلم أو أولها بتأويل باطل.

4- صفة الكلام لله.

الآية الرابعة: اللام متعلقة بخلق أو بيتنزل أو بمقدار أي فعل ذلك لتعلموا أنه بالغ القدرة لا يعجزه شيء فهذا عام يتناول أفعال العباد من الطاعات. وكل شيء، ومن كمال قدرته تعالى أنه إذا شاء فعل من غير ممانع ولا معارض فجميع الأشياء منقادة لقدرته تابعة لمشيئته ولا يخرج عن علمه شيء منها كائناً ما كان وانتصاب علماً على المصدرية أو صفة لمصدر محذوف، ففي الآية:

1- إثبات صفة العلم.

2- إثبات قدرة الله.

3- إثبات الألوهية.

4- عموم قدرته تعالى.

5- سعة علمه سبحانه.

6- إرشاد الخلق إلى التفكير والعلم النافع.

7- الخوف من الله القادر على كل شيء.

8- الحث على مراقبة الله سراً وعلانية.

9- الرد على الجهمية والمعتزلة المنكرين لعلمه المحيط بكل شيء.

10- الرد على القدرية القائلين أن أفعال العباد غير داخلة في قدرة الله.

11- إثبات صفة الكلام لله لأن الله هو الذي تكلم بالآية.

12- وفي أول الآية ما يدل على صفة الخلق.

13- حلم الله على الكافر والعاصي والمنافق.

14- أن العباد لا يقدرون الله حق قدره وإلا لما عصوه وهو قادر على إهلاكهم في لحظة ولكنه حليم يمهل ولا يهمل.

 صفة السمع والبصر

( " وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(الذريات:58) وقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الشورى: من الآية11)، وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾(النساء: من الآية58).

يخبر تعالى أنه المتفرد بالرزق لا رزاق سواه ولا معطي غيره، فما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾(هود: من الآية6) الآية.

وهذه الآية تنادي بأنه تعالى هو منزل ا لأرزاق وميسر أسبابها ليخصه الناس بالعبادة ويفردوه بالدعاء إذ لا يسوغ عقلاً ولا شرعاً أن يعبد الناس إلا من يملك رزقهم قال تعالى ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: من الآية22) وقال جل شأنه ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ﴾(العنكبوت: من الآية60) فدل على أنه سبحانه مسخر الأرزاق لجميع الخلق وعلى أنها لو تركت ونفسها ولم تشملها عناية الله ولطفه بتسخير رزقها لهلكت جوعاً وظمأ ولكن الرزاق سبحانه يسر لها أرزاقها وهداها سبلها. انظر كيف أوصل سبحانه الأرزاق إلى الأجنة في ظلمات الأرحام بما أجراه في شرايينها في دماء أمهاتها وانظر كيف رزق ا لوليد من ثدي أمه وهداه إلى ارتضاعه لبناً فيه غذاؤه وبه حياته ونماؤه وانظر كيف جعل رزق الفرخ  في حواصل والديه وسخرهما لايصاله إليه لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

وهو سبحانه له القوة الكاملة والقدرة التامة فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته أن أوصل رزقه إلى جميع العالم وأن السماوات والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، وأنه يمسك السموات والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، وأنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، وأنه يبعث الأموات بعدما تمزقوا، ومن قوته إيجاد الأجرام العظيمة العلوية والسفلية، ومن أسمائه المتين، والمتانة تدل على القوة، فالله تعالى بالغ القوة والقدرة قوي من حيث أنه شديد القوة والقدرة لا ينسب إليه عجز في حال من الأحوال.

قال الشيخ رحمه الله: ونحن نعلم أن الله خالق كل شيء، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن القوة التي في العرش، وفي حملة العرش هو خالقها بل نقول إنه خالق أفعال الملائكة الحاملين فإذا كان هو الخالق لهذا كله ولا حول ولا قوة إلا به امتنع أن يكون محتاجاً إلى غيره، ولا قال أحد أنه محتاج إلى شيء من مخلوقاته، فضلاً عن أن يكون محتاجاً قوة شيء من مخلقواته ولا يقول أحد إنه محتاج إلى العرش مع أنه خالق العرش والمخلوق مفتقر إلى الخالق ولا يفتقر الخالق إلى المخلوق وبقدرته قام العرش وسائر المخلوقات وهو الغني عن العرش وكل ما سواه فقير إليه ا ه.

ما يؤخذ من الآية:

1- إثبات الألوهية وهي من الصفات الذاتية الفعلية.

2- إثبات صفة الرزق وهي من الصفات الذاتية الفعلية.

3- إثبات القوة لمن له القوة جميعاً وهي من الصفات الذاتية.

4- إثبات المتانة وهي من الصفات الذاتية.

5- دليل على كثرة رزق الله وسعته والرزق نوعان الرزق المطلق وهو ما استمر نفعه في الدنيا والآخرة وهو رزق القلوب الذي هو العلم والإيمان والرزق الحلال والثاني مطلق الرزق وهو الرزق العام لسائر الخلق برهم وفاجرهم والبهائم وغيرها وهو إيصال القوت إلى كل مخلوق وهذا يكون من الحلال والحرام والله رازقه.

قال ابن القيم:

وكذلك الرزاق من أسمائه رزق القلوب العلم والإيمان والثان سوق القوت للأعضاء رزق على يد عبده ورسوله هذا هو الرزق الحلال وربنا هذا يكون من الحلال كما يكـو والله رازقه بهذا الاعتبـا

والرزق من أفعاله نوعان والرزق المعد لهذه الأبدان تلك المجاري سوقها بوزان نوعان أيضاً ذان معروفان رزاقه والفضل للمنان ن من الحرام كلاهما رزقان ر وليس بالإطلاق دون بيان

6- إثبات قدرة الله وهي من الصفات الذاتية.

7- إثبات عظمة الله وهي من الصفات الذاتية.

8- رد على اليهود لقولهم إن الله فقير ونحن أغنياء تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

9- إثبات الأسماء الله.

10- دليل على غناه سبحانه وفقر الخلائق إليه.

11- في الآية ما يوجب محبة العبد لربه لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها والله المحسن إلى جميع الخلائق.

12- في الآية ما يبعث القلوب الطيبة الكريمة على شكر الله خالق الخلق ورازقهم جل وعلا.

13- في الآية دليل على لطف الله حيث أوصل الرزق إلى جميع الخلائق.

14- إثبات  حكمة الله الذي قسم معيشة الخلق وأعطى كل ما يناسبه حاله.

15- الخوف من الله.

16- أن ا لرزق لا يطلب إلا من الله جل وعلا.

17- إثبات علم الله واحاطته بالخلائق.

18- إثبات المتانة.

19- الحث على التوكل.

20- دليل على رحمة الله بخلقه ورأفته.

21- دليل على حلم الله حيث يرزق الكافر والعاصي.

22- إثبات وحدانية الله وهي من الصفات الذاتية.

23- رد على من أنكر شيئاً من الصفات أو أولها بتأويل باطل.

أما قوله ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الشورى: من الآية11) فقد تقدم الكلام عليها سبق في ص **.

الآية الثالثة: (نعم) من ألفاظ المدح، و(ما) قيل نكرة موصوفة كأنه قيل نعم شيئاً يعظكم به، أو موصولة أي نعم الشيء الذي يعظكم به فقول ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ أي يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل أنه لا يعظكم إلا بما فيه صلاحكم وسعادتكم في الدارين.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾(النساء: من الآية58) من صفات الله تعالى الذاتية السمع والبصر والسميع والبصير اسمان من أسمائه تعالى وهو تعالى له سمع يسمع به وبصر يبصر به حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، ومعنى اسمه السميع أي الذي لا يعزب عن سمعه مسموع وأن خفي فيسمع " دبيب ا لنملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء" فأحاط سمعه بجميع المسموعات سرها وعلنها وقريبها وبعيدها فلا ت ختلط عليه الأصوات على اختلاف اللغات وعلى تفنن الحاجات وكأنها لديه صوت واحد.

المقدم:

وسمعه تعالى نوعان: أحدهما: سمعه جميع الأصوات كما تقدم، والثاني: سمع إجابة منه للسائلين والداعين والعابدين، ومنه قوله تعالى عن إبراهيم ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾(ابراهيم: من الآية39).

قال ابن القيم رحمه الله:

وهو السميع يرى ويسمع ما ولكل صوت منه سمع حاضر والسمع منه واسع الأصوات لا

في الكون من سر ومن إعلان فالسر والإعلان مستويان يخفى عليه بعيدها والداني

وأما معنى اسمه تعالى (البصير) أي الذي أحاط بصره بجميع المبصرات فهو سبحانه يشاهدها، ويرى كل شيء وأن خفي، قريباً أو بعيداً فلا تؤثر على رؤيته الحواجز والأستار فيرى " دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء" أي فعليكم أن تعلموا بأمر الله ووعظه، فإنه السميع لجميع الأصوات، البصير بجميع المبصرات، فإذا حكمتم بالعدل فهو سميع لذلك الحكم وأن أديتم الأمانة فهو بصير بذلك ففي الآية:

1- الأمر بحفظ الأمانة لأنه لا يحصل أداؤها إلا بذلك.

2- الأمر بأدائها إلى أهلها.

3- وعد عظيم للمطيع.

4- وعيد شديد للعاصي.

5- الاهتمام بحكم القضاة والولاة لأنه فوض النظر في مصالح العباد لهم.

6- الأمر بالعدل وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض القليل والكثير على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والعدو والصديق.

7- وجوب العدل على الحكام والولاة حتى تصل الحقوق إلى أربابها كاملة غير منقوصة.

8- مدح من الله لأوامره ونواهيه لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما.

9- إثبات السمع وهو من الصفات الذاتية.

10- إثبات الألوهية.

11- إثبات البصر وصفة البصر من الصفات الذاتية.

12- أن أداء الأمانة يشمل أساس الاعتقاد.

13- أنه يشمل أساس العبادة.

14- أنه يشمل أساس التعامل بين الناس وأساس العلاقات كلها بين الناس وأول أمانة ترد إلى أهلها أمانة الإيمان.

15- إثبات صفة الكلام.

16- إن صفة السمع غير صفة البصر إذ العطف يقتضي المغايرة.

17- وجوب أداء الأمانة إلى البر والفاجر.

18- إثبات البعث بعد الموت.

19- إثبات الحشر.

20- إثبات الجزاء على الأعمال.

21- إثبات الجنة والنار.

22- فيها رد على المعطلة من جهمية ومن معتزلة ونحوهم.

23- التنبيه على مقام الإحسان.

24- الحث على ما هو سبب التآلف.

25- النهي عن الظلم والجور والحيف.

26- الرد على المعتزلة القائلين سميع بلا سمع بصير بلا بصر. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

27- دليل على إثبات صفة الكلام لله.

28- لطف الله بخلقه حيث أرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في أمر دينهم.

29- الخوف من الله والمأخذ من قوله سميعاً بصيراً.

30- الرد على من أنكر صفة الكلام لله أو قال أن كلام الله الكلام النفسي لأن الكلام النفسي لا يسمع ولا يفهم.

 الإرادة والمشيئة

( " وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾(الكهف: من الآية39) وقوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾(البقرة: من الآية253) وقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾(المائدة: من الآية1) وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾(الأنعام: من الآية125).

في هذه الآيات  وما ماثلها لمشيئة الله التامة وإرادته الكونية القدرية والدينية الشرعية، وقد أجمع العلماء من المسلمين وسلف الأمة وأئمتها وأهل السنة قاطبة على إثبات مشيئة الله وإرادته.

الآية الأولى: أي وهلا إذ أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد، وقلت الأمر ما شاء الله والكائن ما قدره الله ليكون ذلك منك اعترافاً بالعجز وبأنها وما فيها بمشيئة الله إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها وأن ما تيسر له من عمارتها إنما هو بمعونة الله لا بقوتك وقدرتك ففي الآية:

1-إثبات مشيئة الله.

2- إن الأمر ما شاء الله والكائن ما قدره الله.

3- الحث على حمد الله والاعتراف بنعمه.

4- أنه لا تحول من حال إلى حال إلا بمعونة الله.

5- وصفه سبحانه بالألوهية.

6- النصح والتوبيخ لمن قال مقاله تنافي الشرع.

الآية الثانية: فيها أولا إخبار عما وقع بين أتباع الرسول ومن بعدهم من التنازع والتعادي وأن ذلك إنما كان بمشيئة الله عز وجل ولو شاء الله عدم الاقتتال لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكه إلا ما شاء سبحانه ففي هذه الآية:

1- إثبات لمشيئة الله وأنه لابد من وقوع ما أراد وقوعه.

2- إثبات الفعل حقيقة.

3- إثبات صفة الحياة.

4- إثبات صفة القدرة وهي من الصفات الذاتية.

5- في الآية دليل على أن أفعاله قائمة به ولولا ذاك لم يكن فعالا ولا موصوفاً بصفات الكمال والفعل من لوازم الحياة والرب لم يزل فعالاً ولا يزال موصوفاً بصفات الألوهية.

6- رد على الجهمية والمعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات.

(الإرادة المذكورة في الآية كونية قدرية).

الآية الثالثة: وهي قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الإرادة المذكورة فيها دينية شرعية، أي أبيحت لكم بهيمة الأنعام أي الإبل والبقر والغنم ﴿ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ أي إلا ما يتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال وقوله ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ قال بعضهم: هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر والحشية فاستثنى من الإنسي ما تقدم واستثنى من الوحشي الصيد حال الإحرام، وقيل المراد أحللنا الأنعام إلا ما استثنى منها لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام لقوله: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾(البقرة: من الآية173) الآية.

وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أي يحكم ما يريد من التحليل والتحريم لا اعتراض عليه في الحكم فله الحكم سبحانه، وهو الحكيم لا حاكم غيره فكل حكم سوى حكمه فهو باطل مردود ولك حاكم بغير الحديث كمه وحكم رسوله فهو طاغوت كافر بالله.

قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾(المائدة: من الآية44) وهذا عام شامل فما من قضية إلا ولله فيها حكم، قال الله تعالى ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾(الأنعام: من الآية38) وقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾(المائدة: من الآية3) فهذه الآية الجليلة القدر عظيمة الموقع كبيرة الفائدة حسنة المغزى اختارها الرب سبحانه وتعالى ليختم بها كتابه الكريم ووحيه المعجز وأحكام شريعته السمحة ودينه الحنيف.

ومن مزايا هذه الآية التي إنفردت بها عما بقي من السور، والآيات أن الله أكمل بها الدين بمعرفة الأحكام الشرعية من الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض وأتم بها النعمة على عبادة ا لمؤمنين بهدايتهم لأحكامه وتوفيقهم لمعرفة أمره ونهيه وحلاله وحرامه وإنجازه سبحانه ما وعدهم به في قوله﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ﴾(البقرة: من الآية150).

فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين وأنه سبحانه اختار لهذه الأمة دين الإسلام وملة إبراهيم عليه السلام عن الأديان كلها بياناً لشرف هذا الدين وإعتناء بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وحسبنا من ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾(آل عمران: من الآية19) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85) .

وهذا ما دعا كعب الأحبار وذلك قبل أن يسلم وكان معه نفر من اليهود أن يقول لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمري المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذناها عيداً وأقمنا لها محتفلاً كل عام نجدد ذكراها ونتدارس فضائلها الكثيرة وذكرياتها العطرة.

فيبتدر عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً أي آية هي؟ قال كعب: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾(المائدة: من الآية3) فيجيبه أمير المؤمنين بكل تؤدة وسكينة قائلاً لقد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم جمعة وفي رواية إسحاق بن قبيصة نزلت  نزلت يوم جمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد. اهـ.

ومن الأدلة على وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند التحاكم ما يلي:

وقال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾(النحل: من الآية89) وهذه النصوص واضحة الدلالة على كمال الشريعة وشمولها.

وقال ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾(النساء: من الآية59).

وقال تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾(النساء: من الآية65).

وقال تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾(لأعراف: من الآية3).

وقال صلى الله عليه وسلم " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وقال فيما صح عنه " ما بعث من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم" وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً.

ولا شك أن من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله واعتاض عنهما بالقوانين الوضعية أ نه كافر كفراً ناقلاً عن الملة الإسلامية وكذا من استهزأ بالقرآن أو طلب تناقضه أو دعوى أنه مختلف أو مختلق أو مقدور على مثله أو اسقاط لحرمته أو استخف به أو جحد شيئاً منه أو كذب به أو شيء منه أو أثبت شيئاً نفاه القرآن أو نفا ما أثبته القرآن فقد كفر قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾(الاسراء: من الآية88) وقال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾(النساء: من الآية82). ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر وقال علي عليه رضوان الله تعالى " من كفر بحرف منه فقد كفر به كله.

وكذا من زعم أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. أو زعم أن هدي غير محمد أفضل من هديه صلى الله عليه وسلم أو أحسن، أو زعم أنه لا يسع الناس في مثل هذه العصور إلا الخروج عن الشريعة، وأنها كانت كافية في الزمان الأول فقط، وأما في هذه الأزمنة فالشريعة لا تساير الزمن ولابد من تنظيم قوانين بما يناسب الزمن، فلاشك أن هذا الاعتقاد إذا صدر من إنسان فإنه قد استهان بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتنقصهما، ولاشك في كفره وخروجه من الدين الإسلامي بالكلية.

وكذلك من زعم أنه محتاج للشريعة في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الباطن فقط أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة أو أن الإنسان حرفي التدين وفي أي دين شاء من يهودية أو نصرانية أو غير ذلك، أو أن هذه الشرائع غير منسوخة بدين محمد، أو استهان بدين الإسلام، أو تنقصه أو هزل به أو بشيء من شرائعه أو بمن جاء به وكذلك ألحق بعض العلماء الاستهانة بحملته لأجل حملة فهذه الأمور كلها كفر، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾(التوبة: من الآية56، 66)َ.

وقال في تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن بعد سياقه لقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾(النساء: من الآية60) الآيتين: ثم لو لم يكن في القرآن المجيد في الزجر عن اتباع القوانين البشرية غير هذه الآية الكريمة لكفت العاقل اللبيب الذي أوتي رشده وأهمه صلاح قلبه عن تطلب غيرها فكيف والقرآن كله يدعو إلى تحكمي ما أنزل الله وعدم تحكيم ما عداه إما تصريحاً وإما تلويحاً وله جاهد من جاهد ويجاهد من يجاهد من عباد الله المتقين من لدن بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم إلى يوم تقوم الساعة وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال.

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا خلاف من خالفهم حتى يأتي أمر الله".

وأنه قال: " لا تجتمع أمتي على ضلالة" فعلمنا بذلك أن من الممتنع بالسمع أن يتمالأ العالم كلهم شرقاٌ وغرباً من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالحكم الشرعي بل لابد أن يكون فيهم ولو واحد ينكر على هؤلاء الكل إما بلسانه إن أمكنه ذلك ولم يفتكوا به وإما بقلبه وكن الفتك به كما قد كان أيام الاستبداد والغرض بيان أن طائفة  على الحق لا تزال تقاتل وتجاهد على تحكيم ما أنزل الله باللسان والبيان والبدن والسنان والمال وكل ممكن لنوع الإنسان وأن به يتم نظام العدل والملك والدين والدنيا وبه يستقيم أمر المعاش والمعاد وتكمل لهم الراحة والأمن والحرية التامة والسياسة العامة لجميع الملل والرعايا المختلفة الأصناف والألسنة والأمزجة ومن شك في هذا فلينظر الفرق بين حال الإسلام في هذه القرون المتأخرة التي عطلت فيها حدود الشريعة وأحكامها وحاله في القرون المتقدمة التي ما كانت على شيء أحفظ منها على أحكام الشريعة وأرعى لها يجد الفرق كما بين الثرى والثريا وكما بين السماء والأرض وكما قال الشاعر:

نزلوا بمكة في قبائل هاشم

ونزلت بالبيداء أبعد منزل

ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وسلم فتحوا ما فتحوا من أقاليم البلدان ونشروا الإسلام والإيمان والقرآن في مدة نحو مائة سنة مع قلة عدد المسلمين وعددهم وضيق ذات يدهم ونحن مع كثرة عددنا ووفرة عددنا وهائل ثروتنا وطائل قوتنا لا نزداد إلا ضعفاً وتقهقراً إلى الوراء وذلاً وحقارة في عيون الأعداء وذلك لأن من لا ينصر دين الله لا ينصر الله قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7) فرتب نصرهم على نصره بإقامة طاعته وطاعة رسوله.

وقال الشيخ رحمه الله على قوله تعالى:  ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:65).

فمن لم يلتزم تحكمي الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم سبحانه بنفسه أن لا يؤمنوا. وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله ظاهراً وباطناً لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة فمن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية والعملية فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا بالكتاب والسنة ليس لأحد أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا ملك وحكام المسلمين في الأمور المعينة لا يحكمون في الأمور الكلية وإذا حكموا في المعينات فعليهم أن يحكموا بما في كتاب الله فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم برأيه انتهى.

لأنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي قال الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عروة.

كتبت إلي تسألني عن القضاء بين الناس وإن رأس القضاء إتباع ما في كتاب الله ثم القضاء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بحكم أئمة الهدى ثم استشارة ذوي العلم والرأي وذكر عن سفيان بن عيينة قال كان بن شبرمة يقول:

ما في القضاءِ شفاعة لمخاصم هَوِّنْ عَليَّ إذا قضيت بسنة وقَضيتُ فيما لم أجد أثراً به

عند اللبيب ولا الفقيه العالم أو بالكتاب برغم أنف الراغم بِنظائر معروفة ومعالم

وعن بن وهب قال: قال مالك الحكم حكمان حكم جاء به كتاب الله وحكم أحكمته السنة قال ومجتهد رأيه فلعله يوفق.

وقال ابن القيم رحمه الله على قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون الآية.

فأقسم سبحانه بأجل مقسم به وهو نفسه عز وجل على أنه لا ينبث لهم إيمان ولا يكون من أهله حتى يحكموا الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين لفظة (ما) من صيغ العموم فإنها موصلة تقتضي نفي الإيمان أو يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه إنشراح صدورهم بحكمه حيث لا يجدون في أنفسهم حرجاً وهو الضيق والحصر من حكمه بل يقبلوا حكمه بالإنشراح ويقابلوه بالتسليم لا أنهم يأخذونه على إغماض ويشربون على قذى فإن هذا مناف للإيمان بل لابد أن يكون أ خذه بقبول ورضا وانشراح صدر ومتى أراد العبد أن يعلم هذا فلينظر في حاله ويطالعه في قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه فسبحان الله كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم أن لو لم ترد وكم من حرارة في أكبادهم منها وحكم من شجي في حلوقهم منها ومن موردها ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى ﴿ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾(النساء: من الآية65) فذكر الفعل مؤكداً بمصدره القائم مقام ذكره مرتين وهو الخضوع له والإنقياد لما حكم به طوعاً و رضا وتسليماً لا قهراً ومصابرة كما يسلم المقهور لمن قهره كرهاً بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أ حب شيء إليه يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بأنه أولى به من نفسه وأبر به منها وأرحم به منها وأنصح له منها وأعلم بمصالحه منها وأقدر على تخليصها، وتأمل تأكيده لهذا المعنى المذكور في الآية بوجوه عديدة من التأكيد أولها تصديرها يتضمن المقسم عليه وهو قوله لا يؤمنون وثانيها تأكيده بنفس القسم وثالثها تأكيده بالمقسم به وهو إقسامه بنفسه لا بشيء من مخلوقاته ورابعها تأكيده بانتفاء الحرج وهو وجود التسليم وخامسها تأكيد الفعل بالمصدر وما هذا إلا لشدة الحاجة إلى هذا الأمر العظيم وأن مما يعتني به ويقرر في نفوس العباد.

وقال رحمه الله:

لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال أهل الآراء عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم فعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يروها منكراً.

فجاءتهم دولة أخرى أقامت فيها البدع مقام السنن والهوى مقام الرشد والضلال مقام الهداية والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم والرياء مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم.

فإذا رأيت هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الأرض والله خير من ظهرها وقنان الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس.

اقشعرت الأرض واظلت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجوة وذهبت البركات وقلت الخيرات وهزلت الوحش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الجيشة والأفعال الفظيعة وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح.

وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه ومؤذن بليل قد أدلهم ظلامه فاعزلوا عن طريق هذه السيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوحاً وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وقال:

ما خوفي الذنوب فإنها  لكنما أخشى انسلاخ القلب من ورضا باراء الرجال وخرصها فبأي وجه أتلقي ربي إذا وعزلته عما أريد لأجله

لعلي سبيل العفو والغفران تحكيم هذا الوحي والقرآن لا كان ذاك بمنة المنان أعرضت عن ذا الوحي طول زمان عزلاً حقيقياً بلا كتمان

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في رده على محكمي القوانين: إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل  ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(النساء: من الآية59) وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن من لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم نفياً مؤكداً بتكرار أداة النفي وبالقسم قال تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:65).

قال وتأمل ما في الآية ا لأولى وهي قوله تعالى ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية كيف ذكر النكرة وهي قوله شيء في سياق الشرط وهو قوله جل شأنه ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ المفيد العموم فيما يتصور التنازع فيه جنساً وقدراً.

ثم قال ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي عاقبة في الدنيا والآخرة فيفيد أن الرد إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع شر محض وأسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة عكس ما يقوله المنافقون ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾(النساء: من الآية62) وقولهم ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾(البقرة: من الآية11).

ولهذا رد الله عليهم قائلاً ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة:12) وعكس ما يقوله القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم بل ضرورتهم إلى التحاكم إليه وهذا سوء ظن صرف بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن هذا لازم لهم.

قال وقد نفى الله الإيمان عن من أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (النساء:60).

فإن قول: ﴿ يَزْعُمُونَ ﴾ تكذيب لهم فيما أدعوه من الإيمان فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلاً بل أحدهما ينافي الآخر والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه وذلك أنه من حق كل أحد أن يكون حاكماً بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى وجاوز حده حكماً أو تحكيماً فصار بذلك طاغوتاً لتجاوزه حده.

قال وتأمل قوله ع عز وجل ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ تعرف منه معاندة القانونيين وإرادتهم خلاف أمر الله لهم حول هذا الصدد فالمراد منهم شرعاً و الذي تعبدوا به هو الكفر بالطاغوت لا تحكيمه ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾(البقرة: من الآية59).

ثم تأمل قوله ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ كيف دل على أن ذلك ضلال وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان عكس ما يتصوره القانونيون فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان وأمر الرحمن وما بعث به سيد ولد عدنان معزولاً من هذا الوصف ومنحى عن هذا الشأن.

وقد قال تعالى منكراً على هذا الضرب من الناس ومقرراً ابتغاءهم أحكام الجاهلية وموضحاً أنه لا حكم أحسن من حكمه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50).

فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلت على أ ن قسمة الحكم ثنائية و أنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية شاء أم أبوا بل هم أسوأ حالاً منهم وأكذب منهم مقالاً ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد.

وأما القانونيون فمتناقضون حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً وقد قال الله في أمثال هؤلاء ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ (النساء:151).

ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم ونحاتة أفكارهم بقوله عز وجل ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾(المائدة: من الآية50).

قال الحافظ بن كثير في تفسير هذه الآية: ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحكم المشتمل على كل خير ا لناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الصلالات و الجهالات مما يضعونه بآراءهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية التي يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾(المائدة: من الآية50) وعن حكم الله يعدلون ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾(المائدة: من الآية50) أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل من الله شرعاً وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين وأرحم من الوالدة بولدها فإنه تعالى العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل شيء.

وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾(المائدة: من الآية44).

﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(المائدة: من الآية45)

﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(المائدة: من الآية47).

فانظر كيف سجل تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق ومن الممتنع أن يسمى الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً بل هو كافر مطلقاً إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد.

وما جاء عن ابن عباس في تفسير هذه الآية يدل على أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة.

قال وهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مفتوحة الأبواب والناس إليها أسراب إثر أسراب يحكم حكامها بينهم فيما يخالف حكم الكتاب والسنة من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به وتحتمه عليهم فأي كفر فوق هذا الكفر وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة نسأل الله العصمة عن جميع المعاصي وأن يثبتنا على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اهـ.

ما يؤخذ من الآية المتقدمة ص**.

1- إثبات صفة الحكم.

2- حل بهيمة الأنعام.

3- رحمته سبحانه بخلقه حيث أحل لهم بهيمة الأنعام.

4- تحريم صيد الوحش من بهيمة الأنعام في حال الإحرام.

5- إثبات صفة الإرادة.

6- إثبات الألوهية لله.

7- الرد على من أنكر شيئاً من ذلك أو أوله بتأويل باطل.

8- إثبات قدرة الله.

9- لطف الله رأفته بخلقه.

10- إثبات صفة الكلام.

الآية الرابعة: يقول تعالى فيمن كان أهلا بإرادة الله وتقديره لقبول دعوة الإسلام الذي هو دين الفطرة والهادي إلى طريق الرشاد وجد لذلك في نفسه انشراحاً واتساعاً بما يشعر به قلبه من السرور فلا يجد مانعاً من ا لنظر ا لصحيح فيما ألقي إليه فيتأمله، وتظهر له عجائبه، وتتضح له دلائله فتتوجه إليه إرادته، ويدعو له قلبه، بما يرى من ساطع النور الذي يستضئ به لبه، وباهر البرهان الذي يتملك نفسه، وقال الشيخ فالإيمان إذا باشر القلب وخالط بشاشته لا يسخطه القلب بل يحبه ويرضاه فإن له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه والناس متفاوتون في ذوقه والفرح والسرور الذي في القلب له من البشاشة والبر ما ه و بحسبه وإذا خالطت القلب لم يسخطه. قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس:58) وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾(الرعد: من الآية36).

ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قال: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟

قال: " نور يقذف فيه فينشرح قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت". قال ابن القيم رحمه الله لأسباب شرح الصدر أمور، قوة التوحيد والهدي والنور الذي يقذفه الله بقلب العبد والعلوم النافعة والإنابة إلى الله تعالى ودوام ذكر الله والإحسان إلى الخلق والشجاعة وإخراج دغل القلب وترك فضول النظر والكلام و الاستماع والمخالطة والأكل والنوم وأضداد هذه الصفات سبب الهم والغم والضيق والحصر ولبينا صلى الله عليه وسلم من هذه الصفات الكاملة وغيرها أعلاها وأكملها وأتباعه منها بحسب أتباعهم له انتهى.

وقوله: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾(الأنعام: من الآية125) .. أي من فسدت فطرته بالشرك وتدنست نفسه بالآثام والذنوب يجد في صدره ضيقاً أيما ضيق إذا طلب إليه التأمل فيما يدعي له من دلائل التوحيد والنظر في الآفاق والأنفس لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الأكثر من الناس وتضعف إرادته عن ترك ما هو عليه فتكون إجابته للداعي إلى الأكثر من الناس وتضعف إرادته عن ترك ما هو عليه فتكون إجابته للداعي إلى دين الإسلام والتمسك به ثقيلة ويشعر بالعجز عن احتمالها، ويكون مثل من صعد في الطبقات العليا في جو السماء إذ يشعر بضيق شديد في النفس، وكلما صعد في الجو أكثر شعر بتخلخل الهواء ولم يستطع البقاء، فإن هو قد بقي فيها مات.

وقيل: كأنه من ضيقه وشدته يصعد في السماء، أي يتكلف الصعود إلى السماء الذي لا حيلة فيه.

والخلاصة: أن هذا مثل ضربه ا لله لقلب الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه بقبوله فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأنه ليس في وسعه وطاقته الوصول إليه.

قال شيخ الإسلام: جعل الله القلوب ثلاثة أقسام: قاسية وذات مرض، ومؤمنة مخبتة، وذلك إنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافاً وإذعاناً، أو لا تكون يابسة جامدة، فالأول هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع ولا يكتب فيه الإيمان ولا يرتسم فيه العلم لأن ذلك يستدعي محلاً ليناً قابلاً، والثاني لا يخلو إما أ ن يكون ثابتاً فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه أو يكون لينه مع ضعف وانحلال فالثاني هو الذي فيه المرض والأول هو القوي اللين. قال ابن القيم:

والعلم يدخل قلب كل موفق وبرده المحروم من خذلانه

من غير بواب ولا استئذان لا تشقنا اللهم بالخذلان

يؤخذ من هذه الآية:

1- إثبات الإرادة.

2- إن الهداية والإضلال بيد الله.

3- إثبات الألوهية.

4- أن العبد مفتقر على الله في كل شيء.

5- إن العباد لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.

6- إن من تفرد بالخلق والرزق فهو المستحق أن يفرد بالألوهية والعبادة والسؤال وسائر أنواع العبادة وأنه ليس عند أحد من هداية القلوب وتفريج الكروب شيء لا الأنبياء ولا الملائكة ولا غيرهم.

7- في الآية رد على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يملك شيئاً من ذلك فضلاً عن غيره.

8- إثبات العلة والحكمة في أفعال الله إذ لا يعقل مريد إلا إذا كان المريد قد فعل الحكمة يقصدها بالفعل.

9- الرد على الجهمية الذين ينفون الحكمة عن الله في خلقه وأمره.

10- إثبات صفة الإرادة الكونية القدرية المرادفة للمشيئة.

11- إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

12- أن من انشرح صدره للإسلام بأن اتسع وانفسح فاستنار بنور الإيمان حتى يصفو اليقين فاطمأنت بذلك نفسه فإن هذا علامة على أن الله قد هداه ومن عليه بالتوفيق.

13- إن علامة من يرد الله أن يضله أن يجعل صدره ضيقاً حرجاً.

14- إثبات قدرة الله.

15- إن قلوب العباد يصرفها الله كيف يشاء.

16- إثبات علم الله.

17- إثبات صفة الكلام لله.

18- أن لسعادة العبد علامة ولشقاوته وضلالته علامة.

19- إن على من شرح صدره للإسلام وارتاح لتعاليمه وقبلته نفسه وأحبه أن يشكر الله ويحمده ويسأل الله الثبات عليه حتى الممات.

تنبيه: الإرادة تنقسم إلى قسمين إرادة كونية قدرية وإرادة دينية شرعية.

قال الشيخ رحمه الله: الإرادة في كتاب الله نوعين أحدهما: الإرادة الكونية وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والثاني الإرادة الدينية الشرعية وهي محبة المراد رضاه ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاؤهم الحسنى ولهذا كانت الأقسام أربعة ما اجتمعت فيه الإرادتان وهو ما وقع من الإيمان والطاعات كلها وما انتفت عنه الإرادتان وهو ما لم يكن من المباحات والمعاصي فإن الله لم يردها ديناً لأنه لم يحبها ولم يردها كوناً لأنه لم يقدرها وما تعلقت به الإرادة الدينية وحدها وهو ما أ مر ا لله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فإن الله أرادها محبة ولكن ما يقضها ويقدرها، وما تعلقت به الإرادة الكونية القدرية وحدها وهو ما قدر من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي وهذا واضح اهـ.

بين الإرادتين عموم وخصوص، فالكونية القدرية أعم من جهة تعليقها بما لا يحبه الله ويرضاه من الكفر والمعاصي وأخص من جهة أنها لا تتعلق بمثل إيمان الكافر وطاعة الفاسق، وأخص من جهة أنها لا تتعلق بمثل إيمان الكافر وطاعة الفاسق، والإرادة الدينية الشرعية أعم من جهة تعلقها بكل مأمور، واقعاً كان أو غير واقع، وأخص من جهة أن الواقع بالإرادة الكونية القدرية قد يكون غير مأمور به، وليس به الإرادتين تلازم بل قد تتعلق كل منها بما لا تتعلق به الأخرى، وبينهما فروق أربعة:

1- أن الكونية القدرية مستلزمة لوجود المراد، ومعنى ذلك أنه لابد من وقوع مرادها.

2- أن الكونية القدرية شاملة للحوادث كلها وهي المتعلقة بالخالق بأن يريد ما يفعل هو، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يّـس:82) فالكافر والمسلم والبر والفاجر والطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال كلها تحتها.

3- أن الإرادة الدينية لا تستلزم وجود المراد إلا أن يتعلق به الأول، وهو الكوني القدري، فيجتمعان في حق المطيع وتنفرد الكونية في حق العاصي.

4- أن الإرادة الدينية الشرعية تتعلق بالأمر، بأن يريد من العبد فعل ما أ مره به، والله سبحانه يحبها وقعت أو لم تقع وهي المتضمنة للمحبة والرضا المتناولة لجميع ما أمر به شرعاً وديناً، وهي مختصة بالإيمان والعمل الصالح.

 صفة المودة والمحبة

( " وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(البقرة: من الآية195) ﴿ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الحجرات: من الآية9) ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾(التوبة: من الآية7) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾(البقرة: من الآية222) ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾(آل عمران: من الآية31) ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾(المائدة: من الآية54) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف:4) ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (البروج:14) ".

وفي هذه الآيات الكريمات دليل على إثبات صفة المحبة لله وهي من الصفات الفعلية، وقد دل عليها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، محبة تليق بجلاله كما يقال ذلك في سائر الصفات. والحب اشتقاقه في الأصل من الملازمة والثبوت من قولهم: أحب البعير فهو محب، إذا برك فلم يثر، فالمحب ملازم لذكر محبوبه ثابت القلب على حبه مقيم عليه ولا يروم عنه انتقالاً ولا يبغي عنه تحولا ولا زوالا، قد اتخذ له في سويداء قلبه وطناً وجعله له سكناً والحب بالضم والكسر والضم أولى. والمحبة مراتب أولها العلاقة وهي تعلق القلب بالمحبوب والثانية الإرادة و هي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه ا لثالثة الصبابة وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه الرابعة الغرام وهي الحب اللازم للقلب الخامسة المودة وهي صفو المحبة وخالصها ولبها السادسة الشغف وهي وصول المحبة إلى شفاف القلب السابعة العشق وهو الحب المفرط الذي ينخاف على صاحبه منه ولكن لا يوصف به الرب ول االعبد في محبة ربه الثامنة التتيم وهي بمعنى التعبد العاشرة الخلة التي تخللت روح المحب وقلبه وقيل في ترتيبها غير ذلك.

ومن السنة مما يدل على صفة المحبة ما ورد عن عبد الله بن مسعود يرفعه قال: " ثلاثة يحبهم الله رجل قام من الليل يتلو كتاب الله .. الحديث" رواه الترمذي وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم فتخلق رجل بأعيانهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه" الحديث رواه الترمذي والنسائي.

قال الشيخ: فأهل السنة والجماعة يقولون إن الله يحب ويرضى كما دل على ذلك الكتاب والسنة ويقولون إن المحبة والرضا أخص من الإرادة فيقولون إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه وإن كان داخلاً في مراده كما دخلت سائر المخلوقات اهـ.

الآية الأولى – الإحسان ضد الإساءة وهو نوعان إحسان في عبادة الله فسره صلى الله عليه وسلم بقوله " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وأما الإحسان إلى المخلوق فهو إما أن يكون بإيصال النفع الديني والدنيوي ويدخل في ذلك إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه البر والخيرات والعبادات وإما أن يكون بدفع الضرر عنهم حسب الاستطاعة أو بهما جميعاً.

ما يؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة المحبة لله على ما يليق بجلاله وعظمته

2- إثبات صفة الكلام لله.

3- إثبات الألوهية.

4- أن الجزاء من جنس العمل.

5- أن الإحسان سبب لمحبة الله للعبد.

6- الرد على الجبرية.

7- إثبات فعل العبد وكسبه.

8- أن العبد يثاب على عمله  الحسن ويعاقب على عمله السيء.

9- إثبات الحكمة.

10- أن الله يحب مقتضى أسمائه، الحث على الإحسان.

11- لطف الله بخلقه حيث حث على الإحسان إلى الخلق.

الآية الثانية: القسط العدل في المعاملات والأحكام مع كل أحد، قريب أو بعيد، عدو أو صديق، والعدل في حقوق الله أن تصرف نعمه في طاعته ولا يستعان بها ولا بشيء منها على معصية الله أي اعدلوا في كل ما تأتون وما تذرون، إن الله يحب العادلين في أهليهم وما ولوا، وفي جميع أعمالهم، وفي حكمهم بين الناس، وفي جميع الولايات التي تولوها، حتى أنه قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله وعياله في أداء حقوقهم.

عن عبد ا لله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" المقسطون عند ا لله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا".

قال الشيخ رحمه الله: العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال والظلم محرم مطلقاً لا يباح قط بحال، والعدل محبوب باتفاق أهل الأرض، مركوز حبه في القلوب، وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب وتحبه والظلم من المنكر الذي تنكره القلوب فتبغضه وتذمه، والشرع الذي يجب على حكام المسلمين الحكم به عدل كله ليس في الشرع ظلم أصلاً بل حكم الله أحسن الأحكام، والشرع هو ما أنزل الله فكل من حكم بما أنزل الله فقد حكم بالعدل لكن العدل قد يتنوع بتنوع الشرائع والمناهج.

وقال: أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدول الذي فيه اشتراك في أنواع الإثم أكثر مما ت ستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في غثم، ولهذا قيل إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال : الدنيا تدوم مع الدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم و الإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة اهـ. وقال: ومعلوم أن الناس تحت أمر الله ورسوله فليس لأحد أن يضر نفسه وماله ضرراً نهاه الله عنه زمن دفع ذلك الضرر عنه بما هو أخف منه فقد أحسن إليه وفي فطر الناس جميعهم أن  من لم يقابل الإحسان بالإحسان فهو معتد وما عده المسلمون ظلماً فهو ظلم. وقال رحمه الله والظلم لا يباح بحال حتى إن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يعدلوا على الكفار في قوله ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾(المائدة: من الآية8) والمؤمنون كانوا يعادون الكفار بأمر الله فقال تعالى لا يحملنكم بغضكم للكفار على أن لا تعدلوا بل اعدلوا عليهم فإنه أقرب للتقوى وحينئذ فهؤلاء المشركون ليس لبعضهم أن يفعل ما به يظلم غيره بل إما أن يؤدي قسطه فيكون محسناً وليس له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذلك المال امتناعاً يؤخذ به قسط من سائر الشركاء فتضاعف الظلم عليهم فإن المال إذا كان يؤخذ لا محالة وامتنع بجاه أو رشوة أو غيرهما كان قد ظلم من يؤخذ منه القسط الذي يخصه وليس هذا بمنزلة أن يدفع عن نفسه الظلم من غير ظلم لغيره فإن هذا جائز مثل أن يمتنع عن أداء ما يخصه فلا يؤخذ ذلك منه ولا من غيره وهذا كالوظائف السلطانية التي توضع على القرى مثل أن يوضع عليهم عشرة آلاف درهم فيطلب من له جاه بأمر أو مشيخة أو رشوة أو غير ذلك أن لا يؤخذ منه شيء وهم لابد لهم من  أخذ جميع المال وإذا فعل ذلك أخذ ما يخصه من الشركاء فيمتنع من أخذ ما ينوبه ويؤخذ من سائر الشركاء فإن هذا ظلم منه لشركائه لأن هذا لم يدفع الظلم عن نفسه إلا بظلم شركائه وهذا لا يجوز، وليس له أن يقول أنا لم أظلمهم بل ظلمهم من أخذ منهم الحصتين لأنه يقال أولا هذا الطالب قد يكون مأموراً ممن فوقه أن يأخذ ذلك المال فلا يسقط عن بعضهم  نصيبه إلا إذا أخذه من نصيب الآخر فيكون أ مره بأن لا يأخذ أمراً بالظلم. الثاني أنه لو فرض أن الآمر الأعلى فعليه أن يعدل بينهم فيما يطلبه منهم وإن كان أصل الطلب ظلماً فعليه أن يعدل في هذا الظلم ولا يظلم فيه ظلماً ثانياً فيبقى ظلماً مكرراً فإن الواحد منهم إذا كان قسطه مائة فطولب بمائتين كان قد ظلم ظلماً مكرراً بخلاف ما إذا أخذ من كل قسطه ولأن النفوس ترضى بالعدل بينها بالحرمان وفيما يؤخذ منها ظلما ولا ترضى بأن يخص بعضها بالعطاء أو الاعفاء الثالث أنه إذا طلب من القاهر أن لا يأخذ منه وهو يعلم أنه يضع قسطه على غيره فقد أمره بما يعلم أنه يظلم فيه غيره وليس للإنسان أن يطلب من غيره ما يظلم فيه غيره وإن كان هو لم يأمره بالظلم كمن يولي شخصاً ويأمره أن لا يظلم وهو يعلم أنه يظلم فليس له أن يوليه وكذلك من وكل وكيلاً وأمره أن لا يظلم وهو يعلم أنه يظلم ومن طلب من غيره أن يوفيه دينه من ماله الحلال وهو يعلم أنه لا يوفيه غلا مما ظلمه من الناس وكذلك إذا طلب منه أن يعفيه من الظلم وهو يعلم أنه لا يعفيه إلا بظلم غيره فليس له أن يطلب منه ذلك.

يؤخذ من الآية:

1- الأمر بالعدل.

2- فضل العدل.

3- أن العدل سبب لمحبة الله للعبد.

4- إثبات صفة المحبة لله.

5- إثبات الألوهية.

6- إثبات صفة الكلام.

7- إثبات الحكمة.

8- الرد على من أنكر شيئاً من هذه الصفات كالجهمية ونحوهم.

9-  إثبات فعل العبد وكسبه وأنه يثاب على حسنه ويعاقب على سيئه.

10- أن الجزاء من جنس العمل.

11- الحث على الإحسان.

12- لطف الله بخلقه حيث أمر بالإحسان إلى الخلق.

13- أن المحسن كما أنه محبوب عند الله فهو أيضاً محبوب عند الناس.

14- الرد على من قال بالقوانين الوضعية.

قال بعضهم:

أحسن إلى الخلق كي تظفر بودهم

فالمحسنون أحباء لدى البشر

وقال المتنبي:

وأحسن وجه في الورى وجه محسن

وأيمن كف فيهم كف منعم

الآية الثالثة: التواب: كثير التوبة الذي كلما أذنب تاب ورجع عن المعصية. والطهارة: النظافة والنزاهة عن الأقذار والطهارة تنقسم إلى قسمين:

(1) حسية، وتكون عن الأحداث والأنجاس.

(2) ومعنوية، وتكون عن الذنوب والآثام والمعاصي.

والمعنى أن الله يحب الذين يرجعون إليه تائبين غير مصرين على شيء من أفعالهم ويحب كل من نزه نفسه عن الأقذار وابتعد عن ارتكاب المحرمات، وللتوبة ثلاثة شروط، إذا كانت لا تتعلق بآدمي: الأول الإقلاع عن المعصية، والثاني الندم على فعلها، والثالث العزم على أن لا يعود إلى المعصية أبداً، فإن فقد أحد هذه الشروط لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة، الثلاثة المذكورة، والرابع: أن يبرا من حق صاحبها فإن كانت مالا أو نحوه رده، وإن كانت حد قذف أو نحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها إن كان عاقلاً حليماً يغلب على الظن أنه إذا جاء معتذراً متنصلاً من ذنبه تائباً نادماً عفا عنه وسامحه، وإلا فيستغفر له لحديث " إن من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته تقول: اللهم اغفر لنا وله".

وقد حث الله على التوبة وبين ما للتائبين في آيات القرآن الكريم، وقد نظم أركان التوبة الشيخ عثمان بن قائد الحنبلي رحمه الله في ثلاثة أبيات وسماها شروطاً، فقال:

شروط توبتهم إن شئت عدتها إقلاعه، ندم، وعزمه أبداً إن كان توبته من ظلم صاحبه

ثلاثة عرفت فاحفظ على مهل أن لا يعود لما منه جرى وقل لابد من رده الحق على عجل

يؤخذ من الآية الكريمة:

1- إثبات الألوهية.

2- إثبات المحبة على ما يليق بجلاله وعظمته.

3- الحث على التوبة.

4- إثبات صفة الكلام.

5- أن التوبة سبب لمحبة الله العبد.

6- أن التطهر سبب لمحبة الله.

