تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته ()

ابن القيم

كتابُ عِلَل ونَقْد حديثي من طراز عال، وكتاب فقه واستنباط وغوص لاستخراج اللآل، يغلب على مباحثه وعلومه هذان الفنّان، مع مباحث في فنون عديدة في الأصول والقواعد واللغة والحديث والتاريخ.

|

 تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته

تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (691 هـ - 751 هـ) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

(المقدمة/1)


مقدمة التحقيق

الحمد لله ولي النِّعم، وصلى الله على نبيه الأكرم، ورسوله الأعظم، وعلى آله وصحبه وسلّم. أما بعد؛ فهذا كتاب «تهذيب سنن أبي داود» للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيِّم الجوزية، نقدّمه اليوم للقراء ضمن سلسلة مشروع «آثار الإمام ابن القيم»، وقد تغيّينا فيه إخراجَه على الطريقة التي انتهجناها في إخراج كتب الإمام ابن القيم، والعناية بها، بتحرير نص الكتاب كما ينبغي، والتعليق عليه بما يستحق. وهذا الكتاب الجليل لم ينل حقَّه اللائقَ به من الإخراج والعناية، وانعكس ذلك على قلّة الإفادة من مباحثه وعلومه، ولعل السبب يعود إلى طريقة «تجريده» كما سيأتي، وإلى طريقة طبعه وإخراجه كما سنشرحه في المباحث الآتية. ومهما يكن من أمر، فقد اجتهدنا في إخراجه بالطريقة اللائقة به من الناحية العلمية، ومن الناحية الفنية، ومن ناحية التكشيف والفهرسة، حتى يمكن الإفادة منه بأسهل سبيل. وكتابنا هذا كتابُ عِلَل ونَقْد حديثي من طراز عال، وكتاب فقه واستنباط وغوص لاستخراج اللآل، يغلب على مباحثه وعلومه هذان الفنّان، مع مباحث في فنون عديدة في الأصول والقواعد واللغة والحديث والتاريخ، بلغ المؤلف فيها إلى الغاية، فكانت في سماء العلم آية! وغالب تعليقات الإمام في هذا السفر يستفيد منها المتبحّر المنتهي، ولا يبلغ مداها الطالب المبتدي، فربما مرت على الطالب الفائدةُ النادرةُ لا

(المقدمة/5)


يكشف لها سِترًا، في حين يراها اللوذعيُّ ذهبًا خالصًا وتِبْرًا! وننبه في هذا التصدير أن كتاب ابن القيم لم يصلنا كما وضعه مؤلّفُه، وإنما وصل تجريده لمحمد بن أحمد السعودي، وقد جرّده على نهجٍ سديد حافَظَ فيه على فوائد الأصل، وترك ما كان اختصارًا لكلام المنذري، فلم يَفُتْه من كلام ابن القيم ــ في الغالب ــ إلا ما كان تهذيبًا لكلام المنذري، وذلك شيء يسير إن شاء الله. قدّمنا بين يدي الكتاب جملةً من المباحث هي: - اسم الكتاب. - تاريخ تأليفه. - نسبته للمؤلف. - وصف الكتاب. - وصف التجريد. - ترجمة المجرِّد. - أهمية الكتاب وقيمته العلمية. - منهج المؤلف في كتابه. - موارد المؤلف. - أثره في الكتب اللاحقة - طبعات الكتاب. - مخطوطات الكتاب. - منهج التحقيق.

(المقدمة/6)


وقد اقتسمنا تحقيق الكتاب كالآتي: المجلَّد الأول حقَّقه علي العمران، والمجلّدان الثاني والثالث حقّقهما نبيل السِّنْدي، واشتركنا في مباحث المقدّمة. ثم ختمناه بالفهارس التفصيلية الكاشفة عن محتوياته وعلومه، واشترك معنا في صُنع بعض الفهارس منها الأخ الباحث في المشروع: سراج منير، إضافةً إلى ما قام به من مقابلة نسختَي (ش) و (هـ) ومراجعة تجارب الطبع. وقام بصف الكتاب وإخراجه النهائي، وعملِ فهرس الآيات القرآنية وترتيب بقية الفهارس الأخ الفاضل: خالد محمد جاب الله، فجزاه الله خيرًا. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. 21/محرم/1437 هـ

(المقدمة/7)


اسم الكتاب جاء اسم الكتاب في المصادر على عدة أنحاء: 1 - «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته» هذا نص المؤلف في تسميته كما في «زاد المعاد»: (1/ 148) فإنه أحال عليه وقال: «وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته»، وبذلك سمّاه معاصره الصفديّ (764) في كتابيه «أعيان العصر» و «الوافي بالوفيات» (1). 2 - وجاء نحوه في نسخة خدابخش، وعند تلميذه ابن رجب الحنبلي (795) (2)، وتبعه العُلَيمي (885) (3) بحذف وزيادة، ففيها: «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة». 3 - وورد الاسم عند ابن ناصر الدين الدمشقي (842) (4) كما عند ابن رجب مع تغيير في آخره: «والكلام على أحاديثه المعلّة». 4 - وجاء الاسم مقتصرًا على مصراعه الأول «تهذيب سنن أبي داود» عند المؤلف في «بدائع الفوائد»: (2/ 668)، وفي «مفتاح دار السعادة»: (2/ 1102)، وعند السيوطي (911) في «بغية الوعاة» (5). _________ (1). «أعيان العصر»: (4/ 370)، «الوافي بالوفيات»: (2/ 196). (2). «ذيل طبقات الحنابلة»: (5/ 174 - 175). (3) «المنهج الأحمد»: (5/ 95). (4). «توضيح المشتبه»: (4/ 289)، وتابعه الداوودي في «طبقات المفسرين»: (2/ 95)، وابن العماد في الشذرات: (6/ 168). (5). (1/ 63).

(المقدمة/8)


وأما ما جاء في نسخة الأصل الخطية من قول المجرِّد: «هذا ما منَّ به الرحيم الودود من تمييز زوائد حواشي مختصر سنن أبي داود التي زادها الشيخ الإمام الحافظ الحجة شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية» (1). فنقول: هذه التسمية من مُجَرِّد الكتاب محمد بن أحمد السعودي لا من المؤلف، ذلك أنه لم ينسخ أصل الكتاب كما تركه المؤلف بل اختصره وتصرّف فيه ــ كما سيأتي مشروحًا ــ، ثم أطلقَ على تجريده هذا هذه التسمية. وكذلك ما جاء على الورقة الظهرية من نسخة المدرسة العثمانية بالهند من تسميته «شرح سنن أبي داود»، فلا يعدو أن يكون تصرفًا من الناسخ أو من أحد مُلّاك النسخة لا تسميةً للمؤلف. وعليه فيمكننا القول: إن أقرب اسم يصدق على الكتاب هو ما أطلقه المؤلف نفسه على كتابه، وهو الاسم الذي ذكره في «زاد المعاد» وسماه به عصريُّه الصفدي، وهو في الحقيقة لا يختلف كثيرًا عن إطلاق ابن رجب، ولا يختلف أيضًا عن التسمية المختصرة بالمصراع الأول (تهذيب السنن)، أما ما في نسخة الأصل فهو اسم لعمل المجرّد لا للكتاب كما سلف. * * * * _________ (1). ذكر شيخنا العلامة بكر أبو زيد - رحمه الله - في كتابه «ابن القيم: حياته آثاره موارده» (ص 236) ــ تعليقًا على كلام الأستاذ محمود شويل لما ذكَر هذه التسمية ــ أنه لم يحصل الوقوف على سَلفٍ له في هذا. وصدق الشيخ في كونه لا سلف له في هذه التسمية، وأما عن وجودها فهي مكتوبة في صفحة عنوان النسخة الخطية للأصل.

(المقدمة/9)


تاريخ تأليفه وما إليه قد أحسن المجرِّدُ صُنعًا إذ نقل مقدّمة المؤلف وخاتمته دون تصرف، وكان مما في خاتمة المؤلف نصُّه على مكان تأليفه، وسَنَة تأليفه، وكم استغرق فيه. قال المؤلف: «ووقع الفراغ منه في الحِجْر شرّفه الله تعالى، تحت ميزاب الرحمة في بيت الله، آخر شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وكان ابتداؤه في رجب من السنة المذكورة» (1). فأفاد هذا النص ما يلي: مكان التأليف: بمكة المكرمة، في بيت الله الحرام، ووقع الفراغ منه في الحجر، تحت ميزاب الرحمة. تاريخه: ابتدأ تأليفه في رجب سنة 732، وانتهى منه في آخر شوال من السنة نفسها. وعمره واحد وأربعون عامًا. مدة التأليف: بناءً على التاريخ المذكور فإن مدة التأليف لا تزيد عن أربعة أشهر. أما هذا التجريد الذي وصلنا للكتاب فتاريخ كتابته في يوم الأربعاء منتصف ربيع الأول سنة 790، كما نصّ عليه المجرّد في آخر النسخة، أي بعد موت المؤلف بتسع وثلاثين سنة، وبعد تأليف الكتاب بثمان وستين سنة. فهو تجريد قديم للكتاب, والظاهر أنه اشتهر أكثر من أصله، فكل النسخ التي وصلتنا منقولة من هذا التجريد. _________ (1). (ق 274 أ- ب).

(المقدمة/10)


أمَّا حجمه، فقد ذكر الصفدي في كتابيه «الوافي» و «الأعيان» أنه في «نحو ثلاثة أسفار»، وأما ابن رجب في «الذيل» ومن تبعه كالعليمي والداوودي وغيرُهم فذكروا أنه في مجلَّد. فهل ما ذكره الصفدي وهم، أو يمكن أن يعود ذلك إلى اختلاف النسخ فبعضها في مجلد وبعضها في ثلاثة؟ وهل من الجائز أن يكون وصف الصفدي للكتاب الأصل قبل تجريده ووصف ابن رجب لـ «التجريد»؟ الاحتمال الأخير بعيد، لأن المجرِّد انتهى من تجريده سنة 790، وتأليف ابن رجب للذيل سابق لهذا التاريخ. فالاحتمال الأقرب أن الاختلاف عائد إلى اختلاف النسخ، والله أعلم. * * * *

(المقدمة/11)


إثبات نسبته للمؤلف الكتاب ثابت النسبة للمؤلف بالقرائن الآتية: 1 - ذكره المؤلف نفسه في عدد من كتبه، وأحال إليه لاستيفاء مباحث ذكرها في كتبه، فقد ذكره في «زاد المعاد»: (1/ 148) فقال: وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب «تهذيب سنن أبي داود. . .» عند رواية أبي إسحاق السَّبِيعي لحديث عائشة «أنه كان ربما نام ولم يمَسَّ ماءً» (التهذيب: 1/ 137 - 140). وذكره في «بدائع الفوائد»: (2/ 668) وأحال إليه عند مسألة دخول الواو في قوله: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» وهل الصواب حذفها؟ (التهذيب 3/ 433 - 436). وذكره في «مفتاح دار السعادة»: (2/ 1102) وأحال إليه عند مسألة المماثلة في القصاص بأن يُفعل بالجاني كما فَعل (التهذيب 3/ 128 وما بعدها). 2 - ذكره له مترجموه من معاصريه وتلاميذه ومَن بعدهم، مثل ابن رجب الحنبلي، والصلاح الصفدي، وابن ناصر الدين الدمشقي والسيوطي والداوودي وغيرهم. 3 - ذِكره لشيخ الإسلام ابن تيمية ونقله عنه في مواضع عديدة، شأنه في باقي كتبه من الإكثار من النقل عنه وتهذيب كلامه، مصرحًا به حينًا، وغير مصرّح أحيانًا أخرى. 4 - طريقته واحدة في بحث المسائل وبسط الكلام عليها في كتابه هذا وفي كتبه الأخرى، لا يستريب فيه من له فضل عناية بكتب الشيخ.

(المقدمة/12)


5 - تطابق عدة مباحث مع ما في كتبه الأخرى، كما في «رفع اليدين في الصلاة» (ص 236 - 252) في نقله لكلام ابن القطان بطوله والرد عليه «التهذيب»: (1/ 187 - 203)، ومسألة الطلاق الثلاث، ومسائل أخرى. 6 - نَقْل العلماء عنه وعزوهم إليه، فقد نقل منه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، والسفّاريني في «كشف اللثام»، وغيرهما كما سيأتي عند ذكر أثره في الكتب اللاحقة. وغير ذلك من القرائن التي تفيد ثبوت الكتاب لمؤلفه. * * * *

(المقدمة/13)


وصف الكتاب كتابنا هذا تهذيبٌ لـ «مختصر سنن أبي داود» للمنذري (ت 656). وذلك أن المؤلف إبّان إقامته بمكة المكرمة أتى على «مختصر المنذري» من أوله إلى آخره مهذِّبًا ومختصِرًا، ومضيفًا إليه ومستدركًا عليه. ولم يقتصر التهذيب على مواضع من «مختصر المنذري» بل هذّبه كاملًا، وقد أبان عن ذلك المؤلف نفسه في مقدمة كتابه حيث قال: «هذَّبتُه [أي «مختصر المنذري»] نحو ما هذَّب هو به الأصل، وزدْتُ عليه من الكلام على عللٍ سكت عنها أو لم يكملها، والتعرُّضِ إلى تصحيح أحاديثَ لم يصححها، والكلامِ على متون مشكلة لم يفتَحْ مقفَلَها، وزيادةِ أحاديثَ صالحةٍ في الباب لم يشر إليها، وبَسْطِ الكلام على مواضع جليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه». هكذا كان أصل الكتاب، لكن لم يصلنا كما تركه مؤلفه، بل الذي وصلنا منه هو تجريده الذي صنعه محمد بن أحمد السعودي، فإنه جرّد كلام المؤلف الذي زاده على كلام المنذري في «مختصره». وإليكم وصف هذا «التجريد»: * * * *

(المقدمة/14)


وصف التجريد وضَّح المجرِّدُ طريقتَه في الكتاب غاية التوضيح في خاتمة عمله، ونحن ننقل نصه، ونقسّم كلامه إلى فقرات توضّح مقصده وعمله: - طريقته فيه: قال: «هذا آخر ما كتبتُه مما زاده الشيخ الإمام العلامة الحافظ الحجة إمام الدنيا شمس الدين أبو عبد الله محمد، الشهير بابن قيِّم الجوزيَّة، تغمَّده الله تعالى بغفرانه، وأسكنه بُحْبُوحة جِنانِه. ولستُ أدَّعي الإحاطةَ بجميع ما كتبه، بل الغالب والأكثر. وقد سقط منه القليل جدًّا لتعذُّر كتابته، فعساه زاد لفظةً أو لفَظاتٍ في أثناء كلام، فلم يمكنِّي إفرادُها لاتصالها بكلام كثير للمنذري، ولم يمكن كَتب ذلك الكلام الذي للحافظ المنذري كله، فحذفت الزيادة قصدًا لذلك. وكلُّ ما كان عليه علامة «م» فهو من كلام المنذري. ولا أذكر من كلام المنذري إلا ما قوي اتصاله بكلام الحافظ ابن القيم، فلم يمكن فهمه إلا بذكره عُقباه. وكلُّ ما كان عليه «ش» فهو إشارة إلى الشيخ شمس الدين، لأنّ أول لقبه الشين، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لأعلمتُ له «ق»، إذ هو مشهور بأبيه، ولم أكتب هذا إلا في الجزء الثاني (1) لمّا طال اسمهما وتكرَّر». _________ (1). في الجزء الأول كانت عبارته: «قال المنذري»، و «قال ابن القيم» أو «قال الشيخ شمس الدين» ونحوها.

(المقدمة/15)


- غرضه من التجريد: قال: «وقد تعبتُ في تجريد هذه الزوائد لكني استفدت بها مقصدَين من أعظم المقاصد، أحدهما: مطالعة الكتاب، والثاني: تسهيل هذه الزيادات على الطلاب. واعْلم أنّ هذا التجريد أفاد أمرًا حسنًا وفضلًا بيِّنًا، وذلك أنّ الناظر في كتاب الحافظ المنذري لا يستغني عمّا زاده عليه الحافظ ابن القيم، والناظر في كلام الحافظ ابن القيم لا يستغني عن كتاب الحافظ المنذري، لأنّ الشيخ ابن القيم لم يكتب في كتابه جميع ما حشّى به الإمام المنذري، بل كثيرًا ما يحذف منه فوائد لا تُعَدّ ولا تُحصَى لكثرتها، فإذا كان عند الإنسان كتاب المنذري وهذا التجريد استغنى به عن طُول النظر في كتاب الحافظ ابن القيم. ثم ولو نظر في كتاب ابن القيم لا يقدر على التمييز بين كلامه وكلام المنذري حتى يقابل البابَين اللذَين ينظر فيهما معًا ــ كما فعل كاتبه ــ فتتبيَّنَ له الزيادة، فيحتاج إلى طول زمان، والعمرُ قصير، والشغل كثير، والأجل في مسير!». ونقل المجرّد مقدمة وخاتمة ابن القيم لتهذيبه فحفظ لنا بذلك غرض ابنِ القيم ومنهجَه وطريقتَه في كتابه. وقد كان يظن كثيرون إلى عهد قريب ــ وأنا منهم ــ أن ابن القيم في «تهذيب السنن» إنما علَّق حواشيَ على طُرَر نسخته من «مختصر المنذري» ضمّنها تعليقات وتعقيبات وشروحًا على أحاديث متفرقة في الكتاب، ولعل الذي رسّخ هذا الظنَّ هو نشرات كتاب «التهذيب» السابقة إذ كانت في هامش «المختصر» أشبه شيء بالتعليق والتنكيت والاستدراك على المنذري.

(المقدمة/16)


فلما وقفنا على نسخة الكتاب الخطية، وقرأنا مقدمةَ المؤلف وخاتمتَه، وكلامَ المجرِّد والعنوانَ الذي وضعه، تبين لنا أننا أمام تجريد لزوائد كلام ابن القيم وليس نَسْخًا لكتابه كاملًا. - مؤاخذات على التجريد: وإن كان المجرّد قد بذل جهدًا كبيرًا لاستخلاص زيادات ابن القيم على كلام المنذري الممزوج به من «تهذيب السنن»، إلا أن عمله اعتراه إعواز في مواضع، من أهم ذلك: 1 - أن المجرِّد أخلَّ بنقل بعض كلام المؤلف مما أحدث خللًا في فهم باقيه، كما في باب في تسوية القبر (2/ 378)، وباب في تمرة العجوة (2/ 633)، وأحيانًا يشير إليه دون أن يسوقه، كما في كتاب المهدي (3/ 90) وإنما تبيّن كل ذلك واستُدرك الخلل من النسخة الهندية (هـ) التي عثرنا عليها بأخرة. 2 - في أبواب كثيرة ذكر المجرِّد ترجمة الباب ثم ذكر كلام ابن القيم، دون أن يعيِّن الحديث الذي وقع التعليق عقبه ولا القدر الذي ساقه من كلام المنذري. 3 - في مواضع نقل لنا بعض الأبواب التي ليس فيها زيادات للمؤلف، بل لا يزيد كلامُه على ما ذكره المنذري في «المختصر». انظر: باب في الكفن (2/ 348)، وباب في الأدوية المكروهة (2/ 631 - 632). 4 - في آخر الكتاب أخذ المجرِّد يسرد تعليقات ابن القيم على بابين مختلفين أو على أحاديث متفرقة في الباب الواحد ويسوقها مساقًا واحدًا

(المقدمة/17)


دون أي فصل بينه أو إشارة. انظر: باب في حسن الخلق (3/ 349)، وباب في تنزيل الناس منازلهم (3/ 356)، وباب فيما جاء في المملوك إذا نصح (3/ 430). * * * *

(المقدمة/18)


ترجمة المجرّد جاء اسم المجرِّد على ورقة العنوان في نسخة الأصل وفي خاتمته: «محمد بن أحمد السعودي»، وفي الخاتمة أنه فرغ من تجريده في شهر ربيعٍ الأول سنة تسعين وسبعمائة. والمسمى بهذا الاسم في ذلك العصر ــ بحسب ما وقفنا عليه ــ اثنان اشتركا في الاسم واسم الأب والجد والشهرة، هما: الأول: محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عمر الشمس النحريري ثم القاهري الشافعي المؤدب الضرير. يُعرف بـ «السعودي» نسبةً لقريب له كان يخدم الشيخ أبا السعود. قال السخاوي: ورأيت من قال ممن نسخ له شيئًا قديمًا: إنه يُعرَف بابن أخي السعودي، فكأنه ترك تخفيفًا. وُلد سنة 756 بمصر وحفظ القرآن واشتغل في الفقه، وفي القاهرة واشتغل على السِّرَاجَين ابن الملقن (ت 804) والبُلقيني (ت 805)، ولازم الأخير منهما وخدَمَه وصار يجمع له أجرة أملاكه. وسافر إلى القدس مرّتين ودخل الاسكندرية وحجَّ فأخذ عن جماعة هناك، قال ابن حجر: ولم يمعن في ذلك لأنه لم يكن من أهل الفن، ولا صَحِب من يدرِ به (1). ثم استوطن القاهرة وتكسّب بتأديب الأطفال في المسجد فانتفع به من لا يُحصى كثرةً، وذكر السخاوي منهم والدَه وعَمَّه وشيوخه كالجلال بن _________ (1). كذا ولعلها: «من يدريه».

(المقدمة/19)


الملقن (ت 870) والبهاء البالسي (ت 859) في آخرين. قال السخاوي: وقد جوَّدتُ عليه القرآن بتمامه حين انقطاعه بمنزله ودرَّبني في آداب التجويد، وقرأت عليه تصحيحًا في «العمدة» (1) وغيرها. مات في رمضان سنة 849 بعد أن انهشم وتحطم (2). الثاني: محمد بن أحمد بن عمر الشمس أبو عبد الله القاهري السعودي الحنفي. ناب في الحكم وتصدَّى للتدريس. قال السخاوي (3): ورأيت له كراريس من مصنَّف سماه «تهذيب النفوس» شبه الوعظ. وقد رافق برهانَ الدين سبطَ ابن العجمي الحلبي (ت 841) في السماع على الطبردار الحراوي (ت 781) صاحبِ الحافظ شرف الدين الدمياطي (ت 705) في «فضل العلم» و «خماسيات ابن النقور»، فتوهّمه بعض أصحابنا فقيهَنا الشمس السعودي الماضي قريبًا لاشتراكهما في الاسم واسم الأب والجد والشهرة، وهو غلط فذاك شافعي تأخر عن هذا. وذكر السخاوي إجازةً منه لأحد تلاميذه سنة 801 اطَّلع عليها، ووصفه بحسن الخطِّ والعبارة. ومن مؤلفاته: «الدر الرصين المستخرج من بحر الأربعين»، له نسخة _________ (1). الظاهر أنه «العمدة في فروع الشافعية» لأبي بكر الشاشي (ت 507)، وصفه ابن الصلاح في «طبقات الشافعية» (1/ 89 - 90) بـ «المختصر المشهور». (2). انظر: «إنباء الغمر» (9/ 241) و «الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» (7/ 30 - 32)، (3). «الضوء اللامع» (7/ 34) بتصرّف يسير لتوضيح أسماء الأعلام ووفياتهم.

(المقدمة/20)


في المكتبة الأزهرية برقم (1600)، وهو شرح مبسوط، ذكر في مقدّمته أنه اعتمد في شرحه على شروح الأربعين لنجم الدين الطوفي، وتاج الدين الفاكهاني، وابن فرح الأندلسي، مضيفًا إليه فوائد من «شرح مسلم» للنووي، و «المفهم» للقرطبي، ومن كتب أخرى كـ «شعب الإيمان» للبيهقي، و «الاستيعاب» لابن عبد البر، و «الشفا» للقاضي عياض. وله أيضًا: تخريج الأربعين النووية، ذكره السخاوي في ترجمته للإمام النووي (ص 49 - مخطوط في مكتبة زهير الشاويش الخاصة) (1). ولم أقف على من صرّح بوفاته غير صاحب «هدية العارفين» فإنه ذكر أنه توفي سنة 803. والذي يمكن أن يقال من خلال ما ذكره السخاوي أنه توفي بعد 801، ولعله لم يلبث بعده كثيرًا، فقد جاء على طرّة النسخة الأزهرية «للدر الرصين» بعد ذكر اسم الكتاب واسم المؤلف: «من علماء أواخر القرن الثامن، نبَّه على ذلك كاتبه: أحمد عمر المحمصاني الأزهري». والذي يظهر أن المجرّد لتهذيب السنن لابن القيم هو هذا الثاني، وذلك لقرائن: 1 - عنايته بالحديث أكثر من الأول. 2 - أنه عُرف بالتأليف، والأول لم يذكروا له أيَّ تأليف. 3 - أنه كان له عناية بمطالعة الشروحات الحديثية والنظر فيها على اختلاف مذاهب مؤلفيها، كما يظهر جليًّا من شرحه على الأربعين. _________ (1). وطبع المخطوط كما هو في دار البشائر الإسلامية بتقديم الشيخ محمد بن ناصر العجمي عام 1437 هـ.

(المقدمة/21)


4 - أن المجرِّد ذكر في الخاتمة أن من فوائد ما قام به من التجريد: «تسهيل هذه الزيادات على الطلاب». وهذا يوحي بأنه تصدَّى للتدريس، وهو ما ورد في ترجمة السعودي الحنفي، بخلاف الأول فإنه كان مؤدِّبًا للأطفال يُقرئهم القرآن ويعلّمهم التجويد. 5 - أن الأول ترجمته مبسوطة عند السخاوي في «الضوء اللامع»، فقد أخذ عنه هو وكثير من مشايخه، وأيضًا ذكره ابن حجر في «الإنباء»، فلو كان التجريد له لما خفي عليهما ذلك ولا فاته ذكرهما. بخلاف السعودي الحنفي، فإن السخاوي لم يُدركه، وترجمته مقتضبة جدًّا عنده، ولم يذكر فيها شرحه على الأربعين، وهذا كلُّه يدل على أنه لم يعرف تفاصيل حياته العلمية، فلا غرابة أن لا يكون وقف على تجريده. * * * *

(المقدمة/22)


أهمية الكتاب وقيمته العلمية يكفي الكتاب أهمية أنه شرح لأحاديث خير البريّة محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن الذي قام بشرحها عالم محقِّق متبحِّر في العلوم والفنون. ولمّا كان «مختصر المنذري» تبعًا لأصل «السنن» مشتملًا على أبواب متفرقة من العلم من فقه وعقيدة وسلوك مع الكلام على الأحاديث الدالة عليها تصحيحًا وتعليلًا، فقد كان كتابنا مشتملًا على ذلك كله وإن برز في جانب الفقه والحديث باعتبار الكتاب أصلًا فيهما. ويمكن إبراز بعض جوانب قيمته العلمية في النقاط التالية: - ما احتواه من ذكر علل الأحاديث والكلام عليها تصحيحًا وتضعيفًا. وفيه مواضع جليلة في الانتصار لطريقة أئمة الحديث في النقد والتعليل والتصحيح مع التنبيه على خطأ طريقة الفقهاء المتأخرين في عدم التفاتهم إلى العلل، كقوله في باب القضاء باليمين مع الشاهد (2/ 568): «والصواب في ذلك طريقة أئمة هذا الشأن العالمين به وبعلله، وهو النظر والتمهُّر في العلل، والنظر في الواقفين والرافعين والمرسلين والواصلين: أيّهم أكثر وأوثق وأخص بالشيخ وأعرف بحديثه، إلى غير ذلك من الأمور التي يجزمون معها بالعلة المؤثرة في موضع، وبانتفائها في موضع». - تحرير المسائل المختلف فيها بين الفقهاء وذكر مآخذهم ومناقشة أدلّتهم، وقد نبه المؤلف نفسه إلى ذلك حيث قال في ختام بعض تلك البحوث (2/ 437): «فهذه نُكَت في هذه المسألة المُعْضِلة، لا تكاد توجد مجموعةً في كتاب».

(المقدمة/23)


- ما فيه من البحوث الفقهية والعقدية والحديثية التي أطال المؤلف فيها النفس فأسهب في المناقشة والتقرير والاستدلال والترجيح والتحرير. وهي بضعة وعشرون موضعًا سيأتي ذكرها في منهج المؤلف. - عناية المؤلف البالغة في مواضع كثيرة بالجمع بين الأحاديث التي ظاهرها قد يوهم التعارض، وذِكر معالم وقواعد في ذلك، كقوله في باب في الرُّقى (2/ 638): «وهذا المسلك في هذه الأحاديث وأمثالها فيما يكون المنهيُّ عنه نوعًا، والمأذون فيه نوعًا آخر، وكلاهما داخل تحت اسم واحد= مَن تفطّن له زال عنه اضطراب كثير. يظنه من لم يُحِط علمًا بحقيقة المنهي عنه من ذلك الجنس والمأذونِ فيه= متعارضًا، ثم يسلك مسلك النسخ، أو تضعيف أحد الأحاديث». - ما حفظ لنا من أسانيد الحديث وروايات الإمام أحمد وأقوال شيخ الإسلام التي لم تصلنا مصادُرها. ولقيمته العلمية أفاد العلماء منه في شروحهم الحديثية، كما سيأتي. * * * *

(المقدمة/24)


منهج المؤلف في كتابه مصطلح «التهذيب» يتضمّن أنواعًا من التأليف: الاختصار والتلخيص، والتعليق والتعقيب، والاستدراك والتذييل. وهذا شأن كتابنا كما صرّح بذلك المؤلف في مقدّمة كتابه التي سبق نقلها عند «وصف الكتاب». ومنهجه في التهذيب أنه غالبًا يبدأ بما ذكره المنذري من تخريج الحديث والكلام على علله باختصار وتصرّف، ثم يضيف إليه ما يقتضيه المقام من الشرح والاستدراك والتذييل. وقد يأخذ بعض ما ذكره المنذري في شرح الحديث فيضمّنه كلامَه مع الزيادة والتحرير. ويسوق ذلك كلَّه مساقًا واحدًا دون تمييزٍ لما زاده عمّا كان في «المختصر»، وإنما أتى التمييز بين كلام الإمامين من صنيع المجرّد. وقد يصرّح المؤلف بنسبة بعض الكلام إلى المنذري إذا لم يرتضه، أو أراد أن يتعقّبه، أو كان من استقراء المنذري لئلا ينسبه إلى نفسه. انظر: باب في الرجل يبيع ما ليس عنده (2/ 513) وباب النهي عن المسكر (2/ 592)، وباب فيمن أعتق عبدًا وله مال (3/ 44). وبما أن عدد الأبواب التي في «التجريد» تمثِّل قرابة خُمس أبواب «المختصر» (1) = عَلِمْنا أن زيادات المؤلف التي يمكن إفرادها ليست في جميع الأبواب، ويكون المؤلف قد اقتصر في أكثر الأبواب على نقل كلام المنذري مختصرًا له مع تصرّف يسير في بعض المواضع، أو زيادات يسيرة _________ (1). فإن عدد الأبواب في «التجريد» بلغ زهاء 380 بابًا من قرابة 1800 بابٍ في «المختصر».

(المقدمة/25)


لا يمكن إفرادها. وهذه الأبواب هي التي لم ينقلها المجرّد، كما أشار إلى ذلك في آخر الكتاب بقوله: «ولستُ أدَّعي الإحاطةَ بجميع ما كتبه، بل الغالب والأكثر. وقد سقط منه القليل جدًّا لتعذُّر كتابته، فعساه زاد لفظةً أو لفَظاتٍ في أثناء كلام، فلم يمكنِّي إفرادُها لاتصالها بكلام كثير للمنذري، ولم يمكن كتْب ذلك الكلام الذي للحافظ المنذري كله، فحذفت الزيادة قصدًا لذلك». أما زيادات المؤلف فهي على أنحاء كما سبق في كلامه الآنف الذكر، فمنها: - أن يكون المنذري نقل طرفًا من كلام الترمذي أو النسائي أو غيرهما من الأئمة في علّة الحديث، فيكمل المؤلف النقل عنهم. - أن يزيد نُقولًا أخرى عن أئمة الحديث. وفي الغالب يعتمد في ذلك على «معرفة السنن والآثار» و «السنن الكبرى» للبيهقي، و «المحلى» لابن حزم، و «الأحكام الوسطى» للإشبيلي، و «بيان الوهم والإيهام» لابن القطّان. ورُبّما أفاض في شرح العلل ومناقشتها. - أن يزيد أحاديث أخرى وردت في الباب لم يذكرها أبو داود. وقد يكون ما ذكره أبو داود فيه ضعف، وفي الباب أصح منه كأحاديث «الصحيحين» فيسوقها المؤلف. انظر على سبيل المثال: باب تخليل اللحية، باب سكنى الشام، باب كراهية اتخاذ القبور مساجد، باب في أكل لحوم الحمر الأهلية، باب ذكر الفتن ودلائلها، باب في قتال الخوارج، باب إخبار الرجل بمحبته. - إذا كان الحديث في «الصحيحين»، ولا سيما في «صحيح مسلم»، يعتني المؤلف بإيراد ألفاظ رواياتهما.

(المقدمة/26)


- قد يتصرّف في بعض تراجم الأبواب وترتيبها، كأن يستبدل بترجمة الباب ما يكون أدلّ على المقصود، كما في باب القصاص من اللطمة (3/ 123)، فإن ترجمته في «السنن»: باب القَوَد من الضربة وقصّ الأمير من نفسه. وقد يقدّم بابًا على باب لأنه ألصق في مضمونه بالباب الذي قبلهما. ومثاله: أنه كان في «السنن» و «المختصر»: باب القُبلة للصائم، ثم: باب الصائم يبتلع الريق، ثم: كراهية ذلك للشَّاب. فقدّم المؤلف الأخير منها على ما قبله فصار هكذا: باب القُبلة للصائم ــ كراهية ذلك للشَّاب ــ باب الصائم يبتلع الريق. انظر: (2/ 67 - 71). وفي موضع ضم حديث الباب الوحيد إلى الباب الذي قبله، ثم أورد تحته أحاديث أخر أشد مطابقةً للترجمة. انظر: باب في ذلك يدًا بيد (2/ 422). في موضع زاد المؤلف بابين لم يذكرهما أبو داود، وذلك في آخر كتاب الديّات (3/ 152 - 155)، وهما: «باب لا يُقتصّ من الجرح قبل الاندمال» و «باب من اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم»، ثم قال: «ولم يذكر أبو داود هذا الباب، ولا الذي قبله، ولا أحاديثَهما، فذكرناهما للحاجة». - قد يذكر المؤلف كلام المنذري على الحديث ثم يتعقّبه، كما في تعليله لروايات سعيد عن عمر بالانقطاع (3/ 384)، ووجه الجمع بين إكرام الشعر والنهي عن ترجّله إلا غبًّا (3/ 70). - اعتنى المؤلف عناية ظاهرة في كثير من الأبواب بالجمع بين الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض.

(المقدمة/27)


- كما أن له عناية فائقة بتحرير مسائل الخلاف وذكر أدلتها والترجيح بينها. وكثيرًا ما يستعمل الحوار في ذلك حيث يعقد مجلس مناظرة بين فريقين كل منهما يستدل لقوله ويناقش أدلة الخصم، كما في مسألة تحديد التنجيس بالقلتين، وكما في باب في بيع الطعام قبل أن يُستوفَى، حيث عقد مناظرة بين «المخصِّصين» الذين قصروا النهي على الطعام وبين «المعمّمين» للنهي. وربّما أطال جدًّا في بعض المباحث، وهي التي وصفها في مقدمة كتابه بأنه: «بسط الكلام على مواضع جليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه». وهذه المباحث هي: - عدم اشتراط الطهارة للطواف وسجود الشكر والتلاوة. - الكلام على حديث القلتين. - الكلام على تصحيح حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. - فصلٌ في سياق صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبيان اتفاق الأحاديث فيها، وغلط مَن ظنَّ أن التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سُرَّاق الصلاة والنقَّارون لها. - في معنى التلبية. - الخلاف في وقوع الطلاق في الحيض. - الخلاف في الحجامة هل تفطر؟ - إفراد يوم السبت بصيام. - صيام الست من شوّال. - هل يجب الصوم للاعتكاف؟

(المقدمة/28)


- جواز أكل المار من ثمر البستان. - زيارة النساء للقبور. - جواز المزارعة وتوجيه أحاديث النهي عنها - النهي عن بيع العينة. - جواز الاعتياض عن المسلَم فيه بغيره. - النهي عن بيع السلعة قبل قبضها. - معنى النهي عن «شرطين في بيع». - القضاء باليمين مع الشاهد. - تحريم لحوم الحمر الأهلية. - هل يجزّأ العتق إذا أدى المكاتِب بعض كتابته؟ - ثبوت القصاص من اللطمة. - باب في ردِّ الإرجاء. - باب في القدر، في الكلام على تعدد كتابة التقدير. - باب في ذراري المشركين. - الكلام على مسألة العلو، وفيه الكلام حول توثيق محمد بن إسحاق ودفع الطعن في صدقه وعدالته. - باب في المسألة وعذاب القبر، وفيه الردّ على ابن حبان وابن حزم في طعنهما في حديث البراء بن عازب الطويل. - جمع طرق وشواهد حديث «المرء مع من أحب». * * * *

(المقدمة/29)


موارد المؤلف ذكرنا فيما سبق أن الكتاب مختص غالبًا بفنِّ الحديث وعلله ورجاله، وفنِّ الفقه ودقائقه، فمن البدهي أن تكون غالب موارد الكتاب ضمن هذين الفنين وتوابعهما، وكان للمؤلف في تسمية موارده عدة طرق، فإما أن يسمي الكتاب صراحة أو المؤلف دون تسمية كتابه، وهذا كثير خاصة في الكتب التي أكثر من النقل عنها، وقد لا يسمي الكتاب ولا المؤلف ولكن يعرف بالنظر والمقارنة. وقد ينقل المؤلف بواسطة أحد الكتب ولا يكون نقل من المصدر مباشرة، كما يتضح ذلك بالمقارنة. وقد قسمنا الحديث على الموارد بحسب الفنون: - في العلل والكلام على الحديث: المصادر التي اتكأ عليها المؤلف - رحمه الله - في الكلام على علل الحديث، وكأنها كانت بين يديه أثناء تأليفه للكتاب ــ أو كان يستظهر عللها (خاصة أنه ألف الكتاب حال السفر) ــ هي: «المحلى» لابن حزم الأندلسي، وكتابا البيهقي: «السنن الكبرى» و «معرفة السنن والآثار»، و «الأحكام الوسطى» لعبد الحق الإشبيلي، و «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» لابن القطان الفاسي. واعتمد على مصادر أخرى مهمة أيضًا لكن أقل من سابقتها، وهي: «سنن الدارقطني» و «العلل» له، و «علل الترمذي الكبير»، و «السنن الكبرى» للنسائي، و «الكامل» لابن عدي، و «التمييز» لمسلم (في موضع بواسطة)، و «العلل» للإمام أحمد رواية عبد الله، و «العلل» للخلال، «وعلل حديث الزهري» للذهلي (وفي موضع بواسطة ابن القطان)، و «علل ابن أبي حاتم»،

(المقدمة/30)


و «التمهيد» وغيرها. - في الرجال والتاريخ: تنوّعت مصادر المؤلف في الكلام على الرجال، فمن أهمّها: «التاريخ الكبير» للبخاري، و «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، و «الثقات» لابن حبان، و «المجروحين» له، و «الضعفاء» للعقيلي، و «الكامل» لابن عدي، و «التواريخ» عن ابن معين. - في متون الحديث والروايات: أكثر المؤلف من النقل عن الكتب الستة و «الموطأ» و «مسند أحمد»، و «صحيح ابن حبان» و «صحيح ابن خزيمة» و «مستدرك الحاكم» و «المختارة» و «الأحكام الكبرى» للمحب الطبري، وغيرها من السنن والمسانيد. وجلّ هذه النقول من كتبهم مباشرة، وقد ينقل بعض المتون بواسطة كتب المختارات كـ «الأحكام الوسطى» للإشبيلي، و «الأحكام» للضياء، وغيرهما. وهناك مصادر حديثية نادرة ومفقودة نقل منها في مواضع، كـ «الصلاة» لابن حبان، و «المخلّصيات»، و «الفوائد» لابن مقرئ، وأيضًا لابن صخر، و «مسند الحسن بن سفيان»، ومن أحاديث لعثمان بن سعيد الدارمي ولعلّها من «كتاب الأطعمة» له. - كتب شروح الحديث والفقه ومذاهب العلماء: اعتمد المؤلف على كتب شتى في هذا الباب، أبرزها: «السنن الكبير» و «معرفة السنن والآثار» للبيهقي، و «المغني» لابن قدامة، و «التمهيد» لابن

(المقدمة/31)


عبد البر، وكتب ابن المنذر «الأوسط» و «الإشراف»، و «الأم» للشافعي، و «اختلاف الحديث» له، وكتب أخرى ينقل منها المرّة بعد المرّة. من نافلة القول أن يُذكر اعتماد المؤلف على «معالم السنن» للخطابي، وحواشي المنذري على «مختصره» فهما أصل أصيل في الكلام على فقه الحديث وشرح غريبه. - كتب التوحيد والاعتقاد: أهم موارد المؤلف في نقل الأحاديث والآثار وكلام أئمة السلف في مباحث الاعتقاد ــ لا سيما مبحث العلو ــ هي: كتاب «الشريعة» لأبي بكر الآجُرِّي، و «الأسماء والصفات» للبيهقي، وكتاب «العلو» لابن قدامة. ونقل المؤلفُ أيضًا من كتب المتكلّمين ما وافقوا فيه اعتقاد سلف الأمة، كنقله كلامًا في إثبات العلو من «الإبانة» و «مقالات المصلِّين» لأبي الحسن الأشعري، و «رسالة الحرّة» لأبي بكر الباقلاني، وغيرها. وهناك كتب نقل منها المؤلف وهي في عداد المفقود كـ «الموجز» للأشعري، و «شعار الدين» للخطَّابي، وكتاب «الروح والنفس» لابن منده. - كتب شيخ الإسلام ابن تيمية: اعتمد المؤلف على تحقيقات شيخه وتحريراته في مواضع عديدة، منها ما وجدناه في كتب ابن تيمية كمسألة النهي عن صيام يوم السبت (2/ 113 - 123)، فقد أفاد فيه من «الاقتضاء» (2/ 71 - 81)، وصرّح في آخره (2/ 122) بالنقل عنه. ومنها ما لم نجده بنصه في كتب ابن تيمية المطبوعة، وقد أشرنا لذلك في هوامش الكتاب. (ينظر فهرس الأعلام).

(المقدمة/32)


وفي مواضع ينقل من شيخه مشافهةً، كحكمه بالوضع على حديث ابن عباس أن «السجل» كاتب كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - (2/ 325)، وكجمعه بين النهي عن الذهب إلا مقطَّعًا وحديث الخربصيصة (2/ 87). وهذا الثاني موجود بنحوه في بعض «فتاويه» (21/ 87)، والأول حكم عليه بذلك في «الرد على السبكي»: (1/ 268 - 269). - متفرقات: هناك كتب متفرقة نقل منها المؤلف في الكلام على بعض المسائل، كـ «الاعتبار» للحازمي، وكتاب ابن مفوّز في الرد على ابن حزم، و «الروض الأنف» للسهيلي، و «الفروق» للقرافي، و «الكتاب» لسيبويه، و «الصحاح» للجوهري، و «معرفة علوم الحديث» للحاكم، و «جوابات المسائل» للمحب الطبري، و «تحفة الأشراف» للمزي. * * * *

(المقدمة/33)


أثره في الكتب اللاحقة لما كان كتاب ابن القيم شرحًا مبسوطًا لأحاديث كثيرة من سنن أبي داود مع بيان عللها وتحرير للأحكام الشرعية المستنبطة منها= كان من المتوقَّع أن يكون له أثر فيما أُلِّف بعده من الشروح الحديثية. * فأول من وجدناه نقل منه هو الحافظ ابن حجر (ت 852) في «فتح الباري» في ثلاثة مواضع: (2/ 276)، (10/ 603)، (11/ 51، 54) مصرِّحًا بالنقل منه ويسمّيه: «حاشية السنن» أو «حواشي السنن». وهذه مواضع النصوص في كتابنا: (1/ 226)، (3/ 396 - 398)، (3/ 446، 451) وِلاءً. وفي مواضع أخر: (10/ 306)، (12/ 92)، (12/ 229) نقل قول ابن القيم دون التصريح باسم كتابه. وهي عندنا في الكتاب: (3/ 60)، (3/ 98)، (3/ 129). * ثم القسطلَّاني (ت 923) في «إرشاد الساري» (9/ 127)، وهو صادر فيه عن «فتح الباري» (10/ 603). * ثم السفَّاريني الحنبلي (ت 1188) في موضعين من «كشف اللثام» (2/ 373)، (7/ 110) مصرِّحًا باسمه، وفي موضع (7/ 103) من غير تصريح؛ والظاهر أنه أيضًا صادر عن «الفتح» (2/ 276)، (10/ 603)، (10/ 306). * ثم العظيم آبادي (ت 1329) في «عون المعبود»، وهو أكثر الناس نقلًا منه، لأنه كان يمتلك نسخة خطية من «التجريد»، وقد بدأ بنشره على

(المقدمة/34)


هامش شرحه الكبير «غاية المقصود» كما سيأتي في وصف طبعات الكتاب. فمن المواضع التي نقل فيها في «عون المعبود»: (1/ 205، 298، 324)، (6/ 209)، (7/ 109، 179، 286)، (10/ 131، 168)، (12/ 45، 282، 321)، (13/ 8، 16، 17 - 25) ط. دار الكتب العلمية. * ثم عبد الرحمن المباركفوري (ت 1353) في «تحفة الأحوذي» في مواضع: (1/ 277، 284)، (5/ 277، 472 - 473)، (9/ 166) ط. دار الكتب العلمية. * * * *

(المقدمة/35)


طبعات الكتاب للكتاب أربع طبعات فيما نعلم: 1 - أول من بدأ بطباعة كتابنا هذا العلّامة شمس الحق العظيم آبادي في الهند سنة 1305 هـ، وذلك بهامش شرحه الحافل «غاية المقصود»، ومعه أيضًا مختصر سنن أبي داود، لكنها طبعة غير كاملة إذ لم يطبع من غاية المقصود إلا الجزء الأول من تجزئة الخطيب لسنن أبي داود البالغ اثنين وثلاثين جزءًا، وصل فيه إلى آخر الكلام على باب الوضوء من لحوم الإبل من «تهذيب السنن» (1/ 134 من طبعتنا). وقد اعتمد في إخراجه على نسختين خطيتين: نسخة خدابخش، وهي المرموز لها عندنا بـ (ش)، ونسخة عبد الجبار الغزنوي. 2 - الطبعة الثانية: طبعة السنة المحمدية بعناية الشيخ محمد حامد الفقي والشيخ أحمد محمد شاكر (1) سنة 1357 هـ في ثمانية مجلدات مع «مختصر السنن» للمنذري و «معالم السنن» للخطابي، على نفقة الملك عبد العزيز آل سعود رحمهم الله. وهذه الطبعة ضمَّت ثلاثة كتب: أولها «مختصر المنذري» الذي عمد _________ (1). كانت مشاركة الشيخ أحمد شاكر إلى المجلد الثالث من الكتاب فقط. وكان يختم تعليقاته بذكر اسمه في مواضع يسيرة في المجلدين الأولين، ثم كثر في المجلد الثالث، وآخر تعليق للشيخ أحمد شاكر كان في (3/ 416) وربما وضع الفقي اسمه أيضًا عقب تعليقه. وعليه فإنّ وَضْع اسم الشيخ أحمد شاكر في غلاف المجلدات الثمانية في الطبعات المصورة تصرف غير صحيح.

(المقدمة/36)


المؤلف إلى تهذيبه، والثاني «معالم السنن» للخطابي وهو شرح مختصر لسنن أبي داود، والثالث كتابنا هذا، وجعل الناشر كتاب «المختصر» في أعلى النص، يليه كتاب الخطابي، وفي ذيل الصفحات جاء كتاب ابن القيم بخط صغير جدًّا. وهذه النشرة مع كونها أول إصدار كامل للكتاب، ومع شكرنا لمن قام عليها، غير أنها أسهمت في ضعف الإفادة من الكتاب، لتفرّق التعليقات في هوامش الكتاب، وصغر الخط، وربما لعدم وضوح تعليق المؤلف على كلام المنذري (1)، إضافة إلى ما وقع فيها من أخطاء طباعية وتصرف في كلام المؤلف بالإضافة والحذف والتغيير دون إشارة إلى ذلك ومن غير ضرورة تلجئ إليه في غالب الأحيان، بل حُذِف بعض كلام ابن القيم بحجة الاستغناء عنه بكلام الخطابي أو المنذري (على قلّته). 3 - طبعة بحاشية «عون المعبود»، وهي في اثني عشر مجلدًا، بعناية عبد الرحمن محمد عثمان، نشرة مكتبة السلفية بالمدينة النبوية سنة 1388. وكل ما قيل في الطبعة السابقة يصدُق على هذه الطبعة مع إضافة أخطاء طباعية جديدة. 4 - طبعة بتحقيق د. إسماعيل بن غازي مرحبا عن دار المعارف بالرياض في خمس مجلدات، ط الأولى سنة 1428 هـ. وهي طبعة جيدة صححت كثيرًا مما وقع في ط الفقي من تصرف وأغلاط. واعتمد في _________ (1). وقد أشار الفقي في خاتمة طبعته (8/ 120) إلى ذلك وقال: «ولعلنا في الطبعة الثانية إن شاء الله نوفق لوضع وترتيب أجود من هذا، لأن هذا الوضع هو أول إخراج للكتاب».

(المقدمة/37)


تحقيقه على نسخة واحدة هي نسخة عارف حكمت (الأصل)، وهذه الطبعة على جودتها لم تخلُ من بعض الأخطاء والتحريفات بيّنّاها في هوامش التعليق وضربنا مُثُلًا لها، إضافة إلى كونه لم يورد الحديث الذي علّق عليه المؤلف إلا في الهامش ولا كلام المنذري أيضًا إلا في أحيان قليلة، فيتشتت القارئ بين المتن والهوامش بحثًا عن الحديث وكلام المنذري، كما يؤخذ على هذه النشرة اعتماده على طبعةِ الفقي لـ «مختصر المنذري»، حيث سقطت منها حواشٍ كثيرة للمنذري وهي موجودة في النسخ الخطية الأخرى للمختصر، وبالوقوف عليها ونَقْلها يُفهم كلام المؤلف، ويُعرف على أي شيء علّق، وقد أشرنا لكلام المنذري الساقط في هوامش التحقيق، وأوردنا كلامه عقب الحديث كما أشار المجرّد. وعلى كل حال فهي طبعة جيدة أفدنا منها واستدركنا عليها. 5 - طبعة بتحقيق محمد صبحي حلاق، عن دار المعارف بالرياض في ثلاثة مجلدات، نشرت سنة 1432 هـ، وما زاد فيها على أن أخذ نص الكتاب من طبعة الفقي، فحافظ على أخطائها وزاد من عنده أخطاء جديدة. * * * *

(المقدمة/38)


مخطوطات الكتاب 1 - نسخة الأصل: وهي محفوظة في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة النبوية ضمن مجموعة عارف حكمت رقم (485)، تقع في 275 ورقة، عدد الأسطر 25 سطرًا، مقاس الصفحة 26.5 × 18.5 سم. وهي نسخة تامة جيدة صحيحة، وقع فيها بعض البياضات قد تبلغ سطرًا أو أكثر في بعض المواضع، ولعلها مما تركه المجرّد أملًا في استكماله لاحقًا فلم يتيسر له. كتبت يوم الأربعاء الخامس عشر من ربيع الأول سنة 790 هـ، أي بعد موت المؤلف بتسع وثلاثين سنة، جرّدها محمد بن أحمد السعودي. كتب على صفحة الغلاف: «هذا ما منّ به الرحيم الودود من تمييز زوائد حواشي «مختصر سنن أبي داود» التي زادها الشيخ الإمام الحافظ الحجة شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية تغمده الله تعالى بغفرانه وأسكنه فسيح جناته. جرَّده الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد السعودي عامله الله تعالى بلطفه آمين». وكُتب تحته تمَلّك نصّه: «دخل في سلك ملك الفقير إلى الغني الصمد علي بن أمر الله (1) بن محمد جمع الله تعالى بينهم في مقعد صدق وحبّذا ذاك المقعد، بالقاهرة سنة 974». _________ (1). هكذا قرأتها. ولعله المترجم له في «الأعلام»: (4/ 264): علي (شلبي) بن أمر الله بن عبد القادر الحميدي الرومي سيف الدين المعروف بقينالي زاده، قاضٍ تركي له اشتغال بالحديث وله تصانيف (ت 979).

(المقدمة/39)


وكتب مقابله تملُّك آخر: «من كتب الفقير أبي الخير أحمد (1) غفر له». وتحتهما ختم كبير لوقفية عارف حكمت ونصها: «مما وقفه العبد الفقير إلى ربه الغني أحمد عارف حكمة الله بن عصمة الله الحسيني في مدينة الرسول الكريم عليه وعلى آله الصلاة والتسليم بشرط ألا يخرج عن خزانته، والمؤمن محمول على أمانته 1266» وتكرر الختم في خاتمة النسخة مرتين. وقد يبدو لأول وهلة أن النسخة بخط مجرّدها محمد بن أحمد السعودي بسبب قوله في صفحة الغلاف بعد العنوان: «جرّده الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد السعودي»، وهذه العبارة لا يطلقها إلا المؤلف أو الكاتب نفسه، وبسبب قوله في خاتمة النسخة: «بلغ مقابلة على أصله المنقول منه الذي بخط مجرّده فصحّ جهد الطاقة ولله الحمد، وكتب مجرده محمد السعودي». لكن يشكل على ذلك ما في آخر النسخة، فبعد أن تمّ الكتابُ كتب ناسخه ــ الذي هو شخص غير السعودي ــ: «ورأيتُ في النسخة المنقول منها هذه النسخة ما صورته: قال كاتبه محمد بن أحمد السعودي: هذا آخر ما كتبته مما زاده الشيخ. . .». فتحصّل من ذلك أن ناسخ النسخة ينقل من نسخة المجرِّد السعودي صورةً طبق الأصل لما فيها، حتى يبدو للمتوهم أنها هي هي، ولولا هذه الإشارة الأخيرة لما شككنا أنها بخط المجرّد محمد بن أحمد السعودي. _________ (1). هو الشيخ المحدّث أحمد بن عثمان أبو الخير الهندي المكي الحنفي (ت 1328)، ترجمته في «نزهة الخواطر»: (8/ 1175)، و «فهرس الفهارس»: (2/ 690 - 695).

(المقدمة/40)


وعليه فإنّ تاريخ النَّسْخ المدوّن على النسخة (790) هو تاريخ التجريد وليس تاريخًا لنسختنا، فمتى نُسِخت نسختنا؟ هذا ما لم ينصّ عليه الناسخ ولم يسمّ نفسه، لكن نسختنا قديمة أيضًا بدليل قيد المطالعة في آخرها، فقد طالعها إبراهيم بن محمد بن التقي المقدسي سنة 864، فهي منسوخة بين سنتي (790 وسنة 864). وعليه أيضًا فَقَيْد المقابلة في آخرها إنما هو منقول عن النسخة الأم، ولكن نسختنا أيضًا مقابلة، بدليل بلاغات المقابلة في طُرَرها والاستدراكات للسقط على هوامشها. 2. نسخة مكتبة خدا بخش خان بالهند: كانت هذه النسخة في مكتبة العلامة المحدث شمس الحق العظيم آبادي التي آلت إلى مكتبة خدا بخش خان، وهي في 482 صفحة، وفي كل صفحة 25 سطرًا، وفي كل سطر ما بين 12 و 15 كلمة. نسخها محمد علي بن محمد حسن عنبرخاني بالمدينة المنورة العشرين من شهر رمضان المبارك عام 1294. وهي نسخة تامة ومقابلة على الأصل المنسوخ منه، وهي كثيرة السقط والتحريف، وبمقارنتها بما في نسخة المدينة المنورة تبين أنها منسوخة منها، فإنها تشاركها في كثير من السقط والتحريف. وعلى طرتها ختم مالكها (أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي). وعلى صفحة العنوان كُتِب اسم الكتاب والمؤلف كما يلي: «كتاب تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة، للشيخ الإمام الأوحد البارع، موضح المشكلات وفاتح المقفلات، شيخ الإسلام، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر

(المقدمة/41)


المعروف بابن قيم الجوزية، قدس الله روحه، آمين». وقد رمزنا لها بـ (ش). 3. نسخة الجامعة العثمانية بالهند: وهي ناقصة الآخر مقابلة على الأصل، وقد سقطت منها أوراق من مواضع كثيرة من أولها ووسطها وآخرها، عدد أوراقها 185 ورقة، وفي كل صفحة 25 سطرًا، وفي كل سطر من 12 إلى 15 كلمة. ويبدو أنها كتبت في أوائل القرن التاسع. وقد كتبت بثلاثة خطوط مختلفة، أحدها بخط شبيه جدًّا بخط ناسخ الأصل إن لم يكن هو، ويبدو أنهم تناوبوا على نسخ الكتاب لا أنها عدة نسخ ثم لُفّقت لتكون نسخة واحدة، فمن بداية النسخة إلى ق 72 (باب اختيار الفطر) بخط واحد، وهو على منوال نسخة الأصل في تجريد كلام المؤلف. ثم من ق 73 من عند (باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها) تغير الخط وأسلوب الكتاب إلى نهاية النسخة، إذ يذكر الحديث الذي علّقَ عليه المؤلف، وينقل تعليق المؤلف بتمامه من غير تمييز بين كلامه وبين كلام المنذري، وكذلك تراجم الأبواب هي في مواضع أتم مما في نسخة الأصل. هذه النسخة أخلّت ببعض الأبواب التي في أصل المجرّد، في حين أنها زادت عليه بعض الأبواب، وفي أكثر هذه الأبواب الزائدة لا يعدو الكلام ما ذكره المنذري مع تصرف يسير أو اختصار أو زيادة يسيرة لا يمكن إفرادها. ولعلها الإبرازة الأولى للتجريد، واستقرّت الإبرازة الثانية على ما في نسخة الأصل. ومن ق 108 إلى 115 ومن ق 131 إلى آخر ما وصل إلينا من هذه النسخة بخط شبيه بخط ناسخ الأصل.

(المقدمة/42)


ويتبين من خلال هذه النسخة (من الورقة 73 إلى آخرها) منهج المؤلف في «تهذيب مختصر المنذري لسنن أبي داود»، وكيفية سرد الأحاديث وكلام المنذري عليها وانتقائه، وإيضاحه وتهذيبه والزيادة عليه وتعقيبه والاستدراك عليه. وقد استفدنا من هذه النسخة بيان المواضع التي أخلّ المجرِّد فيها بتعيين الأحاديث التي تكلم عليها المؤلف، وكذلك في إثبات كلام المنذري على الوجه الذي أثبته المؤلف بالاختصار والتصرّف. وقد رمزنا لها بـ (هـ). وقد أتحفنا بصورة منها أخي الشيخ الخبير بالمخطوطات أبو يعقوب عبد العاطي الشرقاوي ــ جزاه الله خيرًا ــ حين زارني في بيتي بمكة المكرمة. وكنا حينها قد شارفنا على الانتهاء من الكتاب، فأعدنا النظر فيها وانتفعنا بها. ومن نسخ الكتاب أيضًا: نسخة كلكتا في الهند، في مجلد واحد، بخط فارسي، وهي كثيرة الخطأ والسقط والتحريف. نسخة الشيخ عبد الجبار الغزنوي، وقد اعتمد عليها الشيخ العظيم آبادي في نشرته لـ «التهذيب» بهامش «غاية المقصود»، ولم نقف عليها. نسخة في مكتبة الرياض السعودية بدار الإفتاء رقم 713، وهي منسوخة من نسخة عارف حكمت. * * * *

(المقدمة/43)


منهج التحقيق لن نعيد ذكر الخطوط العريضة لمنهج التحقيق هنا، فقد ذكرناها مرارًا، وكتبنا فيها رسالة صغيرة مطبوعة، لكننا سنذكر هنا ما اكتنف هذا الكتاب من خصوصية في عملنا عليه: تقدّم أن الكتاب الذي وصل إلينا ليس أصل كتاب ابن القيم بل هو تجريد لكلامه الذي زاده على كلام المنذري في «مختصره»، وتهذيب لحواشيه، وكان المجرّد يسوق عنوان الباب وطرفًا من كلام المنذري مصدِّرًا له غالبًا بـ «قال المنذري»، ثم ينقل زوائد المؤلف مصدِّرًا لها بـ «قال ابن القيم»، أو «قال الشيخ شمس الدين»، أو «قال شمس الدين» أو «قال الشيخ المذيّل». . . إلخ، ثم عدل عنها في نصف الكتاب الأخير إلى (قال م) للمنذري، و (قال ش) لشمس الدين ابن القيم. وقد مشينا نحن في إثباتها على نمط واحد وهو: «قال ابن القيم - رحمه الله -» في جميع الكتاب. فالمجرّدُ لا يسوق الحديثَ الذي علّق عليه ابن القيم ولا كلام المنذري الذي عقّب عليه أو زاد، فعمدنا إلى سياق الحديث أو الأحاديث التي علّق عليها ابن القيم، وذلك من خلال إشارة المجرّد للحديث، فإذا لم يُشر نتبيّنها من خلال تعليق المنذري والمؤلف، أو نجتهد في إيراد الحديث أو الأحاديث المناسبة للتعليق. ثم أوردنا كلامَ المنذري عقب الحديث إلى الموضع الذي أشار إليه المجرّد، أو سقناه كاملًا إن لم يذكر المجرّد ذلك، وربما طال كلام المنذري فاجتهدنا في إيراد القدر الذي يُفهم به تعليق المؤلف، وميَّزنا الأحاديث وكلام المنذري بتسويد الخط وتغيير حجمه.

(المقدمة/44)


وكنا لا نجد كثيرًا من كلام المنذري الذي يُشير إليه المجرّد في مطبوعة الفقي للمختصر، فاستعنّا بمجموعة من النسخ الخطية للمختصر منها نسختان في المكتبة المحمودية، ونسخة من دار الكتب المصرية، ونسخة من مكتبة المتحف البريطاني، فوجدنا كلام المنذري فيها، وتبين بذلك أن طبعة الفقي للمختصر ناقصة نقصًا كبيرًا، وأن الكتاب بحاجة إلى إعادة إخراج على النسخ المتقنة الكاملة. ثم حصلنا على نسخة الجامعة العثمانية بالهند (هـ) لتهذيب السنن، فوجدنا فيها بعض الأبواب منقولةً بتمامها كما كتبها المؤلف دون تمييز ولا تجريد لكلامه عن كلام المنذري، فتبيّن منها أن المؤلف كان يتصرّف في القَدْر الذي ينقله من كلام المنذري، فأثبتنا كلام المنذري في تلك الأبواب كما كتبه المؤلف مع الإشارة في الهامش إلى ما فيه من تصرّف المؤلف اختصارًا أو زيادة. ثم أوردنا كلام المؤلف مصدِّرين له بعبارة: (قال ابن القيم - رحمه الله -:) على هذه الصورة في جميع مواضع الكتاب، وإن اختلفت طريقة إيراد المجرِّد لها كما سبق. ثم علقنا على النص بما يقتضيه من الخدمة. أوردنا نص الحديث من «مختصر المنذري» بالاعتماد على عدة مخطوطات للكتاب أشرنا إليها قبل قليل مع مطبوعة الفقي، وأما تراجم الأبواب فجعلنا ما في نسخة الأصل هو الثابت مع الإشارة إلى الاختلافات المهمة بينها وبين المختصر والسنن إن وجد. ووقع في كتابنا اختلاف يسير في ترتيب بعض الأبواب، فأبقيناه كما هو

(المقدمة/45)


مع التنبيه على ما وقع من خلاف، ينظر مثلًا (1/ 518، 525) إلا في موضع واحد أصلحنا الترتيب كما في المختصر والسنن لضرورة ذلك، وهو (باب إتيان الحائض) (1/ 150 - 157). أما نص كلام المؤلف فكان من نسخة الأصل، وقابلناه بالنسخة (ش) (خدا بخش خان) وهي كثيرة الخطأ والتصحيف، فأهملنا الإشارة إلى أخطائها واستفدنا منها نزرًا يسيرًا من الكلمات، ثم لمّا حصّلنا نسخة (هـ) قابلنا النص عليها فكان فيها فوائد عديدة وزيادات واستدراك بعض سقط عند المجرّد، وهي وإن كانت أقل خطأً من (ش) وأصح نصًّا إلا أن النقص في بعض الأبواب، والسقط في بعضها، والطمس في الأخرى، والاختلاف في الخطوط= جعلنا لا نستفيد منها تمام الفائدة، ولم نُشر إلى أخطائها وتحريفاتها إلا نادرًا، وقد تحدثنا عن هذه النسخة بالتفصيل عند ذكر نسخ الكتاب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

(المقدمة/46)


نماذج من النسخ الخطية

(المقدمة/47)


صفحة الغلاف من نسخة عارف حكمت (الأصل)

(المقدمة/49)


الصفحة الأولى من نسخة عارف حكمت (الأصل)

(المقدمة/50)


الصفحة الأخيرة من نسخة عارف حكمت (الأصل)

(المقدمة/51)


صفحة الغلاف من نسخة الجامعة العثمانية (هـ)

(المقدمة/52)


الصفحة الأولى من نسخة الجامعة العثمانية (هـ)

(المقدمة/53)


الصفحة الأخيرة من نسخة الجامعة العثمانية (هـ)

(المقدمة/54)


صفحة الغلاف من نسخة خدا بخش (ش)

(المقدمة/55)


الصفحة الأولى من نسخة خدا بخش (ش)

(المقدمة/56)


الصفحة الأخيرة من نسخة خدا بخش (ش)

(المقدمة/57)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد ابن قيِّم الجوزية الحنبلي غفر الله له: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ربّ العالمين وإله المرسلين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوثُ رحمةً للعالمين، ومحجَّةً للسالكين، وحُجةً على جميع المكلّفين. فرَّق الله برسالته بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، والشك واليقين، فهو الميزان الراجح الذي على أقواله وأعماله وأخلاقه تُوزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعته والاقتداء به يتميّز أهلُ الهدى من أهل الضلال. أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقْوَم الطرُق وأوضح السُّبُل، وافترض على العباد طاعتَه ومحبَّتَه وتعزيرَه وتوقيرَه والقيامَ بحقوقه، وأغلق دون جنته الأبوابَ، وسدَّ إليها الطرقَ فلم يفتح لأحدٍ (1) إلا من طريقه، فيشرح (2) له صدرَه، ورفعَ له ذكرَه، ووضع عنه وزرَه، وجعل الذلَّةَ والصَّغَار على من خالف أمرَه. _________ (1) "لأحدٍ" سقطت من ط. الفقي. (2) كذا في الأصل و (ش، هـ)، والأنسب للسياق "فشرح".

(1/3)


هدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وأرشد به من الغيّ. وفتحَ به أعْينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا؛ فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصَحَ الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد. لا يردُّه عنه رادّ ولا يصدُّه عنه صادّ، حتى سارت دعوتُه مسيرَ الشمس في الأقطار، وبلغ دينُه القيِّم ما بلغ الليلُ والنهار. فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين صلاةً دائمةً على تعاقب الأوقات والسنين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن أولى ما صُرِفت إليه العناية، وجرى المتسابقون في ميدانه إلى أفضل غاية، وتنافس فيه المتنافسون، وشمَّر إليه العاملون: العلمُ الموروث عن خاتم المرسلين ورسولِ رب العالمين، الذي لا نجاة لأحدٍ إلا به، ولا فلاح له في دارَيه إلا بالتعلّق بسببه، الذي من ظفِر به فقد فاز وغَنِم، ومن صُرِف عنه فقد خَسِر وحُرِم؛ لأنه قُطبُ السعادة الذي مدارها عليه، وآخيةُ الإيمانِ الذي مرجعه إليه، فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه مُحال، وطلب الهدى من غيره هو عين [ق 2] الضلال. وكيف يوصَل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلةً إليه، ودالَّةً لمن سلك فيها عليه، وبعث رسولَه بها مناديًا، وأقامَه على أعلامها داعيًا، وإليها هاديًا؟! فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحًا واجتهادًا، ازداد من الله طردًا وبِعادًا (1)؛ ذلك بأنه صدَفَ عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال، ورضي لنفسه بكثرة القيل والقال، _________ (1) كذا في الأصل و (هـ)، وهو مصدر بمعنى المباعدة، ويأتي بمعنى اللعن. وجاء في ش والمطبوعات: "وإبعادًا".

(1/4)


وأخلد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالًا على أمثاله من العبيد؛ لم يسلك من سبل العلم مناهجَها، ولم يرتَقِ في درجاته معارجَها، ولا تألَّقت في خَلَده أنوارُ بوارقه، ولا بات قلبُه يتقلّب بين رياضه وحدائقه، لكنه ارتضع من ثدي من لم يَطْهُر بالعصمة لَبانُه، وورد مشربًا آجنًا طالما كدّره قلبُ الوارد ولسانُه، تضجّ منه الفروج والدماء والأموال إلى من حلَّل الحلالَ وحرّم الحرام، وتعجّ منه الحقوق إلى مُنزِل الشرائع والأحكام. فحقٌّ على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا واعيًا، أن يَرغب بنفسه عن أن يجعل كدَّه وسَعْيه في نُصرة من لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا، وأن لا ينزلها في منازل الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فإنَّ لله (1) يومًا يخسر فيه المبطلون، ويربح فيه المُحِقُّون، {يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27]، {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [الإسراء: 71]. فما ظنُّ مَن اتخذ غيرَ الرسول إمامَه، ونبذَ سنَّتَه وراء ظهره وجعل خواطرَ الرجال وآراءَها بين عينيه وأمامَه، فسيعلم يومَ العرضِ أيَّ بضاعةٍ أضاع، وعند الوزن ماذا أحضرَ مِن الجواهر أو خُرْثيّ المتاع (2)! _________ (1) تحرفت في ط المعارف إلى: "بعد"! (2) خُرْثيّ المتاع: سَقَط المتاع.

(1/5)


فصل ولما كان كتاب "السنن" لأبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِستاني - رحمه الله - من الإسلام بالموضع الذي خصَّه الله به، بحيث صار حَكَمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحقّون (1)؛ فإنه جَمَع شمل أحاديث الأحكام، ورتَّبها أحسن ترتيب، ونَظَمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطّراحه منها أحاديثَ المجروحين والضعفاء. وكان الإمام العلامة الحافظ: زكيُّ الدين أبو محمد عبد العظيم المُنذريّ رحمه الله تعالى قد أحسن في اختصاره وتهذيبه، وعزو أحاديثه، وإيضاح علله وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد يدع للإحسان موضعًا، وسَبَق حتى جاء مَن خَلْفه له تبعًا= جعلتُ (2) كتابَه من أفضل الزاد، واتخذته ذخيرة ليوم المعاد. فهذَّبتُه نحو ما هذَّب هو به الأصل، وزدْتُ عليه من الكلام على عللٍ سكت عنها أو لم يكملها (3)، والتعرُّضِ إلى تصحيح أحاديثَ لم يصححها، والكلامِ على متون مشكلة لم يفتَحْ مقفَلَها، وزيادةِ أحاديثَ صالحةٍ في الباب لم يشر إليها، وبَسْطِ الكلام على مواضع جليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرة بأن تُثْنى عليها الخناصر، ويُعَضّ عليها بالنواجذ. _________ (1) كذا في الأصل و (هـ)، وفي ط. الفقي: "المحققون". (2) كتب في الأصل تحت هذه الكلمة بخط أصغر "جواب لما". يعني التي في أول الفصل. (3) قرأها في ش: "يحملها" ولم يصب.

(1/6)


وإلى الله الرغبةُ أن يجعله خالصًا لوجهه، موجِبًا لمغفرته، وأن ينفع به مَن كَتَبه أو قرأه أو نظر فيه أو استفاد منه. فأنا أبرأ إلى الله من التعصُّب والحميّة، وجَعْلِ سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - رافعةً لآراء الرجال، منزَّلة عليها، مَسُوقةً إليها. كما (1) أبرأ إليه من الخطأ والزور والسهو. والله سبحانه عند لسان كلِّ قائل وقلبه، وما توفيقي إلا بالله، وعليه توكَّلت وإليه أُنيب. * * * _________ (1) كذا في (هـ)، وهي غير محرّرة في الأصل وساقطة من (ش).

(1/7)


 كتاب الطهارة

  1 - بابُ الرُّخصة (1)

1/ 12 - وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: نهى نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبلَ القبلةَ ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقبضَ بعام يستقبلها. وأخرجه الترمذي وابن ماجه (2). وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب (3). قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الترمذيّ: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث, فقال: حديث صحيح (4). _________ (1) قبله في "مختصر السنن": (1/ 16): باب كراهة استقبال القبلة عند الحاجة. (2) أخرجه أبو داود (13)، والترمذي (9)، وابن ماجه (325). (3) تنبيه: جرى المجرّد للكتاب على ذكر طرفٍ من كلام المنذري، ثم يتبعه بكلام ابن القيم على الحديث مصدّرًا له بقوله: "قال الشيخ شمس الدين ابن القيم - رحمه الله - ... " أو "قال الشيخ شمس الدين" أو "قال المذيّل" ونحوها، فرأينا أن نسوق الأحاديث وكلام المنذري في الباب بخط مميّز حتى يُعرف سياق الكلام وما هي الأحاديث التي علق عليها المؤلف، ويعرف كلام المنذري الذي أيّده أو تعقبه، واكتفينا بعبارة "قال ابن القيم - رحمه الله - " عند بداية كلامه. وقد ذكرنا هذا في المقدمة وأسبابه تفصيلًا، وهذه إشارة لابدّ منها في هذا الموضع تغني عن الإشارة إلى ذلك في كل موضع. (4) نقل المصنف هذا القول عن الترمذي في "زاد المعاد": (2/ 385) من "العلل"، وليس في المطبوع من "العلل": (1/ 87) قوله: "حديث صحيح". وقد نقله كما نقله المؤلف البيهقيُّ في "الخلافيات": (2/ 68)، وعبدُ الحق في "الأحكام الكبرى": (1/ 365)، والزيلعي في "نصب الراية": (2/ 105)، وابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": (1/ 151). فالظاهر أنه سقط من نسخة العلل شيء، وهذا ما استظهره مغلْطاي في "شرح ابن ماجه": (1/ 120) إذ وقع في نسخته من العلل كما وقع في نسختنا. والله أعلم.

(1/8)


وقد أعلّ ابنُ حزم حديثَ جابر بأنه عن أبان بن صالح, وهو مجهول, ولا يحتج برواية مجهول (1). قال ابن مُفَوّز (2): أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث، وهو أبان بن صالح بن عُمَير, أبو محمد القرشي, مولى [ق 3] لهم, المكي، روى عنه ابن جُريج, وابن عجلان, وابن إسحاق, وعبيد الله بن أبي جعفر. استشهد بروايته البخاري في "صحيحه" (3) عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء. وثَّقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زُرعة الرَّازيان، والنسائي (4). وهو والدُ محمد بن أبان بن صالح بن عُمير الكوفي, الذي روى عنه أبو الوليد، وأبو داود الطيالسي، وحسين الجُعْفي وغيرهم. وجدُّ أبي عبد الرحمن مُشْكُدانة, شيخ مسلم, وكان حافظًا. _________ (1) في "المحلى": (1/ 198) لما ذكر هذا الحديث قال: أبان بن صالح ليس بالمشهور. وقال الحافظ ابن حجر بعد نقل تضعيف ابن عبد البر لأبان بن صالح، وكلام ابن حزم فيه: "وهذه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه، فلم يضعّف أبان هذا أحدٌ قبلهما ... " اهـ. من "تهذيب التهذيب": (1/ 82). وانظر"التلخيص الحبير": (1/ 114). (2) هو: أبو بكر محمد بن حيدرة المعافري الشاطبي، من حفّاظ الحديث (ت 505). له ردّ على المحلى لابن حزم، نقل منه ابن الملقن في "البدر المنير": (1/ 291، 684، 2/ 623)، ولعلّ هذا النقل منه. ترجمته في "الصلة": (2/ 537)، و"السير": (19/ 421). (3) وهي بالأرقام: (898، 1349، 4259) تباعًا. (4) ترجمته في "تهذيب الكمال": (1/ 93)، و"تهذيب التهذيب": (1/ 82).

