قواعد وفوائد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ()

عبد المجيد بن محمد بن عبد العزيز الوعلان

قواعد وفوائد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : كتاب نافع ذكر فيه المؤلف - أثابه الله - بعض الفوائد والقواعد من كلام شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله - حول قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قواعد وفوائد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

|

 قواعد وفوائد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

د. عبدالمجيد بن محمد الوعلان


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسله بالبينات، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ﴾، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأيده بالسلطان النصير الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة، ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزيز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، شهادة خالصة خلاص الذهب الإبريز، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، شهادة يكون صاحبها في حرز حريز([1] أما بعد:

فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة مهمة لها شأنها في الإسلام، وهي مثل سائر العبادات لها شروطها وآدابها وضوابطها.

قال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل -رحمه الله-:" فلا يخفى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم دعائم الدين، وبه قوائم شؤون المسلمين، فهو واجب باليد واللسان والجنان، حسب الاستطاعة والإمكان، وإن له شروطًا وآدابًا ومكملات، ذكرها أهل العلم وأوضحوها في مصنفاتهم.

ونظرًا لأن الناس في هذه الأزمان تشتت آراؤهم، وتباعدت أنظارهم، وتغيرت عاداتهم؛ فكل فئة تتصرف في شؤون حياتها حسبما يتهيأ لها، سواء وافق الشرع أو خالفه!.

وكلما أحدث الناس أمورًا هيّأ الله من طلبة العلم من يوضح لهم طرق الخروج منها وإنكارها على اختلاف أعراف الناس وعوائدهم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" إن الأمر بالمعروف يحتاج إلى ثلاث دعائم: إحداها: قَبله، والثانية: معه، والثالثة: بعده، وهي العلم والرفق والحلم، فالعلم أولًا قبل العمل، والرفق حال العمل، والحلم بعد العمل"([2]).

ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- قد ذكرا كثيرا من تلك القواعد والفوائد وخصوصا – فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-، في كتبه ورسائله ومنها:

-      السياسة([3]) الشرعية في إصلاح الراعي والرعية([4]).

-      مسألة الحسبة أو قاعدة في الحسبة([5]).

-      فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب الاستقامة([6]).

قمت باستخراج بعض هذه القواعد والفوائد، أسأل الله – عز وجل- أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجه الكريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.

د.عبد المجيد بن محمد الوعلان

[email protected]


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

·       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الدين:

قال شيخ الإسلام – رحمه الله-:" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، وهو من الدين"([7]).

·       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها:

قال – رحمه الله-:" وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها وقد قال تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾، وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه؛ فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة"([8]).

·       جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي:

قال – رحمه الله-:" وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي والمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾.

وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هي السلطان والولاية، فذوو السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾.

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى، مثل: نيابة السلطنة، والصغرى مثل: ولاية الشرطة، وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية وولاية الحسبة"([9]).

·       كمال الرسالة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال – رحمه الله-:" وقوله سبحانه في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ ﴾ هو لبيان كمال رسالته؛ فإنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث، ولهذا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقال في الحديث المتفق عليه: «إنما مثلى ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة، فكان الناس يطيفون بها ويعجبون من حسنها ويقولون: لولا موضع اللبنة، فأنا تلك اللبنة»، فبه أكمل الله الدين المتضمن للأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، وإحلال كل طيب، وتحريم كل خبيث"([10]).

·       هذه الأمة أكمل الأمم:

قال – رحمه الله-:" هذه الأمة خير الأمم للناس، فهم أنفعهم لهم وأعظمهم أحسانا إليهم؛ لأنهم كملوا أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر، حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد، وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، وهذا كمال النفع للخلق وسائر الأمم، لم يأمروا كل أحد بكل معروف ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا جاهدوا على ذلك"([11]).

·       كل أحد لا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى:

قال – رحمه الله-:" وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى؛ حتى لو أنه وحده لكأن يأمر نفسه وينهاها: إما بمعروف، وإما بمنكر، كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾"([12]).

·       كل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر

قال – رحمه الله-:" وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد، والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه"([13]).

·       إذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فطاعة الله ورسوله خير:

قال – رحمه الله-:" وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله خير له"([14]).

·       قيام ولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال – رحمه الله-:" ويجب على أولى الأمر - وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها- أن يقوموا على عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فيأمرونهم بما أمر الله به ورسوله، مثل شرائع الإسلام، وهي الصلوات الخمس في مواقيتها، وكذلك الصدقات المشروعة، والصوم المشروع، وحج البيت الحرام، ومثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، ومثل الإحسان: وهو أن تبعد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ومثل ما أمر الله به ورسوله من الأمور الباطنة والظاهرة، ومثل إخلاص الدين لله، والتوكل على الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، والرجاء لرحمة الله، والخشية من عذابه، والصبر لحكم الله، والتسليم لأمر الله، ومثل صدق الحديث والوفاء بالعهود وأداء الأمانات إلى أهلها، وبر الوالدين وصلة الأرحام، والتعاون على البر والتقوى، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والصاحب والزوجة والمملوك، والعدل في المقال والفعال، ثم الندب إلى مكارم الأخلاق، مثل: أن تصل من قطعك، وتعطى من حرمك، وتعفو عن ظلمك.

ومن الأمر بالمعروف كذلك الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة وغير ذلك، وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله، وهو أن يدعو مع الله إلها آخر كالشمس والقمر والكواكب أو كملك من الملائكة أو نبي من الأنبياء أو رجل من الصالحين أو أحد من الجن أو تماثيل هؤلاء أو قبورهم أو غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى، أو يستغاث به، أو يسجد له، فكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله، ومن المنكر كل ما حرمه الله، كقتل النفس بغير الحق، وأكل أموال الناس بالباطل بالغصب أو بالربا أو الميسر والبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال، والميزان والإثم والبغي، وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك"([15]).

·       التعلل بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطلب السلامة من الفتنة:

قال – رحمه الله-:" وقال: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُون ﴾، ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾، وقد ذكروا في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزو الروم، وأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «هل لك في نساء بني الأصفر؟ فقال يا رسول الله: إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر فأذن لي ولا تفتني»، وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجمل أحمر، وجاء فيه الحديث: «أن كلهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر»، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾، يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء فلا يفتتن بهن فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور ومجاهدة نفسه عنه فيتعذب بذلك أو يواقعه فيأثم؛ فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشارع وإما للعجز عنها تعذب قلبه، وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك، وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء، فهذا وجه قوله: ﴿ وَلاَ تَفْتِنِّي ﴾، قال الله تعالى: ﴿ أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾، يقول: إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب، ونكوله عنه، وضعف إيمانه، ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها؛ فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته! والله تعالى يقول: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ﴾، فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده وتركه ما أمر الله به من الجهاد، فتدبر هذا ! فإن هذا مقام خطر، والناس فيه على قسمين: قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبا لإزالة الفتنة زعموا، ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة كالمقتتلين في الفتن الواقعة بين الأمة مثل الخوارج، وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا وهم قد سقطوا في الفتنة"([16]).

·       صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال – رحمه الله-:" صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾، وقال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون ﴾، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُون ﴾"([17]).

·       الأصل في هذه القواعد الكتاب والسنة:

قال – رحمه الله- في بيان الأصل الذي بنيت عليه هذه الرسالة – السياسة الشرعية:" وهذه رسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾"([18]).

وقال أيضا -رحمه الله- في بيان الأصول الثلاثة التي تستمد منه هذه الأصول:" كتاب الله، وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم وحبله المتين"([19]).

 الأصل في المعاملات والعبادات:

قال – رحمه الله-:" والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله، إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه الله؛ بخلاف الذين ذمهم الله، حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته، والحرام ما حرمته، والدين ما شرعته"([20]).

·       الإجماع حجة، ومن أدلته قوله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾:

قال – رحمه الله-:" ولهذا كان إجماع هذه الأمة حجة لأن الله قد أخبر انهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو اتفقوا على إباحة محرم أو إسقاط واجب أو تحريم حلال أو إخبار عن الله أو خلقه بباطل لكانوا متصفين بالأمر بمنكر والنهي عن معروف، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ليس من الكلم الطيب والعمل الصالح؛ بل الآية([21]) تقتضي أن ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف، وما لم تنه عنه فليس من المنكر، وإذا كانت آمرة بكل معروف ناهية عن كل منكر؛ فكيف يجوز أن تأمر كلها بمنكر، أو تنهي كلها عن معروف، والله سبحانه وتعالى كما أخبر بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقد أوجب ذلك على الكفاية منها بقوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ﴾"([22]).

·       المحمود ما حمده الله ورسوله:

قال – رحمه الله-:" والفرقان أن يحمد من ذلك ما حمده الله ورسوله؛ فإن الله تعالى هو الذى حمده زين وذمه شين دون غيره من الشعراء والخطباء وغيرهم، ولهذا لما قال القائل من بني تميم للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن حمدي زين، وذمي شين، قال له: «ذاك الله»، والله سبحانه حمد الشجاعة والسماحة في سبيله، كما في الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، وقال: قال سبحانه: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ﴾، وذلك أن هذا هو المقصود الذي خلق الله الخلق له، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون ﴾، فكل ما كان لأجل الغاية التي خلق له الخلق كان محمودا عند الله، وهو الذي يبقى لصاحبه وينفعه الله به، وهذه الأعمال هي الباقيات الصالحات"([23]).