7- الحث على الطهارة الحسية والمعنوية.

8- لطف الله بخلقه حيث حثهم على ما هو سبب لمحبته لهم.

9- الرد على من أنكر صفة المحبة أو أولها بتأويل باطل من جهمية أو معتزلة أو نحوهم.

10- الابتعاد عن النجاسات والأقذار.

الآية الرابعة: الاستقامة ضد الاعوجاج، ومعناها لغة الاستواء في جهة الانتصاب، وأما اصطلاحاً فهي اتباع الحق والقيام بالعدل ولزوم المنهج المستقيم.

وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾(التوبة: من الآية7) أي مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم عليه من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين فاستقيموا لهم الخ.. وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك والمسلمون، واستمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالؤا حلفاءهم وهم بنو بكر على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوهم معهم في الحرب أيضاً، فعند ذلك غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم، ولله الحمد والمنة.

وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾(التوبة: من الآية4) التقوى: التحرز بطاعة الله ع ن معصية الله فهي كلمة جامعة لفعل المأمورات وترك المنهيات، وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات كما قال الشاعر:

خل الذنوب صغيرها واصنع كماش فوق أر لا تحقرن صغيرة

وكبيرها فهو التقي ض الشوك يحذر ما يرى إن الجبال من الحصى

يؤخذ من الآية:

1- الحث على الاستقامة.

2- إثبات صفة المحبة.

3- إثبات الألوهية.

4- الحث على التقوى.

5- أن التقوى سبب لمحبة الله للعبد.

6- الحث على الوفاء بالعهد.

7- استباحة نبذ العهد عند عدم الاستقامة كما يفيده مفهوم الآية.

8- إثبات صفة الكلام لله والرد على من أنكرها.

9- الرد على من أنكر صفة المحبة أو أولها بتأويل باطل.

10- سماحة الدين الإسلامي حيث أمر المسلمين بالوفاء مع من وفى معهم.

11- لطف الله بخلقه.

12- الحث على مكارم الأخلاق.

13- الحث على العدل والإنصاف.

الآية الخامسة – الحب والمحبة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه يقال أحبه فهو محب وحبه يحبه بالكسر فهو محبوب، قال الأزهري: محبة العبد لله ولرسوله طاعته لأمرهما واتباعه لهما، ومحبة الله للعبد محبة تليق بجلاله وعظمته أثرها رحمته وإحسانه وإعطاؤه، والمعنى قل يا محمد إن كنتم تحبون الله حقيقة فاتبعوني فإن ما جئت به من عنده مبين لصفاته وأمره ونهيه، والمحب الصادق حريص على معرفة المحبوب ومعرفة أمره ونهيه ليقترب إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه، فإن اتبعتموني يحببكم الله الخ.. وهذا حجة على من يدعي محبة الله في كل زمان ومكان وأعماله تكذب ما يقول، إذ كيف يجتمع حب مع الجهل بالمحبوب وعدم العناية بأوامره ونواهيه فهو كما قال الوراق:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه لو كان حبك صادقاً لأطعته

هذا لعمري في القياس بديع إن المحب لمن يحب مطيع

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبه إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين" وفيهما " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" فالواجب على كل أحد آمن بالله واليوم الآخر محبة الله ورسوله المحبة الصحيحة الصادقة المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات قال بعض العلماء ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فمن ادعى أنه يحب الله ورسوله فيفترض عليه أن يبذل وسعه ويسعى جهده في إقامة حدود الله ونصرة دينه بالقول والفعل والمال وكل ممكن فإن علامة المحب الصادق أن يسعى في حصول محبوبات محبوبه ويبذل جهده وطاقته فيها اهـ.

ما يؤخذ من الآية:

1- إثبات الألوهية.

2- إثبات صفة الكلام.

3- إثبات صفة المحبة لله.

4- الرد على الجهمية والمعتزلة.

5- الحث على محبة الله بالسعي في أسبابها.

6- الرد على من قال إن القرآن كلام جبريل أو كلام محمد صلى الله عليه وسلم.

7- إثبات صفة المغفرة. ومن أسمائه الغفور والغفار قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾(طـه: من الآية82) الآية. قال ابن القيم رحمه الله

وهو الغفور فلو أتى بقرابها لاقاه بالغفران ملء قرابها

من غير شرك بل من العصيان  سبحانه هو واسع الغفران

فهو سبحانه الذي أظهر الجميل وستر القبيح، والذنوب من جملة القبائح قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾(لنجم: من الآية32) وفي الحديث " إن الله يقول يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة...".

ومما يؤخذ من الآية أيضاً.

8- الحث على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

9- أن هذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة ومن ادعى ذلك دعوى مجردة فعلامة محبة الله اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال الشيخ رحمه الله: وكلما كان الرجل أتبع لمحمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم توحيداً لله وإخلاصاً له في الدين وإذا بعد عن متابعة نقص من دينه بحسب ذلك فإذا كثر بعده عنه ظهر فيه من الشرك والبدع ما لا يظهر فيمن هو أقرب منه إلى اتباع الرسول. اهـ.

الآية السادسة – الارتداد: الخروج عن الإسلام والدخول في الكفر أذلة: جمع ذليل بمعنى عاطفين عليهم، أعزة: جمع عزيز بمعنى متعالين عليهم أي يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين بمعنى قوله ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾(الفتح: من الآية29)، ففي قوله تعالى ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾(المائدة: من الآية54) بعد قوله ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾(المائدة: من الآية54) احتراس فيه تتميم للمعنى وتكميل للمدح، فإنه سبحانه لو اقتصر على وصفهم بالذل لإخوانهم المؤمنين لاحتمل أن يتوهم أن ذلهم عن عجز وضعف، فنفي ذلك بذكر عزتهم على الكافرين ليعلم أن ذلهم للمؤمنين عن تواضع .. لومة لائم: أي عذل عاذل في نصرهم، يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين وأنه من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئاً، وإنما يضر نفسه، وأن لله عباداً مخلصين ورجالاً صادقين قد تكفل الرحمن الرحيم بهدايتهم ووعدهم ووعد الإتيان بهم، وأنهم من أكمل الخلق أوصافاً وأقواهم نفوساً وأحسنهم أخلاقاً، أجل صفاتهم أن الله يحبهم، فجمعوا بين المجاهدة في سبيل الله وعدم خوف الملامة في الدين، متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الدين الإسلامي وما يفعله حزب الشيطان من إزراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوئ ومناقبهم مثالب حسداً وبغضاً وكراهة للحق وأهله، والإشارة في قوله ذلك إلى ما اختصهم الله به من الصفات الحميدة التي نالوا بها محبة الله التي هي الغاية المطلوبة.

يؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة المحبة لله.

2- الرد على من أنكرها من جهمية أو نحوهم.

3- التحذير عن معصية الله.

4- أن الكافر والعاصي لا يضر إلا نفسه.

5- أن الله غني عن العالمين.

6- عظيم قدرة الله في أن من تولى عن دينه  فإن الله يستبدل به غيره. وقد وصف الله المؤمنين بست صفات:

(1) أنه تعالى يحبهم.

(2) أنهم يحبونه.

(3، 4) أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.

(5) الجهاد في سبيل الله ومن أعظم الجهاد بذل النفس والمال في قتال أعداء الله ورسوله.

(6) كونهم لا تأخذهم في الله لومة لائم.

ومما يؤخذ:

7- إثبات فعل العبد حقيقة.

8- أن الأعمال الصالحة سبب للسعادة.

9- إفراد الله بالمحبة.

10- التعريض بالمنافقين الذين يخالفون لوم أوليائهم من اليهود لهم إذا هم قاتلوا مع المؤمنين.

11- إثبات صفة الكلام لله.

12- الرد على من أنكر صفة المحبة أو صفة الكلام.

13- الخطاب على وجه الوعيد والتحذير والتخويف.

14- إعلام بارتداد بعض المؤمنين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه ثم وقع فارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، وبنو مدلج قوم الأسود العنسي، وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد، الذي ادعى النبوة ثم أسلم وجاهد، ثم كثر المرتدون وفشا أمرهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم حتى كفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

15- الحث على التمسك بدين الإسلام، ثبتنا الله عليه وجميع المسلمين.

16- الحث على التواضع والعطف على المؤمنين.

17- الحث على الشدة والغلظة على الكفار.

18- الرد على الجهمية المنكرين لعلم الله.

19- الرد على القدرية.

2- أن الله إذا أحب عبداً يسر له الأسباب، وهو عليه كل عسير ووفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات، وأقبل بقلوب العباد إليه بالمحبة والوداد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ (مريم:96).

ومن لوازم محبة العبد لربه أنه لابد أن يتصف بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً  في أقواله وأعماله وجميع أحواله كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾(آل عمران: من الآية31) كما أن من لوازم محبة الله للعبد أن يكثر العبد التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه،, ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أ حبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه".

ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى والإكثار من ذكره فإن المحبة بدون معرفة الله ناقصة جداً، بل غير موجودة، وإن وجدت دعواها، ومن أحب الله أكثر من ذكره وإذا أحب الله عبداً قبل منه اليسير من العمل، وغفر له الكثير من الزلل، وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله كما في الآية.

اللهم ارزقنا حبك، وألهمنا ذكرك، وشكرك، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

الآية السادسة – يخبر فيها جل وعلا وتقدس أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله أن يصفوا أنفسهم حين القتال بنظام ودقة وحكمة، ولا يكون بينهم فرج كأنهم البنيان المرصوص المتلاحم الأجزاء الذي كأنه قطعة واحدة، والسر في ذلك أنهم إذا كانوا كذلك نشط بعضهم بعضاً، زادت قوتهم المعنوية وتنافسوا في الطعان والنزال، والكر والفر وأدخلوا الروع والفزع والذعر في نفوس الأعداء.

يؤخذ من الآية:

1- إثبات الألوهية.

2- إثبات صفة المحبة لله.

3- الحث على الجهاد في سبيل الله.

4- تعليم المجاهدين ما يعود عليهم بالمصلحة.

5- إثبات صفة الكلام.

6- أن الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال.

7- الحث على اجتماع الكلمة.

8- الحث على إخلاص العمل لله وحده.

9- الحث على تكاتف المسلمين وتعاضدهم وكونهم يداً واحدة.

10- الرد على من أنكر صفة المحبة.

11- الحث على الثبات والجد في القتال.

12- الندب إلى الصفوف في القتال.

تنبيه:

أنكرت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم محبة الله وقالوا المحبة لا تكون إلا بين متناسبين وبهذه الشبهة الفاسدة ردوا صفة من صفات الله الثابتة له، قال الإمام أحمد: لا تزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين، والمناسبة لفظ مجمل، فإنه قد يراد بها التوالد والقرابة، فيقال هذا نسيب فلان ويناسبه إذا كان بينهم قرابة مستندة على الولادة والآدمية، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ويراد بها المماثلة، فيقال: هذا يناسب هذا أي يماثله والله سبحانه وتعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ويراد بها الموافقة في معنى من المعاني وضدها المخالفة، والمناسبة بهذا الاعتبار ثابتة فإن أولياء الله تعالى يوافقونه فيما يأمر به فيفعلونه وفيما يحبه فيحبونه وفيما نهى عنه فيتركونه وفيما يعطيه فيصيبونه والله وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال نظيف يحب النظافة محسن يحب المحسنين مقسط يحب المقسطين إلى غير ذلك من المعاني، فإذا أريد بالمناسبة هذا وأمثاله فهذه المناسبة حق وهي من صفات الكمال فإن من يحب صفات الكمال أكمل ممن لا فرق عنده بين صفات النقص والكمال أو لا يحب صفات الكمال، وإذا قدر موجودان أ حدهما يحب العلم والصدق والعدل والإحسان ونحو ذلك والآخر لا فرق عنده بين هذه الأمور وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك لا يحب هذا ولا يبغض هذا كان الذي يحب تلك الأمور أكمل من هذا اهـ. ( من مجموع الرسائل لشيخ الإسلام).

الآية الثامنة – قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (البروج:14) فالغفور من أبنية المبالغة أي كثير المغفرة وأصل الغفر الستر، ومنه المغفر فهو سبحانه وتعالى يغفر لمن تاب إليه أي يستر ذنوبه ويتجاوز عن خطاياه.

قال ابن رجب: المغفرة محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره ومنه المغفرة لما يقي الرأس من الأذى لا كما ظنه بعضهم الستر فالعمامة لا تسمى مغفراً مع سترها فلابد في لفظ  المغفر من الوقاية اهـ.

وقوله: ﴿ الْوَدُودُ﴾ من الود وهو خالص الحب وألطفه وأرقه وهو من الحب بمنزلة  الرأفة والرحمة قال الجوهري وودت الرجل أوده وداً إذا أحببته والود المودة، والودود المحب، والودود من صفاته أصله من المودة. واختلف فيه على قولين: فقيل هو ودود بمعنى واد كضروب بمعنى ضارب وقتول بمعنى قاتل ونؤوم بمعنى نائم، ويشهد لهذا القول أن فعولاً في صفات الله فاعل كغفور بمعنى غافر وشكور بمعنى شاكر وصبور بمعنى صابر وقيل بل هو بمعنى مودود وهو الحبيب وبذلك فسره البخاري في صحيحه فقال الودود الحبيب والأول أظهر لاقترانه بالغفور في قوله ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ وبالرحيم في قوله ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾(هود: من الآية90) وفيه سر لطيف وهو أنه يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾(البقرة: من الآية222) فالتائب حبيب الله فالود أصفى لحب وألطفه، اهـ (من كلام ابن القيم)

وقال رحمه الله:

وهو الودود يحبهم ويحبه وهو الذي جعل المحبة في قلـو هذا هو الإحسان حقاً لا معـ

أحبابه والفضل للمنان بهم وجازاهم بحب ثان ـاوضة ولا لتوقع الشكران

والخلاصة: أنه سبحانه المحب لأهل طاعته من أنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه وعباده المؤمنين المحسنين وهو سبحانه محبوبهم ولا تعادل محبة الله عند أصفيائه محبة أخرى. وهذا هو الواجب ويتعين أن تكون المحاب تبعاً لها، لأن محبة الله هي روح الأعمال وجميع الأعمال وجميع العبودة الظاهرة والباطنة تبع لها ومحبة العبد لربه فضل من ربه وإحسان ليست بحول العبد وقوته فهو الذي أحب عبده فوفقه وجعل المحبة في قلبه ثم لما أحبه جازاه بحب آخر. قال بعض ا لعارفين مساكين أ هل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قيل وما أطيب ما فيها قال محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته، وقال آخر إنه ليمر بالقلب أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب، وقال آخر ما طابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته، وقال أبو الحسن الوراق حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير.

وقال ابن القيم:

وحياةُ قلبِ المرءِ في شيئين مَنْ في هذه الدنيا وفي الآخرة يكـو ذكرُ الإلهِ وحبُه من غير إشـ من صاحب التعطيل حقاً كامتنا أيحبه من كان ينكر وصفه لا والذي حقاً على العرش استوى

يُرْزقْهما يَحْيَ مَدَى الأزمان ن الحيِّ ذا الرضوان ـراك به وهما فممتنعان ع الطائر المقصوص من طيران وعلوه وكلامه بقران؟ متكلماً بالوحي والفرقان!

صفة الرحمة والمغفرة

" وقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (الفاتحة:1) ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾(غافر: من الآية7)  ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾(الأحزاب: من الآية43) ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾(لأعراف: من الآية156) ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾(الأنعام: من الآية12) ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(يونس: من الآية107) ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(يوسف: من الآية64).

في هذه الآيات إثبات صفة الرحمة والمغفرة.

الآية الأولى: الباء في بسم الله للاستعانة، وهي متعلقة بمحذوف،والتقدير ابتدئ، والاسم مشتق من السمو والعلو، ومن السمة و هي العلامة، ولفظ الجلالة مشتق من أله، ومعنى كونه مشتقاً أنه دال على صفة هي الألوهية كسائر الأسماء الحسنى، وقوله (الرحمن الرحيم) قال ابن عباس: الرحمن الرحيم اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أوسع رحمة اهـ. وهما من أبنية المبالغة، والرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، والرحمن خاص بالله سبحانه لا يسمى به غيره ولا يوصف، بخلاف الرحيم فيوصف به غيره، فيقال رجل رحيم، وفائدة الجمع بين الصفتين الرحمن والرحيم الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة وخاصة وعامة.

قال ابن القيم: وأسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت فإنها دالة على صفات كماله فلا تنافي بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه لا تنافي اسميته وصفيته، فمن حيث هي صفة جرى تابعاً على اسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع بل ورد الاسم العلم، ولما كان هذا الاسم مختصاً به تعالى حسن مجيئه مفرداً غير تابع كمجئ اسم الله كذلك وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمة كاسم الله فإنه دال على صفة الألوهية، ولم يجيء قط تابعاً بل متبوعاً، وهذا بخلاف العليم، والقدير، والسميع، والبصير، ونحوها ولهذا لا تجيئ هذه مفردة بل تابعة فتأمل هذه النكتة البديعة يظهر لك بها أن الرحمن اسم وصفة لا ينافي أحدهما الآخر، وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعاً.

وأما الجمع بين الرحمن والرحيم ففيه معنى هو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول على أن الرحمة صفته و الثاني دال على أنه يرحم حلقة برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾  ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾(التوبة: من الآية117) ولم يجئ قط رحمن بهم فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها.

وقال ابن القيم: تضمنت بسم الله الرحمن الرحيم إثبات النبوات من جهات عديدة: الأول من اسم الله وهو المألوه المعبود ولا سبيل إلى معرفة عبوديته إلا من طريق رسله، الثاني من اسمه الرحمن فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية السعادة، فمن أعطى هذا الاسم حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب فاقتضاء الرحمة لما يحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها ما يحصل به حياة الأبدان والأشباح اهـ.

يؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة الرحمة.

2- إثبات الألوهية.

3- إثبات صفة الكلام لله.

4- إثبات الأسماء لله.

5- الرد على الجهمية والمعتزلة ونحوهما.

الآية الثانية: أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فما من مسلم ولا كافر إلا وهو يتقلب في نعمته، ففي الآية:

1- إثبات صفة الرحمة.

2- إثبات صفة العلم وسعتها وشمولها.

3- الرد على الجهمية ونحوهم.

4- الرد على القدرية.

5- إثبات الربوبية.

الآية الثالثة: يخبر تعالى أنه بالمؤمنين رحيم أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم وبصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه سواهم من الدعاة إلى الكفر والبدع وأتباعهم من الطغاة وأما رحمته في الآخرة التي قال عنها ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ﴾(لأعراف: من الآية156، 157)، فإنه أمنهم من الفزع الأكبر وأمر الملائكة يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار قال تعالى﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ )لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (الانبياء:101-103).

ففي الآية:

1- إثبات صفة الرحمة.

2- الحث على الإيمان.

3- إثبات صفة الكلام.

4- الرد على من أنكر صفة الرحمة أو أولها بتأويل باطل.

الآية الرابعة: يخبر تعالى أن رحمته عمت كل شيء في العالم العلوي والسفلي البر والفاجر والمؤمن والكافر فلا يخلو مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمته وغمره فضله وإحسانه ولكن الرحمة الخاصة ليست كل أحد ولهذا قال عنها (فسأكتبها) أي الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ الآيتين. ففي الآية أولاً إثبات صفة الرحمة، ثانياً، إثبات سعة رحمة الله ثالثاً، الرد على من أنكرها أو أولها بتأويل باطل كالأشاعرة رابعاً، إثبات صفة الكلام خامساً، الرد على من أنكرها، سادساً، أن الرحمة العامة يشترك فيها البر والفاجر.

الآية الخامسة: في الآية احتجاج أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين مقرراً وملزماً لهم بالتوحيد؟ لمنن ما في السماوات والأرض: فإن أجابوك وإلا فقل إن الله هو الخالق لهذا الكون المالك المتصرف فيه وقوله (كتب ربكم الخ) هذا استعطاف منه تعالى للمتولين عن الإقبال عليه وإخبار منه بأنه رحيم بالعباد قادر على أن يعاجلهم بالعقاب ولكنه كتب على نفسه الرحمة ووعد بها فضلاً منه وإحساناً ولم يوجبها عليه أحد.

والكتابة تكون شرعية وتكون كونية فالكتابة الشرعية الأمرية كقوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾(البقرة: من الآية183)،

والكتابة تكون شرعية وتكون كونية فالكتابة الشرعية الأمرية كقوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾(البقرة: من الآية183)،  ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾(المائدة: من الآية45) والكونية القدرية كقوله ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة:21) وقوله ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الانبياء:105)، ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (الحج:4) والكتابة في قوله ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾(الأنعام: من الآية54) كونية قدرية فقد كتب على نفسه الرحمة تفضلاً منه وإحساناً من غ ير أن يوجبها عليه أحد كما قيل:

ما للعباد عليه حق واجب إن عذبوا فبعدله أو نعموا

كلا ولا سعي لديه ضائع فبفضله وهو الكريم الواسع

وإذا كان معقولاً من الإنسان أن يوجب على نفسه ويحرم، ويأمرها وينهاها، مع كونه تحت أمر غيره ونهيه، فالآمر الناهي الذي ليس فوقه آمر ولا ناه كيف يمتنع في حقه أن يحرم على نفسه ويكتب على نفسه، وكتابته على نفسه سبحانه تستلزم إرادته لما كتبه ومحبته له ورضاه وتحريمه على نفسه يستلزم بغضه لما حرمه وكراهته له إرادة أن لا يفعله فإن محبته للفعل تقتضي وقوعه منه وكراهته لأن يفعله تمنع وقوعه منه، وهذا غير ما يحبه سبحانه من أفعال عباده ويكرهه فإن محبته ذلك منهم لا تستلزم وقوعه، وكراهته منهم لا تمنع وقوعه، فرق بين فعله هو سبحانه وبين فعل عباده الذي يقع مع كراهته وبغضه له ويتخلف مع محبته له ورضاه به بخلاف فعله هو سبحانه، فهذا نوع وذاك نوع، فتدبر هذا الموضع.

وقال: واعلم أن الناس في هذا المقام ثلاث طوائف:

فطائفة منعت أن يجب عليه شيء أو يحرم عليه شيء بإيجابه وتحريمه، وهم كثير من مثبتي القدر الذين ردوا أقوال القدرية النفاة وقابلوهم أعظم مقابلة نفوا لأجلها الحكم والأسباب والتعليل. وأن يكون العبد فاعلاً أو مختاراً.

الطائفة الثانية: بازاء هؤلاء أوجبوا على الرب وحرموا أشياء بعقولهم جعلوها شريعة له يجب عليه مراعاتها من غير أن يوجبها هو على نفسه ولا حرمها، وأوجبوا عليه من جنس ما يجب على العباد وحرموا عليه من جنس ما يحرم عليهم، ولذلك كانوا مشبهة في الأفعال، والمعتزلة منهم جمعوا بين الباطلين: تعطيل صفاته، وجحد نعوت كماله، والتشبيه له بخلقه فيما أوجبوه عليه وحرموه، فشبهوا في أفعاله وعطلوا في صفات كماله، فجحدوا بعض ما وصف به نفسه من صفات الكمال وسموه توحيداً وشبهوهن بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح من الأفعال وسموا ذلك عداً، وقالوا: نحن أهل العدل والتوحيد فعدلهم إنكار قدرته ومشيئته العامة الشاملة التي لا يخرج  عنها شيء من الموجدات ذواتها وصفاتها وأفعالها، وتوحيدهم إلحاد في أسمائه الحسنى وتحريف معانيها عما هي عليه، فكان توحيدهم في الحقيقة تعطيلاً وعدلهم شركاً والمقصود أن هذه الطائفة مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات.

وهدى الله الأمة الوسط لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فلم يقيسوه بخلقه ولم يشبهوه بهم في شيء من صفاته ولا أفعاله ولم ينفوا  ما أثبته لنفسه من ذلك، ولم يوجبوا عليه شيء ولم يحرموا عليه شيئاً، بل أخبروا عنه بما أخبر عن نفسه، وشهدت قلوبهم ما في ضمن ذلك الإيجاب والتحريم من الحكم والغايات المحمودة التي يستحق عليها كمال الحمد والثناء فإن العباد لا يحصون ثناء عليه أبداً بل هو كما أثنى على نفسه.

وهذا بين بحمد الله عند أهل العلم والإيمان مستقر في فطرهم ثابت في قلوبهم يشهدون انحراف المنحرفين في الطرفين وهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل هم إلى الله ورسوله متحيزون وإلى محض سنته منتسبون يدينون دين الحق أي توجهت ركائبه ويستقرون معه حيث مضاربه اهـ.

(من كلام ابن القيم).

ما يؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة الرحمة.

2- إثبات صفة الربوبية.

3- تربيته لخلقه نوعان عامة وخاصة، فالعامة هي خلقه للمخلوقين ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم، والخاصة تربيته لأوليائه فيربيهم بالإيمان ويوفقهم له ويكملهم ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه وحقيقتها تربية التوفيق لكل خير والعصمة من كل شر.

4- إثبات النفس على الوجه اللائق بجلاله وعظمته.

5- إثبات صفة الكلام.

6- الرد على من قال إن القرآن كلام محمد أو جبريل أو غيرهما.

7- الرد على الجهمية والمعتزلة المنكرين لصفة الرحمة القائلين الرحمة ضعف وخور في الطبيعة وتألم على المرحوم.

وهذا الزعم باطل من وجوه: أما أولا فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين والرحمة ممدوحة، قال تعالى: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾(البلد: من الآية17) ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139) وندبهم إلى الرحمة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تنزع الرحمة إلا من شقي" وقال: " من لا يرحم لا يرحم"، وقال "الراحمون يرحمهم الرحمن"، وقال " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ومحال أن يقول لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي، ولما كانت الرحمة  تقارن في حق كثير من الناس الضعف والخور كما في رحمة النساء ونحو ذلك ظن الغالط أنها ك ذلك مطلقاً.

وأيضاً فلو قدر أنها حق المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب أن تكون في حق الله تعالى مستلزمة لذلك، كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه.

وأيضاً فنحن نعلم بالإضطرار أنا إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحمم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة والآخر قد استوى عنده هذا وهذا، وليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا دفع مضرة كان الأول أكمل اهـ (من مجموع الرسائل والمسائل لشيخ الإسلام).

وبعضهم تأول الرحمة بمعنى إرادة الإحسان والحق الثابت صفة الرحمة حقيقة على ما يليق بجلاله، كما يقال في سائر الصفات، والرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو إرادته استلزام الخاص للعام، فكما يستحيل وجود الخاص بدون العام فكذلك الرحمة بدون الإحسان أو إرادته.

ومنهم من تأول  الرحمة بمعنى الثواب، والله سبحانه فرق بين رحمته ورضوانه وثوابه المنفصل، فقال تعالى ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ ﴾(التوبة: من الآية21) فالرحمة والرضوان صفته والجنة ثوابه، وهذا يبطل قول من جعل الرحمة والرضوان منفصلاً مخلوقاً، وقول من قال هي إرادة الإحسان، فإن إرادته الإحسان هي من لوازم رحمته فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان إلى المرحوم فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها وهو إرادة الإحسان وكذلك لفظ اللعنة والغضب والمقت هي أمور مستلزمة للعقوبة فإذا انتفت حقائق تلك الصفات انتفى لازمها فإن ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها ممتنع، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها.

الآية السادسة: قوله ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(يونس: من الآية107) قد تقدم الكلام على هذين الاسمين وما في معناهما.

الآية السابعة: قال بعض المفسرين: لعل هنا إضمار، والتقدير فتوكل يعقوب على الله ودفعه إليهم وقال ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً ﴾(يوسف: من الآية64) والمعنى: أن حفظ الله إياه خير من حفظهم فأنا أتوكل على الله في حفظ بنيامين لا حفظكم وهو أرحم الراحمين الذي يعلم حالي وكبري وضعفي ووجدي بولدي، وأرجو منه أن يحفظه ويرده علي ويجمع شملي به وأن لا يجمع علي مصيبتين، قيل: لما وكل يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه، ولما قال في يوسف ﴿ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾(يوسف: من الآية13) وقع له من الامتحان ما قوع.

ففي الآية:

1- إثبات صفة الرحمة.

2- إثبات الألوهية.

ومن أسمائه تعالى الحفيظ وهو مأخوذ من الحفظ وهو الصيانة، وللحفيظ معنيان: أحدهما أنه قد حفظ على عباده ما عملوا من خير وشر وطاعة و معصية فهذا المعنى من حفظه يقتضي إحاطة علمه بأحوال عباده كلها، والمعنى الثاني أنه ا لحافظ لعباده من جميع ما يكرهون، وحفظه لعباده نوعان عام وخاص، فالعام حفظه لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيها ويحفظ بنيتها وتمشي إلى هدايته العامة، قال الله تعالى ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(طـه: من الآية50) النوع الثاني حفظ خاص لأوليائه عما يضر إيمانهم ويزلزل إيقانهم من الشبه والفتن والشهوات قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾(الحج: من الآية38) وهذا عام في جميع ما يضرهم في دنياهم ودينهم، وفي الحديث " احفظ الله يحفظك".

تنقسم الرحمة إلى قسمين: قسم مشترك عام بين المسلم والكافر والبار والفاجر والبهائم وسائر الخلق، ودليل هذا القسم قوله تعالى ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾(لأعراف: من الآية156)، وقوله ﴿ وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً ﴾(غافر: من الآية7) وقسم خاص بأنبيائه ورسله وأوليائه وعباده المؤمنين ودليلها قوله تعالى ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾(الأحزاب: من الآية43) وقوله ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾(التوبة: من الآية117) .

والرحمة المضافة إلى الله نوعان: أحدهما مضاف من إضافة المفعول إلى فاعله ومنه ما في الحديث " اتحجت الجنة والنار فقال للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" فهذه مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى  خالقه، وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بها أهلب الرحمة لأن من يدخلها الرحماء، ومنه خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾(فصلت: من الآية50) وقوله ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾(هود: من الآية9) ومنه تسمية المطر رحمة كقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾(لأعراف: من الآية57) والنوع الثاني مضاف إليه إضافة صفة إلى موصوف، وذلك مثل ما في قوله تعالى ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾(لأعراف: من الآية56) وكما في الحديث " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" ومن النوع الأول قوله صلى الله عليه وسلم " أنزل رحمة من رحمتك".

وقال الشيخ رحمه الله: المضاف إلى الله نوعان: أعيان وصفات، فالصفات إذا أضيفت إليه كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك دلت على أنها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأن الصفة لا تقوم بنفسها بل لابد لها من موصوف تقوم به فإذا أضفيت إليه علم أنها صفة له، وأما الأعيان إذا أضيفت إلى الله تعالى فأما أن تضاف بالجهة العامة التي يشترك فيها المخلوق مثل كونها مخلوقة ومملوكة ومقدورة ونحو ذلك فهذه إضافة عامة مشتركة كقوله ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾ (لقمان: من الآية11) وقد تضاف لمعنى يختص بها يميز به المضاف عن غيره مثل: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، وروح الله، فهذه تقتضي التشريف والعناية وأنها امتازت عن غيرها من الأعيان بما يناسب السياق، وقال ابن القيم:

والله أخبر في الكتاب بأنه عين ووصف قائم بالعين فالأعـ والوصف بالمجرور قام لأنه ونظير ذا أيضاً سواء ما يضا فإضافة الأوصاف ثابتة لمن وإضافة الأعيان ثابتة له فانظر إلى بيت الإله وعلمه وكلامه كحياته وكعلمه لكن ناقته وبين إلهنا فانظر إلى الجهمي لما فاته الـ كان الجميع لديه باباً واحداً

منه ومجرور بمن نوعان ـيان خلق الخالق الرحمن أولى به في عرف كل لسان ف إليه من صفة ومن أعيان قامت به كإرادة الرحمن ملكاً وخلقاً ما هما سيان لما أضيفا كيف يفترقان في ذي الإضافة إذ هما وصفان فكعبده أ يضاً هما وصفان حق المبين الواضع التبيان والصبح لاح لمن له عينان

 صفة الرضا والغضب والسخط والكره ... الخ

( قوله: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾(البينة: من الآية8)، وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ (النساء:93) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ ﴾(محمد: من الآية28)، وقوله ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾(الزخرف: من الآية55)، وقوله ﴿ وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾(التوبة: من الآية46)، وقوله ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:3).

في هذه الآيات الكريمات يصف الله جل وعلا نفسه بالرضا والغضب واللعن والكراهة و الأسف والسخط والمقت والانتقام وهي من  صفات الأفعال التي يفعلها متى شاء إذا شاء.

قال الشيخ رحمه الله: وقد ثبت بالسمع اتصاف الباري بالأفعال الاختيارية القائمة به كالاستواء على العرش والقبض والبسط والنزول والخلق والرزق المتعلقة بنفسه والمتعدية إلى الخلق، والفعل المتعدي واللازم لابد أن يقوم بالفاعل ويمتنع عقلاً وشرعاً أن يقوم بغيره في الحالين وهذه الأفعال الاختيارية تبع لقدرته ومشيئته فما شاء قاله وتكلم به، وما شاء فعله في الحال والماضي والمستقبل، هذا أصل متفق عليه بين السلف وعليه دل الكتاب والسنة.

الآية الأولى: لما ذكر سبحانه أعمالهم الصالحة ذكر أنه أثابهم عليها رضاه الذي هو أعظم وأجل من كل نعيم، قال تعالى ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾(التوبة: من الآية72) وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ع عز وجل وجل يقول لأهل  الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً" أخرجاه من حديث مالك.

قال ابن القيم رحمه الله:

أوما علمت بأنه سبحانه فيقول جل جلاله هل أنتم أَم كيف لا نرضى وقد أَعطيتنا هل ثم شيء غير ذا فيكون أفضل فيقول أفضل منه رضواني فلا

حقاً يكلم حزبه بِجنانِ راضون قالوا نحن ذو رضوان ما لم ينله قط من إنسان من نسأله من المنان يغشاكم سخط من الرحمن

يؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة الرضا لله.

2- إثبات الأفعال الاختيارية لله.

3- الرد على من أنكر صفة الرضا أو أوله بتأويل باطل.

4- إثبات فعل العبد وأن له فعلاً اختيارياً.

5- إثبات الألوهية لله.

قال ابن القيم رحمه الله: الرضا ينقسم إلا ثلاثة أقسام الرضا بالله والرضا عن الله والرضا بقضاء الله فالرضا بالله فرض والرضا عنه وإن كان من أجل الأمور وأشرفها فلم يطالب به العموم لعجزهم عنه ومشقته عليهم وأوجبه بعضهم، وأما الرضا بكل مقضي فلا يجب بل المقضي ينقسم إلا ما يجب الرضا به وهو الديني، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾(النساء: من الآية65) الآية، ومقضي كوني قدري، فإن كان فقراً أو مرضاً ونحو ذلك استحب الرضا به ولم يجب، وأوجبه بعضهم، وإن ك أن كفراً أو معصية حرم الرضاء به فإن الرضاء به مخالفة لربه فإنه سبحانه لا يرضى بذلك ولا يحبه قال تعالى: ﴿ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ﴾(الزمر: من الآية7) الآية، وأما القضاء الذي هو صفة الله وفعله فالرضاء وبه واجب اهـ.

قال الشيخ رحمه الله:

وأما رضانا بالقضاء فإنما كسقم وفقر ثم ذل وغربة فأما الأفاعيل التي كرهت لنا وقد قال قوم من أولي العلم لا رضا فإن إله الخلق لم يرضها لنا وقال فريق نقضي بقضائه وقال فريق نرتضي بإضافة كما أنها للرب خلق وأنها فترضى من الوجه الذي هو خلقه

أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة وما كان من مؤذ بدون جريمة فلا نص يأتي في رضاها بطاعة بفعل المعاصي والذنوب الكبيرة فلا نرتضي مسخوطة لمشيئة ولا نرتضي المقضي أقبح خصلة إليه وما فينا فنلقى بسخطه لمخلوقه كسب كفعل الغريزة ونسخط من وجه اكتساب بحيلة

الآية الثانية: في هذه الآية وعيد شديد على من يقتل مؤمناً متعمداً بأن عقابه جهنم خالداً فيها أي مقيماً والخلود المكث الطويل وغضب الله عليه ولعنه أي طرده عن رحمته، واللعن البعد عن مظان الرحمة ومواطنها، قيل: واللعين من حقت عليه اللعنة، والملعون من حقه عليه اللعنة أو ادعى عليه بها.

قال أبو السعادات: أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء.

قال شيخ الإسلام رحمه الله ما معناه: إن الله تعالى يلعن من استحق اللعنة بالقول كما يصلي على من استحق الصلاة من عباده، قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ (الأحزاب43، 44) وقال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ (الأحزاب:64) وقال ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ (الأحزاب:61) وهيأ له عذاباً عظيما لا يدرك كنهه إلا العزيز الجبار لعظم ذنبه، وهذا ويعد عظيم ترجف منه القلوب وتتصدع له الأفئدة وينزعج منه أولوا العقول.

وقد اختلف العلماء هل للقاتل من توبة؟ فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف علماء الكوفة فيها فرحلت إلى ابن عباس رضي الله عنهما فسألته عنها، فقال نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾(النساء: من الآية93) الآية، وهي آخر ما نزل وما نسخها شيء، وقد روى النسائي عنه نحوه هذا، وأتى رجل إلى ابن عباس بعدما كف بصره فناداه يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً فقال جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً قال أفرأيت إن تاب وعمل صالحاً ثم اهتدى قال ابن عباس ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول " ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمداً جاء يوم أخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه يقول يا رب سل هذا فيما قتلني" ويم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم.

وممن ذهب إلى أنه لا توبة لقاتل المؤمن متعمداً أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وأبو سلمة وعبيد بن عمير والحسن والضحاك ابن مزاحم نقله ابن أبي حاتم عنهم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله".

وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً" رواه أحمد والنسائي داود من حديث أبي الدرداء كذلك.

وروي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن، ولو أن أهل سمواته وأهل أرضه اشتركوا في قتل مؤمن لأدخلهم الله تعالى في النار".

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن عليه الصلاة والسلام قال: " لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار، وأن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآخر به" وعن جندب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سمع سمع الله به يوم القيامة قال ومن يشاقق يشق الله عليه يوم القيامة" فقالوا أوصنا فقال " إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيباً فليفعل، ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة، بملء كف من دم إهراقه فليفعل" رواه البخاري. وأخرج الطبراني في الكبير والضياء في المختارة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة.

وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من قتل مؤمنا فاعتبط  بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً". وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً" رواه البخاري.

وقال عبد الله بن مروان كنت أجالس بريرة بالمدينة فكانت تقول لي ياعبد الملك إني أرى فيك خصالاً وإنك لخليق أن تلي الأمر فإن وليته فاحذر الدنيا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم لغير حق" انتهى.

وذهب الجمهور إلى أن التوبة من القاتل مقبولة واستدلوا بمثل قوله تعالى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ )(هود: من الآية114) وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾(الشورى: من الآية25) ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾(النساء: من الآية48) ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾(الزمر: من الآية53) ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الفرقان:68-70)

وقالوا أيضاً: والجمع ممكن بين آية النساء وآية الفرقان فيكون معناها فجزاؤه جهنم إلا من تاب لاسيما وق اتحد السبب وهو القتل، و الموجب وهو التوعد بالعقاب، واستدلوا أيضاً بالحديث المذكور في الصحيحين عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم، قال: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق" ثم قال: " فمن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" وبحديث أبي هريرة في الذي قتل مائة ن في وهو في صحيح مسلم، قلت: ويؤيد هذا القول حديث " يابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي وحديث " لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته.. الحديث" متفق عليه وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه مسلم. وأخرج الإمام أ حمد والترمذي ع ن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".

وذهب جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه والشافعي إلى أن القاتل عمداً داخل تحت المشيئة تاب أو لم يتب.

قال ابن القيم: والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق حق الله وحق المقتول وحق الولي فإذا سلم القاتل نفسه طوعاً واختياراً  ندماً على ما فعله وخوفاً من الله وتوبة نصوحاً سقط حق الله بالتوبة وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه فلا يضيع حق هذا ولا يبطل حق هذا، انتهى.

 وبتقدير دخوله فليس بمخلد في النار خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يخلدون في النار ولو كانوا موحدين، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردة أو ذرة:

ويغفر دون الشرك ربي لمن يشا ولم يبق في نار الجحيم موحد

ولا مؤمناً إلا له كافر فدا ولو قتل النفس الحرام تعمدا

يؤخذ من الآية الكريمة:

1- الوعيد الشديد لمن يقتل مؤمناً متعمداً.

2- إثبات صفة الغضب.

3- إثبات صفة اللعن.

4- إثبات الألوهية.

5- تحريم قتل المؤمن متعمداً وعدواناً.

6- أن جهنم حق أعدها الله للكافرين والعاصين ممن أراد الله تعذيبهم وعقوبتهم.

7- دليل على عدل الله بين عباده.

8- الرد على الجهمية والمعتزلة ونحوهم من المنكرين للصفات أو المؤولين بتأويل باطل.

9- دليل على تحريم الاستهانة بأمر الله وحكمه وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته.

10- إثبات البعث والحشر والحساب والجنة والنار والجزاء على الأعمال.

11- تعظيم حق المؤمن.

12- لطف الله بخلقه حيث بين لهم عظم هذا الذنب ليجتنبوه.

13- تخليد القاتل عمداً في النار.

14- إثبات الأفعال الاختيارية.

15- بيان حكم القتل العمد.

16- عظم شأن الإيمان بالله.

17- التباعد عن أذية المؤمن.

18- أن العقوبات تتفاوت.

19- أن هذا الوعيد خاص بقتل العمد.

الآية الثانية: الإشارة في قوله تعالى ذلك بأنهم إلى التوفي المذكور على هذه الصفة المذكرة من الهول الذي يرونه من أجل أنهم انهمكوا في المعاصي وزينت لهم الشهوات وكرهوا ما يرضيه من الإيمان والتوحيد والطاعة فأحبط ما عملوا من الخير قبل الردة أو الأعمال التي صورتها صورة طاعة من البر والخير كالصدقات والأخذ بيد الضعيف ومساعدة البائس الفقثر وإغاثة الملهوف إلى نحو ذلك من أنواع الإحسان.

يؤخذ من الآية:

1- صفة السخط على ما يليق بجلاله وعظمته.

2- إثبات الألوهية.

3- الرد على الجهمية ونحوهم من منكري الصفات.

4- إثبات العلل والأسباب.

5- أن الأعمال الصالحة سبب للسعادة.

6- أن الأعمال السيئة سبب للشقاء وإحباط الأعمال.

7- الرد على من زعم أن لا ارتباط  بين العمل والجزاء.

8- ذم من أحب ما كره الله.

9- ذم من كره ما أحب الله.

10- أن  النفع والضر بيد الله جل وعلا.

11- لطف الله بخلقه حيث بين لهم ما هو سبب سعادتهم وما هو سبب لحبوط الأعمال.

12- إثبات الكلام لله.

الآية الرابعة: الأسف: محرك، يستعمل بمعنى شدة الحزن وبمعنى شدة الغضب وهو المراد في الآية والانتقام المكافأة بالعقوبة وانتقامة تعالى مبالغته في العقوبة لمن يشاء، والمنتقم: مفتعل من نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حد السخط، والمقت: أشد البغض، المعنى فلما آسفونا وأسخطونا بأعمالهم السيئة التي لم يرتدعوا عنها رغم التنبيه وتوالي النذر انتقمنا منهم أي عاقبهم، ومن أسمائه تعالى المنتقم كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الترمذي في جامعه في عدد الأسماء الحسنى الثابتة.

وقال شيخ الإسلام: المنتقم ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جاء في القرآن مقيداً كقوله ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾(السجدة: من الآية22).

يؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة الأسف.

2- صفة الانتقام ممن عصاه وخالف أمره.

3- فيها التحذير من مخالفة الله وما هو سبب لغضبه.

4- الرد على من أنكر صفة الأسف والانتقام أو أولهما بتأويل باطل.

5- صفة القدرة لله.

6- إثبات القوة لله وأنه لا يعجزه شيء.

7- أن من الخلق من لا يقدر الله حق قدره.

الآية الخامسة: الانبعاث: توجيه الإنسان أو الحيوان إلى الشيء بقوة كبعث الرسل وبعث الموتى، والتثبيط: التكسيل والتعويق عن الأمر، كره: أبغض خروجهم معكم إلى الغزو فثبطهم قضاء وقدراً وإن كان قد أمرهم بالغزو وأقدرهم عليه ولكن ما أراد إعانتهم بل خذلهم وثبطهم لما في خروجهم من المفاسد التي تترتب ع ليه والتي شرع الله في بيانها في الآية التي بعدها بقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ﴾(التوبة: من الآية47) الآية.

ففي الآية:

1- إثبات صفة الكره لله على ما يليق بجلاله وعظمته.

2- إثبات صفة الألوهية.

3- إثبات الحكمة.

4- إثبات صفة العلم.

5- لطف الله بالمؤمنين حيث أبعد عنهم المنافقين المفسدين.

6- في الآية رد على الجهمية والمعتزلة ونحهم من منكري الصفات.

7- رد على القدرية المنكرين لعلم الله.

8- أن الله يعلم ما تكنه الصدور وتضمره القلوب.

9- بيان الحكمة في تثبيطهم عن الخروج.

10- أن المنافقين حريصون على إلقاء العداوة بين المؤمنين وفتنتهم.

11- أن خروج المنافقين مع المؤمنين في الغزو نقص وضرر عليهم ومن حكمة الله أن ثبطهم عن الخروج قضاء وقدراً.

الآية السادسة: كبر: عظم، مقتاً: المقت أشد البغض أي عظم ذلك المقت والبغض عند الله أن تعدوا من أنفسكم ثم لم تفوا به وذلك أن الوفاء بالوعد دليل كرم الشيم وجميل الخصال وبه تكون الثقة بين الجماعة فترتبط برباط المودة والمحبة والعكس فإذا فشا في أمة خلف  الوعد قلت الثقة بين أفرادها وانحلت عرى الروابط بينهم وأصبحوا عقداً منتشراً لا ينتفع به ولا يخشى منهم عدو إذا اشتدت الأزمات وعظمت الخطوب لما يكون بينهم من التواكل وعدم ائتمان بعضهم بعضاً.

يؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة المقت.

2- أن مقته سبحانه يتفاوت.

3- إثبات الألوهية.

4- الحث على الوفاء بالعهد.

5- النهي الأكيد عن الخلف في الوعد وبها استدل بعض العلماء على أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقاً سواء ترتب عليه عزم للموعود أم لا واحتجوا بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان".

6- أن الشخص قد يكون عدواً لله ثم يصير ولياً وقد يبغضه الله ثم يحبه.

7- إثبات صفة الكلام.

8- ا لرد على من أ نكر صفة الكلام.

كلام نفيس حول ما مر آنفاً من الصفات:

قال في شرح الطحاوية: ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات.

قال: ولا يقال إن الرضا إراد الإحسان والغضب إرادة الانتقام فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه وإن كان لا يريده ولا يشاؤه وينهي عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب – عندهم ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط ويغضب لما أراده، ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الإحسان لم تأولت ذلك؟ فلابد أن يقول لأن الغضب غليان دم القلب والرضا الميل والشهوة و ذلك لا يليق بالله تعالى، فيقال له غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب ويقال أيضاً وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه يزداد بوجوده وينقص بعدمه فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء فإن جاز هذا جاز هذا وإن امتنع هذا امتنع ذاك، فإن قالوا الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل منهما حقيقة قيل له: فقل إن الغضب والرضاء الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد وإن كان كل منهما حقيقة، فإذا كان كل ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل بل يجب تركه لأنك تسلم من التناقض وتسلم أيضاً من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب فإن صرف القرآن عن ظاهره  وحقيقته بغير موجب حرام ولا يكون الموجب للصرف ما دل عليه عقله إذ العقول مختلفة فكل يقول إن عقله دل على خلاف ما يقوله الآخر.

وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى لامتناع ذلك في المخلوق فإنه لابد أن يثبت شيئاً لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى في صفة الوجود فإن وجود العبد كما يليق به ووجود الباري كما يليق به.

فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته مثل الحي والعليم والقدير أو سمى به بعض صفاته كالغضب والرضا وسمى به بعض صفات ع باده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى وأنه حق ثابت موجود ونعقل أن بين المعنيين قدراً مشتركاً لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركاً إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد إلا في الأذهان ولا يوجد في الخارج إلا معيناً مختصاً فيثبت في كل منهما كما يليق به بل لو قيل غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة لم يجب أن يكون مماثلاً لكيفية غضب الآدميين لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه فغضب الله أولى، وقد نفى ا لجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه من كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه وأسفه ونحو ذلك وقال إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه ليس هو في نفسه متصف في شيء من ذلك وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه فقالوا لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلاً بل جميع هذه الأمور صفات لازمة لذاته قديمة أزلية فلا ترضى في وقت دون وقت ولا يغضب في وقت دون وقت كما في حديث الشفاعة " إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله" اهـ.

 صفة المجيء والإتيان

" وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾(البقرة: من الآية210) ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ﴾(الأنعام: من الآية158) ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ (الفجر:21، 22) ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ (الفرقان:25) ".

في هذه الآيات إثبات صفة مجيء الله وإتيانه على ما يليق بجلاله وعظمته وهذه من أفعاله الاختيارية.

الآية الأولى: هل حرف استفهامك، ينظرون ينتظرون، قال امرؤ القيس:

فإنَّكُما إنْ تُنظِرانيَ ساعةً

مِنَ الدَّهرِ تنفعني لَدى أم جنْدب

فإذا كان النظر مقروناً بذكر الوجه أو معدي بالي لم يكن إلا بمعنى الرؤية، الظلل: جمع ظلة وهي ما يظلك، الغمام: السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك لأنه يغم أي يسرت، قضي الأمر: أي فرغ منه يقول تعالى: هل ينتظر الكفار الساعون في الأرض فساداً التاركون للدخول في السلم المتبعون لخطوات الشيطان النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال الذي قد ملئ من الأهوال والشدائد والفظائع التي تقلقل القلوب الظالمة، وذلك أن الله تعالى يطوي السموات وتنتشر الكواكب، وتكور الشمس وتنزل الملائكة فتحيط بالخلائق وينزل الجبار في ظلل من الغمام للفصل بالقضاء بين العباد بالعدل.

ففي الآية:

1- دليل لمذهب السلف المثبتين للصفات والأفعال الاختيارية.

2- إثبات الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته.

3- فيها تخويف ووعيد وتهديد لمن كفر بالله وعصاه.

4- إثبات صفة الكلام لله.

5- إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

6- إثبات الألوهية لله.

7- دليل على علو الله على خلقه.

8- الرد على من أنكر صفة الإتيان أو أولها بتأويل باطل.

9- إتيان الملائكة.

10- في الآية عبرة للمؤمن ترغبه في المبادرة إلى التوبة لئلا يفاجئه وعد الله وهو غافل فإذا لم يفاجئه قيام الساعة وهلاك هذا العالم كله فاجأه قيام قيامته بموته بغتة فإذا لم يجئه بغتة جاءه المرض بغتة فلا يقدر على العمل وتدارك الزلل.

الآية الثانية: يقول تعالى: هل ينظرون الذين استمروا في ظلمهم وعنادهم إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، وعند ذلك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، أو يأتي ربك لفصل القضاء بين العباد لمجازات المحسنين والمسيئين.

وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب السلف أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات والأفعال الاختيارية كالاستواء والنزول والمجيء ونحو ذلك من الصفات التي أخبر تعالى بها عن نفسه أو أخبر بها عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيثبتونها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته من غير تشبيه ولا تحريف ولا تمثيل ولا تعطيل خلافاً للمعطلة من جهمية أو معتزلة أو أشاعرة ونحوهم من نفاة الصفات أو يتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أ نزل الله بها من سلطان والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي ولا عقلي.

أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة ظاهرة بل صريحها دال على مذهب أهل السنة والجماعة وأنها لا تحتاج لدلالتها على مذهب المبتدعة الباطل أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص وهذا – أعني مذهب المبتدعة الباطل أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص وهذا – أعني مذهب المبتدعة – لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

وأما العقلي فليس في العقل ما يدل على نفي الصفات بل دل العقل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه قيل لهم الكلام على الصفات يتبع الكلام على الذات فكما أن لله ذاتاً لا تشبهها الذوات فله صفات لا تشبهها الصفات فصلاته تبع لذاته وصفات خلقه تبع لذواتهم فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه ويقال ايضاً لمن أثبت بعض الصفات ونفى بعضاً أو أثبت الأسماء دون الصفات إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه واثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم وإما أن تنفي الجميع وتكون منكراً لرب العالمين وأما إثباتك بعض ذلك ونفيك لبعضه فهذا تناقض ففرق بين ما أثبته وما نفيته ولن تجد إلى الفرق سبيلاً.

فان قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيهاً، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيه لا يقتضي تشبيهاً.

فإنم قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة، ونحن لا نعل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة أجابك به أهل السنة.

والحاصل: أن من نفى شيئاً وأثبت شيئاً مما دل الكتاب والسنة على إثباته فهو متناقض لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي بل قد خالف المعقول والمنقول.

وقوله ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ﴾ أي الدالة على قرب قيام الساعة وهو طلوع الشمس من مغربها، وطلوعها من مغبرها هو أحد أشراط الساعة الكبار، وأمارات الساعة ثلاثة أقسام: قسم ظهر وانقضى، كبعثة النبي صلى الله عليه وسلم ووقعة الجمل، وصفين، ونحوهما، وملك بني أمية والعباسية، ونار الحجاز التي أضاءت منها أعناق الإبل ببصرى، وخروج الكذابين المدعين النبوة، وكثرة المال والزلزال، وقسم متوسط ككون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع وإماتة الصلاة وإضاعة الأمانة والتباهي في المساجد وأكل الربا ونحو ذلك، وكرفع العلم وكثرة الجهل، وكثرة الزنا وشرب الخمر، وقلة الرجال وكثرة النساء وتوسيد الأمور إلى غير أهلها ولحوق حي من الأمة بالمشركين وعبادة فئات من الأمة الأوثان وغير ذلك. والقسم الثالث العلامات العظام التي تعقبها الساعة وهي عشر، نظمها السفاريني بقوله:

وما أَتى بالنص من أشراط منها الإمام الخاتم الفصيح وأَنه يقتل الدجال وأمر يأجوج ومأجوج أثبت وإن منها آية الدخان طلوع شمس الأفق من دبور وآخر الآيات حشر النار فكلها صحت بها الأخبار

فكله حق بلا شطاط محمد المهدي والمسيح بباب (لُدٍّ) خلِّ عن جدال فإنه حق كهدم الكعبة وأنه يذهب بالقرآن كذات أجياد على المشهور كما أتى في محكم الأخبار وسطرت آثارها الأخيار

ففي الآية:

1- دليل لمذهب السلف المثبتين للصفات والأفعال الاختيارية.

2- إتيان الملائكة.

3- إتيان الرب جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته.

4- التخويف والوعيد والتهديد لمن كفر بالله وعصاه.

5- إثبات صفة الكلام لله.

6- إثبات الربوبية.

7- دليل على علو الله على خلقه.

8- الرد على من أنكر إتيان الرب أو أوله بتأويل باطل.

9- الحث على التوبة خوف مفاجأة القيامة العامة أو الخاصة.

10- الحث على مراقبة الله.

11- إثبات البعث والحشر والحساب والجزاء على الأعمال.

12- أن الله قسم ونوع، ففرق بين إتيان الرب وإتيان الملائكة.

الآية الثالثة: الداك: حط المرتفع بالبسط والتسوية، ومنه اندكاك سنام البعير إذا انغرس في ظهره، وناقة دكاً: إذا كانت كذلك قال الشاعر:

ليت الجبال تداعت عند مصرعها

دكاً فلم يبق من أحجارها حجر

وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ أي لفصل القضاء ، ﴿ وَالْمَلَكُ ﴾ أي جنس الملائكة ﴿ صَفّاً صَفّاً ﴾ أي صف بعد صف.

يؤخذ من الآية:

1- إثبات المجيء على ما يليق بجلاله وعظمته.

2- دليل على إتيان الملائكة.

3- حث على التقلل من الدنيا والعمل للآخرة.

4- إثبات الربوبية.

5- الرد على من أنكر صفة المجيء أو أولها بتأويل باطل.

6- دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

7- الحث على محاسبة النفس والاستعداد لذلك اليوم.

8- أن ما على الأرض من جبال وقصور وأبنية يزول وتكون قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً.

9- دليل على هول ذلك اليوم الذي ترجع له القلوب وتخشع له الأبصار.

10- أن الله هو الذي يتولى الحكم والفصل في ذلك اليوم.

11- أن الملائكة يأتون صفوفاً.

12- دليل على قدرة الله.

13- إثبات علو الله على خلقه.

الآية الرابعة: يخبر تعالى عن عظمة يوم القيامة وما فيه من الشدائد والأهوال والكروب ومزعجات القلوب، فقال واذكر يوم تشقق السماء بالغمام وتنفتح عنه وذلك الغمام ينزل فيه من فوق سمواته الملائكة ويحيطون بالخلائق في مقام الحشر.

ففي الآية:

1- إثبات مجيء الله ونزوله ونفس الدليل من الآية على نزول الله لفصل القضاء بين عباده هو أن تشقق السماء مقدمة لنزول الله والنزول والمجيء بذاته سبحانه على ما يليق بجلاله وعظمته كما هو المتبادر من النصوص وأفعاله سبحانه قائمة به فيجب إثباتها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته قال القحطاني:

والله يومئذ يجيءُ لعرضنا والأشعري يقول يأتي أمره

مع أَنه في كل وقت دان ويعيب وصف الله بالإِتيان

ويؤخذ من الآية:

2- إثبات البعث والحشر والحساب والجزاء على الأعمال.

3- الحث على الاستعداد لذلك اليوم.

4- دليل على نزول الملائكة.

5- الرد على من أنكر المجيء.

6- إثبات صفة الكلام لله.

7- دليل على علو الله على خلقه وأن مما هو ثابت لله وواجب له جهة العلو اللائقة بجلاله وعظمته من غير إحاطة.

8- رد على من أنكر وجود السماء وقال ما فيه إلا فضاء.

9- أن السماء تتغير عن حالتها لعظم ذلك اليوم.

 أنواع الإتيان والمجيء:

وبيان الرد على من أول النزول والمجيء بمجيء الأمر ونحو ذلك.

الإتيان والمجيء المضاف إلى الله نوعان مطلق ومقيد فإذا ك أن مجيء رحمته وعذابه ونحو ذلك قيد بذلك كما جاء في الحديث " حتى جاء الله بالرحمة والخير" وكقوله ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾(لأعراف: من الآية52) والنوع الثاني الإتيان والمجيء المطلق فهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه كقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾(البقرة: من الآية210) وقوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ (الفجر:22) .

أما الرد على من أول النزول والمجيء بمجيء الأمر وأنه من مجاز الحذف فهذا باطل من وجوه: إحداها أنه اضمار ما لا يدل عليه اللفظ لا بمطابقة ولا ت ضمن ولا التزام وادعاء حذف ما لا دليل عليه يرفع الوثوق من الخطاب وبطريق كل مبطل على ادعاء اضمار ما يصحح باطله. الثاني أن صحة التركيب واستقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف بل الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون إضمار فاضماره مجرد خلاف الأصل فلا يجوز. الثالث: أنه إذا لم يكن في اللفظ دليل على تعيين المحذوف كان تعيينه قولا على المتكلم بلا علم وإخبار عنه بإرادة ما لم يقم دليل على إرادته وذلك كذب عليه. الرابع: في السياق ما يبطل هذا التقدير وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ﴾ (الفجر:22) فعطف مجيء الملك على مجيئه سبحانه يدل على تغاير المجيئين وأن مجيئه حقيقة كما أن مجيء الملك حقيقة بل مجيء الرب أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملك وكذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾(الأنعام: من الآية158) فقسم ونوع ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحداً فتأمله اهـ. (من كلام ابن القيم).

قال: وأما من قال: يأتي أمره وينزل رحمته وأمره فإن أراد أنه سبحانه إذا نزل وأتى حلت رحمته وأمره فهذا حق وإن أراد أن النزول والمجيء والإتيان للرحمة والأمر ليس غلا ذلك فهو باطل من وجوه عديدة قد تقدمت ونزيدها وجوهاً أخر منها: أن يقال أتريدون برحمته وأمره صفته القائمة بذاته أم مخلوقاً منفصلاً سميتموه رحمة؟ فإن أردتم الأول فنزوله يستلزم نزول الذات ومجيئها قطعاً، وإن أردتم الثاني كان الذي ينزل لفصل القضاء مخلوقاً محدثاً لا رب العالمين وهذا معلوم البطلان قطعاً وهو تكذيب صريح فإنه يصح معه أن يقال لا ينزل إلى السماء الدنيا ويأتي لفصل القضاء وإنما ينزل ويأتي غيره، ومنها: كيف يصح أن يقول ذلك المخلوق لا أسأل عن عبادي غيري ويقول من يستغفرني فأغفر له؟ ونزول رحمته وأمره مستلزم لنزوله سبحانه ومجيئه وإثبات ذلك للمخلوق مستلزم للباطل الذي لا يجوز نسبته إليه سبحانه مع رد خبره صريحاً ومنها أن نزول رحمته وأمره لا يختص بالثلث الأخير ولا بوقت دون وقت. ففي كل وقت ينزل أمره ورحمته فلا تنقطع رحمته ولا أمره عن العالم العلوي والسفلي طرفة عين اهـ (من مختصر الصواعق).

 إثبات الوجه واليدين

وقوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ (الرحمن:26،27) ، ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾(القصص: من الآية88) وقوله، ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾(صّ: من الآية75)، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾(المائدة: من الآية64).

الآية الأولى: يخبر تعالى أن كل من في الأرض يعدم ويبقى وجهه سبحانه والضمير في عليها يعود على الأرض وإن لم يتقدم لها ذكر لكن يدل على ذلك السياق مثل قوله تعالى ﴿ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾(فاطر: من الآية45) المراد على ظهر الأرض، وقال ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (الواقعة:83) أي بلغت النفس الحلقوم وقال ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (المرسلات:32) ولم يتقدم للنار ذكر وكقوله ﴿ حَتَّى تَوَارَتْ ﴾(صّ: من الآية32) من بني آدم وغيرهم من الحيوان ولكنه غلب للعقلاء وقوله ﴿ ذُو الْجَلالِ﴾ (الرحمن:27) أي ذو العظمة والكبرياء وقوله ﴿ وَالْأِكْرَامِ﴾(الرحمن: من الآية27) يحتمل أن يكون بمعنى أنه يكرم أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(الاسراء: من الآية70) وقيل المستحق لأن يجل ويكرم بتوحيده وتسبيحه وعبادته، والإجلال والإكرام الأول يتضمن التعظيم والثاني يتضمن الحمد والمحبة وقد دل الكتاب والسنة على إثبات هذه الصفة، أما الكتاب فهذه الآية والتي بعدها فيها إثبات الوجه اللائق بجلاله وعظمته، وأما السنة فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بوجه الله وكان يقول في دعائه " أسألك لذة النظر إلى وجهك" وقد أنكرت الجهمية ونحوهم أن يوصف الله بأن له وجهاً وتأولوا ما ورد في ذلك تأويلات فاسدة فمنهم من قال: الوجه صلة والتقدير ويبقى ربك، ودعوى المجاز في ذلك باطلة، فإن المجاز لا يمتنع نفيه فعلى هذا لا يمتنع أن يقال ليس لله وجه ولا حقيقة لوجهه وهذا تكذيب لما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم ولو ساغ دعوى الزيادة في ذلك لساغ لمعطل آخر أن يدعي الزيادة في صفات أخرى.

وأيضاً فقد ذكر الخطابي والبيهقي وغيرهما أنه تعالى لما أضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ (الرحمن:26،27) دل على أن ذكر ا لوجه ليس بصلة وأن قوله ذو الجلال والإكرام صفة للوجه وأن الوجه صفة لذات فتأمل قوله ﴿ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ وأيضاً فإنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه والوجه في اللغة مستقبل كل شيء لأنه أول ما يواجه منه ووجه الرأي والأمر ما يظهر أنه صوابه وهو في كل محل بحسب ما يضاف إليه فإن أضيف إلى زمن كان الوجه زمناً وإن أضيف إلى حيوان كان بحسبه وإن أضيف إلى ثوب أو حائط كان بحسبه، وإن أضيف إلى من ليس كمثله شيء كان وجهه تعالى كذل، وأما حمله على الثواب المنفصل فهو من أبطل الباطل فإن اللغة لا تحتمل ذلك ولا يعرف أن الجزاء يسمى وجهاً للمجازي ثم أن الثواب مخلوق وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بوجه الله، فقال: " أعوذ بوجهك الكريم أن تضلين، لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" رواه أبو داود وغيره، ومن دعائه يوم الطائف " أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة" ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ بمخلوق ولا يعرف تسمية الثواب وجهاً لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، وقوله صلى الله عليه وسلم " حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه فإضافة السبحات التي هي الجلال والنور إلى الوجه وإضافة البصر إليه تبطل كل مجاز وتبين أن المراد وجهه.

وقال عبد الله بن مسعود: ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات والأرض من نور وجهه. فهل يصح أن يحمل الوجه في هذا على مخلوق أو يكون صلة لا معنى له أو يكون بمعنى القبلة والجهة؟ وهذا مطابق لقوله عليه السلام " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات" فأضاف النور إلى الوجه والنور إلى الذات واستعاذ بنور الوجه الكريم فعلم أن نوره صفة له كما أن الوجه صفة ذاتية.

وهذا الذي قال ابن مسعود تفسير قوله تعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(النور: من الآية35) وقد اتفق أهل الحق على رؤية المؤمنين لله في الجنة فمن أنكر حقيقة الوجه لم يكن للنظر عنده حقيقة ولا سيما إذا أنكر الوجه وللعلو فيعود النظر عنده إلى خيال مجرد وحيث ورد الوجه مضافاً إلى الذات في جميع ما ورد.

ففي الآية:

1- إثبات الربوبية.

2- أن الله هو المستحق لأن يجل ويكرم.

3- الرد على من أنكر صفة الوجه أو أولها بتأويل باطل.

4- الحث على تعظيم الله وإجلاله ومراقبته.

5- إثبات صفة الوجه لله وأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت.

6- إثبات قدرته.

الآية الثانية: المعنى أن جميع أهل الأرض وأهل السماوات سيموتون ويذهبون إلا ما شاء الله ولا يبقى إلا وجهه سبحانه وتعالى، والمستثنى من الهلاك والفناء ثمانية نظمها السيوطي بقوله:

ثمانية حكم البقاء يعمها هي العرش والكرسي، نار وجنة

من الخلق والباقون في حَيِّزِ العَدَمْ وعَجْبٌ وأرواح كذا اللوحُ والقَلَم

قال ابن القيم:

والعرشُ والكرسيَّ لا يُفنيهما والحورُ لا تَفْنَى كذلك جَنَّةُ والأنبياءُ فإنهم تَحْتَ الثَّرى ما لِلْبِلى بلُحومهم وجُسُومِهِم وكذاك عَجْبُ الظَّهْرِ لا يَبْلَى بَلَى وكذلك الأرواحُ لا تَبْلَى كَمَا

أيضاً وإنهما لَمَخْلُوقَان المأوى وما فيها مِن الوِلدان أجسامُهم حُفِظَت مِن الدِّيْدَان أبداً وهُمْ تَحْتَ التُّرابِ يَدانِ منه تُرِّكبُ خِلْقَةُ الإنسان تَبْلَى الجُسُومُ ولا بَلَى اللُّحْمانِ

وأما قوله ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ ﴾ فإن المراد كل شيء كتب عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء وكذلك العرش فإنه سقف الجنة والكرسي إلى آخره فإن عمود كل في كل مقام بحسبه وتعرف ذلك بالقرائن كقوله تعالى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾(الاحقاف: من الآية25) ومساكنهم شيء ولم تدخل في عموم كل شيء لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة، وكقوله عن بلقيس ﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾(النمل: من الآية23) فإن المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك.

وتقول صاحب هذا المعرض كل شيء عنده وأنت تريد الأشياء المناسبة لذلك المعرض وتقول صاحب هذه المكتبة كل شيء عنده وأنت تريد الكثير من الكتب.

ففي الآية:

1- إثبات الوجه لله وأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي يموت الخلائق ولا يموت.

2- إثبات صفة الكلام لله.

3- رد على منكري صفة الوجه من جهمية أو معتزلة أو نحوهم.

4- الحث على تعظيم الله وإجلاله ومراقبته.

5- إن كل شيء مما ك تب الله عليه الهلاك والفناء أنه يفنى ويهلك.

6- إثبات قدرة الله.

المضاف إلى الله نوعان

النوع الأول: أعيان قائمة بنفسا كبيت الله، وعبد الله، وروح الله، فهذه إضافتها إلى الله تقتضي الاختصاص والتشريف، وهي من جملة المخلوقات لله.

النوع الثاني: صفات لا تقوم بنفسها كعلم الله وحياته وقدرته وعزته وسمعه وبصره ويده وإرادته وكلامه ووجهه ونفسه فهذه إذا وردت مضافة إليه فهي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف وكذلك ما أخبر انه منه فإن كان أعياناً كروح منه قال تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾(الجاثـية: من الآية13) فهذه منه خلقاً وتقديراً وإن كان ذلك أوصافاً كقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ ﴾(الزمر: من الآية1) دل على أن ذلك من صفاته لامتناع قيام الصفة بنفسها ولهذا لما اهتدى السلف لهذا الفرق الذي يحصل به الفرقان بين الحق والباطل هدوا إلى صراط مستقيم.

قال ابن القيم:

والله أخبر في الكتاب بأنه عينٌ ووصفٌ قائمٌ بالعين فالـ والوصفُ بالمجرور قام لأنه ونظيرُ ذا أيضاً سواءُ ما يُضا فإضافةُ الأوصافِ ثابتةٌ لمن وإضافة الأعيانِ ثابتةٌ له فانظُر إلى بَيْتِ الإله وعلمه وكلامُه كحياتِهِ وكعلمِهِ لَكِنَّ ناقتَه وبَيت إلهنا فانظر إلى الجهمي لَمَّا فاتَه الْـ كان الجميع لديه باباً واحداً

منه ومجرور بمن نوعان أعيانُ خَلْقُ الخالق الرحمن أولَى به في عُرْفِ كل لِسان فُ إليه من صفةٍ ومن أعيان قامتْ به كإرادة الرحمن مُلْكاً وخَلْقاً ما هما سِيَّان لَمَّا أضيفا كَيف يَفْتَرِقَان في ذِي الإضافة إذ هما وصْفان فكعبدِه أيضاً هُما ذاتان حَقُّ المبين الواضح التبيان والصبحُ لاح لِمن له عَينان

 صفة اليدين، والرد على مدعي المجاز

الآية الثالثة: قال الله تعالى على سبيل الإنكار والتوبيخ والتقريع ( يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) أي : أي شيء منعك وصرفك وصدك عن السجود، لما ت وليت خلقه بيدي من غ ير واسطة؟ وأضاف خلقه إلى نفسه تكريماً وتشريفاً مع أنه سبحانه خالق كل شيء كما أ ضاف إلى ن فسه الروح والبيت والناقة والمسجد، وفي تقنية اليد أعظم دلالة على أنها ليست بمعنى القدرة أو القوة أو النعمة بل للدلالة على أنهما صفتان من صفاته جل وعلا خلافاً للمبتدعة من جهمية أو معتزلة أو أشاعرة أو من حذا حذوهم.

وخلافاً للمشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

يؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة اليدين.

2- فيها صفة الخلق.

3- إثبات صفة الكلام.

4- الرد على من أنكر هذه الصفات، أو شيئاً منها، أو أولها بتأويل باطل.

5- إثبات قدرته التي لا يعجزها شيء.

6- فيها ما يدل على فضل آدم.

7- دليل على خساسة إبليس ولؤمه حيث عصى رب العالمين.

8- معاتبة العاصي.

الآية الرابعة: يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة أنهم وصفوه تعالى بالبخل كما وصفوه بأنه فقير وعبروا عن البخل بأن قالوا يدل الله مغلولة، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراًن وقوله (غلت أيديهم) هذا دعاء عليهم ويحتمل أن يكون خبراً، ويحتمل أن يكون في الدنيا ويحتمل أن يكون في الآخرة، وإن كان في الدنيا فيحتمل أن يراد به البخل ويقوى هذا المحمل أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس فلا ترى يهودياً وإن كان ماله في غاية الكثرة إلا وهو من أبخل خلق الله، ويحتمل غل أيديهم في الأسر، وإن كان في الآخر فهو جعل الأغلال فيهم في جهنم وقوله (ولعنوا) أي أبعدوا وطردوا من رحمته بسبب قولهم.

ففي الآية:

1- إثبات اليدين لله وهما من الصفات الذاتية.

2- إثبات الألوهية.

3- الرد على من أنكر صفة اليدين أو أولها بتأويل باطل.

4- دليل على كرم الله وجوده وغناه وفقر الخلائق إليه.

5- ذم اليهود لعنهم الله على جراءتهم على ربهم ووصفهم إياه بما ليس من صفته.

6- إثبات صفة الكلام لله.

7- أن اليهود متقدم خبثهم وخستهم ولؤمهم.

8- النهي عن التشبه باليهود والبعد عنهم وبغضهم، لأجل الله جل وعلا.

9- إثبات قدرته.

10- أن اللسان يجني على الإنسان ما يكون سبباً لهلاكه وعذابه وقال صلى الله عليه وسلم: " وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو قال على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم" وقال الشاعر:

واحفظ لسانك واحترز من لفظه

فالمرء يسلم باللسان ويعطب

11- وصف الله بالصفات الحميدة التي وردت بالكتاب والسنة، وقد قال بعض المنحرفين إن المراد باليدين النعمة أو القدرة، ويرد على هؤلاء المتأولين المنحرفين بما ذكره الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله في مختصر الصواعق من وجوه تبطل تحريف الجهمية ومن نحا نحوهم فنذكر بعضها:

(1) أن الأصل في الكلام الحقيقية فدعوى المجاز مخالف للأصل.

(2) أن ذلك خلاف الظاهر فقد اتفق الأصل والظاهر على بطلان هذه الدعوى.

(3) أن اطراد لفظها في موارد الاستعمال وتنوع ذلك وتصريف استعماله يمنع المجاز، ألا ترى إلى قوله ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾(صّ: من الآية75) وقوله ﴿ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾(المائدة: من الآية64) وقوله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾(الزمر: من الآية67) فلو كان مجازاً في القدرة أو النعمة لم يستعمل منه لفظ يمين وقوله في الحديث: " المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين" فلا يقال هذه يد النعمة أو القدرة وقوله: " يقبض الله سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن ثم يقول أنا الملك" فهنا هز وقبض وذكر يدين، ولما أ خبر صلى الله عليه وسلم جعل يقبض يديه ويبسطهما تحقيقاً للصفة لا تشبيهاً لها.

(4) أن مثل هذا المجاز لا يستعمل بلفظ التثنية ولا يستعمل غلا مفرداً أو مجموعاً كقولك: عندي يد يجزيه الله بها، وله عندي أيادي، وأما إذا جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقية.

(5) أن ليس في المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة والنعمة بلفظ التثنية بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾(البقرة: من الآية165) وكقوله ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ﴾(ابراهيم: من الآية34) وقد يجمع الله النعم كقوله ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾(لقمان: من الآية20) وأما أن يقول خلقتك بقدرتين وبنعمتين فهذا لم يقع في كلامه ولا كلام رسوله.

(6) أنه لو ثبت استعمال ذلك بلفظ التثنية لم يجز أن يكون المراد هنا القدرة فإنه يبطل تخصيص آدم فإنه وجميع المخلوقات – حتى إبليس – مخلوق بقدرة الله.

(7) أن هذا التركيب المذكور في قوله (خلقت بيدي) يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك. كتبت بالقلم ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه.

قال بعدما ذكر عشرين وجهاً: ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع وروداً متنوعاً متصرفاً مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات والنضح باليد والخلق باليدين والمباشرة بها، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، وتخمير طينة آدم بيده، ووقوف العبد بين يديه: وكون المقسطين عن يمينه، وقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة عن يمينه وتخيير آدم بين ما في يديه، فقال اخترت يمين ربي وأخذ الصدقة بيمينه يربيها لصاحبها وكتابته على نفسه أن رحمته تغلب غضبه وأنه مسح ظهر آدم بيده .. إلخ.

قال القحطاني:

وله يدانِ كما يقولُ إلهنا كلتا يَديْ ربي يَمِينٌ وصْفُها

وَيَمِيْنُه جَلَّت عن الأيمانِ فهما على الثقلانِ مُنْفِقَتَانِ

 إثبات العين للرحمن جل وعلا

وقوله ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾(الطور: من الآية48)، وقوله ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾(القمر: من الآية 13، 14)ٍ ، ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾(طـه: من الآية39).

الآية الأولى: الصبر لغة: الحبس والمنع، واصطلاحاً حبس النفس على ما تكره تقرباً إلى الله، الحكم لغة: القضاء، وحكم الله ينقسم إلى قسمين حكم كوني قدري وحكم شرعي ديني فالشرعي متعلق بأمره والكوني متعلق بخلقه وهو سبحانه له الخلق والأمر، وحكمه الديني الطلبي نوعاً بحسب المطلوب فإن المطلوب أن كان محبوباً له فالمطلوب فعله أما وجوباً وأما استحباباً وإن كان مبغوضاً له فالمطلوب تركه إما تحريماً وإما كراهة، وذلك أيضاً موقوف على الصبر، فهذا حكمه الديني الشرعي، وأما حكمه الكوني وهو ما يقضيه وما يقدره على العبد من المصائب التي لا صنع له فيها ففرضه الصبر عليها، وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء أصحهما أنه مستحب فرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، انتهى (من كلام ابن القيم).

الرب: الملك المتصرف، وتربيته الناس نوعان خلقية تكون بتنمية أجسامهم حتى تبلغ الأشد، وتنمية قواهم عليها النفسية والعقلية، وتربية دينية تكون بما يوحيه إلى أفراد منهم ليبلغوا الناس ما به تكمل عقولهم وتصفو نفوسهم وليس لغيره أن يشرع للناس عبادة ولا أن يحلل شيئاً ويحرم آخر إلا بإذن منه: يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن أصبر على أذاهم ولا تبال بهم وامض لأمر الله وبلغ ما أرسلت به فإنك بمرأى منا ومنظر، نراك ونرى أعمالك ونحوطك ونحفظك فلا يصل إليك منهم أذى.

ففي الآية:

1- الحث على الصبر.

2- إثبات صفة الحكم لله.

3- إثبات صفة الربوبية.

4- إثبات العين لله بدون تشبيه.

5- إثبات المعية.

6- إثبات فعل العبد حقيقة.

7- الرد على من أنكر شيئاً من هذه الصفات أو أولها بتأويل باطل.

8- أن القرآن كلام الله لا كلام محمد ولا غيره.

9- الحث على مراقبة الله.

10- النهي عن الجزع.

11- إثبات قدرة الله الذي نواصي الدواب بيده.

12- لطف الله برسوله وحفظه له.

13- إثبات صفة الكلام لله.

14- الحث على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فيما أ مر به من الصبر.

15- أن الرسول يعاني مشاقاً من الخلق حيث أمر بالصبر.

الآية الثانية: الألواح: خشب السفينة، الدسر: المسامير، يخبر تعالى عن نبيه ورسوله نوح عليه السلام أنه سبحانه حمله على سفينة ذات خشب ومسامير، وأصحاب السفينة وأنها تجري بمنظر منه ومرأى وحفظ لها عن الغرق جزاء لهم على كفرهم وانتصاراً لنوح حيث كذبه قومه وكفروا فصبر على دعوتهم واستمر على أمر الله فلم يرده راد ولا صده صاد كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾(هود: من الآية48)، ويحتمل أن المراد أهلكنا قوم نوح وفعلنا بهم ما فعلنا من العذاب والخزي جزاء لهم على كفرهم وعنادهم.

ففي الآية:

1- إثبات العين لله وهي من الصفات الذاتية على ما يليق بجلاله وعظمته.

2- إثبات قدرة الله.

3- التحذير عن معصية الله.

4- عناية الله بعبده نوح عليه السلام.

5- إثبات صفة الكلام لله.

6- الرد على الجهمية ونحوهم.

7- في هذه الآية إيماء إلى أن الله جل وعلا يوجد الأسباب لتحقيق ما يريد من المسببات بحسب السنن التي وضعها في الخليفة.

8- أن المعاصي سبب للعقوبات والانتقام من العصاة.

9- أنه سبحانه  يمهل الظالمين ولا يمهلهم.

10- أن الله يهدي من أطاعه إلى طريق النجاة وينصره.

11- إن العاقبة للمتقين.

الآية الثالثة: لما ذكر سبحانه منته على عبده ورسوله موسى ابن عمران في الدين والوحي والرسالة وإجابة سؤاله ذكر نعمته عليه وقت التربية فقال (ولتصنع على عيني) أي ولتتربى على نظري وفي حفظي وكلاءتي.

ويؤخذ من الآية:

1- إثبات العين لله على ما يليق بجلاله وهي من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله فيجب إثباتها لله على الوجه اللائق بجلاله وعظمته لثبوتها بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقد تقدم، وأما السنة ففي الصحيحين عن عبد الله  بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافية" وفي الحديث الآخر " إذا قام العبد في الصلاة قام بين عيني الرحمن".

2- عناية الله بعبده ورسوله موسى عليه السلام ولا حجة للمبتدعة على نفي العين في إفرادها في بعض النصوص وجمعها في البعض الآخر لأن لغة العرب متنوعة في إفراد المضاف وتثنيته وجمعه بحسب أحوال المضاف إليه فإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرده أفردوه وإن أضافوا الواحد المتصل إلى مفرده أفردوه وإن أضافوا اسم جمع ظاهر أو مضمر فالأحسن جمعه مشاكلة للفظ كقوله ( تجري بأعيننا) وإن أضيف إلى ضمير جمع جمعت كقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (يّـس:71) وإن أضيف إلى مثنى فالأصح في لغتهم جمعه كقوله ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾(التحريم: من الآية4) وإنما هما قلبان وقوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾(المائدة: من الآية38) وكقول: العرب إضرب اعناقهما، وهذا أفصح استعمالهم وتارة يفردون المضاف فيقولون لسانهما وقلبهما، وتارة يثنون فيقولون ظهراهما مثل ظهور الترسين، وإذا كان من لغتهم وضع الجمع موضع التثنية لئلا يجمعوا في لفظ واحد بين تثننيتين ولا لبس هناك، فلأن يوضع الجمع موضع التثنية فيما إذا كان المضاف إليه تثنية أولى بالجواز يدل عليه أنك لا تكاد تجد في كلامهم عينان ويدان ونحو ذلك، ولا يلتبس على السامع قول المتكلم: نراك بأعيننا ونأخذ بأيدينا، ولا يفهم منه بشر على وجه الأرض عيوناً كثيرة على وجه واحد.

 إثبات السمع والبصر

" وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة:1)، ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾(آل عمران: من الآية181) ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف:80)".

في هذه الآيات وصف الله بالسمع والبصر وأنه تعالى يسمع ويبصر حقيقة منزه عن صفات المخلوقين ومماثلتهم هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها وعلى نحو ذلك دل الكتاب والسنة.

الآية الأولى: المعنى قد سمع الله قول المرأة التي تجادلك في شأن زوجها وهي خولة بنت ثعلبة والحال أنها تشتكي إلى الله ضعفها وقلة حيلتها، وذلك حين ظاهر منها زوجها بعد الصحبة الطويلة والأولاد قالت عائشة رضي الله عنها " تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعض إذ أنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾ الآيات فلا يشك صحيح الفهم البتة في هذا الخطاب أنه صريح لا يحتمل التأويل بوجه من الوجوه في إثبات صفة السمع لله حقيقة وأنه يسمع بنفسه.

1- إثبات الألوهية.

2- إثبات صفة السمع، ومن أسمائه تعالى السميع ومعناه الذي لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي فيسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء فأحاط سمعه بجميع المسموعات سرها وعلنها قريبها وبعيدها فلا تختلط عليه الأصوات على ا ختلاف اللغات وعلى تفنن الحاجات وكأنها لديه صوت واحد، وفعل السمع يراد به أربعة معان: أحدها سمع إدراك ومتعلقة الأصوات، الثاني: سمع فهم وعقل ومتعلقة المعاني. الثالث: سمع إجابة وعطاء ما سئل، الرابع: قبول وانقياد، فمن الأول ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ و ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾(آل عمران: من الآية181)، ومن الثاني قوله ﴿ لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾(البقرة: من الآية104) ليس المراد سمع مجرد الكلام بل سمع الفهم والعقل منه ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾(البقرة: من الآية285) ومن الثالث: سمع الله لمن حمده وفي الدعاء المأثور " اللهم اسمع – أي أجب – وأعطني ما سألتك" ومن الرابع: قوله تعالى ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾(المائدة: من الآية41) أي قابلون له منقادون غير منكرين له، ومنه على أصح القولين ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾(التوبة: من الآية47) أي قابلون ومنقادون، وقيل عيون وجواسيس وليس بشيء إذا عرف هذا فسمع الإدراك يتعدى بنفسه، وسمع القبول يتعدى باللام تارة وبمن أخرى، وهذا بحسب المعنى فإن كان السياق يقتضي القبول عدى بمن وإن كان يقتضي الانقياد عدي باللام, وأما سمع الإجابة فيتعدى باللام نحو: سمع الله لمن حمده، لتضمنه معنى استجاب له، ولا حذف هناك وإنما هو مضمون وأما سمع الفهم فيتعدى بنفسه لأن مضمونه يتعدى بنفسه، فله تعالى سمع يدرك به المسموعات وبصر يدرك به المرئيات بلا تكييف، اهـ (من كلام ابن اقيم).

وفي الآية:

3- إشارة بأن الله سيزيل شكواها وبلواها ولهذا ذكر حكمهما وحكم غيرها على وجه العموم.

4- أن الشكوى إلا الله لا تنافي الصبر.

5- إثبات الأفعال الاختيارية.

6- إثبات قدرة الله.

7- لطف الله بخلقه حيث جعل لهم فرجاً ومخرجاً مما يقعون فيه.

8- إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

9- إثبات صفحة الكلام.

10- الرد على من أنكر صفة السمع أو البصر أو أولهما بتأويل باطل.

11- الرجوع إلى الحاكم في القضايا والفتاوى.

12- تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه.

13- إحاطة سمع الله بالأصوات.

14- إثبات صفة العلم لله وأنه يعلم الدقيق والجليل.

15- الحث على خوف الله ومراقبته.

16- مزية لخولة حيث نزل بسبب قضيتها قرآن وحكم من الأحكام.

الآية الثانية: سبب نزولها ما ورد عن سعيد بن جبير عن عباس لما أنزل الله  قوله تعلى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾(البقرة: من الآية245) قالت اليهود يا محمد افتقر ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾(آل عمران: من الآية181) المعنى: يخبر تعالى عن هؤلاء المتمردين الذين قالوا أقبح مقالة وأشنعها فأخبر أنه قد سمع ما قالوه وأنه سيكتبه ويحفظه مع أفعالهم الشنيعة وهي قتلهم الأنبياء بغير حق وأنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة، ولا غرابة فهم اليهود الذين مردوا على النفاق ومردوا على السوآت، فهم الذين قتلوا الأنبياء قديماً بغير حق ولا ذنب إلا أنهم يقولون ربنا الله، وأنهم يرشدونهم إلى مصالح الدين والدنيا، ونسبة القتل إلى اليهود الأحياء مع أنهم لم يباشروه لأنهم راضون عنهم وهم سلفهم ومن أمتهم والأمة تؤخذ بذنب أفرادها ولأنهم بين فاعل القبيح وتارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيكون مشتركاً بالقوة لا بالفعل، وهؤلاء اليهود حاولوا قتل ا لنبي صلى الله عليه وسلم، وما حادثة أكلته في خيبر ببعيدة وجزاء هؤلاء أن الله سينتقم منهم ويقول لهم تعالوا إهانة وتنكيلاً بهم وتعذيباً (ذوقوا عذاب الحريق) كما أذاقوا أولياء الله ما يكرهونه.

ويستنبط من الآية:

1- إثبات صفة السمع لله على ما يليق بجلاله وعظمته.

2- إثبات حلم الله.

3- إثبات صفة الألوهية.

4- إثبات قدرة الله.

5- إثبات البعث.

6- إثبات الجزاء.

7- إثبات الجنة لمن أطاع الله والنار لمن عصاه.

8- أن الله يمهل وأن كل شيء محصي.

9- إثبات صفة الكلام.

10- يجب على أفراد الأمة الإنكار على من يفعل المنكر وتغييره والنهي عنه لئلا يفشو فيها فيصير خلقاً من أخلاقها وعادة مستحكمة فيها فتستحق العقوبة في الدنيا بالضيق والفقر والعقوبة في الآخرة.

11- أن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم ويطبقه على أحكام الشريعة فيستحسن منها ما تستحسنه ويستهجن ما تستهجنه عد شريكاً له في إثمه ومستحقاً لمثل عقوبته.

12- أن الجزاء من جنس العمل فكما أذاقوا أولياء الله ألواناً من العذاب قيل لهم ﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾(الحج: من الآية22).

13- إثبات القول لله.

14- هذا الأسلوب يتضمن التهديد والوعيد وليس المراد مجرد الإخبار بالسمع والكتب لكن المراد مع ذلك الإخبار بما يترتب على ذلك من المجازاة بالعدل.

15- وجود الحفظة.

16- دليل خساسة اليهود ولآمتهم حيث وصفوا الله بالفقر تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

17- الرد على المعطلة المنكرين لصفة السمع، والمعتزلة القائلين سميع بلا سمع، والمنكرين لصفة الكلام.

الآية الثالثة: السر: حديث الإنسان بينه وبين نفسه أو غيره في خفية، والنجوى: هو ما يتحدث به الإنسان مع رفيقه ويخفيه عن غيره، بلى: كلمة تذكر لإثبات نفي سابق، أي بل أيظن أنا لا نسمع حديث أنفسهم بذلك ولا ما يتكلمون به فيما بينهم بطريق التناجي، بلى إنا نسمع سرهم ونجواهم، والحفظة الكرام يكتبون ما يصدر منهم من قول أو فعل صغير أو كبير حتى يردوا يوم القيامة فيجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7،8) .

قال صاحب الزنيبية:

واحذر مناقشة الحساب فإنه لم ينه الملكان حين نسيته

لابد يحصي ما جنيت ويكتب بل أثبتاه وأنت لاه تلعب

يؤخذ من الآية:

1- صفة السمع على ما يليق بجلاله وعظمته.

2- أن السر والعلانية مستويان عند الله.

3- فيها تحذير وتخويف فإن طريقة القرآن يذكر العلم والقدرة تهديداً وتخويفاً لترتيب الجزاء.

4- دليل على وجود الحفظة.

5- دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

6- فيها رد على من أنكر صفة السمع أو أولها بتأويل باطل.

7- التنبيه على مقام الإحسان.

8- إثبات صفة الكلام.

9- إحاطة سمع الله بالسر والعلانية.

10- إثبات قدرة الله وعلمه.

 إثبات الرؤية والسمع والمعية والعلم

" وقوله ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾(طـه: من الآية46)، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (العلق:14)، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الشعراء:118- 220)، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾(التوبة: من الآية105) ".

في الآية الأولى: خطاب لموسى وهارون أن لا يخافا بطش فرعون بهما ومعالجته لهما بالعقوبة قبل إتمام الدعوة وإظهار المعجزة، وقوله ﴿ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾(طـه: من الآية46) أي أسمع كلامكما وكلامه وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى علي من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وإرادتي وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي فلا تهتما.

ففي الآية:

1- إثبات المعية الخاصة. أي بالحفظ والنصر والتأييد.

2- الحث على الاعتماد على الله جل وعلا.

3- إثبات صفة السمع.

4- إثبات صفة البصر.

5- إثبات قدرة الله.

6- الرد على من أنكر صفة السمع.

7- الرد على من أنكر الرؤية أو أولها بتأويل باطل.

8- إثبات علم الله.

9- إثبات قدرة الله.

10- إثبات صفة الكلام لله.

11- مزية وشرف لموسى وهارون لما حصل لهما من المعية الخاصة.

الآية الثانية: أي أما علم هذا الناهي عن الهدى بأن الله يراه ويسمع كلامه وسيجازيه على فعله أتم الجزاء، وهذا وعيد شديد، قيل إن هذه الآية نزلت في أبي جهل حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند البيت، ففي الآية إثبات الألوهية وأن الله يرى.

الآية الثالثة: أي الذي يراك في هذه العبادة العظيمة هي الصلاة وقت قيامك فيها وتقلبك راكعاً وساجداً وخصها بالذكر لفضلها وشرفها، ولأن من استحضر فيها قرب ربه خشع وذل وأكملها وبتكميلها يكمل سائر عمله ويستعين بها على جميع أموره، إنه هو السميع لسائر الأصوات على اختلافها وتشتتها وتنوعها، العليم الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والغيب والشهادة، فاستحضار العبد رؤية الله له في جميع أحواله وسمعه لكل ما ينطق به وعلمه بما ينطوي عليه قلبه من الهم والعزم والثبات مما يعنيه على منزلة الإحسان.

ويستنبط من الآية:

1- إثبات صفة البصر.

2- إثبات صفة السمع.

3- إثبات علمه المحيط.

4- الحث على استحضار قرب الله.

5- متمسك لمن فضل السمع على البصر.

6- الرد على من أنكر شيئاً من هذه الصفات أو أولها بتأويل باطل.

7- إثبات صفة الكلام.

8- الرد على من قال إن القرآن كلام محمد.

الآية الرابعة: أي قل يا محمد لهؤلاء المنافقين اعملوا ما شئتم من الأعمال واستمروا على باطلكم فلا تحسبوا أن ذلك سيخفى فلابد أن يتبين عملكم ويتضح، قال مجاهد: هذا وعيد، يعني من الله للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة:18) وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما روى الإمام أحمد عن أبي سعيد مرفوعاً " لو أن أحدكم يعمل في صخرة ليس لها باب ولا منفذ لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان".

قال زهير:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة

وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وقد ورد أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ كما روى أبو داود الطيالسي حدثنا الصلت بن دينا عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم فإن كان خيراً استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك" وقال البخاري قالت عائشة رضي الله عنها " إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فق اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" .

وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له فإن العامل يعمل زمناً من عمره أو برهة من دهره، بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيء لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً وإذا  أراد الله بعبده خيراً استعمله قبل موته، قالوا: يا رسول الله: وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه" تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.

ففي الآية:

1- إثبات الألوهية.

2- أن الله يرى.

3- إثبات البعث.

4- إثبات الحساب والجزاء على الأعمال.

5- صفة العلم.

6- أن الله لا يضل ولا ينسى.

7- إثبات صفة الكلام.

8- الرد على من قال إن القرآن كلام محمد.

9- إن الله يعلم الغيب والشهادة.

10- الرد على من أنكر هذه الصفات أو شيئاً منها أو أولها بتأويل باطل.

المكر والكيد

" وقوله ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾(الرعد: من الآية13) وقوله ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران:54) وقوله ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل:50) وقوله ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ (الطارق:15، 16) ".

في هذه الآيات إثبات وصف الله بالمكر والكيد والمماحلة، وهذه صفات فعلية تثبت لله كما يليق بجلاله وعظمته، قال علي رضي الله عنه: شديد الآخذ، وقال ابن عباس: شديد الحول، وقال مجاهد شديد القوة، وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة، وقيل: شديد المكر، والمماحلة والمحال المماكرة والمغالبة، وقال أحد المفسرين في تفسيره: والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.