(1/9)


وأما الحديث؛ فإنه انفرد به محمد بن إسحاق, وليس هو ممن يحتجّ به في الأحكام (1)، فكيف أن يُعارَض بحديثه الأحاديث الصحاح أو يُنسَخ به السنن الثابتة؟ مع أن التأويل في حديثه ممكن, والمخرج منه مُعرَض. تم كلامه (2). وهو ــ لو صح ــ حِكايةُ فِعْلٍ لا عمومَ لها, ولا يُعلَم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه, أو اختيارًا؟ فكيف يقدّم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟ فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول, فما يقولون في حديث عِراك عن عائشة: ذُكِر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلةَ, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَوَ قَدْ فعلوها؟! استقْبِلوا بمَقْعَدتي القبلة" (3). فالجواب: أن هذا حديثٌ لا يصح, وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب "العلل" (4) عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح, وله علَّة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة, المعانون عليها، _________ (1) أسند ابنُ أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (7/ 193) عن الإمام أحمد أنه ذكر ابن إسحاق فقال: أما في المغازي وأشباهه فيُكتَب، وأما في الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا ــ ومدّ يدَه وضمّ أصابعه. (2) أي كلام ابن مُفَوّز. ومُعْرَض أي: ممكن. (3) أخرجه أحمد (25063)، وابن ماجه (324)، والدارقطني: (163، 168) وغيرهم، من طريق خالد بن أبي الصلت، عن عراك به. وهو حديث ضعيف كما سيأتي من كلام المؤلف. (4) (1/ 88 - 92) ووصفه أيضًا بالاضطراب.

(1/10)


وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنَه, ولا أقامَ إسنادَه، خالفه فيه الثقةُ الثبتُ صاحبُ عراك بن مالك المختصُّ به, الضابطُ لحديثه: جعفرُ بن ربيعة الفقيه, فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك (1). فبيّن أن الحديث لعراك عن عروة, ولم يرفعه, ولا يجاوز به عائشةَ. وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك, مع صحة الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهرتها بخلاف ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "المراسيل" (2) عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله ــ وذكر حديث خالد بن أبي الصلت، عن عِراك بن مالك، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، (هذا الحديث) (3) ــ فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعتُ عائشةَ؟ فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟! ما له ولعائشة؟! إنما يرويه (4) عن عروة, هذا خطأ. قال لي: مَن روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذَّاء. قال: رواه غير واحد عن خالد الحذّاء, وليس فيه "سمعتُ". وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة, ليس فيه "سمعت". _________ (1) أخرج هذه الرواية الموقوفة من طريق جعفر البخاريُّ في "التاريخ الكبير" (3/ 156) وأبو حاتم في "العلل" لابنه (50)، ورجّحاها على رواية خالد بن أبي الصلت المرفوعة. (2) (ص 162). (3) في "المراسيل" ذكر نصّ الحديث مكان قوله: "هذا الحديث". (4) في "المراسيل": "يروي".

(1/11)


فإن قيل: قد روى مسلم في "صحيحه" (1) حديثًا عن عراك عن عائشة. قيل: الجواب أن أحمد وغيره خالفه في ذلك, وبينوا أنه لم يسمع منها (2).

  2 - باب كيف التكشُّف عند الحاجة

2/ 13 - عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أرادَ حاجةً لا يرفع ثوبه حتى يدنوَ من الأرض. قال أبو داود: عبد السلام بن حرب رواه عن الأعمش، عن أنس بن مالك، وهو ضعيف. وأخرج الترمذيُّ حديثَ الأعمش عن أنس، وأشار إلى حديث الأعمش عن ابن عمر، وقال: كلا الحديثين مرسل. ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحدٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد نظر إلى أنس بن مالك، قال: رأيته يصلي، فذكر عنه حكايةً في الصلاة. وذكر أبو نعيم الأصبهاني: أن الأعمش رأى أنسَ بن مالك، وابنَ أبي أوفى، وسمع منهما. والذي قاله الترمذي هو المشهور. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال حنبل: ذكرت لأبي عبد الله ــ يعني أحمد ــ حديثَ الأعمش عن أنس, فقال: لم يسمع الأعمش من أنس, ولكن رآه, زعموا أنَّ غياثًا حدّث الأعمش بهذا عن أنس, ذكره الخلال في "العلل" (3). _________ (1) رقم (2630). وانظر: "علل الأحاديث في صحيح مسلم" لابن عمار الشهيد (30). (2) وانظر للتحقيق في سماع عراك من عائشة "التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة" (ص 756 - 765) للهاجري. (3) كتاب "العلل" للخلال لم يُعثر عليه، وقد انتخب منه الموفّق بن قدامة، وقد وُجد بعض المنتخب وطبع في مجلد، وليس هذا النقل فيه.

(1/12)


وقال الخلال أيضًا: حدّثنا مهنّا قال: سألت أحمد: لِمَ كرهتَ مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي عمن حدَّث. قلت: كان له رجل ضعيف سوى يزيد الرّقاشي وإسماعيل بن مسلم؟ قال: نعم, كان يحدِّث عن غِياث بن إبراهيم عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان إذا أرادَ الحاجةَ أبْعَد" (1). سألته عن غِياث بن إبراهيم؟ فقال: كان كذوبًا (2). 3 - باب الخاتم يكون فيه ذِكْر الله يدخل به الخلاء 3/ 18 - عن أنس قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه". وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (3). قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتماً من وَرِق ثم ألقاه". والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام. وقال النسائي: وهذا الحديث غير محفوظ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (4). هذا آخر كلامه. وهمّام هذا هو أبو عبد الله همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي مولاهم _________ (1) كذا في الأصل، وقوله: "أبعد" وهم أو سبق قلم، والصواب: "لم يرفع ثوبه ... " إلخ كما في حديث الباب. وهكذا نقله مغلْطاي في "إكمال تهذيب الكمال": (6/ 93) من رواية مهنّا عن أحمد. (2) ونقله ابن عِرَاق في "تنزيه الشريعة": (1/ 95). وفي "الجرح والتعديل": (7/ 57) عن أحمد: "غياث بن إبراهيم متروك الحديث، ترك الناسُ حديثَه". (3) أخرجه أبو داود (19)، والترمذي (1746)، والنسائي (5213)، وابن ماجه (303). (4) كذا في "الجامع" (1746)، ومخطوطات "المختصر". وفي مطبوعة "المختصر": (1/ 26): "حسن غريب"، وانظر ما سيأتي (ص 18).

(1/13)


البصري، وإن كان قد تكلم فيه بعضهم، فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال يزيد بن هارون: همام قويّ في الحديث: وقال يحيى بن معين: ثقة صالح، وقال أحمد بن حنبل: همام ثَبْت في كل المشايخ. وقال ابن عدي الجرجاني: وهمام أشهر وأصدق من أن يُذكر له حديث منكر، أو له حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو مقدَّم أيضًا في يحيى بن أبي كثير، وعامة ما يرويه مستقيم. هذا آخر كلامه. وإذا كان حال همام كذلك فيترجَّح ما قاله الترمذي، وتفرّده به لا يوهن الحديث، وإنما يكون غريبًا، كما قال الترمذي. والله عز وجل أعلم. قال ابن القيم - رحمه الله -: قلت هذا الحديث رواه همّام ــ وهو ثقة ــ عن ابن جُرَيج، عن الزهري، عن أنس. قال الدارقطني في كتاب "العلل" (1): رواه سعيد بن عامر، وهُدْبة بن خالد، عن همّام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). وخالفهم عَمرو بن عاصم، فرواه عن همّام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: "أنه كان إذا دخل الخلاء" موقوفًا, ولم يُتابَع عليه. ورواه يحيى بن المتوكِّل، ويحيى بن الضُّرَيس، عن ابن جُريج، عن الزّهري، عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومَن تابعه عن همام. ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي، وأبو عاصم (3)، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق، عن ابن جُريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أنه رأى في يد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خاتمًا من ذهب, فاضطربَ الناس _________ (1) رقم (2586). (2) في "العلل" زيادة: "كان إذا دخل الخلاء". (3) في مطبوعة "العلل": "وحجاج وأبو عاصم".

(1/14)


الخواتيم, فرمى به النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: "لا ألبسه أبدًا"، وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جُريج. انتهى كلام الدارقطني. [ق 4] وحديث يحيى بن المتوكّل الذي أشار إليه، رواه البيهقي (1) من حديث يحيى بن المتوكّل، عن ابن جُريج به. ثم قال: هذا شاهد ضعيف. وإنما ضعَّفه لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: واهي الحديث (2) , وقال ابن معين: ليس بشيء (3) , وضعَّفَه الجماعةُ كلّهم. وأما حديث يحيى بن الضُّرَيس, فيحيى هذا ثقة, فينظر الإسناد إليه (4). وهمام وإن كان ثقةً صدوقًا احتجّ به الشيخان في "الصحيح"، فإنّ يحيى بن سعيد كان لا يحدِّث عنه ولا يرضى حفظه. قال أحمد: ما رأيت يحيى أسوأ رأيًا منه في حجاج ــ يعني ابن أرطاة ــ، وابن إسحاق، وهمام, لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم (5). وقال يزيد بن زُرَيع ــ وسئل عن همام ــ: كتابه صالح, وحفظه لا يسوى شيئًا. _________ (1) في "السنن الكبرى": (1/ 95). وأخرجه الحاكم: (1/ 187) وصححه على شرط الشيخين. (2) انظر "الكامل": (7/ 206) لابن عدي. (3) رواية الدوري: (2/ 653). وتعقب ابنُ الملقن من ضعّفه بأن يحيى بن المتوكل هذا ليس أبا عقيل الضعيف، بل آخر، وفرَّق بينهما المزي والذهبي. ينظر "البدر المنير": (2/ 340). (4) أشار إلى روايته ابن الملقن في "البدر": (2/ 339)، والحافظ وقال: أخرجه الحاكم والدارقطني. "التلخيص الحبير": (1/ 118). ولم أجده فيهما. (5) انظر "العلل": (3/ 216) لأحمد بن حنبل. وذكر معهم "ليث".

(1/15)


وقال عفان: كان همّام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه, وكان يُخالَف فلا يرجع إلى كتابه, وكان يكره ذلك. قال: ثم رجع بعدُ فنظر في كتبه, فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرًا، فنستغفر الله عز وجل (1). ولا ريب أنه ثقة صدوق, ولكنه قد خولف في هذا الحديث, فلعلَّه مما حدَّث به من حفظه فغلط فيه, كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني (2). وكذلك ذكر البيهقي (3) أن المشهور عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتمًا من وَرِق, ثم ألقاه". وعلى هذا فالحديث شاذّ أو منكر، كما قال أبو داود, وغريب كما قال الترمذي. فإن قيل: فغاية ما ذُكِر في تعليله تفرّد همّام به. وجواب هذا من وجهين: أحدهما: أن همامًا لم ينفرد به، كما تقدم. الثاني: أن همّامًا ثقة, وتفرُّد الثقة لا يوجب نكارة الحديث، فقد تفرَّد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الوَلاء وهِبَتهِ (4). وتفرّد مالك بحديث دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة وعلى رأسه المِغْفر (5). فهذا غايته أن يكون غريبًا كما قال الترمذي, وأما أن يكون منكرًا أو شاذًّا فلا. _________ (1) انظر قول يزيد وعفان في "الضعفاء": (4/ 367 - 368) للعقيلي. (2) انظر "سنن أبي داود" (19)، و"السنن الكبرى" (9470) للنسائي، و"العلل": (2586) للدارقطني. (3) "الكبرى": (1/ 95). (4) أخرجه البخاري (2535)، ومسلم (1506). (5) أخرجه البخاري (1846)، ومسلم (1357).

(1/16)


قيل: التفرد نوعان: تفرّدٌ لم يخالَف فيه مَن تفرد به, كتفرُّد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين, وأشباه ذلك. وتفرّدٌ خولف فيه المتفرّد, كتفرّد همام بهذا المتن على هذا الإسناد, فإن الناس خالفوه فيه, وقالوا: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتمًا من وَرِق ... " الحديث. فهذا هو المعروف عن ابن جُرَيج، عن الزهري. فلو لم يُروَ هذا عن ابن جريج وتفرّدَ همامٌ بحديثه, لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه. فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله. وأما متابعة يحيى بن المتوكِّل فضعيفة, وحديث ابن الضُّرَيس يُنظر في حاله ومن أخرجه (1). فإن قيل: هذا الحديث كان عند الزهري على وجوه كثيرة, كلها قد رُويت عنه في قصة الخاتم, فروى شعيب بن أبي حمزة، وعبد الرحمن بن خالد (2) بن مسافر، عن الزّهري، كرواية زياد بن سعد هذه: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتمًا من وَرِق" (3). ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس: "كان خاتم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من وَرِق فَصُّه حبشيّ" (4). _________ (1) انظر ما سبق. (2) رسمه في الأصل: "خلاد" سبق قلم، وتصويبه من "التهذيبين" وغيرهما من كتب التراجم. (3) أخرجهما تعليقًا البخاري في كتاب اللباس، باب 46 عقب حديث (5868)، ووصلهما الإسماعيلي كما في "تغليق التعليق": (5/ 69 - 70). (4) أخرجه مسلم (2094).

(1/17)


ورواه سليمان بن بلال، وطلحة بن يحيى، ويحيى بن نصر بن حاجب، عن يونس، عن الزهري, وقالوا: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبس خاتمًا من فضّة في يمينه, فيه فَصٌّ حبشيّ جعله في باطن كَفّه" (1). ورواه إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ آخر قريب من هذا (2). ورواه همام، عن ابن جريج، عن الزّهري، كما ذكره الترمذي وصححه (3). وإذا كانت هذه الروايات كلها عند الزهري، فالظاهر أنه حدَّث بها في أوقات، فما المُوجِب لتغليط همّامٍ وحدَه؟ قيل: هذه الروايات كلّها تدلّ على غلط همام, فإنها مُجْمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولُبسه, وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حَكَم لأجله هؤلاء الحفَّاظ بنكارة الحديث وشذوذه. والمصحح له لمَّا لم يُمكنْه دفعُ هذه العلة حَكَم بغرابته لأجلها, فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذُكِر فما وجه غرابته؟ ولعلّ الترمذي موافق للجماعة, فإنه صحَّحه من جهة السند لثقة الرُّواة, واستغربه لهذه العلّة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه, فلا يكون بينهما اختلاف, بل هو صحيح السند لكنه _________ (1) رواية سليمان وطلحة أخرجهما مسلم (2094/ 62). ورواية يحيى بن نصر بن حاجب أخرجها أبو عوانة في "مسنده": (5/ 257 - 258). (2) أخرجها البخاري تعليقًا في كتاب اللباس، بعد حديث (5868)، ووصلها مسلم رقم (2093)، وانظر "تعليق التعليق": (5/ 68). (3) "الجامع" (1746) وقال: "حديث حسن صحيح غريب" كما في نسخة الكروخي (ق 122 ب)، و"تحفة الأشراف": (1/ 385). ووقع في مطبوعة "المختصر": "حسن غريب". وانظر ما سبق ص 13.

(1/18)


معلول. والله أعلم.

  4 - باب فَرْض الوضوء

4/ 56 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (1) ". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (2). وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن. قال ابن القيم - رحمه الله -: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير, وتحليلها التسليم". اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام: الحكم الأول: أن مفتاح الصلاة الطهور، والمفتاح: ما يُفتح به الشيء المغلق, فيكون فاتحًا له, ومنه: "مفتاح الجنة لا إله إلا الله" (3). وقوله: "مفتاح الصلاة الطهور" يفيد الحصرَ, وأنه لا مفتاح له (4) سواه من طريقين: _________ (1) في نسخةٍ من "المختصر": "السلام". وقد راجعت عدة نسخ خطية لأبي داود، وفيها كلها "التسليم". (2) أخرجه أبو داود (61)، والترمذي (3)، وابن ماجه (275). (3) أخرجه أحمد (22102)، والبزار (2660) من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -. قال البزار: وشهر بن حوشب لم يسمع من معاذ. قلت: وهو أيضًا ضعيف من جهة حفظه. ولفظ أحمد "مفاتيح الجنة .. ". ورواه البخاري معلقًا عن وهب بن منبّه، كتاب الجنائز، باب (1). ووصله الحافظ في "تغليق التعليق": (2/ 453). وذكر هناك بعض شواهده. (4) كذا، والوجه: "لها".

(1/19)


أحدهما: حصر المبتدأ في الخبر إذا كانا مَعْرفتين، فإن الخبر لا بدّ وأن يكون مساويًا [ق 5] للمبتدأ أو أعمَّ منه, ولا يجوز أن يكون أخصّ منه. فإذا كان المبتدأ معرّفًا بما يقتضي عمومه كـ"اللام" و"كل" ونحوهما، ثم أخبر عنه بخبر, اقتضى صحَّةُ الإخبار أن يكون إخبارًا عن جميع أفراد المبتدأ، فإنه لا فرد من أفراده إلا والخبرُ حاصلٌ له. وإذا عُرِف هذا لزم الحَصْر, وأنه لا فرد من أفراد ما يُفْتَتح به الصلاة إلا وهو الطهور. فهذا أحد الطريقين. والثاني: أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة, والإضافة تعُمّ. فكأنه قيل: جميع مفتاح الصلاة هو الطهور. وإذا كان الطهور هو جميع ما يُفْتَتح به، لم يكن لها مفتاح غيره. ولهذا فهم جمهور الصحابة والأمة أن قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] أنه على الحصر, أي: مجموعُ أجلهنّ الذي لا أجل لهنّ سواه: وَضْعُ الحمل. وجاءت السنةُ مفسرةً لهذا الفَهْم مُقرِّرةً له, بخلاف قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] فإنه فِعْل لا عموم له, بل هو مطلق. وإذا عُرِف هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور. وهذا أدّل على الاشتراط من قوله: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحْدَثَ حتى يتوضأ" (1) من وجهين: أحدهما: أن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه. وقد يكون لمقارنة محرَّمٍ يمنعُ من القبول, كالإباق، وتصديق العرَّاف، وشرب الخمر، _________ (1) أخرجه البخاري (135)، ومسلم (225) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(1/20)


وتطيّب المرأة إذا خرجت للصلاة, ونحوه. الثاني: أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها, وأنه مصدود عنها, كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح. وأما عدم القبول فمعناه: عدم الاعتداد بها, وأنه لم يُرَتَّب عليها أثرها المطلوب منها, بل هي مردودة عليه. وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها، ورضا الربّ عنه بها, وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جُمْلةً, بل عقوبته ترك ثوابه، وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها، بخلاف من لم يَفْتتحها أصلًا بمفتاحها, فإن عقوبته عليها عقوبة تاركها. وهذا واضح. فإن قيل: فهل في الحديث حجة لمن قال: إن عادم الطهورَين لا يصلي حتى يقدر على أحدهما؛ لأن صلاته غير مفتتحةٍ بمفتاحها, فلا تُقبل منه؟ قيل: قد استدلَّ به من يرى ذلك, ولا حجة فيه. ولا بدَّ من تمهيد قاعدةٍ يتبين بها مقصود الحديث, وهي: أنّ ما أوجبه الله ورسوله, أو جعله شرطًا للعبادة, أو ركنًا فيها, أو وقَفَ صحّتَها عليه= هو مُقيَّد بحال القدرة؛ لأنها الحال التي يؤمر فيها به. وأما في حال العجز فغير مقدور ولا مأمور, فلا تتوقف صحة العبادة عليه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة, وسقوط ذلك بالعجز. وكاشتراط سَتْر العورة واستقبال القبلة عند القدرة, ويسقط بالعجز. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبلُ الله صلاةَ حائضٍ إلا بخمار" (1). ولو تعذَّر عليها _________ (1) أخرجه أبو داود (641)، والترمذي (377)، وابن ماجه (655)، وأحمد (25167)، وابن خزيمة (775)، وابن حبان (1711) وغيرهم من حديث عائشة - رضي الله عنها -. قال الترمذي: "حديث حسن". وصححه الحاكم في "المستدرك": (1/ 251) على شرط مسلم، وصححه ابن حبان وابن خزيمة وابن الملقن في "البدر المنير": (4/ 155). وأعله الدارقطني بالوقف، انظر "التلخيص الحبير": (1/ 298)، و"نصب الراية": (1/ 296).

(1/21)


الخمار صلَّتْ بدونه, وصحَّت صلاتُها. وكذلك قوله: "لا يقبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحْدَث حتى يتوضّأ" (1) فإنه لو تعذَّر عليه الوضوء صلى بدونه, وكانت صلاته مقبولة. وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيمُ الرجلُ فيها صُلْبَه في الرّكوع والسجود" (2) فإنه لو كُسِر صُلبه وتعذَّر عليه إقامته أجزأته صلاته. ونظائره كثيرة. فكون (3) الطهور مفتاحًا للصلاة هو من هذا. لكن هنا نظرٌ آخر, وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذُّره، فإنه يسقط وجوبه, فمن أين لكم أن الصلاة تُشرع بدونه في هذه الحال؟ وهذا حَرْف المسألة, وهلَّا قلتم: إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة, لمَّا كان الطهور غير مقدور للمرأة, فلمَّا صار مقدورًا لها شُرعت لها الصلاة وترتَّبت في ذمتها، فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعًا والعاجز عنه حسًّا؟ فإنّ كلًّا منهما غير متمكِّن من الطهور؟ _________ (1) تقدم تخريجه. (2) أخرجه أبو داود (855)، والترمذي (265)، والنسائي (1027)، وابن ماجه (870)، وأحمد (17073)، وابن خزيمة (666)، وابن حبان (1892)، وغيرهم من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني في "السنن" (1315). (3) رسمها في الأصل: "فيكون" والظاهر ما أثبتناه.

(1/22)


قيل: هذا سؤال يحتاج إلى جواب، وجوابه أن يقال: زمن الحيض جعله الشارع منافيًا لشرعيّة العبادات, من الصلاة والصوم والاعتكاف. فليس وقتًا لعبادة الحائض, فلا يُرتَّب (1) عليها فيه شيء. وأما العاجز فالوقت في حقّه قابل لترتُّب العبادة المقدورة في ذمّته, فالوقت في حقِّه غير منافٍ لشرعية العبادة بحسب قدرته, بخلاف الحائض, فالعاجز ملحَقٌ بالمريض المعذور الذي يُؤمر بما يقدر عليه, ويسقط عنه ما يعجز عنه, والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف, فافترقا. ونُكْتة الفرق: أنَّ زمن الحيض ليس بزمنِ تكليفٍ بالنسبة إلى الصلاة, بخلاف العاجز, فإنه مكلَّف بحسب الاستطاعة, وقد ثبت في "صحيح مسلم" (2): أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعث أُناسًا لطلب قلادةٍ أضلّتها عائشة، فحضرت الصلاةُ, فصلَّوا بغير وضوء, فأتوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكروا ذلك له, فنزلت آية التيمم. فلم يُنكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليهم, ولم يأمرهم بالإعادة. وحالةُ [ق 6] عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق, فإنهم صلَّوا بغير تيمُّم لعدم مشروعية التيمم حينئذٍ. فهكذا من صلى بغير تيمّم لعدم ما يتيمم به, فأي فرقٍ بين عدمه في نفسه وعدم مشروعيته؟ فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله, فإنّ الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا يعيد, لأنه فَعَل ما أُمِر به, فلم تجب عليه الإعادة, كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك, فهذا موجَب النص والقياس. _________ (1) في الطبعتين: "يترتب" وما أثبته أقرب إلى رسم الأصل و (ش). (2) رقم (367)، وهو في "صحيح البخاري" (336) أيضًا.

(1/23)


فإن قيل: القيام له بدَلٌ, وهو القعود, فقام بدله مقامه, كالتراب عند عدم الماء, والعادمُ هنا صلَّى بغير أصلٍ ولا بدَلٍ. قيل: هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة والموجبين للإعادة, ولكنه منتقضٌ بالعاجز عن السُّترة، فإنه يصلي من غير اعتبار بَدَل, وكذلك العاجز عن الاستقبال, وكذلك العاجز عن القراءة والذِّكر. وأيضًا فالعجز عن البَدَل في الشرع كالعجز عن المبْدَل (1) سواء. هذه قاعدة الشريعة. وإذا كان عجزه عن المبْدَل لا يمنعه من الصلاة, فكذلك عجزه عن البدل. وستأتي المسألة مستوفاة في باب التيمم إن شاء الله (2). وفي الحديث دليل على اعتبار النية في الطهارة بوجهٍ بديع. وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الطهور مفتاح الصلاة, التي لا تُفْتَتح ويُدْخَل فيها إلا به, وما كان مفتاحًا للشيء كان قد وُضع لأجله وأُعدّ له. فدلَّ على أن كونه مفتاحًا للصلاة هو جهة كونه طهورًا, فإنه إنما شُرع للصَّلاة وجُعِل مفتاحًا لها. ومن المعلوم أن ما شُرِع للشيء ووُضِع لأجله لا بدّ أن يكون الآتي به قاصدًا ما جُعِل مفتاحًا له ومدخلًا إليه. هذا هو المعروف حسًّا كما هو ثابت شرعًا. ومن المعلوم أن من سقط في ماء وهو لا يريد التطهُّر، لم يأتِ بما هو مفتاح الصلاة, فلا تُفْتَح له الصلاة. وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال: "لا إله إلا الله" وهو غير قاصد لقولها, فإنها لا تكون مفتاحًا للجنة منه؛ لأنه لم _________ (1) زاد في ط. الفقي بعده "منه" وليس لها داعٍ. (2) لعلها فيما لخَّصه المؤلف من كلام المنذري فلم يذكره المجرِّد هنا.

(1/24)


يقصدها. وهكذا هذا, لمَّا لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة. ونظيرُ ذلك الإحرام, هو مفتاح عبادة الحج, ولا يحصل له إلا بالنية، فلو اتفق تجرّده لحَرٍّ أو غيره, ولم يخطر بباله الإحرامُ, لم يكن محرمًا بالاتفاق. فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهِّرًا. وهذا بحمد الله بَيِّن. فصل الحكم الثاني: قوله: "وتحريمها التكبير". وفي هذا مِن حصر التحريم في التكبير نظير ما تقدَّم في حصر مفتاح الصلاة في التطهُّر (1) من الوجهين, وهو دليل بَيِّن أنه لا تحريمَ لها إلا التكبير. وهذا قول الجمهور وعامّة أهل العلم قديمًا وحديثًا. وقال أبوحنيفة: ينعقد بكلّ لفظٍ يدلّ على التعظيم. فاحتجَّ الجمهورُ عليه بهذا الحديث. ثم اختلفوا, فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: تتعيّن لفظة "الله أكبر" وَحْدها. وقال الشافعي: يتعيّن أحد اللفظين: "الله أكبر" أو"الله الأكبر". وقال أبو يوسف: يتعيَّن التكبير وما تصرَّف منه, نحو "الله الكبير" ونحوه. وحجَّته: أنه يسمّى تكبيرًا حقيقةً, فيدخل في قوله: "تحريمها التكبير" (2). وحجة الشافعي: أن المُعرَّف في معنى المُنَكَّر, فاللام لم يخرجه عن موضوعه, بل هي زيادة في اللفظ غير مُخلّة بالمعنى, بخلاف "الله الكبير" _________ (1) غير محررة في الأصل، ورسمها يحتمل: "الطهر" كما في نسخة (ش). (2) انظر مذاهب العلماء في المسألة في: "الهداية": (1/ 116 - 117)، و"الذخيرة": (2/ 167)، و"تهذيب المدونة": (1/ 231)، و"الأم": (2/ 227)، "المجموع": (3/ 292 - 293)، و"المغني": (2/ 126 - 128).

(1/25)


"وكبَّرت الله" ونحوه, فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظة "الله أكبر". والصحيح قول الأكثرين, وأنه يتعيَّن "الله أكبر" لخمس حجج: أحدها (1): قوله: "تحريمها التكبير", واللام هنا للعهد, فهي كاللام في قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" وليس المراد به كلّ طهور، بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعَه لأمَّته, وكان فِعلُه له تعليمًا وبيانًا لمراد الله من كلامه. وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود الذي نقلَتْه الأمةُ نقلًا ضروريًّا، خلَفًا عن سَلَف عن نبيها - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقوله في كل صلاة, لا يقول غيرَه ولا مرَّة واحدة. فهذا هو المراد بلا شك في قوله: "تحريمها التكبير"، وهذا حجّة على من جَوَّز "الله الأكبر" و"الله الكبير" فإنه وإن سُمّي تكبيرًا, لكنه ليس التكبيرَ المعهودَ المراد بالحديث. الحجة الثانية: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكَبِّر" (2)، ولا يكون ممتثلًا للأمر إلا بالتكبير. وهذا أمر مطلق يتقيّد بفعله الذي لم يخلّ به هو ولا أحدٌ من خلفائه ولا أصحابه. الحجة الثالثة: ما روى أبو داود من حديث رفاعة أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقبل الله صلاةَ امرئ حتى [ق 7] يضعَ الطهورَ مواضِعَه, ثم يستقبل القبلةَ _________ (1) كذا، والوجه "إحداها". (2) أخرجه البخاري (757)، ومسلم (397) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(1/26)


ويقول: الله أكبر" (1). الحجة الرابعة: أنه لو كانت تنعقد الصلاةُ بغير هذا اللفظ لترَكَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولو في عمره مرةً واحدة لبيان الجواز، فحيث لم ينقل أحدٌ عنه قطُّ أنه عَدَل عنه حتى فارق الدنيا, دلَّ على أن الصلاة لا تنعقد بغيره. الحجة الخامسة: أنه لو قام غيره مَقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مَقامها, وأن يقول المؤذن: "كبّرت الله", أو "الله الكبير", أو "الله أعظم" ونحوه. بل تتعيّن لفظة "الله أكبر" في الصلاة أعظمَ من تعيّنها في الأذان؛ لأن كلّ مسلم لا بدّ له منها, وأما الأذان فقد يكون في المِصْر مؤذّن واحد أو اثنان, والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان. وأما حجَّة أصحاب الشافعي على ترادُف: "الله أكبر", و"الله الأكبر", فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين, فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى. _________ (1) عزاه بهذا اللفظ لأبي داود في "المغني": (2/ 127)، وفي "الشرح الكبير": (3/ 408)، وابنُ مفلح في "المبدع": (1/ 375). وأشار ابن عبد الهادي إلى وهم هذا العزو في "تنقيح التحقيق": (2/ 125). وذكر ابن الجوزي في "التحقيق": (1/ 329) هذا اللفظ وعزاه إلى بعض الفقهاء من الحنابلة. أقول: وقد ذكره عدد من الفقهاء في كتبهم من الشافعية والحنفية أيضًا. قال ابن الملقن في "البدر المنير": (3/ 456 - 459): هذا الحديث لا نعرفه كذلك في كتاب حديث! ثم ذكر عزو ابن الجوزي السالف وقال: والحديث من هذا الوجه في "سنن أبي داود" (857)، والنسائي (1052) لكن بلفظ "كبر" بدل "الله أكبر". ثم ذكر عددًا من روايات الحديث ليس فيها هذا اللفظ "الله أكبر" بل ألفاظ "كبّر" "فكبّر" "يكبّر". وانظر "التلخيص الحبير": (1/ 231).

(1/27)


وبيانه: أن "أَفْعَل" التفضيل إذا نُكِّر وأُطْلِق تضمَّن من عموم المفضّل عليه وإطلاقه (1) ما لم يتضمنه المعرَّف. فإذا قيل: "الله أكبر" كان معناه: من كلّ شيء. وأما إذا قيل: "الله الأكبر" فإنه يتقيَّد معناه ويتخصَّص, ولا يُستعمل هذا إلا في مُفضّل معيّن على مفضّل (2) عليه معيّن, كما إذا قيل: من أفضل, أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل. هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال. فإن أداة "مِن" (3) لا يمكن أن يؤتى بها مع "اللام" (4). وأما بدون "اللام" فيؤتى بالأداة, فإذا حذف المفضّل عليه مع الأداة أفاد التعميم, وهذا لا يتأتى مع اللام. وهذا المعنى مطلوب من القائل: "الله أكبر" بدليل ما روى الترمذيُّ من حديث عَديّ بن حاتم الطويل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك (5) أن يقال: الله أكبر, فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ " (6). وهذا مطابقٌ لقوله تعالى: _________ (1) في ط. المعارف: "عموم الفضل وإطلاقه عليه" خلاف الأصل. (2) "معين على مفضل" سقط من ط. الفقي. (3) في ط. الفقي: "التعريف". (4) في ط. الفقي: "من" بدل "اللام" في كلا الموضعين. (5) ط. الفقي: "يضرك .. " في الموضعين، ورسمها في الأصل محتمل، وهو خطأ، والمثبت هو الذي في كتب المؤلف "زاد المعاد": (3/ 450، 581)، و"هداية الحيارى" (ص 67) وفي مصادر الحديث. ومعنى "يفرّك" أي: يحملك على الفرار. (6) أخرجه الترمذي (2953)، وأحمد (19381)، وابن حبان (7206). قال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب". وفي سنده عبّاد بن حُبَيش، قال الذهبي: لا يُعرف، وذكره ابن حبان في "الثقات": (5/ 142). وسماك في حفظه مقال، ولبعض ألفاظ الحديث شواهد.

(1/28)


{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} [الأنعام: 19]، وهذا يقتضي جوابًا: لا شيء أكبر شهادةً من الله, فالله أكبر شهادةً مِن كلّ شيء. كما أن قوله لعَديّ: "هل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ " يقتضي جوابَ (1): لا شيء أكبر من الله, فالله أكبر من كلِّ شيء. وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ ــ المقصود منه: استحضار هذا المعنى, وتصورّه ــ سرٌّ عظيم يعرفه أهل الحضور, المصلّون بقلوبهم وأبدانهم. فإن العبد إذا وقف بين يدي الله عز وجل، وقد علم أنه لا شيءَ أكبر منه, وتحقَّق قلبُه ذلك, وأُشْرِبه سرّه= استحيى من الله, ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يَشغَل قلبه بغيره. وما لم يستحضر هذا المعنى، فهو واقف بين يديه بجسمه, وقلبُه يهيم في أودية الوساوس والخَطَرات, وبالله المستعان (2). فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلبِ هذا لما اشتغل عنه وصَرَف كُلّيةَ قلبِه إلى غيره, كما أن الواقف بين يدي المَلِك المخلوق لمَّا لم يكن في قلبه أعظم منه لم يَشغَل قلبَه بغيره ولم يصرفه عنه (3). فصل الحكم الثالث: قوله "وتحليلها التسليم". والكلام في إفادته الحصر كالكلام في الجملتين قبله. والكلام (4) [في هذا اللفظ ودلالته] على شيئين: أحدهما: أنه لا ينصرف _________ (1) كذا في الأصل، وهو مضاف والجملة بعده مضاف إليه، وفي المطبوع: "جوابًا". (2) ينظر في الكلام على الخشوع "كتاب الصلاة" (ص 339)، و"مسألة السماع" (ص 86)، و"شفاء العليل": (3/ 1155) جميعها للمؤلف. (3) ط. الفقي زيادة "صارف" والمعنى ظاهر بدونها. (4) بعده بياض بمقدار أربع كلمات وقدرناها بما بين المعكوفين، وقوله: "شيئين" مهمل فيحتمل "سببين". وأثبتها في ط. الفقي: "والكلام في التسليم على قسمين".

(1/29)


من الصلاة إلا بالتسليم. وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يتعيَّن التسليم, بل يخرج منها بالمنافي لها مِن حَدَثٍ أو عملٍ مُبطل ونحوه. (1) رواه أحمد وأبو داود (2). وبأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُعَلِّمه المسيء في صلاته, ولو كان فرضًا لعلّمه إياه, وبأنه ليس من الصلاة, فإنه ينافيها ويُخرَج به منها, ولهذا لو أتى به في أثنائها أبطلها. وإذا لم يكن منها, عُلِم أنه شُرِع منافيًا لها, والمنافي لا يتعين ... (3). هذا غاية ما يُحتجّ له به. والجمهور أجابوا عن هذه الحجج: أما حديث ابن مسعود، فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي (4) وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله: "إذا قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَك" من كلام ابن مسعود, فَصَلَه شَبَابةُ عن زهير, وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه _________ (1) ترك المجرِّد بياضًا بمقدار سطرين، فأكمل مكانها من وقف على النسخة بخط مغاير: "واستدل له بما". وأثبتها في ط. الفقي: "واستدل له بحديث ابن مسعود الذي ... ". ويمكن تقدير هذا البياض بقولنا: "واحتجوا على ذلك بحجج، منها حديث ابن مسعود لما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - التشهد ثم قال له: فإذا فعلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد". (2) أخرجه أحمد (4006)، وأبو داود (970). وأخرجه أيضًا ابن حبان (1961)، والدارقطني: (1334)، والبيهقي: (2/ 174). وسيأتي كلام المؤلف عليه. (3) بعده في الأصل بياض بمقدار أربع كلمات. (4) كلام الدارقطني والبيهقي في سننهما، والخطيب في "الفصل للوصل المدرج في النقل": (1/ 105 - 109). وانظر "العلل" (766) للدارقطني، و"معرفة علوم الحديث" (ص 199) للحاكم.

(1/30)


بالصواب ممن أدرجه, وقد اتفق مَن روى تشهّد ابنِ مسعود على حذفه (1). وأما كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلِّمه المسيءَ في صلاته, فما أكثرَ ما يُحتجّ بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة, ولا تدل، لأن المسيء لم يسئ في كلِّ جزء من الصلاة, فلعله لم يسئ في السلام, بل هذا هو الظاهر, فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسلام. وأيضًا فلو قُدِّر أنه أساء فيه لكان غاية ما يدلّ عليه تركُه التعليمَ = استصحابَ براءةِ الذّمة من الوجوب, فكيف يقدَّم على الأدلة الناقلة لحكم [ق 8] الاستصحاب؟ وأيضًا فأنتم لم توجبوا في الصلاة كلَّ ما أَمَر به المسيءَ, فكيف تحتجّون بترك أَمْره على عدم الوجوب؟ ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفي الوجوب, فإنه قال: "إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر" ولم توجبوا التكبيرَ, وقال: "ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا"، وقلتم: لو ترك الطمأنينة لم تبطل صلاته وإن كان مسيئًا. وأما قولكم: إنه ليس من الصلاة, فإنه ينافيها ويخرج منها به. فجوابه: أن السلام مِن تمامها، وهو نهايتها, ونهاية الشيء منه ليس خارجًا عن حقيقته, ولهذا أضيف إليها إضافة الجزء, بخلاف مفتاحها, فإن إضافته إضافة مُغاير, بخلاف تحليلها فإنه يقتضي أنه لا يتحلَّل منها إلا به. وأما بطلان الصلاة إذا فعله في أثنائها؛ فلأنه قَطْع لها قبل إتمامها, وإتيانُ نهايتِها قبل فراغها, فلذلك أبطلها, فالتسليم آخرها وخاتمها, كما في _________ (1) تشهّد ابن مسعود أخرجه البخاري (6265)، ومسلم (402).

(1/31)


حديث أبي حُميد "ويختمُ صلاتَه بالتسليم" (1) فنِسْبةُ التسليم إلى آخرها كنِسْبة تكبيرة الإحرام إلى أولها. فقول: "الله أكبر" أول أجزائها, وقول: "السلام عليكم" آخر أجزائها. ثم لو سُلِّم أنه ليس جزءًا منها، فإنه تحليلٌ لها لا يخرَج منها إلا به, وذلك لا ينفي وجوبه, كتحلّلات الحجّ, فكونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب. فإن قيل: ولا يقتضيه (2). قيل: إذا ثبت انحصار التحليل في التسليم (3) تعيّن الإتيانُ به. وقد تقدَّم بيانُ الحصر من وجهين. فصل وقد دلَّ هذا الحديث على أن كلّ ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور, فيدخل في هذا الوتر بركعة, خلافًا لبعضهم (4). واحتجَّ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاةُ الليل والنهار مَثْنى مَثْنى" (5). _________ (1) سيأتي تخريجه. (2) أي كما أن كونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب، فإنه لا يقتضي الإيجاب أيضًا. (3) في المطبوعتين: "السلام" خلاف الأصل. (4) في هامش الأصل تعليق: أن المقصود هو ابن حزم. وانظر كلامه في "المحلى": (1/ 80)، (5/ 111). (5) أخرجه أحمد (4791)، وأبو داود (1295)، والترمذي (597)، والنسائي (1666)، وابن ماجه (1322). وغيرهم من حديث ابن عمر. قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ. وقال الترمذي: "اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر، فرفعه بعضهم وأوقفه بعضهم، وروي عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا، والصحيح ما روي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة الليل مثنى مثنى". وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكروا فيه صلاة النهار" اهـ.

(1/32)


وجوابه: أن كثيرًا من الحفَّاظ طعن في هذه الزيادة, ورأوها غير محفوظة. وأيضًا فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم, فيجب أن يكون مفتاحه الطهور. وأيضًا فالمغرب وتر, لا مثنى, والطهارة شرط فيها. وأيضًا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - سمَّى الوترَ صلاة بقوله: "فإذا خِفْتَ الصبحَ فصلّ ركعةً تُوتر لك ما قد صلَّيتَ" (1). وأيضًا فإجماع الأمة مِن الصحابة ومَن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر. فهذا القول في غاية الفساد. ويدخل في الحديث أيضًا صلاة الجنازة؛ لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. وهذا قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يُعرف عنهم فيه خلاف، وقولُ الأئمة الأربعة وجمهور الأمة, خلافًا لبعض التابعين (2). وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تسميتها صلاةً, وكذلك الصحابة. وحَمَلَة الشرع كلّهم يسمّونها صلاة. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير, وتحليلها التسليم" هو فَصْل الخطاب في هذه المسائل وغيرها, طردًا وعكسًا, فكلُّ ما كان تحريمه التكبير، وتحليله التسليم فلا بدَّ من افتتاحه بالطهارة. فإن قيل: فما تقولون في الطواف بالبيت, فإنه يُفْتَتح بالطهارة, ولا _________ (1) أخرجه البخاري (472، 473)، ومسلم (749، 751) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -. (2) جاء ذلك عن الشعبي بإسناد صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (11598، 11599).

(1/33)


تحريم فيه ولا تحليل؟ قيل: شرط النقض أن يكون ثابتًا بنصٍّ أو إجماع. وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين: أحدهما: أنها شرط, كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد (1). والثاني: ليست بشرط, نصَّ عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره, بل نصُّه في رواية عبد الله تدلّ على أنها ليست بواجبة, فإنه قال: أَحبّ إليَّ أن يتوضأ (2). وهذا مذهب أبي حنيفة (3). قال شيخ الإسلام (4): وهذا قول أكثر السلف, قال: وهو الصحيح, فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر المسلمين بالطهارة, لا في عُمَرِه ولا في حجته, مع كثرة مَن حجّ معه واعتمر, ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يُبينه للأمة, وتأخير البيان عن وقته ممتنع. فإن قيل: فقد طاف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - متوضّئًا, وقال: "خذوا عَنِّي مناسككم" (5)؟ _________ (1) انظر لمذاهبهم "الوسيط": (2/ 642) للغزالي، و"روضة الطالبين": (3/ 79). و"تهذيب المدونة": (1/ 525 - 527)، و"الذخيرة": (3/ 238). و"المغني": (5/ 223). (2) "مسائل عبد الله": (2/ 721). (3) انظر: "الهداية": (1/ 409 - 410). (4) هو ابن تيمية، انظر "مجموع الفتاوى": (26/ 216)، و (26/ 123، 199). (5) أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1297).

(1/34)


قيل: الفعل لا يدلّ على الوجوب. والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل, فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب فأوجبناه, لم نكن قد أخذنا عنه وتأسّينا به, مع أنه - صلى الله عليه وسلم - فعَلَ في حَجَّته أشياءَ كثيرة جدًّا لم يوجبها أحدٌ من الفقهاء. فإن قيل: فما تقولون في حديث ابن عباس: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ" (1)؟ قيل: هذا قد اختلف في رفعه ووقفه, فقال النسائي والدارقطني وغيرهما: الصواب أنه موقوف. وعلى تقدير رفعه, فالمراد تشبيهه بالصلاة, كما يُشبَّه انتظارُ الصلاة بالصلاة, وكما قال أبو الدرداء: "ما دمتَ تذكر الله فأنتَ في صلاة, وإن كنتَ في السوق" (2). ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ أحدَكم في _________ (1) أخرجه الترمذي (960)، والدارمي (1889)، وابن خزيمة (2739) وغيرهم مرفوعًا. والنسائي في "الكبرى" (3931) موقوفًا. قال الترمذي: "وقد روي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره، عن طاووس، عن ابن عباس، موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب" وقد أعلّه أكثر النقّاد بالوقف كالنسائيِّ والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية. وانظر "البدر المنير": (2/ 487 - 498)، و"نصب الراية": (3/ 57)، و"التلخيص الحبير": (1/ 138 - 139). (2) لم أجده عن أبي الدرداء، ونسَبَه شيخُ الإسلام إليه في "الفتاوى": (32/ 232)، ونسبه في موضع آخر منها (14/ 215)، وفي "شرح العمدة": (2/ 6) و"جامع المسائل ــ السادسة": (6/ 315) إلى ابن مسعود. وأخرجه عن ابن مسعود أبو نعيم في "الحلية": (4/ 204) بلفظ: "ما دام قلب الرجل يذكر الله فهو في صلاة وإن كان في السوق، فإن يحرك به شفتيه فهو أعظم". ورُوي عن غيره.

(1/35)


صلاة ما دام يَعْمِدُ إلى الصلاة" (1). فالطواف وإن سُمِّي صلاةً، فهو صلاةٌ بالاسم العام, ليس بصلاة [ق 9] خاصّةٍ, والوضوء إنما يشترط للصلاة الخاصّة ذاتِ التحريم والتحليل. فإن قيل: فما تقولون في سجود التلاوة والشكر؟ قيل: فيه قولان مشهوران: أحدهما: يُشترط له الطهارة. وهذا هو المشهور عند الفقهاء, ولا يَعرف كثيرٌ منهم فيه خلافًا, وربما ظنَّه بعضُهم إجماعًا (2). والثاني: لا يشترط له الطهارة, وهذا قول كثير من السلف, حكاه عنهم ابن بطَّال في "شرح البخاري" (3). وهو قول عبد الله بن عمر, ذكره البخاري عنه في "صحيحه" (4) فقال: "وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء". وترجمة البخاري واستدلاله يدل على اختياره إياه, فإنه قال: "باب _________ (1) قطعة من حديث أخرجه مسلم (602/ 152) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) حكى الإجماع أو الاتفاق غير واحد، قال الحافظ ابن عبد البر في "الاستذكار": (2/ 509): "وأما قوله (يعني مالك): لا يسجد الرجل والمرأة إلا وهما طاهران، فإجماع من الفقهاء أنه لا يسجد أحد سجدة تلاوة إلا على طهارة" اهـ. وذكر ابن قدامة في "المغني": (2/ 358) أنه لا يعلم خلافًا فيه. (3) (3/ 56 - 57). وقد حكاه ابن بطال عن ابن عمر والشعبي والبخاري. ثم قال: وذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء. وينظر "مصنف بن أبي شيبة" (4354 - 4358)، و"الأوسط": (5/ 284). (4) قبل حديث رقم (1071).

(1/36)


من قال: يسجد على غير وضوء" هذا لفظه (1). واحتجَّ الموجبون للوضوء له بأنه صلاة, قالوا: فإنه له تحريم وتحليل, كما قاله بعض أصحاب أحمد والشافعي (2). وفيه وجه أنه يتشهَّد له (3) , وهذا حقيقة الصلاة. والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلّم له (4). وقال عطاء وابن سيرين: إذا رفع رأسه يسلم (5). وبه قال إسحاق بن راهويه (6)، واحْتَجّ (7) لهم بقوله: "تحريمها التكبير, وتحليلها التسليم". قالوا: ولأنه يُفعل تبعًا (8) للإمام, ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إمامًا _________ (1) كذا قال المصنف، والذي في "الصحيح" في كتاب سجود القرآن: "باب سجود المسلمين مع المشركين. والمشرك نَجَسٌ ليس له وضوء. وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يسجد على غير وضوء". (2) انظر "المجموع": (4/ 63 - 64)، و"المغني": (2/ 358). (3) ينظر "الإنصاف": (2/ 198). (4) انظر "المغني": (2/ 362 - 363)، و"الإنصاف": (2/ 198). (5) حكاه عنهما ابن المنذر في "الأوسط": (5/ 279)، والخطابي في "المعالم": (2/ 120 - بهامش مختصر المنذري)، والبغوي في "شرح السنة": (3/ 315). وأخرجه ابن أبي شيبة (4201)، وعبد الرزاق: (3/ 349) عن ابن سيرين وأبي قلابة. لكن روى ابن أبي شيبة (4205) عن عطاء أنه لم يكن يسلم فيها. (6) كما في "مسائل الكوسج لأحمد وإسحاق": (2/ 750 - 751). (7) ينظر الحاشية (5) في الصفحة الآتية. (8) الأصل: "تبع".

(1/37)


للمستمع, وهذا حقيقة الصلاة. قال الآخرون: ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح. وأما استدلالكم بقوله: "تحريمها التكبير, وتحليلها التسليم"، فهو من أقوى ما يحتجُّ به عليكم. فإنَّ أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحدٌ قطّ نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه سلَّم منه, وقد أنكر أحمدُ السلامَ منه, قال الخطَّابي: وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا (1). وقال الحسن البصري: [ليس في السجود تسليم] (2). ويُذكر نحوه عن إبراهيم النخعي (3) , وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلِّم فيه (4). والذي يدلُّ على ذلك: أن الذين قالوا: يسلَّم منه, إنّما احتجّوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وتحليلها التسليم"، وبذلك احتجَّ لهم إسحاق (5) , وهذا _________ (1) في "معالم السنن": (2/ 120 - بهامش المختصر). وذكره قبله الكوسج في "مسائله" (2/ 751) قال: "أما التسليم لا أدري ما هو"، وابن المنذر في "الأوسط": (5/ 279). (2) ما بين المعكوفين بياض بالأصل، والمثبت من "مصنف عبد الرزاق": (3/ 350)، وأخرجه ابن أبي شيبة (4206) بنحوه. (3) رواه عبد الرزاق: (3/ 350)، وابن أبي شيبة (4204). (4) نص عليه الشافعي في "البويطي" (ص 298 - 299)، وذكره الماوردي في "الحاوي": (2/ 204) وغيره. (5) في "مسائل الكوسج" (2/ 751) لم يذكر احتجاجَ إسحاق بالحديث. فلعل المؤلف فهم ذلك من سياق كلام الخطابي في "المعالم": (2/ 120) حيث قال: "وبه قال إسحاق بن راهويه. واحتجّ لهم بقوله: تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" على أن الضمير في قوله: "واحتج" عائد إلى إسحاق، ولكن لو جعلنا "احْتُجّ" مبنيًّا للمجهول لكان كلامًا مستأنفًا. وهو الظاهر والله أعلم.

(1/38)


استدلال ضعيف, فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فعلوها, ولم يُنْقل عنهم سلامٌ منها, ولهذا أنكره أحمد وغيره. وتجويز كونه سلَّم منه ولم يُنقل، كتجويز كونه سلَّم من الطواف. قالوا: والسجود هو من جنس ذِكْر الله وقراءة القرآن والدعاء, ولهذا يُشرع في الصلاة وخارجها, فكما لا يُشترط الوضوء لهذه الأمور وإن كانت من أجزاء الصلاة، فكذلك لا يشترط للسجود. وكونه جزءًا من أجزائها لا يوجب أن لا يُفْعَل إلا بوضوء. واحتجَّ البخاريُّ بحديث ابن عباس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بالنجم, وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنسُ" (1). ومعلوم أن الكافر لا وضوء له. قالوا: وأيضًا فالمسلمون الذين سجدوا معه - صلى الله عليه وسلم - لم يُنقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالطهارة, ولا سألهم هل كنتم متطهِّرين أم لا؟ ولو كانت الطهارة شرطًا فيه للزم أحد الأمرين: إما أن يتقدم أمرُه لهم بالطهارة, وإما أن يسألهم بعد السُّجود ليبين لهم الاشتراط, ولم يَنْقل مسلمٌ واحدًا منهما. فإن قيل: فلعلَّ الوضوءَ تأخرت مشروعيته عن ذلك, وهذا جواب بعض الموجِبين. قيل: الطهارة شُرِعت للصلاة من حين المَبْعَث, ولم يصلِّ قطّ إلا _________ (1) أخرجه البخاري (1071).

(1/39)


بطهارة, أتاه جبريل فعلَّمه الطهارةَ والصلاةَ (1). وفي حديث إسلام عمر أنه لم يُمكَّن من مسِّ القرآن إلا بعد تطهُّره (2) , فكيف نظنّ أنهم كانوا يصلّون بلا وضوء؟ قالوا: وأيضًا فيبعد جدًّا أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء. قالوا: وأيضًا ففي "الصحيحين" (3) عن عبد الله بن عمر قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ القرآن, فيقرأ السورةَ فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه, حتى ما يجدُ بعضُنا موضعًا لمكان جبهته". قالوا: وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلّها, ومن البعيد جدًّا أن يكون كلّهم إذ ذاك على وضوء, وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضُهم مكانًا لجبهته, ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضّئ وغيرَه. قالوا: وأيضًا فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن أن السَّحَرَة سجدوا لله سجدة فقبلها الله منهم ومدحهم عليها, ولم يكونوا متطهِّرين _________ (1) أحاديث تعليم جبريل مواقيت الصلاة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليس فيها ذكر للطهارة. انظر البخاري (521)، ومسلم (610)، و"سنن أبي داود" (393، 394، 395)، والترمذي (149، 150)، والنسائي (294، 502، 513)، وأحمد (11249، 17089)، وغيرها. (2) أخرجه الدارقطني: (1/ 123)، والحاكم: (4/ 59 - 60)، والبيهقي: (1/ 88) وغيرهم من حديث أنس بن مالك. وسنده منقطع. قاله الذهبي في "تلخيصه". وله طرق أخرى لكنها ضعيفة أيضًا. انظر "دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب": (1/ 133 - 138). (3) البخاري (1075)، ومسلم (575).

(1/40)


قطعًا. ومنازعونا يقولون: مثل هذا السجود حرام, فكيف يمدحهم ويُثني عليهم بما لا يجوز؟! فإن قيل: شرعُ مَن قبلنا ليس بشرع لنا. قيل: قد احتجَّ الأئمةُ الأربعةُ بشرع مَن قبلنا, وذلك منصوص عنهم أنفُسِهم في غير موضع. قالوا: سلمنا, لكن ما لم يَرِد شرعُنا بخلافه. قال المُجوِّزون: فأين ورد في شرعنا خلافُه؟ قالوا: وأيضًا فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة, وتُفْعَل بلا وضوء, [ق 10] فالسجود أولى. قالوا: وأيضًا فالله سبحانه وتعالى أثنى على كُلِّ مَن سَجَد عند التلاوة, فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107]، وهذا يدلّ على أنهم سجدوا عَقِب تلاوته بلا فصل, وسواءٌ كانوا بوضوء أو بغيره؛ لأنه أثنى عليهم بمجرَّد السجود عقب التلاوة, ولم يشترط وضوءًا. وكذلك قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]. قالوا: وكذلك سجود الشكر مستحبٌّ عند تجدّد النّعَم المُنتظرة. وقد تظاهرت السنةُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله في مواضع متعدّدة (1) , وكذلك _________ (1) منها حديث البراء - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرّ ساجدًا حين جاءه كتاب علي - رضي الله عنه - من اليمن بإسلام هَمْدان. رواه البيهقي في "السنن": (2/ 369) وقال: "هذا إسناد صحيح، قد أخرج البخاري صدره فلم يسقه بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه".

(1/41)


أصحابه (1) , مع ورود الخبرِ السارِّ عليهم بغتةً, وكانوا يسجدون عَقِبه, ولم يُؤمروا بوضوء, ولم يُخبِروا أنه لا يُفْعَل إلا بوضوء. ومعلوم أنَّ هذه الأمور تَدْهَم العبد وهو على غير طهارة، فلو تركها لفاتت مصلحتها. قالوا: ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن في هذا السجود وأثنى على فاعله وأطلق ذلك, وتكون الطهارةُ شرطًا فيه, ولا سَنَّها ولا يأمر بها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه, ولا رُويَ عنه في ذلك حرفٌ واحد. وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين: أحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع, إذ لا قراءة فيه ولا ركوع, ولا فرضًا (2)، ولا سنة ثابتة بالتسليم، ويجوز أن يكون القارئ خلف الإمام فيه, ولا مصافّة فيه. وليس إلحاق محلّ النزاع بصور الاتفاق أولى من إلحاقه بصور الافتراق. الثاني: أن هذا القياس إنما ينفع (3) ــ لو كان صحيحًا ــ إذا لم يكن الشيء المقيس قد فُعِل على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم تقع الحادثة, فيحتاج المجتهد أن يُلْحقها بما وقع على عهده - صلى الله عليه وسلم - من الحوادث أو شَمِلها نصُّه, _________ (1) كما في قصة كعب بن مالك - رضي الله عنه - في حديث توبته، أنه لما بلغته البشارة خرَّ ساجدًا. أخرجه البخاري (4418)، ومسلم (769). (2) كذا في الأصل، وفوق الكلمة إشارة من الناسخ استشكالًا لها، ولعلها: "ولا رفعًا". (3) ط. الفقي: "يمتنع"، وهي غير محررة في الأصل، وهي أقرب إلى ما أثبتنا رسمًا ومعنى.

(1/42)


وأما مع سجوده وسجود أصحابه وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء, فيمتنع التقييدُ به. فإن قيل: فقد روى البيهقي من حديث الليث، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "لا يسجدُ الرَّجل إلا وهو طاهر" (1). وهذا يخالف ما رويتموه عن ابن عمر, مع أن في بعض الروايات: "وكان ابن عمر يسجد على وضوء"، وهذا هو اللائق به لأجل رواية الليث. قيل: أما أثر الليث ... (2). وأما رواية من روى: "يسجد (3) على وضوء" فغلط؛ لأن تبويب البخاري واستدلاله وقوله: "والمشرك ليس له وضوء" يدلّ على أن الرواية بلفظ "غير" وعليها أكثر الرواة (4). ولعل الناسخ استشكل ذلك, فظن أن _________ (1) أخرجه البيهقي: (1/ 90، 2/ 325) وصحح إسناده الحافظ في "الفتح": (2/ 554). وأخرجه مالك في "الموطأ ــ رواية محمد بن الحسن" (297). وقد جمع الحافظ بينهما بقوله: "فيجمع بينهما بأنه أراد بقوله (طاهر) الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار والأول على الضرورة". وزاد في "مرعاة المفاتيح": (3/ 430): "أو الثاني على الأولوية والأول على الجواز والإباحة". (2) بعده في الأصل بياض بمقدار سطر وزيادة، وعلق في الهامش: "بياض في الأصل". وأثبت مكانه في ط. الفقي: "فضعيف" بدون إشارة إلى الإضافة. ولا شك أن المؤلف ضعَّف أثر الليث كما سيأتي، لكن هل تكلم عن موجب التضعيف؟ (3) في ط. الفقي: "كان يسجد" ولا موجب للتصرف! (4) قال الحافظ في "الفتح": (2/ 553) تعليقًا على قوله: "على غير وضوء": "كذا للأكثر وفي رواية الأصيلي بحذف "غير" والأول أولى، فقد روى ابن أبي شيبة (4354) من طريق عبيد بن الحسن عن رجل زعم أنه كنفسه عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة، فيسجد وما يتوضأ". ورجحه ابن بطال: (3/ 56)، والعيني: (7/ 99).

(1/43)


لفظة "غير" غلط فأسقطها, ولاسيما إن كان اغترَّ (1) بالأثر الضعيف المروي عن الليث, وهذا هو الظاهر, فإن إسقاط الكلمة للاستشكال كثير جدًّا. وأما زيادة "غير" في مثل هذا الموضع فلا يُظنّ زيادتها غلطًا, ثم تتفق عليها النسخُ المختلفة أو أكثرها (2).

  5 - باب ما يُنَجّس الماءَ

5/ 58 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الماء، وما ينوبه من الدوابّ والسباع؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان الماءُ قُلّتين لم يحمل الخَبَثَ". 6/ 59 - وفي رواية: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الماء يكون في الفلاة؟ فذكر معناه. 7/ 60 - وفي رواية: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان الماء قُلَّتين فإنه لا يَنْجُس". وأخرجه الترمذي والنسائيّ وابن ماجه (3). وسئل يحيى بن معين عن حديث حماد بن سلمة، حديث عاصم بن المنذر؟ فقال: هذا جيد الإسناد. فقيل له: فإن ابن عُليّة لم يرفعه. قال يحيى: وإن _________ (1) زاد في ط. الفقي: "قد اغتر". (2) بعده في الأصل بياض بمقدار سطر وزيادة مع أن سياق الكلام تام. (3) أخرجه أبو داود (63 - 65)، والترمذي (67)، والنسائي (52)، وابن ماجه (517).

(1/44)


لم يحفظه ابن عُلية فالحديث حديث جيّد الإسناد (1). وقال أبو بكر البيهقي: وهذا إسناد صحيح موصول. قال ابن القيم - رحمه الله -: ورواه الحاكم في "المستدرك" (2) وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم. وصحَّحه الطحاوي (3). رواه الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. هكذا رواه إسحاق بن راهويه وجماعة، عن أبي أسامة، عن الوليد (4). _________ (1) كذا ساقه المنذري، ومصدره "معرفة السنن والآثار": (1/ 329 - 330) للبيهقي. فقد ساقه بسنده إلى عباس الدوري بنحوه. أقول: وهو في "تاريخه": (4/ 240) ولفظه ــ وهو أتم وأوضح ــ: "سمعت يحيى يقول ــ وسئل عن حماد بن سلمة ــ: حديث عاصم بن المنذر بن الزبير، عن أبي بكر عبيد الله بن عبد الله بن عمر هذا خير الإسناد، أو قال يحيى: هذا جيّد الإسناد. قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه، قال يحيى: وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيِّد الإسناد، وهو أحسن من حديث الوليد بن كثير. يعني يحيى في قصة: الماء لا ينجِّسه شيء". (2) (1/ 132). (3) يفهم تصحيحه من سياقه في "شرح المشكل": (7/ 64 - 67)، وفي "شرح المعاني": (1/ 15 - 16). ونقل تصحيحَ الطحاوي ابنُ الملقن في "البدر المنير": (1/ 413). وكذلك صححه الخطابي، وعبد الحق، وابن الملقن، وحسَّنه النووي. انظر "البدر المنير": (1/ 407 - 409). (4) أخرج هذه الطريق أبو داود (63)، والدارقطني: (1/ 13 - 15)، والحاكم: (1/ 132)، والبيهقي: (1/ 260).

(1/45)


ورواه الحُميدي عن أبي أسامة، نا الوليد، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله، عن أبيه (1). فهذان وجهان. قال الدارقطني في هاتين الروايتين (2): فلما اخْتُلِف على أبي أسامة اخترنا (3) أن نعلم مَن أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك, فإذا شعيب بن أيوب قد رواه (4) عن أبي أسامة, [عن الوليد بن كثير، على الوجهين جميعًا: عن محمد بن جعفر بن الزّبير، ثم أتْبَعَه عن محمد بن عبّاد بن جعفر. فصحَّ القولان جميعًا عن أبي أسامة] (5)، وصحَّ أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعًا, وكان أبو أسامة مرَّةً يحدِّث به عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير, ومرَّة يحدِّث به عن الوليد، عن محمد بن عَبّاد بن جعفر (6). ورواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. رواه جماعةٌ عن ابن إسحاق (7). _________ (1) أخرج هذه الطريق أبو داود: (1/ 51 - 52) ورجَّحها، والدارقطني: (1/ 15 - 17)، والحاكم: (1/ 133)، والبيهقي: (1/ 260). (2) في "السنن": (1/ 17 - 18)، ونقله البيهقي: (1/ 260) والمؤلف صادر عنه. وانظر نحوه في "العلل" (2872) للدارقطني. (3) عند الدارقطني والمصادر الناقلة عنه: "أحببنا". (4) الأصل: "روى"، والمثبت من "السنن". (5) ما بين المعكوفين سقط من الأصل، وهو انتقال نظر، والإكمال من "سنن الدارقطني" والبيهقي. (6) هنا انتهى كلام الدارقطني في "السنن". (7) أخرجه أبو داود (64)، وابن ماجه (517)، والدارقطني: (16 - 20)، والبيهقي: (1/ 261).

(1/46)


وكذلك رواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه (1). وفيه تقوية (2) لحديث ابن إسحاق. فهذه أربعة أوجه. ووجه خامس: محمد بن كثير المِصّيصي، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3). ووجه سادس: معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر. قولَه (4). قال البيهقي (5): وهو الصواب, يعني حديث مجاهد. ووجه سابع: بالشكّ في قُلّتين أو ثلاث, ذكرها يزيد بن هارون، وكامل بن طلحة، وإبراهيم بن الحجاج، وهُدْبة بن خالد, عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر بن الزبير, قال: دخلتُ مع عبيد الله بن عبد الله بن [ق 11] عمر بستانًا فيه مَقْراةُ ماءٍ، فيه جلد بعير ميّت، فتوضأ منه, فقلت: أتتوضأ منه وفيه جلد بعيرٍ ميّت؟ فحدَّثني عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: _________ (1) أخرجه أبو داود (65)، وابن ماجه (518)، والدارقطني: (21)، والبيهقي: (1/ 262). (2) رسمها في الأصل: "يفوته"! والصواب ما أثبت، وانظر "سنن الدارقطني": (1/ 21). (3) أخرجه الدارقطني: (29)، ومن طريقه البيهقي: (1/ 262). (4) أخرجه الدارقطني: (30)، ومن طريقه البيهقي: (1/ 262). (5) في "السنن": (1/ 262). والكلام في أصله للدارقطني نقله عنه البيهقي. قال الدارقطني: "ورواه معاوية بن عمرو، عن زائدة موقوفًا، وهو الصواب".

(1/47)


"إذا بلغ الماء قَدْر قُلّتين أو ثلاث لم ينجّسه شيء" (1). ورواه أبو بكر النيسابوري: حدثني أبو حميد المِصّيصي، ثنا حجاج, قال ابن جريج: أخبرني لوط، عن أبي (2) إسحاق، عن مجاهد: أن ابن عباس قال: "إذا كان الماء قُلّتين فصاعدًا لم ينجّسه شيء" (3). ورواه أبو بكر بن عيّاش، عن أَبَان، عن أبي يحيى، عن ابن عباس, كذلك موقوفًا (4). وروى أبو أحمد بن عدي (5) من حديث القاسم العُمَري، عن محمد بن المُنكَدِر، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الماءُ أربعين قُلّة لا يحمل الخبث". تفرّد به القاسم العمري هكذا, وهو ضعيف, وقد نُسِبَ إلى الغلط فيه. وقد ضعّف القاسمَ أحمدُ والبخاريُّ ويحيى بن معين وغيرُهم. قال البيهقي (6): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا علي _________ (1) أخرجه من طريقهم الدارقطني: (22 - 23)، وانظر "سنن البيهقي": (1/ 262) وقال: "ورواية الجماعة الذين لم يشكّوا أولى". والمَقْراة: الحوض يجتمع فيه الماء. "النهاية": (4/ 82). (2) ط. الفقي: "ابن" خطأ. (3) أخرجه الدارقطني: (32)، والبيهقي: (1/ 262). (4) ذكره البيهقي: (1/ 262). (5) في "الكامل": (6/ 34). وقال عَقِبه: "وهذا بهذا الإسناد بهذا المتن لا أعلم يرويه غير القاسم عن ابن المنكدر، وله عن ابن المنكدر غير هذا من المناكير". (6) في "السنن": (1/ 262). وتتمة كلامه: "وبمعناه قاله لي أبو بكر بن الحارث الفقيه عن أبي الحسن الدارقطني الحافظ "السنن 1: 26" قال: ووهم فيه القاسم، وكان ضعيفًا كثير الخطأ".

(1/48)


الحافظ يقول: حديث محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الماء أربعين قُلّة" خطأ, والصحيح عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن عَمرو (1) قولَه. قلت: كذلك رواه عبد الرزاق، أنا الثوري ومعمر، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قولَه (2). وروى ابنُ لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبيه قال: "إذا كان الماء فيه (3) أربعين قُلّة لم يحمل خبثًا" (4). وخالفه غيرُ واحدٍ, فرووه عن أبي هريرة, فقالوا: "أربعين غَرْبًا". ومنهم من قال: "دلوًا"، قاله الدارقطني (5). والاحتجاجُ بحديث القُلّتين مبنيّ على ثبوت عدّة مقامات: الأول: صحة سنده. الثاني: ثبوت وصله, وأن إرساله غير قادح فيه. _________ (1) في الأصل: "بن عمر" خطأ، وسيأتي على الصواب قريبًا. (2) أخرجه من طريق عبد الرزاق: الدارقطني (41 - 42)، والبيهقي: (1/ 262). (3) كذا في الأصل، والذي في مصادر الحديث "قدر". وأُسقطت في ط. الفقي. (4) أخرجه الدارقطني (44)، وذكره البيهقي: (1/ 262 - 263) من طريق الدارقطني. (5) في "السنن" عقب حديث رقم (44).

(1/49)


الثالث: ثبوت رفعه, وأن وَقْف مَن وقَفَه ليس بعلَّة. الرابع: أن الاضطراب الذي وقع في سنده لا يُوهِنه. الخامس: أن القُلَّتين مقدَّرتان بقلال هَجَر. السادس: أن قلال هَجَر متساوية المقدار ليس فيها كبار وصغار. السابع: أن القلة مقدّرة بقربتين حجازيَّتين, وأن قِرَب الحجاز لا تتفاوت. الثامن: أن المفهومَ حجَّة. التاسع: أنه مُقَدَّم على العموم. العاشر: أنه مقدَّم على القياس الجليّ. الحادي عشر: أن المفهوم عامّ في سائر صور المسكوت. الثاني عشر: أن ذِكر العدد خرج مَخْرج التحديد والتقييد. الثالث عشر: الجواب عن المعارض. ومَن جعلهما خمسمائة رطل احتاج إلى: مقام رابع عشر: وهو أنه يُجعل الشيء نصفًا احتياطًا. ومقام خامس عشر: أن ما وجب به الاحتياط صار فرضًا. قال المحدّدون: الجواب عما ذكرتم: * أما صِحّة سنده فقد وُجِدت؛ لأن رواته ثقات, ليس فيهم مجروح ولا متَّهم، وقد سمع بعضهم من بعض؛ ولهذا صححه ابنُ خزيمة والحاكم

(1/50)


والطحاوي وغيرهم (1). * وأما وَصْله, فالذين وصلوه ثقات, وهم أكثر من الذين أرسلوه, فهي زيادة من ثقة, ومعها الترجيح. * وأما رفعه، فكذلك. وإنما وقَفَه مجاهدٌ على ابن عمر, فإذا كان مجاهد قد سمعه منه موقوفًا لم يمنع ذلك سماعَ عُبيد الله وعبد الله له من ابن عمر مرفوعًا. فإن قلنا: الرفع زيادة, وقد أتى بها ثقةٌ, فلا كلام. وإن قلنا: هي اختلاف وتعارض, فعبيد الله أولى في أبيه من مجاهد, لملازمته له وعلمه بحديثه, ومتابعة عبد الله (2) له. * وأما قولكم: إنه مضطرب, فمثل هذا الاضطراب لا يقدح فيه؛ إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له عن (3) محمد بن عَبّاد ومحمد بن جعفر, كما قال الدارقطني: قد صحّ أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعًا, فحدَّث به أبو أسامة عن الوليد على الوجهين. وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله وعبد الله له جميعًا عن أبيهما, فرواه المحمَّدان عن هذا تارةً وعن هذا تارة. * وأما تقدير القلّتين بقلال هَجَر, فقد قال الشافعي: نا مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كانَ _________ (1) انظر ما سبق (ص 44). (2) ط. الفقي: "أخيه عبد الله" وليست في الأصل. (3) ط. الفقي: "من".

(1/51)


الماءُ قُلّتين لم يحمل خَبَثًا". وقال في الحديث: "بقلال هَجَر" (1). وقال ابن جريج: أخبرني محمد، عن (2) يحيى بن عقيل أخبره، أن يحيى بن يَعْمَر أخبره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان الماءُ قُلّتين لم يحمل نَجَسًا ولا بأسًا". قال: فقلت ليحيى بن عقيل: قِلال هَجَر؟ قال: قِلال هَجَر, قال: فأظنّ أن كلّ قُلّةٍ تأخذ قِرْبتين (3). قال ابنُ عديّ (4): محمد هذا هو محمد بن يحيى, يحدِّث عن يحيى بن أبي كثير ويحيى بن عقيل (5). قالوا: وأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرها لهم في حديث المعراج, وقال في سِدْرة المنتهى: "فإذا نَبِقها مثل قِلال هَجَر" (6). _________ (1) أخرجه الشافعي في "الأم": (2/ 10 - 11)، وهو في "مسنده" (37). (2) كذا في الأصل، وفي مصادر الحديث: "أن". (3) هذا هو الإسناد الذي لم يحضر الشافعيَّ ذكرُه. أخرجه الدارقطني: (32)، ومن طريقه البيهقي: (1/ 263). وعند الدارقطني وإحدى روايات البيهقي: "فرقين"، وفي رواية للبيهقي: "قربتين" ثم قال: "كذا في كتاب شيخي: قربتين". (4) كذا في الأصل، وهو وهم. فإن المصنف لما رأى البيهقي: (1/ 264) نقل هذا القول عن "أبي أحمد الحافظ" ظنه أبا أحمد بن عدي الجرجاني الحافظ صاحب "الكامل". وليس كذلك، فالمقصود هنا هو الحافظ أبو أحمد الحاكم النيسابوري صاحب كتاب "الكنى". وقد صرّح بذلك الحافظ ابن حجر في "التلخيص": (1/ 29). ويدل عليه عادة البيهقي في النقل عن الحافظين. (5) علّق ابنُ حجر في "التلخيص": (1/ 30) فقال: "قلت: وكيفما كان فهو مجهول". (6) أخرجه البخاري (3207) من حديث مالك بن صعصعة - رضي الله عنه -. وهو في مسلم (164) دون هذه اللفظة.

(1/52)


فدلّ على أنها معلومة عندهم. وقد قال يحيى بن آدم ووكيع وابن إسحاق: القُلّة: الجَرَّة. وكذلك قال مجاهد: القُلّتان: الجَرَّتان (1). * وأما كونها متساويةَ المقدار, فقد قال الخطابي في "معالمه" (2): "قلال هجر مشهورة الصَّنْعة معلومة المقدار, لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان". وهو حُجَّة في اللغة. * وأما [ق 12] تقديرها بِقِرَب الحجاز, فقد قال ابن جُريج: رأيت القُلَّة تَسَع قربتين (3). وابنُ جُريج حجازيّ, إنما أخبر عن قرب الحجاز, لا العراق ولا الشام ولا غيرهما. * وأما كونها لا تتفاوت, فقال الخطابي: "القرب المنسوبة إلى البلدان المحذوَّة (4) على مثال واحد", يريد: أن قِرَب كلّ بلد على قَدْرٍ واحد لا تختلف. قال: "والحدّ لا يقع بالمجهول". * وأما كون المفهوم حُجّة, فله طريقان: أحدهما: التخصيص. والثاني: التعليل. أما التخصيص, فهو أن يقال: تخصيصُ الحُكْم بهذا الوصف والعدد _________ (1) ذكر هذه الآثار البيهقي: (1/ 264)، وانظر "الأوسط": (1/ 262) لابن المنذر، و"التلخيص الحبير": (1/ 31). (2) (1/ 57 - بهامش المختصر). (3) ذكره عنه الشافعي في "الأم": (2/ 11). (4) كذا في الأصل، وفي عدة مطبوعات للمعالم: "المحدودة".

