دين الحق ()

عبد الرحمن بن حماد العمر

 

دين الحق : كتاب امتاز ببيان الإسلام على منهج أهل السنَّة والجماعة، وتميَّز بالشُّمول والوضوح والإيجاز، ويشتمل على خمسة فصول: معرفة الله الخالق العظيم، معرفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، معرفة دين الإسلام، منهاج الإسلام، كشف الشبهات.
دين الحق

|

 دين الحق

لفضيلة الشيخ

عبد الرحمن بن حماد العمر

 المقدمة والإهداء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع رسل الله، وبعد:

فهذه دعوة إلى النجاة، أتقدّم بها لكل عاقل في الوجود-ذكرًا أو أنثى-راجيًا من الله العلي القدير، أن يسعد بها من ضلّ عن سبيله، وأن يثيبني وكل من يساهم في نشرها أجزل الثواب، فأقول والله المستعان:

اعلم-أيها الإنسان العاقل-أنه لا نجاة ولا سعادة لك في هذه الحياة، وفي الحياة الآخرة بعد الممات إلا إذا عرفت ربك الذي خلقك، وآمنت به وعبدته وحده، وعرفت نبيك الذي بعثه ربك إليك، وإلى جميع الناس، فآمنت به واتبعته، وعرفت دين الحق الذي أمرك به ربك، وآمنت به، وعملت به.

وهذا الكتاب الذي بين يديك (دين الحق) فيه البيان لهذه الأمور العظيمة، التي يجب عليك معرفتها والعمل بها، وقد ذكرت في الحاشية ما تحتاج إليه بعض الكلمات والمسائل من زيادة إيضاح، معتمدًا في ذلك كله على كلام الله تعالى وأحاديث رسوله -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأنهما المرجع الوحيد لدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه.

 وقد تركت التقليد الأعمى الذي أضلّ كثيرًا من الناس، بل وذكرت جملة من الطوائف الضالّة التي تدّعي أنها على الحق، وهي بعيدة عنه، لكي يحذرها الجاهلون بحالها من المنتمين إليها، وغيرهم. والله حسبي ونعم الوكيل.

قاله وكتبه: الفقير إلى عفو الله تعالى

عبدالرحمن بن حماد آل عمر

أستاذ في العلوم الدينية 

 الفصل الأول معرفة الله( ) الخالق العظيم

اعلم أيها-الإنسان العاقل-أن ربك الذي خلقك من العدم ورباك بالنعم هو الله رب العالمين. والعقلاء المؤمنون بالله تعالى( ) لم يروه بأعينهم، ولكنهم رأوا البراهين الدالة على وجوده، وعلى أنه الخالق المدبر لجميع الكائنات فعرفوه بها، ومن هذه البراهين:

•        البرهان الأول:

الكون والإنسان والحياة: فهي أشياء حادثة لها بداية ونهاية، ومحتاجة إلى غيرها، والحادث والمحتاج إلى غيره لابد أنه مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق، وهذا الخالق العظيم هو الله، والله هو الذي أخبر عن نفسه المقدسة، بأنه الخالق المدبر لجميع الكائنات، وهذا الإخبار جاء من الله تعالى في كتبه التي أنزلها على رسله.

وقد بلّغ رسل الله كلامه للناس، ودعوهم إلى الإيمان به، وعبادته وحده؛ قال الله تعالى في كتابه القرآن العظيم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:54].

•        المعنى الإجمالي للآية الكريمة:        

يخبر الله تعالى الناس جميعًا أنه ربهم، الذي خلقهم، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام( )، ويخبر أنه مستوٍ( ) على عرشه.

والعرش فوق السماوات، وهو أعلى المخلوقات وأوسعها. والله فوق هذا العرش، وهو مع جميع المخلوقات بعلمه وسمعه ورؤيته، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، ويخبر الله-جَلَّ شأنه-أنه جعل الليل يُغطِّي النهار بظلامه، ويتبعه مسرعًا، ويخبر أنه خلق الشمس والقمر والنجوم، وجعلها جميعًا مُذلّلة تسير في أفلاكها بأمره، ويخبر أن له وحده الخلق والأمر، وأنه العظيم الكامل في ذاته وصفاته، الذي يُعطي الخير الكثير الدائم، وأنه رب العالمين، الذي خلقهم، وربَّاهم بالنعم.

وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:37].

•        المعنى الإجمالي للآية الكريمة:

يخبر الله تعالى أن من آياته الدالة عليه: الليل والنهار والشمس والقمر، وينهى عن السجود للشمس والقمر؛ لأنهما مخلوقان كغيرهما من المخلوقات، والمخلوق لا يصح أن يُعبد، والسجود: نوع من العبادة، ويأمر الله تعالى الناس في هذه الآية-كما يأمرهم في غيرها-أن يسجدوا له وحده؛ لأنه هو الخالق المدبر المستحق للعبادة.

•        البرهان الثاني:

أنه خلق الذكر والأنثى: فوجود الإناث والذكور دليل على الله.

•        البرهان الثالث:

اختلاف الألسن والألوان: فلا يوجد اثنان صوتهما واحد، أو لونهما واحد، بل لابد من فرق بينهما.

•        البرهان الرابع:

اختلاف الحظوظ: فهذا غني، وهذا فقير، وهذا رئيس، وهذا مرؤوس، في حين أنّ كلاًّ منهم صاحب عقل، وفكر وعلم، وحرص على ما لم يتحصل عليه من الغنى والشرف والزوجة الحسناء، ولكن لا يقدر أحد أن ينال سوى الذي قدَّره الله له؛ وذلك لحكمة عظيمة، أرادها الله سبحانه( ) وهي: اختبار الناس بعضهم ببعض، وخدمة بعضهم البعض الآخر، حتى لا تضيع مصالحهم جميعًا.

والذي لم يقدّر الله له حظًّا في الدنيا، أخبر الله تعالى أنه يدخر له حظه زيادة في نعيمه في الجنة إذا مات على الإيمان بالله، مع أن الله منح الفقير مزايا يتمتع بها نفسيًّا وصحّيًّا في الغالب لا توجد عند كثير من الأغنياء، وهذا من حكمة الله وعدله.

•        البرهان الخامس:

النوم، والرؤيا الصادقة التي يُطْلع الله سبحانه فيها النائم على شيء من الغيب بشارةً أو إنذارًا.

•        البرهان السادس:

الروح: التي لا يعرف حقيقتها إلا الله وحده.

•        البرهان السابع:

الإنسان: وما في جسمه من الحواس، والجهاز العصبي، والمخ، والجهاز الهضمي، وغير ذلك.

•        البرهان الثامن:

يُنزِّل الله المطر على الأرض الميتة فتنبت النبات والأشجار المختلفة في أشكالها وألوانها، ومنافعها وطعمها، وهذا قليل من مئات البراهين التي ذكرها الله تعالى في القرآن، والتي أخبر أنها أدلة قائمة تدل على وجوده سبحانه وعلى أنه الخالق المدبر لجميع الكائنات.

•        البرهان التاسع:

الفطرة التي فطر الله الناس عليها، تؤمن بوجود الله خالقها ومدبرها، ومن أنكر ذلك فإنما يُغالط نفسه ويُشقيها، فالشيوعي( )-مثلًا- يعيش في هذه الحياة تعسًا، مصيره بعد الموت إلى النار، جزاء تكذيبه بربه الذي خلقه من العدم، وربّاه بالنعم إلا إن تاب إلى الله وآمن به وبدينه ورسوله.

•        البرهان العاشر:

البركة وهي التكاثر في بعض المخلوقات كالغنم، وعكس البركة الفشل كما في الكلاب والقطط.

***

ومن صفات الله تعالى أنه:

الأول بلا بداية، وحيٌّ دائم، لا يموت ولا ينتهي، وغني قائم بذاته، لا يحتاج إلى غيره، وواحد لا شريك له؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)[الإخلاص:1-4].

•        معنى الآيات:

لمَّا سأل الكفارُ خاتم المرسلين عن صفة الله؛ أنزل الله عليه هذه السورة، وأمره فيها أن يقول لهم:

الله واحد لا شريك له، الله هو الحي الدائم المدبر، له وحده السيادة المطلقة على الكون والناس وكل شيء، وإليه وحده يجب أن يرجع الناس في قضاء حاجاتهم.

لم يلد ولم يولد، ولا يصح أن يكون له ابن أو بنت أو أب أو أم، بل نفى عن نفسه ذلك كله أشد النفي، في هذه السورة وفي غيرها؛ لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، وقد ردّ الله على النصارى قولهم: المسيح ابن الله، وعلى اليهود قولهم: عُزَيْرٌ ابن الله، وعلى غيرهم قولهم: الملائكة بنات الله، وشنَّع عليهم هذا القول الباطل.

وأخبر أنه خلق المسيح عيسى -عليه السلام- من أم بلا أب بقدرته، مثلما خلق آدم أبا البشر من تراب، ومثلما خلق حواء أم البشر من ضِلْعِ آدم، فرآها إلى جنبه، ثم خلق ذرية آدم من ماء الرجل والمرأة، فقد خلق كل شيء في البداية من العدم؛ وجعل بعد ذلك لمخلوقاته سنةً ونظامًا لا يستطيع أحد أن يغيرهما سواه، وإذا أراد الله سبحانه أن يغير من هذا النظام شيئًا غيّره كما يشاء.

كما أوجد عيسى -عليه السلام- من أم بلا أب وكما جعله يتكلَّم وهو في المهد، وكما جعل عصا موسى -عليه السلام- حية تسعى، ولما ضرب بها البحر انشق فصار سوقًا عبر منه هو وقومه، وكما شق القمر لخاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وجعل الشجر يُسَلِّمُ عليه إذا مرّ به، وجعل الحيوان يشهد له بالرسالة بصوت يسمعه الناس، فيقول: أشهد أنك رسول الله، وأُسري به على البراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء ومعه الملك جبرائيل حتى وصل فوق السماء، فكلمه الله -سبحانه وتعالى- وفرض عليه الصلاة، وعاد إلى المسجد الحرام في الأرض، ورأى في طريقه أهل كل سماء، وذلك كله في ليلة واحدة قبل طلوع الفجر، وقصة الإسراء والمعراج مشهورة في القرآن وأحاديث الرسول، وكتب التاريخ.

***

ومن صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسله:

1- السمع والبصر، والعلم والقدرة، والإرادة، يسمع ويرى كل شيء، لا يحجب سمعه ورؤيته حجاب.

ويعلم ما في الأرحام، وما تُخفيه الصدور، وما كان وما سيكون، وهو القدير الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.

2- الكلام بما يشاء متى شاء: وقد كلّم موسى -صلى الله عليه وسلم- ، وكلّم خاتم الرسل محمد -صلى الله عليه وسلم- ، والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه أنزله على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فهو صفة من صفاته، وليس مخلوقًا كما يقول المعتزلة الضالون( ).

3- الوجه واليدان، والاستواء والنزول( )، والرضا والغضب. فهو يرضى عن عباده المؤمنين، ويغضب على الكافرين، وعلى مرتكبي موجبات غضبه. ورضاه وغضبه كباقي صفاته، لا تشبه صفات المخلوق ولا تُأوَّل ولا تُكيَّف.

وثبت في القرآن والسنة أن المؤمنين يرون الله تعالى عيانًا بأبصارهم في عرصات القيامة وفي الجنة، وصفات الله تعالى مُفصّلَة في القرآن العظيم، وأحاديث الرسول الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فلتراجع.

***

الشيء الذي من أجله خلق الله بني الإنسان والجن

إذا عرفت – أيها العاقل – أن الله هو ربك الذي خلقك؛ فاعلم أن الله لم يخلقك عبثًا، وإنما خلقك لعبادته؛ والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)[الذاريات:56-58].

•        المعنى الإجمالي للآيات:

يخبر الله تعالى في الآية الأولى: أنه خلق الجن( )، وبَنِي الإنسان من أجل أن يعبدوه وحده. ويخبر في الآيتين الثانية والثالثة: أنه غني عن عباده، فلا يُريد منهم رزقًا، ولا إطعامًا؛ لأنه هو الرزاق القويّ، الذي لا رزق للناس وغيرهم إلا من عنده، فهو الذي ينزل المطر، ويخرج الأرزاق من الأرض.

 وأما المخلوقات الأخرى التي في الأرض، فقد أخبر الله تعالى أنه خلقها من أجل الإنسان؛ ليستعين بها على طاعته، ويتصرف نحوها على شريعة الله. وكل مخلوق وكل حركة وسكون في الكون فإن الله أوجده لحكمة بيَّنها في القرآن، ويعرفها العلماء بشريعة الله كل على قدر علمه.

وحتى اختلاف الأعمار والأرزاق والأحداث والمصائب كل ذلك يجري بإذن الله؛ ليختبر عباده العقلاء. فمن رضي بقدر الله واستسلم له واجتهد في العمل الذي يرضيه فله الرضا من الله، والسعادة في الدنيا والآخرة بعد الموت، ومن لم يرضَ بتقدير الله، ولم يُسلّم له ولم يطعه، فله من الله السخط وله الشقاء في الدنيا والآخرة.

نسأل الله رضاه، ونعوذ به من سخطه.

***

البعث بعد الموت، والحساب والجزاء على الأعمال، والجنة والنار

إذا عرفت-أيها العاقل-أن الله خلقك لعبادته؛ فاعلم أن الله أخبر في جميع كتبه التي أنزلها على رسله، بأنه سوف يبعثك حيًّا بعد الموت، وسيُجازيك على عملك في دار الجزاء بعد الموت؛ وذلك لأن الإنسان ينتقل بالموت من دار العمل والفناء-وهي هذه الحياة-إلى دار الجزاء والخلود، وهي ما بعد الموت، فإذا تمت المدة التي قدّر الله للإنسان أن يعيشها أمر الله ملك الموت فقبض روحه من جسده، فيموت بعدما يذوق مرارة الموت قبل خروج روحه من جسده.

أما الروح، فإن الله يجعلها في دار النعيم-الجنة-إن كانت مؤمنة بالله مُطيعة له. وأما إن كانت كافرة بالله، مكذبة بالبعث والجزاء بعد الموت، جعلها الله في دار العذاب-النار-حتى يأتي موعد نهاية الدنيا فتقوم الساعة، ويموت كل من بقي من الخلق، فلا يبقى إلا الله وحده، ثم يبعث الله الخلق كلهم-حتى الحيوان-ويعيد كل روح إلى جسدها بعدما يعيد الجسد كاملاً كما خلقه أول مرة؛ وذلك ليُحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم، الذكر والأنثى، والرئيس المرؤوس، والغني والفقير، فلا يظلم أحدًا، ويُقتص للمظلوم من ظالمه، حتى الحيوانات يُقتص لها ممن يظلمها، ويُقتص لبعضها من بعض. ثم يقول لها كوني ترابًا؛ لأنها لا تدخل جنة ولا نارًا.

ويجازي بني الإنسان والجن كُلاًّ بعمله، فيُدخل المؤمنين به الذين أطاعوه واتبعوا رسله الجنة؛ ولو كانوا أفقر الناس، ويدخل الكافرين المكذبين النار ولو كانوا أغنى الناس وأشرفهم في الدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:13].

والجنة: هي دار النعيم، فيها من أصناف النعيم ما لا يقدر أحد على وصفه، فيها مائة درجة، لكل درجة سكان، على قدر قوة إيمانهم بالله وطاعتهم له، وأقل درجة في الجنة يُعطى أهلها من النعيم مثل نعيم أنعم ملك في الدنيا أضعافًا عدة( ).

والنار: -أعاذنا الله منها- هي دار العذاب في الآخرة بعد الموت، فيها من أصناف العذاب والنَّكال ما يهول ذكره القلوب، ويبكي العيون.

ولو كان الموت يوجد في الدار الآخرة لمات أهل النار بمجرد رؤيتها، ولكن الموت مرة واحدة ينتقل به الإنسان من الحياة الدنيا إلى الآخرة. وقد جاء في القرآن العظيم الوصف الكامل للموت، والبعث والحساب والجزاء، والجنة والنار، وفيما ذكرنا إشارة إليه.

والأدلة على البعث بعد الموت والحساب والجزاء كثيرة جدًّا قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه:55]، وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:78].

 وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:7].