 موافقة الشرع في الحب والبغض:

قال – رحمه الله-:" وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر، وإرادته لهذا وكراهته لهذا موافقا لحب الله وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيتين "([24]).

·       الإخلاص لله والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم:

قال – رحمه الله- في بيان أهمية الإخلاص في الأعمال:" النية للعمل كالروح للجسد"([25]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" فالمؤمن إذا كانت له نية، أثيب على عامة أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته، والمنافق -لفساد قلبه ونيته- يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء، فإن في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب»"([26]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" فصل وإذا كانت جميع الحسنات لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله، وأن تكون موافقة للشريعة؛ فهذا في الأقوال والأفعال في الكلم الطيب والعمل الصالح، في الأمور العلمية والأمور العملية العبادية"([27]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" ففي هذه الأمور العلمية الكلامية يحتاج المخبر بها أن يكون ما يخبر به عن الله واليوم الآخر، وما كان وما يكون حقا وصوابا، وما يأمر به وما ينهي عنه، كما جاءت به الرسل عن الله فهذا هو الصواب الموافق للسنة والشريعة المتبع لكتاب الله وسنة رسوله، كما أن العبادات التي يتعبد العباد بها إذا كانت مما شرعة الله وأمر الله به ورسوله كانت حقا صوابا موافقا لما بعث الله به رسله، وما لم يكن كذلك من القسمين كان من الباطل والبدع المضلة والجهل؛ وإن كان يسميه من يسميه علوما ومعقولات وعبادات ومجاهدات وأذواقا ومقامات، ويحتاج أيضا أن يؤمر بذلك لأمر الله به، وينهى عنه لنهي الله عنه، ويخبر بما أخبر الله به؛ لأنه حق وإيمان وهدى كما أخبرت به الرسول، كما تحتاج العبادة إلى أن يقصد بها وجه الله، فإذا قيل ذلك لاتباع الهوى والحمية أو لإظهار العلم والفضيلة أو لطلب السمعة والرياء كان بمنزلة المقاتل شجاعة وحمية ورياء"([28]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" ثم كل من الأقسام الثلاثة: المأمور به، والمحظور، والمشتمل على الأمرين قد يكون لصاحبه نية حسنة، وقد يكون متبعا لهواه، وقد يجتمع له هذا وهذا، فهذه تسعة أقسام في هذه الأمور: في الأموال المنفقة عليها من الأموال السلطانية الفيء وغيره، والأموال الموقوفة، والأموال الموصى بها، والأموال المنذورة، وأنواع العطايا والصدقات والصلات، وهذا كله من لبس الحق بالباطل، وخلط عمل صالح وآخر سيء، والسيء من ذلك قد يكون صاحبه مخطئا، أو ناسيا مغفورا له كالمجتهد المخطئ الذي له أجر وخطؤه مغفور له، وقد يكون صغيرا مكفرا باجتناب الكبائر، وقد يكون مغفورا بتوبة أو بحسنات تمحو السيئات أو مكفرا بمصائب الدنيا ونحو ذلك؛ إلا أن دين الله الذي أنزل به كتبه وبعث به رسله ما تقدم من إرادة الله وحده بالعمل الصالح"([29]).

·       معرفة حقوق الله:

قال – رحمه الله- في تعريف حقوق الله:" اسم جامع لكل ما فيه منفعة عامة لا تختص بمعين، أو دفع مضرة عامة بما يتعلق بالدين أو الدنيا"([30]).

 العلم والرفق والصبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال – رحمه الله-:" فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر، العلم قبل الأمر، والنهي والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة لا بد أن يكون مستصحبا في هذه الأحوال، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به فقيها فما ينهي عنه، رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه"([31]).

 طلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين:

قال – رحمه الله-:" وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره الله به وما نهاه عنه، فإنه فرض على الأعيان كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ».

وكل من أراد الله به خيرًا، لا بد أن يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرًا.

والدين: ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء التصديق به والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، ويطيعه فيما أمر تصديقًا عامًا وطاعة عامة، ثم إذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدق به مفصلًا، وإذا كان مأمورًا من جهة بأمر معين كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة"([32]).

 أهمية العلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال – رحمه الله-:" وإذا كان هذا حد كل عمل صالح فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون كذلك هذا في حق الأمر الناهي بنفسه ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه، كما قال عمر بن عبد العزيز: "من عبدالله بغير علم كان ما يفسد اكثر مما يصلح"، وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: "العلم إمام العمل، والعمل تابعه"، وهذا ظاهر؛ فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا للهوى"([33]).

وقال أيضا – رحمه الله-:" فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور وحال المنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود"([34]).

 مراعاة الشريعة والعلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال – رحمه الله-:" وهنا يغلط فريقان من الناس، فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلا لهذه الآية كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾، وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه».

 والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهي إما بلسانه وإما بيده مطلقا من غير فقه ولا حكم، ولا صبر ولا نظر في ما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر، كما في حديث أبي ثعلبه الخشني سألت عنها أي الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمروا بالعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودينا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه، ورأيت امرأ لا يدان لك به فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائك أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله»، فيأتي بالأمر والنهي معتقدا أنه مطيع في ذلك لله ورسوله وهو معتد في حدوده"([35]).

·       من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه:

قال – رحمه الله-:" كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدي الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الله تعالى في موضع: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾، وقال في موضع أخر: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ﴾، فالواجب على العبد أن ينظر في نفس حبه وبغضه ومقدار حبه وبغضه هل هو موافق لأمر الله ورسوله وهو هدى الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، بحيث يكون مأمورا بذلك الحب والبغض لا يكون متقدما فيه بين يدي الله ورسوله؛ فإنه قد قال تعالى: ﴿ لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾، ومن أحب أو ابغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسوله، ومجرد الحب والبغض هو هوى؛ لكن المحرم منه اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله، ولهذا قال الله لنبيه داود: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾، فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله وهو هداه الذي بعث به رسوله وهو السبيل إليه"([36]).

 الناس ثلاثة أقسام في إنكار المنكر:

قال – رحمه الله-:" والناس هنا ثلاثة أقسام: قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم؛ فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، فإذا أعطى أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال أو الحرام زال غضبه وحصل رضاه، وصار الأمر الذي كان عنده منكرا ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه مرضيا عنه، وصار فاعلا له، وشريكا فيه، ومعاونا عليه، ومعاديا لمن ينهى عنه وينكر عليه، وهذا غالب في بني آدم، يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه إلا الله؛ وسببه أن الإنسان ظلوم جهول؛ فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالما في الحالين، يرى قوما ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم فيرضي أولئك المنكرين ببعض الشيء من منصب أو مال فينقلبون أعوانا له، وأحسن أحوالهم أن يسكنوا عن الإنكار عليه، وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك أو يرضوه ببعض ذلك، فتراه حينئذ قد صار عونا لهم، وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها، وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره.

وقوم يقومون قومه ديانة صحيحة، يكونون في ذلك مخلصين لله، مصلحين فيما عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا، فهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم من خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله.

وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا، وهم غالب المؤمنين، فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية، وربما غلب هذا تارة وهذا تارة.

وهذه القسمة الثلاثية كما قيل: الأنفس ثلاث: أمارة ومطمئنة ولوامة، فالأولون هم أهل الأنفس الأمارة التي تأمرهم بالسوء، والأوسطون: هم أهل النفوس المطمئنة التي قيل فيها: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي، والآخرون: هم أهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه، وتتلوم تارة كذا وتارة كذا، أو تخلط عملا صالحا وأخر سيئا، وهؤلاء يرجى أن يتوب عليهم إذا اعترفوا بذنوبهم، كما قال الله تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم ﴾"([37]).

 أصل وسبب الفرقة والفتن ترك الإنكار بالطريقة الشرعية:

قال – رحمه الله-:" وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة، ويسكت أخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا، إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع أخر وأخر، ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن هذا أصلها"([38]).

 أهمية الخبرة بالشر وأسبابه وعلاماته، والتغافل في العقوبة عن الذنوب التي لا تضر إلا صاحبها:

قال – رحمه الله-:" ينبغي للوالي والعالم أن يكون خبيرا بالشر وأسبابه وعلاماته، مثل الخبرة بالكفر والفسوق وأحوال العدو في دينهم ودنياهم؛ ليحترس من شر ذلك...وهذا لأن من لا يعرف الأمراض وأسبابها قد يغتر بالعافية ولا يحترز من أسباب المرض أو ذاته، وعرف سببه وعلامته فإنه يصلح للطبيب...

لكن لا بد للوالي من التغافل عن العقوبة على ما يعمله الناس من الذنوب التي لا تضر إلا صاحبها، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الوالي إذا ابتغى الريبة في الناس إلا كاد يفسدهم».

قال الحسن: كلمة سمعها معاوية من النبي صلى الله عليه وسلم نفعه الله بها"([39]).

·       فعل المستطاع:

قال – رحمه الله-:" لأنه – أي عمر بن الخطاب- كان إمام عدل يقسم بالسوية، فلما تغير الإمام والرعية كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له"([40]).

·       الواجب من العلم والعمل حسب الاجتهاد والقدرة:

قال – رحمه الله-:" وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس...