(1/53)


لا بدَّ له من فائدة, وهي نفي الحكم عمّا عدا المنطوق. وأما التعليل فيختصّ بمفهوم الصفة, وهو أن تعليق الحكم بهذا الوصف المناسب يدلّ على أنه علّة له, فينتفي الحكم بانتفائها. فإن كان المفهوم مفهوم شرط، فهو قويّ؛ لأن المشروط عدمٌ عند عدم شرطه وإلا لم يكن شرطًا له. * وأما تقديمه على العموم, فلأن دلالته خاصّة, فلو قُدِّم العمومُ عليه بطلَتْ دلالتُه جملةً, وإذا خُصّ به العموم عُمِل بالعموم فيما عدا المفهوم, والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما. كيف وقد تأيَّد المفهومُ بحديث الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب وإراقته (1) , وبحديث النهي عن غَمْس اليد في الإناء قبل غسلها عند القيام من نوم الليل (2)؟ * وأما تقديمه على القياس الجليّ فواضح؛ لأن القياس عمومٌ معنويّ, فإذا ثبت تقديمه على العموم اللفظي فتقديمه على المعنويّ بطريق الأَوْلى, ويكون خروج صور المفهوم من مقتضى القياس, كخروجها من مقتضى لفظ _________ (1) الأمر بالغسل متفق عليه، أخرجه البخاري (172)، ومسلم (279) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. والأمر بالإراقة عند مسلم (279/ 89) من طريق علي بن مُسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار". قال النسائي في "السنن": (1/ 53): "لا أعلم أحدًا تابع عليَّ بن مسهر على زيادة (فليرقه) ". وقال حمزة الكناني: إنها غير محفوظة. وانظر "فتح الباري": (1/ 330 - 331). (2) أخرجه البخاري (162)، ومسلم (278) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(1/54)


العموم. * وأما كون المفهوم عامًّا؛ فلأنه إنما دل على نفي الحكم عمّا عدا المنطوق بطريق سكوته عنه, ومعلوم أن نسبة السكوت إلى جميع الصور واحدة, فلا يجوز نفي الحكم عن بعضها دون بعض للتحكّم، ولا إثبات حُكْم المنطوق لها لإبطال فائدة التخصيص, فتعين نَفْيه (1) عن جميعها. * وأما قولكم: إن العدد خرج مخرج التحديد؛ فلأنه عددٌ صدر من الشارع، فكان تحديدًا وتقييدًا, كالخمسة الأوسق, والأربعين من الغَنَم, والخَمْس من الإبل, والثلاثين من البقر, وغير ذلك, إذ لا بدّ للعدد من فائدة, ولا فائدة له إلا التحديد. * وأما الجواب عن المعارض, فليس معكم إلا عموم لفظيّ, أو عموم معنويّ وهو القياس, وقد بينّا (2) تقديم المفهوم عليهما. * وأما جَعْل الشيء نصفًا؛ فلأنه قد شُكّ فيه, فجعلناه نصفًا احتياطًا (3) , والظاهر أنه لا يكون أكثر منه, ويحتمل النصف فما دون, فتقديره بالنصف أولى. * وأما كون ما وجب به الاحتياط يصير فرضًا؛ لأن هذا حقيقة الاحتياط, كإمساكِ جزءٍ من الليل مع النهار, وغَسل جزء من الرأس مع الوجه. _________ (1) غير محررة في الأصل، وفي (ش): "بقيد". والصواب ما أثبتنا. (2) رسمها في الأصل: "تبنا". (3) في المطبوعتين: "احتياطيًّا" خلافًا للأصل.

(1/55)


فهذا تمام تقرير هذا الحديث سندًا ومتنًا, ووجه الاحتجاج به. * قال المانعون من التحديد بالقُلّتين: - أما قولكم: إنه قد صحَّ سندُه, فلا يفيد الحكم بصحته؛ لأنَّ صحّةَ السندِ شرطٌ أو جُزءُ سببٍ للعلم بالصحة لا موجِبٌ تامّ, فلا يلزم من مجرّد صحة السند صحةُ الحديث ما لم ينتفِ عنه الشذوذُ والعلة, ولم ينتفيا عن هذا الحديث. - أما الشذوذ، فإنّ هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام, والطاهر والنجس, وهو في المياه كالأوسُق في الزكاة, والنُّصُب في الزكاة, فكيف لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة ينقله خلفٌ عن سلف, لشدة حاجة الأمة إليه أعظمَ من حاجتهم إلى نُصُب الزكاة؟ فإنَّ أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة, والوضوء بالماء الطاهر فرض على كلِّ مسلم, فيكون الواجب نقل هذا الحديث، كنقل نجاسة البول ووجوب غسله, ونقل عدد الركعات, ونظائر ذلك. ومن المعلوم أنّ هذا لم يروه غير ابن عمر, ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله, فأين نافع, وسالم, وأيوب (1) , وسعيد بن جُبير؟ وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السُّنة التي مَخْرجها من عندهم, وهم إليها أحْوَج الخلق, لعزَّة الماء عندهم؟ _________ (1) كذا في الأصل، و"أيوب" إذا أُطلق في طبقة التابعين فهو ابن أبي تميمة السَّخْتياني (ت 131) من صغار التابعين، لم يُدرك ابن عمر ولا أرسل عنه. فلعله ذكره ــ إن لم يكن وهمًا ــ لأنه كان أطلبَ الناس لحديث نافع، ومِن أوثق مَن روى عنه.

(1/56)


ومن البعيد جدًّا أن تكون هذه السُّنّة عند ابن عمر وتَخْفى على علماء أصحابه وأهل بلدته, ولا يذهب إليها أحدٌ منهم, ولا يروونها ويديرونها بينهم. ومَنْ أنصفَ لم يخفَ عليه امتناع هذا, فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أقْوَل الناس بها وأرواهم لها. فأيُّ شذوذٍ أبلغ من هذا؟ وحيث لم يقل بهذا التحديد أحدٌ من أصحاب ابن عمر عُلِم أنه لم يكن فيه عنده سُنّة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا وجه شذوذه. - وأما عِلَّته فمن ثلاثة أوجه: أحدها: وَقْف مجاهد له على ابن عمر, واختُلِف فيه عليه, واختُلِف فيه على عبيد الله أيضًا رفعًا ووقفًا. ورجَّح شيخا الإسلام أبو الحجَّاج المِزِّي, وأبو العباس ابن تيمية وَقْفه (1) , ورجح البيهقي في "سننه" (2) وَقْفه من طريق مجاهد, وجعله هو الصواب. قال شيخنا أبو العباس: وهذا كلّه يدلُّ على أن ابن عمر لم يكن يحدِّث به عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن سُئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه, فنقل ابنُه ذلك عنه. قلت: [ق 13] ويدلّ على وقفه أيضًا: أن مجاهدًا ــ وهو العَلَم المشهور _________ (1) انظر "مجموع الفتاوى": (21/ 35). لكنه سئل في موضع آخر (21/ 41) عنه فقال: "وأما حديث القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به، وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه، وصنف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءًا رد فيه ما ذكره ابن عبد البر وغيره". (2) (1/ 262).

(1/57)


الثَّبْت ــ إنما رواه عنه موقوفًا. واخْتُلف فيه على عبيد الله وقفًا ورفعًا. العلة الثانية: اضطرابُ سنده, كما تقدم. العلة الثالثة: اضطراب متنه, فإنه في بعض ألفاظه: "إذا كان الماء قلتين". وفي بعضها: "إذا بلغ الماء قَدْر قلّتين أو ثلاث". والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدّم. قالوا: وأما تصحيح من صَحَّحه من الحُفّاظ, فمُعارَض بتضعيف من ضعَّفه, وممن ضَعّفه حافظُ المغرب أبو عمر بن عبد البر (1) وغيره؛ ولهذا أعرض عنه أصحابُ "الصحيح" جملةً. قالوا: وأما تقدير القُلّتين بقلال هَجَر, فلم يصحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء أصلًا. وأما ما ذكره الشافعيّ فمنقطع. وليس قوله: "بقلال هجر" فيه من كلام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أضافه الراوي إليه, وقد صرَّح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل. فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم, والحدّ الفاصل بين الحلال والحرام, الذي تحتاج إليه جميع الأمة= لا يوجد إلا _________ (1) في "التمهيد": (1/ 329) وأعله بالاضطراب. وضعَّفه تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" قال: "هذا الحديث قد صحح بعضُهم إسنادَ بعضِ طرقه، وهو أيضًا صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنه وإن كان حديثًا مضطرب الإسناد، مختلفًا فيه في بعض ألفاظه ــ وهي علة عند المحدثين، إلا أن يجاب عنها بجواب صحيح ــ فإنه يمكن أن يجمع بين الروايات، ويجاب عن بعضها بطريق أصولي، وينسب إلى التصحيح، ولكن تركته ــ (يعني) في "الإلمام" ــ لأنه لم يثبت عندنا الآن بطريق استقلال ــ يجب الرجوع إليه شرعًا ــ تعيينٌ لمقدار القلتين". نقله ابن الملقن في "البدر المنير": (1/ 413).

(1/58)


بلفظ شاذٍّ بإسناد منقطع؟ وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! قالوا: وأما ذِكْرها في حديث المعراج, فمن العجب أن يُحال هذا الحدّ الفاصل على تمثيل النبي - صلى الله عليه وسلم - نَبْق السِّدْرة بها! وما الرابط بين الحُكْمين؟ وأي ملازمة بينهما؟ فلكونها (1) معلومةً عندهم معروفةً لهم مَثَّل لهم بها. وهذا من عجيب حَمْل المطلق على المقيد. والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع, فكيف يُحْمَل إطلاق حديث القلتين عليه؟ وكونها معلومةً لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أُطلِقَت القُلّة (2) , فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها. والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم, وهم لها أعظم ملابسةً من غيرها, فالإطلاق إنما ينصرف إليها, كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد البلد دون غيره, هذا هو الظاهر, وإنما مَثَّل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقلال هجر؛ لأنه هو الواقع في نفس الأمر, كما مَثَّل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعى الجوزة (3) , دون النخل وغيره من _________ (1) ط. الفقي: "ألكونها"، وفي سياق العبارة شيءٌ، ولعل ما أثبته أقرب إلى صحة السياق. (2) الأصل والمطبوعات: "العلة" تصحيف، والصواب ما أثبت. (3) أخرجه أحمد (17642)، والطبراني في "الكبير": (17/ 126 - 127)، وابن حبان (6450) وغيرهم من حديث عتبة السلمي في حديث طويل في وصف الجنة. قال الهيثمي في "المجمع": (10/ 417): "رواه الطبراني في الأوسط والكبير وأحمد باختصار عنهما، وفيه عامر بن زيد البكالي، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات". وعامر ذكره ابن حبان في "الثقات": (5/ 191) وخرج له في صحيحه.

(1/59)


أشجارهم؛ لأنه هو الواقع, لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم. وهكذا التمثيل بقلال هجر؛ لأنه هو الواقع, لا لكونها أعرف القلال عندهم. هذا بحمد الله واضح (1). وأما قولكم: إنها متساوية المقدار. فهذا إنما قاله الخطابي, بناءً على أنّ ذِكْرَهما تحديد, والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية. وهذا دَورٌ باطل, وهو لم ينقله عن أهل اللغة ــ وهو الثقة في نقله ــ ولا أخبر به عن عِيان (2). ثم إن الواقع بخلافه, فإن القِلال فيها الكبار والصِّغار في العُرْف العام أو الغالب, ولا تُعمل بقالَبٍ واحد. ولهذا قال أكثر السلف: القُلّة: الجَرّة. وقال عاصم بن المنذر ــ أحد رواة الحديث ــ: القلالُ: الخوابي العظام (3). _________ (1) قال الحافظ في "التلخيص الحبير": (1/ 30): "فإن قيل: أي ملازمة بين هذا التشبيه وبين ذكر القلة في حد الماء؟ فالجواب: أن التقييد بها في حديث المعراج دال على أنها كانت معلومة عندهم بحيث يضرب بها المثل في الكِبَر، كما أن التقييد إذا أطلق إنما ينصرف إلى التقييد المعهود. وقال الأزهري: القلال مختلفة في قرى العرب وقلال هجر أكبرها. وقال الخطابي: قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار .. والقلة لفظ مشترك، وبعد صَرْفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار: جعل الشارع الحد مقدّرًا بعدد، فدلّ على أنه أشار إلى أكبرها؛ لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. والله أعلم" اهـ. (2) "عن" سقطت من ط. الفقي، وفي الأصل: "عنان". (3) أخرجه الدارقطني: (31)، والبيهقي: (1/ 264).

(1/60)


وأما تقديرها بِقِرَب الحجاز، فلا ننازعكم فيه, ولكن الواقع أنه قَدّر قُلَّةً من القلال بقِرْبتين من القِرَب فرآها تَسَعُهما, فهل يلزم من هذا أنَّ كلَّ قُلَّة من قلال هَجَر تأخذ كلّ (1) قِربتين من قرب الحجاز؟ وأن قِرَب الحجاز كلّها على قَدْر واحد, ليس فيها صغار وكبار؟ ومَن جعلها متساويةً فإنما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول, فيا سبحان الله! هذا إنما يتمّ أن لو كان التحديدُ مستندًا إلى صاحب الشرع, فأمّا والتقدير بقلال هَجَر وقِرَب الحجاز تحديدُ يحيى بن عقيل وابن جُريج, فكان ماذا؟! وأما تقرير كون المفهوم حجَّة, فلا تنفعكم مساعدتنا عليه, إذ المساعدة على مقدّمة من مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل. وأما تقديمكم له على العموم فممنوع, وهي مسألة نزاع بين الأصوليين والفقهاء, وفيها قولان معروفان (2). ومنشأ النزاع: تعارض خصوص المفهوم وعموم النّطق (3) , فالخصوص يقتضي التقديم, والنّطق يقتضي الترجيح. فإن رجّحتم المفهومَ بخصوصه, رجّح منازعوكم العموم بمنطوقه. ثم الترجيح معهم هاهنا للعموم من وجوه: أحدها: أن حديثه أصح. الثاني: أنه موافق للقياس الصحيح. _________ (1) سقطت من ط. الفقي. (2) انظر "المسودة" (ص 142 - 144) و"إرشاد الفحول": (2/ 694 - 696). (3) ط. الفقي: "المنطوق" في الموضعين، خلافًا للأصل.

(1/61)


الثالث: أنه موافقٌ لعمل أهل المدينة قديمًا وحديثًا, فإنه لا يُعرف عن أحدٍ منهم أنه حدّ (1) الماء بقُلَّتين. وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقليّ (2) خلفًا عن سلف, فجرى مجرى نقلهم الصاعَ والمُدَّ والأحباس (3) وتركَ أخذِ الزكاة من الخضروات. وهذا هو الصحيح المحتجّ به من إجماعهم, دون ما طريقُه الاجتهاد والاستدلال، فإنّهم وغيرهم فيه سواء, وربما تَرَجّح غيرُهم عليهم, وتَرجَّحوا هم على غيرهم. فتأمل هذا الموضع. فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمَعَنا من الترجيح ما يقابله, وهو أن المفهوم هنا قد تأيَّد بحديث النهي عن البول في الماء الرَّاكد (4) , والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلبُ, والأمرُ بغسل اليد من نوم الليل (5). فإنّ هذه الأحاديث تدلّ على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغيَّر, ولا سبيل إلى تأثر كلِّ ماءٍ بها, بل لا بدّ من تقديره, فتقديره بالقُلّتين أولى من تقديره بغيرهما؛ لأنّ التقديرَ [ق 14] بالحركة والأذرع المعينة وما يمكن نَزْحُه وما لا يمكن= تحكّمات (6) باطلة لا أصل لها, وهي غير منضبطة في نفسها, فرُبَّ حركةٍ تُحرِّك غديرًا عظيمًا من الماء, وأخرى تحرِّك مقدارًا يسيرًا منه, _________ (1) ط. الفقي: "حدد" خلافًا للأصل. (2) في الأصل والمطبوعات: "عملًا نقليًّا" والوجه ما أثبت. (3) ط. الفقي: "والأجناس" خطأ. والأحباس هي الأوقاف. ينظر: "مجموع الفتاوى": (20/ 306). (4) أخرجه البخاري (239)، ومسلم (282) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (5) تقدم تخريجهما (ص 53 - 54). (6) ط. الفقي: "تقديرات" خلافًا للأصل.

(1/62)


بحَسَب المحرِّك والمتحرِّك. وكذا (1) التقدير بالأذرع تحَكُّمٌ محضٌ لا سنّةٌ ولا قياس, وكذا التقدير بالنّزْح الممكن مع عدم انضباطه, فإن عشرة آلاف مثلًا يمكنهم نَزْح ما لا ينزحه عشرة (2) , فلا ضابط له. وإذا بطلت هذه التقديرات ــ ولا بدّ من تقدير ــ، فالتقدير بالقلَّتين أولى لثبوته, إما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإما عن الصحابة (3). قيل: هذا السؤال مبنيّ على مقامات: أحدها: أنَّ النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنجاسة الماء بالمنهي عنه. والثاني: أنّ هذا التنجيس لا يعمّ كلّ ماء, بل يختص ببعض المقادير (4) دون بعض. والثالث: أنه إذا تعيّن التقدير, كان تقديره بالقُلَّتين هو المتعيّن. فأما المقام الأول فنقول: ليس في شيء من هذه الأحاديث أن الماء ينجُس بمجرَّد ملاقاة البول، والولوغ، وغَمْس اليد فيه. أما النهي عن البول فيه، فليس فيه دلالة على أن الماء كلَّه ينجس بمجرَّد ملاقاة البول لبعضه, بل قد يكون ذلك لأن البول سببٌ لتنجيسه, فإنّ الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدَتْها, ولو كانت قلالًا عظيمة. فلا يجوز أن يُخصّ نهيه بما دون _________ (1) ط. الفقي: "وهذا" خلافًا للأصل. (2) رسمه في الأصل هنا والموضع السابق يشبه: "غيره"، فأثبته في ط. الفقي هنا: "غيرهم". (3) في المطبوعتين زيادة: "رضي الله تعالى عنهم" ولا وجود لها في الأصل. (4) ط. الفقي: "المياه" تصحيف.

(1/63)


القلَّتين, فيجوز للناس أن يبولوا في القلَّتين فصاعدًا, وحاشى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين, ويكون قد جَوَّز للناس البولَ في كلّ ما (1) بلغ القلتين أو زاد عليهما, وهل هذا إلا إلغاز في الخطاب أن يقول: "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري"، ومراده من هذا اللفظ العام: أربعمائة رطل بالعراقيِّ أو خمسمائة, مع ما يتضمَّنه التجويز من الفساد العام وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم؟ وكذلك حَمْله على ما لا يمكن نزحُه, أو ما لا يتحرَّك أحدُ طرفيه بحركةِ طرفه الآخر. وكلّ هذا خلاف مدلول الحديث, وخلاف ما عليه الناس وأهل العلم قاطبة، فإنهم ينهون عن البول في هذه المياه وإن كان مجرَّد البول لا ينجّسها, سدًّا للذريعة. فإنه إذا مُكِّن الناسُ من الأبوال في هذه المياه وإن كانت كبيرة عظيمة لم تلبث أن تتغيّر وتفسد على الناس, كما رأينا من تغيّر الأنهار الجارية بكثرة الأبوال. وهذا كما نهى عن إفساد ظِلالهم عليهم بالتخلِّي فيها, وإفساد طرقاتهم بذلك (2). فالتعليل بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه ومقصوده, وحِكْمته بنهيه, ومراعاته مصالحَ العباد, وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظِلالهم, كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجنّ من طعامهم وعَلَف دوابّهم (3). فهذه علّة معقولة تشهد لها العقول والفِطَر, ويدلّ عليها تصرّف الشرع _________ (1) ط. الفقي: "ماء". وهو محتمل. (2) أخرجه مسلم (269) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (3) أخرجه مسلم (450) من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -.

(1/64)


في موارده ومصادره, ويقبلها كلّ عقل سليم, ويشهد لها بالصحَّة. وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي, أو بما يتحرّك أو لا يتحرّك, أو بعشرين ذراعًا مُكسَّرة (1) , أو بما لا يمكن نزحُه فأقوالٌ كلٌّ منها بكلٍّ مُعَارَضٌ, وكلٌّ بكلٍّ مُناقَض, لا يُشَمّ منها رائحة الحكمة, ولا يُشام منها بوارق المصلحة, ولا يَتَعطَّل بها المفسدة المَخُوفة. فإنّ الرجل إذا علم أن النهي إنما تناول هذا المقدار من الماء، لم يبق عنده وازع ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه. وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال. وكلّ شرط أو علة أو ضابط رجع (2) على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال. ومما يدلّ على هذا: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذكر في النهي وصفًا يدلّ على أنه هو المعتبر في النهي، وهو كون الماء "دائمًا لا يجري" ولم يقتصر على قوله: "الدائم" حتى نَبّه على العلة بقوله: "لا يجري"، فتقف النجاسة فيه, فلا يذهب بها. ومعلومٌ أنَّ هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما. والعجب من مناقضة المحدّدين بالقلتين لهذا المعنى, حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري, وقالوا: إن كانت الجَرْية قُلّتين فصاعدًا لم تتأثر بالنجاسة, وإن كانت دون القُلّتين تأثرت, وأَلْغَوا كون الماء جاريًا أو واقفًا, _________ (1) في الأصل و ط. المعارف: "مكثّرة"، وفي ش: "بكثرة"، وأثبتها الفقي في طبعته بالسين على الصواب. ومعنى "عشرين ذراعًا مكسّرة" أي: عشرين ذراعًا في عشرين ذراعًا. فهي عبارة يستعملها الحُسّاب في ضرب عددٍ في مثله. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص 267). (2) في ط: "يرجع" والرسم في الأصل محتمل، والمثبت موافق لما في (ش).

(1/65)


وهو الوصف الذي اعتبره الشارع. واعتبروا في الجاري والواقف القلتين، والشارع لم يعتبره, بل اعتبر الوقوف والجَرَيان. فإن قيل: فإذا لم تخصصوا الحديثَ ولم تقيِّدوه بماء دون ماء, لزمكم المحال, وهو أن يُنهى عن البول في البحر, لأنه دائم لا يجري. قيل: ذِكره - صلى الله عليه وسلم - الماءَ الدائم الذي لا يجري تنبيهٌ على أن حِكْمة النهي إنما هي ما يُخشَى من إفساد مياه الناس عليهم, وأن النهي إنما تعلَّق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن يُفسدها الأبوال. فأما الأنهار العِظام والبحار فلم يدل نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -[عليها] (1) بوجه, بل لمَّا دلَّ كلامُه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام كالنيل والفرات، فجواز البول في البحار أولى وأحرى. [ق 15] ولو قُدِّر أن هذا تخصيص لعموم كلامه, فلا يستريب عاقل أنه أولى من تخصيصه بالقُلّتين، أو ما لا يمكن نزحُه, أو ما لا تبلغ الحركةُ طرفيه؛ لأنّ المفسدة المنهيّ لأجلها لا تزول في هذه المياه, بخلاف ماء البحر فإنه لا مفسدة في البول فيه. وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلِّي في الظل (2)، وبوله - صلى الله عليه وسلم - في ظلِّ الشجرتين (3)، واستتاره بجِذْم الحائط (4) , فإنه _________ (1) زيادة يستقيم بها المعنى. (2) تقدم تخريجه. (3) أخرجه مسلم (3012) ضمن حديث طويل من حديث جابر - رضي الله عنه -. (4) ولفظه: عن أبي موسى قال: إني كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دَمِثًا في أصل جدار فبال، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أراد أحدكم أن يبول فلْيَرْتد لبوله موضعًا". أخرجه أبو داود (3)، والحاكم: (3/ 465 - 466)، والبيهقي: (1/ 93) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -. وصحّحه الحاكم. وقال المنذري في "مختصره": (1/ 15): فيه مجهول. وجِذْم الحائط: أصله وأساسه. "المصباح المنير" (ص 36 - 37).

(1/66)


نهى عن التخلِّي في الظل النافع, وتخلَّى مستترًا (1) بالشجرتين والحائط, حيث لم ينتفع أحدٌ بظلِّهما, فلم يُفسد ذلك الظلَّ على أحد. وبهذا الطريق يُعْلَم أنه إذا كان - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن البول في الماء الدائم, مع أنه قد يحتاج إليه, فَلَأنْ ينهى عن البول في إناء ثم صبّه فيه بطريق الأولى. ولا يستريب في هذا مَن عَلِم حكمةَ الشريعة, وما اشتملت عليه مِن مصالح العباد ونصائحهم. ودع الظاهريةَ البحتةَ, فإنها تقسّي القلوب, وتحجبها عن رُؤية محاسن الشريعة وبهجتها, وما أودعته من الحِكَم والمصالح، والعدل والرحمة. وهذه الطريق التي جاءتك عفوًا تنظر إليها نَظَر مُتّكئ على أريكته قد تَقَطَّعَت في مفاوزها أعناقُ المَطي, لا يسلكها في العالَم إلا الفرد بعد الفرد, ولا يعرف مقدارَها إلَّا (2) من أقْرَحَت قلبَه الأقوالُ المختلفة, والاحتمالات المتعدِّدة, والتقديرات المستبعدة. فإن علت هِمّتُه جعل مذهبَه عُرضةً للأحاديث النبوية, وخِدْمته بها, وجعله أصلًا محكمًا يردّ إليه متشابهها, فما _________ (1) في الأصل: "مشيرًا" خطأ. (2) كذا في الأصل، وأسقطت (إلا) من المطبوعات. ويكون المعنى بإثباتها: أنه لا يعرف مقدار هذه الطرق إلا من تعب في النظر في الأقوال المختلفة، والاحتمالات ... فلما وجد هذه الطريق عرف قيمتها. لكن يشكل عليه بقية الكلام: "فإن علت همته ... "، فإنه لا يستقيم المعنى إلا بحذف "إلا"، أي: أنه لا يعرف مقدار هذه الطريق من فسد قلبه لامتلائه بكثرة الاحتمالات والتأويلات البعيدة .. إلخ.

(1/67)


وافقه منها قَبِلَه, وما خالفه تكلَّفَ له وجوهًا لردّ (1) الجميل, فما أتعبه من شقاء, وما أقلّ فائدته! ومما يُفْسِد قولَ المحدِّدين بقُلّتين: أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول. هكذا لفظ "الصحيحين": "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (2). وأنتم تجوِّزون أن يُغتسل في ماءٍ دائمٍ قدر القُلَّتين بعدما بال فيه. وهذا خلافٌ صريح للحديث. فإن منعتم الغسل فيه، نقضتم أصلكم, وإن جَوَّزتموه خالفتم الحديثَ. فإن جَوَّزتم البولَ والغُسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعًا. ولا يقال: فهذا بعينه وارد عليكم، لأنه إذا بال في الماء اليسير ولم يتغيَّر جوَّزتم له الغُسْل فيه؛ لأنا لم نُعلّل النهيَ بالتنجيس, وإنما عللناه بإفضائه إلى التنجيس, كما تقدم, فلا يَرِد علينا هذا. وأما إذا كان الماء كثيرًا، فبال في ناحيةٍ ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يَصِل إليها البول, لم (3) يدخل في الحديث؛ لأنه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه, وإلا لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبدًا, وهو فاسد. وأيضًا فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغسل فيه بعد البول, لما يُفْضي إليه من إصابة البول له. ونظير هذا: نهيه أن يبول الرجل في مستحمِّه. وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول, فيقع في الوسواس, كما في _________ (1) ط. الفقي: "بالرد غير الجميل" خلافًا للأصل. (2) تقدم تخريجه. (3) في المطبوعتين: "فلا" خلاف الأصل.

(1/68)


الحديث: "فإنّ عامّة الوَسْواس منه" (1). حتى (2) لو كان المكان مبلّطًا لا تستقر فيه البولة, بل تذهب مع الماء، لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء. ونظيرُ هذا: منع البائل أن يستجمر أو يستنجي موضع بوله, لما يفضي إليه من التلوث بالبول. ولم يُرِد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بنهيه الإخبارَ عن نجاسة الماء الدائم بالبول, فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه. والذي يدلّ على ذلك: أنه قيل له في بئر بُضاعة: أنتوضأ منها وهي بئر يُلقى فيها الحِيَض ولحوم الكلاب وعَذِر الناس؟ فقال: "الماء طهور لا ينجّسه شيء" (3). فهذا نصّ صحيح صريح على أن الماء لا يَنجُس بملاقاة النجاسة, مع كونه واقفًا, فإن بئر بُضاعة كانت واقفة, ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جارٍ أصلًا. فلا يجوز تحريم ما أباحه وفَعَله قياسًا على ما نَهى عنه, ويُعارَضَ أحدهما بالآخر, بل يستعمل هذا وهذا؛ هذا (4) في موضعه, وهذا في موضعه. ولا تُضرب سنةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضها ببعض. فوضوؤه من بئر بضاعة ــ وحالُها ما ذكروه له ــ دليلٌ على أن الماء لا يتنجَّس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغيَّر. ونهيُه عن الغسل في الماء الدائم بعد _________ (1) أخرجه أبو داود (27)، والترمذي (21)، والنسائي (36)، وابن ماجه (304)، وأحمد (20569) وغيرهم من حديث عبد الله بن مغفّل. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الأشعث بن عبد الله، وصححه ابن حبان والحاكم، إلا أن قوله: "فإن عامة الوسواس منه" موقوف لا يصح رفعه. (2) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: "لكن". (3) تقدم تخريجه. (4) عليها علامة التصحيح في الأصل، لئلا يُظن أن "هذا" مكررة.

(1/69)


البول فيه, لِمَا ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه بالبول, كما ذكرنا عنه التعليلَ بنظيره, فاستعملنا السننَ على وجوهها. وهذا أولى من حَمْل حديث بئر بُضاعة على أنه كان أكثر من قُلّتين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلل بذلك, ولا أشار إليه, ولا دلّ كلامه عليه بوجه. وإنما علل بطهورية الماء, وهذه عِلّة مُطَّردة في كلّ ماء، قلّ أو كثر. ولا يَرِدُ المتغيِّر؛ لأن ظهور النجاسة فيه يدلّ على تنجّسه بها, فلا يدخل في الحديث, على أنه محل وفاق فلا يُناقض به. وأيضًا: فلو أراد - صلى الله عليه وسلم - النهي عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت فيه أيُّ نجاسةٍ كانت، لأتى بلفظٍ يدلّ عليه. ونهيه عن الغسل فيه بعد البول لا يدلّ على مقدارٍ ولا تنجيس, فلا يُحمَّل ما لا يحتمله. ثم إنّ كل مَن قَدَّر الماءَ المتنجِّس بقَدْرٍ خالف [ق 16] ظاهر الحديث (1)، فأصحاب الحركة خالفوه بأن قدَّروه بما لا يتحرَّك طرفاه, وأصحاب النزح خصّوه بما لا يمكن نزحُه, وأصحاب القلتين خصّوه بمقدار القلتين. وأسعد الناس بالحديث مَن حَمَله على ظاهره ولم يخصّه ولم يقيّده, بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضي إلى إفساده منع من جوازهما, وإلا منع من اغتساله في موضع بوله كالبحر, ولم يمنع من بوله في مكان واغتساله في غيره. وكلّ من استدلّ بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم لوقوع النجاسة فيه، فقد ترك مِن ظاهر الحديث ما هو أَبْيَن دلالة مما قال به, وقال بشيءٍ لا يدلّ عليه لفظ الحديث؛ لأنه إن عمَّم النهيَ في كلِّ ماءٍ بطل _________ (1) يعني: حديث النهي عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال فيه.

(1/70)


استدلاله بالحديث, وإن خصَّه بقَدْرٍ خالف ظاهره وقال ما لا دليل عليه, ولزمه أن يُجوِّز البولَ فيما عدا ذلك القَدْر، وهذا لا يقوله أحد. فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرَّد الملاقاة على كلِّ تقدير. وأما مَن قدّره بالحركة, فيدلّ على بطلان قوله أن الحركة مختلفة اختلافًا لا ينضبط, والبول قد يكون قليلًا وكثيرًا, ووصول النجاسة إلى الماء أمر حِسّي, وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات. فيا لله للعجب! حركة الطهارة ميزان وعيار على وصول النجاسة وسَرَيانها, مع شدة اختلافها! ونحن نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول, ونعلم أن البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة, وما كان هكذا لم يجز أن يُجْعَل حدًّا فاصلًا بين الحلال والحرام. والذين قدَّروه بالنَّزْح أيضًا قولهم باطل, فإن العسكر العظيم يمكنهم نزح ما لا يمكن الجماعة القليلة نزحُه. وأما حديث ولوغ الكلب، فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا, فإنه ما منكم إلا من خالفه أو قَيَّده أو خصَّصه فخالف ظاهره. فإن احتجَّ به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب كان احتجاجه باطلًا، فإن الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة, فهو حجة عليه في العدد والتراب. فأما أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه, ولا يكون حجة عليه فيما خالفه، فكلَّا.

(1/71)


ثم هم يخصّونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه, وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص؟! ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر، وهو أنه إذا كان الماء رقيقًا جدًّا, وهو منبسط انبساطًا لا تبلغه الحركة: أن يكون طاهرًا ولا يؤثر الولوغ فيه, وإذا كان عميقًا جدًّا وهو متضايق, بحيث تبلغ الحركة طرفيه: أن يكون نجسًا, ولو كان أضعافَ أضعافِ الأول. وهذا تناقض بيِّن لا محيدَ عنه. قالوا: وإن احتجّ به من يقول بالقلتين فإنه يخصِّصه بما دون القلتين, ويحمل الأمر بغسله وإراقته على هذا المقدار, ومعلومٌ أنه ليس في اللفظ ما يُشْعر بهذا بوجه ولا يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث. وإذا كان لا بدَّ لهم من تقييد الحديث، وتخصيصه، ومخالفة ظاهره = كان أسعدُ الناس به من حَمَله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها, وهو ولوغ متتابع في آنية صغار، يتحلل مِن فم الكلب في كلِّ مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء, ولا يخالف لونُه لونَه فيظهرَ فيه التغير, فتكون أعيان النجاسة قائمةً بالماء وإن لم تُرَ, فأمر بإراقته وغسل الإناء. فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وأَلْصَق به, وليس في حَمْله عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التي تُتّخذ للاستعمال فيَلَغ فيها الكلاب. فإن كان حمله على هذا موافَقةً للظاهر فهو المقصود. وإن كان مخالفةً للظاهر, فلا ريب أنه أقلّ مخالفة مِن حَمْله على الأقوال المتقدمة. فيكون أولى على التقديرين. قالوا: وأما حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من النوم, فالاستدلال به أضعف من هذا كلّه, فإنه ليس في الحديث ما يدل على

(1/72)


نجاسة الماء، وجمهور الأمة على طهارته, والقول بنجاسته من أشذّ الشاذّ, وكذا القول بصيرورته مستعملًا ضعيف أيضًا, وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد, واختيارَ القاضي وأتباعه, واختيار أبي بكر وأصحاب أحمد، فإنه ليس في الحديث دليل على فساد الماء. وقد بينّا أن النهي عن البول فيه لا يدلّ على فساده بمجرَّد البول, فكيف بغَمْس اليد فيه من (1) النوم؟ وقد اختلف في النهي عنه, فقيل: تعبُّد. ويَردّ هذا القول: أنه معلَّل في الحديث بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده". وقيل: معلَّل باحتمال النجاسة, كبَثْرة في يديه, أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار. وهو ضعيف أيضًا، لأن النهي عام للمستنجي والمستجمرِ, والصحيحِ وصاحبِ البثرات، فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمرِ, وصاحبِ البثور! وهذا لم يقله أحد. وقيل ــ وهو الصحيح ــ: إنه مُعلّل بخشية مبيت الشيطان على يده, أو مبيتها عليه. وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع [ق 17] الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم، فإنه قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمِنْخَريه من الماء, فإن الشيطان يبيت على خيشومه" متفق عليه (2). وقال هنا: "فإن أحدَكم لا يدري أين باتت يده"، فعلّل بعدم الدراية بمحلّ المبيت. وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم، فإنّ اليد إذا باتت _________ (1) غير محررة في الأصل وتحتمل "حين" أو ما أثبتّ، وفي المطبوعتين: "فيه بعد القيام من ... " خلافًا للأصل. (2) أخرجه البخاري (3295) بنحوه وذكره بلفظه معلقًا في أحد تبويباته (3/ 31)، ومسلم (237) بلفظه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(1/73)


ملابِسةً للشيطان لم يَدْر صاحبها أين باتت. وفي مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسته لليد سرٌّ يعرفه من عرف أحكام الأرواح, واقتران الشياطين بالمحالِّ التي تُلابسها, فإنّ الشيطان خبيث يناسبه الخبائث, فإذا نام العبد لم يُرَ في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه, فيستوطنه في المبيت. وأما ملابسته ليده، فلأنها أعمّ الجوارح كسبًا وتصرّفًا ومباشرةً لِمَا يأمر به الشيطان من المعصية, فصاحبها كثير التصرّف والعمل بها, ولهذا سميت: جارحة؛ لأنه يجرح بها, أي يكسب. وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء, وهي كما ترى وضوحًا وبيانًا. وحسبك شهادة النصّ لها بالاعتبار. والمقصود أنه لا دليل لكم في الحديث بوجه ما, والله أعلم. وقد تبين بهذا جواب المقام الثاني والثالث. فلنرجع إلى الجواب عن تمام الوجوه الخمسة عشر (1) , فنقول: * وأما تقديمكم للمفهوم من حديث القلتين على القياس الجلي, فمما يخالفكم فيه كثير من الفقهاء والأصوليين, ويقولون: القياس الجلي مقدَّم عليه, وإذا كانوا يقدمون القياس على العموم الذي هو حجة بالاتفاق, فَلَأن يقدّم على المفهوم المختَلَف في الاحتجاج به أولى. ثم لو سلّمنا تقديم المفهوم على القياس في صورةٍ ما, فتقديم القياس هاهنا متعيّن لقُوَّته, ولتأيُّده بالعمومات, ولسلامته من التناقض اللازم لمن قَدَّم المفهوم, كما سنذكره, ولموافقته لأدلة الشرع الدالّة على عدم التحديد بالقُلّتين. فالمصير إليه أولى لو كان وحده, فكيف بما معه من الأدلة؟ _________ (1) انظر هذه المقامات (ص 49 - 50)، والجواب عنها من (ص 50 فما بعدها).

(1/74)


وهل يُعارِض مفهومٌ واحد لهذه الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الجلي واستصحاب الحال وعمل أكثر الأمة، مع اضطراب أصل منطوقه وعدم براءته من العلة والشذوذ؟ قالوا: وأما دعواكم أن المفهوم عامّ في جميع الصور المسكوت عنها, فدعوى لا دليل عليها، فإن الاحتجاج بالمفهوم يرجع إلى حرفين: التخصيص, والتعليل, كما تقدم. ومعلوم أنه إذا ظهر للتخصيص فائدة بدون العموم بقيت دعوى العموم باطلة, لأنها دعوى مجرَّدة, ولا لفظ معنا يدلّ عليها. وإذا عُلِم ذلك فلا يلزم من انتفاء حكم المنطوق انتفاؤه عن كُلّ فردٍ فردٍ من أفراد المسكوت, لجواز أن يكون فيه تفصيل، فينتفي عن بعضها ويثبت لبعضها, ويجوز أن يكون ثابتًا لجميعها بشرطٍ ليس في المنطوق, فتكون فائدة التخصيص به الدلالةَ على ثبوت الحكم له مطلقًا, وثبوتِه للمفهوم بشرط، فيكون المنفيّ عنه الثبوتَ المطلق, لا مطلقَ الثبوتِ. فمن أين جاء العموم للمفهوم, وهو من عوارض الألفاظ؟ وعلى هذا عامة المفهومات؛ فقوله تعالى: {لَا (1) تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230] لا يدلّ المفهوم على أن بمجرَّد نكاحها الزوج الثاني تحلّ له. وكذا قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33] لا يدل على عدم الكتابة عند عدم هذا الشرط مطلقًا. وكذا قوله: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} [النور: 33]. ونظائره أكثر من أن تُحصى. وكذلك إن سلكت طريقة التعليل، لم يلزم العموم أيضًا, فإنه يلزم من _________ (1) كذا في الأصل، والتّلاوة: "فلا ... ".

(1/75)


انتفاء العلة انتفاء معلولها, ولا يلزم انتفاء الحكم مطلقًا, لجواز ثبوته بوصفٍ آخر. وإذا ثبت هذا، فمنطوق حديث القُلّتين لا ننازعكم (1) فيه, ومفهومه لا عموم له. فبطل الاحتجاج به منطوقًا ومفهومًا. وأما قولكم: إنَّ العدد خرج مخرج التحديد والتقييد ــ كنُصُب الزكوات ــ فهذا باطل من وجوه: أحدُها: أنه لو كان هذا مقدارًا فاصلًا بين الحلال والحرام, والطاهر والنجس, لوجبَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بيانُه بيانًا عامًّا متتابعًا تعرفه الأمة, كما بيَّن نُصُب الزكوات, وعدد الجَلْد في الحدود, ومقدار ما يستحقّه الوارث, فإن هذا أمر يعمّ الابتلاء به كلَّ الأمة. فكيف لا يبينه حتى يتفق سؤالُ سائلٍ له عن قضية جُزئية فيجيبه بهذا, ويكون ذلك حدًّا عامًّا للأمة كلها لا يسع أحدًا جهله, ولا تتناقله الأمة, ولا يكون شائعًا بينهم, بل يُحالون فيه على مفهوم ضعيف, شأنه ما ذكرناه, قد خالفَتْه العموماتُ والأدلةُ الكثيرة, ولا يعرفه أهل بلدته, ولا أحد منهم يذهب إليه؟ الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وقال: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] فلو كان الماء الذي لم يتغيّر بالنجاسة [ق 18] منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام, لم يكن في هذا الحديث بيان للأمة ما يتقون, ولا كان قد فَصَّل لهم ما حَرَّم عليهم. فإن المنطوقَ من حديث القُلّتين _________ (1) الأصل: "لا يثار علم" تحريف.

(1/76)


لا دليل فيه, والمسكوتَ عنه كثيرٌ من أهل العلم يقولون: لا يدلّ على شيء, فلم يحصل لهم بيان ولا فَصْلُ الحلال من الحرام. والآخرون يقولون: لا بدّ من مخالفة المسكوت للمنطوق, ومعلومٌ أن مطلق المخالفة لا يستلزم المخالفة المطلقة الثابتة لكلِّ فردٍ فردٍ من المسكوت عنه, فكيف يكون هذا حدًّا فاصلًا؟ فتبيّن أنه ليس في المنطوق ولا في المسكوت فصلٌ ولا حدّ. الثالث: أن القائلين بالمفهوم إنما قالوا به إذا لم يكن هناك سبب اقتضى التخصيصَ بالمنطوق, فلو ظهر سبب يقتضي التخصيص به لم يكن المفهوم معتبرًا, كقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31]، فذكر هذا القيد لحاجةِ المخاطَبين إليه, إذ هو الحامل لهم على قتلهم, لا لاختصاص الحكم به. ونظيره: {لَا (1) تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] ونظائره كثيرة. وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذِكْر القلّتين وقع في الجواب لحاجة السائل إلى ذلك, ولا يمكن الجزم بدفع هذا الاحتمال. نعم لو أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال هذا اللفظ ابتداءً من غير سؤال اندفع (2) هذا الاحتمال. الرابع: أن حاجة الأمة ــ حَضَرِها وبَدْوها, على اختلاف أصنافها ــ إلى معرفة الفَرْق بين الطاهر والنجس ضرورية, فكيف يُحالون في ذلك على ما _________ (1) الأصل: "ولا". (2) ط. الفقي: "لاندفع" خلاف الأصل.

(1/77)


لا سبيل لأكثرهم إلى معرفته؟ فإن الناس لا يكيلون (1) الماء, ولا يكادون يعرفون مقدار القلتين ولا طولها, ولا عرضها, ولا عمقها! فإذا وقعت في الماء نجاسة فما يدريه أنه قلتان؟ وهل تكليف ذلك إلا من باب علم الغيب, وتكليف ما لا يُطاق! فإن قيل: يستظهر حتى يغلب على ظنه أنه قُلّتان. قيل: ليس هذا شأن الحدود الشرعية, فإنها مضبوطة لا يُزاد عليها ولا يُنْقَص منها, كعدد الجَلَدات, ونُصُب الزكوات, وعدد الركعات, وسائر الحدود الشرعية. الخامس: أن خواصّ العلماء إلى اليوم لم يستقرّ لهم قَدَم على قولٍ واحد في القُلّتين؛ فمِنْ قائل: ألف رطل بالعراقي, ومِن قائل: ستمائة رطل, ومن قائل: خمسمائة, ومن قائل: أربعمائة. وأعجب مِن هذا جَعْل هذا المقدار تحديدًا! فإذا كان العلماء قد أشكل عليهم قَدْر القُلّتين, واضطربت أقوالُهم في ذلك, فما الظنّ بسائر الأمة؟ ومعلوم أنّ الحدود الشرعية لا يكون هذا شأنها. السادس: أن المُحدّدين يلزمهم لوازم باطلة شنيعة جدًّا: منها: أن يكون ماء واحد إذا ولغ فيه الكلب يَنجُس! وإذا بال فيه لم ينجّسه! ومنها: أن الشَّعْرة من الميتة إذا كانت نجسة فوقعت في قُلّتين إلا رطلًا مثلًا = أن يَنجُس الماء, ولو وقع رطل بول في قلتين لم ينجّسه! ومعلوم أن _________ (1) في الطبعتين: "يكتالون" خلافًا للأصل.

(1/78)


تأثّر الماء بهذه النجاسة أضعافُ تأثره بالشعرة, فمحال أن يجيء شرعٌ بتنجُّس الأول وطهارة الثاني. وكذلك ميتة كاملة تقع في قُلّتين لا تنجّسها, وشعرة منها تقع في قلتين إلا نصف رطل أو رطلًا فتنجِّسها! إلى غير ذلك من اللوازم التي يدلّ بطلانُها على بطلان ملزوماتها. * وأما جعلكم الشيء نصفًا ففي غاية الضعف, فإنه شكٌّ من ابن جُريج. فيا سبحان الله! يكون شكّه حدًّا لازمًا للأمة, فاصلًا بين الحلال والحرام؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن لأمته الدِّين, وتركهم على (1) البيضاء ليلها كنهارها، فيمتنع أن يقدِّر لأمته حدًّا لا سبيل لهم إلى معرفته إلا شكٌّ حادثٌ بعد عصر الصحابة يُجعل نصفًا احتياطًا (2)! وهذا بَيِّن لمن أنصف. والشكُّ الجزئي (3) الواقع من الأمة في طهورهم وصلاتهم قد بين لهم حكمه ليندفع عنهم باليقين, فكيف يجعل شكّهم حدًّا فاصلًا فارقًا بين الحلال والحرام؟ ثم جَعْلكم هذا احتياطًا باطل، لأن الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك المكلَّف منها عملًا لآخر احتياطًا. وأما (4) الأحكام الشرعية والإخبار _________ (1) ط. الفقي زيادة "المحجّة"! (2) في الطبعتين: "احتياطيًّا" خلافًا للأصل. (3) رسمه في الأصل: "الجرى" وفي الطبعتين: "الجاري"، ولعل الأقرب للرسم والسياق ما أثبت. (4) في الأصل والطبعتين: "وإنما" والظاهر أنه تصحيف، بدليل وجود الفاء في جوابه: "فطريق ... ".

(1/79)


عن الله ورسوله، فطريق الاحتياط فيها أن لا يُخْبَر عنه إلا بما أخبر به, ولا يثبت إلا ما أثبته. ثمّ إن الاحتياط في ترك هذا الاحتياط, فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قُلّة قد وقعت فيها شعرةُ مَيْتةٍ, فتَرْكُه الوضوءَ منه منافٍ للاحتياط (1). فهلّا أخذتم بهذا الأصل هنا, وقلتم: ما ثبت تنجيسُه بالدليل الشرعي نجّسناه, وما شكَكْنا فيه ردَدْناه إلى أصل الطهارة. لأن هذا لمّا كان طاهرًا قطعًا وقد شككنا هل حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتنجيسه أم لا، والأصل الطهارة. وأيضًا: فأنتم لا تبيحون لمن شكّ في نجاسة الماء أن يعدل إلى التيمم, بل توجبون عليه الوضوء، فكيف تحرّمون عليه الوضوء هنا بالشك؟ وأيضًا: فإنكم إذا نجّستموه بالشكّ نجّستم ما يصيبه من الثياب والأبدان والآنية, وحرَّمتم شربَه والطبخَ به, وأَرَقْتم [ق 19] الأطعمةَ المتَّخَذةَ منه. وفي هذا تحريم لأنواع عظيمة من الحلال بمجرّد الشكّ, وهذا مناف لأصول الشريعة. والله أعلم.

  6 - باب النهي عن ذلك (2)

8/ 74 - عن حُميد الحميري قال: لقيتُ رجلًا صَحِب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أربعَ سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل المرأةُ بفضل الرجل، أو يغتسل الرجلُ بفضل المرأة. ــ زاد مُسدّد ــ: وليغترفا جميعًا". وأخرجه النسائي (3). _________ (1) بعده في الأصل بياض قدر سطر. (2) قبله في "المختصر" (1/ 79): باب الوضوء بفضل المرأة. (3) أخرجه أبو داود (81)، والنسائي (238).

(1/80)


9/ 80 - وعن أبي حاجب، عن الحَكَم بن عَمرو ــ وهو الأقرع ــ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتوضأ الرجلُ بفضل طهور المرأة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال البخاريّ: سَوادة بن عاصم ــ أبو حاجب العنزي ــ يُعدّ في البصريين، كَنّاه أحمد وغيره، يقال: الغفاريّ، ولا أراه يصح عن الحكم بن عمرو. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الترمذي في كتاب "العلل" (2): "سألتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث ــ يعني حديث أبي حاجب، عن الحكم بن عَمرو؟ فقال: ليس بصحيح, قال: وحديث عبد الله بن سَرْجِس في هذا الباب, الصحيح هو موقوف, ومَن رَفَعه فهو خطأ". تم كلامُه. وقال أبو عبيد (3): نا عليّ بن معبد، عن عبيد الله بن عَمرو، عن مَعْمر، عن عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن سَرْجِس أنه قال: أترون هذا الشيخ ــ يعني نفسَه ــ فإنه قد رأى نبيَّكم - صلى الله عليه وسلم - وأكل معه, قال عاصم: فسمعته يقول: "لا بأس بأن يغتسل الرجلُ والمرأةُ من الجنابة من الإناء الواحد، فإن خَلَت به فلا تقرَبْه". فهذا هو الذي رجَّحه البخاريُّ, ولعل بعضَ الرواة ظنَّ أن قوله: _________ (1) أخرجه أبو داود (82)، والترمذي (64)، وابن ماجه (373). (2) (1/ 134). (3) في كتاب "الطهور" (194). وفي ط. الفقي زيادة: "في كتاب الطهور". وليست في الأصل ولا (ش).

(1/81)


"فسمعته يقول" من كلام عبد الله بن سرجس, فوهم فيه, وإنما هو مِن قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله. وقد اختلفَ الصحابةُ في ذلك؛ فقال أبو عبيد (1): ثنا حَجَّاج، عن المسعودي، عن مهاجر أبي الحسن، قال: حدثني كُلثوم بن عامر بن الحارث (2) قال: "توضأَتْ جُويريةُ بنت الحارث ــ وهي عمَّته ــ قال: فأردتُ أن أتوضأ بفضل وضوئها, فجذَبَت الإناءَ ونَهَتْني وأمرتني أن أُهريقه, قال: فأهرقته". وقال: ثنا الهيثم بن جميل، عن شَريك، عن مهاجر الصائغ، عن ابنٍ لعبد الرحمن بن عوف: "أنه دخل على أمِّ سلمة, ففعلت به مثل ذلك". فهؤلاء ثلاثة: عبد الله بن سرجس, وجويرية, وأم سلمة. وخالفهم في ذلك ابن عباس, وابن عمر. قال أبو عبيد (3): ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي يزيد المديني، عن ابن عباس: أنه سئل عن سُؤْر المرأة فقال: "هي ألطف بنانًا, وأطيب ريحًا". حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يرى بأسًا بسؤر المرأة, إلا أن تكون حائضًا أو جُنُبًا". _________ (1) في كتاب "الطهور" (191، 192). (2) الأصل: "الحرب". ولعلها كانت "الحرث" بدون ألف كما في الرسم القديم فتصحفت، والتصويب من كتاب "الطهور" ومصادر ترجمته. ينظر "التاريخ الكبير": (7/ 226)، و"الثقات": (5/ 336) لابن حبان. (3) في "الطهور" (196، 197).

(1/82)


واختلف الفقهاء أيضًا في ذلك على قولين: أحدهما: المنع من الوضوء بالماء الذي تخلو به. قال أحمد: وقد كرهه غير واحد من الصحابة. وهذا هو المشهور من الروايتين عن أحمد (1) , وهو قول الحسن. والقول الثاني: يجوز الوضوء به. وهو قول أكثر أهل العلم (2). واحتجُّوا بما رواه مسلم في "صحيحه" (3) عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بفضل ميمونة". وفي "السنن الأربعة" (4) , عن ابن عباس أيضًا: أن امرأة من نساء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - استحمَّت من جنابة, فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ مِن فَضْلها. فقالت: إني اغتسلتُ منه. فقال: "إن الماء لا ينجّسه شيء"، وفي رواية: "لا يَجْنُب".

  7 - باب الإسراف في الماء

10/ 88 - عن أبي نَعَامة ــ واسمه قيس بن عَبايَة ــ أن عبد الله بن مُغفّل سمع _________ (1) ينظر "المستوعب": (1/ 48)، و"الإنصاف": (1/ 85 - 86). (2) ينظر "المغني": (1/ 282 - 283)، و"المجموع": (2/ 190 - 191). (3) (323). (4) كذا في الأصل: "الأربعة"، وله وجه. والحديث أخرجه أبو داود (68)، والترمذي (65)، والنسائي (325)، وابن ماجه (370 - 372)، وأحمد (2102)، وابن خزيمة (91، 109)، وابن حبان (1241)، والحاكم (1/ 159). من طرقٍ عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس به. قال أحمد: أتّقيه لحال سماك، ليس أحدٌ يرويه غيره. وقال: هذا فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه. نقله ابن عبد الهادي في "التنقيح": (1/ 46). وقال علي ابن المديني وغيره: رواية سماك عن عكرمة مضطربة.

(1/83)


ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصْرَ الأبيضَ عن يمينِ الجنة إذا دخلتُها. فقال: أيْ بُنيّ، سَلِ الله الجنة، وتعوَّذ به من النار. فإني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنه سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطهور والدعاء". وأخرجه ابن ماجه (1) مقتصرًا منه على الدعاء. قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي الباب حديث أُبيّ بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّ للوضوء شيطانًا يقال له: الوَلْهان, فاتقوا وسواس الماء" رواه الترمذي (2) وقال: "غريب, ليس إسناده بالقويّ عند أهل الحديث, لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة ــ يعني ابن مصعب ــ قال: وقد رُوِي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قولَه، ولا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء, وخارجةُ ضعيف (3) , ليس بالقوي عند أصحابنا, وضَعَّفه ابنُ المبارك. قال: وفي الباب عن عبد الله بن عَمْرو, وعبد الله بن مُغفَّل". آخر كلامه. والذي صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تسميته: شيطان الصلاة الذي يوسوس للمصلي فيها "خَنْزَب"، رواه مسلم في "صحيحه" (4) من حديث عثمان (5) بن أبي العاص الثقفي. _________ (1) أخرجه أبو داود (96)، وابن ماجه (3864)، وأحمد (16801)، وابن حبان (6764). وقد حسَّنه ابن كثير وابن حجر. ينظر حاشية "المسند". (2) (57). وأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات "المسند" (21238)، وابن خزيمة (122)، والحاكم (1/ 162) وهو حديث ضعيف. (3) قوله: "ضعيف" ليس في المطبوع من كتاب الترمذي. (4) (2203). (5) في الأصل: "عمارة" تصحيف، والمثبت من "صحيح مسلم".

(1/84)


 8 - باب صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم –

11/ 101 - وعن زِرّ بن حُبَيش: أنه سمع عليًّا ــ وسُئل عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ فذكر الحديث، وقال: "مسح رأسه حتى لمَّا يَقْطُر، وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث زِرٍّ، عن عليّ هذا فيه المنهال بن عَمرو, كان ابن حزم يقول: "لا يُقبل في باقة بَقْل" (1)، ومِن روايته ردَّ (2) حديثَ البراء الطويل في عذاب القبر. والمنهال قد وثقه يحيى بن معين وغيره (3). والذي غَرَّ ابنَ حزم شيئان: أحدهما: قول عبد الله بن أحمد، عن أبيه: تركه شعبة على عمد (4). والثاني: أنه سمع من داره صوت طنبور. وقد صرَّح شعبةُ بهذه العلة, فقال العقيلي (5): عن وُهيب قال: سمعت شعبة يقول: أتيتُ المنهالَ بن عَمرو, فسمعت عنده صوتَ طنبور, فرجعتُ ولم أسأله. قيل: فهلَّا سألتَه فعسى كان لا يعلم به؟ _________ (1) نقل العبارة عن ابن حزم ابنُ القطان في "بيان الوهم" (3/ 362)، فلعل المؤلف صادر عنه. وقد تكلم عنه ابنُ حزم في عدد من كتبه، بقوله: "متكلم فيه" "ليس بالقوي" "ضعيف". ينظر "الجرح والتعديل عند ابن حزم" (1063). (2) أي ابنُ حزم في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنِحل": (4/ 57). وسيأتي جواب المؤلف عنه. (3) ترجمته في "تهذيب التهذيب": (10/ 319 - 320). (4) "العلل" (942). (5) في "الضعفاء": (4/ 237).

(1/85)


وليس في شيء مِن هذا ما يقدح فيه. وقال ابن القطان (1): ولا أعلم لهذا الحديث علة. 12/ 104 - وعن ابن عباس قال: "دخل [علَيَّ] عليُّ بن أبي طالب ــ وقد أهْراقَ الماء ــ فدعا بوَضوء، فأتيناه بتَوْر فيه ماء، حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن عباس، ألا أريك كيف كان يتوضأ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قلت: بلى، قال: فأصغَى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعًا، فأخذ بهما حَفْنَة من ماء، فضرب بها على وجهه، ثم ألقَمَ إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فصبها على ناصيته، فتركها تَسْتَنُّ على وجهه، ثم غسل ذارعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح رأسه وظهورَ أذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا، فأخذ حَفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل، ففَتَلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين". في هذا الحديث مقال (2). قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا من الأحاديث المشكلة جدًّا, وقد اختلف مسالكُ الناس في دفع إشكاله: فطائفة ضعَّفَتْه, منهم البخاري والشافعي, قال (3): والذي خالفه أكثر _________ (1) في "بيان الوهم والإيهام": (3/ 363). (2) أخرجه أبو داود (117). (3) في "اختلاف الحديث": (10/ 162 - مع الأم).

(1/86)


وأثبت منه، وأما الحديث الآخر ــ يعني هذا ــ فليس مما يُثْبِتُ أهلُ العلم بالحديث لو انفرد. وفي هذا المسلك نظر؛ فإن البخاريّ روى في "صحيحه" (1) حديثَ ابن عباس كما سيأتي, وقال في آخره: "ثم أخذ غَرْفةً من ماء فرشَّ بها على رجله اليمنى حتى غسلها, ثم أخذ غَرْفة أخرى, فغسل بها ــ يعني رجله اليسرى ــ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ". المسلك الثاني: أنَّ هذا كان في أوّل الإسلام, ثم نُسِخ بأحاديث الغسل. وكان ابن عباس أوّلًا يذهب إليه, بدليل ما روى الدارقطني (2): ثنا إبراهيم بن حمّاد، ثنا العباس بن يزيد، نا سفيان بن عيينة، ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل: أن عليّ بن الحسين أرسله إلى الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ يسألها عن وضوء النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكر الحديث وقالت: "ثم غسل رجليه"، قالت: وقد أتاني ابن عمٍّ لك ــ تعني ابنَ عباس ــ فأخبرتُه، فقال: "ما أجد في الكتاب إلا غَسْلتين ومَسْحتَين (3) ". ثم رجع ابن عباس عن هذا لمَّا بلغه غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجليه, وأوجبَ الغُسلَ. فلعلّ حديث عليّ وحديث ابن عباس كان في أول الأمر ثم نُسِخ. والذي يدلّ عليه أن فيه: "أنه مسح عليهما بدون حائل"، كما روى هشام بن _________ (1) (140). (2) في "السنن" (320)، وأخرجه من طريقه البيهقي: (1/ 72)، ورواه أبو عبيد في "الطهور" (389) قال: وبلغني عن سفيان بن عيينة، وساقه بإسناده. (3) في الأصل والمطبوعات: "غسلين ومسحين" والتصحيح من "سنن الدارقطني" ومصادر التخريج.

(1/87)


سعد، نا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس: "أتحبّون أن أحدّثكم كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ " فذكر الحديث, قال: "ثم اغترف غَرفة أخرى فرشَّ على رجله وفيها النعل, واليسرى مثل ذلك, ومسح بأسفل الكعبين" (1). وقال عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: "توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" فذكره، قال: "ثم أخذ حفنة من ماء فرشَّ على قدميه وهو منتعل" (2). المسلك الثالث: أن الرواية عن علي وابن عباس مختلفة, فرُوِيَ عنهما هذا, ورُوي عنهما الغسل, كما رواه البخاري في "الصحيح" (3) عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. فذكر الحديث وقال في آخره: "أخذ غَرفةً من ماء, فرشَّ بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله، يعني اليسرى" فهذا صريح في الغسل. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (4): ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس به, وقال: "ثم غرف غرفة, ثم غسل (5) رجله اليمنى, ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى". وقال ورقاء، عن زيد، عن عطاء عنه: "ألا أريكم وضوءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ " _________ (1) أخرجه أبو داود (137)، والحاكم: (1/ 147)، والبيهقي: (1/ 72). (2) أخرجه أبو عبيد في "الطهور" (105)، ومن طريقه البيهقي: (1/ 72). (3) (140). (4) (64). (5) في "المصنف": "فغسل".

(1/88)


فذكره, وقال فيه: "وغسل رجليه مرةً مرةً" (1). وقال محمد بن جعفر، عن زيد: "وأخذ حفنةً فغسل بها رجله اليمنى, وأخذ حفنة فغسل رجله اليسرى" (2). قالوا: والذي روى أنه رشَّ عليهما في النعل هو: هشام بن سعد, وليس بالحافظ (3) , فرواية الجماعة أولى من روايته. على أنَّ سفيان الثوري وهشامًا أيضًا رويا ما يوافق الجماعة, فرويا عن زيد، عن عطاء بن يسار قال: "قال لي ابن عباس: ألا أريكَ وضوءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فتوضأ مرةً مرةً, ثم غسل رجليه, وعليه نعله" (4). وأما حديث علي، فقال البيهقي (5): رُوِّينا من أوجه كثيرة عن عليّ: "أنه غسل رجليه في الوضوء". ثم ساق منها حديثَ عبد خيرٍ عنه: "أنه دعا بوضوء" فذكر الحديث، وفيه: "ثم صبّ بيده اليمنى ثلاث مرَّات على قدمه اليمنى, ثم غسلها بيده اليسرى, ثم قال: هذا طُهُور نبيِّ الله - صلى الله عليه وسلم -" (6). ومنها: حديث زِرٍّ عنه: أنه سُئل عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فذكر _________ (1) أخرجه البزار (5283)، والطبراني في "الكبير": (11/ 170)، والبيهقي: (1/ 67) وقال: "هذا إسناد صحيح". (2) أخرجه البيهقي: (1/ 73). (3) ترجمته في "تهذيب التهذيب": (11/ 39 - 41)، و"الميزان": (4/ 298). (4) أخرجه البيهقي: (1/ 73). وقال عقِبه: "فهذا يدل على أنه غسل رجليه في النعلين". (5) (1/ 74). (6) أخرجه البيهقي: (1/ 74).

(1/89)


الحديث, وفيه: "وغسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا" (1). ومنها: حديث أبي حَيّة عنه: "رأيت عليًّا توضأ ... " الحديث, وفيه: "وغسل قدميه إلى الكعبين", ثم قال: "أحببتُ أن أريكم كيف كان طُهُور رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (2). قالوا: وإذا اختلفت الروايات عن عليّ وابن عباس, وكان مع أحدها (3) رواية الجماعة, فهي أولى. المسلك الرابع: أن أحاديث الرشِّ والمسح إنما هي وضوءُ تجديدٍ للطاهر, لا طهارة رَفْع حدثٍ, بدليل ما رواه شعبة، نا عبد الملك بن مَيْسرة قال: سمعت النزَّال بن سَبْرة يُحَدِّث عن عليّ: "أنه صلى الظهر, ثم قَعَد في حوائج الناس في رَحْبَة الكوفة, حتى حضرت صلاة العصر, ثم أُتي بكوزٍ من ماء, فأخذ منه حفنةً (4) واحدة, فمسح بها وجهَه ويديه ورأسَه ورجليه, ثم قام فشرب فَضْلَه وهو قائم, ثم قال: وإنَّ أُناسًا يكرهون الشُّرْب قائمًا, وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت. وقال: هذا وضوء من لم يُحْدِث". رواه البخاري (5) بمعناه. _________ (1) المصدر السابق: (1/ 74). (2) المصدر السابق: (1/ 74). (3) كذا في الأصل، وفي المطبوعتين: "أحدهما". (4) في الأصل: "بحفنة" والتصويب من مصدر التخريج. (5) (5616)، وهو بلفظه عند البيهقي: (1/ 75)، وأخرجه أحمد (583)، وابن حبان (1057) وغيرهم.

(1/90)


قال البيهقي (1): في [ق 21] هذا الحديث الثابت دلالةٌ على أنَّ الحديث الذي رُوِي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المسح على الرِّجلين ــ إن صحَّ ــ فإنما عَنَى به: وهو طاهرٌ غيرُ مُحْدِث، إلا أن بعض الرواة كأنه اختصر الحديث, فلم ينقل قولَه: "هذا وضوء مَن لم يُحْدِث". وقال أحمد (2): حدثنا ابن الأشجعي، عن أبيه، عن سفيان، عن السُّدِّي، عن عبدِ خَيْر، عن عليّ: "أنه دعا بكُوزٍ من ماء, ثم قال (3): ثمّ توضأ وضوءًا خفيفًا ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يُحْدِث". وفي رواية (4): "للطاهر ما لم يُحْدِث". قال (5): وفي هذا دلالة على أن ما رُوي عن عليّ في المسح على النعلين إنما هو في وضوءٍ مُتَطوَّع به, لا في وضوء واجبٍ عليه من حَدَثٍ يوجب الوضوء, أو أراد غَسْل الرجلين في النعلين, أو أراد المسح (6) على _________ (1) "السنن الكبرى": (1/ 75). (2) في "المسند" (970)، ومن طريقه البيهقي في "السنن": (1/ 75) وعنه ينقل المؤلف، وأخرجه ابن خزيمة (200). (3) كذا في الأصل! في "المسند" والبيهقي: "ثم قال: أين هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكرهون الشرب قائمًا؟ قال: فأخذه فشرب وهو قائم، ثم توضأ ... " وقد اختصر المؤلف الحديث لكنه أبقى ــ هو أو المجرِّد ــ على قوله: "ثم قال" ولو أنها حُذِفت لما أشكل الاختصار. (4) عند ابن خزيمة (200)، ومن طريقه البيهقي: (1/ 75). (5) يعني البيهقي. (6) في الأصل: "مسح" دون التعريف ودون ألف النصب في آخره. والتصويب من "السنن الكبرى".

(1/91)


جورَبَيه ونعْلَيه, كما رواه عنه بعض الرُّواة مقيّدًا بالجورَبَين, وأراد به جوربين مُنَعَّلين. قلت: هذا هو المسلك الخامس: أنَّ مَسْحَه رجليه ورَشّه عليهما لأنهما كانا مستورَين بالجوربين في النعلين. والدليل عليه ما رواه سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرّة مرّة, ومسح على نعليه" (1). لكن تفرَّد به رَوَّاد بن الجرَّاح عن الثوري, والثقات رووه عن الثوري بدون هذه الزيادة (2). وقد رواه الطبراني (3) من حديث زيد بن الحُباب، عن سفيان، فذكره بإسناده ومتنه، وأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مسح على النعلين. وروى أبو داود (4) من حديث هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه: أخبرني أوس بن أبي أوس (5) الثقفي قال: "رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على نعليه وقدميه". _________ (1) أخرجه ابن عدي في "الكامل": (3/ 177)، والبيهقي: (1/ 286). (2) ذكر هذه الرواية ابن عدي في "الكامل": (3/ 177) ضمن الأحاديث التي أنكرت على روّاد في روايته عن الثوري، وانظر "ذخيرة الحفاظ": (2/ 713). (3) لم أجده في معاجم الطبراني المطبوعة، وأخرجه من طريقه البيهقي: (1/ 286) وقال: ليس بمحفوظ. ثم قال عقبه: والصحيح رواية الجماعة. (4) (160). (5) تصحفت في الأصل إلى "أويس بن ابي أويس" بالتصغير. وانظر ترجمة أوس في "التهذيب": (1/ 382).

(1/92)


فقوله: "مسح على نعليه" كقوله: "مسح على خُفّيه". والنعلُ لا تكون ساترة لمحلّ المسح إلا إذا كان عليها جَورب, فلعلَّه مسَحَ على نعل الجورب فقال: "مسح على نعليه". المسلك السادس: أن الرِّجْل لها ثلاثة أحوال: حالٌ تكون في الخفِّ، فيجزي مسح ساترها. وحالٌ تكون حافية, فيجب غَسلها. فهاتان مرتبتان, وهما: كشفها وسترها. ففي حال كشفها لها أعلى مراتب الطهارة, وهي الغَسل التامّ, وفي حال استتارها لها أدناها, وهي المسح على الحائل. ولها حالة ثالثة, وهي حالما تكون في النَّعْل, وهي حالة متوسِّطة بين كشفها وبين استتارها بالخفّ، فأُعْطيت حالة متوسّطة من الطهارة, وهي الرشّ, فإنه بين الغسل والمسح. وحيث أطلق لفظ "المسح" عليها في هذه الحال فالمراد به الرَّش؛ لأنه جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى. وهذا مذهب ــ كما ترى (1) ــ لو كان يُعلَم به قائل معيَّن، ولكن يُحْكَى عن طائفة لا أعلم منهم مُعيَّنًا. وبالجملة فهو خير مِن مسلك الشيعة في هذا الحديث، وهو: المسلك السابع: أنه دليل على أن فَرْض الرجلين المسح, وحُكِي عن داود الجواربي (2) وابن عباس. وحُكِي عن ابن جرير أنه مخيَّر بين الأمرين, _________ (1) يعني: كما ترى قوَّةً ووجاهة لو كان يُعلم من قال به على وجه التعيين. (2) رسمه في الأصل: "الحواري" مهملًا، وفي الطبعتين: "الجواري"، والصواب ما أثبت. قال الذهبي: رأس في الرفض والتجسيم. ترجمته في "الميزان": (2/ 23)، و"لسان الميزان": (3/ 414).

(1/93)


فأمَّا حكايته عن ابن عباس فقد تقدمت, وأما حكايته عن ابن جرير فغلطٌ بَيِّن, وهذه كتبه وتفسيره كلّه يكذِّب هذا النقل عليه, وإنما دخلت الشبهةُ لأن ابنَ جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشِّيعَة, يوافقه في اسمه واسم أبيه (1) , وقد رأيتُ له مؤلفات في أصول مذهب الشيعة وفروعهم. فهذه سبعة مسالكَ للناس في هذا الحديث. وبالجملة فالذين رووا وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل عثمان بن عفان, وأبي هريرة, وعبد الله بن زيد بن عاصم, وجابر بن عبد الله, والمغيرة بن شعبة, والرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ, والمقدام بن معديكَرِب, ومعاوية بن أبي سفيان, وجدّ طلحة بن مصرِّف, وأنس بن مالك, وأبي أمامة الباهلي, وغيرهم لم يذكر أحدٌ منهم ما ذُكِرَ في حديث عليّ وابن عباس, مع الاختلاف المذكور عليهما. والله أعلم. 13/ 119 - وعن طلحة بن مُصَرّف، عن أبيه، عن جده ــ وجده هو كعب بن عمرو، ويقال: عمرو بن كعب الهَمْداني اليَاميُّ، له صحبة، ومنهم من ينكرها ــ قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة، حتى بلغ القَذَال، وهو أول القفا". وقال مسدَّد: "مسح رأسه مِن مُقَدَّمه إلى مُؤَخَّره، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه". قال مسدد: فحدَّثتُ به يحيى، فأنكره. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ابن عيينة ــ زعموا ــ كان ينكره، ويقول: أيشٍ هذا: طلحة، عن أبيه، عن جده؟ _________ (1) هو محمد بن جرير بن رستم الطبري. ترجمته في "الميزان": (3/ 499)، و"لسان الميزان": (7/ 29).

(1/94)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت عليّ ابن المديني يقول: قلت لسفيان: إن ليثًا روى عن طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدّه: "أنه رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - توضأ"؟ فأنكر سفيانُ ذلك وعَجِب أن يكون جدُّ طلحةَ لقي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. قال عليٌّ: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن نسب جَدِّ طلحة؟ فقال: عَمرو بن كعب, أو كعب بن عَمرو, وكانت له صحبة (1). وقال عباس الدوري (2): قلت ليحيى بن معين: طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدّه, رأى جدُّه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال يحيى: المحدِّثون يقولون: قد رآه. وأهلُ بيت طلحة يقولون: ليست له صحبة.

  9 - باب تخليل اللحية

14/ 132 - عن أنس بن مالك: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله تحت حَنَكه، فخلَّل به لحيتَه، وقال: هكذا أمرني ربي". قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أبو محمد بن حزم (3): لا يصح حديث أنس هذا، لأنه من طريق الوليد بن زوران (4) , وهو مجهول, وكذلك أعلَّه ابنُ القطان (5) بأنّ الوليد هذا مجهول الحال. وفي هذا التعليل نظر, فإن الوليد _________ (1) ذكره ابن عبد الهادي في "تعليقه على العلل" (ص 150). (2) "تاريخ الدوري" (129). (3) في "المحلى": (2/ 35). (4) في الأصل: "روقان"، والتصويب من "المحلى"، و"التهذيب": (11/ 133) وقيل: زروان. (5) في "بيان الوهم والإيهام": (5/ 17).

(1/95)


هذا روى عنه جعفرُ بن بَرْقان، وحجَّاجُ بن منهال، وأبو المليح الحسن بن عمر الرّقِّي وغيرهم, [ق 22] ولم يُعْلم فيه جرح (1). وقد روى هذا الحديث محمدُ بن يحيى الذُّهلي في كتاب "علل حديث الزهري" (2) , فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفَّار من أصله ــ وكان صدوقًا ــ ثنا محمد بن حرب، نا الزُّبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فأدخل أصابعه تحت لحيته فخلَّلها بأصابعه, ثم قال: "هكذا أمرني ربي عز وجل". وهذا إسناد صحيح. وفي الباب حديث عثمان: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخلِّل لحيته". رواه الترمذي وابن ماجه (3) , وقال الترمذي: حسن صحيح, وصححه ابن خزيمة, وأبو عبد الله الحاكم, وقال أحمد: هو أحسن شيء في الباب. وقال (4): قال محمد بن إسماعيل: "أصحُّ شيء في هذا الباب: حديث عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان". يريد هذا الحديث. وقد أعلَّه ابن حزم (5) , فقال: هو من طريق إسرائيل وليس بالقويّ, عن _________ (1) وذكره ابن حبان في "الثقات": (7/ 550). (2) نقله عنه ابن القطان في "بيان الوهم": (5/ 220) وصحح إسناده، كما سينقله المؤلف. (3) أخرجه الترمذي (31)، وابن ماجه (430). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكر في "العلل الكبير" (19) كلام البخاري الذي أورده المؤلف، وزاد: "قلتُ: إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن". وصححه ابنُ حبان (1081). (4) أي الترمذي، في الموضع السالف من "الجامع". (5) في "المحلى": (2/ 36).

(1/96)


عامرِ بن شَقيق وليس مشهورًا بقوَّة النقل. وقال في موضع آخر (1): عامر بن شَقيق ضعيف. وهذا تعليل باطل, فإن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق, احتجَّ به الشيخان وبقية الستة, ووثقه الأئمة الكبار. وقال فيه أبو حاتم: ثقة متقن من أتقن أصحاب أبي إسحاق، ووثقه ابن معين وأحمد, وكان يتعجَّب من حفظه (2). والذي غَرَّ أبا محمد قولُ أحمدَ في رواية ابنه صالح (3): إسرائيل عن أبي إسحاق: فيه لِين, سمع منه بأخَرَة. وهذا الحديث ليس من روايته عن أبي إسحاق, فلا يحتاج إلى جواب. وأما عامر بن شقيق، فقال النسائي: ليس به بأس, وروي عن ابن معين تضعيفه, روى له أهل السنن الأربعة (4). وفي الباب: حديث عائشة, رواه أبو عُبيد (5)، عن حجاج، عن شُعْبة، عن عمرو بن أبي وهب الخزاعي، عن موسى بن ثروان العجلي (6)، عن طلحة بن عبيد الله بن كُرَيز عنها, قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ خلَّل _________ (1) من "المحلى": (5/ 125). (2) تنظر ترجمته في "الجرح والتعديل": (2/ 330 - 331)، و"تهذيب التهذيب": (1/ 263). (3) (ص 262). (4) ترجمته في "تهذيب التهذيب": (5/ 69). (5) في "الطهور" (314)، وأخرجه أحمد في "المسند" (25970)، والحاكم: (1/ 150). قال الهيثمي: "رجاله موثقون"، وحسَّنه الحافظ في "التلخيص": (1/ 97). (6) في الأصل: "البجلي" تصحيف. وتنظر ترجمته في "التهذيب": (10/ 338).

