مناسك الحج والعمرة في الإسلام ()

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

مناسك الحج والعمرة في الإسلام : كتاب باللغة العربية؛ اشتمل على بيان فضائل الحج والعمرة، ومنافعهما، وفوائدهما، ومقاصدهما، وحكم الحج، ومنزلته في الإسلام، وحكم العمرة، وشروط وجوبها، وآداب الحج، والعمرة، ومواقيت الحج والعمرة، وصفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصفة الأنساك الثلاثة .. إلى غير ذلك من المسائل.

|

 مناسك الحج والعمرة فـــــــي الإســـــــلام

مفهوم، وفضائل، ومنافع، وفوائد، وشروط، وأركان، وواجبات، وآداب، ومسائل، وحِكَمٌ، وأحكامٌ

تأليف الفقير إلى اللَّه تعالى

د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني


  

5   - مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

            مركز الدعوة والإرشاد بالقصب، 1431هـ

                      فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.

القحطاني، سعيد بن علي بن وهف

أركان الإسلام./ سعيد بن علي بن وهف القحطاني – القصب، 1431هـ

5 مج.

   ردمك: 5-0-90179- 603- 978 (مجموعة)

                 0-5-90179-603-978 (ج5)

(خمسة أجزاء في صندوق واحد)

1- الإسلام 2-العبادات (فقه إسلامي) 3- التربية الإسلامية.

أ. العنوان

ديوي 252                                4396/ 1431

رقم الإيداع: 4396/ 1431

 ردمك: 5-0-90179- 603- 978 (مجموعة)

0-5-90179-603-978 (ج5)

الطبعة الأولى: ذو القعدة 1430هـ-2009م

الطبــعة الثانية: شوال 1431هـ-2010م

 المقدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

فهذه رسالة في ((مناسك الحج والعمرة في الإسلام )) بيَّنت فيها كل ما يحتاجه الحاج والمعتمر، والزائر لمسجد رسول اللَّه ﷺ‬، من حين خروجه من بيته إلى أن يرجع إلى أهله، سالماً غانماً إن شاء اللَّه تعالى، وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة، أو الإجماع على حسب القدرة التي يسّرها اللَّه تعالى لي.

وقد ذكرت في متن هذه الرسالة القول الصحيح الراجح بدليله، وذكرت في الحواشي المسائل الخلافية،وبيّنت الراجح منها؛ليستفيد من ذلك طالب العلم وغيره.

وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه تعالى.

وقد قسمت البحث إلى اثنين وأربعين مبحثاً على النحو الآتي:

المبحث الأول: مفهوم المناسك، والحج، والعمرة.

المبحث الثاني: فضائل الحج والعمرة.

المبحث الثالث: منافع الحج، وفوائده، ومقاصده.

المبحث الرابع: حكم الحج، ومنزلته في الإسلام.

المبحث الخامس: حكم العمرة.

المبحث السادس: شروط وجوب الحج والعمرة.

المبحث السابع: وجوب الحج على الفور.

المبحث الثامن: النيابة في الحج والعمرة.

المبحث التاسع: آداب الحج، والعمرة، والسفر.

المبحث العاشر: مواقيت الحج والعمرة،.

المبحث الحادي عشر: الإحرام.

المبحث الثاني عشر: صفة حج النبي ﷺ‬ بإيجاز.

المبحث الثالث عشر: صفة الأنساك الثلاثة.

المبحث الرابع عشر:التلبية:مفهومها،وألفاظها،وحكمها،ووقتها،وفوائدها، وآدابها.

المبحث الخامس عشر: محظورات الإحرام.

المبحث السادس عشر: فدية المحظورات.

المبحث السابع عشر: محظورات الحرمين: مكة والمدينة.

المبحث الثامن عشر: الإحصار عن البيت الحرام.

المبحث التاسع عشر: ما يباح للمحرم.

المبحث العشرون: أركان الحج وواجباته.

المبحث الحادي والعشرون: أركان العمرة وواجباتها.

المبحث الثاني والعشرون: سنن الحج والعمرة.

المبحث الثالث والعشرون: فضائل مكة والمدينة.

المبحث الرابع والعشرون: صفة دخول مكة.

المبحث الخامس والعشرون: الطواف بالبيت العتيق.

المبحث السادس والعشرون: السعي بين الصفا والمروة.

المبحث السابع والعشرون: أعمال الحج يوم الثامن (يوم التروية).

المبحث الثامن والعشرون: الوقوف بعرفة.

المبحث التاسع والعشرون: الفوات.

المبحث الثلاثون: المبيت بمزدلفة.

المبحث الحادي والثلاثون: أعمال الحج يوم النحر.

المبحث الثاني والثلاثون: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.

المبحث الثالث والثلاثون: خطب النبي ﷺ‬ في الحج.

المبحث الرابع والثلاثون: رمي الجمار أيام التشريق.

المبحث الخامس والثلاثون: طواف الوداع.

المبحث السادس والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة الحج.

المبحث السابع والثلاثون: الخلاصة الجامعة في صفة العمرة.

المبحث الثامن والثلاثون: الهدايا.

المبحث التاسع والثلاثون: الأضاحي.

المبحث الأربعون: العقيقة.

المبحث الحادي والأربعون: زيارة مسجد رسول اللَّه ﷺ‬.

المبحث الثاني والأربعون: آداب العودة من الحج،والعمرة،والسفر.

واللَّه أسأل أن يجعل هذا العمل القليل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى اللَّه على عبده، ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، محمد بن عبد اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

حرر في ضحى يوم الإثنين 18/7/1429ه‍


 المبحث الأول: مفهوم المناسك، والحج، والعمرة

أولاً: مفهوم المناسك: لغة، واصطلاحاً:

المناسك لغة:  جمع مَنْسِـَك - بفتح السين وكسرها - من نَسَكَ يَنْسُكُ منسكاً: تعبَّد، قال ابن الأثير رحمه اللَّه: ((...ٍ فالمناسك جمع مَنْسِـَك - بفتح السين وكسرها - ، وهو المتعبَّد، ويقع على المصدر، والزمان، والمكان، ثم سُمِّيَتْ أمور الحجِ كلّها  مناسك.

والمَنْسِـَك: المذبَحُ، وقد نَسَكَ ينْسُكُ نَسْكاً، إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها: نُسُكٌ.

والنُّسُكُ أيضاً: الطاعة والعبادة، وكل ما تُقُرِّبَ به إلى اللَّه تعالى، والنُّسك: ما أمرت به الشريعة، والورع: ما نهت عنه.

والناسك: العابد، وسُئل ثَعْلَبٌ عن الناسِك ما هو؟ فقال: هو مأخوذٌ من النسيكة، وهي سبيكة الفضة المصفّاة، كأنه صفَّى نفسه لله تعالى ))([1]).

قال اللَّه تعالى: ] وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [ ([2]) أي: متعبّداتنا([3]).

ومنا سك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات، ومن فعل كذا فعيله نسك: أي دم يريقه([4]).

وقال الراغب الأصفهاني رحمه اللَّه: ((النُّسُكُ: العبادةُ، والناسك: العابد، واختصَّ بأعمال الحجِّ، والمناسك: مواقف النُّسُك، وأعمالها، والنسيكة مختصة بالذبيحة، قال [اللَّه تعالى]: ] فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ[ ([5][وقال تعالى]: ]فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ[([6] وقال تعالى: ]لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ[([7])))([8] وقال اللَّه تعالى: ] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْـمُخْبِتِينَ [([9]).

وأكثر إطلاق المنسك أو النسك على الذبيحة([10] قال اللَّه تعالى:]قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَـمِينَ [([11]).

والمناسك اصطلاحاً:العبادات التي تُفعل في الحج أو العمرة عادة([12]).

وقيل: المناسك: الأماكن التي تُفعل فيها عبادات الحج عادة([13]).

وقيل: المناسك: مواقف النسك وأعمالُها([14]).

وقيل: المناسك: مواضع متعبدات الحج، وعلى هذا فالمناسك: المتعبَّدات كلها، وقد غلب إطلاقها على أفعال الحج؛ لكثرة أنواعها([15]).

ثانياً: مفهوم الحج: لغة، واصطلاحاً:

الحج لغة:القصدُ إلى كلِّ شيء،فخصَّه الشرع بقصد معيّن ذي شروط معلومة([16]).

وقيل: الحج لغة: القصد إلى الشيء المعظَّم([17]).

وقيل: الحج: القصد للزيارة، كما قال الشاعر:

يحجُّون بيت الزبرقان المعصفر([18])

وقيل: الحِـَجُّ – بفتح الحاء وكسرها -: القصد([19]).

وقيل: الحجُّ: القصدُ والكفُّ، وقصد مكة للنسك، وهو حاجٌّ، وحاجِجٌ، جمعه: حُجاج، وحجيج، وحاجةٌ: من حواجّ([20]).

ويقال:الحجُّ:القصد،حجَّ إلينا فلانٌ:قدم،وحجَّه يحجُّه حجاً: قصده([21]).

ويُقال: الحجُّ: القصد، ثم غلب في الاستعمال الشرعي والعرفي على حج بيت اللَّه تعالى وإتيانه، فلا يُفهم عند الإطلاق إلا هذا النوع الخاص من القصد؛ لأنه هو المشروع الموجود كثيراً، وقيل: كثرة القصد إلى من يُعظَّم([22]).

والحج شرعاً: القصد لبيت اللَّه تعالى بصفةٍ مخصوصةٍ، في وقتٍ مخصوصٍ، بشرائطَ مخصوصةٍ([23]).

وقيل:  الحج: خُصَّ في تعاريف الشرع: بقصد بيت اللَّه تعالى إقامةً للنسك([24] فقيل: الحَجُّ، والحِجُّ، فالحَجُّ مصدرٌ، والحِجُّ اسم.

وقيل: الحج أداءُ أعمالٍ مخصوصةٍ في حرم مكة وما حوله، في أوقاتٍ مخصوصةٍ مع النية([25]).

وقيل: الحج وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة، وطواف بالبيت سبعاً، وسعي بين الصفا والمروة كذلك على وجهٍ مخصوص([26]).

وقيل: قصد البيت الحرام للتقرب إلى اللَّه تعالى بأفعالٍ مخصوصة، في زمان مخصوص، ومكان مخصوص من حج أو عمرة([27]).

وقيل: الحج تعورف على استعماله في القصد إلى مكة للنسك، والحجِّ إلى البيت خاصة، تقول: حجَّ يحجُّ حجاً، والحج قصد التوجه إلى البيت بالأعمال المشروعة: فرضاً، وسنة([28]).

وقيل: الحج: أصله القصد، ثم قصر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة، ومنه يُقال: ماحجَّ ولكن دجَّ، فالحج: القصد للنسك، والدجُّ: القصد للتجارة([29]).

وقيل: الحج: خصَّه الشرع بقصدٍ معينٍ، بشروطٍ معلومة([30]).

وقيل: الحج في الشرع: اسم لأفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة، في مكان مخصوص، من شخص مخصوص([31]).

وقيل:الحج:التعبد لله ﷻ‬ بأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول اللَّه ﷺ‬ ([32]).

والتعريف الذي يجمع هذه التعريفات هو أن يقال: الحج اصطلاحاً: التعبد لله بأفعالٍ وأقوالٍ مخصوصةٍ،في أوقاتٍ مخصوصةٍ،في مكانٍ مخصوصٍ،من شخصٍ مخصوصٍ،بشروطٍ مخصوصةٍ،والعلم عند اللَّه تعالى.

ثالثاً: مفهوم العمرة: لغة، واصطلاحاً:

العمرة، والاعتمار لغة: الزيارة التي فيها عمارةُ الوُدِّ([33]).

وقيل: العمرة: الزيارة، والمعتمر: الزائر، والقاصد للشيء([34]).

والعمرة شرعاً:زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في الفقه([35]).

وقيل: العمرة: الحج الأصغر، ويوم الحج الأكبر يوم النحر([36]).

وقيل:زيارة بيت اللَّه الحرام،بإحرام، وطواف، وسعي، دون وقوف بعرفة([37]).

وقيل: العمرة:  قصد الكعبة للنسك المعروف([38]).

وقيل: العمرة: التعبد لله تعالى بالطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، والحلق، أو التقصير([39]).

وقيل:العمرة:الطواف بالبيت،والسعي بين الصفا والمروة بإحرام([40]).

والتعريف الذي يجمع هذه التعريفات هو:التعبد لله تعالى بزيارة بيت اللَّه الحرام،بإحرام،وطواف،وسعي بين الصفا والمروة،وحلق أو تقصير، ثم تحلل.

&&&


 المبحث الثاني: فضائل الحج والعمرة

فضائل الحج والعمرة كثيرة، منها الفضائل الآتية:

أولاً: من حج البيت الحرام،أو اعتمر فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه؛ لحديث أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((من حج هذا البيت فلم يرفث([41])، ولم يفسق([42])، رجع كما ولدته أمه))([43] وفي لفظ مسلم: ((من أتى هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه))([44])، وهذا اللفظ يشمل الحج والعمرة([45]).

ثانياً: العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما، والحج المبرور جزاؤه الجنة؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ))([46]).

والحج المبرور هو الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولم يخالطه إثم ولا يعقبه معصية، وهو الحج الذي وُفِّيت أحكامه ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وهو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع خيراً مما كان ولا يعاود المعاصي. والمبرور مأخوذ من البر وهو الطاعة واللَّه أعلم([47]).

ثالثاً: الحج يهدم ما كان قبله؛ لحديث عمرو بن العاص t، وفيه: أنه قال: فلما جعل اللَّه الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ‬ فقلت: ابسط يمينك لأُبايِعَكَ، فبسط يمينه، فقبضت يَديَ، قال: ((مالك يا عمرو؟ )) قلت: أردتُ أن أشترط، قال: ((تشترط بماذا؟ )) قلت: أن يغفر لي، قال: ((أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ))([48]).

رابعاً: الحج المبرور من أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل اللَّه؛ لحديث أبي هريرة t قال: سُئِلَ النبي ﷺ‬: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان باللَّه ورسوله)). قيل: ثم ماذا؟ قال: ((جهاد في سبيل اللَّه)). قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور))([49]).

خامساً:الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب، والحج المبرور ثوابه الجنة؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة))([50]).

سادساً: أفضل الجهاد وأجمله الحج المبرور؛ لحديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: يا رسول اللَّه، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: ((لا، ولكنَّ أفضل الجهاد حج مبرور ) وفي رواية: أنها قالت: قلت: يا رسول اللَّه ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: ((لَكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله الحجُّ حجٌّ مبرور ) قالت عائشة رضي اللَّه عنها: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ‬([51]).

وعنها: قالت: قلت: يا رسول اللَّه على النساء جهاد؟ قال: ((نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة))([52] ولفظ النسائي أنها رضي اللَّه عنها قالت: يا رسول اللَّه، ألا نخرج فنجاهد معك؛ فإني لا أرى عملاً في القرآن أفضل من الجهاد، فقال: ((لا، ولَكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله، حج البيت حج مبرور ))([53]).

سابعاً: الحاج والمعتمر وفدُ اللَّه تعالى؛ لحديث أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((وفد اللَّه ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر))([54]).

والمعنى: السائرون إلى اللَّه تعالى، القادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين؛ لاختصاص السفر بهم عادة([55])، وفيه إضافة تشريف لهؤلاء.

ثامناً:المعتمر والحاج يعطيهم اللَّه ما سألوه؛لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬ قال: ((الغازي في سبيل اللَّه، والحاج، والمعتمر، وفد اللَّه. دعاهم فأجابوا، وسألوه فأعطاهم))([56]).

تاسعاً: الحج والعمرة جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة؛ لحديث أبي هريرة t عن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة: الحج والعمرة ))([57]).

عاشراً:الحاج والمعتمر يلبِّي معه الشجر والحجر حتى تنقطع الأرض عن يمينه وشماله؛ لحديث سهل t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((ما من مسلم يُلبِّي إلا لبَّى من عن يمينه وشماله، من حجرٍ، أو شجرٍ، أو مدرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا ))([58]).

الحادي عشر: اللَّه تعالى يباهي بالحجاج في عرفة الملائكة؛ لحديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: إن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟))([59]).

الثاني عشر: خير الدعاء دعاء الحجاج يوم عرفة؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ‬ قال: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))([60]).

الثالث عشر: عمرة في رمضان تعْدل حجة مع النبي ﷺ‬؛ لحديث عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: لما رجع النبي ﷺ‬ من حجته قال لأم سنان: ((ما منعك من الحجِّ؟ )) قالت: أبو فلان – تعني زوجها – كان له ناضحان، حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضاً لنا، قال ﷺ‬: ((فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي ))([61]).

الرابع عشر: مسح الحجر الأسود والركن اليماني، يحطّان الخطايا حطّاً، والطواف بالبيت كعتق رقبة، وكل خطوة يُكتب له بها عشر حسنات، ويُحطُّ عنه عشر سيئات، ويُرفع له عشر درجات؛ لحديث عبداللَّه بن عُبيد بن عُمير عن أبيه، قال: قلت لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين: الحجر الأسود، والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إنْ أفعل فقد سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ يقول: ((إن استلامهما يحطُّ الخطايا ) قال: وسمعته يقول: ((من طاف أسبوعاً يحصيه، وصلّى ركعتين كان كعدل رقبة ) قال: وسمعته يقول: ((ما رفع رَجلٌ قدماً ولا وضعها إلا كُتبَ له عشرُ حسنات، وحُطَّ عنه عشرُ سيئات، ورُفع له عشرُ درجات)).، وفي لفظ لأحمد: ((أراك تزاحم على هذين الركنين؟ )) قال: ((إن أفعل، فقد سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ يقول: ((إن مسحهما يَحُطَّان الخطايا))([62]).

الخامس عشر:  الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه؛ لحديث جابر t أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه))([63]).

السادس عشر:من طاف بالبيت العتيق واستلم الحجر الأسود شهد له يوم القيامة؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬ في الحجر: ((واللَّه ليبعثنّهُ اللَّه يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد على من استلمه بحق))([64]).

وعنه أيضاً قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضاً من الثلج فسوّدته خطايا بني آدم))([65]).

السابع عشر: من حج البيت كمل إسلامه؛ لحديث عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه في سؤال جبريل النبي ﷺ‬ عن الإسلام، قال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان)). قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: ((نعم)) قال: صدقت([66]).

الثامن عشر:الحاج إذا خرج من بيته قاصداً البيت الحرام كتب له بكل خطوة يخطوها هو ودابته حسنة، ومحا اللَّه عنه خطيئة، ورفعت له درجة؛لحديث عبادة بن الصامت t يرفعه،وفيه:((فإن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق أن لا ترفع قدماً،أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة،ورفعت لك درجة))([67]وفي حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما يرفعه: ((... فإنك إذا خرجت من بيتك تؤمُّ البيت الحرام لا تضعُ ناقتك خفاً، ولا ترفعه إلا كتب [اللَّه] لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة)) ([68]).

التاسع عشر:الحاج والمعتمر يكتب له بركعتي الطواف عتق رقبة من بني إسماعيل؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما وفيه: (( ... وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل))([69]).

العشرون: طواف الحاج أو المعتمر بين الصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما وفيه (( ... وأما طوافك بالصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة))([70]).

الحادي والعشرون: الحاج يُغفر له في وقوفه بعرفة، ولو كانت ذنوبه عدد الرمل، أو قطر المطر،ويباهي به اللَّه الملائكة؛لحديث ابن عمر يرفعه وفيه: ((...وأما وقوفك عشية عرفة،فإن اللَّه يهبط إلى السماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة،ويقول:عبادي جاؤوني شعثاً من كل فجٍّ عميقٍ يرجون رحمتي،فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل،أو كقطر المطر،أو كزبد البحر لغفرتها،أفيضوا عبادي مغفوراً لكم،ولمن شفعتم له))([71]).

وفي حديث عبادة بن الصامت t يرفعه: ((وأما وقوفك بعرفة فإن اللَّه ﷻ‬ يقول لملائكته:يا ملائكتي ما جاء بعبادي؟قالوا:جاؤوا يكتسبون رضوانك والجنة،فيقول اللَّه ﷻ‬:فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم،ولو كانت ذنوبهم عدد أيام الدهر،وعدد رمل عالج))([72]).

وفي لفظ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما:((فإذا وقفت بعرفة، فإن اللَّه ﷻ‬ ينزل إلى السماء الدنيا فيقول:((انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً،اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم،وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج([73])...)) ([74]).

وعن أبي هريرة t،عن رسول اللَّه rقال:((إن اللَّه يباهي بأهل عرفات ملائكة السماء، فيقول: ((انظروا إلى عبادي هؤلاء جاؤوني شعثاً غبراً))([75]).

وعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ‬ كَانَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ ﷻ‬ يُبَاهِى مَلاَئِكَتَهُ عَشِيَة عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِى، أَتَوْنِى شُعْثًا غُبْرًا))([76]).

الثاني والعشرون:يغفر اللَّه تعالى لأهل عرفات،وأهل المشعر؛ لحديث أنس بن مالك t قال: وقف النبي ﷺ‬ بعرفات، وقد كادت الشمس أن تؤوب([77] فقال: ((يا بلال، أنصت لي الناس) فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول اللَّه ﷺ‬ ، فأنصت الناس فقال: ((معشر الناس، أتاني جبريل u آنفاً، فأقرأني من ربِّي السلام، وقال: إن اللَّه ﷻ‬ غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التَّبعات([78])))، فقام عمر بن الخطاب t فقال: يا رسول اللَّه! هذا لنا خاصة؟ قال: ((هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة) فقال عمر بن الخطاب t: كَثُرَ خيرُ اللَّه وطاب))([79]) .

وعَنْ بِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ‬ قَالَ لَهُ غَدَاةَ جَمْعٍ:((يَا بِلَالُ أَسْكِتْ النَّاسَ))،أَوْ ((أَنْصِتْ النَّاسَ)ثُمَّ قَالَ:((إِنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكُمْ([80]) فِي جَمْعِكُمْ هَذَا فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِـمُحْسِنِكُمْ،وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ،ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ))([81]).

الثالث والعشرون: الحاج له بكل حصاة يرمي بها الجمار تكفير كبيرة من الموبقات؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما وفيه: ((وأما رميك الجمار؛ فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات...))([82] وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما رفعه إلى النبي ﷺ‬ قال: ((لما أتى إبراهيم خليل اللَّه المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ([83]) في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض))، قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: الشيطان ترجمون، وملَّة أبيكم إبراهيم تتَّبعون))([84]) .

الرابع والعشرون: الحاج يُعطى بكل شعرة حلقها حسنة، وتُمحى عنه بها خطيئة، وله بكل شعرة نور يوم القيامة، وما ينحره من الهدي مُدَّخَرٌ له عند اللَّه؛ لحديث ابن عمر وفيه ((...وأما نحرك فمدخور لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك، فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، وتمحى عنك بها خطيئة ...))([85] وفي حديث عبادة بن الصامت t: (( ... وأما حلقك رأسك، فإنه ليس من شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نوراً يوم القيامة...))([86]).

الخامس والعشرون: إذا لبَّى الملبِّي في الحجّ، أو كبَّر بُشِّرَ بالجنة؛ وفضل رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث أبي هريرة t، عن النبي ﷺ‬ قال: ((ما أهلَّ مهلٌّ([87])، ولا كبَّر مُكبِّرٌ إلا بُشِّر))، قيل: يا رسول اللَّه بالجنة؟ قال: ((نعم))([88]).

وعن أبي بكر الصديق t: أن رسول اللَّه ﷺ‬ سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((العجُّ([89])، والثجُّ([90])))([91] ولفظ الترمذي: أن رسول اللَّه ﷺ‬ سُئل: أيُّ الحج أفضل؟ قال: ((العجُّ، والثجُّ))([92]).

السادس والعشرون: الحج يقع معظمه في أفضل أيام الدنيا: عشر ذي الحجة؛ لحديث جابر t ، أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((أفضل أيام الدنيا أيام العشر)) – يعني عشر ذي الحجة – قيل: ولا مثلهنَّ في سبيل اللَّه؟ قال: ((ولا مثلهن في سبيل اللَّه إلا رجلٌ عَفَّر وجهه في التراب))، وذكر عرفة، فقال: ((يوم مباهاةٍ ينزل اللَّه تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، فيقول: ((عبادي شُعثاً غُبراً ضاحين([93])، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، ويستعيذون من عذابي، ولم يروا يوماً أكثر عتيقاً وعتيقة من النار)) هذا لفظ البزار.

ولفظ أبي يعلى: ((ما من أيام أفضل عند اللَّه من عشر ذي الحجة)) فقال رجل يا رسول اللَّه! هي أفضل أم عدتهنّ جهاداً في سبيل اللَّه؟ فقال: ((هي أفضل من عدتهن جهاداً في سبيل اللَّه إلا عفيراً يعفِّر وجهه في التراب([94])، وما من يوم أفضل عند اللَّه من يوم عرفة، ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا عبادي شعثاً غبراً ضاحين، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، لم يروا رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم أر يوماً أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة))([95]).

وعشر ذي الحجة، فضلها عظيم بيَّنه اللَّه تعالى في كتابه، وبيَّنه رسوله محمد ﷺ‬ في سنته، ومن ذلك الفضائل الآتية:

الفضل الأول: هي الأيام التي أقسم اللَّه تعالى بها في كتابه بقوله: ] وَالْفَجْر* وَلَيَالٍ عَشْر[([96])، وهي عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وابن كثير، وابن القيم، وغير واحد من السلف والخلف([97]).

الفضل الثاني: وهي الأيام التي يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر) قالوا: يا رسول اللَّه! ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((ولا الجهاد في سبيل اللَّه، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء))([98]).

الفضل الثالث: وهي أيام عظيمة عند اللَّه، والأعمال فيها أحب إليه فيهن؛ لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬ قال: ((ما من أيام أعظم عند اللَّه ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد))([99]).

الفضل الرابع: وهي أيامٌ أفضل من أيام عشر رمضان الأخيرة؛ فإن الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى قال: ((...ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام عشر رمضان؛ وبهذا يزول الاشتباه، ويدلُّ عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فُضِّلت باعتبار ليلة القدر، وهي من الليالي، وعشر ذي الحجة فُضِّل باعتبار أيامه؛ إذ فيه: يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم التروية))([100]).

الفضل الخامس: هي الأيام التي فيهن يومان هما أفضل أيام العام: يوم النحر، ويوم عرفة؛ لحديث عبد اللَّه بن قُرْطٍ الثمالي t عن النبي ﷺ‬ قال: ((إن أعظم الأيام عند اللَّه تعالى: يوم النحر، ثم يوم القرِّ))([101]). 

ويوم القرِّ هو حادي عشر ذي الحجة؛لأن الناس يقرُّون فيه بمنى؛ لأنهم قد فرغوا في الغالب:من طواف الإفاضة،والنحر،واستراحوا وقرُّوا.

وأما يوم عرفة؛ فلحديث عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: إن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟))([102]).

وقال ﷺ‬: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة...))([103]). وقال ﷺ‬: ((صيام يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده...))([104]).

وهذا لغير الحاجّ، أما الحاجّ فالسُّنة في حقّه الإفطار ليتقوَّى على الدعاء والذكر اقتداء برسول اللَّه ﷺ‬؛ فإنه كان مفطراً يوم عرفة. وأما قول النبي ﷺ‬ في يوم الجمعة: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة...))([105]). فقال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: ((والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة...))([106]). أي ليلة القدر أفضل ليالي السنة، وليلة الجمعة أفضل ليالي الأسبوع، وصوَّب ابن القيم رحمه اللَّه تعالى أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ لأن الحديث الدال على ذلك لا يعارضه شيء يقاومه، قال اللَّه تعالى: ] وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحـَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الـْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ[([107]).

وثبت في الصحيحين: أن أبا بكر وعلياً أذَّنا بذلك يوم النحر، لا يوم عرفة، فعن أبي هريرة t قال: ((بعثني أبو بكرٍ في تلك الحَجَّة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان... ثم أردف رسول اللَّه ﷺ‬ علياً، فأمره أن يؤذن بـ((براءة) قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منىً يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان))([108]). وثبت عن النبي ﷺ‬ أنه قال: ((يوم الحج الأكبر يوم النحر))([109]). قال ابن القيم بأصح إسناد([110]).

قال ابن القيم رحمه اللَّه: ((ويوم عرفة: مقدمة ليوم النحر بين يديه؛ فإن فيه يكون الوقوف، والتضرُّع، والتوبة، والابتهال، والاستقالة، ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة؛ ولهذا سُمِّي طوافه طواف الزيارة؛ لأنهم قد طُهِّروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أَذِنَ لهم ربهم يوم النحر في زيارته، والدخول عليه إلى بيته))([111]).

الفضل السادس: فضائل الأعمال في عشر ذي الحجة أنواع:

النوع الأول: أداء الحج والعمرة في هذه الأيام من أفضل الأعمال؛ لقول النبي ﷺ‬: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)). وفي لفظ مسلم: ((من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))([112]). وهذا لفظ يشمل الحج والعمرة ولله الحمد. وقال عليه الصلاة والسلام: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))([113]). والمبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولم يخالطه إثم، ولم يعقبه معصية، وهو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع العبد خيراً مما كان، ولا يعاود المعاصي.

النوع الثاني: صيام الأيام التسعة، أو ما تيسر منها؛ لقول النبي ﷺ‬: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى اللَّه من هذه الأيام العشر)) والصيام من أعظم الأعمال الصالحة، وقد حث النبي ﷺ‬ عليه، ورغَّب فيه، ومن ذلك قوله ﷺ‬: ((ما من عبدٍ يصومُ يوماً في سبيل اللَّه إلا باعَدَ اللَّه بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً))([114]). وروى النسائي مرفوعاً: ((كان يصوم تسعاً من ذي الحجة))([115]). وصوم يوم عرفة لغير الحاج ((يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده))([116]).

النوع الثالث: التوبة والإقلاع عن جميع المعاصي؛ لأن التوبة من أعظم الأعمال الصالحة.

النوع الرابع: إذا دخل عشر ذي الحجة أمسك من أراد أن يضحي عن شعره، وبشرته؛ لحديث أم سلمة رضي اللَّه عنها عن النبي ﷺ‬ أنه قال: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحّي فليمسك عن شعره وأظفاره)). وفي لفظ: ((... فلا يأخذنّ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحّي))([117]).

النوع الخامس: كثرة الأعمال الصالحة، من نوافل العبادات: كالصلاة والصدقة، والقراءة للقرآن الكريم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الجيران، وصلة الأرحام وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

النوع السادس: الحرص على أداء صلاة العيد لغير الحاجّ، والتبكير إليها، واستماع الخطبة؛ فإنها من أعظم شعائر الإسلام؛ ولعظم شأنها أُمِرَ بها النساء حتى الأبكار، فعن أمِّ عطية رضي اللَّه عنها قالت: ((كُنَّا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها،حتى نخرج الحيّض فيكنّ خلف الناس،فيكبِّرن بتكبيرهم،ويدعون بدعائهم،ويرجون بركة ذلك اليوم وطهرته)).وفي لفظ:((وأمر الحيّض أن يعتزلن مصلّى المسلمين))([118]).

النوع السابع: تشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق، وهي سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فدى اللَّه ولده بذبح عظيم: ]وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم [([119]) . وقد ثبت أن النبي ﷺ‬ ((ضحّى بكبشين أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر ووضع رجله على صفاحهما))([120]). وقد قال اللَّه تعالى: ]فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر [([121]).

النوع الثامن: نحر الهدايا يوم النحر وأيام التشريق، وهي واجبة على المتمتع والقارن.

النوع التاسع: التكبير، والتهليل، والذكر في هذه الأيام العشر وأيام التشريق. والتكبير قسمان على النحو الآتي:

القسم الأول:التكبير المطلق،وهو الذي لا يتقيد بأدبار الصلوات،بل يشرع في كل وقت:وهو في عيد الفطر،وعيد الأضحى،والذي ينبغي معرفته عن التكبير المطلق في العيدين:وقته،وصفته،وذلك على النحو الآتي:

أولاً:وقت التكبير المطلق في عيد الفطر،وعيد الأضحى على النحو الآتي:

1 - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الفطر من غروب الشمس آخر يوم من رمضان: إما بإكمال ثلاثين يوماً، وإما برؤية هلال شوال، فإذا غربت شمس آخر يوم من رمضان شُرِعَ التكبير المطلق، لقول اللَّه تعالى: ]وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[([122])، ويستمرّ في التكبير من غروب الشمس إلى أن يفرغ الإمام من الخطبة([123]).

2 - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الأضحى من أول عشر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق: في جميع الأوقات، في الليل، والنهار، والطريق، والأسواق، والمساجد، والمنازل، وفي كل موضع يجوز فيه ذكر اللَّه تعالى؛ لقول اللَّه تعالى: ] لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ[([124])،وقول اللَّه ﷻ‬:]وَاذْكُرُواْ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ [([125] قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ] وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ [ : أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق))([126]).

 وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((الأيام المعلومات التي قبل يوم التروية،ويوم التروية، ويوم عرفة،والمعدودات أيام التشريق))([127])؛ولحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، عن النبي ﷺ‬ قال: ((ما من أيام أعظم عند اللَّه ولا أحب إليه من العمل فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد))([128])؛ ولحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬:((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه من هذه الأيام العشر)) فقالوا:يا رسول اللَّه،ولا الجهاد في سبيل اللَّه؟فقال رسول اللَّه ﷺ‬:((ولا الجهاد في سبيل اللَّه إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء))([129]).

وقال الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى: ((وكان ابن عمر، وأبو هريرة رضي اللَّه عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ويكبر محمد بن علي خلف النافلة))([130]).

وقال الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى: ((وكان عمر t يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيراً.

وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام،وخلف الصلوات،وعلى فراشه،وفي فُسطاطه،ومجلسه،وممشاه تلك الأيام جميعاً.

وكانت ميمونة تكبر يوم النحر،وكنَّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد))([131]).

وعن أم عطية رضي اللَّه عنها قالت:كنا نؤمر أن نَخرج يوم العيد حتى نُخرج البكر من خدرها،حتى نُخرج الحيّض،فيكنّ خلف الناس فيُكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته))([132] ولحديث نبيشة الهذلي قال:قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((أيام التشريق أيام أكل وشرب [وذكر لله]))([133]).

قال الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه اللَّه: ((أما التكبير في الأضحى فمشروع من أول الشهر إلى نهاية اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة)) ثم ذكر آية البقرة والحج والأحاديث والآثار السابقة([134]).

ثانياً:صفة التكبير جاء في آثارٍ عن أصحاب النبي ﷺ‬ على أنواع على النحو الآتي:

النوع الأول: كان عبد اللَّه بن مسعود t يقول: ((اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّه أكبر، ولله الحمد))([135]). قال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((وهذا قول: عمر، وعلي، وابن مسعود، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك إلا أنه زاد: على ما هدانا، لقوله: ] وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [([136]).

النوع الثاني: وكان ابن عباس رضي اللَّه عنهما يقول:((اللَّه أكبر،اللَّه أكبر،اللَّه أكبر،ولله الحمد،اللَّه أكبر وأجل،اللَّه أكبر على ما هدانا))([137]).

النوع الثالث:وكان سلمان t يقول:((اللَّه أكبر،اللَّه أكبر،اللَّه أكبر كبيراً))([138]).

النوع الرابع: وكان عبد اللَّه بن مسعود t يقول: ((اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر ولله الحمد))([139]).

 قال الإمام الصنعاني رحمه اللَّه: ((وفي الشرح صفات كثيرة عن عدة من الأئمة وهو يدل على التوسعة في الأمر؛ وإطلاق الآية يقتضي ذلك))([140]) واللَّه ﷻ‬ أعلم([141]).

القسم الثاني التكبير المقيَّد: وهو الذي يُقيَّد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى خاصة،ووقته،وصفته على النحو الآتي:

أولاً: يبتدئ التكبير المقيَّد من عقب صلاة الفجر يوم عرفة، وينتهي بعد صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لما ورد عن علي بن أبي طالب الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين y: ((أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر))([142])، ولما ورد عن عمر الخليفة الراشد t: ((أنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق))([143])، ولما ورد عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما((أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق،لا يكبر في المغرب))([144]).ولما ورد عن ابن مسعود t أنه كان:((يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق))([145]).وفي الباب آثار كثيرة عن بعض أصحاب النبي ﷺ‬([146]) واللَّه أعلم([147]).قال الحاكم رحمه اللَّه:((فأما من فِعْلِ عمر،وعلي،وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن مسعود،فصحَّ عنهم التكبير،من غداة عرفة، إلى آخر أيام التشريق))([148]).وقال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه:((وأصح ما ورد فيه عن الصحابة:قول علي،وابن مسعود،إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره،واللَّه أعلم))([149]).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه:((أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة. ويشرع لكل أحد أن يكبر عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة))([150]).

وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه: ((وروي عن النبي ﷺ‬ وعن جماعة من الصحابة y: التكبير في أدبار الصلوات الخمس من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهذا في حق غير الحاج، أما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير عند أول حصاة من الجمرة المذكورة، وإن كبر مع التلبية فلا بأس، لقول أنس t: ((كان يُلبِّي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه))([151])، ولكن الأفضل في حق المحرم هو التلبية وفي حق الحلال هو التكبير في الأيام المذكورة، وبهذا تعلم أن التكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد، لما تقدم من الآية والآثار))([152]).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((وأما المحرمون فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر... لأنهم كانوا مشغولين قبل ذلك بالتلبية وغيرهم يبتدئ من يوم عرفة لعدم المانع))([153]).

ثانياً: صفة التكبير المقيد: هو مثل التكبير المطلق كما تقدم([154]):((اللَّه أكبر، اللَّه أكبر،لا إله إلا اللَّه،واللَّه أكبر اللَّه أكبر ولله الحمد))([155]وهو قول الخليفتين الراشدين:عمر بن الخطاب، وعلي، وقول ابن مسعود y، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق رحمهم اللَّه تعالى([156]).

السابع والعشرون: ماء زمزم شفاء سُقمٍ وطعام طعمٍ، وهو لما شرب له؛ لحديث أبي ذر t، في قصته الطويلة، وفيها: أن النبي ﷺ‬ قال له وهو في المسجد الحرام: ((متى كنت هاهنا؟) قال: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين ما بين ليلة ويومٍ قال: ((فمن كان يطعمك؟)) قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزم فسمنت حتى تكسّرت عُكنُ بطني، وما أجد على كَبدي سُخْفةَ جوعٍ، قال: ((إنها مباركةٌ، إنها طعامُ طُعمٍ))([157]).

ولفظ البيهقي: ((إنها مباركة، إنها طعام طُعمٍ، وشفاء سُقْمٍ))([158]).

ولفظ البزار: ((زمزم طعام طُعم وشِفاء سُقم))([159]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السُّقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي بَرَهُوت بقية [بـ]حضرموت (عليه] كرجل الجراد من الهوامِّ يصبح يتدفق، ويمسي لا بلال بها))([160]).

وعن جابر t، عن النبي ﷺ‬ قال: ((ماء زمزم لما شُرِب له))([161]).

وعن عائشة رضي اللَّه عنها:أنها حَمَلَتْ ماء زمزم في القوارير، وقالت: ((حمله رسول اللَّه ﷺ‬ في الأداوي والقرب،فكان يصبُّ على المرضى ويسقيهم))([162]).

قال ابن القيم رحمه اللَّه: ((وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عِدَّة أمراضٍ فبرأْتُ بإذن اللَّه))([163] وقال رحمه اللَّه: ((لقد مرَّ بي وقتٌ في مكة سقمتُ فيه ولا أجد طبيباً، ولا دواءً، فكنت أُعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيراً عجيباً، آخذ شربةً من ماء زمزم وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه فوجدت بذلك البُرْءَ التَّام، ثم صرتُ أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع به غاية الانتفاع، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً، فكان كثير منهم يبرأ سريعاً))([164]).

الثامن والعشرون: إذا طاف الحاجُّ طواف الوداع خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ لحديث عبادة بن الصامت t، وفيه: ((... وأما طوافك بالبيت إذا ودَّعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك))([165]).

وفضائل الحج والعمرة لا تحصل إلا لمن أخلص عمله لله، وأدَّى حجه أو عمرته على هدي رسول اللَّه ﷺ‬، فهذان شرطان لابد منهما في قبول كل قول وعمل:

الشرط الأول: الإخلاص للمعبود؛ لقوله ﷺ‬: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))([166]). ولهذا حَرِصَ النبي ﷺ‬ على الإخلاص والدعاء به، فعن أنس بن مالك t قال: حجَّ النبي ﷺ‬ على رَحْلٍ رثٍّ وقطيفة([167]) تسْوى أربعة دراهم، أو لا تسْوَى ثم قال: ((اللَّهم حِجةٌ لا رياءَ فيها ولا سُمعة))([168]).

الشرط الثاني: المتابعة للرسول ﷺ‬ ؛ لقوله: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))([169])، فمن أخلص أعماله لله، مُتَّبعاً في ذلك رسول اللَّه ﷺ‬، فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود داخل في قوله تعالى: ]وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا[([170] ومن جمع الأمرين فهو داخل في قوله تعالى: ]وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [([171] وقوله ﷻ‬: ]بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[([172])، فحديث عمر t ((إنما الأعمال بالنيات)) ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة رضي اللَّه عنها ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) ميزان للأعمال الظاهرة، فهما حديثان عظيمان يدخل فيهما الدين كله، أصوله، وفروعه، ظاهره وباطنه([173]).

&&&


 المبحث الثالث:منافع الحج وفوائده ومقاصده والحكمة من مشروعيته:

النفع: ضدُّ الضرِّ، نفعه ينفعه نفعاً ومنفعة ، يقال: نفعه بكذا فانتفع به، والاسم المنفعة، [وجمعه: المنافع]، ويقال: نفّاعٌ: كثير النفع، فالمنفعة: اسم ما انتفع به([174]).

والنفع: الخير: وهو ما يتوصَّل به الإنسان إلى مطلوبه([175]) .

وقيل: النفع: ما يُستعان به في الوصول إلى الخيرات، وما يتوصَّل به إلى الخير فهو خير، فالنفع خير، وضدّه الضر([176]).

ومنافع الحج، وفوائده ، ومقاصده، والحكمة من مشروعيته كثيرة، لا تُحصر ولا تُعَدُّ، ولكن على وجه الاختصار منها ما يأتي:

أولاً: تعظيم شعائر اللَّه وحرماته، فمن أعظم المنافع للحج تعظيم شعائر اللَّه تعالى وحرماته، وهذه المنفعة من أعظم العبادات لله تعالى، قال اللَّه ﷻ‬: ] ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب [ ([177] وقال جل وعلا: ]ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ [ ([178]).

قال ابن الأثير رحمه اللَّه: ((قد تكرر في الحديث ذكر (الشعائر) وشعائر الحج: آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة، وقيل: هو كل ما كان من أعماله : كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك، وقال الأزهري:الشعائر:المعالم التي ندب اللَّه إليها،وأمر بالقيام عليها، ومنه سُمِّي المشعر الحرام؛لأنه معلم للعبادة وموضع،ومنه حديث [زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((جاءني جبريل، فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج))]([179]) .. ومنه: (إشعار البدن)، وهو أن يشقَّ أحد جَنْبَتَي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هديٌ ...))([180] والشعار: علامة القوم في الحرب،وهو ما ينادون به؛ليعرف بعضهم بعضاً، والعيد شعار من شعائر الإسلام،..والشعائر:أعلام الحج،وأفعاله .. والمشاعر: مواضع المناسك،والمشعر الحرام :جبل بآخر مزدلفة،واسمه قُزَح ...))([181]).

وقيل: شعائر اللَّه: يعني مناسك الحج، وقال الزجاج في شعائر اللَّه: يعني بها جميع متعبدات اللَّه التي أشعرها اللَّه: أي جعلها أعلاماً لنا، وهي كل ما كان من موقف، أو سعي ، أو ذبح ، وإنما قيل: شعائر اللَّه لكل علم مما تُعبِّد به؛ لأن قولهم: شعرت به: علمته؛ فلهذا سميت الأعلام التي هي مُتَعَبَّدات اللَّه تعالى شعائر، والمشاعر مواضع المناسك([182]).

وقال الراغب الاصفهاني رحمه اللَّه:((ومشاعر الحج:معالمه الظاهرة للحواس، و الواحد مشعر،ويقال: شعائر الحج،الواحد:شعيرة،قال اللَّه تعالى:] ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ [([183]) وقال:] فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْـمَشْعَرِ الْـحَرَامِ [([184]]لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ[ ([185])،أي ما يُهدى إلى بيت اللَّه، وسُمِّي بذلك؛لأنها تشعر:أي تُعلَّم بأن تُدْمَى بشعيرة:أي حديدة يشعر بها([186]).

وقال الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى: ((]ذلك ومن يعظِّم شعائر اللَّهِ فإنها من تقوى القلوب [: يقول تعالى ذكره: هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس، وأمرتكم به، من اجتناب الرجس من الأوثان، واجتناب قول الزور حنفاء لله، وتعظيم شعائر اللَّه، وهو استحسان البدن، واستسمانها، وأداء مناسك الحج على ما أمر اللَّه جل ثناؤه من تقوى قلوبكم))، ثم قال: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن اللَّه تعالى ذِكْرُهُ أخبر أن تعظيم شعائره: وهي ما جعله أعلاماً لخلقه فيما تعبَّدهم به من مناسك حجِّهم من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم من تقوى قلوبهم لم يخصص من ذلك شيئاً، فتعظيم ذلك من تقوى القلوب ... وحقٌّ على عباده المؤمنين تعظيم جميع ذلك ... فإن تلك التعظيمة: من اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب: .. أي فإنها من وجل القلوب من خشية اللَّه، وحقيقة معرفتها، وإخلاص توحيده))([187]).

وقال الإمام القرطبي رحمه اللَّه: (( ] ومن يعظم شعائر اللَّه [: الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمرٌ أشعر به وأعلم، ومنه شعار القوم في الحرب: أي علاماتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البدنة، وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم، فيكون علامة، فتسمَّى شعيرة،بمعنى المشعورة،فشعائر اللَّه:أعلام دينه، لاسيما ما يتعلق بالمناسك .. وأضاف التقوى إلى القلوب؛ لأن حقيقة التقوى في القلب؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح الحديث: ((التقوى ها هنا))([188])، وأشار إلى صدره([189]).

وقال الإمام البغوي رحمه اللَّه: ((قال ابن عباس: شعائر اللَّه: البُدْن، والهدي، وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها، ليُعلم أنها هدي، وتعظيمها استسمانها واستحسانها، وقيل: شعائر اللَّه: أعلام دينه، فإنها من تقوى القلوب: أي: إن تعظيمها من تقوى القلوب))([190]).

وقال ابن كثير رحمه اللَّه: ((]ومن يعظم شعائر اللَّه[: أي أوامره ]فإنها من تقوى القلوب [، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم، عن ابن عباس: تعظيمها: استسمانها، واستحسانها))([191]).

وقال العلامة السعدي رحمه اللَّه: ((والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ] إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [ ([192])، ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتقدّم أن معنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكميلها، على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها الهدايا، فتعظيمها باستحسانها، واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه، فتعظيم شعائر اللَّه صادر من تقوى القلوب، فالمعظِّم لها يُبرهن على تقواه وصحة إيمانه، لأنّ تعظيمها تابع لإعظام اللَّه وإجلاله))([193]) .

وقال رحمه اللَّه: ((] إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [ ([194]): يخبر تعالى: أن الصفا والمروة ... من شعائر اللَّه: أي: أعلام دينه الظاهرة التي تعبَّد اللَّه بها عباده، وإذا كانا من شعائر اللَّه، فقد أمر اللَّه بتعظيم شعائره فقال: ] ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[ ([195]) ، فدلّ مجموع النصين أنهما من شعائر اللَّه، وأن تعظيم شعائره من تقوى القلوب، والتقوى واجبة على كل مكلَّف، وذلك يدلّ على أن السعي بهما فرض لازم للحج والعمرة كما عليه الجمهور، ودلّت عليه الأحاديث النبوية، وفعله النبي ﷺ‬ وقال: ((خذوا عني مناسككم))([196]) ))([197]).

وقال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: (( ] ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ[ عام في جميع شعائر اللَّه، وقد نصَّ على أن البُدن فرد من أفراد هذا العموم داخل فيه قطعاً، وذلك في قوله: ] وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ[ ([198]) ، فيدخل في الآية تعظيم البُدن، واستسمانها، واستحسانها، كما قدمنا عن البخاري: أنهم كانوا يستسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر اللَّه، وقد قدمنا أن اللَّه صرح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا العموم بقوله:  ] إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [ ([199]) الآية: وأن تعظيمهما المنصوص في هذه الآية: عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة ...))([200]).

وأما حرمات اللَّه تعالى في قوله: ] ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [ ([201] فقال الإمام ابن جرير رحمه اللَّه: ((ومن يجتنب ما أمره اللَّه باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود اللَّه أن يواقعها، وحُرَمهُ أن يستحلَّها فهو خير له عند ربه في الآخرة))([202]).

وقال الإمام البغوي رحمه اللَّه: ((]ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ [ أي معاصي اللَّه وما نهى عنه، وتعظيمها: ترك ملابستها ... وذهب قوم إلى أن الحرمات هنا: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام  ] فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [ أي تعظيم الحرمات خير له عند اللَّه في الآخرة))([203]).

وقال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه: ((]ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ [ أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه ] فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [ أي فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما [أن] على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات والمحظورات))([204]).

وقال الإمام القرطبي رحمه اللَّه: ((الحرمات: المقصود هنا هي: أفعال الحج المشار إليها في قوله: ] ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، ... ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات: امتثال الأمر: من فرائضه وسننه، وقوله: ] فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [ أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها ... ))([205]).

وقال العلامة السعدي رحمه اللَّه:((]ذَلِكَ[ الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام،وما فيها من تعظيم حرمات اللَّه،وإجلالها وتكريمها؛ لأن تعظيم حرمات اللَّه من الأمور المحبوبة المقربة إليه،التي من عظَّمها وأجلَّها أثابه اللَّه ثواباً جزيلاً،وكانت خيراً له في دينه ودنياه،وأخراه عند ربه.

وحرمات اللَّه: كلُّ ما له حرمة، وأمر باحترامه بعبادة أو غيرها: كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر اللَّه العباد القيام بها: فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاونٍ ومتكاسلٍ، ولا متثاقلٍ))([206]).

فيجب على العبد أن يعظِّم حرمات اللَّه: باجتنابها، سواء كان ذلك في الحج أو في غيره ، ويعظم حرمات اللَّه كما تقدم، ويدلّ على عبودية العبد لله تعالى تعظيم شعائره كما تقدم.

وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: أن استقامة القلب بشيئين:

 الأول: أن تكون محبة اللَّه تتقدم عنده على جميع المحابّ.

الثاني: تعظيم الأمر والنهي؛ فإنه ذم من لا يعظمه، ولا يعظم أمره ونهيه قال سبحانه: ] مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للَّهِ وَقَاراً [ ([207]) ... وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخيصٍ جافٍ، ولا يعارضا لتشديدٍ غالٍ، ولا يحملا على علةٍ توهن الانقياد))([208]).

وقد كان النبي ﷺ‬ يربي أصحابه،بل وأمته على تعظيم شعائر اللَّه تعالى فكان يقول ﷺ‬:((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))([209]).

وكان ﷺ‬ يقول: ((...وصلوا كما رأيتموني أصلي))([210]).

وقال ﷺ‬ في حجة الوداع وهو يرمي جمرة العقبة: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجتي هذه))([211]).

فمن تعظيم شعائر اللَّه تعالى: الاقتداء بالنبي ﷺ‬ في جميع مناسك الحج، وما يعمله الحاجّ في المشاعر، وإذا قصَّر في شيء من ذلك متعمِّداً راغباً عن سنته ﷺ‬ فليس منه في شيء، وكذلك جميع العبادات التي شرعها ﷺ‬.

ومن تتبّع أحوال النبي ﷺ‬ ، وتأمّل في صفة حجة الوداع ظهر له تعظيم النبي ﷺ‬ لشعائر اللَّه، وتعظيمه لحرمات اللَّه ﷻ‬ .

ثانياً: مغفرة ذنوب الحاج ورضوان اللَّه عليه، فيرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه، إذا كان متَّقياً ربه في حجِّه: بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وقد تقدم في فضائل الحج والعمرة قول النبي ﷺ‬: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه))([212]).

وذكر الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى: أن معنى قوله تعالى: ] فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى[ ([213]) هو أن الحاج يخرج مغفوراً له كيوم ولدته أمه لا إثم عليه، فقد ذكر ستة أقوال لأهل العلم في معنى الآية، ثم قال رحمه اللَّه: ((وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: ] فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ [ من أيام منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه، لحطّ اللَّه ذنوبه إن كان قد اتّقى اللَّه في حجه، فاجتنب فيه ما أمره اللَّه باجتنابه، وفعل فيه ما أمره بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده، (وَمَنْ تَأَخَّرَ) إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غدٍ النفر الأول (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) لتكفير اللَّه له ما سلف: من آثامه وإجرامه إن كان اتقى اللَّه في حجه بأدائه بحدوده؛ وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته بالصحة؛ لتظاهر الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ‬ أنه قال: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه))([214] وأنه قال: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة))([215]) ... وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عن أن من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره اللَّه، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: ] فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى [ اللَّه في حجه، فكان في ذلك من قول رسول اللَّه ﷺ‬ ما يوضح أن معنى قوله جل وعز: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه، وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث؛ لأن الحرج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترْك عمله، فيرخّص له في عمله بوضع الحرج عنه في عمله، أو فيما كان عليه عمله فيرخّص له في تركه بوضع الحرج عنه في تركه ... ))([216])، وقد رجح اختيار الإمام ابن جرير العلامة الجهبذ محمد الأمين الشنقيطي رحمه اللَّه([217]) .

ثالثاً: مضاعفة الصلوات في الحرم من المنافع العظيمة؛

فإن الصلاة  فيه أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه؛ لقول النبي ﷺ‬: ((...وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه))([218])، وهذا       ثوابه عظيم؛ فإن من صلّى يوماً واحداً خمس صلوات، كانت أفضل من خمسمائة ألف صلاة، فتكون أفضل من الصلاة في مائتين وإحدى وثمانين سنة وستة أشهر تقريباً؛ لأن المصلي إذا صلَّى خمس صلوات، كان ذلك عدد الصلوات في اليوم، فيكون بمائة ألف يوم تقسيم ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوماً، عدد أيام السنة القمرية، والناتج يكون عدد السنين هكذا 100000 يوم ÷ 355 يوماً = 281،69 سنة، وهذا فضل عظيم، وثواب كبير جليل، لمن وفقه اللَّه تعالى للخير([219]).

وقد جعل اللَّه هذا المسجد أول بيت وُضِع للعبادة، وهو أفضل المساجد مطلقاً؛ لقول اللَّه تعالى: ] ِإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَـمِينَ  * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَـمِينَ[ ([220]).

وعن أبي ذر t قال: قلت: يا رسول اللَّه: أيُّ مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال: ((المسجد الحرام)) قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: ((المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: ((أربعون سنة) ثم قال: ((حيثما أدركت الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد) وفي لفظ مسلم: ((ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركت الصلاة فصل))([221]).

فقوله تعالى: ] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [ يخبر تعالى عن شرف هذا البيت العظيم الحرام، وأنه أول بيت وضعه اللَّه للناس يتعبدون فيه لربهم I، ويطوفون به، ويُصلُّون إليه([222] وقوله: ] لَلَّذِي بِبَكَّةَ [ بكة: من أسماء مكة، قال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه: ((بكة من اسماء مكة على المشهور، قيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها تبكّ أعناق الظلمة والجبابرة ، بمعنى أنهم يذلون بها، ويخضعون عندها، وقيل: لأن الناس يتباكّون فيها: أي يزدحمون))([223] وقال رحمه اللَّه: ((وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين ، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى، وصلاح، والعَرَش على وزن بدر، والقادس؛ لأنها تطهِّر من الذنوب، والمقدّسة، والناسة - بالنون والباء أيضاً -، والنسَّاسة، والحاطمة، والرأس، وكوثا، والبلدة، والبنية، والكعبة))([224]).

وقوله تعالى:(مُبَارَكَاً):أي فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية))([225]).

وقوله: ]فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ[ أي أدلة واضحة، ودلالات ظاهرة، وبراهين قاطعات على أن اللَّه تعالى عظَّمه وشرَّفه))([226]).

وقوله تعالى: ]مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ[ ومن الآيات البينات (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وكان أثر قدميه عليه، وكان ملصقاً بجدار الكعبة، حتى أخَّره عمر بن الخطاب في خلافته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكَّن الطائفون بالصلاة خلفه، ولا يشوِّشون على الطائفين بالبيت أثناء الصلاة([227]).

ومن الآيات البينات: الحجر الأسود، والحطيم([228])، وزمزم، والمشاعر كلها، وقيل: مقام إبراهيم: جميع الحرم([229]).

قال الإمام الطبري رحمه اللَّه بعد أن ذكر أقوال أهل العلم: ((وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: الآيات البينات: منهن مقام إبراهيم، وهو قول: قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما، فيكون الكلام مراداً فيه: (منهن) فترك ذكره اكتفاءً بدلالة الكلام عليها، فإن قال قائل : فهذا المقام من الآيات البينات، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل: ]آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ؟ [، قيل: منهن المقام، ومنهن الحجر، ومنهن الحطيم))([230]) .

قال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما في قوله تعالى: (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) قال: الحرم كله مقام إبراهيم))([231]).

وقال العلامة السعدي رحمه اللَّه: ((ويحتمل أن المراد بمقام إبراهيم مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع المناسك كلها، فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات:كالطواف،والسعي، ومواضعها، والوقوف بعرفة، ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر والآيات في ذلك ما جعله اللَّه في القلوب من تعظيمها واحترامها، وبذل نفائس النفوس والأموال في الوصول إليها، وتحَمُّل كل مشقة لأجلها، وما في ضمنها من الأسرار البديعة، والمعاني الرفيعة، وما في أفعالها من الحكم والمصالح التي يعجز الخلق عن إحصاء بعضها ...))([232]) .

قوله تعالى: ] وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً[ يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في الجاهلية، حتى أن الواحد من أهل الجاهلية يجد قاتل أبيه فلا يهيجه في الحرم([233]).

وأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من إقامة حدود اللَّه، فمن فعل ما يوجب حد أقيم عليه فيه، ومن فعل حداً خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم عائذاً به، فإنه يُخرَج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ([234]).

وذلك بدعاء إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، حين قال: ]رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ[ ([235]] وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [ ([236]).

وقال الإمام البغوي رحمه اللَّه تعالى: (((ومن دخله كان آمناً) قال: وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، تقديره: ومن دخله فأمِّنوه، كقوله: ] فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْـحَجِّ) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا))([237]).

وقد ذكر اللَّه منَّته على عباده فقال: ] أَوَلَـمْ نُمَكِّنْ لَـهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ[ ([238]).

وقال تعالى:]أَوَلَـمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِـهِمْ[ ([239]).

وقد ثبت في الحديث الصحيح قول النبي ﷺ‬: ((إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لأهلها، وحرّمتُ المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، ودعوت لأهلها في مدِّها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم [u] لمكة))([240]) .

وثبتت أحاديث أخرى تدلّ على أن اللَّه الذي حرّم مكة،ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬ أنه قال: ((إن هذا البلد حرّمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار ... ))([241]) .

قال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه: ((فإذا عُلم هذا ،فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالّة على أن اللَّه حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدّالّة على أن إبراهيم u حرّمها؛ لأن إبراهيم بلّغ عن اللَّه حكمه فيها، وتحريمه إياها ... ))([242]).

ولعظمة هذا البيت توعّد اللَّه من أراد فيه بإلحاد بظلم بعذاب أليم فقال I: ] وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْـحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [ ([243]).

رابعاً:ذكر اللَّه تعالى في الأيام المعلومات:وهي عشر ذي الحجة وأيام التشريق([244]) من جملة المنافع للحج، قال اللَّه تعالى: ] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَـهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَام [ ِ ([245]).

قال الإمام الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: ((اللام في قوله: (ليشهدوا) هي لام التعليل، وهي متعلقة بقوله تعالى: ] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ [ الآية: أي أن  تؤذن فيهم يأتوك مشاة، وركباناً لأجل أن يشهدوا: أي يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم))([246]).

فقوله: ] وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ [ من المنافع الدينية، قال العلامة: الإمام شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: ((وعطفه على المنافع من باب عطف الخاص على العام))([247]) يعني عطف الذكر على المنافع. وقال العلامة السعدي رحمه اللَّه: ] وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ [ وهذا من المنافع الدينية))([248]).

ولا شك أن الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والدعاء على الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ومزدلفة، ورمي الجمار، كل هذه من ذكر اللَّه تعالى، ولهذا روي ((إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر اللَّه ﷻ‬))([249])، وهذا المعنى صحيح حتى ولو لم يصحّ فيه الحديث.

خامساً:دخول الجنة والنجاة من النار من أعظم منافع الحج؛ لقوله ﷺ‬: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس جزاء إلا الجنة))([250])، وهذا أعظم المنافع التي تحصل لمن حج حجاً مبروراً؛ لأن من زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ] فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْـجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [ ([251]) .

سادساً:السلامة من الفقر، لمن تابع بين الحج والعمرة؛ لقول النبي ﷺ‬:((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ...)) الحديث([252]).

وهذا من المنافع؛ فإن المتابعة بين الحج والعمرة يزيلان الفقر، قال العلامة المباركفوري رحمه اللَّه: ((ينفيان الفقر: أي يزيلانه، وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب))([253] وقد قال اللَّه تعالى: ] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ ([254]).

سابعاً: أرباح التجارة، من المنافع المباحة الدنيوية التي تحصل للحاج إذا أراد البيع والشراء أرباح التجارة، وقد أباح اللَّه ذلك للحاج إذا لم تشغله عن حجه، قال اللَّه تعالى: ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ [ ([255]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((كانت عكاظُ، ومَجنَّةُ، وذو المجازِ أسواقاً في الجاهلية، فتأثَّموا أن يتَّجروا في المواسم، فنزلت ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ [ في مواسم الحج))، وفي لفظ: ((كان ذو المجاز وعكاظ متَّجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ [ في مواسم الحج))([256]).

وعنه t أنه قرأ هذه الآية:]لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ[ قال:((كانوا لا يتَّجرون بمنى،فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات))([257]).

وروى الإمام الطبري عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: ((لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده))([258]).

وقال الإمام الشنقيطي رحمه اللَّه: ((وقوله: (منافع)([259]) جمع منفعة، ولم يبيِّن هنا هذه المنافع ما هي ، وقد جاء بيان بعضها في الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، وأما الدنيوي فكأرباح التجارة، إذا خرج الحاج بمال تجارته معه؛ فإنه يحصل له الربح غالباً، وذلك نفع دنيوي، وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: ] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ [ ([260]) أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج إذ ابتغى ربحاً بتجارة في أيام الحج إن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه ... ومن المنافع الدنيوية ما يصيبونه من البدن، والذبائح ... كقوله تعالى: (فكلوا منها)([261]) في الموضعين، وكل ذلك نفع دنيوي، وفي ذلك بيان أيضاً لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه))([262]).

وقال الإمام الطبري رحمه اللَّه في قوله تعالى: ]لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَـهُمْ[: ((اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكرها اللَّه في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي التجارة، ومنافع الدنيا ... وقال آخرون: هي الأجر في الآخرة، والتجارة في الدنيا، ... وقال آخرون: بل هي العفو والمغفرة، ... وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي اللَّه والتجارة، وذلك أن اللَّه عمَّ لهم منافع جميع ما يَشْهَد له الموسم ويتأتى له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك شيئاً من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت))([263]).

وقال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه: ((منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان اللَّه تعالى، وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من منافع البُدن، والربح، والتجارات))([264]).

وذكر الإمام البغوي رحمه اللَّه ما حاصله:العفو والمغفرة،وقيل: التجارة، وقيل:الأسواق،وقيل:التجارة وما يرضى اللَّه به من أمر الدنيا والآخرة([265]).

والصواب في المنافع إن شاء اللَّه تعالى: هو مجموع هذه الأقوال كما قال الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى، وأن المنافع عامة شاملة لكل المنافع في الدنيا والآخرة، واللَّه تعالى أعلم، فيدخل فيها ما تقدم من المنافع، وما سيأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى.

ثامناً: إظهار التذلل لله تعالى، والخضوع له سبحانه؛ وذلك لأن الحاج والمعتمر يرفض أسباب الترف والتزين، والتطيب، ويلبس ثياب الإحرام مظهراً فقره لربه، متجرِّداً عن كل ما يشغله ويصرفه عن مولاه، فيتعرَّض بذلك لمغفرته سبحانه، ثم يقف الحاج في عرفة متضرّعاً، متذلِّلاً، حامداً شاكراً، لربه، ومستغفراً لذنوبه وعثراته، سائلاً ربه ما يحتاجه في دنياه وأخراه، وفي طوافه بالبيت العتيق يلوذ باللَّه ويلجأ إليه من ذنوبه، ومن هوى نفسه والشيطان ووساوسه([266]).

تاسعاً: أداء الشكر لله تعالى؛ فإن في الحج يؤدي العبد بعض الشكر لسلامة البدن من العوارض المانعة من الحجِّ و غيره، وشكر نعمة المال، وشكر نعمة الفراغ، وشكر نعمة الحياة، وشكر نعمة القوة والشباب، وهذه النعم من أعظم ما يتمتع به الإنسان من نعم الدنيا؛ لأن الإنسان بهذه النعم: يجهد نفسه، وينفق ماله؟، ويشغل وقته، ويغتنم حياته وقوته، في طاعة ربه، والتقرب إليه I، وقد قال النبي ﷺ‬: ((نعمتان مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ))([267])، وقال ﷺ‬: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))([268]) .

ومعلوم أن شكر اللَّه تعالى على نعمه  من أعظم العبادات التي ينال بها العبد الثواب والزيادة من فضل اللَّه ﷻ‬، قال اللَّه تعالى: ] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [ ([269]).

عاشراً: الحج أعظم مؤتمر بشري تجتمع كلمة أصحابه الصادقين على البر والتقوى، فيجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم، ومَهْوَى قلوبهم ، فيتعرّف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً، فتذوب الفوارق بين الناس: فوارق اللون والجنس، وفوارق اللسان واللغة، وفوارق الغنى والفقر، وفوارق الجاه والسلطان: ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقَاكُمْ [ ([270]).

وهذا كله يُبيِّن أن الحكمة لمشروعية الحج: إظهار العبودية لله تعالى، وأن الحج يشتمل على حِكم جليلة، كثيرة، وفوائد عديدة، تدركها العقول الصحيحة، والفطر السليمة، وتشمل حياة المسلم: الروحية، والمالية، والجسدية، ومصالح المسلمين: في الدين، والدنيا([271]).

الحادي عشر:الحج يذكّر المسلم بالموت والانتقال إلى الآخرة، وذلك إذا تجرَّد الحاج من ثيابه، ولبس الإحرام الذي يشبه الأكفان، ورأى: بأن الرئيس والمرؤوس، والملك، والوزير، والغني، والفقير، والعربي، والأعجمي، والأسود، والأبيض، والصغير، والكبير، كلهم لباسهم واحد، ولا فرق بينهم في ذلك ، وهذا يُذكِّر بخروج الإنسان من الدنيا، ولا يحمل معه إلا هذه الأكفان، التي تبلى بعد ذلك سريعاً، قال اللَّه تعالى: ] وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [ ([272]).

الثاني عشر: الحج يذكِر بيوم القيامة؛ لأن الحاج إذا رأى جموع الحجاج قد جاؤوا من كل فجٍّ عميق، ومن كلِّ طريقٍ بعيدٍ، واجتمعوا للطواف بالبيت العتيق، وانصرفوا من اجتماعهم بعد الصلوات، يُذكِّر بهذا الاجتماع، وهذا الانصراف يوم القيامة، وانصراف الناس بعد ذلك كما قال اللَّه تعالى: ] يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَـهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [ ([273]).

وكذلك الطواف بين الصفا والمروة، وزحام الناس في الدخول مع الأبواب والخروج يذكر بيوم القيامة.

وكذلك اجتماع الحجاج في عرفة في صعيدٍ واحدٍ، في يومٍ واحدٍ، بلباسٍ واحدٍ، بأعدادٍ كثيرةٍ هائلةٍ، يذكِّر المسلم بيوم القيامة، واجتماع الناس جميعاً في عرصات القيامة، لا ينفعهم إ لا ما قدَّموا، في هذا اليوم العظيم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم.

فإذا رأى المسلم العاقل هذه الجموع ذَكَّره بهذا اليوم العظيم، ولان قلبه، واستعدّ للقاء اللَّه تعالى. واللَّه المستعان.

الثالث عشر: الحج امتثال لأمر اللَّه وإجابة لأمره لإبراهيم بالدعوة إليه؛ لقول اللَّه تعالى: ] وللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [ ([274] ولقوله تعالى لإبراهيم: ] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَـهُمْ [ ([275])؛ ولحديث أبي هريرة t، قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ‬ فقال: ((أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحُجُّوا)فقال رجل:أكل عام يا رسول اللَّه، (فسكت) حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((لو قلتُ: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما هَلَكَ من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأْتُوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه))([276]).

الرابع عشر: الصلة باللَّه تعالى، والتقرب إليه، ومفارقة الأهل، والأوطان والعشيرة؛ لأداء الحج، وزيارة البيت العتيق، وهذا فيه فوائد عظيمة، ومنافع كثيرة، لا تحيط بها العبارة؛ لأنه في هذه العبادة: يركب الأخطار، ويقطع الطرق الطويلة، ويشق الأجواء يرجو رحمة ربه، ويخاف عقابه سبحانه، فما أحراه بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، من المولى الكريم ﷻ‬.

ولا شك أن هذه العبادة شرع اللَّه فيها: الإحرام، والتلبية، واجتناب كثير من العوائد، وكشف الرجل رأسه، وخلع ثيابه وإبدالها بالإزار والرداء، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، وحلق الرأس أو تقصيره، والتقرُّب إلى اللَّه تعالى بذبح الهدايا والقرابين، وغير ذلك مما شرع اللَّه في الحج، وكل ذلك تشهد العقول الصحيحة، والفطر السليمة المستقيمة بحسنه، وأنه لا حكمة فوق حكمة من شرعه ([277]).

الخامس عشر:اتصال المسلمين بعضهم ببعض،وتعاونهم في مصالحهم: لا شك أن من فوائد الحج اتصال المسلمين من جميع أقطار الأرض في مواسم الحج، فيحصل بذلك الخير الكثير، والتشاور في كثير من أمورهم، وتعاونهم في مصالحهم العاجلة والآجلة، واستفادة بعضهم من بعض، وتوحيد كلمتهم على الحق، وكل ذلك من جملة منافع الحج التي أشار إليها تعالى بقوله([278]): ] لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَـهُمْ [ ([279]).

السادس عشر:التعلم،والتعليم،ونشر الدعوة والخير بين الناس في المواسم:

الحجاج جاؤوا من كل فج عميق؛ ليؤدُّوا هذا الواجب العظيم؛ وليستفيدوا من حجهم أنواعاً من الطاعات لله تعالى، والمشاعر المقدسة يلتقي فيها أولياء اللَّه، والعلماء من أقطار الأرض، فيستفيد العالم والمتعلم: يستفيد العالم بنشر علم الكتاب والسنة في هؤلاء الجموع الكثيرة، وتعليمهم ما يجب عليهم، وتحذيرهم مما يضرّهم، وترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم.

ويستفيد الراغب في الخير: من العلماء والدعاة إلى اللَّه ﷻ‬، من حلقات العلم في المسجد الحرام، وفي المشاعر المقدسة([280]).

ولا شك أن هذا من التزود بالتقوى التي هي خير زاد، كما قال اللَّه تعالى: ]وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى[ ([281])، فيدخل في ذلك الاستفادة من العلماء الربانيين، ويدخل في ذلك تعليم الناس الخير، والدعوة إلى اللَّه تعالى، والأمر بالمعروف،والنهي عن المنكر، بالأسلوب الحسن، والحكمة والموعظة الحسنة([282]كما قال تعالى:]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْـهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ ([283]).

قال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: ((وكل ما يفعله الحاج: من طاعة اللَّه ونفع لعباده، مما ذكر ومما لم يُذكر، كله داخل في المنافع، وهذا من حكمة([284]) اللَّه في إبهامها حتى يدخل فيها كل ما يفعله المؤمن والمؤمنة، من طاعة لله، ومن نفع لعباده، فالصدقة على الفقير منفعة، وتعليم الجاهل منفعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منفعة، وفي الدعوة إلى اللَّه منافع عظيمة، والصلاة في المسجد الحرام منفعة،... وكل ما تفعله مما ينفع الناس من قولٍ، أو فعلٍ، أو صدقةٍ، أو غيرها مما شرعه اللَّه أيضاً داخل في المنافع، فينبغي للحاج أن يستغل هذه الفرصة العظيمة ... ))([285]).

السابع عشر: أعظم المنافع تحقيق التوحيد ونبذ الشرك؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه t في صفة حجة النبي ﷺ‬: حجة الوداع، وفيه: أن النبي ﷺ‬ كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر t، فنظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ‬ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: ((لبَّيْك اللَّهمّ لبَّيْك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إنَّ الحمدَ، والنِّعْمَةَ لك والـمُلْكَ، لا شريك لك))([286]).