 فعلى كل منهما أن يتحرى بما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه.

هذا أقوى الأقوال، وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره.

وكذلك ما يشترط في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان، بل وسائر العبادات من الصلاة والجهاد وغير ذلك، كل ذلك واجب مع القدرة، فأما مع العجز فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها"([41]).

·       لم يوجب ما لا يستطاع، ولم يحرم ما يضطر إليه:

قال – رحمه الله-:" وذلك كله في قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».

 كما أن الله تعالى لما حرم المطاعم الخبيثة قال: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾، وقال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ﴾، فلم يوجب ما لا يستطاع، ولم يحرم ما يضطر إليه، إذا كانت الضرورة بغير معصية من العبد"([42]).

·       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب القدرة:

قال – رحمه الله-:" وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾"([43]).

 ما الصراط المستقيم في الولايات؟:

قال – رحمه الله-:" وهاتان السبيلان الفاسدتان -سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب ولم يقصد بذلك إقامة الدين- هما سبيل المغضوب عليهم والضالين.

الأولى: للضالين النصارى، والثانية: للمغضوب عليهم اليهود. وإنما الصراط المستقيم - صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين- هي سبيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسبيل خلفائه وأصحابه ومن سلك سبيلهم، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ﴾.

فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه؛ فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات واجتنب ما يمكنه من المحرمات: لم يؤاخذ بما يعجز عنه؛ فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار.

ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد، ففعل ما يقدر عليه، من النصيحة بقلبه، والدعاء للأمة، ومحبة الخير، وفعل ما يقدر عليه من الخير: لم يكلف ما يعجز عنه؛ فإن قوام الدين بالكتاب الهادي، والحديد الناصر، كما ذكره الله تعالى.

فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله تعالى، ولطلب ما عنده، مستعينا بالله في ذلك؛ ثم الدنيا تخدم الدين،"([44]).

·       وجوب تولية ولي أمر:

قال – رحمه الله-:" ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بتولية ولاة أمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى، ففي سنن أبي داود عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمر أحدهم»، وفي سننه أيضا عن أبي هريرة مثله، وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم».

فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم: كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها دينًا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان من أفضل الأعمال الصالحة، حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أن أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر»"([45]).

·       لا بد عند الاجتماع من رأس:

قال – رحمه الله-:" ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا تمام للدين ولا للدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض تعاونا وتناصرا؛ يتعاونون على جلب المنفعة، ويتناصرون لدفع المضرة، إذ الواحد منهم لا يقدر وحده على جلب جميع منافعه، ودفع جميع مضاره.

ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»، رواه أبو داود، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة...

فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع التي هي أكثر وأدوم؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة.

وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا روي: «أن السلطان ظل الله في الأرض»، ويقال: «ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان»، والتجربة تبين ذلك"([46]).

 من هم أولو الأمر، وما أثرهم؟

قال – رحمه الله-:" وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس"([47]).

وقال أيضا– رحمه الله-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾، وأولوا الأمر أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس وينهونهم، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام؛ فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا؛ صلح الناس، وإذا فسدوا؛ فسد الناس، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للأحمسية لما سألته: "ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح؟"، قال: "ما استقامت لكم أئمتكم"، ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان، وكل من كان متبوعا فإنه من أولي الأمر، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به، وينهى عن ما نهى الله عنه، وعلى كل واحد ممن عليه طاعته أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله"([48]).

·       التعاون مع ولاة الأمر؛ وإن كان فيهم ظلم وجور:

قال – رحمه الله-:" وكذلك يوسف كان نائبًا لفرعون مصر وهو وقومه مشركون، وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان"([49]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" والمعين على الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه أو على المظلمة فهو وكيل المظلوم لا وكيل الظالم؛ بمنزلة الذي يقرضه أو الذي يتوكل في حمل المال له إلى الظالم، مثال ذلك: ولي اليتيم والوقف إذا طلب ظالم منه مالا فاجتهد في دفع ذلك - بمال أقل منه إليه - أو إلى غيره بعد الاجتهاد التام في الدفع فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل"([50]).

وقال أيضا– رحمه الله- في التعاون مع ولاة الأمر، وأنه نوعان:" الأول: تعاون على البر والتقوى من الجهاد وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله، ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة فقد ترك فرضا على الأعيان أو على الكفاية؛ متوهما أنه متورع، وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع إذ كل منهما كف وإمساك.

 والثاني: تعاون على الإثم والعدوان كالإعانة على دم معصوم أو أخذ مال معصوم أو ضرب من لا يستحق الضرب ونحو ذلك فهذا الذي حرمه لله ورسوله"([51]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك([52]) أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾"([53]).

 مناصحة ولي الأمر والدعاء له:

قال – رحمه الله-:" ولهذا كان السلف، كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وسهل بن عبدالله التستري وغيرهم، يعظمون قدر نعمة الله به، ويرون الدعاء له ومناصحته من أعظم ما يتقربون به إلى الله تعالى، مع عدم الطمع في ماله ورئاسته، ولا لخشية منه، ولا لمعاونته على الإثم والعدوان.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم»، رواه مسلم، وقال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم»، وهذان حديثان حسنان.

وفي الصحيح عنه أنه قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»...

وإن كان أكثر من يدخل فيها لا يقصد العبادة.. والتقرب، بل لما في النفوس من حب الشرف والعلو.

فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله؛ فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما فسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال بها"([54]).

 سبب صلاح الدين والدنيا للولاة والرعية:

قال – رحمه الله-:" ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس: صلح للطائفتين دينهم ودنياهم؛ وإلا اضطربت الأمور عليهم، وملاك ذلك كله صلاح النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه؛ فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين ﴾؛ فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء.

وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة في بعض مغازيه، فقال: يا مالك يوم الدين، إياك نعبد، وإياك نستعين، فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها». وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب ﴾، «وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته -يقول:" اللهم منك ولك»([55]).

·       أعظم عون لولي الأمر وللرعية في صلاح الدين والدنيا:

قال – رحمه الله-:" وأعظم عون لولي الأمر خاصة، ولغيره عامة، ثلاثة أمور: أحدها: الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره، وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن.

الثاني: الإحسان إلى الخلق، بالنفع والمال الذي هو الزكاة.

الثالث: الصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب...

وأما قرنه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدا. فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية"([56]).

·       تحديد الولاية الشرعية:

قال – رحمه الله-:" وأي شيء من الولايات عمل فيها بطاعة الله ورسوله كانت ولاية شرعية، وأي شيء عمل فيها بخلاف ذلك، أو ترك فيها ما يجب لم تكن شرعية، لكن لما كان القاضي أقرب إلى العلم وأهله وأكثر معرفة بالشريعة صار كثير من الناس يظن أنه ليس من الولايات ما يجب أن يقع فيها حكم الشرع إلا هي، وصاروا يفهمون أن الشرع ما حكم به القاضي، وربما فروا من هذا الشرع؛ إما خروجا منهم عن الحق، أو لتقصير يقع من بعض القضاة، وليس الأمر كذلك، بل الشرع اسم لما بعث الله تعالى به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، وحكمه لازم جميع الخلق"([57]).

·       الحد الضابط للولاية:

قال – رحمه الله-:" عموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحرب في مكان وزمان آخر، وبالعكس، وكذلك الحسبة وولاية المال"([58]).

·       المقصود من الولايات:

قال – رحمه الله-:" والولايات كلها: الدينية مثل إمرة المؤمنين، وما دونها: من ملك، ووزارة، وديوانية، سواء كانت كتابة خطاب، أو كتابة حساب لمستخرج أو مصروف في أرزاق المقاتلة أو غيرهم، ومثل إمارة حرب، وقضاء وحسبة، وفروع هذه الولايات إنما شرعت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور، ويولي في الأماكن البعيدة عنه"([59]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون ﴾، وقال: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ﴾.

وقد أخبر عن جميع المرسلين أن كلا منهم يقول لقومه: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾، وعبادته تكون بطاعته وطاعة رسوله، وذلك هو الخير والبر والتقوى والحسنات، والقربات والباقيات الصالحات والعمل الصالح"([60]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا؛ ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه وعقوبات المعتدين"([61]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى، مثل: نيابة السلطنة، والصغرى مثل: ولاية الشرطة، وولاية الحكم، أو ولاية المال وهي ولاية الدواوين المالية وولاية الحسبة"([62]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" المقصود هو أمانة الدين في جميع الأشياء، ولا يتم ذلك إلا بالاجتماع والسلطان، فإذا جعل سلطان يقام به الدين على الوجه المشروع، كان ذلك مقصود الولاية"([63]).

·       الولاية أمانة يجب أداؤها:

قال – رحمه الله-:" وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها... مثل قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها »، رواه مسلم"([64]).

 ما ينبغي أن يكون عليه والي الولايات:

قال – رحمه الله- في ما ينبغي أن يكون عليه ولي الولايات:" أن يكون قويا من غير عنف، لينا من غير ضعف، بمنزلة كف الإنسان اجتمعت فيه القوة واللين، ليس يابسا في قوته كالعظم والحجر، ولا ضعيفا في لينه كالدم والماء"([65]).