(1/97)


لحيته". وفي الباب حديث عمار بن ياسر, رواه الطبراني (1)، عن الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن حسَّان بن بلال أن عمار بن ياسر توضأ فخلَّل لحيتَه, فقيل له: ما هذا؟ قال: "رأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يخلِّل لحيتَه". وقد أعلَّه ابنُ حزم (2) بعلتين: إحداهما أنه قال: حسان بن بلال مجهول. والثانية قال: لا نعرف له لقاءً لعمَّار بن ياسر. فأما العلة الأولى: فإن حسّانًا روى عنه أبو قِلابة، وجعفر بن [أبي] (3) وحشية، وقَتادة، ويحيى بن أبي كثير، ومطر الورَّاق، وابن أبي المُخارق، وغيرهم. وروى له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال عليّ بن المديني: "كان ثقة". ولم يُحفظ فيه تضعيفٌ لأحد. _________ (1) لم أقف عليه في معاجمه بهذا الطريق، وقد أخرجه في "الأوسط" (2395) من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، عن ابن أبي عَروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار به. وأخرجه الحميدي في "المسند" (146)، وأبو عبيد في "الطهور" (310)، وابن أبي شيبة (98) جميعًا عن سفيان بن عيينة به. وفي إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف، وقتادة لم يسمع من حسان بن بلال، فالإسناد ضعيف. (2) في "المحلى": (2/ 36). (3) سقط من الأصل. وتنظر ترجمة جعفر في "التاريخ الكبير": (2/ 186)، و"الجرح والتعديل": (2/ 473).

(1/98)


وأما العلة الثانية، فباطلة أيضًا. فإنّ الترمذي رواه من طريقين (1) إلى حسَّان, أحدهما: عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن حسَّان، عن عمَّار. والثاني: عن ابن أبي عُمر، عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الكريم بن أبي المُخارق، عن حسّان قال: رأيت عمّارًا توضأ فخلَّل لحيته, وفيه: "ولقد رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلِّل لحيته". وعلّة هذا الحديث المؤثِّرة هي ما قاله الإمام أحمد في رواية ابن منصور (2) عنه, قال: قال ابن عيينة: لم يسمع عبدُالكريم من حسّان بن بلال حديثَ التخليل. قال الترمذي (3): سمعت إسحاق بن منصور يقول: سمعت أحمد بن حنبل فذكره. وذكر الحافظ ابن عساكر عن البخاري (4) مثل ذلك. وقال الإمام أحمد: لا يثبتُ في تخليل اللحية حديث (5). وفي الباب: حديث ابن أبي أوفى. رواه أبو عُبيد (6)، عن مروان بن معاوية، عن أبي الورقاء عنه أنه قال: "رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخلِّل لحيتَه". _________ (1) (29، 30). (2) نقله عنه الترمذي في "جامعه" كما سيأتي. وليس في المطبوع من "مسائله". وذكره عن أحمد أبو داود في "مسائله" (ص 450)، وعبد الله في "العلل": (1/ 455). (3) في "الجامع": (1/ 44). (4) كلام البخاري في "التاريخ الكبير": (3/ 31). (5) نقله أبو داود في "مسائله" (ص 13). (6) في "الطهور" (311).

(1/99)


وفيه: حديث أبي أيوب. رواه أبو عُبيد (1)، عن محمد بن ربيعة، عن واصل بن السائب الرَّقاشي، عن أبي سَوْرة، عنه قال: "رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فخلَّل لحيته". قلت: وتصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذُّهلي فيه نظر, فإن الذُّهليّ أعلَّه, فقال (2): وثنا يزيد بن عبد ربّه، ثنا محمد بن حرب، عن الزُّبيدي: أنه بلغه عن أنس بن مالك فذكره. قال الذّهلي: هذا هو المحفوظ. قال ابن القطان: وهذا لا يضرُّه, فإنه ليس من لم يحفظ حجّة على من حفظ، والصفَّار قد عَيَّن شيخَ الزبيدي فيه, وبيَّن أنه الزهري, حتى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدَّث به تارةً فقال فيه: "عن الزبيدي، بلغني عن أنس", لم يضرّه ذلك, فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذي حدّثه (3) به الزهري, فيحدِّث به عنه, فأخَذَه عنه الصفَّار هكذا. وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمةُ الحديث وأطباءُ علله, ويعلمون أنَّ الحديث معلول بإرسال الزبيدي له, ولهم ذوقٌ لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات. ولهذا الحديث طريق أخرى, رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (4) من _________ (1) في "الطهور" (312). (2) زاد في طبعة الفقي: "في الزهريات" ولا وجود لها في الأصل. (3) في (ش) والطبعتين: "حدّث"، والمثبت أقرب إلى رسم الأصل، وموافق لما في (هـ) وكتاب ابن القطان. (4) لم أقف عليه في المطبوع من "المعجم الكبير" وأخرجه في "الأوسط" (4465) وقال: لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا عمر أبو حفص العبدي. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد": (1/ 234) فقال: "وله في الكبير أيضًا: قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح الماء على لحيته ورجليه" ورجاله موثقون".

(1/100)


حديث أبي حفص العبدي، عن ثابت، عن أنس قال: "رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ" فذكره كما تقدم. وأبو حفص وثقه أحمد، وقال: لا أعلم إلا خيرًا, ووثقه ابنُ معين، وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: ثقة وفوق الثقة (1). فهذه ثلاث طرق حسنة. وذكر الحاكم في "المستدرك" (2) حديثَ عثمان في ذلك, ثم قال: "وله شاهد صحيح من حديث أنس". ورواه ابن ماجه في "سننه" (3) من حديث [ق 23] يحيى بن كثير أبي (4) النضر، عن يزيد الرّقاشي، عن أنس قال: كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ خلَّل لحيتَه وفرَّج أصابعه مرتين. قال الدارقطني: أبو النضر هذا متروك. وقال النسائي: يزيد الرقاشي _________ (1) ذهب وَهَل المؤلّف إلى أن أبا حفص العبدي راوي الحديث هو عمر بن إبراهيم أبو حفص العبدي، ومن ثَمّ نقل توثيقه عن أحمد وابن معين وعبد الصمد، والصحيح أن راوي الحديث هو أبو حفص عمر بن حفص العبدي كما صرّح بذلك العقيلي في "الضعفاء": (1/ 281)، وابن حبان في "المجروحين": (2/ 84)، وهو المعروف بالرواية عن ثابت. وأبو حفصٍ هذا قال أحمد: تركتُ حديثَه وحرقناه، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، وأطبقوا على تضعيفه. ينظر "الكامل": (5/ 49 - 50)، و"المجروحين": (2/ 84)، و"العلل" (5333) لأحمد، و"اللسان": (6/ 88 - 90). وعليه فالإسناد واهٍ. (2) (1/ 149). (3) (431). (4) في الأصل و (ش): "بن" خطأ.

(1/101)


متروك. ورواه ابنُ عدي (1) من حديث هاشم بن سعيد (2)، عن محمد بن زياد، عن أنس مرفوعًا, ثم قال ابن عدي: وهاشمٌ هذا مقدار ما يرويه لا يُتابَع عليه. ورواه البيهقيّ في "السنن" (3) من حديث إبراهيم الصائغ، عن أبي خالد (4)، عن أنس مرفوعًا. وأبو خالد هذا مجهول. فهذه ثلاث طرق ضعيفة, والثلاثة الأُوَل أقوى منها. وأما حديث عمار, فقد تقدم تعليلُ أحمدَ والبخاريِّ له من طريق عبد الكريم. وأما طريق ابن عُيينة، عن ابن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن حسَّان, فقال ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (5): سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة، عن سعيد بن أبي عَروبة، فذكره؟ فقال أبي: لم يحدِّث بهذا أحدٌ سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عَروبة. قلت: هو صحيح؟ قال: لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عَروبة, ولم يصرِّح فيه ابن عيينة بالتحديث, وهذا مما يوهِّنه. يريد بذلك أنه لعله دَلَّسه. قلت: وقد سُئل الإمام أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: إما أن يكون _________ (1) في "الكامل": (7/ 115). (2) في الأصل: "سعد"، والتصويب من "الكامل" ومصادر ترجمته. ينظر "تهذيب التهذيب": (11/ 17). (3) (1/ 54). (4) في الأصل و (ش، هـ): "حازم" تصحيف، والتصحيح من كتاب البيهقي. (5) (60).

(1/102)


الحُمَيدي اختلط, وإما أن يكون من حدَّث عنه خَلّط (1). ولكن متابعة ابن أبي عمر له ترفع هذه العُهْدة. والله أعلم. وقد رُويت أحاديثُ التخليل من حديث عثمان, وعلي, وأنس, وابن عباس, وابن عمر, وعائشة, وأم سلمة, وعمار بن ياسر, وأبي أيوب, وابن أبي أوفى, وأبي أمامة, وجابر بن عبد الله, وجرير بن عبد الله البجلي, - رضي الله عنهم -. ولكن قال عبد الله بن أحمد (2): قال أبي: ليس يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التخليل شيء. وقال الخلال في كتاب "العلل" (3): أنا أبو داود (4) قال: قلت لأحمد: تخليل اللحية؟ قال: قد رُوي فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث, وأحسنُ شيء فيه حديث شقيق، عن عثمان. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "العلل" (5): سمعت أبي يقول: لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تخليل اللحية حديث. قلت: وحديث ابن عباس (6) من رواية نافع مولى يوسف السلمي, قال _________ (1) أخرج الحميدي هذه الرواية في "المسند" (147). ونقل كلامَ أحمد ابنُ دقيق العيد في "الإمام": (1/ 491) من مختصر "العلل" للخلال، وعلّق عليه بأن عُهْدة الحميدي خرجَتْ عنه بمتابعة ابن أبي عمر، وأن أبا حاتم لم ينكر رواية سفيان بل حكم على روايته عن ابن أبي عروبة بالوهم. (2) لم أجده في "مسائله" المطبوعة، ونقله الحافظ في "التلخيص": (1/ 98). (3) ليس في "المنتخب" منه لابن قدامة. (4) "مسائل أبي داود" (ص 13). وليس فيه قوله: "وأحسن شيء ... عثمان". وقد نقل هذه الزيادة ابن الملقن في "البدر المنير": (2/ 192). (5) (60). (6) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (2277) من طريق نافع أبي هرمز عن عطاء عن ابن عباس قال: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتطهر ... وفيه: "وخلل لحيته". قال الطبراني: "لم يرو هذه اللفظة ... في تخليل اللحية في الوضوء إلا نافع أبو هرمز، تفرد به شيبان".

(1/103)


العقيلي (1): لا يُتابَع عليه, منكر الحديث. وقال أبو حاتم: متروك الحديث (2). وحديث ابن عمر رواه الدارقطني (3)، وقال: الصواب أنه موقوف على ابن عمر. وكذلك قال عبد الحق (4): الصحيح أنه من فِعْل ابن عمر غير مرفوع. وله علّة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم (5) عن أبيه, وهي: أن الوليد بن مسلم حَدّث به عن الأوزاعي مرسلًا, وعبد الحميد رفَعَه عنه. والصواب رواية أبي المغيرة عنه موقوف. وذكره الخلال في كتاب "العلل" عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا (6). ثم حكى عن جعفر بن محمد أنه قال: قال أحمد: ليس في التخليل أصح من هذا, يعني الموقوف (7). _________ (1) في "الضعفاء": (6/ 164). (2) "الجرح والتعديل": (8/ 459). (3) (374، 375). (4) في "الأحكام الوسطى": (1/ 173). (5) في "العلل" (58)، ونقله عنه الدارقطني في "السنن": (1/ 189). ووقع في الأصل "ابن المغيرة" والتصويب من السنن. (6) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1363) ووقع في الأصل: "عبيد الله بن عمر عن نافع" والتصحيح من "الأوسط" و"الإمام": (1/ 492). (7) نقلها ابن دقيق العيد في "الإمام": (1/ 492)، وعنه ابن الملقن في "البدر المنير": (2/ 190 - 191).

(1/104)


وأما حديث أبي أيوب، فذكره الترمذي في كتاب "العلل" (1) , وقال: سألت محمدًا عنه؟ فقال: لا شيء. فقلت: أبو سَورة ما اسمه؟ فقال: ما أدري، ما يُصنع به؟ عنده مناكير, ولا يُعْرف له سماع من أبي أيوب. ورواه ابنُ ماجه في "سننه" (2) من (3) حديث ابن أبي أوفى، وراويه فائد أبو (4) الورقاء, متروك باتفاقهم (5). وحديث أبي أمامة رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (6) من حديث أبي غالب، عن أبي أمامة. وأبو غالب ضعَّفه النسائي ووثقه الدارقطني. وقال ابن معين: صالح الحديث. وصحح له الترمذي (7). _________ (1) (1/ 33). وأخرجه أحمد (23541)، وابن ماجه (433). (2) (416) مختصرًا ليس فيه لفظة التخليل، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" كما في "الإتحاف" (561) بسياق أتم وفيه: "ثم يمسح برأسه ويخلل لحيته". وضعَّفه البوصيري في "الإتحاف" وفي "مصباح الزجاجة": (1/ 335). وأخرجه أبو عبيد في "الطهور" (311). (3) زاد في ط. المعارف: " [و] من حديث" وقال إنها زيادة لابد منها؛ لأن ابن ماجه لم يخرج حديث ابن أبي أوفى. قلت: بل خرَّجه كما سلف في الحاشية السابقة، فالزيادة مقحمة لا مبرر لها. (4) الأصل: "ورواية فائد أبي"، وفي ط. الفقي "من رواية" والسياق يقتضي ما أثبته. (5) ترجمته في "الجرح والتعديل": (7/ 83)، و"تهذيب التهذيب": (8/ 255 - 256). (6) (112)، وأخرجه الطبراني في "الكبير": (8/ 333). قال الحافظ: "وإسناده ضعيف" "التلخيص": (1/ 97). وحسَّنه ابن الملقن في "البدر المنير": (2/ 190). (7) ترجمته في "التهذيب": (12/ 197).

(1/105)


وحديث جابر ضعيف جدًّا (1). وحديث جَرير ذكره ابنُ عدي (2) من حديث ياسين الزيّات, عن رِبْعيّ بن حراش، عن جرير مرفوعًا. وياسين متروك عند النسائي والجماعة (3). وحديث عائشة رواه أحمد في "مسنده" (4). وحديث أم سلمة ذكره الترمذي في كتابه (5) معلَّقًا فقال: وفي الباب عن أم سلمة، وذَكَر جماعةً من الصحابة (6).

  10 - باب المسح على العمامة

15/ 133 - عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: "بعثَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سريّة، فأصابهم البرد، فلمَّا قَدِموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَهم أن يمسحوا على العصائب _________ (1) أخرجه ابن عدي في "الكامل": (1/ 403) في ترجمة أصرم بن غياث، وذكره في مناكيره، وقال الحافظ في "التلخيص": (1/ 98): "وأصرم متروك الحديث قاله النسائي، وفي الإسناد انقطاع أيضًا". (2) في "الكامل": (7/ 184) في ترجمة ياسين الزيات وقال: "وكل رواياته أو عامتها غير محفوظة". (3) ترجمته في "الكامل": (7/ 183 - 184)، و"الجرح والتعديل": (9/ 312 - 313). (4) (25970)، وأخرجه أبو عبيد في "الطهور" (314)، والحاكم: (1/ 150). قال الدارقطني: إسناده مجهول، حَمَله الناسُ، وقال الهيثمي في "المجمع": "رجاله موثقون". وحسّن إسناده الحافظ في "التلخيص": (1/ 97). (5) (1/ 45). وأخرجه الطبراني في "الكبير": (23/ 298)، وأشار إليه البيهقي: (1/ 54). قال الحافظ: "وفي إسناده خالد بن إلياس، وهو منكر الحديث". (6) بعده في الأصل بياض نحو سطرين.

(1/106)


والتّسَاخين". 16/ 134 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ وعليه عمامة قِطْرِيّة، فأدخل يديه من تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقُضِ العمامة" (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن المنذر (2): ويَمْسح على العمامة, لثبوت ذلك عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -. وقال الجوزجاني (3): رَوى المسحَ على العمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سلمانُ الفارسي، وثوبان، وأبو أمامة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شُعبة، وأبو موسى. وفَعَله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق، وقال عمر بن الخطاب: مَن لم يطهِّره المسح على العمامة فلا طهَّره الله. قال: والمسح على العمامة سُنَّة مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار. وحكاه عن ابن أبي شيبة وأبي خيثمة زهير، وسليمان بن داود الهاشمي (4) مذهبًا لهم. ورواه أيضًا عَمرو بن أمية الضّمْري وبلال. _________ (1) في الأصل نقل المجرّد الحديث بلفظ: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقض العمامة". وهو اختصار يعكس المعنى. (2) في "الإقناع": (1/ 63 - 64). وانظر "الأوسط": (2/ 119 - 123). (3) لعله في كتابه "المترجم"، فإن ابن قدامة وغيره ينقلون منه روايات وكلامًا في الفقه، قال ابن كثير: "فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة". "البداية والنهاية": (14/ 545). (4) في الأصل: "الهاشم".

(1/107)


فأما حديث سلمان (1).

  11 - باب التوقيت في المسح (2)

17/ 145 - عن خُزيمة بن ثابت - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المسحُ على الخُفّين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يومٌ وليلة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. 18/ 146 - وفي لفظ لأبي داود: "ولو استزَدْناه لزادنا". وفي لفظ لابن ماجه (4): "ولو مضى السائلُ على مسألته لجعلها خمسًا". وذَكَر الخطّابيّ: أن الحَكَم وحمادًا قد روياه عن إبراهيم، فلم يذكرا (5) فيه هذا الكلام. ولو ثبت لم يكن فيه حجة، لأنه ظنٌّ منه وحُسْبان. والحجَّة إنما تقوم بقول صاحب الشريعة، لا بظنِّ الراوي. وقال البيهقي: وحديث خزيمة بن ثابت إسناده مضطرب، ومع ذلك فما لم يرد لا يصير سنة. [ق 24] هذا آخر كلام _________ (1) كذا في الأصل، وفي الكلام نقص ظاهر؛ فلعلّ المصنف قصد الكلام على الأحاديث واحدًا واحدًا كما صنع في أحاديث تخليل اللحية، وحديث سلمان أخرجه ابن أبي شيبة (229)، وأحمد (23717)، وابن حبان (1344). قال الترمذي في "العلل": (1/ 181 - 182): "سألتُ محمدًا عن هذا الحديث، قلت: أبو شريح ما اسمه؟ قال: لا أدري، لا أعرف اسمه، ولا أعرف اسم أبي مسلم مولى زيد بن صوحان، ولا أعرف له غير هذا الحديث. (2) يعني المسح على الخُفّين. (3) أخرجه أبو داود (157)، والترمذي (95)، وابن ماجه (554). (4) (553). (5) (خ): "يذكر"، وصوّبها في الهامش فقال: "في معالم السنن: يذكرا".

(1/108)


البيهقي (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أعلَّ أبو محمد بن حزم (2) حديثَ خُزيمة هذا بأن قال: "رواه عنه أبو عبد الله الجدليّ, صاحب راية الكافر المختار, لا يعتمد على روايته". وهذا تعليلٌ في غاية الفساد, فإن أبا عبد الله الجدليّ قد وثَّقه الأئمة: أحمد ويحيى، وصحَّح الترمذيُّ حديثَه، ولا يُعلم أحدٌ من أئمة الحديث طَعَن فيه (3). وأما كونه صاحب راية المختار, فإن المختار إنما أظهر الخروج لأخْذِه بثأر الحسين والانتصار له مِن قَتَلَته. وقد طعن أبو محمد بن حزم (4) في أبي الطفيل, وردَّ روايته بكونه كان صاحب راية المختار أيضًا, مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة, ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار وما يُسِرُّه, فردُّ روايةِ الصاحبِ والتابعِ الثقةِ بذلك باطلٌ. وأيضًا: فقد روى ابن ماجه (5) هذا الحديث عن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، عن عَمرو بن ميمون، عن _________ (1) في (خ): "آخر كلامه"، وفي الأصل و (ط المختصر) كما هو مثبت، وبقي من كلام المنذري سياقه لحديث عليّ في مسلم، ولم نسقه لأن المجرِّد ذكر أن تعليق ابن القيم كان عند قول المنذري "آخر كلام البيهقي". (2) في "المحلى": (2/ 89). (3) ترجمته في "التهذيب": (12/ 148). (4) في "المحلى": (3/ 174). (5) (553).

(1/109)


خزيمة. فهذا عَمرو بن ميمون قد تابع أبا عبد الله الجَدَلي, وكلاهما ثقة صدوق. وقد قيل: إن عَمرو بن ميمون رواه أيضًا عن أبي عبد الله الجَدَلي عن خزيمة (1)، فإن صحَّ ذلك لم يضرّه شيئًا, فلعله سَمِعه من أبي عبد الله, فرواه عنه, ثم سمعه من خزيمة, فرواه عنه. 19/ 147 - وعن أُبيِّ بن عِمَارة ــ وكان قد صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القِبْلَتَين ــ أنه قال: "يا رسول الله، أمْسَحُ على الخُفّين؟ قال: نعم، قال: يومًا؟ قال: يومًا، قال: ويومين (2)؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت". 20/ 148 - وفي رواية: "حتى بلغ سَبعًا ــ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ: نعم، ما بَدَا لَك". وأخرجه ابن ماجه (3). وقال أبو داود: وقد اختلف في إسناده، وليس بالقوي. وبمعناه قال البخاري. وقال الإمام أحمد بن حنبل: رجاله لا يعرفون. وقال الدارقطني: هذا إسنادٌ لا يثبت. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد اخْتُلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا. وعبد الرحمن، ومحمد بن يزيد، وأيوب بن قَطَن: مجهولون كلُّهم (4). وقد _________ (1) وهي رواية الترمذي (95)، وأحمد (22201). (2) "قال: يومًا، قال: ويومين؟ " سقطت من (خ - المختصر) والمثبت من "سنن أبي داود" (158)، و (ط - المختصر). (3) أخرجه أبو داود (158)، وابن ماجه (557). (4) هذا التعليل بنصه ذكره ابن الجوزي في "التحقيق": (1/ 209). وانظر "تنقيح التحقيق": (1/ 332 - 333)، و"البدر المنير": (3/ 41 - 43).

(1/110)


أخرجه الحاكم في "المستدرك" (1) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح ويحيى بن معين, كلاهما عن عَمرو بن الربيع بن طارق، أنا يحيى (2) بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رَزين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد ــ قال يحيى: شيخٌ من أهل مصر ــ عن عُبادة بن نُسَي (3) ... الحديث. قال الحاكم: هذا إسناد مصري, لم يُنْسَب واحد منهم إلى جرح (4)، وهذا مذهب مالك, ولم يخرجاه. والعجب من الحاكم، كيف يكون هذا مستدركًا على "الصحيحين" ورواته لا يعرفون بجرح ولا بتعديل؟ والله أعلم (5). 12 - باب المسح على الجورَبَين 21/ 149 - عن أبي قيسٍ الأوْدِيّ، عن هُزَيل بن شُرَحْبيل، عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على الجوْرَبين والنعلين". وأخرجه الترمذي وابن ماجه (6)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث، لأن _________ (1) (1/ 170 - 171). (2) في ط. الفقي: "محمد" تحريف. (3) رسمه في الأصل: "لس"! (4) وتعقبه الذهبي فقال: "بل مجهول". (5) وانظر كلام المؤلف على الحاكم ومستدركه في "الفروسية" (ص 185 - 186 و 213) و"المنار المنيف" (ص 5). (6) أخرجه أبو داود (159)، والترمذي (99)، وابن ما جه (559).

(1/111)


المعروف عن المغيرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين". قال أبو داود: ورُوي هذا أيضًا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه مسح على الجَورَبين" وليس بالمتصل ولا بالقوي (1). قال أبو داود: ومسَحَ على الجوربين: عليُّ بنُ أبي طالب، وأبو (2) مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعَمرو بن حُرَيث. ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، - رضي الله عنهم -. وذكر أبو بكر البيهقي حديثَ المغيرة هذا وقال: وذاك حديث منكر، ضَعّفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني، ومسلم بن الحجاج. والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخُفّين، ويُروى عن جماعة أنهم فعلوه. والله أعلم بالصواب. هذا آخر كلامه. وأبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن ثَرْوان الأَوْدي الكوفي. وهو وإن كان البخاريُّ قد احتجَّ به فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: لا يحتج بحديثه. وسئل عنه أبو حاتم الرازي؟ فقال: ليس بقوي، هو قليل الحديث، وليس بحافظ، قيل له: كيف حديثه؟ قال: هو صالح، هو ليّن الحديث. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال النسائي (3): "ما نعلم أن أحدًا تابع هُزَيلًا _________ (1) ذكر المجرِّد أن تعليق ابن القيم كان عند قول المنذري "ولا بالقوي" وذكرنا كلامه بتمامه لفائدته في الكلام على الحديث والمسألة التي علق عليها المؤلف. (2) في (ط- المختصر) ومطبوعات "السنن": "ابن" وهي رواية ابن داسة. وفي نسخ "المختصر"، ونسخ عتيقة "للسنن": "أبو". (3) في "السنن الكبرى" (129)، وعبارته هناك: "ما نعلم أحدًا تابع أبا قيس ... ".

(1/112)


على هذه الرواية, والصحيح عن المغيرة: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخُفّين". وقال البيهقي (1): قال أبو محمد ــ يعني يحيى بن منصور ــ رأيتُ مسلمَ بن الحجَّاج (2) ضعَّف هذا الخبر, وقال: أبو قيس الأودي وهُزيل بن شرحبيل لا يَحْتَمِلان هذا مع مخالفتهما جُمْلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة, فقالوا: "مَسَح على الخفّين". وقال: لا يُتْرَك ظاهرُ القرآن بمثل أبي قيس وهُزيل. قال: فذكرتُ هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس الدَّغولي (3)؟ فسمعته يقول: سمعت علي بن مَخْلد بن شيبان يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان الثوري: لو حدَّثتني (4) بحديث أبي قيس عن هُزيل ما قَبِلتُه منك؟ فقال سفيان: الحديث ضعيف, أو واهٍ, أو كلمة نحوها. وقال عبد الله بن أحمد (5): حدَّثتُ أبي بهذا الحديث, فقال أبي: ليس _________ (1) في "السنن الكبرى": (1/ 284). (2) ينظر كلام مسلم في تعليل الخبر في "التمييز": (ص 202 - 203). (3) الأصل: "الدغورا" خطأ. والتصويب من "سنن البيهقي" وهو الحافظ محمد بن عبد الرحمن السَّرَخسيّ الدغولي (ت 325). ترجمته في "السير": (14/ 557). (4) في الأصل: "لو رجل حدثني"، وفي "سنن البيهقي" والمصادر كما هو مثبت، وهو الصواب بدليل قوله: "ما قبلتُه منكَ". (5) في كتاب "العلل": (3/ 366 - 367)، وقال في آخره: "يعني حديث المغيرة هذا لا يرويه إلا من حديث أبي قيس".

(1/113)


يُرْوى هذا إلا من حديث أبي قيس. قال أبي: أبى (1) عبدُ الرحمن بن مهدي أن يحدِّث به, يقول: هو منكر. وقال ابن البرَّاء: قال علي بن المديني: حديث المغيرة بن شعبة في المسح، رواه عن المغيرة أهلُ المدينة وأهلُ الكوفة وأهلُ البصرة, ورواه هُزَيل بن شرحبيل عن المغيرة, إلا أنه قال: "ومسَحَ على الجَوْرَبين" وخالفَ الناسَ. وقال المفضّل بن غسّان (2): سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث؟ فقال: الناس كلّهم يروونه "على الخفين" غير أبي قيس. قال ابن المنذر (3): يُروى المسح على الجورَبين عن تسعةٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: عليّ, وعمَّار, وأبي مسعود الأنصاري, وأنس, وابن عمر, والبراء, وبلال, وعبد الله بن أبي أوفى (4) , وسهل بن سعد. وزاد أبو داود (5): أبو أمامة, وعَمرو بن حُرَيث, وعُمر, وابن عباس. فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيًّا. والعمدة في الجواز على هؤلاء - رضي الله عنهم - لا على _________ (1) في مطبوعة "العلل": "أتى" تصحيف. (2) في ط. الفقي: "الفضل بن عتبان" تصحيف. (3) في "الأوسط": (2/ 115). (4) في "الأوسط" بدلًا منه: "وأبي أمامة". فلعلّ المؤلف نقل من نسخة أخرى، وقد وافق المؤلف في النقل عن ابن المنذر ابنُ قدامة في "المغني": ــ ولعل المؤلف صادر عنه ــ (1/ 374)، وابنُ عبد الهادي في "التنقيح": (1/ 346). وهو من حديث أبي أمامة في "مصنف ابن أبي شيبة" (1991). (5) في "السنن": (1/ 41).

(1/114)


حديث أبي قيس. مع أن المنازعين في المسح متناقضون, فإنهم لو كان هذا الحديث من جانبهم لقالوا: هذه زيادة, والزيادة من الثقة مقبولة, ولا يلتفتون إلى ما ذكروه هاهنا من تفرُّد أبي قيس. فإذا كان الحديث مخالفًا لهم أعلّوه بتفرُّد راويه, ولم يقولوا: زيادة الثقة مقبولة, كما هو موجود في تصرفاتهم! والإنصاف: أن تَكْتال لمنازعك بالصاع الذي تَكْتال به لنفسك, فإنّ في كلِّ شيء وفاءً وتَطْفيفًا. ونحن لا نرضى هذه الطريقة, ولا نعتمد على حديث أبي قيس. وقد نصَّ أحمد على جواز المسح على الجوربين (1) , وعلَّل رواية أبي قيس. وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله, وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريحُ القياس, فإنه لا يظهر بين الجوربين والخُفَّين فرقٌ مؤثِّر يصح أن يُحَال الحكم عليه. والمسح عليهما [ق 25] قولُ أكثر أهل العلم، منهم من سَمَّينا من الصحابة, وأحمد, وإسحاق بن راهويه, وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري, وسعيد بن المسيب, وأبو يوسف. ولا يُعْرَف في الصحابة مخالفٌ (2) لمن سَمَّينا. وأما حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود, فرواه البيهقي (3) من حديث عيسى بن يونس، عن أبي سنان عيسى بن سنان، عن الضحَّاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى قال: "رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الجَورَبين والنعلين". _________ (1) كما في "مسائل ابن هانئ": (1/ 17)، و"مسائل الكوسج": (2/ 287 - 288). (2) في الطبعتين: "ولا نعرف في الصحابة مخالفًا ... " خلاف الأصل. (3) (1/ 284).

(1/115)


وهذا الحديث له علّتان ذكرهما البيهقي: أحدهما (1): أن الضحَّاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعُه من أبي موسى. والثانية: أن عيسى بن سنان ضعيف. قال البيهقي (2): وتأوَّل الأستاذُ أبو الوليد حديثَ المسح على الجَورَبين والنعلين على أنه مسحَ على جوربين مُنَعَّلين, لا أنه جورب على الانفراد, ونعل على الانفراد. قلت: هذا مبنيٌّ على أنه يستحبّ مسح أعلى الخُفّ وأسفله [والاستيعابُ] (3) في ذلك. والظاهر أنه مسَحَ على الجوربين الملبوس عليهما (4) نعلان منفصلان. هذا المفهوم منه, فإنه فَصَل بينهما وجعلهما شيئين (5). ولو كانا جوربين مُنَعَّلَين لقال: مسح على الجوربين المُنعَّلين. وأيضًا: فإن الجِلْد الذي في أسفل الجورب لا يسمى نعلًا في لغة العرب, ولا أطلق أحد عليه هذا الاسم. _________ (1) كذا في الأصل، والوجه: "إحداهما" وقد تكرر ذلك مرارًا. (2) (1/ 285). (3) كلمة غير محررة في الأصل، وفي ط. الفقي: "والبيان"، وفي ط. المعارف: "والشأن". وما أثبتناه يستقيم به المعنى. (4) الأصل: "عنهما". (5) في الطبعتين: "سنّتين"، والكلمة غير محرّرة النقط في الأصل، والمثبت من (ش، هـ). وهو الموافق للمعنى.

(1/116)


وأيضًا: فالمنقول عن عمر بن الخطاب في ذلك أنه مَسَح على سيور النعل التي على ظاهر القَدَم مع الجورب (1) , فأما أسفله وعَقِبه فلا. وفيه وجه آخر: أنه يمسح على الجورب وأسفل النعل وعقبه. والوجهان لأصحاب أحمد (2). وأيضًا: فإن تجليد أسافل الجوربين لا يخرجهما عن كونهما جورَبين ولا يؤثِّر اشتراط ذلك في المسح، وأيُّ فرقٍ بين أن يكونا مجلَّدين أو غير مجلَّدين؟ وقول مسلم - رحمه الله -: "لا يُترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهُزيل" جوابه من وجهين: أحدهما: أن ظاهر القرآن لا ينفي المسحَ على الجوربين إلا كما ينفي المسحَ على الخُفّين, وما كان الجواب عن موارد الإجماع فهو الجواب في مسألة النزاع. الثاني: أن الذين سمعوا القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرفوا تأويلَه مسحوا على الجَورَبين, وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه. والله أعلم.

  13 - باب كيف المسح؟

22/ 157 - عن المغيرة بن شعبة قال: "وضّأتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخفِّ وأسفَلَه". _________ (1) لم أقف عليه. (2) ينظر "الإنصاف": (1/ 179 - 181)، و"المبدع": (1/ 109).

(1/117)


وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1). وضعَّف الإمام الشافعي - رضي الله عنه - حديثَ المغيرة هذا. وقال أبو داود: بلغني أنه لم يسمع ثورٌ هذا الحديث من رجاء. وقال الترمذي: وهذا حديث معلول. وقال: سألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح. قال ابن القيم (2) - رحمه الله -: حديث المغيرة هذا قد ذُكِر له أربع علل: أحدها (3): أن ثور بن يزيد لم يسمعه من رجاء بن حَيْوة, بل قال: حُدِّثت عن رجاء. قال عبد الله بن أحمد في كتاب "العلل" (4): نا أبي قال: وقال عبد الرحمن ابن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن ثور بن يزيد قال: حُدِّثت عن رجاء بن حَيْوة, عن كاتب المغيرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخُفّين وأسفلهما". العلة الثانية: أنه مرسل, قال الترمذي (5): سألت أبا زرعة ومحمدًا عن _________ (1) أخرجه أبو داود (165)، والترمذي (97)، وابن ماجه (550). (2) رسمه في الأصل: "إبراهيم"، وكذا أثبت في الطبعتين. وأصلحه في هامش (ش) إلى "ابن القيم"، وهو الصواب. (3) كذا في الأصل، والوجه: "إحداها". (4) لم أجده في المطبوع منه، ونقله عنه أبو داود في "السنن" (132). وذكر مثله ابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل": (ص 37)، والعقيلي في "الضعفاء": (4/ 14) عن علي ابن المديني عن سفيان. (5) "الجامع" (97). وباقي كلامه: "لم يذكر فيه المغيرة". وذكره في "العلل الكبير" (70) عنهما وزاد أنهما ضعّفاه.

(1/118)


هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثورٍ عن رجاء, قال: حُدِّثت عن كاتب المغيرة، مرسل عن (1) النبي - صلى الله عليه وسلم -. العلة الثالثة: أنَّ الوليد بن مسلم لم يصرِّح فيه بالسماع من ثور بن يزيد, بل قال فيه: "عن ثور"؛ والوليد مدلِّس, فلا يُحْتجّ بعنعنته ما لم يصرِّح بالسماع. العلة الرابعة: أن كاتب المغيرة لم يسمَّ فيه, فهو مجهول. ذكر أبو محمد بن حزم (2) هذه العلة. وفي هذه العلل نظر: أما العلة (3) الأولى وهي: أن ثورًا لم يسمعه من رجاء، فقد قال الدارقطني في "سننه" (4): نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا داود بن رُشَيد، نا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد قال: نا رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة، فذكره. فقد صرَّح في هذه الرواية بالتحديث وبالاتصال، فانتفى الإرسال عنه. وأما العلة الثالثة: وهي تدليس الوليد, وأنه لم يصرِّح بسماعه، فقد رواه _________ (1) قوله "كاتب المغيرة مرسل عن" سقط من ط. الفقي. (2) في "المحلى": (2/ 114). (3) قوله: "العلة" كتبت فوق السطر وعليها علامة التصحيح. وغيّر النص في (ط. الفقي) إلى: "أما العلتان الأولى والثانية: وهما أن ... وأنه مرسل". وهو تصرّف بلا تنبيه، ولا حاجة إليه. (4) (752).

(1/119)


أبو داود (1) عن محمود بن خالد الدمشقي، ثنا الوليد، أنا ثور بن يزيد. فقد أُمِنَ تدليس الوليد في هذا. وأما العلة الرابعة: وهي جهالة كاتب المغيرة، فقد رواه ابن ماجه في "سننه" (2) وقال: "عن رجاء بن حَيْوة، عن ورَّاد كاتب المغيرة، عن المغيرة". وقال شيخنا أبو الحجاج المِزّي (3): رواه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عُمير، عن وَرَّاد، عن المغيرة. تم كلامه. وأيضًا: فالمعروف بكتابة المغيرة هو مولاه ورَّاد، وقد خُرِّج له في "الصحيحين" (4) , وإنما تُرك ذِكْر اسمه في هذه الرواية لشهرته وعدم التباسه بغيره. ومن له خبرة بالحديث ورواته لا يتمارى في أنه وَرَّاد كاتبه. وبعد، فهذا حديث قد ضَعَّفه [ق 26] الأئمة الكبار: البخاري, وأبو زرعة, والترمذي, وأبو داود, والشافعي, ومن المتأخرين: أبو محمد بن حزم. وهو الصواب، لأن الأحاديث الصحيحة كلها تخالفه. وهذه العلل وإن كان بعضها غير مؤثِّر، فمنها ما هو مؤثِّرٌ مانعٌ من صحة الحديث. وقد تفرَّد الوليد بن مسلم بإسناده ووَصْلِه، وخالفه من هو أحفظ منه وأجلّ، وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك, فرواه عن ثور، عن رجاء _________ (1) (165). (2) (550). (3) في "تحفة الأشراف": (8/ 497). (4) خرج له البخاري أحاديث منها برقم (844، 2408، 5975)، ومسلم برقم (593، 1499).

(1/120)


قال: حُدِّثت عن كاتب المغيرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (1). وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم فالقول ما قال عبد الله. وقد قال بعض الحفاظ: أخطأ الوليد بن مسلم في هذا الحديث في موضعين: أحدهما: أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة, وإنما قال: حُدِّثت عنه. والثاني: أن ثورًا لم يسمعه من رجاء (2). وخطأ ثالث: أن الصواب إرساله. فميَّزَ الحُفّاظ ذلك كلَّه في الحديث وبيَّنوه, ورواه الوليدُ معنعنًا من غير تبيين. والله أعلم.

  14 - باب تفريق الوضوء

23/ 165 - عن قتادة قال: حدثنا أنس - رضي الله عنه -: أن رجلًا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد توضأ وتركَ على قَدمه (3) مثلَ موضع الظُّفْر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ارجع فأحسِنْ وضوءَك". وأخرجه ابن ماجه (4). وقال أبو داود: وهذا الحديث ليس بمعروف (5)، ولم يروه إلا ابنُ وهب. وقد رُوي عن معقل بن عبيد الله الجَزري، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، قال: "ارجع فأحْسِن وضوءك". _________ (1) ذكره الترمذي: (1/ 162). كذا قال، والصواب أن ابن المبارك يرويه عن ثور قال: حُدّثت عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة ... كما ذكره في "العلل" (70)، وذكره الدارقطني في "العلل": (7/ 110). (2) ينظر: "تنقيح التحقيق": (1/ 340 - 341) لابن عبد الهادي. (3) (خ المختصر): "قدميه". (4) أخرجه أبو داود (173)، وابن ماجه (665). (5) في "السنن": (1/ 121) زيادة: "عن جرير بن حازم".

(1/121)


وذكره أبو داود (1) أيضًا من حديث الحسن ــ وهو البصري ــ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، مرسلًا بمعنى قتادة. وذكر الدارقطني (2) أن جرير بن حازم تفرَّد به عن قتادة، ولم يروه عنه غيرُ ابن وهب. وحديث عمر ــ الذي أشار إليه أبو داود ــ: أخرجه مسلم في "صحيحه" (3) عن سَلَمة بن شَبيب، عن ابن أعْيَن، عن مَعقِل. وأخرجه ابن ماجه (4) من حديث عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد الوضوء والصلاة". في إسناده بقية بن الوليد، وفيه مقال. قال ابن القيم - رحمه الله -: هكذا علَّل أبو محمد المنذري وابنُ حزم (5) هذا الحديث برواية بَقِيَّة له. وزاد ابن حزم تعليلًا آخر, وهو: أن راويه مجهول لا يُدْرى مَن هو. والجواب عن هاتين العلتين: أما الأولى: فإنّ بَقيَّة ثقة في نفسه صدوق حافظ, وإنما نُقِمَ عليه التدليس, مع كثرة روايته (6) عن الضعفاء والمجهولين, وأما إذا صرَّح _________ (1) (174). وذكره أيضًا (175) من طريق بقية، عن بَحير، عن خالد، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ... وسيذكره المؤلف من "مسند أحمد". (2) (381). (3) (243). (4) لم أجده في ابن ماجه بهذا الطريق وإنما من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب (666). (5) في "المحلى": (2/ 70 - 71). (6) الأصل: "رواته"، خطأ.

(1/122)


بالسماع فهو حجة. وقد صرَّح في هذا الحديث بسماعه له (1). قال أحمد في "مسنده" (2): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، نا بقيَّة، حدثني بَحِير بن سعد (3)، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج (4) النبي - صلى الله عليه وسلم -. فذكر الحديث. وقال: "فأمره أن يعيد الوضوء". قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيّد؟ قال: جيّد (5). وأما العلة الثانية: فباطلة أيضًا على أصلِ ابن حزمٍ، وأصلِ سائر أهل الحديث؛ فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث, لثبوت عدالة جميعهم. وأما أصل ابن حزم، فإنه قال في كتابه (6) في أثناء مسألة: كلُّ نساءِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ثقاتٌ فواضلُ عند الله عز وجل، مقدَّسات بيقين. 15 - باب الرخصة في ذلك (7) 24/ 171 - عن قيس بن طَلْق، عن أبيه قال: "قَدِمْنا على نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء _________ (1) بقية بن الوليد يدلّس تدليس التسوية، فلا يُقبل حتى يصرّح هو وشيخه بالسماع، ولا يكفي تصريحه هو فقط، ينظر: "نتائج الأفكار": (1/ 118 و 2/ 351) لابن حجر، و"البدر المنير": (5/ 102). (2) (15495). وأخرجه أبو داود (175) من طريق حيوة بن شريح عن بقية به، ومن طريقه البيهقي: (1/ 83). (3) وقع في الأصل و (ش) و"المحلى": "يحيى بن سعيد" تصحيف، وفي "السنن": "بجير ابن سعيد" تصحيف أيضًا، والتصويب من "المسند" وترجمته في "التقريب" (640). (4) كذا في الأصل، وفي "المحلى": "أزواج"، ووقع في "المسند" ومصادر الحديث: "أصحاب"، وتعليق ابن القيم على كلام ابن حزم يدلّ على أنها عنده "أزواج". (5) نقله في "المغني": (1/ 186)، وابن دقيق العيد في "الإلمام": (1/ 74). (6) "المحلى": (3/ 86). (7) الباب قبله: "الوضوء من مسّ الذَّكَر".

(1/123)


رجل كأنه بدويٌّ، فقال: يا نبي الله، ما ترى في مَسِّ الرَّجُل ذكرَه بعدما يتوضأ؟ فقال: هل هو إلا مُضْغَةٌ منه، أو بَضْعَة منه! ". وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1). وفي لفظ النسائي ورواية لأبي داود: "في الصلاة" (2). قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: قد سألنا عن قيس، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه مَن وَصَفْنا نعته ورجاحته في الحديث وثَبْته. وقال يحيى بن معين: لقد أكثر الناس في قيس بن طلق، وأنه لا يحتجّ بحديثه. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقالا: قيس بن طلق ليس ممن يقوم به حجة، ووهَّناه، ولم يثبتاه. قال ابن القيم - رحمه الله -: نقض (3) الوضوء مِن مسِّ الذَّكَر فيه حديث بُسرة, قال الدارقطني: قد صحّ سماع عُروة من بُسرة هذا الحديث, وبُسرة هذه من الصحابيات الفُضَّل (4). قال مالك: أتدرون مَن بُسرة بنت صفوان؟ هي جدَّة عبد الملك بن مروان أمُّ أمِّه, فاعرفوها. وقال مصعب الزبيري: هي بنت صفوان بن نوفل, من المبايعات, وورقة بن نوفل عمها (5). _________ (1) أخرجه أبو داود (182)، والترمذي (85)، والنسائي (165)، وابن ماجه (483)، وأحمد (16286). (2) بعد في (ط- المختصر): "يعني مسّ الرجل ذكره في الصلاة". (3) الأصل: "حديث نقض". (4) ط. الفقي: "الفضليات". وكلام الدارقطني في "العلل": (15/ 313). (5) أخرجهما الحاكم في "المستدرك": (1/ 138)، ومن طريقه البيهقي في "معرفة السنن والآثار": (1/ 225 - 226).

(1/124)


وقد ظَلَم مَن تكلَّم في بُسرة وتعدَّى. وفي "الموطأ" في حديثها من رواية ابن بُكَير (1): "إذا مسَّ أحدُكم ذَكَره فليتوضأ وضوءه للصلاة". وفيه (2) حديث أبي هريرة يرفعه: "إذا أفضى أحدُكم بيده إلى ذَكَره, ليس بينه وبينها (3) شيء فليتوضأ". رواه الشافعي (4) عن سليمان بن عَمرو ومحمد بن عبد الله، عن يزيد بن عبد الملك الهاشمي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة. قال ابن السَّكَن: هذا الحديث من أجود ما رُوِي في هذا الباب (5). قال ابن عبد البر (6): كان حديث أبي هريرة لا يُعْرف إلا بيزيد بن عبد الملك النوفلي، عن سعيد، عن أبي هريرة ــ ويزيد ضعيف ــ حتى رواه أصبغ بن الفَرَج، عن ابن القاسم، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك جميعًا, عن سعيد، عن أبي هريرة. قال: فصحَّ الحديث بنقل العدل عن العدل على ما قال ابنُ السَّكَن, إلا أن أحمد بن حنبل كان لا يرضى نافع بن _________ (1) ذكرها ابنُ عبد البر في "التمهيد" بإسناده: (17/ 186). (2) أي: وفي الباب. (3) كذا في الأصل، أي بين ذكره وبين يده. وفي "الأم": "بينه وبينه". (4) في "الأم": (2/ 43)، وفي "المسند" (88). وأخرجه أحمد (8404)، وابن حبان (1118)، والدارقطني (532)، والبيهقي: (1/ 133) وغيرهم. (5) نقله ابن عبد البر في "التمهيد": (17/ 195). (6) في "التمهيد": (17/ 195).

(1/125)


أبي نعيم, وخالفه ابنُ معين فقال: هو ثقة. قال الحازمي (1): "وقد رُوي عن نافع بن عمر الجُمَحي، عن سعيد, كما رواه يزيد. وإذا اجتمعت هذه الطرق دلّتنا على أن له أصلًا من رواية أبي هريرة". وفي الباب حديث عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه يرفعه: "أيّما رجل مسَّ فرجَه فليتوضأ, وأيّما امرأةٍ مَسَّت فرجها فلتتوضأ" (2). قال الحازمي (3): "هذا إسناد صحيح؛ لأن إسحاق بن راهويه رواه في "مسنده": نا بقيَّة بن الوليد، حدثني الزبيدي، حدثني عَمرو، فذكره. وبَقيَّةُ ثقة في نفسه, وإذا روى عن المعروفين فمحتجٌّ به, وقد احتجَّ به مسلم ومن بعده من أصحاب الصحيح. والزّبيدي ــ محمد بن الوليد ــ إمامٌ محتجٌّ به. وعَمْرو بن شعيب ثقة باتفاق أئمة الحديث. قال: وإذا روى عن غير أبيه لم يختلف أحدٌ [ق 27] في الاحتجاج به, وأما روايته عن أبيه، عن جده, فالأكثرون على أنها متصلة, ليس فيها إرسال ولا انقطاع. _________ (1) في "الاعتبار": (1/ 224). (2) أخرجه أحمد (7076) وإسحاق بن راهويه كما في "الاعتبار": (1/ 225)، والدارقطني (534)، والبيهقي: (1/ 132). وقد نقل المؤلف تصحيحه عن البخاري والحازمي. (3) في "الاعتبار": (1/ 225 - 226).

(1/126)


وذكر الترمذي في كتاب "العلل" (1) له, عن البخاري أنه قال: "حديث عبد الله بن عَمرو في هذا الباب ــ في باب مَسِّ الذَّكَر ــ هو عندي صحيح". قال الحازمي: "وقد رُويَ هذا الحديث من غير وجهٍ عن عَمرو بن شعيب, فلا يُظَنّ أنه من مفاريد بقية". وأما حديث طَلْق، فقد رُجِّح حديثُ بُسرة وغيره عليه من وجوه: أحدها: ضعفه. والثاني: أن طلقًا قد اختلف عنه, فرُوي عنه: "هل هو إلا بضعة منك؟ " (2). وروى أيوب بن عُتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه مرفوعًا: "من مسَّ فَرْجَه فليتوضأ". رواه الطبراني (3) وقال: "لم يروه عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد، وهما عندي صحيحان, يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل هذا, ثم سمع هذا بَعْدُ (4) , فوافق حديثَ بُسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، وغيرهم؛ فسمع الناسخَ والمنسوخَ" (5). _________ (1) (1/ 49). (2) وهو حديث الباب الذي تقدم. (3) في "الكبير": (8/ 334). ونقله الحازمي في "الاعتبار": (1/ 233) والمؤلف صادرٌ عنه. (4) في الأصل فوق العين علامة للسكون كبيرة، تشبه الهاء، فأثبت في (ش) وطبعة الفقي: "بعده". والمثبت موافق لما في (هـ) و"معجم الطبراني". (5) لفظ الطبراني: " ... وغيرهم ممن روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمرَ بالوضوء من مسّ الذكر، فسمع المنسوخَ والناسخَ".

(1/127)


الثالث: أن حديث طَلْق لو صحّ لكان حديث أبي هريرة ومَنْ معه مقدَّمًا عليه؛ لأن طلقًا قَدِمَ المدينةَ وهم يبنون المسجد, فذَكَر الحديث (1) , وفيه قصة مسّ الذَّكَر. وأبو هريرة أسلم عام خيبر, بعد ذلك بستّ سنين, وإنما يُؤخَذ بالأَحْدَث فالأحْدَث مِن أمْرِه - صلى الله عليه وسلم -. الرابع: أن حديث طَلْق مُبْقٍ على الأصل, وحديث بُسرة ناقل, والناقل مقدَّم لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه. الخامس: أن رُواة النقض أكثر, وأحاديثه أشهر, فإنه من رواية بُسرة, وأم حبيبة, وأبي هريرة، وأبي أيوب، وزيد بن خالد (2). _________ (1) أخرجه البيهقي: (1/ 135)، والحازمي في "الاعتبار": (1/ 231 - 232). (2) حديث بسرة وأبي هريرة تقدم تخريجهما. * وحديث أم حبيبة أخرجه ابن ماجه (481)، وابن أبي شيبة (1736)، والطحاوي في "شرح المعاني": (1/ 75)، والبيهقي في "السنن": (1/ 130) وفي "الخلافيات": (2/ 271 - 272). والحديث صححه أحمد فيما نقله الخلال، وقوّاه أبو زرعة فيما نقله الترمذي في "العلل": (1/ 161). وضعفه البخاري وغير واحد وأعلوه بالانقطاع، بأن مكحولًا الشامي لم يسمع من عنبسة، وخالفهم آخرون فأثبتوا سماعه. ينظر "التخليص الحبير": (1/ 133)، و"مصباح الزجاجة": (1/ 69)، و"الإرواء": (1/ 151). * وحديث أبي أيوب أخرجه ابن ماجه (482)، والطبراني في "الكبير": (4/ 140) من طريق إسحاق بن أبي فروة عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ عنه ... الحديث. قال الزيلعي في "نصب الراية": (1/ 57): "وهو حديث ضعيف، فإن إسحاق بن أبي فروة متروك باتفاقهم وقد اتهمه بعضهم". وانظر "مصباح الزجاجة": (1/ 69). * وأما حديث زيد بن خالد الجهني فأخرجه أحمد (21689)، وابن أبي شيبة (1735)، والطحاوي في "شرح المعاني": (1/ 73)، والطبراني في "الكبير": (5/ 243)، والبيهقي في "المعرفة": (1/ 222). من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عنه الحديث. وأعله ابن المديني والبخاري بأن الزهري إنما رواه عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة عن بسرة، رواه عنه ابن جريج، أخرجه ابن راهويه في "مسنده"، والبيهقي في "الخلافيات": (2/ 261). قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح.

(1/128)


السادس: أنه قد ثبت الفرق بين الذَّكَر وسائر الجسد في النظر والمسّ, فثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أنه نهى أن يمسَّ الرجلُ ذَكَرَه بيمينه" (1)، فدلّ على أن الذَّكَر لا يشبه سائر الجسد, ولهذا صانَ اليمينَ عن مسِّه, فدلّ على أنه ليس بمنزلة الأنف والفَخِذ والرِّجْل. فلو كان كما قال المانعون: إنه بمنزلة الإبهام واليد والرِّجْل، لم يَنْه عن مَسَّه باليمين. والله أعلم. السابع: أنه لو قُدِّر تعارض الحديثين من كلِّ وجه لكان الترجيح لحديث النقض, لقول أكثر الصحابة, منهم: عمر بن الخطاب, وابنه, وأبو أيوب الأنصاري, وزيد بن خالد, وأبو هريرة, وعبد الله بن عَمرو, وجابر, وعائشة, وأم حبيبة, وبُسرة بنت صفوان. وعن سعد بن أبي وقاص روايتان، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - روايتان.

  16 - باب في الوضوء من لحوم الإبل

25/ 172 - عن البَراء بن عازب - رضي الله عنهما - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضؤوا منها". وسئل عن (2) لحوم الغنم؟ فقال: "لا توضؤوا منها". وسُئل عن الصلاة في مَبارك الإبل؟ فقال: "لا تُصَلوا في _________ (1) أخرجه البخاري (153)، ومسلم (267) من حديث أبي قتادة - رضي الله عنه -. (2) في (خ- المختصر) زيادة: "الوضوء من"، وفي "السنن" بدونها.

(1/129)


مبارك الإبل، فإنها من الشياطين". وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: "صلُّوا فيها، فإنها بَرَكة". وأخرجه الترمذي وابن ماجه مختصرًا (1). وكان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقولان: قد صحَّ في هذا الباب حديث البراء بن عازب، وحديث جابر بن سَمُرة. قال الشيخ: وحديث جابر بن سمرة خَرَّجه مسلم في "صحيحه" (2)، ولفظه: أن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ". قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم، فتوضأ من لحوم الإبل". قال: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم". قال: أأصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا". قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أعلّ ابنُ المديني حديثَ جابر بن سَمُرة في الوضوء من لحوم الإبل. قال محمد بن أحمد بن البرَّاء: قال عليّ: جعفر مجهول, يريد جعفر بن أبي ثور راويه عن جابر. وهذا تعليل ضعيف، قال البخاري في "التاريخ" (3): جعفر بن أبي ثور [عن] جدّه جابر بن سمرة، قال سفيان وزكريا وزائدة: عن سِماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في اللحوم. قال البخاري (4): _________ (1) أخرجه أبو داود (184)، والترمذي (81)، وابن ماجه (494)، وأحمد (18538)، وابن حبان (1128). (2) (360). (3) (2/ 187). وما بين المعكوفين منه. (4) في "التاريخ الكبير": (2/ 187).

(1/130)


وقال أهلُ النسب: ولدُ جابرِ بن سَمُرة: خالدٌ، وطلحةُ، ومَسْلمةُ (1) وهو أبو ثور. قال: وقال شعبة: عن سماك، عن أبي ثور بن عكرمة بن جابر بن سَمُرة، عن جابر. قال الترمذي في "العلل" (2): حديث سفيان الثوري أصحّ من حديث شعبة, وشعبة أخطأ فيه فقال: عن أبي ثور, وإنما هو جعفر بن أبي ثور. قال البيهقي (3): وجعفر بن أبي ثور رجل مشهور, وهو مِن ولد جابر بن سمرة, روى عنه سِماك بن حَرْب وعثمان بن عبد الله بن مَوهَب، وأشعث بن أبي الشعثاء. قال ابن خزيمة: وهؤلاء الثلاثة من أجِلَّة رواة الحديث. قال البيهقي (4): ومن روى عنه مثل هؤلاء خرج من (5) أن يكون مجهولًا، ولهذا أودعه مسلم كتابه "الصحيح". قال البيهقي (6): وأخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ الحافظ، نا إبراهيم بن عبد الله الأصفهاني، قال: قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: لم نر خلافًا بين _________ (1) كذا في الأصل وهو كذلك في بعض نسخ "التاريخ"، وفي بعضها: "سلمة"، وانظر هامش "التاريخ". (2) (1/ 46). وانظر "العلل": (13/ 404 - 406) للدارقطني. (3) في "السنن الكبرى": (1/ 158)، وهذا القول برمته للترمذي في "العلل": (1/ 46). (4) "السنن الكبرى": (1/ 158). (5) في الطبعتين: "عن" خلافًا لما في الأصل و"السنن الكبرى". وهو أسلوب صحيح سائغ استعمله الشافعي في مواضع من كتاب "الأم". (6) "السنن الكبرى": (1/ 159).

(1/131)


علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه. قال البيهقي: ورُوّينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس: "الوضوء مما خرج, وليس مما دخل". وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مَسّت النار. ثم ذَكَر عن ابن مسعود أنه أُتِيَ بقصعةٍ من الكبد والسّنام من لحم الجزور, فأكل ولم يتوضَّأ. قال: وهذا منقطع وموقوف. ورُوي عن أبي عبيدة قال: كان عبد الله بن مسعود يأكل من ألوان الطعام ولا يتوضَّأ منه. قال البيهقي: وبمثل هذا لا يُتْرَك ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [ق 28] هذا كلامه في "السنن الكبير". وهو كما ترى صريحٌ في اختياره القولَ بأحاديث النقض. واختاره ابن خزيمة. ومن العجب معارضة هذه الأحاديث بحديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مَسّت النار" (1)، ولا تعارض بينهما _________ (1) أخرجه أبو داود (192)، والنسائي (185)، وابن خزيمة (43)، وابن حبان (1134)، والبيهقي: (1/ 155 - 156) من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به. وأعله أبو حاتم في "العلل" (168) للاضطراب في المتن، وذكر أبو داود وابن حبان بأنه مختصر من حديث: "قرّبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خبزًا ولحمًا فأكل ... " الحديث، وفيه أنه أكل لحمًا ولم يتوضأ. وذكر ابن أبي حاتم أن شعيب بن أبي حمزة يمكن أن يكون حدّث به من حفظه فوهم. وناقش هذا التعليل ابن دقيق العيد في "الإمام" فاستبعد قضية الاختصار. وأُعل بعلة أخرى بأن ابن المنكدر لم يسمع هذا الحديث من جابر، وإنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل عنه. وعبد الله صدوق فيه بعض اللين. وللحديث شواهد. والحديث صححه ابن خزيمة وابن حبان وابن السكن والنووي وابن الملقن وغيرهم. ينظر "الإمام": (1/ 403 - 405)، و"البدر المنير": (2/ 412 - 416)، و"التلخيص": (1/ 125 - 126).

(1/132)


أصلًا؛ فإنَّ حديثَ جابر هذا إنما يدلّ على أن كونه ممسوسًا بالنار ليس جهة من جهات نقض الوضوء, ومَن نازعكم في هذا؟ نعم، هذا يصلح أن يحتجّوا به على من يوجب الوضوء مما مسَّت النار, على صعوبة تقرير دلالته. وأما من يجعل كون اللحم لحمَ إبل هو الموجِبَ للوضوء, سواء مَسَّته النار أم لم تمسّه، فيوجب الوضوءَ من نِيِّه ومطبوخه وقديده, فكيف يُحتجّ عليه بهذا الحديث؟ وحتى لو كان لحم الإبل فردًا من أفراده، فإنما تكون دلالته بطريق العموم, فكيف يُقدَّم على الخاص؟ هذا مع أن العموم لم يُسْتَفد ضِمْنَ كلامِ (1) صاحب الشرع, وإنما هو من قول الراوي. وأيضًا: فأبْيَن مِن هذا كلّه: أنه لم يحكِ لفظًا, لا خاصًّا ولا عامًّا, وإنما حكى أمرين هما فعلان، أحدهما متقدِّم, وهو فعل الوضوء, والآخر متأخّر، وهو تركه مِن ممسوس النار. فهاتان واقعتان, توضّأ في أحدهما (2) وترك _________ (1) "ضمن كلام" كتبه الناسخ لحقًا، ثم ضرب على "كلام" لوجوده في الصلب، ولكن مسبوقًا بحرف "مِن". فأصلح في طبعة الفقي هكذا: "ضمنًا من كلام"، وفي طبعة المعارف أصلحها إلى: "لم يستفد من كلام". ويظهر أن "مِن" تصحيف "ضمن". والله أعلم. (2) كذا في الأصل والوجه: "إحداهما". وقد تكرّر مثله في الكتاب في مواضع سبق بعضها.

(1/133)


في الأخرى مِن شيء معيّن مسَّتْه النار, لم يحكِ لفظًا عامًّا ولا خاصًّا يُنْسَخ به اللفظ الصريح الصحيح. وأيضًا: فإنّ الحديث قد جاء مبيَّنًا من رواية جابر نفسه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دُعِي إلى طعام, فأكل، ثم حضرت الظهر, فقام وتوضأ وصلى ثم أكل, فحضرت العصر, فقام فصلى ولم يتوضأ" (1). فكان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مسّت النار. فالحديث له قصة, فبعض الرواة اقتصر على موضع الحجة فحذف القصة، وبعضهم ذكرها, وجابر روى الحديث بقصته. والله أعلم.

  17 - باب في المَذْي

26/ 196 - وعن عروة بن الزبير، عن عليّ بن أبي طالب نحو حديث المقداد، وفيه: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليغسل ذكره وأنثييه". وأخرجه النسائي ولم يذكر "أنثييه" (2). وقال أبو حاتم الرازي: عروة بن الزبير عن علي مرسل. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد رواه أبو عوانة الإسفراييني في "صحيحه" (3) من حديث سليمان بن حيّان (4)، عن ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن _________ (1) أخرجه أبو داود (191)، وهو بنحوه عند الترمذي (80)، وابن ماجه (489)، وإسناده صحيح. (2) أخرجه أبو داود (206، 208)، والنسائي (435)، وأحمد (1009). (3) (765). وصحّحها ابن الملقن، وقال الحافظ: "لا مطعن فيها". ينظر "فتح الغفّار": (1/ 27). (4) في الأصل: "حسان"، والتصويب من "صحيح أبي عوانة". وترجمته في "التهذيب": (4/ 181).

(1/134)


عَبيدة السلماني، عن عليّ. وفيه: "يغسل أُنثييه وذَكَره". وهذا متصل. 27/ 198 - وعن عبد الله بن سعد الأنصاري قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يوجب الغسلَ، وعن الماء يكون بعد الماء؟ قال: "ذلك المذي، وكلّ فحلٍ يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة". 28/ 199 - وفي لفظ: أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "لك ما فوق الإزار" ــ وذكر مواكلة الحائض أيضًا ــ وساق الحديث. وأخرج الترمذي طرفًا منه في "الجامع"، وطرفًا في "الشمائل"، وقال: حسن غريب. وأخرجه ابن ماجه مختصرًا في موضعين (1). 29/ 200 - وعن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: "ما فوق الإزار، والتعفّف عن ذلك أفضل". قال أبو داود: وليس بالقوي. قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أبو محمد بن حزم (2): نظرنا في حديث حرام بن حكيم عن عمه, فوجدناه لا يصح ــ يعني حديث عبد الله بن سعد ــ حكيمٌ ضعيف, وهو الذي روى غسل الأُنثيين من المذي. تم كلامه. وهذا الحديث قد رواه أبو داود عن إبراهيم بن موسى، عن عبد الله بن وهب ــ وهما مِن المتّفَقِ على حديثهما ــ، عن معاوية بن صالح ــ وهو ممن _________ (1) أخرجه أبو داود (211 - 212)، والترمذي في "الجامع" (133)، و"الشمائل" (297)، وابن ماجه (651، 1378)، وابن خزيمة (1202). (2) في "المحلى": (2/ 180 - 181).

(1/135)


روى له مسلم ــ، عن العلاء بن الحارث ــ روى له مسلم أيضًا ــ. وحرامُ بن حكيم وثَّقه غيرُ واحد ... (1). وعمُّه هو عبد الله بن سعد الأنصاري ــ صاحب الحديث ــ صحابيّ. وقوله: "وهو الذي روى حديث غسل الأُنثيين من المَذْي", فالحديث حديثٌ واحد, فَرَّقه بعضُ الرواة وجمعَه غيرُه. وقد روى الأمرَ بغسل الأنثيين من المذي أبو عوانة في "صحيحه" (2) من حديث محمد بن سيرين، عن عَبيدة السّلْماني، عن عليّ، الحديث. وفيه: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يغسل أنثييه وذَكَره ويتوضأ". وأما حديت معاذ؛ فأعلَّه ابنُ حزم (3) ببقيَّة بن الوليد، وبسعيد الأغطش, قال: وهو مجهول، وقد ضعَّفه أبو داود كما تقدم. ورواه الطبراني (4) من طريق إسماعيل بن عيَّاش، حدّثني سعيد بن عبد الله الخزاعي، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، عن معاذ. وهو منقطع. _________ (1) بعده في الأصل بياض بمقدار ثلاث كلمات. وتنظر ترجمته في "تهذيب التهذيب": (2/ 222 - 223). (2) (765). (3) في "المحلى": (2/ 181). (4) في "المعجم الكبير": (20/ 99). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": (1/ 332): "إسناد هذا الحديث حسن". لكن قال أبو حاتم وأبو زرعة: إن عبد الرحمن بن عائذ لم يدرك معاذًا، فالإسناد كما قال المؤلف: منقطع. ينظر: "تهذيب التهذيب": (6/ 203 - 204)، و"تحفة التحصيل" (ص 199).

(1/136)


 18 - باب الجُنُب يؤخِّر الغسل

30/ 216 - وعن أبي إسحاق (وهو السبيعي)، عن الأسود (وهو ابن يزيد) عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام وهو جُنُب من غير أن يمسَّ ماء. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (1). وقال يزيد بن هارون: هذا الحديث وهم ــ يعني حديث أبي إسحاق. وقال الترمذي: يرون أن هذا غلطٌ من أبي إسحاق. وقال سفيان الثوري: فذكرت الحديث يومًا ــ يعني حديث أبي إسحاق ــ فقال لي إسماعيل: يا فتى، تَشُدُّ هذا الحديثَ بشيء؟ قال البيهقي: وحمل أبو العباس بن سُرَيج رواية أبي إسحاق على أنه كان لا يمس ماءً للغسل. قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أبو محمد بن حزم (2): نظرنا في حديث أبي إسحاق فوجدناه ثابتًا صحيحًا تقومُ به الحجَّة. ثم قال: وقد قال قوم: إن زهير بن معاوية روى عن أبي إسحاق هذا الخبر فقال فيه: "وإن نام جُنُبًا توضّأ وضوءَ الرجلِ للصلاة", قال: فدلَّ ذلك على أن سفيان اختصره أو وهم فيه. ومُدَّعِي هذا الخطأ والاختصار في هذا الحديث هو المخطئ, بل نقول: إن رواية زهير عن أبي إسحاق صحيحة. ورواية الثوريِّ ومَن تابعه عن أبي إسحاق صحيحة، ولم تكن ليلةً واحدة فتُحْمَل روايتهم على التضادّ, _________ (1) أخرجه أبو داود (228)، والترمذي (118)، والنسائي في "الكبرى" (9003)، وابن ماجه (581). وأخرجه أحمد (24161). (2) ينظر "المحلى": (1/ 87، 2/ 221).

(1/137)


بل كان يفعل مرةً هذا ومرةً هذا. قال ابن مفوّز (1): وهذا كله تصحيحٌ للخطأ الفاسد بالخطأ البَيّن؛ أما حديث أبي إسحاق من رواية [ق 29] الثوري وغيره فأجْمَع من تقدّم من المحدِّثين ومن تأخَّر منهم أنه خطأ منذ زمان أبي إسحاق إلى اليوم, وعلى ذلك تلقَّوه منه وحملوه عنه، وهو أول حديث أو ثان مما ذكره مسلم في كتاب "التمييز" (2) له, مما حُمِل من الحديث على الخطأ. وذلك أن عبد الرحمن بن الأسود (3)، وإبراهيم النخعي ــ وأين يقَعُ أبو إسحاق من أحدهما, فكيف باجتماعهما على مخالفته؟! ــ رويا الحديثَ بعينه عن الأسود بن يزيد، عن عائشة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان جُنُبًا فأراد أن ينام توضأ وضوءَه للصلاة" (4) , فحكم الأئمة برواية هذين الفقيهين الجليلين عن الأسود على رواية أبي إسحاق عن الأسود، عن عائشة: "أنه كان ينام ولا يمسّ ماء", ثم عضدوا ذلك برواية عروة، وأبي سلمة بن _________ (1) تحرف في ط. الفقي إلى "معوذ"، وقد تقدمت ترجمته، وأن له كتابًا يردّ فيه على ابن حزم، فلعل النقل منه. وقد ذكر تعليله الحافظ في "التخليص": (1/ 149) وقال: "كذا قال! وتساهل في نقل الإجماع، فقد صححه البيهقي، وقال: إن أبا إسحاق قد بيَّن سماعه من الأسود في رواية زهير عنه ... وقال الدارقطني في "العلل": يُشبه أن يكون الخبران صحيحين ... ". (2) (ص 181 - 182). (3) في الأصل: "يزيد" خطأ، فإن الحديث من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، وليس عبد الرحمن بن يزيد، كما في "التمييز" ومصادر الحديث. (4) أما رواية إبراهيم النخعي فأخرجها مسلم (305)، ورواية عبد الرحمن بن الأسود أخرجها أحمد (26342)، والدارمي (757) بإسناد حسن.

(1/138)


عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي قيس، عن عائشة (1) , وبفتوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عُمرَ بذلك حين استفتاه (2). وبعض المتأخرين من الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا ينظرون الطرق يجمعون بينهما بالتأويل, فيقولون: لا يمس ماء للغسل. ولا يصح هذا. وفقهاء المحدثين وحُفَّاظهم على ما أعْلَمْتُك. وأما الحديث الذي نسبه إلى رواية زهير عن أبي إسحاق فقال فيه: "وإن نام جُنُبًا توضأ" وحَكَى أن قومًا ادعوا فيه الخطأ والاختصار, ثم صحّحه هو, فإنما عنى بذلك أحمد بن محمد الأزدي (3) , فهو الذي رواه بهذا اللفظ, وهو الذي ادعى فيه الاختصار. وروايته خطأ, ودعواه سهوٌ وغفلة. ورواية زهير عن أبي إسحاق كرواية الثوري وغيره عن أبي إسحاق في هذا المعنى، وحديث زهير أتمّ سياقةً. وقد روى مسلم (4) الحديثَ بكماله في كتاب الصلاة, وقال فيه: "وإن لم يكن جنبًا توضأ للصلاة" وأسقط منه وهم أبي إسحاق، وهو قوله: "ثم ينام قبل أن يمسّ ماء" فأخطأ فيه بعضُ النَّقَلة فقال: "وإن نام جُنبًا توضأ للصلاة" فعَمَد ابنُ حزم إلى هذا الخطأ الحادث على زهير فصحَّحه, وقد _________ (1) رواية عروة أخرجها البخاري (288)، ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أخرجها مسلم (305/ 21)، ورواية عبد الله بن أبي قيس أخرجها مسلم (307). (2) أخرجها البخاري (287)، ومسلم (306). (3) يعني الإمام الطحاوي في كتابه: "شرح معاني الآثار": (1/ 124، 125) من رواية زهير وسفيان. (4) (739).

(1/139)


كان صحَّح خطأ أبي إسحاق القديم، فصحح خطأين متضادين! وجمع بين غلطين متنافرين! تم كلامه (1). قال البيهقي (2): والحُفَّاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهَّمُوها مأخوذةً عن غير الأسود, وأن أبا إسحاق ربما دلّس, فرأوها (3) من تدليساته, بدليل رواية إبراهيم عن الأسود، وعبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن ينام وهو جُنُب توضأ وضوءَه للصلاة, ثم ينام" رواه مسلم. قال: وحديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية, فإن أبا إسحاق بَيَّن فيه سماعَه من الأسود, والمُدَلِّس إذا بين سماعَه وكان ثقةً فلا وجه لردِّه. تم كلامه. والصواب ما قاله أئمة الحديث الكبار، مثل يزيد بن هارون، ومسلم، والترمذي، وغيرهم= مِنْ أن هذه اللفظة وهم وغلط. والله أعلم.

  19 - باب في الجُنُب يدخل المسجد

31/ 220 - عن جَسرَة بنت دَجَاجة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجوه بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد، فقال: "وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد"، ثم دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يصنع القومُ شيئًا، رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ، فقال: وجِّهوا هذه البيوتَ عن المسجد، فإني لا أُحِلُّ المسجد لحائضٍ ولا جُنُب". _________ (1) يعني ابن مفوز. (2) في "السنن الكبرى": (1/ 201). (3) الأصل: "فرواها"، والمثبت من "سنن البيهقي".

(1/140)


وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (1)، وفيه زيادة، وذكر بعده حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سدّوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر"، ثم قال: وهذا أصح. وقال الخطابي: وضعَّفوا هذا الحديث، وقالوا: أفْلَتُ ــ راويه ــ مجهول، لا يصح الاحتجاجُ بحديثه. وفيما حكاه الخطابي أنه مجهول نظر، فإنه أفلتُ بن خليفة، ويقال: فُلَيت بن خليفة العامري، ويقال: الذهلي، وكنيته: أبو حسان، حديثه في الكوفيين، روى عنه سفيان بن سعيد الثوري، وعبد الواحد بن زياد. وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسًا. وسئل عنه أبو حاتم الرازي؟ فقال: شيخ. وحكى البخاري أنه سمع من جَسرة بنت دجاجة. قال البخاري: وعند جَسْرة عجائب. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الدارقطني (2): أفْلَتُ بن خليفة صالح. وقد روى ابن ماجه في "سننه" (3) من حديث أبي الخطاب الهَجَري، عن مَحْدُوج الذُّهلي (4)، عن جَسْرة بنت دجاجة، عن أم سلمة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نادى بأعلى صوته: "ألا إنَّ هذا المسجد لا يحلّ لجُنُبٍ ولا لحائض". _________ (1) (2/ 67 - 68)، وأخرجه أبو داود (232)، ومن طريقه البيهقي: (2/ 442)، وابن خزيمة (1327). (2) "سؤالات البرقاني للدارقطني" (39). (3) (645). وأخرجه البيهقي في الكبرى: (7/ 65). (4) تصحف في الأصل إلى: "الهذلي" والتصحيح من مصادر الترجمة والحديث، وانظر ترجمته في "التاريخ الكبير": (8/ 66)، و"التهذيب": (10/ 55).

(1/141)


قال أبو محمد بن حزم (1): محدوج ساقط, وأبو الخطاب مجهول. ثم رواه من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخَفّاف، عن ابن أبي غَنيّة (2)، عن إسماعيل، عن جسرة، عن أم سلمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا المسجد حرام على كلِّ جُنُب من الرجال وحائض من النساء, إلا محمدًا وأزواجه وعليًّا وفاطمة" (3). قال ابن حزم: عبد الوهاب بن عطاء منكر الحديث، وإسماعيل مجهول. وليس الأمر كما قال أبو محمد؛ فقد قال ابن معين في رواية الدوري (4): إنه ثقة, وقال في رواية الدَّارمي (5) وابن أبي خيثمة: ليس به بأس. وقال في رواية الغَلّابي: يُكتب حديثُه. وقال أحمد (6): كان يحيى بن سعيد حَسَن الرأي فيه, وكان يعرفه معرفةً قديمة. وقال صالح بن محمد: أنكروا على الخفَّاف حديثًا رواه لثور بن يزيد، عن مكحول، عن كُرَيب، عن ابن عباس في فضل العباس (7). وما أنكروا عليه غيرَه, فكان يحيى يقول: _________ (1) في "المحلى": (2/ 186). (2) في الأصل: "عتبة" تصحيف، والتصحيح من مصادر الحديث، وانظر ترجمته في "التهذيب": (6/ 392). (3) وأخرج الحديث الطبراني في "الكبير": (23/ 374)، والبيهقي: (7/ 65)، وغيرهم. وضعّفه أيضًا البيهقي. (4) (3248). (5) (519). (6) "العلل": (2/ 354). (7) ولفظه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس: "إذا كان غداة الاثنين فأتِني أنت وولدك حتى أدعو لهم بدعوة ينفعك الله بها وولدَك"، فغدا فغدونا معه فألبسنا كِساءً ثم قال: "اللهم اغفر للعباس وولدِه مغفرةً ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبًا، اللهم احفظه في ولده". أخرجه الترمذي (3762)، والطبراني في "مسند الشاميين" (460). قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وقال أبو زرعة: منكر، كما في "العلل" (5/ 563 - 564) لابن أبي حاتم.