وقد جاءت هذه التلبية بلفظها من حديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أن تلبية رسول اللَّه ﷺ‬: ((لبّيك اللَّهمّ لبَّيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك))([287]) ، وفي لفظ للبخاري ومسلم قال ابن عمر: ((لا يزيد على هؤلاء الكلمات))([288] وكان ابن عمر رضي اللَّه عنهما يزيد فيها: ((لبَّيك، لبَّيك، وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك والرغباء إليك والعمل))([289] ولفظ ابن ماجه وأبي داود: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل([290]).

وعن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: كان عمر بن الخطاب يهلُّ بإهلال رسول اللَّه ﷺ‬ من هؤلاء الكلمات([291] ويقول: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك،لبَّيك،وسَعْدَيْكَ،والخيرُ في يديك،لبَّيك والرغباءُ إليك والعمل([292]).

وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت:إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ‬ يلبِّي: ((لبَّيك اللَّهم لبَّيك،لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك))([293]).

وجاء لفظ حديث عائشة رضي اللَّه عنها عن ابن مسعود t قال: كان من تلبية النبي ﷺ‬: ((لبَّيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك))([294]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال:كان المشركون يقولون:لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه ﷺ‬: ((ويلكم: قد قد([295])))،فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت([296]).

وعن أبي هريرة t، قال: كان من تلبية النبي ﷺ‬:((لبَّيْك إلهَ الحقّ) ولفظ ابن ماجه:أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال في تلبيته:((لبَّيْك إله الحق لبيك))([297]) ،وقد اشتملت تلبية النبي ﷺ‬ على إثبات التوحيد، والبراءة من الشرك.

فمن حج أو اعتمر فقد شرعت له هذه التلبية، وهذا من أعظم تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك، وهذا كله من أعظم المنافع. وقوله ﷺ‬: ((لبَّيك اللَّهمّ لبَّيك)) من التلبية، وهي إجابة الـمــنادي: أي إجـــابتي لك يا ربِّ، وهو مأخوذ من لبَّ المكان، وألبَّ به إذا أقام به، وألبَّ على كذا: إذا لم يفارقه، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير: أي إجابة لك بعد إجابة.

وقيل معناه: اتجاهي وقصدي يا ربِّ إليك، من قولهم: داري تلبُّ دارك: أي تواجهها.

وقيل: معناه: إخلاصي لك، من قولهم: حسبٌ لُباب، إذا كان خالصاً محضاً، ومنه لبُّ الطعام ولبابه.

وقيل: معناها: محبتي لك يا ربِّ، من قول العرب: امرأةٌ لبَّةٌ، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه([298]).

ولعظم التلبية وعلوِّ شأنها تعدَّدت معانيها عند العلماء، وكل هذه المعاني تدلُّ على توحيد اللَّه تعالى، والنهي عن ضده، وهو: الشرك باللَّه ﷻ‬، وقد نقل الإمام ابن القيم رحمه اللَّه ثمانية أقوال في معانيها، وهي على النحو الآتي:

1-      إجابة لك بعد إجابة؛ولهذا المعنى كررت التلبية إيذاناً بتكرير الإجابة.

2-     انقياد لك  بعد انقياد، من قولهم: لبب الرجل إذا قبضت على تلابيبه،ومنه لببته بردائه:فالمعنى:انقدتُ لك، وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة، كما يفعل بمن لبب بردائه، وقبض على تلابيبه.

3-     أنه من لبّ بالمكان إذا قام ولزمه، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها.

4-     أنه من قولهم: داري تلبّ دارك: أي تواجهها وتقابلها: أي مواجهة بما تحبّ.

5-     معناه: حباً لك بعد حُبٍّ من قولهم: امرأة لبة: إذا كانت محبة لولدها.

6-     مأخوذ من لبّ الشيء: وهو خالصه، ومنه لبُّ الطعام، ولبُّ الرجل عقله وقلبه، ومعناه: أخلصت لُبِّي وقلبي لك، وجعلت لك لبِّي وخالصتي.

7-     أنه من قولـهـم: فــلان رخي اللبـب، وفي لبـب رضي: أي في حال واسعة منشرح الصدر، ومعناه: بوجد المحبّ إلى محبوبه، لا بكرهٍ ولا تكلف.

8-     أنه من الإلباب: وهو الاقتراب: أي اقتراب إليك بعد اقتراب، لما يقترب المحب من محبوبه، ومعنى: ((وسعديك)) من المساعدة، وهي المطاوعة: أي مساعدة في طاعتك، وما تحب بعد مساعدة.

ومعنى: ((والرغباء إليك)): أي الطلب والمسألة والرغبة([299]).

ولا شك أن التلبية فيها الإعلان بإجابة دعوة اللَّه تعالى وطاعته، والإعلان بالتوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وهذا من أعظم المنافع.

وقد اشتملت التلبية على قواعد عظيمة، وفوائد جليلة، كثيرة نافعة([300]).

ولا شك أن الاهتمام بمعرفة معنى التلبية، ومعرفة هذه الفوائد التي تضمنتها يعين العبد المسلم على القيام بعبادة الحج والعمرة، والتقرب لله تعالى بقول هذه الكلمات على أحسن وجه وأكمله.

$ $ $


 المبحث الرابع: حكم الحج ومنزلته في الإسلام

أولاً: حكم الحج في الإسلام:

الأصل في وجوب الحج الكتاب، والسنة، والإجماع.

أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ] وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَـمِينَ[([301] وحرف عَلى: يدلُّ على الإيجاب، لا سيما إذا ذُكر المستحق، فقيل: لفلان على فلان كذا، وقد أتبعه بقوله تعالى: ] وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَـمِينَ [؛ ليبيَّن أن من لم يعتقد وجوبه فهو كافر، وأنه إنما وضع البيت، وأوجب حجه؛ ليشهدوا منافع لهم، لا لحاجةٍ إلى الحجاج، كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده، ويعظِّمه؛ لأن اللَّه غني عن العالمين.

وكذلك قوله تعالى: ]وَأَتِمُّوا الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ[([302]) على أحد التأويلين([303] وقوله تعالى: ] وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [ ([304])، فأذَّن فيه إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة، وأتم التسليم: ((إن لربكم بيتاً فحجّوه))([305]).

وقال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه تعالـى في تفسير قوله تعالى: ] وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً[: ((هذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل: بل هي قوله تعالى: ]وَأَتِـمُّوا الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ[، والأول أظهر)) ([306]).

وقال الإمام الطبري رحمه اللَّه في تأويل قوله تعالى: ] وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَـمِينَ [ قال بعد أن ذكر أقوال أهل العلم: ((وأولى التأويلات بالصواب في ذلك: قول من قال: ((ومن كفر)) ومن جحد فرض ذلك، وأنكر وجوبه، فإن اللَّه غنيٌّ عنه وعن حجه، وعن العالمين جميعاً )) ([307] ولهذا قال رحمه اللَّه: ((ومن جحد ما ألزمه اللَّه من فرض حج بيته، فأنكره، وكفر به؛ فإن اللَّه غنيٌّ عنه، وعن حجِّه وعمله، وعن سائر خلقه: من الجن والإنس... )) ([308]).

وأما السنة؛ فلإحاديث كثيرة، منها الأحاديث الآتية:

1- حديث أنس بن مالك t قال:  نُهينا أن نسأل رسول اللَّه ﷺ‬ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك؟ قال: ((صدق ) قال: فمن خلق السماء؟ قال: ((اللَّه) قال: فمن خلق الأرض؟ قال: ((اللَّه) قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: ((اللَّه) قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، اللَّه أرسلك؟ قال: ((نعم) قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، فقال: ((صدق) قال: فبالذي أرسلك اللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم) قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: ((صدق)، قال: فبالذي أرسلك اللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم) قال: وزعم رسولك أنَّ علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا، قال ((صدق ) قال: فبالذي أرسلك: اللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم) قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: ((صدق ) قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص منهنَّ، فقال النبي ﷺ‬: ((لئن صدق ليدخلن الجنة ))([309]).

2- حديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت))([310]) .

3- حديث جبريل في رواية عمر بن الخطاب t، وفيه أنه قال: بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ‬ ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ‬، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً...)) ([311]).

4- حديث أبي هريرة t، وفيه: أنه قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ‬، فقال: ((أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجّوا...))([312]).

5- حديث عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ‬، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْـمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْـمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ‬ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ([313])، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ‬ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ‬: ((أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ)) قَال:َ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) فَقَالَ: ابْنَ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلِّظٌ فِي الْـمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ. قَالَ: ((لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ)).

 قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّه إِلَـهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، اللَّه بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ فَقَالَ: ((اللَّهمَّ نَعَمْ)).

قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّه إِلَـهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، اللَّه أَمَرَكَ أَنْ تَأْمُرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ قَال:َ ((اللَّهمَّ نَعَمْ)).

قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَـهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ اللَّه أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: ((اللَّهمَّ نَعَمْ)).

قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً: الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا يُنَاشِدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ‬ حِينَ وَلَّى: ((إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ([314]) يَدْخُلْ الْـجَنَّة)).

قَالَ: فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى. قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْـجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ. قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّه لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّه ﷻ‬ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. قَالَ: فَوَاللَّه مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا.

قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ([315]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: ((فتكون بنو بكر بن سعد بن بكر قد أوفدت ضماماً في سنة تسعٍ، وفيها أسلمت ثقيف أيضاً، وهذه السنة هي سنة الوفود))([316]).

وأما الإجماع: فأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة([317]).

قال الإمام ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجة واحدة: حجة الإسلام إلا أن ينذر نذراً فيجب عليه الوفاء به))([318]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: ((وقد أجمع المسلمون في الجملة على أن الحجَّ فرضٌ لازمٌ))([319]).

ثانياً: منزلة الحج في الإسلام:

1-      الحج أحد الأركان والدعائم العظام التي يقوم عليها الإسلام، فمن تركه بعد الاستطاعة متعمداً بدون عذر فقد ترك ركناً عظيماً من أركان الإسلام، فلا يتمُّ إسلامه إلا بأداء هذه الفريضة العظيمة؛ فهو الركن الخامس من أركان الإسلام؛ لقول النبي ﷺ‬ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت))([320]).

2-      لعظم منزلة الحج في الإسلام أن من تركه متعمداً جاحداً لوجوبه كفر باللَّه تعالى، لقوله تعالى:]وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَـمِينَ [ ([321])، فمن تركه؛ لأنه لم يعتقد وجوبه كفر([322])، ومن تركه جاحداً لوجوبه كفر كذلك([323]) .

3-      الحج سهم من أسهم الإسلام، فمن تركه بدون عذرٍ فقد خاب؛ لحديث حذيفة t يرفعه: ((الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والصوم سهم، وحج بيت اللَّه سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل اللَّه سهم، وقد خاب من لا سهم له))([324]).

4-      الحرمان لمن وسَّعَ اللَّه عليه ثم لم يزر البيت العتيق؛ لحديث أبي سعيد t، أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((قال اللَّه: إن عبداً صَحَّحْتُ له جسمه، ووسَّعْتُ عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام ولا يفِدُ إليَّ لمحروم))([325]).

قال الإمام المنذري رحمه اللَّه تعالى: ((رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي، وقال: قال علي بن المنذر([326]): أخبرني بعض أصحابنا قال: كان حسن بن حُيَيٍّ([327]) يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ، ويحبُّ للرجل الموسِرِ الصحيح أن لا يَتْرَكَ الحج خمس سنين))([328])، وهذا من باب الاستحباب؛ لأن اللَّه لم يوجب الحج إلا مرة واحدة في العمر، إذا اكتملت شروط وجوب الحج، وهذا من رحمته بعباده، فما زاد على ذلك فهو تطوع، ولله الحمد.

وعن أبي هريرة t: أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال لنسائه عام حجة الوداع: ((هذه ثُمَّ ظهور الحُصُر) قال: فكنَّ كلهنَّ يحججن إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: واللَّه لا تُحرِّكنا دابةٌ بعد أن سمعنا ذلك من النبي ﷺ‬، قال إسحاق بن سليمان في حديثه: قالتا: واللَّه لا تحرِّكنا دابة بعد قول رسول اللَّه ﷺ‬ : ((هذه ثم ظُهُور الحُصُر) وقال يزيد: بعد أن سمعنا ذلك من رسول اللَّه ﷺ‬ ([329]).

وعن أبي واقد الليثي عن أبيه t، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ يقول لأزواجه في حجة الوداع: ((هذه ثم ظُهُورَ الحُصُـْرِ))([330]).

وعن أمِّ سلمة رضي اللَّه عنها، قالت: قال لنا رسول اللَّه ﷺ‬ في حجة الوداع: ((إنما هي هذه الحجة، ثم الجلوسَُ على ظُهُور الحُصُـَر في البيوت))([331]).

قال الإمام البيهقي رحمه اللَّه: ((في حج عائشة رضي اللَّه عنها وغيرها من أمهات المؤمنين رضي اللَّه عنهن     بعد رسول اللَّه ﷺ‬ دلالة على أن المراد من هذا الخبر وجوب الحج عليهنَّ مرةً واحدةً كما بين وجوبه على الرجال مرة، لا المنع من الزيادة عليه واللَّه أعلم))([332]) ([333]) .

وقال السندي رحمه اللَّه: ((قوله: ((هذه)) أي حجتكن هذه ((ثم ظهور الحصر)) ثم الأولى لكنَّ لزوم البيت والحُصُر – بضمتين، وتسكَّن الصاد تخفيفاً -: جمع حصير يبسط في البيوت، ولعلَّ المراد تطييب أنفسهن بترك الحج، بعد أن لم يتيسر، أو جواز الترك لهن، على المعنى الذي ذكرنا، لا النهي عن الحج، واللَّه أعلم))([334]).

$ $ $


 المبحث الخامس: حكم العمرة

العمرة لغة: الزيارة، وشرعاً: زيارة البيت العتيق على وجه مخصوص، بإحرام، وطواف وسعي، وحلق أو تقصير، ثم تحلل.

والصحيح أن العمرة تجب على من يجب عليه الحج للأحاديث الثابتة الآتية:

1- جواب النبي ﷺ‬ لسؤال جبريل من حديث عمر بن الخطاب t أنه قال:بينا نحن جلوس عند رسول اللَّه ﷺ‬ في أناسٍ إذ جاء رجل ليس عليه شحناء سفر،وليس من أهل البلد،يتخطَّى حتى ورك فجلس بين يدي رسول اللَّه ﷺ‬،كما يجلس أحدنا في الصلاة،ثم وضع يده على ركبتي رسول اللَّه ﷺ‬ فقال:يا محمد،ما الإسلام؟ قال:((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه،وأن محمداً رسول اللَّه، وأن تقيم الصلاة،وتؤتي الزكاة،وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة،وتتم الوضوء،وتصوم رمضان) قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال:((نعم)قال:صدقت))،وذكر باقي الحديث...([335]).

2- حديث عائشة رضي اللَّه عنها أنها قالت للنبي ﷺ‬: يا رسول اللَّه! على النساء جهاد؟ قال: ((نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة))([336]) .

3- حديث أبي رَزِين أنه قال:يا رسول اللَّه!إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن قال: ((حجَّ عن أبيك واعتمر))([337]).

4- حديث الصُّبيِّ بن مَعْبَدٍ، في قصته الطويلة، وفيه: أنه أتى عمر بن الخطاب t فقال:((...يا أمير المؤمنين،إني كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإني أَسْلَمْتُ وأنا حَرِيصٌ عَلَى الْـجِهَادِ،وَإِنِّي وَجَدْتُ الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ،فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي،فَقَالَ لِي:اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْـهَدْيِ،وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا،فَقَالَ لِي عُمَرُ t:هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ‬ ))([338]).

5- قول ابن عمر رضي اللَّه عنهما: ((ليس أحد إلا وعليه حج وعمرة))([339]).

6- قول ابن عمر رضي اللَّه عنهما: ((الحج والعمرة فريضتان ))([340]).

7- قول ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن العمرة: ((إنها لقرينتها في كتاب اللَّه ﷻ‬: ]وَأَتِمُّوا الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [))([341]).

وهذا هو الصواب الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أن العمرة فريضة كالحج تجب في العمر مرة واحدة على من وجب عليه الحج، سواء كان من أهل مكة أو غيرهم([342]) وهذا معنى كلام عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه وغيرهم من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم([343]) ([344]).

وتجزئ عمرة المتمتع، وعمرة القارن، والعمرة من أدنى الحل عن عمرة الإسلام الواجبة([345]).

ولا يجب الحج والعمرة في العمر إلا مرة واحدة؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ‬ فقال: ((يا رسول اللَّه، الحجُّ في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: ((بل مرة واحدة فمن زاد فهو تطوع)) ولفظ النسائي: ((لو قلت: نعم لوجبت، ثم إذاً لا تسمعون ولا تطيعون، ولكنها حجةٌ واحدة))([346]).

قال الإمام ابن المنذر رحمه اللَّه: ((وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجةً واحدة، حجة الإسلام إلا أن ينذر نذراً فيجب عليه الوفاء به))([347]).

وقال المرداوي رحمه اللَّه: ((وجوب الحج في العمر مرة واحدة إجماع، والعمرة إذا قلنا تجب فمرة واحدة بلا خلاف))([348]).

وإذا دخل المسلم بالإحرام في حج التطوع، أو عمرة التطوع وجب عليه الإتمام، وكان ذلك فريضة عليه؛ لقوله تعالى: ]وَأَتِمُّوا الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ[ ([349] قال الإمام ابن عبد البر رحمه اللَّه: (( ... الإتمام يجب في العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحدٍ منهما بإجماع))([350]).

$ $ $


 المبحث السادس: شروط وجوب الحج والعمرة

أولاً: مفهوم الشرط لغة واصطلاحاً:

الشرط لغة: العلامة، واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته.

ثانياً: شروط وجوب الحج والعمرة:

يجب الحج والعمرة بخمسة شروط([351]) على النحو الآتي:

الشرط الأول: الإسلام؛ لقوله تعالى: ]إِنَّمَا الْـمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْـمَسْجِدَ الْـحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا [([352])؛ ولأنه لا يصح منهم ذلك، ومحال أن يجب ما لا يصح؛ ولحديث أبي هريرة t قال: ((بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمَّره عليها رسول اللَّه ﷺ‬ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان))، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((لا يحجُّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان))([353]).

وعن زيد بن أثيع، قال: سألت علياً: بأي شئ بُعِثْتَ؟ قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ‬ عهدٌ فعهده إلى مُدَّتِهِ، ومن لا مُدَّة له، فأربعة أشهر))([354]) .

الشرط الثاني: العقل، فلا حج ولا عمرة على مجنون كسائر العبادات إلا أن يفيق؛ لحديث علي بن أبي طالب t عن النبي ﷺ‬ قال: ((رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ, وعن الصبي حتى يحتلم))([355]).

الشرط الثالث: البلوغ، فلا يجب الحج على الصبي حتى يحتلم؛ للحديث السابق، ولكن لو حج الصبي صح حجه ولا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ‬ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم ولك أجر))([356]).

وعن السائب بن يزيد t، قال: ((حُجَّ بي مع رسول اللَّه ﷺ‬ وأنا ابن سبع سنين))([357]) .

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬: (( أيما صَبِيٍّ حجَّ، ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى))([358]) .

الشرط الرابع:كمال الحرية،فلا يجب الحج على المملوك،ولكنه لو حج فحجه صحيح ولا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لقوله ﷺ‬ في حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما السابق:((...وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى)).

الشرط الخامس:الاستطاعة؛لقول اللَّه تعالى:]وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [ ([359]).

وقد فسَّر هذه الآية كثير من أهل العلم بما روي مرفوعاً:أن رجلاً سأل عما يوجب الحج،فقيل له:((الزاد والراحلة))([360]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: ((الحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلاً بنصِّ القرآن والسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، ومعنى قوله: ]مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [ واستطاعة السبيل عند أبي عبداللَّه وأصحابه: ملك الزاد والراحلة، فمناط الوجوب وجود المال، فمن وجد المال وجب عليه الحج بنفسه أو بنائبه، ومن لم يجد المال لم يجب عليه الحج وإن كان قادراً ببدنه ...))([361]) .

وقال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((والاستطاعة المشترطة: ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشافعي، وإسحاق ، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وقال عكرمة: هي الصحة ...))([362]).

قال الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: (( ... أما الأكثرون الذين فسَّروا الاستطاعة بالزاد والراحلة، فحجتهم الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ‬ بتفسير الاستطاعة في الآية: بالزاد والراحلة ...، وقد روي عنه ذلك من حديث: ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أنس، ومن حديث عائشة، ومن حديث جابر، ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، ومن حديث ابن مسعود ...))، ثم تكلم الشنقيطي رحمه اللَّه عن هذه الأحاديث ثم قال: (( ... وبما ذكرنا تعلم أن حديث ابن عباس هذا عند ابن ماجه لا يقلّ عن درجة الحسن، مع أنه معتضد بما تقدم))([363] وقال في موضع آخر: ((الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم: أن حديث الزاد والراحلة المذكور ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج؛ لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في المستدرك عن أنسٍ قال: كلتاهما صحيحة الإسناد، وأقر تصحيحها الحافظ الذهبي، ولم يتعقبه بشيء...))([364])، ولكن لو حج غير المستطيع كان حجه مجزئاً([365]).

ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه؛ لأنها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها))([366]).

وشرط خاص بالمرأة: وهو وجود المحرم؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، أنه سمع النبي ﷺ‬ يقول: ((لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا معها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا: قال: ((انطلق فحج مع امرأتك )) ([367]).

فلا يجب على المرأة أن تسافر للحج، ولا يجوز لها ذلك إلا مع زوج أو ذي محرم([368])، لكن لو حجت المرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع معصيتها، وعظيم الإثم عليها([369]).

والأحاديث في تحريم سفر المرأة بدون محرم كثيرة، منها الأحاديث الآتية:

الحديث الأول: حديث ابن عباس المتقدم.

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة t، قال: قال النبي ﷺ‬: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمةٌ))([370] وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها)). وفي لفظ له: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)).

الحديث الثالث: حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما أن النبي ﷺ‬ قال: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) وفي لفظ: ((لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم)). وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم))([371]).

الحديث الرابع:حديث أبي سعيد الخدري t قال:قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها))([372]).

الحديث الخامس: حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬: ((لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم))([373]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى:((فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل:أي يوم بليلته،أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة))([374]).

وقد ثبت عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما من قوله:((لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان([375])،والطائف،وجدة،فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمَّ))([376]).

وهذه الأحاديث نصوص من النبي ﷺ‬ في تحريم سفر المرأة بغير محرم، ولم يخصِّص سفراً من سفر، مع أن سفر الحج من أشهرها وأكثرها، فلا يجوز أن يغفله، ويهمله، ويستثنيه بالنيّة من غير لفظ، بل قد فهم الصحابة y دخول سفر الحج في ذلك، لمّا سأله ذلك الرجل عن سفر الحج، وأقرّه على ذلك، وأمره أن يسافر مع امرأته، ويترك الجهاد الذي قد تعيّن عليه بالاستنفار فيه، ولو لا وجوب ذلك لم يجز أن يخرج سفر الحج من هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء؛ فإن المرأة لا تسافر في الجهاد، ولا في التجارة غالباً، وإنما تسافر في الحج، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز لها السفر إلا على وجه يُؤمَن فيه البلاء، ثم بعض الفقهاء ذكر كل منهم ما اعتقده حافظاً لها، وصايناً، كنسوةٍ ثقات، ورجال مأمونين، ومنعها أن تسافر بدون ذلك، فاشتراط ما اشترطه اللَّه ورسوله أحق، وأوثق، وحكمته ظاهرة؛ فإن النساء لحمٌ على وضم([377]) إلا ما ذبَّ عنه، والمرأة في السفر معرضة للصعود، والنزول، والبروز، محتاجة إلى من يعالجها ويمس بدنها، وتحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيِّمٍ يقوم عليهنّ، وغير المَحرَم لا يؤمَن، ولو كان أتقى الناس؛ فإن القلوب سريعة التقلب، والشيطان بالمرصاد([378])، وقد قال النبي ﷺ‬: (( ... ألا لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإيَّاكم والفُرقَة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنتُهُ وساءته سيئتُهُ فذلكم المؤمن))([379] ولفظ أحمد: ((... ولا يخلونَّ رجل بامرأةٍ فإن ثالثهما الشيطان))([380]) .

ولا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم إلا في الهجرة؛ لأن الذي تهرب منه شر من الذي تخافه على نفسها، وقد خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وغيرها من المهاجرات بغير محرم ... ([381]).

وقال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى بعد أن ساق روايات الأحاديث التي تنهى عن سفر المرأة بغير محرم: (( .. وفي رواية أبي داود: ((ولا تسافر بريداً))([382])، والبريد مسيرة نصف يوم، قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، أو البريد، قال البيهقي: كأنه ﷺ‬  سُئل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم؟ فقال: لا، وسُئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا، وسئل عن سفرها يوماً؟ فقال: لا، وكذلك البريد، فأدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن رواية واحدٍ فسمعه في مواطن فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كلِّه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ‬ تحديد أقل ما يسمَّى سفراً، فالحاصل أن كل ما يُسمَّى سفراً تُنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يوماً، أو بريداً، أو غير ذلك؛ لرواية بن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم))،وهذا يتناول جميع ما يسمَّى سفراً، واللَّه أعلم))([383]).

ومحرم المرأة: هو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد: بنسب، أو سبب مباح:

1- من تحرم عليه من النسب: كآبائها وإن علوا، وأبنائها وإن نزلوا، وإخوانها: الأخ الشقيق، أو لأب، أو لأم، وبني إخوتها، وأعمامها وإن علوا، وأخوالها فكلهم محارم لها.

2- أما محارمها بالسبب، فقسمان: صهر، ورضاع:

أما الصهر فأربعة:زوج أمها،وزوج ابنتها،وأبو زوجها،وابن زوجها.

وأما الرضاع، فإنه يحرم منه ما يحرم من النسب ([384]).

ثالثاً: أقسام شروط وجوب الحج والعمرة:

شروط وجوب الحج والعمرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول:شرطان للوجوب والصحة،وهما:الإسلام،والعقل، فلا تجب على كافر،ولا مجنون،ولا يصح منهما؛لأنهما ليسا من أهل العبادات.

القسم الثاني: شرطان للوجوب والإجزاء، وهما: البلوغ، والحرية، وليسا شرطاً للصحة، فلو حج الصبي والعبد صَحَّ حجهما، ولم يجزئهما عن حجة الإسلام إن بلغ الصبي، أو عتق العبد.

القسم الثالث: شرط للوجوب فقط، وهو الاستطاعة، بملك الزاد والراحلة، ووجود المحرم للمرأة، فلا يجب الحج ولا العمرة على غير المستطيع، ولا على امرأة ليس لها محرم، ولو تجشَّم غير المستطيع المشقة، وسار بغير زادٍ وراحلةٍ، فحَجَّ كان حجه صحيحاً مجزئاً، كما لو تكلَّف القيام في الصلاة والصيام من يسقط عنه أجزأه.

والمرأة التي ليس لها محرم لو حجت فحجها صحيح مجزئٌ، لكنها تأثم؛ لسفرها بدون محرم([385]) ([386]).


 المبحث السابع: وجوب الحج على الفور

من كملت له شروط وجوب الحج وجب عليه أن يحج على الفور ولم يجز له تأخيره، ويأثم  إن أخَّره بلا عُذرٍ؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬:((تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له))، وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود: ((من أراد الحجّ فليتعجّل) ولفظ ابن ماجه: ((من أراد الحجَّ فليتعجَّل، فإنه قد يمرض المريض، وتضلُّ الدّابّة، وتعرض الحاجة ))([387]).

فأمر بالتعجيل والأمر يقتضي الإيجاب([388])؛ ولهذا ثبت عن عمر بن الخطاب t أنه قال: ((لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين))([389]) ، وفي رواية أنه قال: ليمت يهودياً أو نصرانياً - يقولها ثلاث مرات - رجل مات ولم يحج، ووجد لذلك سَعَة، وخُلِّيت سبيله([390])، فإذا وجدت هذه الشروط في شخص فقد وجب عليه الحج([391]).

* فإن كان قادراً على الحج بنفسه وجب عليه أن يحج.

* وإن كان عاجزاً عن الحج بنفسه فعلى نوعين:

النوع الأول: إن كان يرجو زوال عجزه وبرءه كالمريض الذي مرضه طارئ ويرجو الشفاء، فإنه يؤخر الحج حتى يستطيع الحج بنفسه فإن مات قبل ذلك حُجَّ عنه من تركته ولا يأثم.

النوع الثاني:  وإن كان الذي وجب عليه الحج عاجزاً عجزاً مستمراً لا يرجو زواله ولا يرجو بُرءَه، كالكبير، والمريض المقعد الميئوس منه، ومن لا يستطيع الركوب، فإنه يُوكِّل من يحج عنه ويعتمر([392]).


 المبحث الثامن: النيابة في الحج والعمرة

من لا يستطيع الحج والعمرة بنفسه وقد اكتملت له الشروط كمن لا يستطيع الركوب،ولا يقدر عليه ولا يثبت على المركوب،ولا يُرجى برؤه فإنه يلزمه أن يُنيب من يحجَّ عنه ويعتمرُ([393]لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن امرأة من خثعم قالت:يا رسول اللَّه إن فريضة اللَّه على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال:((نعم))،وذلك في حجة الوداع.وفي رواية لمسلم:((فحجي عنه))([394]).

وحديث أبي رَزِين أنه قال: يا رسول اللَّه إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: ((فحج عن أبيك واعتمر))([395]).

فإن توفِّي من وجب عليه الحجُّ ولم يحج أُخرج عنه من ماله ما يُحجُّ به عنه، ويُعتمر([396] لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: أمرت امرأة سنان بن عبداللَّه الجهني أن يسأل رسول اللَّه ﷺ‬ أن أمها ماتت ولم تحجّ أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: ((نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها أكان يجزئ عنها؟)) قال: نعم، قال: ((فلتحجَّ عن أمها))([397]).

وحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ‬ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟)) قالت: نعم. قال: ((اقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالوفاء))([398]).

وفي رواية: ((فاقضوا اللَّه الذي له؛ فإن اللَّه أحق بالوفاء))([399]).

وفي رواية: أن رجلاً قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت, فقال: ((فاقض اللَّه, فهو أحق بالقضاء))([400]).

وحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ‬ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((من شبرمة؟)) قال: أخٌ لي أو قريبٌ لي، قال: ((حججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حجّ عن نفسك ثم عن شبرمة))([401]).

وحديث عبداللَّه بن عمرو: ((أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يُعتِق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول اللَّه ﷺ‬، فأتى النبي ﷺ‬ فقال: يا رسول اللَّه إن أبي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، وإن هشاماً أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إنه لو كان مسلماً فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك)(وفي رواية): ((فلو كان أقرَّ بالتوحيد فصُمت وتصدقت عنه نفعه ذلك))([402]) ([403]).

ووجه الدلالة من هذه الأحاديث على النحو الآتي:

الوجه الأول: أن النبي ﷺ‬ أمر بفعل حجة الإسلام، والحجة المنذورة عن الميت، وبيّن أنها تُجزئ عنه، وهذا يدل على بقائها في ذمته، وأنها لم تسقط بالموت.

الوجه الثاني: أن النبي ﷺ‬ بيَّن أن الحج دَيْنٌ في الذمة، وكل من عليه دين وجب أن يُقضى عنه من تركته.

الوجه الثالث: قوله ﷺ‬: ((اقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالوفاء)): إما أن يكون معناه: أن قضاء دين اللَّه أوجب من قضاء دين الآدمي، كما فسره بذلك القاضي وغيره؛ لأن وجوبه أوكد وأثبت، وإما أن يكون معناه: إذا كان قضاء دين الآدمي يجزئ عنه بعد الموت، فدين اللَّه أحق أن يجزئ؛ لأن اللَّه تعالى كريم جواد، ومن يكون أحرى بقبول القضاء فحقه أولى أن يُقضى.

الوجه الرابع: أن هذه الأحاديث تقتضي جواز فعل الحج المفروض عن الميت؛ سواء أوصى بذلك أم لم يوصِ، وسواء كان له تركة أم لم يكن له شيء؛ لأن النبي ﷺ‬ لم يسألهم عن تركة خلَّفوها، وتقتضي أن ذلك يجزئ عنه، ويُؤدَّى عنه ما وجب عليه.

الوجه الخامس: أن النبي ﷺ‬ أمر الولي أن يحج عنه، والأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وقد شبهه بالدين الذي يجب قضاؤه من تركته([404]).

* ولا يجوز أن يحج النائب عن غيره إلا بعد أن يحج عن نفسه؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ‬ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((من شبرمة؟)) قال: أخٌ لي، أوقريبٌ لي، قال: ((حججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم عن شبرمة))([405]).

وينبغي أن يحرص المستنيب على اختيار الوكيل الصالح الذي يعرف أحكام الحج والعمرة، ويراقب اللَّه ﷻ‬ في ذلك؛ لأن هذا من أسباب القبول، وعلى الوكيل أن يخلص النية لله سبحانه، ويَعْلم أنه لا ينبغي لأحدٍ على الصحيح أن يأخذ مالاً يحج به عن غيره إلا لأحد رجلين:

1- رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج ويحسن إليه بقضاء هذا الدين، إما لصلةٍ بينهما أو رحمة عامة بالمؤمنين فيأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه ويرد الباقي الفاضل من المال، وهذا محسن واللَّه يحب المحسنين.

2- رجل يحب الحج ورؤية المشاعر وهو عاجز عن النفقة فيأخذ ما يقضي حاجته ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج.

والخلاصة: أن المستحب للوكيل أن يأخذ ليَحُجَّ لا أن يحُجَّ ليأخذ، وهذا يُرجَى له الثواب العظيم وأن يُعطى مثل أجر من وكَّله أو حج عنه إن شاء اللَّه تعالى([406]) قال النبي ﷺ‬: ((الخازن الأمين الذي يؤدي ما أُمِر به طيبة به نفسه أحد المتصدقين))([407]).

أما من أخذ المال، وأراد الدنيا بعمل الآخرة، ولم يقصد إلا الحطام الفاني، فليس له في الآخرة من نصيب؟([408])، واللَّه المستعان.

$ $ $


 المبحث التاسع: آداب السفر والعمرة والحج

الآداب التي ينبغي للمسافر والمعتمر والحاج المسافر([409]) معرفتها والعمل بها؛ ليحصل على عمرة مقبولة، ويُوفَّق لحج مبرور، وسفر مبارك آداب كثيرة منها: آداب واجبة وآداب مستحبة،وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآداب الآتية:

أولاً: يستخير اللَّه سبحانه في الوقت،والراحلة، والرفيق، وجهة الطريق إن كثرت الطرق، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والصلاح. أما الحج؛ فإنه خير لا شك فيه. وصفة الاستخارة أن يصلي ركعتين ثم يدعو بالوارد([410]).

ثانياً:يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه اللَّه تعالى، والتقرب إليه، وأن يحذر أن يقصد حطام الدنيا أو المفاخرة،أو حيازة الألقاب، أو الرياء والسمعة؛ فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله. قال سبحانه: ] قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَـمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْـمُسْلِمِينَ[([411]).

وقال تعالى: ]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِـحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [([412]).

والمسلم هكذا لا يريد إلا وجه اللَّه والدار الآخرة؛ ولهذا قال اللَّه ﷻ‬: ] مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا [([413]).

وفي الحديث القدسي: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه))([414]).

وقد خاف النبي ﷺ‬ على أمته من الشرك الأصغر فقال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)) فسُئل عنه فقال: ((الرياء))([415]).

وقال ﷺ‬: ((من سمَّع سمَّع اللَّه به، ومن يُرائي يُرائي اللَّه به))([416]).

قال اللَّه تعالى: ] وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِـينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة [([417]).

ثالثاً:على الحاج والمعتمر التَّفَقُّه في أحكام العمرة والحج، وأحكام السفر قبل أن يسافر:من القصر،والجمع،وأحكام التيمم، والمسح على الخفين،وغير ذلك مما يحتاجه في طريقه إلى أداء المناسك قال النبي ﷺ‬: ((من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين))([418]).وسيأتي ذلك إن شاء اللَّه تعالى.

رابعاً: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، سواء كان حاجًّا أو معتمرًا، أو غير ذلك فتجب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، وحقيقة التوبة: الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها، والندم على فعل ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة إليها، وإن كان عنده للناس مظالم ردّها وتحللهم منها، سواء كانت: عرضًا أو مالاً، أو غير ذلك من قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات أخيه فطرحت عليه([419]).