·       القوة في الولايات:

قال – رحمه الله-:" القوة في الولايات تجمع قوة المرء في نفسه، وقوته على غيره، فقوته على نفسه بالحلم والصبر...وأما قوته على غيره؛ فالشجاعة في نفسه، والخبرة وسائر القوى من الرجال والأموال"([66]).

·       الأمانات نوعان:

قال – رحمه الله-:" القسم الأول: الولايات، والقسم الثاني: الأموال"([67]).

·       جماع السياسة العادلة:

قال – رحمه الله-:" أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة"([68]).

·       السياسة بالرأي والخبرة أعظم من السياسة بالشجاعة والقوة وأنفع:

قال – رحمه الله-:" السياسة بالرأي والخبرة أعظم من السياسة بالشجاعة والقوة وأنفع. وبذلك يرفع الله الدرجات كما قال في خبر يوسف عليه السلام: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم ﴾، وقال في ذي القرنين: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة».

ومن حكمة الشعر عن أبي الطيب:

الرأي قبل شجاعة الشجعان            هو أول وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس مرة               بلغت من العلياء كل مكان"([69]).

·       سياسة الناس بالجود والشجاعة:

قال – رحمه الله-:" فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود: الذي هو العطاء؛ والنجدة: التي هي الشجاعة؛ بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك. ولهذا كان من لا يقوم بهما سلبه الأمر، ونقله إلى غيره"([70]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" فلهذا تجدهم يمدحون جنس الشجاعة وجنس السماحة إذ كان عدم هذين مذموما على الإطلاق، وأما وجودهما ففيه تحصيل مقاصد النفوس على الإطلاق؛ لكن العاقبة في ذلك للمتقين، وأما غير المتقين فلهم عاجلة لا عاقبة، والعاقبة وإن كانت في الآخرة فتكون في الدنيا أيضا"([71]).

·       صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم ومن تولى عن ذلك أبدله الله بغيره:

قال – رحمه الله-:" ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم بين الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيل * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ﴾، وقال تعالى: ﴿ هَا أَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴾، وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل الله السابقين فقال: ﴿ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾، وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله ومدحه في غير آية من كتابه وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه وطاعة رسوله، وملاك الشجاعة الصبر الذي يتضمن قوة القلب وثباته، ولهذا قال تعالى: ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين ﴾، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين ﴾، والشجاعة ليست هي قوة البدن فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب وإنما هي قوة القلب وثباته؛ فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال وعلى قوة القلب وخبرته به، والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم، ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح، فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد، وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر؛ فإنه لا بد منه، والصبر صبران: صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة كما قال الحسن رحمه"([72]).

 المساواة والمعادلة في تطبيق الحكام الشرعية:

قال – رحمه الله-:" فكتب الله علينا القصاص -وهو المساواة والمعادلة في القتلى- وأخبر أن فيه حياة؛ فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين... عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده»، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم -أي تتساوى وتتعادل- فلا يفضل عربي على عجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين، ولا حر أصلي على مولى عتيق، ولا عالم أو أمير، على أمي أو مأمور. كما قضى أنه يتساوون في الأموال في مثل المواريث؛ فإن البنين في إرثهم من أمهم وإن تفاضلوا في الدين والدنيا.

وهذا الذي قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدل بين المسلمين في النفوس والأموال متفق عليه بين المسلمين"([73]).

 الأصل في التعامل بالمعاملات تحقيق العدل والنهي عن الظلم:

قال – رحمه الله-:" جمهور ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات تعود إلى تحقيق العدل، والنهي عن الظلم: دقه وجله"([74]).

·       استقامة الدنيا مع العدل وإن كان فيه اشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم وإن لم يشترك في إثم:

قال – رحمه الله-:" وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام....وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة؛ فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له والتعدي عليه في حقه، وفيها داعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث، فهي قد تظلم من لا يظلمها، وتؤثر هذه الشهوات وإن لم يفعلها غيرها؛ فإذا رأت نظراءها قد ظلموا أو تناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير، وقد تصبر ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين؛ بكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين، وأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب، والجهاد على ذلك من الدين"([75]).

·       العادل والظالم في الولايات:

قال – رحمه الله-:" وجميع هذه الولايات هي في الأصل ولاية شرعية ومناصب دينية، فأي من عدل في ولاية من هذه الولايات فساسها بعلم وعدل وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان فهو من الأبرار الصالحين، وأي من ظلم وعمل فيها بجهل فهو من الفجار الظالمين، إنما الضابط قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم ﴾، ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم ﴾"([76]).

·       لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، وكيفية العمل بها:

قال – رحمه الله-:" لا غنى لولي الأمر عن المشاورة؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين ﴾، وقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقد قيل: إن الله أمر بها نبيه لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج بها منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحروب، والأمور الحربية، وغير ذلك، فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة.

وقد أثنى الله على المؤمنين بذلك في قوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون ﴾، وإذا استشارهم، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين، فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾.

وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به، كما قال تعالى: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾"([77]).

·       اعتبار المصالح والمفاسد يكون بميزان الشريعة:

قال شيخ الإسلام – رحمه الله:" لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها؛ وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام"([78]).

·       توليه واختيار الأصلح، والأمثل فالأمثل:

قال – رحمه الله-:" فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، قال النبي صلى الله عليه: «من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين »رواه الحاكم في صحيحه، وفي رواية: «من قلد رجلا عملا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين »"([79]).

وقال أيضا – رحمه الله-:" فليس له أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو صالح لتلك الولاية؛ فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام وأخذه للولاية بحقها فقد أدى الأمانة وقام بالواجب في هذا، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله؛ وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك فإن الله يقول: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، ويقول: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾، فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»"([80]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" ولا يجوز أن يرسل الإمام من يضعف عن مقاومة الحرامية، ولا من يأخذ مالا من المأخوذين - التجار ونحوهم من أبناء السبيل-، بل يرسل من الجند الأقوياء الأمناء؛ إلا أن يتعذر ذلك، فيرسل الأمثل فالأمثل"([81]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وظلم, فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، والواجب إنما هو فعل المقدور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أو عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من قلد رجلًا على عصابة هو يجد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله، وخان المؤمنين ».

فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود، والغالب أنه لا يوجد كامل، فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين، ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول: "أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس، وكلاهما كافر، لأن أحد الصنفين أقرب إلى الإسلام، وأنزل الله في ذلك: سورة الروم لما اقتتلت الروم وفارس"([82]).

·       الأصلح في كل منصب بحسبه:

قال – رحمه الله-:" وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب؛ فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين ﴾، وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام: ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِين ﴾...

والقوة في كل ولاية بحسبها...

والأمانة ترجع إلى خشية الله وترك خشية الناس وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا"([83]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة: قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررا فيها"([84]).

·       التصرف بالأصلح فالأصلح:

قال – رحمه الله-:" وقد أجمع المسلمون على معنى هذا، فإن وصي اليتيم وناظر الوقف ووكيل الرجل في ماله عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح كما قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، ولم يقل إلا بالتي هي حسنة؛ وذلك لأن الوالي راع على الناس بمنزلة راعي الغنم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»، أخرجاه في الصحيحين"([85]).

·       مدار الشريعة على تقوى الله بحسب الاستطاعة، وتحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل المفاسد وتقليلها:

قال – رحمه الله-:" فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، وهي مبينة لقوله: ﴿ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾، وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، أخرجاه في الصحيحين.

 وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناها هو المشروع"([86]).

 مراعاة المصالح والمفاسد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال – رحمه الله-:" وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فانه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد؛ فإن الأمر والنهى وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام، وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوهما جميعا لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر؛ بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف اعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المنكر والمعروف متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة، وأما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا، وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله"([87]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" وهذه حال كثير من المتدينة يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين لله، وتكون به كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب من الأمر والنهي وترك المحظور، والاستعانة بالله على الأمرين، ولو فرض أن فعل الواجب وترك المحظور وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعا أو تكرهما جميعا مثل كثير ممن يحب الرياسة أو المال أو شهوات الغي فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ونحو ذلك فلا بد أن يفعل معها شيئا من المحظورات؛ فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين، فإن كان المأمور أعظم أجرا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة، وإن كان ترك المحظور أعظم أجرا لم يفوت ذلك برجاء ثواب فعل واجب يكون دون ذلك، فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات فهذا هذا، وتفصيل ذلك يطول"([88]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات؛ فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة؛ إذ بهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد اثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين امنوا وعملوا الصالحات، وذم الفساد والمفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما امر الله به؛ وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقى الله في عباد الله وليس عليه هداهم، وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾، والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضال، وذلك يكون تارة بالقلب وتارة باللسان وتارة باليد"([89]).

·       العطاء بحسب منفعة الرجل:

قال – رحمه الله-:" وإذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في مال المصالح وفي الصدقات أيضا، فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل، إلا كما يستحقه نظراؤه"([90]).

·       إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء يكون بحسب النية:

قال – رحمه الله-:" والمؤلفة قلوبهم نوعان: كافر ومسلم، فالكافر: إما أن يرجى بعطيته منفعة: كإسلامه، أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك.

والمسلم المطاع يرجى بعطيته المنفعة أيضا، كحسن إسلامه، أو إسلام نظيره، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، أو النكاية في العدو، أو كف ضرره عن المسلمين إذا لم ينكف إلا بذلك.