•        المعنى الإجمالي للآيات:

1-      في الآية الأولى: يخبر الله -سبحانه وتعالى- : أنه خلق بني الإنسان من الأرض، وذلك حينما خلق أباهم آدم -عليه السلام- من تراب، ويُخبر أنه يُعيدهم فيها بعد الموت في القبور؛ كرامةً لهم، ويخبر أنه يخرجهم منها مرة أخرى، فيخرجون من قبورهم أحياء، من أولهم إلى آخرهم، فيحاسبهم الله ثم يُجازيهم.

2-      وفي الآية الثانية: يردّ الله على الكافر المكذب بالبعث الذي يستغرب حياة العظام بعد فنائها. يردّ الله عليه، فيخبر أنه يُحييها؛ لأنه الذي أنشأها أول مرة من العدم.

3-      وفي الآية الثالثة: يردّ الله على الكافرين المكذبين بالبعث بعد الموت زعمهم الفاسد، ويأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم لهم بالله قسمًا مؤكدًا، أن الله سوف يبعثهم، وسوف ينبئهم بما عملوا، ويجازيهم عليه، وأن ذلك يسير على الله.

وأخبر الله في آية أخرى أنه إذا بعث المكذبين بالبعث والنار عذبهم في نار جهنم، وقيل لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:20].

ضبط أعمال الإنسان وأقواله:

وقد أخبر -عز وجل- أنه قد علم ما سوف يقول كل إنسان ويعمل من خير أو شرٍّ سرًّا أو علانية، وأخبر أنه قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض والإنسان وغيره، وأخبر أنه مع هذا قد وكَّلَ بكل إنسان ملكين واحدًا عن يمينه، يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، لا يفوتهما شيء، وأخبر الله -سبحانه وتعالى- أن كل إنسان يُعطى يوم الحساب كتابه الذي كُتب فيه أقواله وأعماله، فيقرؤها لا ينكر منها شيئًا، ومن أنكر شيئًا أنطق الله سمعه وبصره ويديه ورجليه وجلده بجميع ما عمل.

وفي القرآن العظيم بيان ذلك بالتفصيل؛ قال الله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)[الانفطار:10-12].

•        شرح الآيات:

يُخبر الله -سبحانه وتعالى- أنه وكّل بكل إنسان ملكين، واحدًا عن يمينه رقيب يكتب حسناته، والآخر عن شماله عتيد يكتب سيئاته، ويخبر الله في الآيتين الأخيرتين أنه وَكَّلَ بالناس ملائكة كرامًا، يكتبون جميع أفعالهم وأخبر أنه جعل لهم القدرة على العلم بجميع أفعالهم، وكتابتها كما قد علمها وكتبها لديه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم.

•        شهادة:

أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأشهد أن الجنة حقّ، والنار حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور للحساب والجزاء، وأن كل ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- حق.

وأدعوك-أيها العاقل-إلى الإيمان بهذه الشهادة، وإعلانها والعمل بمعناها؛ فهذا سبيل النجاة. 

 الفصل الثاني معرفة الرسول -صلى الله عليه وسلم-

إذا عرفت-أيها العاقل-أن الله هو ربك الذي خلقك، وأنه سوف يبعثك ليجازيك على عملك، فاعلم أن الله أرسل إليك وإلى جميع الناس رسولاً، أمرك بطاعته واتباعه، وأخبر أنه لا سبيل لمعرفة العبادة الصحيحة له إلا باتباع هذا الرسول، وعبادة الله بشريعته التي أرسله بها.

وهذا الرسول الكريم، الذي يجب على جميع الناس الإيمان به واتباعه هو خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس جميعًا محمد النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم- ، الذي بشَّر به موسى وعيسى-عليهما السلام-في أكثر من أربعين موضعًا في التوراة والإنجيل، يقرؤها اليهود والنصارى قبل أن يتلاعبوا بهذين الكتابين ويحرِّفوهما( ).

وهذا النبي الكريم، الذي ختم الله به رسله، وبعثه إلى الناس جميعًا، هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي -صلى الله عليه وسلم- ، أشرف وأصدق رجل في أشرف قبيلة على وجه الأرض، تسلسلت من صلب نبي الله إسماعيل ابن نبي الله إبراهيم، وقد وُلد خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- بمكة سنة 570م، وفي الليلة التي وُلد فيها وفي لحظة خروجه من بطن أمه أضاء الكونَ نورٌ عظيمٌ، أدهش الناس، وسُجِّلَ في كتب التاريخ، وانتكست أصنام قريش التي يعبدونها عند الكعبة في مكة، واهتز إيوان كسرى ملك الفرس، وتساقط منه بضع عشرة شرفة، وانطفأت نار الفرس التي يعبدونها، وكانت لم تنطفئ قبل ذلك بألفي عام.

وكل هذا إعلان من الله تعالى لأهل الأرض بمولد خاتم المرسلين الذي سوف يحطم الأصنام التي تُعبد من دون الله، وسيدعو الفرس والروم إلى عبادة الله وحده، والدخول في دينه الحق، فإذا أبوا جاهدهم هو ومن يتبعه، فينصره الله عليهم، وينشر دينه الذي هو نوره في الأرض. وهذا هو ما حصل بالفعل بعدما بعث الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- .

وقد ميّز الله خاتم رسله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- من بين إخوانه الرسل قبله بميزات منها:

أولًا: أنه خاتم المرسلين فليس بعده رسول ولا نبي.

ثانيًا: عموم رسالته إلى جميع الناس، فالناس كلهم أمة لمحمد من أطاعه واتبعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. حتى اليهود والنصارى مكلَّفون باتباعه، ومن لم يتَّبعه ويؤمن به فهو كافر بموسى وعيسى وبجميع الأنبياء. وموسى وعيسى وكل الأنبياء بريئون من كل إنسان لا يتبع محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأن الله أمرهم أن يبشروا به وأن يدعوا أممهم إلى اتباعه إذا بعثه الله؛ ولأن دينه الذي بعثه الله به هو الدين الذي بعث الله به رسله، وجعل كماله ويسره على عهد هذا الرسول الكريم خاتم المرسلين، فلا يجوز لأحد بعد بعثة محمد أن يعتنق دينًا غير الإسلام الذي بعثه الله به؛ لأنه الدين الكامل الذي نسخ الله به جميع الأديان، ولأنه دين الحق المحفوظ.

أَمَّا اليهودية والنصرانية فهي دين مُحرَّف ليس كما أنزله الله، فكل مسلم متبع لمحمد يُعتبر متبعًا لموسى وعيسى وجميع الأنبياء، وكل خارج عن الإسلام يُعتبر كافرًا بموسى وعيسى وجميع الأنبياء، وإن ادّعى أنه من أتباع موسى أو عيسى!

ولهذا سارع جماعة من أحبار اليهود ورهبان النصارى العقلاء المنصفون إلى الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ، والدخول في الإسلام.

***

•        معجزات( ) الرسول -صلى الله عليه وسلم-

وقد عدَّ علماء سيرة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- معجزاته الدالة على صدق رسالته فبلغت أكثر من ألف معجزة، منها:

1-      خاتم النبوة الذي أنبته الله بين كتفيه، وهو محمد رسول الله، على هيئة الثآليل( ).

2-      تظليل الغمام له إذا مشى في شمس الصيف الحارة.

3-      تسبيح الحصى في يديه، وتسليم الشجر عليه.

4-      إخباره بالغيبيات التي ستحصل في آخر الزمان؛ وها هي تحصل شيئًا فشيئًا طبق ما أخبر.

وهذه الأمور الغيبية التي تحدث بعد وفاة خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- ، إلى نهاية الدنيا، والتي أطلعه الله عليها وأخبر بها مدونة في كتب الحديث، وكتب أشراط الساعة، مثل: "النهاية" لابن كثير، وكتاب "الأخبار المشاعة في أشراط الساعة"، و"أبواب الفتن والملاحم" في كتب الحديث. وهذه المعجزات شبيهة بمعجزات الأنبياء قبله.

ولكن الله اختصه بمعجزة عقلية باقية على صفحات الدهر إلى نهاية الدنيا لم يعطها الله لغيره من الأنبياء، وهي: القرآن العظيم-كلام الله-، الذي تكفل الله بحفظه، فلا تستطيع يد التحريف أن تمتد إليه، ولو حاول أحد تغيير حرف منه لانكشف، فها هي مئات ملايين النسخ من القرآن بأيدي المسلمين لا تختلف واحدة عن الأخرى، ولا بحرف واحد.

أَمَّا نسخ التوراة والإنجيل فهي متعددة يختلف بعضها عن بعض؛ لأن اليهود والنصارى تلاعبوا بهما وحرفوهما لما وكّل الله إليهم حفظهما، أما القرآن فلم يَكِلْ حفظه لأحد سواه، بل تكفَّل هو -سبحانه وتعالى- بحفظه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9].

البرهان العقلي والأدلة من كلام الله تعالى على أن القرآن كلام الله تعالى وعلى أن محمدًا رسول الله

 ومن البراهين المنطقية العقلية الدالة على أن القرآن كلام الله تعالى وعلى أن محمدًا رسول الله: أن الله تحدّى كفار قريش لما كَذَّبوا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ، كغيرهم من مكذبي الأنبياء في الأمم السابقة، وقالوا: إن القرآن ليس كلام الله. تحدّاهم الله أن يأتوا بمثله؛ فعجزوا على الرغم من أنه بلغتهم، وبالرغم من أنهم أفصح الناس، وعلى الرغم أن من بينهم كبار الخطباء والبلغاء وفحول الشعراء، ثم تحدَّاهم أن يأتوا بعشر سور مثله مكذوبات فعجزوا، ثم تحدّاهم أن يأتوا بسورة واحدة فعجزوا، ثم أعلن عجزهم، وعجز جميع الجن والإنس عن الإتيان بمثله، ولو كان بعضهم لبعض معينًا؛ فقال سبحانه: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:88].

فلو كان القرآن من كلام محمد أو غيره من الناس؛ لقدر غيره من أهل

لغته الفصحاء أن يأتوا بمثله، ولكنه كلام الله تعالى، وفضلُ كلام الله وسُموّه على كلام البشر كفضل الله على البشر.

وبما أنه ليس لله مثيل؛ فليس لكلامه مثيل، وبهذا يتبيّن أن القرآن كلام الله تعالى وأن محمدًا رسول الله؛ لأن كلام الله لا يأتي به إلا رسول من عنده، وقال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:40]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ:28]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107].

•        المعنى الإجمالي للآيات:

1-      يخبر الله تعالى في الآية الأولى أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رسوله إلى الناس كلهم، وأنه خاتم أنبيائه فليس بعده نبي، ويخبر أنه اختاره لحمل رسالته وليكون خاتمًا لرسله؛ لأنه يعلم أنه أصلح الناس لذلك.

2-      ويخبر الله سبحانه في الآية الثانية: أنه أرسل رسوله محمدًا للناس جميعًا الأبيض والأسود والعرب وغير العرب، ويخبر أن أكثر الناس لا يعلمون الحق؛ لذا ضلّوا وكفروا بعدم اتباعهم لمحمد -صلى الله عليه وسلم- .

3-      ويخاطب الله رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- في الآية الثالثة فيخبره أنه أرسله رحمةً للعالم أجمع؛ فهو رحمة الله التي تكرَّم بها على الناس، فمن آمن به واتبعه فقد قبل رحمة الله وله الجنة. ومن لم يؤمن بمحمد ولم يتبعه فقد ردّ رحمة الله واستحق النار والعذاب الأليم.

نداء للإيمان بالله وبرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- :

لذا ندعوك-أيها العاقل-إلى الإيمان بالله ربًّا، وبرسوله محمد رسولاً، وندعوك إلى اتباعه، والعمل بشريعته التي بعثه الله بها، وهي دين الإسلام الذي مصدره القرآن العظيم-كلام الله-، وأحاديث خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- ، التي ثبتت عنه؛ لأن الله عصمه فلا يأمر إلا بأمر الله، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، فَقُل من قلب مُخلص: آمنت بأن الله ربي وإلهي وحده، وقل آمنت بأن محمدًا رسول الله واتبعه؛ فإنه لا نجاة لك إلا بذلك.

وفقني الله وإياك للسعادة والنجاة ... آمين. 

 الفصل الثالث معرفة دين الحق الإسلام

إذا عرفت-أيها العاقل-أن الله تعالى هو ربك الذي خلقك ورزقك، وأنه الإله الواحد الحق الذي لا شريك له، وأنه يجب عليك أن تعبده وحده، وعرفت أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رسول الله إليك وإلى جميع الناس؛ فاعلم أنه لا يصح إيمانك بالله تعالى ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا إذا عرفت دين الإسلام وآمنت به وعملت به؛ لأنه الدين الذي رضيه الله تعالى وأمر به رسله، وبعث به خاتمهم محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إلى جميع الناس، وأوجب عليهم العمل به.

***

تعريف الإسلام

قال محمد -صلى الله عليه وسلم- خاتم المرسلين ورسول الله إلى الناس أجمعين: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» ( ).

فالإسلام هو الدين العالمي الذي أمر الله به جميع الناس، وآمن به رسل الله، وأعلنوا إسلامهم لله، وأعلن الله تعالى بأنه الدين الحق، وأنه لا يَقبل من أحد دينًا سواه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:19]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:85].

•        المعنى الإجمالي للآيتين:

1-      يخبر الله تعالى أن الدين لديه الإسلام فقط.

2-      وفي الآية الثانية أخبر -سبحانه وتعالى- أنه لن يَقبل من أحد دينًا غير الإسلام، وأن السعداء بعد الموت هم المسلمون فقط، وأن الذين يموتون على غير الإسلام خاسرون في الدار الآخرة، ويُعذبون في النار.

ولهذا أعلن جميع الأنبياء إسلامهم لله، وأعلنوا براءتهم ممن لا يسلم، فمن أراد من اليهود والنصارى النجاة والسعادة فليدخل في الإسلام، وليتبع رسول الإسلام محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ؛ حتى يكون تابعًا حقًّا لموسى وعيسى-عليهما الصلاة والسلام-؛ لأن موسى وعيسى ومحمدًا وجميع رسل الله مسلمون، دعوا جميعًا إلى الإسلام؛ لأنه دين الله الذي بعثهم به، ولا يصح لأحد ممن وُجد بعد بعثة خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى نهاية الدنيا، لا يصح له أن يسمي نفسه مسلمًا لله، ولا يقبل الله منه هذا الادعاء إلا إذا آمن بمحمد رسولًا من عند الله، واتبعه، وعمل بالقرآن الذي أنزله الله عليه؛ قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران:31].

•        المعنى الإجمالي للآية:

يأمر الله رسوله محمدًا أن يقول لمن يدعي محبة الله: إن كنتم تحبون الله حقًّا فاتبعوني يُحببكم الله؛ فإن الله لا يُحبكم ولا يغفرلكم ذنوبكم، إلا إذا آمنتم برسوله محمد واتبعتموه.

وهذا الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس جميعًا هو الإسلام الكامل الشامل السمح، الذي كمّله الله ورضيه لعباده دينًا لا يقبل منهم دينًا غيره، وهو الذي بَشَّرَ به الأنبياء وآمنوا به؛ قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:3].

•        المعنى الإجمالي للآية:

يخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة التي أنزلها على خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وهو واقف مع المسلمين بعرفات بمكة في حجة الوداع يناجون الله ويدعونه، وكان ذلك في آخر حياة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ، بعدما نصره الله وانتشر الإسلام وتكامل نزول القرآن.

يخبر الله سبحانه أنه أكمل للمسلمين دينهم، وأتم عليهم نعمته ببعثة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وإنزال القرآن العظيم عليه، ويخبر أنه رضي لهم الإسلام دينًا، لا يسخطه أبدًا، ولا يقبل من أحد دينًا سواه أبدًا.

ويُخبر -سبحانه وتعالى- أن الإسلام الذي بعث به رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس جميعًا، هو الدين الكامل الشامل الصالح لكل زمان ومكان وأمة، فهو دين العلم واليسروالعدالة والخير، وهو المنهاج الواضح الكامل القويم لشتى مجالات الحياة؛ فهو دين ودولة فيه المنهاج الحق للحكم والقضاء والسياسة والاجتماع والاقتصاد، ولكل ما يحتاجه البشر في حياتهم الدنيا، وهو الذي فيه سعادتهم في الحياة الآخرة بعد الموت.