والفرق بين أسماء الله التي بلفظ الاسم المضاف أن ما جاء على وجه التسمية به مثل الرحمن الرحيم الحكيم السميع العليم ونحو ذلك، فهذه أسماء يدل كل واحد منها على صفة من صفات الله ويشتق منها الفعل، وما جاء بلفظ الاسم المضاف كقوله ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾(النساء: من الآية142) ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود:102) وقوله ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾(الرعد: من الآية13) فهذا الاسم يطلق على الله بلفظ الإضافة كما ورد، وبلفظ الفعل، فيقال: خادع المنافقين ويخادع من خادعه، إن أ خذ الله شديد ويأخذ من عصاه ويأخذ الظالمين ولا يشتق منها اسم فلا يقال من أسمائه المخادع ولا الخادع ولا الشديد ولا الآخذ.

وأما ما ورد بلفظ الفعل كقوله تعالى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وقوله ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وقوله ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ فهذا يطلق على الله كما ورد ولا يجوز أن يشتق لله منه اسم فلا يقال من أسمائه الماكر ولا الكائد، لأنه لم يرد، وأما تسميته مكراً وكيداً ف قيل من باب المقابلة نحو ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾(الشورى: من الآية40) ونحو ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾(النحل: من الآية126) وقيل: إنه على بابه، فإن المكر أظهار أمر وإخفاء خلافه، ليتوصل به إلى مراده:  وهو ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم، فالقبيح إيصاله إلى من لا يستحقه، وأما الحسن فإيصاله إلى من يستحقه عقوبة له، فالأول وهو المحمود منه نسبته إلى الله لا نقص فيها. وأما الثاني وهو المذموم فلا ينسب إلى الله، فمن المحمود مكره سبحانه بأهل المكر مقابلة لهم بفعلهم وجزاء لهم من جنس عملهم، وكذا يقال في الكيد كما يقال في المكر، والله إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلاً منه وحكمة.

وفي المدارج قال: والمكر الأخذ في غفلة كما قال تعالى ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾(لأعراف: من الآية182) فنسبة الكيد والمكر ونحوهما إليه سبحانه من إطلاق الفعل عليه تعالى، والفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالاً لم يتسم منها بأسماء الفاعل كأراد وشاء وأحدث، ولم يسم بالمريد والشائي والمحدث، كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن، وغير ذلك من الأسماء التي أطلق الله أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء، وقد أخطأ أقبح الخطأ من اشتق له من كل فعل اسماً وبلغ باسمائه زيادة على الألف، فسماه الماكر والمخادع والفاتن ونحو ذلك، وكذا باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به فإنه يخبر عنه بأنه شيء موجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمى بذلك اهـ.

وهكذا ما أطلقه على نفسه من صفات العلي أكمل معنى ولفظاً مما لم يطلقه فالعليم الخبير أكمل من الفقيه والعارف، والكريم الجواد أكمل من السخي، والخالق البارئ المصور أكمل من الصانع الفاعل، ولهذا لم تجئ هذه في أسمائه الحسنى، والرحيم والرؤوف أكمل من الشفيق، فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم يطلقه على نفسه ما لم يكن مطابقاً لمعنى أسمائه وصفاته وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته له دون اللفظ ولا سيما إذا كان مجملاً أو منقسماً إلى ما يمدح به غيره فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيداً وهذا كلفظ الصانع والفاعل فإنه لا يطلق عليه في أسمائه الحسنى إلا إطلاقاً مقيداً أطلقه على نفسه كقوله تعالى ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (البروج:16) ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾(الحج: من الآية18) وقوله ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾(النمل: من الآية88) فان اسم الفاعل والصانع منقسم في المعنى إلى ما يمدح عليه ويذم، ولهذا المعنى والله أعلم لم تجيء في الأسماء الحسنى المريد كما جاء فيها السميع البصير، ولا المتكلم ولا الآخر الناهي لانقسام مسمى هذه الأسماء بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له من كل فعل أخبر به ع ن نفسه اسماً مطلقاً فأدخله في أسمائه الحسنى فاشتق له اسم الماكر والخادع والفاتن والمضل والكاتب ونحوها من قوله ﴿ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾(لأنفال: من الآية30) ومن قوله ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾(النساء: من الآية142) ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾(طـه: من الآية131) ومن قوله ﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾(الرعد: من الآية27) وقوله ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾(المجادلة: من الآية21)، وهذا خطأ فإنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه الأسماء فاطلاقها عليه لا يجوز، فقد أخبر عن نفسه بأفعاله مختصة مقيدة فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الاسم عند الإطلاق ثم إن  هذه ليست من الأسماء الحسنى التي تسمى الله بها سبحانه فلا يجوز أن يسمى بها، ولو أن هذا القائل سمي بهذه الأسماء وقيل له هذه مدحتك وثناء عليك فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل الملاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى إطلاق هذه الأسماء عليه ويعدها مدحة، ولله المثل الأعلى، ويلزم القائل أن يجعل من أسمائه اللاعن والجاني والآتي والذاهب والتارك والمقاتل والصادق والمنزل والنازل والمدمدم والمدمر وأضعاف ذلك فيشتق له اسماً من كل فعل أخبر به عن نفسه، وإلا تناقض تناقضاً بيناً ولا أحد من العقلاء طرد ذلك فعلم بطلان قوله والحمد لله رب العالمين اهـ. (من كلام ابن القيم).

 إثبات صفة العفو والمغفرة والقدرة والعزة

(وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ (النساء:149)، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(النور: من الآية22) وقوله ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ (المنافقون: من الآية8) وقوله عن إبليس ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(صّ: من الآية82) ).

وفي هذه الآيات إثبات وصف الله بالعفو والمغفرة والقدرة والعزة.

الآية الأولى: يخبر تعالى أن فاعلي الخير سراً وجهراً والعافين عن الناس ممن يسيء إليهم يجزيهم ربهم من جنس ما عملوا فيعفو عن سيئاتهم والله من شأنه العفو وهو القدير الذي يعطي الثواب الكثير على العمل القليل.

يؤخذ من الآية:

1- إثبات علم الله.

2- إثبات الألوهية.

3- إثبات قدرة الله.

4- إثبات صفة العفو.

5- دليل على كرم الله وجوده.

6- إرشاد إلى التفقد في أسماء الله وصفاته.

7- أن كلا من الخلق والأمر صادر عنها وهي مقتضية له ولهذا يعلل الأحكام بالأسماء الحسنى كما في هذه الآية لما ذكر عمل الخير والعفو عن المسيء رتب ذلك بأن أحالنا على معرفة أسمائه تعالى ومن أسمائه تعالى العفو ومعناه المتجاوز عن سيئات عباده إذا تابوا وأنابوا، قال ابن القيم رحمه الله:

وهو العفو فعفوه وسع الورى

لولاه غاض الأرض بالسكان

وهو قريب من اسمه تعالى الغفور، ولكنه أبلغ منه فإن  الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو والمحو أبلغ من الستر، ولما كان أكمل العفو ما كان عن مقدرة تامة على الانتقام والمؤاخذة، قرن الله بين اسمه تعالى واسمه القدير كما في هذه الآية الكريمة، فالقدير هو الذي لا يعجزه شيء.

قال ابن القيم رحمه الله:

وهو القدير وليس يعجزه إذا

ما رام شيئاً قط ذو السلطان

وقال الشاعر

وأفضل الزهد زهد كان عن جدة

وأفضل العفو عفو عند مقدرة

8- الحث على العفو ومكارم الأخلاق والإحسان.

9- أن العفو والصفح عن الخلق سبب لعفو الله عن العافي.

10- أن الجزاء من جنس العمل.

11- لطف الله بعباده مع ظلمهم لأنفسهم.

12- الرد على الجبرية الذين يزعمون أن العبد لا فعل له وإما ينسب إليه على جهة المجاز.

13- أن السر والعلانية على السواء عند الله.

14- إثبات الحساب والجزاء على الأعمال.

الآية الثانية: العفو: الستر والتجاوز والصفح الإعراض فأصبح معنى الآية: ليعفوا عن ذنبهم الذي أذنبوه عليهم وجنايتهم التي اقترفوها، وليصفحوا بالإغضاء عن الجاني والإغماض عن جنايته، ثم ذكر سبحانه ترغيباً عظيماً لمن عفا وصفح فقال: ﴿ أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي بسبب عفوكم وصفحكم عن الفاعلين للاساءة عليكم وبسبب إحسانكم إليهم ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي كثير المغفرة والرحمة لعباده مع كثرة ذنوبهم وتقدم الكلام على اسمه تعالى الغفور واسمه الرحيم.

ويؤخذ من الآية:

1- الأمر بالعفو ومكارم الأخلاق.

2- الأمر بالصفح عمن أساء.

3- أن العفو سبب لمغفرة الله.

4- إثبات صفة المغفرة.

5- إثبات صفة الرحمة.

6- في الآية دليل على أن الجزاء من جنس العمل.

7- فيها دليل على حلم الله ولطفه بعباده مع ظلمهم لأنفسهم.

8- أن الصفح سبب لمغفرة الله للعبد.

9- إثبات فعل العبد وأنه فاعل حقيقة.

10- الرد على الجبرية.

11- النفقة على القريب.

12- أن النفقة لا تترك بسبب معصية الإنسان.

13- النهي عن الحلف على ترك العمل الصالح.

قال بعضهم: إن هذه الآية أرجى آية في القرآن لأن الله أوصى بالإحسان إلى القاذف.

14- ختم الآية بهذين الاسمين إشارة إلى أن كل اسم يناسب ما ذكره معه واقترن به من فعله وأمره.

15- فيها دليل على أن أسماء الرب مشتقة من أوصاف ومعان قامت به سبحانه فهي أسماء وأوصاف وبذلك كانت حسنى.

قال ابن القيم رحمه الله:

أسماؤه دلت على أوصافه وصفاته دلت على أسمائه والحكم نسبتها إلى متعلقا

مشتقة منها اشتقاق معان والفعل مرتبط به الأمران ت تقتضي آثارها ببيان

الآية الثالثة: الجملة حالية أي قالوا ما ذكر والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن القوة والغلبة لله وحده ولمن أفاضها عليه من رسله وصالحي عباده، وعزة الله قهره وغلبته لأعدائه، وعزة رسوله صلى الله عليه وسلم إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم، فالمؤمن له من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظه من العلو والعزة، ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان علماً وعملاً ظاهراً وباطناً فالمؤمن عزيز عال مؤيد منصور مكفي مدفوع عنه بالذات أينما كان ولو اجتمع عليه بأقطارها إذا قام بحقائق الإيمان وواجباته فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد بحسب ما نقص من إيمانه.

ويؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة العزة وهي من الصفات الذاتية ا لتي لا تنفك عن الله وهي ثلاثة أقسام: عزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وعزة الامتناع فإنه الغني فلا يحتاج إلى أحد ولتن يبلغ ضره فيضروه ولا نفعه فينفعوه، وعزة القهر والغلبة لكل الكائنات وكل هذه المعاني لله سبحانه وتعالى ثابتة بمقتضى اسمه العزيز قال ابن القيم:

وهو العزيز فلن يرام جنابه وهو العزيز القاهر الغلاب لم وهو العزيز بقوة هي وصفه وهي التي كملت له سبحانه

أنى يرام جناب ذو السلطان يغلبه شيء هذه صفتان فالعز حينئذ ثلاث معان من كل وجه عادم النقصان

الآية الرابعة: يخبر تعالى عن إبليس – لعنه الله – أنه أقسم بعزة الله أن يغوي بني آدم بتزيين الشهوات والمعاصي لهم ثم لما علم أن كيده لا ينجح إلا في أتباعه وأحزابه من أهل الكفر والمعاصي استثنى من لا يقدر على إضلاله ولا يجد السبيل إلى إغوائه فقال: إلا عبادك منهم المخلصين.

ويؤخذ من الآية:

1- إثبات صفة العزة.

2- جواز الحلف بها.

3- أن صفات الله غير مخلوقة إذ الحلف بالمخلوق شرك، والعزة المضافة إلى الله قسمان الأول قسم يضاف إليه سبحانه من باب إضافة المخلوق إلى خالقه وهي العزة المخلوقة التي يعز بها أنبيائه وعباده الصالحين، وقسم يضاف إليه من باب إضافة الصفة إلى موصوف بها كما في هذه الآية وكما في الحديث " أعوذ بعزة الله وقدرته".

ومما يؤخذ من الآية: الرد على منكري الصفات ومؤوليها بتأويل باطل.

4- أن الجن يتكلمون.

5- إثبات صفة الكلام لله.

الرد على منكري الجن

6- الرد على من أنكر الجن وقد كثر المنكرون لهم في زمننا وغالبهم يستندون في إنكارهم أن طريق معرفة وجود الجن هي النظر أو السمع وأنهم لم يروا جناً ولم يسمعوهم ولكن عدم النظر أو عدم السمع أو عدم وصول أحد الحواس الإنسانية إلى وجود الجن لا يقوم دليلاً على عدم الوجود لا نقلاً ولا عقلاً.

أما العقل فإنه يجوز وجود كائن حي غير مرئي بالعين بدون واسطة المجهر المكتشف أخيراً فإن الميكروب كائن حي خلقه الله وهو كثير في طبقات الجو لا يمكن رؤيته. ومن لم يقر ويعتقد وجود ما غاب عن نظره وبصره لزمه إنكار الروح أيضاً لأنها ليست مرئية، وهي حقيقة موجودة بها حياة الإنسان ومع ذلك لم يرها أحد، قال تعالى ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾(الاسراء: من الآية85). وكذا أيضاً يلزمه إنكار العقل مع أنه حقيقي موجود لا يرى ولا يسمع ولا يلمس ولا يذاق ولا يشم وكل يعترف به ولا ينكره إلا معتوه.

وأما النقل فكثير: فمن الأدلة الدالة على وجودهم قوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات:56) وقال تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر قومه أن الجن استمعوا لقرائة القرآن فآمنوا به وصدقوا لما قال وتلى وانقادوا له كما في قوله تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً ﴾ (الجن: 1،2) وقال تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (الاحقاف:29).

وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ ﴾(لأعراف: من الآية179). وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾(الأنعام: من الآية128) وقال ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾(الأنعام: من الآية130) وقال تعالى ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ﴾(لأعراف: من الآية27) وهذا من حكمة الله ولطفه بعباده البشر فلو كشف لنا عن حقيقتهم وسلط نظرنا المحدود على ذواتهم لما أمكن والله أعلم أن يعيش الإنسان معهم، وقال تعالى ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾(النمل: من الآية17)، وقال ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾(الاسراء: من الآية88) وقال في من سخر لسليمان ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾(سـبأ: من الآية12) وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾(البقرة: من الآية275). قال ابن عباس "آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق" رواه ابن أبي حاتم قال وروي عن عوف بن مالك وسعيد ابن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حبان نحو نحو ذلك إلى غير ذلك من الآيات.

وأما السنة فورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه فذكرت قول أخي سليمان ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ". وورد أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره وهو معتكف فقام معها مودعاً حتى بلغت باب المسجد فرآه رجلان من الأنصار فسلما عليه فقال على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاًَ. وهذا صريح واضح في أن الشيطان يخترق الجسم البشري ويسري فيه كما يسري الدم ومع خفائه فقد التزم الشيطان لعنه الله في  عداوته سبعة أمور أربعة في قوله تعالى ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾(النساء: من الآية119) وثلاثة منها في قوله تعالى ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (لأعراف:16،17) ". وهذا الالتزام  بين أنه عدو متظاهر بالعداوة ولذلك فصل الله عداوته باشتمالها على ثلاثة أشياء: (السوء) وهو متناول جميع المعاصي من القلب والجوارح، و(الفحشاء) وهي ما عظم جرمه وذنبه كالكبائر التي بلغت الغاية في الفحش وذلك كالزنا واللواط، والثالث القول على الله بلا علم.

وروى مسلم أن فتى من الأنصار قتل حية في بيته فمات في الحال فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن في المدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان".

وهكذا تكرر الروايات الصحيحة أن الجن كان بالمدينة وقد أسلم بعضهم، وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان إلا ابن مريم وأمه ". وروى مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم " ما منكم من أحد إلا وقد وكل الله به قرينه من الجن" فرأى الصحابة أن قوله صلى الله عليه وسلم عام فقالوا يا رسول الله وإياك أي حتى أنت فقال صلى الله عليه وسلم " وإياي لكن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بالخير".

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعني فإني محتاج ولي عيال وبي حاجة شديدة. قال فخليت عنه فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة" قال قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فعل ذلك ثلاث ليال كل ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول أما إنه قد كذبك وسيعود فلما كان في الثالثة قلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود فقال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها فقلت وما هي قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) حتى ختم الآية فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أما إنه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة قلت لا قال ذاك شيطان".

عن أبي السائب أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته قال فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكاً في عراجين في ناحية البيت فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست فلما انصرف إلي أشار إلي بيت في الدار فقال أترى هذا البيت فقلت نعم فقال كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس قال فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فاستأذنه يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة فأخذ الرجل سلاحه فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها الرمح ليطعنها به فأصابته فقالت اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثم خرج فركزة في الدار فاضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتاً الحية أم الفتى قال فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له وقلنا ادع الله يحييه لنا فقال استغفروا لصاحبكم ثم قال " إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً  فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" وفي رواية عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئاً منها فحرجوا عليها ثلاثاً فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر وقال لهم اذهبوا فادفنوا صاحبكم" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول اذكر كذا واذكر كذا – لما لم يذكر من قبل – حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى" متفق عليه " التثويب" : الإقامة ، يخطر: يوسوس.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح قال " ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو قال أذنه" متفق عليه،  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يعقد الشيطان على قافية رأي أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة فإن توطأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" متفق عيه. قافية الرأس: آخره. وروى مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد اخوانكم من الجن".

وورد في السنة الصحيحة باللفظ الصريح أكل الشيطان وشربه فقد ورد إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله. وهذا لا يحتاج إلى شرح ولا تأويل واضح.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها وفي صور الإبل والبقر  والغنم والخيل والبغال والحمير وفي صور الطير وفي صور بين آدم كما أتى الشيطان قريشاً في صورة سراقة بن مالك بن جشعم لما أرادوا الخروج إلى بدر قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (لأنفال:48)

 وكما روى أنه تصور في صور شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة اهـ.

وبالتالي فلا ينكر الجن إلا إنسان لا عقل له منسلخ من الدين الإسلامي بالكلية لأنه مكذب لله ولرسوله ولما أجمع عليه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها والله سبحانه وتعالى أعلم).

النفي والإثبات:

( وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ (الرحمن:78) وقوله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾(مريم: من الآية65)، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الاخلاص:4)، ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: من الآية22) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾(البقرة: من الآية165).

الآية الأولى: المعنى: تعالت أسماؤه وتعظمت صفاته وتقدست والجلال والعظمة صفتان لله جل جلاله وأما ذكره تباركه سبحانه ففي المواضع التي أثنى فيها على نفسه بالجلال والعظمة والأفعال الدالة على الربوبية والإلهية والحكمة وسائر صفات الكمال من  إنزال القرآن وخلق العالمين وجعله في السماء بروجاً وإنفراده بالملك وكمال القدرة وتباركه سبحانه من الصفات الذاتية، والدليل على ذلك أنه يسند التبارك إلى اسمه. والبركة نوعان بركة هي فعله سبحانه والفعل منها بارك ويتعدى بنفسه تارة وبأداة " على" تارة وبأداة "في" تارة والمفعول منها مبارك وهو كذلك فكان مباركاً كما يجعله الله تعالى والنوع الثاني بركة هي صفته تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة والفعل منها تبارك ولهذا لا يقال لغيره كذلك ولا يصلح إلا له عز وجل فهو سبحانه المبارك وعبده ورسوله المبارك كما قال المسيح ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾(مريم: من الآية31) فمن بارك الله فيه فهو المبارك وأما صفته فمختصة به كما أطلق على نفسه بقوله ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾(لأعراف: من الآية54).

الآية الثانية: العبادة لغة الذل، وعرفها شيخ الإسلام بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وقيل : إن العبادة غاية الذل مع غاية الخضوع.

قال ابن القيم رحمه الله:

وعبادة الرحمن غاية حبه وعليهما فلك العبادة دائر ومداره بالأمر أمر رسوله فقيام دين الله بالإخلاص وإلا لم ينج من غضب الإله وناره والله لا يرض بكثرة فلعنا فالعارفون مرادهم إحسانه

مع ذل عابده هما قطبان ما دار حتى قامت القطبان لا بالهوى والنفس والشيطان حسان إ نهما له أصلان إلا الذي قامت به الأصلان لكن بأحسنه مع الإيمان والجاهلون عموا عن الإحسان

وقوله (واصطبر ) أي اصبر، قال الشاعر:

لولا اصطبار لأودي كل ذي مقة

لما استقلت مطايهن للظعن

أي لولا ذلك الصبر، سمياً: شبيهاً مثيلاً، الفاء للسببية لأن كون رب العالمين سبب موجب لأن يعبد وعدي فعل الصبر باللام دون على التي يتعدى بها لتضمنه معنى الثبات، والمعنى: إذا علمت أنه المسيطر على ما في السماوات والأرض، وما بينهما القابض على أعنتها، فاعبده واصطبر على مشاق العبادة وشدائدها والاستفهام هنا بمعنى النفي أي لا تعلم له شبيهاً ولا مثيلاً يقتضي العبادة لكنه منعماً متفضلاً بجليل النعم وصغيرها، ومن ثم يجب تعظيمه سبحانه غاية التعظيم بالاعتراف بربوبيته والخضوع لسلطانه وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، وليس المعنى هل تجد من يتسمى باسمه إذ بعض اسمائه قد يطلق على غيره، لكن ليس معناه إذا استعمل فيه كما كان معناه إذا استعمل في غيره.

ففي الآية:

1- إثبات وحدانية الله.

2- الأمر بعبادة الله.

3- إثبات الربوبية.

4- الأمر بالثبات على العبادة.

5- الأمر بالصبر.

6- نفي الشبيه والمثيل.

7- إثبات صفة الكلام.

8-  الرد على من قال إن القرآن كلام محمد أو جبريل أو غيرهما.

9- الرد على من قال إن كلام الله هو الكلام النفسي أو أن القرآن عبارة عن كلام الله كما يقوله الأشاعرة ونحوهم من أهل البدع.

10- الرد على المشبهة.

11- الحث على تعظيم الله والاعتراف بربوبيته والخضوع لسلطانه.

12- الأمر باخلاص العبادة لله وحده.

13- الحث على المراقبة.

14- إقامة البراهين والأدلة على وجوب إفراد الله بالعبادة.

15- وجوب إفراد الله بالعبادة.

16- النهي عن عبادة غير الله.

17- أن الله لطيف بالعباد حيث دلهم وحثهم على عبادته وحده.

18- الآية الثالثة: قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الاخلاص:4) أي لا كفوا له في ذاته ولا أسمائه ولا في صفاته.

ففي الآية:

1- نفي الشبيه والمثيل.

2- الرد على من جعل لله مكافياً في أسمائه أو في صفاته أو في أفعاله.

3- الرد على من جعل لله صاحبة أو ولداً.

الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الأنداد: الأمثال والنظراء.

هذه الآية ضمنت الدعوة إلى عباد الله وحده بطريقتين: إحداهما البراهين بخلقهم وخلق السماوات والأرض والمطر، والثانية: ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام. فذكر سبحانه أولاً الربوبية لهم، ثم ذكر خلقه لهم وآبائهم لأن الخالق يستحق أن يعبد، ثم ذكر ما أنعم به عليهم من جعل الأرض فراشاً والسماء بناء، وإنزال المطر وإخراج الثمرات لأن المنعم يستحق أن يعبد ويشكر، وانظر قوله تعالى (رزقاً لكم) يدلك على ذلك لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفة وخطاب بديع. الثاني المقصود الأعظم من هذه الآية وهو الأمر بالتوحيد لله جل وعلا.. وترك ما عبد من دونه لقوله في آخرها ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

وفي الآية

1- دليل على أن الخلق مفطورون على معرفة الله والإقرار به.

2- فيها رد على المشبهة الذين يشبهون خلقه به.

3- فيها رد على الذين يشبهونه بخلقه.

4- فيها رد على القدرية ونحوهم.

5- النهي عن الشرك.

6- إثبات الألوهية.

7- إثبات صفة الخلق لله.

8- لطف الله بخلقه.

9- الرد على المعطلة.

الآية الخامسة: بعد أن ذكر سبحانه فيما تقدم من ظواهر الكون ما يدل على توحيده ورحمته وحكمته، أخبر أنه مع هذا الدليل الظاهر قد وجد في الناس من لا يعقل تلك الآيات التي أقامها برهاناً على وحدانيته، فاتخذ معه نداً يعبده من الأصنام كعبادة الله ويساويه في المحبة والتعظيم، والمحبة المذكورة هي المحبة الشركية المستلزمة للخوف والتعظيم والإجلال والإيثار على مراد النفس وهذه صرفها لغير الله شرك أكبر ينافي التوحيد بالكلية.

قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: وفي معنى الآية قولان، أحدهما: والذين آمنوا أشد حباً لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله، والثاني: والذين آمنوا أشد حباً لله من محبة المشركين بالأنداد فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة، والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى (يحبونهم كحب الله)، فإن فيها قولين أحدهما يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أنداداً، والثاني أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله ثم بين أن محبة المؤمنين أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم وكان شيخ الإسلام يرجح القول الأول، ويقول: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم

وهم في النار يقولون لآلهتم وأندادهم وهي محضرة في العذاب ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء:97،98)  ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم وهذا أيضاً هو العدل المذكور في قوله تعالى ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾(الأنعام: من الآية1) أي يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم وهو أصح القولين اهـ.

ويستنبط من الآية:

1- إثبات الألوهية.

2- أن من أشرك مع الله غيره في المحبة فقد جعله شريكاً لله واتخذه نداً لله وأن ذلك شرك أكبر.

3- أنه سبحانه يحتج على المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية.

4- الاستدلال بهذه المخلوقات على وجود الله سبحانه.

5- أن فيها دليلاً وآية على توحيد الله وإثبات أسمائه وصفاته وكماله وصدق رسله عليهم الصلاة والسلام.

6- دليل على سخافة عقولهم حيث أحبوا من لا يسمع ولا يبصر.

7- أن المشركين يحبون أندادهم كما يحبون الله.

8- دليل على إثبات صفة الكلام.

9- دليل على إثبات صفة العلم لله.

10- أن محبة الخوف والتعظيم والإجلال يجب صرفها لله وحده.

أقسام المحبة:

أقسام المحبة خمسة: الأول محبة الله، ولا تكفي وحدها للنجاة من النار والفوز بالجنة، فإن المشركين يحبون الله، والثاني: محبة ما يحبه الله وهذه المحبة التي تدخل في الإسلام وتخرج من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة. الثالث: محبة في الله ولله، وهي فرض، كمحبة أوليائه وبغض أعدائه، وهي من مكملات محبة الله ومن لوازمها، فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروه وولايته وعداوته، ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلابد أن يبغض أعداءه ويحب أولياءه.

قال الشيخ رحمه الله على قوه تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾(المجادلة: من الآية22) فأخبر أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين لله ورسوله فإن نفس الإيمان ينفي موادته كما ينفي أحد الضدين الآخر فإذا وجد الإيمان انتفى ضده وهو موالاة أعداء الله فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب.

ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾(المائدة: من الآية80)، فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف لو التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾(المائدة: من الآية81) فدل على أن الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إليه.

ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾(المائدة: من الآية51) فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمناً وأخبر هنا أن متوليهم هو منهم فالقرآن يصدق بعضه بعضاً ا هـ.

وقال ابن القيم:

أتَحِبُّ أَعداءَ الحبيب وتَدَّعِي وكذا تُعادي جاهداً أَحبابَه ليس العبادةُ غيرَ توحيدِ المحبةِ والحُبُّ نَفْس وِفَاقِه فيما يُحِـ

حباً له ما ذاك في إمكان أينَ المحبةُ يا أَخا الشيطان مع خضوعِ القلبِ والأركان بُّ وبُغْضُ ما لا يَرْتَضِي بِجَنَانِ

الرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وهي المستلزمة للخوف والتعظيم والإجلال فهذه لا تصلح إلا لله، ومتى أحب العبد بها غير الله فقد أشرك الشرك الأكبر.

الخامس: المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه كمحبة المال والولد ونحو ذلك، فهذه لا تذم إلا إذا أشغلت وألهت عن طاعة الله.

قال الشيخ: حب الإنسان للأمور الدنيوية لا يلام العبد عليه، ولا يعاقبل إلا إذا دعا إلى معصية الله، أو تضمن ترك واجب، وجامع المال إذا قام فيه بالواجبات ولم يكتسبه من الحرام لا يعاقب عليه، لكن إخراج الفضل والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم وأفرغ للقلب، وأجمع للهم، وأنفع للدنيا والآخرة.

وقال الشيخ: ومطالب النفوس وأغراضها نوعان، منها: ما هو محتاج إليه كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه، فيكون المال عنده يستعمله في حوائجه بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي حاجته فيه، من غير أن يستعبده فيكون هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه ا لخير منوعاً، ومنها: ما لا يحتاج إليه العبد فهذا لا ينبغي أن يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها كان مستعبداً لها وربما صار معتمداً على غير الله فيها فلا يبقى معه حقيقة العبادة ولا حقيقة التوكل عليه بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله، اهـ.

النفي والإثبات:

( قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ (الاسراء:111)، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التغابن:1)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (الفرقان:1،2) ).

الآية الأولى: وتسمى آية العز: لما أثبت سبحانه في الآية الكريمة الاسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائص، فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ كما يقول اليهود والنصارى ومن قال من المشركين إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ أي مشارك له في ملكه وألوهيته وربوبيته كما تزعم الثانوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة، ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ أي لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير، وقوله ﴿ وَكَبِّرْهُ ﴾ أي عظمه وأجله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

وتكبيره سبحانه:

1- يكون بذاته باعتقاد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غني عن كل موجود.

2- بتكبيره في صفاته بأن يعتقد أن كل صفة من صفاته سبحانه، فهي صفة جلال وكمال وعظمة وعز، وأنه منزه عن كل يعيب ونقص.

3- بتكبيره في أفعاله، فتعتقد أنه لا يجرى في ملكه شيء، إلا وفق حكمته وإرادته.

4- بتكبيره في أحكامه بأن يعتقد أنه ملك مطاع له ا لأمر والنهي والخفض والرفع، وأنه لا اعتراض لأحد عليه في أحكامه، يعز من يشاء ويذلك من يشاء قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الانبياء:23).

5- بتكبيره في أسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة.

ويستنبط من الآية:

1- الحث على حمده سبحانه لأنه المستحق لأن يحمد لما اتصف به من صفات الكمال.

2- تنزيهه عن الولد لكمال صمديته، وغناه، وتعبد كل شيء له، فاتخذ الولد ينافي ذلك.

3- تنزيهه عن الشرك في الملك ا لمتضمن تفرده بالألوهية والربوبية وسائر صفات الكمال.

4- نفي الولاية من الذل التي تحميه وتؤيده وتحفظه لأنه قوي عزيز غني عمن سواه، أما الولاية التي على وجه المحبة والكرامة لمن يشاء من عباده فلم ينفها وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس:62) فهذه موالاة رحمة وإحسان، وأما المنفية فهي موالاة الحاجة والذل.

قال ابن القيم رحمه الله:

يَا مَن يُريدُ ولايَةَ الرحمن دُوْ فارِقْ جميعَ الخلقِ في إشراكهم يَكفِيكَ مَن وَسِعَ الخلائقَ رحمةً يكفيكَ مَن لم تَخلُ من إحسانِهِ يَكْفيكَ رَبٌ لم تزلْ أَلْطَافُهُ يَكْفِيكَ ربٌّ لم تزلْ في سِتْرِهِ يكفيك ربٌّ لم تَزَلْ في حِفْظِهِ يكفيك رب لم تزل في فَضْلِه

نَ ولاية الشيطان والأوثان حتى تَنَالَ ولايةَ الرحمن وكِفَايةً ذُو الفضل والإحسان في طرفةٍ بِتَقَلُّبِ الأجفَان تأتي إليك بِرَحْمَةٍ وحَنَان ويَرَاكَ حِينَ تجيءُ بالعِصْيانِ وَوَقايةٍ منه مَدَى الأزمان متقلباً في السر والإعلان

5- الرد على من زعم أن القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم.

6- الرد على الثانوية ونحوهم ممن قال بتعدد الآلهة.

7- الرد على القدرية.

8- إثبات الألوهية لله تعالى.

9- إثبات الملك لله تعالى.

10- الحث على مقام الإحسان وتعظيم الله واجلاله.

الآية الثانية: يخبر تعالى أنه يسبح له جميع المخلوقات التي في السماوات والتي في الأرض أي تنزهه وتقدسه عما لا يليق بجلاله وعظمته، وقد اختلف في كيفية هذا التسبيح فقيل هو تسبيح على حقيقته بلسان المقال ويدل على ذلك بقوله تعالى:﴿ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الاسراء: من الآية44) وقوله ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ﴾ (الانبياء: من الآية79) والدلالة على الصانع لا تختص بهذين الوقتين وكذلك وله ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾(سـبأ: من الآية10) والدلالة لا تختص معيته وحده فلو كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم يكن لتخصيص داود فائدة وثبت في الصحيح أنهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام وهم يأكلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث حنين الجذع وحديث أن حجراً بمكة كان يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وكلها في الصحيح ومن ذلك تسبيح الحصى في كفه صلى الله عليه وسلم إلى غير من الأدلة. وقيل أنه بلسان الحال أي بما تدل عليه صنعتها من قدرة وحكمة فهي تدل بحدوثها دلالة واضحة على وجود الله وتفرده بالروبية ووحدانيته، قال الشاعر:

تأمل في نبات الأرض وانظر عيون من جلين شاخصات على قصب الزبرجد شاهدات

إلى آثار ما صنع المليك بأحداق هي الذهب السبيك بأن الله ليس له شريك

وقوله ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ﴾ أي يختصان به ليس لغيره منهما شيء وما كان لعباده منهما فهو من فيضه وراجع إليه فهو المالك وحده لجميع المخلوقات النافذ فيها أمره، يتصرف فيها كيف يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لأمره، فلا يعجزه شيء.

يستنبط من الآية:

1- تنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله وعظمته.

2- إثبات الملك لله وحده.

3- إثبات الألوهية لله تعالى.؟

4- اختصاصه سبحانه بالملك و الحمد كما يفيده تقديم الظرف فهو سبحانه المختص به من حيث الحقيقة لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه فالملك له بالحقيقة دون غيره ولأن أصول النعم وفروعها منه تعالى فالحمد له بالحقيقة وحمد غيره إنما يقع من حيث ظاهر الحال وجريان النعم على يديه.

5- إثبات قدرة الله.

6- الرد على القدرية.

7- إثبات جميع صفات الكمال ونفي النقائص والعيوب لأن التسبيح يقتضي ذلك.

8-  الرد على المعطلة المنكرين لصفات الله.

الآية الثالثة: تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم ثم في النبوة لأنها الواسطة ثم في المعاد لأنه الخاتم فقال ﴿تَبَارَكَ﴾ مأخوذ من البركة وهي النماء والزيادة وهو فعل مختص بالله لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلا له أي تعاظم وكملت أوصافه، وكثرت خيراته ﴿ الْفُرْقَانَ ﴾ أي القرآن الفارق بين الحلال والحرام، والهدى والضلال، وأهل السعادة من أهل الشقاوة والتعبير بنزل بالتشديد لإفادة  التدريج في النزول وأنه لم ينزل جملة واحدة وقوله ﴿ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ المراد به محمد صلى الله عليه وسلم وإيراد بهذا العنوان، ولم يقل بنبيه أو رسوله أو بمحمد تشريفاً له وإيذاناً بكونه عليه السلام في أقصى مراتب العبودية، ولذلك وصفه بها في أشرف مقام: مقام الإرسال ومقام الإسراء. وهذه العبودية تختص بمن تعبده الله بامتثال أوامره واجتناب نهيه وأما العبودية العامة فهي الخضوع للأمر الكوني القدري وتشمل جميع الخلق ودليلها قوله تعالى ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ (مريم:93).

قال أهل العلم: لو كان غير هذا الاسم أشرف منه لسماه الله به في مقام الإسراء والضمير في قوله ليكون يعود على محمد صلى الله عليه وسلم وقيل على القرآن و المراد بالعالمين الثقلان  الجن والإ،س، والإنذار الإعلام بسبب المخاوف وهذا الإنذار عام كقوله ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ﴾(الكهف: من الآية2) والإنذار الخاص كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (النازعـات:45) وقوله ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(البقرة: من الآية107) أي له التصرف فيهما وحده وجميع من فيهما مماليك له وعبيد له مذعنون لعظمته خاضعون لربوبيته فقراء إلى رحمته قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ (مريم:93)، وقوله ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾(الاسراء: من الآية111) لكما غناه وقيامه بنفسه وحاجة كل شيء وافتقاره إليه سبحانه وقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾(الاسراء: من الآية111) أي لم يكن له مشارك في ملكه وألوهيته وربوبيته كما تزعمه الثانوية والقدرية و نحوهم وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ ﴾(الفرقان: من الآية2) أي: أوجد وأنشأ كل شيء مخلوق، فيدخل في ذلك كل ما في العالم العلوي والسفلي من حيوان وجماد ونبات ويدخل في ذلك أفعال العباد ولا يدخل في ذلك أسماء الله وصفاه لأن الأسماء والصفات تابعة للذات يحتذى بها حذوها، وعموم كل في كل مقام بحسبه كقوله سبحانه ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾(الاحقاف: من الآية25) أي كل شيء أمرت بتدميره وكقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴾(النمل: من الآية23) أي من كل شيء يصلح للملوك فلا يدخل في قوله تعالى ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾(الأنعام: من الآية102) القرآن، لأن القرآن كلامه وهو صفة من صفاته والله سبحانه وتعالى بصفاته غير مخلوق كما في الصحيح من حديث خولة " من نزل منزلاً وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك" فاستعاذ بكلمات الله والاستعاذة بالمخلوق شرك فدل على أن كلامه سبحانه غير مخلوق كما استدل بذلك أحمد وغيره.

قال ابن القيم رحمه الله: استدل الجهمية على خلق القرآن بهذه الآية فأجابهم السلف بأن القرآن كلامه سبحانه وكلامه من صفاته وصفاته داخلة في مسمى اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجه فليس لله سبحانه وتعالى أسماء لذات لا نعت لها ولا صفة ولا فعل فإن ذلك إله معدوم مفروض في الأذهان لا وجود له كالاه الجهمية الذي فرضوه لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل فيه ولا منفصل عنه ولا محايد ولا مباين، أما إله العالمين الحق فهو الذي دعت إ ليه الرسل وعرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله موصوف بكل كمال منزه عن كل عيب فتجريد الذات عن الصفات، والصفات عن الذات، فرض وخيال ذهني لا حقيقة له، انتهى.

قال في شرح الطحاوية وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة وفيه إجمال فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة أولا يحدث له وصف متجدد لم يكن فهذا نفي صحيح، وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية من أن لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء إذا شاء ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي الحوادث فيسلم السني للمتكلم ذلك على أنه نفي عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله فإذا سلم له هذا  النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل وهو غير لازم له وإنما أتى السني من تسليم هذا النفي المجمل وإلا فلو استفسر واستفضل لم ينقطع معه وكذلك مسألة الصفة هل هي زائدة على الذات أم لا. لفظها مجمل وكذلك لفظ الغير فيه إجمال فقد يراد به ما ليس هو إياه قد يراه به ما جاز مفارقته له ولهذا كان أئمة السنة لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره ولا أنه ليس غيره لأن إطلاق  الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو إذا كان لفظ الغير فيه إجمال فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل فإن أريد به أن هناك ذاتاً مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا غير صحيح وإن أريد به أن ا لصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة فهذا حق ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها وإنما يفرض الذهن ذاتاً وصفة كلا وحده ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة فإن هذا محال، وقد يقول بعضهم الصفة لا عين الموصوف ولا غيره هذا له معنى صحيح وهو أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها وليست غير الموصوف بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد فإذا قلت أعوذ بالله فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه وإذا قلت أعوذ بعزة الله فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى ولم أعذ بغير الله وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات فإن " ذات" في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة أي ذات وجود ذات قدرة ذات عز ذات علم ذات كرم إلى غير ذلك من الصفات فعلم أن الذات لا يتصور إنفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه وإن الذهن قد يفرض ذاتاً مجردة عن الصفات كما يفرض المحال وقد قال صلى الله عليه وسلم " أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" وقال صلى الله عليه وسلم " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" ولا يعوذ صلى الله عليه وسلم بغير الله. وكذا قال صلى الله عليه وسلم " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك" وقال صلى الله عليه وسلم " ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا" وقال صلى الله عليه وسلم " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات" وكذلك قولهم الاسم عين المسمى أو غيره وطالما غلط الكثير من الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى فإذا قلت قال الله كذا أو سمع ا لله لمن حمده ونحو ذلك فهذا المراد به المسمى نفسه وإذا قلت الله اسم عربي والرحمن اسم عربي والرحيم من اسماء الله تعالى ونحو ذلك فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم  فهذا من أعظم الضلال  والإلحاد في اسماء الله تعالى. انتهى بتصرف قليل جداً.

وقوله: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾(الفرقان: من الآية2) أي فسواه وهيأه لما يصلح له لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدر كل شيء تقديراً من الأجل والرزق فجرت المقادير على ما خلق.

ويستنبط من الآيات:

1- رد على اليهود  لقولهم: عزير ابن الله.

2- رد على النصارى لقولهم المسيح ابن الله.

3- رد على المشركين القائلين إن الملائكة بنات الله.

4- الرد على الثانوية ونحوهم ممن يقول بتعدد الآلهة.

5-  الرد على المشركين القائلين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً تملكه وماملك.

6- أن الآية تتضمن تتنزيه الله عن كل عيب ونقص.

7- دليل على أن الله هو الموجد المبدع.

8- خلق أفعال العباد فهي خلق الله، وفعل العبد.

9- إثبات القدر.

10- فيها دلالة على التوكل لأن من وقر في قلبه أن الملك لله، وأنه المتصرف النافع الضار لم يبال بأحد من الخلق.

11- أن العباد لا يملكون الأعيان ملكاً مطلقاٌ، إنما يملكون التصرف فيها على مقتضى الشرع.

12- تحريم الإفتاء والحكم بغير علم.

13- إثبات صفة العلم.

14- الرد على القدرية الذين نفوا علمه سبحانه، هم الغلاة، فكفرهم السلف.

15- الرد على القدرية القائلين أن العباد يخلقون أفعالهم.

16- الرد على الجبرية القائلين أن العبد لا فعل له.

17- الرد على من قال: إن القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم.

18- الرد على الدهرية القائلين ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا.

19- إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته.

20- الرد على من أنكر رسالته صلى الله عليه وسلم.

21- التعليل لأفعال الله تعالى وأنه لا يفعل شيئاً إلا بحكمة.

22- الدلالة على عموم رسالته  صلى الله عليه وسلم.

23- الدلالة على أن الجن مكلفون، وتتضمن الدلالة على  أنهم يثابون على الحسنات، ويجازون على السيئات.

24- أن من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة لقوله ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾(الأنعام: من الآية19).

25- إثبات ملك السماوات و الأرض لله تعالى.

26- إثبات صفة الخلق.

27- الرد على الذين رفعوه صلى الله عليه وسلم فوق منزلته.

28- الرد على الذين نبذوا ما جاء به وراء ظهورهم.

29- الرد على من زعم أن كلام الله وكلام رسوله لا يفيد اليقين، فلو كان الأمر كما زعم المبتدعة لم يقم بالقرآن حجة على المكلفين.

30- الحكمة في إرسال الرسل، وإنزال الكتب.

31- كمال غناه وقيامه بنفسه وحاجة الخلائق إليه.

32- أن القرآن منزل غير مخلوق.

33- لطف الله بخلقه حيث أرسل إليهم مبشرين ومنذرين.

34- فيها دليل على عظمة الله وكمال صفاته.

35- فيها دليل على كثرة خيرات الله ونعمه ومن أعظمها إنزال القرآن الكريم.

36- أن القرآن نزل منجماً مفرقاً.

37- إعتناء الله بكتابه القرآن الكريم ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

38- تسمية القرآن " الفرقان" لأنه فرق بين الحلال والحرام والهدى والضلال.

39- إثبات قدرة الله.

40- إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

41- إثبات علو الله على خلقه.

 الدليل على امتناع وجود إله ثاني:

( وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون:91،92) ، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:74)، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (لأعراف:33).

الآية الأولى: ينزه سبحانه نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة ثم إنه سبحانه لما أخبر عن نفسه بعدم وجود إله ثان أوضح ذلك بالبرهان والحجة الباهرة فقال "إذاً" أي: لو كان معه آلهة كما يقول المشركون ﴿ لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ أي تفرد بما خلق فلم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ومنع الآخر من الاستيلاء على ما خلق وهذا ممتنع لأنه يقتضي التنافر والانفصال بين أجزاء العالم.

والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾(الملك: من الآية3).

وقوله: ﴿ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ أي ولغلب القوي الضعيف وقهره، وأخذ ملكه كما هي عادة ملوك الدنيا، وإذا تقرر عدم إمكان المشار له في ذلك تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه وتعالى والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع وهو انه لو فرض صانعان فصاعداً فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه فإن لم يحصل مراد كل منهما كانا عاجزين والواجب لا يكون عاجزاً، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد فيكون محالاً فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر كان الغالب هو الواجب والآخر المغلوب ممكناً لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهوراً.

وقال الشيخ رحمه الله: فأي شيء اعتبرته من العالم وجدته مفتقراً إلى شيء آخر من العالم فيدلك مع كونه ممكناً مفتقراً ليس بواجب بنفسه إلى أنه مفتقر إلى فاعل ذلك الآخر حتى ينتهي الأمر إلى الرب الخالق لكل شيء ويمتنع أن يكون فاعلان مفعول كل منهما مستغن عن مفعول الآخر، كما قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾(المؤمنون: من الآية91) ويمتنع أن يكونا مستقلين لأنه جمع بين النقيضين ويمتنع أن يكونا متعاونين متشاركين كما يوجد ذلك في المخلوقين لاستلزام ذلك العجز والحاجة إلى الآخر:

وقال ابن القيم رحمه الله: فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقاً فاعلاً يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى شركة الإله الآخر معه بل إن قدر على قهره وتفرده بالألوهية دون غيره فعل وإن لم يقدر على ذلك إنفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعضه بممالكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلابد من أحد أمور ثلاثة إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه وإما أن يعلو بعضهم على بعض وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه فيكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدربه واحد لا إله غيره كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب غيره فذاك تمانع في الفعل والإيجاد وهذا تمانع في العبادة والألوهية فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان، فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته مستقر في الفطرة معلوم بصريح العقل بطلانه فكذا تبطل ألوهية اثنين اهـ.

فالآية الكريز موافقة لما ثبت في الفطرة من توحيد الربوبية دالة مثبتة مستلزمة لتوحدي الألوهية.