وهذا النوع من العطاء، وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء، كما يفعل الملوك؛ فالأعمال بالنيات؛ فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله، كان من جنس عطاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد، كان من جنس عطاء فرعون"([91]).

·       افتراق الناس في العطاء والمنع ثلاث فرق، وبأيهم يكون صلاح الدين والدنيا:

قال – رحمه الله-:" ولكن افترق الناس هنا ثلاث فرق: فريق غلب عليهم حب العلو في الأرض والفساد، فلم ينظروا في عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلها؛ فصاروا نهابين وهابين، وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل وطعم، فإنه إذا تولى العفيف الذي لا يأكل ولا يطعم سخط عليه الرؤساء وعزلوه؛ إن لم يضروه في نفسه وماله.

وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم، وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة، إن لم يحصل لهم ما يصلح عاقبتهم من توبة ونحوها.

وفريق عندهم خوف من الله تعالى، ودين يمنعهم عما يعتقدونه قبيحا من ظلم الخلق، وفعل المحارم، فهذا حسن واجب؛ ولكن قد يعتقدون مع ذلك: أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون عنها مطلقا، وربما كان في نفوسهم جبن أو بخل، أو ضيق خلق ينضم إلى ما معهم من الدين، فيقعون أحيانا في ترك واجب، يكون تركه أضر عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب، يكون النهي عنه من الصد عن سبيل الله، وقد يكونون متأولين.

وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج، وهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل؛ لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا، وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويغفر لهم قصورهم، وقد يكونون من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه، ولا يعطي غيره، ولا يرى أنه يتألف الناس من الكفار والفجار؛ لا بمال ولا بنفع، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم.

الفريق الثالث: الأمة الوسط، وهم أهل دين محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو إنفاق المال والمنافع للناس -وإن كانوا رؤساء- بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال، ولإقامة الدين والدنيا التي يحتاج إليها الدين، وعفته في نفسه، فلا يأخذ ما لا يستحقه فيجمعون بين التقوى والإحسان ﴿ إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون ﴾، ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة"([92]).

·       حسم مادة الشر:

قال – رحمه الله-:" وكذلك شرع في الشر والمعصية حسم مادته، وسد ذريعته، ودفع ما يفضي إليه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة. مثال ذلك: ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان»"([93]).

·       المنافع التي يجب بذلها للناس نوعان:

قال – رحمه الله-:" والمنافع التي يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال، كما ذكره في الخيل والإبل وعارية الحلي، ومنها ما يجب لحاجة الناس.

وأيضا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم، وإفتاء الناس، وأداء الشهادة، والحكم بينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وغير ذلك من منافع الأبدان، فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾، وقال: ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ ﴾"([94]).

·       تحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر، وإحلال الطيبات يندرج في معنى الأمر بالمعروف:

قال – رحمه الله-:" وتحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر، كما أن إحلال الطيبات يندرج في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن تحريم الطيبات هو مما نهى الله عنه، وكذلك الأمر بجميع المعروف والنهي عن كل منكر مما لم يتم إلا للرسول الذي تمم الله به مكارم الأخلاق المندرجة في المعرفة"([95]).

 القصد من إقامة الحدود:

قال – رحمه الله-:" فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده: فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد، لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات؛ لا شفاء غيظه، وإرادة العلو على الخلق: بمنزلة الوالد إذا أدب ولده؛ فإنه لو كف عن تأديب ولده -كما تشير به الأم رقة ورأفة- لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به، وإصلاحا لحاله؛ مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، والحجم، وقطع العروق بالفساد، ونحو ذلك؛ بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه، وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة"([96]).

·       إقامة الحدود سبب لظهور طاعة الله:

قال – رحمه الله-:" وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود، ظهرت طاعة الله، ونقصت معصية الله تعالى، فحصل الرزق والنصر"([97]).

·       الحدود والحقوق تنقسم إلى قسمين:

قال – رحمه الله-:" فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين؛ بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم، وكلهم محتاج إليها. وتسمى حدود الله. وحقوق الله: مثل حد قطاع الطريق، والسراق، والزناة ونحوهم، ومثل الحكم في الأموال السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، فهذه من أهم أمور الولايات.

وهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه وإقامته من غير دعوى به، وكذلك تقام الشهادة فيه من غير دعوى أحد به.

ويجب إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه.

القسم الثاني: وأما الحدود والحقوق التي لآدمي معين فمنها النفوس – ثم ذكر الشيخ: الأعراض والأموال-..."([98]).

·       يجب جهاد كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام:

قال – رحمه الله-:" فكل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادها حتى يكون الدين كله لله باتفاق العلماء"([99]).

·       وجوب رد الظالم ونصرة المظلوم:

قال – رحمه الله-:" وإنما الواجب على من استجار به مستجير- إن كان مظلوما ينصره، ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه؛ فطالما اشتكى الرجل وهو ظالم؛ بل يكشف خبره من خصمه وغيره، فإن كان ظالما رده عن الظلم بالرفق إن أمكن؛ إما من صلح أو حكم بالقسط، وإلا فبالقوة.

وإن كان كل منهما ظالما مظلوما كأهل الأهواء، من قيس ويمن ونحوهم، وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي، أو كان جميعا غير ظالمين؛ لشبهة أو تأويل، أو غلط وقع فيما بينهما: سعى بينهما بالإصلاح، أو الحكم، كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون ﴾"([100]).

·       الواجب على السلطان والرعية:

قال – رحمه الله-:" أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه، فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه، وعلى جباة الأموال كأهل الديوان أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه، وكذلك على الرعية الذين يجب عليهم الحقوق، وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه... ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق؛ وإن كان ظالما"([101]).

·       وقوع الظلم من الراعي والرعية:

قال – رحمه الله-:" وكثيرا ما يقع الظلم من الولاة والرعية: هؤلاء يأخذون ما لا يحل وهؤلاء يمنعون ما يجب"([102]).

·       من امتنع من أداء الواجب الذي عليه من قول أو فعل فإنه يستحق العقوبة:

قال – رحمه الله-:" وهذا مطرد فيما تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم، في كل من امتنع من واجب، من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبة للرجل بحق وجب على غيره، ولا عقوبة على جناية غيره، حتى يدخل في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ ﴾، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يجني جان إلا على نفسه». وإنما ذلك مثل أن يطلب بمال قد وجب على غيره، وهو ليس وكيلا ولا ضامنا ولا له عنده مال، أو يعاقب الرجل بجريرة قريبه أو جاره، من غير أن يكون هو قد أذنب، لا بترك واجب، ولا بفعل محرم، فهذا الذي لا يحل.

فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد علم مكان الظالم، الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه في الكتاب والسنة والإجماع، إما محاباة أو حمية لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل العصبية بعضهم ببعض، وإما معاداة أو بغضا للمظلوم، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾.

وإما إعراضا -عن القيام لله والقيام بالقسط الذي أوجبه الله أوجبنا وفشلا وخذلانا لدينه، كما يفعل التاركون لنصر الله ورسوله ودينه وكتابه، الذين إذا قيل لهم انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض، وعلى كل تقدير فهذا الضرب، يستحق العقوبة باتفاق العلماء"([103]).

·       لا يحل أخذ المال لتعطيل الحدود:

قال – رحمه الله-:" ولا يجوز أن يؤخذ من الزاني أو السارق أو الشارب أو قاطع الطريق ونحوهم مال تعطل به الحدود؛ لا لبيت المال ولا لغيره.

وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين: أحدهما: تعطيل الحد، والثاني: أكل السحت. فترك الواجب وفعل المحرم"([104]).

·       الطائفة الواحدة الممتنعة ببعضها ببعض كالشخص الواحد:

قال – رحمه الله-:" فأعوان الطائفة الممتنعة، وأنصارها منها، فيما لهم وعليهم. وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه؛ مثل المقتتلين على عصبية، ودعوى جاهلية؛ كقيس ويمن ونحوهما؛ هما ظالمتان. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه». أخرجاه في الصحيحين. ولضمن كل طائفة ما أتلفته للأخرى من نفس ومال. وإن لم يعرف عين القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد"([105]).

·       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية:

قال – رحمه الله-:" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات، فمنها عقوبات مقدرة، مثل: جلد المفتري ثمانين، وقطع يد السارق، ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى: التعزير.

وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته.

والتعزير أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن. ومنه ما يكون بالضرب"([106]).

·       التنكيل والعقوبة يختلفان باختلاف كثرة الذنب وقلته، وبحال المذنب، وبحسب الذنب:

قال – رحمه الله-:" فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته. فإذا كان كثيرا زاد في العقوبة؛ بخلاف ما إذا كان قليلا.

وعلى حسب حال المذنب؛ فإذا كان من المدمنين على الفجور زيد في عقوبته؛ بخلاف المقل من ذلك.

وعلى حسب كبر الذنب وصغره؛ فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم، بما لا يعاقب من لم يتعرض إلا لمرأة واحدة، أو صبي واحد"([107]).

·       الطاعة إنما تكون في المعروف:

قال – رحمه الله-:" قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾، قال العلماء نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم"([108]).