خامساً: على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال لحجه وعمرته؛ لأن اللَّه طيِّبٌ لا يقبل إلا طيّبًا؛ ولأن المال الحرام يسبب عدم إجابة الدعاء([420])، وأيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به([421]).

سادساً: يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه فالآجال بيد اللَّه تعالى، قال اللَّه ﷻ‬: ] إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [([422]).

وقال النبي ﷺ‬: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده))([423]).

ويشهد عليها، ويقضي ما عليه من الديون، ويرد الودائع إلى أهلها أو يستأذنهم في بقائها.

سابعاً:يستحب للمسافر أن يوصي أهله بتقوى اللَّه تعالى، وهي وصية اللَّه تعالى للأولين والآخرين: ] وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [([424]).

ثامناً: يستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح، ويحرص أن يكون من طلبة العلم الشرعي؛فإن هذا من أسباب توفيقه وعدم وقوعه في الأخطاء في سفره وفي حجه وعمرته؛لقول النبي ﷺ ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل))([425])؛ولقوله ﷺ ((لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي))([426])، وقد مثل النبي ﷺ‬ الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير([427]).

تاسعاً: يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم: من جيرانه، وأصحابه، قال النبي ﷺ‬: ((من أراد سفرًا فليقل لمن يخلِّف: أستودعكم اللَّه الذي لا تضيع ودائعه))([428])، وكان النبي ﷺ‬ يودع أصحابه إذا أراد أحدهم سفرًا فيقول: ((أستودع اللَّه دينك وأمانتك وخواتيم عملك))([429])، وكان ﷺ‬ يقول لمن طلب منه أن يوصيه من المسافرين: ((زوَّدك اللَّه التقوى، وغفر ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثُ ما كنتَ))([430]). وجاء رجل إلى النبي ﷺ‬ يريد سفرًا فقال: يا رسول اللَّه أوصني، فقال: ((أوصيك بتقوى اللَّه والتكبير على كل شرف) فلما مضى قال: ((اللَّهم ازوِ له الأرض، وهوِّن عليه السفر))([431]).

عاشراً:لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر؛ لحديث أبي هريرة t أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس))([432]). وعنه t أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((الجرس مزامير الشيطان))([433]).

الحادي عشر:  إذا أراد السفر بإحدى زوجاته إن كان له أكثر من واحدة أقرع بينهن فأي زوجة وقعت عليها القرعة خرجت معه؛ لحديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ((كان رسول اللَّه ﷺ‬ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه))([434]). وهذا هو السنة، إذا أراد أن يسافر ببعض نسائه، فالقرعة فيها راحة عظيمة([435]).

الثاني عشر: يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس من أول النهار؛ لفعله ﷺ‬. قال كعب بن مالك t: ((لقلَّما كان رسول اللَّه ﷺ‬ يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس))([436]).

ودعا لأمته ﷺ‬ بالبركة في أول النهار فقال: ((اللَّهم بارك لأمتي في بكورها))([437]).

الثالث عشر: يستحبُّ له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل فيقول عند خروجه: ((بسم اللَّه، توكلت على اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه([438])، اللَّهم إني أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أزلَّ أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أجهلَ أو يُجهلَ عليَّ))([439]).

الرابع عشر: يستحبّ له أن يدعو بدعاء السفر، إذا ركب دابته، أو سيارته، أو الطائرة، أو غيرها من المركوبات فيقول: ((اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر)] سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [([440]((اللَّهمّ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللَّهمّ هوِّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللَّهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللَّهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب: في المال، والأهل..)) وإذا رجع من سفره قالهن وزاد فيهن: ((آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون))([441]).

الخامس عشر: يستحبّ له أن لا يسافر وحده بلا رفقة؛ لقوله ﷺ‬:((لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده))([442]).وقال ﷺ‬: ((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب))([443]).

السادس عشر:يؤمِّر المسافرون أحدَهم؛ليكون أجمعَ لشملهم، وأدعى لاتفاقهم، وأقوى لتحصيل غرضهم، قال ﷺ‬: ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم))([444]).

السابع عشر: يستحب إذا نزل المسافرون منزلاً أن ينضمّ بعضهم إلى بعض، فقد كان بعض أصحاب النبي ﷺ‬ إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال ﷺ‬: ((إنما تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان))([445]). فكانوا بعد ذلك ينضمُّ بعضُهم إلى بعض حتى لو بسط عليهم ثوب لوسعهم.

الثامن عشر: يستحبّ إذا نزل منزلاً في السفر أو غيره من المنازل أن يدعو بما ثبت عنه ﷺ‬: ((أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق))؛ فإنه إذا قال ذلك لم يضرَّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك([446]).

التاسع عشر: يستحبّ له أن يكبّر على المرتفعات ويسبح إذا هبط المنخفضات والأودية، قال جابر t: ((كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا))([447])، ولا يرفعوا أصواتهم بالتكبير، قال ﷺ‬: ((يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب))([448]).

العشرون: يستحبّ له أن يدعوَ بدعاء دخول القرية أو البلدة فيقول إذا رآها: ((اللَّهم ربَّ السموات السبع وما أظللن،ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها))([449]).

الحادي والعشرون: يستحبّ له السير أثناء السفر في الليل وخاصة أوله؛ لقوله ﷺ‬:((عليكم بالدُّلجة؛فإن الأرض تُطوَى بالليل))([450]).

الثاني والعشرون:يستحبّ له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر: ((سمّع سامعٌ بحمد اللَّه وحسن بلائه علينا. ربنا صاحبنا، وأفضل علينا عائذًا باللَّه من النار))([451]).

الثالث والعشرون: يستحبّ له أن يكثر من الدعاء في السفر؛ فإنه حريٌّ بأن تجاب دعوته،ويُعطى مسألته؛لقوله ﷺ‬: ((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده))([452]).

ويكثر الحاج من الدعاء كذلك على الصفا والمروة، وفي عرفات، وفي المشعر الحرام بعد الفجر، وبعد رمي الجمرة الصغرى، والوسطى أيام التشريق؛ لأن النبي ﷺ‬ أكثر في هذه المواطن الستة من الدعاء ورفع يديه([453]).

الرابع والعشرون: يأمر بالمعروف،وينهى عن المنكر على حسب طاقته وعلمه، ولابد من أن يكون على علم وبصيرة فيما يأمر وفيما ينهى عنه، ويلتزم الرفق واللين، ولا شك أنه يُخشى على من لم ينكر المنكر أن يعاقبه اللَّه ﷻ‬ بعدم قبول دعائه؛ لقوله ﷺ‬: ((والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم))([454]).

الخامس والعشرون:  يبتعد عن جميع المعاصي، فلا يؤذي أحدًا بلسانه، ولا بيده، ولا يزاحم الحجاج والمعتمرين زحامًا يؤذيهم، ولا ينقل النميمة ولا يقع في الغيبة، ولا يجادل مع أصحابه وغيرهم إلا بالتي هي أحسن، ولا يكذب، ولا يقول على اللَّه ما لا يعلم، وغير ذلك من أنواع المعاصي والسيئات قال سبحانه: ] الـْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الـْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الـْحَجِّ [([455] وقال تعالى: ] وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الـْمُؤْمِنِينَ وَالـْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [([456])، والمعاصي في الحرم ليست كالمعاصي في غيره، قال سبحانه: ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالـْمَسْجِدِ الـْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلـْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [([457]).

السادس والعشرون: يحافظ على جميع الواجبات،ومن أعظمها الصلاة في أوقاتها مع الجماعة، ويكثر من الطاعات: كقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والإحسان إلى الناس بالقول والفعل، والرفق بهم، وإعانتهم عند الحاجة. قال ﷺ‬: ((مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))([458]).

السابع والعشرون:يتخلق بالخلق الحسن،ويخالق به الناس، والخلق الحسن يشمل: الصبر، والعفو، والرفق، واللين، والحلم، والأناة وعدم العجلة في الأمور، والتواضع، والكرم والجود، والعدل، والثبات، والرحمة، والأمانة، والزهد والورع، والسماحة، والوفاء، والحياء، والصدق، والبر والإحسان، والعفة، والنشاط، والمروءة؛ ولعظم فضل حسن الخلق قال ﷺ‬: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا..))([459] وقال: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم))([460]).

الثامن والعشرون: يعين الضعيف،والرفيق في السفر:بالنفس، والمال، والجاه، ويواسيهم بفضول المال وغيره مما يحتاجون إليه، فعن أبي سعيد t ((أنهم كانوا مع رسول اللَّه ﷺ‬ في سفر فقال: ((من كان معه فضل ظهر فليعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعُدْ به على من لا زاد له))، فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل))([461]). وعن جابر t قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ‬ يتخلف في المسير فيزجي الضعيف([462])، ويردف، ويدعو لهم))([463]). وهذا يدل على رأفته ﷺ‬ وحرصه على مصالحهم؛ ليقتدي به المسلمون عامة، والمسؤولون خاصة.

التاسع والعشرون:معرفة أحكام المسح على الخفين والعمائم والجبيرة في السفر

ينبغي للمسافر لحجٍّ أو عمرةٍ، أو غير ذلك: أن يتفقَّه في أحكام المسح على الخفين، والعمائم، والجبيرة في السفر، على النحو الآتي:

1-  حكم المسح على الخُفَّيْن:مشروع بالكتاب،والسنة،وإجماع أهل السنة؛لقوله تعالى:] وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَين [([464]) على قراءة الجر، أما قراءة النصب فتحمل على غسل الرجلين المكشوفتين.

أما السُّنة فقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي e([465]). قال الإمام أحمد رحمه اللَّه تعالى: ((ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول اللَّه e، ما رفعوا إلى النَّبي e وما وقفوا))([466]).

وقال الحسن البصري رحمه اللَّه: ((حدثني سبعون من أصحاب النبي e أنه مسح على الخُفَّيْن))([467]). والأفضل في حقِّ كل أحد بحسب قُدرتِهِ، فَلِلاَبس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خُفَّه إذا اكتملت الشروط، اقتداءً بالنَّبي e وأصحابه y ، وَلِمَن قدماه مكشوفتان الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه([468])؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما عن النَّبي e أنه قال: ((إن اللَّه يُحبُّ أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته))([469]). وفي حديث ابن مسعود وعائشة رضي اللَّه عنهما: ((إن اللَّه يُحبُّ أن تقبل رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه))([470]).

2 - شروط المسح على الخفين وما في معناهما:

الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارةٍ؛ لحديث المغيرة بن شعبة t ، قال: كنت مع النَّبي e في سفر، فأهويت لأنزع خُفَّيْه فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)) فمسح عليهما([471]).

 الشرط الثاني: أن يكون المسح في الحدث الأصغر؛ لحديث صفوان بن عسَّال t قال: ((كان رسول اللَّه e يأمرنا إذا كُنّا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم))([472]) فلا يجوز المسح في الجنابة ولا فيما يوجب الغسل([473]).

الشرط الثالث: أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً وهو يوم وليلة للمقيم،وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛لحديث علي بن أبي طالب t، قال: ((جعل رسول اللَّه e ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم))([474])؛ ولحديث صفوان t المتقدم؛ ولحديث أبي بكرة t عن النَّبي e ((أنَّه رَخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْه أن يمسح عليهما))([475]). وهذه المدة على الصحيح تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث([476])، وتنتهي بأربع وعشرين ساعة بالنسبة للمقيم، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر([477]).

الشرط الرابع: أن يكون الخُفَّان أو الجوربان أو العمامة طاهرة([478])؛ فإن كانت نجسة؛فإنه لا يجوز المسح عليها، والطاهر ضد النجس والمتنجّس، والنجس: نجس العين كما لو كانت الخفاف من جلد حمار. والمتنجِّس كما لو كانت من جلد بعير لكن أصابتها نجاسة، إلا أن المتنجس إذا طهر جاز المسح عليه والصلاة فيه؛ لحديث أبي سعيد t قال: بينما رسول اللَّه e يصلِّي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول اللَّه e صلاته قال: ((ما حملكم على إلقائكم نعالكم ) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول اللَّه e: ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً) وقال: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه [بالأرض] وليصلِّ فيهما))([479]).

وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يصلَّى فيما فيه نجاسة، ولأن النجس إذا مسح عليه بالماء تلوث بالنجاسة؛ فلا يصح المسح عليه([480]).

الشرط الخامس: أن يكون ساتراً لمحل الفرض، وأن يكون صفيقاً لا يصف البشرة([481])، ويُعفى عن الخروق اليسيرة، وقد رجح القول بهذا الشرط العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه اللَّه تعالى([482]).

الشرط السادس: أن يكون مباحاً لا مغصوباً، ولا حريراً لرجل، ولا مسروقاً، فإن المحرَّم نوعان: محرّم لكسبه كالمغصوب والمسروق، ومحرّم لعينه: كالحرير للرجل، وكذا اتخاذ ما فيه صور لذوات الأرواح، فلا يجوز أن يمسح على هذين النوعين؛ لأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح به المعصية؛ ولأن القول بالجواز مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرم، والمحرم يجب إنكاره([483]).

الشرط السابع:أن لا ينزع بعد المسح قبل انقضاء المدة؛فإن خلع خفيه أو ما في معناهما بعد المسح عليهما أعاد الوضوء مع غسل الرِّجلين([484]).

ورجح هذا القول العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز، وقال: هو قول الجمهور، وهو الصواب([485]).

وهناك بعض الشروط ذكرها بعض أهل العلم ليس عليها دليل، أو تدخل فيما سبق([486]).

3 - مُبطلات المسح:

المبطل الأول: إذا حدث ما يوجب الغسل كالجنابة بطل المسح ولا بد من غسل([487]).

المبطل الثاني: إذا خلع الخفين أو ما في معناهما بعد المسح عليهما بطل وضوؤه على القول الراجح كما تقدم([488]).

المبطل الثالث: إذا انقضت المدة المعتبرة شرعاً بطل المسح([489]). ورجح سماحة الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه تعالى أن انقضاء المدة يبطل المسح لمفهوم أحاديث التوقيت، فإذا انقضت المدة خلع الخفين وغسل الرجلين، وخلع العمامة ومسح الرأس([490]).

4- كيفية المسح على الخفين والجوربين والعمائم:

يمسح على ظاهر الخفين أو الجوربين؛ لحديث علي t قال: ((لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول اللَّه e يمسح على ظاهر خفيه))([491])؛ ولحديث المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه e: ((كان يمسح على الخفين)) وقال: ((على ظهر الخفين))([492] قال ابن قدامة رحمه اللَّه: ((روى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة فذكر وضوء النَّبي e قال: ((ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين))([493]). قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا ((أن يمسح خفيه بيديه اليمنى لليمنى، واليسرى لليسرى) وقال أحمد: ((كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين))([494]).

والمسح على الجوربين كالمسح على الخفين تماماً؛ لحديث المغيرة بن شعبة t قال: ((توضأ رسول اللَّه e ومسح على الجوربين والنعلين))([495]).

وذكر ابن قدامة أنه إذا مسح على الجوربين والنعلين جميعاً فإنه بعد المسح لا يخلع النعلين([496]).

أما المسح على العمائم وخمار المرأة على الصحيح فهو على صفتين:

الصفة الأولى: المسح على العمامة المحنَّكة والخمار المحنَّك.

الصفة الثانية: المسح على الناصية والتكميل على العمامة أو الخمار([497]).

ويشترط للعمامة والخمار ما يشترط للخفين على الصحيح، كما رجح ذلك سماحة العلامة ابن باز رحمه اللَّه تعالى([498]).

5-  المسح على الجبائر:

الأحاديث التي وردت في الجبائر قال جماعة من أهل العلم: إنها ضعيفة([499])، ولكن ذكر العلامة ابن باز رحمه اللَّه أن أحاديث الجبائر مع أحاديث المسح على الخفين تدل على شرعية المسح على الجبائر؛ لأن المسح على الخفين للتيسير، فالمسح على الجبائر أولى بالشرعية؛ ولكونه ضرورياً لم يشرع فيه التوقيت([500] ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من وجوه:

الوجه الأول: لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، والخف خلاف ذلك.

الوجه الثاني: يجب استيعابها بالمسح إلا ما زاد على محل الفرض في الوضوء؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به بخلاف الخف فإنه يشق تعميمه بالمسح، فيجزئ فيه مسح بعضه كما وردت به السنة([501]).

الوجه الثالث: يمسح على الجبيرة من غير توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فتقدّر بقدرها.

الوجه الرابع: يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر بخلاف الخف؛ فإنه لا يمسح عليه إلا في الأصغر.

الوجه الخامس: لا يشترط تقدم الطهارة على شدِّها على القول الراجح بخلاف الخفّ([502]).

الوجه السادس:الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرِّجل([503]).

أما كيفية المسح على الجبائر:

إذا وُجِدَ جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب:

المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفاً ولا يضره الغسل، فيجب غسله.

المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل والمسح لا يضره، فيجب مسحه.

المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفاً ويضره الغَسلُ والمسح، فحينئذ يشد عليه جبيرة ويمسح عليها، فإن عجز فهنا يتيمم له.

المرتبة الرابعة: أن يكون مستوراً بجبس، أو لزقة، أو جبيرة، أو شبه ذلك ففي هذه الحال يمسح على الساتر، ويغنيه عن الغَسل([504]).

الثلاثون: معرفة أحكام قصر الصلاة في السفر:

الأصل في قصر الصلاة في السفر:الكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى:]وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا[([505]). وعن يعلى بن أمية قال:قلت لعمر بن الخطاب: ]فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ [ فقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبت منه،فسألت رسول اللَّه ﷺ‬ عن ذلك فقال:((صدقةٌ تصدَّق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته))([506]).

وأما السنة: فقد تواترت الأخبار أن رسول اللَّه ﷺ‬ كان يقصر في أسفاره:حاجًّا،ومعتمرًا،وغازيًا،قال عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: ((صحبت رسول اللَّه ﷺ‬ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين،وأبا بكر، وعمر،وعثمان كذلك، y))([507]). وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ((فرض اللَّه الصلاة حين فرضها: ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فَأُقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر)). وفي لفظ للبخاري: ((فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ‬ ففرضت أربعًا وتركت صلاة السفر على الأولى))([508]).

زاد أحمد: إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها القراءة))([509]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم ﷺ‬ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة))([510])، وعن عبد اللَّه بن مسعود t: ((صليت مع رسول اللَّه ﷺ‬ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق t بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب t ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان)). وفي لفظ: ((صليت مع النبي ﷺ‬ ركعتين، ومع أبي بكر t ركعتين، ومع عمر t ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، يا ليت حظي من أربع: ركعتان متقبلتان))([511]).

وأما الإجماع، فقد أجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة: في حج، أو عمرة، أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين([512])، وأجمعوا على أن لا يقصر في المغرب ولا في صلاة الصبح([513]).

2- القصر في السفر أفضل من الإتمام؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إن اللَّه يحب أن تؤتى رُخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته))([514] وفي رواية: ((إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصُه كما يحب أن تؤتى عزائمُه))([515]). ولكن لو أتم المسافر الصلاة الرباعية أربعًا فصلاته صحيحة ولكنه خالف الأفضل؛ لأن عائشة رضي اللَّه عنها كانت تتم في السفر بعد موت النبي ﷺ‬، وأتم عثمان t بمنى([516])، ولكن ما داوم عليه رسول اللَّه ﷺ‬ في أسفاره أفضل بلا شك([517] وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((أصل الصلاة ركعتان كما فرضها اللَّه تعالى، ثم زاد فيها سبحانه في الحضر بعد الهجرة ثنتين، في العشاء، والظهر، والعصر، وبقيت صلاة السفر على حالها: الظهر، والعصر، والعشاء ركعتان، وهذا يؤيد الأصل، والمغرب والفجر بقيت على أصلها، فالقصر سنة مؤكدة، ولكن لا مانع من الإتمام في السفر، والقصر صدقة من اللَّه، فمن صلى أربعًا فلا حرج، وقد كانت عائشة رضي اللَّه عنها تتم في السفر، وتأولت أنه لا يشق عليها، ولم ينكر عليها الصحابة، وهي من أعلم الناس))([518]).

وإذا نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر فعليه أن يصليها صلاة حضر تامة من غير قصر إجماعًا؛ لأن الصلاة تعيَّن عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها؛ ولأنه إنما يقضي ما فاته وقد فاته أربعٌ، وأما إن نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر، فقال الإمام أحمد: عليه الإتمام احتياطًا، وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان([519])، واللَّه ﷻ‬ أعلم([520]). وإن نسيها في سفر وذكرها فيه أو ذكرها في سفر آخر قضاها مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه([521]).

3- مسافة قصر الصلاة في السفر: قال البخاري رحمه اللَّه: ((بابٌ: في كم يقصرُ الصلاة، وسمَّى النبي ﷺ‬ يومًا وليلة سفرًا، وكان ابن عمر وابن عباس y يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا))([522] قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: ((قوله: بابٌ في كم يقصر الصلاة؟يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر،ولا يسوغ له في أقل منها... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة))([523]). وقول البخاري رحمه اللَّه: ((وسمى النبي ﷺ‬ يومًا وليلة سفرًا)). قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه: ((والمعنى سمى مدة اليوم والليلة سفرًا، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكور عنده في الباب))([524] قلت: وهو قوله ﷺ‬: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة))([525] وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها)). وفي لفظ: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)). وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما أن النبي ﷺ‬ قال: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) وفي لفظ: ((لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم)). وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم))([526]). وعن أبي سعيد الخدري t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها))([527]).

ومن حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬: ((لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم))([528]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى:((فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل:أي يوم بليلته،أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة))([529]وقد ثبت عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما من قوله:((لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة،واقصر إلى عسفان([530])، والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتمَّ))([531]).

والخلاصة أن الجمهور من أهل العلم على أن مسافة السفر التي تقصر فيها الصلاة أربعة بُرُد، والبريد مسيرة نصف يوم، وهو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فإذا كانت مسافة سفر الإنسان ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعين ميلاً فله أن يقصر عند الجمهور([532])، وهذا هو الأحوط للمسلم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه يقول([533]): ((الأولى في هذا أن ما يعد سفرًا تلحقه أحكام السفر: من قصر وجمع، وفطر، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفرًا وما لا فلا، ولكن إذا عمل المسلم بقول الجمهور وهو أنَّ ما يُعدُّ سفرًا هو يومين قاصدين([534])، أما البريد والفراسخ الثلاثة فلا تعد عندهم سفرًا، فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصرًا فيما لا ينبغي لهم ذلك؛ لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان هما سبعون كيلو أو ثمانون كيلو تقريبًا))([535]).

وقال شيخنا الإمام ابن باز رحمه اللَّه تعالى: ((وقال بعض أهل العلم إنه يحدد بالعُرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفرًا في العُرف يسمى سفرًا، وما لا فلا([536])، والصواب ما قرره جمهور أهل العلم وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم فينبغي الالتزام بذلك))([537]).

4- يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته أو مدينته إذا كان سفره تقصر في مثله الصلاة، قال ابن المنذر رحمه اللَّه: ((وأجمعوا على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع البيوت من القرية التي خرج منها))([538])، وهذا مذهب جمهور أهل العلم أن المسافر إذا أراد سفرًا تقصر في مثله الصلاة لا يقصر حتى يفارق جميع البيوت([539])، قال أنس t: ((صليت الظهر مع النبي ﷺ‬ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين))، وفي لفظ: ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين))([540])، وهذا فيه دلالة على أنه ليس لمن نوى السفر أن يقصر حتى يخرج من عامر بيوت قريته أو مدينته أو خيام قومه ويجعلها وراء ظهره([541]). وخرج علي t فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة؟ قال: لا، حتى ندخلها([542]).

وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فله قصرها؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها، وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وهو إحدى الروايتين في مذهب الحنابلة([543]) واللَّه أعلم([544]).

5- إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة،قال ابن المنذر رحمه اللَّه: ((وأجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرًا يقصر في مثله الصلاة وكان سفره في حج أو عمرة،أو غزو أن له أن يقصر مادام مسافرًا))([545]).

فعن أنس بن مالك t قال: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ‬ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين، قلت: كم أقام بمكة([546] قال: عشرًا))([547]).

قال ابن قدامة رحمه اللَّه: ((وجملة ذلك أن من لم يُجمع إقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين))([548]).

أما إذا نوى الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام؛ فإنه يتم؛ لأن النبي ﷺ‬ قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم خرج إلى منى يوم الخميس، فقد قدم لصبح رابعة، فأقام اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي ﷺ‬ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمَّ([549] قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ((قدم النبي ﷺ‬ وأصحابه لصبح رابعة يلبُّون بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من معه الهدي))([550]).

قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه اللَّه: ((إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي ﷺ‬ لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال غدًا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي ﷺ‬ أقام بمكة بضعة عشر يومًا، يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. واللَّه أعلم))([551]).

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه يقول عن إقامة النبي ﷺ‬ عام الفتح بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة([552]): ((وقد أقام ﷺ‬ في مصالح الإسلام والمسلمين، وهذه الإقامة لم يكن مجمعاً عليها؛ لهذه الأغراض، فلما حصل المقصود ارتحل إلى المدينة، ومن المعلوم أن المهاجر لا يقيم في بلده أكثر من ثلاثة أيام، ولكنه أقام لهذه المصالح، فإذا أقام المسافر إقامة لم يُجمعها قصر))([553]). وسمعته يقول عن إقامة النبي ﷺ‬ في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة([554]): ((وإقامته ﷺ‬ عشرين يومًا في تبوك ينظر فيما يتعلق بحرب الروم، هل يتقدم أم يرجع ، ثم أذن اللَّه له أن يرجع، واحتج بهذه القصة وقصة الفتح على أنه لا بأس بالقصر مدة الإقامة العارضة، ولو طالت، حتى قال أهل العلم: لو مكث سنين مادام لم يجمع إقامة؛ فإنه في سفر، وله أحكام السفر، وهذا هو الصواب، أما إذا أجمع إقامة فاختلف العلماء في مقدارها هل تقدر بعشرين يومًا، أو بتسعة عشر يومًا، أو بثلاثة أيام، أو أربعة أيام على أقوال: وأحسن ما قيل في ذلك: أربعة أيام؛ لأنها إقامة النبي ﷺ‬ في حجة الوداع، فإذا أجمع الإقامة أكثر من أربعة أيام أتمَّ، وإن كانت أربعة فأقلّ قصر؛ لأنها إقامة معزوم عليها، وعليه الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول الشافعي وأحمد ومالك، تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط، كما قال الجمهور: أربعة أيام؛ لأن ما زاد عنها غير مجمع عليه، وما نقص من هذا مجمع عليه: أي داخل في المجمع عليه))([555]). وبهذا يخرج المسلم من الخلاف ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، واللَّه ﷻ‬ أعلم([556]).

6- قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما،قال:((صليت مع النبي ﷺ‬ بمنى ركعتين، وأبي بكر،وعمر،ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمها أربعًا))([557]).

وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: ((صلى بنا عثمان بن عفان t بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللَّه بن مسعود t فاسترجع،قال: صليت مع رسول اللَّه ﷺ‬ بمنى ركعتين،وصليت مع أبي بكر الصديق t بمنى ركعتين،وصليت مع عمر بن الخطاب t ركعتين،فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان))([558]).

وعن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس t قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ‬ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمت بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا))، وفي لفظ مسلم: ((كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا)). وفي لفظ لمسلم: ((خرجنا من المدينة إلى الحج...))([559]).

وحديث أنس هذا لا يعارض حديث ابن عباس: ((أقام رسول اللَّه ﷺ‬ تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا))([560])؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع، وقد قدم النبي ﷺ‬ وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة، ولا شك أنه ﷺ‬ خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها في حجة الوداع عشرة أيام بلياليها كما قال أنس t ([561]).

وعن حارثة بن وهب الخزاعي t قال: ((صليت خلف رسول اللَّه ﷺ‬ بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى ركعتين في حجة الوداع))([562]). فهذه سنة رسول اللَّه ﷺ‬، فينبغي العمل بها واتباعها([563]).

7- جواز التطوع على المركوب في السفر:

يصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة، وطائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلابد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((كان النبي ﷺ‬ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ [برأسه] إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته)).

وفي لفظ: ((غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة))([564])؛ ولحديث عامر بن ربيعة t قال: ((رأيت النبي ﷺ‬ يصلي على راحلته حيث توجهت به)). وفي لفظ: ((ولم يكن رسول اللَّه ﷺ‬ يصنع ذلك في المكتوبة)). وفي لفظ: ((أنه رأى النبي ﷺ‬ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به))([565])؛ولحديث جابر t قال:((كان رسول اللَّه ﷺ‬ يصلي على راحلته حيث توجهت به،فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة))([566]).وفي لفظ: ((كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة)).وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس t ([567]).

ويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس t ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه))([568])، فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملاً بالأحاديث الصحيحة كما رجحه شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه اللَّه([569]).

وذكر الإمام النووي رحمه اللَّه ((أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ...))([570]).

وأما السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة فالصواب جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور([571] لقول اللَّه تعالى: ] وَلِلَّهِ الـْمَشْرِقُ وَالـْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [([572])، وقد رجح الإمام ابن جرير رحمه اللَّه أن هذه الآية تدخل فيها صلاة التطوع في السفر على الراحلة حيثما توجهت بك راحلتك([573]). وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه عن الإمام الطبري رحمه اللَّه أنه احتج للجمهور: أن اللَّه جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله لا إلى سفر آخر ولم يجد ماءً أنه يجوز له التيمم، فكما جاز له التيمم في هذا القدر جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة([574]).

8- السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر، والوتر؛ لحديث حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ نحوَ([575]) حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول اللَّه ﷺ‬ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [([576]). أما سنة الفجر، والوتر فلا تُترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة رضي اللَّه عنها في سنة الفجر أن النبي ﷺ‬ ((لم يكن يدعهما أبدًا))([577])؛ ولحديث أبي قتادة t في نوم النبي ﷺ‬ وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: ((ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول اللَّه ﷺ‬ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم))([578]).

وأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((كان النبي ﷺ‬ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((كان يوتر على البعير))([579]).

قال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه: ((وكان تعاهده ﷺ‬ ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولم يكن يدعها هي والوتر سفرًا ولا حضرًا... ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ‬ صلى سنة راتبة غيرهما))([580]).

وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا،مثل:صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك([581]).

قال الإمام النووي رحمه اللَّه: ((وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر...))([582]).

9- صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة ويتمُّ المقيم بعد سلام المسافر؛ للآثار في ذلك([583])،والإجماع،قال ابن قدامة رحمه اللَّه:((أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمّ بالمسافر،وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة))([584]). وعن عمر t أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: ((يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفرٌ))([585]).

فظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعًا، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبًا لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته، فإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة([586]).

وإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم بهم فصلاتهم تامة صحيحة وخالف الأفضل([587]).

10- صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة، ويتم المسافر مثل صلاة إمامه، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم؛ لما ثبت عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما من حديث موسى بن سلمة رحمه اللَّه قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: ((تلك سنة أبي القاسم ﷺ‬))([588]). وكان ابن عمر رضي اللَّه عنهما إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين([589]).

وذكر الإمام ابن عبد البر رحمه اللَّه أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعًا([590]). وقال: ((قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام))([591]).

ومما يدل على أن المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه الإتمام عموم قوله ﷺ‬:((إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا.. ))([592]) ([593]).

11- نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة بين الصلاتين المجموعتين:

اختلف العلماء هل يشترط للقصر والجمع نية؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: ((الجمهور لا يشترطون النية: كمالك، وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه، والثاني تشترط: كقول الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد: كالخرقي وغيره، والأول أظهر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه))([594]). وقال رحمه اللَّه: ((والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي ﷺ‬، فإنه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر، ولا يأمرهم بنية القصر... وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى، فعلم أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى))([595] وقال رحمه اللَّه: ((والنبي ﷺ‬ لما كان يصلي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر،بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع،ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر،ولم يكونوا نووا الجمع،وهذا جمع تقديم،وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر))([596]).

وقال سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز رحمه اللَّه: ((... والراجح أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة الأولى، بل يجوز الجمع بعد الفراغ من الأولى إذا وجد شرطه: من خوف، أو مطر، أو مرض))([597]). فظهر أن الصحيح من قولي أهل العلم أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة في القصر والجمع([598]).

أما الموالاة بين الصلاتين المجموعتين فقد اشترطها بعضهم، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه، والعلامة السعدي، عدم اشتراط الموالاة([599]).

وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه: ((الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالفصل اليسير عُرفًا؛ لما ثبت عن النبي ﷺ‬ في ذلك وقد قال ﷺ‬: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))([600]). أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع؛ لأن الثانية تفعل في وقتها؛ ولكن الأفضل هو الموالاة بينهما تأسيًا بالنبي ﷺ‬ في ذلك، واللَّه ولي التوفيق))([601]) واللَّه أعلم([602]).

12- رخص السفر:

من قواعد الشريعة: ((المشقة تجلب التيسير))([603])، ولما كان السفر قطعة من العذاب؛ لقوله ﷺ‬: ((السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله))([604])، رتّب الشارع ما رتّب من الرخص، حتى ولو فُرِض خلوُّه من المشاق؛ لأن الأحكام تعلَّق بعللها العامة، وإن تخلفت في بعض الصور والأفراد، فالحكم الفرد يُلحق بالأعم، ولا يفرد بالحكم، وهذا معنى قول الفقهاء رحمهم اللَّه: ((النادر لا حكم له))، يعني لا ينقض القاعدة ولا يخالف حكمه حكمها، فهذا أصل يجب اعتباره، فأعظم رخص السفر وأكثرها حاجة الأمور الآتية:

الأمر الأول: القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر؛ ولهذا أضيف السفر إلى القصر لاختصاصه به، فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين.

الأمر الثاني:  الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما، والجمع أوسع من القصر؛ ولهذا له أسباب أُخر غير السفر: كالمرض، والاستحاضة، والمطر، والوحل، والريح الشديدة الباردة، ونحوها من الحاجات، والقصر أفضل من الإتمام، بل يكره الإتمام لغير سبب، وأما الجمع في السفر فالأفضل تركه إلا عند الحاجة إليه، أو إدراك الجماعة، فإذا اقترن به مصلحة جاز.

الأمر الثالث: الفطر في رمضان من رخص السفر.

الأمر الرابع:الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره.

الأمر الخامس: الصلاة النافلة للماشي إلى جهة سيره.

الأمر السادس: المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، ونحوها، ثلاثة أيام بلياليها؛ لحديث علي بن أبي طالب t ، قال: ((جعل رسول اللَّه ﷺ‬، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم))([605])، وتقدم التفصيل في ذلك.

وأما التيمم فليس سببه السفر، وإن كان الغالب أن الحاجة إليه في السفر أكثر منه في الحضر، وكذلك أكل الميتة للمضطر عام في السفر والحضر، ولكن في الغالب وجود الضرورة في السفر.

الأمر السابع: ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك، مع أنه يكره تركها في الحضر، أما راتبة الفجر وصلاة الوتر، والصلوات المطلقة فتصلى حضرًا وسفرًا.

الأمر الثامن: من رخص السفر ما ثبت عن النبي ﷺ‬ أنه قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا))([606]). فالأعمال التي يعملها في حضره: من الأعمال القاصرة على نفسه، والمتعدية يجري له أجرها إذا سافر، وكذلك إذا مرض، فيا لها من نعمة ما أجلها وأعظمها.

وأما صلاة الخوف فليس سببه السفر،ولكنه فيه أكثر([607]).

الحادي والثلاثون:معرفة أحكام الجمع وأنواعه ودرجاته في سفر الحج وغيره:

1- الجمع بعرفة؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة))([608]((وكان ابن عمر رضي اللَّه عنهما إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما))([609]). وعن جابر t في حديثه في حجة الوداع، وفيه: أن النبي ﷺ‬ أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا))([610]). ومما يدل على أنه ﷺ‬ صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين حديث أنس t قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ‬ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة)). وفي لفظ لمسلم: ((خرجنا من المدينة إلى الحج..))([611]).

2- الجمع بمزدلفة؛ لحديث جابر t أن النبي ﷺ‬ حينما أفاض من عرفة: ((أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما([612]) شيئًا))([613])؛ ولحديث أسامة بن زيد t ، وفيه: ((أن النبي ﷺ‬ لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصلِّ بينهما شيئًا))([614] ولحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((جمع رسول اللَّه ﷺ‬ بين المغرب والعشاء بِجَمْعٍ، ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين))([615]).

3- الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ‬ يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير([616])، ويجمع بين المغرب والعشاء))([617] وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((كان النبي ﷺ‬ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير([618])))([619])، وعن أنس t قال: ((كان النبي ﷺ‬ يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر))([620]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه: ((أورد فيه ثلاثة أحاديث([621]): حديث ابن عمر وهو مقيد بما إذا جد السير، وحديث ابن عباس، وهو مقيد بما إذا كان سائرًا، وحديث أنس وهو مطلق، واستعمل المصنف الترجمة مطلقة إشارة إلى العمل بالمطلق؛ لأن القيد فرد من أفراده، وكأنه رأى جواز الجمع بالسفر: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيره مُجدًّا أم لا))([622]) وعلى ذلك كثير من الصحابة y([623])، وهو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة([624])، فعن أنس بن مالك t قال: كان النبي ﷺ‬ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس([625]) أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب))([626] وفي رواية للحاكم في الأربعين: ((صلى الظهر والعصر، ثم ركب))([627] ولأبي نعيم في مستخرج مسلم: ((كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل))([628]).

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((هذا يدل على أن الجمع يراعى فيه الرحيل قبل الوقت وبعد الوقت، فإن كان الرحيل قبل الوقت جمع جمع تأخير، وإن كان بعد الوقت جمع جمع تقديم، هذا هو الأفضل، وكيفما جمع جاز؛ لأن الوقتين صارا وقتًا واحدًا، فلو صلى أول الوقت، أو آخره، فلا بأس، ففي حالة السفر والمرض يكون وقت الظهر والعصر وقتًا واحدًا، والمغرب والعشاء وقتًا واحدًا، ولكن الأفضل ما تقدم))([629]).

ومما يدل على مشروعية جمع التقديم حديث معاذ t قال: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ‬ في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا))([630]). وقد فصل هذا الإجمال رواية الترمذي وأبي داود عن معاذ t: ((أن النبي ﷺ‬ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب))([631]).

4- درجات الجمع في السفر ثلاث([632]):

الدرجة الأولى: إذا كان المسافر سائرًا في وقت الصلاة الأولى فإنه ينزل في وقت الثانية فيصلي جمع تأخير في وقت الثانية([633])، فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس،وابن عمر،كما تقدم، وهو نظير جمع مزدلفة.

الدرجة الثانية: إذا كان المسافر نازلاً في وقت الصلاة الأولى ويكون سائرًا في وقت الصلاة الثانية؛ فإنه يصلي جمع تقديم في وقت الأولى، وهذا نظير الجمع بعرفة، وهذا الذي ثبت من حديث أنس t في رواية الحاكم ومستخرج مسلم لأبي نعيم، وثبت من حديث معاذ t في سنن الترمذي وأبي داود كما تقدّم.

الدرجة الثالثة: إذا كان المسافر نازلاً في وقت الصلاتين جميعًا نزولاً مستمرًا، فالغالب من سنة النبي ﷺ‬ أنه لا يجمع بينهما وإنما يصلي كل صلاة في وقتها مقصورة كما فعل ﷺ‬ في منى وفي أكثر أسفاره، ولكن قد يجمع أحيانًا أثناء نزوله نزولاً مستمرًا كما جاء عن معاذ t أنهم خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ‬ في غزوة تبوك، ((فكان رسول اللَّه ﷺ‬ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخّر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا))([634] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: ((ظاهره أنَّه كان نازلاً في خيمة في السفر، وأنه أخّر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا، فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما السائر فلا يقال: دخل وخرج بل نزل وركب... وهذا دليل على أنه ﷺ‬ كان يجمع أحيانًا في السفر وأحيانًا لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره... وهذا يبيّن أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر، بل يفعل للحاجة، سواء كان في السفر أو الحضر؛ فإنه قد جمع أيضًا في الحضر؛ لئلا يحرج أمته، فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع، سواء كان ذلك سيره وقت الثانية، أو وقت الأولى وشقَّ النزول عليه، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى: مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر، ووقت العشاء، فينزل وقت الظهر وهو تعبان، سهران، جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك؛ ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح له الجمع. وأما النازل أيامًا في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر: فهذا وإن كان يقصر؛ لأنه مسافر فلا يجمع))([635]).

واستُدِلَّ على أن المسافر يجمع بين الصلاتين عند الحاجة في نزوله في السفر بحديث أبي جحيفة t:أنه أتى النبي ﷺ‬ وهو نازل بمكة بالأبطح في حجة الوداع في قبة له حمراء من أدم، قال:فخرج النبي ﷺ‬ بالهاجرة عليه حلة حمراء،فتوضأ وأذن بلال،ثم رُكِزَت له عنزة فتقدم فصلى بهم بالبطحاء الظهر ركعتين،والعصر ركعتين...))([636]قال النووي رحمه اللَّه: ((فيه دليل على القصر والجمع في السفر،وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع وهو نازل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى،وأما من كان في وقت الأولى سائرًا فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية))([637])،واللَّه تعالى أعلم([638]).


 المبحث العاشر: مواقيت الحج والعمرة

أولاً: مفهوم المواقيت: جمع ميقات وهو ما حُدِّد ووُقِّت للعبادة: من زمان ومكان. والتوقيت: التحديد، وهو أن يجعل للشيء وقتٌ يختصُّ به، وهو بيان مقدار المدة، ثم اتُّسع فيه فأُطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات: والمراد بالميقات هاهنا: الوقت والمكان اللذان يحرِمُ منهما الحاج أو المعتمر، وينشئ النية.

وهو في الاصطلاح موضع العبادة وزمانها:

والمقصود في هذا المبحث ما حدد الشارع للإحرام من المكان والزمان([639]).

ثانياً: المواقيت نوعان: المواقيت الزمانية، والمكانية:

        النوع الأول: المواقيت الزمانية: فالميقات الزماني بالنسبة للحاج من أول شهر شوال إلى العاشر من ذي الحجة، فيكون الميقات الزماني للحج: شوال([640])، وذو القعدة([641])، والعشر الأول من ذي الحجة([642]). قال تعالى: ] الحـَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحـَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحـَجِّ [([643]).

وقال ابن عمر رضي اللَّه عنهما: ((أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة))([644]).

وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما:((من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج)) ([645]).

فالإحرام بالحج يبدأ في أول ليلة من شوال، وينتهي بطلوع الفجر من ليلة النحر([646] فقوله تعالى: ]الحـَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [ وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وقد قيل: وذو الحجة مع الإجماع على فوات الحج بعدم الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر([647] فإن قيل: كيف يكون النحر يوم الحج الأكبر والحج يفوت بطلوع فجر يوم النحر([648] فالجواب: أن الذي فات وقت الوقوف لا الحج([649])؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما، قال: وقف النبي ﷺ‬ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجَّ، بهذا، وقال: ((هذا يوم الحج الأكبر))([650]).

فَعُلِم بهذا أن يوم النحر من أشهر الحج وهو يوم الحج الأكبر([651] وأن أشهر الحج: شهران وبعض الثالث([652])([653])، وأما ميقات العمرة الزماني فهو العام كله، يحرم بها المعتمر متى شاء لا يختص بوقتٍ، ولا يختصُّ إحرامها بوقت، فيعتمر متى شاء: في شعبان، أو رمضان، أو شوال، أو غير ذلك من الشهور([654]).

النوع الثاني: المواقيت المكانية: وهي خمسة بتوقيت النبي ﷺ‬ على النحو الآتي:

1 – ذو الحليفة([655]): والمسافة بينها وبين المسجد النبوي 13 كيلو، ومنها إلى مكة 420 كيلو، وهي ميقات أهل المدينة ومن أتى على طريقهم.

2 – الجحفة: وهي ميقات أهل الشام، وهي الآن خراب([656])، وسميت الجحفة؛ لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام، وقد كانت قرية كبيرة اسمها مهيعة([657]). والناس يحرمون اليوم من رابغ؛ لأنها قبل الجحفة بيسير، تقع عنها غرباً ببعد 22 ميلاً، ويحاذي الجحفة من خط الهجرة الخط السريع من المدينة باتجاه مكة وبين هذه المحاذاة ومكة 208 كيلو. وتبعد رابغ عن مكة 186 كيلو ويحرم منها أهل شمال المملكة العربية السعودية، وساحل المملكة الشمالي إلى العقبة، ويحرم منها بلدان إفريقيا الشمالية والغربية، وأهل لبنان، وسوريا، والأردن، وفلسطين، ومن مرَّ عليها من غيرهم.

3 – قرن المنازل([658]): ويسمَّى الآن: السيل الكبير، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة 78 كيلو، ويحرم منه أهل نجد، وحجاج الشرق كله: من أهل الخليج، والعراق، وإيران، ومن مرَّ عليه من غيرهم.

ووادي محرم الواقع في طريق الهدى غرب الطائف يبعد عن مكة 75 كيلو، ويحرم منه حجاج أهل الطائف. ومن مرَّ على طريقهم من غيرهم، وليس ميقاتاً مستقلاً، وإنما هو الطريق الأعلى لقرن المنازل.

4 – يلملم: وفيه بئر تسمى السعدية، ويلملم وادٍ عظيم، ينحدر من جبال السروات إلى تهامة، ثم يصب في البحر الأحمر، ويبعد مكان الإحرام منه عن مكة المكرمة 120 كيلو.

عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((وقَّت رسول اللَّه ﷺ‬ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنَّ فمهلَّه([659]) من أهله، وكذاك حتى أهل مكة يهلون منها)). وفي لفظ للبخاري وغيره: ((... ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ([660]) حتى أهل مكة من مكة))([661]).

5 – ذات عرق: يقع عن مكة شرقاً بمسافة قدرها 100 كيلو، وهذا الميقات مهجور الآن؛ لعدم وجود الطرق عليها، واليوم حجاج المشرق الذين يأتون عن طريق البر يحرمون من السيل أو من ذي الحليفة([662] فعن عائشة رضي اللَّه عنها: ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ وقت لأهل العراق ذات عرق)). هذا لفظ أبي داود، وأما لفظ النسائي فذكر المواقيت الخمسة، قالت عائشة رضي اللَّه عنها: ((وقت رسول اللَّه ﷺ‬ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل نجد قرناً، ولأهل اليمن يلملم))([663]).

وعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبداللَّه t يُسأل عن المهلّ فقال: سمعته [أحسبه رفع إلى النبي ﷺ‬] فقال: ((مُهلُّ أهل المدينة من ذي الحُليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومُهلَّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهلَّ أهل نجدٍ من قرنٍ، ومُهلُّ أهل اليمن من يلملم))([664]).

وعن الحارث بن عمرو السهمي t أنه قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ‬ وهو بمنى، أو بعرفات، وقد أطاف به الناس، قال: فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجههُ قالوا: هذا وجهٌ مباركٌ، قال: ووقَّت ذات عرقٍ لأهل العراق([665]).

وعن نافع عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((لما فُتِحَ هذان المِصْرَان([666]) أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول اللَّه ﷺ‬ حدَّ لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا([667])، وإنَّا إن أردنا قرناً شقَّ علينا، قال: فانظروا حذوها([668]) من طريقكم فحدَّ لهم ذات عرق))([669]).

ولم يبلغ عمر بن الخطاب t حديث عائشة، ولا حديث جابر، ولا حديث الحارث بن عمرو السهمي في تحديد النبي ﷺ‬ ذات عرق لأهل العراق، فحدد t لأهل العراق ذات عرق، وهذا من اجتهاداته الكثيرة التي وافق فيها السنة([670]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((جاء أهل البصرة إلى عمر t فوقَّت لهم ذات عرق وهو لم يبلغه الحديث، وهو موفّقٌ t، له اجتهادات كثيرة وافق فيها السنة))([671]).

وأما تحديد موقع ذات عرق فقد حددته هيئة كبار العلماء بقرارهم الآتي([672]):

والواجب على مَن مر على هذه المواقيت أن يحرم منها ويحرم عليه أن يتجاوزها بدون إحرام إذا كان قاصداً مكة يريد حجاً أو عمرة، سواء كان مروره عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، والمشروع لمن توجه إلى مكة عن طريق الجو بقصد الحج أو العمرة: أن يتأهَّب لذلك بالغسل ونحوه قبل الركوب في الطائرة، فإذا دنا من الميقات لبس إزاره ورداءه، ثم لبَّى بما يريد من حج أو عمرة، وإن لبس إزاره ورداءه قبل الركوب أو قبل الدنو من الميقات فلا بأس، ولكن لا ينوي الدخول في الإحرام ولا يلبِّي إلا إذا حاذى الميقات أو دنا منه؛ لأن النبي ﷺ‬ لم يحرم إلا من الميقات.

وأما من كان مسكنه دون هذه المواقيت كسكان: جدة، وبحرة، والشرائع، وغيرها فمسكنه هو ميقاته فيحرم منه بما أراد من حج أو عمرة، أما أهل مكة فيحرمون بالحج وحده من مكة([673]).

ومن أراد الإحرام بعمرة أو حج فتجاوز الميقات غير محرم، فإنه يرجع ويحرم من الميقات، فإن لم يرجع فعليه دم يجزئ في الأضحية؛ لقول ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً))([674]).

أما من توجه إلى مكة ولم يرد حجاً ولا عمرة، وإنما أراد التجارة، أو القيام بعمل من الأعمال له أو لغيره، أو زيارة لأقربائه أو غيرهم ونحو ذلك، فالصواب أنه ليس عليه إحرام إلا أن يرغب في ذلك؛ لقول النبي ﷺ‬ حينما وقَّت المواقيت: ((... هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة...)) ([675]). فمفهومه أن من مر على المواقيت ولم يرد حجاً ولا عمرةً فلا إحرام عليه، ويدل على ذلك أيضاً أن النبي ﷺ‬، لما دخل مكة عام الفتح لم يدخلها محرماً بل دخلها وعلى رأسه المغفر([676])؛ لكونه لم يرد حينئذٍ حجاً ولا عمرةً وإنما أراد فتحها وإزالة ما فيها من الشرك([677]).

وعن جابر t: ((أن النبي ﷺ‬ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام))([678])، ولعله ﷺ‬ كان عند أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، أو العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، واللَّه أعلم([679]).

ثالثاً: مسائل في المواقيت:

1 – وُقتت المواقيت تعظيماً لبيت اللَّه الحرام، فبيت اللَّه الحرام لما كان معظَّما مشرَّفاً، جعل اللَّه له حصناً، وهو مكة، وحمى، وهو الحرم، وللحرم حرمٌ وهو المواقيت، حتى لا يجوز لمن خارج هذه المواقيت أن يتجاوزها إلا بإحرام إذا أراد الحج أو العمرة، تعظيماً لبيت اللَّه الحرام([680]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه ((... المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم، فكل من مرَّ من جوانب الحرم لزمه تعظيم حرمته، وإن كان بعض جوانبه أبعد من بعض... وأيضاً فإن هذه المواقيت حدود النسك فليس لأحد أن يتعدى حدود اللَّه))([681]).

2 – المواقيت الخمسة المذكورة مواقيت أيضاً لكل من مرَّ عليها من غير أهلها، وهو يريد النسك حجاً أو عمرة، كما في حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما ((... فهن لهنَّ ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة))([682]).

3 – من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات فميقاته من موضع سكنه، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما وفيه: ((فمن كان دونهنَّ فمهله من أهله)). وفي لفظ: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ)). وفي لفظ: ((فمن كان دونهن فمن أهله))([683]).

4 – أهل مكة يحرمون بالحج من مكة؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما وفيه: ((...حتى أهل مكة يهلُّون منها)). وفي لفظ: ((... حتى أهل مكة من مكة))([684]). وهذا بالنسبة إلى الإهلال بالحج لا خلاف فيه بين أهل العلم، إلا ما ذكره بعضهم من أن المكي يجوز له أن يحرم من أي موضع من الحرم ولو خارجاً عن مكة، وهذا القول ظاهر السقوط لمخالفته للنص الصريح عن النبي ﷺ‬ ([685]).

5 – إحرام المكي بالعمرة يكون من الحلِّ خارج الحرم من أي مكان كان، من التنعيم، أو عرفات، أو الجعرانة، أو الشميسي موضع صلح الحديبية، أو غير ذلك من الأمكنة خارج الحرم؛ فإن جماهير أهل العلم على أن المكي لا يحرم بالعمرة من مكة، بل يخرج إلى الحلِّ ويُحرم منه، وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وحكى غير واحدٍ عليه الإجماع([686]).

قال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((أهل مكة من كان بها، سواء كان مقيماً بها، أو غير مقيم؛ لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتاً له، فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج، وإن أراد العمرة فمن الحلِّ، لا نعلم في هذا خلافاً))([687])؛ ولذلك أمر النبي ﷺ‬ عبدالرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة رضي اللَّه عنها من التنعيم([688])، وهو أدنى الحل إلى مكة؛ وإنما لزم الإحرام من الحلِّ؛ لقصة عائشة، وليجمع المحرم بالعمرة في النسك بين الحلِّ والحرم؛ فإنه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة فيجتمع له الحل والحرم، والعمرة بخلاف ذلك([689]). وهذا هو الصواب.

والصواب أن أهل مكة الذين هم أهلها المقيمون بها لهم أن يتمتَّعوا، ويقرنوا، وليس عليهم هدي.

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((أقرب أقوال أهل العلم عندي للصواب في هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتَّعوا ويقرنوا، وليس عليهم هدي))([690]).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه بها وعليه دمٌ، لتركه الإحرام من الميقات))([691]).

6 – من سلك إلى الحرم طريقاً لا ميقات فيها، فميقاته المكان المحاذي لأقرب المواقيت إليه، كما يدلُّ عليه توقيت عمر t، ذات عرق لأهل العراق، لمحاذاتها قرن المنازل، فقال t: ((فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق))([692]). قال الشنقيطي رحمه اللَّه: ((وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم))([693]).

وقال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((فإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فأحرم من بُعدٍ، بحيث يتيقَّن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يجوز، فالاحتياط فعل ما لا شك فيه، ولا يلزمه الإحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه؛ لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك، فإن أحرم ثم علم أنه قد جاوز ما يُحاذيه من المواقيت غير محرم فعليه دم))([694]).

وسواء كانت هذه المحاذاة: عن طريق البر، أو البحر، أو الجو، فهي في الحكم واحد، واللَّه تعالى علم.

7 – جمهور أهل العلم على أنَّ من جاوز ميقات من المواقيت المذكورة غير محرم وهو يريد الحج أو العمرة أن عليه دماً؛ لخبر ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً))([695]).

قال الشنقيطي رحمه اللَّه: ((وأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن جاوز الميقات ثم رجع إلى الميقات وهو لم يحرم أنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يبتدئ إحرامه إلا من الميقات، وأنه إن جاوز الميقات غير محرم، وأحرم في حال مجاوزته الميقات ثم رجع إلى الميقات محرماً أن عليه دماً؛ لإحرامه بعد الميقات، ولو رجع إلى الميقات فإن ذلك لا يرفع حكم إحرامه مجاوزاً للميقات، واللَّه تعالى أعلم))([696]).

وهكذا يرجِّح شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: أن من تجاوز الميقات ناوياً للحج أو العمرة فيلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي مرَّ عليه، ما لم يحرم، وإلا وجب عليه الدم([697]).

8 – من مرَّ على واحدٍ من هذه المواقيت وهو لا يريد حجاً ولا عمرة، إنما يريد قضاء حاجة أخرى، فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فقال بعضهم لا يجوز لأحد دخول مكة بغير إحرام، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النسك، وقال بعضهم: إذا كان دخوله لغرض غير النسك فلا مانع من دخوله غير محرم([698]).

والصواب ما دل عليه مفهوم حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، وفيه أن النبي ﷺ‬ قال لما حدَّد المواقيت: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة))([699]). فمفهومه: أن من مرَّ على المواقيت ولم يرد حجاً ولا عمرة فلا إحرام عليه، ويدل على ذلك أيضاً أن النبي ﷺ‬ لما دخل مكة عام الفتح لم يدخلها محرماً، بل دخلها وعلى رأسه المغفر([700])، وعليه أيضاً عمامة سوداء بغير إحرام([701]). وقد ذكر العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه أقوال أهل العلم في ذلك مع أدلة كل فريق ثم قال: ((أظهر القولين عندي دليلاً: أن من أراد دخول مكة حرسها اللَّه لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب عليه الإحرام، ولو أحرم كان خيراً؛ لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر))([702]).

9 – حكم الإحرام قبل الميقات، سواء كان ذلك من بلده، أو من دويرة أهله، أو من بيت المقدس: قال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((لا خلاف في أن من أحرم قبل الميقات يصير محرماً تَثْبُتُ في حقه أحكام الإحرام))([703]).

وقال الإمام ابن المنذر رحمه اللَّه: ((أجمعوا على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم))([704]).

قال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((ولكن الأفضل الإحرام من الميقات ويمكن قبله))([705]).

وقال الإمام البخاري رحمه اللَّه تعالى: ((وكره عثمان t أن يحرم من خُراسان أو كَرمان))([706]).

وذكر الشنقيطي رحمه اللَّه اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأمرين: وهما الإحرام من الميقات، أو الإحرام من بلده إن كان أبعد من الميقات، وذكر أدلة كل فريق ثم قال: ((أظهر القولين عندي دليلاً: هو الاقتداء بالنبي ﷺ‬، والإحرام من الميقات، فلو كان الإحرام قبله فيه فضلٌ لفَعَلَهُ النبي ﷺ‬، والخير كله في اتباعه ﷺ‬))([707]).

وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((السنة أن يحرم من الميقات، والإحرام قبل الميقات فيه حرجٌ ومخالفة للسنة، أما بالطائرة فقد يحتاج إلى الاحتياط))([708]).

10 – من تجاوز هذه المواقيت بلا نِيَّة الحج أو العمرة، ثم طرأ له العزم على الحج والعمرة؛ فإنه يحرم من حيث أراد النسك([709]).

11 – تحديد بعض هذه المواقيت من معجزات نبوة النبي ﷺ‬ التي تدل على أن اللَّه تعالى أرسله للناس جميعاً؛ فإنه حددها قبل إسلام أهلها، إشعاراً منه بأنهم سيسلمون ويحجون، ويحرمون منها، وقد كان ذلك ولله الحمد والمنة([710]).

12 – من جاء من أهل الشام ومصر عن طريق المدينة، فالصواب أنه يحرم من ذي الحليفة لدخوله في عموم قول النبي ﷺ‬: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) قال الشنقيطي رحمه اللَّه: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن أهل الشام ومصر مثلاً إذا قدموا المدينة فميقاتهم من ذي الحليفة، وليس لهم أن يؤخروا إحرامهم إلى ميقاتهم الأصلي، الذي هو الجحفة، أو ما حاذاها؛ لظاهر حديث ابن عباس المتفق عليه: ((هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))([711])([712]).

13- من لم يحاذِ ميقاتاً من المواقيت الخمسة في طريقه: فإنه يُحرم إذا كان بينه وبين مكة مرحلتان، نحو ثمانين كيلاً، قال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: ((...والذي لم يكن الميقات في طريقه، فإنه يتحرَّى محاذاة أوَّل ميقاتٍ يمرُّ به ثم يحرم، والذي لا يتسنَّى له لا هذا ولا هذا، فإنه يُحرم إذا كان بينه وبين مكة مرحلتان، وهما يوم وليلة، ومقدار ذلك ثمانون كيلا ً تقريباً))([713]).

وأهل السودان على حسب طريقهم، فإن كان طريقهم يمرُّ بميقات الجحفة لزمهم الإحرام إذا حاذوها، وإن كان طريقهم لا يحاذي ميقاتاً قبل جدة فإنهم يحرمون منها إذا كانوا ممن أراد الحجَّ أو العمرة([714]).

$ $ $


 المبحث الحادي عشر: الإحرام

أولاً: مفهوم الأحرام لغة وشرعاً:

الإحرام لغة: مصدر أحرم الرجل يحرم إحراماً: إذا أهل بالحج أو العمرة، وباشر أسبابهما، وشروطهما، من خلع المخيط، واجتناب الأشياء التي منعه الشرع منها: كالطيب، والنكاح، والصيد، ونحو ذلك. والأصل فيه المنع، وكأن المحرم مُنِعَ من هذه الأشياء، وأحرم الرجل: إذا دخل في الأشهر الحرم، وإذا دخل الحرم([715]).

والإحرام شرعاً: هو نية الدخول في النسك من حجٍّ أو عمرة.

ثانياً: أعمال مريد العمرة أو الحج عند الميقات:

إذا وصل مريد العمرة أو الحج إلى الميقات شرع له أن يعمل الآتي:

1 – يستحب له أن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، وينتف إبطيه، ويحلق شعر عانته؛ لحديث أبي هريرة t أنه قال: سمعت النبي ﷺ‬ يقول: ((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب))([716]).

وعن أنس t قال: ((وقَّت لنا رسول اللَّه ﷺ‬ في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، أن لا نترك أكثر من أربعين يوماً))([717]).

وأما اللحية فيجب توفيرها ويحرم حلقها وتقصيرها، وأخذ شيء منها([718] لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى وأحفوا الشَّوارب))([719]).

وعن أبي هريرة t يرفعه: ((جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللِّحى، خالفوا المجوس))([720]).

ومن حديث ابن عمر يرفعه: ((أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى))([721]).

وقد جاء الوعيد فيمن لم يأخذ من شاربه، ففي حديث زيد بن أرقم t: ((من لم يأخذ من شاربه فليس منَّا))([722])([723]).

2 – أن يتجرد من ثيابه ويستحب له أن يغتسل؛ لحديث زيد بن ثابت t، أنه رأى النبي ﷺ‬ تجرد لإهلاله واغتسل([724]).

والغسل سنة عند الإحرام للرجال والنساء حتى النفساء والحائض؛ لأن النبي ﷺ‬ أمر أسماء بنت عميس لما ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم، وذلك: أنها أرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ‬ كيف أصنع؟ قال: ((اغتسلي، واستثفري بثوب، وأحرمي))([725]).

وأمر عائشة لما حاضت وقد أحرمت بعمرة أن تغتسل وتحرم بالحج، وتفعل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت. فعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: خرجنا مع النبي ﷺ‬ عام حجة الوداع، فأهللتُ بعمرةٍ، ولم أكن سُقْتُ الهدي، فقال النبي ﷺ‬: ((من كان معه هدي فليُهلل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحلّ منهما جميعاً)) قالت: فحضت، فلما دخلت ليلة عرفة، قلت: يا رسول اللَّه إني كنت أهللت بعمرة، فكيف أصنع بحجتي؟ قال: ((انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العمرة، وأهلِّي بالحج))([726]).

3 – يستحب له أن يتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء الطيب بعد الإحرام؛ لحديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ((كان رسول اللَّه ﷺ‬ إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص [الطيب] في رأسه ولحيته بعد ذلك)). هذا لفظ مسلم، وفي لفظ للبخاري ومسلم: ((كأني أنظر إلى وبيص([727]) الطيب في مفارق رسول اللَّه ﷺ‬ وهو محرم))([728]). وقالت عائشة رضي اللَّه عنها: ((كنت أطيب رسول اللَّه ﷺ‬ لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت))([729]).

ولكن لا يُطيِّب شيئاً من ثياب الإحرام([730]).

4 – أن يحرم الرجل في رداء وإزار ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين، ويحرم في نعلين؛ لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬ أنه قال: ((وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين))([731]).

أما المرأة فيجوز لها أن تحرم فيما شاءت من الثياب المباحة لها مع الحذر من التشبه بالرجال في لباسهم. قالت عائشة رضي اللَّه عنها: ((المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرْقع، ولا تَتَلثَّم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت))([732]).

ويجوز لها أن تلبس الخفين والجوربين؛لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أنه كان يقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة رضي اللَّه عنها حدثتها ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ قد كان رخَّص للنساء في الخفين فترك ذلك))([733]).

5 – يستحب له أن يحرم بعد صلاة فريضة – غير الحائض والنفساء – إن كان في وقت فريضة، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء([734])([735]).

6 – ثم بعد الفراغ من الصلاة ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة؛ لقول النبي ﷺ‬: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))([736]).

فإن كان يريد العمرة قال: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة.

وإن كان يريد الحج مفرداً قال: لبيك حجًّا، أو اللَّهم لبيك حجًّا؛ لحديث جابر t قال: قدمنا مع رسول اللَّه ﷺ‬، ونحن نقول: لبيك اللَّهم لبيك بالحج([737]).

وإن كان يريد الجمع بين الحج والعمرة (قارناً) قال: لبيك عمرة وحجًّا، أو اللَّهم لبيك حجًّا وعمرةً؛ لحديث أنس t، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ أهلَّ بهما جميعاً: ((لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا)).  وفي لفظ: ((لبيك عمرة وحجًّا)). وفي لفظ: ((لبيك بعمرة وحج))([738])؛ ولحديث عبداللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما عن عمر بن الخطاب t قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة))([739]).

وإن كان حاجًّا أو معتمراً عن غيره – وكيلاً – نوى ذلك بقلبه ثم قال: لبيك عن فلان، وإن كان حاجًّا أو معتمراً عن أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو بنت فلان، أو فلانة.

والأفضل أن يكون التلفظ بذلك بعد استوائه على مركوبه من دابة أو سيارة، أو غيرهما([740])، اقتداء بالنبي ﷺ‬؛ لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((ما أهل رسول اللَّه ﷺ‬ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره))، وهذا لفظ لمسلم، وفي لفظ للبخاري أن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((أهلَّ النبي ﷺ‬ حين استوت به راحلته قائمة))([741]).

وللبخاري أيضاً: ((كان ابن عمر رضي اللَّه عنهما إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدهنٍ ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الحُليفة فيصلِّ، ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي ﷺ‬ يفعل)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: ((كان ابن عمر رضي اللَّه عنهما إذا صلى الغداة بذي الحُليفة أمر براحلته، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائماً ثم يلبِّي...)) ([742]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((وهذا يدل على استقبال القبلة عند الإهلال، وهو معلق صحيح))([743]). وسمعته يقول: ((الأظهر أنه يتهيأ من المصلَّى، ويهلُّ إذا ركب على راحلته، وأما إهلاله وهو على البيداء فهو تكرار))([744])([745]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((صلَّى رسول اللَّه ﷺ‬ الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدَّم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج))([746]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما عند البخاري وفيه:((... فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه وقلَّد بدنته، وذلك لخمسٍ بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة...)) ([747]).

وعن جابر بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهما: ((أن إهلال رسول اللَّه ﷺ‬ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته)). رواه أنس وابن عباس y([748]).

وعن أنس t قال:((صلى النبي ﷺ‬ بالمدينة أربعاً،وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل))([749]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: ((فهذه نصوص صحيحة أنه ﷺ‬ إنما أهل حين استوت به راحلته واستوى عليها، ورواتها مثل: ابن عمر، وجابر، وأنس، وابن عباس في روايات صحيحة))([750]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول على قول البخاري: ((رواه أنس وابن عباس)) قال: ((... وكذا جابر وابن عمر، كلهم ذكروا بأنه ﷺ‬ أهل بعدما ركب، فقد صلَّى ثم ركب على راحلته ولبّى حين استوت به، أما حديث أنه أوجب بعد صلاته، ثم أوجب عندما ركب، ثم عند الاستواء على البيداء فهو ضعيف))([751]).

ويلبي بتلبية النبي ﷺ‬: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) ([752]).

ثالثاً: مسائل في الإحرام:

1 – إذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يعوقه عن إتمام نسكه شُرِعَ له أن يشترط فيقول عند إحرمه بالنسك: ((... فإن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني))؛ لأن النبي ﷺ‬ أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت أن تحرم وهي مريضة أن تشترط، فمتى اشترط المحرم ذلك عند إحرامه ثم أصابه ما يمنعه من إتمام نسكه فإن له التحلل ولا شيء عليه.

فعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: دخل رسول اللَّه ﷺ‬ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: ((لعلك أردت الحج؟)) قالت: واللَّه لا أجدني إلا وجعة([753] فقال لها: ((حجِّي واشترطي([754] قولي: اللَّهم محلِّي حيث حبستني))([755]). وكانت تحت المقداد بن الأسود([756]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب رضي اللَّه عنها، أتت رسول اللَّه ﷺ‬ فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال: ((أهلي بالحج واشترطي أن محلِّي حيث حبستني))([757] ولفظ أبي داود: ((قولي لبيك اللَّهم لبيك، ومحلِّي من الأرض حيث حبستني))([758]).

وفي لفظ للنسائي: ((قولي: لبيك اللَّهم لبيك ومحلِّي من الأرض حيث حبستني؛ فإن لك على ربك ما استثنيت))([759]).

وعن ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب رضي اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((احرمي وقولي: إن محلِّي حيث تحبسني، فإن حُبِسْتِ، أو مرضت فقد أحللتِ من ذلك شَرْطَكِ على ربِّك ﷻ‬))([760]).

وما دلت عليه هذه الأحاديث ورواياتها الصحيحة هو الصواب من أقوال العلماء([761]).

2 - إذا كان مع من يريد الحج أو العمرة أطفال أو صبيان، وأراد أن يحرموا بحج أو عمرة رغبة في الثواب له ولهم، فإن كان الصبي مميزاً أحرم بإذن وليه، وفعل عند الإحرام ما يفعله الكبير مما تقدم ذكره.

وإن كان الصبي أو الجارية دون التمييز نوى عنهما وليهما الإحرام ولبَّى عنهما. ويمنعهما مما يمنع منه الكبير من محظورات الإحرام، وينبغي أن يكونا طاهري الثياب والأبدان حال الطواف.

وكذلك يؤمر المميز والجارية المميزة بالطهارة قبل الشروع في الطواف([762])؛لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أن النبي ﷺ‬ لقي ركباً بالروحاء فقال: ((من القوم؟)) قالوا المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: ((رسول اللَّه)) فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: ((نعم ولك أجر))([763])؛ ولحديث السائب بن يزيد t قال: ((حُجَّ بي مع رسول اللَّه ﷺ‬ وأنا ابن سبع سنين))([764]).

3- العبرة بالإحرام: فلو أحرم بالعمرة في رمضان، ولم يؤدِّها إلا في شوَّال، ثم حجَّ من عامه لم يكن متمتعاً بالعمرة إلى الحج؛ لأن إحرامه بالعمرة كان في غير أشهر الحج([765]).