***

 أركان الإسلام

والإسلام الكامل الذي بعث الله به رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ، مبني على خمسة أركان، لا يكون الإنسان مسلمًا حقًّا حتى يُؤمن بها ويؤديها، وهي:

1-      أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

2-      يقيم الصلاة.

3-      يؤتي الزكاة.

4-      يصوم رمضان.

5-      يحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلًا( ).

 الركن الأول  (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله):

وهذه الشهادة لها معنى يجب على المسلم معرفته والعمل به، أما الذي يقولها بلسانه ولا يعرف معناها ولا يعمل به فإنه لا ينتفع بها.

ومعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده، فهو الإله الحق وكل إله غيره باطل. والإله معناه: المعبود.

والذي يعبد غير الله كافر بالله مشرك به، ولو كان معبوده نبيًّا أو وليًّا، ولو كان بحجة التقرب به إلى الله تعالى والتوسل إليه؛ لأن المشركين الذين قاتلهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما عبدوا الأنبياء والأولياء إلا بهذه الحجة، لكنها حجة باطلة مردودة؛ لأن التقرب إلى الله تعالى والتوسل إليه لا يكون بصرف العبادة لغيره، وإنما يكون بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة التي أمر بها، كالصلاة، والصدقة، والذكر، والصوم، والجهاد، والحج، وبر الوالدين. ونحو ذلك، وبدعاء المؤمن الحي الحاضر لأخيه إذا دعا.

والعبادة أنواع كثيرة، ومنها:

1 - الدعاء:

وهو طلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى مثل إنزال المطر، وشفاء المريض، وتفريج الكربات التي لا يفرجها المخلوق، ومثل طلب الجنة، والنجاة من النار، وطلب الأولاد، والرزق، والسعادة، ونحو ذلك.

فهذا كله لا يُطلب إلا من الله، فمن طلب من المخلوق حيًّا أو ميتًا شيئًا من ذلك فقد عبده، قال الله تعالى آمرًا عباده بدعائه وحده، ومخبرًا أن الدعاء عبادة، من صرفه لغيره فهو من أهل النار؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:60]، وقال تعالى مخبرًا أن من سواه من المدعوين لا يملكون لأحد نفعًا ولا ضرًّا، ولو كانوا أنبياء أو أولياء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلً﴾ [الإسراء:56 والآية التي بعدها]، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:18].

2 - الذبح والنذر وتقريب القرابين:

فلا يصح أن يتقرب الإنسان بسفك الدم، أو بتقريب قربان، أو بنذر إلا لله وحده، ومن ذبح لغير الله-كمن يذبح للقبر أو للجن-فقد عبد غير الله واستحق لعنة الله؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:162-163].

وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : «لَعَنَ اللّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيرِ اللّهِ»( ).

وإذا قال إنسان: " لفلان عليَّ نذرٌ إن حصل لي كذا أن أتصدق بكذا أو أفعل كذا"، فهذا النذر شرك بالله؛ لأنه نذر لمخلوق، والنذر عبادة لا يكون إلا لله، والنذر المشروع هو: أن يقول: " لله عليَّ نذرٌ أن أتصدق بكذا، أو أفعل كذا من الطاعة إذا حصل لي كذا".

3 - الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة( ):

فلا يُستغاثُ ولا يُستعان ولا يُستعاذ إلا بالله وحده؛ قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2)[الفلق:1-2]، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : «إنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ»( )، وقال -صلى الله عليه وسلم- : «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ»( ).

والإنسان الحي الحاضر يصحّ أن يُستغاثَ به، ويُستعان به في الشيء الذي يقدر عليه فقط، أما الاستعاذة فلا يُستعاذ إلا بالله وحده. والميت والغائب لا يُستغاث به، ولا يُستعان به البتة؛ لأنه لا يملك شيئًا، ولو كان نبيًّا أو وليًّا أو ملكًا.

والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فمن ادّعى أنه يعلم الغيب فهو كافر يجب تكذيبه، ولو تكهن بشيء فوقع فهو من باب الموافقة؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ»( ).

التوكل والرجاء( ) والخشوع:

فلا يتوكل الإنسان إلا على الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخشع إلا لله وحده.

ومما يُؤسف له أن كثيرًا من المنتسبين للإسلام يشركون بالله، فيدعون غيره من الأحياء المُعَظَّمِين، ومن أهل القبور، ويطوفون بقبورهم، ويطلبون منهم حوائجهم، وهذه عبادة لغير الله فاعلها ليس مسلمًا؛ وإن ادّعى الإسلام، وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى، وصام، وحج البيت؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:65]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:72].

وأمر الله تعالى رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ، أن يقول للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110].

وهؤلاء الجُهَّال غَرَّهم علماء السوء والضلال، الذين عرفوا بعض الفروع وجهلوا التوحيد الذي هو أساس الدين، فصاروا يدعون إلى الشرك؛ جهلاً منهم بمعناه باسم الشفاعة والوسيلة، وحجتهم في ذلك التأويلات الفاسدة لبعض النصوص والأحاديث المكذوبة قديمًا وحديثًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، والحكايات وأحلام المنام التي نسجها لهم الشيطان، وما شابه ذلك من الضلالات التي جمعوها في كتبهم؛ ليؤيدوا بها عبادتهم لغير الله؛ اتباعًا للشيطان وللهوى وتقليدًا أعمى للآباء والأجداد، كحال المشركين الأولين.

والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها في قوله ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:35]، هي: الأعمال الصالحة من توحيد الله، والصلاة، والصدقة، والصيام، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصلة الرحم، ونحو ذلك، أما دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند الشدائد والكربات فهذه عبادة لهم من دون الله.

وشفاعة الأنبياء والأولياء وغيرهم من المسلمين الذين يأذن الله لهم في الشفاعة حق نؤمن بها، ولكنها لا تُطلب من الأموات؛ لأنها حق لله لا تحصل لأحد إلا بإذنه تعالى فيطلبها الموحِّد لله من الله تعالى قائلاً: "اللهم شَفِّعْ فيَّ رسولك وعبادك الصالحين، ولا يقول يا فلان اشفع لي؛ لأنه ميت، والميت لا يُطلب منه شيءٌ أبدًا؛ قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:44].

ومن البدع المحرمة المخالفة للإسلام والتي نهى عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، في الأحاديث الصحيحة، في الصحيحين والسنن: اتخاذ المساجد والسرج على القبور، والبناء عليها، وتجصيصها والكتابة عليها، وإلقاء الستور عليها، والصلاة في المقبرة، كل هذا نهى عنه الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأنه من أعظم أسباب عبادة أصحابها.

وبهذا يتبيّن أن من الشرك بالله ما يفعله الجُهَّال عند بعض القبور في كثير من البلدان، مثل قبر البدوي والسيدة زينب في مصر، وقبر الجيلاني في العراق، والقبور المنسوبة لآل البيت -رضي الله عنهم- في النجف وكربلاء في العراق، وقبور أخرى في كثير من البلدان من الطواف حولها، وطلب الحوائج من أهلها، واعتقاد النفع والضرّ فيهم.

ويتبيّن أنّ هؤلاء بفعلهم هذا مشركون ضالّون، وإن ادّعوا الإسلام وصلّوا وصاموا وحجّوا البيت، ونطقوا بــ لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأن الناطق بــ لا إله إلا الله محمد رسول الله لا يُعتبر موحدًا لله؛ حتى يعرف معناها ويعمل به- كما تَقَدَّمَ بيان ذلك-، أما غير المسلم فإنه يدخل في الإسلام ابتداءً بنطقه بها، ويُسمَّى مسلمًا حتى يتبيّن منه ما ينافيها من بقائه على الشرك، كهؤلاء الجُهَّال، أو إنكاره لشيء من فرائض الإسلام بعد بيانها له، أو إيمانه بدين يُخالف دين الإسلام.

والأنبياء والأولياء( ) بريئون ممن يدعوهم ويستغيث بهم؛ لأن الله تعالى أرسل رسله لدعوة الناس إلى عبادته وحده، وترك عبادة من سواه نبيًّا أو وليًّا أو غيرهما.

ومحبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، والأولياء المقتدين به ليس في عبادتهم؛ لأن عبادتهم عداوة لهم، وإنما محبتهم في الاقتداء بهم والسير على طريقتهم، والمسلم الحقيقي يحب الأنبياء والأولياء، ولكنه لا يعبدهم.

ونحن نؤمن بأن محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- واجبة علينا فوق محبة النفس والأهل والولد والناس أجمعين.

***

الفرقة الناجية

 المسلمون كثيرون في العدد لكنهم قليلون في الحقيقة، والطوائف التي تنتسب إلى الإسلام كثيرة تصل إلى 73 فرقة، عدد أفرادها ألف مليون وزيادة( )، ولكن الطائفة المسلمة حقًّا واحدة، وهي التي توحد الله تعالى وتسير على طريقة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وأصحابه في العقيدة والعمل الصالح، كما أخبر بذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، بقوله: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى وسَبْعٍينَ فِرْقَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصَارَى على اثْنَتَينِ وسَبْعٍينَ فِرْقَةً ، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وسَبْعٍينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً».قَالَ الصَّحَابَةُ: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَومَ وَأَصْحَابِي»( ).

والذي عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هو اعتقاد معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، والعمل به بدعاء الله وحده، والذبح والنذر لله وحده، والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة بالله وحده، واعتقاد النفع والضر فيه وحده، وأداء أركان الإسلام بإخلاص له سبحانه والتصديق بملائكته وكتبه ورسله والبعث والحساب والجنة والنار وبالقدر خيره وشره كله من الله تعالى وتحكيم القرآن والسنة في شتى المجالات، والرضا بحكمهما، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه، والدعوة إليه والجهاد في سبيله والاجتماع على ذلك، والسمع والطاعة لولي الأمر المسلم إذا أمر بالمعروف، وقول كلمة الحق أينما كانوا، ومحبة أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وآله، وتوليهم، ومحبة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقديمهم على قدر فضلهم والترضي عنهم جميعًا والكفّ عما شجر بينهم( )، وعدم التصديق بقدح المنافقين في بعضهم، ذلك القدح الذي قصدوا به تفريق المسلمين، وانخدع به بعض علمائهم ومؤرِّخيهم فأثبتوه في كتبهم عن حسن نية وهذا خطأ.

والذين يدّعون أنهم من آل البيت ويُسَمَّون بالسادة عليهم أن يتأكدوا من صحة نسبهم؛ لأن الله لعن من انتسب إلى غير أبيه، فإذا ثبت نسبهم فعليهم أن يقتدوا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وآله في إخلاص التوحيد لله، وترك المعاصي وعدم الرضا بانحناء الناس لهم، وتقبيل ركبهم وأقدامهم، وأن لا يُمَيَّزوا عن إخوانهم المسلمين بزيٍّ خاصٍّ؛ لأن ذلك كله مخالف لما عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وهو منه بريء، والأكرم عند الله الأتقى.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسَلَّمَ تسليمًا.

***

الحكم والتشريع حق لله وحده

وحيث يكون الشرع تكون العدالة والرحمة والفضيلة

ومن معنى لا إله إلا الله الذي يجب اعتقاده والعمل به: أن الحكم والتشريع حقٌّ لله وحده، فلا يجوز لأحد من البشر أن يضع قانونًا مخالفًا لشريعة الله في أي أمرٍ من الأمور، ولا يجوز للمسلم أن يحكم بغير ما أنزل الله، ولا يجوز له أن يرضى بحكم يخالف شريعة الله، ولا يجوز لأحد أن يحلَّ ما حرَّم الله، أو يُحَرِّم ما أحلَّ الله، فمن فعل ذلك متعمدًا المخالفة أو رضي به فهو كافر بالله؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:44].

***

وظيفة الرسل التي بعثهم الله بها

هي دعوة الناس إلى كلمة التوحيد-لا إله إلا الله-، والعمل بمدلولها، وهو عبادة الله وحده والخروج من عبادة المخلوق وشريعته إلى عبادة الخالق وشريعته وحده لا شريك له.

ومَنْ قرأَ القرآن العظيم بتدبر وبعد عن التقليد الأعمى أدرك تمامًا أن ذلك الذي بَيَّناه هو الحق، وأدرك أن الله حدَّد علاقة الإنسان معه سبحانه ومع الخلق فجعل علاقة عبده المؤمن به أن يعبده بجميع أنواع العبادة، فلا يصرف منها شيئًا لغيره، وجعل علاقته بالأنبياء وعباد الله الصالحين محبتهم محبة تابعة لمحبته -سبحانه وتعالى- والاقتداء بهم، وجعل علاقته بأعدائه الكافرين بغضهم؛ لأن الله يبغضهم، وأن يدعوهم مع هذا إلى الإسلام ويبيّنه لهم لعلهم يهتدون، وأن يجاهدهم المسلمون إذا رفضوا الإسلام، ورفضوا الخضوع لحكم الله؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. فهذه المعاني لكلمة التوحيد -لا إله إلا الله- يجب على المسلم أن يعرفها، وأن يعمل بها؛ لكي يكون مسلمًا حقًّا.

***

معنى شهادة أن محمدًا رسول الله

ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله أن تعلم وتعتقد بأن محمدًا رسول الله إلى الناس جميعًا، وأنه عبد لا يُعْبَدُ، ورسول لا يُكَذَّبُ، بل يُطاع ويُتبع، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وأن تعلم وتعتقد بأن تلقِّي التشريع سواء في شعائر العبادات التي أمر الله بها، أو في نظام الحكم والتشريع في شتى المجالات، أو في التحليل والتحريم، لا يكون إلا عن طريق هذا الرسول الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأنه رسول الله المُبَلِّغُ عنه شريعته، فلا يجوز للمسلم أن يقبل تشريعًا أتى من غير طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- ؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:7]، وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65].

•        معنى الآيتين:

1-      يأمر الله في الآية الأولى المسلمين أن يطيعوا رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- في جميع ما أمرهم به، وأن ينتهوا عن جميع ما نهاهم عنه؛

لأنه إنما يأمر بأمر الله وينهى بنهيه.

2-      وفي الآية الثانية يقسم الله سبحانه بنفسه المقدَّسة أنه لا يصح إيمان إنسان بالله وبرسوله، حتى يُحَكِّمَ الرسولَ فيما شَجَرَ بينه وبين غيره( )، ثم يرضى بحكمه، ويُسَلِّم له أو عليه. وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»( ).

***

•        نـداء

إذا عرفت-أيها العاقلُ-معنى: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وعرفت أن هذه الشهادة هي مفتاح الإسلام وأساسه الذي يُبْنَى عليه، فقل من قلب مخلص: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله"، واعمل بمعنى هذه الشهادة؛ لتنالَ السعادة في الدنيا وفي الآخرة، ولتنجوَ من عذاب الله بعد الموت.

واعلم أن من مقتضى شهادة "أن لا إله إلا الله محمد رسول الله": العمل ببقية أركان الإسلام؛ لأن الله فَرَضَ هذه الأركان على المسلم ليعبده بأدائها بصدق وإخلاص من أجله تعالى، ومن ترك ركنًا منها بدون عذر مشروع فقد أخلّ بمعنى "لا إله إلا الله" ولا تُعتبر شهادته صحيحة.

***

 الركن الثاني من أركان الإسلام (الصلاة)

 اعلم-أيها العاقل-أن الركن الثاني من أركان الإسلام، هو: الصلاة، وهي خمس صلوات في اليوم والليلة، شرعها الله تعالى؛ لتكون صلةً بينه وبينه المسلم، يُناجيه فيها ويدعوه، ولتكون ناهيةً للمسلم عن الفحشاء والمنكر، فيحصل له من الراحة النفسية والبدنية ما يسعده في الدنيا والآخرة.

وقد شرع الله للصلاة طهارة البدن والثياب، والمكان الذي يُصَلَّى فيه، فيتنظف المسلم بالماء الطهور من النجاسات، مثل: البول والبراز، لكي يُطَهِّرَ بدنه من النجاسة الحسية، وقلبه من النجاسة المعنوية.

والصلاة هي عمود الدين، وهي أهم أركانه بعد الشهادتين؛ يجب على المسلم أن يُحافظ عليها منذ سن البلوغ حتى يموت، ويجب أن يأمر بها أهله وأولاده منذ سن السابعة؛ لكي يعتادوا عليها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء:103]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:5].