(1/142)


هذا موضوع، وعبد الوهاب لم يقل فيه: حدثنا ثور, ولعله دلّس فيه، وهو ثقة (1). وأما إسماعيل, فإن كان إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزُّبَيدي الكوفي فإنه ذكر في ترجمة ابن أبي غَنيَّة (2) أنه روى عن إسماعيل هذا, ولم يُذْكَر في شيوخه إسماعيل غيره, فهو ثقة, روى له مسلم في "الصحيح" (3). وبعدُ، فهذا الاستثناء باطلٌ موضوع، من زيادة بعض غُلاة الشيعة, ولم يخرِّجه ابنُ ماجه (4) في الحديث.

  20 - باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل؟

32/ 244 - عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن امرأة من المسلمين ــ وقال زهير (يعني: ابنَ حرب): أنها ــ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشدّ ضُفْرَ رأسي أفأنقضُه للجنابة؟ قال: "إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثًا ــ وقال زهير: تَحثي عليه ثلاثَ (5) حَثَيات من ماء ــ ثم تُفيضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طَهُرتِ". _________ (1) انظر "تاريخ بغداد": (12/ 276 - ط. بشار). (2) تصحف في الأصل إلى "عتبة"، وتقدم تصحيحه. (3) رقم (1774، 2069، 2467). (4) تقدم. (5) "ثلاث" ساقط من مخطوطة المختصر، وهو ثابت في المطبوع، وفي أصل "السنن".

(1/143)


وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (1). وفي روايةٍ لأبي داود: "وَاغْمِزي قُرونَكِ عند كلِّ حَفْنَةٍ" (2). قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث أم سلمة هذا يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة, وهذا اتفاق من أهل العلم, إلا ما يُحكى عن عبد الله بن عَمرو وإبراهيم النخعي (3) أنهما قالا: تنقضه, ولا يُعلَم لهما موافق. وقد أنكرت عائشةُ على عبد الله قولَه, وقالت: "يا عجبا لابن عَمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن, أوَلا (4) يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن!؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ما أزيد أن أُفْرِغ على رأسي ثلاث إفراغات" رواه مسلم (5). وأما نقضه في غُسل الحيض فالمنصوص عن أحمد أنها تنقضه فيه (6). قال مهنّا: سألت أحمدَ عن المرأة تنقض شعرَها [إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا. فقلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، حديث أمّ سلمة. قلت: فتنقض شعرها] من الحيض؟ قال: نعم. قلت له: كيف تنقضه من الحيض ولا _________ (1) أخرجه أبو داود (251)، ومسلم (330)، والترمذي (105)، والنسائي (241)، وابن ماجه (603). (2) (252). (3) أثر عبد الله بن عمرو أخرجه مسلم (331)، والبيهقي في "الكبرى": (1/ 196)، وأثر النخعي أخرجه ابن أبي شيبة (799). (4) في الأصل: "ولا"، والمثبت من (ش) و"صحيح مسلم". (5) (331). (6) ونص عليه في رواية أبي داود (ص 29).

(1/144)


تنقضه من الجنابة؟ فقال: حدثت أسماء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تنقضه" (1). فاختلف أصحابُه في نصِّه هذا؛ فحملَتْه طائفةٌ منهم على الاستحباب, وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة. وأجرَتْه طائفة على ظاهره, وهو قول الحسن وطاوس. وهو الصحيح, لِمَا احتجَّ به أحمد من حديث عائشة: "أن أسماء سألت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرها فتطهَّر, فتحسن الطهور, ثم تصبُّ على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤونَ رأسِها" الحديث. رواه مسلم (2). وهذا دليل على أنه لا يُكتفَى فيه بمجرّد إفاضة الماء كغسل الجنابة, ولا سيما فإن في الحديث نفسه: وسألته عن غُسل الجنابة فقال: "تأخذ ماء فتطهّر (3) فتحسن الطهور, أو تُبْلِغ الطهور, ثم تصبّ على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤونَ رأسِها. ثم تُفِيض عليها الماء"، ففرَّق بين غُسل الحيض والجنابة في هذا الحديث، وجعل غُسل الحيض آكد. ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمِّن لنقضه. _________ (1) ذكر الرواية في "المغني": (1/ 298)، وابن تيمية في "شرح العمدة": (1/ 404، 406) وما بين المعكوفين منهما. ووقع في "المغني": "لا تنقضه" وهو خطأ، وقد علّق ابن تيمية على كلمة "تنقضه" بقوله: "وإن لم تكن هذه اللفظة فيه (أي في حديث أسماء) والسياق الذي ذكرناه في المسألة قبل هذه، لكن فيه ذِكْر السدر، والسدر إنما يستعمل مع نقضٍ". (2) (332). (3) كتب بعده في الأصل: "به" ثم ضرب عليه، وليس هو في "صحيح مسلم"، ولا في نسختي (ش، ن)، ولم ينتبه محققا الطبعتين فأثبتاه.

(1/145)


وفي وجوب السدر قولان, هما وجهان لأصحاب أحمد (1). وفي حديث عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها إذ كانت حائضًا: "خذي ماءَك وسدرَك وامتشطي" (2). وللبخاري (3): "انقضي رأسَكِ وامتشطي". وقد روى ابن ماجه (4) بإسناد صحيح عن عروة، عن عائشة: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها, وكانت حائضًا: "انقضي شعرك واغتسلي". والأصل نقض الشعر لتيقّن وصول الماء إلى ما تحته, إلا أنه عُفي عنه في غُسل الجنابة لتكرُّره ووقوع المشقَّة الشديدة في نقضه, بخلاف غُسل الحيض, فإنه في الشهر أو الأشهر مرة, ولهذا أمر فيه بثلاثة أشياء لم يأمر بها في غسل الجنابة: أخْذ السدر, والفُرْصة المُمَسَّكة, ونقض الشعر. ولا يلزم من كون السدر والمسك مستحبًّا أن يكون النقض كذلك, فإن الأمر به لا معارِض له, فبأيّ شيء يُدفع وجوبُه؟ فإن قيل: يُدفع وجوبه بما رواه مسلم في "صحيحه" (5) من حديث أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله, إني امرأة أشدّ ضُفْر (6) رأسي, أفأنقضه _________ (1) ينظر "الفروع": (1/ 267). (2) بهذا اللفظ مذكور في "المغني": (1/ 299) وغيره من كتب المذهب، ولم أجده بهذا السياق، وقد أخرج الدارميّ (800)، وابن الجارود (117) عن عائشة قالت: سألت امرأةٌ من الأنصار النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الحائض إذا أرادت أن تغتسل من المحيض قال: "خذي ماءَك وسِدْرَك ... ". (3) (316). وهو في مسلم أيضًا (1211). (4) (641). وقال البوصيري: رجاله ثقات. (5) (330). (6) في الأصل و (ش) هنا وفي مواضع أخرى: "ظفر" بالظاء المشالة، وصوابه بالضاد.

(1/146)


للحيضة والجنابة؟ قال: "لا, إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهُرين". وفي "الصحيح" (1) عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد, وما أزيد على أن أُفْرغ على رأسي ثلاثَ إفراغات". وفي حديث أبي داود (2): أن امرأة جاءت إلى أم سلمة فسألت لها النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الغسل، وقال فيه: "واغمزي قرونَك عند كلِّ حَفْنَة". وحديث عائشة وإنكارها على عبد الله بن عَمرو أمْرَ النساء بنقض رؤوسهن دليلٌ على أنه ليس بواجب. قيل: لا حجة في شيء من هذا؛ أما حديث أم سلمة فالصحيح فيه الاقتصار على ذِكْر الجنابة دون الحيض, وليست لفظة "الحيضة" فيه محفوظة, فإن هذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وعَمرو الناقد وابنُ أبي عمر, كلهم عن ابن عُيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة قلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, إني امرأة أشدُّ ضُفْرَ رأسي، أفأنقضُه لغُسل الجنابة؟ فقال: "لا".ذَكَره _________ (1) أخرجه مسلم (331). (2) (252)، والبيهقي: (1/ 181) من طريق أسامة بن زيد الليثي عن المقبري عن أم سلمة به. وأخرجه مسلم (330)، وأبو داود (251)، والترمذي (105)، والنسائي (24)، وابن ماجه (603). وهي غير محفوظة وسيأتي كلام المؤلف عليها. قال البيهقي: رواية أيوب بن موسى أصح من رواية أسامة بن زيد، وقد حفظ في إسناده ما لم يحفظ أسامة بن زيد.

(1/147)


مسلم (1) عنهم. وكذلك رواه عَمرو الناقد، عن يزيد بن هارون، عن الثوري، عن أيوب بن موسى. ورواه عَبْد بن حُميد، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن أيوب, وقال: "أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ " (2). قال مسلم (3): وحدثنيه أحمد الدارمي، أخبرنا زكريا بن عدي، أخبرنا (4) يزيد يعني ابنَ زُرَيع، عن رَوْح بن القاسم, قال: حدثنا أيوب بهذا الإسناد وقال: "أَفأحُلّه وأغسله من الجنابة؟ " ولم يذكر "الحيضة". فقد اتفق ابنُ عيينة ورَوحُ بن القاسم عن أيوب, فاقتصرا على الجنابة. واخْتُلِفَ فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابنُ عيينة ورَوح، وقال عبد الرزاق عنه: "أفأنقضه للحيضة والجنابة". وروايةُ الجماعة أولى بالصواب, فلو أن الثوريّ لم يُخْتَلَف عليه لترجَّحت رواية ابن عيينة ورَوْح, [ق 31] فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟! ومن أعطى النظرَ حقَّه عَلِم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث. وأما حديث عائشة: "أنها كانت تُفرغ على رأسها ثلاث إفراغات" (5) فإنما ذلك في غُسل الجنابة, كما يدلُّ عليه سياق حديثها, فإنها وصفت _________ (1) (330). (2) رواية يزيد بن هارون عن الثوري أخرجها أحمد (26677). ورواية عبد الرزاق عن الثوري في "المصنف": (1/ 272). (3) (330). (4) في (ش) و"الصحيح": "حدثنا". (5) تقدم تخريجه.

(1/148)


غُسلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما كانت تغتسل معه من الجنابة التي يشتركان فيها, لا من الحيض, فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يغتسل معها من الحيض. وهذا بيِّن. وأما حديث أم سلمة الذي ذكره أبو داود وفيه: "واغمزي قرونك" فإنما هو في غُسل الجنابة. وعنه وقع السؤال كما هو مصرَّح به في الحديث. فإن قيل: فحديث عائشة الذي استدللتم به ليس فيه أمرها بالغسل, إنما أمرها بالامتشاط, ولو سلمنا أنه أمرها بالغُسل فذاك غُسل الإحرام لا غسل الحيض, والمقصود منه التنظُّف وإزالة الوَسَخ, ولهذا تؤمر به الحائض حال حَدَثها. ولو سلمنا أنه أَمَر الحائضَ بالنقض وجب حملُه على الاستحباب جمعًا بين الحديثين, وهو أولى من إلغاء أحدهما والمصير إلى الترجيح. فالجواب: أما قولكم ليس فيه أمْرُها بالغسل ففاسد, فإنه قال: "خذي ماءَك وسِدْرَك" وهذا صريح في الغسل, وقوله: "انقضي رأسك وامتشطي" أمرٌ لها في غسلها بنقض رأسها لا أمر بمجرَّد النقض والامتشاط. وأما قولكم: إنه كان في غسل الإحرام فصحيح, وقد بينَّا أن غُسل الحيض آكد الأغسال، وأَمَر فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهُّر والمبالغة فيه, فأَمْرُها بنقضِه ــ وهو غير رافعٍ لحَدَث الحيض ــ تنبيهٌ (1) على وجوب نقضه إذا كان رافعًا لحدَثِه بطريق الأولى. وأما قولكم: إنه يُحْمَل على الاستحباب جمعًا بين الحديثين، فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك الزيادة التي تنفي النقضَ للحيض, وقد تبين أنها غير _________ (1) (ش): "تعينه" تحريف.

(1/149)


ثابتة, وأنها ليست محفوظة. 33/ 248 - عن شُرَيح بن عبيد قال: أفتاني جُبير بن نُفير عن الغسل من الجنابة: أن ثوبان حدَّثهم أنهم استفتوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "أما الرجل فليَنْشُر رأسه فليغسِلْه حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقُضَه، لتغرفْ على رأسها ثلاث غَرَفات بِكَفَّيها" (1). في إسناده محمد بن إسماعيل بن عيَّاش وأبوه، وفيهما مقال. قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا الحديث رواه أبو داود من حديث [محمد بن] (2) إسماعيل بن عيّاش، عن أبيه، عن ضمضم بن زُرْعة، عن شُريح بن عُبيد، عن جُبَير بن نُفَير، عن ثوبان. وهذا إسناد شاميّ, وأكثرُ أئمة الحديث (3) يقول: حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح, ونصَّ عليه أحمدُ بن حنبل (4) - رضي الله عنه -.

  21 - باب إتيان الحائض (5)

34/ 257 - عن ابن عباس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الذي يأتي امرأتَه وهي حائض _________ (1) أخرجه أبو داود (255) وهو من مفاريده. وإسناده حسن. (2) سقطت من النسخ، والإكمال من "السنن". (3) (ش): "أهل العلم بالحديث". (4) ينظر "الكامل": (1/ 292) لابن عدي. (5) كذا عنوان الباب في مخطوطة المختصر، وأصل المجرّد. وفي طبعة المختصر و"السنن": "باب في إتيان الحائض". ثم إنه ورد هذا الباب في أصل المجرّد بعد حديث ميمونة في الباب التالي وقبل حديث عائشة من نفس الباب، وهو خلل في الترتيب، وأثبتناه هنا حسب ترتيب "السنن" و"المختصر".

(1/150)


قال: "يتصدَّق بدينار أو نصف دينار". قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة؛ قال: "دينار أو نصف دينار". وربما لم يرفعه شعبة. قال ابن القيم - رحمه الله -: قول أبي داود: "هكذا الرواية الصحيحة" يدلَّ على تصحيحه للحديث, وقد حكم أبو عبد الله الحاكم بصحته, وأخرجه في "مستدركه" (1) , وصحَّحه ابنُ القطان (2) أيضًا, فإن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب أُخرج له في "الصحيحين" ووثَّقه النسائيُّ (3). وأما مِقْسَم فاحتجّ به البخاريُّ في "صحيحه" (4) , وقال فيه أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به (5). وأما أبو محمد بن حزم (6) فإنه أعلَّ الحديث بمِقْسَم وضعَّفه. وهو تعليلٌ فاسد, وإنما علَّته المؤثِّرة وقفه. وقد رواه الطبراني (7) من طريق سفيان الثوري، عن عبد الكريم وعلي بن بَذِيمة وخُصَيف، عن مِقْسَم، عن ابن _________ (1) (1/ 171 - 172). (2) في "بيان الوهم والإيهام": (5/ 274، 277). (3) ترجمته في "تهذيب التهذيب": (6/ 119). واسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. (4) كما في (3954، 4595). (5) "الجرح والتعديل": (8/ 414). (6) في "المحلى": (2/ 188). (7) لم أجده عند الطبراني في "معاجمه"، فلعله تصحيف عن الدارقطني، فقد أخرجه من هذه الطريق في "سننه" (3746، 3747)، وأخرجه ابن المنذر في "الأوسط": (2/ 212)، والبيهقي أيضًا: (1/ 316). وقال: خصيف الجزري غير محتجّ به.

(1/151)


عباس, فهؤلاء أربعة عن مِقْسم. وعبدُ الكريم قال شيخنا أبو الحجَّاج المِزّي (1): هو ابن مالك الجَزَري. وقد رواه شَريك، عن خُصَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "في الذي يأتي أهلَه حائضًا يتصدّق بنصف دينار". رواه النسائي (2). وأعلَّه أبو محمد بن حزم (3) بشريك وخُصيف. قال: كلاهما ضعيف, فسقط الاحتجاج به. وشَريك هذا هو القاضي, قال يزيد (4) بن الهيثم: سمعت يحيى بن معين يقول: شريك ثقة, وقال أيضًا: قلت ليحيى بن معين: روى يحيى بن سعيد القطان عن شريك؟ قال: لم يكن شريك عند يحيى بشيء, وهو ثقة ثقة (5). وقال العجلي (6): ثقةٌ حَسَن الحديث. واحتجَّ به أهلُ السنن الأربعة, واستشهد به البخاريُّ, وروى له مسلم في المتابعات. وأما خُصَيف فقال ابن معين وابن سعد: ثقة. وقال النسائي: صالح روى له أهل السنن الأربعة. وفي رواية عن ابن معين: ليس به بأس. وعن أحمد _________ (1) في "تحفة الأشراف": (5/ 247). (2) في "الكبرى": (1065). (3) في "المحلى": (2/ 188). (4) الأصل: "زيد" تصحيف، وهو يزيد بن الهيثم أبو خالد الدقاق، ترجمته في "تاريخ بغداد": (14/ 349). وروايته عن يحيى مطبوعة. (5) رواية الدقاق (31، 32). وصححّ في الأصل على "ثقة" الثانية. (6) في "الثقات": (1/ 453).

(1/152)


قال: ليس بالقوي في الحديث. وعن عليِّ بن المديني: سمعت يحيى يقول: كنا نجتنب خُصَيفًا (1). وروى عبدُ الملك بن حبيب، أخبرنا أصبغ بن الفرج، عن السبيعي، عن زيد بن عبد الحميد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب وطئ جاريةً, فإذا بها (2) حائض, فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره, فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تصدَّق بنصف دينار" (3). وأعلَّ ابنُ حزم (4) هذا الحديث بعبد الملك بن حبيب وبالسبيعي, وذكر أنه لا يُدْرَى مَن هو! وهذا تعليل باطل, فإن عبد الملك أحد الأئمة الأعلام, ولم يلتفت الناسُ إلى قول ابن حزم فيه. وأما السَّبيعي فهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. وقد روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث في "مسنده" (5) عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن زيد بن عبد الحميد. وعيسى هذا احتجَّ به الأئمةُ الستة ولم يُذكر بضَعْف. _________ (1) ينظر: "تهذيب التهذيب": (3/ 143 - 144). (2) (ش): "فإذا هي". (3) ذكره عبد الملك بن حبيب في "أدب النساء" (ص 102) وعلق إسناده إلى زيد بن عبد الحميد. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (98 - زوائده) من طريق عيسى بن يونس عن زيد بن عبد الحميد به. (4) "المحلى": (2/ 189). (5) كما في "المطالب العالية": (2/ 536).

(1/153)


وروى ابن حزم (1) من طريق موسى بن أيوب، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن علي بن بَذِيمة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَ رجلًا أصابَ حائضًا بعتق نسمة" وأعلَّه بموسى بن أيوب, وقال: هو ضعيف. وموسى بن أيوب هذا هو النصيبي الأنطاكي, روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيّان وأحمد بن صالح العجلي, وقال: ثقة (2). وقال أبو حاتم الرازي: صدوق (3). روى له أبو داود والنسائي.

  22 - بابٌ يصيب منها (أي: من الحائض) دون الجماع (4)

35/ 261 - عن ميمونة - رضي الله عنها -: "أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُباشر المرأةَ من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين تَحْتَجِزُ به". وأخرجه النسائي (5). قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث ميمونة هذا يرويه الليثُ بن سعد، عن الزهري، عن حبيب مولى عروة، عن ندبة مولاة ميمونة، عن ميمونة. قال أبو _________ (1) في "المحلى": (2/ 189) وأعلّه أيضًا بعبد الرحمن بن يزيد. (2) في "الثقات": (2/ 303). (3) "الجرح والتعديل": (8/ 134 - 135). (4) كذا عنوان الباب في مخطوطة المختصر، وأصل المجرّد. وفي طبعة المختصر و"السنن": "باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع". (5) في ط. الفقي: "حسن، وأخرجه النسائي". وليس في مخطوطة المختصر (ق 41) قوله "حسن". والحديث أخرجه أبو داود (267)، والنسائي (287)، وأحمد (26850)، وابن حبان (1365).

(1/154)


محمد بن حزم (1): ندبة مجهولة لا تُعرَف, و (2) أبو داود يروي هذا الحديث من طريق الليث فقال: قال "نَدَبة" بفتح النون والدال, ومعمر يرويه يقول "نُدْبة" بضم النون وإسكان الدال, ويونس يقول: "بُدَيَّة" بالباء المضمومة والدال المفتوحة والياء (3) المشدّدة, كلهم يرويه عن الزهري كذلك, فسقط خبر ميمونة. تم كلامه. ولهذا الحديث طريق آخر: رواه ابن وهب، عن مَخْرمة بن بُكير، عن أبيه، عن كُرَيب مولى ابن عباس قال: سمعتُ ميمونةَ أم المؤمنين قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضطجع معي وأنا حائض, وبيني وبينه ثوب" رواه مسلم في "الصحيح" (4) عن ابن السرح وهارون الأيلي, ومحمد بن عيسى, ثلاثتهم عن ابن وهب به. وأعلَّ أبو محمد بن حزم (5) هذا أيضًا بعلتين, إحداهما: أن مخرمة لم يسمع من أبيه, والثانية: أن يحيى بن معين قال فيه: مخرمة ضعيف ليس حديثه بشيء. فأما تعليله حديث نَدَبة بكونها مجهولة، فإنها مدنية رَوَت عن مولاتها _________ (1) "المحلى": (2/ 179). (2) سقطت "الواو" من الأصل، وهي في ش و"المحلى". (3) في الأصل و (ش) والمطبوعات: "تدبة، بالتاء ... والباء" وهو تصحيف، والصواب ما أثبت، كما في "المحلى"، وينظر "تهذيب التهذيب": (12/ 405)، و"تبصير المنتبه": (1/ 72). (4) (295). (5) "المحلى": (2/ 179).

(1/155)


ميمونة وروى عنها حبيب, ولم يُعلَم أحدٌ جرحَها (1). والراوي إذا كانت هذه حاله إنما يُخْشَى منه تفرُّدُه بما لا يُتابَع عليه، فأما إذا روى ما رواه الناس وكان لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا ولا يردّونه ولا يعللونه بالجهالة, فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه لما هو أثبت منه وأشهر علَّلوه بمثل هذه الجهالة وبالتفرُّد. ومَن تأمّل كلامَ الأئمة رأى فيه ذلك, فيظن أن ذلك تناقضٌ منهم، وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم, فيجب التنبُّه لهذه النكتة, فكثيرًا ما تمرُّ بك في الأحاديث ويقع الغلط بسببها. وأما مَخْرمة بن بُكير (2) فقد قال أحمد وابن معين: إنه لم يسمع من أبيه شيئًا, إنما يروي عن كتاب أبيه, ولكن قال أحمد: هو ثقة, وقال أبو حاتم الرازي: سألتُ إسماعيل بن أبي أويس: هذا الذي يقول مالك: حدثني الثقة, من هو؟ قال: مخرمة بن بُكَير بن الأشج. وقال إسماعيل بن أبي أويس: وجدتُ في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة بن بكير: ما يحدِّث به عن أبيه, سمَعه من أبيه؟ فحلف لي وقال: [ق 32] وربِّ هذا البيت ــ يعني المسجد ــ سمعتُ من أبي. وقال مالك: كان رجلًا صالحًا, وقال النسائي: ليس به بأس, وقال أحمد بن صالح: كان من ثقات المسلمين. _________ (1) ذكرها ابن حبان في "الثقات": (5/ 487)، وقال ابن حجر في "التقريب": مقبولة، وذكرها الذهبي في "الميزان": (4/ 610) في عداد المجهولات. (2) ترجمة مخرمة في "تاريخ الدوري": (2/ 553 - 554) وضعَّفه ابن معين، و"سؤالات ابن الجنيد" (ص 227)، و"العلل" (5592، 5593، 4119) لعبد الله بن أحمد، و"الجرح والتعديل": (8/ 363)، و"تهذيب التهذيب": (10/ 70). والظاهر أنه لم يسمع من أبيه إلا شيئًا يسيرًا، وروايته عن أبيه وجادة.

(1/156)


36/ 265 - وعن عائشة أنها قالت: "كنتُ إذا حِضْت نزلتُ عن المثال على الحصير، فلم نَقْرَب رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم نَدْنُ منه حتى نطهُر" (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أبو محمد بن حزم (2): أما هذا الخبر فإنه من طريق أبي اليمان كثير بن اليمان الرحَّال, وليس بالمشهور, عن أم ذَرَّة وهي مجهولة, فسقط. وما ذكره ضعيف؛ فإن أبا اليمان هذا ذكره البخاريُّ في "تاريخه" (3) , فقال: سمع أمَّ ذرَّة, روى عنه أبو هاشم عمَّار بن هاشم وعبد العزيز الدراوردي. وذكره ابن حبان في "الثقات" (4) , وقال: يروي عن أمّ ذَرّة [و] عن شداد بن أبي عمرو. وأمّا أمّ ذَرَّة (5) فهي مدنيَّة, رَوَت عن مولاتها عائشة وعن أمِّ سلمة, وروى عنها محمد بن المنكدر وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص وأبو اليمان كثير بن اليمان. فالحديث غير ساقط. _________ (1) أخرجه أبو داود (271)، وهو من مفاريده، من طريق أبي اليمان كثير بن يمان عن أمّ ذَرَّة عنها به. قال ابن رجب: "أبو اليمان وأم ذَرَّة ليسا بمشهورَين، فلا يُقبل تفرّدهما بما يخالف رواية الثقات الحفاظ الأثبات". "فتح الباري": (1/ 418 - 419). وضعَّفه الألباني. (2) "المحلى": (2/ 177). (3) (7/ 212 - 213). وينظر "الجرح والتعديل": (7/ 158). (4) (7/ 351). (5) وقد وثقها العجلي: (2/ 461)، وقال الحافظ في "التقريب": مقبولة. ترجمتها في "تهذيب الكمال": (8/ 594).

(1/157)


 23 - بابٌ المرأة تُسْتَحاض (1)

37/ 277 - عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حُبيش أنها كانت تُسْتَحاض، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان دم الحيضة (2) فإنه أسود يُعرَف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عِرْق". حسن. وأخرجه النسائي (3). قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث عُروة عن فاطمة هذا قال ابن القطان (4): منقطع, لأنه انفرد به محمد بن عَمرو، عن الزُّهري، عن عروة, ورواه عن محمدِ بن عمرو محمدُ بن أبي عدي مرتين: إحداهما من كتابه هكذا، والثانية زاد فيه "عائشة" بين عروةَ وفاطمةَ، وهذا متصل, ولكن لما حدَّث به من _________ (1) هذا الباب في "السنن" بلفظ: "باب في المرأة تُستحاض، ومن قال: تدع الصلاةَ في عدة الأيام التي كانت تحيض"، ثم بوّب بعده: "باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة"، ويليه: "باب مَن قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة"، وفي هذا الثالث ورد الحديث الآتي. ولكن المنذري جمع أحاديث الأبواب الثلاثة تحت باب واحد في "مختصره". (2) في مخطوطة المختصر إشارة إلى أنه في نسخة: "دم الحيض". (3) أخرجه أبو داود (286)، والنسائي (215). قوله: "وأخرجه النسائي" في مخطوطة المختصر لَحَق موضعه قبل قوله: "حسن"، ولعل الصواب ما أثبتناه. وتحسين المنذري ساقط من طبعة الفقي. (4) في "بيان الوهم والإيهام": (2/ 457 - 479). وقال البيهقي: (1/ 325) عن عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: كان ابن أبي عدي حدثنا به عن عائشة ثم تركه. وقال النسائي: قد روى هذا الحديث غير واحد لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابنُ أبي عدي. وقال أبو حاتم في "العلل" (117): "لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر".

(1/158)


[ق 33] كتابه منقطعًا ومن حفظه متصلًا، فزاد "عائشة" أورثَ ذلك نظرًا فيه. وقد جاء في "سنن أبي داود" مصرّحًا به أنه أخذه من عائشة لا من فاطمة. وروى أبو داود (1) من حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بُكَير بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة: أن فاطمة حدثَتْه أنها سألَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. لكنّ المنذر (2) مجهول, قاله أبو حاتم الرازي (3). والحديثُ عند غير أبي داود معنعن, لم يقل فيه: "إن فاطمة حدثته". قال: وكذلك حديث سُهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة: حدثتني فاطمةُ "أنها أمرَتْ أسماءَ، أو أسماءُ حدثتني أنها أمرَتْها (4) فاطمةُ أن تسأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -" فهو مشكوك فيه في سماعه من فاطمة. قال: وفي متن الحديث ما أُنْكِر على سُهيل, وعُدّ مما ساء حفظه فيه, وظهر أثر تغيُّره عليه. وذلك لأنه أحال فيه على الأيام, قال: "فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد", قال: والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم وعلى القروء. تمّ كلامه. وهذا كلُّه عَنَت ومناكَدَة من ابن القطان؛ أما قوله: "إنه منقطع" فليس كذلك, فإنّ محمد بن أبي عَدي مكانه من الحفظ والإتقان معروف لا _________ (1) (280). (2) في الأصل و (ش، هـ): "المغيرة" تصحيف أو سبق نظر إلى اسم الأب. وسيتكرر الخطأ في الصفحة الآتية. (3) كما في "الجرح والتعديل": (8/ 242). (4) الأصل و (ش): "أمرت"، والتصويب من "السنن" (281). وانظر "الكبرى": (1/ 331) للبيهقي.

(1/159)


يُجْهَل. وقد حفظه وحدَّث به مرةً عن عروة، عن فاطمة. ومرّةً عن عائشة، عن فاطمة. وقد أدرك كلتيهما وسمع منهما بلا ريب, ففاطمة بنت عمه، وعائشة خالته، فالانقطاع الذي رَمى به الحديثَ مقطوعٌ دابِرُه, وقد صرَّح بأن فاطمة حدثَتْه به. وقوله: "إن المنذر (1) جَهَّله أبو حاتم" لا يضره ذلك, فإنّ أبا حاتم الرازي يجهِّل رجالًا وهم ثقات معروفون, وهو متشدِّد (2) في الرجال. وقد وثّق المنذرَ جماعةٌ وأثنوا عليه وعرفوه (3). وقوله: "الحديث عند غير أبي داود معنعن", فإن ذلك لا يضرّه, ولا سيَّما على أَصْله في زيادة الثقة, وقد صرَّح سهيلٌ، عن الزهري، عن عروة قال: حدثتني فاطمةُ. وحَمْلُه على سهيل، وأن هذا مما ساء حفظُه فيه= دعوى باطلة, وقد صحَّح مسلمٌ وغيرُه حديثَ سُهَيل. وقوله: "إنه أحال فيه على الأيام, والمعروف الإحالة على القروء والدم"، كلامٌ في غاية الفساد, فإنّ المعروف الذي في "الصحيح" (4) إحالتها على الأيام التي كانت تحتسِبُها حيضها, وهي القرء بعينها, فأحدهما يصدِّق _________ (1) في الأصل و (ش، هـ): "المغيرة" تصحيف، وكذا في الموضع بعده. (2) ش: "يُشدّد". (3) لم أجد مَن وثَّقه غير ابن حبان حيث ذكره في "الثقات": (7/ 480). وقال الذهبي في "الكاشف": (2/ 295): "وُثِّق". وقال في "الميزان": (4/ 182): "لا يُعرف وبعضهم قوَّاه". وذكره في "المغني": (2/ 677) وقال: "لا يُعرف". وقال الحافظ: "مقبول". يعني: حيث يُتابَع. (4) البخاري (325)، ومسلم (334/ 65 - 66).

(1/160)


الآخر. وأما إحالتها على الدم فهو الذي يُنْظَر فيه, ولم يروه أصحاب الصحيح, وإنما رواه أبو داود والنسائي, وسأل عنه ابنُ أبي حاتم أباه فضعَّفه وقال: هذا منكر (1) , وصححه الحاكم (2). 38/ 278 - عن حَمْنة بنت جحش - رضي الله عنها - قالت: كنتُ أُستحاض حيضةً كثيرة شديدة، فأتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله، إني (3) أُستحاض حيضةً كثيرة شديدة، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم. فقال: "أنعَتُ لكِ الكُرْسفَ، فإنه يُذهب الدمَ". قلت (4): هو أكثر من ذلك. قال: "فاتخذي ثوبًا". قالت: هو أكثر من ذلك إنما أثجّ ثجًّا. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سآمرك بأمرين أيهما فعلتِ أجزأ عنكِ من الآخر، وإن قويتِ عليهما فأنتِ أعْلَم". قال لها: "إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتَحَيَّضي ستةَ أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى ذِكْرُه، ثم اغتسلي حتى إذا رأيتِ أنكِ قد طَهُرت واستنقأت فصلِّي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها (5)، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كلَّ (6) شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويتِ على أن تؤخري الظهر وتعجِّلي العصرَ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخِّرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، _________ (1) سبق تخريجه وذكر كلام أبي حاتم. (2) في "المستدرك": (1/ 174). (3) بعده في "السنن": "امرأة". (4) كذا في مخطوطة المختصر، وفي "السنن" وط. الفقي: "قالت". (5) بعده في "السنن": "وصُومي". (6) في "السنن": "في كلّ".

(1/161)


وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرتِ على ذلك". قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وهذا أعجب الأمرين إليَّ". وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه (1). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أيضًا: وسألت محمدًا ــ يعني البخاري ــ عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: رواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل، فقال: "قالت حمنة هذا أعجب الأمرين إليّ" لم يجعله قول النبي - صلى الله عليه وسلم -[جعله كلام حمنة]. قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيًّا. وذكره عن يحيى بن معين. هذا آخر كلامه. وعمرو بن ثابت ــ هذا ــ هو أبو ثابت، ويعرف بابن أبي المقدام، كوفي، لا يحتج بحديثه. قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث مداره على ابن عقيل, وهو عبد الله بن محمد بن عقيل, ثقة صدوق لم يُتكلَّم فيه بجرحٍ أصلًا. وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديثه, والترمذيُّ يصحِّح له, وإنما يُخْشى من حفظه إذا تفرّد (2) عن الثقات أو خالفهم, فأما إذا لم يخالف الثقات ولم يتفرّد بما يُنْكَر عليه فهو حجة. وقال البخاري في هذا الحديث: هو حديث حسن, وقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح (3). وأما ابن حزم (4) فإنه أعلّه بأن قال: لا يصح, لأن ابن جُرَيج لم يسمعه _________ (1) أخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128)، وابن ماجه (622)، وأحمد (27474). (2) كذا في الأصل و (ش)، وفي المطبوعتين "انفرد". (3) نقلها الترمذي في "الجامع"، عقب الحديث (128). (4) في الأصل و (ش) والمطبوعتين: "خزيمة"، وهو تحريف صوابه ما أثبتناه، وكلام ابن حزم في "المحلى": (2/ 194).

(1/162)


من ابن عقيل، ثم ذَكَر عن الإمام أحمد أنه قال: قال ابن جريج: حُدِّثْتُ عن ابن عقيل، ولم يسمعه, قال أحمد: وقد رواه ابنُ جُرَيج عن النعمان بن راشد, قال أحمد: والنعمانُ يُعْرَف فيه الضعف (1). وقال ابن منده: لا يصح هذا الحديث عندهم مِن وجهٍ من الوجوه, لأنه من رواية عبد الله بن محمد بن عَقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه. والجواب عن هذه العلل: أما قوله: "إن ابن جريج لم يسمعه من ابن عَقيل وأن بينهما النعمان بن راشد" فجوابه: أن النعمان بن راشد ثقة. أخرج له مسلم في "صحيحه" (2) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه, واستشهد به البخاري (3) , وقال: "في حديثه وهم كثير, وهو صدوق" (4). وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في "الضعفاء"، فسمعتُ أبي يقول: يُحوَّل اسمُه منه (5). فقد عادت علة هذا _________ (1) كلام أحمد في "العلل" (5271) لابنه. (2) (1435). (3) (1475). (4) في "الضعفاء" (ص 132). (5) "الجرح والتعديل": (8/ 449). لكن حُكْم المؤلف بكونه ثقة بإطلاق، فيه نظر؛ فقد ضعَّفه جدًّا يحيى القطان، وضعَّفه أبو داود والنسائي وابن معين (في رواية لهما) والعقيلي، وقال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير. أما من قَوّى أمره ففي رواية عن ابن معين أنه قال: ثقة، وقال النسائي: صدوق فيه ضعف، وقال ابن عدي: احتمله الناس. ينظر "تهذيب التهذيب": (10/ 452)، و"الميزان": (4/ 265).

(1/163)


الحديث إلى النعمان بن راشد و [عبد الله بن] (1) محمد بن عقيل, وابنُ عَقيل قد تقدَّم عن الترمذي أن الحميديَّ وإسحاق والإمام أحمد, كانوا يحتجون بحديثه. ودعوى ابنِ منده الإجماعَ على تركِ حديثه غلطٌ ظاهر منه. ونحن نستوفي الكلامَ على هذا الحديث بعون الله فنقول: قال الدارقطني في "العلل" (2): "اختلف عن (3) عبد الله بن محمد بن عقيل في هذا الحديث, فرواه أبو أيوب الإفريقي عبد الله بن عليّ (4)، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر, قال: ووهم فيه. وخالفه عُبيد الله بن عمر (5) وابن جُرَيج وعَمرو بن ثابت وزهير بن محمد وإبراهيم بن أبي يحيى, فرووه عن ابن عَقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنة بنت جحش" (6). ورواه ابن ماجه في "سننه" (7) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، _________ (1) ما بين المعكوفين سقط من الأصل، ووقع في المطبوعتين "ومحمد بن بن عقيل"! (2) (4067). (3) ش: "على". (4) وقع في الأصل و (ش، هـ) والمطبوعتين: "الإفريقي عن عبد الله بن عمر" وهو إقحام وتصحيف، وصوابه: "الإفريقي: عبد الله بن علي" لأن أبا أيوب الإفريقي هو عبد الله بن علي، وليس يروي عن شخص اسمه "عبد الله بن عمر". وانظر "علل الدارقطني" (4067)، و"تهذيب الكمال": (15/ 324) ترجمة أبي أيوب الإفريقي. (5) كذا في الأصل و (ش، هـ) والمطبوعتين ونسخة "العلل" للدارقطني، وصوابه: "عمرو"، وانظر "الاتحاف": (16/ 920). وزاده بعده في "العلل": "شريك". (6) قال الدارقطني عقبه: "وهو الصحيح". (7) كذا ساق المؤلف هذين الإسنادين، وهو تكرار لسندٍ واحد، ولعله أراد أن يسوق أولًا ما في ابن ماجه (627) من طريق يزيد بن هارون، عن شريك، عن ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمّه عمران بن طلحة عن أمه حمنة به. وثانيًا ما في ابن ماجه أيضًا (622) من طريق محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق عن ابن جريج (بالإسناد الذي ساقه المصنف مكررًا" وفيه "عن عمر بن طلحة". وانظر "تحفة الأشراف": (11/ 294).

(1/164)


عن ابن جُريج، عن ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمر بن [ق 34] طلحة، عن أمه حَمْنة بنت جحش. ورواه ابن ماجه في "سننه" (1) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن ابن عَقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمر بن طلحة، عن أم حبيبة. وكذلك رواه الترمذي في "جامعه" (2) وقال: "إن ابن جريج قال: عمر بن طلحة", قال: ورواه عُبيد الله بن عمرو (3) الرقّي وشَريك, وذكر أنهما قالا: عمران بن طلحة. ورواه الترمذي (4) من طريق زهير بن محمد، عن ابن عقيل فقال: "عمران بن طلحة", وقد تقدم في كلام الدارقطني (5) أن ابن جريج قال فيه: "عمران بن طلحة", وهو الصواب. فوقع الغلط من عمران بن طلحة إلى عمر بن طلحة. وتعلَّق أبو محمد بن حزم (6) في رَدّه بأن قال: رواتُه شريكٌ وزهير بن _________ (1) (622). (2) بعد رقم (128). (3) في الأصل: "عمر" خطأ، ووقع في (ش) على الصواب. (4) (128). (5) في "العلل" (4067). (6) في "المحلى": (2/ 194 - 195).

(1/165)


محمد, وكلاهما ضعيف عن عمرو بن ثابت, وهو ضعيف, قال: وعمر بن طلحة غير مخلوق, لا يُعرف لطلحة ابنٌ اسمه عمر. قال: والحارثُ بن أبي أسامة قد تُرِكَ حديثُه فسقط الخبر جملةً. وهذا تعلُّقٌ باطل؛ أما شَريك فقد تقدم (1) ذِكْره, وتوثيق الأئمة له. وأما زهير بن محمد فاحتجَّ به الشيخان وباقي الستة, وعن الإمام أحمد فيه أربع روايات (2): إحداها: أنه ثقة. والثانية: مستقيم الحديث. والثالثة: مقارب الحديث. والرابعة: ليس به بأس. وعن يحيى بن معين فيه ثلاث روايات (3): إحداها: صالح لا بأس به. والثانية: ثقة. والثالثة: ضعيف. وقال عثمان الدارمي: ثقة صدوق, وقال أبو حاتم: محلّه الصِّدْق, وقال يعقوب بن شيبة: صدوق صالح الحديث, وقال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير, وما رواه عنه أهل البصرة فإنه صحيح (4). وهذا الحديث قد رواه أبو داود والترمذي (5) من حديث أبي (6) عامر العَقَدي عبد الملك بن عمرو عنه, وهو بصري, فيكون على قول البخاري صحيحًا. وأما عَمرو بن ثابت فلم ينفرد به عن ابن عقيل, فقد تقدم مَن رواه _________ (1) (ص 152). (2) ينظر "موسوعة أقوال الإمام أحمد": (1/ 395 - 396). (3) ينظر "موسوعة أقوال ابن معين": (2/ 106). (4) ينظر الأقوال في "تهذيب الكمال": (9/ 414 - 418)، و"تهذيب التهذيب": (3/ 348 - 350). (5) أبو داود (287)، والترمذي (128). (6) في الأصل: "بن" تصحيف.

(1/166)


عن ابن عقيل, وأنهم جماعة، فلا يضرّ متابعة عَمرو بن ثابت لهم. وأما قوله: "عمر بن طلحة غير مخلوق", فقد ذكرنا أن هذا وهم ممن سماه عمر, وإنما هو عمران بن طلحة. وقوله: "الحارث بن أبي أسامة قد تُرِكَ حديثُه", فإنما اعتمد في ذلك على كلام أبي الفتح الأزديّ فيه (1) , ولم يُلْتَفَت إلى ذلك, وقد قال إبراهيم الحربي: هو ثقة, وقال البرقاني: أمرني الدارقطنيُّ أن أخرج عنه في الصحيح, وصحَّح له الحاكم, وهو أحد الأئمة الحُفّاظ.

  24 - باب ما رُوي أن المستحاضة تغتسل لكلّ صلاة

39/ 281 - عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش اسْتُحيضت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرها بالغُسْل لكلِّ صلاة (2). في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مختلَف في الاحتجاج بحديثه. قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي ــ ولم أسمعه منه ــ، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: اسْتُحِيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اغتسلي لكل صلاة" وساق الحديث. ورواه عبد الصمد، عن سليمان بن كثير _________ (1) يُنظر "لسان الميزان": (2/ 527). وقد قال الحافظُ في الأزديِّ: "ولا عبرة بقول الأزدي لأنه ضعيف، فكيف يُعتمد في تضعيف الثقات". "هدى الساري" (ص 386). (2) أخرجه أبو داود (292)، والدارمي (775)، وأحمد (26005)، والبيهقي: (1/ 350) من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة به، وابن إسحاق متكلّم فيه، وقد خالف أصحاب الزهري الثقات في قوله: "فأمرها بالغسل لكل صلاة".

(1/167)


قال: "توضّئي لكلِّ صلاة". وهذا وهم من عبد الصمد، والقول قول أبي الوليد. هذا آخر كلامه. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد ردَّ جماعةٌ من الحفَّاظ هذا وقالوا: زينب بنت جحش زوجة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم تكن مُسْتَحاضة, وإنما المعروف أن أختيها أم حبيبة وحمنة هما اللتان اسْتُحِيْضتا. وقال أبو القاسم السُّهَيلي (1): قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن نجاح: أمّ حبيبة كان اسمها زينب، فهما زينبان, غلبت على إحداهما الكنية, وعلى الأخرى الاسم (2). ووقع في "الموطأ" (3): "أن زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف". واسْتُشكِل ذلك بأنها لم تكن تحت عبد الرحمن, وإنما كانت عنده (4) أختُها أمّ حبيبة. وعلى ما قال السُّهَيلي عن ابن نجاح يرتفع الإشكال. 40/ 282 - وعن أبي سلمة ــ وهو ابن عبد الرحمن ــ قال: أخبرتني زينب _________ (1) في كتابه "الروض الأُنف": (4/ 163). (2) الذي في "الإصابة": (7/ 574) أن اسمها حبيبة، وكنيتها "أم حبيب، ويقال: أم حبيبة. وذكر فيه (7/ 670) أن يونس بن مغيث في شرحه للموطأ زعم أن أم حبيبة أو أم حبيب كان اسمها زينب، بل كل بنات جحش تسمّى زينب. وقال في "فتح الباري": (1/ 427) تعليقًا على رواية الموطأ: "قيل هو وهم (أي تسميتها زينب) وقيل: بل صواب وأن اسمها زينب وكنيتها أم حبيبة، وأما كون اسم أختها أم المؤمنين زينب فإنه لم يكن اسمها الأصلي وإنما كان اسمها "برّة" فغيّره النبي - صلى الله عليه وسلم - ... " ثم ردّ على من زعم أن بنات جحش كلهن تسمّى زينب بأنه لا دليل عليه. (3) (159). (4) (ش): "تحته".

(1/168)


بنت أبي سلمة: أن امرأةً كانت تُهْرَاق الدمَ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تغتسل عند كلِّ صلاة وتصلي. وأخبرني أن أم بكر أخبرته، أن عائشة قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطُّهْر: "إنما هي عرق ــ أو قال: عروق ــ". حسن (1). وأخرج ابنُ ماجه (2) حديث أم بكر فقط. قال محمد بن يحيى: يريد "بعد الطهر": بعد الغسل. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أعلَّ ابنُ القطَّان (3) هذا الحديثَ بأنه مرسل, قال: "لأن زينبَ ربيبةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - معدودةٌ في التابعيات, وإن كانت ولدت بأرض الحبشة، فهي [إنما] تروي عن عائشة وأمِّها أمِّ سلمة. وحديث: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ إلا على زوج" (4) ترويه عن أمها وعن أم حبيبة وعن زينب أزواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وكلّ ما جاء عنها عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مما لم تَذْكر بينها وبينه أحدًا لم تذكر سماعًا منه, مثل حديثها هذا, أو حديثها: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الدُّبّاء والحنتم. وحديثها في تغيير اسمها". وهذا تعليل فاسد, فإنها معروفة الرواية عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن أمّها وأمِّ حبيبة وزينب (5). وقد أخرج النسائيُّ هذا الحديث وابنُ ماجه (6) من روايتها عن أمِّ سلمة, والله أعلم. وقد حفظَتْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودخلت عليه وهو _________ (1) ساقط من المطبوع. (2) أخرجه أبو داود (293)، وابن ماجه (646)، وهو في "المسند" (24428). (3) في "بيان الوهم والإيهام": (2/ 549 - 550). (4) أخرجه البخاري (1280)، ومسلم (1486/ 58). (5) ينظر "الإصابة": (8/ 159)، و"صحيح سنن أبي داود ــ المخرّج" للألباني. (6) لم أقف عليه فيهما، وقد راجعت "تحفة الأشراف" فلم يذكره من حديثها.

(1/169)


يغتسل، فنضح في وجهها, فلم يزل ماءُ الشباب في وجهها حتى (1) كبرت (2).

  25 - [ق 35] باب ما جاء في وقت النُّفَساء

41/ 295 - عن مُسَّة ــ وهي الأزديّة ــ، عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: "كانت النفساء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا ــ أو أربعين ليلة ــ وكنّا نطلي على وجوهنا الوَرْس" تعني من الكَلَف. وأخرجه الترمذي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مُسَّة الأزدية. وقال: قال محمد بن إسماعيل: عليُّ بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة، ولم يعرف محمدٌ هذا الحديثَ إلا من حديث أبي سهل. وقال الخطابي: حديثُ مُسَّة أثنى عليه محمد بن إسماعيل قال: مسّة هذه أزدية. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى عنها أبو سهل كثير بن زياد, والحَكَم بن عُتَيبة, ومحمد بن عبد الله العرزمي, وزيد بن علي بن الحسين (4). _________ (1) رسمها في الأصل و (ش): "حين"، وفي المصادر كما أثبت. (2) أخرجه الزبير بن بكار في "المنتخب من كتاب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - (5)، وقال الحافظ في "الإصابة": (8/ 159): روّيناه في "القطعيات" يعني بنحوه وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب": (4/ 1855) بلفظه بلا إسناد. (3) أخرجه أبو داود (311)، والترمذي (139)، وابن ماجه (648)، وأحمد (26561). (4) قال الدارقطني: "لا تقوم بها حجة". وقال ابن القطان: "لا تعرف حالها ولا عينها ولا تعرف في غير هذا الحديث"، وقال الحافظ: مقبولة. ينظر "الميزان": (4/ 610)، و"التهذيب": (12/ 451)، و"بيان الوهم": (3/ 329).

(1/170)


 26 - باب الجُنُب يتيمم

42/ 313 - عن عَمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: اجتمعت غُنَيمة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا أبا ذر ابْدُ فيها". فبدوتُ إلى الرّبَذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمسَ والستّ، فأتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أبو ذر" فسكتُّ، فقال: "ثكلتك أمك أبا ذر! لأمِّك الويل! ". فدعا لي بجارية سوداء فجاءت بعُسٍّ فيه ماء، فسترتني بثوب واستترتُ بالراحلة واغتسلت، فكأني ألقيتُ عنِّي جبلًا. فقال: "الصعيد الطيب وَضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدتَ الماء فأمسَّه جلدك، فإن ذلك خير". وفي رواية: "غُنَيمة مِن الصدقة". وأخرجه الترمذي والنسائي (1). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال ابن القيم - رحمه الله -: وصحَّحه الدارقطنيُّ (2). وفي "مسند البزار" (3) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصعيدُ الطيِّب وضوءُ المسلم وإن لم يجد الماءَ عشرَ سنين, فإذا وجدَ الماءَ فليتقِ الله وَلْيُمِسَّه بشرتَه, فإن ذلك خير". وذكره ابنُ القطان (4) في باب "أحاديثَ ذَكَر أن أسانيدها صحاح". _________ (1) أخرجه أبو داود (332)، والترمذي (124)، والنسائي (322) مختصرًا، وأحمد (21304). (2) ينظر "العلل" (1423) ورجح فيه الرواية المرسلة، ونقل تصحيحه الحافظ في "الفتح": (1/ 446). (3) كما في "كشف الأستار" (310) وقال: "لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ومقدّمٌ ثقة". وصححه ابن القطَّان، لكن قال الدارقطني: الصواب أنه مرسل. وأخرجه البزار من حديث أبي ذر (3973). (4) في "بيان الوهم والإيهام": (5/ 266). وضعَّفه ابن القطان، قال: "للجهل بحال راويه عن أبي ذر" (5/ 670). وتعقبه ابن الملقن فذكر أن العجليّ وثقه. وصححه ابن حبان (1311)، والحاكم: (1/ 176 - 177)، وابن الملقن في "البدر المنير": (2/ 656). وقواه الحافظ في "الفتح": (1/ 235).

(1/171)


 27 - باب المجدور (1) يتيمم

43/ 317 - عن جابر ــ وهو ابن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: "خرجنا في سفر فأصاب رجلًا معنا حجرٌ، فشجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أُخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذْ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العِيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر، أو يعصب ــ شكّ موسى ــ على جُرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده" (2). فيه الزبير بن خُرَيق، قال الدارقطني: ليس بالقوي. وخُرَيق بضم الخاء المعجمة بعدها راء مهملة مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وقاف (3). قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أبو عليّ بن السَّكَن: لم يُسنِد الزبيرُ بن خُرَيق غيرَ حديثين, أحدهما هذا, والآخر عن أبي أمامة الباهلي (4) , وقال لي أبو _________ (1) كذا في "المختصر" وبعض نسخ "سنن أبي داود"، وفي بعضها: "المجروح". (2) أخرجه أبو داود (336)، والدارقطني (729) ونقل عن ابن أبي داود قوله: هذه سنة تفرّد بها أهل مكة وحملها أهل الجزيرة. (3) من قوله "فيه الزبير" إلى هنا ساقط من مطبوعة المختصر. (4) أخرجه الطبراني في "الكبير": (8/ 251) ولفظه: "ما كنت قريبًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا سمعته يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق ... " الحديث. قال في "المجمع": (10/ 148): رجاله رجال الصحيح غير الزبير بن خريق وهو ثقة". قلت: لم يوثقه غير ابن حبان، وتكلم فيه أبو داود والدارقطني.

(1/172)


بكر بن أبي داود: حديث الزبير بن خُرَيق أصح من حديث الأوزاعي, وهذا أمثل ما رُوي في المسح على الجبيرة. وحديث الأوزاعي الذي أشار إليه أبو بكر بن أبي داود: حديث ابن أبي العشرين عنه، عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابنَ عباس يخبر: أن رجلًا أصابه جُرح في رأسه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أصابه الاحتلام, فأُمِر بالاغتسال فاغتسل، فكُزَّ (1) فمات, فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -, فقال: "قتلوه, قتلهم الله, أولم يكن شفاء العِيِّ السؤال؟ ". قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح؟ " رواه ابن ماجه (2) عن هشام بن عمار عنه. قال البيهقي (3): وأصح ما في هذا حديث عطاء بن أبي رباح. يعني حديث الأوزاعي هذا. وأما حديث عليّ: "انكسرت إحدى زنديه فأمره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يمسح على الجبائر" (4) فهو من رواية عَمرو بن خالد، وهو متروك. رماه أحمد بن _________ (1) في "النهاية": (4/ 170): "الكُزاز: داء يتولّد من شدة البرد، وقيل: هو نفس البرد". (2) (572). وأخرجه الدارقطني (733)، والبيهقي: (1/ 227). قال البوصيري: هذا إسناد منقطع، قال الدارقطني: الأوزاعي عن عطاء مرسل. وأخرجه بنحوه من طرق أخرى عن الأوزاعي أبو داود (337)، وابن خزيمة (273)، وابن حبان (1314)، والحاكم: (1/ 178). (3) في "الكبرى": (1/ 228)، و"معرفة السنن والآثار": (1/ 300 - 302) باختصار وتصرف. (4) أخرجه ابن ماجه (657) بنحوه، والبيهقي في "معرفة السنن": (1/ 300)، و"الخلافيات" (840) وإسناده واهٍ. وانظر: "البدر المنير": (2/ 611 - 620)، و"التلخيص الحبير": (1/ 155 - 156).

(1/173)


حنبل ويحيى بن معين بالكذب. وذكر ابنُ عديّ (1) عن وكيع قال: كان عمرو بن خالد في جوارنا يضع الحديث، فلما فُطِنَ له تحوَّل إلى واسط. وقد سرقه عُمر بن موسى بن وجيه، فرواه عن [زيد بن] (2) عليّ مثله, وعمر هذا متروك منسوب إلى الوضع. ورُوي بإسنادٍ آخر لا يثبت (3). قال البيهقي (4): وصحّ عن ابن عمر المسح على العِصابة موقوفًا عليه, وهو قول جماعة من التابعين. * * * _________ (1) في "الكامل": (5/ 123). (2) رسمها في الأصل: "زينب" غير محررة، وزادها في ط الفقي إشكالًا فغيَّرها إلى: "زينب بنت"! (3) أخرج الطريق الآخر البيهقي في "الخلافيات": (2/ 502 - 503) وفي إسناده عبد الله بن محمد البلوي، قال البيهقي: "مجهول، رأينا في أحاديثه المناكير". (4) ينظر "الخلافيات": (2/ 504)، و"الكبرى": (1/ 228).

(1/174)


 كتاب الصلاة

  1 - بابٌ في الأذان قبل دخول الوقت

44/ 501 - عن بلال: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «لا تُؤذِّن حتّى يَستبينَ لكَ الفجرُ هكذا» ومدّ يديه عرضًا (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: قال أبو داود ــ في رواية ابن داسة ــ: «شدَّاد مولى عياض لم يدرك بلالًا» (2). وهذا من روايته عنه.

  2 - باب المرأة تصلي بغير خِمار

45/ 612 - عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يقبلُ الله عز وجل صلاةَ حائضٍ إلا بخِمار». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: حديث حسن. وقال أبو داود: رواه سعيد ــ يعني ابن أبي عَروبة ــ عن قَتادة، عن الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن القيم - رحمه الله -: وأخرجه ابنُ خزيمة في «صحيحه» (4) ولفظه: «لا يقبل الله صلاةَ امرأةٍ قد حاضت إلا بخمار». ورجال إسناده محتجٌّ بهم في _________ (1). أخرجه أبو داود (534)، وأخرجه ابن أبي شيبة (2234)، والبيهقي (1/ 384). (2). ينظر «الجرح والتعديل»: (4/ 329)، و «تهذيب التهذيب»: (4/ 319)، و «تحفة التحصيل» (ص 145). (3). أخرجه أبو داود (641)، والترمذي (378)، وابن ماجه (655)، وأخرجه أحمد (25167)، وابن حبان (1711). (4). (775)، وأخرجه ابن الجعد في «مسنده» (3308) باللفظ نفسه.

(1/175)


«الصحيحين» , إلا صفية بنت الحارث, وقد ذكرها ابن حبان في «الثقات» (1).

  3 - باب الرجل يصلي وحدَه خلفَ الصفّ

46/ 653 - عن وابِصة ــ وهو ابن مَعبد الأسدي ــ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يصلي خلفَ الصفِّ وحدَه، فأمره أن يعيد. قال سليمانُ: الصلاة. وأخرجه الترمذي وابن ماجه (2). وقال الترمذي: حديث وابصة حديث حسن. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى الإمام أحمد, وابن حبان في «صحيحه» (3) , من حديث عليِّ بن شيبان ــ وكان أحدَ الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني حنيفة ــ قال: صليتُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[صلاته] نظر إلى رجل خلف الصفِّ وحدَه, فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هكذا صليت؟» قال: نعم, قال: «فأعِدْ صلاتَك, فإنه لا صلاةَ لفردٍ _________ (1). (4/ 385 - 386). وأشار الحافظ في «الإصابة»: (8/ 209) إلى احتمال أن لها صحبة، وجزم بذلك في «التقريب». (2). أخرجه أبو داود (682)، والترمذي (230)، وابن ماجه (1004)، وأخرجه أحمد (18002)، وابن حبان (2199 و 2200). (3). أخرجه أحمد (16297)، وابن حبان (2202 و 2203) وما بين المعكوفين منه، وأخرجه ابن ماجه (1003)، وصححه ابن خزيمة (1569).

(1/176)


خلف الصفِّ وحدَه». هذا لفظ أبي حاتم. ولفظ أحمد عنه: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يصلي خلف الصف, فوقف حتى انصرف الرجلُ, فقال له: «استقبل صلاتك, فإنه لا صلاة لفردٍ خلفَ الصفّ». وحديث وابصة أخرجه أيضًا أبو حاتم في «صحيحه» والإمام أحمد (1). وفي لفظ لأحمدَ فيه (2): سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجلٍ صلى خلفَ الصفِّ وحدَه؟ فقال: «يعيد الصلاة». وقد أعلَّ الشافعيُّ حديثَ وابصةَ, فقال: قد سمعت من أهل العلم بالحديث [ق 36] مَن يذكر أن بعض المحدِّثين يُدْخِل بين هلال بن يِساف ووابصة رجلًا. ومنهم مَن يرويه عن هلال عن (3) وابصة, سمعه منه. وسمعتُ بعضَ أهل العلم منهم كأنه يوهِّنه بما وصفتُ (4). وأعلَّه غيرُه بأنّ هلال بن يِساف تفرَّد به عن وابصة. والعلَّتان جميعًا ضعيفتان، فأما الأولى فإن هلال بن يِساف رواه عن عَمرو بن راشد عن وابصة, وعن (5) زياد بن أبي الجعد عن وابصة. ذكر ذلك أبو حاتم في «صحيحه» (6). وقال: سمع هذا الخبر هلال بن يساف من عَمرو بن راشد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد, كلاهما عن وابصة. قال: والطريقان (7) جميعًا محفوظان. فإدخال زياد وعمرو بن راشد بين هلال _________ (1). تقدمت الإشارة إليهما. (2). (18004). (3). في الأصل و (ش): «بن» تحريف. (4). «اختلاف الحديث- مع الأم»: (10/ 171 - 172). (5). الأصل و (ش): «ومن» الصواب ما أثبت. (6). «الإحسان»: (5/ 578). (7). في الأصل و (ش): «قال: قال طريقان» والمثبت من كتاب ابن حبان.

(1/177)


ووابصة لا يوهن الحديث شيئًا. وأما العلة الثانية: فباطلة. وقد أشار أبو حاتم (1) إلى بطلانها فقال: «ذِكْر الخبر المُدْحِض قول مَن زعم أن هلال بن يِساف تفرَّد بهذا الخبر». ثم ساق من حديث عُبيد بن أبي الجعد، عن أبيه زياد بن أبي الجعد، عن وابصة, فذكره. فالحديث محفوظ. قال الشافعي (2): ولو ثبت حديثُ وابصةَ فحديثنا أولى أن يؤخَذ به, لأن معه القياس وقول العامة. يريد حديث أبي بكرة لما ركع وحدَه دون الصف ومشى حتى دخل في الصف (3). قال (4): فإن قيل: ما القياس؟ قال: أرأيت صلاةَ الرجل منفردًا وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة. قال: فإن قيل: فهكذا سنة موقف الإمام والمنفرد. قيل: فسنة موقفهما تدلّ على أنه ليس في الانفراد شيء يُفسِد الصلاة. ثم ذكر حديث أنس في صلاة المرأة وحدها خلف [الصف] (5). وليس _________ (1). «الإحسان»: (5/ 579). (2). «اختلاف الحديث- مع الأم»: (10/ 173). (3). أخرجه البخاري (783)، وأبو داود (683) وغيرهما. (4). أي الشافعي، وكلامه في «اختلاف الحديث»: (10/ 173)، وقد نقله المؤلف مع تصرف واختصار، وتصرّف الشيخ الفقي في طبعته في النص، فذكر نص المحاورة كما في كتاب الشافعي دون تنبيه! (5). زيادة يقتضيها السياق، وأضيفت في الطبعتين بلا تنبيه.

(1/178)


في شيء من هذا ما يعارض حديثَ وابصةَ وعليِّ بن شيبان. أما حديث أبي بكرة فإنما فيه «أنه ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف» والاعتبارُ إنما هو بإدراك الركوع مع الإمام في الصف, وليس في حديثه أنه لم يجامعه في الركوع في الصف. فلا حجةَ فيه (1). وأما موقف الإمام والمرأة, فالسنة تقدّم هذا وتأخر المرأة, والسنة للمأموم الوقوف في الصف, إما استحبابًا وإما وجوبًا. فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟ ولو خالفت المرأةُ موقفها بطلت صلاتها في أحد القولين, وكُرِه لها ذلك من غير بطلان في القول الآخر. ولو وقف الرجل فَذًّا كما تقف المرأة, بطلت صلاتُه في قول وكُرِهت في آخر، فأين أحدُهما من الآخر؟

  4 - باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها، أين يجعلها منه؟

47/ 661 - عن ضُباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها قال: ما رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعَلَه على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يَصْمُد له صَمْدًا (2). في إسناده أبو عبيدة الوليد بن كامل البَجَلي الشامي، وفيه مقال. قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث ضُباعة قال ابن القطان (3): فيه ثلاثة مجاهيل: الوليد بن كامل، عن المهلّب بن حُجْر، عن ضُباعة بنت المقداد _________ (1). زاد في ط. الفقي: «مرجوحة» دون تنبيه، ولا حاجة إليها. وحديث أبي بكرة أخرجه البخاري (783). (2). أخرجه أبو داود (693)، وأحمد (23820)، والبيهقي: (2/ 271). من طريق أبي عبيدة الوليد بن كامل، عن المهلب بن حجر عن ضباعة به. (3). في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 351 - 352).

(1/179)


عن أبيها. قال عبد الحق: ليس إسناده بقويّ (1). ورواه النسائي (2) من حديث بقيّة، عن الوليد بن كامل: حدثنا المهلّب بن حُجر البَهْراني، عن ضُبيعة بنت المقدام بن معديكرب، عن أبيها [قال]: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلى أحدُكم إلى عمود أو سارية أو شيء، فلا يجعله نُصْب عينيه، وليجعله على حاجبه الأيسر». فهذا أمرٌ وحديث أبي داود فعل. فقد اخْتُلف على الوليد بن كامل كما ترى, فعليُّ بن عيّاش رواه فعلًا, وبقيّةُ رواه قولًا. وابن أبي حاتم (3) ذكر المهلّب بن حُجر أنه يروي عن ضُباعة بنت المقدام بن معديكرب. وهذا غير ما في الإسنادين، فإن فيهما ضباعة بنت المقداد, أو ضُبيعة بنت المقدام. والله أعلم.

  5 - باب الدُّنّوِ من السُّتْرة

48/ 663 - عن سهل بن أبي حَثْمَة ــ يبلغ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ــ قال: «إذا صلى أحدُكم إلى سُتْرة فليَدْنُ منها، لا يقطع الشيطانُ عليه صلاتَه». وأخرجه النسائي (4). وقال أبو داود: واختلف في إسناده. _________ (1). في «الأحكام الوسطى»: (1/ 344). (2) لم أجده في «السنن الصغرى» ولا «الكبرى». وانظر «التحفة» (11551)، وعزاه إليه ابن السكن في «سننه» كما نقله عنه ابن القطان في «بيان الوهم»: (2/ 352) والمؤلف صادر عنه. (3). في «الجرح والتعديل»: (8/ 370). (4). أخرجه أبو داود (695)، والنسائي (748). وأخرجه أحمد (16090)، وابن حبان (2373)، وابن خزيمة (803). وذكر البيهقي الاختلاف فيه ثم قال: «قد أقام إسناده سفيانُ بن عُيينة وهو حافظ حجة». وصححه الإمام أحمد والعُقيلي كما في «فتح الباري»: (2/ 624) لابن رجب، وصححه النووي في «الخلاصة»: (1/ 518).

(1/180)


قال ابن القيم - رحمه الله -: قلتُ: رجال إسناده رجال مسلم، والاختلاف الذي أشار إليه أبو داود: هو أنه رُوي مرفوعًا وموقوفًا، ومسندًا ومتصلًا.

  6 - باب ما يُؤمَر المصلِّي أن يدرأ عن المَمَرِّ بين يديه

49/ 668 - وعن حميد ــ يعني ابن هلال ــ قال: قال أبو صالح: «أُحَدِّثك عما رأيتُ من أبي سعيد، وسمعته منه: دخل أبو سعيدٍ على مروان، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا صلى أحدُكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفع في نَحْره، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان». وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه أتمّ منه (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن حبان وغيره: التحريم المذكور في الحديث إنما هو إذا صلى الرجل إلى سُترة, فأما إذا لم يصلِّ إلى سُترة فلا يحرم المرور بين يديه. واحتجَّ أبو حاتم على ذلك بما رواه في «صحيحه» (2) عن المطلب بن أبي وداعة قال: «رأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ــ حين فرغ من طوافه ــ أتى حاشية المطاف, فصلى ركعتين, وليس بينه وبين الطوَّافين أحد». قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على إباحة مرور المرء بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سُتْرة (3). _________ (1). أخرجه أبو داود (700)، والبخاري (509)، ومسلم (505). (2). (2363). وأخرجه النسائي (2959)، وأحمد (27244)، وصححه ابن خزيمة (815) والحاكم: (1/ 254) من طرقٍ عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه عن المطلب به. ورواته ثقات غير أن رواية ابن جريج غير محفوظة، وانظر حاشية «المسند»: (45/ 215 - 218). (3). «الإحسان»: (6/ 129). لكن عبارة ابن حبان هذه قالها تعليقًا على الحديث الآتي (2364)، وقد بوّب على هذا الحديث بقوله: «ذكر إباحة مرور المرء قُدّام المصلّي إذا صلى إلى غير سُترة».

(1/181)


وفيه دليل واضح على أن التغليظ الذي رُوي في المارِّ بين يدي المصلي إنما أريد بذلك إذا كان المصلِّي يصلي إلى سُتْرة, دون الذي يصلي إلى غير سُتْرة يستتر بها. قال أبو حاتم (1): «ذِكْر البيان بأن هذه الصلاة لم تكن بين الطوَّافين وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - سترة» ثم ساق من حديث المطلب قال: «رأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي حَذْوَ [ق 37] الركن الأسود، والرجالُ والنساءُ يمرُّون بين يديه, ما بينهم وبينه سترة» (2).

  7 - باب ما يقطعُ الصلاةَ

50/ 672 - وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: أحسبه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذا صلى أحدُكم إلى غير سُترةٍ، فإنه يقطع صلاتَه الحمارُ، والخنزيرُ، واليهوديُّ، والمجوسيُّ، والمرأةُ. ويجزئ عنه ــ إذا مرّوا بين يديه ــ على قَذْفةٍ بحجر» (3). قال أبو داود (4): في نفسي من هذا الحديث شيء، كنتُ أذاكِرُ به إبراهيمَ وغيرَه، فلم أرَ أحدًا جاء به عن هشام ولا يَعْرِفه، ولم أر أحدًا يحدِّث به عن هشام، _________ (1). «الإحسان»: (6/ 128). (2). (2364). (3). أخرجه أبو داود (704)، والبيهقي: (2/ 275) وغيرهما من طرق عن معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة به. (4). كلام أبي داود ثابت في مخطوطة «المختصر» وموجود في بعض نسخ «السنن» دون بعض، وفي نسخة «فيض الله» من «السنن» وهي مقروءة على الحافظ المنذري وعليها خطه (جـ 1/ق 98 ب) كُتِب كلام أبي داود في المتن ثم علّق عليه في الهامش بقوله: «في الأصل مضروب عليه ولم يحقق سماعه».

(1/182)


وأحسب الوهم من ابن أبي سَمينة، والمنكَرُ فيه ذِكْر المجوسيّ، وفيه: «على قذفةٍ بحجر» وذِكْر الخنزير، وفيه نَكارة. قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل. وأحسبه وهم، لأنه كان يحدِّثنا من حفظه. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال ابن القطان (1): «علَّته شكُّ الراوي في رفعه, فإنه قال عن ابن عباس: «أحسبه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فهذا رأيٌ لا خبر, ولم يجزم ابنُ عباس برفعه، وابنُ أبي سَمَينة (2) , أحد الثقات. وقد جاء هذا الخبر موقوفًا على ابن عباس بإسنادٍ جيد, بِذِكْر «أربعة» فقط. قال البزار (3): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس: الكلبُ الأسود, والمرأةُ الحائض (4). قلت: قد كان يذكر الثالث (5)؟ قال: ما هو؟ قلت: الحمار, قال: رويدك, الحمار؟ قلت: قد كان يذكر رابعًا؟ قال: ما هو؟ قال: العِلْج الكافر. قال: إن استطعت أن لا يمرّ بين يديك كافرٌ ولا مسلم فافعل» تم كلامه. 51/ 675 - وعن سعيد بن غزوان، عن أبيه: «أنه نزل بتبوك ــ وهو حاج ــ فإذا برجل مقعَد فسأله عن أمره. فقال: سأحدِّثك حديثًا، فلا تحدِّث به ما سمعتَ أني حيٌّ: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بتبوك إلى نخلة. فقال: هذه قبلتُنا، ثم صلى إليها، _________ (1). في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 355 - 356). (2). تحرف في الأصل و (ش، هـ): «واست اسمسه»! (3). في «مسنده» (5268). (4). في الأصل و (ش، هـ): «والحائض» خطأ. (5). الأصل و (ش، هـ): «الرابع» خطأ.

(1/183)


فأقبلتُ، وأنا غلام أسعى، حتى مررتُ بينه وبينها. فقال: قطعَ صلاتَنا قطعَ الله أثرَه. فما قمت عليها إلى يومي هذا» (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث ابن غزوان هذا قال عبد الحق: إسنادُه ضعيف, قال ابن القطان (2): «سعيد مجهول. فأما أبوه غزوان: فإنه لا يعرف مذكورًا, وأما ابنه فقد ذُكِر وتُرجم في مظانّ ذِكْره بما يُذْكَر به المجهولون. وظنّ عبدُ الحق أن غزوان هذا صحابي, وليس كذلك, فإنه نقص في إسناده» (3). * * * _________ (1). أخرجه أبو داود (707). وأخرجه البخاري في تاريخه: (8/ 365 - 366)، والبيهقي: (2/ 275). وقال الحافظ في «الفتح»: (2/ 706): «في إسناده جهالة». (2). في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 356). وكلام عبد الحق في «الأحكام الوسطى»: (1/ 345). (3). نص عبارة ابن القطان الأخيرة (3/ 356): «واعترى أبا محمد في هذا الحديث ــ مِن جَعْل غزوان هذا صحابيًّا وليس كذلك ــ ما قد ذكرناه في باب النقص من الأسانيد». وذكر هناك (2/ 65) أن غزوان تابعي ثم قال: «والحديث في غاية الضعف ونكارة المتن، فإنّ دعاءه عليه السلام لمن ليس له بأهل زكاةٌ ورحمة فاعلم ذلك».

(1/184)


تفريع استفتاح الصلاة

  8 - باب رفع اليدين في الصلاة

52/ 694 - وعن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجر قال: «قلت: لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يصلي؟ قال: فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستقبل القبلة، فكبَّر فرفع يديه، حتى حاذتا أُذنيه. ثم أخذ شمالَه بيمينه. فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك. ثم وضع يديه على ركبتيه. فلما رفع رأسَه من الركوع رفعهما مثل ذلك. فلما سجد وضع رأسَه بذلك المنزل من بين يديه، ثم جلس فافترش رجلَه اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحَدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلّق حَلْقة. ورأيته يقول هكذا» وحلّقَ بِشْرٌ الإبهامَ والوسطَى وأشار بالسبابة». 53/ 695 - وفي رواية: «ثم وضع يدَه اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى، والرُّسْغ والساعد» وقال فيه: «ثم جئت بعد ذلك في زمنٍ فيه بردٌ شديد، فرأيت الناسَ عليهم جُلُّ الثياب، تَحَرَّكُ أيديهم تحت الثياب». وأخرجه النسائي وابن ماجه (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: فيه وَضْع اليمنى على اليسرى في القيام. وفي الباب: حديث سهل بن سعد الساعدي قال: «كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليدَ اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم: لا أعلمه _________ (1). أخرجه أبو داود (726، 727)، والنسائي في «الكبرى» (1189)، وابن ماجه (867). وأخرجه أحمد (18850) وصححه ابن خزيمة (480)، وابن حبان (1860)، والنووي في «الخلاصة»: (1/ 356).

(1/185)


إلا يَنْمِي ذلك. رواه مالك في «موطئه» (1) عن أبي حازم بن دينار عنه, وبوَّب عليه, فقال: «وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة». وقال في الباب (2): عن عبد الكريم بن أبي المُخَارق أنه قال: «من كلام النبوّة: إذا لم تستح فافعل ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة, يضع اليمنى على اليسرى, وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسَّحُور». قال أبو عمر (3): «يضع اليمنى على اليسرى» من كلام مالك. وهذه الترجمة والدليل والتفسير صريح في أن مذهبه وضع اليمنى على اليسرى. وقد روى أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» (4) من حديث ابن وهب: أخبرنا عَمرو بن الحارث، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدِّث عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّا معشرَ الأنبياء أُمِرنا أن نؤخِّر سُحُورنا, _________ (1). (437). وأخرجه البخاري (740)، وأحمد (22849). (2). رقم (436). (3). يعني ابن عبد البر في «التمهيد»: (20/ 67). (4). (1770). من طريقه أخرجه الضياء في «المختارة»: (11/ 209). وأخرجه الطبراني في «الأوسط»: (1884). من طرق عن حرملة عن ابن وهب به وقال: «لم يروه عن عمرو بن الحارث إلا ابن وهب تفرد به حرملة. وقال الحافظ ابن حجر: «أخشى أن يكون الوهم فيه من حرملة». ينظر «التخليص»: (1/ 238). وذكر له شواهد لا تخلو أسانيدها من ضعف. يشير الحافظ إلى رواية أبي داود الطيالسي (2776)، والدارقطني (1097)، والبيهقي: (4/ 238) للحديث من طرق عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، به. وأنه الصواب في إسناد الحديث. قال البيهقي: «هذا الحديث يُعرف بطلحة بن عمرو وهو ضعيف، واختلف عليه ... » إلخ. وقال البوصيري في «الإتحاف»: (3/ 95): «مدار أسانيدهم على طلحة بن عمرو، وهو ضعيف».