وقال رحمه الله:

وشواهد الإحْداثِ ظاهرةٌ على وأدلةُ التوحيد تَشهدُ كلُها لو كان غير الله جل جلاله إذ كان عن رب العلى مستغنياً والرب باستقلاله متوحدٌ لو كان ذاك تنافياً وتَسَاقَطَا والقهرُ والتوحيدُ يشه منهما ولذلك اقْترنا جميعاً في صفـا فالواحد القهار حقاً ليس في الـ

ذا العالمِ المخلوقِ بالبرهان بحدوثِ كُلِّ ما سوى الرحمن معه قديماً كان رباً ثان فيكون حينئذ لنا ربان أفَممُكنٌ أن يَستَقِلَّ اثنان؟ فإذا هما عَدَمَانِ ممتنعان كُلٌّ لِصَاحِبه هما عِدلان ت الله فانظر ذاك في القرآن إِمكان أن تُحْظَى به ذاتان

وقوله ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الصافات:159) .. ختم سبحانه الآية بتنزيه نفسه عن الولد والشريك، وعما يصفه به المخالفون للرسل، وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون:92) في هذه الآية تنبيه على عظمة صفته بنموذج من صفات الكمال فأخبر أنه هو العالم بما غاب عن خلقه من الأشياء وما شاهدوه، فعلمه سبحانه محيط بكل شيء بالواجبات والممكنات والمستحيلات وبالماضي والحال والمستقبل. والمراد به أن الذين قالوا بالولد والشريط مخطئون فيما قالوا فإنهم يقولون من غير علم، وأنه الذي يعلم الأشياء شاهدها وغائبها، ولا تخفى عليه خافية من أمرها وقد نفى ذلك فخبره هو الحق دون خبرهم وقوله ﴿ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي علا وتنزه وتقدس عما يقول الجاحدون الظالمون، فهو سبحانه أعظم وأجل من أن يوصف بهذا الوصف.

 ويفهم من الآية:

1- تنزيه الله عن الولد.

2- تنزيهه عن وجود غله ثان.

3- إثبات الألوهية.

4- إثبات توحيد الربوبية.

5- الرد على النصارى لقولهم المسيح ابن الله.

6- الرد على اليهود لقولهم عزير ابن الله.

7- الرد على المشركين القائلين الملائكة بنات الله.

8- الرد على الثانوية ونحوهم ممن قال بتعدد الآلهة.

9- إثبات وحدانيته.

10- إثبات صفة العلم.؟

11- اختصاصه سبحانه بعلم الغيب.

12- الرد على القدرية النافين لعلم الله.

13- أن الله هو المنفرد بالخلق والرزق.

14- إثبات كماله وعظمته وغناه.

15- فيها دليل على قدرة الله.

16- إثبات جميع صفات الكمال لله جل وعلا ونفي كل عيب ونقص لأن التسبيح يقتضي ذلك.

والغيب: ينقسم: غيب لا يعلمه إلا الله وهو ما غاب عن الخلق قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ (النمل:65) ، والقسم الثاني غيب مقيد وهو ما علمه بعض المخلوقات من الجن والإنس فهو غيب عمن غاب عنه وليس هو غيباً عمن شهده فهذا يكون غيباً مقيداً.

الآية الثانية: ينهى سبحانه عباده عن أن يجعلوا له نداً أو شريكاً أو مثيلاً فإنه واحد لا مثيل له لا في ذاته ولا في صفاته ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: من الآية66) تعليل للهي المذكور ووعيد على المنهي عنه، أي أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو وأنتم بجهلكم تشركون به غيره وتقدم فيما سبق على شرح قول المصنف " ولا يقاس بخلقه ... إلخ" زيادة لهذا الحديث.

ويستنبط من الآية:

1- إثبات الألوهية.

2- إثبات صفة النهي.

3- النهي عن ضرب الأمثال.

4- في الآية رد على المشبهة.

5- الرد على المعطلة.

6- في الآية تهديد ووعيد لمن جعل لله مثلاً أو شبهة بخلقه.

7- الرد على من أنكر صفة العلم.

الآية الثالثة: الفواحش: جمع فاحشة، وهي ما عظم جرمه وذنبه، كالكبائر التي بلغت الغاية في الفحش وذلك كالزنا واللواط، والكبر و العجب، والرياء، والنفاق، والإثم: أي ما يوجب الإثم والذل، فيتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم. والبغي بغير الحق: التعدي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم من غير أن يكون على جهة القصاص والمماثلة، والشرك: دعوة الله ودعوة غيره معه، والسلطان: الحجة والبرهان.

ففي هذه الآيات المحرمات الخمس التي اتفق على تحريمها الرسل والشرائع والكتب، وهي محرمات على كل أحد وفي كل حال لا تباح قط.. والمراد بالتحريم هنا التحريم الشرعي لا الكوني القدري وقوله ﴿ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾(لأعراف: من الآية33) أي وحرم الشرك به بأن تجعلوا لله شريكاً ما لم ينزل به سلطاناً، وحرم سبحانه القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته وشرعه. وأصل الشرك والكفر القول على الله بلا علم فكل مشرك قائل على الله بلا علم دون العكس إذ القول على الله بلا علم، قد يتضمن التعطيل والابتداع في الدين فهو أعم من الشرك والشرك فرد من أفراده، ورتب هذه المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريماً وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول على الله بلا علم.

وقال بعض المفسرين: الجنايات محصورة في خمسة أنواع:

1- الجنايات على الأنساب وهو المرادة بالفواحش.

2- الجنايات على العقول وهي المشار إليها بالإثم.

3- الجنايات على النفوس، والأموال والأعراض، وإليها الإشارة بالبغي.

4- الجنايات على الأديان وهي من وجهين إما طعن في توحيد الله وإليه الإشارة بقوله ﴿ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾.

5- وإما القول في دين الله من غير معرفة وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.

وهذه الخمسة أصول الجنايات، وأما غيرها فهي كالفروع ومناسبة ذكرها هنا ما فيها من تحريم القول على الله بلا علم، ومنه القول على الله في أسمائه وصفاته بلا علم، لأن القول على الله بلا علم أشد تحريماً من الشرك، لأن الله رتبها في الآية من الأدنى إلى الأعلى.

وقال ابن القيم رحمه الله: أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة: تعلق القلب بغير الله وطاعة القوة الغضبية والقوة الشهوانية وهي الشرك  والظلم والفواحش فغاية التعلق بغير الله الشرك وغاية القوة الغضبية القتل وغاية القوة الشهوانية الزنا، ولهذا جمع الله الثلاثة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾(الفرقان: من الآية68).

وقال الشيخ رحمه الله: ظلم العبد نفسه يكون بترك ما ينفعها وهي محتاجة إليه وذلك فعل ما أمر الله به، وبفعل ما يضرها وذلك المعاصي كلها ما أن ظلم الغير كذلك إما بمنع حقه أو التعدي عيه فإن الله أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم وجاء القرآن بالأمر بالإصلاح والنهي عن الفساد والصلاح كله طاعة والفساد كله معصية وقد لا يعلم كثير  من الناس ذلك على حقيقته فعلى المؤمن أن يعلم أن الله يأمر بكل مصلحة وينهى عن كل مفسدة وكل ما أمر الله راجع إلى العدل وكل ما نهى عنه راجع إلى الظلم، والظلم الذي حرمه الله على نفسه أن يترك حسنات المحسن فلا يجزيه بها أو يعاقب البريء على ما لم يفعله من السيئات أو يعاقب هذا بذنب غيبه أو يحكم بين الناس بغير القسط ونحو ذلك وذلك لكمال عدله وحمده، اهـ.

ما يؤخذ من الآية:

1- الرد على من قال إن القرآن كلام مخلوق.

2- إثبات الربوبية.

3- تحريم الفواحش عامة.

4- أن الفواحش قسمان ظاهرة وباطنة.

5- تحريم الإثم.

6- تحريم الزنا لأنه فاحشة.

7- تحريم اللواط لأنه فاحشة.

8- تحريم البغي بغير حق.

9- أن القصاص بحق يجوز.

10- تحريم الشرك بالله.

11- أن العلة في ذلك أنه لم ينزل به سلطاناً.

12- تحريم القول على الله بلا علم.

13- في الآية رد على الجهمية المنكرين لصفة العلم.

14- في الآية رد على المعتزلة القائلين عليهم بلا علم.

15- في الآية رد على الأشاعرة المنكرين لبعض الصفات.

16- أن التحريم والتحليل إنما يكون من عند الله.

17- شمول الشريعة لكل الأحكام.

18- الرد على من يقول بعدم كمال الشريعة الإسلامية.

19- الرد على من يطالب بالقوانين الوضعية. والأنظمة المخالفة للشرع.

20- الرد على المشركين القائلين بأن لأصنامهم ومعبوديهم شفاعة.

21- ضرر الشرك على الخلق.

22- الرد على من أنكر صفة العلم أو أولها بتأويل باطل.

23- إثبات صفة العلم.

24- إثبات صفة الكلام والرد على من أنكرها أو أولها بتأويل باطل.

25- قيام الحجة على الخلق.

26- تحريم السرقة لأنها من الفواحش.

27- تحريم أكل الربا لأنه من الفواحش.

28- تحريم أكل مال اليتيم لأنه من الفواحش.

29- تحريم السحر لأنه من الفواحش.

30- تحريم القذف بالزنا أو اللواط لأنه فاحشة.

31- تحريم شهادة الزور لأنها فاحشة.

32- تحريم القتل لأنه فاحشة.

33- تحريم التولي يوم الزحف لأنه فاحشة.

34- تحريم إتيان المرأة في دربها لأنه فاحشة.

35- تحريم إتيان من حاضت لأنه فاحشة.

36- تحريم سوء الظن بالله لأنه فاحشة.

37- تحريم الطعن في الدين لأنه فاحشة.

38- تحريم سب الرسل لأنه فاحشة.

39- أن الشرك جناية على الدين.

40- ترتيب المحرمات الخمس.

41- أنها حرام في كل زمان ومكان أي المحرمات الخمس.

42- أن البغي ينقسم قسمين محرم وهو ما كان بغير الحق وجائز وهو ما كان بحق.

43- تعظيم حرمة المسلم.

44- أن الفواحش تنقسم إلى قسمين ظاهرة وباطنة: ظاهرة كالزنا وباطنة كالكبر والعجب والحسد وسوء الظن.

45- تحريم التعدي على الناس في أبدانهم وأموالهم لأنه من البغي بغير الحق.

46- أن الجنايات على الأنساب تعتبر من الفواحش.

47- أن الشرك بالله جناية على الدين.

48- إن هذه الآية على إيجازها حوت أحكاماً كثيرة.

49- في الآية ناحية اقتصادية: ترك اللواط والزنا والقتل.

50- في الآية ناحية صحية ترك الزنا واللواط والقتل والفواحش التي تبعث على الهموم وضعف الجسم أو هلاكه.

51- في الآية ناحية صحية واقتصادية ترك الخمر.

52- دليل على عظمة الله وأنه أحاط بكل شيء علماً.

53- الحث على فعل الأوامر وترك النواهي.

54- أن القول على الله بلا علم من الشرك لأن المحرمات في الآية مرتبة.

55- في الآية مناسبة لذكرها في كتاب التوحيد لأن الله حرم القول عليه بلا علم ومن ذلك القول عليه بأسمائه وصفاته.

56- أن القرآن شامل لجميع الأديان وناسخ لها.

57- في القرآن معجزة من المعجزات لتحقق مضار هذه التي نهى عنها.

58- إن الدليل على ذلك أن من لم يحرم هذه المحرمات الخمس تجد الفساد منتشراً في جميع أرجائه وانظر ما حولك من البلدان المبيحة لذلك.

59- لطف الله بخلقه حيث أرشدهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وأبدانهم.

60- قيام الحجة على الخلق.

61- الحث على الخوف من الله ومراقبته.

62- أن أوامر الله ونواهيه في غاية الحسن فلا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر.

63- ناحية اجتماعية ترك البغي.

64- دليل على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

65- الرد على من أنكر رسالته صلى الله عليه وسلم.

66- دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

67- عظم حرمة المسلم وأن البغي عليه بغير حق انتهاك لما حرم الله.

68- أن الخلق لم يقدروا الله حق قدره وإلا لما عصوه واقترفوا هذه المحرمات.

69- أن علم الباطن والظاهر عند الله سواء كله يعلمه الله.

70- أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ الأمة ما أمر به.

71- دليل لأهل السنة أن القرآن غير مخلوق وأنه منزل.

72- جواز القول بالشرع عن علم.

73- الحث على طلب العلم.

74- أن ما لم يكن فاحشة فلي يدخل في المنهي عنه في الآية هذه.

75- ذم الجهل، والمأخذ من قوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.

76- اتفاق التحريم الديني الشرعي والتحريم الكوني القدري.

77- دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى وما أتى به فهو وحي من الله.

78- اعتناء الله سبحانه وتعالى ولطفه برسوله صلى الله عليه وسلم.

79- أن الخلق لم يتركوا بدون أوامر ونواهي.

80- رد على الجبرية، القائلين إن أفعال العباد مجاز.

81- أن أفعال العباد تصدر عنهم باختيارهم وإلا لما كان للأمر فائدة.

82- أن في القرآن تربية عالية وتوجيهات دينية.

83- أن القرآن نزل بالتدريج شيئاً فشيئاً والدلالة من قوله ينزل.

84- الرد على من قال إنه نزل دفعة واحدة.

85- بلاغة القرآن وفصاحته حيث أن الدلالة الواحدة القصيرة تحتوي على أحكام كثيرة.

86- أن في القرآن حكماً وأسراراً لا يفهمهما إلا من وفقه الله لذلك.

87- بيان عجز الخلق وضعفهم وضيق علمهم وسعة علم الله.

88- دليل على علو الله على خلقه.

 أقسام الشرك

ينقسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر..

القسم الأول: اتخاذ الند، بأن يدعوه أو يرجوهن أو يخافه أو يحبه كمحبة الله أو يذبح له أو ينذر. قال ابن القيم رحمه الله.

والشركَ فاحْذَرْهُ فشِرْكٌ ظَاهِرٌ وهو اتخاذ الند للرحمن أيـ يَدعوه أو يَرجُوه ثم يَخَافُه

ذا القسم ليس بقابِلِ الغُفْرانِ ـاً كان مِن حَجَرٍ ومِن إنسان ويُحِبُّه كَمَحَبةِ الدَّيَانِ

والقسم الثاني: شرك أصغر، وحده بعضهم بأنه كل وسيلة وذريعة يتطرق بها إلى الأكبر، وذلك كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكالحلف بغير الله.

قال ابن القيم رحمه الله: وأما الشرك الأصغر فكثير : الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصده، اهـ.

 أقسام الشرك الأكبر:

ينقسم إلى نوعين: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته، وقسم يتعلق بمعاملته.

فالنوع الأول ينقسم إلى قسمين: شرك تعطيل، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: وتقدمت أقسامه فيما سبق ص 71، والثاني شرك تمثيل وينقسم إلى قسمين وتقدما أيضاً فيما سبق ص 73.

النوع الثاني: وهو ما يتعلق بمعاملته، وينقسم إلى أقسام، الأول: شرك الدعوة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾(العنكبوت: من الآية65)، الثاني: شرك في المحبة كما ذكر الله عن بعض الناس بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾(البقرة: من الآية165)، الثالث: شرك في الطاعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾(التوبة: من الآية31) الرابع: شرك الإرادة والقصد قال الله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ﴾ (هود:15) الآية.

 والفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:

(أولاً) أن الأكبر لا يغفر لصاحبه، وأما الأصغر فتحت المشيئة.

(ثانيا) الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.

(ثالثاً) أن الأكبر مخرج عن الملة الإسلامية، وأما الأصغر فلا يخرج منها.

(رابعاً) أن الشرك الأكبر صاحبه خالد في النار وأما الأصغر فكغيره من الذنوب، وقيل إنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة كالأكبر وهذا أقرب و الله أعلم.

والكفر كفران: كفر يخرج من الملة وهو خمسة أنواع: النوع الأول كفر التكذيب والديل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ﴾(العنكبوت: من الآية68) الآية  النوع الثاني كفر الإباء والاستكبار مع التصديق و الدليل قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:34) النوع الثالث كفر الشك وهو كفر الظن والدليل قوله تعالى ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِه﴾(الكهف: من الآية35) الآيات الثلاث: النوع الرابع كفر الإعراض والدليل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾(الاحقاف: من الآية3) النوع الخامس كفر النفاق والدليل قوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون:3) وكفر أصغر لا يخرج عن الملة وهو كفر النعمة والدليل قوله ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾(النحل: من الآية112) الآية.

والظلم نوعان ظلم ينقل عن الملة الإسلامية وظلم لا ينقل قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾(الأنعام: من الآية82) وقال ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:13) وفي حديث ابن مسعود  قال لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا أينا لم يظلم نفسه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس بذلك ألم تسعموا إلى قول العبد الصالح ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك" وعن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فدخل ذات يوم فقرأ على هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ ألخ فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى إلى أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر أتيت قبل على هذه  الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ وقد ترى أنا نظلم ونفعل فقال يا أمير المؤمنين إن هذا ليس بذلك يقول الله ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والفسق فسقان فسق ينقل عن الملة وفسق لا ينقل قال تعالى في حق إبليس ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾(الكهف: من الآية50) وكمان ذلك الفسق منه كفراً وقال ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾ (السجدة:20) يريد الكفار دل عليه قوله تعالى ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ﴾(السجدة: من الآية20) وسمى الفاسق من المسلمين فاسقاً ولم يخرجه من الإسلام قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:4) وقال ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾(البقرة: من الآية197) قال العلماء في تفسير الفسوق هنا هي المعاصي.

استواء الله على عرشه:

( وقوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طـه:5) في سبعة مواضع: في سورة الأعراف قوله ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(لأعراف: من الآية54) وقال في سورة يونس ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(يونس: من الآية3) وقال في سورة الرعد، ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(الرعد: من الآية2) وقال في سورة طه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طـه:5) ، وقال في سورة السجدة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(السجدة: من الآية4) وقال في سورة الحديد ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾(الحديد: من الآية4) ).

في هذه الآيات إثبات صفة الاستواء لله وهو من الصفات الفعلية، ومعنى الإيمان بالاستواء: الاعتقاد الجازم بأن الله فوق سمواته مستوي على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته علي على خلقه بائن منهم وعلمه محيط بكل شيء، ومعنى الاستواء العلو والارتفاع والاستقرار والصعود.

قال ابن القيم:

ولهم عبارات عليها أربع وهي استقر وقد علا وقد ار وكذاك قد صعد الذي هو رابع يختار هذا القول في تفسيره والأشعري يقول تفسير استوى

قد حصلت للفارس الطعان تفع الذي ما فيه من نكران وأبو عبيدة صاحب الشيبان أدري من الجهمي بالقرآن بحقيقة استولى على الأكوان

فهذه الأربعة هي التي تدور عليها تفاسير السلف رحمهم الله، قال البخاري رحمه الله في صحيحه: قال مجاهد: استوى على العرش، علا، وقال إسحاق بن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقولن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي ارتفع، وقال محمد بن جرير في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: أي علا وارتفع، وأنكر الجهمية والمعتزلة علو الله على خلقه واستواءه على عرشه وحرفوا معاني النصوص ففسروا الاستواء بالاستيلاء أو الإقبال على خلق العرش إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة، فإنه لا يقال استولى على الشيء إلا لمن له مضاد، فيقال لمن غلب من المتضادين: استولى عليه، والله تعالى لا مضاد له، والذين أولوا الاستواء بالاستيلاء متأخرو النحاة ممن سلك طريق الجهمية والمعتزلة، والذين قالوا ذلك لم يقولوه نقلاً وإنما قالوه استنباطاً وحملاً منهم للفظة استوى على استولى، واستدلوا بقول الشاعر:

قد استوى بشر على العراق

من غير سيف أو دم مهراق

وهذا البيت محرف وإنما هو هكذا:

قد استولى بشر على العراق

على أنه لا يصح ولا يعرف قائله ولو صح لم يكن فيه حجة لهم بل هو حجة عليهم وهو على حقيقة الاستواء، فإن بشراً هذا كان أخا عبد الملك بن مروان وكان أميراً على العراق فاستوى على سريرها كما هي عادة الملوك ونوابها أن يجلسوا فوق سرير الملك مستويين عليه، وهذا هو المطابق لمعنى هذه اللفظة في اللغة.

وأيضاً فاستواء الشيء على غيره يتضمن  استقراره وثباته وتمكنه عليه، واستواء بشر على العراق يتضمن استقراره وثباته عليها ودخوله دخول مستقر ثابت غير مزلزل، وهذا يستلزم الاستيلاء أو يتضمنه فالاستيلاء لازم معنى الاستواء لا في كل موضع بل في الموضع الذي يقتضيه ولا يصلح الاستيلاء في كل موضع يصلح فيه الاستواء بل هذا له موضع وهذا له موضع ولهذا لا يصح أن يقال: استولت السنبلة على ساقها، ولا استولت السفينة على الجبل، و لا استولى الرجل على السطح، إذا ارتفع فوقه، ولو كان المراد بالبيت استيلاء القهر والملك لكان المستوى على العراق عبد الله بن مروان لا أخوه بشر لأنه نائب له بخلاف الاستواء الحقيقي وهو الاستقرار فيها، والجلوس على سريرها، فإن نواب الملك تفعل هذا باذنهم، ومما يبطل دعوى المجاز تجريد الاستواء من اللام واقترانه بحرف على وعطف فعله بثم على خلق السماوات والأرض وكونه سابقاً في الخلق على السماوات والأرض وذكر تدبير أمر الخلق معه الدال على كمال الملك فإن العرش سرير المملكة فأخبر أن له سريراً كما قال أمية بن أبي الصلت:

مجدوا الله فهو للمجد أهل بالبناء الأعلى الذي سبق الخلـ شرجعا ما يناله بصر العين

ربنا في السماء أمسى كبيراً ق وسوى فوق السماء سريراً ترى حوله الملائك صوراً

وصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهده الأسود ابن سريع، فقد استوى على سرير ملكه يدير أمر الممالك، وهذا حقيقة الملك فمن أنكر عرشه وأنكر استواءه عليه أو أنكر تدبيره، فقد قدح في ملكه، فهذه القرائن تفيد القطع بأن الاستواء على حقيقته، ولو كان الاستواء بمعنى الملك والقهر والدوام لجاز أن يقال استوى على ابن آدم وعلى الجبل وعلى الشمس وعلى القمر وعلى البحر وعلى الشجر وعلى الدواب وهذا لا يقوله مسلم، وقد أطلق أعلم الخلق بربه عيه أنه فوق العرش كما في حديث ابن عباس " والعرش فوق الماء والله فوق العرش" وهذه الفوقية هي تفسير الاستواء المذكور في القرآن والسنة.

ومن الوجوه التي يرد بها على من أول الاستواء بالاستيلاء أن الاستواء خاص بالعرش والاستيلاء عام على جميع المخلوقات، ومنها أنه أخبر بخلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأخبر أن عرشه على الماء قبل خلقهما، والاستواء متأخر على خلقهن، والله مستول على العرش قبل خلق السماوات وبعده فعلم أن الاستواء على العرش الخاص غير الاستيلاء علام عليه وعلى غيره، ومنها أن معنى الكلمة مشهرو كما قال بعض السلف، وأنه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلوماً لم يحتج الإمام مالك رحمه الله أن يقول والكيف مجهول، لأن نفي العلم بالكيف لا ينفي ما قد علم أصله ومنها أنه يلزم من تفسير الاستواء بالاستيلاء أن الله مستوي على الأرض ، ومنها أن إحداث القول في كتاب الله الذي كان السلف والأئمة على خلافه يستلزم أحد أمرين إما أن يكون خطأ في نفسه أو تكون أقوال السلف المخالفة له خطأ ولا يشك عاقل أنه أولى بالغلط والخطأ من أقوال السلف، ومنها أن هذا اللفظ قد أطرد في القرآن والسنة حيث ورد لفظ الاستواء دون الاستيلاء ولو كان معناه استولى لكان استعماله في أكثر موارده كذلك، قال رحمه الله:

وكذلك اطردت بلا لام ولو لأتت بها في موضع كي يحمل البـا

كانت بمعنى اللام في الأذهان قي عليها في المحل الثاني

فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حملا على معنى استولى لأنه المألوف المعهود وأما أن يأتي لفظ قد أطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله ففي غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، اهـ. (من كلام ابن القيم بتصرف).

أنواع الاستواء:

وأنواع الاستواء في لغة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم اثنان مطلق ما لم يقيد بحرف كقوله تعالى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾(القصص: من الآية14) ومعناه كمل وتم.

وأما المقيد فثلاثة أقسام مقيد بإلى كقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾(البقرة: من الآية29) ومعناه العلو والثاني مقيد بعلى كقوله ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾(الزخرف: من الآية13) وقوله ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (هود: من الآية44) وقوله تعالى ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ﴾(الفتح: من الآية29) فهذا معناه العلو والارتفاع والاعتدال باجماع أهل اللغة، والثالث المقرون بواو المعية كقولهم: استوى الماء والخشبة ومعناه ساواها، فهذه معاني الاستواء المعقولة.

الآية الأولى:

من أدلة الاستواء : ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(لأعراف: من الآية54) لما بسط القول فيما سلف في أمر المعاد وبين فئات الناس في ذلك اليوم وما يدور من حوار بين أصحاب النار وأصحاب الجنة قفى على ذلك بذكر الخلق والتكوين وبيان مقدوراته وعظيم مصنوعاته لتكون دليلاً على الربوبية والألوهية وأنه لا معبود سواه فأخبر تعالى أنه خلق العالم العلوي والسفلي أي السماوات والأرض وما بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة: هو يوم الأحد والاثنين خلق فيهما الأرض، قال تعالى ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾(فصلت: من الآية9) والثلاثاء والأربعاء دحاها فيهما بأن جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها قال تعالى ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾(فصلت: من الآية10)، والخميس والجمعة خلق فيهما السماوات والأرض في ستة أيام مع أنه قادر على خلقهما في لحظة، ولكنه مع أنه على كل شيء قدير كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النحل:40) فهو حكيم رفيق يحب الرفق، فمن حكمته ورفقه أن جعل خلقهما في هذه المدة المقدرة ليعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور، والمتبادر أن الأيام الستة كهذه وقوله ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي استواء يليق بجلاله وعظمته لا نكيفه ولا نمثله ولا يعلم كيف هو إلا هو، وقد روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طـه:5) قالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به واجب والجحود به كفر، وقد أسنده مسلم بن الحجاج عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول و الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومعنى ذلك أي أن الاستواء في لغة العرب معلوم والكيف مجهول، أي كيفية استوائه جل وعلا لا يعلمها إلا هو والإيمان بالاستواء واجب لتكاثر الأدلة في إثباته والسؤال عن الكيفية بدعة إذ لا يعلم كيفية استوائه إلا هو فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات فكما أن لله ذاتاً لا تشبهها الذوات فله صفات لا تشبهها الصفات فاثباتنا للصفات إثبات بلا تكييف ولا ت مثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. إثبات وجود.

وأما العرش في اللغة في السرير قال تعالى عن يوسف ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾(يوسف: من الآية100) وقال عن ملكة سبأ ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾(النمل: من الآية23) وأما عرش الرحمن الذي استوى عليه فهو عرش عظيم كما قال تعالى ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾(التوبة: من الآية129) وهو محيط بالمخلوقات وهو أعلاها وأكبرها كما في حديث أبي ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة". وروى أبو داود وغيره  عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش عن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" ورواه ابن أبي حاتم ولفظه تخفق الطير سبعمائة عام.

قال الشيخ رحمه الله: معنى الاستواء معلوم وهو التأويل والتفسير الذي يعرفه الراسخون في العلم والكيفية هي التأويل المجهول لبني آدم وغيرهم لا يعلمه إلا الله وكذلك ما وعدنا به في الجنة تعلم العباد تفسير ما أخبر الله به، وأما كيفيته فقد قال تعالى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدة:17) فإذا كان هذا في المخلوقات فالخلق أعظم فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه وفضله أعظم وأكثر مما بين مخلوق ومخلوق. وقال أبو حنيفة وقد سئل عمن قالا لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قد كفر لأن الله يقول ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طـه:5) وعرشه فوق سماواته قيل له فإن قال إنه على العرش ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض قال هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وقال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.

قال ابن القيم رحمه الله:

وكذلك النعمان قال وبعده من لم يقر بأنه سبحانه ويقر أن الله فوق العرش لا فهو الذي لاشك في تكفيره هذا الذي في الفقه الأكبر عندهم

يعقوب والألفاظ للنعمان فوق السماء وفوق كل مكان يخفى عليه هواجس الأذهان لله درك من  إمام زمان وله شروح عدة لبيان

وقال: والله تعالى لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر ولا يعلمون حقائق ما أراد الله بخلقه وأمره فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه على كل شيء قدير وأنه ما شاء الله  كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد علم ما سيكون قبل أن يكون وقدر المقادير وكتبها.

ففي الآية الأولى:

1- إثبات الربوبية.

2- إثبات قدرة الله.

3- إثبات الألوهية.

4- إثبات صفة الخلق لله.

5- دليل على استواء الله على عرشه.

6- إثبات علو الله على خلقه.

7- الرد على الفلاسفة القائلين قدم المخلوقات.

8- إثبات أسماء الله وصفاته.

9- إثبات العرش.

10- إثبات الأفعال الاختيارية المتعدية واللازمة.

11- أن الاستواء صفة فعل.

12- أن الاستواء خاص بالعرش.

13- أن الاستواء على العرش بعد خلق السماوات والأرض.

14- تحريم الأيام التي خلقت فيها السماوات والأرض.

15- الإرشاد إلى التأني في الأمور والصبر والرفق لأن الله قادر على خلقها في لحظة قال تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يّـس:82) .

16- الرد على الجهمية ومن نحا نحوهم من المؤولين للاستواء بالاستيلاء.

17- أن هذه المخلوقات دليل على وجود خالقها ومدبرها.

18- الرد على من أنكر شيئاً من هذه الصفات أو أولها بتأويل باطل.

19- وفيها إضافة الفعل والخلق إليه سبحانه على جهة الحقيقة لأنها الأصل وقد رد ابن القيم رحمه الله على من زعم أن خلقه وفعله مجاز من وجوه عديدة.

20- دليل على عظمة الله خالق هذه المخلوقات العظيمة.

21- دليل على أولية الله وقدمه.

22- دليل على حكمة الله التي بها وضع هذه المخلوقات في مواضعها وأحكمها وجعلها متقنة في نظام معتدل متزن، ذلك تقدير العزيز العليم.

23- رد على من قال أن السماوات أفضية مناسبة يؤيد الرد عليه قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ (الذريات:7) وقوله ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ (النبأ:12) وإخباره صلى الله عليه وسلم أنه عرج به إلى السماء فلم يدخل سماء منها هو وجبريل إلا بعد الاستفتاح وفتح الباب لهما.

الآية الثانية: قال في سورة يونس ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(يونس: من الآية3) هذه الآية مثل آية الأعراف حرفاً بحرف لفظها كلفظها فمعناها وما يؤخذ منها كالأولى سوءا بالضبط فنكتفي بما ذكرنا عن الأولى صفحة سابقة وفيها من الرد على من قال أن السماوات أفضية مناسبة ما لا يخفى على ذوي النهى.

الآية الثالثة: آية سورة الرعد وهي قوله ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(الرعد: من الآية2) في هذه بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعداً لا تنال ولا يدرك مداها فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها مرتفعة عليها من كل جانب على السواء.

وقوله: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا لها عمد ولكن لا ترى، وقال إياس بن معاوية السماء على الأرض مثل القبة، بمعنى بلا عمد، وكذا روى عن قتادة، وهو اللائق بالسياق من قوله ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾(الحج: من الآية65) فعلى هذا يكون قوله ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ تأكيداً لنفي ذلك أي مرفوعة بغير عمد كما ترونها  وهو هو الأكمل في القدرة وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره وكفر قلبه، كما ورد في الحديث، ويروي لزيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه:

وأنت الذي مَن فضل مَنٍّ ورحمة فقلت له فاذهب وهارون فادعوا وقولا له هل أنت سويت هذه وقولا له أأنت رفعت هذه وقولا له أأنت سويت وسطها وقولا له من يرسل الشمل غدوة وقولا له من ينبت الحب في الثرى يخرج منه حبه في رؤوسه

بعثت إلى موسى رسولاً منادياً إلى فرعون الذي كان طاغياً بلا وتد حتى استقلت كما هيا بلا عمد أرفق بذاتك بانيا منيراً إذا ماجنك الليل هادياً فيصبح ما مست من الأرض ضاحياً فيصبح منه العشب يهتز رابياً ففي ذاك الآيات  لمن كان واعياً

ففي الآية:

1- إثبات الألوهية.

2- إثبات قدرة الله التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.

3- إثبات صفة الاستواء.

4- إثبات صفة العلو لله.

5- دليل على إثبات العرش، والعرش لغة هو السرير الذي للملك كما قال تعالى عن بلقيس ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾(النمل: من الآية23) فالعرش سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات قال البيقهي اتفقت أقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير وأنه جسم خلقه وأمر ملائكته بحمله وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق بيتاً في الأرض وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله.

6- في الآية دليل على استواء الله على العرش بعد رفع السماوات.

7- في الآية رد على الجهمية ومن سلك سبيلهم ممن فسر الاستواء بالاستيلاء لأنه تحريف وزيادة في كتاب الله وحمل له على غير ما يحتمل.

8-  الاستدلال بهذه المخلوقات على وجود خالقها ومدبرها وأنه وحده المدبر والمسخر لهذه المخلوقات وهي مستلزمة للعلم بصفات كماله وتضمن ذلك بأنه المعبود الحق وأن عبادة غيره باطلة إذا ما سواه عاجز والعاجز لا يصلح للألوهية.

9- الرد على من نفى وجود السماء وقال إنما هو فضاء يؤيد ذلك ما ذكر حول الآية الأولى.

10- إثبات علو الله على خلقه.

11- إرشاد الخلق إلى التفكر والتدبر في مخلوقات الله.

الآية الرابعة: آية سورة طه:

1- فيها دلالة واضحة على إثبات استواء الله على عرشه.

2- فيها رد على من زعم أن ذلك مجاز عن القهر أو الاستيلاء.

3- دليل على إثبات العرش وأنه مخلوق.

4- الرد على من زعم أن معنى العرش الملك.

5- إثبات قدرة الله التي لا يعجزها شيء.

6- إثبات صفة الرحمة لله جل وعلا وفي الآية الحث على محبة الله الذي شملت رحمته كل شيء.

الآية الخامسة: آية سورة الفرقان وفيها:

1- إثبات صفة الرحمة.

2- إثبات صفة الاستواء.

3- إثبات قدرة الله.

4- إثبات العرش.

5- الرد على من زعم أن معنى العرش الملك.

6- دليل على  علو الله على خلقه وأدلة الاستواء كلها أدلة على علو الله على خلقه.

الآية السادسة: آية ألم السجدة: وهي مثل آية الأعراف وآية يونس إلا أنهما افتتحا بقوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ وهذه افتتحت بلفظ الجلالة فالمعنى وما يؤخذ منها متقارب إلا أنهما فيهما إثبات الربوبية.

الآية السابعة: آية سورة الحديد: وهي مثل آية الأعراف ويونس والسجدة، إلا أن لفظ الجلالة ليس فيها، وقد ذكرها ابن عدوان في نظمه لهذه العقيدة مرتبة فقال:

وذكر استواء الرب جل جلاله ففي سورة الأعراف ثمة يونس وفي سورة الفرقان ثمة سجدة

على العرش في سبع المواضع فاعدد وفي الرعد مع طه فللعدد أكد كذا في الحديد افهمه فهم مؤيد

علو الله على خلقه:

( وقوله تعالى : ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾(آل عمران: من الآية55)، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾(النساء: من الآية158)، ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾(فاطر: من الآية10)، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾(غافر: من الآية 36،37)، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:16،17) ).

الآية الأولى: للعلماء فيها قولان: أحدهما أنه من المقدم والمؤخر تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك أي إني رافعك الآن ومميتك بعد النزول من السماء في الحين الذي قدر لك وعلى هذا فهو قد رفع حياً بجسمه وروحه، وأنه سينزل آخر الزمان حكماً عدلاً: يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾(النساء: من الآية159) والضمير في قوله ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ يعود إلى عيسى وذلك  حين ينزل إلى الأرض، ونزوله ثابت وهو أحد أشراط الساعة الكبار، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً مقسطاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد".

قال ابن القيم:

وكذاك رفع الروح عيسى المرتضى وكذا دعا المضطر أيضاً صاعد وكذا دعا المظلوم أيضاً صاعد

حقاً كما قد جاء في القرآن أبداً إليه عند كل أوان حقاً إليه قاطع الأكوان

وقال شيخ الإسلام: والصواب الذي عليه المحققون أن عيسى لم يمت بحيث فارقت روحه بدنه بل هو حي مع كونه توفي، انتهى.

والقول الثاني أن الآية على ظاهرها وأن التوفي هو الإماتة العادية التي كتبها الله على الخلق.

ففي الآية:

1- إثبات صفة الكلام لله.

2- إثبات علة الله على خلقه.

3- إثبات قدرة الله.

4- الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي.

5- أن عيسى رفعه الله إلى السماء وقبضه إليه.

6- في الآية رد على اليهود الذين تنقصوا عيسى وجعلوه ابن زنا.

7- الرد على النصارى الذين غلوا فيه ورفعوه فوق منزلته إلى مقام الربوبية، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.

الآية الثانية:

1- فيها دليل على علو الله على خلقه.

2- إثبات قدرة الله.

3- فيها رد على اليهود والنصارى.

4- فيها إثبات صفة الكلام لله والرد عل من زعم أن كلام الله المعنى النفسي.

5- فضل عيسى حيث رفعه الله إليه.

6- عناية الله برسله وأوليائه ولطفه بهم.

الآية الثالثة: قوله ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾: أي أنه سبحانه يقبل طيب الكلام كالتوحيد والذكر وقراءة القرآن، ومن الذكر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، والعمل الصالح يرفعه، صلاح العمل بالإخلاص فيه، وما كان كذلك قبله وأثاب عليه ورفعه الله إليه كالكلم الطيب وقيل العمل الصالح يرفع الكلم الطيب فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة فهي ترفع كلمة الطيب فإذا لم يكن له عمل صالح لم يرفع له قول إلى الله. وعن الحسن لا يقبل الله قولاً إلا بعمل فمن قال وأحسن قبل الله منه.

قال ابن القيم:

هذا وخامسها صعود كلامنا وكذا صعود تصدق من طيب وكذا صعود الباقيات الصالحا وكذا عروج ملائك قد وكلوا

بالطيبات إليه والإحسان أيضاً إليه عند كل أوان ت إليه من أعمال ذي الإيمان منا بأعمال وهم بدلان

والخلاصة: أن القول إذا لم يصحبه عمل لا يقبل، قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:3) ، وقال بعضهم في هذا المعنى:

لا ترض من رجل حلاوة قوله وإذا وَزَنْتَ فَعَالَه بِمقَالِه

حتَى يُزَيِّنَ ما يقول فِعَالُ فَتَوازَنَا فإخاءُ ذاكَ جَمَالُ

ففي الآية:

1- إثبات لله على خلقه.

2- صعود أقوال العباد وأعمالهم.

3- الرد على الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن ينكر صفو العلو.

4- أن الله يقبل طيب الكلام ويرفعه إليه.

5- أن الإخلاص شرط لقبول العمل. قال ابن القيم: العمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة.

6- إثبات قدرة الله.

7- أن الأعمال محفوظة ومحصاة على العباد.

8- الحث على الأعمال الصالحة.

9- الحث على الاستكثار من الكلم الطيب.

10- الحث على الإخلاص.

الآية الرابعة: قوله ﴿ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً ﴾ الآية.

مفردات الآية: فرعون: ملك القبط في الديار المصرية، وفرعون لقب لكل من ملك مصر، هامان: وزير فرعون، الصرح: القصر الشامخ المنيف، الأسباب: واحدها سبب، وهو ما يتوصل به إلى غيره من حبل أو سلم أو طريق ، والمراد هنا الأبواب، قال زهير:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

ولو رام أسباب السماء بسلم

فأطلع: فانظر إليه نظر مشرف عليه بالنصب على جواب الترجي عند الكوفيين فإنهم يجوزون النصب بعد الفاء في جواب الترجي كالتمني، ومنه ذلك البصريون وخرجوا النصب هنا على أنه في جواب الأمر وهو ابن، كما في قوله:

يا ناق سيري عنقاً فسيحاً

إلى سليمان فتستريحا

وجوزوا أن يكون بالعطف على خبر لعلي بتوهم أن فيه لأنه كثيراً ما جاء مقروناً بها أو على الأسباب على حد:

( ولبس عباءة وتقر عيني)

المعنى: بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف تكبر فرعون وجبروته إبان هنا أنه بلغ من عتوه وتمرده وافترائه في تكذيب موسى أن أمر وزيره هامان أن يبني له قصراً شامخاً منيفاً من الآجر ليصعب به إلى السماء ليطلع إلى إله موسى ثم قال وإني لأظنه كاذباً، أي فيما ادعاه من أن له إلهاً غيري وأنه أرسله، وأراد بذلك التمويه والتلبيس على قومه توصلا بذلك إلى بقائهم على الكفر:

ففي الآية:

1- دليل على علو الله على خلقه ووجه الدلالة من الآية الكريمة هو أن موسى كان يدعو فرعون إلى معرفة ربه بأنه فوق السماء فمن أجل ذلك أمر ببناء الصرح ورام الإطلاع عليه في أقطار الأرض.

2- الرد على الجهمية ونحوهم من نفاة العلو مع أن علو الله سبحانه مما تواطأ عليه العقل والنقل وفطر الله عليه الخلق فإن الصبيان إذا تضرعوا إلى الله فرعوا وجوههم وأيديهم إلى السماء.

3- دليل حماية الله لرسله.

4- أن نواصي الخلق بيد الله جل وعلا.

5- تمكن العتو والتمرد في فرعون لعنه الله.

6- شجاعة موسى عليه السلام حيث أبلغ هذا العاتي الطاغي.

7- ثقة موسى بربه وقوة توكله عليه.

8- أن الله يقيم حجة على خلقه يؤيد ذلك قوله عز من قائل ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾(الاسراء: من الآية15).

9- الرد على من أنكر رسالة موسى.

10- أن فرعون مع تعمقه بالكفر لم يكن ينكر وجود السماوات.

11- أن التلبيس والتمويه سجية متقدمة لاسيما عند الطغاة.

12- في الآية دليل على أن فرعون كان بمكان عظيم من الجهل وبمنزلة سافلة من فهم الحقائق.

13- أن القصور الشامخة كانت في قديم الزمان.

الآيتان الخامسة والسادسة: المفردات: يخسف بكم: يغيبكم فيها، تمور: تضطرب، حاصباً: ريحاً شديدة فيها حصباء. نذير: أي إنذار وتخويفي والأمن ضد الخوف، أي أأمنتم عقاب من في السماء وهو الله إن عصيتموه وهذا عند أهل السنة على وجهين إما أن يراد بالسماء العلو وإما أن تكون في بمعنى على كما في قوله ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾(الملك: من الآية15) وقوله ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾(طـه: من الآية71) لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره.

والمعنى: بعد أن ذكر جل ذكره ما أعد للكافرين وما أعد للذين يخشون ربهم بالغيب من المغفرة والأجر الكبير، ثم ذكرهم بنعمه كصلاحية الأرض للمعيشة، ثم حذرهم عاقبة التمادي في الباطل وأن من الحكمة أن لا يأمنوا زوال النعم، فإن الله قادر على سلبهم إياها فبعد أن تكون ذلولاً ترجف وتضطر وينالهم خسف وهلاك، حتى تبتلعهم، كما خسفها بقارون، ففي هاتين الآيتين دلالة واضحة على علو الله على خلقه، وقد تواترت  في ذلك الأدلة واتفقت على إثبات العلو له سبحانه على خلقه.

فمن أدلة علو الله مع ما سبق التصريح بالفوقية مقروناً بأداة من المعية للفوقية بالذات كقوله ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾(النحل: من الآية50).

الأول: أدلة استواء الله على عرشه كلها تدل على علو الله بذاته على خلقه.

الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة كقوله ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾(الأنعام: من الآية18).

قال ابن القيم:

هذا وثالثها صريح الفوق مصحوباً بمن وبدونها نوعان،

الثالث: التصريح بالعروج نحو ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾(المعارج: من الآية4).

الرابع: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وشرفاً وقدراً كقوله تعالى ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾(البقرة: من الآية255)، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾(سـبأ: من الآية23)، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (الأعلى:1).

الخامس: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (غافر:2) ،﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾(فصلت: من الآية2،3)، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾(النحل: من الآية102).

السادس: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب إليه من بعض كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾(لأعراف: من الآية206)، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾(الانبياء: من الآية19) ففرق بين من له عموماً وبين من عند من ملائكة وعبيد خصوصاً وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه أنه عنده فوق العرش.

السابع: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة على مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحباً في الأكثر لأداة ثم الدالة على الترتيب والمهلة.

الثامن: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى كقوله صلى الله عليه وسلم  " إن الله يسحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً".

التاسع التصريح بنزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة.

العاشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم بربه وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم قال لهم إنكم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون قالوا نشهد أنك بلغت الرسالة وأديت ونصحت فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعاً لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء قائلاً اللهم اشهد.

الحادي عشر: التصريح بلفظ الأين كقول أعلم الخلق به وأنصحهم بأمته وأفصحهم بياناً عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلاً بوجه أين الله في غير موضع.

الثاني عشر: شهادته صلى الله عليه وسلم لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان.

الثالث عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردد بين موسى عليه السلام وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.

الرابع عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة  له تعالى من الكتاب والسنة وإخباره صلى الله عليه وسلم أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب فلا يرونه إلا من فوقهم، وعلوه سبحانه كما هو ثابت بالسمع ثابت بالعقل والفطرة. أما ثبوته بالعقل فمن وجوه: أحدها العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين إما ن يكون أحدهما سارياً في الآخر قائماً به كالصفات وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من الآخر.

الثاني: أنه لما خلق العالم فأما أن يكون خلقهم في ذاته أو خارجاً عن ذاته والأول باطل بالاتفاق لأنه يلزم أن يكون محلاً للخسائس والقاذورات، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، والثاني يقتضي كون العالم واقعاً خارج ذاته فيكون منفصلاً فتعييت المباينة لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول.

الثالث: كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير معقول فيكون موجوداً إما داخله وإما خارجه والأول باطل فتعين الثاني فلزمت المباينة وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله، قال بعضهم:

وقد فطر الله العظيم عباده لهذا تراهم رافعين أكفهم أقروا بهذا الاعتقاد جبلة

على أنه من فوقهم فلهم سلو إذا اجتهدوا عند الدعاء إلى العلو ودانوا به ما لم يصدوا ويخذلوا

وقال ابن القيم مشيراً إلى بعض أدلة العلو:

وإليه يصعد كل قول طيب والروح والأملاك منه تنزلت وإليه أيدي السائلين توجهت وإليه قد عرج الرسول فقدرت وإليه قد رفع المسيح حقيقة وإليه يصعد روح كل مصدق وغليه آمال العباد توجهت بل فطرة الله التي لم يفطروا ونظير هذا أنهم فطروا على

وإليه يرفع سعي ذي الشكران وإليه تعرج عند كل أوان نحو العلو بفطرة الرحمن من قربه من ربه قوسان ولسوف ينزل كي يرى بعيان عند الممات فتنثني بأمان نحو العلا بلا تواصي اثنان إلا عليها الخلق والثقلان إقرارهم لاشك بالديان

قال شيخ الإسلام: إذا عرفت تنزيه الرب عن صفة النقص فلا يوصف بالسفول ولا علو شيء عليه بوجه من الوجوه بل هو العلي الأعلى الذي لا يكون إلا أعلى وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وأنه ليس كمثله شيء فيما يوصف به من الأفعال اللازمة والمتعدية لا النزول ولا الاستواء ولا غير ذلك فيجب مع ذلك إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله والأدلة العقلية توافق ذلك ولا تناقضه ولكن السمع والعقل يناقضان البدع المخالفة للكتاب والسنة والسلف من الصحابة والتابعين يقرون أفعاله كالاستواء والنزول وغيرهما على ما هي عليه.