•        المعنى الإجمالي للآيتين:

1-      يخبر الله تعالى في الآية الأولى أن الصلاة فرض محتّم على المؤمنين، وأن عليهم أن يؤدوها في أوقاتها المحددة لها.

2-      وفي الآية الثانية يخبر الله -عز وجل- أن الأمر الذي أمر به الناس وخلقهم من أجله هو أن يعبدوه وحده، وأن يخلصوا له عبادتهم، وأن يقيموا الصلاة، ويعطوا الزكاة للمستحقين.

والصلاة واجبة على المسلم في جميع أحواله حتى في حال الخوف والمرض، فإنه يصلي على قدر استطاعته قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، حتى لو لم يقدر إلا إشارة بعينه أو بقلبه، فإنه يصلي بالإشارة، وقد أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن تارك الصلاة ليس بمسلم رجلًا أو امرأة؛ فقال -صلى الله عليه وسلم- : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»( ).

الصلوات الخمس هي:

صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء.

ووقت صلاة الفجر يبدأ بظهور نور الصباح في المشرق، ويخرج عند بزوغ الشمس، ولا يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، ووقت صلاة الظهر يبدأ من زوال الشمس حتى يصير ظل الشيء طوله بعد ظل الزوال، ووقت صلاة العصر يبدأ بعد نهاية وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، ولا يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، بل تُصلى ما دامت الشمس بيضاء نقية، ووقت المغرب يبدأ بعد غروب الشمس، وينتهي بمغيب الشفق الأحمر، ولا تُؤخر إلى آخر وقتها ووقت صلاة العشاء يبدأ بعد نهاية وقت صلاة المغرب إلى آخر الليل لا تُؤخر بعده.

ولو أخّر المسلم صلاة واحدة عن وقتها حتى يخرج من غير مانع شرعي خارج عن إرادته؛ فإنه قد ارتكب ذنبًا عظيمًا عليه أن يتوب إلى الله ولا يعود؛ قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)[الماعون:4-5].

***

 أحكام الصلاة

 أولًا: الطهارة:

قبل أن يدخل المسلم في الصلاة لا بد له من الطهارة؛ فينظف أولًا المخرج، إن كان قد خرج منه بول أو براز ثم يتوضأ.

والوضوء: ينوي في قلبه الطهارة ولا يتلفظ بالنية؛ لأن الله به عليم؛ ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يتلفظ بها، ويقول بسم الله ثم يتمضمض، ويستنشق الماء في أنفه وينثره، ويغسل جميع وجهه، ثم يغسل يديه مع الذراعين والمرفقين بادِئًا باليمنى، ثم يمسح جميع رأسه بيديه، ويمسح أذنيه، ثم يغسل رجليه مع الكعبين بادِئًا باليمنى.

وإذا خرج من الإنسان بعدما يتطهر بول أو براز أو ريح أو زال عقله بنوم أو إغماء؛ فإنه يُعيد التطهر إذا أراد الصلاة، وإن كان المسلم جنبًا قد خرج منه المني بشهوة ولو في المنام ذكرًا أو أنثى، فإنه يتطهر بغسل جميع جسده من الجنابة، والمرأة إذا طَهُرَت من الحيض أو النفاس وجبَّ عليها أن تتطهر بغسل جميع جسدها؛ لأن الحائض والنفساء لا تصح صلاتهما، ولا تجبُّ عليهما الصلاة حتى تطهرا، وقد خَفَّف الله عنهما فأسقط عنهما قضاء ما فاتهما أيام الحيض والنفاس، أما ما عدا ذلك فيجب عليهما قضاء ما فاتهما كالرجل.

ومن عَدِمَ الماء، أو كان يضره استعماله، كالمريض فإنه يتطهر بالتيمم، وصفة التيمم: ينوي الطهارة في قلبه، ويسمي الله ثم يضرب بيديه على التراب ضربة واحدة، ويمسح بهما وجهه، ثم يمسح ظهر اليد اليمنى ببطن اليد الشمال، ويمسح ظهر الشمال ببطن اليمنى، وبذا يكون قد تطهر، وهذا التيمم لكلٍّ من الحائض والنفساء إذا طَهُرَتا، وللجنب ولمن يريد الوضوء عند فَقْدِ الماء أو الخوف من استعماله.

 ثانيًا: صفة الصلاة:

1 - صلاة الفجر:

ركعتان يتوجه المسلم ذكرًا أو أنثى نحو القبلة، وهي الكعبة التي في المسجد الحرام في مكة، وينوي في قلبه أن يصلي صلاة الفجر-الصبح-، ولا يتلفظ بالنية، ثم يُكَبِّر قائلاً: "الله أكبر". ثم يقرأ دعاء الاستفتاح؛ ومنه: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك"، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ فاتحة القرآن، وهي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)[الفاتحة:1-7].

ولا بد أن يقرأ القرآن باللغة العربية( ) مع الاستطاعة، ثم يقول: "الله أكبر" ويركع فيخفض رأسه وظهره، ويجعل باطن كفيه على ركبتيه ثم يقول: "سبحان ربي العظيم". ثم يرفع قائلًا: "سَمِعَ اللهُ لمن حمده"، فإذا وقف قائِمًا قال: "ربنا ولك الحمد"، ثم يقول: "الله أكبر" ويسجد على الأرض على أطراف أصابع رجليه وركبتيه ويديه وجبهته وأنفه، ثم يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى"، ثم يجلس قائلًا: "الله أكبر"، ويقول إذا جلس: "ربِّ اغفر لي"، ثم يقول: "الله أكبر" ويسجد على الأرض ثانية، ويقول: "سبحان ربي الأعلى"، ثم يقوم قائمًا قائلًا: "الله أكبر"، ثم يقرأ الفاتحة، وهي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخرها كما تقدم في الركعة الأولى، ثم يكبر ويركع، ثم يرفع، ثم يسجد، ثم يجلس، ثم يسجد ثانية قائلاً في تلك المواضع مثل ما قاله في المرة الأولى.

ثم يجلس ويقول: "التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد "، ثم يلتفت إلى يمينه قائلًا: "السلام عليكم ورحمة الله"، ثم يلتفت عن شماله قائلًا: "السلام عليكم ورحمة الله"؛ وبذا تمت صلاة الصبح.

أما صلاة الظهر والعصر والعشاء الآخرة:

فإن كل واحدة منها أربع ركعات يصلي الركعتين الأوليين مثلما صلى ركعتي الفجر، ولكنه إذا جلس بعدهما للتشهد وقال مثل ما قاله في جلوسه قبل السلام، لا يُسَلِّم بل يقوم ويأتي بركعتين مثل الأوليين، ثم يجلس مرة ثانية للتشهد، ويقول ما قاله في جلوسه الأول، ويصلي على النبي محمد، ثم يُسَلِّمُ عن يمينه، ثم عن شماله، كما سلَّمَ في صلاة الفجر.

أما صلاة المغرب:

فهي ثلاث ركعات، يصلي الركعتين الأوليين مثلما تقدّم، ثم يجلس ويقول ما قاله في جلوسه للصلوات الأخرى، ولكنه لا يسلِّم، بل يقوم ويأتي بركعة ثالثة، يقول ويفعل فيها مثلما قاله وفعله فيما قبلها، ثم يجلس بعدما يسجد السجدة الثانية، ويقول في جلوسه ما قاله في جلوس كل صلاة، ثم يسلِّم عن يمينه، ثم عن شماله. وإذا كَرَّرَ المصلي ما يقوله في ركوعه وسجوده فهو أفضل.

والرجال يجب عليهم أن يصلُّوا هذه الفرائض الخمس جماعة في المسجد يتقدمهم إمام، يكون أحسنهم قراءة للقرآن، وأعرفهم بالصلاة، وأصلحهم في دينه، ويجهر الإمام بالقراءة في قيامه قبل الركوع في صلاة الفجر، وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، ويستمع له من خلفه.

والنساء تصليها في البيوت بتستر وتحفظ، تستر جميع جسمها حتى اليدين والقدمين؛ لأنها كلها عورة إلا وجهها، وتُؤمر بتغطيته عن الرجال؛ لأنه فتنة تُعرف به فتُؤذى، وإذا رغبت المسلمة أن تصلي في المسجد فلا مانع على شرط أن تخرج متسترة وغير متطيبة، وتصلي خلف الرجال؛ لكي لا تفتنهم، ولا تُفتتن بهم.

وعلى المسلم أن يصلي لله بخشوع وخضوع وقلب حاضر، ويطمئن في قيامه وركوعه وسجوده، ولا يسرع، ولا يعبث، ولا يرفع بصره إلى السماء، ولا يتكلم بغير القرآن، وأذكار الصلاة كل شيء في موضعه( )؛ لأن الله تعالى أمر بالصلاة لذكره.

وفي يوم الجمعة يصلي المسلمون صلاة الجمعة ركعتين، يجهر الإمام فيهما بالقراءة، مثل صلاة الفجر، ويخطب قبلها خطبتين يُذكِّرُ فيهما المسلمين، ويعلمهم أمور دينهم، ويجب على الرجال حضورها مع الإمام، وهي صلاة ظهر يوم الجمعة.

***

 الركن الثالث من أركان الإسلام (الزكاة)

وقد أمر الله كل مسلم يملك مالًا يبلغ النصاب( ) أن يُخرج زكاة ماله كل عام، فيعطيها لمستحقيها من الفقراء وغيرهم ممن يجوز دفع الزكاة لهم، كما هو مبين في القرآن.

ونِصاب الذهب عشرون مثقالًا، ونِصاب الفضة مائتا درهم أو ما يعادل ذلك من عملة الورق، وعروض التجارة وهي البضائع بأنواعها إذا بلغت قيمتها نِصابًا وَجَبَ على مالكها أن يخرج زكاتها إذا مضى عليها سنة، ونصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والعقار المعَدُّ للبيع تُزَكَّى قيمته، والمعَدُّ للأجرة فقط تُزَكَّى أجرته، ومقدار الزكاة في الذهب والفضة وعروض التجارة ربع العشر 2.5% في كل عام، وفي الحبوب والثمار 10% فيما سُقِيَ بدون مشقة كالذي يُسْقَى بماء الأنهار أو العيون الجارية أو الأمطار، ونصف العشر 5% فيما سُقِيَ بمشقة كالذي يُسْقَى بالروافع.

ووقت إخراج زكاة الحبوب والثمار حصادها، فلو حصدها في السنة مرتين أو ثلاثًا لوجب عليه أن يزكيها لكل مرة. وفي الإبل والبقر والغنم زكاةٌ مُبَيَّنةٌ مقاديرها في كتب أحكام الإسلام فلتراجع؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:5]؛ وفي إخراج الزكاة تطييبٌ لنفوس الفقراء وسدٌّ لحاجتهم وتقوية لروابط المحبة بينهم وبين الأغنياء.

ولم يقف الدين الإسلامي في مسألة التكافل الاجتماعي والتعاون المالي بين المسلمين عند حد الزكاة، بل أوجب الله على الأغنياء إعالةَ الفقراء في حالة المجاعة، وحَرَّمَ على المسلم أن يشبع وجاره جائع، وأوجب على المسلم زكاة الفطر، يخرجها يوم عيد الفطر، وهي صَاعٌ من الطعام المأكول في البلد عن كل نفس حتى الطفل والخادم يُخْرِجُ عنه وَلِيُّه، وأوجب الله على المسلم أن يدفع كفارة اليمين( ) إذا حلف أن يفعل شيئًا فلم يفعله، وأوجب الله على المسلم أن يفي بالنذر المشروع، وحثَّ الله المسلم على صدقة التطوع، ووعد المنفقين في سبيله في أوجه البرِّ بأفضل الجزاء، ووعدهم بأن يُضاعِفَ لهم الأجر أضعافًا كثيرة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.

*** 

 الركن الرابع من أركان الإسلام (الصيام)

صيام شهر رمضان، وهو الشهر التاسع من أشهر السنة الهجرية.

•        صفة الصيام:

ينوي المسلم الصيام قبل أن يتبيّن الصبح، ثم يُمسك عن الأكل والشرب والجماع-الاتصال الجنسي-حتى تغيب الشمس ثم يُفطر، يفعل ذلك مدة أيام شهر رمضان؛ يريد بذلك رضا الله تعالى وعبادته.

وفي الصوم من المنافع ما لا يُحصى، فأهم منافعه:

- أنه عبادة لله وامتثال لأمره، يترك العبد شهوته وطعامه وشرابه من أجل الله، فهو من أعظم أسباب تقوى الله تعالى.

- وأما منافع الصيام الصحية والاقتصادية والاجتماعية فكثيرة جدًّا، لا يدركها إلا الصائمون عن عقيدة وإيمان؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)[البقرة:183-185].

ومن أحكام الصيام التي بيَّنها الله تعالى في القرآن، وبيَّنها رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث

1-      أن المريض والمسافر يفطران ويقضيان الأيام التي أفطراها، من أيام أُخَرَ بعد رمضان. وكذا الحائض والنفساء لا يصح صومهما بل تفطران أيام الحيض والنفاس، وتقضيان الأيام التي أفطرتاها.

2-      وكذا الحامل والمُرْضِع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما فإنهما تفطران وتقضيان.

3-      ولو أكل الصائم أو شرب ناسيًا ثم ذكر فإن صيامه صحيح؛ لأن النسيان والخطأ والإكراه قد عفا الله عنه لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ويجب أن يخرج ما في فمه.

*** 

 الركن الخامس من أركان الإسلام (الحجّ)

وهو حجُّ بيت الله الحرام مرة في العمر، وما زاد فهو تطوع، وفي الحجِّ من المنافع ما لا يُحصى:

فأولها: أنه عبادة لله تعالى بالروح والجسم والمال.

وثانيها: أن فيه اجتماع المسلمين من كل مكان، يلتقون في مكان واحد، ويلبسون زيًّا واحدًا، ويعبدون ربًّا واحدًا في وقت واحد، لا فرق بين رئيس ومرؤوس، وغني وفقير، وأبيضَ وأسودَ، الكل خَلْقُ الله وعباده، فيحصل للمسلمين التعارف والتعاون، ويتذكرون يوم يبعثهم الله جميعًا ويحشرهم في صعيد واحد للحساب؛ فيستعدون لما بعد الموت بطاعة الله تعالى.

والقصد من الطواف حول الكعبة-قبلة المسلمين-التي أمرهم الله بالتوجه إليها في كل صلاة أينما كانوا، والقصد من الوقوف بالأماكن الأخرى في مكة في أوقاتها المحددة لها، وهي: عرفات ومزدلفة والإقامة بمنى؛ القصد من ذلك هو عبادة الله تعالى في تلك الأماكن المقدسة على الهيئة التي أمر الله بها.

أما الكعبة نفسها وتلك الأماكن وجميع المخلوقات فإنها لا تُعْبَدُ، ولا تنفع ولا تضر، وإنما العبادة لله وحده، والنافع الضار هو الله وحده، ولو لم يأمر الله بحج البيت لما صَحَّ للمسلم أن يحج!؛ لأن العبادة لا تكون بالرأي والهوى، وإنما بموجب أمر الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:97] ( ).

والعمرة واجبة على المسلم مرة في العمر سواء مع الحج أو في أي وقت، وزيارة مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة ليست واجبة مع الحج ولا في أي وقت، وإنما هي مستحبة يُثاب فاعلها، ولا يُعاقب تاركها. وأما حديث «من حج فلم يزرني فقد جفاني»، فليس بصحيح بل هو مكذوب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( ).

والزيارة التي يسافر من أجلها تشرع للمسجد، فإذا وصل إليه الزائر وصلى فيه التحية، شرع له حينئذ زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ويسلِّمُ عليه قائلاً: "السلام عليك يا رسول الله"، بأدب وخفض صوت، ولا يطلب منه شيئًا بل يسلم وينصرف؛ كما أمر -صلى الله عليه وسلم- أمته بذلك، وكما هو فعل الصحابة -رضي الله عنهم- .