(1/186)


ونعجِّل فِطْرنا, وأن نُمسِك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا».

  9 - باب افتتاح الصلاة

54/ 698 - وعن محمد بن عَمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حُميد الساعديّ في عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: «أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قالوا: فلم؟ فوالله ما كنتَ بأكثرنا له تَبِعَةً، ولا أقدمِنا له صحبة. قال: بلى. قالوا: فاعْرِضْ. قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه، حتى يحاذيَ بهما مَنكِبيه، ثم كبر حتى يَقِرَّ كلَّ عظمٍ في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذيَ بهما مَنكِبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل، فلا يَصُبّ رأسَه، ولا يُقْنِع، ثم يرفع رأسه، فيقول: «سمع الله لمن حمده»، ثم يرفع يديه، حتى يحاذي مَنكِبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يَهْوي إلى الأرض، فيُجافي يديه على جنبيه، ثم يرفع رأسَه ويَثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، ويَفْتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها حتى يرجع كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنكِبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدةُ التي فيها التسليم: أخَّر رجلَه اليسرى، وقعد مُتوَرِّكًا على شقّه الأيسر، قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي - صلى الله عليه وسلم -». وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا ومطولًا (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث أبي حُميد هذا حديث صحيح, متلقًّى بالقبول, لا علة له. وقد أعلَّه قومٌ بما برّأه الله وأئمةُ الحديث منه. ونحن نذكر _________ (1). أخرجه أبو داود (730)، والبخاري (828)، والترمذي (304)، والنسائي (1181)، وابن ماجه (862)، وأحمد (23599).

(1/187)


ما عللوه به, ثم نبين فساد تعليلهم وبطلانه بعون الله. قال ابن القطان في كتابه «الوهم والإيهام» (1): «هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو، صدوق (2) , وثَّقه يحيى بن سعيد, وأحمد بن حنبل, ويحيى بن معين، وأخرج له مسلم. وضعَّفه يحيى بن سعيد في روايةٍ عنه، وكان الثوريُّ يَحْمِل (3) عليه من أجل القَدَر. فيجب التثبُّت فيما روى مِن قوله: «فيهم أبو قتادة»، فإن أبا قتادة توفي في زمن عليّ, وصلى عليه عليّ، وهو ممن قُتِل معه, وسِنُّ محمد بن عَمرو مقصِّرة عن إدراك ذلك». قال: «وقيل في وفاة أبي قتادة غير ذلك؛ أنه توفي سنة أربع وخمسين, وليس بصحيح, بل الصحيح ما ذكرناه. وقُتِل عليٌّ (4) سنةَ أربعين. ذَكَر هذا التعليل أبو جعفر الطحاوي. قال الطحاوي: والذي زاده محمد بن عمرو غير معروف ولا متصل, لأن في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة, ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل, لأنه قُتِل مع عليٍّ وصلى عليه. فأين سنّ محمد بن عَمرو من هذا؟ قال الطحاوي: وعبد الحميد بن جعفر ضعيف». قال ابن القطان: «ويزيد هذا المعنى تأكيدًا: أن عطَّاف بن خالد روى هذا الحديثَ فقال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، حدثنا رجل: أنه وجد _________ (1). (2/ 462 - 466). (2). عبارة ابن القطان: «وجملة أمره أنه من أهل الصدق». (3). الأصل و (ش، هـ) والطبعات: «يجد» مصحفة عما هو مثبت من كتاب ابن القطان، وستأتي على الصواب بعد صفحات. (4). تصحفت في ط. الفقي إلى: «وقيل في».

(1/188)


عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جلوسًا» فذكر نحو حديث أبي عاصم. وعطَّاف بن خالد مدنيّ ليس بدون عبد الحميد بن جعفر، وإن كان البخاريُّ حكى أن مالكًا لم يحمده, قال: وذلك لا يضرُّه, لأن ذلك غير مفسَّر مِن مالك بأمرٍ يجبُ لأجله ترك روايته». قال: «وقد اعترض الطبريُّ على مالك في ذلك بما ذكرناه مِن عدم تفسير الجرح، [و] (1) بأمر آخر لا نراه صوابًا, وهو أن قال: وحتى لو كان مالكٌ قد فسّر, لم يجب أن يُتْرَك بتجريحه روايةُ عطّاف, حتى يكون معه مجرِّح آخر. قال ابن القطان: وإنما [ق 38] لم نره صوابًا لوجهين: أحدهما: أن هذا المذهب ليس بصحيح، بل إذا جَرَح واحدٌ بما هو جُرحة قُبِل، فإنه نَقْلٌ منه لحالٍ سيئة تَسْقط بها العدالة، ولا يحتاج في النقل إلى تعدّد الرواة. والوجه الثاني: أن ابن مهدي أيضًا لم يرض عطّافًا، لكن لم يفسّر بماذا لم يرضه, فلو قبلنا قولَه فيه قلَّدْناه في رأيٍ لا في رواية. وغيرُ مالكٍ وابنِ مهدي يوثّقه. قال أبو طالب عن أحمد: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث، روى نحو مائة حديث. وقال ابن معين: صالح الحديث, ليس به بأس. وقد قال ابن معين: مَن قلت: «ليس به بأس» فهو عندي ثقة. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بذاك. قال ابن القطان: ولعله أحسن حالًا من عبد الحميد بن جعفر, وهو قد بيَّن أن بَيْن محمد بن عَمرو وبين أولئك الصحابة رجلًا. قال: ولو كان هذا عندي _________ (1). زيادة لازمة من كتاب ابن القطان.

(1/189)


محتاجًا إليه في هذا الحديث للقضاء بانقطاعه لكتبته في المدرك الذي قد فرغتُ منه, ولكنه غير محتاج إليه للمقرَّر من تاريخ وفاة أبي قتادة، وتقاصُر سنّ محمد بن عمرو عن إدراك حياته رجلًا. فإنما جاءت روايةُ عطَّاف عاضدة لما قد صحّ وفُرِغ منه». قال: «وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو فقال فيه: عن عياش أو عباس بن سهل الساعدي: «أنه كان في مجلس فيه أبو قتادة (1) وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد» ولم يذكر فيه من الفرق بين الجلوسين ما ذكره عبد الحميد بن جعفر. ذكره أبو داود (2). وقد رواه البخاري في «صحيحه» (3): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، سمع يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد، سمعا محمد بن عَمرو بن حلحلة، سمع محمد بن عمرو بن عطاء: «أنه كان جالسًا في نفرٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا صلاةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد: أنا كنتُ أحفظكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رأيته إذا كَبَّر ... فذكر الحديث». وهذا لا ذِكْر فيه لأبي قتادة, ولكن ليس فيه ذِكْر لسماعه من أبي حميد, وإن كان ذلك ظاهره». هذا آخر كلامه. وهو مع طوله مداره على ثلاثة فصول: أحدها: تضعيف عبد الحميد بن جعفر. والثاني: تضعيف محمد بن عَمرو بن عطاء. _________ (1). في كتاب ابن القطان: «أبوه». (2). (733). (3). (828).

(1/190)


والثالث: انقطاع الحديث بين محمد بن عَمرو، وبين الصحابة الذين رواه عنهم. والجواب عن هذه الفصول: أما الأول: فعبد الحميد بن جعفر قد وثّقه يحيى بن معين في جميع الروايات عنه (1)، ووثقه الإمام أحمد (2) أيضًا، واحتجّ به مسلم في «صحيحه»، ولم يُحْفَظ عن أحدٍ من أئمة الجرح والتعديل تضعيفُه بما يوجب سقوطَ روايته، فتضعيفه بذلك مردود على قائله. وحتى لو ثبت عن أحدٍ منهم إطلاقُ الضعف عليه، لم يقدح ذلك في روايته ما لم يبيّن سببَ ضعفه، وحينئذٍ يُنظَر فيه هل هو قادح أم لا؟ وهذا إنما يُحتاج إليه عند الاختلاف في توثيق الرجل وتضعيفه، وأما إذا اتفق أئمةُ الحديث (3) على تضعيف رجلٍ لم يُحتج إلى ذِكْر سبب ضعفه، هذا أولى ما يقال في مسألة التضعيف المطلق (4). وأما الفصل الثاني: وهو تضعيف محمد بن عَمرو بن عطاء؛ ففي غاية الفساد، فإنه من كبار التابعين المشهورين بالصدق والأمانة والثقة، وقد وثَّقه أئمةُ الحديث، كأحمد، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن معين، وغيرهم (5)، _________ (1). ينظر «موسوعة أقوال ابن معين»: (3/ 191). (2). ينظر «موسوعة أقوال أحمد»: (2/ 310). (3). زاد المؤلف في «رفع اليدين»: «أو جمهورهم». (4). ساق في المؤلف في «رفع اليدين» (ص 238 - 239) أقوال الموثقين لعبد الحميد. (5). ينظر ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (9/ 373 - 375).

(1/191)


واتفق صاحبا الصحيح على الاحتجاج به (1). وتضعيف يحيى بن سعيد ــ إن صح عنه ــ فهو روايةٌ المشهور عنه خلافها (2). وحتى لو ثبت على تضعيفه وأقام عليه، ولم يبيّن سببَه= لم يُلتفَت إليه مع توثيق غيره من الأئمة له. ولو كان كلُّ رجلٍ ضعَّفَه رجلٌ سقط حديثُه لذهبت عامَّة الأحاديث الصحيحة من أيدينا، فقلّ رجلٌ من الثقات إلا وقد تكلَّم فيه آخر (3). وأما قوله: «كان سفيان يحمل عليه»؛ فإنما كان ذلك من جهة رأيه لا من جهة روايته، وقد رُمِي جماعةٌ من الأئمة المحتجّ بروايتهم بالقدَرِ كابن أبي عَروبة، وابن أبي ذِئب وغيرهم. وبالإرجاء كطَلْق بن حبيب، وغيره. وهذا أشْهر من أن يُذْكر نظائره، وأئمة الحديث لا يردّون حديثَ الثقة بمثل ذلك. وأما الفصل الثالث: وهو انقطاع الحديث؛ فغير صحيح، وهو مبنيّ على _________ (1) ينظر «تهذيب الكمال»: (6/ 459). (2) قال الحافظ في «التهذيب»: (9/ 332): «وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي (بيان الوهم 2/ 426): جملة أمره أنه من أهل الصدق، وقد ضعّفه يحيى في رواية ووثقه في أخرى، وكان الثوري يحمل عليه من أجل القدر، وزعموا أنه خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن ... قال الحافظ: وليس ذلك بصحيح؛ لأن الذي حمل عليه الثوري اختلف فيه فقيل: هو محمد بن عمرو بن علقمة الآتي ذكره بعد هذا، وهو الذي خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن؛ لأنه تأخرت وفاته. فأما محمد بن عمرو بن عطاء فمات قبل خروج محمد بمدة مديدة» اهـ. (3). زاد في «رفع اليدين» (ص 240): «ورجال «الصحيحين» قد جاوزوا القَنْطَرة فلا التفاتَ إلى كلام من تكلَّم فيهم بما يقتضي ردّ حديثهم. نعم إذا تُكُلِّم في أحدهم لرأيه أو لأمرٍ تأوَّله فطُعِنَ به عليه؛ فهذا بابٌ لا يقدح في الرواية».

(1/192)


ثلاث مقدمات، أحدها (1): أن وفاة أبي قتادة كانت في خلافة عليّ، والثاني: أن محمد بن عَمرو لم يدرك خلافةَ عليّ، والثالث: أنه لم يثبت سماعُه من أبي حُميد، بل بينهما رجل. فأما المقام الأول، وهو وفاة أبي قتادة، فقال البيهقي (2): «أجمع أهلُ التواريخ على أن أبا قتادة الحارث بن رِبْعي بقي إلى سنة أربع وخمسين، وقيل: بعدها. ثم روى من طريق [ق 80] يعقوب بن سفيان، قال ابن بُكَير: قال الليث: مات أبو قتادة الحارث بن رِبْعي بن النعمان الأنصاري سنة أربع وخمسين. قال: وكذلك قاله الترمذي فيما أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي حامد المقرئ عنه. وكذلك ذكره أبو عبد الله بن [ق 39] مَنده الحافظ في كتاب «معرفة الصحابة». وكذلك ذكر الواقديُّ عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة: أن أبا قتادة مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وهو ابن سبعين سنة. قال: والذي يدلُّ على هذا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله ابن أبي قتادة، وعَمرو بن سليم الزُّرَقي، وعبد الله بن رَباح الأنصاري رووا عن أبي قتادة، وإنما حملوا العلمَ بعد أيام عليّ، فلم يثبت لهم عن أحدٍ ممن توفي في أيام عليّ سماع. وروّينا عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أن معاوية ابن أبي سفيان لمّا قَدِم المدينة تلقّته الأنصارُ، وتخلَّف أبو قتادة، _________ (1). كذا بالتذكير، ومشى عليه في الثاني والثالث. وقوله «مقدّمات» واضحة محررة في الأصل، وإلا فكان الأنسب أن يقول «مقامات» لأنه ذكّرها حين عدّدها ولأنه سماها فيما سيأتي «المقام الأول .. الثاني ... ». (2) في «معرفة السنن والآثار»: (1/ 558 - 559).

(1/193)


ثم دخل عليه بعدُ وجرى بينهما ما جرى. ومعلومٌ أن معاوية إنما قَدِمها حاجًّا قَدْمته الأولى في خلافته سنة أربع وأربعين. وفي «تاريخ البخاري» (1) بإسناده عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن مروان بن الحكم أرسل إلى أبي قتادة وهو على المدينة: أنِ اغْدُ معي حتى تريني مواقف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه، فانطلق مع مروان حتى قضى حاجته (2). ومروان إنما ولي المدينة في أيام معاوية، ثم نُزِع عنها سنة ثمان وأربعين، واسْتُعْمِل عليها سعيد بن العاص، ثم نُزِع سعيد بن العاص سنة أربع وخمسين , وأُمِّر عليها مروان» (3). قال النسائي في «سننه» (4): أخبرنا محمد بن رافع، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا ابن جُريج، قال: سمعت نافعًا يزعم: أنّ ابنَ عمر صلّى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القِبْلة، فصفَّهن صفًّا واحدًا، ووُضِعت جنازةُ أمِّ كلثوم ابنةِ عليّ امرأةِ عمر بن الخطاب وابنٍ لها يقال له: زيد، وُضِعا جميعًا، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس (5)، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو قتادة، فوُضِعَ الغلامُ مما يلي الإمام، _________ (1) «الكبير»: (2/ 258 - 259). (2) انتهى كلام البخاري. (3) انتهى النقل من كتاب «المعرفة» للبيهقي. (4) في «الصغرى» (1978). وفي «الكبرى» (2116). (5) هكذا في الأصل و (ش) و «رفع اليدين» للمؤلف، و «الكبرى». ووقع في «السنن الصغرى»: «ابن عمر» فالظاهر أنه وهم.

(1/194)


فقال رجل: فأنكرتُ ذلك فنظرتُ إلى ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة. فتأمل سندَ هذا الحديث وصحّتَه وشهادةَ نافعٍ بشهود أبي قتادة هذه الجنازة، والأميرُ يومئذ سعيد بن العاص، وإنما كانت إمْرَتُه في خلافة معاوية سنة ثمان وأربعين إلى سنة أربع وخمسين كما قدمناه، وهذا مما لا يشكّ فيه عوامُّ أهلِ النقل وخاصَّتُهم. فإن قيل: فما تصنعون بما رواه موسى بن عبد الله بن يزيد: «أن عليًّا صلى على أبي قتادة, فكبَّر عليه سبعًا، وكان بدريًّا» (1). وبما رواه الشعبيّ قال: «صلى عليٌّ على أبي قتادة وكبّر عليه ستًّا» (2). قلنا: لا تجوز معارضةُ الأحاديث الصحيحة المعلومة الصحَّة بروايات التاريخ المنقطعة المغلوطة، وقد خطَّأ الأئمةُ روايةَ موسى هذه ومَن تابعه، وقالوا: هي غلط، قاله البيهقي (3) وغيره. ويدلّ على أنها غلط وجوه: أحدها: ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة المصرِّحة بتأخير وفاته وبقاء مُدَّته بعد موت عليّ. الثاني: أنه قال: «كان بدريًّا»، وأبو قتادة لا يُعرَف أنه شهد بدرًا، وقد ذكر _________ (1) أخرجه ابن أبي شيبة (11578)، وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 433). (2) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط»: (5/ 433). (3) في «المعرفة»: (1/ 558). وانظر «البدر المنير»: (5/ 261 - 262). وقال الحافظ في «التلخيص»: (2/ 127) تعليقًا على كلام البيهقي: «وهذه علة غير قادحة لأنه قد قيل: إن أبا قتادة قد مات في خلافة عليّ، وهذا هو الراجح».

(1/195)


عروةُ بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرُهم أسامي مَن شهد بدرًا من الصحابة، وليس في شيء منها ذِكْر أبي قتادة (1)، فكيف يجوز ردّ الرّوايات الصحيحة التي لا مَطْعَن فيها بمثل هذه الرواية الشاذَّة التي قد عُلِم خطؤها يقينًا، إمّا في قوله: «وصلى عليه عليّ»، وإمّا في قوله: «وكان بدريًّا»! وأما رواية الشعبي؛ فمنقطعة (2) أيضًا غير ثابتة، ولعلّ بعضَ الرواة غلط من تسمية قتادة بن النعمان أو غيره إلى أبي قتادة، فإن قتادة بن النعمان بدريٌّ، وهو قديم الموت (3). وأما المقام الثاني: أن محمد بن عَمْرو لم يدرك خلافةَ عليّ؛ فقد تبيَّن أن أبا قتادة تأخَّر عن خلافة عليّ. وأما المقام الثالث: وهو أن محمد بن عَمرو لم يثبت سماعُه من أبي حُمَيد بل بينهما رجل؛ فباطل أيضًا. قال الترمذي في «جامعه» (4): «حدثنا محمد بن بشَّار والحسن بن عليّ الخلّال وسَلَمة بن شَبيب، وغيرُ واحد قالوا: حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، حدّثنا محمد بن عَمرو بن عطاء، قال: سمعتُ أبا _________ (1) انظر «السيرة النبوية»: (2/ 677 - 706) لابن هشام، و «مرويات غزوة بدر»: (ص 366 - 419) لباوزير. (2) قاله البيهقي في «المعرفة»: (1/ 558). (3) توفي سنة 23 للهجرة في خلافة عمر. انظر «تهذيب الكمال»: (6/ 105)، و «الإصابة»: (5/ 416 - 418). (4) (305).

(1/196)


حُمَيد السَّاعدي في عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم: أبو قتادة بن رِبْعي ... » فذَكَره. وقال سعيد بن منصور في «سننه» (1): «حدّثنا هُشَيم، حدّثنا عبدالحميد بن جعفر، عن محمد بن عَمرو بن عطاء القرشي، قال: رأيتُ أبا حُمَيد الساعديّ مع عشرةِ رهطٍ من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألا أحدّثكم». فذكره. وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (2): «محمد بن عَمرو بن عطاء بن عيَّاشِ (3) بن علقمة العامري القرشي المدني، سمع أبا حُمَيد الساعديّ، وأبا قَتادة، وابنَ عباس. روى عنه عبدالحميد بن جعفر، وموسى بن عُقبة، ومحمد بن عمرو بن حَلْحَلَة، والزُّهري». وأبو حُميد توفي قبل الستين في خلافة معاوية، وأبو قتادة توفي بعد الخمسين كما ذكرنا، فكيف ننكر لقاء محمد لهما وسماعه منهما؟ ثم ولو سلَّمنا أن أبا قتادة توفي في خلافة عليّ، فمِنْ أين يمتنع أن يكون محمد بن عَمْرو في ذلك الوقت رجلًا؟ ولو امتنع أن يكون رجلًا لِتقاصُرِ _________ (1) ذكر رواية سعيد بن منصور الحافظ في «الفتح»: (2/ 357). وتابعه في الرواية عن هشيم أبو بكر بن أبي شيبة (2981)، والحسنُ بن عَرَفة أخرجه البزار (3710)، وأبو أحمد الحاكم في «شعار أصحاب الحديث» (ص 49)، وشجاع بن مخلد أخرجه أبو أحمد أيضًا. (2) (1/ 189). (3) هكذا في الأصل و (ش، هـ) و «تهذيب الكمال»: (6/ 459) وجوَّد ضبطه ناسخُه ابن المهندس تلميذ المزي كذلك. ووقع في «التاريخ الكبير» للبخاري: «عباس».

(1/197)


سِنّه عن ذلك لم يمتنع [ق 40] أن يكون صبيًّا مميّزًا، وقد شاهد هذه القصَّةَ في صغره ثم أداها بعد بلوغه، وذلك لا يقدح في روايته وتحمُّله اتفاقًا، وهو أُسْوةُ أمثاله في ذلك. فردُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الخيالات الفاسدة مما يَرْغَب عن مثله أئمةُ العلم، والله الموفق. وأما إدخال من أدْخَل بين محمد بن عَمرو بن عطاء، وبين أبي حُميد الساعدي رجلًا، فإن ذلك لا يضرّ الحديثَ شيئًا. فإنّ الذي فعل ذلك رجلان: عطَّاف بن خالد، وعيسى بن عبد الله (1)؛ فأما عطَّافٌ فلم يرض أصحابُ الصحيح إخراجَ حديثهِ، ولا هو ممن يُعارَض به الثقات الأثبات، قال مالك: ليس هو من جِمال المحامل (2). وقد تابع عبدَالحميد بن جعفر على روايته محمدُ بن عَمرو بن حَلْحَلة، كلاهما قال: عن محمد بن عَمرو بن عطاء، عن أبي حميد. ولا يُقاوَم عَطّاف بن خالد بهذين حتى تُقدَّم روايتُه على روايتهما. وقوله: «لم يصرِّح محمد بن عَمرو بن حَلْحَلة في حديثه بسماع ابن عطاء من أبي حميد»؛ فكلام بارد، فإنه قد قال: «سمع محمد بن عَمرو بن عطاء أنه كان جالسًا في نفرٍ من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكروا صلاةَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، _________ (1) انظر ما سبق (ص 189 - 191) في سياق كلام ابن القطان. (2) المنقول عن مالك في عطاف قوله: «ليس من إبل القِباب»، وإبل القباب هي الإبل القوية القادرة على حمل الهوادج. والمعنى: ليس بقويّ في الحديث. انظر «الضعفاء»: (3/ 425) للعقيلي، و «تهذيب الكمال»: (5/ 182)، و «تهذيب التهذيب»: (7/ 198) ــ وتحرفت فيه إلى «أهل القباب» ــ. فلعل ابن القيم ساقها بالمعنى، إذ معناهما واحد. وقد استُعملت عبارة «جمال المحامل» في غير واحد من الرواة، استعملها يحيى القطان وغيره. انظر «ألفاظ الجرح القليلة والنادرة» (ص 12) لسعدي الهاشمي.

(1/198)


فقال أبو حميد». وقد قال: «رأيتُ أبا حميد»، ومرة: «سمعتُ أبا حُميد». فما هذا التكلّف البارد والتعَنُّت الباطل في قطع ما وصله الله؟! وأما حديث عيسى بن عبد الله فقال البيهقي (1): «اختلف في اسمه فقيل: عيسى بن عبد الله، وقيل: عيسى بن عبد الرحمن، وقيل: عبد الله بن عيسى. ثم اخْتُلف عليه في ذلك؛ فروى عن الحسن بن الحرّ، عن عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عَمرو، عن عيّاش ــ أو عباس ــ بن سهل، عن أبي حُميد. ورُوي عن عُتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس ابن سهل، عن أبي حُميد. ليس فيه محمد بن عطاء (2). ورُوِّينا حديثَ أبي حُميد، عن فُليح بن سليمان، عن عبّاس بن سهل، عن أبي حميد. وبَيَّن فيه عبدُ الله بن المبارك، عن فُليح سماعَ عيسى من (3) عبّاس، مع سماع فُلَيح من عبّاس، فذِكْرُ محمد بن عَمرو بينهما وَهْم». آخر كلامه. وهذا ــ والله أعلم ــ من تَخْليط عيسى أو مَن دونه, فإنّ حديثَ عبّاس هذا لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو، ولا رواه محمد بن عَمرو عنه، ونحن نذكر حديثه: _________ (1) في «معرفة السنن والآثار»: (1/ 560). (2) «المعرفة»: «محمد بن عمرو». (3) تحرفت في (ش) و «المعرفة» إلى «بن».

(1/199)


قال الترمذي (1): «حدثنا محمد بن بشّار، حدثنا أبو عامر العَقَديّ، حدثنا فُلَيح بن سليمان، حدثنا عبَّاس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مَسْلمة، فذكروا صلاةَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -[فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -]: إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنَّه قابضٌ عليهما، ووَتّر يديه فنحّاهما عن جنبيه». قال: حسن صحيح. وقال أبو داود (2): «حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الملك بن عَمرو، أخبرنا فُليح، حدثنا عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حُميد، وأبو أسيد» فذكره أطولَ من حديث الترمذي. قال أبو داود: «ورواه عُتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العبَّاس بن سهل». قال: «ورواه ابنُ المبارك، أخبرنا فُلَيح، قال: سمعت عباس بن سهل يحدّث فلم أحفظه، فحدَّثنيه [أُراه ذَكَر] عيسى بن عبد الله، أنه سمعه من عبّاس بن سهل، قال: حضرتُ أبا حميد». فهذا هو المحفوظ من رواية عبَّاس لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو بوجه. ورواه أبو داود (3) من حديث أبي خيثمة، حدثنا الحسن بن الحُرّ، أخبرنا عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عَمرو بن عطاء أَحَد بني _________ (1) (260). وما بين المعكوفين منه. (2) (734). وما بين المعكوفين منه. (3) (733).

(1/200)


مالك، عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي: أنه كان في مجلسٍ فيه أبوه، وفي المجلس أبو هريرة، وأبو حُميد، وأبو أسَيد ... » بهذا الخبر يزيد وينقص (1). فهذا الذي غرَّ مَن قال: إن محمد بن عَمرو لم يسمعه من أبي حُميد، وهذا ــ والله أعلم ــ من تخليط عيسى أو من دونَه؛ لأن محمدًا قد صرَّح بأنّ أبا حُميد حدَّثه به وسمعه منه, ورآه حين حَدَّثه به, فكيف يُدْخِل بينه وبينه عبَّاس بن سهل؟ وإنما وقع هذا لمّا رواه محمد بن عَمرو عن أبي حُميد، ورواه العبَّاس ابن سهل عن أبي حُميد، فخلّط بعضُ الرواة، وقال: «عن محمد بن عَمرو عن العباس»، وكان ينبغي أن يقول: «وعن العباس» (2) بالواو. ويدلّ على هذا: أنّ عيسى بن عبد الله قد سمعه من عبَّاس, كما في رواية ابن المبارك، فكيف يشافهه به عبَّاس بن سهل ثم يرويه عن محمد ابن عَمرو عنه؟ فهذا كلُّه يبيّن أنّ محمد بن عَمرو وعبَّاس بن سهل اشتركا في روايته عن أبي حُميد، فصحّ الحديثُ بحمد الله. وظهر أن العلة التي رُمي بها مما تدلُّ على قوَّته وحفظه, وأن رواية عبَّاس بن سهل شاهدةٌ ومُصدِّقة لرواية محمد بن عَمرو. وهكذا الحق يصدِّق بعضُه بعضًا. وقد رواه الشافعي من حديث إسحاق بن عبد الله، عن عبَّاس بن سهل, _________ (1) «السنن»: (1/ 471 - 472). (2). وقال في «رفع اليدين» (ص 250): «ولعلها سقطت من النسخة فرواه بإسقاطها».

(1/201)


عن أبي حُميد ومَن مَعَه من الصحابة (1). ورواه فُلَيح بن سليمان، عن عبَّاس, عن أبي حُميد (2). وهذا لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو, وهو إسناد متّصل تقومُ به [ق 41] الحجّة، فلا ينبغي الإعراضُ عن هذا والتعلّق عليه بالباطل. ثم لو نزلنا عن هذا كلِّه، وضربنا عنه صفحًا إلى التسليم أن محمد ابن عَمرو لم يدرك أبا قتادة, فغايتُه أن يكون الوهم قد وقع في تسمية أبي قتادة وحده دون غيره ممن معه. وهذا لا يُجوِّز بمجرّده تركَ حديثه، والقدحَ فيه عند أحدٍ من الأئمة. ولو كان كلُّ من غَلِط ونسيَ واشتبه عليه اسم رجل بآخر يسقط حديثُه= لذهبت الأحاديثُ ورواتها (3) من أيدي الناس. فهَبْه غلطَ في تسميته أبا قتادة، أفيلزم من ذلك أن يكون ذِكْر باقي الصحابة غلطًا، ويقدحُ في قوله: «سمعت أبا حميد» , و «رأيت أبا حُميد» , أو «أن أبا حميد قال»؟! وأيضًا فإن هذه اللفظة لم يتفق عليها الرواة، وهي قوله: «فيهم أبو قتادة»، فإن محمد بن عَمرو بن حَلْحلة رواه عن محمد بن عَمرو بن عطاء ولم يذكر «فيهم أبو قتادة». ومن طريقه رواه البخاري ولم يذكرها (4). _________ (1) ذكره البيهقي في «معرفة السنن»: (1/ 544) قال: «قال الشافعي في القديم: أخبرنا رجل قال: أخبرني إسحاق بن عبد الله .. » به. (2) عند أبي داود والترمذي. (3). في «رفع اليدين» (ص 251) للمؤلف: «إلا أقلها». (4) في «الصحيح» (828).

(1/202)


وأما عبد الحميد بن جعفر، فرواه عنه هُشَيم ولم يذكرها (1)، ورواه عنه أبو عاصم الضحَّاك بن مَخْلد، ويحيى بن سعيد فذكراها عنه (2). وأظنّ عبد الحميد بن جعفر تفرَّدَ بها. ومما يُبيّن أنها ليست بوهم: أن محمد بن مسلمة قد كان في أولئك الرَّهْط، ووفاته سنة ثلاث وأربعين، فإذا لم تتقاصر سنُّ محمد بن عَمرو عن لقائه، فكيف تتقاصر عن لقاء أبي قتادة؟ ووفاتُه إما بعد الخمسين عند الأكثرين، أو قُبَيل الأربعين عند بعضهم. والله الموفّقُ للصواب (3). 55/ 707 - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كَبَّر للصلاة جَعَل يديه حَذْو مَنْكِبيه، وإذا ركع فَعَل مثل ذلكَ، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك» (4). _________ (1) سبق تخريجه (ص 197). (2) أخرجه أبو داود (963). (3). في هامش الأصل: «بلغ مقابلة فصحّ على أصله». (4). أخرجه أبو داود (738)، وابن خزيمة (694، 695) من طريق يحيى بن أيوب الغافقي وعثمان بن الحكم عن ابن جريج، عن ابن شهاب به. لكن خالفهما عبد الرزاق عند مسلم (392/ 28) فرواه عن ابن جريج به وذكر فيه التكبير ولم يذكر رفع اليدين. وقد رواه عن الزهري غير واحدٍ ولم يذكروا رفع اليدين، منهم عقيل الأيلي عند البخاري (789) ومسلم (392/ 29)، ومعمر عند النسائي (746). وقد رواه عن أبي هريرة كذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن عند البخاري (785) ومسلم (392/ 27)، وأبو صالح ذكوان عند مسلم (392/ 32). فرواية ابن جريج شاذة أو أن الوهم من الرواة عنه.

(1/203)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا الحديث على شرط مسلم رواه جماعةٌ عن الزهري، عن أبي بكر.

  10 - باب مَن لم يذكر الرفعَ عند الركوع

56/ 717 - عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة. 57/ 718 - وفي رواية: قال: «فرفع يديه في أول مرة». 58/ 719 - وفي رواية: «مرة واحدة». وأخرجه الترمذيُّ والنسائي (1). وقال الترمذي: «حديث حسن». وقد حُكيَ عن عبد الله بن المبارك أنه قال: لا يثبت هذا الحديث. وقال غيره: لم يسمع عبد الرحمن من علقمة. وقد يكون خَفِي هذا على ابن مسعود، كما خفي عليه نسخ التطبيق، ويكون ذلك كان في الابتداء قبل أن يُشرع رفع اليدين في الركوع، ثم صار التطبيق منسوخًا، وصار الأمر في السنة إلى رفع اليدين عند الركوع ورفع الرأس منه. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال سفيان بن عبد الملك: سمعت ابنَ المبارك يقول: لم يثبت حديثُ ابن مسعود «أنه رفع يديه في أول تكبيرة» (2). _________ (1). أخرجه أبو داود (748 و 749)، والترمذي (257)، والنسائي (1058)، وأحمد (3681) وغيرهم من طرق عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن به. قال أبو داود: «ليس هو بصحيح على هذا اللفظ». (2). ذكره الترمذي عقب إخراجه للحديث. والبيهقي في «الكبرى»: (2/ 79)، و «الخلافيات ــ مختصره»: (2/ 75).

(1/204)


وقال ابن أبي حاتم في كتاب «العلل» (1): سألتُ أبي عن هذا الحديث فقال: هذا خطأ, يقال: وَهِم فيه الثوريُّ. وروى هذا الحديثَ جماعةٌ عن عاصم فقالوا كلهم: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبَّق» ولم يقل أحدٌ ما روى الثوريّ. وقال الحاكم (2): خبرُ ابن مسعود مختصر, وعاصم بن كُلَيب لم يخرَّج حديثُه في الصحيح. وليس كما قال، فقد احتجَّ به مسلم (3) , إلا أنه ليس في الحفظ كابن شهاب وأمثاله. وأما إنكار سماع عبد الرحمن من علقمة فليس بشيء, فقد سمع منه، وهو ثقة، وأُدخِل على عائشة وهو صبيّ (4). ولكن معارضة سالمٍ عن أبيه بعاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود لا تُقبَل. وقال الأثرم: قال أبو عبد الله: كان وكيع يقول في الحديث «يعني» وربما طرح «يعني» وذَكَر تفسير (5) الحديث، ثم قال أحمد: عن عاصم بن كُليب سمعته منه, يعني من وكيع غير مرة فيه «ثم لم يعد» فقال لي أبو عبد الرحمن _________ (1). (258). (2). نقله عنه تلميذه البيهقي في «الخلافيات ــ مختصره»: (2/ 75). (3). قال البيهقي تعليقًا على قول الحاكم: «يريد ــ والله أعلم ــ «صحيح البخاري»، لأن مسلمًا قد أخرج حديثه عن أبي بردة عن علي ... ». (4). وانظر جواب ابن دقيق العيد عن هذه العلة في «نصب الراية»: (1/ 395) مطولًا. (5). في الأصل و (ش) والمطبوعات: «نفس» وهو تصحيف، والتصويب من كتاب «رفع اليدين» (ص 53) للمؤلف.

(1/205)


الوكيعي (1): كان وكيع يقول فيه: «يعني: ثم لم يعد» وتبسَّم أحمد (2). وقال أبو حاتم البستي في كتاب «الصلاة» له: هذا الحديث له علّة توهِّنه؛ لأن وكيعًا اختصره من حديث طويل, ولفظة «ثم لم يعد» إنما كان وكيع يقولها في آخر الخبر مِن قِبَلِه وقبلها «يعني»، فربما أسقطت «يعني». وحكى البخاريُّ (3) تضعيفَه عن يحيى بن آدم وأحمد بن حنبل وتابعهما عليه, وضعَّفه الدارميُّ والدارقطني والبيهقي. وهذا الحديث روي بأربعة ألفاظ (4): أحدها: قوله: «فرفع يديه في أول مرة ثم لم يعد». والثانية: «فلم يرفع يديه إلا مرة». والثالثة: «فرفع يديه في أول مرة» لم يذكر سواها. والرابعة: «فرفع يديه مرة واحدة». والإدراجُ ممكن في قوله «ثم لم يعد». وأما باقيها فإما أن يكون قد رُوي بالمعنى, وإما أن يكون صحيحًا. 59/ 720 - وعن البراء ــ وهو ابن عازب ــ: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود» (5). _________ (1). هو أحمد بن جعفر الكوفي الوكيعي الضرير (ت 215). ترجمته في «تاريخ بغداد»: (4/ 58)، و «السير»: (10/ 575 - 576). (2). ينظر: «العلل»: (1/ 370) لأحمد. (3). في كتابه «رفع اليدين في الصلاة» (ص 79 - 80). (4). وكل هذه الألفاظ في «السنن» وقد تقدم العزو إليها. (5). أخرجه أبو داود (750)، وأخرجه البخاري في «رفع اليدين» (ص 84)، والبيهقي في «الكبرى»: (2/ 77). وانظر كلام المؤلف حوله بتوسّع في كتابه «رفع اليدين» (ص 43 - 50).

(1/206)


في إسناده يزيد بن أبي زياد، أبو عبد الله الهاشمي، مولاهم الكوفي، ولا يحتج بحديثه، وقال الدارقطني: إنما لُقِّن يزيد في آخر عمره «ثم لم يَعُد» فتَلَقَّنه، وكان قد اختلط. وقال البخاري: وكذلك روى الحفاظ الذين سمعوا من يزيد قديمًا، منهم الثوري، وشعبة، وزهير، ليس فيه: «ثم لا يعود». قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال عثمان الدارمي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ فقال: لا يصح هذا الحديث (1). وقال يحيى بن محمد الذهلي: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهٍ (2). [ق 42] ورواه الشافعيُّ (3) عن ابن عيينة، عن يزيد, ولفظه: «رأيت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه» , قال ابن عيينة: ثم قدمتُ الكوفة فلقيتُ يزيد, فسمعته يحدِّث بهذا. وزاد فيه «ثم لا يعود» فظننتُ أنهم قد لقَّنوه. قال الشافعي (4): ذهب سفيان إلى تغليط يزيد. وقال الإمام أحمد: هذا حديث واهٍ (5). وقال ابن عبد البر (6): تفرَّد به يزيدُ بن أبي زياد, ورواه شعبة والثوري وابن عيينة وهُشَيم وخالد بن عبد الله لم يذكر أحدٌ منهم: «ثم لا يعود». _________ (1). رواه عنه البيهقي في «الكبرى»: (2/ 76). (2). رواه البيهقي في «معرفة السنن»: (1/ 548). ويحيى بن محمد هو الملقّب حَيْكان ابن الإمام الذهلي. ووقع في «رفع اليدين» (ص 47) للمؤلف: «محمد بن يحيى الذهلي» فلعلّه وهم من الناسخ! (3). في «الأم»: (2/ 236). (4). في «الأم» كما تقدم. (5). سبق قريبًا. (6). في «التمهيد»: (9/ 219 - 220).

(1/207)


وقال يحيى بن معين (1): يزيد بن [أبي] (2) زياد ضعيف الحديث. وقال ابن عديّ: ليس بذاك (3). وقال الحميدي الكبير: قلنا للمحتج بهذا: إنما رواه يزيد, ويزيدُ يزيد (4). وقال أحمد في روايةٍ عنه: لا يصحّ عنه هذا الحديث. وقال الدارمي: ومما يحقِّق قولَ سفيان أنهم لقنوه هذه الكلمة: أن الثوريَّ وزهيرَ بن معاوية وهُشيمًا وغيرَهم من أهل العلم لم يجيئوا بها إنما جاء بها من سمع منه بأخرة (5). قال البيهقي (6): وقد رواه إبراهيم بن بشار، عن سفيان، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: «رأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه, وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسَه من الركوع» قال سفيان: فلما قدمتُ الكوفةَ سمعته يقول: «يرفع يديه إذا افتتح الصلاة, ثم لا يعود» وظننت أنهم لقَّنوه. _________ (1). نقل هذه الرواية في «الكامل»: (7/ 275). (2). سقطت من الأصل و (ش). (3). كذا في الأصل و (ش) و «رفع اليدين» للمؤلف، والذي في «الكامل»: (7/ 275) نِسْبة هذا القول لأحمد، ثم قال ابن عدي في آخر الترجمة: «ومع ضعفه يُكتب حديثه». (4). أي: يزيد في إسناد الحديث رفعًا ووصلًا، وفي متنه إدراجًا. ينظر «البدر المنير»: (3/ 488). (5). نقله البيهقي في «الكبرى»: (2/ 76). ووقع في الأصل و (ش) «هشيم» بلا ألف. (6). المصدر نفسه: (2/ 77).

(1/208)


فهذه ثلاثه أوجه عن يزيد, فلو قُدِّر أنه من الحفّاظ الأثبات، وقد اختلف حديثُه، لوجب تركُه والرجوع إلى الأحاديث الثابتة التي لم تختلف, مثل حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه ونحوها. فمعارضتُها بمثل هذا الحديث الواهي المضطرب المخْتَلِف في غاية البطلان. قال الحاكم: وإبراهيم بن بشَّار ثقة مأمون (1)، وقال ابن معين: ليس بشيء (2)، وقال أحمد: يأتي عن سفيان بالطامات, حتى كأنه ليس بسفيان (3).

  11 - باب ما يُستفتحُ به الصلاة من الدعاء

60/ 725 - عن علي بن أبي طالب قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم قال: وجَّهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملكُ لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، واهدِني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سَيّئها لا يصرفُ سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخيرُ كلُّه في يديك [والشر ليس إليك]، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليتَ، أستغفرك وأتوب إليك. وإذا ركع قال: اللهم لك ركعتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومُخِّي وعظامي وعصَبي. وإذا رفع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد مِلءَ السموات والأرض وما بينهما، ومِلْءَ ما شئتَ من شيء بعدُ. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره _________ (1). نقله عنه البيهقي في «الخلافيات - مختصره»: (2/ 80 - 81). (2). ينظر «تهذيب التهذيب»: (1/ 108 - 111). (3). ينظر «موسوعة أقوال أحمد»: (1/ 22).

(1/209)


فأحسن صوره، وشَقَّ سمعه وبصره، وتبارك الله أحسن الخالقين. وإذا سلَّم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخّرتُ، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مِنّي، أنت المقدِّمُ وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت». وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي مطولًا، وأخرجه ابن ماجه مختصرًا (1). قال ابن القيم - رحمه الله -: واختُلِف في وقت هذا الدعاء الذي في آخر الصلاة، ففي «سنن أبي داود» كما ذكره هنا قال «وإذا سلَّم قال»، وفي «صحيح مسلم» روايتان, إحداهما (2): «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم، اللهم اغفر لي» إلى آخره. والرواية الثانية (3): «قال: وإذا سلَّم قال: اللهم اغفر لي» كما ذكره أبو داود. وفي هذا الحديث شيء آخر, وهو أن مسلمًا أدخله في باب صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل, وظاهر هذا أن هذا الافتتاح كان في قيام الليل, وقال الترمذي وابن حبان في «صحيحه» (4) في هذا الحديث: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر ثم قال» الحديث. وروى النسائيُّ (5) من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر قال: «كان _________ (1). أخرجه أبو داود (760)، ومسلم (771)، والترمذي (3421)، والنسائي (1126)، وابن ماجه (1054). وأخرجه أحمد (729)، وابن خزيمة (463)، وابن حبان (1771). وما بين المعكوفين من المصادر، وسقط من بعض نسخ «السنن». (2). (771/ 201). (3). (771/ 202). (4). (1771، 1772). (5). (896).

(1/210)


النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتحَ الصلاةَ كبَّر ثم قال: إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين» وذكر دعاءً بعده. قال النسائي (1): هذا حديث حمصي رجع إلى المدينة ثم إلى مكة.

  12 - باب (2) الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم

61/ 747 - وعن عائشة - رضي الله عنها - ــ وذَكَر [عروة] الإفك ــ قالت: «جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكشف عن وجهه، وقال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} (3) الآية [النور: 11]». قال أبو داود: هذا حديث منكر. قد روى هذا الحديث جماعة عن الزهري، لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح. وأخاف أن يكون أمرُ الاستعاذة منه كلامَ حُميد. هذا آخر كلامه. وحميد ــ هذا ــ هو أبو صفوان حميد بن قيس المكي الأعرج، احتجَّ به الشيخان. قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن القطَّان (4): «حُمَيد بن قيس أحد الثقات, وإنما عِلّته أنه من رواية قَطَن بن نُسَير، عن جعفر بن سليمان، عن حُمَيد. وقَطَن ــ وإن كان روى عنه مسلم ــ فكان أبو زرعة يحمل عليه ويقول: روى عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس أحاديثَ مما أُنْكِر عليه. وجعفرٌ _________ (1) في «الكبرى» (972) (2) كذا في الأصل وبعض نسخ «السنن»، وفي أكثرها: «باب من لم ير الجهر». ينظر «السنن»: (2/ 562 - ط. التأصيل). (3) أخرجه أبو داود (785). من طريق قطن بن نُسير عن جعفر الضُبعي عن حميد الأعرج عن ابن شهاب عن عروة به. (4) في «بيان الوهم»: (3/ 368). وفيه أيضًا سليمان الضّبعي متكلَّم فيه.

(1/211)


أيضًا مختلَف فيه, فليس ينبغي أن يُحْمَل على حُميد ــ وهو ثقة بلا خلاف ــ في شيء جاء به عنه مَن يُخْتَلَف فيه».

  13 - باب مَن ترك القراءةَ في صلاته

62/ 786 - وعن [عبادة بن الصامت] قال: «كُنّا خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فثَقُلَتْ عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، هَذًّا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لِمَنْ لم يقرأ بها». وأخرجه الترمذي (1)، وقال: حديث حسن. قال ابن القيم - رحمه الله -: وأُعِلّ هذا الحديث بأن ابن إسحاق رواه عن مكحول, وهو مدلِّس, لم يصرِّح بسماعه من مكحول وإنما عَنْعَنَه, والمدلِّس إذا عنعن لم يُحتجّ بحديثه, وكذلك رواه أبو داود. قال البيهقي (2): وقد رواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق. فذكر سماعَه فيه من مكحول, فصار الحديثُ بذلك موصولًا صحيحًا. وقد رواه البخاريُّ في كتاب «القراءة خلف الإمام» (3) وقال: هو _________ (1). أخرجه أبو داود (823)، والترمذي (311). وأخرجه أحمد (22671)، وابن حبان (1785) من طريق محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة به. (2). في «معرفة السنن والآثار»: (2/ 52). وقد أخرج هذه الرواية أحمد في «المسند» (22745). (3). (38).

(1/212)


صحيح, ووثَّقَ ابنَ إسحاق وأثنى عليه, واحتج بحديثه فيه (1) , ثم رواه من غير حديث ابن إسحاق أيضًا (2) , وقال: هو صحيح.

  14 - باب مَن رأى القراءةَ إذا لم يجهر

63/ 789 - عن ابن أُكَيمة الليثي، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: «إني أقول: ما لي أُنازَعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيما جهر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. 64/ 790 - وفي رواية لأبي داود: عن الزهري قال: سمعت ابن أُكيمة يحدث سعيد بن المسيب، قال: سمعت أبا هريرة يقول: «صلى بنا سول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة نظن أنها الصبح ــ بمعناه إلى قوله ــ: ما لي أُنازع القرآن؟ وفيها ــ قال معمر، عن الزهري ــ قال أبو هريرة: فانتهى الناس. قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله «فانتهى الناس»: من كلام الزهري. _________ (1). ينظر «القراءة خلف الإمام» (ص 233 - 235). (2). (39). (3). أخرجه أبو داود (826)، والترمذي (312)، والنسائي (2919)، وابن ماجه (848). وأخرجه أحمد (7270) وابن حبان (1843) من طرق عن ابن شهاب عن ابن أُكيمة به.

(1/213)


[ق 43] قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد أعلَّ البيهقيُّ (1) هذا الحديث بابن أُكيمة, وقال: تفرَّد به وهو مجهول, ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدِّث سعيدَ بن المسيب. واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة، وقيل: عمّار, قاله البخاري. وقوله: «فانتهى الناس عن القراءة» من قول الزهري, قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب «الزُّهريات» , والبخاري, وأبو داود (2). واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي, حين ميَّزه من الحديث, وجعله من قول الزهري. قال: وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جَهَر فيه وفيما خافت؟! وقال غيره: هذا التعليل ضعيف, فإن ابن أُكَيمة من التابعين وقد حدَّث بهذا الحديث ولم ينكره عليه أعلمُ الناس بأبي هريرة وهو سعيد بن المسيب، ولا يُعلَم أحدٌ قدحَ فيه ولا جرحَه بما يوجبُ ترك حديثه، ومثل هذا أقلّ درجات حديثه أن يكون حسنًا. كما قال الترمذي (3). وقوله: «فانتهى الناس» وإن كان الزهري قاله فقد رواه مَعْمَر، عن _________ (1). في «الكبرى»: (2/ 158)، و «معرفة السنن»: (2/ 47 - 48)، و «القراءة خلف الإمام» (ص 142) ونقل تعليله عن الحميدي وابن خزيمة. (2). ينظر «القراءة خلف الإمام» (ص 162) للبخاري و «التاريخ الكبير»: (9/ 38) له، و «السنن» (827) لأبي داود، و «البدر المنير»: (3/ 546 - 547). (3). وقد صحح حديثه أبو حاتم الرازي وابن حبان، وروى عنه ثقتان وأخرج له مالك، ولم يتفرد عن الزهري، وكان يحدِّث في مجلس سعيد بن المسيب وهو يصغي إلى حديثه. ينظر «البدر المنير»: (3/ 544 - 547).

(1/214)


الزهري قول أبي هريرة، وأيُّ تنافٍ بين الأمرين؟ بل كلاهما صواب, قاله أبو هريرة كما قال معمر، وقاله الزهري كما قال هؤلاء، وقاله معمر أيضًا كما قال أبو داود. فلو كان قول الزهري له علَّة في قول أبي هريرة لكان قول معمر له علة في قول الزهري, وأن نجعل ذلك كلام معمر. وقوله: «كيف يصحّ ذلك عن أبي هريرة, وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام؟» فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال: «اقرأ بها في نفسك» وهذا مطلق ليس فيه بيان أن يقرأ بها حالَ الجهر. ولعله قال له يقرأ بها في السرِّ والسكتات, ولو كان عامًّا فهذا رأيٌ له خالفه فيه غيرُه من الصحابة، والأخذ بروايته أولى. وقد روى الدارقطنيُّ والبيهقيُّ (1) من حديث زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن نافع بن محمود: «أنه سمع عُبادة بن الصامت يقرأ بأمِّ القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة, فقلت: رأيتُك صنعتَ في صلاتك شيئًا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: سمعتُك تقرأ بأمّ القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة؟ قال: نعم, صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض الصلوات التي يُجْهَر فيها بالقراءة، فلما انصرف قال: «هل منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرتُ بالقراءة؟» قلنا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وأنا أقول: مالي أُنازَع القرآن؟ لا يقرأنَّ أحدٌ منكم شيئًا من القرآن إذا جَهَرتُ بالقراءة, إلا بأم القرآن». قال الدارقطني: إسناده حسن ورجاله ثقات. قال البيهقي (2): وزيد بن واقد ثقة, ومكحولٌ سمع هذا الحديث من _________ (1). الدارقطني (1220)، والبيهقي: (2/ 164). (2). في «معرفة السنن والآثار»: (2/ 53).

(1/215)


محمود بن الربيع, ومن ابنه نافع بن محمود, ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعا من عُبادة بن الصامت. وروى البيهقيُّ (1) من طريق سفيان، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟» قالوا: إنا لنفعل, قال: «فلا تفعلوا, إلا أن يقرأ أحدُكم بفاتحة الكتاب» رواه جماعة عن سفيان. قال: وهذا إسناد صحيح، وأصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - كلُّهم ثقة, فتَرْك ذِكْر أسمائهم في الإسناد لا يضرّ. إذا لم يعارِضْه ما هو أصحّ منه. ولكن لهذا الحديث علّة, وهي أن أيوبَ خالف فيه خالدًا, ورواه عن أبي قِلابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا, وهو كذلك في «تاريخ البخاري» (2) عن مُؤمّل، عن إسماعيل بن عُلَية، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما حديث جابر يرفعه: «مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (3) فله علتان: إحداهما: أن شعبةَ والثوريَّ وابنَ عُيينة وأبا (4) عوانة وجماعةً من _________ (1). في «الكبرى»: (2/ 166)، و «المعرفة»: (2/ 53). (2). (1/ 207). (3). أخرجه ابن ماجه (850)، وأحمد (14643)، والدارقطني (1253)، والبيهقي في «الكبرى»: (2/ 160)، وفي «القراءة خلف الإمام» (ص 150، 155) من طرق عن جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - به. (4). في الأصل و (ش): «وأبو»!

(1/216)


الحفاظ رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شدَّاد مرسلًا (1). والعلة الثانية: أنه لا يصح رفعُه، وإنما المعروف وقفُه (2) , قال الحاكم: سمعت سلَمة بن محمد يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن الحديث المرويِّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»؟ فقال: لم يصح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء, إنما اعتمد مشايخُنا فيه على الروايات عن عليّ وابن مسعود والصحابة. قال الحاكم: أعجبني هذا لما سمعته, فإن أبا موسى أحْفَظ مَن رأينا من أصحاب الرأي تحت أديم السماء, وقد رفعه جابرٌ الجعفي وليثُ بن أبي سُلَيم, عن أبي الزبير، عن جابر, وتابعهما مَن هو أضعف منهما أو مثلهما (3).

  15 - باب ما يُجزئ [الأميَّ] (4) والأعجميَّ من القراءة

65/ 795 - وعن إبراهيم السَّكْسَكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما _________ (1). أخرجه الدارقطني (1233 و 1234)، والطحاوي في «شرح المعاني»: (1/ 317)، والبيهقي في «الكبرى»: (2/ 159 - 160)، وفي «جزء القراءة» (ص 147 - 148) وغيرهم. (2). أخرجه مالك في «الموطأ» (223) عن وهب بن كيسان عن جابر موقوفًا، وإسناده صحيح. وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني»: (1/ 218)، والدارقطني (1241) وغيرهما من طريق يحيى بن سلام عن مالك به مرفوعًا. قال الدارقطني: يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف. (3). ينظر كلام الحاكم في «السنن الكبرى»: (2/ 160)، و «المعرفة»: (2/ 50)، و «جزء القراءة» (ص 215). (4). سقطت من الأصل، والاستدراك من «المختصر» و «السنن».

(1/217)


يجزئني منه، فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله عز وجل، فما لي؟ قال: قل: اللهم ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني. فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا هذا فقد ملأ يديه من الخير». وأخرجه النسائي (1)، وقال: إبراهيم السكسكي ليس بذاك القوي، وقال يحيى بن سعيد القطان: كان شُعبة يُضَعِّف إبراهيم السّكْسَكي. وذكر ابنُ عَديّ أن مدار هذا الحديث على إبراهيم السكسكي. وقد احتجَّ البخاريُّ في «صحيحه» بإبراهيم السكسكي. قال ابن القيم - رحمه الله -: وصحح الدارقطنيُّ هذا الحديث (2).

  16 - باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه

66/ 801 - عن وائل بن حُجْر قال: «رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: هذا حديث حسن _________ (1). أخرجه أبو داود (832)، والنسائي في «الكبرى» (998) مختصرًا. وأخرجه أحمد (19110)، وغيرهم من طرقٍ عن إبراهيم السكسكي به، وإبراهيم فيه ضعف يسير، وقد تابعه طلحة بن مصرف عند ابن حبان (1810)، وإسماعيل بن أبي خالد عند أبي نُعيم في «الحلية»: (7/ 113) وفي إسنادهما ضعف. وانظر حاشية «المسند»: (31/ 455 - 456). وصححه ابن حبان والحاكم على شرط البخاري، وحسَّنه الحافظ في «نتائج الأفكار»: (1/ 70) وضعَّفه النووي في «المجموع» و «الخلاصة»، وتعقَّبه ابن الملقن في «البدر المنير»: (3/ 576). (2). لم أجد تصحيحه في «السنن» ولا في «العلل». وذكر تصحيحه الحافظ في «بلوغ المرام» (285). (3). أخرجه أبو داود (838)، والترمذي (268)، والنسائي (1089)، وابن ماجه (882) من طريق شريك النخعي، وفي حفظه ضعف، وله طريق أخرى عند أبي داود (839) من طريق عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه، وفيها انقطاع. وانظر للكلام على الحديث «البدر المنير»: (3/ 655 - 657).

(1/218)


غريب، لا نعرف أحدًا رواه غير شريك. وذكر أن همَّامًا (1) رواه عن عاصم مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر. وقال النسائي: لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون. وقال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدِّث به عن عاصم بن كُلَيب غير شَريك، وشَريك ليس بالقوي فيما ينفرد به. [ق 44] قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد صحَّحه ابنُ خزيمة وأبو حاتم بن حبان والحاكم (2). 67/ 802 - وعن محمد بن جُحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ فذكر حديث الصلاة ــ قال: فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقعا كَفَّاه. قال همام: وحدثنا شقيق قال: حدثني عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل هذا، وفي حديث أحدهما ــ وأكبرُ علمي أنه في حديث محمد بن جُحادة ــ: وإذا نهضَ نهضَ على ركبتيه، واعتمد على فخذه» (3). _________ (1). تصحفت في خ المختصر إلى «هشامًا». (2). ابن خزيمة (626 و 629)، وابن حبان (1912)، والحاكم: (1/ 226) على شرط مسلم. وصححه أيضًا ابن السكن. وضعَّفه ابن القطان في «بيان الوهم»: (2/ 65 - 66)، وجعله الدارقطني والبيهقي من أفراد شريك، ورجَّح الحازمي في «الاعتبار»: (1/ 330) أن الصواب فيه الإرسال. وتعقبه ابن الملقن في «البدر». (3). أخرجه أبو داود (839)، والبيهقي في «الكبرى»: (2/ 98)، وفي إسناده انقطاع، وأخرجه البيهقي: (2/ 99) من طريق محمد بن حُجر بن عبد الجبار، عن عمه سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه، عن أمه، عن وائل به. ومحمد بن حجر وعمه سعيد ضعيفان.

(1/219)


عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه. وكُلَيب بن شهاب ــ والد عاصم ــ حديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل، فإنه لم يدركه. قال ابن القيم - رحمه الله -: قاله جماعةٌ (1). ومسلم أخرج له من روايته عن أخيه علقمة، عن أبيه وائل (2). 68/ 803 - وعن محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سجدَ أحدُكم فلا يَبْرُك كما يبرك البعير، ولْيَضَعْ يديه قبل ركبتيه» (3). 69/ 804 - وفي رواية: «يعتمد أحدكم في صلاته: يبرك كما يبرك الجمل». وأخرجه الترمذي والنسائي (4). وقال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. وذكر البخاري أن محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ قال ابن القيم - رحمه الله -: قال الترمذي (5): وقد رُوي من حديث عبد الله بن _________ (1). ينظر «تحفة التحصيل»: (ص 276)، و «تهذيب الكمال»: (16/ 401). (2). رقم (401). (3). أخرجه أبو داود (840)، والنسائي في «الكبرى» (682)، وأحمد (8955). من طريق عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد الله به. (4). أخرجه أبو داود (841)، والترمذي (269)، والنسائي في «الكبرى» (681) من طريق عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله به. (5). عقب الحديث رقم (269) ثم قال: «وعبد الله بن سعيد المقبري ضعَّفه يحيى بن سعيد القطان وغيره».

(1/220)


سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة. [قال المنذري]: وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: وهذه سنة تفرد بها أهل المدينة، ولهم فيها إسنادان، هذا أحدهما، والآخر: عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن القيم - رحمه الله -: كان يضع يديه قبل ركبتيه (1). قال المنذري: وأخرج البخاريُّ حديثَه في «صحيحه» مقرونًا بعبد العزيز بن أبي حازم. قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن المنذر (2): وقد زعم بعضُ أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ، وقال هذا القائل: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كُهيل, حدثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: «كنَّا نضعُ اليدين قبل الركبتين، فأُمِرْنا بالركبتين قبل اليدين» تم كلامه. _________ (1). أخرجه ابن خزيمة (627)، والدارقطني (1303)، والحاكم: (1/ 226) وصححه على شرط مسلم، وهو عند أبي داود من رواية ابن العبد كما في «التحفة»: (6/ 156) وقال: «روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث مناكير». (2). في «الأوسط»: (3/ 166 - 167)، وأراد بقوله: «بعض أصحابنا» الإمامَ ابن خزيمة، فقد ذكر هذا الإسناد بعينه في «صحيحه» (628)، وبوّب عليه بقوله: «باب ذكر الدليل على أن الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين عند السجود منسوخ ... ». لكن هذا الإسناد ضعيف جدًّا، فيه إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل متروك، وإبراهيم ابنه ضعيف. ويحيى بن سلمة أيضًا ضعيف كما سيأتي.

(1/221)


وهذا الحديث هو في «الصحيحين» (1) عن مصعب بن سعد قال: «صليتُ إلى جنب أبي, فجعلتُ يديَّ بين ركبتيَّ, فنهاني عن ذلك, فعدْتُ, فقال: لا تصنع هذا, فإنَّا كنّا نفعله فنُهِينا عن ذلك, وأُمِرْنا أن نضع أيدينا على الرُّكَب». فهذا هو المعروف عن سعد أن المنسوخ هو قصة التطبيق ووضع الأيدي على الرُّكَب, ولعلَّ بعض الرواة غلط فيه من وضع اليدين على الركبتين إلى وضع اليدين قبل الركبتين. قال ابن المنذر (2): وقد اختلف أهلُ العلم في هذا الباب، فممن رأى أن يضعَ ركبتيه قبل يديه: عمرُ بن الخطاب, وبه قال النخعي، ومسلم بن يسار، والثوري, والشافعي, وأحمد, وإسحاق, وأبو حنيفة وأصحابه, وأهل الكوفة. وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه, قاله مالك. وقال الأوزاعيُّ: أدركتُ الناسَ يضعون أيدِيَهم قبل رُكَبهم, ورُوِي عن ابن عمر فيه حديث. أما حديث سعد ففي إسناده مقال (3)، ولو كان محفوظًا لدلَّ على النَّسْخ, غير أن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق. وقد روى الدارقطني (4) من حديث حفص بن غِياث عن عاصم الأحول، عن أنس قال: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ... انحطَّ بالتكبير, فسبقت ركبتاه يديه. وروى البيهقيُّ (5) من حديث إبراهيم بن موسى، عن محمد بن فُضَيل، _________ (1). البخاري (790)، ومسلم (535). (2). في «الأوسط»: (3/ 164 - 165). (3). تقدم ذكره. (4). (1308). (5). (2/ 100).

(1/222)


عن عبد الله بن سعيد، عن جَدّه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سجد أحدُكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرُك بروكَ الجَمَل». قال البيهقي: وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن فُضَيل، إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف. قلت: قال أحمد والبخاري: متروك (1). وهذا الحديث الذي أشار إليه الترمذي (2) , وهو خلاف حديث الأعرج عنه. وقد روى ابنُ خزيمة في «صحيحه» (3) من حديث يحيى بن سلمة بن كُهَيل، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين, فأُمِرنا بالركبتين قبل اليدين» وهذا الحديث مداره على يحيى بن سلمة بن كُهَيل (4) , وقد قال النسائي: ليس بثقة, وقال البخاري: في أحاديثه مناكير. قال البيهقي (5): المحفوظ عن مصعب بن سعد، عن أبيه نسخ التطبيق, وإسناد هذه الرواية ضعيف, وكذلك قال الحازميُّ (6) وغيره. والراجحُ البداءةُ بالركبتين لوجوه: أحدها: أن حديث وائل بن حُجْر لم يُخْتَلف عليه, وحديث أبي هريرة _________ (1). ينظر «التاريخ الكبير»: (5/ 105)، و «الجرح والتعديل»: (5/ 71). (2). عقب حديث (269). (3). (628). (4). ترجمته في «التاريخ الكبير»: (8/ 277 - 278) و «الجرح والتعديل»: (9/ 154)، و «تهذيب التهذيب»: (11/ 224 - 225). (5). في «معرفة السنن والآثار»: (2/ 5)، و «السنن الكبرى»: (2/ 100). (6). في «الاعتبار»: (1/ 328).

(1/223)


قد اخْتُلِف فيه كما ذكرنا. الثاني: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التشبُّه بالجَمَل في بروكه, والجمل إذا برك إنما يبدأ بيديه قبل ركبتيه. وهذا موافق لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التشبُّه بالحيوانات في الصلاة, فنهى عن التشبُّه بالغراب في النَّقْر, والتفاتٍ كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السَّبُع، وإقعاء كإقعاء الكلب, ورفع الأيدي في السلام كأذناب الخيل, وبروك كبروك البعير. الثالث: حديث أنس (1) من رواية حفص بن غياث، عن عاصم الأحول عنه, ولم يختلف. الرابع: أنه ثابت عن عمر بن الخطاب (2) , وأما حديث عبد الله ابنه فالمرفوع منه ضعيف, وأما الموقوف فقال البيهقي (3): المشهور عنه: «إذا سجد أحدكم فليضع يديه, فإذا رفع فليرفعهما, فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه» فهذا هو الصحيح عنه.

  17 - باب صلاة مَن لا يقيم صُلْبَه في الركوع والسجود

قال ابن القيم - رحمه الله - ــ عقب حديث المسيئ صلاته وغيره من الأحاديث الواردة في الباب ــ (4): فصلٌ في سياق صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبيان اتفاق _________ (1). تقدم. (2). أخرجه ابن أبي شيبة (2719)، وابن المنذر في «الأوسط»: (3/ 165). (3). في «معرفة السنن»: (2/ 4)، وينظر «السنن الكبرى»: (2/ 101 - 102). وقد أخرج الحديث المرفوع أبو داود (892)، والنسائي في «الكبرى» (683)، وأحمد (4501). وأخرجه مالك في الموطأ (450) موقوفًا. (4). ساق المنذري في «مختصره» عشرة أحاديث في الباب الأرقام (819 - 828).

(1/224)


الأحاديث [ق 45] فيها، وغلط مَن ظنَّ أن التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سُرَّاق الصلاة والنقَّارون لها: ففي «الصحيحين» (1) عن البراء بن عازب قال: «رمقتُ الصلاةَ مع محمد - صلى الله عليه وسلم -, فوجدتُ قيامَه فركعتَه فاعتدالَه بعد ركوعه، فسَجْدَته فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء» لفظ مسلم. وفي «صحيح مسلم» (2) أيضًا: عن شعبة، عن الحكم قال: غَلَب على الكوفة رجلٌ قد سماه زمنَ ابنِ الأشعث, فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصليَ بالناس, فكان يصلي, فإذا رفع رأسَه من الركوع قام قدرَ ما أقول: «اللهم ربنا لك الحمد، مِلءَ السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيءٍ بعد, أهلَ الثناء والمجد, لا مانعَ لما أعطيتَ, ولا معطيَ لما منعتَ, ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجَدُّ». قال الحَكَم: فذكرتُ ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال: سمعتُ البراءَ بنَ عازب يقول: كانت صلاةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركوعُه، وإذا رفعَ رأسَه من الركوع، وسجودُه، وما بين السجدتين قريبًا من السواء. وروى البخاريُّ (3) هذا الحديث وقال فيه: «ما خلا القيامَ والقعودَ, قريبًا من السواء». ولا شكّ أن القيامَ: قيامَ القراءة، وقعودَ التشهُّد يزيدان في الطول على بقية الأركان. ولما كان - صلى الله عليه وسلم - يوجز القيامَ ويستوفي بقيةَ الأركان صارت صلاتُه قريبًا من السواء. فكلُّ واحدةٍ من الروايتين تُصَدِّق الأخرى. _________ (1). أخرجه البخاري (792)، ومسلم (471/ 193). (2). (471/ 194). (3). (792).

(1/225)


والبراءُ تارةً قرَّب ولم يحدِّد, فلم يذكر القيامَ والقعودَ, وتارةً استثنى وحدَّد، فاحتاج إلى ذِكْر القيام والقعود. وقد غلط بعضُهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود أنه استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين, فإنه كان يُخَفّفهما فلم يكونا قريبًا من بقية الأركان، فإنهما ركنان قصيران. وهذا من سوء الفهم, فإن سياق الحديث يُبْطِله, فإنه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما, فكيف يذكرهما مع بقية الأركان، ويخبر عنهما بأنهما مساويان لها, ثم يستثنيهما منها؟ وهل هذا إلا بمنزلة قول القائل: قام زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدًا وعَمْرًا؟! وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عدَّة أحاديث صحيحة صريحة، أحدها هذا. وقد استدلَّ البراءُ بن عازب على إصابة أبي عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع بقوله: «كانت صلاةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وركوعُه، وإذا رفعَ رأسه، وسجودُه، وما بين السجدتين قريبًا من السواء». ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخفِّف هذين الركنين لأنكر البراءُ صلاةَ أبي عبيدة, ولم يرو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يتضمَّن تصويبَه. ومنها: ما رواه مسلم في «صحيحه» (1) من حديث حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس قال: «ما صليتُ خلفَ أحدٍ أوجزَ صلاةً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تمام، كانت صلاةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقاربة, وكانت صلاة أبي بكر متقاربة, فلما كان عمر مدَّ في صلاة الفجر. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قامَ حتى نقول: قد أَوْهَم, ثم يسجدُ ويقعُد بين _________ (1). (473).

(1/226)


السجدتين حتى نقول: قد أوهم». رواه مسلم بهذا اللفظ. ورواه أبو داود (1) من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت وحُميد، عن أنس قال: «ما صليتُ خلفَ رجلٍ أوْجَزَ صلاةً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تمام, وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قام حتى نقول: قد أوهم, ثم يكبِّر, ثم يسجد, وكان يقعُدُ بين السجدتين حتى نقولَ: قد أوهم». فجمع أنسٌ - رضي الله عنه - في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ وإتمامها، وأنّ من إتمامها إطالة الاعتدالين جدًّا, كما أخبر به. وقد أخبر أنه ما رأى أوجزَ صلاةً منها ولا أتمّ, فيشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام, والإتمام إلى الركوع والسجود ورُكني الاعتدال, فبهذا تصير الصلاةُ تامَّةً موجزة, فيصدق قوله: «ما رأيتُ أوْجَزَ منها ولا أتمّ». ويطابق هذا حديثَ البراء المتقدِّم. وأحاديثُ أنسٍ كلُّها تدلّ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطيل الركوعَ والسجودَ والاعتدالين زيادةً على ما يفعله أكثرُ الأئمة ويعتادونه. وروايات «الصحيحين» تدلُّ على ذلك؛ ففي «الصحيحين» (2) عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا. قال ثابت فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه, كان إذا رفعَ رأسَه من الركوع انتصبَ قائمًا, حتى يقول القائل: قد نسي, وإذا رفع رأسَه في السجدة مكَثَ حتى يقول القائل: قد نسي». وفي لفظ: «وإذا رفع رأسه بين _________ (1). (853). (2). البخاري (821)، ومسلم (472).

(1/227)


السجدتين» (1). وفي رواية للبخاري (2) من حديث شعبة، عن ثابت: «كان أنس ينعتُ لنا صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فكان يصلي، وإذا رفع رأسَه مِن الركوع قام حتى نقول: قد نسي». وهذا يبيِّن أن إطالة ركني الاعتدال مما ضُيِّع من عهدِ ثابتٍ. ولهذا قال: «فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تفعلونه». وهذا والله أعلم مما أنكره أنسٌ مما أحْدَث الناسُ في الصلاة حيث [ق 46] قال: «ما أعلم شيئًا مما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قيل: ولا الصلاة؟ قال: أوليس قد أحدثتم فيها؟» (3). فقول ثابت: إنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس: وقول أنس: «إنكم قد أحدثتم فيها» يبين لك أن تقصير هذين الركنين هو مما أُحْدِث فيها. ومما يدلّ على أن السنة إطالتهما: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بالليل, فقرأ البقرة والنساء وآل عمران, وركع نحوًا من قيامه، ورفع نحوًا من ركوعه, وسجد نحوًا من قيامه, وجلس نحوًا من سجوده» متفق عليه (4). وفي «صحيح مسلم» (5) عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «اللهم ربَّنا لك الحمدُ ملءُ السموات وملءُ الأرض وما _________ (1). هو لفظ البخاري بالرقم السالف، ومسلم (473/ 196). (2). (800). (3). أخرجه البخاري (529) بنحوه، وأخرجه أحمد (11977)، والترمذي (2447) وغيرهم. وزاد في ط. الفقي في آخره: «ما أحدثتم». (4). أخرجه مسلم (772)، ولم أجده في البخاري. (5). (478).

(1/228)


بينهما، وملءُ ما شئتَ مِن شيءٍ بعدُ, أهلَ الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيتَ ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منكَ الجدُّ». وفي «صحيح مسلم» (1) عن أبي سعيد قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسَه من الركوع قال: «اللهم ربنا لكَ الحمدُ ملءُ السموات وملءُ الأرض وملءُ ما شئتَ مِن شيء بعد, أهلَ الثناء والمجد, أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لكَ عبد, لا مانع لما أعطيتَ ولا معطيَ لما منعتَ, ولا ينفعُ ذا الجدِّ منكَ الجَدُّ». وفي «صحيح مسلم» (2) نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وزاد بعد قوله: «وملء ما شئت من شيء بعد: اللهم طهِّرني بالثلج والبرد والماء البارد, اللهم طهِّرني من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الوَسَخ» (3). فهذه الأذكار والدعوات ونحوها ــ والله أعلم ــ من التي كان يقولها في حديث أنس: «أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا: قد أوهم» لأنه ليس محلّ سكوتٍ, فجاء الذِّكْر مفسَّرًا في هذه الأحاديث. وروى النسائيُّ وأبو داود (4) عن سعيد بن جُبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «ما صليتُ وراءَ أحدٍ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبه صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفتى, يعني عمر بن عبد العزيز. قال: فحزرنا في ركوعه عشرَ تسبيحات, وفي سجوده عشرَ تسبيحات» وإسناده ثقات. _________ (1). (477). (2). (476). (3). (476/ 204). (4). أخرجه أبو داود (888)، والنسائي في «الكبرى» (725)، وأحمد (12661).

(1/229)


وفي «صحيح مسلم» (1) عن أبي قَزْعة قال: «أتيتُ أبا سعيد الخدريَّ وهو مكثورٌ عليه, فلما تفرَّق الناسُ عنه قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه, أسألك عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: ما لك في ذلك من خير, فأعادها عليه, فقال: كانت صلاةُ الظهر تُقام, فينطلق أحدُنا إلى البقيع, فيقضي حاجته, ثم يأتي أهلَه فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد, ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى»، وفي رواية: «مما يطوِّلها» (2). وفي هذا ما يدلُّ على أن أبا سعيد رأى أن صلاةَ الناسِ في زمانه أنقصُ مما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلها. ولهذا قال للسائل: «ما لك في ذلك من خير». وفي «الصحيحين» (3): «أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة». ومن المتيقّن أنه - صلى الله عليه وسلم - لم تكن قراءته في الصلاة هذًّا بل ترتيلًا بتدبُّرٍ وتأنٍّ. وروى النسائيُّ (4) بإسناد صحيح عن عائشة: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بسورة الأعراف, فرَّقها في ركعتين». وأصله في «الصحيح» (5): «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بِطُولى الطّولَيين» يريد الأعرافَ, كما جاء مفسَّرًا في رواية النسائي. _________ (1). (454/ 162). (2). في مسلم (454/ 161). (3). البخاري (547)، ومسلم (647). من حديث أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه -. (4). (991). وحسّن إسناده النووي في «الخلاصة»: (1/ 386)، وابن الملقن في «البدر المنير»: (3/ 183)، وله شاهد من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، أخرجه ابن خزيمة (517)، والحاكم: (1/ 237) وصححه على شرط الشيخين. (5). أخرجه البخاري (764)، والنسائي (989 و 990) من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -.