$ $ $


 المبحث الثاني عشر: صفة حج النبي ﷺ‬ بإيجاز

عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه. قال: دَخَلْنَا على جَابِرِ بن عبد اللَّه، فَسَأَلَ عن الْقَوْمِ([766]) حتى انْتَهَى إلي. فقلت: أنا محمد بن عَلِيِّ بن حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بيده إلى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الأعلى([767])، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بين ثَدْيَيَّ وأنا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ. فقال: مَرْحَبًا بِكَ. يا بن أَخِي! سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَسَأَلْتُهُ وهو أَعْمَى. وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. فَقَامَ في نِسَاجَةٍ([768]) مُلْتَحِفًا بها. كُلَّمَا وَضَعَهَا على مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إليه من صِغَرِهَا. وَرِدَاؤُهُ إلى جَنْبِهِ، على الْمِشْجَبِ([769]). فَصَلَّى بِنَا. فقلت: أَخْبِرْنِي عن حَجَّةِ رسول اللَّه ﷺ‬ فقال بيده([770]). فَعَقَدَ تِسْعًا. فقال إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لم يَحُجَّ. ثُمَّ أَذَّنَ في الناس([771]) في الْعَاشِرَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ حَاجٌّ. فَقَدِمَ المدِينَة بَشَرٌ كَثِيرٌ. كلهم يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ‬. وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا معه، حتى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بن أبي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إلى رسول اللَّه ﷺ‬: كَيْفَ أَصْنَعُ قال: ((اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي([772]) بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي)) فَصَلَّى رسول اللَّه ﷺ‬ في الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ([773]) حتى إذا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ على الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إلى مَدِّ بَصَرِي([774]) بين يَدَيْهِ. من رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذلك، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلك، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذلك، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ‬ بين أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وهو يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وما عَمِلَ بِهِ من شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ([775]) ((لَبَّيْكَ اللَّهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيْكَ، إِنَّ الحمْدَ وَالنِّعْمَةَ لك وَالملْكَ، لَا شَرِيكَ لك)). وَأَهَلَّ الناس بهذا الذي يُهِلُّونَ بِهِ، فلم يَرُدَّ رسول اللَّه ﷺ‬ عليهم شَيئاً منه. وَلَزِمَ رسول اللَّه ﷺ‬ تَلْبِيَتَهُ قال جَابِرٌ t: لَسْنَا نَنْوِي إلا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حتى إذا أَتَيْنَا الْبَيْتَ معه اسْتَلَمَ الرُّكْنَ([776]) فَرَمَلَ ثَلَاثًا([777]) وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إلى مَقَامِ إبراهيم([778]) u فَقَرَأَ: ]وَاتَّخِذُوا من مَقَامِ إبراهيم مُصَلًّى [([779])  فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أبي يقول - ولا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلا عن النبي ﷺ‬ -: كان يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هو اللَّه أَحَدٌ، وَقُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ من الْبَابِ([780]) إلى الصَّفَا. فلما دَنَا من الصَّفَا قَرَأَ: ]إِنَّ الصَّفَا والْـمَرْوَةَ من شَعَائِرِ اللَّهِ [([781]) ((أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)) فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عليه حتى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّه، وَكَبَّرَهُ، وقال: ((لَا إِلَهَ إلا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، له الملكُ وَلَهُ الحمْدُ وهو على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إلا اللَّه وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) ثُمَّ دَعَا بين ذلك قال مِثْلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ إلى الْمَرْوَةِ حتى إذا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ([782]) في بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حتى إذا صَعِدَتَا([783]) مَشَى، حتى أتى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ على الْمَرْوَةِ كما فَعَلَ على الصَّفَا، حتى إذا كان آخِرُ طَوَافِهِ على الْـمَرْوَةِ فقال: ((لو أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لم أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كان مِنْكُمْ ليس معه هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً)). فَقَامَ سُرَاقَةُ بن مَالِكِ بن جُعْشُمٍ فقال: يا رَسُولَ اللَّه أَلِعَامِنَا هذا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رسول اللَّه ﷺ‬ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً في الْأُخْرَى وقال: ((دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ)) مَرَّتَيْنِ ((لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ)) وَقَدِمَ عَلِيٌّ من الْيَمَنِ بِبُدْنِ([784]) النَّبي ﷺ‬،فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رضي اللَّه عنها مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذلك عليها، فقالت: إِنَّ أبي أَمَرَنِي بهذا، قال: فَكَانَ عَلِيٌّ يقول بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إلى رسول اللَّه ﷺ‬ مُحَرِّشًا([785]) على فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّه ﷺ‬ فِيمَا ذَكَرَتْ عنه فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذلك عليها، فقال: ((صَدَقَتْ صَدَقَتْ. مَاذَا قُلْتَ حين فَرَضْتَ الْحَجَّ؟)) قال قلت: اللَّهم إني أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قال: ((فإن مَعِيَ الْـهَدْيَ فلا تَحِلُّ)) قال: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الذي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ من الْيَمَنِ وَالَّذِي أتى بِهِ النبي ﷺ‬ مِائَةً قال: فَحَلَّ الناس كلهم وَقَصَّرُوا، إلا النبي ﷺ‬ وَمَنْ كان معه هَدْيٌ، فلما كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رسول اللَّه ﷺ‬ فَصَلَّى بها الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعَرٍ تُضْرَبُ له بِنَمِرَةَ([786]) فَسَارَ رسول اللَّه ﷺ‬ ولا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ([787]). كما كانت قُرَيْشٌ تَصْنَعُ في الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ([788]) رسول اللَّه ﷺ‬ حتى أتى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بها حتى إذا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ([789]) له، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي([790]). فَخَطَبَ الناس وقال: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا([791]) في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا، ألا كُلُّ شَيْءٍ من أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ من دِمَائِنَا دَمُ بن رَبِيعَةَ بن الحارِثِ كان مُسْتَرْضِعًا في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بن عبد المطَّلِبِ، فإنه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّه في النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّه وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه([792])، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ([793]) فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ([794])، وَلَـهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْـمَعْرُوفِ وقد تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّه([795]). وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)) قالوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قد بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فقال بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى الناس([796]) ((اللَّهم اشْهَدْ اللَّهم اشْهَدْ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ولم يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شيئاً، ثُمَّ رَكِبَ رسول اللَّه ﷺ‬ حتى أتى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ([797])، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بين يَدَيْهِ([798])، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حتى غَابَ الْقُرْصُ([799])، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ وَدَفَعَ رسول اللَّه ﷺ‬ وقد شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ([800]) الزِّمَامَ. حتى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ([801]). وَيَقُولُ بيده اليمنى([802]): ((أَيُّهَا الناس السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ))([803]) كُلَّمَا أتى حَبْلًا من الْحِبَالِ([804]) أَرْخَى لها([805]) قَلِيلًا حتى تَصْعَدَ، حتى أتى الْمُزْدَلِفَةَ([806])، فَصَلَّى بها الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ولم يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شيئاً([807])، ثُمَّ اضْطَجَعَ رسول اللَّه ﷺ‬ حتى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حين تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حتى أتى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتى أَسْفَرَ جِدًّا([808]) فَدَفَعَ قبل أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بن عَبَّاسٍ وكان رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا([809]) فلما دَفَعَ رسول اللَّه ﷺ‬ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ([810]) فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَوَضَعَ رسول اللَّه ﷺ‬ يَدَهُ على وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ. فَحَوَّلَ رسول اللَّه ﷺ‬ يَدَهُ من الشِّقِّ الْآخَرِ على وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ من الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ حتى أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ([811]) فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى التي تَخْرُجُ على الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى([812])، حتى أتى الْجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كل حَصَاةٍ منها مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ([813])، رَمَى من بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الْـمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بيده، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ ما غَبَرَ([814])، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ من كل بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا من لَحْمِهَا وَشَرِبَا من مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رسول اللَّه ﷺ‬ فَأَفَاضَ إلى الْبَيْتِ([815])، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عبد الْـمُطَّلِبِ يَسْقُونَ على زَمْزَمَ، فقال: ((انْزِعُوا([816]) بَنِي عبد الْمُطَّلِبِ! فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ الناس([817]) على سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ)) فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ منه.

وَكَانَتْ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أبو سَيَّارَةَ([818]) على حِمَارٍ عُرِىٍ، فلما أَجَازَ رسول اللَّه ﷺ‬ من الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لم تَشُكَّ قُرَيْشٌ([819]) أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عليه وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ فَأَجَازَ ولم يَعْرِضْ له حتى أتى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ([820]).

$ $ $


 المبحث الثالث عشر: صفة الأنساك الثلاثة

أولاً: مفهوم وصفة الأنساك الثلاثة:

من وصل إلى الميقات في أشهر الحج، وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وهو يريد الحج من عامه، فإنه مُخيَّر بين ثلاثة أنساك، وهي على النحو الآتي:

1 – العمرة وحدها: وهو ما يسمى بالتمتع([821]) وهو أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات في أشهر الحج قائلاً عند نية الدخول في الإحرام: (لبيك عمرة). ويستمر في التلبية فإذا وصل مكة وبدأ الطواف قطعها، فإذا طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر حلَّ له كل شيء حُرِمَ عليه للإحرام.

فإذا كان اليوم الثامن – التروية – من ذي الحجة أحرم بالحج وحده وأتى بجميع أعماله([822]).

والتمتع أفضل الأنساك لمن لم يكن معه هديٌ؛ لأن النبي ﷺ‬ قال بعد أن سعى بين الصفا والمروة: ((... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة...)) ([823] وفي لفظ للبخاري: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)).

            2 – الجمع بين العمرة والحج: وهو ما يُسمى بـ((القران))([824]) وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً في أشهر الحج من الميقات قائلاً عند نية الدخول في النسك: ((لبيك عمرةً وحجّاً)) لحديث أنس t قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ أهلَّ بهما جميعاً: ((لبيك عمرة وحجاً، لبيك عمرة وحجاً)).  وفي لفظ: سمعت النبي ﷺ‬ يقول: ((لبيك عمرة وحجّاً) وفي لفظ: ((لبيك بعمرة وحجٍّ))([825]).

أو يحرم بالعمرة من الميقات ثم في أثناء الطريق يدخل الحج عليها ويلبي بالحج قبل أن يشرع في الطواف، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى سعي الحج، وإن شاء أخَّر سعي الحج بعد طواف الإفاضة، ولا يحلق ولا يقصر ولا يحل إحرامه بل يبقى على إحرامه حتى يحل منه بعد التحلل يوم العيد.

3 – الحج وحده: وهو ما يسمى بـ((الإفراد))([826]) وهو أن يحرم بالحج وحده من الميقات في أشهر الحج قائلاً عند نية الدخول في الإحرام: ((لبيك حجاً))؛ لحديث جابر t قال: ((قدمنا مع رسول اللَّه ﷺ‬ ونحن نقول: لبيك اللَّهم لبيك بالحج، فأمرنا رسول اللَّه ﷺ‬، فجعلناها عمرة))([827]).

وعمل المفرد كعمل القارن سواء بسواء إلا أن القارن عليه هدي – كالمتمتع – شكراً لله أن يسر له في سفرةٍ واحدةٍ: عمرةً وحجاً.

أما المفرد فليس عليه هدي. والأفضل للقارن وكذا المفرد إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة فيقصر أو يحلق ويكون بهذا متمتعاً كما فعل أصحاب النبي ﷺ‬ بأمره في حجة الوداع([828]).

ويدل على مشروعية هذه الأنساك الثلاثة حديث عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ‬ عام حجة الوداع: فمنَّا من أهل بعمرة، ومنَّا من أهل بحجٍّ وعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحجِّ...)) ([829]). وفي لفظ لمسلم، قالت: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ‬ فقال: ((من أراد منكم أن يهلّ بحجٍّ وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهلَّ بحجٍّ فليهل، ومن أراد أن يهلَّ بعمرة فليُهل))([830]).

وفي لفظٍ للبخاري ومسلم: ((من كان معه هدي فليهل بالحجِّ مع العمرة، ثم لا يحلَّ حتى يحلَّ منهما جميعاً...)) ([831]). وفي رواية لمسلم أن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ‬ لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف فطمثت([832])، فدخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ‬ وأنا أبكي، فقال: ((ما يبكيك؟)) فقلت: واللَّه لوددت أني لم أكن خرجت العام، قال: ((ما لك لعلّكِ نفست؟ ([833]))) قلت نعم، قال: ((هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري)). قالت: فلما قدمتُ مكة قال رسول اللَّه ﷺ‬ لأصحابه: ((اجعلوها عمرة))، فأحلّ الناس إلا من كان معه الهدي، قالت: فكان الهدي مع النبي ﷺ‬، وأبي بكر، وعمر، وذوي اليسار...)) ([834]). وفي لفظ للبخاري قالت: ((فلما قدمنا تطوَّفنا بالبيت فأمر النبي ﷺ‬ من لم يكن ساق الهدي أن يحلَّ فحلَّ من لم يكن ساق الهدي))([835]).

قال سماحة شيخنا ابن باز رحمه اللَّه على قول عائشة رضي اللَّه عنها: ((فلما قدمت مكة قال رسول اللَّه ﷺ‬ لأصحابه اجعلوها عمرة فأحلّ الناس إلا من كان معه الهدي))([836]).  قال رحمه اللَّه: ((وهذا هو الصواب الموافق لرواية غيرها من الصحابة، وأما قولها: ((فأما من أهل بحجٍّ أو جمع الحج والعمرة فلم يحلّوا حتى كان يوم النحر))([837]). فهذا إما نسيان منها رضي اللَّه عنها للواقع، أو غلط من بعض الرواة أُدرج في الحديث. واللَّه أعلم))([838]).

قال ابن قدامة رحمه اللَّه:((أجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء))([839]لقول عائشة رضي اللَّه عنها:((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ‬ فمنا من أهلَّ بعمرة،ومنا من أهل بحج وعمرة،ومنَّا من أهلَّ بالحج..)) ([840]).

أما من وصل الميقات في أشهر الحج وهو لا يريد حجاً وإنما يريد العمرة فلا يقال له متمتع وإنما هو معتمر، وكذا من وصل إلى الميقات في غير أشهر الحج كرمضان وشعبان فهو معتمر فقط([841]).

ثانياً: أفضل الأنساك الثلاثة:

أفضل الأنساك: التمتع، ثم القران لمن ساق الهدي، ثم الإفراد.

والتمتع: هو أن يحرم بعمرة من الميقات، في أشهر الحج، ويفرغ منها ويحرم بالحج في عامه.

والتمتع أفضل الأنساك؛ لأن النبي ﷺ‬ أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم ويجعلوا إحرامهم عمرة، كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة، بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسَّف ﷺ‬ على سوقه للهدي الذي كان سبباً لعدم تحلُّله بالعمرة مع أصحابه، فلو لم يكن التمتع أفضل الأنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله بقوله([842])ﷺ‬: ((... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة)). وفي لفظ: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت)). وفي لفظ للبخاري: أن النبي ﷺ‬ قال لأصحابه الذين لم يسوقوا الهدي: ((أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلِّوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة)). فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمَّينا الحج؛ فقال: ((افعلوا ما آمركم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل منِّي حرام حتى يبلغ الهدي محلِّه)) ففعلوا([843]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقول: ((والصواب أن التمتع أفضل، فالمتمتع أفضل من القارن الذي ساق الهدي))([844])([845]).


 المبحث الرابع عشر:التلبية:مفهومها،وألفاظها،وحكمها، ووقتها،وفوائدها:

أولاً: مفهومها:

التلبية: من لبَّى بمعنى: أجاب، فلفظة ((لبيك)) مثناة على قول سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير، والتكرير: أي إجابة لك بعد إجابة، ولزوماً لطاعتك، وقال الأنباري: ثنُّوا لبيك، كما ثنُّوا حنانيك: أي تحنّناً بعد تحنُّن، وأصل لبيك: لببتك.

وقال القاضي عياض: ((اختلفوا في معنى لبيك، واشتقاقها:

فقيل: معناها: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلبُّ دارك: أي تواجهها.

وقيل: معناها: محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبَّة، إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه.

وقيل: معناها: إخلاصي لك مأخوذ من قولهم: حبٌّ لباب، إذا كان خالص محضاً ومن ذلك لب الطعام ولبابه.

وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبّ الرجل بالمكان، وألبَّ به إذا أقام فيه، قال ابن الأنباري: وبهذا قال الخليل.

قال القاضي: قيل هذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم: ]وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ [.

وقال إبراهيم الحربي في معنى لبيك: أي قرباً منك وطاعة، والإلباب القرب، وقال أبو نصر: معناه: أنا ملب بين يديك: أي خاضع))([846]).

ثانياً: ألفاظ التلبية:

ثبت عن النبي ﷺ‬ ألفاظ في التلبية على النحو الآتي:

1 – حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما: أن رسول اللَّه ﷺ‬ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ فقال: ((لبَّيك اللَّهم لبَّيْك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك))([847]). وفي لفظ للبخاري، ومسلم، قال ابن عمر: لا يزيد على هؤلاء الكلمات ([848] وكان ابن عمر يزيد فيها: ((لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)) ([849]).

ولفظ أبي داود، وابن ماجه: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل ([850]).

وكان عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما يقول: كان عمر بن الخطاب t يُهلُّ بإهلال رسول اللَّه ﷺ‬ من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل ([851]).

2 – حديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ‬ يلبي: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد، والنعمة لك)) ([852]).

3 – حديث عبداللَّه بن مسعود t ولفظه كلفظ حديث عائشة، قال: كان من تلبية النبي ﷺ‬: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك)) ([853]).

4 – حديث جابر بن عبداللَّه t في صفة حجة النبي ﷺ‬ وفيه قال: فأهلَّ بالتوحيد: ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) ([854]).

5 – حديث أبي هريرة t قال: كان من تلبية النبي ﷺ‬: ((لبيك إله الحق لبيك)) ([855]).

6 – وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه ﷺ‬: ((ويلكم قدقد)) ([856]). فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. تعالى اللَّه عما يقولون علواً كبيراً.

ثالثاً: حكم الزيادة على تلبية النبي ﷺ‬:

أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث جابر عند مسلم عند الإحرام بالحج أو العمرة، ولكن اختلفوا في الزيادة على تلبية النبي ﷺ‬ بألفاظ فيها تعظيم اللَّه، ودعاؤه، ونحو ذلك، فكرِه بعضهم الزيادة على تلبية النبي ﷺ‬، وحكاه ابن عبدالبر عن مالك، قال: وهو أحد قولي الشافعي، وقال جماعة آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة عن ابن عمر، وأبيه، وزيادات الصحابة الثابتة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة ([857]).

قال الشنقيطي رحمه اللَّه: ((الذي يظهر في هذه المسألة: أن الأفضل هو الاقتصار على لفظ تلبيته ﷺ‬ الثابتة في الصحيحين وغيرهما؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[([858]). وهو ﷺ‬ يقول: ((لتأخذوا عني مناسككم))([859])، وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها))([860]). للأحاديث الآتية:

1 – ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر أنه كان يزيد في تلبية النبي ﷺ‬ الكلمات المذكورة في الحديث سابقاً؛ ولزيادة أمير المؤمنين كما تقدم.

2 – ما ثبت في حديث جابر t في صفة حجة النبي ﷺ‬، فقد ذكر تلبية النبي ﷺ‬ ثم قال: وأهل الناس بهذا الذي يهلُّون به، فلم يردّ رسول اللَّه ﷺ‬ شيئاً منه، ولزم رسول اللَّه ﷺ‬ تلبيته([861]).

3 – حديث أنس بن مالك t، فعن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك t وهما غاديان من منى إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول اللَّه ﷺ‬؟ فقال: ((كان يُهلُّ منَّا المهلُّ فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه)). وفي لفظ لمسلم: ((... ولا يعيب أحدنا على صاحبه))([862]).

4 – حديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((غدونا مع رسول اللَّه ﷺ‬ من منى إلى عرفات فمنَّا الملبِّي ومنَّا المكبِّر))([863]).

وهذه الأحاديث تدل على أن بعض أصحاب النبي ﷺ‬ يزيدون على لفظ تلبيته ﷺ‬ وهو يقرهم على ذلك ولا ينكر عليهم ولزم تلبيته ﷺ‬ ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي ﷺ‬ لو كان فيها محذور لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبداللَّه رضي اللَّه عنهما ([864]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((المقصود أنه لا بأس أن يزيد في التلبية، كما فعل أنس، وعمر، وابن عمر y، وأقرهم ﷺ‬، ولكن الأفضل تلبيته ﷺ‬؛ لأن النبي ﷺ‬ لازمها))([865]).

واختار ابن حجر وغيره أنه إن زاد على تلبية النبي ﷺ‬ مما ثبت عن الصحابة أو مما أنشأ هو من قبل نفسه مما يليق؛ فإن الأفضل أن يقوله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، ويفرد ما ثبت عن النبي ﷺ‬ ([866])([867]).

رابعاً: حكم التلبية:

اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في حكم التلبية، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه أن في حكم التلبية مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة:

المذهب الأول: أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي، وأحمد.

المذهب الثاني: واجبة ويجب بتركها دم، حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وقال: إنه وجد للشافعي نصاً يدل عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة.

المذهب الثالث: واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج، كالتوجه على الطريق، وهو قول بعض المالكية، وبعض الحنفية، لكن زاد من قال بذلك من الحنفية القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر قال أصحاب الرأي: إن كَبَّر، أو هلَّل، أو سبَّح، ينوي بذلك الإحرام فهو محرم.

المذهب الرابع: أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبدالبر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبيري من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة([868]).

والصواب من أقوال أهل العلم: هو ما ذهب إليه الإمام أحمد، والإمام الشافعي في المذهب الأول من هذه المذاهب المذكورة. وهو أن التلبية سنة، قال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه في حكم التلبية: ((سنة مؤكدة))([869]).

خامساً: أول وقت التلبية:

الصواب أن أول وقت التلبية، هو أول الوقت الذي يركب فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير؛ لصحة الأحاديث الواردة بأنه ﷺ‬ أهلَّ حين استوت به راحلته قائمة، واستوى عليها؛ للأحاديث الآتية:

1 - حديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((ما أهل رسول اللَّه ﷺ‬ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره)). وفي لفظ للبخاري: ((أهل رسول اللَّه ﷺ‬ حين استوت به راحلته قائمة)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: ((كان ابن عمر رضي اللَّه عنهما إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائماً ثم يلبي)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: أن ابن عمر: ((إذا استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ‬ يفعل))([870]).

2 – حديث جابر بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهما: ((أن إهلال رسول اللَّه ﷺ‬ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته))([871]).

3 – حديث أنس بن مالك t قال: ((صلَّى النبي ﷺ‬ بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلّ))([872]). وفي لفظ: ((صلى رسول اللَّه ﷺ‬ ونحن معه بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء([873]) حمد اللَّه، وسبح، وكبر، ثم أهلَّ بحج وعمرة...)) ([874]).

4 – حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: صلى رسول اللَّه ﷺ‬ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلَّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج))([875]).

5 – حديث جابر t في حديثه عن صفة حجة الوداع، وفيه: ((...فصلى رسول اللَّه ﷺ‬، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه: من راكب، وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ‬ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد...)) ([876]).

6 – حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول اللَّه ﷺ‬ فيها، ما أهل رسول اللَّه ﷺ‬ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره))([877]).

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((ومراد ابن عمر: أن النبي ﷺ‬ أهلَّ محرماً حين استوت به راحلته قائمة، من منزله بذي الحليفة، قبل أن يصل إلى البيداء، ووجه الجمع أنه ﷺ‬ ابتداء إهلاله حين استوت به راحلته قائمة، فسمعه قوم، ثم لما استوت به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى، فحدَّث كل واحد منهم بما سمع، وقال بعضهم: أحرم في مصلاة([878])، فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر حتى استوت به راحلته، وجَزْمُ ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدلّ على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة، ومراد ابن عمر بالإنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلبِّ قبل وصوله البيداء، وهذا الجمع ذكره ابن حجر عن أبي داود، والحاكم([879]) وقال ابن حجر في الفتح([880]): فائدة: البيداء فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره))([881]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: ((وأكثر نصوص أحمد تدلُّ على أن زمن الإحرام هو زمن التلبية))([882]).

وقال رحمه اللَّه بعد أن ساق أحاديث الإحرام بعد الاستواء على الراحلة قائمة: ((فهذه نصوص صحيحة: أنه إنما أهل حين استوت به راحلته، واستوى عليها، ورواتها مثل: ابن عمر، وأنس، وابن عباس في رواية صحيحة))([883]).

وقال رحمه اللَّه: ((فمن زعم أنه أحرم ولم يلبِّ ثم لبَّى حين استوت به ناقته فهو مخالف لجميع الأحاديث، ولعامة نصوص أحمد))([884]).

فظهر مما تقدم: أن أول وقت التلبية هو وقت انعقاد الإحرام عند الاستواء على المركوب([885]).

وهذا هو السنة، وإلا فالصواب أن الإحرام ينعقد بمجحرد النية([886]).

قال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: ((فلو لم يلبِّ فلا شيء عليه؛ لأن التلبية سنة مؤكدة))([887]). وقال: ((والواجب أن ينوي بقلبه نسكاً من حج أو عمرة، أو كليهما))([888]).

سادساً: فضائل التلبية:

التلبية لها فضائل عديدةعظيمة، ومنها الفضائل الآتية:

1 – التلبية توحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة؛ لحديث جابر بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهما في صفة حج النبي ﷺ‬ حجةالوداع، وفيه: أن النبي ﷺ‬ كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر: ((... ورسول اللَّه ﷺ‬ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك))([889]).

2 – الملبِّي بحجٍّ أو عمرة يُبشَّر بالجنة؛ لحديث أبي هريرة t، عن النبي ﷺ‬ قال: ((ما أهلَّ مُهِلٌّ([890] ولا كبَّر مكبِّر إلا بُشِّر)) قيل: يا رسول اللَّه بالجنة؟ قال: ((نعم))([891]).

3 –التلبية من أفضل الأعمال؛ لحديث أبي بكر الصديق t: أن رسول اللَّه ﷺ‬ سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((العجُّ والثَّجُّ))([892] ولفظ الترمذي: أن رسول اللَّه ﷺ‬ سُئل: أيُّ الحجِّ أفضل؟ قال: ((العجُّ والثجُّ))([893]).

4 – الملبِّي في الحج أو العمرة يلبِّي معه الشجر والحجر؛ لعظم شأن التلبية؛ لحديث سهل t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((ما من مسلمٍ يُلبِّي إلا لبَّى من عن يمينه وشماله: من حَجَرٍ، أو شجر، أو مَدَرٍ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا))([894]).

5 –التلبية من شعار الحجِّ؛ لحديث زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعار الحج))([895]).

سابعاً: رفع الصوت بالتلبية سنة للرجال:

جاء في رفع الصوت بالتلبية أحاديث منها، الآحاديث الآتية:

1 – حديث خلاّد بن السائب بن خلاّد عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال بالتلبية))([896]).

2 – حديث زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((جاءني جبريل فقال: يا محمد مُر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج))([897]).

3 – حديث أنس t قال: ((صلَّى النبي ﷺ‬  بالمدينة الظهر أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعاً))([898]).

قال البخاري – رحمه اللَّه – في ترجمة هذا الحديث: ((باب رفع الصوت بالإهلال)) ونقل ابن حجر: أن الإهلال هنا: رفع الصوت بالتَّلبية، وقوله: ((يصرخون بهما جميعاً)) أي: بالحج والعمرة([899]).

4 – حديث أبي بكر الصديق t، وفيه: أن رسول اللَّه ﷺ‬ سُئل: أي الحج أفضل؟ قال: ((العجُّ والثج))([900]). والعجّ: هو رفع الصوت بالتلبية.

ثامناً: خفض الصوت بالتلبية للنساء:

السنة للمرأة أن تخفض صوتها بالتلبية، ولا ينبغي لها رفع الصوت بالتلبية، كما عليه جماهير أهل العلم([901]).

قال الإمام ابن عبدالبر رحمه اللَّه: ((وأجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تُسمع نفسها، فخرجت من جملة ظاهر الحديث، وخُصَّت بذلك، وبقي الحديث في الرجال))([902]).

والمقصود بالحديث المشار إليه: الأمر برفع الصوت في التلبية.

قال العلامة الشنقيطي – رحمه اللَّه -: ((وقال الرافعي في شرحه الكبير: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، ولا يرفع بحيث يجهد ويقطع صوته، والنساء تقتصرن على سماع أنفسهن))([903]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه اللَّه -: ((وأما المرأة فيستحب لها أن تسمع رفيقتها. قال أحمد في رواية حرب: تجهر المرأة بالتلبية ما تُسمع زميلتها؛ لما روى سليمان بن يسار ((أن السنة عندهم أن المرأة لا ترفع الصوت بالإهلال))([904]).

وعن عطاء أنه كان يقول: ((يرفع الرجال أصواتهم بالتلبية، فأما المرأة فإنها تسمع نفسها ولا ترفع صوتها))([905])([906]).

وقال العلامة ابن عثيمين – رحمه اللَّه -: ((تسر بها لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن تُصفِّق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة وإن لم يكن عورة يخشى منه الفتنة؛ ولهذا نقول: المرأة تلبِّي سراً بقدر ما تسمع رفيقتها ولا تعلن))([907]).

تاسعاً: سبب التلبية:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه اللَّه -: ((وسبب التلبية ومعناها على ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما في قوله ﷻ‬ ([908]): ]وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ [([909]). قال: لما بنى إبراهيم البيت أوحى اللَّه إليه: أن أذن في الناس بالحج، قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتاً وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء: من حجرٍ، وشجرٍ، وأكمةٍ، أو تراب، أو شيء: لبيك اللَّهم لبيك))([910]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه: ((وقال ابن عبدالبر قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج. انتهى، وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، بأسانيدهم في تفاسيرهم عن: ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عنه قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج، قال ربِّ وما يبلغ صوتي، قال: أذِّن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبُّون))([911]).

عاشراً: فوائد التلبية:

اشتملت التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة منها الفوائد الآتية:

الفائدة الأولى: أن قولك: لبيك يتضمن إجابة داعٍ دعاك، ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه.

الفائدة الثانية: أن التلبية تتضمن المحبة، ولا يقال: لبيك إلا لمن تحبه وتعظِّمه؛ولهذا قيل في معناها: أنا مواجه لك بما تحب، وأنها من قولهم: امرأة لبة: أي محبة لولدها؛ ولهذا جاء في أحاديث كثيرة أن عدداً من أصحاب النبي ﷺ‬ إذا ناداهم النبي ﷺ‬ قال أحدهم لبيك يا رسول اللَّه، ومنها أنه ﷺ‬ قال: ((يا معاذ بن جبل)) قال: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك...)) ([912]).

وفي حديث أبي هريرة t أن النبي ﷺ‬ قال له: ((يا أبا هريرة؟)) فقلت: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك))([913]).

وفي حديث أبي ذر t: أن النبي ﷺ‬ قال له: ((يا أبا ذر؟)) قال: قلت: لبيك وسعديك يا رسول اللَّه))([914]).

الفائدة الثالثة: أنها تتضمن دوام العبودية؛ ولهذا قيل: هي من الإقامة: أي أنا مقيم على طاعتك.

الفائدة الرابعة:أنها تتضمن الخضوع والتذلُّل لله وحده:أي خضوعاً بعد خضوع، من قولهم: أنا ملب بين يديك: أي خاضع ذليل.

الفائدة الخامسة: أنها تتضمن الإخلاص؛ ولهذا قيل: إنها من اللبِّ، وهو الخالص.

الفائدة السادسة:أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى، إذ يستحيل أن يقول المسلم لبيك لمن لا يسمع دعاه.

الفائدة السابعة:أنها تتضمن التقرب من اللَّه؛ لهذا قيل: إنها من الإلباب، وهو التقرب.

الفائدة الثامنة:أنها جعلت في الإحرام شعاراً للانتقال من حال إلى حال،ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير في الصلاة سبعاً؛ للانتقال من ركن إلى ركن؛ ولهذا كانت السنة أن يلبِّي حتى يشرع في الطواف، فيقطع التلبية، ثم إذا سار لبَّى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها([915])، فالتلبية شعار الحج، والتنقل في أعمال المناسك، فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: ((لبيك اللَّهم لبيك)) كما أن المصلِّي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: ((اللَّه أكبر)) فإذا حل من نسكه قطعها، كما يكون سلام المصلِّي قاطعاً لتكبيره.

الفائدة التاسعة: أنها شعار التوحيد: ملة إبراهيم، الذي هو روح الحج ومقصده، بل روح العبادات كلها، والمقصود منها؛ ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها.

الفائدة العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة، وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص، والشهادة لله بأنه لا شريك له.

الفائدة الحادية عشرة: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى اللَّه، وأول ما يُدعى إلى الجنة أهله، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.

الفائدة الثانية عشرة:أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلِّها؛ ولهذا عرَّفها باللام المفيدة للاستغراق:أي النعم كلها لك، وأنت موليها والمنعم بها.

الفائدة الثالثة عشرة: أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده، فلا ملك على الحقيقة لغيره.

الفائدة الرابعة عشرة: أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإنَّ المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك.

الفائدة الخامسة عشرة: في ((إنَّ)) وجهان: فتحها وكسرها:

فالفتح يتضمن معنى التعليل، فمن فتحها فالمعنى: لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك.

والكسر تكون به جملة مستقلة مستأنفة، تتضمن ابتداء الثناء على اللَّه، فمن قال: ((إنَّ)) فقد عمَّ، ومن قال: ((أنَّ)) بالفتح فقد خصَّ.

الفائدة السادسة عشرة: أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك، والنعمة، والحمد لله ﷻ‬، وهذا نوع آخر من الثناء عليه غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العليَّة، فاجتماع الملك والحمد، من أعظم الكمال، والملك وحده كمال، والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال، فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمِّنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته كان في ذلك: من العظمة، والكمال، والجلال، ما هو أولى به، وهو أهل له، وكان في ذكر العبد له ومعرفته له من انجذاب قلبه إلى اللَّه وإقباله عليه، والتوجّه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولُبِّها، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

الفائدة السابعة عشرة:أن النبيﷺ‬ قال:((...وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))([916]).

وقد اشتملت التلبية على هذه الكلمات بعينها، وتضمنت معانيها، وقوله ﷺ‬: ((وهو على كل شيء قدير)) تدخل تحت قوله ﷺ‬ في التلبية: ((لا شريك لك)) وكذلك تحت قوله ﷺ‬: ((إن الحمد والنعمة لك))، وكذلك تدخل تحت إثبات الملك له تعالى، فالملك كله له، والحمد كله له، وليس له شريك بوجه من الوجوه، فهو الذي على كل شيء قدير.

الفائدة الثامنة عشرة: أن كلمات التلبية متضمنة للردِّ على كلِّ مبطل في صفات اللَّه وتوحيده؛ فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد؛ فهو سبحانه محمود لذاته، وصفاته، ولأفعاله، فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده، وكلمات التلبية كذلك مبطلة لقول مجوس الأمة: القدرية الذين أخرجوا عن ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة، والجن، والإنس، فلم يثبتوا له عليها قدرة، ولا جعلوه خالقاً لها... فمن علم معنى هذه الكلمات في التلبية، وشهدها، وأيقن بها، باين([917]) جميع الطوائف المعطلة.

الفائدة التاسعة عشرة: في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر وهو قوله ﷺ‬: ((إن الحمد والنعمة لك والملك)) ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك لك، لطيفة بديعة، وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين؛ فإنه لو قال: إن الحمد والنعمة والملك لك، كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد على مفرد، فلما تمت الجملة الأولى بقوله: ((لك)) ثم عطف الملك كان تقديره: والملك لك، فيكون مساوياً لقوله: ((له الملك وله الحمد)) ولم يقل: له الملك والحمد، وفائدته تكرار الحمد في الثناء.

الفائدة العشرون: لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر، كان فيه إشعار في اقترانهما وتلازمهمها، وعدم مفارقة أحدهما للآخر، فالإنعام والحمد قرينان.

الفائدة الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة بأنه لا شريك له، لطيفة، وهي أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله: ((لبيك)) ثم أعادها عقب قوله: ((إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)) وذلك يتضمن أنه لا شريك له في: الحمد، والنعمة، والملك، والأول يتضمن أنه لا شريك له في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: ]شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْـمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيم [([918]). فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته، وأولي العلم، وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط، وهو: العدل، فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط))([919]).

ولا شك أن الاهتمام بمعرفة معنى التلبية، ومعرفة هذه الفوائد التي تضمنتها التلبية تعين العبد المسلم على القيام بعبادة الحج والعمرة والتقرب إلى اللَّه بقول هذه الكلمات على أحسن وجه وأكمله.

الحادي عشر: مواطن التلبية:

التلبية مشروعة من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال من الإحرام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: ((وتشرع التلبية من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع في الطواف))([920]).

قال العلامة الشنقيطي – رحمه اللَّه -: ((اعلم أنه يستحب الإكثار من التلبية في دوام الإحرام، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر: من ركوب، أو نزول، أو اجتماع رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقبال الليل والنهار، ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير الأحوال، وعلى هذا أكثر أهل العلم))([921]).

الثاني عشر: التلبية في حال طواف القدوم والسعي بعده:

اختلف العلماء – رحمهم اللَّه تعالى – في استحباب التلبية في حال طواف القدوم والسعي بعده على قولين:

القول الأول:لا يلبي في طواف القدوم والسعي بعده،وبه قال:مالك وأصحابه،وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي، وقال ابن عيينة:ما رأيت أحداً يُقتدى به يُلبِّي حول البيت إلا عطاء بن السائب،وذكر أبو الخطاب أنه لا يلبِّي،وعللوا ذلك؛لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى، وقد روى الإمام مالك في الموطأ:أن عبداللَّه بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم،حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يُلبِّي([922]).

القول الثاني: لا بأس بالتلبية في طواف القدوم، وبه قال ابن عباس، وربيعة بن عبدالرحمن، وعطاء بن السائب، وابن أبي ليلى، وداود، وأحمد، وقد روي عن عبداللَّه بن عمر خلاف قوله في القول الأول، فقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت لبى([923])، وهو قول للشافعي، قال ابن قدامة مُرجِّحاً هذا القول: ((ولنا، أنه زمنُ التلبية فلم يكره له، كما لو لم يكن حول البيت، ويمكن الجمع بين التلبية والذكر المشروع في الطواف، ويكره له رفع الصوت في التلبية؛ لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم))([924]).

الثالث عشر: التلبية في مواضع النسك:

سبق الخلاف في التلبية في طواف القدوم والسعي، وأما غير ذلك فقال العلامة الشنقيطي – رحمه اللَّه -: ((اعلم أنه لا خلاف بين من يُعتد به من أهل العلم أن المحرم يلبِّي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب عرفات؛ لأنها مواضع نسك، واختلفوا في التَّلبية فيما سوى ذلك من المساجد، وأظهر القولين عندي أنه يُلبِّي في كل مسجد، إلا أنه لا يرفع صوته رفعاً يشوش على المصلين، والعلم عند اللَّه تعالى))([925])([926]).

الرابع عشر:قطع التلبية إذا شرع المعتمر في الطواف وإذا رمى الحاج جمرة العقبة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه اللَّه -: ((وتشرع التلبية من حين الإحرام إلى الشروع في الإحلال، ففي الحج يلبِّي إلى أن يأخذ في رمي جمرة العقبة، وفي العمرة إلى أن يشرع في الطواف، قال أحمد: الحاج يُلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وفي رواية يقطع عند أول حصاة، وقال في رواية الجماعة في المعتمر يقطع التلبية إذا استلم الركن. وهذا هو المذهب))([927]).