·       الأمر بالعدل في الجهاد وترك العدوان:

قال – رحمه الله-:" وقال في الغلبة والمصائب والفرح: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته »، وقال: «إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان ». وقال: «لا تمثلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً »، إلى غير ذلك مما أمر به في الجهاد من العدل وترك العدوان اتباعا لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾، ولقوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين ﴾"([109]).

·       وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكفاية:

قال – رحمه الله-:" وكذلك وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه؛ بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن([110])، ولما كان الجهاد من تمام ذلك كان الجهاد أيضا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أثم كل قادر بحسب قدرته؛ إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الإيمان»"([111]).

·       متى يكون العمل فرض عين:

قال – رحمه الله-:" والمقصود هنا: أن هذه الأعمال التي هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غيره عاجزًا عنها، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبًا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم"([112]).

·       لا يشترط أن يصل أمر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إلى كل مكلف، بل يشترط أن يتمكن المكلف من وصل ذلك إليهم:

قال – رحمه الله-:" وإذا أخبر بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها لم يكن من شرط ذلك أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلف في العالم؛ إذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة، فكيف يشترط فيما هو من توابعها! بل الشرط أن يتمكن المكلفون من وصول ذلك إليهم، ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه كان التفريط منهم لا منه"([113]).

·       لا بد من تغيير المنكر وبيانه، ومنع وصول الضرر إلى الناس:

قال – رحمه الله-:" وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش، إما بإزالة الغش، وأما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره"([114]).

·       مراتب إنكار المنكر، والأجر المترتب على ذلك:

قال – رحمه الله-:" فأما القلب فيجب بكل حال إذا لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وذلك أدنى أو أضعف الإيمان»، وقال: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبه خردل»، وقيل لابن مسعود رضي الله عنه: "من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا"، وهذا هو المفتون الموصوف بأن قلبه كالكوز مجخيا في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في الصحيحين: «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير» الحديث"([115]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر، وإرادته لهذا وكراهته لهذا موافقا لحب الله وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيتين، وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته؛ فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وقد قال: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل"([116]).

·       المبادرة بإنكار المنكرات:

قال – رحمه الله-:" وعلى ولي الأمر أن يتقدم بالنهي عن المعاملات المحرمة وعقوبة فاعليها مثل الغش، فقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني»، وفي رواية: «من غشنا فليس منا».

والغش: اسم جامع لكل من أظهر من المبيع خلاف باطنه...

هذه الأشياء هي من الحقوق العامة التي يجب القيام بها ابتداء، كأمر حقوق الله ليست حقوقا لآدمي معين، لكن كثيرا ما يقع الشكوى فيها من المعينين، فهي داخلة في الحكم بين الناس في الأموال والقضاء، والحكم فيها كأمثالها، والله أعلم"([117]).

 متى يعمل بالظن، وماذا يترتب على ذلك؟:

قال – رحمه الله-:" وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك فتكون بالمظنة... والاستفاضة كافية في ذلك، وما هو دون الاستفاضة، حتى إنه يستدل عليه بأقرانه، كما قال ابن مسعود:" اعتبروا الناس بأخدانهم".

فهذا لدفع شره، مثل الاحتراز من العدو، وقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه:" احترسوا من الناس بسوء الظن"، فهذا أمر عمر، مع أنه لا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن"([118]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" وكذلك من ظهر منه الفجور يمنع من تملك الغلمان المردان الصباح ويفرق بينهما؛ فإن الفقهاء متفقون على أنه لو شهد شاهد عند الحاكم، وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة في الشهادة، فإنه لا يجوز قبول شهادته، ويجوز للرجل أن يجرحه بذلك وإن لم يره"([119]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها، إذ لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل، أو جلد أو غير ذلك.

وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولًا أو فعلًا، ويمنع من الاجتماع في مظان التهم، فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت، وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة، كما منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجتمع الصبيان بمن كان يتهم بالفاحشة، وهذا مثل الاحتراز عن قبول شهادة المتهم بالكذب وائتمان المتهم بالخيانة، ومعاملة المتهم بالمطل"([120]).

·       الظالم يستحق العقوبة والتعزير:

قال – رحمه الله-:" والظالم يستحق العقوبة والتعزير، وهذا أصل متفق عليه: أن كل من فعل محرما أو ترك واجبا استحق العقوبة؛ فإن لم تكن مقدرة بالشرع كان تعزيرا يجتهد فيه ولي الأمر، فيعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم رضي الله عنهم، ولا أعلم فيه خلافا"([121]).

·       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية:

قال – رحمه الله-:" الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن، وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات، فمنها عقوبات مقدرة، مثل: جلد المفتري ثمانين، وقطع يد السارق، ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى: التعزير.

وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته.

والتعزير أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب"([122]).

·       هل من صلاحيات المحتسب القتل والقطع:

قال – رحمه الله-:" فإن المحتسب ليس له القتل والقطع"([123]).

·       الإحسان مع الناس يكون بفعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، لا فيما يهوونه، وما ينبغي لولي الأمر في قسمه وتركه:

قال – رحمه الله-:" فليس حسن النية بالرعية والإحسان إليهم أن يفعل ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾، وقال تعالى للصحابة: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾، وإنما الإحسان إليهم فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه؛ لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه».

 وكان عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- يقول: "والله إني لأريد أن أخرج لهم المرة من الحق، فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوة من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه، سكنوا لهذه".

وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول... فهكذا ينبغي لولي الأمر في قسمه وحكمه، فإن الناس دائما يسألون ولي الأمر ما لا يصلح بنقله من الولايات، والأموال والمنافع والأجور، والشفاعة في الحدود وغير ذلك، فيعوضهم من جهة أخرى إن أمكن، أو يردهم بميسور من القول، ما لم يحتج إلى الإغلاظ؛ فإن رد السائل يؤلمه، خصوصا من يحتاج إلى تأليفه، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَر ﴾...

وإذا حكم على شخص فإنه قد يتأذى، فإذا طيب نفسه بما يصلح من القول والعمل كان ذلك تمام السياسة، وهو نظير ما يعطيه الطبيب للمريض، من الطب الذي يسوغ الدواء الكريه، وقد قال الله لموسى عليه السلام- لما أرسله إلى فرعون -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- لما بعثهما إلى اليمن-:«يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا»"([124]).

·       من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "الإحسان والصبر"،

·       والنفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو،

·       ولا تقوم مصالح الناس في دينهم ودنياهم إلا بالسماحة والصبر:

قال – رحمه الله-:" وكذلك إذا أمر غيره بحسن أو أحب موافقته له على ذلك أو نهى غيره عن شيء فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصوده من حصول المحبوب واندفاع المكروه؛ فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو؛ لا يمكن غير ذلك، ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة ﴾، فلا بد أن يصبر وأن يرحم، وهذا هو الشجاعة والكرم، ولهذا يقرن الله تعالى بين الصلاة والزكاة تارة -وهي الإحسان إلى الخلق-، وبينها وبين الصبر تارة، ولا بد من الثلاثة الصلاة والزكاة والصبر، لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم، لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة فإن الحاجة إلى ذلك تكون أشد، فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بنى آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا ديناهم إلا بهما"([125]).

·       النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها:

قال – رحمه الله-:" فإن النفوس لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة. ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؛ حتى لو اضطر إلى الميتة وجب عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات لا تؤدى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"([126]).

·       لا بد من اللذات المباحة التي تعين على الطاعة:

قال – رحمه الله-:" وقد روى أبو حاتم البستي في صحيحه حديث أبي ذر رضي الله عنه الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم - الذي فيه من أنواع العلم والحكمة -، وفيه «أنه كان في حكمة آل داود عليه السلام: حق على العاقل أن تكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته فيما يحل ويجمل؛ فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات». فبين أنه لا بد من اللذات المباحة الجميلة؛ فإنها تعين على تلك الأمور. ولهذا ذكر الفقهاء: أن العدالة هي الصلاح في الدين والمروءة؛ باستعمال ما يجمله ويزينه وتجنب ما يدنسه ويشينه. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: "إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق". والله سبحانه إنما خلق اللذات والشهوات في الأصل لتمام مصلحة الخلق؛ فإنه بذلك يجتلبون ما ينفعهم كما خلق الغضب ليدفعوا به ما يضرهم وحرم من الشهوات ما يضر تناوله وذم من اقتصر عليها.

فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق؛ فهذا من الأعمال الصالحة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أما يكون عليه وزر؟ قالوا: بلى. قال: فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال»، وفي الصحيحين، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك». والآثار في هذا كثيرة.

فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته، والمنافق - لفساد قلبه ونيته - يعاقب على ما يظهره من العبادات رياء؛ فإن في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب». وكما أن العقوبات شرعت داعية إلى فعل الواجبات وترك المحرمات فقد شرع أيضا كل ما يعين على ذلك. فينبغي تيسير طريق الخير والطاعة والإعانة عليه والترغيب فيه بكل ممكن؛ مثل أن يبذل لولده وأهله أو رعيته ما يرغبهم في العمل الصالح: من مال أو ثناء أو غيره"([127]).

 من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "الرفق":

قال – رحمه الله-:" والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر"([128]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" ولا بد في ذلك من الرفق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، وقال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف»"([129]).