(1/230)


وفي «الصحيحين» (1) عن جُبَير بن مُطعِم: «أنه سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور». وفي «الصحيحين» (2) عن ابن عباس: أنّ أمّ الفضل بنت الحارث سمعَتْه وهو يقرأ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} , فقالت: يا بُنيّ لقد ذَكَّرتني بقراءتك هذه السورة, إنها لآخر ما سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب. وهذا يدلُّ على أن هذا الفعل غير منسوخ, لأنه كان في آخر حياته - صلى الله عليه وسلم -. وقد روى الإمام أحمد (3) عن أبي هريرة قال: شكا أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مشقَّةَ السجود عليهم, قال: «استعينوا بالرُّكَب» قال ابن عجلان: هو أن يضع مَرْفِقَيه على ركبتيه إذا طال السجودُ وأعيا. وهذا يدلُّ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطيل السجود بحيث يحتاج الصحابةُ إلى الاعتماد على رُكَبهم, وهذا لا يكون مع قِصَر السجود. وفي «الصحيحين» (4) أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأقومُ في الصلاة وأنا أريدُ أن _________ (1). البخاري (765)، ومسلم (463). (2). البخاري (763)، ومسلم (462). (3). في «المسند» (8477)، وهو عند أبي داود (902)، والترمذي (286)، وابن حبان (1918)، والحاكم: (1/ 229) وصححه على شرط مسلم من رواية ابن عجلان، عن سميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. وحسَّنه النوويّ في «الخلاصة»: (1/ 412)، وصححه أحمد شاكر. ورواه الثوري وابن عيينة عن سُميّ، عن النعمان بن أبي عياش عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا، ورجَّحه البخاري وأبو حاتم الرازي والدارقطني. ينظر: «فتح الباري»: (5/ 109 - 110) لابن رجب الحنبلي. (4). البخاري (709)، ومسلم (470) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.

(1/231)


أُطَوِّل فيها, فأسمع بكاءَ الصبيِّ فأتجوَّز فيها مخافَة أن أشقَّ على أُمِّه». وأما ما رواه مسلم في «صحيحه» (1) من حديث جابر بن سَمُرة: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفجر بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} , وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا» فالمراد به ــ والله أعلم ــ أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفًا, يعني أنه كان يطيلُ قراءةَ الفجر ويخفِّف قراءةَ بقية الصلوات، لوجهين: أحدهما: أن مسلمًا روى في «صحيحه» (2) عن سِماك بن حرب قال: سألتُ جابر بن سَمُرة عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: كان يخفِّف الصلاةَ ولا يصلي صلاةَ هؤلاء, قال: وأنبأني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفجر [ق 47] بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} ونحوها. فجمع بين وصف صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بـ {ق}. الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي ما زال يصليها. ولم يذكر أحدٌ أنه نقص في آخر أمره من الصلاة, وقد أخبرَتْ أمُّ الفضل عن قراءته في المغرب بـ «المرسلات» في آخر الأمر, وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصَّل. وأما قوله: «ولا يصلي صلاةَ هؤلاء» فيحتمل أمرين: أحدهما: أنه لم يكن يحذف كحذفهم, بل يتمّ الصلاة. والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءةَ إطالتهم. _________ (1). (458). (2). (458/ 169). وقوله: «المجيد» في إحدى روايات الصحيح.

(1/232)


وفي «مسند أحمد» و «سنن النسائي» (1) عن عبد الله بن عمر قال: «إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأمرنا بالتخفيف, وإن كان ليؤمّنا بالصافات». وهذا يدلُّ على أن الذي أَمَر به هو الذي فعَلَه, فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمرَ أصحابَه أن يصلوا مثلَ صلاته, ولهذا صلى على المنبر وقال: «إنما فعلت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي» (2). وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (3). وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمَّى خفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، وطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخفّ منه, فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعُرْف, لأنه ليس له عادة في العرف، كالقبض والحِرز والإحياء والاصطياد, حتى يُرْجَع فيه إليه, بل هو من العبادات التي يُرْجَع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع, كما يُرْجَع إليه في أصلها, ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاةُ الشرعية اختلافًا متباينًا لا ينضبط, ولكان لكلِّ أهل عصر ومصر ــ بل لأهل الدرب والسِّكّة, وكلّ محلّ وكل (4) طائفة ــ غَرَض وعُرْف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عُرْفَ غيرِهم, وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة, وجَعْل السنة تابعةً لأهواء _________ (1). أخرجه أحمد (4796)، والنسائي في «المجتبى» (826) وفي «الكبرى» (902). وأخرجه ابن خزيمة (1606)، وابن حبان (1817). وفي إسناده الحارث بن عبد الرحمن القرشي صدوق، وبقية رجاله ثقات. (2). أخرجه مسلم (544) من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنهما -. (3). أخرجه البخاري (631)، ومسلم (674)، وليس في مسلم لفظ: «صلوا كما رأيتموني أصلي». (4). الأصل و (ش، هـ) والمطبوعات: «فكل» ولعله ما أثبت.

(1/233)


الناس, فلا يُرْجَع في التخفيف المأمور به إلَّا إلى فعله - صلى الله عليه وسلم -, فإنه كان يصلي وراءَه الضعيفُ والكبيرُ وذو الحاجة, وقد أَمَرَنا بالتخفيف لأجلهم, فالذي كان يفعله هو التخفيف, إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلِّله بعلّةٍ، ثم يفعل خلافَه مع وجود تلك العلة, إلا أن يكون منسوخًا. وفي «صحيح مسلم» (1) عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ طولَ صلاةِ الرجل وقِصَرَ خطبته مَئِنَّةٌ مِن فقهِهِ, فأطيلوا الصلاةَ واقْصُروا الخُطبةَ, وإن من البيان سِحْرًا». فجعل طولَ الصلاة علامةً على فقه الرجل, وأمر بإطالتها, وهذا الأمر إما أن يكون عامًّا في جميع الصلوات, وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة, فإن كان عامًّا فظاهر, وإن كان خاصًّا بالجمعة مع كون الجَمْع فيها يكون عظيمًا، وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة, وتُفْعَل في شدَّة الحرّ, ويتقدمها خطبتان، ومع هذا فقد أمر بإطالتها, فما الظنُّ بالفجر ونحوِ التي تُفْعَل وقتَ البرد والراحة مع قلة الجَمْع؟! وقد روى النسائيُّ في «سننه» (2): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الفجر بالروم. وفي «سنن أبي داود» (3) عن جابر بن سَمُرة: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دحضَتِ الشمسُ صلى الظهرَ وقرأ بنحوٍ من {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} , والعصر كذلك, والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها». _________ (1). (869). (2). (947)، وفي «الكبرى» (1021)، وأحمد (15873) عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورجاله ثقات غير أبي روح وحديثه حسن. وقد حسَّنه ابن كثير في «تفسيره»: (6/ 2738). (3). (806)، وأخرجه النسائي (980)، ومسلم (618، 459) مختصرًا.

(1/234)


وقد روى الإمام أحمد والنسائيُّ (1) بإسنادٍ على شرط مسلم عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: «ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبَهَ صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فلان, قال سليمان: كان يُطيل الركعتين الأوليين من الظهر, ويخفِّف الأُخريين, ويخفِّف العصرَ, ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل, ويقرأ في العشاء بوسط المفصَّل, ويقرأ في الصبح بطوالِ المفصّل». وفي «الصحيحين» (2) عن أبي بَرْزة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلي الصبحَ فينصرفُ الرجلُ فيعرفُ جليسَه, وكان يقرأ في الركعتين ــ أو إحداهما ــ ما بين الستين إلى المائة» لفظ البخاري. وهذا يدلُّ على أمرين: شدة التغليس بها, وإطالتها. فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث معارَض بما يدلُّ على نقيضه, وأن السنة هي التخفيف, فروى أبو داود في «سننه» (3) من حديث ابن وهب، أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العَمْياء، أن سهل بن أبي أُمامة حدَّثه «أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمن عمر _________ (1). أحمد (7991)، والنسائي في «المجتبى» (982) وفي «الكبرى» (1056). (2). البخاري (771)، ومسلم (647). (3). (4904). وأخرجه أبو يعلى (3694) من طريق أحمد بن عيسى عن ابن وهب به. قال الهيثمي في «المجمع»: (6/ 259): رجاله رجال الصحيح غير ابن أبي العمياء، وهو ثقة. وصحح إسناده البوصيري في «الإتحاف»: (5/ 258). وقول الهيثمي عن ابن أبي العمياء: «ثقة» فيه نظر، فلم يوثقه غير ابن حبان. وقال الحافظ: «مقبول» أي حيث يُتابع. وللحديث متابعات وشواهد ضعيفة.

(1/235)


بن عبد العزيز, وهو أمير المدينة, فإذا هو يصلي صلاةً خفيفةً كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها, فلما سلَّم قال [أبي]: يرحمُك الله, أرأيتَ هذه الصلاة المكتوبة, أم شيء تَنَفَّلْتَه؟ قال: إنها لَلْمَكتوبة, وإنها لَصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, [ما أخطأتُ إلا شيئًا سهوتُ عنه، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (1) كان يقول: «لا تشدِّدوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم, فإنّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم, فتلك بقاياهم في الصوامع والديار. {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27]». وسهلُ بن أبي أُمامة وثَّقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم (2). وفي «الصحيحين» (3) عن أنس قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوجِزُ الصلاةَ [ق 48] ويكمِّلها». وفي «الصحيحين» (4) أيضًا عنه قال: «ما صليتُ وراءَ إمامٍ قطّ أخفّ صلاةً ولا أتمّ من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -». زاد البخاريُّ: «وإن كان ليسمع بكاءَ الصبيِّ فيخفف, مخافة أن تفتتن أمُّه». وفي «سنن أبي داود» (5) عن رجل من جُهينة: «أنه سمع النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصبح: {إِذَا زُلْزِلَتِ} في الركعتين كلتيهما, فلا أدري أنسيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أم عمدًا فَعَل ذلك». وفي «صحيح مسلم» عن جابر بن سَمُرة: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر بـ {اللَّيْلِإِذَا يَغْشَى} , وفي العصر نحو ذلك». _________ (1). ما بين المعقوفات مستدرك من «سنن أبي داود». (2). تنظر ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (4/ 246). (3). البخاري (706)، ومسلم (469/ 189). (4). البخاري (708)، ومسلم (469/ 190). (5). (816)، وأخرجه البيهقي: (2/ 390). وإسناده صحيح.

(1/236)


وفي «سنن ابن ماجه» (1) عن ابن عمر قال: «كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]». وفي «سنن ابن ماجه» (2) عن عَمرو بن حُرَيث قال: «كأني أسمع صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة الغداة: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير: 15 - 16]». وفي «سنن أبي داود» (3) عن جابر بن سَمُرة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر بـ {السَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} , {السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} , وشبههما». وفي «صحيح مسلم» (4) عنه أيضًا قال: «كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر بـ {اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} , وفي العصر نحو ذلك, وفي الصبح أطول من ذلك». وفي «الصحيحين» (5) عن البراء: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قرأ في العشاء بـ {التِّينِ _________ (1). (833). وأخرجه الطبراني في «الكبير»: (12/ 377) من طريق أحمد بن بُديل، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله بن نافع، عن ابن عمر به. وأحمد بن بديل فيه ضعف، وقال الدارقطني: تفرّد به حفص بن غياث عن عبيد الله. وقال الحافظ في «الفتح»: (2/ 248): «ظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول». (2). (817)، وأخرجه مسلم (456)، وأبو داود (817). (3). (805)، وأخرجه الترمذي (307)، والنسائي (979)، وأحمد (20982) وغيرهم. وحسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان (1827). (4). (459). (5). البخاري (767)، ومسلم (464).

(1/237)


وَالزَّيْتُونِ} , في السفر». وفي بعض السنن (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ في الصبح بالمعوِّذتين. وفي «الصحيحين» (2) عن جابر: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: «أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ هلَّا صليتَ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} , {الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} , {اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}؟». وفي «الصحيحين» (3) عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صلى أحدُكم للناس فليخفِّف، فإن فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبير, وإذا صلى أحدُكم لنفسه فليطوِّل ما شاء». ورواه ابنُ ماجه (4) من حديث عثمان بن أبي العاص. وفي «صحيح مسلم» (5) عن أنس قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يسمعُ بكاءَ الصبيِّ مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة (6). فالجواب: أنه لا تعارُضَ بحمد الله بين هذه الأحاديث, بل هي أحاديث _________ (1). أخرجه النسائي (952) وفي «الكبرى» (1026). وأخرجه ابن حبان (1818)، وابن خزيمة (536)، والحاكم: (1/ 240) من حديث عقبة بن عامر وصححه الحاكم على شرط الشيخين. (2). البخاري (705)، ومسلم (465/ 17). (3). البخاري (703)، ومسلم (467/ 184). (4). (988). (5). (470/ 191). (6). في هامش الأصل و (ش): «بياض في الأصل» ثم ترك فراغًا بمقدار سطر.

(1/237)


يصدِّقُ بعضُها بعضًا, وأن ما وصَفَه أنسٌ من تخفيف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - صلاتَه هو مقرونٌ بوصفه إيّاها بالتمام كما تقدم, وهو الذي وصفَ تطويلَه ركنَي الاعتدال حتى كانوا يقولون: «قد أوْهَم» , ووصفَ صلاةَ عمرَ بن عبد العزيز بأنها تشبه صلاةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -, مع أنهم قدَّروها بعشر تسبيحات. والتخفيف الذي أشار إليه أنس, هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود, كما جاء مصرَّحًا به فيما رواه النسائي (1) عن قتيبة، عن العطَّاف بن خالد، عن زيد بن أسلم قال: «دخلنا على أنس بن مالك فقال: صليتم؟ قلنا: نعم, قال: يا جارية, هَلُمِّي لنا وضوءًا. ما صليتُ وراءَ إمامٍ أشبَهَ بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إمامكم هذا, قال زيد: «وكان عمر بن عبد العزيز يتمُّ الركوعَ والسجودَ, ويخففُ القيامَ والقعودَ» وهذا حديثٌ صحيح, فإن العطَّاف بن خالد المخزومي وثقه ابنُ معين, وقال أحمد: ثقة صحيح الحديث (2). وقد جاء هذا صريحًا في حديث عمران بن حُصَين, لما صلى خلفَ عليٍّ بالبصرة قال: «لقد أذكرني صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت صلاةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتدلة, كان يخفِّف القيامَ والقعودَ ويطيلُ الركوعَ والسجودَ» (3). وقد تقدَّم قولُ أنس: «كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقاربة»، وحديث البراء بن عازب: «أن قيامَه - صلى الله عليه وسلم - وركوعَه وسجودَه كان قريبًا من السواء» (4). _________ (1). (981)، وفي «الكبرى» (1055)، وأخرجه أحمد (13351). وإسناده حسن من أجل عطاف بن خالد، ففي حفظه كلام، وصححه المصنف. (2). ينظر ما سبق (ص 189، 198) وتنظر ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (7/ 222). (3). أخرجه البخاري (786)، ومسلم (393/ 33). (4). تقدم تخريجها.

(1/239)


فهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على معنى واحد, (1) أنه كان يطيل الركوعَ والسجودَ ويخفِّفُ القيامَ. وهذا بخلاف ما كان يفعله بعضُ الأمراء الذين أنكر الصحابةُ صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله غالبًا, وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين. ولهذا أنكر ثابتٌ عليهم تخفيف الاعتدالين, وقال: «كان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه» (2). وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة. وأنسٌ فقد وصف خِفَّة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -, وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبد العزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين، وأحاديثُه لا تتناقض, والتخفيفُ أمرٌ نسبيٌّ إضافيّ, فعشر تسبيحات وعشرون آية أخفّ من مائة تسبيحة ومائتي آية, فأيُّ معارَضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة؟! وأما تخفيف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ عند بكاء الصبيّ, فلا يُعارِض [ق 49] ما ثبت عنه من صفة صلاته, بل قد قال في الحديث نفسه: «إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها, فأسمع بكاءَ الصبيِّ فأتجَوَّز». فهذا تخفيفٌ لعارض, وهو من السنة, كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف, وكلُّ ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض, كما ثبت عنه أنه قرأ في السَّفَر في العشاء بالتين والزيتون، وكذلك قراءته في الصبح بالمعوِّذَتَين (3) , فإنه كان في السَّفَر, ولذلك رفع الله تعالى الجُنَاح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف. _________ (1). زاد في ط. الفقي: «وهو»، والمعنى واضح بدونها. (2). تقدم تخريجه. (3). تقدم تخريجها.

(1/240)


والقصرُ قصران: قصرُ الأركان, وقصرُ العدد؛ فإن اجتمع السفر والخوف, اجتمع القصران, وإن انفرد السفرُ وحده شُرِع قصر العدد, وإن انفرد الخوفُ وحدَه, شُرِع قصر الأركان. وبهذا يُعْلَم سرّ تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر, فإن القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنما يُشْرَع عند الخوف والسفر، فإن انفرد أحدُهما بقي مطلق القصر, إما في العدد وإما في القَدْر. ولو قُدّر أنه - صلى الله عليه وسلم - خفّفَ الصلاةَ لا لعذرٍ, كان في ذلك بيان الجواز, وأن الاقتصار على ذلك العذر ونحوه يكفي في أداء الواجب. فأما أن يكون هو السُّنَّة وغيره مكروه, مع أنه فِعْل النبي - صلى الله عليه وسلم - في أغلب أوقاته فحاشى وكلّا, ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف, والذين رووا التخفيف رووه أيضًا, فلا تُضْرَب سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعضُها ببعض, بل يُستعمل كلٌّ منها في موضعه. وتخفيفُه إما لبيان الجواز, وتطويله لبيان الأفضل، وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عَرَض ما يقتضي التخفيفَ, فيكون التخفيف في موضعه أفضل, والتطويل في موضعه أفضل, ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل, وهذا اللائق بحاله - صلى الله عليه وسلم -, وجزاه عنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته, وهو اللائق بمن اقتدى به وائتمَّ به - صلى الله عليه وسلم -. وأما حديث معاذ فهو الذي فَتَن النقَّارين وسُرّاق الصلاة, لعدم علمهم بالقصة وسياقها؛ فإنّ معاذًا صلى مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عشاء الآخرة, ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء, فقرأ بهم بسورة (1) البقرة. هكذا جاء في _________ (1). كذا في الأصل و (ش، هـ)، وفي المطبوعات: «سورة» خلاف الأصل.

(1/241)


«الصحيحين» (1) من حديث جابر: «أنه استفتح بهم بسورة البقرة, فانفرد بعضُ القوم وصلى وحدَه، فقيل: نافقَ فلانٌ؟ فقال: والله ما نافقتُ, ولآتينَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه فأخبره, فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ: «أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ هلَّا صليتَ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} , {الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} , {اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}». وهكذا نقول: إنه يستحبُّ أن تُصلَّى العشاءُ بهذه السور وأمثالها. فأيُّ متعلَّقٍ في هذا للنقَّارين وسُرَّاق الصلاة؟! ومن المعلوم أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخِّر عشاءَ الآخرة، وبُعْد ما بين بني عَمرو بن عوف وبين المسجد, ثم طول سورة البقرة= فهذا الذي أنكره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو موضع الإنكار, وعليه يُحْمَل الحديث الآخر: «يا أيها الناس، إن منكم مُنَفّرين» (2). ومعلومٌ أن الناسَ لم يكونوا يَنْفِرون من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا ممن يصلِّي بقَدْرِ صلاته, وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته, فهذا الذي يُنَفِّر. وأما إن قُدِّر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كُسالى, وكثير من الباطولية الذين يعتادون النَّقْر كصلاة المنافقين, وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة, بل يصليها أحدُهم استراحةً منها لا بها, فهؤلاء لا عبرة بنفورهم, فإنَّ أحدَهم يقف بين يدي المخلوق مُعْظَمَ اليوم, ويسعى في خدمته أعظم السعي, فلا يشكو طولَ ذلك ولا يتبرَّمُ به, فإذا وقف بين يدي ربِّه في خدمته جزءًا يسيرًا من الزمان, وهو أقلّ القليل بالنسبة _________ (1). تقدم. (2). أخرجه البخاري (702)، ومسلم (466) من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -.

(1/242)


إلى وقوفه في خدمة المخلوق= استثقل ذلك الوقوفَ, واستطالَ وشكا منه, وكأنه واقفٌ على الجمر يتلوَّى ويتقلَّى (1). ومَن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه, فالله تعالى أَكْرَه لهذه الخدمة منه, والله المستعان.

  18 - باب مقدار الركوع والسجود

70/ 848 - عن السَّعدي، عن أبيه ــ أو عن عمّه ــ قال: «رمقتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاته، فكان يتمكَّنُ في ركوعِه وسجودِه قَدْرَ ما يقول: سبحان الله ــ ثلاثًا ــ» (2). السعديُّ مجهول. قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن القطَّان (3): السعديُّ وأبوه وعمه ما منهم من يُعْرَف, وقد ذكره ابنُ السَّكَن في «كتاب الصحابة» في الباب الذي ذَكَر فيه رجالًا لا يُعرفون.

  19 - باب التأمين وراء الإمام

71/ 895 - عن وائل بن حُجْر قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ {وَلَا الضَّالِّينَ} قال: آمين، ورفعَ بها صوتَه». _________ (1). غير محررة في الأصل و (ش، هـ) ورسمها: «ببعلق» كذا. ولعلها ما أثبت. (2). أخرجه أبو داود (885)، ومن طريقه البيهقي: (2/ 86). من طريق سعيد الجُرَيري عن السعدي به، والجريري اختلط. والسعدي مجهول، وأعله به ابن القطان كما سيأتي في كلام المؤلف. وقال النووي في «الخلاصة»: (1/ 415): «رواه أبو داود ولم يُضعّفه» وله شواهد من حديث ابن مسعود (886) وعقبة بن عامر (870) كلاهما عند أبي داود، وحذيفة عند ابن ماجه (888) يرقى بها إلى التحسين. (3). في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 376).

(1/243)


وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1). وقال الترمذي: حديث حسن. قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث وائل بن حُجْر رواه شعبة وسفيان, فأما سفيان فقال: «ورفع بها صوته»، وأما شعبة فقال: «خفض بها صوته» ذكره الترمذي (2). قال البخاري: حديث سفيان أصحّ, وأخطأ شعبة في قوله: «خفض بها صوته» (3). وفي هذا [ق 50] الحديث أمور أربعة (4): أحدها: اختلاف شُعبة وسفيان في «رفع وخفض». الثاني: اختلافهما في «حُجْر» , فشعبة يقول: «حجر أبو العنبس» , والثوري يقول: «حجر بن عنبس» , وصوَّب البخاريُّ وأبو زُرعة قولَ _________ (1). أخرجه أبو داود (932)، والترمذي (246) وحسَّنه، وأخرجه ابن ماجه (855)، والنسائي في «المجتبى» (879)، وفي «الكبرى» (955) من طريق عبد الجبار بن وائل عن أبيه، ولم يسمع منه. وانظر «صحيح سنن أبي داود - المخرّج»: (4/ 90 - 92) للألباني. (2). في «العلل الكبير»: (1/ 218)، وذكره مسلم في «التمييز» (ص 180 - 181). (3). نقله الترمذي في «العلل الكبير»: (1/ 218 - 219). وقد قال البيهقي في «معرفة السنن»: (2/ 390): «أجمع الحفاظ؛ محمد بن إسماعيل وغيره على أنه (أي شعبة) أخطأ في ذلك ... (وذكر الروايات) وفي كل ذلك دلالة على صحة رواية الثوري، وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ مني ... ». وانظر «نصب الراية»: (1/ 369)، و «البدر المنير»: (3/ 577 - 585)، و «الخلاصة»: (1/ 381). (4). هذه الأربع إلى آخر الفقرة ملخّصة من كلام ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 374 - 375).

(1/244)


الثوري (1). الثالث: أنه لا يُعْرَف حال حُجْر. الرابع: أن الثوري وشعبة اختلفا؛ فجعله الثوريُّ من رواية حُجْر، عن وائل بن حُجْر, وشعبة جعله من رواية حُجْر عن علقمة بن وائل، عن وائل, والدارقطنيُّ (2) ذكر رواية الثوري وصححها ولم يره منقطعًا بزيادة شعبة علقمةَ بن وائل في الوسط, وفيه نظر. ولهذه العلة لم يصحّحه الترمذيُّ (3). والله أعلم. 72/ 897 - وعن أبي هريرة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تلا: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال: آمين، حتى يُسْمِع من يَليه من الصفِّ الأول». وأخرجه ابن ماجه (4). قال ابن القيم - رحمه الله -: وروى الحاكم حديث أبي هريرة في _________ (1). ينظر «علل الترمذي»: (1/ 218)، و «علل ابن أبي حاتم» (251). (2). «السنن» (1271). (3). ومال ابن القطان إلى تضعيفه وأنه إلى الضعف أقرب منه إلى الحُسْن. لكن صححه الدارقطني وغيره، وقال ابن الملقّن في «البدر»: (3/ 584) بعد أن ساق كلام ابن القطان: «هذا كلامه ولا نسلِّم له ذلك، بل هو حسنٌ أو صحيح كما قدمنا عن الدارقطني وغيره من الأئمة تصحيحه». (4). أخرجه أبو داود (934)، وابن ماجه (853) من طريق صفوان بن عيسى، عن بشر بن رافع، عن ابنِ عمّ أبي هريرة، عنه به. وسنده ضعيف لضعف بشرٍ وجهالة ابن عمّ أبي هريرة. لكن له طريق أخرى صحيحة سيذكرها المؤلف.

(1/245)


«المستدرك» (1) بلفظ آخر, من حديث الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغَ مِن أمِّ القرآن رفعَ صوتَه قال: آمين». قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح.

  20 - باب مَن تجبُ عليه الجُمُعة

73/ 1015 - وعن عبد الله بن عَمْرو - رضي الله عنهما - عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجُمعةُ على مَن سَمِع النداء» (2). قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعةٌ عن سفيان، مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قَبيصة. هذا آخر كلامه. وفي إسناده محمد بن سعيد الطائفي، وفيه مقال. قال ابن القيم - رحمه الله -: حديث «الجمعةُ على مَن سمع النداء» قال عبد الحق (3): الصحيح أنه موقوف. وفيه أبو سلمة بن نُبَيه, قال ابن _________ (1). (1/ 223). وأخرجه ابن حبان (1806)، والدارقطني (1274). ورواه نُعيم المجمِّر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بنحوه، أخرجه النسائي (905)، وابن خزيمة (499)، وابن حبان (1797). وقال ابن خزيمة: «صح الجهر بها بإسناد ثابت متصل لا ارتياب في صحته عند أهل المعرفة». (2). أخرجه أبو داود (1065)، وأخرجه الدارقطني (1590)، والبيهقي: (3/ 173) من طريق قبيصة، عن سفيان، عن محمد بن سعيد، عن أبي سلمة بن نبيه، عن عبد الله بن هارون، عن عبد الله بن عمرو به مرفوعًا. وأعلّ بأن جماعة رووه عن سفيان موقوفًا كما ذكر أبو داود وعبد الحق وغيرهما. وللحديث شواهد، وينظر «البدر المنير»: (4/ 643 - 645). (3). في «الأحكام الوسطى»: (2/ 102).

(1/246)


القطان (1): لا يُعرَف بغير هذا, وهو مجهول. وفيه أيضًا الطائفيُّ, مجهول عند ابن أبي حاتم, ووثقه الدارقطني (2). وفيه أيضًا عبد الله بن هارون, قال ابن القطان: مجهول الحال. وفيه أيضًا قَبيصة, قال النسائي: كثير الخطأ, وأطْلَق, وقيل: كثير الخطأ على الثوري, وقيل: هو ثقة إلا في الثوري (3).

  21 - باب ما يقرأ في الأضحى [والفطر] (4)

74/ 1113 - عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود: «أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقدٍ الليثيَّ: ماذا كان يقرأ به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الأضحى والفِطْر؟ قال: كان يقرأ فيهما بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}، و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (5). قال ابن القيم - رحمه الله -: أبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف على المشهور. والحديث غير متصل في ظاهره, لأن عبيد الله لا سماع له من عمر. وقد ذكره مسلم (6) بغير هذا, فبيَّن فيه الاتصال, فإنه أخرجه من رواية _________ (1). في «بيان الوهم»: (3/ 399 - 400). (2). ينظر ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (9/ 191). (3). ينظر ترجمته في «تهذيب التهذيب»: (8/ 347 - 349). (4). زيادة من (خ- المختصر)، و «سنن أبي داود». (5). أخرجه أبو داود (1154)، ومسلم (891)، والترمذي (542)، والنسائي في «الكبرى» (11486)، وابن ماجه (1282). وأخرجه أحمد (21896) من طرق عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله به. (6). (891/ 15).

(1/247)


فُلَيح بن سليمان عن ضَمْرة بن سعيد، عن عبيد الله، عن أبي واقد الليثي, قال: «سألني عمر». وسؤالُ عمرَ عن هذا ومثله لا يخفى عليه, لعله ليختبره: هل حَفِظَه أم لا؟ أو يكون دخل عليه الشكُّ أو نازعه غيرُه فأحبَّ الاستشهادَ, أو نسيه. والله أعلم.

  22 - باب من قال: يصلي بكلِّ طائفةٍ ركعتين

75/ 1204 - عن أبي بَكْرَة قال: «صلى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في خوفٍ الظهرَ، فصفَّ بعضُهم خلفَه وبعضُهم بإزاء العدوِّ، فصلّى ركعتين ثم سلَّم، فانطلق الذين صلّوا معه، فوقفوا موقفَ أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلّوا خلفَه، فصلى بهم ركعتين ثم سلَّم، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين». وبذلك كان يفتي الحَسَن. وأخرجه النسائي (1)، وليس فيه فتوى الحسن. قال أبو داود: وكذلك في المغرب، تكون للإمام ستّ ركعات وللقوم ثلاثًا. وذَكَر أنه رُوِي من حديث أبي سلمة، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2)، وسليمان اليَشْكرِي، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3). _________ (1). أخرجه أبو داود (1248)، والنسائي في «المجتبى» (1554)، وفي «الكبرى» (522). وأخرجه أحمد (20408)، وابن حبان (2881) من طريق أشعث عن الحسن عن أبي هريرة، وسنده صحيح. (2). أخرجه مسلم (843). (3). وقع في الأصل أن كلام ابن القيم عقب قول المنذري: «وحديث أبي سلمة الذي أشار إليه أبو داود أخرجه مسلم في «صحيحه». قلت: كلام المنذري إنما ورد في الباب الذي قبله، وحقّه أن يذكر في هذا الباب؛ لأن إشارة أبي داود لحديث أبي سلمة عن جابر إنما جاءت في هذا الباب.

(1/248)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وحديث أبي بَكْرة هذا رواه الدارقطني (1) عنه, فقال فيه: «إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات, ثم انصرف وجاء الآخرون, فصلى بهم ثلاث ركعات, وكانت له ستّ ركعات, وللقوم ثلاث ركعات». قال ابن القطان (2): وعندي أن الحديثين غيرُ متصلَيْن, فإن أبا بكرة لم يصلِّ معه صلاةَ الخوف, لأنه بلا ريب أسلم في حصار الطائف, فتدلى ببكرةٍ من الحِصْن, فسمّي أبا بكرة, وهذا كان بعد فراغه من هوازن، ثم لم يلق كيدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى أن قبضه الله. وهذا الذي قاله لا ريب فيه, لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه؛ فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصةَ فإنه إنما سمعها من صحابيٍّ غيره, وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة, مع أن عامتها مرسلة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتنازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء. فالتعليل على هذا باطل, والله أعلم.

  23 - باب مَن فاتته (أي: ركعتا الفجر) (3)، متى يقضيها؟

76/ 1223 - عن محمد بن إبراهيم، عن قيس بن عمرو قال: «رأى رسولُ الله _________ (1). (1783)، وضعّفه البيهقي في «معرفة السنن»: (3/ 17). (2). في «بيان الوهم والإيهام»: (2/ 475). (3). ما بين القوسين ليس في «السنن» ولا «المختصر»، وأضافها المجرِّد للتوضيح.

(1/249)


- صلى الله عليه وسلم - رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صلاةُ الصبحِ ركعتان! فقال الرجل: إني لم أكن صليتُ الركعتين اللتين قبلهما، فصليتُهما الآن، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (1). وقال الترمذي: لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث سعد بن سعيد. وذكر أن هذا الحديث إنما يُروى مرسلًا، وأن إسناده ليس بمتصل، محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس. هذا آخر كلامه. [قال ابن القيم - رحمه الله -:] وقيسٌ هذا هو قيس بن عَمرو, ويقال: قيس بن قَهْد (2) , وجعلهما ابنُ السَّكَن اثنين: ابن قهد, وابن عمرو. وسعد بن سعيد ــ راويه عن محمد بن إبراهيم ــ: فيه اختلاف.

  24 - باب في صلاة الليل

77/ 1305 - وعن علقمة بن وقَّاص، عن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بتسع ركعات، ثم أوتر بسبع ركعات. وركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر، يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم سجد. وفي رواية: قال علقمة بن وقَّاص: «يا أُمَّتاه، كيف كان يصلي الركعتين؟». _________ (1). أخرجه أبو داود (1267)، والترمذي (424)، وابن ماجه (1154)، وأخرجه أحمد (23760)، وابن خزيمة (1116)، وابن حبان (2471) من طريقه والحاكم: (1/ 274). وفي إسناده انقطاع، وانظر حاشية «المسند»: (39/ 171 - 174). (2). وقع في الأصل و (ش): «فهد» بالفاء، تصحيف وفي الموضع الثاني مهمل النقط، والصواب بالقاف. ينظر «المؤتلف والمختلف»: (4/ 1843) للدارقطني، و «تهذيب الأسماء واللغات»: (2/ 63).

(1/250)


وأخرج مسلم (1) طرفًا منه في الركعتين. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى أبو حاتم في «صحيحه» (2) من حديث حفص بن غِياث، عن حُمَيد الطويل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلى متربِّعًا». وهذا يدلُّ على أن أفضل هيئات المصلِّي جالسًا التربُّع, والله أعلم.

  25 - باب مَن لم يَرَ السجودَ في المُفَصَّل

78/ 1357 - عن عكرمة عن ابن عباس: «أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في شيءٍ من المفصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة» (3). في إسناده أبو قُدامة، واسمه الحارث بن عُبيد، إياديٌّ بصريٌّ، لا يحتجّ بحديثه. وقد صحَّ أن أبا هريرة سجد مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} على ما سيأتي، وأبو هريرة إنما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السنة السابعة من الهجرة. _________ (1). أخرجه أبو داود (1351)، ومسلم (731). وأخرجه أحمد (26002). (2). (2512). وأخرجه النسائي (1661)، وابن خزيمة (1238)، والحاكم: (1/ 275) من طريق أبي داود الحَفَريَّ، عن حفص بن غياث به. قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود، وهو ثقة. ووقع بعده في بعض نسخ النسائي قوله: «ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ». قال ابن عبد الهادي في «المحرر»: (1/ 254): «كذا قال، وقد تابع الحَفَريَّ محمدُ بن سعيد الأصبهاني وهو ثقة». ومتابعته هذه أخرجها البيهقي في «الكبرى»: (2/ 305). (3). أخرجه أبو داود (1403)، وابن خزيمة (560)، والبيهقي: (2/ 312 - 313) وغيرهم من طريق أبي قدامة، عن مطر الوراق، عن عكرمة به.

(1/251)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال الإمام أحمد: أبو قدامة مضطرب الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف. وقال [ق 51] النسائي: صدوق, عنده مناكير. وقال البستيُّ: كان شيخًا صالحًا ممن كثر وهمه (1). وعلَّله ابنُ القطان (2) بمطر الورَّاق، وقال: كان يشبه في سوء الحفظ محمدَ بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, وقد عِيبَ على مسلم إخراجُ حديثه، وضعَّف عبدُ الحق (3) هذا الحديث. 26 - بابٌ في الوتر قبل النوم 79/ 1383 - وعن جُبَير بن نُفَير، عن أبي الدرداء قال: «أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاثٍ، لا أدعهنّ لشيء: أوصاني بصيام ثلاثة أيام مِن كلِّ شهر، ولا أنام إلَّا على وَتْر، وبِسُبْحَة الضحى، في الحَضَر والسَّفَر». وقد أخرجه مسلمٌ (4) من حديث أبي مُرَّة مولى أم هانئ عن أبي الدرداء بنحوه، وليس فيه: «في الحَضَر والسَّفَر». _________ (1). تنظر ترجمة أبي قدامة في «تهذيب الكمال»: (5/ 258)، و «تهذيب التهذيب»: (2/ 149 - 150). (2). في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 394). (3). في «الأحكام الوسطى»: (2/ 92). وقال عنه ابنُ عبد البر في «التمهيد»: (19/ 120): «حديث منكر»، وضعَّفه ابن خزيمة في «الصحيح» (559) وابن المنذر في «الأوسط»: (5/ 270)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (752). (4). أخرجه أبو داود (1433) من طريق أبي إدريس السكوني عن جُبير به، ومسلم (722) من طريق أبي مرة مولى أم هانئ عن أبي الدرداء به دون قوله: «الحضر والسفر». وقد جاءت لفظة «الحضر والسفر» في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند أبي داود (1432). وفي إسناده ضعف.

(1/252)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وحديث أبي الدرداء الذي أخرجه أبو داود هو من رواية أبي إدريس السَّكُوني، عن جُبير بن نُفَير. قال البزار: هو حديث حسن الإسناد (1) , وقال غيره (2): أبو إدريس ليس بالخولاني فحاله مجهول. ولعلَّ البزار حسَّنه قبولًا منه لرواية المساتير.

  27 - باب في الاستغفار

80/ 1465 - وعن عليٍّ قال: «كنتُ رجلًا إذا سمعتُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدَّثني أحدٌ من أصحابه اسْتَحْلَفْتُه، فإذا حلف لي صدَّقتُه، قال: وحدّثني أبو بكر ــ وصَدَقَ أبو بكر ــ أنه قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما مِن عبد يُذنِبُ ذنبًا، فيُحسن الطُّهُور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غَفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى آخر الآية [آل عمران: 135]. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (3). وقال الترمذي: حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذَكَر أن بعضَهم رواه فوقفَه. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (4): «ولم يرو _________ (1). «مسند البزار» (4136). (2). هو ابن الأثير في «جامع الأصول»: (12/ 193). (3). أخرجه أبو داود (1521)، والترمذي (406)، والنسائي في «الكبرى» (10175)، وابن ماجه (1395)، وأحمد (56)، وابن حبان (623) من طرق عن عثمان بن المغيرة، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم به. والحديث حسّنه الترمذي وابن عدي في «الكامل» (1/ 430)، والذهبي في «التذكرة»: (1/ 14)، وقواه المِزّي وابن حجر في «التهذيب». ومال البخاريُّ إلى تعليله كما نقله المؤلف من «التاريخ الكبير». (4). (2/ 54).

(1/253)


عن أسماء بن الحكم (1) إلا هذا الحديث الواحد، وحديثٌ آخر, ولم يُتابَع, وقد روى أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بعضُهم عن بعض, فلم يُحَلِّف بعضُهم بعضًا». 81/ 1475 - وعن أوس بن أوس قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إن (2) من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فأكْثِروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ. قال: فقالوا: يا رسول الله، وكيف تُعْرَض صلاتُنا عليك وقد أرَمْتَ؟ قال: يقولون: بَلِيتَ، قال: إن الله حرَّم على الأرضِ أجسادَ الأنبياء». وأخرجه النسائي وابن ماجه (3)، وله علة، وقد جمعتُ طرقَه في جزءٍ مفرد (4). قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد غلط في هذا الحديث فريقان: فريقٌ في لفظه, وفريقٌ في تضعيفه, فأما الفريق الأول فقالوا: اللفظ به «أرَمَّتَ» بفتح الراء وتشديد الميم وفتحها وفتح التاء, قالوا: وأصله «أرْمَمْتَ» , أي صرت _________ (1). تحرفت في ط. الفقي إلى «ابن أبي الحر»! (2). «إنّ» ليست في (خ- المختصر) ولا في «المسند»، وهي ثابتة في المطبوع و «السنن». (3). أخرجه أبو داود (1047 و 1531)، والنسائي في «المجتبى» (1374) وفي «الكبرى» (1678)، وابن ماجه (1085)، وأخرجه أحمد (16162)، وابن خزيمة (1733)، وابن حبان (910)، والحاكم: (4/ 559) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس به - رضي الله عنه -. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والنووي والمنذري وغيرهم، وأعله آخرون كالبخاري وأبو حاتم الرازي وغيرهم. وانظر كلام المؤلف عنه بتوسع في «جلاء الأفهام»: (77 - 83) ومال إلى تصحيحه، وانظر «القول البديع» للسخاوي (ص 152). (4). وقد ذكر المنذري بعد كلامه هذا ملخّص ما قيل في الحديث ووجه تعليله.

(1/254)


رميمًا, فنقلوا حركةَ الميم إلى الراء قبلها, ثم أدغموا إحدى الميمين في الأخرى, وأبقوا تاء الخطاب على حالها, فصار «أرَمَّت». وهذا غلط, إنما يجوز إدغام مثل هذا إذا لم يكن آخر الفعل ملتزم السكون, لاتصال ضمير المتكلِّم والمخاطب ونون النسوة به, كقولك: «أرَمّ, وأرَمّا, وأرَمُّوا» , وأما إذا اتصل به ضمير يوجب سكونه لم يجز الإدغام لإفضائه إلى التقاء الساكِنَين على غير حَدِّهما, أو إلى تحريك آخره, وقد اتصل به ما يوجبُ سكونَه. ولهذا لا نقول: «أمَدّتُ, وأمَدّتَ, وأمَدّنَ» في «أمْدَدْتُ وأمْدَدْتَ وأمْدَدْنَ» لما ذُكر. وهؤلاء لما رأوا الفعل يُدغَم إذا لم يكن آخره ساكنًا, نحو «أرَمَّ» ظنوا أنه كذلك في «أرْمَمْت» , وغفلوا عن الفرق. والصواب فيه: «أَرَمْت» بوزن «ضَرَبْت» فحذفوا إحدى الميمين تخفيفًا, وهي لغة فصيحة مشهورة جاء بها القرآن في قوله تعالى: {ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} [طه: 97] وقوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة: 65] وأصله: ظلَلْت عليه وظلَلْتم تفكّهون, ونظائره كثيرة. وأما الفريق الثاني الذين ضعَّفوه فقالوا: هذا حديثٌ معروف بحسين بن علي الجعفي, حدَّث به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس, قالوا: ومن نظر ظاهر هذا الإسناد لم يَرْتَب في صحَّته, لثقة رواته وشهرتهم وقبول الأئمة أحاديثهم واحتجاجهم بها. وحدَّث بهذا الحديث عن حسينٍ الجعفي جماعةٌ من النبلاء, قالوا: وعِلّته أن حسين بن علي الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر, وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وعبدُ الرحمن بن يزيد بن تميم لا يُحتجُّ به، فلمّا حدَّث به حسين الجعفي غلط في اسم

(1/255)


الجدِّ, فقال: ابن جابر. وقد بيَّن ذلك الحفّاظ ونبهوا عليه؛ قال البخاري في «التاريخ الكبير» (1): «عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السُّلَمي الشامي، عن مكحول، سمع منه الوليد بن مسلم, عنده مناكير, ويقال: هو الذي روى عنه أهلُ الكوفة: أبو أسامة وحسين فقالوا: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وابن تميم أصحّ. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم (2): سألت أبي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم؟ فقال: عنده مناكير, يقال: هو الذي روى عنه أبو أسامة وحسين الجُعْفي وقالا: هو ابن يزيد بن جابر, وغَلِطا في نسبه، ويزيد بن تميم أصحّ, وهو ضعيف الحديث. وقال أبو بكر الخطيب (3): «روى الكوفيون أحاديثَ عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر, ووهموا في ذلك, والحَمْلُ عليهم في تلك الأحاديث. وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر, وكان ذلك وهمًا منه, هو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقيَ عبدَ الرحمن بن يزيد بن تميم, فظنَّ أنه ابنُ جابر, وابن جابر ثقة, وابن تميم ضعيف». _________ (1). (5/ 365). وليس في المطبوع قوله: «وابن تميم أصحّ». (2). في «الجرح والتعديل»: (5/ 300). (3). في «تاريخ بغداد»: (11/ 471 - 472 - بشار) وبقية كلامه: «ولم يكن ابن تميم ثقة ... وأما ابن جابر فليس في حديثه منكر ... » ثم ذكر كلام موسى بن هارون.

(1/256)


قالوا: وقد أشار غير واحد من الحفَّاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة (1). * * * _________ (1). الكلام في تضعيف الحديث مأخوذ من كلام المنذري في «مختصره»: (2/ 155 - 156). وقد أجاب المصنف في «جلاء الأفهام» (ص 79 - 83) عن هذا التعليل بما ظهر له وإن لم يجزم بدفعه. (تنبيه) وقع سقط في مطبوعة «جلاء الأفهام» (ص 78) عند نقل كلام البخاري وابن أبي حاتم أدى إلى تداخل كلامهما، فليتنبه لذلك.

(1/257)


 كتاب الزكاة

  1 - باب في زكاة السائمة

82/ 1509 - عن حماد ــ وهو ابن سلمة ــ قال: «أخذتُ من ثُمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حين بعثه مُصَدِّقًا وكتبه له، فإذا فيه: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، التي أمر الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام، فمن سُئِلها من المسلمين على وجهها فليُعْطها، ومن سُئل فوقها فلا يعطه: فيما دون خمس وعشرين من الإبلِ، الغَنَمُ، في كل خمسٍ ذَوْدٍ شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها بنتُ مخاض، إلى أن تبلغ خمسًا وثلاثين، فإن لم يكن فيها بنت مخاض، فابنُ لَبُون ذَكَر، فإذا بلغت ستًا وثلاثين ففيها بنت لَبون، إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستًّا وأربعين ففيها حِقَّة طَرُوقة الفَحْل، إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جَذَعة، إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستًّا وسبعين ففيها ابنتا لَبُون، إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حِقَّتان طَروقتا الفحل، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقَّة. فإذا تبايَن أسنان الإبل في فرائض الصدقات، فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جَذَعة، وعنده حِقة فإنها تُقبل منه وأن يجعل معها شاتين إن اسْتَيسرتا له، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حِقّة، وعنده جَذَعة فإنها تُقبل منه، ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين،

(1/258)


ومن بلغت عنده صدقة الحِقّة وليست عنده حِقّة، وعنده ابنة لبون فإنها تُقبل منه ــ قال أبو داود: من ههنا لم أَضبِطْه عن موسى كما أحبُّ ــ ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا. ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلا حِقَّة فإنها تُقبل منه ــ قال أبو داود: إلى ههنا، ثُمَّ أتقنتُه ــ ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة ابنة لَبون، وليس عنده إلا ابنة مَخاض، فإنها تُقبل منه وشاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة ابنةِ مخاض، وليس عنده إلا ابنُ لبون ذَكَر، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء، ومن لم يكن عنده إلا أربع فليس فيها شيء، إلا أن يشاء رَبُّها، وفي سائمة الغنم: إذا كانت أربعين ففيها شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففيها شاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت على مائتين ففيها ثلاث شِياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ، ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمَة، ولا ذات عَوارٍ (1) من الغنمِ، ولا تَيْس الغنم، إلا أن يشاء المصَّدِّق، ولا يُجمع بين متفرِّق، ولا يفرَّق بين مُجتمع، خشيةَ الصدقة، وما كان من خَليطين، فإنهما يتراجعان بالسَّوِيَّة، فإن لم تبلغ سائمةُ الرجل أربعين، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربُّها، وفي الرِّقَةَ ربع العُشر، فإن لم يكن المال إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربُّها». وأخرجه النسائي (2). وأخرجه البخاري وابن ماجه (3) من حديث عبد الله بن المثنى الأنصاري عن عمه ثمامة. قال ابن القيم - رحمه الله -: وأخرجه الدارقطني (4) من حديث النضر بن شُمَيل، عن حماد بن سلمة قال: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس، يحدثه عن أنس بن مالك [ق 52] عن رسول - صلى الله عليه وسلم -. وقال: إسناده صحيح، وكلهم ثقات. وقال الإمام الشافعي: حديث أنس حديث ثابت من _________ (1). العَوار بالفتح: العيب، وقد يضمّ. «النهاية»: (3/ 318). (2). أخرجه أبو داود (1567)، والنسائي في «الكبرى» (2247)، وأحمد (72). (3). البخاري (1448، 1453)، وابن ماجه (1800). (4). (1985).

(1/259)


جهة حماد بن سلمة وغيره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبه نأخذ (1). 83/ 1513 - وعن عاصم بن ضَمْرة وعن الحارث الأعور، عن عليّ ــ قال زهير، وهو ابن معاوية: ــ أحسبه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هاتوا ربع العشور، من كلّ أربعين درهمًا درهم، وليس عليكم شيء حتى تَتِمَّ مئتي درهم، فإذا كانت مئتي درهم ففيها خمس دراهم، فإذا زاد فعلى حساب ذلك، وفي الغنم: في كلِّ أربعين شاةً شاةٌ، فإن لم يكن إلا تسع وثلاثون فليس عليك فيها شيء. وساقَ صدقةَ الغنم مثل الزهري، قال: وفي البقر: في كل ثلاثين تَبيعٌ، وفي الأربعين مُسِنَّة، وليس على العوامل شيء، وفي الإبل ــ فذكر صدقتها كما ذكر الزهري ــ قال: وفي خمس وعشرين: خمس من الغنم، فإن زادت واحدة ففيها ابنة مخاض، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذَكَر، إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لَبون، إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حِقَّة طَروقة الجمل، إلى ستين. ثم ساق مثل حديث الزهري، قال: فإذا زادت واحدة، يعني واحدة وتسعين، ففيها حِقَّتان طروقتا الجمل، إلى عشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك، ففي كلِّ خمسين حِقّة، ولا يفرَّق بين مجتَمِع، ولا يُجْمَع بين متفرِّق، خشية الصدقة، ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمة ولا ذات عَوَار ولا تَيْس، إلا أن يشاء المصَّدِّق. وفي النبات: ما سقته الأنهارُ أو سقتِ السماءُ العُشْرَ. وما سُقِي بالغَرْب، ففيه نصف العشر. وفي حديث عاصم والحارث: الصدقة في كل عام قال زهير: أحسبه قال: مرة، وفي حديث عاصم: إذا لم يكن في الإبل ابنة مخاض ولا ابن لبون فعشرة دراهم أو شاتان». وفي رواية: «فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحَوْلُ ففيها خمسة _________ (1). هذا التعليق برمته هو نصّ كلام المنذري في «مختصره»: (2/ 182) في التعليق على الحديث، نَسَبه المجرّد لابن القيم، فلعله اشتبه عليه فظنَّه من كلام المؤلف.

(1/260)


دراهم، وليس عليك شيء، يعني في اللهب، حتى يكون لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، قال: فلا أدري، أعليٌّ يقول، فبحساب ذلك أو رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وليس في مالٍ زكاة حتى يحول عليه الحول، إلا أن جَريرًا قال ابن وهب: يزيدُ في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليس في مالٍ زكاة حتى يحول عليه الحول. وذكر أن شعبة وسفيان وغيرهما لم يرفعوه. وأخرج ابن ماجه (1) طَرَفًا منه، والحارث وعاصم ليسا بحجة. قال ابن القيم - رحمه الله -: قال ابن حزم: «حديثُ عليٍّ هذا رواه ابنُ وهب، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة والحارث الأعور, قَرَن فيه أبو إسحاق بين عاصم والحارث, والحارثُ كذّابٌ, وكثيرٌ من الشيوخ يجوز عليه مثل هذا, وهو أنَّ الحارثَ أسْنَده وعاصم لم يسنده, فجمعهما جريرٌ، وأدخل حديثَ أحدِهما في الآخر. وقد رواه شعبةُ وسفيانُ ومعمر عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن عليٍّ موقوفًا عليه. وكذلك كلُّ ثقةٍ رواه عن عاصم إنما وقَفَه على عليٍّ، فلو أنّ جريرًا أسنده عن عاصم وبيَّن ذلك أخذنا به. هذه حكايةُ عبد الحق الإشبيليّ (2) عن ابن حزم، وقد رجع عن هذا في _________ (1). أخرجه أبو داود (1572)، وابن ماجه (1790)، والنسائي في «الكبرى» (2268) وأحمد (711 و 913) مختصرًا من طريق أبي إسحاق السبيعي عن عاصم والحارث (غير مقرونين) به. (2). في «الأحكام الوسطى»: (2/ 167)، وكلام ابن حزم في «المحلى»: (6/ 70).

(1/261)


كتابه «المحلى» (1) , فقال في آخر المسألة: «ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح, لا يجوز خلافه, وأن الاعتلالَ فيه بأن (2) أبا إسحاق أو جريرًا خَلَط إسنادَ الحديث بإرسال عاصم هو الظنُّ الباطل الذي لا يجوز, وما علينا في مشاركة الحارث لعاصم, [ولا] (3) لإرسال من أرسله, ولا لشكِّ زهيرٍ فيه, وجريرٌ ثقةٌ. فالأخْذُ بما أسند لازم» تمّ كلامُه. وقال غيره (4): هذا التعليل لا يقدح في الحديث, فإن جريرًا ثقة, وقد أسندَه عنهما, وقد أسنده أيضًا أبو عَوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن عليّ, ولم يذكر الحول. ذَكَر حديثَه الترمذيُّ (5)، وأبو عَوانة ثقة. وقد رُوي حديث: «ليس في مالٍ زكاة حتى يحولَ عليه الحولُ» من _________ (1). (6/ 74). وعدّ ابنُ الملقّن في «البدر المنير»: (5/ 560) هذا تناقضًا من ابن حزم، ولعل هذا من ولعه بتخطئة ابن حزم، وإلا فقد بيّن ابن حزم أنه استدرك على نفسه، ولذلك علق الشيخ أحمد شاكر على هذا الموضع من «المحلى» بقوله: «لله درّ أبي محمد بن حزم، رأى خطأه فسارع إلى تداركه، وحكم بأنه الظن الباطل الذي لا يجوز، وهذا شأن المنصفين من أتباع السنة الكريمة، وأنصار الحق، وقليل ما هم». (2). في «المحلى» زيادة «عاصم بن ضمرة». (3). سقطت من الأصل و (ش)، والاستدراك من «المحلى». (4). حكاه عنه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى»: (2/ 167)، وأشار إليه في «بيان الوهم والإيهام»: (5/ 449 - 450). (5). (620) وهو الحديث الآتي، وقال الترمذي عقبه: روى هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. وسألت محمدًا عن هذا الحديث. فقال: «كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون رُوي عنهما جميعًا».

(1/262)


حديث عائشة بإسناد صحيح (1). قال محمد بن عبيد الله بن المنادي: حدثنا أبو زيد شجاع بن الوليد، حدثنا حارثة بن محمد، عن عَمرة، عن عائشة قالت: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا زكاةَ في مالٍ حتى يحولَ عليه الحولُ» رواه أبو الحسين بن بشران، عن عثمان بن السمَّاك، عن ابن المنادي. 84/ 1515 - وعن عاصم بن ضَمْرة عن عليٍّ قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد عَفَوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة: مِن كلّ أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (2). وحكى الترمذي عن البخاري أنه يحتمل أن يكون ــ يعني أبا إسحاق السَّبيعي ــ رواه عن عاصم بن ضَمْرة وعن الحارث. قال ابن القيم - رحمه الله -: إنما أسقط الصدقةَ من الخيل والرقيق إذا كانت للرُّكوب والخدمة, فأما ما كان منها للتجارة ففيه الزكاة في قيمتها. _________ (1). أخرجه ابن أبي شيبة (10322)، وابن ماجه (1792)، والدارقطني (1893)، والبزار (305)، والبيهقي: (4/ 95) من طريق ابن بشران التي ذكرها المؤلف من طرقٍ عن شجاع بن الوليد به. قال الزيلعي في «نصب الراية»: (2/ 330): «حارثة هذا ضعيف» وذكر كلام ابن حبان في تضعيفه، وضعّفه ابن الملقن في «البدر»: (5/ 455) وابن حجر في «التلخيص»: (2/ 165) وغيرهم. (2). أخرجه أبو داود (1574)، والترمذي (620)، وابن ماجه (1790). وانظر الحديث السالف. ونقل الترمذي كلام البخاري الذي أورد المنذري طرفًا منه، وسقناه في التعليق على الحديث السابق، ووافقه الدارقطني في «العلل»: (3/ 156 - 159) فقال بعد أن ذكره من الطريقين: «ويُشبه أن يكون القولان صحيحين».

(1/263)


85/ 1516 - وعن بَهزْ بن حكيم, عن أبيه, عن جَدِّه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «في كلِّ سائمةِ إبلٍ، في أربعين بنت لبون، لا يُفَرَّق إبل عن حسابها، من أعطاها مُؤتجرًا ــ قال ابنُ العلاء: مُؤْتَجرًا بها ــ فله أجرها، ومَن منعها فإنَّا آخذوها وشَطْرَ مالِه، عَزْمةٌ من عزمات ربنا عز وجل، ليس لآلِ محمدٍ منها شيء». وأخرجه النسائي (1). وجَدُّ بَهْز بن حَكيم هو معاوية بن حَيْدَة القُشَيري، وله صحبة. وبهز بن حكيم وثَّقه بعضُهم، وتكلَّم فيه بعضُهم. قال ابن القيم - رحمه الله -: قوله: «فإنَّا آخِذُوها وشَطْرَ ماله» أكثرُ العلماء على أن الغُلولَ في الصدقة والغنيمة لا يوجبُ غرامةً في المال, وقالوا: كان هذا في أول الإسلام ثم نُسِخ. واستدلّ الشافعيُّ على نسخه بحديث البراء بن عازب (2) فيما أفسدت ناقته, فلم يُنقل عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه أضعف الغرم, بل _________ (1). أخرجه أبو داود (1575)، والنسائي في «المجتبى» (2444) وفي «الكبرى» (2236)، وأحمد (20016)، وابن خزيمة (2266)، والحاكم: (1/ 397) وغيرهم من طرق عن بهز بن حكيم به. قال أحمد: صالح الإسناد، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه ابن عبد الهادي في «التنقيح»: (3/ 141) وفي «المحرر»: (1/ 339)، وقال ابن الملقن في «البدر المنير»: (5/ 481): «إسناد هذا الحديث صحيح إلى بهز، واختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديث بهز ... » وذكر من وثقه ومن تكلم فيه، ومن ضعّف الحديث من أجله كالشافعي وابن حبان وابن حزم. وانظر «التلخيص الحبير»: (2/ 170). (2). أخرجه أبو داود (3569)، وعبد الرزاق (18437)، وأحمد ــ من طريقه ــ (23697)، وابن حبان (6008)، والبيهقي: (8/ 342) وغيرهم. وذكر الحفّاظ أن عبد الرزاق تفرّد بوصل هذا الحديث، فلم يتابَع على قوله «عن أبيه»، وأن وهيب بن خالد وأبا مسعود الزجاج روياه عن معمر فلم يقولا: «عن أبيه». وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: (11/ 81 - 82) بعد أن ذكر هذه العلة: «هذا الحديث وإن كان مرسلًا، فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة وحدّث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة به العمل». وفي الحديث خلاف طويل يراجع «بيان الوهم والإيهام»: (5/ 565 - 567)، و «البدر المنير»: (9/ 19 - 22).

(1/264)


نُقِل فيها حكمه بالضمان فقط. وقال بعضهم: يُشبه أن يكون هذا على سبيل التوعُّد, لينتهي فاعل ذلك. وقال بعضهم: إن الحقَّ يُستوفَى منه غير متروك عليه وإن تلف شطرُ ماله, كرجل كان له ألف شاة, فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون, فإنه يُؤخَذ منه عشر شياه لصدقة الألف, وهو شطر ماله الباقي أو نصفه, وهو بعيد لأنه لم يقل: إنَّا آخذوا شطرَ ماله. وقال إبراهيم الحربي (1): «إنما هو «وشُطِرَ مالُه» أي يُجْعَل ماله شَطْرين, ويتخيَّر عليه المصدّق فيأخذ الصدقةَ من خير النصفين عقوبةً لمنعه الزكاة». فأما ما لا يلزمه فلا. قال الخطابي (2): ولا أعرف هذا الوجه. هذا آخر كلامه. وقال بظاهر الحديث الأوزاعيُّ والإمامُ أحمد وإسحاقُ بن راهويه على ما فُصِّل عنهم. وقال الشافعيُّ في القديم: مَن مَنَع زكاةَ ماله أُخِذَت منه وأُخِذ شطرُ ماله عقوبةً على منعه, واستدلَّ بهذا الحديث. وقال في الجديد: لا _________ (1). نقله عنه البيهقي في «معرفة السنن»: (3/ 242)، والبغوي في «شرح السنة»: (6/ 80)، وابن الجوزي في «غريب الحديث»: (2/ 540)، وابن الأثير في «جامع الأصول»: (4/ 573). (2). حكاه عنه ابن الأثير في «النهاية»: (2/ 473)، وليس في «معالم السنن - بهامش السنن»: (2/ 234) ولا في «غريب الحديث» للخطابي.

(1/265)


يُؤخَذ منه إلا الزكاة لا غير، وجَعَل هذا الحديث منسوخًا, وقال: كان ذلك حين كانت العقوبات في المال ثم نُسِخت. هذا آخر كلامه. ومَن قال: إن بَهْز بن حكيم ثقة احتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث بما تقدم. فأما من قال: لا يُحتجُّ بحديثه فلا يحتاج إلى شيء من ذلك. وقد قال الشافعي (1) في بهز: ليس بحجة, فيحتمل أن يكون ظهر له ذلك منه بعد اعتذاره عن الحديث, أو أجاب عنه على تقدير الصحة. وقال أبو حاتم الرازي (2) في بهز بن حكيم: هو شيخ يُكْتَب حديثه ولا يحتجُّ به. وقال البستي (3): «كان يخطئ كثيرًا, فأما الإمام أحمد وإسحاق فهما يحتجَّان به ويرويان عنه, وترَكَه جماعةٌ من أئمتنا, ولولا حديثه: «إنَّا آخذوها وشطر إبله عَزْمة من عَزَمات ربنا» لأدخلناه في «الثقات»، وهو ممن أستخير الله [ق 53] فيه». فجَعَل روايتَه لهذا الحديث مانعةً من إدخاله في «الثقات» تم كلامه. وقد قال علي ابن المديني: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح. وقال الإمام أحمد: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح. وليس لمن ردَّ هذا الحدث حجة, ودعوى نسخه دعوى باطلة، إذ هي دعوى ما لا دليل عليه, وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -,لم يثبت نسخُها بحجَّةٍ, وعمل بها الخلفاءُ بعدَه (4). _________ (1). ينظر «تهذيب التهذيب»: (1/ 498). (2). «الجرح والتعديل»: (2/ 431). (3). يعني ابن حبان في «المجروحين»: (1/ 194). (4). عقد المؤلف فصلًا في التعزير بالعقوبات المالية في كتابه «الطرق الحكمية»: (2/ 688 - 698). وانظر «زاد المعاد»: (3/ 99 و 5/ 50).

(1/266)


وأما معارضته بحديث البراء في قصة ناقته, ففي غاية الضعف, فإن العقوبة إنما تسوغ إذا كان المعاقَب متعديًّا بمَنْع واجب أو ارتكاب محظور, وأما ما تولَّد من غير جنايته وقصده, فلا يسوِّغ أحدٌ عقوبته عليه, وقول من حَمَل ذلك على سبيل التوعّد دون الحقيقة في غاية الفساد, يُنَزَّه عن مثله كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقول مَن حَمَله على أخذ الشطر الباقي بعد التلَف باطل؛ لشدة منافرته وبُعْده عن مفهوم الكلام، ولقوله: «فإنَّا آخذوها وشطرَ ماله». وقول الحربي: إنه «وشُطِرَ» بوزن شُغِل، في غاية الفساد، ولا يعرفه أحدٌ من أهل الحديث, بل هو من التصحيف. وقول ابن حبان: لولا حديثه هذا لأدخلناه في «الثقات» , كلام ساقط جدًّا, فإنه إذا لم يكن لضعفه سببٌ إلا رواية هذا الحديث وهذا الحديث إنما ردَّه لضعفه, كان هذا دورًا باطلًا, وليس في روايته لهذا ما يوجب ضعفَه، فإنه لم يخالف فيه الثقات. وهذا نظير ردّ مَن ردّ حديث عبد الملك بن أبي سليمان, حديث جابر في شُفْعة الجوار (1) , وضعَّفه بكونه روى هذا _________ (1). وهو حديث: «الجارُ أحقّ بشُفْعَة جاره ... » أخرجه أبو داود (3518)، والترمذي (1421)، والنسائي في «الكبرى» (7264)، وابن ماجه (2494)، وأحمد (14253) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر به. وقد تكلّم شعبةُ في عبد الملك بسبب هذا الحديث، وكذا الشافعي وأحمد ويحيى. وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك، تفرّد به، ويروى عن جابر خلاف هذا. وانظر كلام المؤلف في الجواب عن تعليله في كتابنا هذا (2/ 537)، وينظر أيضًا: «نصب الراية»: (4/ 173 - 174)، و «تنقيح التحقيق»: (4/ 175 - 176).

(1/267)


الحديث، وهذا غير موجِبٍ للضعف بحال. والله أعلم.

  2 - باب رضا المصدِّق

86/ 1525 - وعن عبد الرحمن بن جابر بن عَتيك، عن أبيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «سيأتيكم رَكْب (1) مُبَغَّضُون، فإذا جاؤوكم فرحِّبوا بهم، وخَلُّوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم» (2). في إسناده: أبو الغُصْن، وهو ثابت بن قيس المدني الغِفاري، مولاهم، وقيل: مولى عثمان بن عفان، قال الإمام أحمد: ثقة، وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بذاك صالح، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم محمد بن حِبَّان البُسْتِي: كان قليل الحديث، كثير الوهم فيما يرويه، لا يحتج بخبره إذا لم يتابعه عليه غيره. هذا آخر كلامه (3). _________ (1). كذا في مخطوطة «المختصر» و «سنن أبي داود»، وفي مطبوعة «المختصر» وبعض نسخ «السنن»: «رُكَيب» بالتصغير. (2). أخرجه أبو داود (1588)، والبيهقي: (4/ 114) من طريق بشر بن عمر، عن أبي الغُصن، عن صخر بن إسحاق، عن عبد الرحمن به. وذكر المنذري أن في إسناده أبا الغصن وذَكَر الكلام فيه، وفيه أيضًا صخر بن إسحاق وعبد الرحمن بن جابر مجهولان. تنظر ترجمتهما في «التهذيب»: (4/ 410 و 6/ 154). وقد ضعَّفه عبد الحق وابن القطان وغيرهم. وروى الحديث ابن أبي شيبة (9932)، وابن زنجويه في «الأموال» (1574) وغيرهم فجعلوه من مسند جابر بن عبد الله الأنصاري. ينظر «بيان الوهم والإيهام»: (2/ 131 - 132). (3). ذكر المنذري بعده العبارة الآتية فيمن يعرف باسم «ثابت بن قيس» التي نسبها المجرِّد لابن القيم.

(1/268)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وفي الرواة خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس لا نَعْرف فيهم مَن تُكُلِّم فيه غيره (1).

  3 - باب مَن روى نصفَ صاعٍ مِن قَمْح (2)

87/ 1555 - وعن حُميد ــ وهو الطويل ــ، عن الحسن ــ وهو البصري ــ قال: «خطَبَ ابنُ عباس في آخر رمضان على منبر البصرة فقال: أخرجوا صدقةَ صومِكم، فكأنَّ الناسَ لم يعلموا، فقال: مَن ههنا مِن أهلِ المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلِّموهم، فإنهم لا يعلمون، فرَضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الصدقة، صاعًا من تمر أو شعير، أو نصف صاع قمح، على كلِّ حرٍّ أو مملوكٍ، ذَكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير، فلما قدم عليٌّ رأى رُخْصَ السِّعْر، قال: قد أوسعَ الله عليكم، فلو جعلتموه صاعًا مِن كل شيء؟ قال حميد: وكان الحسن يرى صدقةَ رمضان على مَن صام. وأخرجه النسائي (3)، وقال: الحسن لم يسمع من ابن عباس. وهذا الذي قاله النسائي هو الذي قاله الإمام أحمد وعلي بن المديني وغيرهما من الأئمة، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله: «خطبنا ابن عباس» يعني خطب أهل البصرة، وقال علي بن المديني في حديث الحسن: _________ (1). كذا نَسَب مُجرِّد «التهذيب» هذا القول لابن القيم بينما هذا النقل من كلام المنذري في «مختصره»: (2/ 202) ومخطوطته (ق 20 ب - المحمودية) ووقع في المخطوط تقديم وتأخير بين كلام ابن حبان وبقية الأئمة. وهؤلاء الخمسة ذكرهم الخطيب في «المتفق والمفترق»: (1/ 591 - 600). (2). يعني في زكاة الفطر. (3). أخرجه أبو داود (1622)، والنسائي في «المجتبى» (1850) وفي «الكبرى» (1815).

(1/269)


«خطبنا ابن عباس بالبصرة»: إنما هو كقول ثابت «قدم علينا عمران بن حصين» ومثل قول مجاهد: «خرج علينا علي» وكقول الحسن: «إن سُراقة بن مالك بن جُعْشُم حدثهم» وقال ابن المديني أيضًا: الحسن لم يسمع من ابن عباس، وما رآه قط، كان بالمدينة أيام ابن عباس على البصرة. قال ابن القيم - رحمه الله -: قال الترمذيُّ (1): سألت أبا عبد الله البخاري عن حديث الحسن: «خَطَبنا ابنُ عباس فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَرَض صدقَة الفطر»؟ فقال: روى غيرُ يزيد بن هارون، عن حُميد، عن الحسن: «خَطَبَ ابنُ عباس» وكأنه رأى هذا أصحّ. قال الترمذيُّ: وإنما قال البخاريُّ هذا لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام عليّ, والحسنُ البصريُّ في أيامِ عثمانَ وعليّ كان بالمدينة.

  4 - بابٌ في تعجيل الزكاة

88/ 1556 - عن أبي هريرة قال: بعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عمرَ بن الخطاب على الصدقة، فمنع ابنُ جميل، وخالدُ بن الوليد، والعباسُ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد بن الوليد، فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبسَ أدراعَه وأَعْتُدَه في سبيل الله، وأما العبّاس عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي عليَّ ومثلها»، ثم قال: «أما شعرتَ أنّ عمّ الرجل صِنْو الأب» أو «صِنْو أبيه». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (2). قال ابن القيم - رحمه الله -: لفظ مسلم وأبي داود: «فهي علَيَّ ومثلُها معها». _________ (1). في كتاب «العلل الكبير» (1/ 325 - 326). (2). أخرجه أبو داود (1623)، والبخاري (1468)، ومسلم (983)، والنسائي (2464).

(1/270)


وفيه قولان، أحدهما: أنه كان تسلَّف منه صدقةَ عامين. والثاني: أنه تحمَّلها عنه يؤدِّيها عنه. ولفظ البخاريّ والنسائيّ: «فهي عليه صدقة ومثلها معها» وفيه قولان، أحدهما: أنه جعله مصرفًا لها، وهذا قبل تحريمها على بني هاشم. والثاني: أنه أسقطها عامين لمصلحةٍ كما فعل عمرُ عامَ الرّمادة. ولفظ ابن إسحاق: «هي عليه ومثلُها معها» حكاه البخاريُّ (1)، وفيه قولان، أحدهما: أنه أنظره بها ذلك العام إلى القابل فيأخذها ومثلها. والثاني: أن هذا مدحٌ للعباس وأنه سَمح بما طُلِب منه، لا يمتنع من إخراج ما عليه بل يخرجه ومثله معه. وقال موسى بن عُقْبة: «فهي له ومثلها معها» ذكره ابن حبان (2)، وفيه قولان، أحدهما: أن «له» بمعنى «عليه» كقوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]. والثاني: إطلاقها له وإخراج النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه من عنده بِرًّا له، ولهذا قال: «أما شعرتَ أنّ عمّ الرجل صِنْو أبيه».

  5 - بابٌ في الاستعفاف

89/ 1582 - وعن ابن الساعِدِي قال: استعلمني عمرُ على الصدقة، فلما فرغتُ منها وأدَّيتها إليه، أمر لي بعُمَالة، فقلت: إنما عملتُ لله، وأجري على الله، قال: خذ ما أُعطيتَ، فإني قد عملتُ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعَمَّلني، فقلتُ مثلَ قولك، فقال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أُعطيتَ شيئًا مِن غيرِ أن تسأله فكُلْ وتصدَّقْ». _________ (1). (2/ 122) معلقًا بعد حديث (1468). (2). في «الصحيح»: (8/ 69).

(1/271)


وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1) بنحوه (2). ورواه الزهري، عن السائب بن يزيد، عن حُوَيطب بن عبد العُزَّى، عن عبد الله بن السَّعْدي، عن عمر، فاجتمع في إسناده أربعة من الصحابة، وهو من الأحاديث التي جاءت كذلك. ووقع في حديث الليث بن سعد: «ابن الساعدي» كما قدمناه، وهو عبد الله بن السعدي، ولم يكن سعديًّا، وإنما قيل لأبيه: السعدي، لأنه كان مُسْتَرضَعًا في بني سعد بن بكر، وهو قرشيّ عامريّ مالكيّ، من بني مالك بن حِسْلٍ، واسم السعدي: عَمرو بن وَقْدان، وقيل: قُدامة بن وقدان. وأما الساعدي: فنسبة إلى بني ساعدة من الأنصار، من الخزرج، ولا وجه له ههنا، إلا أن يكون له نزول أو حِلْف أو خُؤولة، أو غير ذلك. وقوله: «فعَمَّلَني» بفتح العين المهمة، وتشديد الميم وفتحها، أي: جعل لي العُمَالة، وهي أجرة العمل. وفيه جواز أخذ الأجرة على أعمال المسلمين وولاياتهم الدينية والدنيوية، قيل: وليس معنى الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، واستشهد بقوله في بعض طرقه «يَتَموَّله» وقال: الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقة ما يتخذه مالًا، كان عن مسألة أو عن غير مسألة (3). واختلف العلماء فيما أمر به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عمر من ذلك ــ بعد إجماعهم على أنه _________ (1). أخرجه أبو داود (1647)، والبخاري (7164)، ومسلم (1045)، والنسائي (2397). (2). «بنحوه» من مخطوطة «المختصر». (3). من قوله: «وقوله: فعَمَّلَني ... » إلى هنا، مكتوب في هامش مخطوطة «المختصر» (31 أ) وليس عليها علامة التصحيح، وهي في متن المطبوعة، وأشار المجرِّد أنها من كلام المنذري الذي علق عليه المؤلف.

(1/272)


أمْرُ نَدْبٍ وإرشاد ــ فقيل: هو ندب من النبي - صلى الله عليه وسلم - لكلِّ مَن أُعطي عطيَّة, كانت من سلطان أو عامِّيّ, صالحًا كان أو فاسقًا, بعد أن يكون ممن تجوز عطيتُه. حكى ذلك غيرُ واحد. وقيل: ذلك مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَدْب إلى قبول عطية غير (1) السلطان, فأما السلطان, فبعضهم منعها, وبعضهم كرهها. وقال آخرون: ذلك ندبٌ لقبول هدية السلطان دون غيره, ورجَّح بعضُهم الأول، بأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يخصّ (2) وجهًا من الوجوه. تم كلامه (3). [قال ابن القيم - رحمه الله -]: وسياق الحديث إنما يدلُّ على عطية العامل على الصدقة, [ق 54] فإنه يجوز له أخذ عَمالته وتَمَوّلها وإن كان غنيًّا, والحديث إنما سِيْقَ لذلك, وعليه خرج جوابُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس المراد به العموم في كلِّ عطية مِن كلِّ معطٍ, والله أعلم. 90/ 1583 - وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفُّف منها والمسألة: «اليدُ العُليا خيرٌ مِن اليد السُّفْلَى، واليدُ العليا المنفِقَة، والسُّفْلى السائلة». _________ (1). في «الأصل»: «من غير» والمثبت من مخطوطة «المختصر». (2). في مخطوطة «المختصر»: «لأن النبي عليه السلام لم يخص». (3). من قوله: «واختلف العلماء» إلى هنا نسبه المجرِّد إلى ابن القيم ثم كتب الناسخ فوق (قال): «ينظر من كلام الزكي»، وفوق (تم كلامه): «إلى هنا» يعني أن هذه الفقرة من كلام صاحب المختصر زكيّ الدين المنذري، وهذه الفقرة لا وجود لها في مطبوعة «المختصر»: (2/ 242 - 243)، وهو موجود في مخطوطة «المختصر» (ق 30 ب) معلقة في هامشها. ولم يتفطن في ط. الفقي إلى ذلك فساقه من كلام ابن القيم، وفي ط. المعارف ساقه من كلام ابن القيم ولم ينتبه لتعليق الناسخ، وإن ذكر في الهامش أن الكلام لعله للمنذري.