وقال: فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم لا كما أن عظمته وكبرياءه كذلك فأما الاستواء فهو فعل يفعله تعالى بمشيئته وقدرته، ولهذا قال ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾(لأعراف: من الآية54) ولهذا كان الاستواء من الصفات السمعية والعلو من الصفات السمعية العقلية اهـ.

وقد نفت الجهمية المعطلة علو الله على خلقه وقالوا إنه في كل مكان بذاته وأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينة ولا محايثة تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، وتأولوا فوقيته بقولهم إن هذا مثل قول الناس في الذهب وأنه فوق الفضة أي فوقية القدر والأمير فوق الوزير وهذا مما تنفر منه العقول السليمة.

قال ابن القيم رحمه الله:

وأصغ لفائدة عظيم قدرها إن  الكلام إذا أتى بسياقة أضحى كنص قاطع لايقبل التأو فسياقة الألفاظ مثل شواهد الـ إحداهما للعين مشهود بها فإذا أتى التأويل بعد سياقة وإذا أتى الكتمان بعد شواهد الـ فتأمل الألفاظ وانظر ما الذي والفوق وصف ثابت بالذات من لكن نفاة الفوق ما وفوا به بل فسروا بأن قدر الله أعـ قالوا وهذا مثل قول الناس في هو فوق جنس الفضة البيضاء لا والفوق أنواع ثلاث كلها هذا الذي قالوا وفوق القهر

تهديك للتحقيق طول زمان يبدي المراد لمن له أذنان بل يعرف ذا أولو الأذهان أحوال إنهما لنا صنوان لكن ذاك لمسمع الإنسان تبدي المراد أتى على استهجان أحوال كان كأقبح الكتمان سيقت له إن كنت ذا عرفان كل الوجوه لفاطر الأكوان جحدوا كمال الفوق للديان لى لا بفوق الذات للرحمن ذهب يرى من خالص العقيان بالذات بل في مقتضى الأثمان لله ثابتة بلا نكران والفوقية العليا على الأكوان

المعية العامة والخاصة:

(وقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الحديد:4) ، ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: من الآية7) وقوله: ﴿ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(التوبة: من الآية40)، ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾(طـه: من الآية46)، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل:128) ، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(لأنفال: من الآية46)،﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(البقرة: من الآية249).

في هذه الآيات إثبات معيته لخلقه والمعية الواردة في الكتاب والسنة نوعان: معية عامة ومن مقتضاها العلم والإحاطة والاطلاع. قال ا لإمام أحمد رحمه الله وغيره في آية المجادلة:

ابتدأها بالعلم وختمها به حيث قال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾(المجادلة: من الآية7) ثم قال آخرها ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

والنوع الثاني من المعية: المعية الخاصة ومن مقتضاها الحفظ والنصر والتأييد والتوفيق. والحماية عن المهالك.

الآية الأولى: يخبر تعالى عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم أخبر تعالى باستوائه على العرش بعد خلقهن وتقدم الكلام على أول هذه الآية في أدلة صفة العلم وقوله (وهو معكم إلخ...) أي رقيب عليك شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم، فهذه معية العلم والاطلاع والإحاطة.

ويستنبط من الآية:

1- إثبات صفة الخلق.

2- إثبات الأفعال الاختيارية.

3- إثبات السماوات.

4- إثبات صفة العلم لله تعالى.

5- إثبات صفة العلو لله على خلقه.

6- الرد على من أنكر صفة العلو أو صفة الخلق.

7- المعية العامة.

8- تحديد الأيام التي خلقت فيها السماوات والأرض.

9- إرشاد الخلق إلى التأني في الأمور.

10- إثبات القوة.

11- إثبات البصر.

12- إثبات سعة علمه سبحانه.

13- الرد على الجهمية ومن نحا نحوهم من المؤولين للاستواء بالاستيلاء.

14- أن هذه المخلوقات دليل على وجود خالقها ومدبرها.

15- إثبات قدرة الله.

16- دليل على سعة علم الله.

17- إثبات صفة الكلام.

18- أن الله غني عن العرش وغيره وإنما خلقه لحكمة.

19- إثبات صفة الاستواء على العرش على ما يليق بجلاله وعظمته.

20- إن استواء الله على عرشه بعد خلق السماوات والأرض.

21- في الآية رد على من أول الاستواء بالاستيلاء ووجه الدلالة على جميع الخلق متقدم واستواؤه على العرش بعد خلق السماوات والأرض.

22- في الآية ما يدع الإنسان في حذر دائم وخشية دائمة من الله.

23- في الآية ما يبعث على الحذر عن المعاصي والمأخذ من قوله وهو معكم ... إلخ.

24- دليل على سعة رحمة الله وحلمه على الكافر والعاصي حيث لم يعاجلهم في العقوبة وهو الذي خلقهم ورزقهم وجعل لهم أرضه قراراً التي عصوه فيها.

25- أن العباد لم يقدروا الله حق قدره وإلا لما عصوه واستعانوا بنعمه على المعصية.

26- دليل على أن العباد لم يهملوا ويتركوا سدى.

27- أن الله يعلم كل ما دخل في الأرض من مياه وكنوز ووحوش الخ.

28- أن الله يعلم ما يخرج من الأرض من نبات ومعادن ومياه وغير ذلك.

29- أن الله يعلم ما ينزل من السماء من ملائكة وأرزاق ومصائب وحر وبرد إلخ.

30- إن الله يعلم ما يعرج في السماء من حفظه وأعمال وغير ذلك مما يعلمه الله.

31- في الآية رد على القدرية المنكرين لعلم الله وكل من سلك سبيلهم.

32- في الآية رد على من قال إن الله يعلم الكليات دون الجزئيات.

33- في الآية ما يدل على عظمة الله لأن عظمة المخلوق دالة على عظمة الخالق.

34- في الآية رد على من أنكر السماوات وقال فيه إلا فضاء مناسبة.

35- دليل على إحاطة الله بالخلق القريب منهم والبعيد والدقيق والجليل.

36- في الآية دليل على البعث والنشور والمأخذ من قوله بما تعملون بصير.

37- في الآية دليل على الحشر والجزاء على الأعمال والجنة والنار.

38- لطف الله بخلقه حيث أرشدهم إلى أنهم غير مهملين.

39- أن القريب والبعيد في علم الله على السواء.

40- دليل على أن الله غني عن العالمين لا يحتاج إلى أعوان وأنصار.

41- دليل على إثبات العرش وأنه مخلوق لله جل وعلا.

42- الحث على مراقبة الله.

43- أن تقدير الأيام متقدم على خلق السماوات والأرض.

44- أن سمع الله جل وعلا لا تحول دونه الأستار والحجب.

الآية الثانية: النجوى: التناجي والمسارة، أدنى: أقل، فينبئهم: يخبرهم يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾(المجادلة: من الآية7)، فلا يتناجى ثلاثة إلا والله معهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ويعلم ما يقولون وما يدبرون، ولا نجوى أكثر من هذه الأعداد ولا أقل منهم إلا وهو عليم بنجواهم وعليم بزمانها ومكانها، لا يخفى عليه شيء من أمرها ثم ينبئهم أي يخبرهم أي المتناجين بما علموا من خير وشر، وقال ابن القيم رحمه الله: وتأمل كيف جعل نفسه رابع ثلاثة وسادس الخمسة إذ هو غيرهم سبحانه بالحقيقة لا يجتمعون معه في جنس ولا فصل وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ﴾(المائدة: من الآية73) فإنهم ساووا بينهم وبين الاثنين في الألوهية. والعرب تقول رابع أربعة وخامس خمسة و ثالث ثلاثة، لما يكون فيه المضاف إليه من جنس المضاف كما قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ﴾(التوبة: من الآية40) رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه فإن كان من غير جنسه قالوا رابع ثلاثة وخامس أربعة وسادس خمسة.

ويفهم من الآية:

1- أنها دليل على المعية العامة.

2- إثبات صفة العلم.

3- إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، والبعث.

4- الحث على مراقبة الله.

5- الرد على من قال أن القرآن من كلام محمد صلى الله عليه وسلم.

6- إثبات صفة الكلام.

7- الرد على من أنكر شيئاً من هذه الصفات، أو أولها بتأويل باطل.

8- الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي.

9- إثبات الألوهية.

10- شمول علمه وإحاطته بكل شيء.

الآية الثالثة: وهي من أدلة المعية الخاصة ففيها حكاية عما قاله عليه الصلاة والسلام لأبي بكر وهما في الغار، وقد أحاط المشركون بفم الغار عندما خرجوا في طلبه عليه السلام فلما رأى أبو بكر ذلك انزعج وقال يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمه لأبصرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تحزن إن الله معنا".

ففي الآية:

1- دليل على المعية الخاصة.

2- الحث على التوكل على الله.

3- ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من ثقته بربه.

4- إثبات الألوهية لله.

5- مزية لأبي بكر رضي الله عنه، ولذلك قال العلماء من  أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه فهو لإنكاره كلام الله.

الآيات الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة: هذه الآيات كلها من أدلة المعية الخاصة.

في الآية الرابعة: خطاب لموسى وهارون أن لا يخافا بطش فرعون بهما ومعالجته لهما بالعقوبة قبل إتمام الدعوة وإظهاره المعجزة، وقوله:﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾(طـه: من الآية46) تعليل لموجب النهي ومزيد تسلية لهما، وقوله: ﴿ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى علي من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي فلا يتكلم ولا يتنفس، ولا يبطش إلا بإذني وإرادتي، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي، فلا تهتما.

ويستنبط من الآية:

1- إثبات المعية الخاصة.

2- الحث على الاعتماد على الله.

3- إثبات السمع.

4- إثبات البصر.

5- إثبات قدرة الله تعالى.

الآية الخامسة: تقدم الكلام على تعريف التقوى والإحسان في صفة المحبة وأما ما يؤخذ منها:

1- إثبات الألوهية.

2- معيته الخاصة للمتقين والمحسنين.

3- أن التقوى والإحسان سبب لحفظ الله ونصره وتأييده للعبد القائم بهما.

4- الحث على التقوى والإحسان.

الآية السادسة: الصبر: حبس النفس على مما تكره تقرباً إلى الله تعالى، وهو ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله ، وصبر عن معاصي الله، وصبر على أقدار الله. المؤلمة.

قال الشيخ رحمه الله: والله تعالى مدح الصبر والشكر في كتابه فقال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (إبراهيم: من الآية5) فالصبر والشكر على ما يقدره الرب بعبده من السراء والضراء، من النعم والمصائب التي يبلوه بها والسيئات فعليه أن يتلقى المصائب بالصبر والنعم بالشكر ومن النعم ما ييسره له من أفعال الخير ومنها ما هي خارجة عن أفعاله فيشهد القدر عند فعله الطاعات وعند إنعام الله عليه فيشكره ويشهده عند ا لمصاب فيصبر، وأما عند الذنوب فيكون مستغفراً تائباً وأما من عكس شهد القرد عند ذنوبه وشهد فعله عند الحسنات فهو من أعظم المجرمين ومن شهد فعله فهو قدري ومن شهد القدر فهيما ولم يعترف بالذنب ويستغفر فهو من جنس المشركين وأما المؤمن فيقول أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي وقال ابن القيم أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فتيقن حينئذ أن الحسنان من نعمه فتشكره عليها وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك وأن السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها. ويستنبط من الآية:

1- إثبات المعية الخاصة.

2- الحث على الصبر سبب لحفظ الله ونصره وتأييده لمن صبر، ووثق بالله وتوكل عليه.

3- أن الصبر سبب لحفظ الله ونصره وتأييده لمن صبر، ووثق بالله وتوكل عليه.

الآية السابعة: الفئة: الجماعة: بإذن الله: أي بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، ويفهم من الآية:

1- المعية الخاصة.

2- الحث على الصبر المؤدي إلى التوكل والثقة بالله عند الشدائد ومدلهمات الحوادث، والرجوع إليه إذا فدح الخطب وعظم الأمر، فهو القادر على النصر والتأييد لمن أ خلص له.

3- إثبات قضاء الله وقدره وإرادته.

4- أن النصر من عند الله لا عن كثرة عدد ولا عدد، وإنما تلك أسباب.

5- أن الصبر من أعظم الأسباب في تحصيل المقصود.

6- إثبات الألوهية.

الفروق بين المعيتين

1- العامة من مقتضاها العلم والإحاطة والإطلاع على جميع الخلق.

2- المعية العامة من الصفات الذاتية، وأما الخاصة فمن الصفات الفعلية.

3- العامة تكون في سياق التخويف والمحاسبة على الأعمال، والحث على المراقبة.

4- الخاصة من مقتضاها الحفظ والعناية والنصرة والتوفيق والتسديد، والحماية من المهالك واللطف بأنبيائه ورسله وأوليائه.

5- أن الخاصة مرتبة على الاتصاف بالأوصاف الجميلة والأخلاق الحميدة.

إثبات صفة الكلام لله:

(وقوله: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾(النساء: من الآية122)، ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾(النساء: من الآية87)، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾(المائدة: من الآية116)، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾(الأنعام: من الآية115)، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴿(النساء: من الآية164)، ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾(البقرة: من الآية253)، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾(لأعراف: من الآية143)، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (مريم:52)، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(الشعراء:10)، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾(لأعراف: من الآية22)، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص:65)، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾(التوبة: من الآية6)، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(البقرة: من الآية75)، ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾(الفتح: من الآية15)، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾(الكهف: من الآية27)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النمل:76)، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾(الأنعام: من الآية92)، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾(الحشر: من الآية21)، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل:101) ، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل:102)، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل:103).

في هذه الآيات الكريمات إثبات صفة الكلام لله حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته وحقيقة الإيمان بصفة الكلام لله أنه الاعتقاد الجازم بأن الله متكلم بكلام قديم النوع، حادث الآحاد، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء بما شاء كيف شاء، وأنه يتكلم بكلام يسمعه من شاء من خلقه سمعه منه موسى والأبوان بلا واسطة، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه يكلم المؤمنين ويكلمونه في الآخرة، هذا مذهب أهل السنة والجماعة.

وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على  أنه سبحانه يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته وهو صفة ذات وفعل.

وقد دلت النصوص على أن القرآن العزيز الذي ه و سور وآيات وحروف وكلمات عين كلام الله حقاً لا تأليف ملك ولا بشر، وأنه سبحانه الذي قال بنفسه ﴿المص﴾ (لأعراف:1)، ﴿حم عسق﴾ (الشورى) و ﴿كهيعص﴾ (مريم:1).

الآيتان الأولى والثانية: من : لفظة استفهام، ومعناه لا أحد أصدق من الله في حديثه ولا أحد أصدق من الله قولا ولا خبراً وهذا إخبار منه تعالى بأن حديثه وإخباره وأقواله في أعلى مراتب الصدق، بل هي أعلاها، فكل ما قيل في العقائد والعلوم والأعمال مما يناقض ما أخبر الله به فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق.

ففي الآيتين:

1- إثبات صفة الكلام.

2- أنها صفة له قائمة بذاته يتكلم بها بمشيئته وقدرته.

3- الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي.

4- إثبات الألوهية.

5- أنه لا أحد أصدق من الله قولاً ولا خبراً.

الآية الثالثة: هذا مما يخاطب به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام قائلاً له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله (يا عيسى .. إلخ).

وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رءوس الأشهاد، وهذا السؤال لإظهار براءة عيسى ابن مريم عليه السلام وتسجيل الكذب والبهتان على هؤلاء الظالمين.

ففي الآية:

1- إثبات القول لله سبحانه وأنه يقول متى شاء إذا شاء وأن الكلام والقول المضاف إلى الله سبحانه قديم النوع حادث الآحاد، وفيه دليل على أنه سبحانه يتكلم كما يليق بجلاله.

2- الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي إذ المعنى المجرد لا يسمع.

الآية الرابعة: قد تطلق على الجملة والطائفة من القول في غرض واحد فإذا كتب أحد أو خطب في موضوع ما، قيل كتب أو قال كلمة، وكانوا يسمون القصيدة كلمة، وقالوا كلمة التوحيد يعنون (لا إله إلا الله) ، وقال صلى الله عليه وسلم: " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد": يريد قوله:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

والمعنى: وتمت كلمة ربك، صدقاً فيما قال، وعدلاً فيما حكم، فهو صدقاً في الإخبار وعدلاً في الطلب فكل ما أخبر به فهو حق لا مرية فيه ولاشك وكل ما أ مر به فهو العدل الذي لا عدل سواه وكل ما نهى عنه فباطل فإنه لا ينهي إلا عن مفسدة كما قال ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾(لأعراف: من الآية157) والمراد بكلمة ربك: أمره ونهيه ووعده ووعيده فما وعد به رسوله من النصر وما أوعد به المستهزئين من الخذلان والهلاك، تم كما تم في الرسل وأعدائهم من قبل كما قال ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُون وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ

 َ﴾ (الصافات:171-173)، فتمامها صدقاً هو حصولها على الوجه الذي أخبر به، وتمامها عدلاً باعتبار أنها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون، وللمؤمنين بما يستحقون أيضا، وقد يزدادون على ذلك فضلاً من الله ورحمة وقوله ﴿ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: لا راد لقائه ولا مغير لحكمه ولا خلف لوعده.

والخلاصة: أنه لا يستطيع أحد من الخلق أن يزيل كلمات الله بكلمات أخرى تخالفها أو تمنع صدقها، ولا يستطيع أن يصرفها عما أراده الله بها قال تعالى ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾(الرعد: من الآية41)  وقال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:9).

وكلمات الله نوعان:

النوع الأول: كونية قدرية وهي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " أعوذ بكلمات الله التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر " وكقوله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ (الأنعام: من الآية115).

قال ابن القيم:

والله ربي لم يزل متكلماً صدقاً وعدلاً أحكمت كلماته ورسوله قد عاذ بالكلمات من أيعاذ بالمخلوق حاشاه من الإ بل عاذ بالكلمات وهي صفاته

وكلامه المسموع بالآذان طلباً وإخباراً بلا نقصان لدغ ومن عين ومن شيطان شراك وهو معلم الإيمان سبحانه ليست من الأكوان

النوع الثاني الكلمات الدينية وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي امره ونهيه، وقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾  أي السميع لأقوال العباد العليم بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله، وتقدم الكلام على اسمه تعالى السميع واسمه العليم.

ففي الآية:

1- إثبات الربوبية.

2- إثبات صفة الكلام لله.

3- أنه ليس لكلمات الله مبدل ولا معقب في الدنيا ولا في الآخرة.

4- أنه لا أحد أصدق ولا أعدل من الله عز وجل.

5- إثبات صفة السمع.

6- إثبات صفة البصر.

7- الحث على مراقبة الله.

8- حفظ كلمات الله وأحكامها.

9- الرد على من قال بالقوانين الوضعية.

10- أنه لا أحسن من كلمات الله ولا أبلغ ولا أصدق منها.

11- الحث على العدل.

12- النهي عن الكذب.

13- النهي عن الجور.

14- أن أحكام الله نافذة على كل الخلق.

15- أن الله لا يخلف الميعاد.

16- التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

17- الوعيد لمن خالف الرسل.

18- الرد على من أ نكر صفة الكلام.

19- الرد على من قال إن القرآن كلام محمد أو جبريل أو غيرهما.

20- في الآية معجزة لأن الله أخبر أنه لا مبدل لكلماته ووقع كما أخبر.

21- إثبات قدرة الله.

22- الرد على من أنكر صفة العلم  كالجهمية والقدرية.

23- الرد على من أنكر صفة السمع كالجهمية ونحوهم.

الآيات الخمسة، والسادسة، والسابعة: خصص الله موسى عليه السلام بهذه الصفة تشريفاً له ولذا يقال له الكليم، وهذا دليل على أن التكليم الذي حصل له عليه السلام أخص من مطلق الوحي ثم أكده بالمصدر الحقيقي رفعاً لما توهمه المعطلة من أنه إلهام أو إشارة أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز.

ففي الآية:

1- إثبات صفة الكلام.

2- إثبات الألوهية.

3- إثبات الربوبية.

4- تخصيص موسى بهذه الصفة تشريفاً له.

5- الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي.

6- دليل على أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء متى شاء كيف شاء.

7-  دليل على أن نوع الكلام قديم فكان كلام الله سبحانه قديم النوع حادث الآحاد وهو نوعان قال تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يّـس:82) وكقوله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النحل:40) وهذا النوع يقال له الكوني القدري.

والنوع الثاني: الديني الشرعي، وذلك قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾(النحل: من الآية90)، وكقوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾(البقرة: من الآية43) والشرعي هو الذي منه الكتب المنزلة على رسله وكلامه سبحانه نوعان بلا واسطة وذلك ككلام الله لموسى وككلامه للأبوين آدم وحواء وكلامه لجبريل، والنوع الثاني ما كان بواسطة إما بالوحي للأنبياء وإما بإرساله إليهم رسولاً يكلمهم من أمره بما يشاء قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى:51).

الآية الثامنة: النداء: الصوت الرفيع، والنجاء: الصوت الخفي، الطور: اسم جبل بين مصر ومدين، الأيمن: من موسى في وقت مسيره أو الأيمن أي الأبرك من اليمن والبركة، وفي تفسير القرطبي: وكانت الشجرة في جانب الجبل عن يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر قاله الطبري وغيره، فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال وقوله ﴿ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾(مريم: من الآية52) أي مناجياً.

ففي الآية:

1- إثبات صفة الكلام لله وأنه يتكلم بحرف وصوت يليق بجلاله إذ لا يعقل النداء إلا ما كان حرفاً وصوتاً وقد استفاضت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من أئمة السنة بذلك. قال ابن القيم:

والله قد نادى الكليم وقبله وأتى النداء في تسع آيات له أيصح في عقل وفي نقل ندا أم أجمع العلماء والعقلاء من أن النداء الصوت الرفيع وضده

سمع الندا في الجنة الأبوان وصفاً فراجعها من القرآن ء ليس مسموعاً لنا بأذان أهل اللسان وأهل كل لسان فهو النجاء كلاهما صوتان

وفي الآية:

1- إثبات النداء.

2- الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي إذ المعنى المجرد لا يسمع.

3- تخصيص موسى بهذه الصفة تشريفاً له.

الآية التاسعة: أي اذكر حالة موسى الفاضلة وقت نداء الله حين كلمه ونبأه وأرسله فقال أن ائت القوم الظالمين يعني الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية والكفر والتكبر في الأرض والعلو على أهلها وادعى كبيرهم الربوبية وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب.

ففي الآية:

1- إثبات صفة الكلام لله.

2- إثبات الربوبية.

3- الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي.

4- إنه سبحانه يتكلم بحرف وصوت إذ لا يعقل النداء إلا ما كان حرفاً وصوتاً.

5- الرد على من قال إن القرآن كلام محمد أو غيره.

الآية العاشرة: قال الله تعالى معاتباً وموبخاً لآدم وحواء على ترك التحفظ والحيطة والتدبر في العواقب وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين أي ظاهر العداوة لكما فإن أطعتماه أخرجكما من الجنة؟

ففي الآية:

1- إثبات صفة الكلام.

2- إثبات الربوبية.

3- الأمر بالتحفظ والحيطة والتدبر في الأمور.

الآية الحادية عشرة: قال ابن كثير على هذه الآية: النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات ماذا كان جوابكم إليهم، وكيف كان حالكم معهم وهذا كما يسأل العبد في قبره من ربك ومن نبيك وما هو دينك فأما المؤمن فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول هاه هاه لا أدري، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى .. اهـ.

أفادت هذه الآية:

1- إثبات صفة الكلام لله.

2- أنه يتكلم بحرف وصوت يليق بجلاله.

3- إثبات البعث والرسالة والحشر والجزاء على الأعمال.

4- إثبات النداء.

5- إثبات القول.

6- الرد على من زعم أن كلام الله المعنى النفسي إذ المعنى المجرد لا يسمع.

قال بعض العلماء: من زعم ، كلام الله هو المعنى النفسي زعم أن الله لم يرسل رسولاً ولم ينزل كتاباً. وقال آخر: من زعم أن كلام الله هو المعنى النفسي فقد زعم أن الله أخرس. وقال ابن حجر في شرح البخاري: ومن نفى الصوت فقد زعم أن الله لم يسمع أحداً من ملائكته ولا رسله كلاماً بل ألهمهم إياه إلهاماً.

قال ابن القيم: ولفظ النداء الإلهي قد تكرر في الكتاب والسنة تكراراً مطرداً في محالة متنوعاً تنوعاً يمتنع حمله على المجاز فأخبر تعالى أنه نادى الأبوين في الجنة ونادى كليمه وأنه ينادي عباده يوم القيامة وقد ذر الله النداء في تسعة مواضع من القرآن أخبر فيها عن ندائه بنفسه ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعاً كما في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كان سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير"، وروى أبو داود عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفاة فيصعقون ولا يزالون حتى يأتيهم جبرائيل فإذا جاءهم جبرائيل فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك قال الحق فينادون الحق الحق" وإسناده ثقاة، وقد فسر الصحابة الآية بما يوافق هذا الحديث الصحيح، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي عن عبد الله ابن أنيس قال: " فينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان" وفي تفسير شيبان عن قتادة ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾(النمل: من الآية8) قال: صوت رب العالمين، ذكره ابن خزيمة والأحاديث والآثار عن السلف كثيرة في ذلك جداً، وتقدم حديث أبي سعيد في الصحيح الذي بلغناه الصحابة والتابعون وتابعوهم وسائر الأمة تلقته بالقبول وتقيده بالصوت إيضاحاً وتأكيداً كما قيد التكلم بالمصدر في قوله تعالى ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾(النساء: من الآية164) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إن الله قد أحب فلاناً فأحبه" الحديث، والذي تعقله الأمم من النداء إنما هو الصوت المسموع كما قال تعالى ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (قّ:41) ، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ﴾(الحجرات: من الآية4) وهذا النداء هو رفع أصواتهم الذي نهى الله عنه المؤمنين وأثنى عليهم بغضها في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾(الحجرات: من الآية3) الآية، وكل ما في القرآن العظيم من ذكر كلامه وتكليمه وأمره ونهيه دال على أنه تكلم حقيقة لا مجازاً، وكذا نصوص  الوحي الخاص كقوله ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ ﴾(النساء: من الآية163) وقد نوع الله هذه الصفة في إطلاقها عليه تنويعاً يستحيل معه نفي حقائقها بل ليس في الصفات الإلهية من صفة الكلام والعلو والفعل والقدرة بل حقيقة الإرسال تبليغ كلام الرب تبارك وتعالى وإذا انتفت منه حقيقة الكلام انتفت حقيقة الرسالة والنبوة، والرب تبارك وتعالى يخلق بكلامه وقوله كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النحل:40) فإذا انتفت حقيقة الكلام انتفى الخلق وقد عاب الله آلهة المشركين بأنها لا تكلم عابديها، ولا ترجع إليهم قولاً. والجهمية وصفوا الرب تبارك وتعالى بصفة هذه الآلهة، وقد ضرب الله تعالى لكلامه واستمراره ودوامه المثل بالبحر يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار الأرض كلها أقلام فيفنى المداد والأقلام ولا تنفد كلماته أفهذه الصفة من لا يتكلم ولا يقوم به كلام: فإذا كان كلامه وتكليمه وخطابه ونداؤه وقوله وأمره ونهيه ووصيته وعهده وإذنه وحكمه وإخباره وشهادته كل ذلك مجاز لا حقيقة له بطلت الحقائق كلها فإن الحقائق إنما حقت بكلمات تكوينية ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، فما حقت الحقائق إلا بقوله وفعله، وقال في النونية:

والله عز وجل موص آمرٌ ومخاطب ومحاسب ومنبئ ومكلم متكلم بل قائل هاد يقول الحق يرشد خلقه فإذا انتفت صفة الكلام فكل هـ وإذا انتفت صفة الكلام كذلك الإ فرسالة المبعوث تبليغ كلا

ناهٍ مُنبٍّ مُرْسِلٌ لبيان ومحدث ومخبر بالشان ومحذر ومبشر بأمان بكلامه للحق والإيمان ذا منتف متحقق البطلان رسال منفي بلا فرقان م المرسل الداعي بلا نقصان

ومما يؤخذ من الآية المتقدمة:

7- الرد على من زعم أن  كلام الله هو معنى قائم بذاته لا يتجزأ ولا يتبعض فإن الأمر لو كان كما زعموا لكان موسى سمع جميع كلام الله.

8- الرد على من زعم أن كلام الله مخلوق فإن صفاته داخلة في مسمى اسمه فليس الله اسماً لذات لا سمع ولا بصر ولا حياة ولا كلام لها فكلامه وحياته وقدرته داخلة في مسمى فهو  سبحانه بصفاته الخالق وما سواه المخلوق.

الآية الثانية عشرة: استجارك: طلب جوارك أي حمايتك وأمانك، فأجره: أي فأمنه، ومأمنه: أي مسكنه الذي يأمن فيه وهو دار قومه.

المعنى: وإن استجارك أحد من المشركين فأجره، أي كن جاراً له، مؤمناً محامياً حتى يسمع كلام الله ويتدبره حق تدبره ويقف على حقيقته ما تدعو إليه.

ويستنبط من الآية:

1- دليل على أنه إذا استأمن مشرك ليسمع القرآن وجب تأمينه ليعلم دين الله وتنتشر الدعوة.

2- إثبات الألوهية.

3- أن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئاً لا من قال مبلغاً مؤدياً.

4- أن في الآية حجة صريحة لمذهب السلف أن القرآن منزل غير مخلوق لأن الله تعالى هو المتكلم به وإنما أضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها.

5- دليل على بطلان مذهب المعتزلة ومن أخذ بقولهم الباطل أن القرآن مخلوق مستدلين على بدعتهم بقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾(الرعد: من الآية16) فيدخل في عموم (كل) فيكون مخلوقاً، وهذا من أعجب العجب فإن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالى وإنما يخلقها العباد جميعها فأخرجوها من عموم كل شيء وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفاته به تكون الأشياء المخلوقة إذ بأمره تكون المخلوقات قال تعالى ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾(لأعراف: من الآية54) ففرق بين الخلق والأمر فلو كان الأمر مخلوقاً للزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر إلى ما لا نهاية له فيلزم التسلسل وهو باطل وطر باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة وغيرها وذلك صريح الكفر وكيف يصح أن يكون متكلماً بكلام يقوم بغيره ولو صح ذلك للزم أن يكون  متكلماً بكل كلام خلقه في غيره زوراً كان أو كذباً أو كفراً وهذياناً، تعالى الله عن ذلك، وقد طرد هذا الاتحادية فقال ابن عربي:

وكل كلام في الوجود كلامه

سواء علينا نثره ونظامه

ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره لصح أن يقال للبصير أعمى وللأعمى بصير، لأن البصير قد قام وصف بغيره والأعمى قد قام وصف البصر بغيره، ولصح أن يوصف الله بالصفات التي خلقها في غيره من الألوان والروائح والطعوم والطول والقصر ونحو ذلك. وقال الإمام عبد العزيز المكي في مناظرته لبشر بن غياث المريسي: إن قال بشر إنه خلق كلامه في نفسه فهذا محال لأن الله لا يكون محلاً للحوادث المخلوقة ولا يكون منه شيء مخلوق وإن قال خلقه في غيره فهو كلام ذلك الغير وإن قال خلقه قائماً بنفسه وذاته فهو محال،  لا يكون الكلام إلا من متكلم كما لا تكون الإرادة إلا من مريد ولا العلم إلا من، عالم، ولا يعقل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقاً علم أنه صفة الله .. اهـ.

قال ابن القيم: احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله تعالى ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾(الأنعام: من الآية102) ونحو ذلك من الآيات فأجاب الأكثرون أنه عام مخصوص يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه. قال ابن عقيل في الإرشاد: ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الإخبار ولا يصلح لتناوله، قال لأنه به حصل عقد الإعلام بكونه خالقاً لكل شيء وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلاً تحت الخبر. قالوا: ولو أن شخصاً قال لا أتكلم اليوم كلاماً إلا كان كذباً لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به، قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكوراً في قوله تعالى في قصة مريم ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾(مريم: من الآية26) وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها، فقولها فلن أكلم اليوم إنسيا به حصل إخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم ين ما أخبرت به داخلاً تحت الخبر وإلا كان قولها مخالفاً لنذرها .. اهـ.

وأما استدلالتهم بقوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾(الزخرف: من الآية3) فما أفسده من استدلال فإن جعل إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾(الأنعام: من الآية1) وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾(النحل: من الآية91) وكذلك قوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾(الزخرف: من الآية3) وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾(القصص: من الآية30) على أن الكلام خلقه الله في الشجرة فسمعه موسى وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها فإن الله تعالى قال ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ ﴾(القصص: من الآية30) والنداء هو الكلام من بعيد فسمع موسى النداء من حافة الوادي. ثم قال: ﴿ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ أي النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، ومن لابتداء الغاية  ولو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة يا موسى إني أنا الله رب العالمين، ولو كان هذا الكلام بدا من غير الله لكان قول فرعون أنا ربكم الأعلى صدقاً، إذ كل منم الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله وق فرقوا بين الكلامين على أصولهم الفاسدة أن ذلك كلام خلقه الله في الشجرة وهذا كلام خلقه فرعون فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقاً غير الله.. اهـ.

(من شرح الطحاوية)

أما قوله تعالى في عيسى عليه السلام ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾(النساء: من الآية171) فالمعنى أنه خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها الروح فعيسى ناشئ عن الكلمة وليس هو نفس الكلمة. وقوله تعالى ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ يعني أنه كائن منه تعالى أي هو موجده وخالقه فهو  روح من الأرواح التي خلقها الله. كما قال تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾(الجاثـية: من الآية13) أي مخلوق بأمره.

الآية الثالثة عشر: الفريق: الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه، يحرفون: يغيرون، وتقدم معنى التحريف وبيان أقسامه وضابط كل قسم وأمثلته، من بعد ما عقلوه: أي عرفوه وفهموه وضبطوه، أعني كلام الله التوراة.

والمعنى لهذه الآية الكريمة: أنسيتم أفعالهم وأعمالهم فتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء اليهود وقد كان جماعة منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه، أي يأولونه على غير تأويله من بعدما عقلوه، أي فهموه على الجبلية، ومع هذا فهم يخالفونه وهم يعلمون أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريف.

ويستنبط من الآية:

1- إثبات صفة الكلام.

2- إثبات الألوهية.

3- الذم لمن يحرف كلام الله.

4- أن التحريم من صفات اليهود.

5- قطع لأطماع المؤمنين من إيمان هؤلاء.

6- فيها دليل على تعمدهم وسوء قصدهم.

7- إبطال لما عساه أن يتعذر لهم من سوء الفهم.

8- في الآية دليل على تعمق الفسق والعصيان في اليهود.

9- الرد على من زعم أن الله لا يتكلم.

10- الرد على من قال إن القرآن مخلوق أو أنه عبارة عن كلام الله.

11- أن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئاً لا من قاله مبلغا مؤدياً.

12- الرد على من قال إن القرآن كلام محمد أو غيره من الخلق.

الآية الرابعة عشرة: المعنى: يريدون أن يبدلوا كلام الله أي وعد الله لأهل الحديبية وذلك أن الله وعدهم أن يعوضهم من غنيمة مكة غنيمة خيبر وفتحها وأن يكون ذلك مختصاً بهم دون غيرهم وأراد المخلفون أن يشاركوهم في ذلك. ثم قال قل يا محمد لهم لن تتبعونا أي إلى خيبر وهذا خبر بمعنى النهي، وقوله تعالى ﴿ كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ﴾(الفتح: من الآية15) أي من قبل عودتنا إليكم، إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب.

ويفهم من الآية:

1- إثبات القول لله سبحانه.

2- إثبات صفة الكلام لله والرد على الأشاعرة القائلين إنه عبارة عن كلام الله والرد على الكلامية القائلين إنه حكاية عن كلام الله.

3- إثبات الألوهية لله سبحانه وحده.

4- أن الكلام إنما ينسب إلى من قال مبتدأ.

5- الرد على من قال إن الله لا يتكلم.

6- الرد على من قال إن القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم أو كلام ملك أو بشر.

7- فيها دليل على بطلان قول المعتزلة ومن أخذ بقولهم أن القرآن مخلوق، أو حكاية عن كلام الله كقول الكلابية.

الآية الخامسة عشرة: اتل: اتبع ما أوحي أي اتبع ما أوحي إليك، الوحي لغة: الإعلام بخفاء، وفي الاصطلاح: إعلام الله أنبياءه بالشيء إما بكتاب أو رسالة أو ملك أو منام أو إلهام، من كتاب ربك: أي القرآن، لا مبدل لكلماته: له أي لا مغير ولا محرف ولا مزيل لها، ملتحداً: ملتجأ تلجأ إليه.

المعنى: يقول تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتل الكتاب الذي أوحي إليك والزم العمل به واتبع ما فيه من أمر ونهي فإنه الكتاب الجليل المخصوص بمزية الحفظ من التغيير والتبديل فإن أنت لم تتبع القرآن وتتله وتعمل بأحكامه لن تجد معدلاً تعدل إليه ومكاناً تميل إليه.

ويستنبط من الآية:

1- تعظيم القرآن.

2- الحث على الإقبال على القرآن وتدبره وتفهمه والعمل به.

3- إثبات الربوبية لله.

4- أن القرآن لا يستطيع أحد أن يغير ما فيه.

5- أن الكتاب هو القرآن خلافاً للكلابية فإنه سبحانه سمى نفس مجموع اللفظ والمعنى قرآناً وكتاباً وكلاماً.

6- الرد على من قال إن القرآن كلام محمد أو ملك أو بشر أو غير ذلك.

7- الحث على الالتجاء إلى الله في كل الأمور لأنه الملجأ وحده.

8- إثبات قدرة  الله وأنها محيطة بجميع خلقه فلا يقدر على الهرب من أمر أراده به.

الآية السادسة عشرة: يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان أنه يقص على بني إسرائيل وهم حملة التوراة والإنجيل أكثر الذي هم فيه يختلفون كاختلافهم في عيسى وتبيانهم فيه فاليهود افتروا والنصارى غلوا فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل أنه عبد من عباد الله ونبي منن أنبيائه ورسله الكرام.

يفهم من الآية:

1- دليل عظمة هذا الكتاب وهيمنته على الكتب وتوضيحه لما وقع فيها من اشتباه واختلاف.

2- أنه جاء حكماً على بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه فأبان لهم الحق.

3- الرد على من قال إن كلام الله هو المعنى النفسي.

4- وجوب الرجوع إلى القرآن وأتباعه.

5- إن الاختلاف متقدم في الأمم.

6- إثبات صفة الكلام لله.

7- الرد على من أنكر صفة الكلام أو أولها بتأويل باطل.

الآية السابعة عشرة: يقول جل شأنه مخبراً عن عظمة هذا الكتاب وهذا كتاب: أي القرآن أنزلناه: يعني عل محمد صلى الله عليه وسلم مبارك: أي كثير الخير والمنافع دائم البركة يبشر بالثواب والمغفرة والرحمة ويزجر عن الأفعال القبيحة والمعصية.

ففي هذه الآية:

1- دليل على إثبات صفة الكلام.

2- الحث على تدبر القرآن والاعتناء بما فيه من أحكام وإرشادات.

3-  لطف الله بخلقه حيث أنزل إليهم هذا الكتاب العظيم.

4- إثبات قدرة الله.

5- الرد على الجهمية القائلين إن القرآن مخلوق.

6- دليل لقول أهل السنة إن القرآن منزل غير مخلوق.

7- فيه رد على من قال إن القرآن كلام محمد أو جبريل أو بشر أو غير ذلك.

8- رد على من قال إن القرآن مخلوق كالمعتزلة ومن أخذ بقولهم.

9- أن القرآن كثير الخير دائم المنفعة والبركة.

10- وفيه رد على من قال إن كلام الله المعنى النفسي.

11- دليل على علو الله على خلقه.

الآية الثامنة عشرة: يقول تعالى معظماً لأمر القرآن ومبيناً علو شأنه وقدره وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه لما فيه من الوعد والوعيد الأكيد : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾(الحشر: من الآية21) أي من شأنه وعظمته وجودة ألفاظه وقوة معانيه وبلاغته واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبل من الجبال لرأيته مع كونه في غاية الصلابة وضخامة الجرم وشدة القسوة خاشعاً متصدعاً أي منقاداً متذللاً متشققاً من خوف الله.

قال ابن القيم رحمه الله

وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية من التوحيد وإثبات الصفات وإثبات المعاد والنبوات ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة مثل القرآن فإنه كفيل بذلك كله متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها وأقربها إلى العقول وأفصحها بياناً فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبهة والشكوك ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه فمن رزقه الله ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه كما يرى الليل والنهار وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم صيحة وقد وعروا الطريق إلى تحصيلها وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها فهم لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سيمن فينقل وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريراً وأحسن تفسيراً فليس عندهم إلا التكلف والتطوير والتعقيد، كما قيل:

لولا التنافس في الدنيا لما وضعت يُحَلِّلونَ بزَعْمٍ منهم عُقَداً

كتب التناظر لا المُغْنِي ولا العُمَدُ وبالذي وَضَعُوه زادَتِ العُقُدُ

فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك ذادت بذلك ومن المال أن لا يحصل الشفاء والعمل والهدى واليقين من كتاب الله وكلام رسوله ويحصل من كلام هؤلاء المتحميرين المشككين الشاكين إلخ.

ويستنبط من الآية:

1- علو شأن القرآن وقوة تأثيره لما فيه  من المواعظ والزواجر.

2- توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة خشوعه حين قراءته للقرآن وتدبر ما فيه من القوارع التي تذل لها الجبال الراسيات.

3- فيه دليل لمذهب السلف من أن القرآن منزل غير مخلوق.

4- الرد على من قال إن القرآن مخلوق كالمعتزلة ونحوهم.

5- أنه سبحانه خلق في الجمادات إدراكاً بحيث تخشع وهذا حقيقة كما دلت على ذلك الأدلة ولا يعلم كيفية ذلك إلا الله.

6- الحث على الخوف من الله والخشوع عند سماعه لكلام الله.

7- فيها رد على من قال إن كلام الله هو المعنى النفسي.

8- الرد على من قال إنه كلام جبريل أو بشر أو غير ذلك.

9- إثبات الألوهية.

10- دليل على علو الله على خلقه.

الآيات الأخيرة: قوله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ﴾ إلخ(النحل: من الآية101) التبديل: رفع شيء ووضع غيره مكانه، وتبديل الآية نسخها بأخرى، بالصدق والعدل، ليثبت: أي ليزيدهم يقيناً وإيماناً، البشرى والبشارة هو أول خبر سار بشر به إنسان، سمي بذلك ليبدو بشرته، والمراد جبر الرومي غلام ابن الحضرمي، كان قد قرأ التوراة والإنجيل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس عنده إذا آذاه أهل مكة، والإلحاد: الميل، أي يميلون ويشيرون، لسان: أي لغته وكلامه، وأطلق اللسان على القرآن لأن العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام فتؤنثها وتذكرها.

ومنه قول أعشى باهلة:

إني أتتني لسان لا أسر بها

من علو لا عجب فيها ولا سخر

وقول الآخر:

لسان الشر تهديها إلينا

وخنت وما حسبتك أن تخونا

ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الشعراء:84) أي ثناء باقياً، ومن إطلاق اللسان بمعنى الكلام مذكراً قول الحطيئة:

ندمت على لسان فات مني

فليت بأنه في جوف عكم

أعجمي: العجمة في لسان العرب الإخفاء وضد البيان، فالأعجمي المراد به الذي لا يفصح وإن كان ينزل البادية.

المعنى: هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبه كفرية ودفعها، أي وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية أخرى والله أعلم بالذي هو أصلح فيما ينزل، قال المشركون لرسوله إنما أنت متقول على الله، تأمر بشيء ثم تنهى عنه وأكثرهم لا يعملون  ما في التبديل من حكم بالغة، ثم قال تعالى مبيناً لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله وأن الرسول افتراه ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾(النحل: من الآية102) الأية، أي قل لهم يا محمد قد جاء جبريل بما أتلوه عليهم من عند ربي على مقتضى حكمته البالغة  من تثبيت المؤمنين وتقوية إيمانهم بما فيه من أدلة قاطعة وبراهين ساطعة على وحدانية خالق الكون وباهر قدرته وواسع علمه وجعله هادياً وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾(النحل: من الآية103) أي يعلم محمداً القرآن بشر من بني آدم غير ملك، ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فرد عليهم وكذبهم في قيلهم فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾(النحل: من الآية103) أي أن لسان الذي تميلون وتشيرون إليه بأنه يعمل محمداً أعجمي أي لا يتكلم بالعربية، والقرآن كلام عربي تفهمونه بأدنى تأمل فكيف يكون الذي يقوله أعجمياً، فهذا القول لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل وفي التشبث بمثل هذه المطاعن الركيكة والخرافات الساذجة أبلغ دليل على أنهم بلغوا غاية العجز:

فدعهم يزعمون الصبح ليلاً

أيعمى العالمون عن الضياء

قال  شيخ الإسلام رحمه الله: ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين وبيانه حقيقة أنباء الأنبياء والمرسلين ظهور العارضين لهم من أهل الإفك المبين كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾(الأنعام: من الآية112) الآية فإن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات أقام الله له مما يحقق الحق ويبطل الباطل من الآيات البينات مما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة وهذه كالمحنة التي تميز الخبيث والطيب والفتنة هي الامتحان والاختبار فالحق كالذهب الخالص كلما امتحن زاد جودة والباطل كالمغشوش إذا امتحن ظهر فساده.

1- إثبات النسخ.

2- أنه لحكمة ومصلحة.

3- إثبات صفة العلم لله تعالى.

4- إثبات صفة العلم لله تعالى.

5- إثبات العلو لله تعالى على خلقه.

6- دليل لمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن منزل غير مخلوق.

7- الرد على من زعم أنه مخلوق، أو أنه قديم بل هو قديم النوع حادث الآحاد.

8- الرد على من قال إنه كلام ملك أو بشر أو غير ذلك.

9-  الرد على من قال إنه خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية.

10- الرد على من قال إنه خاص على النبي صلى الله عليه وسلم كما يقوله طوائف من الفلاسفة.

11- أن السفير بين الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو جبريل عليه السلام.

12- الرد على من قال إن كلام الله هو المعنى النفسي فإن جبريل سمعه من الله والمعنى المجرد لا يسمع.

13- الدليل على أن القرآن نزل باللغة العربية وتكلم الله بالقرآن بها كما يليق بذاته تعالى.

14- التوبيخ للمعترضين والإيماء على أن التبديل لم يكن للهوى بل للحكمة التي اقتضت ذلك.

15- إبطال شبه المعرضين.

16- إثبات صفة الربوبية.

17- أن القرآن نزل بالصدق والعدل.

18- أن القرآن نافع للخلق كل النفع في دينهم ودنياهم، فيه تثبت العقائد وتطمئن القلوب.

19- أن فيه  الهداية من الزيغ والضلالات ففيه ما يهذب النفوس ويكبح جماح الطغيان ويرد الظالم عن ظلمه ويدفع عدوان الناس بعضهم عن بعض.

20- أن فيه بشارة للمسلمين بما سيلقونه من الجنات التي تجري من تحتها الانهار.

21- أن قدح الجاهلية لا عبرة به لأن القدح في الشيء فرع عن العلم به وقدح هؤلاء عن جهل وعناد وهذه عادة الغبي إذا سمع شيئاً لم يفهمه ولم يعلمه قدح فيه فإذا عاب إنسان قولاً صحيحاً فذلك لأنه لم يفهمه وإنما أتى من قبل قريحته وهذا معنى رائع بديع قال تعالى ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾(الاحقاف: من الآية11)، وقال المتنبي أخذاً من هذه الآية:

وكَمْ مِنْ عائب قولاً صَحيحاً ولكن تأخذ الأذهانُ منه

وآفتُه مِن الفَهْم ِالسَّقيمِ على  قدرِ القريحةِ والعُلُوْمِ

أخذه الآخر فقال:

والنجمُ تَسْتَصغِرُ الأبصارُ رُؤْيَتَهُ

والذنبُ لِلطرفِ لا لِلنجم في الصِغرِ

ومما يؤخذ من الآية الكريمة والآية التي بعدها:

22- أن القرآن نزل بالتدريج كما تشعر به صيغة التفعيل في الموضعين:

23- التنويه بروح القدس وهو جبريل عليه السلام المنزه علن الخيانة والكذب.