أما الذين يقفون عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ، بخشوع كحال وقوفهم في الصلاة، ويطلبون منه حوائجهم أو يستغيثون به أو يتوسطون به عند الله، فهؤلاء مشركون بالله تعالى والنبي -صلى الله عليه وسلم- بريء منهم. فليحذر كل مسلم من فعل ذلك مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أو مع غيره، ثم يزور قبري صاحبيه أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- ثم يزور أهل البقيع والشهداء، الزيارة الشرعية لأهل القبور المسلمين، وهي التي يُسَلِّمُ فيها الزائر على الأموات ويدعو الله لهم ويتذكر الموت وينصرف.

وهذه صفة الحج والعمرة:

يختار الحاج أولًا النفقة الطيبة الحلال، ويتجنب المسلم المكاسب المحرمة؛ لأن النفقة الحرام سبب لرد حجّ صاحبها ودعائه، وقد جاء في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- : «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ »( )، ويختار الرفقة الصالحة أهل التوحيد والإيمان.

***

•        المواقيت

فإذا وصل إلى الميقات أَحْرَمَ منه، إن كان في سيارة ونحوها، وإن كان في الطائرة أَحْرَمَ إذا قَرُبَ منه قبل أن يتجاوزه. والمواقيت التي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس أن يحرموا منها خمسة، وهي:

1-      ذو الحليفة (أبيار علي) لأهل المدينة.

2-      الجحفة (قرب رابغ) وهو لأهل الشام ومصر والمغرب.

3-      قرن المنازل (السيل أو وادي محرم) لأهل نجد والطائف ومن في جهتهم.

4-      ذات عرق (لأهل العراق).

5-      يلملم لأهل اليمن.

ومن مَرَّ على هذه المواقيت من غير أهلها فهي ميقات له يُحرم منها. وأهل مكة والذين منازلهم دون المواقيت يُحْرِمُونَ من منازلهم.

***

•        صفة الإحرام

يُستحب أن يتنظف ويتطهر ويتطيب قبل الإحرام، ثم يلبس لِباسَ الإحرام في الميقات، وراكب الطائرة يتهيّأ في بلده، ثم يعقد النية ويُلبي( ) إذا قرب من الميقات أو حاذاه، ولباس الإحرام بالنسبة للرجل إزار ورداء غير مخيطين يلفهما على جسده ولا يغطي رأسه. أما المرأة فليس لإحرامها لباس مُعين، وإنما يجبُ عليها دائمًا أن تلبس الثياب الواسعة الساترة التي لا فتنةَ فيها في أي حال يراها الناس، ولا تلبس إذا أحرمت مخيطًا على وجهها ويديها، كالبرقع والقفازين، وإنما تغطي وجهها إذا رأت الرجال بطرف خمارها الذي على رأسها، كما هو فعل أمهات المؤمنين ونساء أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- .

ثم بعدما يلبس الحاج لباس الإحرام ينوي في قلبه العمرة، ثم يلبي بها قائلاً: "اللهمَّ لبيك عمرة"، ويتمتع( ) بها إلى الحج، والتمتع هو الأفضل لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر به أصحابه وألزمهم به، وغضب على من تردد في تنفيذ أمره، إلا الذي معه هدي( ) فإنه يبقى قارنًا كفعله -صلى الله عليه وسلم- ، والقارن: هو الذي يقول في تلبيته: " اللهمَّ لبيك عمرة وحجًّا"، ولا يحل إحرامه حتى ينحر هديه يوم عيد النحر.

والمُفْرِد: ينوي الحج فقط ويقول: " اللهمَّ لبيك حجًّا"

***

•        الأمور المُحَرَّمة على المُحْرِم

وإذا عقد المسلم النية بالإحرام حَرُم عليه:

1-      الجماع ودواعيه كالقُبْلَةِ واللمس بشهوة، والكلام بذلك، وخطبة المرأة، وعقد النكاح، فالمحرم لا يتزوَّج ولا يُزوِّج.

2-      حلق الشعر أو أخذ شيء منه.

3-      تقليم الأظافر.

4-      تغطية رأس الرجل بملاصق، أما الاستظلال بالشمسية والخيمة والسيارة فلا مانع.

5-      التطيب وشم الطيب.

6-      صيد البر فلا يصيده ولا يدل عليه.

7-      لبس الرجل الشيء المخيط، ولبس المرأة لشيء مخيط على وجهها ويديها، ويلبس الرجل النعلين فإن لم يجد يلبس الخفين.

ولو فعل شيئًا من هذه المحظورات جاهلاً أو ناسيًا أزاله ولا شيء عليه.

فإذا وصل المحرم إلى الكعبة طاف بها طواف القدوم( ) سبعة أشواط، يبدأ من محاذاة الحجر الأسود، وهذا هو طواف عمرته، وليس للطواف دعاء مخصوص بل يذكر الله ويدعو بما تيسر له( )، ثم يصلي ركعتي الطواف خلف المقام( ) إن تيسر وإلا في أي مكان من الحرم، ثم يخرج إلى المسعى( ) فيبدأ بالصفا ويرقى عليه، ويتوجه إلى القبلة، ويكبر ويهلل ويدعو، ثم يسعى إلى المروة ويرقى عليها ويتوجه إلى القبلة ويكبر، ويذكر الله ويدعو، ثم يعود إلى الصفا حتى يكمل سبعة أشواط، ذهابه شوط ورجوعه شوط، ثم يقصر شعر رأسه، والمرأة تأخذ من أطراف شعرها بقدر طرف الأصبع، وبهذا انتهى المتمتع من عمرته وحَلَّ إحرامه، وحَلَّ له كلُّ شيء حَرُمَ عليه بالإحرام.

ولو حاضت المرأة أو ولدت قبل الإحرام أو بعده فإنها تصير قارنةً، تلبي بعمرة وحج بعدما تحرم كغيرها من الحجاج؛ لأن الحيض والنفاس لا يمنعان الإحرام، ولا الوقوف بالمشاعر، إنما يمنعان الطواف بالبيت فقط، فتعمل كل ما يفعله الحجاج إلا الطواف، فإنها تؤخره حتى تطهر، فإن طهرت قبل إحرام الناس بالحج وخروجهم إلى مِنَى، فإنها تغتسل وتطوف وتسعى وتقصر شعرها وتحل إحرام عمرتها، ثم تُحرم مع الناس بالحج إذا أحرموا في اليوم الثامن، وإن أحرم الناس بالحج قبل أن تطهر، فإنها تصير قارنة، تلبي معهم وهي على إحرامها، وتفعل كل ما يفعله الحجاج من الخروج إلى منى، والوقوف بعرفات ومزدلفة، والرمي والنحر والتقصير من رأسها يوم عيد النحر، فإذا طهرت اغتسلت وطافت طواف الحج، وسعت سعي الحج.

وهذا الطواف والسعي كافيان لحجها وعمرتها، وكما حصل ذلك لعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- وأخبرها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن طوافها وسعيها بعد الطهر يكفيانها لحجها وعمرتها لما طافت مع الناس طواف الإفاضة وسعت، لأن القارن بين العمرة والحج كالمفرد ليس عليه إلا طواف واحد( ) وسعي واحد؛ لتصريح الرسول -صلى الله عليه وسلم- لها بذلك ولفعله، ولقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الآخر: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. والله أعلم.

فإذا جاء اليوم الثامن من شهر ذي الحجة أحرم الحجاج من منازلهم بمكة بالحج، مثلما أحرموا من الميقات يتنظفون، ثم يلبسون لباس الإحرام، ثم ينوي الحاج رجلاً أو امرأة الحج، ثم يلبي به قائلاً: «اللهم لبيك حجًّا» ويجتنب محظورات الإحرام المتقدمة حتى يرجع من مزدلفة إلى منى في يوم النحر( )، ويرمي جمرة العقبة ويحلق الرجل رأسه والمرأة تقصره.

فإذا أحرم الحاج في اليوم الثامن خرج مع الحجاج إلى منى، وبات فيها وصلى فيها كل صلاة في وقتها قصرًا بدون جمع، فإذا طلعت شمس يوم عرفة توجه مع الحجاج إلى نمرة، وجلس بها حتى يصلي مع الإمام أو في المكان الذي هو فيه جماعة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ثم يتوجه بعد الزوال إلى عرفة فإن توجه من منى إلى عرفة رأسًا وجلس بها جاز، وعرفة كلها موقف.

ويُكثر الحاج في عرفة من ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار، ويتوجه إلى القبلة لا إلى الجبل؛ لأن الجبل ما هو إلا جزء من عرفات لا يصح صعوده تعبدًا، ولا يجوز التمسح بأحجاره؛ فإن هذا بدعة محرمة.

ولا ينصرف الحاج من عرفة حتى تغيب الشمس، ثم بعد مغيب الشمس ينصرف الحجاج إلى مزدلفة، فإذا وصلوا إليها صلوا فيها المغرب والعشاء جمع تأخير وقصروا العشاء وباتوا بها، فإذا طلع الفجر صلوا الفجر وذكروا الله، ثم توجهوا إلى منى قبل طلوع الشمس، فإذا وصلوا إلى منى رموا جمرة العقبة بعد طلوع الشمس بسبع حصيات تشبه الحمص لا كبيرة ولا صغيرة، ولا يجوز رميها بالنعال؛ لأن هذا تلاعب يزينه الشيطان، وإرغام( ) الشيطان في: اتباع أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهديه، وترك ما نهى الله عنه ورسوله.

ثم بعد الرمي ينحر الحاج هديه، ثم يحلق رأسه، والمرأة تقصره. وإن قصر الرجل جاز؛ لكن الحلق أفضل ثلاث مرات، ثم يلبس ثيابه وقد حلّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ثم يفيض إلى مكة ويطوف طواف الحج ويسعى، وبهذا قد حلّ له كل شيء حتى الزوجة، ثم يرجع إلى منى فيقيم بها باقي يوم العيد ويومين بعده مع ليلتيهما يبيت في منى وجوبًا، ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر والثاني عشر بعد زوال الشمس، يبدأ بالصغرى التي تلي منى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة التي رماها يوم العيد، كل واحدة يرميها بسبع حصيات، يُكَبِّرُ مع كل حصاة، وحصى الجمار يأخذه من منزله( ) في منى. ومن لم يجد مكانًا في منى نزل حيث تنتهي الخيام.

فإذا أراد الانصراف من منى بعدما يرمي في اليوم الثاني عشر فله ذلك، وإن تأخر إلى اليوم الثالث عشر فهو أفضل ويرمي بعد الزوال، فإذا أراد السفر طاف طواف الوداع بالبيت، ثم سافر بعده مباشرة، والمرأة الحائض والنفساءُ إذا كانت قد طافت طواف الحج وسعت ليس عليها طواف وداع.

ولو أخّر الحاج ذبح الهدي إلى اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر جاز له ذلك، ولو أخّر طواف الحج والسعي حتى ينزل من منى جاز له ذلك؛ ولكن الأفضل ما تقدّم بيانه.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلم.

*** 

الإيمان

لقد أوجب الله تعالى على المسلم أن يؤمن إلى جانب الإيمان به وبرسوله -صلى الله عليه وسلم- وبأركان الإسلام، أوجب عليه أن يؤمن بملائكته( )، وكتبه( ) التي أنزلها على رسله، والتي ختمها بالقرآن، ونسخها به، وجعله مهيمنًا عليها، وأن يؤمن برسل الله من أولهم إلى آخرهم محمد -صلى الله عليه وسلم- ؛ لأن رسالتهم واحدة ودينهم واحد وهو الإسلام، ومُرْسِلَهم واحدٌ وهو الله رب العالمين. فيلزم المسلم أن يؤمن بأن الرسل الذين ذكرهم الله في القرآن رسل الله إلى أممهم الماضية، ويؤمن بأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خاتمهم، ورسول الله إلى الناس أجمعين وأن الناس بعد بعثته كلهم أمة له حتى اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الديانات الأخرى؛ لأن جميع من في الأرض أمة لمحمد ملزمون من عند الله باتباعه.

وموسى وعيسى وجميع الرسل بريئون ممن لا يتبع محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ، ويدخل في الإسلام؛ لأن المسلم مؤمن بجميع الرسل ومتبع لهم، ومن لم يؤمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ويتبعه ويدخل في دين الإسلام فهو كافر بجميع الرسل مُكذّب لهم، ولو ادّعى أنه متبع لأحدهم، وقد تَقَدَّمت الأدلّة على ذلك من كلام الله تعالى في الفصل الثاني.

وقال الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»( ).

ويجب على المسلم أن يؤمن بالبعث بعد الموت والحساب والجزاء والجنة والنار، ويجب عليه أن يؤمن بقدر الله تعالى.

ومعنى الإيمان بالقدر:

أن يعتقد المسلم بأن الله تعالى قد علم كل شيء، وعلم أفعال العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض، وكتب ذلك العلم في اللوح المحفوظ عنده، ويعلم المسلم بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن الله تعالى خلق العباد لطاعته وبيّنها لهم وأمرهم بها ونهاهم عن معصيته، وبيّنها لهم وجعل لهم القدرة والمشيئة التي يتمكنون بها من فعل أوامر الله؛ فيحصل لهم الثواب، ومن فعل معاصيه فيستحقون العقاب.

ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى وأما الأقدار التي لم يجعل الله لعباده فيها مشيئة ولا اختيارًا، وإنما يجريها عليهم على الرغم من إرادتهم مثل الخطأ والنسيان، وما استُكْرِهُوا عليه، ومثل الفقر والمرض والمصائب ونحو هذا، فإنَّ الله لا يُؤَاخِذُ على ذلك ولا يعاقب عليه الإنسان بل يأجره على المصائب والفقر والمرض إذا صبر ورضي بقدر الله أجرًا عظيمًا.

كل هذا الذي تقدم يجب على المسلم أن يؤمن به.

وأعظم المسلمين إيمانًا بالله وأقربهم منه وأعلاهم منزلة في الجنة (المحسنون)، الذين يعبدون الله ويعظمونه ويخشعون له كأنهم يرونه، ولا يعصونه في سرهم وعلانيتهم، ويعتقدون أنه يراهم أينما كانوا، ولا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأقوالهم ونياتهم، فيطيعون أمره، ويتركون معصيته، وإذا وقع من أحدهم خطيئة-مخالفة لأمر الله-؛ تاب إلى الله منها توبة صادقة وعاجلة وندم على خطيئته، واستغفر الله ولم يعد؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل:128].

***

كمال دين الإسلام

قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:3]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:9]، وقال الله -عز وجل- عن القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:89].

وفي الحديث الصحيح قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ»( )،

وقال -صلى الله عليه وسلم- : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»( ).

•        وفي الآيات المتقدمة:

يخبر الله تعالى في الآية الأولى أنه أكمل للمسلمين دينهم الإسلام، فلا نقص فيه أبدًا ولا يحتاج إلى زيادة أبدًا، فهو صالح لكل زمان ومكان وأمة، ويخبر أنه أَتَمَّ نعمته على المسلمين بهذا الدين العظيم الكامل السمح، وبرسالة خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وبإظهار الإسلام ونصر أهله على من عاداهم، ويخبر أنه رضي الإسلام للناس دينًا، فلا يسخطه أبدًا ولا يقبل من أحد دينًا سواه أبدًا.

وفي الآية الثانية يخبر الله تعالى أن القرآن العظيم منهاج كامل فيه البيان الحق الشافي لأمور الدين والدنيا، فلا خير إلا دَلّ عليه، ولا شرّ إلا حَذَّر منه، وكل مسألة وكل مشكلة قديمة أو حاضرة أو مستقبلة فإن الحلَّ الصحيح العادل لها في القرآن، وكل حلٍّ لها يُخالف حلَّ القرآن فهو جهل وظلم.

فالعلم والعقيدة والسياسة ونظام الحكم والقضاء وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد ونظام العقوبات وغير ذلك مما يحتاج إليه البشر، كل ذلك قد بيّنه الله في القرآن، وعلى لسان رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أكمل بيان؛ كما أخبر الله تعالى بذلك في الآية المذكورة ، حيث أخبر أن: ﴿(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)[النحل:89].

وفي الفصل الآتي بيان مفصل موجز لكمال دين الإسلام ولمنهجه الشامل الكامل القويم.

***

  الفصل الرابع  منهاج الإسلام

 أولًا: في العلم:

أول واجب أمر الله به الإنسان أن يتعلم العلم؛ قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:19]، وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:11] وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:7]. وقال خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ»( )، وقال -صلى الله عليه وسلم- : «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ»( ).