وأما قطع التلبية في الحج إذا رمى جمرةالعقبة؛ فلحديث عبداللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما : أن أسامة t كان رِدْفَ رسول اللَّه ﷺ‬ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: ((لم يزل النبي ﷺ‬ يُلبِّي حتى رمى جمرة العقبة))([928]).

وفي لفظ عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ أردف الفضل، فأخبر الفضل: أنه لم يزل يُلبي حتى رمى الجمرة))([929]).

وفي لفظ عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن الفضل: ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة))([930])([931]).

وأما قطع التلبية في العمرة إذا شرع في الطواف؛ فلما رُوي في حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما([932])، ولما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده([933]).

قال الترمذي رحمه اللَّه في آخر حديث ابن عباس: ((حديث ابن عباس حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر([934]).

&&&


 المبحث الخامس عشر: محظورات الإحرام

الحظر: المنع والحجر، وحظر الشيء: أي منعه( ).

ومحظورات الإحرام:هي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام وهي:

المحظور الأول: حلق الرأس، ويُلحق به سائر شعر البدن، بلا عذر؛ لقوله تعالى: ]وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ [([935]). وهذا نص على حلق الرأس، ويقاس عليه سائر شعر البدن.

وأيضاً قوله تعالى: ]ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ[([936]). وقد فُسِّر قضاء التفث بقضاء ما عليهم من مناسكهم: من رمي الجمار، وحلق الشعر، ووضع الإحرام، والأخذ من الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وذبح الذبيحة، ولبس الثياب، وما هم عليه في الحج، وأمر الحج كله، والعلم عند اللَّه تعالى([937]).

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((وعلى هذا التفسير فالآية تدل على: أن الأظفار كالشعر بالنسبة للمحرم، ولاسيما أنها معطوفة بثم على نحر الهدايا؛ لأن اللَّه تعالى قال: ]لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهـمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [، والمراد بذكر اسمه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام: التسمية عند نحر الهدايا، والضحايا، ثم رتب على ذلك قوله: ]ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ[، فدل على أن الحلق، وقص الأظفار ونحو ذلك ينبغي أن يكون بعد النحر، كما قال تعالى: ]وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الـْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ وقد بين النبي ﷺ‬ أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه))([938]).

المحظور الثاني: تقليم الأظفار من اليدين أو الرجلين بلا عذر؛ لأنه إزالة جزء من بدنه تحصل به الرفاهية.

فأشبه إزالة الشعر، إلا إذا انكسر ظفره وتأذَّى به فلا بأس أن يزيل المؤذي منه فقط ولا شيء عليه. قال ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وأجمعوا على أن له أن يزيل عن نفسه ما كان منكسراً منه))([939])([940]).

المحظور الثالث: تعمُّد تغطية الرأس للرجل، وكذلك الوجه على الصحيح للرجل بملاصق كالعمامة والغترة، والطاقية، وشبهها، أما غير المتصل الملاصق كالخيمة والشمسية، وسقف السيارة فلا بأس؛ لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قام رجل فقال: يا رسول اللَّه ما تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي ﷺ‬: ((لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس([941]) [ولا الخفاف] إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا [من الثياب] شيئاً مسَّه زعفران أو ورسٌ]([942]) ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القُفَّازين))([943]).

أما جواز الاستظلال؛ فلحديث أم الحصين قالت: ((حججت مع رسول اللَّه ﷺ‬ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرةالعقبة، وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلالٌ وأُسامة، أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول اللَّه ﷺ‬ من الشمس قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ‬ قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: ((إن أُمِّر عليكم عبد مجدَّع([944]) [حسبتها قالت] أسودُ يقودكم بكتاب اللَّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا)) وفي لفظ قالت: ((حججت مع رسول اللَّه ﷺ‬ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذٌ بخطام ناقة رسول اللَّه ﷺ‬ والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة))([945]).

ولحديث جابر t في صفة حج النبي ﷺ‬ وفيه: ((أنه ﷺ‬ نزل في القبة التي ضُربت له بنمرة حتى زاغت الشمس))([946]).

وأما تغطية الوجه؛ فلحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته([947])، أو قال فأوقصته، قال النبي ﷺ‬: ((اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً)).  وفي لفظ للبخاري: ((ولا تمسوه طيباً))([948] بدلاً من: ((ولا تحنِّطوه)). وفي لفظ للبخاري: ((ولا تغطوا رأسه))([949]) بدلاً من: ((ولا تخمروا رأسه)). وفي لفظ للبخاري ومسلم: ((وكفِّنوه في ثوبيه))([950]). بدلاً من: ((وكفنوه في ثوبين)). وفي لفظ لمسلم: ((وألبسوه ثوبيه))([951]). وفي رواية لمسلم: أن رجلاً أوقصته راحلته وهو محرم، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُخمِّروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً))([952]). وفي لفظ لمسلم: ((وقصت رجلاً راحلته، وهو مع رسول اللَّه ﷺ‬، فأمرهم رسول اللَّه ﷺ‬ أن يغسِّلوه بماء وسدرٍ، وأن يكشفوا وجهه، ورأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً))([953])([954]).

والمرأة لا تلبس النقاب والبرقع ولا القفازين؛ لقوله ﷺ‬: ((لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين))([955]). ولكن إذا احتاجت إلى ستر وجهها؛ لمرور الرجال الأجانب قريباً منها، فإنها تسدل الثوب أو الخمار من فوق رأسها على وجهها، قالت عائشة رضي اللَّه عنها: ((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه ﷺ‬ محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه))([956]).

وعن فاطمة بنت المنذر رحمها اللَّه قالت: ((كنَّا نُخمِّر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر))([957]).

وعن معاذة عن عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: ((المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت، إلا ثوباً مسَّه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع، ولا تَلَثَّم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت))([958]).

المحظور الرابع:لبس الرجل للمخيط عمدً في جميع بدنه،أو في بعضه مما هو مفصّل على الجسم كالقميص،والعمامة،والسراويل،والبرانس – وهو كل ثوب رأسه منه – والقفازين،والخفين،والجوربين،وكل ثوب مسه وَرْسٌ أو زعفران؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما وفيه: ((لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات،ولا العمائم،ولا البرانس،ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع أسفل من الكعبين))([959]).

ثم نسخ قطع الخفين على الصحيح لمن لم يجد النعلين، فعن جابر عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: سمعت النبي ﷺ‬ يخطب بعرفات: ((من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمحرم)). ولفظ مسلم: ((من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل))([960]).

قال شيخنا الإمام ابن باز رحمه اللَّه: ((وأما ما ورد في حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما من الأمر بقطع الخفين إذا احتاج إلى لبسهما لفقد النعلين فهو منسوخ؛ لأن النبي ﷺ‬ أمر بذلك في المدينة، لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب، ثم لما خطب الناس بعرفات أَذِنَ في لبس الخفين عند فقد النعلين، ولم يأمر بقطعهما، وقد حضر هذه الخطبة من لم يسمع جوابه في المدينة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، كما قد عُلِمَ في علمي أصول الحديث والفقه))([961] وسمعته أيضاً يقول: ((والصواب أنه لا يقطع الخفين إذا لم يجد النعلين؛ لأن النبي ﷺ‬ لم يأمر بقطع ذلك في عرفات، فالنسخ أقرب)) ([962]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه: ((وإذا لم يجد نعلين، ولا ما يقوم مقامهما، فله أن يلبس الخف ولا يقطعه، وكذلك إذا لم يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل ولا يفتقه، هذا أصح قولي العلماء؛ لأن النبي ﷺ‬ رخص في البدل في عرفات))([963]).

قال ابن تيمية رحمه اللَّه فيما يجوز للمحرم لبسه: ((يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، فله أن يلتحف بالجبة، والقميص، ونحو ذلك ويتغطَّى به باتفاق الأئمة))([964])، ولو خاط شقوق الإزار أو الرداء ورقعه فلا بأس به؛ فإن الذي يُمنع منه المحرم هو اللباس المصنوع على قدر الأعضاء وما فصِّل عليها([965]).

المحظور الخامس: تعمد استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن، أو المأكول، أو المشروب، كأن يشرب قهوة فيها زعفران، إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه؛ لحديث يعلى بن أمية t أن رجلاً سأل النبي ﷺ‬ فقال: يا رسول اللَّه كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمِّخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ‬ ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر t إلى يعلى، فجاءه يعلى وعلى رسول اللَّه ﷺ‬ ثوب قد أُظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول اللَّه ﷺ‬ مُحمّر الوجه، وهو يغطُّ، ثم سرِّي عنه، فقال: ((أين السائل عن العمرة؟)) فأُتي برجلٍ فقال: ((اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك)). وفي لفظ: أن رجلاً أتى النبي ﷺ‬، وعليه أثر الخلوق، أو قال: صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ وفي الحديث قال: ((أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك([966])، واتق الصفرة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك))([967]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقول: ((وفيه من الفوائد: أن الإنسان إذا نسي فلبس جبة أو عمامة أو ثوباً جاهل أو ناسٍ وهو محرم فلا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ‬ لم يأمره بفدية لجهله، وهكذا لو تضمَّخ بطيب بعد الإحرام وهو جاهل فلا شيء عليه، والناسي من باب أولى([968]).

وقال في المحرم الذي وقصته ناقته: ((ولا تحنطوه)) وفي رواية: ((ولا تمسوه بطيب))([969])؛ ولقوله ﷺ‬: ((لا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس))([970]).

أما الطيب الذي تطيب به قبل الإحرام في رأسه ولحيته فلا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب لاستدامته كما تقدم.

المحظور السادس: قتل صيد البر الوحشي المأكول، واصطياده؛ لقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ [([971]). وقوله سبحانه: ]وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا [([972]).

وقوله: ]غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ [([973]).

وقوله تعالى: ]وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ[([974])؛ ولحديث الصَّعب بن جثامة الليثي t: أنه أهدى لرسول اللَّه ﷺ‬ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء أو بودَّان([975]) فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: ((إنا لم نردُّه إلا أنا حرمٌ)). وفي لفظ للبخاري: ((أما إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم)). وفي لفظ للبخاري أيضاً: قال الصعب: فلما عرف ما في وجهي ردَّهُ هديتي، قال: ((ليس بنا ردٌّ عليك ولكنا حرم)). وفي رواية لمسلم: ((أهديت له من لحم حمارِ وحشٍ))([976]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: أهدى الصعب بن جثَّامة إلى النبي ﷺ‬ حما روحش وهو محرم فرده عليه، وقال: ((لولا أنا محرمون لقبلناه منك)). وفي لفظ: ((أهدى الصعب بن جثَّامة رجل حمار وحشٍ)). وفي لفظ: ((عجز حمار وحشٍ يقطر دماً)). وفي لفظ: ((أهدي للنبي ﷺ‬ شقُّ حمارٍ وحشٍ فردَّه))([977]).

وعن أبي قتادة الأنصاري في قصة صيده الحمار الوحشي، وهو غير محرم، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ‬ لأصحابه – وكانوا محرمين -: ((أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوا ما بقي من لحمها))([978]). وفي لفظ: فقال للقوم: ((كلوا)) ومنهم محرمون([979]). وفي لفظ للبخاري: أن النبي ﷺ‬ قال: ((معكم منه شيء؟)) فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها حتى نفَّدها وهو محرم))([980])، وفي لفظ للبخاري، قال معنا رجلها، فأخذها النبي ﷺ‬ فأكلها([981]). وفي لفظ للبخاري: ((إنما هي طعمة أطعمكموها اللَّه))([982]). وفي لفظ لمسلم: ((هو حلال فكلوه))([983]). وفي لفظ لمسلم: ((هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟)). وفي لفظ للنسائي: ((هل أشرتم، أو أعنتم؟)) قالوا: لا، قال: ((فكلوا))([984]).

وذكر الإمام النووي رحمه اللَّه روايات مسلم لحديث الصعب ثم قال: ((وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدى بعض لحم صيد لا كله، واتفق العلماء على تحريم الاصطياد على المحرم، وقال الشافعي: يحرم عليه تملك الصيد، والهبة، ونحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد: فَمَنْ صاده، أو صِيد له، فهو حرام، سواء صيد له بإذنه أو بغير إذنه، فمن صاده حلال لنفسه، ولم يقصد المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم، أو باعه لم يحرم عليه، هذا مذهبنا وبه قال مالك، وأحمد، وداود.

وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه.

وقالت طائفة:لا يحل له لحم الصيد أصلاً:سواء صاده أوصاده غيره له،أو لم يقصده فيحرم مطلقاً،حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر، وابن عباس y ،لقوله تعالى:]وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا[([985]). قالوا: المراد بالصيد المصيد؛ ولظاهر حديث الصعب بن جثامة؛ فإن النبي ﷺ‬ ردَّه، وعلل ردَّه بأنه محرم، ولم يقل: لأنك صدته لنا، واحتج الشافعي وموافقوه بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم بعد هذا؛ فإن النبي ﷺ‬ قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال قال للمحرمين: ((هو حلال فكلوه)) وفي الرواية الأخرى قال: ((فهل معكم منه شيء؟)) قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول اللَّه ﷺ‬ فأكلها، وفي سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، عن جابر عن النبي ﷺ‬ أنه قال: ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم))([986]). هكذا الرواية: يصاد بالألف، وهي جائزة على لغة.... قال أصحابنا: يجب الجمع بين هذه الأحاديث وحديث جابر صريح في الفرق وهو ظاهر في  الدلالة للشافعي، وموافقيه، وردٌّ لما قاله أهل المذهبين الآخرين، ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده، وحديث الصعب أنه قصدهم باصطياده، وتحمل الآية الكريمة على الاصطياد، وعلى لحم ما صيد للمحرم؛ للأحاديث المذكورة، المبينة للمراد من الآية.

وأما قولهم في حديث الصعب أنه ﷺ‬ علل بأنَّه محرم فلا يمنع كونه صيد له؛ لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له، بشرط أنه محرم، فبين الشرط الذي يحرم به))([987]).

وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه اللَّه تعالى يقرر: أن صيد البر يحرم على المحرم بأمور: أن يصيده المحرم، أن يكون أمر بصيده، أو أشار به، أو أعان على صيده، أن يكون صيد من أجله([988] وقرر أن هذه الأحاديث كلها مدارها على أمرين:

أحدهما: أن يصاد الصيد من أجل المحرم – أي يصيده الحلال من أجل المحرم – أو يساعد المحرم على ذلك، فهذا لا يأكل منه المحرم.

الثاني: إذا صاد الحلال الصيد ولم يقصد به المحرم، ولم يساعده المحرم: لا بعمل، ولا بإشارة، فهذا يأكل منه المحرم، أما حديث الصعب بن جثامة، وردّ النبي ﷺ‬ عليه الحمار الوحشي [فـ] حمل على أمرين:

إما أنه أهداه حياً، وإما أنه صاده من أجله، والمحرم لا يأكل ما صيد من أجله، وأما الصيد الحي فلا يقبله المحرم إذا أُهدي إليه، ولا يشتريه، وبهذا يجتمع شمل الأخبار؛ ولهذا أكل الصحابة من الصيد، وحديث جابر t نص في الباب ((صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم)) وهو حديث جيد كما قال الشافعي رحمه اللَّه([989]). واللَّه تعالى أعلم([990]).

المحظور السابع: عقد النكاح، فلا يتزوج المحرم، ولا يزوج غيره بولاية ولا وكالة، ولا يخطب، ولا يتقدم إليه أحد يخطب بنته أو أخته أو غير ذلك؛ لحديث عثمان بن عفان t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((لا يَنْكِحُ المحرِمُ، ولا يُنْكِح، ولا يخطب [ولا يُخطب عليه])) ([991])([992]).

وعقد النكاح ليس فيه فدية ولكن يفسد النكاح([993])، وهو مذهب جماهير العلماء، والموافق للنصوص الصحيحة([994]).

المحظور الثامن: الوطء الذي يوجب الغسل؛ لقول اللَّه تعالى: ]الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْـحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْـحَجِّ[([995]). والرفث هو الجماع، فمن حصل له الجماع متعمداً قبل التحلل الأول فسد نسكه، ويجب عليه إتمامه، وعليه بدنة، ويقضي الحج بعد ذلك، وأما من حصل له الجماع بعد التحلل الأول فإنه لا يبطل حجه، وعليه ذبح شاة، ويأتي التفصيل في ذلك في الفدية([996]).

المحظور التاسع: المباشرة فيما دون الفرج بوطء في غيره، ولو بتقبيل، أو لمس، أو نظر بشهوة([997] لقوله تعالى: ]فَلاَ رَفَثَ[ ويدخل في الرفث: المباشرة فيما دون الفرج، كما يدخل فيه الفحش: من القول والفعل، والفسوق: جميع المعاصي، والجدال الممنوع ما كان بالباطل، وهو الجدال الذي يترتب عليه عداوة وبغضاء، وأما الجدال بالتي هي أحسن لإظهار الحق فهو مأمور به، لقول اللَّه تعالى: ]وَجَادِلـهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[([998] وقوله تعالى: ]وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ[([999]).

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:

أحدهما: مباشرة النساء بالجماع ومقدماته.

الثاني: الكلام بذلك، كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا، ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها، قوله تعالى: ]أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ[([1000]). فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته... والأظهر في معنى الفسوق في الآية: أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة اللَّه تعالى، والفسوق في اللغة الخروج... والأظهر في الجدال في معنى الآية: أنه المخاصمة، والمراء: أي لا تخاصم صاحبك، وتماره حتى تغضبه، وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال أي: لم يبق فيه مراء ولا خصومة؛ لأن اللَّه أوضح أحكامه على لسان رسوله ﷺ‬))([1001]).

$ $ $


 المبحث السادس عشر:محظورات الحرمين:مكة والمدينة

أولاً:تحريم صيد الحرم المكي، وشجره،ونباته،وحشيشه إلا الإذخر:

والأصل في تحريم صيد الحرم: النص والإجماع.

أما النص؛ فلأحاديث كثيرة منها، الأحاديث الآتية:

1 -  حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬ يوم فتح مكة: ((...إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، لا يُعضد([1002]) شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا يلتقط [لقطته] إلا من عرَّفها ولا يُختلى خلاها))([1003]). فقال العباس: يا رسول اللَّه! إلا الإذخر([1004])؛ فإنه [لا بد منه] لقينهم، ولبيوتهم([1005][وفي لفظ للبخاري: فإنه لصاغتنا ولقبورنا] [وفي لفظٍ: ولسُقفِ بيوتنا] [فسكت ثم قال] ((إلا الإذخر)) [قال عكرمة: هل تدري ما ((ينفر صيدها؟)) هو أن تنحِّيه من الظل وتنزل مكانه))]([1006]).

2 - حديث أبي هريرة t قال: لما فتح اللَّه ﷻ‬ على رسوله مكة قام في الناس فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: ((إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها أُحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفّر صيدها، ولا يختلى شوكها([1007])، ولاتحلُّ ساقطتها إلا لمنشدٍ([1008] ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُفدَى وإما أن يُقتَل)) فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول اللَّه! فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إلا الإذخر)) فقام أبو شاه: رجل من أهل اليمن، فقال: اكتبوا لي يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((اكتبوا لأبي شاة)) قال الوليد: فقلت للأوزاعي: ما قوله له: اكتبوا لي يا رسول اللَّه؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول اللَّه ﷺ‬ ([1009]).

وأما الإجماع: فقال الإمام ابن قدامة: ((وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم))([1010]).

وشجر الحرم المكي ونباته طرفان ووسط:

طرف لا يجوز قطعه إجماعاً وهو ما أنبته اللَّه في الحرم من غير تسبب الآدميين إلا الإذخر.

وطرف يجوز قطعه إجماعاً وهو ما زرعه الآدميون من الزروع والبقول والرياحين، ونحوها.

وطرف اختلف فيه وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه([1011]).

ثانياً:تحريم صيد الحرم المدني النبوي، وشجره على المحرم والحلال إلا علف الدواب؛ للأحاديث الآتية:

1 – حديث عبداللَّه بن زيد t: أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومُدِّها([1012]) بمثل ما دعاه به إبراهيم لأهل مكة))([1013]).

2 - حديث جابر بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهما قال: قال النبي ﷺ‬: ((إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة: ما بين لابتيها([1014]) لا يقطع عضاهها([1015])، ولا يصاد صيدها))([1016]).

3 - حديث علي بن أبي طالب t قال: قال النبي ﷺ‬: ((المدينة حرام ما بين عَيْرٍ إلى ثورٍ))([1017]).

وسمعت شيخنا عبدالعزيز ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((عير جبل جهة الجنوب جهة الميقات، وثور جَبَلٌ ليس بالكبير من جهة الشمال تحت أحد أحمر، وحرم المدينة بين عير إلى ثور، بريد في بريد، وحرمها مثل حرم مكة، إلا أنه جاء استثناء ما يحتاجه أهل المدينة من أخشاب الآبار، والمزارع، والمحال))([1018]).

فظهر أن حرم المدينة ما بين الحرة الشرقية والحرة الغربية، وما بين جبل عير جنوب المدينة وجبل ثور شمال المدينة خلف أحد من جهة الشمال على الصحيح من أقوال أهل العلم.

وقد حقق الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه: أن جبل ثور جبل صغير يميل لونه إلى الحمرة خلف أحد من جهة الشمال([1019]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((حرم النبي ﷺ‬ المدينة، وهي بريد في بريد 12 ميلاً، حرمها من عير إلى ثور: جبلان معروفان، وثور جبل صغير تحت أحد، وأباح العلف في المدينة والإذخر في مكة، ومن وُجِدَ يصيد أو يقطع يُسلب ما معه من سلاح ومتاع، وثياب؛ ولهذا أخذ سعد t السلب أراد بذلك امتثالاً لأمر النبي ﷺ‬. والسلب خاص بالمدينة، أما مكة ففي صيدها الجزاء))([1020]).

وقال العلامة ابن عثيمين رحمه اللَّه: ((حرم المدينة مسافة بريد في بريد، فهو مربع ما بين عير إلى ثور))([1021]). واللَّه تعالى أعلم([1022]).

4 – حديث علي t عن النبي ﷺ‬ قال: ((...لا يختلى خلاها([1023]) ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها([1024]) ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره))([1025])([1026]).

$ $ $


 المبحث السابع عشر: فدية المحظورات

أولاً: فاعل محظورات الإحرام له ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة فهذا آثم وعليه الفدية.

الحالة الثانية: أن يفعل المحظور لحاجته إلى ذلك مثل: أن يحتاج إلى لبس القميص؛ لدفع برد يخاف منه الضرر، فله فعل المحظور وعليه فديته؛ لحديث كعب بن عجرة t.

الحالة الثالثة: أن يفعل المحظور وهو معذور: إما جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً، أو نائماً فلا إثم عليه. أما الفدية فمحل خلاف بين أهل العلم والأقرب إن شاءاللَّه تعالى أنه لا شيء عليه([1027] لقوله تعالى: ]وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ[([1028]).

وقوله سبحانه: ]رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا[([1029]). فقال اللَّه: ((قد فعلت))([1030]).

وفي حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ((نعم)) بدلاً من: ((قد فعلت))([1031]).

ولقول النبي ﷺ‬ في حديث أبي ذر t: ((إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه))([1032]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬ قال: ((إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه))([1033]).

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إن اللَّه تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها، ما لم تعمل أو تتكلم، أو استكروها عليه))([1034]).

وقال اللَّه تعالى في خصوص الصيد الذي هو أحد محظورات الإحرام: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ[([1035]). فقيد وجوب الجزاء بكون القاتل، متعمداً، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمِّداً فلا جزاء عليه ولا إثم، لكن متى زال العذر: فعلم الجاهل، وذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه، فإنه يجب التخلي عن المحظور فوراً، فإن استمر عليه مع زوال العذر فهو آثم وعليه الفدية([1036]).

ثانياً: أقسام محظورات الإحرام من حيث الفدية:

محظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: ما لا فدية فيه: وهو عقد النكاح.

القسم الثاني: ما فديته مُغلَّظة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.

القسم الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد.

القسم الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات([1037]).

ثالثاً: مقدار الفدية في محظورات الإحرام على النحو الآتي:

1 – الفدية في إزالة الشعر، والظفر([1038])، وتغطية الرجل رأسه، ولبسه المخيط، ولبس القفازين، وانتقاب المرأة، واستعمال الطيب، الفدية في كل واحد من هذه المحظورات: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يطعم، وإما صيام ثلاثة أيام، يختار ما شاء من هذه الأمور الثلاثة، فإن اختار الشاة فرق جميع اللحم على الفقراء، ولا يأكل منه شيئاً، قال تعالى: ]فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ[([1039]).

وعن كعب بن عُجرة t عن رسول اللَّه ﷺ‬ أنه قال: ((لعلك آذاك هوامُّك؟)) قال: نعم يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة)) وفي رواية للبخاري عن عبداللَّه بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عُجرة t فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حُمِلتُ إلى رسول اللَّه ﷺ‬، والقمل يتناثر على وجهي فقال: ((ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى، أو ما كنت أرى الجَهْدَ بلغ بك ما أرى؟ تجد شاة؟)) فقلت: لا، قال: ((فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع)). وفي لفظ للبخاري: ((أيؤذيك هوامُّ رأسك)) قلت: نعم، قال: ((فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة)). وفي لفظ للبخاري: ((... أما تجد شاة؟)) قلت: لا، قال: ((صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام)). وفي رواية للبخاري: ((فدعا الحلاق فحلقه ثم أمرني بالفداء))([1040]).

وهذا نص في الحلق، أما بقية هذه المحظورات فقاسها أهل العلم على حلق الرأس فجعلوا فيها هذه الفدية؛ لأن ذلك يحرم في حال الإحرام فأشبه حلق الرأس، واللَّه أعلم([1041]).

2 – الوطء الذي يوجب الغسل: فمن جامع في الفرج([1042]) قبل التحلل الأول فسد حجه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا بالجماع([1043]). ويجب عليه أن يتمه، ويقضيه بعد ذلك؛ لأن عبداللَّه بن عمر، وعبداللَّه بن عمرو، وعبداللَّه بن عباس y أفتوا بذلك([1044])، وغيرهم من الصحابة y جميعاً([1045]).

وعليه بدنة يفرق لحمها على الفقراء بمكة حرسها اللَّه تعالى([1046])([1047]).

فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن رجلاً أتى عبداللَّه بن عمرو يسأله عن محرم وقع بامرأته، فأشار إلى عبداللَّه بن عمر، فقال: اذهب إلى ذلك فسله، قال شعيب فلم يعرفه الرجل فذهبت معه، فسأل ابن عمر فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون، فإذا أدركت قابلاً فحج واهدِ، فرجع إلى عبداللَّه بن عمرو وأنا معه، فأخبره فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله، قال شعيب فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله، فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبداللَّه بن عمرو، وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟ فقال: قَوْلي مثل ما قالا))([1048]). واللَّه تعالى أعلم([1049])([1050]).

قال الإمام النووي رحمه اللَّه: ((إذا وطئ القارن فسد حجُّه وعمرته، ولزمه المضي في فاسدهما، وتلزمه بدنة للوطء، وشاة بسبب القران، فإذا قضى لزمته شاة أخرى، سواء قضى قارناً أو مفرداً؛ لأنه توجَّه عليه القضاء قارناً، فإذا قضى مفرداً لا يسقط عنه دم القران، قال العبدري: وبهذا كلِّه قال مالك وأحمد))([1051]).

أما من حصل له الجماع بعد التحلل الأول؛ فإنه لا يبطل حجه وعليه ذبح شاة يفرق لحمها على مساكين الحرم، والمرأة مثل الرجل في الفدية إذا كانت مطاوعة([1052]).

وقيل عليه مع ذلك - إذا كان الباقي من أعمال التحلل الثاني هو طواف الإفاضة – أن يخرج إلى أدنى الحل خارج الحرم ويحرم منه ويطوف طواف الإفاضة ويسعى بعده وهو محرم([1053]) والأصل في ذلك ما ثبت عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: ((الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي))([1054])([1055])، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه([1056]).

3 – جزاء الصيد: إن كان للصيد مثل خُيِّر([1057]) بين ثلاثة أشياء:

·       إما ذبح المثل وتوزيع جميع لحمه على فقراء مكة، لقول اللَّه تعالى:  ] وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ[([1058]).

·       وإما أن ينظر كم يساوي هذا المثل ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرَّق على المساكين لكل مسكين نصف صاع؛ لقوله تعالى: ]أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ[([1059]).

·       وإما أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً؛ لقوله تعالى: ]أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا[([1060]).

·       فإن لم يكن للصيد مثل خُيِّر بين شيئين:

·       إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول ويخرج ما يقابلها طعاماً ويفرقه على المساكين لكل مسكين نصف صاع.

·       وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً([1061] قال اللَّه تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام[([1062])([1063]).

ومن الصيد الذي له مثل من النعم: الضبع؛ لحديث جابر بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهما، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ‬ عن الضَّبُع؟ قال: ((هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم))([1064]).

وقضى عمر بن الخطاب t ((في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة))([1065]). والجفرة من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفُطِمَت وفُصلت عن أمها ورعت([1066]).

وقضى ابن عباس رضي اللَّه عنهما في حمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة([1067] وقال الإمام مالك: ((لم أزل أسمع أن في النعامة إذا قتلها المحرم بدنة))([1068]) وغير ذلك مما له مثل([1069]).

4 – المباشرة بشهوة فيما دون الفرج: كالقبلة بشهوة، والمفاخذة، والمس بشهوة ونحو ذلك سواء أنزل أو لم ينزل. من وقع منه ذلك فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام، وحجه صحيح لكن عليه أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه، وقال بعض العلماء المحققين: ويجبر ذلك بذبح رأس من الغنم يجزئ في الأضحية يُوزِّعه على فقراء الحرم المكي([1070])،وإن أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع،أو صام ثلاثة أيام أجزأه ذلك إن شاءاللَّه تعالى،ولكن الأحوط أن يذبح شاة كما تقدم. واللَّه أعلم([1071])([1072]).

رابعاً:من كرر محظوراً من جنس واحد ولم يفدِ فدى مرة بخلاف صيد:

فإذا قلم أظفاره مرتين أو أكثر، أو حلق رأسه مرتين أو أكثر، أو لَبِس مخيطاً مرتين أو أكثر، أو باشر مرتين أو أكثر، وهو من جنس واحد فإن عليه فدية واحدة إذا لم يفدِ، قياساً على تعدد الأحداث من جنس واحد فيكفيه وضوء واحد، أما إذا فدى عن الأولى فإنه يفدي عن الثاني؛ لأن الأول انتهى وبرئت ذمته منه بفديته، فيكون الثاني تجديد بخلاف الصيد، فإن الفدية تتعدد بتعدده ولو برمية واحدة([1073]). والعلم عند اللَّه تعالى.

خامساً:من فعل محظوراً من أجناس فدى لكل مرة رفض إحرامه أو لا.

فإذا لبس القميص، وتطيب، وحلق، وقلم أظفاره، وغَطَّى رأسه، فهذه خمسة أجناس فعليه خمس فدى، سواء فعل المحظور بعد أن رفض الإحرام ونوى الخروج أم لا؛ لأن بعض العلماء يرى أنه إذا رفض إحرامه ارتفض وحل، والصواب أنه يبقى على إحرامه ولو رفضه؛ لأنه لا يمكن الخروج من النسك إلا بواحد من ثلاثة أمور هي: إتمام النسك، التحلل إن اشترط، الحصر بشروطه([1074]).

واختار شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: أن من فعل محظوراً من أجناس وهو يعلم الحكم الشرعي، وأنه لا يجوز له ذلك بعد الدخول في الإحرام؛ فإن عليه الفدية لكل محظور كفارة مستقلة: وهي إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف الصاع، من قوت البلد، أو ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام: عن لبس المخيط، ومثل ذلك عن تغطية الرأس، ومثل ذلك عن الطيب، ومثل ذلك عن قلم الأظفار، ومثل ذلك عن حلق الشعر، أما إذا كان جاهلاً فليس عليه شيء([1075]). والعلم عند اللَّه تعالى.

###


 المبحث الثامن عشر: الإحصار عن البيت الحرام

أولاً: مفهوم الإحصار لغة واصطلاحاً:

الإحصار لغة: قال ابن فارس رحمه اللَّه: ((الحاء والصاد والراء، وهو الجمع والحبس، والمنع))([1076]).

والحصر:كالضرب والنصر:التضييق والحبس عن السفر وغيره([1077])([1078]).

والإحصار شرعاً: المنع من المضي إلى بيت اللَّه الحرام([1079]).

وقيل: المنع عن إتمام الحج والعمرة، أوهما، لا الواجبات([1080]).

ثانياً: من أحرم بحج أو عمرة ثم مُنِعَ من الوصول إلى البيت بحصر عدوّ، أو بمرضٍ، أو ضياع نفقة، أو كسر، أو حادث، ولم يستطع أن يذهب من طريق آخر، فعليه أن يبقى على إحرامه إذا كان يرجو زوال هذا الحابس أو المانع قريباً، كأن يكون المانع سيلاً، أو عدوّاً يمكن التفاوض معه في الدخول وأداء الطواف والسعي، وبقية المناسك ولا يعجل في التحلل؛ لأن النبي ﷺ‬ في غزوة الحديبية لم يعجل، بل مكث هو وأصحابه للمفاوضات مع أهل مكة مدة يوم الحديبية لعلهم يسمحون لهم بالدخول؛ لأداء العمرة بدون قتال، فلمَّـا لم يتيسر ذلك وصمَّموا على المنع إلا بالحرب، وفرغ رسول اللَّه من قضية الكتاب قال لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا...)) قال الراوي: ((فواللَّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللَّه أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا  تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلقوا بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمًّا...))([1081]).

وكان تأخر الصحابة y عن النحر والحلق رغبة في أداء العمرة، وغيظاً على الكفار، ويرجون أن ينزل اللَّه الوحي على رسوله ﷺ‬ فيغيِّر ما صمَّم عليه من المعاهدة، وليس ذلك بمعصية منهم y ، فلما رأوا رسول اللَّه ﷺ‬ نحر ثم حلق أيقنوا أنه لا عمرة، ولا قتال، فنحروا ثم حلقوا.

وإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحلّ قبل ذبحه، ثم يحلق، فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن لزمه شراؤه إن أمكنه، وله نحره في موضع حصره([1082]).

وبيَّن شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: أن المحصر يذبح هديه في المكان الذي أُحْصِرَ فيه، ولو خارج الحرم، ويُعطى للفقراء([1083]).

وكذلك إذا كان المانع من إكمال الحج أو العمرة: مرض، أو حادث، أو ضياع نفقة، فإنه إذا أمكنه الصبر لعله يزول المانع، أو أثر الحادث، ثم يكمل صبر، وإن لم يتمكن من ذلك فهو محصر على الصحيح، يذبح، ثم يحلق، أو يقصر، ويتحلل([1084] كما قال سبحانه: ]وَأَتِمُّواْ الْـحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهُ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْـهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ[([1085]).

وعن عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((من كُسِرَ أو عَرِجَ فقد حلَّ وعليه الحجّ من قابل)).

قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صدق.

وعن الحجاج بن عمرو عن النبي ﷺ‬ قال: ((من كُسِرَ أو عَرِجَ، أو مرض...))([1086]).

لكن إذا كان المحصر قد قال عند إحرامه: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني))([1087]). حل من إحرامه ولم يكن عليه هدي، ولا قضاء([1088]).

وهل يجب على المحصر إذا حلَّ من إحرامه، ولم يكن قد اشترط القضاء أم لا يجب عليه؟ الراجح أنه لا يجب عليه القضاء، إلا إذا كانت حجة الإسلام أو عمرته، فيؤدي الفرض بعد ذلك([1089])([1090]).


 المبحث التاسع عشر: ما يباح للمحرم

1 – يجوز للمحرم وغير المحرم أن يقتل الفواسق المؤذية في الحلِّ والحرم، فعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم: العقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور)) ([1091]).

وفي لفظٍ لمسلم: ((خمسٌ فواسقٌ يقتلن في الحلِّ والحرم: الحيَّة، والغراب الأبقع([1092])، والفأرة، والكلب العقور، والحديَّا)) ([1093])([1094]).

وعن الأسود عن عبداللَّه t قال: بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ‬ في غارٍ بمنى إذ نزل عليه ]وَالْـمُرْسَلاَتِ عُرْفًا[ وإنه ليتلوها، وإني لأتلقَّاها من فيه، وإن فاه لرطبٌ بها إذ وثبت علينا حيَّةٌ فقال النبي ﷺ‬: ((اقتلوها)) فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ‬: ((وُقيت شرَّكم كما وقيتم شرها)) ([1095]). قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السَّبُع إذا بدأ المحرم فقتله، لا شيء عليه([1096]).