24- الرد على من أنكر صفة العلم أواولها بتأويل باطل.

25- الرد على من قال إن محمداً سمعه  من الله ولم يسمعه من جبريل.

26- الرد على القدرية النافين لعلم الله.

27- التهديد، والمأخذ من قوله ولقد نعلم إلخ.

28- حكمة الله ولطفه بعباده حيث لم ينسخ آية إلا أتى بخير منها أو مثلها.

29- أن القرآن كلام الله وحروفه ومعانيه خلافاً للمعتزلة.

30- نفي العلم  عن الكفار.

31- أن بعضهم يعلم صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به لكنه مستكبر..

32- أن الذين يعلمون ويصدون ويعارضون فيهم شبه من اليهود  حيث ضلوا على علم وربما كان عذابهم أشد لأن رسولهم أشرف.

33- أن المشركين وصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالإفتراء.

34- ما كان عليه الرسول من الصبر على ما يناله من الأذى في الله.

35- الحث على الصبر كما هو مقام أولو العزم والثبات عليه.

36- عدم تدبر وتفكر المشركين في كلام الله.

37- فيه حث للمشركين واستحقار لهم حيث وصفوا بعدم العلم لأنه يثبت ضده وهو الجهل.

38- أن في القرآن حكماً وأسراراً لا يفهمها ويعمل بها إلا الموفق.

39- وجوب الإيمان بالقرآن سواء فهمنا الحكمة أم لا.

40- في الآية دلالة على صدق الرسول وتبرئته من الإفتراء.

41- إثبات إرادة الله ومشيئته.

42- فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

43- أن القرآن آيات...

44- أن القرآن نزل من الرب جل وعلا.

45- أن القرآن نزل منجماً كما تفيد صيغة " ينزل".

46- دليل على أن الساكت الذي لا ينكر شريك لفاعل المنكر لأن القائل بلسان المقال بعضهم والبقية ساكتون راضون.

47- دليل على وقاحة المشركين وأن الشر كامن في نفوسهم.

48- الحكمة في خلق جهنم للمتمردين المتكبرين.

49- دليل واضح على نسخ القرآن بالقرآن.

5- إثبات أسماء الله.

51- أن الإيمان والإسلام إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر.

52- استحباب البشارة على عمل الخير للحث على الازدياد منه.

53- احتقار الكفار حيث لم يوجه الخطاب لهم.

54- إن القرآن مبين للحق أوضح تبيين فلا يحتاج معه إلى قوانين.

55- الرد على من قال بالقوانين الوضعية والنظم الحالية المخالفة للشرع.

56- أن الإيمان أعلى مرتبة من الإسلام.

57- إن استعمال البشارةهنا على بابها حيث يبشر بالخير والثواب الجزيل.

58- بلاغة القرآن حيث شمل بكلمة واحدة ما لا يحصى وهي قوله وهدى.

59- أن العباد مفتقرون إلى الله بجميع شئونهم.

60- أنهم بأمس الحاجة والافتقار إلى التثبيت.

61- أن القرآن يحث النفس المطئمنة على طلب الخير حيث يبشر به.

62- إن البشارة المذكورة شاملة.

63- بيان عجز الخلق وضيق علمهم وسعة علم الله جل وعلا.

64- رحمة الله ومنته على العباد وعلى العرب خاصة حيث نزل القرآن بلغتهم.

65- حكمة الله حيث جعل القرآن هداية وبشارة للمؤمنين فقط.

66- تدرج الشريعة الإسلامية شيئاً فشيئاً إذ القرآن ينزل شيئاً فشيئاً.

67- قوة حجج القرآن وبراهينه الدامغة للباطل.

68- أن كلام المشركين متناقض حيث قالوا يعلمه أعجمي والقرآن عربي مبين.

69- إن اللغة العربية أشرف اللغات لأنها التي اختارها الله ونزل القرآن بها.

70- أن الله لم يهمل خلقه ولم يتركهم سدى بل أرسل إليهم رسلاً وأنزل كتباً.

71- أن في القرآن تربية عالية وتوجيهات حكيمة شاملة.

72- أن في القرآن قصص الأمم مع رسلهم.

73- أن القرآن نزل مفرقاً بخلاف الكتب السماوية الأخرى.

74- الواجب على الإنسان أن يسلم وينقاد لما قدره الله وقضاه.

75- أن اللغة تسمى لسان.

76- إثبات سمع الله.

77- أمانة جبريل.

مسألة الكلام

افترق الناس في مسألة الكلام على عدة أقوال: أحدها: مذهب الجهمية والمعتزلة: أن القرآن مخلوق.

الثاني: الكلابية وأتباعهم من الأشاعرة: أن القرآن نوعان ألفاظ ومعاني، فالألفاظ مخلوقة وهي هذه الألفاظ الموجودة والمعاني قديمة قائمة بالنفس، وهي معنى واحد لا تبعض فيه ولا تعدد إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وإن عبر عنه  بالسريانية كان إنجيلاً.

الثالث – الكرامية: إنه متعلق بالمشيئة والقدرة قائم بذات الرب وهو حرف وأصوات مسموعة وهو حادث بعد أن لم يكن وأخطأوا في قولهم إن له ابتداء في ذاته.

الرابع- الماتريدية: أن كلامه يتضمن معنى قائماً بذات الله هو ما خلقه في غيره وهذا قول أبي منصور.

الخامس: مذهب الاتحادية: أن الكل كلام الله نظمه ونثره حقه وباطله وسحره وكفره والسب والشتم والهجر والفحش وأضداده كله عين كلام الله تعالى القائم بذاته قال ابن القيم حاكياً كلام الاتحادية:

وأتت طوائف الاتحاد بملة قالوا كلام الله كل كلام هـ نظماً ونثراً زوره وصحيحه فالسب والشتم القبيح وقذفهم والنوح والتعزير والسحر المبـ هو عين قول الله جل جلاله إذا أصلهم أن الإله حقيقة

طمت على ما قال كل لسان ذا الخلق منن جن ومن إنسان صدقاً وكذباً واضح البطلان للمحصنات وكل نوع أغان ين وسائر البهتان والهذيان وكلامه حقاً بلا نكران عين الوجود وعين ذي الأكوان

السادس – مذهب السالمية: أنه صفة قائمة بذات الله لازمة له كلزوم الحياة ولا يتعلق بالمشيئة والقدرة ومع ذلك هو حرف وأصوات وسور وآيات لا يسبق بعضها بعضاً بل مقترنة: الباء مع السين مع الميم في آن واحد لم تكن معدومة في وقت من الأوقات ولا تعدم بل هي لم تزل قائمة بذات الله.

السابع – مذهب الصابئة والمتفلسفة أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من المعاني، إما من العقل الفعال عند بعضهم أو من غيره.

قال ابن القيم رحمه الله في كلام الفلاسفة والقرامطة في كلام الرب:

وأتى ابن سِيْنَا القرِمْطِيُّ مُصَانِعاً فرآه فيضاً من عقل هو الـ حتى تلقاه زكي فاصلٌ فأتى به للعالمين خطابة وخطابُ هذا الخلق والجمهور بالـ ما صَرَّحَتْ أخباره بالحق بَلْ لا يقبلون حقائق المعقول إلـ ومشارب العقلاء لا يردونها فأتوا بتشبيه وتمثيل وتجسـ لكن حقيقة قولها أن قد أتوا والفيلسوف وذا الرسول لديهم أما الرسول فَفَيلَسُوفُ عَوَامِهِم والحق عندهم ففيما قاله ومَضَى على هذي المقالة أمة منهم نصيرُ الكفرِ في أصحابه فاسأل بهم ذا خبرة تلقاهم واسأل بهم ذا خبرة تلقاهم صوفيهم عَبَدَ الوجودَ المطلقَ المـ أو ملحداً بالاتحاد يدين لا التـ الله أكبر كم على ذا المذهب المـ

للمسلمين بإفك ذي بهتان فعال علة هذه الأكوان حَسَنُ النخيلِ جَيدُ التِّبْيَان ومَوَاعِظَاً عريَتْ عن البرهان ـحق الصريح فغير ذي إمكان رَمَزتْ إليه إشارةٌ لِمَعَان لا في مثال الحس والأعيان إلا إذا وضعت لهم بأواني يم وتخيل إلى الأذهان بالكذب عند مصالح الإنسان متفاوتان ونما هما عدلان والفيلسوفُ نبي ذي البرهان أتباع صاحب منطق اليونان خلف ابن سينا فاغتذوا بلبان الناصرين لملة الشيطان أعداءَ كل موحد رباني أعداءَ رسل الله والقرآن عدوم عند العقل في الأعيان وحيد منسلخ عن الإيمان لعون بين الناس من شيخان

قال ابن القيم:

وإذا أردت مجامع الطرق التي فمدارها أصلان قام عليهما هل قوله بمشيئة أم لا وهل أصل اختلاف جميع أهل الأرض في القـ

فيها افتراق الناس في القرآن هذا الخلاف هما له ركنان في ذاته أم خارج هذان رآن فاطلب مقتضى البرهان

رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة:

( وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ  إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:22، 23)، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ (المطففين:23) ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾(يونس: من الآية26)، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (قّ:35) وهذا الباب في كتاب الله كثير، من تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق).

الإيمان برؤية الله في الآخرة هو الاعتقاد الجازم بأن المؤمنين يرون ربهم عياناً بأبصارهم في عرصة القيامة وفي الجنة، ويكلمهم ويكلمونه ومسألة الرؤية من المسائل التي وقع فيها النزاع بين أهل السنة وغيرهم، وقد اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون، والمخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة.

الآية الأولى: يخبر تعالى عن وجوه المؤمنين المخلصين يوم القيامة أنها حسنة بهية مشرقة مسرورة، مما هم فيه من نعيم القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي تنظر إلى ربها عياناً بلا حجاب، قال جمهور العلماء: المراد بذلك ما تواتر به الأحاديث الصحيحة " من أن العباد المؤمنين ينظرون إلى ربهم يوم القيامة كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر".

قال ابن القيم رحمه الله: وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديه بأداة " إلى" الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى خلاف حقيقته، وموضوعه صريح في أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب جل جلاله فإن " النظر" له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله تعالى ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾(الحديد: من الآية13) وإن عدي بفي فمعناه التفكر والاعتبار كقوله ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(لأعراف: من الآية185) وإن عدي بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾(الأنعام: من الآية99) فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر اهـ.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ناساً قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تضارون في القمر ليلة البدر؟" قالوا لا يا رسول الله، قال: " هل تاضرون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: " فإنكم ترونه كذلك" وعن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوساً عن النبي صلى الله عليه وسلم فنظر على القمر ليلة أربعة عشر، فقال: " إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب".

وفي بعض ألفاظه " فستعايون ربكم كما تعاينون هذا القمر".

وسئل مالك عن قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين:15) فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقال الشافعي رضي الله عنه: في الآية دلالة على أن أولياء الله يرونه عياناً ، قال بعضهم:

وقل يتجلى الله للخلق جهرة وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا رواه جرير عن مقال محمد

كما البدر لا يخفى وربك أوضح بمصداق ما قلنا حديث مصرح فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح

ففي هذه الآية:

1- إثبات الربوبية.

2- إثبات الرؤية.

3- أنها خاصة بالمؤمنين.

4- أنها في الدار الآخرة دون الدنيا.

5- الرد على من أنكر الرؤية.

الآية الثانية: يخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا به وصدقوا رسله وعملوا الخير في الحياة الدنيا أنهم في الجنة على الأسرة في حجالها ينظرون على وجهه الكريم وإلى ما أعد لأعدائه الكفار المذنبين.

ويفهم من الآية كالتي قبلها:

1- إثبات الرؤية.

2- فيه ترغيب في الطاعة وحفز لعزائم المحسنين ليزدادوا إحساناً.

3- دليل على جود الله وكرمه.

4- فيها دليل على علو الله تعالى على خلقه.

5- إن الرؤية في الآخرة دون الدنيا.

6- الرد على الجهمية والمعتزلة المنكرين للرؤية.

7- إنها خاصة بالأبرار.

8- أن الجنة حق.

9- فيها دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

الآية الثالثة: يخبر تعالى عن الأعمال الموصلة إلى دار السلام بقوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾(يونس: من الآية26) أي الذين أحسنوا في عبادة الخالق فقاموا بما أوجبه الله عليهم من الأعمال وكفوا عما نهاهم عنه منه المعاصي وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، لهم الحسنى وهي الجنة، وزيادة وهي النظر إلى وجه الله كما فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما عطف الزيادة على الحسنى دل على أنها جزاء آخر وراء الجنة وقدر زائد عليها. واختلف السلف والخلف هل حصلت الرؤية لنبينا صلى الله عليه وسلم، فالأكثرون على أنه لم يره سبحانه وحكاه عثمان بن سعيد الدارمي باجماع الصحابة، قال ابن كثير على قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى  وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (لنجم:12،13) قال رآه بفؤاده مرتين. وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمه قالوا: رأى محمد ربه.

وروي عن عكرمه عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمد بالرؤية، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه. وتحمل الآية على رؤية جبريل عليه السلام، وورد عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال: " نور أنى أراه".

قال ابن القيم رحمه الله: والناس في إثبات الرؤية وعدمها طرفان ووسط فقسم غلوا في إثباتها حتى أثبتوها في الدنيا والآخرة وهم الصوفية وأحزابهم، وقسم نفوها في الدنيا والآخرة وهم الجهمية والمعتزلة، والوسط هم أهل السنة الذين أثبتوها في الآخرة حسبما تواتر به الأدلة.\

الآية الرابعة: أي لهم في الجنة ما يشاؤنه وما تشتهيه أنفسهم من أنواع النعيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (قّ:35) أي وعندنا فوق ذلك وهو النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى كما قال ذلك علي ابن أبي طالب وأنس وجابر رضي الله عنهم وعن جميع الصحابة.

وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾(يونس: من الآية26) قال الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. قال الله تعالى ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ (الأحزاب:44) قال ابغوي تحية المؤمنين يوم يلقونه أي يرون الله سلام أي يسلم عليهم. وقال أبو عبد الله بن بطة سمعت أبا أحمد بن عبد الواحد صاحب اللغة يقول سمعت أبا العباس أحمد بن  يحي ثعلباً يقول في قوله تعالى ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ (الأحزاب: 43، 44) أجمع أهل اللغة على أن اللقاء هنا لا يكون إلا معاينة ونظراً بالأبصار وحسبك بهذا الإسناد صحة واللقاء ثابت بنص القرآن كما تقدم، وبالمتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وكل أحاديث اللقاء صحيحة كحديث أنس في قصة حديث بئر معونة " إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وحديث عبادة وعائشة وأبي هريرة وابن مسعود " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" وحديث أنس " فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله" وفي حديث أبي ذر " لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وحديث أبي موسى " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة" اهـ.

وحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم وفي رواية " ولا ينظر إليهم ... الحديث" رواه مسلم. ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران:77) فمفهوم الآية والحديث أنه تعالى ينظر إلى من عداهم من المؤمنين.

وروى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثل موازيننا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة فسرها الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام وقال غير واحد من السلف في الآية ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة بعد النظر إليه .

ففي الآية:

1- الحث على السعي إلى ما يوصل إلى رضاء للفوز بما ذكر.

2- دليل على صدق وعد الله.

3- دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

4- دليل على وجود الله وكرمه ولطفه بخلقه حيث حثهم على ما يحفز هممهم إلى ما فيه رضاه وفوزهم، قال ابن القيم رحمه الله:

ويرونه سبحانه من فوقهم هذا تواتر عن رسول الله لم وأتى به القرآن تصريحاً وتعر وهي الزيادة قد أتت في يونس وهو المزيد كذاك فسره أبو وعليه أصحاب الرسول  وتابعو ولقد أتى ذكر اللقاء لربنا الـر ولقاؤه إذ ذاك رؤيته حكى الإ وعليه أصحاب الحديث جمعهم هذا ويكفي أنه سبحانه وأعاد أيضاً وصفها نظراً وذا وأتت أداة إلى لرفع الوهم من وإضافة لمحل رؤيتهم بذ

نظر العيان كما يرى القمران ينكره إلا فاسد الإيمان يضاً هما بسياقه نوعان تفسير من قد جاءَ بالقرآن بكر هو الصديق ذو الإتقان هم بعدهم تبعية الإحسان حمن في سور من الفرقان جماع فيه جماعة ببيان لغة وعرفاً ليس يختلفان وصف الوجوه بنظرة بجنان لاشك يفهم رؤية بعينان فكر كذاك ترقب الإنسان كر الوجه إذا قامت به العينان

وقد استدل نفاة الرؤية بقوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾(الأنعام: من الآية103) وبقوله تعالى لموسى ﴿َ لَنْ تَرَانِي﴾(لأعراف: من الآية143) والآية حجة عليهم من وجوه:

(1) أن سؤال موسى الرؤية يدل على إمكانها لأن العاقل فضلاً عن النبي لا يطلب المحال فكيف يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه بل هو عندهم من أعظم المحال.

(2) أنه لم ينكر عليه سؤاله ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال (إني أعظك أن تكون من الجاهلين).

(3) إنه قال (لن تراني) ولم يقل إني لا أرى أو لا يجوز رؤيتي أو لست بمرئي.

(4) قوله ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾(لأعراف: من الآية143) فعلق الرؤية على الممكن ممكن لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق به والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة.

(5) قوله ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ (لأعراف: من الآية143) فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته.

(6) أن الله كلم موسى وناداه وناجاه ومن جاء عليه التكليم والتكلم وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ويرد عليهم أيضاً بما استدلوا به على نفيها وهو قوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾(الأنعام: من الآية103) وذلك من وجه حسن لطيف وهو أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به وإنما يمدح تعالى بالنفي إذا تضمن أمراً وجودياً كمدحه بنفي النسيان وعزوب شيء عن عمله المتضمن كمال علمه وإحاطته ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته، فقوله )لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) لعظمته وجلاله وكماله أي لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه في الآخرة وتفرح به وبالنظر لوجهه الكريم فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية بل يثبتها بالمفهوم فإنه إذا نفي الإدراك الذي هو أ خص أوصاف الرؤية دل على أن الرؤية ثابتة فإنه لو أراد نفي الرؤية لقال لا تراه الأبصار ونحو ذلك فعلم أنه ليس للمعطلة في الآية حجة، وتمسكوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل عن الإسلام، وفيه " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وتعقب بأن المنفي فيه رؤيته في الدنيا لأن العبادة خاصة بها فلو قال قائل إن فيه إشارة إلى جواز الرؤية في الآخرة لما أبعد.

وقال البيهقي: إذا أثبت أن ناظرة هنا بمعنى رائية انقطع قول من زعم أن المعنى ناظرة إلى ثواب ربها لأن الأصل عدم التقدير وأيد منطوق الآية في حق المؤمنين بمفهوم الآية الأخرى في حق الكافرين أنهم عن ربهم لمحجوبون وقيدها بالقيامة إشارة إلى أن الرؤية تحصل للمؤمنين في الآخرة دون الدنيا وقد أخرج أبو العباس السراج عن مالك بن أنس وقيل له يا أبا عبد الله قول الله تعالى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:23) يقول قوم إلى ثوابه فقال كذبوا فأين هم عن قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين:15) .

ومن حيث النظر أن كل موجود يصح أن يرى وهذا على سبيل التنزيل وإلا فصفات الخالق لا تقاس على صفات المخلوقين وتعقب ابن التين من زعم أن الرؤية بمعنى العلم بأن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين تقول رأيت زيداً فقيهاً أي علمته فإن قلت رأيت زيداً منطلقاً لم يفهم منه إلا رؤية البصر ويزيد تحقيقاً قوله في الخبر " إنكم سترون ربكم عياناً" لأن اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم.

وقال ابن بطال ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثاً وحالاً في مكان وأولوا قوله ناظرة بمنتظرة وهو خطأ لأنه لا يتعدى بإلى، وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله موجود والرؤية  في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلق بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي اهـ.

وأما ما روى عمن تأول ذلك بأن المراد بإلى مفرد الآلاء وهي النعم فقد أبعد النجعة وأخطأ فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين:15).

وقال الشافعي رحمه الله: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن المؤمنين يرونه عز وجل، ثم قوله: تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة وهي قوله ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾  اهـ.

وقوله: وهذا الباب في كتاب الله كثير من تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق، يريد باب معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وما يستحقه سبحانه من إفراده بالعبادة وترك عبادة ما سواه فقد أفصح القرآن عنه كل الإفصاح، وأغلب سور القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العملي الخبري. وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دون الله، وهو التوحيد الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد  ومكملاته. وإما خبر إن إكرامه لأهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج من توحيده، والقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي الشرك وأهله وجزائهم.

وقوله: من تدبر القرآن: التدبر التفكر وهو إعمال النظر في الشيء طالباً الهدى أي الرشاد اتضح له الطري واستبان.

قال ابن القيم رحمه الله: إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك واحضر حضور من يخاطبه به من يتكلم به إليه فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله قال تعلى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (قّ:37) وذلك أن كمال التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مقتضي ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه تضمنت الآية بيان ذلك بأوجز لفظ وأبينه على المراد.

وقال في النونية رحمه الله مشيراً إلى ما جناه التأويل على الشريعة من البلايا والمحن والشرور والفتن والمصائب والرزايا المتنوعة على الإسلام وأهله.

هذا وأصل بلية الإسلام من وهو الذي قد فرق السبعين بل وهو الذي قتل الخليفة جامع القرآ وهو الذي قتل الخليفة بعده وهو الذي قتل الحسين وأهله وهو الذي في ويم حربهم أبا حتى جرت تلك الدماء كأنها وغدا له الحَجَّاجُ يسفكها ويقتـ وجرى بمكة ما جرى من أجله وهو الذي أنشأ الخوارج مثل إنـ ولأجله شتموا خيار الخلق بعـ ولأجله سل البغاة سيوفهم ولأجله قد قال أهل الإعتزا ولأجله قالوا بأن كلامه ولأجله قد كذبت بقضائه ولأجله قد خلدوا أهل الكبا ولأجله قد أنكروا لشفاعة المخـ ولأجله ضرب الإمام بسوطهم ولأجله قد قال جهم ليس رب كلا ولا فوق السماوات العلى ما فوقها رب يطاع جباهنا ولأجله جحدوا صفات كماله ولأجله أفنى الجحيم وجنة الـ ولأجله قالوا الإله معطل ولأجله قد قال ليس لفعله ولأجله قد كذبوا بنزوله ولأجله زعموا الكتاب عبارة ولأجله قتل ابن نصر أحمد إذ قال ذا القرآن نفس كلامه وهو الذي جَرَّ ابن سِينَا والأولى فتأولوا خلق السماوت العلى وتأولوا علم الإله وقولُه وتأولوا البعثَ الذي جاءَت به بفراقها لِعَناصر قدْ رُكبت وهو الذي جَرَّ القرامطة الأولى وهو الذي جَرَّ النصير وحزبَه فجرى على الإسلام أعظم محنة وجميعُ ما في الكون من بدع فأساسُها التأويلُ ذُو البطلان لا إذْ ذّاكَ تفسيرُ المرادِ وكشفُه قد كان أعلم خلقه بكلامه يتأوَّلُ القرآن عند ركوعه هذا الذي قالته أم المؤمـ فانظرْ إلى التأويل ما تعني به أتظنها تعني به حَرْفاً عن المْـ وانظر إلى التأويل حين يقول علـ ماذا أراد به سوى تفسيره قول ابن عباس هو التأويل لا وحقيقة معناه الرجوع وكذاك تأويل المنا حقيقة المر وكذاك تأويل الذي قد أخبرت نفس الحقيقة إذ تشاهدها لدى لا خلف بين أئمة التفسير في هذا كلام الله ثم رسوله تأويله هو عندهم تفسيره ما قال منهم قط شخص واحد كلا ونفسي الحقيقة لا ولا تأويل أهل الباطل المردود عنـ وهو الذي لاشك في بطلانه فجَعَلتم للفظ مَعْنَىً غير معنا وحَمَلتم لفظ الكتاب عليه حتـ كذب على الألفاظ مع كذب على وتلاهما أمران أقبح منهما إذ يشهدون الزور أن مراده

تأويل ذي التحريف والبطلان زادت ثلاثاً قول ذي البرهان ن ذي النورين والإحسان أعني علياً قاتل الأقران فغدوا عليه ممزق اللحمان ح حمى المدينة معقل الإيمان في يوم عيد سنة القربان ل صاحب الإيمان والقرآن من عسكر الحجاج ذي العدوان شاء الروافض أخبث الحيوان د الرسل بالعدوان والبهتان ظنَّاً بأنَّهُمُ ذوو إحسان ل مقالة هدت قوى الإيمان سبحانه خلق من الأكوان شبه المجوس العابدي النيران ئر في الجحيم كعابدي الأوثان ـتار فيهم غاية النكران صديق أهل السنة الشيبان العرش خارج هذه الأكوان والعرش من رب ولا رحمن تهوي له بسجود ذي خضعان والعرش أخلوه من الرحمن مأوى مقالة كاذب فتان أزلاً بغير نهاية وزمان من غاية هي حكمة الديان نحو السماء بنصف ليل ثان وحكاية عن ذلك القرآن ذاك الخزاعي العظيم الشان ما ذاك مخلوق من الأكوان قالوا مقالته على الكفران وحدوثها بحقيقة الإمكان وصفاتِه بالسُّلْبِ والبطلان رسلُ الإلهِ لِهذه الأبدان حتى تعودَ بسيطة الأركان يَتَأوَّلونَ شَرايعَ الإيمان حتى أتوا بعساكر الكفران وخمارها فينا إلى ذا الآن وإحداث تخالفُ موجبَ القرآن تأويلُ أهلِ العلم والإيمان وبيان مَعنَاهُ إلى الأذهان صلى عليه الله كل أوان وسجوده تأويلَ ذي برهان نين حكاية عنه لها بلسان خيرُ النساءِ وأفْقَهُ النسوان عنى القَوِيِّ لغير ذِي رُجْحَانِ ـمه لعبد الله في القرآن وظهور معناه له ببيان تأويل جهمي أخي بهتان ع إلى الحقيقة لا إلى البطلان ئي لا التحري بالبهتان رسل الإله به من الإيمان يوم المعاد برؤية وعيان هذا وذاك واضح البرهان وأئمة التفسير للقرآن بالظاهر المفهوم للأذهان تأويله صرف من الرجحان عزل النصوص عن اليقين فذان د أئمة العرفان والإيمان والله يقضي فيه بالبطلان ه لديهم باصطلاح ثان ى جاءكم من ذاك محذوران من قالها كذبان مقبوحان جحد الهدى وشهادة البهتان غير الحقيقة وهي ذو بطلان

فوائد

بين السابق واللاحق

1- حد التوحيد: علم العبد واعترافه واعتقاده، إيمانه بتفرد الرب بكل صفة كمال وتوحيد في ذلك واعتقاده أنه لا شريك له في كماله وأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. ومنزلة علم التوحيد من بين العلوم أنه أجلها وأشرفها وهو معرفة الله بأسمائه في صفاته وأفعاله.

2- أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات ، وتوحيد الألوهية.

3- توحيد الربوبية: هو اعتقاد العبد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير الذي ربى جمع الخلق بأصناف النعم وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة والأعمال الصالحة.

4- توحيد الأسماء والصفات: هو اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة ويقال لهذا النوع التوحيد القولي الاعتقادي.

5- توحيد الألوهية هو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده، ويقال لهذا النوع توحيد العبادة والتوحيد الفعلي وسمي فعلياً لتضمنه لأفعال القلوب والجوارح كالصلاة والزكاة والحج، وهذا النوع هو الذي دعت إليه الرسل وأنزل به الكتب، قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾(النحل: من الآية36) وقال ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾(لأعراف: من الآية65) وقال ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾(لأعراف: من الآية73)، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾(لأعراف: من الآية85) ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾(العنكبوت: من الآية16) وقال يوسف ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾(يوسف: من الآية40)، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾(المؤمنون: من الآية23) فكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه يقول يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره فهذه دعوة الرسل من أولهم نوح عليه السلام إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.

وأكمل الناس توحيداً هم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والمرسلون منهم أكمل في ذلك وأولوا العزم أكمل الرسل وأكمل أولو العزم الخليلان محمد وإبراهيم فإنهما قاما بما لم يقم به غيرهما علماً ومعرفة وحالاً ودعوة للخلق  وجهاداً فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ودعوا إليه وجاهدوا الأمم عليه ولهذا أمر الله نبيه أن يقتدي فيه كما قال تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾(الأنعام: من الآية90).

قال شيخ الإسلام رحمه الله: عموم خلقه وربوبيته وعموم إحسانه وحكمته أصلان عظيمان في الكتاب والسنة والنصوص الدالة عليهما شيء كثير وجميع الكائنات آيات له شاهدة مظهرة لما هو مستحق من الأسماء الحسنى والصفات العليا وعن مقتضى أسمائه وخلقه الكائنات وكما علينا أن نشهد ربوبيته وتدبيره العام المحيط وحكمته ورحمته فعلينا أن نشهد ألوهيته العامة، فإنه ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾(الزخرف: من الآية84) إله في السماء وإله في الأرض ونشهد أن كل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه فإنه باطل إلا وجهه الكريم وكما نشهد أنها كلها مفتقرة إليه في مبدئها نشهد أنها مفتقرة إليه في منتهاها وإلا كانت باطلة والكائنات ليس لها من نفسها شيء بل هي عدم محض ونفي صرف وما بها من وجود فمنه وبه ثم إنه إليه مصيرها ومرجعها وهو معبودها وربها ولا يصلح أن يعبد إلا هو كما لم يخلقها إلا هو لما هو مستحقة في نفسه ومتفرد به من نعوت الإلهية التي لا شريك له فيها ولا سمي له وليس كمثله شيء وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن الذي ليس دونه شيء وهو معنا أينما كنا ونعلم أن معيته مع عباده على أنواع وهو فيها درجات وكذلك ربوبيته لهم وعبوديتهم التي هم بها متعبدون له وكذلك ألوهيتهم إياه وألوهيته لهم وعبادتهم التي هم بها عابدون وكذلك قربه منهم وقربهم منه.

6- أركان توحيد العبادة اثنان الإخلاص والصدق، فالأول توحيد المراد فلا يزاحمه مراد والثاني توحيد الإرادة ببذل الجهد والطاقة في عبادة الله وحده لا شريك له.

قال ابن القيم رحمه الله:

هذا وثاني نوعي التوحيد تو أن لا تكون لغيره عبداً ولا والصدق والإخلاص ركنا ذلك وحقيقة الإخلاص توحيد المرا والصدق توحيد الإرادة وهو بذ والسنة المثلى لسالكها فتو فلواحد كن واحداً في واحد

حيد العبادة منك للرحمن تعبد بغير شريعة الإيمان التوحيد كالركنين للبنيان د فلا يزاحمه مراد ثاني ل الجهد لا كسلاً ولا متوان حيد الطريق الأعظم السلطان أعني طريق الحق والإيمان

7- ضد توحيد الربوبية أن يجعل له شريك أو يجعل لغيره وتدبيره فالربوبية منه لعباده والتأله من عباده له.

8- ضد توحيد الأسماء والصفات أمران التعطيل والتشبيه، فمن نفى صفاته تعالى وعطلها ناقص تعطيله توحيده وكذبه من شهده بخلقه ناقض تشبهه توحيده وكذبه.

9- ضد توحيد الألوهية أمران أولاً: الإعراض عن محبته تعالى والإنابة إليه والتوكل عليه، ثانياً: الإشراك به واتخاذ أولياء شفعاء من دونه.

10- بين أنواع التوحيد الثلاثة تلازم، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية والعبادة فهو منه كالمقدمة من النتيجة، فإنه إذا علم أنه سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته كانت العابدة حقه الذي لا ينبغي إلا له فإنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان رباً خالقاً مالكاً مدبراً وما دام ذلك له وجب أن يكون هو المعبود وحده الذي لا يجوز أن يكون لأحد معه شركة في شيء من صور العبادة كلها ولهذا جرت سنة القرآن على سوق آيات الربوبية ثم الخلوص منها إلى الدعوة إلى توحيد الألوهية فيجعل الأولى برهاناً على الثانية كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:21) وكما في قوله: ﴿َمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾(النمل:60) الآيات الثلاث وأما توحيد الإلهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية ومعنى كونه متضمناً له أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الإلهية فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئاً لابد أن يكون قد اعتقد أن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب له غيره ولا مالك له سواه فهو يعبده لاعتقاده أن أمره كله بيده وأنه هو الذي يملك ضره ونفعه وأن كل ما يعدي من دونه فهو لا يملك لعابديه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

وأما توحيد الأسماء والصفات وأنه شامل للنوعين فهو يقوم على إفراد الله سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له ومن جملتها كونه رباً واحداً لا شريك له في ربوبيته وكونه إلهاً واحداً لا شريك له في إلهيته فاسم الرب لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق فله وحده الربوبية المطلقة الشاملة لجميع خلقه وكذلك اسم الجلالة (الله) لا يطلق إلا عليه وحده فهو ذو الألوهية على جميع خلقه ليس لهم إله غيره فهذه الأنواع الثلاثة متكافئة متلازمة يكمل بعضها بعضاً، ولا ينفع أحدها بدون الآخرين، فكما لا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الإلهية فكذلك لا يصح توحيد الإلهية بدون توحيد الربوبية، فإن من عبد الله وحده ومل يشرك به شيئاً في عبادته ولكنه اعتقد مع ذلك أ ن لغيره تأثيراً في شيء أو قدرة على ما لا يقدر عليه إلا الله أو أنه يملك ضر العباد أو  نفعهم ونحو ذلك، فهذا لا تصح عبادته، فإن أساسها الإيمان بالله رباً له شئون الربوبية كلها وكذلك من وحد الله في ربوبيته وإلهيته ولكنه ألحد في أسمائه فلم يثبت له ما دلت عليه تلك الأسماء من صفات الكمال أو أثبت لغيره مثل صفته لم ينفعه توحيده في الربوبية والإلهية فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة.

11- الكلام في باب التوحيد والصفات من باب الخير الدائر بين النفي والإثبات والكلام في الشرع والقدر والإرادة الدائر بين الإرادة والمحبة وبين الكراهة والبغض نفياً وإثباتاً، قال الشيخ فلابد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال وينفي عنه ما يجب نفيه مما يضاد هذه الحال ولابد له في أ حكامه أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم مشيئته ويثبت أ مره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل ويؤمن بشرعه وقدره إيماناً خالياً من الزلل، وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول اهـ.

12- وما ينزه عنه الله ينقسم إلى قسمين: متصل ومنفصل نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من كل ما يضاد الصفات الكاملة وضابط المنفصل تنزيه الله عن أن يشاركه أحد من الخلق في شيء من خصائصه التي لا تكون لغيره ومما ينزو الله عنه جهة السفل أو جهة تحيط به.

13- مثال المتصل مما ينزه عنه الله، النوم والإعياء والتعب واللغوب والموت والجهل والظلم والغفلة والنسيان والسنة.

14- مثال المنفصل مما ينزه عنه الله: الزوجة والولد الشريك والكفو والظهير والشفيع بغير إذن الله والولي من الذل.

15- قال الشيخ: يجب أن يعلم أن الكمال ثابت لله بل الثابت له أقصى ما يمكن من الأكملية بحيث لا يكون وجود كما لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تععالى يستحقه بنفسه المقدسة وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل ثبوت القدرة يستلزم نفي العجز وإن الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية مع دلالة السمع على ذلك.

16- وقال: وثبوت المعنى الكمال لله قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى فما في القرآن من إثبات الحمد له وتفصيل محامده وأنه له المثل الأعلى وإثبات معاني أسمائه ونحو ذلك  دال  على هذا المعنى وقد ثبت لفظه الكامل في تفسير ابن عباس للصمد أن الصمد المستحق للكمال وهو السيد الذي كمل في سؤدده والعليم الذي كمل في علمه والعظيم الذي كمل في عظمته وهكذا سائر أسمائه الحسنى على هذا المنوال وهذا المعنى هو المستقر في فطر الناس فكا أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأكمل من كل شيء.

17- أسماء الله جل جلاله وعلا كلها حسنى لدلالتها على أحسن مسمى ومثالها: الله االحي القيوم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر.

18- أركان الإيمان بالأسماء الحسنى ثلاثة: الإيمان بالاسم وبما دلي عليه المعنى وبما تعلق به من الآثار، مثال ذلك أن تؤمن بأنه رحيم هذا الاسم وذو رحمة هذا المعنى وأنه يرحم من يشاء هذا الأثر قدير ذو قدرة يقدر على كل شيء عليم ذو علم يعلم كل شيء وهلم جراً.

قال ابن القيم رحمه الله:

19- الأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاؤها لآثارها من الخلق والتكوين فلكل صفة عبودية خاصة هي منن موجبات العلم بها والتحقيق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية فعلم العبد بتفرد الرب بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً ولوازم التوكل ظاهراً وهكذا بقية الصفات علم العبد بها يثمر من أنواع العبودية ما يناسب ذلك وقال التوحيد مفزع أعدائه وأوليائه، فأما أعداؤه فينجيهم من ركب الدنيا وشدائدها وأما أولياؤه فيجنبهم من كرب الدنيا والآخرة وشدائدها فلا يلقى في الكرب العظام إلى الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد.

وقال رحمه الله: الرب يدعو عباده إلى معرفته من طريق تدبر آياته المتلوة فإن القرآن قد حوى من تفاصيل معرفة الله بأسماه وصفاته شيئاً عظيماً ويدعوهم إلى النظر في مفعولاته فإنها دالة على أفعاله والأفعال دالة على الصفات فإن المفعول يدل على فاعل فعله وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معدوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة ثم ما في المعفولات من التخصيصات المتنوعة دالة على إرادة الفاعل وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحداً غير متكرر وما فيها من المصالح  والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على  رحمته وما فيها من البطش وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته وما فيها من البطش والعقوبة والانتقام دال على غضبه وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على بغضه ومقته وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى نهايته وتمامه دال على وقوع المعاد وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة دليل على صحة النوبة وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل عآ أمعطي تلك الكمالات أحق بها فمفعولاته من أدل شيء على صفته وأصدق ما أبر به رسله عنه.

وقال آيات الله التي دعا العباد إلى النظر فيها دالة عليه بأول النظر دلالة يشترك فيها كل سليم العقل والحاسة وأما أدلة هؤلاء الفلاسفة ونحوه فخيالات وهمية وشبه عسرة المدرك بعيدة التحصيل متناقضة الأصول غير مؤدية إلى معرفة الله ورسله والتصديق بها مستلزم للكفر وجحد ما جاءت به رسله ولا يصدق بهذا إلا من عرف ما عند هؤلاء وما عند هؤلاء ووازن بين الأمرين.

20- أسماء الله من قبيل المحكم لأن معانيها واضحة في لغة العرب وإنما الكنه والكيف مما استأثر الله بعلمه.

21- إن الوصفية فيها لا تنافي العلمية بخلاف أوصاف العباد وكل أسماء الله دالة على معانيها وكلها أوصاف مدح.

22- إن أسماء الله توقيفية ومعنى ذلك أنه لا يتجاوز بها الوارد في الكتاب والسنة فهي تتلقى من طريق السمع لا بالآراء فلا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

23- أسماء الله من قبيل المترادف بالنظر إلى الذات لدلالته على مسمى واحد وبالنظر إلى الصفات من قبيل المتباين لأن كل صفة غير الأخرى.

24- إن  أسماء الله ليست محصورة بعدد معروف وأما الحديث الوارد في أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة فلا يفيد أنها محصورة بذلك وإنما غايته أن هذه الأسماء موصوفة بأن من أحصاها دخل الجنة.

25- مراتب إحصاء الأسماء الحسنى ثلاث: حفظها وفهمها ودعاء الله بهاء دعاء مسألة ودعاء عبادة.

26- إحصاء أسماء الله الحسنى والعلم بها اصل للعمل بكل معلوم لأن المعلومات القدرية والشرعية صادرة عن أسماء الله وصفاته ولهذا كانت في غاية الإحكام والإتقان والصلاح والنفع.

27- أنواع دلالة الأسماء الحسنى ثلاثة دلالة مطابقة إذا فسرنا الاسم بجميع مدلوله، ودلالة تضمن إذا فسرناه ببعض مدلوله ودلالة، التزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها، مثال ذلك لفظة " الرحمن" دلالتها على الرحمة والذات دلالة مطابقة وعلى أحدهما دلالة تضمن لأنها داخلة بالضمن ودلالتها  على الأسماء التي لا توجد الرحمة إلا بثبوتها كالحياة والعلم والقدرة ونحوها دلالة التزام.

28- ينبغي لمن أراد أن يسأل الله بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله حتى كأن الدعي يستشفع إليه متوسلاً به مثال ذلك طالب المغفرة يا غفار اغفر لي وطال الرحمة يقول يا رحمن ارحمني وطالب التوبة يقول يا تواب تب علي وهلم جرا.

29- إذا كان الاسم منقسماً إلى مدح وذم لا يدخل بمطلقه في أسماء الله وذلك كالمريد والصانع والفاعل فهذه ليست من أسماء الله الحسنى لانقسامها إلى محمود ومذموم بل يطلق عليه منها كمالها.

30- لا يلزم من اتحاد الاسمين تماثل مسماها فإن الله سمى نفسه بأسماء تسمى بها بعض خلقه فلا يلزم من ذلك التشبيه وكذلك وصفه نفسه بصفات وصف بها بعض خلقه فلا يلزم من ذلك التشبيه، مثال ذلك أنه تعالى وصف بالسمع والبصر والعلم القدرة واليد والوجه والرضى والغضب ووصف بذلك بعض خلقه ولكن ليس السميع كالسميع وال البصير كالبصير فصلات كل موصوف تناسب ذاته وتليق به ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق لأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

31- الأسماء المزدوجة المتقابلة لها ميزة عن غيرها، ذلك المانع المعطي الضار النافع المعز المذل الباسط الخافض الرافع، فهذه لا يطلق واحد منها بمفرده على الله ولكن يكون مقروناً مع الآخر والحكمة في ذلك أن في إفرادها ما يوهم نوع نقص تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ولأن الكمال الحقيقي تمامه وكماله من اجتماعهما.

32- صفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات ذات، وصفات فعل، وضابط صفات الذات هي التي لا تنفك عن الله، وضابط صفات الفعل هي التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.

33- مثال صفات الذات: النفس العلم الحياة القدرة السمع البصر الوجه اليد الرجل الملك العظمة الكبرياء العلو الأصبع العين الغنى القدم الرحمة الحكمة القوة العزة الخبرة الوحدانية الجلال ، وهي التي لا تنفك عن الله.

34- مثال صفات الفعل الاستواء النزول الضحك المجيء الفرح الرضى الحب الكره السخط والإتيان والمقت والأسف وهذه يقال لها قديمة النوع حادثة الآحاد ويصلح أن تقول قبلها إذا شاء.

35- مثال آيات الصفات: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ (الرحمن:27)، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾(المائدة: من الآية64)، ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾(طـه: من الآية39) ، ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾(المجادلة: من الآية14) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طـه:5)، ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾(المائدة: من الآية54)، ﴿ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ ﴾(التوبة: من الآية46).

36- مثال أحاديث الصفات: قوله صلى الله عليه وسلم " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" ، " لله أشد فرحاً بتوبة عبده"، " يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة"، " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة" " عجب ربنا من قنوط عباده".

37- القول في الصفات لا يخالف القول في الذات فكما أن لله ذاتاً لا تتشبهها الذوات فله صفات لا تشبهها الصفات فالصفات فرع الذات يحذى بها حذوها. قال بعضهم: إذا قال لك  السائل كيف ينزل أو كيف استوى أو كيف يعلم أو كيف يتكلم ويقدر ويخلق فقل له كيف هو في نفسه فإذا قال أنا لأعلم كيفية ذاته فقل له وأنا لا أعلم كيفية صفاته فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف. فإثباتنا الصفات إثبات بلا تكييف ولا تمثيل ولا تطيل.

38- وقال الشيخ رحمه الله: لا نعرف ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه فنحن نعرف أشياء بحسب الظاهر أو الباطن وتلك معرفة معينة مخصوصة ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد فيبقى في أذهاننا قضايا كلية عامة ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعاً وشبعاً ورياً وحباً وبغضاً ولذة وأملا وسخطاً ورضا لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك وذلك لو لم نشاهد موجوداً لم نعرف وجود الغائب عنا فلا بد فيما شهدناه وغاب عنا من قدر مشترك لنفهم الغائب.

39- وقال في شرح الطحاوية:

واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها ويكون بينهما قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى وإلا فلا يمكن تفهيم المخخاطبين هذا قط.

وقال فالمخاطب إذا أراد بيان معاني فلا يخلو إما أن يكون مما أدركهها المخاطب المستمع باحساسه وشهوده أو بمعقوله وإما أن لا يكنون كذلك فإن كان من القسمين الأولين لم يحتج إلى معرفة اللغة بأن يكون قدر عرف معاني الألفاظ المفردة ومعنى التركيب فإذا قيل له بعد ذلك ( ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين) ونحو ذلك فهم المخاطب بما أدركه بحسه وإن كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه ولا بحيث صار معقول كل يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ بل هي مما لا يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة فلابد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب ولكما كان التمثيل أوقى كان البيان أحسن والفهم أكمل.

فالرسول صلى الله عليه وسلم لما بين لنا أموراً لم تكن معروفة قل ذلك وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني وجعلها أسماء لها فيكون بينهما قدر مشترك كالصلاة والزكاة والصيام والإيمان والكفر وكذلك لما أخبر بأمور تتعلق بالإيمان بالله واليوم الآخر وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني والمعاني المشهودية التي كانوا يعرفونها وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يتعلم به حقيقة المراد كتعليم الصبي كما قال ربيعة بين أبي عبد الرحمن:

الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم.

40- الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة، قسمان يقولون تجرى على ظاهرها فقسم قالوا تجرى على ظاهرها اللائق بالله من غير تشبيه وهؤلاء هم السلف الصالح.

والقسم الثاني المشبهة الذين غلوا في الإثبات وقالوا تجعل كصفات لمخلوقين ومذهبهم باطل أنكره السلف.

وقسمان ينفيان ظاهرها وهم الجهمية ومن تفرع عنهم فقسم منهم يؤولونها بمعان أخر.

وقسم يقولن الله أعلم بما أراد منها..

وقسما واقفان فقسم يقولون يجوز أن يكون المراد اللائق بالله ويجوز أن لا يكون المراد صفة لله وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقادير والصواب في آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة السلفية. وهذا أمر واضح لا يخفى إلا على من عمتت بصريته.

كما قيل:

والحق شمس والعيون نواظر والقلب يعمى عن هداه كمثل ما

لا تختفي إلا على العميان تعمى وأعظم هذه العينان

41- الواجب في آيات الصفات وأحاديثها التصديق بها وإثباتها وأمرارها كما جاءت من غير تحريف ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف.

42- الأشاعرة يثبتون من الصفات سبعاً وينفون ما عداها وهي المذكورة في بيت:

له الحياة والكلام والبصر

سمع إرادة وعلم واقتدر

43- قال الشيخ رحمه الله: أهل البدع من الجهمية ونحوهم في تحريفهم لنصوص الصفات ارتكبوا أربع عظائم ردهم لنصوص ا لأنبياء وردهم لما يوافق ذلك من عقول العقلاء وجعل ما خالف ذلك من أقوالهم المجملة الباطلة أصول الدين أو تكفيرهم أو تفسيقهم أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة  المخالفة للعقل والنقل.. وأما أهل العلم والإيمان فهم على نقيض هذه الحال يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه وإليه يرد ما تنازع الناس فيه فما وافقه كان حقا؟ً وما خالف كان باطلاً ومن كان قصده متابعته من المؤمنين وأخطأه بعد اجتهاده الذي استفرغ فيه وسعه غفر الله له خطأه في المسائل العلمية الخبرية أو المسائل العملية.اهـ.