والعلم في الإسلام ينقسم إلى أقسام من حيث لزومه:

فالقسم الأول: فرض لازم على كل إنسان، ذكرًا أو أنثى، لا يُعذر أحدٌ في الجهل به، وهو معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- ، ومعرفة ما يلزم من دين الإسلام( ).

القسم الثاني: فرض كفاية إذا قام به من يكفي، سقط الإثم عن الباقين، وصار في حقّ الباقين مستحبًّا لا واجبًا، وهو العلم بأحكام الشريعة الإسلامية التي تؤهل صاحبها للتدريس وللقضاء والإفتاء، وكذا العلم بما يحتاج إليه المسلمون من الصناعات والمهن اللازمة لشؤون حياتهم. فيلزم ولي أمر المسلمين إذا لم يوجد من يكفي، أن يعمل على إيجاد علماء تحصل بهم كفاية المسلمين فيما هو ضروري لحياتهم.

 ثانيًا: في العقيدة:

أمر الله سبحانه رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يعلن للناس جميعًا أنهم عبيد الله وحده، يجب عليهم أن يعبدوه وحده، وأمرهم أن يرتبطوا بالله مباشرةً وبدون واسطة في عبادتهم له، كما تقدّم بيان ذلك في معنى: "لا إله إلا الله"، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وحده، وألا يخافوا إلا منه، ولا يرجوا إلا هو وحده( )؛ لأنه وحده النافع الضار، وأن يصفوه بصفات الكمال التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، كما تقدّم بيانه.

 ثالثًا: في الرابطة بين الناس:

أمر الله المسلم أن يكون إنسانًا صالحًا، يسعى لإنقاذ البشرية من ظلام الكفر إلى نور الإسلام؛ ولهذا قمت بتأليف هذا الكتاب ونشره تأدية لبعض الواجب.

وأمر الله أن تكون الرابطة التي تربط المسلم بغيره هي رابطة الإيمان بالله، فيحب عباد الله الصالحين المطيعين لله ولرسوله، ولو كانوا من أبعد الناس، ويبغض الكفار بالله والعصاة لله ولرسوله؛ ولو كانوا أقرب الناس، وهذه هي الرابطة التي تجمع بين المفترقين، وتُؤَلِّف بين المختلفين بخلاف رابطة النسب والوطن والمصالح المادية، فإنها سرعان ما تنفصم.

قال الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:22]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13].

يخبر الله سبحانه في الآية الأولى: أن المؤمن بالله لا يحب أعداء الله وإن كانوا أقرب الناس.

ويخبر سبحانه في الآية الثانية: أن أكرم الناس عنده المحبوب لديه هو المطيع له من أي جنس كان ومن أي لون.

وقد أمر الله تعالى بالعدل مع العدو والصديق، وحرّم الظلم على نفسه، وجعله محرّمًا بين عباده وأمر بالأمانة والصدق، وحرّم الخيانة، وأمر ببرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء، والمشاركة في الأعمال الخيرية، وأمر بالإحسان إلى كل شيء حتى الحيوان، فقد حَرَّم الله تعذيبه، وأمر بالإحسان إليه( ).

أما الحيوانات الضارة كالكلب العقور( ) والحية والعقرب والفأرة والحدأة والوزغ فإنها تقتل؛ لمنع شرها ولا تعذب.

 رابعًا: في المراقبة والواعظ القلبي للإنسان المؤمن:

جاءت الآيات في القرآن العظيم تبيّن للناس أن الله يراهم أينما كانوا، وأنه يعلم جميع أعمالهم، ويعلم نواياهم، وأنه يُحصي عليهم أعمالهم وأقوالهم، وملائكته ملازمون لهم يكتبون كل ما يصدر منهم في السر والعلانية، وأن الله سوف يحاسبهم على كل ما يفعلون ويقولون، وحذرهم عقابه الأليم إذا عصوه في هذه الحياة، وخالفوا أمره، فصار ذلك أكبر زاجرٍ للمؤمنين بالله يمنعهم من الوقوع في معاصيه؛ فيتركون الجرائم والمخالفات خوفًا من الله تعالى.

أمَّا الذي لا يخاف الله ويرتكب المعاصي إذا قدر عليها فقد جعل الله له حدًّا يردعه في هذه الحياة، وهو: أمر الله المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر؛ فيشعر كل مسلم أنه مسؤول أمام الله عن كل خطيئة يرى غيره يفعلها، حتى ينهاه عن فعلها بلسانه إذا لم يقدر على منعه بيده. وأمر الله وليّ أمر المسلمين( ) أن يقيم حدود الله على المخالفين، وهي عقوبات على قدر جرائم أصحابها، بَيَّنها الله تعالى في القرآن، وبَيَّنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديثه، وأمر بتطبيقها على المجرمين؛ وبذا ينتشر العدل والأمن والرخاء.

 خامسًا: في التكافل والتعاون الاجتماعي:

أمر الله المسلمين بالتعاون فيما بينهم ماديًّا ومعنويًّا، كما تقدّم بيان ذلك في باب الزكاة والصدقات، وحَرَّمَ الله تعالى على المسلم أن يؤذي الناس بأي نوع من أنواع الأذى، حتى الأذى في الطريق حَرَّمَه الله، وأمر المسلم أن يزيله إذا رآه ولو كان الذي وضعه غيره، ووعده الأجر على ذلك، كما توعد المؤذي بالعقاب.

وفرض الله على المؤمن أن يحب لأخيه كما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:2]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:10]، وقال تعالى: ﴿ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:114] ، وقال الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»( )، وقال -صلى الله عليه وسلم- في خطبه العظيمة( ) التي ألقاها في آخر حياته في حجة الوداع، مؤكدًا بها ما أمر به من قبل: وروى أحمد «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ ؟» قَالُوا : بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- .( ) وقال -صلى الله عليه وسلم- -أيضًا-: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلا هَلْ بَلَّغْتَ؟». قالوا: نعم. فرفع أصبعه إلى السماء، وقال: «اللهُمَّ اشْهَدْ»( ).

 سادسًا: في السياسة الداخلية:

أمر الله المسلمين أن يُولّوا على أنفسهم إمامًا يُبايعونه بالإمارة، وأمرهم أن يجتمعوا ولا يتفرقوا فيكونوا أمة واحدة، وأمرهم الله بطاعة إمامهم وأمرائهم إلا إذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وأمر الله المسلم-إذا كان في بلد لا يقدر فيها على إظهار دين الإسلام، والدعوة إليه- أمره( ) أن يهاجر منها إلى بلاد الإسلام، وهي التي يُحكم فيها في جميع الأمور بالشريعة الإسلامية، ويحكمها إمام مسلم بما أنزل الله.

 فالإسلام لا يعترف بالحدود الإقليمية والجنسيات القومية أو الشعوبية، وإنما جنسية المسلم هي الإسلام، والعباد عباد الله، والأرض أرض الله، يتنقل فيها المسلم بدون معارض، شريطة أن يلتزم شريعة الله، وإذا خالفها في شيء يجري عليه حكم الله، وفي العمل بشريعة الله، وإقامة حدوده( ) استتباب الأمن واستقامة الناس، وحقن دمائهم وسلامة أعراضهم، وأموالهم والخير كله. كما أن في العدول عنها الشر كله.

حمى الله تعالى العقول: بتحريم المسكرات والمخدرات والمفترات( )، وجعل حدًّا لشارب المسكر، وهو الجلد من (40-80) جلدة كلما فعل ذلك؛ ردعًا له وصيانةً لعقله وحماية للناس من شرّه.

وحمى الله تعالى دماء المسلمين: بالقصاص من المعتدي بغير حق؛ فيُقتل القاتلُ، وشرع في الجروح القصاص، كما شرع للمسلم الدفاع عن نفسه وعرضه وماله؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:179]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»( ).

وحمى الله أعراض المسلمين: بما شرعه من تحريم التكلم في غيبة المسلم بكلام يكرهه إلا بحق، وبما شرع من حدّ القاذف الذي يرمي المسلم بالجريمة الخُلقية، مثل: الزنا واللواط دون أن يثبت ذلك إثباتًا شرعيًّا.

وحمى الله الأنساب من الاختلاط غير المشروع( )، وحمى الأعراض أن تدنس بالجريمة الخُلقية بتحريم الزنا تحريمًا كبيرًا واعتباره من أكبر الكبائر: وجعل عقوبة رادعة على فاعله إذا توافرت شروط إقامة حد الزنا عليه.

وحمى الله الأموال: بتحريم السرقة والغش والقِمار والرشوة وغير ذلك من المكاسب المحرمة، وبما شرعه من عقوبة السارق وقاطع الطريق العقوبة الرادعة، وهي القطع إذا توافرت شروطه أو عقابه بما يردعه، إذا لم تتوافر الشروط مع ثبوت السرقة.

 والذي شرع هذه الحدود هو الله العليم الحكيم، وهو أعلم بما يصلح أحوال خلقه، وهو بهم أرحم، وقد جعل هذه الحدود كفارةً لذنوب المجرمين من المسلمين، وحماية للمجتمع من شرهم وشر غيرهم. والذي يعيبون قتل القاتل وقطع يد السارق من أعداء الإسلام وأدعيائه إنما يعيبون قطع عضو مريض فاسد إذا لم يقطع سرى فساده في المجتمع بأسره( )، وفي الوقت نفسه يستحسنون قتل الأبرياء من أجل أغراضهم الظالمة.

 سابعًا: في السياسة الخارجية:

أمر الله المسلمين وولاة أمورهم أن يدعو غير المسلمين إلى الإسلام؛ لينقذوهم به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بالله، ومن شقاء الانغماس في ماديات هذه الحياة الدنيا والحرمان من السعادة الروحية التي ينعم بها المسلمون حقًّا. فأمْرُ اللهِ هذا للمسلم، هو: أن يكون إنسانًا صالحًا ينفع جميع بني الإنسان بصلاحه، ويسعى لإنقاذ البشر جميعًا، بخلاف المناهج البشرية؛ فإنها تطلب من الإنسان أن يكون مواطنًا صالحًا فقط، وهذا من الأدلة على فسادها ونقصها، وعلى صلاح الإسلام وكماله.

وأمر الله المسلمين أن يُعدّوا لأعداء الله ما استطاعوا من قوة، ليحموا بها الإسلام والمسلمين، وليرهبوا بها عدو الله وعدوهم. كما أباح الله للمسلمين أن يعقدوا المعاهدات مع غير المسلمين، إذا دعا الأمر إلى ذلك على ضوء الشريعة الإسلامية، وحرم الله على المسلمين نقض العهد الذي يبرمونه مع عدوهم إلا إذا بدأ العدو بنقضه، أو فعل ما يوجب ذلك، فإنهم يشعرونه بالنقض.

 وقبل بدء القتال مع غير المسلمين أمر الله المسلمين أن يدعوا أعداءهم إلى الدخول في الإسلام أولاً، فإن أبوا طلبوا منهم الجزية والخضوع لحكم الله( )، فإن أبوا كان القتال حتى لا تكون فتنة( ) ويكون الدين كله له.

وفي حال القتال حرم الله على المسلمين قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان الذين في معابدهم، إلا من يشترك مع المقاتلين برأي أو فعل، وأمرهم أن يُعاملوا الأسرى بالإحسان، ومن هذا نفهم أن الغزو في الإسلام لا يراد به السيطرة والاستغلال، وإنما يراد به نشر الحق ورحمة الخلق، وإخراج الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الله الخالق.

 ثامنًا: في الحرية:

أ - حرية العقيدة:

أعطى الله تعالى في دين الإسلام لمن يدخل تحت حكمه من غير المسلمين حرية العقيدة، بعدما يتم بيان الإسلام له، وبعدما يُدعى إليه، فإن اختار الإسلام ففيه سعادته ونجاته، وإن اختار البقاء على دينه فقد اختار لنفسه الكفر والشقاء والعذاب في النار، ويكون بهذا قد قامت عليه الحجة، وليس له عذر أمام الله تعالى وحينئذ يتركه المسلمون على عقيدته على شرط أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، ويخضع لأحكام الإسلام، ولا يتظاهر بشعائر كفره أمام المسلمين.

أما المسلم فلا يُقبل منه بعد الدخول في الإسلام الردة عنه، فلو ارتد فإنما جزاؤه القتل، وذلك لأنه قد أصبح بردته عن الحق بعد معرفته غير صالح للبقاء، إلا أن يتوب إلى الله تعالى ويرجع إلى الإسلام( ).

وإن كانت ردته بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام فيتوب من ذلك الناقض بتركه وبغضه واستغفاره الله تعالى.

ونواقض الإسلام كثيرة؛ أشهرها

الشرك بالله تعالى وهو أن يجعل العبد مع الله إلهًا آخر، ولو باتخاذه واسطة بينه وبين الله يدعوه ويقرّب له، سواء اعترف بألوهيته اسمًا ومعنى لمعرفته بمعنى الإله والعبادة-كمشركي الجاهلية الذين عبدوا أصنامًا ترمز لأناس صالحين طلباً لشفاعتهم-، أم لم يعترف بأنه إله مع الله وأن عبادته إياه عبادة له كالمشركين المنتسبين للإسلام الذين لا يقبلون ممن دعاهم إلى التوحيد، زاعمين أن الشرك هو السجود للصنم فقط، أو أن يقول العبد لشيء غير الله: هذا إلهي.

فهم كمن يشرب الخمر ويسميها بغير اسمها، وقد تقدّم بيان حالهم، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)[الزمر:2-3]، وقال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)[فاطر:13-14]

1-      عدم تكفير المشركين وغيرهم من الكفار: كاليهود والنصارى والملحدين والمجوس والطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ولا يرضون بحكم الله، فمن لم يكفرهم بعد علمه بتفكير الله لهم كفر.

2-      السحر المستلزم للشرك الأكبر فمن فعله أو رضي به بعد علمه بكفر فاعله كفر.

3-      اعتقاد أن شريعة أو نظامًا غير الإسلام أحسن من شريعة الإسلام، أو أن حكم غير النبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن من حكمه، أو أنه يجوز الحكم بغير حكم الله.

4-      بغض الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، أو شيء يعلم أنه من شريعته.

5-      الاستهزاء( ) بشيء يُعلم أنه من دين الإسلام.

6-      الكراهة لانتصار الإسلام، أو المسَرَّة لانخفاضه.

7-      تَوَلِّي الكفار بمحبتهم ونصرتهم وهو يعلم أن متوليهم منهم.

8-      اعتقاد أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وهو يعلم أنه لا يصح لأحد الخروج عنها في أي أمر من الأمور.

9-      الإعراض عن دين الله، فمن أعرض عن الإسلام بعد تذكيره، لا يتعلمه ولا يعمل به كفر.

10-    إنكار حكم من أحكام الإسلام المجمع عليها، ومثله لا يجهل ذلك. والأدلة على هذه النواقض كثيرة في القرآن والسنة.

(ب) حرية الرأي:

وأعطى الله الحرية في الرأي في الإسلام على شرط ألا يتنافى ذلك الرأي مع تعاليم الإسلام، فأمر المسلم أن يقول كلمة الحق أمام كل أحد لا تأخذه في الله لومة لائم، وجعل ذلك من أفضل الجهاد، وأمره أن يناصح ولاة أمور المسلمين، وينهاهم عن المخالفات، وأمره أن يرد على من يدعو إلى الباطل وينهاه، وهذا أعظم وأجمل نظام لاحترام الرأي. أما الرأي المخالف لشريعة الله فلا يُسمح لصاحبه بإظهاره؛ لأنه هدم وفساد ومحاربة للحق.

(جـ) حرية الشخصية:

وأعطى الله في الإسلام حرية الشخصية في حدود الشريعة الإسلامية المُطَهَّرة، فجعل للإنسان-رجلاً أم امرأة- الحرية في تصرفاته فيما بينه وبين الآخرين، كالبيع والشراء، والهبة والوقف والعفو، وجعل لكل من الرجل والمرأة حرية اختيار الزوج، فلا يُكره أحدهما بمن لا يرضاه، وفي حال اختيار المرأة رجلاً ليس مكافئًا لها في الدين، فإنه لا يُسمح لها في ذلك؛ حفاظًا على عقيدتها وشرفها، فهو منع لصالحها هي وأسرتها.