(1/273)


وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1) بهذا اللفظ: «اليدُ العُلْيا المنفقة، والسُّفْلى السائلة». وقد ذكر أبو داود (2) عن أيوب: «العُليا المتعفِّفَة»، وروي عن الحسن البصري: «أن السُّفْلى الممسكة المانعة». وقد ذكر في حديث مالك بن نَضْلة الذي بعده: «أن الأيدي ثلاثة» (3). وذهبت المتصوفةُ إلى أن اليد العُليا هي الآخذة، لأنها نائبة عن يد الله تعالى، وما جاء في الحديث الصحيح من التفسير مع فهم المقصد مِن الحثِّ على الصدقة أولى. فعلى التأويل الأول هي عُليا بالصورة، وعلى الثاني عليا بالمعنى. وفي الحديث نَدْبٌ إلى التعفف عن المسألة، وحَضٌّ على معالي الأمور، وترك دَنِيّها، وفيه أيضًا حضٌّ على الصدقة. قال أبو داود: اختُلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث، قال عبد الوارث: «اليدُ العُليا المتعفّفة»، وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب: «اليدُ العُليا المنفقة» وقال غير (4) واحدٍ ــ يعني ــ عن حماد بن زيد: «المتعفِّفَة». قال ابن القيم - رحمه الله -: وتفسير مَن فسَّر اليدَ العُليا بالآخِذَة، باطل قطعًا من وجوه: أحدها: أن تفسير النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لها بالمنفقة يدلُّ على بطلانه. _________ (1). أخرجه أبو داود (1648)، والبخاري (1429)، ومسلم (1033)، والنسائي (2533). (2). ذكره عقب الحديث. (3). أخرجه أبو داود (1649)، وأحمد (15890)، وابن خزيمة (2440)، وابن حبان (3362). (4). «غير» ليست لا في مطبوعة «المختصر» ولا في المخطوطة وضبطها في المخطوط بالضم «واحدٌ». وهي مما ذكره المجرِّد من كلام المنذري.

(1/274)


الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنها خيرٌ مِن اليد السُّفْلى، ومعلومٌ بالضرورة أن العطاء خيرٌ وأفضل من الأخذ، فكيف تكون يد الآخذ أفضل مِن يد المعطي؟ الثالث: أن يَدَ المعطي أعلى من يد السائل حسًّا ومعنًى، وهذا معلوم بالضرورة. الرابع: أن العطاء صفة كمال دالّ على الغِنَى والكرم والإحسان والمجد، والأخذ صفة نقصٍ، مَصْدره عن الفقر والحاجة، فكيف تُفَضَّل يدُ صاحبه على يدِ المعطي؟ هذا عكس الفطرة والحسِّ والشريعة، والله أعلم. * * *

(1/275)


 كتابُ اللُّقَطَة

91/ 1635 - وعن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن اللُّقَطة؟ فقال: عَرِّفْهَا سَنَةً، فإن جاء باغيها فأدِّها إليه، وإلا فاعْرِف عِفَاصَهَا ووكاءها، ثم كُلْهَا، فإن جاء باغيها، فأدِّها إليه». وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (1) بمعناه، وفي رواية: «فإن جاء باغيها فعَرَفَ عِفاصها وعدَدها، فادفعها إليه» (2). قال أبو داود: وهذه الزيادة التي زاد حماد بن سلمة: «إن جاء صاحِبُها فعَرَف عِفاصها ووكاءها فادفعها إليه» ليست بمحفوظة. وحديث عُقْبة بن سُويد، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا، قال: «عَرِّفها سنة». وحديث عمر بن الخطاب أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عرِّفها سنة». هذا آخر كلامه. وهذه الزيادة قد أخرجها مسلم في «صحيحه» (3) من حديث حماد بن سلمة. وقد أخرجه الترمذي والنسائي (4) من حديث سفيان الثوري عن سَلَمة بن _________ (1). أخرجه أبو داود (1706)، والبخاري (2372)، ومسلم (1722/ 1) والنسائي في «الكبرى» (5779)، وابن ماجه (2507)، وأحمد (17046)، وابن حبان (4889) وغيرهم من طرق عن بُسر بن سعيد به. (2). من قوله: «وأخرجه مسلم ... » إلى هنا، ليس في مطبوعة «المختصر»: (2/ 268)، فأضاف الطابع بين معقوفين ما يدلّ على هذه الزيادة لاقتضاء الكلام لها. (3). (1723/ 10). (4) الترمذي (1374)، والنسائي في «الكبرى» (5794).

(1/276)


كُهَيل بهذه الزيادة، كما قدمناه عنهما. وذكر مسلم في «صحيحه» (1) أن سفيان الثوري، وزيد بن أبي أُنيسة، وحماد بن سلمة، ذكروا هذه الزيادة، فقد تبيَّن أن حماد بن سلمة لم ينفرد بهذه الزيادة، فقد تابعه عليها من ذكرناه. قال ابن القيم - رحمه الله -: والسنة الصحيحة مصرِّحةٌ بأنّ مدَّةَ التعريف سنة. ووقع في حديث أُبيِّ بن كعب المتقدِّم (2): أنها تُعرَّف ثلاثة أعوام، ووقع الشكُّ في رواية حديث أُبيّ بن كعب أيضًا, هل ذلك في سنة أو في ثلاث سنين, وفي الأخرى «عامين أو ثلاثة» فلم يجزم, والجازم مقدَّم. وقد رجع أُبيُّ بن كعب آخرًا إلى عام واحد, وترك ما شكَّ فيه (3). وحكى مسلم في «صحيحه» (4) عن شعبة أنه قال: فسمعتُه ــ يعني سَلَمة بن كُهَيل ــ بعد عشر سنين يقول: «عرِّفها عامًا واحدًا». وقيل: هي قضيتان, فالأولى لأعرابيّ أفتاه بما يجوز له بعد عام. والثانية: لأُبيِّ بن كعب أفتاه بالكفّ عنها, والتربُّص بحُكْم الوَرَع ثلاثة أعوام, وهو من فقهاء الصحابة وفضلائهم. وقد يكون ذلك لحاجة الأول إليها وضرورته, واستغناء أُبيّ, فإنه كان من مياسير الصحابة. _________ (1). (1723/ 10). (2). يعني في أصل الكتاب، والحديث أخرجه البخاري (2426)، ومسلم (1723)، وأبو داود (1701) وغيرهم. (3). كذا، والذي شكّ فيه هو راويه سلمةُ بن كُهيل وليس أبيّ بن كعب، قال الحافظ في «الفتح»: (5/ 79): «وأغرب ابن بطّال فقال: الذي شك فيه هو أبيّ بن كعب، والقائل هو سُويد بن غَفَلة. اهـ ولم يصب في ذلك، وإن تَبِعه جماعة منهم المنذري، بل الشكّ فيه من أحد رواته، وهو سلمة لمّا استثبته فيه شعبة». (4). (1723/ 9).

(1/277)


ولم يقل أحدٌ من أئمة الفتوى بظاهره, وأن اللقطة تعرَّف ثلاثَة أعوام إلا رواية جاءت عن عمر بن الخطاب (1). ويحتمل أن يكون الذي قال له عمر ذلك موسرًا. وقد رُوي عن عمر أن اللُّقَطة تعرَّف سنة, مثل قول الجماعة (2). وحكى في «الحاوي» (3) عن شواذَّ من الفقهاء أنه يلزمه أن يعرِّفها ثلاثة أحوال. 92/ 1646 - وعن المنذر بن جَرير قال: كنتُ مع جَرير بالبوازيج فجاء الراعي بالبقَرِ، وفيها بقرةٌ ليست منها، فقال له جرير: ما هذه؟ قال: لحقَتْ هذه (4) بالبقر، لا ندري لمن هي، فقال جرير: أخرجوه، سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يأوي الضالَّة إلا ضَالٌّ». وأخرجه النسائي وابن ماجه (5). وقد أخرج مسلم في «صحيحه» (6) من حديث زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن آوَى ضالةً فهو ضالٌّ، ما لم يُعَرِّفها». وأخرجه النسائي (7)، ولفظه: «مَن أخذَ لُقَطةً فهو ضالّ، ما لم يُعَرِّفها». _________ (1). ذكرها ابن المنذر ــ كما في الفتح: (5/ 79) ــ وابن حزم في «المحلى»: (8/ 262). (2). ذكرها ابن المنذر، وابن حزم، ينظر الحاشية السالفة. (3). «الحاوي الكبير»: (8/ 31 - ط. دار الفكر) للماوردي. (4). من خ المختصر. (5). أخرجه أبو داود (1720)، والنسائي في «الكبرى» (5767)، وابن ماجه (2503)، وأحمد (19209)، وفي إسناده اضطراب، وانظر حاشية «المسند» تحت رقم (19184). (6). (1725). (7). في «الكبرى» (5774).

(1/278)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال بعضهم: الفرق بين لُقَطة مكة وغيرها: أن الناسَ يتفرَّقون مِن مكة, فلا يمكن تعريف اللُّقَطة في العام, فلا يحلّ لأحدٍ أن يلتقطَ لُقَطَتَها إلا مبادِرًا إلى تعريفها قبل تفرُّق الناس, بخلاف غيرها من البلاد. والله أعلم. * * *

(1/279)


 كتاب الحج

  1 - باب في المواقيت

93/ 1665 - وعن ابن عباس قال: «وَقَّتَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأهلِ المشرق العقيقَ». وأخرجه الترمذي (1) وقال: هذا حديث حسن. هذا آخر كلامه. وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وذكر البيهقيُّ أنه تفرَّد به. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال ابن القطان (2): عِلّته الشكّ في اتصاله، فإن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يرويه عن ابن عباس، ومحمد بن علي إنما هو معروف الرواية عن أبيه، عن جدّه ابن عباس. وفي «صحيح مسلم» (3): حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس: «أنه رقَدَ عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» الحديث. وحديثه عن أبيه، عن جدّه: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكَلَ كَتِفًا أو لحمًا, ثم _________ (1) أخرجه أبو داود (1740)، والترمذي (832)، وأحمد (3205) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس به. وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وما سيذكره ابن القطان من الانقطاع. (2) «بيان الوهم والإيهام»: (2/ 558). (3) (354).

(1/280)


صلى ولم يمسَّ ماءً» ذكره البزار (1). وقال (2): ولا أعلم روى عن جدِّه إلا هذا الحديث, يعني «وَقَّت لأهلِ المشرق» وأخاف أن يكون منقطعًا. ولم يذكر البخاريُّ ولا ابنُ أبي حاتم (3) أنه روى عن جده, وقال مسلم في كتاب «التمييز» (4). لم يُعلَم له سماعٌ من جدِّه ولا أنه لقيه. 94/ 1666 - وعن أمِّ سلَمة زوجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنها سمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَن أهلَّ بحَجَّة أو عُمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، أو وجبت له الجنة ــ شكَّ عبدُ الله أيتهما قال». وأخرجه ابن ماجه (5)، ولفظه: «مَن أهَلَّ بعُمْرة من بيت المقدس غُفِر له». وفي رواية (6): «مَن أهلَّ بعمرةٍ من بيت المقدس كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب». وقد اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا. _________ (1) (5246)، وأخرجه البيهقي: (1/ 153). (2) أي ابن القطان في «بيان الوهم» الموضع السالف. (3) ينظر «التاريخ الكبير»: (1/ 183)، و «الجرح والتعديل»: (8/ 26). (4) (ص 215). (5) أخرجه أبو داود (1741)، وابن ماجه (3002)، وأحمد (26558) من طريق عبد الله بن يُحَنّس، عن يحيى الأخنس، عن جدته حُكَيمة، عن أم سلمة به. وإسناده ضعيف لجهالة حُكيمة، وفي إسناده اضطراب كما أشار المنذري، انظر حاشية «المسند»: (44/ 181 - 183). (6) لابن ماجه (3002).

(1/281)


قال ابن القيم - رحمه الله -: هذا الحديث ــ حديث أم سلمة ــ قال غير واحد من الحفَّاظ: إسناده ليس بالقوي, وقد شكّ (1) عبدُ الله بن عبد الرحمن بن يُحَنّس: هل قال: «و وجبت له الجنة» , أو قال: «أو وجبت» بالشكّ بدل قوله: «غُفِر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر»؟ هذا هو الصواب بـ «أو». وفي كثير من النُّسَخ «ووجبت» بالواو, [ق 55] وهو غلط، والله أعلم (2).

  2 - باب في هدي البقرة

95/ 1676 - وعن أبي هريرة: «أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ذَبحَ عمَّن اعتمر من نسائه بقرةً بينهنّ». وأخرجه النسائيُّ وابن ماجه (3). قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد روى النسائيُّ (4) من حديث إسرائيل، عن عمّار، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «ذبحَ عنَّا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ حَجَجْنا بقرةً بقرةً». وعن الزهري، عن عَمْرة، عن عائشة قالت: «ما ذُبِح عن آل محمد في الوداع إلا بقرة» (5). وبه عن عائشة: «أن _________ (1) في ط. الفقي: «سُئل» وقد كان كتبها في الأصل كذلك ثم جوّدها كما أثبتنا. (2) في هامش الأصل: «بلغ مقابلة». (3) أخرجه أبو داود (1751)، والنسائي في «الكبرى» (4114)، وابن ماجه (3133)، وابن خزيمة (2903)، وابن حبان (4008)، والحاكم: (1/ 466) وقال: صحح على شرط الشيخين. كلهم من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - به. (4) في «الكبرى» (4115). وقال الحافظ في «الفتح»: (3/ 551) عن هذه الرواية: إنها شاذة. (5) أخرجه النسائي أيضًا في «الكبرى» (4116).

(1/282)


رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نَحَر عن آل محمدٍ في حجَّة الوداع بقرةً واحدةً» (1). وسيأتي قول عائشة: «ذبَحَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه البقَرَ يومَ النحر» (2). ولا ريب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجَّ بنسائه كلِّهن, وهنّ يومئذٍ تسع, وكلُّهن كنَّ متمتّعات حتى عائشة, فإنها قَرَنت, فإن كان الهدي متعدِّدًا فلا إشكال, وإن كان بقرةً واحدةً بينهنّ, وهنّ تسع, فهذا حجة لإسحاق ومن قال بقوله: أن البدنة تُجْزئ عن عشرة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (3). وقد ذهب ابن حزم (4) إلى أن هذا الاشتراك في البقرة إنما كان بين ثمانِ نسوة, قال: لأن عائشة لمّا قَرَنت لم يكن عليها هَدْي, واحتجَّ بما في «صحيح مسلم» (5) عنها من قولها: «فلما كانت ليلة الحَصْبة وقد قضى الله حجَّنا، أرسل معي عبد الرحمن فأردفني، وخرج بي إلى التنعيم، فأهللتُ بعمرة، فقضى الله حجَّنا وعمرَتَنا, ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم». وجعل هذا أصلًا في إسقاط الدم عن القارن. ولكن هذه الزيادة وهي: «ولم يكن في ذلك هدي» مُدرجةٌ في الحديث _________ (1) أخرجه أبو داود (1750)، والنسائي في «الكبرى» (4112)، وابن ماجه (3135). (2) أخرجه البخاري (294)، ومسلم (1211/ 19)، وأبو داود (1782)، وغيرهم. (3) ينظر لقول إسحاق «مسائل الكوسج»: (5/ 2225)، وذكر المؤلف هذه المسألة في «زاد المعاد»: (2/ 265 - 267) وأن القول بأنها تجزئ عن سبعةٍ قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه. وهو قول الجمهور، ولم أر حكاية أنها تجزئ عن عشرة روايةً في المذهب في كتب الحنابلة المعروفة. ينظر «المغني»: (13/ 363 - 364)، و «الإنصاف»: (9/ 340)، و «المبدع»: (3/ 200). (4) في «المحلى»: (7/ 150 - 152). (5) (1211/ 15). وأخرجه البخاري أيضًا (316 و 1561).

(1/283)


من كلام هشام بن عروة, بيَّنه مسلمٌ في «الصحيح» (1). قال: أنبأنا أبو كُرَيب، أنبأنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ــ فذكرت الحديث ــ وفي آخره: قال عروة في ذلك: «إنه قضى الله حجَّها وعمرتها» قال هشام: «ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة». فجعل وكيعٌ هذا اللفظ لهشامٍ، وابنُ نُمَير وعَبْدةُ لم يقولا: «قالت عائشة» , بل أدرجاه إدراجًا, وفصَّلَه وكيعٌ وغيره.

  3 - باب تبديل الهدي

96/ 1682 - عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: «أهدى عمرُ بن الخطاب بُخْتِيًّا فأُعْطِي بها ثلثمائة دينار، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني أهْدَيتُ بُختيًّا فأُعْطِيتُ بها ثلثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدْنًا؟ قال: لا، انْحَرها إيَّاها» (2). قال البخاري: لا نعرف للجَهم سماعًا من سالم. قال ابن القيم - رحمه الله -: هو الجهم بن الجارود. وقد ذكر هذا الحديثَ البخاريُّ في «تاريخه الكبير» (3) , وعلَّله بهذه العلة, وأعلَّه ابنُ القطّان (4) بأنّ جَهْم بن الجارود لا يُعْرَف حاله, ولا يُعْرَف له راوٍ إلا أبو عبد الرحيم _________ (1) (1211/ 17). (2) أخرجه أبو داود (1756)، وأحمد (6325)، وابن خزيمة (2911)، والبيهقي: (5/ 241) من طريق جهم بن الجارود، عن سالم به. وجهم مجهول، ولا يعرف له سماع من سالم. (3) (2/ 230). (4) في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 58).

(1/284)


خالد بن أبي يزيد. قال: وبذلك ذكره البخاري وأبو حاتم (1).

  4 - باب في الهدي إذا عَطِب قبل أن يبلغ

97/ 1691 - وعن عبد الله بن قُرْطٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القَرِّ، وهو اليوم الثاني»، قال: وقُرِّب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدناتٌ خمسٌ أوستٌّ، فطفِقْن يَزدَلِفن إليه، بأيَّتِهنَّ يبدأ، فلما وجَبت جُنوبُها، قال، فتكلّم بكلمةٍ خَفيّة لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: «من شاء اقتطع». وأخرجه النسائي (2). _________ (1) في «الجرح والتعديل»: (2/ 522). ووقع في مطبوعة «بيان الوهم»: «وابن أبي حاتم» وأشار المحقق أنه في نسخة (ت): «وأبو حاتم» كما هنا، لكن وصفها بالتحريف، وليس كذلك، إذا فهمنا أنه أراد قائل القول وهو أبو حاتم لا صاحب الكتاب الذي هو ابنه. وما ورد في كتابنا يؤيد صحة ما في نسخة (ت)، وإن كان يصح على أي الوجهين أُثبت. (2) أخرجه أبو داود (1765)، والنسائي في «الكبرى» (4098)، وأحمد (19075)، وابن خزيمة (2866)، وابن حبان (2811)، والحاكم: (4/ 221). وإسناده صحيح. تنبيه: ذكر المجرِّد أن ابن القيم علّق بعد أن ساق قولَ المنذري: «وفيه جواز أخذ النُّثار في الأملاك». وهذه العبارة ليست في «مختصر المنذري» (2/ 296) المطبوع، وهي في مخطوطة «المختصر» (ق 45 أ) في آخر كلام عُلِّق على طرة النسخة، نسوقه كاملًا ليتضح الكلام (وما تركناه نقاطًا لم تظهر لنا قراءته): ««يوم القرّ» بفتح القاف وهو اليوم الذي يلي يوم النحر، لأنّ الناس يقرّون فيه بمنى، لأنهم قد فرغوا من طواف الإفاضة والنحر فقرّوا. و «يزدلفن» معناه يقتربن، وهو يفتعلن من القُرْب فأبدل التاء دالًا. و «طَفِق» يفعل كذا أي جعل، وهو بفتح الطاء وكسر الفاء، وقيل فيه أيضًا: «طَفَق» بفتح الفاء يَطْفِق، وإنما تقوله العرب في .... «وجبت جنوبُها» رهقت أنفسها فسقطت على جنوبها. وفيه دليل على هِبَة المتاع، وفيه جواز أخذ النُّثار في الأملاك».

(1/285)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وفيه (1) دليل على أن يوم النحر أفضل الأيام, وذهبت جماعةٌ من العلماء إلى أن يوم الجمعة أفضل الأيام, واحتجُّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة» وهو حديث صحيح رواه ابن حبان (2) وغيره. وفَصْل النزاع: أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع, ويوم النحر أفضل أيام العام, فيوم النحر مُفضَّل على الأيام كلِّها التي فيها الجمعة وغيرها, ويوم الجمعة مفضَّل على أيام الأسبوع، فإن اجتمعا في يومٍ تظاهرت الفضيلتان, وإن تباينا, فيوم النحر أفضل وأعظم لهذا الحديث. والله أعلم (3).

  5 - باب إفراد الحجِّ

98/ 1704 - وعن [عائشة] أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُوَافِين هلالَ ذي الحِجّة، فلما كان بذي الحُلَيفة قال: «مَن شاءَ أن يُهِلّ بِحَجٍّ (4) فليُهِلَّ، ومن شاء أن يهلّ بعمرة فليُهِلّ بعمرة. قال موسى ــ يعني ابن إسماعيل ــ في حديث وُهيب: فإني لولا أني أهْدَيْتُ لأهللت بعمرة ــ. وقال في حديث حماد بن _________ (1) كتب فوقها بخط أصغر: «أي في الحديث». (2) (2772)، وأخرج مسلم (854) طرفًا منه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (3) وانظر «زاد المعاد»: (1/ 60 - 64)، و «بدائع الفوائد»: (3/ 1103 - 1104)، و «مجموع الفتاوى»: (25/ 288 - 289). (4) سقطت من (خ- المختصر).

(1/286)


سلمة: وأما أنا فأُهِلُّ بالحج، فإنّ معي الهدي ــ ثم اتفقوا (1) ــ فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرة، فلما كان في بعض الطريق حِضْتُ، فدخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقال: ما يُبكيك؟ قلت: وَدِدْتُ أني لم أكن خرجتُ العامَ، قال: ارفضي عمرتَك، وانقُضي رأسك، وامتَشِطي ــ قال موسى: وأهلِّي بالحج، وقال سليمان، يعني ابن حرب: واصنعي ما يصنع المسلمون في حجهم، فلما كان ليلة الصَّدَرَ أمر ــ يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ عبدَ الرحمن فذهب بها إلى التنعيم. زاد موسى: فأهلَّتْ بعمرة مكان عمرتها، وطافت بالبيت، فقضى الله تعالى عمرتها وحَجَّها ــ قال هشام، يعني ابن عروة: ولم يكن في شيء من ذلك هَديٌ. زاد موسى في حديث حماد بن سلمة: فلما كانت لَيْلَةُ البَطْحَاءِ طَهرت عائشة». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (2). قال ابن القيم - رحمه الله -: والأحاديث الصحيحة صريحة بأنها أهلَّتْ أولًا بعمرة, ثم أمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حاضت أن تُهِلّ بالحجِّ, فصارت قارنة. ولهذا قال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «يكفيكِ طوافُكِ بالبيت وبين الصفا والمروة لحجّك وعمرتك» متفق عليه (3) , وهو صريح في ردِّ قول من قال: إنها رفضت إحرام العمرة رأسًا وانتقلت إلى الإفراد, وإنما أُمِرت برفض أعمال العمرة من الطواف والسعي حتى تطهُر, لا برفض إحرامها. _________ (1) «ثم اتفقوا» سقطت من (خ- المختصر). (2) أخرجه أبو داود (1778)، والبخاري (1786)، ومسلم (1211)، والنسائي (2717)، وابن ماجه (3000). وساق المنذري ألفاظًا وروايات أخرى لحديث عائشة - رضي الله عنها - (1704 - 1710). (3) أخرجه مسلم (1211/ 132)، ولم أجده في البخاري. وأخرجه أبو داود (1897)، وأحمد (24932).

(1/287)


وأما قوله: «ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ» فهو مُدرَج من كلام هشام, كما بيَّنه وكيعٌ وغيرُه عنه, حيث فَصَل كلامَ عائشة من كلام هشام, وأما ابن نُمَير وعَبْدة فأدرجاه في حديثها ولم يميِّزاه, والذي ميَّزه معه زيادةُ عِلْم, ولم يعارضه غيرُه، فابن نُمَير وعَبْدة لم [ق 56] يقولا: «قالت عائشة: ولم يكن في شيء من ذلك هدي» بل أدرجاه وميَّزَه غيرُهما (1). وأما قول من قال: إنها أحرمت بحجٍّ ثم نوت فسخَه بعمرة, ثم رجعت إلى حجٍّ مفرد, فهو خلاف ما أخبرَتْ به عن نفسها, وخلاف ما دلَّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لها: «يسعُك طوافُك لحجِّك وعمرتك» (2)، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرها أن تُهِلَّ بالحجِّ لمّا حاضت, كما أخبرت بذلك عن نفسها, وأمرها أن تدعَ العمرةَ وتهِلَّ بالحجِّ. وهذا كان بِسَرِف (3) , قبل أن يأمر أصحابه بفسخ حَجِّهم إلى العمرة, فإنه إنما أمرهم بذلك على المروة. وقوله: إنها أشارت بقولها: «فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرة» إلى الوقت الذي نَوَت فيه الفسخ= في غاية الفساد، فإن صريح الحديث يشهد ببطلانه, فإنها قالت: «فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرةٍ، فلما كان في بعض الطريق حضت» فهذا صريح في أنها حاضت بعد إهلالها بعمرة. _________ (1) ينظر ما سبق في الحديث السالف (ص 283 - 284). (2) أخرجه مسلم (1211/ 132). (3) سَرِف: بفتح السين وكسر الراء وآخره فاء، وادٍ كبير قريب من مكة على بعد 12 كيلًا، ويسمى الآن «النوارية» وفيه بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأم المؤمنين ميمونة، وتوفيت بعد ذلك به، وبه قبرها. ينظر «معجم البلدان»: (3/ 212)، و «معالم مكة التاريخية» (ص 132 - 133) للبلادي. وانظر «صحيح البخاري» (305 و 1788)، ومسلم (1211/ 120).

(1/288)


ومَن تأمَّل أحاديثها علم أنها أحرمت أوّلًا بعمرة, ثم أدْخَلَتْ عليها الحجَّ فصارت قارنة, ثم اعتمرت من التنعيم عمرةً مستقلّة تطييبًا لقلبها. وقد غَلِط في قصة عائشة من قال: إنها كانت مفردة, فإن عمرَتَها من التنعيم هي عمرة الإسلام الواجبة. وغلط مَن قال: إنها كانت متمتِّعة, ثم فسخت المتعةَ إلى إفراد, وكأنّ عمرةَ التنعيم قضاءٌ لتلك العمرة. وغلط مَن قال: إنها كانت قارِنةً, ولم يكن عليها دم ولا صوم, وأن ذلك إنما يجب على المتمتِّع. ومن تأمل أحاديثها علم ذلك, وتبيَّن له أن الصواب ما ذكرنا. والله أعلم. 99/ 1707 - وعنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّة الوداع، فأهْلَلْنا بعمرة، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان معه هديٌ فَلْيُهِلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يَحِلّ حتى يحلّ منهما جميعًا، فقدمت مكةَ وأنا حائض، فلم أطُف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلّي بالحجّ ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحجَّ أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكانَ عمرتك، قالت: فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حَلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر، بعد أن رجعوا من منًى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحجَّ والعمرةَ، فإنما طافوا طوافًا واحدًا». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (1). _________ (1) أخرجه أبو داود (1781)، والبخاري (1556)، ومسلم (1211/ 111)، والنسائي (2764). تنبيه: نقل المجرّد عبارة للمنذري وهي: (ولم تتمكن من فعلها للحيض) لم أجدها في «المختصر» المخطوط والمطبوع.

(1/289)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وقد احتجَّ به ابنُ حزم (1) على أن المُحْرِم لا يحرُم عليه الامتشاط, ولم يأت بتحريمه نصٌّ، وحَمَله الأكثرون على امتشاطٍ رفيقٍ لا يقطع الشعر. ومَن قال: كان بعد جمرة العقبة, فسياق الحديث يبطل قولَه. ومَن قال: هو التمشُّط بالأصابع, فقد أبْعَدَ في التأويل. ومَن قال: إنها أُمِرت بترك العمرة رأسًا, فقوله باطل لما تقدم, فإنها لو تركَتْها رأسًا لكان قضاؤها واجبًا, والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد أخبرها أنه لا عمرة عليها, وأن طوافها يكفي عنهما. وقوله: «أهلِّي بالحجّ» صريحٌ في أن إحرامها الأول كان بعمرة, كما أخبرَتْ به عن نفسها، وهو يُبطل قولَ مَن قال: كانت مفرِدَةً, فأُمِرَت باستدامة الإفراد. وفي الحديث دليل على تعدُّد السعي على المتمتِّع, فإن قولها: «ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن منى لحجِّهم» تريد به الطواف بين الصفا والمروة، ولهذا نفَتْه عن القارِنِين, ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء، فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتِّع. وقد خالفها جابر في ذلك, ففي «صحيح مسلم» (2) عنه أنه قال: «لم يطف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافَه اللأول». _________ (1) في «المحلى»: (7/ 178). (2) (1215/ 140).

(1/290)


وأخَذَ الإمام أحمد بحديث جابرٍ هذا في رواية ابنه عبد الله (1) , والمشهور عنه أنه لا بدّ من طوافَين على حديث عائشة, ولكن هذه اللفظة وهي «فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت» إلى آخره قد قيل: إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة (2). 100/ 1710 - وعنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقْتُ الهديَ، قال محمد ــ وهو ابن يحيى الذُّهْلي ــ: أحسبه قال: ولحللتُ مع الذين أحلّوا مِن العمرة، قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا». وأخرجه البخاري بنحوه (3). وليس فيه «أراد أن يكون أمرُ الناسِ واحدًا». قال بعضهم: إنه يدل على أن التمتع أفضل، إذ لا يتمنى - صلى الله عليه وسلم - إلا ما هو أفضل. ويحتمل أن يريد بذلك الفسخ، كما ذكر في هذا الحديث وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولحللت مع الناس حين حلُّوا» أخرجه البخاري كذلك؛ أراد أن يطيّب قلوبهم بموافقته لهم، وكره ما ظهر منهم من إشفاقهم لمخالفتهم له في الحلّ (4). _________ (1) (2/ 686)، وهي في رواية «إسحاق الكوسج» (5/ 2124)، ورجحها شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»: (26/ 26، 38 - 39)، و «شرح العمدة»: (4/ 293 - 296 - ط عالم الفوائد». وللروايات الأولى ينظر «التعليقة»: (2/ 63) لأبي يعلى، و «الفروع»: (3/ 516)، و «الإنصاف»: (4/ 44). (2) ينظر «التمهيد»: (19/ 264)، و «مجموع الفتاوى»: (26/ 41)، و «المغني»: (5/ 370). قال ابن عبد البر: «وأما قوله: «انقضي رأسك وامتشطي» فهذا لم يقله أحدٌ عن عائشة غير عروة لا القاسم ولا غيره» وقال: (8/ 217): «هو غلط ووهم لم يُتابِع عروةَ على ذلك أحدٌ من أصحاب عائشة ... ». (3) أخرجه أبو داود (1784)، والبخاري (7229)، ومسلم (1211/ 130). (4) تعليق المنذري ساقط من مطبوعة «المختصر»، وهوفي المخطوط (النسخة البريطانية). ونقل المجرّد طرفه الأخير من قوله: «أراد أن يطيب ... » إلخ وفيه تصرّف يسير عمّا في مخطوطة «المختصر».

(1/291)


قال ابن القيم - رحمه الله -: والصوابُ أن ما أحرم به - صلى الله عليه وسلم -,كان أفضل, وهو القِران, ولكن أخبر أنه لو استقبل مِن أمره ما استدبر لأحرم بعمرة, وكان حينئذٍ موافقةً لهم في المفضول, تأليفًا لهم وتطييبًا لقلوبهم, كما ترك بناءَ الكعبة على قواعد إبراهيم, وإدخال الحِجْر فيها, وإلصاق بابها بالأرض, تأليفًا لقلوب الصحابة الحديثي العهد بالإسلام, خشيةً أن تنفر قلوبُهم. وعلى هذا فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين: النُّسُك الأفضل الذي أحرم به, وموافقته لأصحابه بقوله: «لو استقبلت» فهذا بفعله, وهذا بتبيينه (1) وقوله, وهذا الألْيَق بحاله صلوات الله وسلامه عليه. 101/ 1713 - وعن عطاء بن أبي رَباح قال: حدثني جابر بن عبد الله قال: «أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج خالصًا، لا يُخالطه شيء، فقدمنا مكة لأربع ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجة، فطُفنا وسعينا، ثم أمرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن نَحلّ، وقال: لولا هَدْيِي لحللتُ، ثم قام سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، أرأيتَ مُتْعتَنا هذه، لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بل هي للأبد». وأخرجه البخاريُّ ومسلم والنسائيُّ وابن ماجه (2). _________ (1) كذا في الأصل و (ش، هـ)، وفي ط. الفقي: «بنيته»، ولعلها أقرب؛ لأن تبيينه هو فعله، والنية والقول هو ما يدل عليه قوله: «لو استقبلت ... »، ويؤيده ما في «بدائع الفوائد»: (3/ 1171) للمؤلف وفيه: « ... وعلى هذا فيكون الله تعالى قد اختار له أفضل الأنساك بفعله وأعطاه ما تمناه من موافقة أصحابه وتآلف قلوبهم بنيته ومناه فجمع له بين الأمرين». (2) أخرجه أبو داود (1787)، والبخاري (2505)، ومسلم (1216)، والنسائي في الكبرى (3773)، وابن ماجه (2980).

(1/292)


قال ابن القيم - رحمه الله -: وعند النسائي (1) عن سُراقة: «تمتَّعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وتمتَّعْنا معه, فقلنا: أَلَنا خاصةً أم للأبد؟ قال: بل للأبد». وهو صريح في أنّ العمرةَ التي فسخوا حجَّهم إليها لم تكن مختصةً بهم، وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة. وقول مَن قال: إن المراد به السؤال عن المُتْعة في أشهر الحجّ, لا عن عُمرة الفسخ= باطل من وجوه: أحدها: أنه لم يقع السؤال عن ذلك, ولا في اللفظ ما يدلُّ عليه, وإنما سأله عن تلك العمرة المعينة, التي أُمِروا بالفسخ إليها, ولهذا أشار إليها بعينها, فقال: «مُتْعتنا هذه» ولم يقل: العمرة في أشهر الحج. الثاني: أنه لو قُدِّر أن السائل أراد ذلك, فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أطلقَ الجوابَ بأن تلك العمرة مشروعة إلى الأبد, ومعلومٌ أنها مشتملة على وصفين: كونها عمرة, فُسِخ الحجُّ إليها, وكونها في أشهر الحجّ. فلو كان المراد أحد الأمرين, وهو كونها في أشهر الحج, لبينه للسائل، لا سيما إذا كان الفسخُ حرامًا باطلًا, فكيف يُطلِق الجوابَ عما يجوز ويُشرع وما لا يحلّ ولا يصح إطلاقًا واحدًا؟ هذا مما يُنَزَّه عنه آحادُ أُمَّته - صلى الله عليه وسلم - فضلًا عنه - صلى الله عليه وسلم -. ومعلومٌ أنّ مَن سُئل عن [ق 57] أمر يشتمل على جائز ومحرَّم, وجبَ عليه أن يبين للسائل جائِزَه من حرامِه، ولا يطلقُ الجوازَ والمشروعية عليه إطلاقًا واحدًا. الثالث: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد اعتمر قبل ذلك ثلاثَ عُمَر كلّهن في أشهر _________ (1) (2807)، وفي «الكبرى» (3775)، والطبراني في «الكبير» (7/ 136) من طريق عطاء بن أبي رباح عن سراقة به، قال ابن حجر في «التهذيب»: (3/ 456): وروايته عنه منقطعة.

(1/293)


الحج (1) , وقد علم ذلك الخاصُّ والعامُّ, أفما كان في ذلك ما يدلُّ على جواز العمرة في أشهر الحج؟! الرابع: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لهم عند إحرامهم: «من شاء أن يُهِلَّ بعمرة فليهلّ» وفي هذا أعظم البيان لجواز العمرة في أشهر الحج. الخامس: أنه خصَّ بذلك الفسخَ مَن لم يكن معه هَدْي، وأما مَن كان معه هدي فأَمَرَه بالبقاء على إحرامه وأن لا يفسخ, فلو كان المراد ما ذكروه لعمَّ الجميعَ بالفسخ، ولم يكن للهدي أثرٌ أصلًا, فإن سبب الفسخ عندهم الإعلام المجرَّد بالجواز, وهذا الإعلام لا تأثير للهدي في المنع منه. السادس: أن طُرق الإعلام بجواز الاعتمار في أشهر الحج أظْهَر وأَبْيَن قولًا وفعلًا من الفسخ, فكيف يَعْدِل - صلى الله عليه وسلم - عن الإعلام بأقرب الطرق وأبينها وأسهلها وأدلّها, إلى الفسخ الذي ليس بظاهر فيما ذكروه من الإعلام؟ والخروج من نُسُك إلى نُسُك وتعريضهم لمشقّة (2) ذلك عليهم لمجرَّد الإعلام الممكن الحصول بأقرب الطرق (3)؟ وقد بيَّن - صلى الله عليه وسلم - ذلك غايةَ البيان بقوله وفعله, فلم يُحِلْهم بالإعلام على الفسخ. السابع: أنه لو فُرِض أن الفسخ للإعلام المذكور, كان ذلك دليلًا على دوام مشروعيته إلى يوم القيامة, فإنّ ما شُرِع في المناسك لمخالفة _________ (1) ثبت ذلك من حديث أنس عند البخاري (1778) وغيره، وعن ابن عباس عند أحمد (2211) وابن حبان (3946)، وعائشة عند مسلم (1255/ 219 - 220). (2) ط. الفقي: «وتعويضهم بسعة»! (3) الأصل و (ش): «بالطرق» والصواب ما أثبت.

(1/294)


المشركين مشروع أبدًا, كالوقوف بعرفة لقريش (1) وغيرهم, والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس. الثامن: أن هذا الفسخ وقع في آخر حياة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجئ عنه كلمة قطُّ تدلّ على نسخِه وإبطاله, ولم تُجمع الأمة بعده على ذلك, بل منهم مَن يوجبه, كقول حَبْر الأمة وعالمها عبدِ الله بن عباس ومن وافقه, وقول إسحاق, وهو قول الظاهرية وغيرهم (2). ومنهم مَن يستحبُّه ويراه سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كقول إمام السنة (3) أحمد بن حنبل, وقد قال له سَلَمة بن شبيب: يا أبا عبد الله كلّ شيء منك حَسَن إلا خصلة واحدة, تقول بفَسْخ الحجِّ إلى العمرة؟! فقال: يا سلمة، كان يبلغني عنك أنك أحمق, وكنت أدافع عنك, والآن علمتُ أنَّك أحمق! عندي في ذلك بضعة عشر حديثًا صحيحًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, أدعُها لقولك (4)؟ _________ (1) الأصل و (ش): «لقُرَيشِهم» كذا! (2) قول ابن عباس ذكره البخاري (4396) ومسلم (1245)، وقول إسحاق ذكره ابن حزم في «المحلى»: (7/ 101)، لكن في «مسائل الكوسج لأحمد وإسحاق» (1402 و 1578) اختار أنه إن ساق الهدي فالقِران أفضل، فإن لم يسق فالتمتّع. وحكاه ابن المنذر كما في «الإشراف»: (3/ 198)، وعنه العراقي في «طرح التثريب»: (5/ 26)، وذكره ابن عبد البر في «الاستذكار»: (11/ 134)، وابن تيمية في «الفتاوى»: (26/ 62)، والحافظ في «الفتح»: (3/ 429). ولقول الظاهرية ينظر «حجة الوداع» (ص 359) لابن حزم. (3) في ط. الفقي: «أهل السنة» خلاف الأصل. (4) ذكر القصة في «المغني»: (5/ 253)، وذكره شيخ الإسلام في «المنهاج»: (4/ 152) وغيره.

(1/295)


وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وعُبيد الله بن الحسن، وكثير من أهل الحديث, أو أكثرهم (1). التاسع: أن هذا موافق لحجِّ خيرِ الأمة وأفضلها, مع خير الخلق وأفضلهم, فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالفسخ إلى المُتْعة, وهو لا يختار لهم إلا الأفضل, فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص, بل الباطل الذي لا يسوغ لأحدٍ أن يقتدي بهم فيه؟ العاشر: أن الصحابة - رضي الله عنهم - إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج، وبقوله لهم عند الإحرام: «مَن شاء أن يُهلَّ بعمرة فليهلّ» على جواز العمرة في أشهر الحج, فهم أحرى أن لا يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحجّ, فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله, فكيف يحصل بأمره لهم بالفسخ؟ الحادي عشر: أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور, وأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرهم لما قدموا بالفسخ، هو كان يرى وجوبَ الفسخِ ولا بدّ (2) , بل كان يقول: «كلُّ مَن طاف بالبيتِ فقد حَلَّ من إحرامه ما لم يكن معه هدي» (3). وابنُ عباس أعلم بذلك, فلو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة, لم يَخْفَ ذلك على ابن عباس, ولم يقل: «إن كلَّ مَن طاف بالبيت مِن قارنٍ أو حجَّ (4) لا هدْيَ معه فقد حَلَّ». _________ (1) ينظر «جامع الترمذي»: (3/ 176 - 177)، و «المغني»: (5/ 82). (2) أخرجه البخاري (1564)، ومسلم (1240/ 198). (3) أخرجه البخاري (4396)، ومسلم (1244/ 206). (4) كذا في الأصل و (ش)، وفي المطبوعات «حاج».

(1/296)


الثاني عشر: أنه لا يُظنّ بالصحابة الذين هم أصحُّ الناس أذهانًا وأفهامًا, وأَطْوَعهم لله ولرسوله= أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج, وقد عملوها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أعوام, وأذن لهم فيها, ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ. الثالث عشر: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتُّع أفضل, فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك, أو يكون أمرهم به ليكون نُسُكهم مخالفًا للمشركين في التمتُّع في أشهر الحج, وعلى التقديرَين, فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد. أما الأول فظاهر, وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرَّت ــ ولا سيما في المناسك ــ على قَصْد مخالفة المشركين, فالنُّسُك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب, وهذا واضح. الرابع عشر: أن السائل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟» (1) لم يُرِد به أنها هل تُجزئ عن تلك السَّنَة فقط, أو عن العمر كلّه؟ فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحجِّ الذي هو فرض الإسلام, ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبةً لم تجب في العُمُر إلا مرةً واحدةً. ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بل لأبد الأبد» فإن أبدَ الأبدِ إنما يكون في حقِّ الأمة قومًا بعد قوم (2) إلى يوم القيامة, و «أبد (3) الأبد» لا يكون في حقِّ طائفة معينة, _________ (1) هذا نفسه حديث الباب السالف، وهذا لفظ النسائي في «المجتبى» (2805) وفي الكبرى (3773)، وأحمد (14116). (2) في النسخ المخطوطة والمطبوعات: «قومًا يعرفون»! ولعل الصواب ما أثبت بدليل السياق واحتمال الرسم لها. (3) ط. الفقي: «وأن الأبد» خلاف الأصل.

(1/297)


بل هو لجميع الأمة. ولأنه قال [ق 58] في رواية النسائي (1): «أَلَنا خاصة أم للأبد؟» فدلَّ على أنهم إنما سألوه: هل يسوغ فِعْلها بعدك على هذا الوجه؟ فأجابهم بأن فِعْلها كذلك سائغ أبَدَ الأبَد. وفي رواية للبخاري (2): «أن سُراقة بن مالك لقي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: «بل للأبد». الخامس عشر: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم في تلك الحَجَّة أن كلّ مَن طاف بالبيت فقد حلَّ إلا مَن كان معه الهَدْي, ففي «السنن» (3) من حديث الرّبِيع بن سَبْرة، عن أبيه قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بعُسْفان قال له سُرَاقة بن مالك المُدْلجيّ: يا رسول الله اقضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما ولدوا اليوم؟ فقال: «إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرةً, فإذا قدمتم فمن تَطَوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلّ, إلا مَن كان معه هَدْي» , وسيأتي الحديث. فهذا نصٌّ في انفساخه شاء أم أبى, كما قال ابن عباس وإسحاق ومَن وافقهما. وقوله: «اقض لنا قضاءَ قومٍ كأنما ولدوا اليوم» يريد قضاء لازمًا لا يتغير ولا يتبدَّل، بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر. السادس عشر: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما سُئل عن تلك العمرة التي فسخوا إليها الحجَّ وتمتّعوا بها ابتداءً فقال: «دخلت العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة» _________ (1) (2807) وقد تقدم الكلام عليه (ص 293). (2) (1785). (3) أخرجه أبو داود (1801)، وأحمد (15345)، والدارمي (1857) وغيرهم بإسناد صحيح.

(1/298)


كان هذا تصريحًا منه بأن هذا الحكم ثابت أبدًا, لا ينسخ إلى يوم القيامة, ومَن جعله منسوخًا فهذا النصّ يردُّ قولَه. وحَمْله على العمرة المبتدأة التي لم يُفْسَخ الحجُّ إليها باطل, فإنّ عمرة (1) الفسخ سبب (2) الحديث فهي مرادة منه نصًّا, وما عداها ظاهرًا. وإخراجُ محلِّ السبب وتخصيصُه من اللفظ العامِّ لا يجوز, فالتخصيص وإن تطرَّق إلى العموم فلا يتطرَّق إلى محلِّ السبب. وهذا باطل. السابع عشر: أن متعةَ الفسخ لو كانت منسوخةً لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورةً، كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام في الصلاة, ونسخ القبلة, ونسخ تحريم الطعام والشراب على الصائم بعد ما ينام, بل كان بمنزلة الوقوف بعرفة والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس, فإنَّ هذا من أمور المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الإسلام, فكان نسخه لا يخفى على أحد. وقد كان ابن عباس إذا سألوه عن فتياه بها يقول: «سنة نبيكم, وإن رَغِمْتُم» (3) فلا يراجعونه. فكيف تكون منسوخةً عندهم وابن عباس يخبرهم (4) أنها سنة نبيهم، ويفتي بها الخاصَّ والعامَّ, وهم يُقرِّونه على ذلك؟ هذا من أبطل الباطل. الثامن عشر (5): أن الفسخَ قد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعةَ عشر من _________ (1) ط. الفقي: «عمدة» تصحيف. (2) رسمها في الأصل: «بسبب» والظاهر ما أثبت. (3) أخرجه مسلم (1244/ 206)، وأحمد (2513). (4) ط. الفقي: «يخبر». (5) هذا السرد لرواة الحديث مستفاد من كتاب «حجة الوداع» (ص 389) لابن حزم.

(1/299)


الصحابة, وهم: عائشة, وحفصة, وعليّ, وفاطمة, وأسماء بنت أبي بكر, وجابر, وأبو سعيد, وأنس, وأبو موسى, [وابن عمر] (1)، والبراء, وابن عباس, وسُراقة, وسَبْرة. ورواه عن عائشة: الأسودُ بن يزيد, والقاسم, وعُروة، وعَمْرة, وذَكوان مولاها. ورواه عن جابر: عطاء, ومجاهد, ومحمد بن علي, وأبو الزبير. ورواه عن أسماء: صفية، ومجاهد. ورواه عن أبي سعيد: أبو نضرة. ورواه عن البراء: أبو إسحاق. ورواه عن ابن عمر: سالمٌ ابنُه, وبكر بن عبد الله. ورواه عن أنس: أبو قِلابة. ورواه عن أبي موسى: طارقُ بن شهاب. ورواه عن ابن عباس: طاوس, وعطاء، وأنس بن سُلَيم (2)، وجابر بن _________ (1) سقط من الأصل، وهو مستدرك من «حجة الوداع» لابن حزم، وسيذكره المؤلف بعد قليل عند سرد مَن روى عنه الحديث من التابعين. (2) في الأصل و (ش، هـ): «أنس بن سيرين» خطأ، وسيأتي على الصواب بعد قليل عند المؤلف، وروايته أخرجها الطبراني في «الكبير»: (12/ 213)، وابن حزم في «حجة الوداع» (ص 343).

(1/300)


زيد, ومجاهد, وكُرَيب, وأبو العالية, ومسلم القُرّي (1) , وأبو حسّان الأعرج. ورواه عن سَبْرة: ابنُه (2). فصار نَقْلَ كافةٍ عن كافة، يوجِب العلمَ, ومثل هذا لا يجوز دعوى نسخه إلا بما يترجَّح عليه أو يقاومه. فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدانيه ولا تقاربه, وإنما هي بين مجهولٍ رواتُها, أو ضعفاء لا تقوم بهم حُجّة؟ وما صحَّ فيها فهو رأيُ صاحِبٍ, قاله بظنه واجتهاده, وهو أصح ما فيها, وهو قول أبي ذر: «كانت المتعة لنا خاصة» (3) , وما عداه فليس بشيء, وقد كفانا رواتُه مؤنتَه. فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعًا, فكيف وإنما هو قوله؟! ومع هذا فقد خالفه فيه عشرةٌ من الصحابة كابن عباس, وأبي موسى الأشعري (4) , وغيرهما؟! التاسع عشر: أن الفسخ موافقٌ للنصوص والقياس. أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم. وأما موافقته للقياس: فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق, فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحجَّ _________ (1) في الأصل و (هـ، ش): «القرشي» تصحيف، ورواية القُرّي في «صحيح مسلم» (1238/ 194) و «سنن أبي داود» (1803) والتصحيح منها، ومن «حجة الوداع» (ص 386) لابن حزم. (2) وبقي حديث: سراقة فرواه عنه طاووس. وقد سقط سهوًا من المؤلف أو الناسخ، وهو في كتاب «حجة الوداع» (ص 389) لابن حزم. (3) أخرجه مسلم (1224/ 163). (4) أخرجه البخاري (1724)، ومسلم (1221/ 154).

(1/301)


جاز اتفاقًا, وعكسه لا يجوز عند الأكثرين، وأبو حنيفة يجوِّزه على أصله, في أن القارِن يطوف طوافين ويسعى سعيين (1) , فإذا أدخلَ العمرةَ على الحجِّ جاز عنده, لالتزامه طوافًا ثانيًا وسعيًا, وإذا كان كذلك فالمُحْرِم بالحجِّ لم يلتزم إلا الحجّ، فإذا صار متمتِّعًا صار ملتزمًا لعمرة وحجّ، فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه, فجاز ذلك بل استُحِبّ له لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولًا. وإنما يتوهّم الإشكال مَن يتوهم أنه فَسْخ حجٍّ إلى عمرة, وليس كذلك, فإنه لو أراد أن يفسخ الحجَّ إلى عمرة مفردة، لم يجز عند أحدٍ, وإنما يجوز الفسخ لمن نيّتُه أن يحجَّ بعد متعته من عامه, والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخَلَ في الحج, كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دخلت العمرةُ في الحج» (2). [ق 59] فهذه المتعةُ التي فُسِخ إليها هي جزءٌ من الحجِّ, ليست عمرةً مفردةً, وهي من الحجِّ بمنزلة الوضوء من غُسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال, وهذا لا يمنع أن تكون واحدة, كطواف الإفاضة, فإنه من تمام الحج, ولا يُفْعَل إلا بعد التحلل الأول, وكذلك رَمْي الجمار أيام منى من تمام الحج, وهو يُفْعَل بعد التحلل التام. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حَجَّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يَفْسُق» (3) يتناول من حجّ حجةً تمتّعَ فيها بالعمرة, وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية, إذ لا ينقلهم الرؤوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول _________ (1) ينظر لمذهبه «بدائع الصنائع»: (2/ 149)، و «الهداية»: (1/ 386 - 387). (2) تقدم تخريجه. (3) أخرجه البخاري (1521)، ومسلم (1350) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(1/302)


الناقص، بل إنما نقَلَهم من المفضول إلى الفاضل الكامل, لا يجوز غير هذا البتة. العشرون: أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان, كبرى وصغرى، فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما, ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدأ في غسل الجنابة بالوضوء أولًا, ثم يُتبِعُه الغسل, وقال في غسل ابنته: «ابدَأْنَ بميامنها, ومواضع الوضوء منها» (1). ففَسْخ الحجِّ إلى العمرة يتضمَّن موافقةَ هذه السنة. فقد تبيَّن أنه موافق للنصوص والقياس, ولحجِّ خيار الأمة مع نبيها - صلى الله عليه وسلم -. ولو لم يكن فيه نصٌّ لكان القياس يدلُّ على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها, ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت. وفي هذا كفاية والحمد لله. 102/ 1714 - وعنه قال: قَدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه لأربعِ ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجّة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اجعلوها عمرةً، إلَّا مَنْ كان معه الهدي، فلما كان يومُ التَّروية أَهَلُّوا بالحجِّ، فلما كان يوم النحر، قدموا فطافوا بالبيت، ولم يطَّوّفوا بين الصفا والمروة». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (2)، بنحوه مختصرًا ومطولًا. قال ابن القيم - رحمه الله -: وفيه اكتفاء المتمتِّع بسعي واحد, كما تقدم. والله أعلم. _________ (1) أخرجه البخاري (167)، ومسلم (939) من حديث أم عطية - رضي الله عنها -. (2) أخرجه أبو داود (1788)، والبخاري (1568)، ومسلم (1216)، والنسائي (3971)، وابن ماجه (2972).

(1/303)


103/ 1716 - وعن مجاهد، عن ابن عباس (1)، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هذه عمرة اسْتَمْتَعْنا بها، فمن لم يكن عنده هدي فليُحِلَّ الحِلَّ كلَّه، وقد دخلت العمرةُ في الحجّ إلى يوم القيامة». وأخرجه مسلم والنسائي (2). وقال أبو داود: هذا منكر، إنما هو قول ابن عباس (3). وفيما قاله أبو داود نظر؛ وذلك أنه قد رواه الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن المثنَّى ومحمد بن بشار وعثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن جعفر، عن شُعبة مرفوعًا. ورواه أيضًا يزيد بن هارون ومعاذ بن معاذ العَنْبري وأبو داود الطيالسي وعَمْرو بن مرزوق، عن شعبة مرفوعًا. وتقصير من يقصِّر به من الرواة لا يؤثِّر فيما أثبته الحُفَّاظ. والله عز وجل أعلم. 104/ 1717 - وعن عطاءٍ، عن ابن عباس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ، ثم قدم مكةَ فطافَ بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حلَّ، وهي عمرة» (4). _________ (1) «عن ابن عباس» سقطت من (خ- المختصر). (2) أخرجه أبو داود (1790)، ومسلم (1241)، والنسائي في «الكبرى» (3681). وأخرجه الترمذي أيضًا (950) مختصرًا. (3) سيأتي قول المؤلف أن كلام أبي داود على الحديث الآتي عن عطاء عن ابن عباس، وأن الأمر انقلب على الناسخ فكتبه على هذا الحديث، ولم يتنبه لذلك المنذري فنقله كذلك وعلّق عليه. (4) أخرجه أبو داود (1791)، وأخرجه أحمد (2223) من طريق آخر عن عطاء، وفي إسناده عبد الله بن ميمون الرقي شيخ أحمد لم يوثَّق، وكان أحمد ينتقي شيوخَه ولا يروي إلا عن ثقة. وبحسب كلام المؤلف فإن قول أبي داود «هذا منكر»، إنما عَنَى قول ابن عباس في هذا الحديث.

(1/304)


في إسناده النَّهاسُ بن قَهْم أبو الخطَّاب البصري، ولا يحتَجُّ بحديثه. قال أبو داود: رواه ابن جُريج، [عن رجل] (1)، عن عطاء قال: «دخل أصحابُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُهِلِّين بالحجِّ خالصًا، فجعلها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عُمرة». قال ابن القيم - رحمه الله -: والتعليل الذي تقدَّم لأبي داود في قوله: «هذا حديث منكر» إنما هو لحديث عطاءٍ هذا, عن ابن عباس يرفعه: «إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ» فإنّ هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريب, رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء وأنس بن سُليم وغيرهم من كلامه, فانقلب على الناسخ, فنقله إلى حديث مجاهدٍ عن ابن عباس, وهو إلى جانبه, وهو حديث صحيح لا مَطْعَن فيه ولا علة, ولا يعلِّلُ أبو داود مثلَه, ولا من هو دون أبي داود, وقد اتفق الأئمة الأثبات على رَفْعه, والمنذريُّ - رحمه الله - رأى ذلك في «السنن» , فنقله كما وجده, والأمر كما ذكرناه. والله أعلم. وقوله (2): «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» لا ريب في أنه من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقل أحدٌ إنه من قول ابن عباس, وكذلك قوله: «هذه عمرة استمتعنا بها» , وهذا لا يشكُّ فيه مَن له أدنى خبرة بالحديث. والله أعلم. 105/ 1719 - وعن سعيد بن المسيَّب: «أن رجلًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى عمرَ بنَ الخطاب - رضي الله عنه -، فشهد عنده أنه سمعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه _________ (1) سقطت من «مختصر السنن»، والاستدراك من «السنن». (2) يعني في حديث مجاهد عن ابن عباس.

(1/305)


الذي قُبِضَ فيه ينهى عن العمرة قبل الحج» (1). سعيد بن المسيّب لم يصح سماعُه من عمر بن الخطاب. وقال أبو سليمان الخطابي (2): في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرتين قبل حَجِّه، [والأمر الثابت المعلوم لا يُترك بالأمر المظنون] وجواز ذلك إجماعٌ من أهل العلم، ولم يذكر فيه خلاف. وقد يحتمل أن يكون النهي [عنه اختيارًا أو] استحبابًا، وأنه إنما أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين [وأهمهما] ووقته محصور [والعمرة ليس لها وقت موقوت]، وأيّام السنة كلّها تتسع للعمرة، وقد قدّم الله تعالى اسم الحجّ عليها فقال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (3) [البقرة: 196]. قال ابن القيم - رحمه الله -: وهذا الحديث باطل, ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيّب من عُمر, فإن ابن المسيّب إذا قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فهو حجة. قال الإمام أحمد: إذا لم يُقْبَل سعيد بن المسيب عن عمر, فمَن يُقبل (4)؟ وقال أبو محمد بن حزم (5): «هذا حديث في غاية الوهي والسقوط, _________ (1) أخرجه أبو داود (1793)، ومن طريقه البيهقي: (5/ 19). (2) في «معالم السنن»: (2/ 390 بهامش أبي داود). (3) من قوله: «وقد يحتمل ... » إلى هنا، سقط من مطبوعة «مختصر المنذري»: (2/ 317) وقد نقل المجرِّد طرفًا منها، والاستدراك من المخطوط (ق 50 ب)، ومن «معالم السنن»: (2/ 390 بهامش أبي داود) وما بين المعكوفات منه. (4) ينظر «الجرح والتعديل»: (4/ 61)، وسيأتي (3/ 384 - 385) كلام المؤلف بتوسُّع حول حجيّة رواية سعيد عن عمر. (5) في «حجة الوداع» (ص 484).

(1/306)


لأنه مرسل عمن لم يُسمّ, وفيه أيضًا ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخراساني, وعبد الله بن القاسم, وأبوه, ففيه خمسة عيوب ... وهو ساقط لا يَحتجّ به مَن له أدنى علم». وقال عبد الحق (1): هذا منقطع ضعيف الإسناد (2). 106/ 1720 - وعن أبي شيخ الهُنائي (3) ــ حَيْوان بن خَلْدة ــ ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة: أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كذا وكذا، وركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يُقْرَن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، قال: أمّا إنها معهن، ولكنكم نسيتم». وأخرجه النسائي مختصرًا (4). وقد اخْتُلِف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فرُويَ (5) كما ذكرناه؛ ورُوِي عن أبي شيخ، عن أخيه حِمَّان، ويقال: أبو حمان، عن معاوية. ورُوي عن بَيْهس بن فَهْدان، عن أبي شيخ، عن عبد الله بن عُمر. وعن بَيْهَس، عن أبي شيخ، عن معاوية. _________ (1) «الأحكام الوسطى»: (2/ 316). (2) ينظر «بيان الوهم»: (2/ 410، 594 و 3/ 450) لابن القطان. (3) «الهُنائي» من مطبوعة «المختصر». (4) أخرجه أبو داود (1794)، والنسائي (2734) مختصرًا، وأحمد (16833) وغيرهم. (5) سقطت من مطبوعة «المختصر».

(1/307)


وقد اختلف على يحيى بن أبي كثير فيه. فروي عنه عن أبي شيخ (1)، عن أخيه. ورُوِي عنه عن أبي إسحاق عن حِمّان. ورُوِي عنه حدّثني حُمرَان، من غير واسطة. وسماه حمران. وقال الخطابي (2): جواز القِرَان بين الحج والعمرة إجماع من الأمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيءٍ منهيٍّ عنه. قال ابن القيم - رحمه الله -: وقال عبد الحق (3): لم يسمع أبو شيخ من معاويَة هذا الحديث, وإنما سمع منه النهيَ عن ركوب جلود النمور, فأما النهي عن القِران فسمعه من أبي حسان عن معاوية. ومرَّةً يقول: عن أخيه حِمّان, ومرّةً يقول: جمّاز (4) وهم مجهولون. وقال ابن القطان (5): يرويه عن أبي شيخ رجلان: قتادةُ ومطر، فلا يجعلان بين أبي شيخ وبين معاوية أحدًا, ورواه عنه بيهس بن فهدان, فذَكَر سماعَه من معاوية لفظ النهي عن ركوب جلود النمور خاصة. قال النسائي (6): ورواه عن أبي شيخ: يحيى بن أبي كثير, فأَدْخَل بينه وبين معاوية رجلًا اختلفوا في ضبطه، فقيل: أبو حمان, وقيل: [جماز، _________ (1) من قوله: «عن معاوية ... » إلى هنا سقط من مخطوطة «المختصر»، وهو انتقال نظر. (2) في «معالم السنن»: (2/ 390 بهامش السنن). (3) في «الأحكام الوسطى»: (2/ 273). (4) في ط. الفقي: «جمان»! (5) في «بيان الوهم والإيهام»: (2/ 417). (6) ينظر «سنن النسائي الكبرى» (9391 - 9396).

(1/308)


وقيل:] (1) حمان, وهو أخو أبي شيخ. وقال الدارقطني (2): القول قول مَن لم يُدخل بين أبي شيخ ومعاوية فيه أحدًا, يعني: قتادة ومطرًا وبيهس بن فهدان (3). وقال غيره: أبو شيخ هذا لم نعلم عدالتَه وحفظَه, ولو كان حافظًا, لكان حديثه هذا معلوم البطلان, إذ هو خلاف المتواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن فِعْله وقوله, فإنه أحرم قارنًا, رواه عنه ستة عشر نفسًا من أصحابه, وخَيّر أصحابَه بين القِران والإفراد والتمتع, وأجمعت الأمةُ على جوازه. ولو فُرِض صحّة هذا عن معاوية, فقد أنكر الصحابةُ عليه أن يكونَ [ق 60] رسولُ الله نهى عنه, فلعله - رضي الله عنه - وهم, أو اشتبه عليه - رضي الله عنه - نهيُه عن مُتعة النساء بمتعة الحجّ, كما اشتبه على غيره. والقِران داخلٌ عندهم في اسم المتعة. وكما اشتبه عليه تقصيرُه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض عُمَره, بأن ذلك في حجَّته (4). وكما اشتبه على ابن عباس نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لميمونة, فظن أنه نَكَحها محرِمًا (5) , وكان قد أرسل أبا رافع إليها, ونَكَحها وهو حلال (6) _________ (1) من «بيان الوهم» وهي مقتضى الخلاف الذي ذكره النسائي في «سننه». (2) ينظر «العلل»: (7/ 73). (3) هنا ينتهي كلام ابن القطان. وتصحف «مطر» في ط. الفقي إلى «مطرف» في الموضعين. (4) أخرجه النسائي (2989)، وفي «الكبرى» (3969). (5) أخرجه البخاري (1837)، ومسلم (1410/ 46). (6) ثبت ذلك من حديثها عند مسلم (1411/ 48). وحديث أبي رافع أخرجه الترمذي (841)، وقال: حديث حسن. وأخرجه أحمد (27197).

(1/309)


فاشتبه الأمرُ على ابن عباس. وهذا كثير. ووقع في بعض نسخ «سنن أبي داود» (1): «نهى أن يُفرّق بين الحج والعمرة» بالفاء والقاف. قال ابن حزم (2): «هكذا روايتي عن عبد الله بن ربيع, وهكذا في كتابه, وهو ــ والله أعلم ــ وهم, والمحفوظ: «يُقْرَن» في هذا الحديث». تم كلامه. وقد رواه النسائي في «سننه» (3) قال: حدثنا أبو داود، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا شَرِيك عن أبي فروة (4)، عن الحسن قال: «خطبَ معاويةُ الناسَ, فقال: إني مُحدِّثكم بحديث سمعتُه مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فما سمعتم منه] فصدِّقوني, سمعتُ رسولَ الله يقول: «لا تلبسوا الذهبَ إلا مُقطّعًا» , قالوا: سمعنا, قال: وسمعتُه يقول: «من ركب النمور (5) لم تصحبه _________ (1) راجعت أكثر من نسخة خطية كنسخة الخطيب المقروءة على ابن طبرزد (113 ب)، ونسخة فيض الله (ج 2 ق 55) المقروءة على المنذري، وعدة مطبوعات، ولم أجد هذه الرواية. (2) في «حجة الوداع» (ص 483 - 484). (3) في «الكبرى» (9738) وما بين المعقوفين منه. (4) وقع في الأصل و (ش، هـ): «شريك بن أبي فروة» تصحيف، وصوابه ما أثبتنا من «سنن النسائي». وكان قد علق الشيخ أحمد شاكر على هذا الموضع من ط. الفقي بأن استظهر أن يكون صوابه: «شريك عن قرة عن الحسن» واستشكاله في محله، لكن اقتراحه لم يكن صوابًا. وانظر «تحفة الأشراف»: (8/ 435). (5) كذا في الأصل و (ش، هـ) والنسائي: «النمور»، ووقع في المطبوعات: «جلود النمور»، وإنما هو كذلك في رواية أخرى لحديث معاوية عند النسائي (9730)، وأبي داود (1794)، وأحمد (16864).

(1/310)


الملائكة» , قالوا: سمعنا, قال: وسمعتُه ينهى عن المُتْعَة, قالوا: لم نسمع. فقال: بلى, وإلا فصُمّتا». فهذا أصحُّ من حديث أبي شيخ، وإنما فيه النهي عن المتعة, وهي ــ والله أعلم ــ متعة النساء, فظنَّ مَن ظنَّ أنها متعة الحجِّ, والقِران متعة, فرواه بالمعنى, فأخطأ خطأً فاحشًا. وعلى كلِّ حال فليس أبو شيخ مما يُعارَض به كبار الصحابة الذين رووا القِران عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإخباره أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة, وأجمعت الأمةُ عليه. والله أعلم.

  6 - بابٌ في القِرَان (1)

قال ابن القيم - رحمه الله -: ومَنْ تأمل الأحاديثَ الواردةَ في هذا الباب حقَّ التأمُّل جَزَم جزمًا لا ريب فيه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أحرم في حجَّته قارنًا, ولا تحتمل الأحاديثُ غير ذلك بوجهٍ من الوجوه أصلًا. قال الإمام أحمد: لا أشكُّ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا. تم كلامه (2). وقد روى عنه ذلك خمسة عشر (3) من أصحابه, وهم: عمر بن _________ (1) ذكر المنذري أحدَ عشر حديثًا في باب القران (1721 - 1731) ولم يذكر المجرِّد أي حديث علق عليه المؤلف، وإنما قال: «وقال في باب القران» وساق كلامه. (2) نقله شيخ الإسلام كما في «الفتاوى»: (26/ 34)، و «الاختيارات» (ص 173). (3) كذا، والذين ذكرهم اثنا عشر، وكذا ذكر ابن حزم في «حجة الوداع» (ص 421) أنهم اثنا عشر، وقد ذكر غير واحدٍ أيضًا فيهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو. وذكر المؤلف في «زاد المعاد»: (2/ 102 - 111) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج قارنًا لبضعةٍ وعشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك، وسرَدها ... ثم قال: «وهؤلاء الذين رووا القِران بغاية البيان: عائشة أم المؤمنين ... (وزاد ممن لم يذكره هنا): عثمان بن عفان بإقراره لعليّ، وأبو طلحة، وسعد بن أبي وقاص، والهرماس بن زيادِ، فهؤلاء سبعة عشر صحابيًّا».

(1/311)


الخطاب, وعليّ بن أبي طالب, وعائشة أم المؤمنين, وعبد الله بن عمر, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عباس, وعِمْران بن حُصَين, والبراء بن عازب, وحفصة أم المؤمنين, وأنس بن مالك, وأبو قَتادة, وابن أبي أوفى. فهؤلاء صحَّت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح. ورواه الهِرْماس بن زياد، وسُرَاقة بن مالك، وأبو طلحة, وأم سلمة. لكن رَوَت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أهلَه بالقِران (1). وهؤلاء منهم مَن أخبر عن لفظه في إهلاله بنُسُكه أنه قال: «لبيك حجًّا وعمرة» كأنس (2). وهو متفق على صحته, وكعليّ بن أبي طالب, فإنه قال: «سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يلبِّي بهما جميعًا» وهو في «الصحيحين» والنسائي و «سنن أبي داود» (3) , ولفظ أصحاب «الصحيح»: أن عليًّا أهلَّ بحجٍّ وعمرة, وقال: «ما كنتُ لأدعَ سنةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لقولِ أحدٍ». فقد أخبر عليٌّ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبَّى بهما جميعًا, وأهلَّ هو بهما جميعًا، وأخبر أنها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووافقه عثمانُ على ذلك. ومنهم مَن أخبر عن خبره - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه بأنه كان قارنًا, وهم البراء بن _________ (1) أخرجه أحمد (26548)، والبيهقي: (4/ 355) وغيرهم، وإسناده صحيح. (2) أخرجه البخاري (1551)، ومسلم (1232). (3) أخرجه البخاري (1569)، ومسلم (1223)، والنسائي (2722) ولم أجده عند أبي داود. وهو في «المسند» (733).

(1/312)


عازب, فإنه روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -,لفظه أنه قال لعليّ: «إني سقتُ الهديَ وقَرَنت» وهو حديث صحيح رواه أهل «السنن» (1). ومنهم مَن أخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - باللفظ الذي أُمِر به من ربِّه, وهو أن يقول: «عمرة في حجة» كعمر بن الخطاب (2). وحَمْلُ ذلك على أنه أَمْرٌ بتعليمه، كلامٌ في غاية البطلان. ومَن تأمل سياقَ الحديث ولفظَه ومقصودَه، عَلِم بطلان هذا التأويل الفاسد. وقولهم: إن الرواية الصحيحة: «قل: عمرة وحجة» (3)، وأنه فَصَل بينهما بالواو. وهو صريح في نفس القِران, فإنه جمع بينهما في إحرامه وامتثل - صلى الله عليه وسلم - أمرَ ربه, وهو أحقُّ مَن امتثله, فقال: «لبيكَ عمرةً وحجًّا» (4) بالواو. وقولهم: يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمرة إذا فرغَ مِن حجَّته قبل أن يرجع إلى منزله, فعياذًا بالله مِن تقليدٍ يوقع في مثل هذه الخيالات الباطلة! فمن المعلوم بالضرورة أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمر بعد حجَّته قطّ, هذا ما لا يشكُّ فيه مَن له أدنى إلمام بالعلم, وهو - صلى الله عليه وسلم - أحقُّ الخلق بامتثال أمر ربِّه, فلو كان أُمِر أن يعتمر بعد الحجِّ كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك. ولا ريبَ أنه - صلى الله عليه وسلم - اعتمر مع حجَّته, فكانت عمرته مع الحجِّ لا بعده قطعًا. ونُصرة الأقوال _________ (1) أخرجه أبو داود (1797)، والنسائي في «المجتبى» (2725) وفي «الكبرى» (3691). (2) أخرجه البخاري (1534). (3) أخرجها البخاري (7343). (4) سبق تخريجه من حديث أنسٍ - رضي الله عنه -.

(1/313)


إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحدِّ ظهر قُبْحُها وفسادُها. وقولهم: محمول على تحصيلهما معًا. قلنا: أجل, وقد حصَّلهما - صلى الله عليه وسلم - جميعًا بالقِران, على الوجه الذي أخبر به عن نفسه, وتبعه أصحابُه من إهلاله. ومنهم مَن أخبر عن فعله, وهو عِمران بن حُصَين في «الصحيحين» (1) عنه قال: «جمعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بين حَجّةٍ وعمرة». وتأويلُ هذا بأنه أَمَر أو أذِنَ في غاية الفساد, ولهذا قال: «تمتع وتمتّعنا [ق 61] معه» فأخبر عن فِعْله وفعلهم. وسَمّى القِرانَ تمتُّعًا, وهو لغة الصحابة, كما سيأتي. ومنهم مَن أخبر عن إهلاله بهما أحدهما بعد الآخر, وهم عبد الله بن عمر وعائشة ففي «الصحيحين» عنهما: «وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلَّ بالعمرة, ثم أهلَّ بالحجِّ» (2) وعن عائشة مثله (3). وفي «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عُمَر, الرابعة مع حجته» (4). ومن المعلوم ضرورةً أنه _________ (1) أخرجه البخاري (1571)، ومسلم (1226/ 169). (2) أخرجه البخاري (1691)، ومسلم (1227/ 174). (3) أخرجه البخاري (1692)، ومسلم (1228/ 175). (4) الذي في حديث عائشة - رضي الله عنها - في البخاري (1776)، ومسلم (1255) إنما فيه قولها تعليقًا على قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عُمر إحداهن في رجب فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط». وجاء التصريح بأن الرابعة في حجته في حديث عائشة وسيأتي، وفي حديث أنس عند البخاري (1778)، ومسلم (1253/ 217)، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود (1993)، والترمذي (828)، وابن ماجه (3003) - رضي الله عنهم -.

(1/314)


لم يعتمر بعد الحج, فكانت عمرته مع حجَّته قطعًا. وفي «الصحيحين» مثله عن أنس (1). واتفق ستة عشر نفسًا من الثقات عن أنس: «أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بهما جميعًا» , وهم: الحسن البصري, وأبو قِلابة, وحُمَيد بن هلال, وحُمَيد بن عبد الرحمن الطويل (2) , وقَتادة, ويحيى بن سعيد الأنصاري, وثابت البُناني, وبكر بن عبد الله المزني, وعبد العزيز بن صُهيب, وسليمان التيمي, ويحيى بن أبي إسحاق, وزيد بن أسلم, ومصعب بن سليم, وأبو أسماء, وأبو قُدامة, وأبو قَزَعة الباهلي. وروى البزار (3) من حديث ابن أبي أوفى قال: «إنما جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحجِّ والعمرة لأنه علم أنه لا يحجّ بعد عامه ذلك». وروى أبو القاسم البغويُّ (4) من حديث سفيان بن عيينة، عن ابن أبي _________ (1) سبقت الإشارة إليه في الحاشية السالفة. (2) كذا الأصل و (ش، هـ) والمطبوعات: «حميد بن عبد الرحمن الطويل» وهو مشهور «بحميد بن أبي حميد» واختلف في اسم أبي حميد على عشرة أقوال منها «عبد الرحمن» فلعلّ المؤلف اختاره، والمشهور باسم «حميد بن عبد الرحمن» هو ابن عوف الزهري. ينظر «تهذيب التهذيب»: (3/ 38 و 3/ 45). (3) (3344) من طريق يزيد بن عطاء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى به، قال البزار: «وهذا الحديث أخطأ فيه يزيد بن عطاء إذ رواه عن إسماعيل عن ابن أبي أوفى، وإنما الصحيح عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ». (4) لم أجده في «معجم الصحابة» له، وأخرجه ابن حزم من طريقه في «حجة الوداع» (ص 499).

(1/315)


خالد: أنه سمع عبد الله بن أبي قتادة [عن أبيه] (1) يقول: «إنما جمع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحجِّ والعمرة لأنه علم أنه لا يحجّ بعدها». وروى الإمام أحمد في «مسنده» (2) من حديث الهرماس بن زياد: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بالحجِّ والعمرة». وروى ابن أبي شيبة (3): حدثنا شَبَابة، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران قال: دخلتُ على أمِّ سَلَمة أم المؤمنين, فقالت: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أهِلّوا يا آل محمد بعمرةٍ وحجّ». ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يختار لآله إلا أفضل الأنساك, وهو الذي اختاره لعليٍّ, وأخبر عن نفسه أنه فَعَله. فهذه الأحاديثُ صحيحة صريحة, لا تحتمل مطعنًا في سندها, ولا تأويلًا يخالف مدلولَها, وكلُّها دالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا. والذين عليهم مدار الإفراد أربعة: عائشة, وابن عمر, وجابر, وابن _________ (1) ما بين المعقوفين مستدرك من كتاب ابن حزم، و «زاد المعاد»: (2/ 104). (2) (15971 - زوائد عبد الله)، وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (1254) وفي إسناده عبد الله بن عمران الأصبهاني، له مناكير، وقد أنكره الإمام أحمد، فيما ذكره ابنُ أبي حاتم عن أبيه في «العلل» (872). وقال أبو حاتم: «أرى دخل لعبد الله بن عمران حديث في حديث، وسرقه الشاذكوني، لأنه حدث به بعدُ عن يحيى بن الضريس. وضعّفه الحافظ في «إطراف ا