44- مذهب الجهمية في التوحيد هو نفي جميع الأسماء والصفات، والرد عليهم بأن يقال بأنه يلزم من نفي الأسماء والصفات العدم فكل موجود لابد له من صفات فلا يوجد ذات مجردة عن الصفات.

ومذهب المعتزلة هو نفي جميع الصفات وإثبات الأسماء والرد عليهم أن يقال القول في الصفات كالقول في الأسماء فإذا كان يمكن إثبات الأسماء لله بدون تشبيه فكذلك الصفات، ومذهب الأشاعرة إثبات الأسماء مع بعض الصفات والرد عليهم أن يقال : القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر فإذا كان يمكن إثبات بعض الصفات دون تشبيه فكذلك البعض الآخر.

45- النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب وأمراض القلب نوعان مرض شبهة ومرض شبهة وكلاهما مذكور في القرآن، قال تعالى ﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ ﴾(الأحزاب: من الآية32) فهذا مرض الشهوة وقال تعالى ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ﴾(البقرة: من الآية10) وقال ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ﴾(التوبة: من الآية125) فهذا مرض الشبهة وهو أردأ من مرض الشهوة  إذ مرض الشبهة يجرى له شفاء بقضاء الشهوة ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتداركه الله برحمته والشبهة التي في مسألة الصفات نفيها وتشبيهها وشبهة النفي أردأ من شبهة التشبيه  فإن شبهة النفي رد وتكذيب لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وشبهة التشبيه غلو ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وتشبيه الله بخلقه كفر فإن الله تعالى قال " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الشورى: من الآية11) وهذا أصل نوعي التشبيه فإن التشبيه نوعان تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا يتعب أهل الكلام في رده وإبطاله وأهله في الناس أقل من النوع الثاني الذين هم أهل التشبيه أي تشبيه المخلوق بالخالق كعباد المشايخ وعزير والمسيح والشمس والقمر والأصنام وغير ذلك وهؤلاء هم الذين أرسلت إليهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. انتهى شرح الطحاوية.

وقال الشيخ رحمه الله: ذم السلف والأئمة للكلام وأهله متناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة أو استدل على المقالات الباطلة فأما من قال الحق الذي أذن الله فيه حكماً ودليلاً من أهل العلم والإيمان ﴿ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾(الأحزاب: من الآية4)  وأما مخاطبة أهل الإصطلاح باصطلاحاتهم ولغتهم فليس بمكروه وإذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه.

46- قال بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف بل ولا يعرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلق أعلم وأحكم وهذا القول خطأ ومنشأ خطئه من أمرين أولا جهله بطريقة السلف وادعاؤه أن طريقتهم هي التفويض. ثانياً جهله وخطؤه في تصويب طريقة الخلق، أما جهله بطريقة السلف فإنه ظن أن طريقتهم هي الإيمان بمجرد ألفاظ نصوص الصفات بدون فهم لمعانيها وحقيقة طريقتهم هي العلم بمعانيها والتصديق بها ت صديقاً لا يتطرقه الشك وعدم التعرض لها بالتحريف والتكييف والتشبيه : وأما جهله وخطؤه في تصويب طريقة الخلف فإنه ظن أن الخلف هم الذين بحثوا وفهموا المعاني المجازية والغرائب والشواذ التي لا تقتضي التشبيه وصرفوا النصوص عن ظواهرها إلى تلك المعاني كقولهم استوى استولى، واليدين القدرة، والتكليم التجريح، والرحمة إرادة الإنعام والغضب  إرادة الانتقام ونحو ذلك من تأويلاتهم الفاسدة.

والحقيقة هي أن الخلف إنما بحثوا عن معان لم يردها الله ولا رسوله ولا تتفق مع لغة العرب وحرفوا من أجلها النصوص عن معانيها الحقيقة التي أرادها الله ورسوله منها والتي لا تقتضي تمثيل صفات الله بصفات خلقه بوجه من الوجوه، سبب خطئه في فهم مذهب السلف وتصويبه لمذهب الخلف هو اعتقاده أنه ليس في الواقع صفة دلت عليها النصوص بسبب شبهات عقلية عرضت له ولغيره من المعطلة وهي ترجع إلى  أن إثبات الصفات يقتضي التشبيه كما أن  بعضهم يبقى مذبذباً بين الطريقتين على  حسب فهمه عنهما.

47- أهل البدع كل صنف منهم يقلب أهل السنة بلقب افتراه يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم بألقاب افتروها فالروافض تسميهمم نواصب والقدرية يسمونهم مجبرة والمرجئة تسميهم شكاكا والجهمية تسميهم مشبهة وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت وغثاء وغثراء إلى أمثال ذلك كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم تارة منونا وتارة شاعرا وتارة كاهنا وتارة مفتريا قالوا فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة قالوا فإن السنة هي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتقاداً واقتصادا وقولا وعملاً فكما أن المنحرفين عنه يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة فكذلك التابعون له على بصيرة الذين أولى الناس به في الحياة والممات باطنا وظاهرا اهـ.

قال ابن القيم رحمه الله:

فَرَموهُمُوا  بغياً بِمَا الرَّامي به يَرمي البَرِيءَ بِمَا جَنَاهُ مُبَاهِتاً سَمُّوهُمُو حَشَوِيَّةً ونَوابِتَاً وكذاك أعداءُ الرسولِ وصحبِهِ نصبُوا العَدَاوَة َلِلصَّحابة ثم سَمَـ وكذا المُعَطِّلُ شَبَّهَ الرحمنَ بالمـ وكذاك شبه قوله بكلامنا

أولَى لِيَدْفَعَ عنه فِعلَ الجانِي ولذلك عند الغُرِّ يَشتَبِهانِ ومُجَسِّمِيْنَ وعَابِدي أوْثانِ إنَّ الروافضَ أَخبَثُ الحَيوان موا بالنواصِبِ شِيعَةَ الرحمن ـعدوم فاجْتَمَعَتْ له الوصفان حتى نفاه وذان تشبيهان

48- من الأدلة المبطلة للحكم بأن الخلف أعلم وأحكم في أسماء الله وصفاته وذاته وآياته ما يلي:

أولاً: اضطراب الخلف في مباحث الإيمان بالله وإقرارهم على أنفسهم بالحيرة في ذلك وبالندم على ما اعتقدوه في الله لما تبين لهم تناقضه دليل على أنهم ليسوا أعلم من السلف أهل العلم واليقين والثبات وذلك واضح من أقوال أئمتهم وأذكيائهم.

ثانياً: إن السلف هم الذين ورثوا الرسول صلى الله عليه وسلم وقاموا بالدين علماً ودعوة وجهاداً والخلف إنما ورثوا الأوهام الفلسفية والمجوس والنصارى واليهود وخيالاتهم وشكوكهم.

ثالثاً: إن طريقة السلف يشهد لها العقل والنقل بخلاف طريقة الخلفة فإنما يشهدان عليها بالبطلان.

49- سبب ظهور البدع والتحريم وكثرة التأويل والقيل والنزاع في الدين هو الإصغاء إلى شبه المبطلين والخوض في الكلام المذموم الذي عابه السلف ونهوا عنه وعن النظر فيه والإعراض عن الكتاب والسنة.

وتحكيم العقل والرأي واتباع الهوى ودعاة الباطل وعدم الرد عليهم وبث كتبهم المودعة من سمومهم القاتلة للأرواح.

50- وجه الشبه بين المنافقين الذين قال الله فيهم ﴿َلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا﴾(النساء: من الآية60) وبين المتكلمين والمتفلسفة هو أن كلا منهم تحاكموا إلى غير الله فالمنافقون تحاكموا إلى طواغيتهم والمتكلمون حكموا عقولهم، ثانياً أن كلا منهم يريد التوفيق فالمنافقون يريدون التوفيق بين الكافر والمسلم وأهل الفلسفة والمتكلمون يريدون التوفيق بين العقل النقل، ثالثاً أن كلا منهم يدعي أنه محسن في عمله. رابعاً أن كلا منهم معرض عن الكتاب والسنة.

خامساً أن كلا منهم يظهر أنه مطيع لله ولرسوله وهو كاذب. سادساً اتفاقهم من حيث خطرهم على الدين وأهله ودسهم على الدين من حيث يأمن الناس سادساً: أن كلا منهم قصده سيئ وهو القدح في الشريعة المطهرة. سابعاً أن كلا منهم لم يغن عنه سمعه ولا بصره ولا فؤاده شيئاً ينفعه.

51- قال الشيخ رحمه الله: والله خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فصلاح العباد  وقوامهم بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة وهؤلاء الفلاسفة بدلوا وغيروا فطرة الله وشرعته خلقه وأمره وأفسدوا اعتقادات الناس وإرادتهم إدراكهم وحركاتهم قولهم وعملهم وأمروهم أن يتركوا الفطرة الربانية والعلوم النبوية ويمحوا من قلوبهم ذلك ويستبدلوا به العلوم الفلسفية المخالفة للعقل والنقل.

52- سبب ضلال من ضل في أصول الدين تفريطهم في اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته فما أعرضوا عن الكتاب والسنة ضلوا قال الله تعالى ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طـه:123،124). وقال الشيخ بعد أن ذكر نصوصاً كثيرة من القرآن في الأمر بالرجوع إلى القرآن في كل ثم قال فهذه النصوص وغيرها تبين أن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان الحق من الباطل ونبيان ما اختلف فيه الناس وأن والواجب على الناس اتباع ما أنزل إليهم من ربهم ورد ما يتنازعون فيه إلى الكتاب والسنة وأن لم يتبع ذلك كان منافقاً وأن من اتبع الهدى الذي جاءت به الرسول فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذلك حشر ضالاً شقياً معذباً وأن الذين فارقوا دينهم قدر برئ الله ورسوله منهم.

53- لا يحتاج المسلم إلى قواعد أهل الكلام واصطلاحاتهم في الاستدلال بل يقع بسببها في شكون وشبه يحصل له بها حيرة وضلال وريبة فإن  التوحيد إنما ينفع إذا سلم القلب من هذه الأمراض وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتاه الله به.

54- قال ابن القيم: لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربى فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يروها منكراً إلخ.

55- قال في كتاب دعوة التوحيد.

يلجأ النفاة لصفات الله عز وجل إلى بعض الحجج التي يدعمون بها مذاهبهم في النفي ونحن نذكر هنا أقوى حججهم ونرد عليها:

قالوا: إن الدليل العقلي دل على استحالة تلك الظواهر فلو اعتقدناها كان ذلك مكابرة وإن أنكرناها كان ذلك  تكذيباً بالشرع فوجب إزالة للتعارض تأويلها بما يوافق حكم العقل وما دامت اللغة العربية قد وردت بالحقيقة والمجاز واستحال حمل هذه الظواهر على معانيها الحقيقية عند العقل وجب صرفها إلى معان أخر بطريق المجاز.

والجواب: أن دعوى حكم العقل باستحالة هذه الظواهر إنما بنوه على استلزامهم للماثلة لأنهم لا يفهمون من هذه الظواهر عند إطلاقها على الله عز وجل إلا ما يفهم منها عند إطلاقها على المخلوق وقد بينا خطأ ذلك، فإن ظاهر لفظ اليد مثلاً إذا أضيف إلى الله فهم منه معنى غير ما يفهم منه إذا أضيف إلى غيره، وكذلك لفظ العين والوجه والاستواء والنزول وغيرهما.

ولكن هؤلاء لما جعلوا اللفظ حقيقة في صفة المخلوق ولا يفهم منه عند الإطلاق غيرها أوجبوا تأويله وصرفه عن هذه الحقيقة عند إطلاقه على الله وقد قدمنا أن لكل لفظ من هذه الألفاظ معنى كلياً هو حقيقته التي يدل عليها عند الإطلاق وأن هذه الحقيقة تحتها إفراد وخصوصيات فإذا أضيف اللفظ تعين مسماه وكان دالاً بالحقيقة على واحدة من هذه الخصوصيات فيقال يد زيد مثلاً ويد الدابة ويد الإبريق ويد الله إلخ فيكونه اللفظ في كل منها دالاً على معنى خاص وهو صفة للمضاف إليه. على أن دعوى المجاز لا يمكن أن تسمع فإن الفظ المستعمل في معنى بطريق الحقيقة لا يجوز صرفه عن معناه إلى معنى آخر بطريق المجاز إلا إذا اجتمع له أربعة أشياء.

(الأول) أن يكون المعنى المجازي مما يصح أن يراد من اللفظ بأن يكون اللفظ مستعملاً فيه في لغة العرب وإلا لأمكن لكل أحد أن يفسر أي لفظ بأي معنى وإن لم يكن له اصل في اللغة.

(الثاني ) أن يكون مع اللفظ قرينة سمعية أو عقلية توجب صرفه عن حقيقته إلى مجازه.

(الثالث) أن لا يكون هناك معارض لتلك القرينة يقتضي إرادة الحقيقة وغلا وجب إرادتها من اللفظ وامتنع تركها.

(الرابع) أن المتكلم بكلام يريد به خلاف ظاهرة لا بد أن يبين ذلك لاسيما في الخطابات العليمة التي يراد بها الاعتقاد، ويتأكد على ذلك إذا كان المتكلم هو أفصح الخلق وأقدرهم على البيان وأحرصهم على إفادة الحق والنص للخلق لا يجوز أبداً أن يلقى القول على عواهنه دون أن يبين للناس ما عناه، به، وإلا كان ذلك قصوراً في البيان يجب أن يتنزه عنه أفصح الكلام . ولما ذكر ابن القيم رحمه الله أقوال النفاة للصفات قال بعد ذلك في النونية:

يا من يظن بأننا حفنا عليـ فانظر ترى لكن نرى لك تركها فَشِبَاكُها والله لم يعلق به إلا رأيتَ الطير في قفص الردى ويظل يخبط طالباً لخلاصه والذنب ذنب الطير خلي أطيب الثـ وأتى إلى تلك المزابل يبتغي الـ يا قوم بالله العظيم نصيحة جريت هذا كله ووقعت في حتى أتاح لِيَ الإله بفضله حبراً أتى من أرض حران فيا فالله يجزيه الذي هو أهله أخذت يداه يدي وسار فلم يرم ورأيت أعلام المدينة حولها ورأيت آثاراً عظيماً شأنها ووردت رأس الماء أبيض صافياً ورأيت أكوازاً هناك كثيرة ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي ميزاب سنته وقول إلهه والناس لا يردونه إلا من الـ

ـهم كتبهم تنبيك عن ذا الشان حذراً عليك مصائد الشيطان من ذي جناح قاصر الطيران يبكي له نوح على الأغصان فتضيق عنه فرجة العيدان مرات في عال من الأفنان فضلات كالحشرات والديدان من مشفق وأخ لكم معوان تلك الشباك وكنت ذا طيران من ليس تجزيه يدي ولسان أهلاً بمن قد جاءَ من حران من جنة المأوى مع الرضوان حتى أراني مطلع الإيمان نزل الهدى وعساكر القرآن محجوبة عن زمرة العميان حصباؤه كلآلئِ التيجان مثل النجوم لوارد ظمآن لا زال يشخب فيه ميزابان وهما مدى الأزمان لا ينيان آلاف أفراد ذوو إيمان

نواقض الإسلام عشرة وهي ما يلي أولها: الشرك في عبادة الله قال تعالى ﴿ِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾(النساء: من الآية48) فمن أشرك فقد كفر وانتقض إسلامه.

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر.

الثالث: من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.

الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به فهو افر.

السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر والدليل قوله تعالى ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾(التوبة: من الآية65).

السابع: السحر ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضيه فقد كفر والدليل قوله تعالى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾(البقرة: من الآية102).

الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾(المائدة: من الآية51).

التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلم ولا يعمل به والدليل قوله تعلى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (السجدة:22).

55- (فصل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"

(فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه وما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم به ربه عز وجل من أحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعفرة بالقبول وجب الإيمان بها مثل قوله صلى الله عليه وسلم " ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" متفق عليه).

السنة تفسر القرآن وتبينه وتوضحه وتكشفه وتدل عليه وتعبر عنه وتفصل مجمله وتقيد مطلقه وتخصص عمومه، قال ابن عدوان:

وسنة خير المرسلين محمد تبينه للطالبي سبل الهدى

تفسر آيات الكتاب الممجد تدل عليه بالدليل المؤكد

فعندما نريد معرفة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها وشروط وجوب الزكاة وأنصبائها ومن يجب عليه الصوم والحج وشروط وجوبه وأركانه وواجباته نجدها موضحة في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويرون أنها الأصل الثاني الذي يجب الرجوع إليه والتعويل عليه، فحكمها حكم القرآن في ثبوت العلم واليقين والاعتقاد والعمل، قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾(النساء: من الآية113) وقال ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾(الأحزاب: من الآية34) ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (لنجم:3،4)  وقال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (الحاقة:44-46)  وقال: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾(النور: من الآية63).

وثبت في السنن عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله " ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئاً على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" قال الترمذي حديث حسن.

وعن العرباض بن سارية قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أيحسب أحدهم متكئاً على أريكته يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر" الحديث، رواه أبو داود وفيه أشعث بن شعبة المصيصي قد تكلم فيه.

وقال الأوزاعي عن حسان بن عطية: كان جبريل ينزل بالقرآن والسنة على النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمه إياها كما يعمله القرآن، كما وصف الله بالصفات العلى في القرآن كذلك جاءت السنة بذلك وهي موافقة للقرآن لا تخالفه أصلاً، وأهل السنة يؤمنون بذلك، فيجب الإيمان بما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم به ربه من الأحاديث الصحاح التي نقلها وتلقاها أهل المعرفة بالقبول كما يجب الإيمان بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف: قال ابن عدوان:

وسلم لأخبار الصحيحين يا فتى ودع عنك تزويقات قوم فإنها

ولكن عن التمثيل وفقت أبعد بحلتها التعطيل يا صاح مرتد

وأما أهل البدع فقد خالفوا في ذلك وردوا نصوص السنة وقالوا لا نقبل أخبار الآحاد في المسائل الاعتقادية، ومنهم من ردوها بالتأويلات المتعسفة، وأهل السنة يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة جميعاً.

قال ابن القيم: فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن وتكشف معانيها كشفاً مفصلاً وتقرب المراد وتدفع عنه الاحتمالات وتفسر المجمل منه وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به ويعلم أن الرسول بين ما  أنزل إيه من ربه وأنه أبلغ ألفاظه ومعانيه بلاغاً مبيناً حصل به العلم وبينه أحسن البيان وأوضحه، ولهذا كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب ثم يتبعونها بالأحاديث الموافقة لها كما فعل البخاري ومن قبله ومن بعده من المصنفين في السنة.

ونحن نقول قولاً كلياً يشهد الله تعالى عليه وملائكته أنه ليس في حديث رسول الله ما يخالف القرآن. ولا ما يتخالف صريح العقل بل كلامه بيان للقرآن تفسير له وتفصيل لما أجمله، وكل حديث رده من رد الحديث لزعمه أنه يخالف القرآن فهو موافق للقرآن مطابق له وغايته أن يكون زائداً على ما في القرآن وهذا الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ونهى عن رده بقوله " لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه" فهذا الذي وقع من وضع قاعدة له لرد الأحاديث بها بقولهم في كل حديث زائد على ما في القرآن، هذا زيادة على النص فيكون نسخاً، والقرآن لا ينسخ بالسنة، فهذا بعينه الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهاهم عنه وأخبرهم أن الله تعالى أوحى إليه بالكتاب ومثله معه فمن رد السنة الصحيحة بغير سنة تكون مقاومة لها متأخرة عنها ناسخة لها، فقد رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد وحي الله، وقال الشيخ رحمه الله ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله بل ليس لأحد أن يحمل كلام كل أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد فإن كثيراً من الناس يتأول النصوص المخالفة لقوله يسلك مسلك من يجعل التأويل كأن ذكر ما يحتمله اللفظ وقصد به دفع ذلك المحتج بذلك عليه وهذا خطأ بل جميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض وليس الاعتناء في فمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس فإذا كان النص الذي وافقه يعتقد أنه اتبع فيه مراد الله ورسوله فكذلك النص الآخر الذي تأوله فيكون أصل مقصوده معرفة ما أراده الله ورسوله بكلامه وهذا هو المقصود بكل ما يجوز من تفسير وتأويل.

وقال الشيخ رحمه الله: وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسله من صفات ليس موقوفاً على أن يقوم دليل على تلك الصفة بعينها فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول إذا أخبرنا بشيء من صفات الله وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا. ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذي قال الله عنهم ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ﴾(الأنعام: من الآية124) ونمن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمناً بالرسول، ولا متلقياً عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به بل يتأوله أو يفوضه وما يخبر به إن علمه بعقله آمن به ولا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وقد صرح  به أئمة هذا الطريق. وقال: على الناس أن يجعلوا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم هو الأصل الإمام المقتدى به سواء فهموا معناه أولم يفهموه، فيؤمنوا بلفظ النصوص وإن لم يعرفوا حقيقة معناها، وأما ما سوى كلام الله وكلام رسوله فلا يجعل أصلاً بحال.

قال الإمام أحمد رضي الله عنه أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس فالتأويل في الأدلة السمعية والقياس في الأدلة العقلية، وقال شيخ الإسلام وهو كما قال والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة والقياس الخطأ غنما يكون في المعاني المتشابهة، وقال وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود وهذا غاية الضلال.

وقال ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرفه لأنه الصادق المصدق فما جاء بالكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به  وإن لم يفهم  معناه وكذا ما يثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً عليه في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة.

وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً فليس لأحد بل ولا له أن يوافق على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده فإن أراد حقاً قبل وإن أراد باطلاً رد وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً ولم يرد جميع معناه بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى اهـ.

حديث " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا .."

ما يؤخذ من حديث النزول من الفوائد:

(1) إثبات علو الله على خلقه وأن مما هو ثابت لله وواجب له جهة العلو اللائقة بجلاله وعظمته من غير إحاطه به.

(2) إثبات صفة النزول كما يليق بذاته تعالى أيضاً.

(3) إثبات الربوبية.

(4) إثبات القول الله.

(5) إثبات صفة الكلام.

(6) إثبات الأفعال الاختيارية.

(7) أن ثلث الليل الآخر من أوقات إجابة الدعاء.

(8) فيه رد على الجهمية والمعتزلة ونحوهم من المنكرين لعلو الله على خلقه.

(9) الرد على من أنكر صفة النزول أو أولها بتأويل باطل.

(10) الرد على الحلولية الذين يزعمون أن الله حال في كل مكان.

(11) الحث على الدعاء في ثلث الليل الآخر.

(12) أن الدعاء ينفع.

(13) الحث على الاستغفار.

(14) الرد على من  قال ينزل ملك.

(15) إثبات صفة المغفرة.

(16) دليل على فضل الدعاء.

(17) أن الدعاء والاستغفار وغيرهما من انواع العبادات يختلف فضلها بحسب الزمان والمكان.

(18) لطف الله بخلقه لحثه إياهم على دعائه.

(19) أن الله يجيب دعاء من دعاءه ما لم يكن هناك مانع.

(20) دليل على كرم الله وإحسانه.

(21) دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش استوى كما يليق بجلاله.

(22) دليل على قدرة الله فإن العاجز لا يدعي.

(23) دليل على حرمة الله فإن القاسي لا يدعي.

(24) دليل على غناء الله.

(25) دليل على السمع فإن الأصم لا يدعي.

(26) فيه تحريض على عمل الطاعة وإشارة إلى جزيل الثواب عليها.

(27) تفضيل صلاة آخر الليل على أوله وأن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار يشهد له قوله ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾(آل عمران: من الآية17) وان الدعاء في ذلك الوقت مجاب ولا يعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شروط من شروط الدعاء كالاحتراز في المطعم والمشرب أو لاستعجال الداعي أو بأن يكون الدعاء باثم أو قطعية رحم أو ت حصل الإجابة ويتأخر وجود المطلوب لمصلحة العباد أو لأمر يريده الله.

(28) الرد على من أنكر وجود السماء وقال ما فيها إلا فضاء.

(29) دليل على قرب الله من خلقه.

(30) فقر الخلائق إلى الله.

(31) الحث على دعاء الله دعاء العبادة ودعاء المسألة فالأول هو سائر الطاعات والثاني هو دعاء المسألة وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع  ضرز  (32) أن في الحديث ما يدعو إلى محبة الله لأن النفوس مجبولة على محبة من أحسن إليها أو عرض عليها ما ينفعها.

(33) أن الإنسان يسأل الله ولا يستعظم ما يسأل ربه فإنه لا يستعظم شيئاً أعطاه.

(34) أن الله يحب من عباده أن يدعوه ويستغفروه ويسألوه.

(35) أن الله يا يتبرم بالحاج الملحين.

(36) الرد على الجبرية.

(37) نصح النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.

(38) أن من ترك  الاستغفار فقد ظلم نفسه والضرر جاء مهن قبل نفسه وما ربك بظلام للعبيد.

ولا تسألن الناس مطلوب ملكهم الله يغضب إن  تركت سؤاله

وسل من له الملك الذي ليس يسلب وبنيّ آدم حين يسأل يغضب

قال الشيخ رحمه الله في شرح حديث النزول: وأما النزول الذي لا  يكون من جنس نزول أجسام العباد فهذا لا يمتنع أن يكون في وقت واحد لخلق كثيرين ويكون قدره لبعض الناس أكثر أو أقل بل يا يمتنع أن يقرب على خلق من عباده دون بعض فيقرب إلى هذا الذي دعاه د ون الذي لم يدعه، وجميع ما وصف الرب به نفسه من القرب فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص، وأما قربه ما يقرب منه فهو خاص لمن يقرب كالداعي والعابد وكقربه عشية عرفة ودنوه إلى سماء الدنيا لأجل الحجاج وإن كانت تلك العشية قد تكون وسط النهار في بعض البلاد وتكون ليلاً في بعض البلاد فإن تلك البلاد لم يدن إليها ولا إلى سمائها الدنيا وإنما دنا إلى السماء التي على الحجاج وكذا نزوله بالليل وهذا كما أن حسابه لعباده حسابهم كلهم في ساعة  واحدة وكل منهم يخلو به كمما يخلو العبد بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره، كذلك في حديث أبي رزين.

وكذلك في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم " إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي .." إلى آخر الحديث، فهذا يقوله سبحانه لكل مصل قرأ الفاتحة ممن لا يحصى عدده إلا الله كل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا كما يحاسبهم كذلك فيقول لكل واحد ما يقول من القول في ساعة واحدة وكذلك سمعه  لكلامهم يسمع  كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم وتفنن حاجاتهم، يسمع دعائهم سمع إجابة ويسمع كل ما يقولون سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بالحاح الملحين، فإنه سبحانه هو الذي خلق هذا كله وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء من البدن على مقدار وصفته المناسبة له، وكذلك من الزرع، وكرسيه وسع السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما فإذا  كان لا يؤوده خلقه ورزقه على هذه التفاصيل فكيف يؤوده العلم بذلك أو سمع كلامهم أو روية أفعالهم وإجابة دعائهم، سبحانه وتعالى علواً كبيراً ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾(الزمر: من الآية67) الآية، فمن كانت هذه عظمته كيف يحصره المخلوق سماء أو غير سماء، حتى يقال إنه إذا نزل إلى سماء الدنيا صار العرش فوقه ويصير شيء من المخلوقات يحصره ويحيط به سبحانه وهو قادر أن ينزل سبحانه وهو على ع رشه فقوله  إنه ينزل مع بقاء عظمته وعلوه على العرش أبلغ في القدرة والعظمة وهو الذي فيه موافقة للشرع والعقل اهـ.

قال ابن القيم:

وكذا نزول الرب جل جلاله فيقول لست بسائل غيري بأحـ من ذاك يسألني فيعطى سؤله من ذاك يسألني فأغفر ذنبه من ذا يريد شفاءه من سقمه ذا شأنه سبحانه وبحمده

في النصف من ليل وذاك الثان وال العباد أنا العظيم الشان من ذا يتوب إلي من عصيان فأنا الودود الواسع الغفران فأنا القريب مجيب من نادان حتى يكون الفجر فجراً ثان

 إثبات صفة الفرح والضحك والعجب

(وقوله صلى الله عليه وسلم: " لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته" الحديث متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنة" متفق عليه، وقوله: " عجب ربنا من قنوط عباده وقرب خيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب" حديث حسن).

في الأحاديث المذكورة إثبات صفة الفرح، والضحك، والعجب، وهي من صفات الأفعال الاختيارية.

الحديث الأول:

المفردات: الفرح لغة السرور، التوبة: الرجوع من المعصية إلى الطاعة، الراحلة، من الإبل ما كان صالحاً يرحل ، اللام لام الابتداء.

هذا حديث جليل فيه بشارة عظيمة ترتاح لها قلوب التائبين المحسنين ظنهم بربهم، الصادقين في توبتهم، الخالعين ثياب الإصرار على المعاصي البعيدين عن سوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده الطالبين لعفوه المتلجئين إليه في مغفرة ذنوبهم وحصول مطلوبهم. روى هذا الحديث جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة، والبراء بن عازب، والنعمان بن بشير، وأنس. ولفظ حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة" متفق عليه ولمسلم " لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعيها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" فهاذ الفرح منه بتوبة التائب يناسب محبته له ومودته له فهذا الكشف والبيان والإيضاح لا مزيد عليه في ثبوت هذه الصفة ونفي الإجمال والاحتمال وفرحته تعالى بتوبة عبده لأن رحمته سبقت غضبه وكل ما كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب فإنه سبحانه رحيم ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وإحسانه فيستحيل أن يكون على خلف ذلك، ليس كذلك غضبه فإنه ليس من لوازم ذاته ولا يكون غضباناً دائماً غضباً لا يتصور انفكاكه ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء وهو  سبحانه كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب ووسع كل شيء رحمة وعلماً ولم يسع كل شيء غضباً وانتقاماً.

ففي الحديث:

(1) إثبات الألوهية.

(2) صفة الفرح.

(3) الحث على التوبة.

(4) فضل التوبة.

(5) أن الله يقبل توبة العبد إذا وقعت على الوجه المشروع.

(6) متمسك لمن قال إن للقاتل توبة.

(7) دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

(8) فيه رد على من أنكر صفة الفرح أو أولها بتأويل  باطل.

(9) فيه دليل على أن الإنسان إذا جرى على لسانه كلمة كفر من شدة دهش ونحوه أنه لا يكفر بذلك ولا يؤاخذ به، ولهذا لم يكفر بقوله: أنت عبدي وأنا ربك.

الحديث الثاني:

في هذا الحديث الجليل يخبرنا صلى الله عليه وسلم عن كرم الله وجوده وأنه متنوع. فهذان الرجلان اللذان قتل أحدهما الآخر جعل الله لكل منهما سبباً أوصله إلى الجنة، فالأول قاتل في سبيل الله فأكرمه الله على يد الرج الآخر الذي لم يسلم بعد بالشهادة التي هي أعلى المراتب بعد مرتبة الصديقين، وأما الآخر فإن الله جعل باب التوبة مفتوحاً لكل من أراد التوبة بالإسلام فما دونه فلما تاب محا الله عنه الكفر وآثاره ثم من عيه بالشهادة فدخل الجنة كأخيه الذي قتله.

ويستنبط من الحديث:

(1) إثبات صفة الضحك لله، وهي من الصفات الفعلية.

(2) إثبات الألوهية.

(3) الترغيب في الدخول في الإسلام.

(4) فيه دليل على تنوع كرم الله.

(5) أن القتل في سبيل الله يكفر الذنوب.

(6) أن التوبة تأتي على جميع الذنوب حتى القتل.

(7) الحث على الجهاد في سبيل الله.

(8) إثبات الأسباب.

(9) الرد على من أنكر صفة الضحك أو أولها بتأويل باطل.

(10) أن التوبة من أجل الطاعات.

(11) في الحديث متمسك لمن قال أن للقاتل عمداً توبة.

الحديث الثالث:

العجب: لغة استحسان الشيء، القنوط: شدة اليأس، وقرب غ يره أي تغييره الحال من شدة إلى رخاء، أزلين: الأزل: بمعنى الشدة والضيق.

المعنى: يخبرنا صلى الله عليه وسلم أنه الله – جل وعلا- يعجب من قنوط عباده عند احتباس المطر ويأسهم من نزوله، وقد اقترب وقت الفرج ورحمته لعباده بانزال الغيث عليهم وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون. قال بعضهم.

إذا أشملت على اليأس القلوب وأوطأت المكاره واطمأنت ولم تر لانكشاف الضر وجها أتاك على قنوط منك غوث وكل الحادثات إذا تناهت

وضاق بما به الصدر الرحيب وأرست في أماكنها الخطوب ولا أغنى بحيلته الأديب يمن به اللطيف المستجيب فموصول بها فرج قريب

قال الشيخ: والسبب في أن فرج الله يأتي عند انقطاع الرجاء عن الخلق هو تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ومن كمال نعمة الله على عباده المؤمنين أن يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد، وقال ابن عدوان:

ويعجب ربي من قنوط عباده وفي رقية المرضى مقال نبينا رواه أبو داود يا ذا وغير

فألق لما بينت سمعك واهتد ألا ارق به مرضاك يا ذا التسدد ألا احفظ هداك الله سنة أحمد

ويفهم من الحديث:

(1) إثبات صفة العجب.

(2) إثبات الربوبية.

(3) إثبات نظره إلى عباده سبحانه وتعالى.

(4) فيه دليل على أن الفرج مع الكرب.

(5) لطف الله بخلقه.

(6) الرد على الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن ينفون صفة الضحك والعجب.

(7) إثبات صفة الضحك.

(8) إثبات صفة الضحك.

(9) الرد على من أنكر صفة العلم أو أولها بتأويل باطل.

(10) أن حاجة العباد وضرورتهم من أسباب رحمته.

(11) أن نزول الغيب مما انفرد الله بعلمه.

(12) دليل على وجود الله وكرمه.

(13) وجوب حسن الظن بالله والابتعاد عن القنوط من رحمة الله.

(14) إثبات قدرة الله.

(15) أن خير الله لا يستبعد إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

(16) أن الله لم يهمل عباده بل هو رقيب عليهم.

(17) الحث على مراقبة الله.

(18) دليل على غنى الله.

(19) في الحديث ما يدعو إلى محبة الله.

(20) إثبات حكمة الله حيث ينزل الغيب في الأوقات اللائقة به.

(21) الرد على من أنكر حكمة الله كالجهمية.

(22) إثبات صفة الحياة لله.

(23) الحث على التوجه إلى الله.

(24) أن تأخير المطر ليس عبثاً بل لحكم منها توجه العباد بقلوبهم إلى الله وتوبتهم وانكفاف بعضهم عن المعاصي ونحو ذلك من الحكم والأسرار.

(25) أن الله يبتلي العباد بالضراء والسراء.

(26) الرد على من ادعى علم الغيب.

(27) أن جميع العباد فقراء إلى الله.

(28) حسن محادثة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه.

 صفة الرجل والقدم والكلام

(قوله: وقوله صلى الله عليه وسلم " لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها رجله وفي رواية عليها قدمه فينزوي بعضها على بعض فتقول قط قط" متفق عليه وقوله " يقول الله يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً على النار" متفق عليه وقوله " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان").

الحديث الأول: " جهنم" علم على طبقة من طبقات النار، " قط" حسبي ويكفيني " يلقي" يطرح، " ينزوي" ينضم بعضها إلى بعض، " الرب" المالك المتصرف المربي لجميع الخلق بأصناف النعم.

قال بعضهم:

رب يربي العالمين ببره تعصيه وهو يسوق نحوك دائماً

ونواله أبداً إليهم واصل ما لا تكون لبعضه تستاهل

هل من مزيد: أي من زيادة، تطلب الزيادة لسعتها وبعد قعرها، العزة: القوة والغلبة والامتناع. هذا الحديث يتضمن الإنذار والتخويف مما أمامنا وذلك أن المصطفى صلى الله عليه وسلم أخبر أن جهنم لا تزال يطرح فيها من أهلها المستحقين لها وهي تطلب الزيادة إلى أن يضع الرب جل وعلا عليها رجله فعند ذلك ينضم بعضها إلى بعض وتقول حسبي ويكفيني.

ففي الحديث:

(1) إثبات الرجل لله  جل وعلا.

(2) إثبات القدم.

(3) إثبات الروبية.

(4) إثبات صفة العزة.

(5) إثبات البعث والحشر والحساب والجزاء على الأعمال.

(6) الحث على الأعمال الصالحة.

(7) الخوف من النار.

(8) إثبات النار وأنها مخلوقة.

(9) أن جهنم تتكلم.

الحديث الثاني:

رو البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال يا رب: وما بعث النار؟ قال من كل ألف – أراه قال: تسعمائة وتسعة وتسعون فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد" فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم قال النبي صلى الله عليه وسلم " من يأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد أنتم في الأمم كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا ثم قال ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال شطر أهل الجنة فكبرنا".

المفردات: لبيك من ألب في المكان إذا أقام به أي أنا مقيم على طاعتك، وسعديك: من المساعدة وهي المطاوعة، ومعناها إسعاد بعد إسعاد، النداء: الصوت الرفيع، البعث يعني المبعوث، ويقال بعث النار حزبها.

المعنى يخبرنا صلى الله عليه وسلم عما سيكون يوم القيامة من أن الله عز وجل يأمر أبانا آدم أن يخرج من ذريته بعثاً إلى النار.

ففي الحديث:

(1) إثبات القول لله.

(2) إثبات الألوهية.

(3) إثبات النداء.

(4) إثبات الأفعال الاختيارية.

(5) تخصيص آدم بذلك لكونه والد الجميع.

(6) قال ابن القيم رحمه الله أن قوله لبيك يتضمن إجابة داع دعاك ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.

(7) أنها تتضمن  المحبة، ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه.

(8) وأنها تتضمن التزام دوام العبودية.

(9) وأنها تتضمن الخضوع والذل.

(10) أنها تتضمن الإخلاص.

(11) أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب إذا يستحيل أن يقول الرجل من لا يسمع دعاء لبيك.

(12) أنها تتضمن التقرب من الله تعالى.

(13) في الحديث دليل على عدد بعث النار وأنه من الألف (999).

(14) أن بعث الجنة من الألف واحد فقط.

(15) إثبات أمر الله.

(16) مزية لآدم وشرف.

قال ابن القيم رحمه الله:

يا سلعةَ الرحمنِ لَيسَ يَنَالُها يا سلعةَ الرحمنِ لَستِ رخيصةً يا سلعةَ الرحمنِ ماذا كُفؤُها يا سلعةَ الرحمنِ سُوقُكِ كاسِد يا سلعةَ الرحمنِ أينَ المُشْتَري يا سلعةَ الرحمنِ هَلْ مِن خاطِبٍ يا سلعةَ الرحمنِ كَيفَ تَصَبُّر يا سلعةَ الرحمنِ لولا أنَّهَا ما كان عنها قَطُّ مِن مُتَخَلِّفٍ لكنها حُجِبَتْ بكلِ كَرِيهةٍ وتنالُها الهِمَمُ التِي تَسمُو

بالألفِ إلا واحد لا اثْنَانِ بل أنت غالية على الكسلان إلا أولُو التقوى مَعَ الإيمان بَينَ الأراذِلِ سَفْلَةِ الحيوان فَلَقَدْ عُرِضْتِ بأيسَرِ الأثمان فالمهْرُ قَبلَ الموتِ ذُو إمكان الخُطَّابِ عنك وهُم ذَوُو إيمان حُجِبَتْ بِكل مكارِه الإنسان وتعطَّلَتْ دَارُ الجزاءِ الثاني لِيُصَدُّ عنها المُبطِلُ المُتَوانِي ربِّ العُلَى بِمَشِيْئَةِ الرحمن

ففي الحديث:

(1) إثبات صفة الكلام لله.

(2) إثبات الربوبية.

(3) إثبات البعث.

(4) إثبات الحشر.

(5) إثبات الحساب.

(6) إثبات الجزاء على الأعمال.

(7) إثبات الجنة والنار.

(8) الحث على الأعمال الصالحة.

(9) الرد على من أنكر صفة الكلام لله.

(10) حرص الصحابة رضي الله عنهم على نقل السنة إلى الأمة.

(11) إثبات قدرة الله.

(12) إثبات صفة الحياة لله.

 صفة العلو لله:

(وقوله في رقية المريض: " ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ" حديث حسن، رواه أبو داود وغيره، وقوله " ألا تأمنوني وأنا أمين  من في السماء" حديث صحيح، وقوله " والعرش فيق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه" حديث حسن رواه أبو داود وغيره، وقوله للجارية: " أين الله؟ قالت: في السماء قال: من أنا .... ؟؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة" رواه  مسلم).

الحديث الأول:

الرب: السيد المربي  لجميع الخلق بأصناف النعم، تقدس: تنزه، الرقية القراءة على المريض، حوبنا، الحوب: الإثم، الخطايا: هي الذنوب والآثام.

هذا وفي الحديث التوسل إلى الله بربوبيته وهي تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة هي: خلقه للمخلوقين ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا وأما الخاصة: فتربيته لأنبيائه وأوليائه فيربيهم بالإيمان ويوفقهم له ويكلؤهم ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه وحقيقتها تربية التوفيق لكل خير والعصمة من كل شيء، ولعل هذا هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.

ويؤخذ من الحديث:

(1) إثبات الربوبية العامة.

(2) إثبات الألوهية.

(3) إثبات علو الله على خلقه والمأخذ من قوله: (في السماء)، وفي تكون بمعنى على، كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾(الملك: من الآية15) وقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾(التوبة: من الآية2) وقوله ﴿ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾(المائدة: من الآية26) وكقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾(آل عمران: من الآية137) أي عليها وقوله ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾(طـه: من الآية71) أي على جذوع النخل.

الثاني: أن المراد بالسماء العلو، وعلى الوجهين فهي نص في علو الله على خلقه.

ويستنبط من الحديث:

(4) أمر الله الكوني والقدري.

(5) تنزيه الله عما لا يليق بجلاله وعظمته.

(6) التوسل إلى الله برحمته.

(7) التوسل إلى الله بسؤال المغفرة للحوب والخطايا.

(8) التوسل إلى الله بربوبيته الخاصة للطيبين من عباده.

(9) إثبات أمر الله الديني الشرعي، ودليله قوله تعالى:

﴿ِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾(النحل: من الآية90) ودليله الكوني ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يّـس:82).

(10) عموم أمره الكوني القدري والديني الشرعي.

(11) الإتيان من صفات الله في كل مقام بما يناسبه.

(12) إثبات الرقية وأنها مباحة، قال العلماء بجوازها عند اجتماع ثلاثة شروط.

(أ) أن تكون بأسمائه أو بكلامه أو بصفاته.

(ب) أن تكون باللسان العربي وما يعرف معناه.

(جـ) أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله.

(13) الرد على  الجهمية وأتباعهم من المنكرين لهذه الصفات.

(14) إثبات قدرة الله.

(15) إثبات صفة الرحمة، التي هي الصفة الذاتية.

(16) فيه دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

(17) إثبات الأسماء لله.

(18) الرد على من أنكر وجود السموات.

(19) إثبات الرحمة المخلوقة المطلوب إنزالها.

(20) إثبات الربوبية الخاصة.

الحديث الثاني:

هذا الحديث أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي من اليمن بذهبية في أديم مقروض ولم تحصل من ترابها، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة: زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينه بن حصن، وعلقمة بن علاثة – أو عامر بن الطفيل، شك عمارة- فوجد من ذلك في  بعض الصحابة من الأنصار وغيرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء" وقوله " ألا تأمنوني" ألا أداة استفتاح، المعنى : ألا تأمنوني وأنا أمين الله سبحانه وتعالى الذي في السماء على تبليغ شرعه ودينه. قيل: إن القائل للنبي هو ذو الخويصرة التميمي فاستأذنه بعض الصحابة في قتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا – أي جنسه- قوماً تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم" الحديث.

فأول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة ففاجئوه بهذه المقالة، ثم كان ظهورهم في أيام علي بن أبي طالب فقتلهم في النهروان، ثم شعبت منهم شعوب وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم حديث بعدهم بدعة القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق بقوله " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" أخرجه الحاكم في مستدركه.

ويستنبط من الحديث:

1- إثبات علو الله على خلقه.

2- ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحلم والصبر على ما يأتيه من الأذى و(في) التي في الحديث يقال فيها كما قيل (في) التي في الحديث قبل هذا.

3- الرضا والتسليم لأمر الله ورسوله وما صدر عنهما من الأحكام.

الحديث الثالث:

وهو قوله "والعرش فوق ذلك" الحديث رواه أبو داود في سننه وأحم في مسنده وغيرهما، ولفظ أحمد في المسند عن عباس بن عبد المطلب قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما هذا؟ قال قلنا: السحاب، قال والمزن، قلنا والمزن، قال والعنان، قلنا والعنان، قال: فسكت فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله تبارك وتعالى فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء".

والحديث دليل على:

1- علو الله على خلقه واستواؤه على عرشه فإن مما هو ثابت لله وواجب له جهة العلو اللائقة بجلاله وعظمته من غير إحاطة به.

2- تفسير الاستواء بالعلو كما هو مذهب السلف.

3- الرد على من أنكر صفة العلو أو أولها بتأويل باطل كمن زعم أن الفوقية فوقية رتبة وشرف فإن حقيقة الفوقية علو ذات الشيء على غيره.

4- الرد على من نفى العرش وزعم أن عرشه ملكه وقدرته.

5- إثبات الألوهية.

6- أن العرش فوق المخلوقات.

7- الجمع بين الإيمان بعلو الله واستوائه على عرشه.

8- الرد على من أول الاستواء بالاستيلاء.

9- إثبات صفة العلم.

10- إحاطة علمه سبحانه بالموجودات كلها.

11- الرد على من أنكر صفة العلم أو قال عليم بلا علم كالمعتزلة.

12- إثبات قدرة الله وأنه لا يعجزه شيء.

الحديث الرابع:

وقوله للجارية " أين الله؟" هذا حديث صحيح روي من طرق متواترة عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي غنم بين أحد والجوانية فيها جارية لي فأطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة منها فأسفت فصككتها فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال ادعها فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال اعتقها فإنها مؤمنة" أخرجه مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والنسائي..

ويستنبط من الحديث:

1- إثبات العلو لله على خلقه.

2- الرد على الجهمية ونحوهم من المنكرين لهذه الصفة.

3- جواز الاستفهام عن الله بأين، قال ابن عدوان:

وقد جَاءَ لَفْظُ الأينِ مِنْ قولِ صادقٍ كما قد رواه مسلم في صحيحهِ

رسولِ إلهِ العالمينَ مُحَمَّدِ كذاك أبُو دَاودَ والنِّسائي قدِ

4- جواز الإشارة إلى العلو.

5- أن من شهد هذه الشهادة أنه مؤمن، قال الصرصري:

لقد صَحَّ إسلام الجُوَيْرية التي

بإصْبُعها نَحوَ السماءِ تُشِيْرُ

6- أنه يشترط في صحة العتق الإيمان.

7- شهادته صلى الله عليه وسلم بالإيمان لهذه الجارية التي اعترفت بعلو الله على خلقه.

8- أن من شهد هذه الشهادة يكتفي بإيمانه.

9- أن العباد مفطورون على أن الله عال عليهم.

10- دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال.

11- إثبات السماء والرد على من أنكر ذلك وقال ما فيه الإفضاء.

ومن الأدلة على علو الله  غير ما ذكره الشيخ رحمه الله في هذه العقيدة ما ورد من