 من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "الحلم والصبر"، وما يترتب على تركهما:

قال – رحمه الله-:" ولا بد أيضا أن يكون حليما صبورا على الأذى، فلا بد أن يحصل له أذى؛ فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمأن لابنه: ﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور ﴾، ولهذا أمر الله الرسل وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر، كقوله لخاتم الرسل عليه السلام؛ بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة؛ فإنه أول ما أرسل أنزلت عليه سورة يا أيها المدثر بعد أن أنزلت عليه سورة إقراء التي بها نبئ فقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر * وَالرُّجْزَ فَاهْجُر * وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِر * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر ﴾، فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالإنذار، وختمها بالأمر بالصبر، ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر، وقال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾، وقال: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾، وقال: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً ﴾، وقال: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ ﴾، وقال: ﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين ﴾"([130]).

وقال أيضا– رحمه الله-:" وهذه الأمور الثلاثة([131]) مع الصبر عن الاعتداء في الشهوة هي جوامع هذا الباب – باب الصبر-؛ وذلك أن الإنسان بين ما يحبه ويشتهيه وبين ما يبغضه ويكرهه، فهو يطلب الأول بمحبته وشهوته، ويدفع الثاني ببغضه ونفرته، وإذا حصل الأول أو اندفع الثاني أوجب له فرحا وسرورا، وإن حصل الثاني أو اندفع الأول حصل له حزن، فهو محتاج عند المحبة والشهوة أن يصبر عن عدوانهما، وعند الغضب والنفرة أن يصبر على عدوانهما، وعند الفرح أن يصبر عن عدوانه، وعند المصيبة أن يصبر عن الجزع منها"([132]).

 أقسام الناس في الصبر والغضب:

قال – رحمه الله-:" الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، والثالث -هو الوسط- الذي يغضب لربه لا لنفسه، كما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: خادما له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله».

فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، فهذا القسم الرابع، شر الخلق؛ لا يصلح بهم دين ولا دنيا.

كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حقوقهم، وهذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور"([133]).

 الناس أربعة أصناف في الشجاعة والسماحة:

قال – رحمه الله-:" ولهذا كان الناس أربعة أصناف: من يعمل لله بشجاعة وبسماحة فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة، ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة فهذا ينتفع بذلك في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق، ومن يعمل لله لكن بلا شجاعة ولا سماحة فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك، ومن لا يعمل لله ولا فيه شجاعة ولا سماحة فهذا ليس له دنيا ولا آخرة، فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما وخصوصا في أوقات المحن والفتن الشديدة؛ فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضي للفتنة عندهم، ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم، وكل من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه؛ وإن كان يسيرا على من يسره الله عليه، وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور ﴾، وكما قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد ﴾، وكما قال: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ﴾، وكما قال: ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون ﴾"([134]).

·       من هو الشجاع الشديد؟:

قال – رحمه الله-:" أصل ذلك هو الصبر على المؤلم، وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن، ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة، ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز، ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا: الرقوب الذي لا يولد له، قال: ليس ذاك بالرقوب! ولكن الرقوب: الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا، ثم قال: ما تعدون الصرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، فقال ليس بذلك؛ ولكن الصرعة: الذي يملك نفسه عند الغضب»، فذكر ما يتضمن الصبر عند المصيبة، والصبر عند الغضب"([135]).

وقال أيضا -رحمه الله-: " والشجاعة ليست هي قوة البدن فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب وإنما هي قوة القلب وثباته؛ فإن القتال مداره على قوة البدن وصنعته للقتال وعلى قوة القلب وخبرته به، والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم، ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح، فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد، وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر؛ فإنه لا بد منه، والصبر صبران: صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة كما قال الحسن رحمه"([136]).

·       ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لصعوبة خصال الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر انتقال من معصية إلى معصية:

قال – رحمه الله-:" وليعلم أن اشتراط هذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يوجب صعوبته على كثير من النفوس فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدعه، وذلك قد يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو أقل؛ فإن ترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه في الأمر معصية، فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار، والمنتقل من معصية إلى معصية كالمتنقل من دين باطل إلى دين باطل؛ قد يكون الثاني شرا من الأول، وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء، فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي والمعتدي فيه قد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكون ذنب ذاك أعظم، وقد يكونان سواء، ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا، وبما شهد به في كتابه أن المعاصي سبب المصائب، فسيئات المصائب والجزاء هي من سيئات الأعمال، وأن الطاعة سبب النعمة؛ فإحسان العبد العمل سبب لإحسان الله، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير ﴾، وقال تعالى: ﴿ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ ﴾، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾، وقال: ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِير ﴾، وقال: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُور ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون ﴾"([137]).

·       العقوبة نوعان: العقوبة على الذنب الماض، والعقوبة لتأدية حق واجب وترك محرم في المستقبل، وفي أيهما ينبغي أن تكون الشدة:

قال – رحمه الله-:" وجماع ذلك أن العقوبة نوعان: أحدهما: على ذنب ماض، جزاء بما كسب نكالا من الله، كجلد الشارب والقاذف، وقطع المحارب والسارق.

والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب، وترك محرم في المستقبل، كما يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب؛ وإلا قتل. وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها.

فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول. ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة، أو يؤدي الواجب عليه"([138]).

 العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان:

قال – رحمه الله-:" العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما: عقوبة المقدور عليه، من الواحد والعدد.

والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة، كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال"([139]).

 فضل الترغيب بالأعمال الصالحة، ومتى يصار إلى العقوبة الدنيوية؟:

قال – رحمه الله-:" ذكر فضائل الأعمال الصالحة وثوابها ومنفعتها في الدنيا والآخرة، فإن الكتب والسنة مملوءة من ذلك، وهذا أنفع في الحقيقة لمن استجاب له من الرهبة بالعقوبة الدنيوية فقط، وإنما يصار إلى العقوبة الدنيوية إذا ظلم الخلق بالنكول عن هذه الطريقة، كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾"([140]).

 أكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس:

قال – رحمه الله-:" وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو البغي، وترك العدل"([141]).

 متى تجوز مقابلة الاعتداء باعتداء مثله:

قال – رحمه الله-:" والقصاص في الأعراض مشروع أيضا: وهو أن الرجل إذا لعن رجلا أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك. وكذلك إذا شتمه: بشتمة لا كذب فيها. والعفو أفضل. قال الله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين ﴾، ﴿ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيل ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المستبان: ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم» . ويسمى هذا الانتصار.

والشتيمة التي لا كذب فيها مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح، أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك. فأما إن افترى عليه، لم يحل له أن يفتري عليه، ولو كفره أو فسقه بغير حق لم يحل له أن يكفره أو يفسقه بغير حق، ولو لعن أباه أو قبيلته، أو أهل بلده ونحو ذلك، لم يحل له أن يتعدى على أولئك، فإنهم لم يظلموه، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾، فأمر الله المسلمين ألا يحملهم بغضهم للكفار على ألا يعدلوا، قال: ﴿ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾.

فإن كان العدوان عليه في العرض محرما لحقه؛ لما يلحقه من الأذى، جاز الاقتصاص منه بمثله، كالدعاء عليه بمثل ما دعاه؛ وأما إذا كان محرما لحق الله تعالى، كالكذب، لم يجز بحال"([142]).

 أقسام الناس في العلو والفساد:

قال – رحمه الله-:" فإن الناس أربعة أقسام:

القسم الأول: يريدون العلو على الناس، والفساد في الأرض وهو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه. وهؤلاء هم شرار الخلق. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين ﴾، وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فقال رجل يا رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي حسنا، ونعلي حسنا، أفمن الكبر ذاك؟ قال: لا: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»، فبطر الحق دفعه وجحده. وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم، وهذا حال من يريد العلو والفساد.

والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد، بلا علو، كالسراق والمجرمين من سفلة الناس.

والقسم الثالث: يريدون العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس.

وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين ﴾، وقال تعالى: ﴿ فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم ﴾، وقال: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾.

فكم ممن يريد العلو، ولا يزيده ذلك إلا سفولا، وكم ممن جعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد، وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم؛ لأن الناس من جنس واحد؛ فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم. ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه؛ لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهورا لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر، ثم إنه مع هذا لا بد لهم -في العقل والدين- من أن يكون بعضهم فوق بعض،... كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس. قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾، وقال تعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾، فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله.

فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإنفاق ذلك في سبيله، كان ذلك صلاح الدين والدنيا. وإن انفرد السلطان عن الدين، أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس، وإنما يمتاز أهل طاعة الله عن أهل معصيته بالنية والعمل الصالح، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»"([143]).

·       الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض في الخير والشر، ولكن داعي الخير أقوى:

قال – رحمه الله-:" وهذا أيضا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات، وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين فإنهم يحتاجون إلى شيئين: إلى دفع الفتنة التي ابتلى بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها؛ فإن معهم نفوسا وشياطين كما مع غيرهم، فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم كما هو الواقع، فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانه ودواعي الخير كذلك، وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير، فكم من الناس لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره؛ لا سيما إن كان نظيره يفعله ففعله؛ فإن الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، ولهذا كان المبتدئ بالخير وبالشر له مثل من تبعه من الأجر والوزر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا»؛ وذلك لاشتراكهم في الحقيقة، وأن حكم الشيء حكم نظيره، وشبيه الشيء منجذب إليه فإذا كان هذان داعيين قويين: فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ وذلك أن كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه، ويبغضون من لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم، ومعاداتهم لمخالفيهم.

وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم: إما للمعاونة على ذلك، كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم، وإما بالموافقة، كما في المجتمعين على شرب الخمر، فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم، وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير: إما حسدا له على ذلك، لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم، وإما لئلا يكون له عليهم حجة، وإما لخوفهم من معاقبة لهم بنفسه، أو بمن يرفع ذلك إليهم، ولئلا يكونوا تحت منته وخطره ونحو ذلك من الأسباب، قال الله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾، وقال تعالى في المنافقين: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "ودت الزانية لو زنى النساء كلهن".

والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور، كالاشتراك في الشرب والكذب والاعتقاد الفاسد، وقد يختارونها في النوع، كالزاني الذي يود أن غيره يزني، والسارق الذي يود أن غيره يسرق أيضا، لكن في غير العين التي زنى بها أو سرقها.

وأما الداعي الثاني: فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر، فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه، أو لا ينتهي إلى حد الإكراه، ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه: متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم انتقصوه واستخفوا به، وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى، وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه، وهذه حال غالب الظالمين القادرين.

وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف وأبلغ منه، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ﴾؛ فإن داعي الخير أقوى، فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم، والصدق والعدل، وأداء الأمانة، فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر، لا سيما إذا كان نظيره، لا سيما مع المنافسة، وهذا محمود حسن، فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين ويبغضه إذا لم يفعل، صار له داع ثالث، فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع.

ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات، كما يقابل الطبيب المرض بضده، فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفوسه، وذلك بشيئين: بفعل الحسنات، وترك السيئات، مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات، وهذه أربعة أنواع:

ويؤمر أيضا بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه، قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر * إ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر ﴾. وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: "لو فكر الناس كلهم في سورة: والعصر، لكفتهم". وهو كما قال، فإن الله تعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحا، ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر، وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو الدرجة وعظيم الأجر، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة»، وحينئذ فيحتاج من الصبر ما لا يحتاج إليه غيره، وذلك هو سبب الإمامة في الدين، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون ﴾"([144]).

          والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



([1]) مقدمة السياسة الشرعية: 3-4.

([2]) مقدمة معالي الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل – رحمه الله- لرسالة معالم في طريق الاحتساب للشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان، ط1: 4.

([3]) قال الشيح محمد بن عثيمين عن كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية:" ينبغي لكل مسؤول في أي مصلحة أن يقرأه وأن يعتبر بما فيه لأنه مفيد جداً ". انظر: التعليق على كتاب السياسة الشرعية للشيح محمد بن عثيمين، دار مدار الوطن، ط1: 4.

([4]) الطبعة الأولى لدار عالم الفوائد، تحقيق: علي بن محمد العمران.

([5]) الطبعة الأولى لدار إيلاف، تحقيق: محمد الحمود النجدي، وضمن مجموع الفتاوى المجلد الثامن والعشرون: 60-120. وهو محقق رسالة ماجستير بالمعهد العالي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجامعة أم القرى، للشيخ فؤاد بن سعود العمري – غير مطبوع-.

([6]) الطبعة الأولى لجامعة الإمام، تحقيق: د. محمد رشاد سالم: 2/198-311، وهو المطبوع باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، مؤسسة الرسالة، ط1. وضمن مجموع الفتاوى المجلد الثامن والعشرون: 121-178.

([7]) الاستقامة: 2/199.

([8]) الاستقامة: 2/226-227.

([9]) قاعدة في الحسبة، ضمن مجموع الفتاوى: 28/66.

([10]) الاستقامة: 2/200-201.

([11]) الاستقامة: 2/206-207.

([12]) الاستقامة: 2/292.

([13]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/62.

([14]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/63.

([15]) الاستقامة: 2/209-210.

([16]) الاستقامة: 2/290287-.

([17]) السياسة الشرعية: 94-95.

([18]) السياسة الشرعية: 5.

([19]) السياسة الشرعية: 39.

([20]) السياسة الشرعية: 220.

([21]) وهي قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ﴾.

([22]) الاستقامة: 2/207-208.

([23]) الاستقامة: 2/283-285.

([24]) الاستقامة: 2/220-221.

([25]) السياسة الشرعية: 77.

([26]) السياسة الشرعية: 181.

([27]) الاستقامة: 297.

([28]) الاستقامة: 2/300.

([29]) الاستقامة: 2/302.

([30]) السياسة الشرعية: 191.

([31]) الاستقامة: 2/233.

([32]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/80.

([33]) الاستقامة: 2/229-230.

([34]) الاستقامة: 2/230.

([35]) الاستقامة: 2/213-215.

([36]) الاستقامة: 2/220-225.

([37]) الاستقامة: 2/249-252.

([38]) الاستقامة: 2/241.

([39]) السياسة الشرعية: 188، 190-191.

([40]) السياسة الشرعية: 65.

([41]) السياسة الشرعية: 228-229.

([42]) السياسة الشرعية: 231.

([43]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/66.

([44]) السياسة الشرعية: 241-242.

([45]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/65.

([46]) السياسة الشرعية: 232-233.

([47]) السياسة الشرعية: 228-229.

([48]) الاستقامة: 2/296.

([49]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/68.

([50]) السياسة الشرعية: 69-70.

([51]) السياسة الشرعية: 67.

([52]) يعني: الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية.

([53]) السياسة الشرعية: 5.

([54]) السياسة الشرعية: 234-235.

([55]) السياسة الشرعية: 166-168.

([56]) السياسة الشرعية: 166-168.

([57]) السياسة الشرعية: 193.

([58]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/68.

([59]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/81.

([60]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/61.

([61]) السياسة الشرعية: 30.

([62]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/66.

([63]) السياسة الشرعية: 194.

([64]) السياسة الشرعية: 13.

([65]) السياسة الشرعية: 37.

([66]) السياسة الشرعية: 35-36.

([67]) السياسة الشرعية: 7، 40.

([68]) السياسة الشرعية: 6.

([69]) السياسة الشرعية: 190.

([70]) السياسة الشرعية: 77-78.

([71]) الاستقامة: 2/282-283.

([72]) الاستقامة: 2/270-271.

([73]) السياسة الشرعية: 199.

([74]) السياسة الشرعية: 219.

([75]) الاستقامة: 2/246-248.

([76]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/68.

([77]) السياسة الشرعية: 227-228.

([78]) الاستقامة: 2/216-219.

([79]) السياسة الشرعية: 7-8.

([80]) السياسة الشرعية: 16.

([81]) السياسة الشرعية: 116.

([82]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/68.

([83]) السياسة الشرعية: 17-18.

([84]) السياسة الشرعية: 19.

([85]) السياسة الشرعية: 13-14.

([86]) السياسة الشرعية: 69.

([87]) الاستقامة: 2/216-219.

([88]) الاستقامة: 2/291.

([89]) الاستقامة: 2/211-212.

([90]) السياسة الشرعية: 73.

([91]) السياسة الشرعية: 75-76.

([92]) السياسة الشرعية: 79-81.

([93]) السياسة الشرعية: 183.

([94]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/99.

([95]) الاستقامة: 2/201.

([96]) السياسة الشرعية: 125.

([97]) السياسة الشرعية: 89.

([98]) السياسة الشرعية: 83، 195.

([99]) السياسة الشرعية: 96.

([100]) السياسة الشرعية: 122.

([101]) السياسة الشرعية: 42-43.

([102]) السياسة الشرعية: 60.

([103]) السياسة الشرعية: 119-120.

([104]) السياسة الشرعية: 89، 91.

([105]) السياسة الشرعية: 101-103، 111.

([106]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/107.

([107]) السياسة الشرعية: 145.

([108]) السياسة الشرعية: 5.

([109]) الاستقامة: 2/279.

([110]) في قوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ﴾.

([111]) الاستقامة: 2/208.

([112]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/82.

([113]) الاستقامة: 2/208.

([114]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/117.

([115]) الاستقامة: 2/212-213.

([116]) الاستقامة: 2/220-221.

([117]) السياسة الشرعية: 221، 226.

([118]) السياسة الشرعية: 187-188.

([119]) السياسة الشرعية: 186.

([120]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/106.

([121]) السياسة الشرعية: 61.

([122]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/107.

([123]) قاعدة في الحسبة ضمن مجموع الفتاوى: 28/109.

([124]) السياسة الشرعية: 172-174.

([125]) الاستقامة: 2/262-363.

([126]) السياسة الشرعية: 174.

([127]) السياسة الشرعية: 177-181.

([128]) الاستقامة: 2/210-211.

([129]) الاستقامة: 2/230-231.

([130]) الاستقامة: 2/231-233.

([131]) الصبر عند الغضب، والصبر عند المصيبة، وعدم البطر عند الفرح.

([132]) الاستقامة: 2/280.

([133]) السياسة الشرعية: 82.

([134]) الاستقامة: 2/285-286.

([135]) الاستقامة: 2/272-273.

([136]) الاستقامة: 2/270-271.

([137]) الاستقامة: 2/233-235.

([138]) السياسة الشرعية: 150-151.

([139]) السياسة الشرعية: 153.

([140]) السياسة الشرعية: 182.

([141]) السياسة الشرعية: 200.

([142]) السياسة الشرعية: 207.

([143]) السياسة الشرعية: 238-240.

([144]) الاستقامة: 2/254-260.