 ووليّ المرأة-وهو أقرب الرجال إليها نسبًا أو وكيله- هو الذي يتولى عقد زواجها؛ لأن المرأة لا تزوج نفسها لما في ذلك من التشبه بالزانية، فيقول للزوج: زوجتك فلانة ويجيبه الزوج بقوله: قبلت هذا الزواج، ويحضر العقد شاهدان.

ولا يسمح الإسلام للمسلم أن يتجاوز الحدَّ الذي شرعه الله له، حيث إنه وجميع ما يملك مِلكٌ لله، فيجب عليه أن يكون تصرفه في حدود شريعة الله التي شرعها رحمة بعباده، من تمسك بها اهتدى وسعد، ومن خالفها شقي وهلك؛ ولذا حَرَّمَ الله الزنا واللواط أشد التحريم، وحَرَّمَ على المسلم الانتحار وتغيير خلق الله الذي خلقه الله عليه.

أما قصّ الشارب وتقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط والختان، فإن الله أمر بذلك.

وحَرَّمَ الله على المسلم أن يتشبه بأعداء الله في الأمور التي من خصائصهم؛ لأن التشبه بهم ومحبتهم في الأمور الظاهرة يؤدي إلى التشبه بهم ومحبتهم في القلب.

والله يريد من المسلم أن يكون مصدرًا للفكر الإسلامي الصحيح، وليس مستوردًا لأفكار البشر وآرائهم. والله يريد للمسلم أن يكون قدوة حسنة لا مقلدًا.

أما فيما يتعلق بالصناعات والخبرات الفنية الصحيحة فإن الإسلام يأمر بتعلمها، والأخذ بها، ولو كان السابق إليها غير مسلم؛ لأن الله هو المُعَلِّمُ للإنسان، قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:5].

وهذا أعلى مقامات النصح والإصلاح للإنسان في الاستفادة من حريته، وحفظ كرامته وحمايتها من شر نفسه وشر غيره.

(د) حرية المأوى:

 وأعطى الله تعالى للمسلم حرية المأوى، فلا يجوز لأحد أن يدخل عليه بغير إذنه، ولا ينظر إليه في مأواه بغير إذنه.

(هـ) حرية الكسب:

 وأعطى الله للمسلم حرية الكسب والإنفاق في حدود ما شرع له، فأمره أن يعمل ويكتسب؛ لكي يكفي نفسه وأسرته، ولكي ينفق في وجه البر والإحسان، وفي الوقت نفسه حرَّم الله عليه المكاسب المحرمة، مثل: الربا والقِمار والرشوة والسرقة وأجرة الكهانة والسحر والزنا واللواط، وحرَّم الله أثمان المحرمات كثمن صور ذوات الأرواح( )، والخمر والخنزير وآلات اللهو المحرمة والأجرة على الغناء والرقص، وكما أن الكسب من هذه المصادر محرم فكذلك الإنفاق فيها محرم، فلا يصح للمسلم أن ينفق شيئًا إلا في وجه مشروع، وهذا أعلى مقامات النصح والهداية والإصلاح للإنسان في كسبه وإنفاقه؛ لكي يعيش غنيًّا بالكسب الحلال سعيدًا.

 تاسعًا: في الأسرة:

 نَظَّمَ الله تعالى الأسرة في الشريعة الإسلامية أكمل نظام، تتحقق للآخذين به أسباب السعادة، فشرع الإحسان إلى الوالدين-الأم والأب- بالكلام الطيِّب والزيارة المستمرة إن كان بعيدًا عنهما، وخدمتهما وقضاء حوائجهما والإنفاق عليهما وإسكانهما إن كانا فقيرين أو أحدهما، وتوعَّد الله بالعقاب من أهمل والديه، ووعد المحسن إليهما بالسعادة، وشرع الزواج وبيّن الحكمة في مشروعيته في كتابه، وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- .

***

الحكمة من مشروعية الزواج

1-      بالزواج يتوافر سبب من أكبر أسباب العفة وحفظ الفرج عن الحرام-الزنا-، وحفظ العين عن النظر إلى الحرام.

2-      بالزواج تحصل السكينة والاطمئنان لكل من الزوجين بصاحبه؛ لأن الله جعل بينهما مودة ورحمة.

3-      بالزواج يكثر عدد المسلمين تكاثرًا شرعيًّا فيه الطهر والصلاح.

4-      بالزواج يخدم كل من الزوجين صاحبه حينما يقوم كل منهما بوظيفته التي تُلائِم طبيعته كما جعلها الله سبحانه.

فالرجل يعمل خارج البيت ويكتسب المال؛ لينفق على زوجته وأولاده، والزوجة تعمل داخل البيت، فهي تحمل، وتُرضع، وتُربي الأطفال، وتُهيئ الطعام لزوجها، والبيت والفراش، فإذا دخل متعبًا مهمومًا ذهب عنه التعب والهموم واستأنس بزوجته وأولاده، وعاش الجميع في راحة وسرور. ولا مانع أن تقوم بجانب زوجها-إذا تراضيا-ببعض الأعمال التي تكتسب منها لنفسها أو لتساعد زوجها بكسبها، ولكن ذلك مشروط بأن يكون العمل الذي تقوم به بعيدًا عن الرجال بحيث لا تختلط بهم، وذلك كأن يكون في بيتها أو في مزرعتها هي أو مزرعة زوجها أو أهلها، أما العمل الذي يعرضها للاختلاط بالرجال في المصنع أو المكتب أو المتجر أو نحو ذلك؛ فإن هذا لا يجوز للمرأة، ولا يجوز لزوجها، ولا لوالديها وأقاربها السماح لها لو رضيته لنفسها، لما في ذلك من تعريضها وتعريض المجتمع للفساد. فالمرأة مادامت محفوظة مصونة في بيتها غير مُعَرَّضة للرجال في أمانٍ لا تمتد إليها الأيدي الآثمة، ولا تنظر إليها الأعين الخائنة، أما إذا خرجت بين الناس فإنها حينئذ قد تضيع وتصير كالشاة بين الذئاب، وربما لا تلبث وقتًا قصيرًا إلا ويُمزِّق أولئك الأشرار شرفها وكرامتها.

وإذا لم يكتف الزوج بالزوجة الواحدة فقد أباح الله له التعدد إلى أربع فقط، على شرط العدل بينهن فيما يقدر عليه من المسكن والنفقة والمبيت، أما محبة القلب فليس العدل فيها شرطًا؛ لأنها أمر لا يملكه الإنسان ولا يُلام عليه، والعدل الذي نفى الله استطاعته بقوله سبحانه: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:129]، هو المحبة وما يلحق بها، فهذا عدل لم يجعل الله سبحانه عدم تحققه مانعًا من التعدد؛ لأنه غير مستطاع، وقد شرع الله التعدد لرسله ولمن يعدل العدل المستطاع؛ لأنه سبحانه أعلم بما يصلحهم فهو خير للرجال والنساء؛ وذلك لأن الرجل السليم لديه استعداد في الناحية الجنسية يستطيع بسببه أن يسد الحاجة الجنسية لدى أربع نسوة وأن يعفهن، فإذا قُصِر على امرأة واحدة كما هي الحال عند النصارى( ) وغيرهم، وكما ينادي بذلك أدعياء الإسلام إذا قُصِر على واحدة حصلت المفاسد الآتية:

الأولى: إن كان الزوج مؤمنًا مطيعًا لله يخاف الله فإنه قد يعيش حياته يشعر بشيء من الحرمان، وكبت حاجة النفس الحلال؛ لأن الواحدة يمنع الحمل في الأشهر الأخيرة والنفاس والحيض والمرض زوجها من التمتع بها، فيعيش بعض حياته كأنه بدون زوجة، هذا إذا كانت تعجبه ويحبها وتحبه، أما إذا كانت لا تعجبه فالأمر أضرُّ من ذلك.

الثانية: وإن كان الزوج عاصيًا لله خائنًا فإنه يرتكب فاحشة الزنا وينصرف عن زوجته. وكثير ممن لا يرى التعدد يرتكب جرائم الزنا والخيانة في تعدد غير محدود، وأعظم من هذا أنه محكوم بكفره إذا كان يحارب التعدد المشروع، ويعيبه وهو يعلم أن الله أباحه.

الثالثة: إِنَّ كثيرًا من النساء يُحرمن من الزواج والذرية إذا مُنع التعدد، فتعيش الصالحة العفيفة منهن أيَّمًا مسكينة محرومة، وتعيش الأخرى فاجرة عاهرة يتلاعب المجرمون بعرضها.

ومن المعلوم أن النساء أكثر من الرجال بسبب تعرض الرجال للموت بصفة أكثر؛ بسبب الحروب والأعمال الخطرة التي يقومون بها، كما أنه من المعلوم أن المرأة مستعدة للزواج منذ البلوغ، أما الرجال فليسوا كلهم مستعدين؛ لأن كثيرًا منهم لا يستطيع الزواج لعجزه عن المهر، وعن تكاليف الحياة الزوجية ... إلخ. وبهذا يُعلم أن الإسلام أنصف المرأة ورحمها، أما الذين يحاربون التعدد المشروع فإنهم أعداء للمرأة وللفضيلة وللأنبياء، فالتعدد سنة أنبياء الله-عليهم الصلاة والسلام-إذ إِنَّهم يتزوجون النساء ويجمعون بينهن في حدود ما شرع الله لهم.

وأما الغيرة والحزن الذي تحس به الزوجة حينما يأخذ زوجها الأخرى، فهو أمر عاطفي والعاطفة لا يصح أن تقدم في أي أمر من الأمور على الشرع. ويمكن للمرأة أن تشترط لنفسها قبل عقد الزواج أن لا يتزوج عليها زوجها، فإذا قبل لزمه الشرط، وإذا قرر الزواج عليها، فلها الخيار في البقاء أو الفسخ، ولا يأخذ شيئًا مما أعطاها.

وشرع الله الطلاق وبوجه أخص في حال الخلاف والشقاق بين الزوجين، وفي حال عدم محبة أحد الزوجين للآخر؛ لكي لا يعيشا في شقاء وخلاف، ولكي يجد كل منهما زوجًا يرضاه يسعد به بقية حياته وفي آخرته( ) إذا مات كل منهما على الإسلام.

•        عاشرًا: في الصحة:

جاءت الشريعة الإسلامية بأصول الطب كلها، ففي القرآن العظيم، وأحاديث الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- بيان كثير من الأمراض النفسية والجسمية، وبيان علاجها المادي والروحي؛ قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:82]، وقال الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- : «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً، إِلَّا قَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»( ).

وقال -صلى الله عليه وسلم- : «فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»( ). وفي كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" للعلامة الإمام ابن القيم تفصيل ذلك، فليراجع ذلك الكتاب فإنه من أنفع الكتب الإسلامية وأصحها وأشملها لبيان الإسلام، وسيرة خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- .

•        الحادي عشر: الاقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة:

وما يحتاج إليه الناس من الماء والطعام والمرافق العامة والتنظيم الذي يضمن لهم صيانة مدنهم وقراهم، ونظافتها وتنظيم السير فيها، ومكافحة الغش والكذب إلى غير ذلك، كل هذا قد جاء في الإسلام بيانه مفصلاً على أكمل وجه.

•        الثاني عشر: في بيان الأعداء الخفيين وطريق الخلاص منهم:

بيَّن الله سبحانه في القرآن الكريم لعبده المسلم، أن له أعداء تَجُرُّه إلى الهلاك في الدنيا والآخرة، إذا انقاد لها واتبعها، فَحَذَّرَه إياها، وبيَّن له طريق الخلاص منها، وهؤلاء الأعداء:

أولهم: الشيطان اللعين: الذي يدفع بقية الأعداء ويحركها ضد الإنسان، فهو عدو أبينا آدم، وأمِّنا حواء، الذي أخرجهما من الجنة، وهو العدو الدائم لذرية آدم إلى نهاية الدنيا، يعمل جاهدًا على إيقاعهم في الكفر بالله حتى يخلدهم الله معه في النار-والعياذ بالله-، ومن عجز عن إيقاعه في الكفر عمل على إيقاعه في المعاصي التي تعرضه لغضب الله وعذابه.

والشيطان روح يجري من الإنسان مجرى الدم، يُوسوس في صدره، ويزين له الشر حتى يوقعه فيه إذا أطاعه. وطريق الخلاص منه كما بيّنه الله سبحانه هو أن يقول المسلم إذا غَضِبَ أو همَّ بارتكاب معصية: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، ولا يُعمل غضبه ولا يُقدم على المعصية، وأن يعلم أن دافع الشر الذي يحسّ به في نفسه إنما هو من الشيطان؛ لكي يوقعه في الهلاك، ثم يتبرأ منه بعد ذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:6].

العدو الثاني: الهوى: ومنه ما قد يشعر به الإنسان من رغبة في رفض الحق، ورده إذا جاء به غيره، ومن رغبة في رفض حكم الله تعالى وردّه؛ لأنه خلاف ما يريد، ومن الهوى تقديم العاطفة على الحق والعدل. وطريق الخلاص من هذا العدو هو أن يستعيذ العبد بالله تعالى من اتباع هواه، وأن لا يستجيب لدافع الهوى فلا يتبعه، بل يقول الحق ويقبله ولو كان مُرًّا، ويستعيذ بالله من الشيطان.

العدو الثالث: النفس الأمّارة بالسّوء: ومن أمرها بالسوء ما يشعر به الإنسان في نفسه من رغبة في فعل شهوة محرمة، كالزنا وشرب الخمر والفطر في رمضان بدون عذر مشروع، ونحو ذلك مما حَرَّمَ الله. وطريق الخلاص من هذا العدو هو أن يستعيذ بالله تعالى من شرّ نفسه، ومن الشيطان، ويصبر عن فعل هذه الشهوة المحرمة، ويكفّ عنها ابتغاء مرضاة الله، كما يُصَبِّرُ نفسه عن الأكل أو الشرب الذي يشتهيه، لكنه يضره لو أكله أو شربه، ويتذكر أن هذه الشهوة المحرمة سريعة الزوال تعقبها حسرة وطول ندامة.

العدو الرابع: شياطين الإنس: وهم عصاة بني آدم الذين لعب بهم الشيطان، وصاروا يفعلون المنكر ويزينونه لمن يجالسهم، وطريق الخلاص من هذا العدو: هو الحذر منه والبعد عنه وعدم مجالسته.

•        الثالث عشر: في الهدف السامي والحياة السعيدة:

والهدف السامي الذي وَجَّهَ الله سبحانه عباده المسلمين إليه ليس هذه الحياة الدنيا وما فيها من المغريات الفانية ... وإنما هو الاستعداد للمستقبل الحقيقي الخالد، وهو: الحياة الآخرة بعد الموت؛ فيعمل المسلم الصادق في هذه الحياة باعتبار أنها وسيلة للحياة الآخرة ومزرعة لها وليست غاية في ذاتها.

فهو يتذكر قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)[الحشر:18-20]، وقول الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)[الزلزلة:7-8].

يتذكر المسلم الصادق هذه الآيات العظيمة وما ماثلها من كلام الله تعالى الذي يوجِّه به عباده للغاية التي خلقهم من أجلها، والمستقبل الذي ينتظرهم لا محالة؛ فيستعد لذلك المستقبل الحقيقي الخالد بإخلاص العبادة لله وحده، والعمل بما يرضيه راجيًا رِضَا الله عنه، وإكرامه له في هذه الحياة بطاعته، وبعد الممات بإدخاله في دار كرامته. فيكرمه الله في هذه الحياة بأن يُحييه حياة طيبة، فيعيش في ولاية الله وحفظه، ينظر بنور الله ... يؤدي العبادات التي أمره الله بها، فيتلذذ فيها بمناجاة الله تعالى ويذكر الله في قلبه وبلسانه فيطمئن بذلك قلبه.

ويُحسن إلى الناس بقوله وفعله، فيسمع من الكرام منهم من الاعتراف بإحسانه، والدعاء له ما يسره ويشرح صدره، ويرى من الحُسَّاد اللئام نكران جميله، فلا يمنع الإحسان إليهم؛ لأنه إنما يريد به وجه الله وثوابه. ويسمع ويرى من الأشرار المبغضين للدين وأهله من الاستهزاء والأذى ما يُذَكِّرُه برسل الله، فيعلم أن هذا في سبيل الله فيزداد حبًّا للإسلام وثباتًا عليه، ويعمل بيده في المكتب أو المزرعة أو المتجر أو المصنع؛ لينفع الإسلام والمسلمين بإنتاجه؛ وليحصل له الأجر من الله يوم يلقاه على إخلاصه ونيته الصالحة، وليتحصل على الكسب الطيب الذي ينفقه على نفسه وأسرته، ويتصدق منه فيعيش غني القلب، شريفًا قانعًا، يرجو الأجر من الله -سبحانه وتعالى- ؛ لأن الله يحب المؤمن القوي المحترف، ويأكل ويشرب وينام بدون إسراف، لكي يتقوى بذلك على طاعة الله، ويعاشر زوجته لكي يعفها ويعف نفسه، عما حَرَّمَ الله، ولكي ينجب أولادًا يعبدون الله، ويدعون له حيًّا وميتًا فيستمر عمله الصالح، ويكثر بهم عدد المسلمين فيحصل له بذلك الأجر من الله، ويشكر الله تعالى على كل نعمة تحصل له بالاستعانة بها على طاعته والاعتراف بأنها من الله وحده، فيحصل له الأجر من الله، ويعلم أن ما يُصيبه أحيانًا من الجوع والخوف والمرض والمصائب إنما هو اختبار من الله له؛ ليرى الله- وهو به أعلم( ) -مدى صبره ورضاه بقدر الله؛ فيصبر ويرضى ويحمد الله تعالى على كل حال رجاءً في ثوابه الذي أعده للصابرين، فتهون عليه المصيبة ويتقبلها، كما يتقبل المريض مرارة الدواء طمعًا في الشفاء.

فإذا عاش المسلم في هذه الحياة كما أمره الله بهذه الروح العالية يعمل للمستقبل الحقيقي الخالد؛ ليسعد السعادة الخالدة التي لا تكدرها مكدرات هذه الحياة، ولا يقطعها الموت، فهو بلا شك السعيد في هذه الحياة الدنيا، والسعيد في الحياة الآخرة بعد الموت؛ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:83]، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:97].

في الآية الكريمة السابقة وما ماثلها يخبر الله تعالى: أنه يجازي الرجل الصالح والمرأة الصالحة اللذين يعملان في هذه الحياة بطاعة الله ابتغاء مرضاته، بجزاءٍ عاجل في هذه الحياة وهو الحياة الطيبة السعيدة التي قَدَّمْنَا ذكرها، وجزاء آجل بعد الموت، وهو نعيم الجنة الخالد. وفي هذا يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- : «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ»( ).

وبهذا يتبيَّن أنَّ في الإسلام وحده الفكر السليم، والمقياس الصحيح للحسن والقبيح والمنهاج الكامل العادل، وأن كل الآراء والنظريات في علم النفس والمجتمع والتربية والسياسة والاقتصاد، وكل النظم والمناهج البشرية يجب أن تُصحح على ضوء الإسلام، وأن تُستمد منه، وإلا فمن المحال نجاح ما خالفه منها، بل إنه مصدر شقاء الآخذين بها في الدنيا والآخرة.

*** 

  الفصل الخامس كشف بعض الشبهات

 أولًا: الذين يسيئون إلى الإسلام:

أكثر من يُسيء إلى الإسلام صنفان من الناس:

الصنف الأول: أناس ينتسبون إليه ويدَّعون أنهم مسلمون، ولكنهم يخالفون الإسلام بأقوالهم وأفعالهم، فيرتكبون أعمالاً الإسلام منها براء، فهم لا يمثِّلون الإسلام ولا يصح أن تُنسب أفعالهم إلى الإسلام، وهؤلاء هم:

 (أ) المنحرفون في عقائدهم: كالذين يطوفون على القبور ويطلبون حاجاتهم من أهلها، ويعتقدون النفع والضر فيهم( ) ... إلخ.

 (ب) المنحلّون في أخلاقهم ودينهم:

فيتركون فرائض الله، ويرتكبون محرماته، كالزنا وشرب الخمر إلخ. ويحبون أعداء الله ويتشبهون بهم.

(جـ) وممن يسيء إلى الإسلام أناس مسلمون، لكن إيمانهم بالله ضعيف، وتطبيقهم لتعاليم الإسلام ناقص، فهم مقصرون في بعض الواجبات، لكنهم لا يتركونها، ويرتكبون بعض المحرمات التي لا تصل إلى درجة الشرك الأكبر أو غيره من أنواع الكفر، وقد اعتادوا عادات سيئة محرمة، الإسلام بريء منها، ويعتبرها من كبائر الذنوب، مثل: الكذب والغش وإخلاف الوعد والحسد، فهؤلاء جميعًا يسيئون إلى الإسلام؛ لأن الذي يجهل الإسلام من غير المسلمين يظن أن الإسلام يسمح لهم بذلك.

أما الصنف الثاني: ممن يسيئون إلى الإسلام فهم أناس من أعداء الإسلام، الحاقدين عليه، وهؤلاء منهم: المستشرقون واليهود والمبشرون النصارى ومن حذا حذوهم من الحاقدين على الإسلام، الذين غاظهم كماله وسماحته وسرعة انتشاره؛ لأنه دين الفطرة( ) الذي تقبله الفطرة بمجرد عرضه عليها، فكل إنسان غير مسلم يعيش في قلق، وفي شعور بعدم الرضا عن دينه، أو مذهبه الذي هو يعتنق؛ لأنه يخالف فطرته التي فطره الله عليها إلا المسلم حقًّا، فإنه الوحيد الذي يعيش سعيدًا راضيًا بدينه؛ لأنه الدين الحق الذي شرعه الله، وشريعة الله توافق فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ ولذا نقول لكل نصراني ولكل يهودي ولكل خارج عن الإسلام: إن أطفالك وُلدوا على فطرة الإسلام لكنك وأمهم تخرجانهم من الإسلام بالتربية الفاسدة على الكفر، وهو ما خالف الإسلام من الأديان والمذاهب.

وقد عمد أولئك الحاقدون من المستشرقين والمبشرين إلى الافتراء على الإسلام، وعلى خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- :

1-      بتكذيب رسالته تارة.

2-      برميه بالعيب تارة، وهو الكامل -صلى الله عليه وسلم- المُبرأ من الله رغم أنوفهم من كل عيب ونقص.

3-      بتشويه بعض أحكام الإسلام العادلة التي شرعها الله العليم الحكيم؛ لينفّروا الناس عنه.

ولكن الله سبحانه يُبطل كيدهم؛ لأنهم يُحاربون الحق، والحق يعلو ولا يُعلى عليه. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)[الصف:8-9].

 ثانيًا: مصادر الإسلام:

فإذا أردت-أيها الإنسان-العاقل أن تعرف الإسلام على حقيقته، فاقرأ القرآن العظيم، وأحاديث الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة المكتوبة في صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومُوَطَّأ الإمام مالك، ومُسْنَد الإمام أحمد بن حنبل، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي، واقرأ السيرة النبوية لابن هشام، وتفسير القرآن العظيم للعلامة إسماعيل بن كثير، وكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للعلامة محمد ابن القيم، وأمثالها من كتب أئمة الإسلام، أهل التوحيد والدعوة إلى الله على بصيرة، أمثال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، والإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب، الذي أعز الله به وبأمير الموحدين محمد بن سعود دين الإسلام وعقيدة التوحيد في جزيرة العرب، وبعض الأماكن في القرن الثاني عشر الهجري إلى الآن بعدما تفشى الشرك.

أما كتب المستشرقين والطوائف التي تنتسب إلى الإسلام وهي تخالفه بما تدعو إليه من أمور مخالفة للإسلام فقد تقدّم ذكر أكثرها، أو تتعرض لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، أو لبعضهم بالسب والشتم أو تقدح في الأئمة الداعين إلى توحيد الله تعالى مثل: ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، وتفتري عليهم الكذب فإنها كتب مضللة. فاحذر أن تغتر بها أو تقرأها.

 ثالثًا: المذاهب الإسلامية:

جميع المسلمين على مذهب واحد وهو الإسلام، ومرجعهم هو القرآن وحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وأما ما يُسمى بالمذاهب الإسلامية كالمذاهب الأربعة الحنبلي والمالكي والشافعي والحنفي فإنما يعنى بها مدارس الفقه الإسلامي التي درّس هؤلاء العلماء أصول الإسلام ومرجعها كلها القرآن، وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وما وُجد بينها من اختلاف فهو في مسائل فرعية نادرة، أَمَرَ كل عالم تلاميذه أن يأخذوا فيها بالقول الذي يدعمه النص من القرآن أو الحديث، ولو كان قائله غيره.

وليس المسلم مُلْزَمًا بواحدٍ منها، وإنما هو مُلْزَمٌ بالرجوع إلى القرآن والحديث، وأما ما يقع فيه الكثير ممن ينتسبون إلى تلك المذاهب من انحراف في العقيدة، بما يفعلونه عند القبور من الطواف بها، والاستعانة بأهلها، وما يقعون فيه من تأويل صفات الله، وصرفها عن معانيها الظاهرة، فإن هؤلاء مخالفون لأئمة مذاهبهم في العقيدة؛ لأن عقيدة الأئمة هي عقيدة السلف الصالح التي تقدم ذكرها في الفرقة الناجية.

 رابعًا: فرق خارجة عن الإسلام:

ويُوجد في العالم الإسلامي فرقٌ خارجةٌ عن الإسلام، وهي تنتسب إليه وتدعي أنها مسلمة، لكنها في الحقيقة غير مسلمة؛ لأن عقائدها عقائد كفر بالله وبآياته ووحدانيته، ومن بين هذه الطوائف:

1-      الفرقة الباطنية:

التي تعتقد الحلول والتناسخ، وأن نصوص الدين لها معنى باطن يخالف المعنى الظاهر الذي بيّنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وأجمع عليه المسلمون، وهذا المعنى الباطن هم الذين يضعونه حسب أهوائهم( )، وأصل نشأة الباطنية أن جماعة من اليهود والمجوس وملاحدة الفلاسفة في بلاد الفرس لَمَّا قهرهم انتشار الإسلام، اجتمعوا وتشاوروا لوضع مذهب، القصد منه تشتيت المسلمين وبلبلة الأفكار حول معاني القرآن العظيم؛ حتى يُفرِّقوا بين المسلمين، فوضعوا هذا المذهب الهدّام ودعوا إليه، وانتسبوا إلى آل البيت، وادَّعوا أنهم من شيعتهم؛ ليكون أبلغ في إغواء العوام، فاقتنصوا خَلقًا كثيرًا من الجُهَّال فأضلوهم عن الحق.

2- ومن تلك الفرق (القاديانية): نسبة إلى غلام أحمد القادياني الذي اشتهر عنه أنه ادّعى النبوة، ودعا الغوغاء في الهند وما حولها إلى الإيمان به، واستخدمه الإنجليز هو وأتباعه أيام استعمارهم للهند وأغدقوا عليه وعلى أتباعه؛ حتى اتبعه كثيرٌ من الجُهَّال، فوُجِدت القاديانية التي تتظاهر بالإسلام، وهي تسعى لهدمه وإخراج من استطاعت من دائرته، واشتهر أنه ألّف كتاب: "تصديق براهين أحمدية" ادّعى فيها النبوة، وحَرّفَ فيه نصوص الإسلام، وكان من تحريفه لنصوص الإسلام ادعاؤه أن الجهاد في

الإسلام قد نُسِخَ، وأنه يجب على كل مسلم أن يسالم الإنجليز، وألّف في ذلك الوقت-أيضًا-كتابًا سَمَّاه: «ترياق القلوب». وقد مات هذا الكاتب بعدما أضل كثيرًا من الناس سنة 1908م، وخلفه في دعوته ورئاسة طائفته الضالة رجل ضال يسمى الحكيم نور الدين.

3- ومن فرق الباطنية الخارجة عن الإسلام فرقة تسمى البهائية، أسسها في بداية القرن التاسع عشر الميلادي في إيران رجل اسمه علي محمد. وقيل: محمد علي الشيرازي، وكان من فرقة الشيعة الاثني عشرية، فاستقل في المشهور عنه بمذهب ادعى فيه لنفسه أنه المهدي المنتظر، ثم ادعى بعد ذلك أن الله تعالى قد حَلّ فيه، فصار إلهًا للناس-تعالى الله عما يقوله الكافرون الملحدون علوًّا كبيرًا-، وأنكر البعث والحساب والجنة والنار، وسار على طريقة البراهمة والبوذيين الكفرة، وجمع بين اليهود والنصارى والمسلمين، وأنه لا فرق بينهم، ثم أنكر نبوة خاتم المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وأنكر كثيرًا من الأحكام الإسلامية، ثم ورثه بعد هلاكه وزير له يتسمى (البهاء)، ونشر دعوته وكثر أتباعه، فنسبت الفرقة إلى اسمه فسميت البهائية.

4-      ومن الفرق الخارجة عن الإسلام، وإن كانت تدعيه، وتصلي وتصوم، وتحج، فرق كبيرة العدد تدعي أن جبريل -عليه السلام- خان في الرسالة حيث صدها إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وقد كان مرسلاً إلى علي -رضي الله عنه- . وبعضهم يقول: علي هو الله، ويغلون في تعظيمه وتعظيم أبنائه وأحفاده وزوجته فاطمة وأمها خديجة-رضي الله عنهم أجمعين-، بل قد جعلوهم آلهة مع الله يدعونهم ويعتقدون أنهم معصومون وأن منزلتهم عند الله أعظم من منزلة الرسل-عليهم الصلاة والسلام-.

ويقول هؤلاء: إن القرآن الذي بأيدي المسلمين الآن فيه زيادة ونقص، وجعلوا لهم مصاحف خاصة، وضعوا فيها آيات وسورًا من عند أنفسهم، ويسبُّون أفضل المسلمين بعد نبيهم أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- ويسبُّون أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، ويستغيثون بعلي وأبنائه في وقت الشدة والرخاء، ويدعونهم من دون الله، وعلي وأبناؤه بريئون منهم؛ لأنهم جعلوهم آلهة مع الله، وكذبوا على الله وحرفوا كلامه-تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-( ).

وهذه الفرق الكافرة التي ذكرناها، هي بعض من فرق الكفر التي تدعي الإسلام وهي تهدم فيه، فتنبه-أيها العاقل ويا أيها المسلم في كل مكان-إلى أن الإسلام ليس مجرد ادعاء، وإنما هو معرفة القرآن، وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، الثابتة عنه والعمل بذلك، فتدبر القرآن العظيم وأحاديث الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ، تجد الهدى والنور والصراط المستقيم الذي يوصل سالكه إلى السعادة في جنة النعيم عند رب العالمين.

*** 

الدعوة إلى النجاة

يا أيها الإنسان العاقل من ذكر أو أنثى ممن لم يدخل بعد في الإسلام ... إليك أُوَجِّهُ هذه الدعوة إلى النجاة والسعادة، فأقول:

أنقذ نفسك من عذاب الله تعالى بعد الموت في القبر، ثم في نار جهنم.

أنقد نفسك بالإيمان بالله ربًّا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولًا، وبالإسلام دينًا، وقل بصدق: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وصلِّ الصلوات الخمس، وأدِّ زكاة مالك وصُمْ شهر رمضان، وحُجّ بيتَ الله الحرام إن استطعت إليه سبيلًا.

•        وأعلنْ إسلامك لله؛ فإنه لا نجاة لك ولا سعادة( ) إلا بذلك.

وإني أقسم لك بالله العظيم الذي لا إله إلا هو أن هذا الإسلام هو الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه،

وإني أُشْهِدُ الله وملائكته وجميع خلقه

أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله،

وأن الإسلام هو الحق وأنني من المسلمين.

وأسأل الله سبحانه بِمَنِّهِ وكرمه أن يميتني مسلمًا حقًّا وذريتي وجميع إخواني المسلمين، وأن يجمعنا في جنّات النعيم مع نبينا محمد الصادق الأمين -صلى الله عليه وسلم- ، وجميع النبيين، ومع آل نبينا وصحبه، وأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب كل من يقرؤه أو يسمعه ... والله أعلم،

ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه،

والحمد لله رب العالمين.