وقال مالك: الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد، والفهد، والذئب، فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم، أو في أموالهم، مثل سباع البهائم كلّها المحرّمُ أكلها، وجوارح الطير: كالبازي، والصقر، والعقاب، والشاهين، ونحوها والحشرات المؤذية، والزنبور،والبق،والبعوض،والبراغيث،والذباب،وقد نص الخبر من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناها،فنصه على الحدأة والغراب تنبيهٌ على البازي المؤذي ونحوه،وعلى الفارة تنبيهٌ على الحشرات المؤذية،وعلى العقرب تنبيهٌ على الحية،وعلى الكلب العقور تنبيهٌ على السباع المؤذية التي هي أعلا منه... وهذا إذا اعتدت عليه هذه الأشياء،أما إذا لم تعتدِ عليه فلا يتعرض لها([1097]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه عند تقريره على حديث عائشة رضي اللَّه عنها في قتل الفواسق يقول: ((قتل هذه الأشياء لعلَّة أذاها فيقتلها المحرم في الحل والحرم، وكذلك الحلال، وليست هذه الخمسة للحصر فيدخل فيها الوزغ، والحية، وكل ما يؤذي من الفواسق)) ([1098]).

2 – إذا لم يجد المحرم إزاراً جاز له لبس السراويل، وإذا لم يجد نعلين جاز له لبس الخفين؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما في الصحيحين([1099]).

والصواب أنه لا يقطع الخفين إذا لم يجد النعلين، ولا يفتق السراويل إذا لم يجد الإزار؛ لأن النبي ﷺ‬ لم يأمر بذلك في عرفات([1100]).

3 – لا حرج على المحرم في لبس الخفاف التي ساقها أسفل من الكعبين؛ لكونها من جنس النعلين.

4 – لا حرج على المحرم أن يغتسل للتبرد، ويغسل رأسه ويحكّه برفق وسهولة إذا احتاج إلى ذلك؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري t، أنه استتر بثوب وهو يغتسل بين قرني البير، فوضع يده على الثوب فطأطأه حتى بدا رأسه، ثم قال لإنسان يصبّ عليه: اصبب، فصبَّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، وقال: ((هكذا رأيته ﷺ‬ يفعل)) ([1101]).

وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: يدخل المحرم الحمام، ولم يرَ ابن عمر وعائشة بالحكِّ بأساً([1102]).

5 – للمحرم أن يغسل ثيابه، التي أحرم فيها من وسخ ونحوه، ويجوز له إبدالها بغيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لبسه.

6 – لا بأس بوضع النظارة الشمسية أو الطبيَّة على العينين.

7 – لا بأس بربط الساعة على المعصم أو لبسها.

8 – لا بأس بالحجامة إذا احتاج إليها المحرم؛ لأن النبي ﷺ‬ ((احتجم وهو محرم)) ([1103]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((هذا يدل على أن الحجامة للمحرم عند الحاجة لا بأس بها، حتى ولو قطع بعض شعر الرأس، وإن كفَّر كفارة الأذى فهو أحوط، هذا إذا أخذ شيئاً من شعر رأسه)) ([1104]).

9 – لا بأس بالاستظلال بالمظلة أو الشمسية، أو بسقف السيارة، وبالخيمة والشجرة ونحو ذلك مما لا يكون ملاصقاً للرأس. فقد صح عنه ﷺ‬ أنه ظُلِّلَ عليه بثوب حين رمى جمرة العقبة ضحىً([1105]).

10 – لا حرج بعقد الإزار وربطه بخيط ونحوه لعدم الدليل المقتضي للمنع.

11 – يباح للمرأة من المخيط ما شاءت من الثياب وغيرها من كل ما أباحه اللَّه لها، إلا أنها لا تلبس النقاب والبرقع ولا القفازين، وإذا احتاجت إلى أن تضع خمارها على وجهها فلا حرج عليها، بل ينبغي لها أن تسدل خمارها على وجهها من على رأسها إذا قابلت الرجال الأجانب([1106]). ولا حرج عليها في لبس الخفين، والشراب، والسراويل كما تقدم.

12 – لا حرج في شد ما يحفظ المال على الوسط ولا حرج في استخدامه لربط الإزار كذلك([1107]).

13 – لا حرج في أن يخيط المحرم الشقوق في إزاره أو ردائه، أو يرقع ذلك، وإنما الممنوع هو ما فُصِّل على هيئة العضو أو البدن([1108]).

$ $ $


 المبحث العشرون: أركان الحج وواجباته

أولاً: أركان الحج: أربعة على الصحيح:

مفهوم الأركان لغة واصطلاحاً:

الأركان لغة: جمع ركن، والركن جانب الشيء الأقوى، فيكون عينه الذي لا يقوم ولا يتم إلا به، وسميت أركان الحج تشبيهاً لها بأركان البيت الذي لا يقوم إلا بها.

والركن اصطلاحاً: ما يقوم به ذلك الشيء من التقوم.

وقيل: ركن الشيء ما يتم به وهو داخل فيه بخلاف شرطه وهو خارج عنه([1109]).

وقيل: الركن: ماهية الشيء والذي يتركَّب منه، ويكون جزء من أجزائه، ولا يوجد ذلك الشيء إلا به([1110]).

وقيل: الركن عبارة عن جزء الماهية([1111]).

وقيل: الركن ما لا يقوم الشيء إلا به([1112]).

وأركان الحج أربعة على الصحيح، وهي على النحو الآتي:

الركن الأول: الإحرام: وهو نية الدخول في النسك فمن ترك هذه النية لم ينعقد حجه؛ لحديث عمر بن الخطاب t قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))([1113]).

قال الإمام ابن المنذر: ((وأجمعوا على أنه إن أراد أن يهلَّ بحج فأهل بعمرة، أو أراد أن يهل بعمرة فلبَّى بحجٍّ أنَّ اللازم له ما عقد عليه قلبه، لا ما نطق به لسانه)) ([1114]).

الركن الثاني: الوقوف بعرفة. قال اللَّه تعالى: ]فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْـمَشْعَرِ الحرَامِ[([1115]).فإن الإفاضة من عرفة إنما تكون بعد الوقوف فيها،وهو الركن الذي يفوت الحج بفواته؛لحديث عبدالرحمن بن يعمر t قال: شهدت رسول اللَّه ﷺ‬ وهو واقف بعرفة، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه كيف الحج؟ قال: ((الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تمَّ حجه، أيام منى ثلاثة، ]فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ[([1116]). ثم أردف رجلاً خلفه فجعل ينادي بهن)). وهذا لفظ ابن ماجه، ولفظ الترمذي: ((الحج عرفات، الحج عرفات، الحج عرفات، أيام منى ثلاثٌ، ]فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ[ ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج)) ([1117]).

قال الإمام ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض لا حج لمن فاته الوقوف بها)) ([1118]).

الركن الثالث: طواف الإفاضة للحج بعد الإفاضة من عرفة ومزدلفة، لقول اللَّه تعالى: ]وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق[([1119])؛ ولحديث عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: حججنا مع النبي ﷺ‬، فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي ﷺ‬ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول اللَّه، إنها حائض، قال: ((أحابستنا هي؟)) قالت عائشة: يا رسول اللَّه، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((فلتنفر [إذاً])) ولفظ البخاري: أن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: يا رسول اللَّه: إنها حائض، قال: ((أحابستنا هي؟)) قالوا يا رسول اللَّه، أفاضت يوم النحر، قال: ((اخرجوا))([1120]) فدل ذلك على أن هذا الطواف لا بدَّ منه وأنَّه حابسٌ لمن لم يأت به.

قال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((وسُمِّيَ طواف الزيارة؛ لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى، ويُسمَّى طواف الإفاضة؛ لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، وهو ركن للحج، لا يتمُّ إلا به، لا نعلم فيه خلافاً)) ([1121]).

ولطواف الزيارة وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء.

فأما وقت الفضيلة فيوم النحر: بعد الرمي، والنحر، والحلق.

وأما وقت الجواز فأوله من بعد نصف الليل من ليلة النحر، وبهذا قال الإمام أحمد، والشافعي.

وقال أبو حنيفة أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر أيام النحر، وهذا مبنيٌّ على أول وقت الرمي، ويأتي الكلام فيه إن شاءاللَّه.

وأما آخر وقته فاحتج بأنَّه نُسُكٌ يفعل في الحج، فكان آخره محدوداً كالوقوف والرمي، قال ابن قدامة: ((والصحيح أن آخر وقته غير محدود فإنه متى أتى به صحَّ بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم)) ([1122]). قلت: وكلما سارع إليه المسلم قدر استطاعته كان أفضل؛ لأن المسارعة إلى الخيرات من أفضل الأعمال، ثم قد يهجم الموت عليه على غرة، واللَّه المستعان.

الركن الرابع: السعي بين الصفا والمروة؛ لحديث حبيبة بنت أبي تجزئة قالت: دخلنا على دار أبي حسين في نسوة من قريش والنبي ﷺ‬ يطوف بين الصفا والمروة، قالت: وهو يسعى يدور به إزاره من شدَّة السعي وهو يقول لأصحابه: ((اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي)) ([1123]). قالت عائشة رضي اللَّه عنها: ((ما أتم اللَّه حج من لم يطف بين الصفا والمروة) وفي لفظ للبخاري ومسلم: ((ما أتم اللَّه حج امرئ ولا عمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة))([1124] وفي لفظ: ((أن بعض الأنصار قالوا: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، فأنزل اللَّه ﷻ‬: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[ ))([1125]).

ثانياً: واجبات الحج:

الواجب لغة: من وجب الشيء يجب وجوباً: أي لزم، يقال: وجب الشيء يجب وجوباً: إذا ثبت ولزم([1126]).

وقيل: واجب: اسم فاعل من وجب اللازم([1127]).

والواجب اصطلاحاً: هو ما يثاب فاعله، ويستحق العقاب تاركه([1128])، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف إلى الاستحباب، كما أن النهي يقتضي التحريم ما لم يصرفه صارف إلى الكراهة.

الواجب الأول: الإحرام من الميقات؛ لقوله ﷺ‬ حينما وقّت المواقيت: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة)) ([1129]).

الواجب الثاني: الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف نهاراً؛ لحديث جابر t في صفة حجة النبي ﷺ‬، وفيه: ((فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص))([1130])؛ ولحديث جابر t قال: رأيت النبي ﷺ‬ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) ([1131])؛ ولأنه لم يرد أن النبي ﷺ‬ رخَّص لأحد بالانصراف من عرفة قبل غروب الشمس، وقد ثبت أنه رخَّص للضعفة بالانصراف من مزدلفة في آخر ليلة النحر قبل انصرافه ﷺ‬، ومن لم يدرك جزءاً من النهار، ولا جاء عرفة حتى غابت الشمس فوقف ليلاً فلا شيء عليه، وحجه تام، قال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((لا نعلم فيه مخالفاً)) ([1132])؛ لأن النبي ﷺ‬ وقف إلى  الغروب والفعل إذا خرج منه مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر.

الواجب الثالث: المبيت بمزدلفة؛ لأنه ﷺ‬ بات بها، لقول اللَّه تعالى: ]فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْـمَشْعَرِ الْـحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَـمِنَ الضَّآلِّين[([1133])؛ ولحديث جابر t: أن النبي ﷺ‬ قال: ((لتأخذ أمتي نُسُكَها فإني لا أدري لعلي لا ألقاهم بعد عامي هذا)) ([1134])؛ ولأن النبي ﷺ‬ أذن للضعفة بعد منتصف الليل فدل ذلك على أن المبيت بمزدلفة لازم، وقد أمر اللَّه بذكره عند المشعر الحرام، فلو لم يكن المبيت بمزدلفة واجباً لم يُحتج فيه إلى ترخيص([1135]).

الواجب الرابع: المبيت بمنى ليالي أيَّام التشريق الثلاثة للمتأخرين، وليلتين للمتعجلين، لقول اللَّه تعالى: ]وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى[([1136]). لأن النبي ﷺ‬ بات بها ليالي أيام التشريق الثلاث، ولأنه أَذِنَ للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فعن عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: ((أن العباس t استأذن النبي ﷺ‬؛ ليبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته فأَذِنَ له))([1137]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قدم النبي ﷺ‬ على راحلته وخلفه أسامة فاستقى فأتيناه بإناء من نبيذ، فشرب وسقى فضله أُسامة، وقال: ((أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا)) فلا نريد تغيير ما أمر به رسول اللَّه ﷺ‬([1138]).

ورخص النبي ﷺ‬ لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى؛ لحديث عاصم بن عدي t : ((أن النبي ﷺ‬ رخص للرعاء في البيتوتة يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعدهما يجمعونهما في أحدهما)) ([1139])، فدلت هذه الرخصة والإذن على أن المبيت بمنى هذه الليالي واجب على غير السقاة والرعاة ومن في حكمهم([1140]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((لا بأس لأهل السقاية ومن كان مثلهم أن يبيتوا ليالي منى: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، وهكذا أذن ﷺ‬ لرعاة الإبل، وهكذا من كان مثلهم: كالمرضى، والذين لا يستطيعون كالحرَّاس، فمن كان مثل أهل السقاية أو أحوج منهم فمن باب أولى)) ([1141]).

الواجب الخامس: رمي الجمرات مرتباً: جمرة العقبة يوم النحر قبل الزوال وبعده، ورمي الجمرات الثلاث أيام التشريق بعد زوال الشمس؛ لأن النبي ﷺ‬ بدأ بجمرة العقبة ضُحىً يوم النحر، ورمى الجمرات الثلاث أيام التشريق بعد الزوال؛ ولأن اللَّه تعالى قال: ]وَاذْكُرُواْ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى[([1142]). فالحجاج مأمورون بذكر اللَّه في منى وليس في منى ذكر ينفرد به الحج إلا ذكر الجمار؛ لحديث عائشة رضي اللَّه عنها، عن النبي ﷺ‬ أنه قال:((إنما جعل الطواف بالبيت،وبين الصفا والمروة،ورمي الجمار؛لإقامة ذكر اللَّه))([1143])،وقال جابر t:((رأيت النبي ﷺ‬ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه))([1144]).

الواجب السادس:الحلق أو التقصير؛لقول اللَّه تعالى:]وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْـهَدْيُ مَحِلَّهُ[([1145])؛ ولأن النبي ﷺ‬ أمر به فقال: ((وليُقصِّر وليحلّ)) ([1146])؛ ولحديث أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((اللَّهم اغفر للمحلقين)) قالوا: وللمقصرين، قال: (اللَّهم اغفر للمحلقين) قالوا: وللمقصرين، قال: ((اللَّهم اغفر للمحلقين)) قالوا:وللمقصرين قالها ثلاثاً، قال: ((وللمقصرين)) ([1147]).

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما، أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((رحم اللَّه المحلقين)) قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: ((رحم اللَّه المحلقين)) قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: ((رحم اللَّه المحلقين)) قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: ((والمقصرين)) ([1148]).

وعن عبداللَّه t قال:((حلق النبي ﷺ‬ وطائفة من أصحابه،وقصَّر بعضهم))([1149]).

الواجب السابع: طواف الوداع؛ لأن النبي ﷺ‬ طاف للوداع عند خروجه من مكة، لأمره ﷺ‬ بذلك، فعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: كان الناس ينصرفون في كل وجهةٍ فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((لا ينفرنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت)) ([1150]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((أُمِرَ الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّف عن المرأة الحائض)) ([1151]).

فقد دل نهي النبي ﷺ‬ عن النفر حتى يكون آخر العهد بالبيت، وهذا النهي يقتضي التحريم، وأُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وهذا الأمر يقتضي الوجوب، والترخيص للحائض في ترك طواف الوداع يدل على وجوبه، ومثل الحائض في ذلك النفساء، واختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى هل للعمرة طواف وداع؟ على قولين: أقربهما أن العمرة ليس لها طواف وداع، وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((أما العمرة فليس لها طواف وداع واجب، ولكن لو طاف المعتمر يكون أفضل؛ لأن النبي ﷺ‬ لم يأمر من اعتمر معه بالوداع، ولا من اعتمر)) ([1152]).

والباقي من أفعال الحج وأقواله سنن: كلبس إزار ورداء أبيضين للرجل، والتلبية من حين الإحرام إلى استلام الحجر الأسود في العمرة، أما الحج فإلى رمي جمرة العقبة، والمبيت بمنى ليلة عرفة، والرمل، والاضطباع للرجال في موضعهما من طواف القدوم، وتقبيل الحجر الأسود، والأذكار، والأدعية، وصعود الصفا.

فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه([1153]).

ودليل وجوب الدم على تارك الواجب قول ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)) ([1154]).

$ $ $


 المبحث الحادي والعشرون: أركان العمرة وواجباتها

أولاً: أركان العمرة ثلاثة([1155]):

الركن الأول: الإحرام: وهو نية الدخول في النسك؛ لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) ([1156]).

الركن الثاني: الطواف بالبيت العتيق.

الركن الثالث: السعي، قال النبي ﷺ‬ في الطواف والسعي: ((ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة...)) ([1157]). وقال في السعي: ((اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي)) ([1158]). وفي حديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ((ما أتم اللَّه حج امرئ ولا عمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة))([1159]).

ثانياً: واجبات العمرة: اثنان:

الواجب الأول: الإحرام بها من الحلّ؛ لأمره ﷺ‬ عائشة رضي اللَّه عنها أن تعتمر من التنعيم([1160] ولحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما في المواقيت: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة...))([1161]).

الواجب الثاني:الحلق أو التقصير؛لقول النبي ﷺ‬:((وليقصِّر وليحلّ))([1162])، فمن ترك ركناً لم تتم عمرته إلا به، ومن ترك واجباً جبره بدم، ومن وقع في الجماع قبل التقصير أو الحلق في العمرة فعليه شاة؛ لفتوى ابن عباس رضي اللَّه عنهما وعمرته صحيحة([1163]).

ومن وقع في الجماع قبل الطواف بالبيت لعمرته فسدت إجماعاً، وإن كان الجماع بعد الطواف وقبل السعي فسدت كذلك عند الجمهور، وعليه في الحالتين المضي في فاسدها، والقضاء والهدي([1164])([1165]).


 المبحث الثاني والعشرون: سنن الحج والعمرة

أولاً: سنن الإحرام:

1 – تقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبطين، وحلق شعر العانة، قبل الإحرام؛ لما في ذلك من إزالة الأوساخ، والنظافة؛ ولأن ذلك من سنن الفطرة؛ لحديث أبي هريرة t عن النبي ﷺ‬ قال: ((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب))([1166]).

2 – الغسل عند الإحرام؛ لحديث زيد بن ثابت t أنه رأى النبي ﷺ‬ ((تجرد لإهلاله واغتسل))([1167]).

3  -التطيب في البدن قبل الإحرام؛ لحديث عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: ((كان رسول اللَّه ﷺ‬ إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك)) ([1168]).

4 – إحرام الرجل في إزار ورداء أبيضين؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم...)) ([1169]).

5 – الإحرام في نعلين؛ لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬ أنه قال: ((ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين)) ([1170]).

6 – الإحرام بعد صلاة فريضة؛ لأن النبي ﷺ‬ أحرم بعد صلاة الظهر؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((صلى رسول اللَّه ﷺ‬ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته وأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج...)) ([1171]). فإن لم يكن في وقت صلاة فريضة، فإنه يصلي ركعتي الوضوء؛ لأن النبي ﷺ‬ ((تجرد لإهلاله واغتسل)) وقد شرع ﷺ‬ لأمته ركعتي الوضوء، والصواب أنها تُصلَّى في أي ساعة من ليل أو نهار، وإذا كان الإحرام من ميقات ذي الحليفة فصلَّى في وادي العقيق فريضة أو نافلة ثم أحرم بعدها، فلا بأس؛ لحديث عمر بن الخطاب t، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة)) ([1172]).

7 – التحميد، والتسبيح، والتكبير عند الاستواء على المركوب قبل التلبية؛ لحديث أنس t قال: صلى رسول اللَّه ﷺ‬ ونحن معه بالمدينة الظهر أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء: حمد اللَّه، وسبح، وكبَّر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلُّوا، حتى كان يوم التروية أهلُّوا بالحج)) ([1173]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه: ((قوله عند الركوب)) أي بعد الاستواء على الدابة لا حال وضع الرجل مثلاً في الركاب، وهذا الحكم – وهو استحباب التسبيح، وما ذكر معه قبل الإهلال – قلَّ من تعرض لذكره مع ثبوته)) ([1174]).

8 – التلفظ بالإهلال بالتلبية ونية الدخول في النسك يكون عند الاستواء على المركوب؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((أهل النبي ﷺ‬ حين استوت به راحلته قائمة)) ([1175]).

9 – الإهلال بالتلبية مستقبل القبلة، فعن نافع قال: ((كان ابن عمر رضي اللَّه عنهما إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت له، ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائماً ثم يلبِّي، حتى يبلغ الحرم ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طُوىً بات حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول اللَّه ﷺ‬ فعل ذلك)) ([1176]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول عن هذا الحديث: ((وهذا يدل على استقبال القبلة عند الإهلال، وهو معلق صحيح)) ([1177]). وقال الألباني رحمه اللَّه: ((وقد وصله أبو نعيم في المستخرج)) ([1178]).

10 – رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث السائب بن خلاد t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)) ([1179]).

ثانياً: سنن دخول مكة:

11 –1- المبيت بذي طوى؛ لحديث نافع عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((كان ابن عمر رضي اللَّه عنهما إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى،ثم يصلي به الصبح،ويغتسل،ويُحدّث أن النبي ﷺ‬ كان يفعله))([1180]).

أما الإمساك عن التلبية إذا دخل الحرم، فسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((المحفوظ عن النبي ﷺ‬ أنه كان يلبِّي حتى يشرع في الطواف، وهذا اجتهاد من ابن عمر رضي اللَّه عنهما)) ([1181]).

12 –2- الاغتسال لدخول مكة؛ لحديث نافع السابق أن ابن عمر كان يفعله ((ويحدث أن النبي ﷺ‬ كان يفعل ذلك)) ([1182]).

13 –3- دخول مكة نهاراً، فعن نافع عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((بات النبي ﷺ‬ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر رضي اللَّه عنهما يفعله)) ([1183]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((هذا هو الأفضل إن تيسر سواء في العمرة أو في الحج، وإن دخلها ليلاً فلا بأس)) ([1184])([1185]).

14 –4- دخول مكة من أعلاها، والخروج من أسفلها إن تيسير، لحديث عائشة رضي اللَّه عنها: ((أن النبي ﷺ‬ لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها)) ([1186]).

فأعلى مكة كَداء، وأسفلها كُدى، وهما موضعان بمكة([1187])، وهما الثنية العليا، والثنية السفلى([1188] وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((وأهل مكة يقولون: ادخل وافتح، واخرج واضمم، كَداء، وكُداء))([1189]).

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ‬ يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنيَّة السفلى)) ([1190]).

وهذا من باب الأفضلية، وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((وهذا هو الأفضل أيضاً)) ([1191]).

15 –5- يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد الحرام، ويقول دعاء دخول المسجد([1192]).

ثالثاً: سنن الطواف بالبيت الحرام:

16 –1- طواف القدوم، للقارن والمفرد.

17 –2- استلام الحجر الأسود وتقبيله مع التكبير، أو ما يقوم مقام ذلك، من استلامه باليد وتقبيلها، أو استلامه بشيء وتقبيل ذلك الشيء، أو الإشارة إليه مع التكبير([1193]).

18 –3- استلام الركن اليماني.

19 –4- الرمل في الثلاثة الأشواط الأُوَل، والسير في الأربعة المتبقية، وذلك في طواف العمرة، وطواف الحج الأول.

20 – 5- الاضطباع في طواف العمرة، وطواف الحج الأول أوَّلَ ما يدخل مكة.

21 –6- الدعاء في الطواف، والذكر.

22 –7- الدنوّ من البيت عند عدم المشقة.

23 –8- أن يقرأ قبل صلاة ركعتي الطواف: ]وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى[.

24 –9- أن يصلِّي ركعتي الطواف.

25 -10- القراءة في ركعتي الطواف بـ: ]قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون[. في الركعة الأولى بعد الفاتحة و]قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد[ في الركعة الثانية بعد الفاتحة.

26 –11- الشرب من ماء زمزم بعد ركعتي الطواف،ويصب على رأسه، فقد ثبت أن النبي ﷺ‬ شرب منها بعد طواف القدوم،وبعد طواف الإفاضة.

27 –12- إذا فرغ من ركعتي الطواف سُنَّ عوده إلى الحجر فيستلمه ثم يخرج إلى الصفا وجاء في مسند أحمد، أنه عاد إلى  الحجر بعد صلاة الركعتين فاستلمه، ثم شرب من ماء زمزم، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا([1194]).

رابعاً: سنن السعي بين الصفا والمروة:

28 –1- الموالاة بين السعي والطواف،بأن لا يفصل بينهما بفصل طويل.

29 –2- يرقى على الصفا ويرقى على المروة، إلا النساء فيكفيهن أن يبدأن من الصفا ويختمنَ بالمروة.

30 – 3- يقرأ قوله تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[أبدأ بما بدأ اللَّه به.

31 –4- يستقبل البيت وهو على الصفا حتى يراه أو يكون متجهاً حذاءه.

32 –5- يقول الذكر المشروع على الصفا، ويدعو رافعاً يديه.

33 –6- ستر العورة أثناء السعي بين الصفا والمروة.

34 –7- اجتناب النجاسة.

35 –8- يسعى على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر.

36 –9- يسعى سعياً شديداً بين العلمين الأخضرين إلا النساء.

37 –10- الذكر والدعاء أثناء السعي بين الصفا والمروة.

38 –11- يقول على المروة ما قاله على الصفا ويفعل كذلك، إلا أنه لا يقرأ الآية.

39 –12- الموالاة بين أشواط السعي بحيث لا يفصل بينها بل تكون متصلة؛لأن الراجح أن الموالاة لا تشترط ولكن الأحوط الموالاة([1195]).

خامساً: سنن الخروج إلى منى يوم الثامن (يوم التروية):

40 –1- يفعل ما فعله عند الميقات: من الغسل، والنظافة، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، ولبس الإزار والرداء.

41 –2- يحرم بالحج يوم التروية من منزله.

42 –3- يصلِّي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر في أوقاتها مع قصر الرباعية.

43 –4- المبيت بمنى ليلة عرفة حتى يصلي الفجر وتطلع الشمس.

سادساً: سنن الوقوف بعرفة:

44 –1- النزول بنمرة إن تيسر إلى الزوال.

45 –2- صلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً بنمرة يوم عرفة بعد الزوال.

46 –3- يستقبل القبلة في وقوفه يوم عرفة.

47 –4- يجعل الجبل بينه وبين القبلة إن تيسر وإلا فلا حرج.

48 –5- أن يكون على طهارة أثناء دعائه وذكره لله تعالى.

49 –6- يكثر من الدعاء،والذكر،والالتجاء إلى اللَّه تعالى،ويرفع يديه في دعائه.

سابعاً: سنن المبيت بمزدلفة:

50 –1- يصلي المغرب والعشاء عند وصوله قبل حطّ الرِّحال جمعاً وقصراً.

51 –2- ينام مبكراً ليتقوَّى على أعمال يوم النحر.

52 –3- يقف بالمشعر الحرام بعد صلاة الفجر ويستقبل القبلة ويذكر اللَّه تعالى.

53 –4- يدعو ويكبِّر ويهلِّل حتى يُسفر جداً،ثم يفيض قبل طلوع الشمس.

54 –5- يسرع في بطن محسرٍ إن تيسر له ذلك.

ثامناً: سنن يوم النحر في منى:

55 –1- يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه أثناء رمي جمرة العقبة.

56 –2- الرمي يكون ضحىً إن تيسر.

57 –3- يكبر مع كل حصاة يرمي بها.

58 –4- يقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة.

59 –5- يبدأ بالتكبير بدلاً من التلبية.

60 –6- يرتِّب هذه الأعمال يوم النحر: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم يطوف طواف الإفاضة ويسعى بعده إذا كان عليه سعي، فإن قدَّم أو أخَّر شيئاً من هذه الأعمال فلا حرج.

تاسعاً: سنن أيام التشريق:

61 –1- الإكثار من التكبير،والتهليل،والتحميد ((التكبير المطلق، والمقيد)).

62 –2- الإكثار من ذكر اللَّه تعالى في هذه الأيام المعدودات.

63 –3- أن يجمع الحاج بين الليل والنهار في منى؛ لأن النبي ﷺ‬ بقي في منى كذلك.

64 –4- الدعاء عند الجمرة الأولى بعد رميها، يتقدم قليلاً ثم يستقبل القبلة ويدعو طويلاً.

65 –5- الدعاء عند الجمرة الثانية بعد رميها: يتقدم قليلاً ويأخذ ذات اليسار ويستقبل القبلة ويدعو طويلاً.

66 –6- لا يقف للدعاء بعد رمي الجمرة الكبرى بل يرميها ويمضي.

67 –7- أن يكون على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر أثناء الرمي؛ لأنه من ذكر اللَّه تعالى.

عاشراً: سنن طواف الوداع:

68 –1- يبيت بالمحصب قبل الوداع إن تيسَّر، ثم يطوف ويسافر.

69 –2- أن يفرد طواف الوداع فيطوف طواف الإفاضة يوم النحر، وطواف الوداع عند النفر.

70 –3- يُصلي ركعتين بعده، يقرأ فيهما بـالكافرون والإخلاص بعد الفاتحة.

71 –4- يخرج من أسفل مكة من كُدىً إن تيسَّر.

$ $ $


 المبحث الثالث والعشرون: فضائل مكة والمدينة

أولاً:فضائل مكة وخصائصها كثيرة،ومنها ما جاء في الأحاديث الآتية:

1 – تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد، على الدوام؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬ يوم الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لَا هِجْرَةَ([1196]) وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ([1197])، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))([1198]). وقال يوم الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: ((إِنَّ هذا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّه يوم خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّه إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّهُ لم يَحِلَّ الْقِتَالُ فيه لِأَحَدٍ قَبْلِي، ولم يَحِلَّ لي إلا سَاعَةً من نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّه إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ([1199]) شوكه، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلْتَقِطُ [لقطته]([1200]) إلا من عَرَّفَهَا، وفي لفظ: ((إلا لمعرف)). [وفي لفظ آخر: ((إلا لمنشد))] ولا يُخْتَلَى خَلَاهَا))([1201]) فقال الْعَبَّاسُ: يا رَسُولَ اللَّه إلا الْإِذْخِرَ([1202]) فإنه [لا بد منه] لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ([1203]). [وفي لفظ للبخاري: فإنه لصاغتنا ولقبورنا]. وفي لفظ [ولسُقُفِ بيوتنا] فسكت ثم قال: ((إلا الْإِذْخِرَ)) قال عكرمة: هل تدري ما ينفَّر صيدها؟ هو أن تنحِّيه من الظل وتنزل مكانه))([1204]).

2 – حديث أبي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ، أَنَّهُ قال لِعَمْرِو بن سَعِيدٍ، وهو يَبْعَثُ الْبُعُوثَ([1205]) إلى مَكَّةَ: ائْذَنْ لي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قام بِهِ رسول اللَّه ﷺ‬ الْغَدَ من يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ([1206]) حين تَكَلَّمَ بِهِ، إنه حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عليه ثُمَّ قال: ((إن مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّه ولم يُحَرِّمْهَا الناس، فلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بها دَمًا ولا يَعْضِدَ بها شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ([1207]) بِقِتَالِ رسول اللَّه ﷺ‬ فيها فَقُولُوا له: إِنَّ اللَّه أَذِنَ لِرَسُولِهِ ولم يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لي فيها سَاعَةً من نَهَارٍ، وقد عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)) فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: ما قال لك عَمْرٌو؟ قال: أنا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا([1208]) ولا فَارًّا بِدَمٍ([1209]) ولا فَارًّا بِخَرْبَةٍ([1210]) [قال أبو عبداللَّه: الخربة البلية] ([1211]).

3- حديث أبي هُرَيْرَةَ t قال: لَمَّا فَتَحَ اللَّه ﷻ‬ على رسول اللَّه ﷺ‬ مَكَّةَ قام في الناس فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قال: ((إِنَّ اللَّه حَبَسَ عن مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كان قَبْلي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لي سَاعَةً من نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ولا تَحِلُّ سَاقِطَتهَا([1212]) إلا لِمُنْشِدٍ([1213]) وَمَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ([1214]) فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ)) فقال الْعَبَّاسُ: إلا الْإِذْخِرَ يا رَسُولَ اللَّه، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إلا الْإِذْخِرَ)) فَقَامَ أبو شَاهٍ رَجُلٌ من أَهْلِ الْيَمَنِ، فقال: اكْتُبُوا لي يا رَسُولَ اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ)).

قال الْوَلِيدُ فقلت لِلْأَوْزَاعِيِّ: ما قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لي يا رَسُولَ اللَّه؟ قال: هذه الْخُطْبَةَ التي سَمِعَهَا من رسول اللَّه ﷺ‬ ([1215]).

وفي لفظ عن أبي هريرة t قال: إن خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا من بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ([1216]) منهم قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رسول اللَّه ﷺ‬، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فقال: ((إِنَّ اللَّه ﷻ‬ حَبَسَ عن مَكَّةَ الْفِيلَ([1217]) وَسَلَّطَ عليها رَسُولَهُ وَالمؤْمِنِينَ، ألا وَإِنَّهَا لم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، ألا وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لي سَاعَةً من النَّهَارِ، ألا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذه، حَرَامٌ لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا([1218]) ولا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، ولا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إلا مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعطى (يَعْنِي الدِّيَةَ) وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ([1219]) أَهْلُ الْقَتِيلِ)) قال: فَجَاءَ رَجُلٌ من أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ له أبو شَاهٍ فقال: اكْتُبْ لي يا رَسُولَ اللَّه، فقال: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ)). فقال رَجُلٌ من قُرَيْشٍ: إلا الْإِذْخِرَ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ في بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إلا الْإِذْخِرَ))([1220]).

4 – ويُنهى عن حمل السلاح بمكة لغير حاجة؛ لحديث جابرٍt قال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ‬ يقول: ((لا يَحِلُّ لأَحَدِكُمْ أنْ يَحْمِلَ بِمَكَّة السِّلاَحَ))([1221]).

5- وأما حمل السلاح لحاجة لا بدَّ منها فلا بأس به؛ لحديث أنَسِ بنِ مَالكِ t أَنَّ النبي ﷺ‬ دخل مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرٌ([1222] فلما نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فقال: إن ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فقال: ((اقْتُلُوهُ))([1223]) فقال مَالِكٌ: نعم([1224]).

6 – ويجوز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد العمرة أو الحج؛ لحديث أنس السابق؛ ولحديث جَابِرِ بن عبد اللَّه الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ دخل مَكَّةَ [وقال قُتَيْبَةُ: دخل يوم فَتْحِ مَكَّةَ] وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. وفي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ قال: حدثنا أبو الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ([1225]).

7 - حديث جَعْفَرِ بن عَمْرِو بن حُرَيْثٍ عن أبيه: أَنَّ رَسُولَ ﷺ‬ خَطَبَ الناس وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ .

وفي رواية: قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى رسول اللَّه ﷺ‬ على الْمِنْبَرِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قد أَرْخَى طَرَفَيْهَا([1226]) بين كَتِفَيْهِ، ولم يَقُلْ أبو بَكْرٍ على الْمِنْبَرِ([1227]).

8 – ومما يدل على فضل مكة على سائر البلدان، حديث عبداللَّه بن عدي بن الحمراء قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ‬ وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول: ((واللَّه إنَّكِ لَخيرُ أرضِ اللَّه، وأحَبُّ أرضِ اللَّه إليَّ، واللَّه لولا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خَرَجْتُ))([1228]).

ثانياً: فضائل المدينة وخصائصها ومنها ما جاء في الأحاديث الآتية:

1 – فضل المدينة، ودعاء النبي ﷺ‬ فيها بالبركة، وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها، وبيان حدود حرمها؛ لحديث عبد اللَّه بن زَيْدِ بن عَاصِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ قال: ((إِنَّ إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المدِينَةَ كما حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ في صَاعِهَا وَمُدِّهَا([1229]) بمثلي ما دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ)). ولفظ البخاري [مثل ما دعا إبراهيم u لمكة] ([1230]).

2 – حديث رَافِعِ بن خَدِيجٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إنَّ إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي أُحَرِّمُ ما بين لَابَتَيْهَا))([1231]) يُرِيدُ المدِينَة([1232]).

وفي رواية عن نَافِعِ بن جُبَيْرٍ أيضاً:  أَنَّ مَرْوَانَ بن الْحَكَمِ خَطَبَ الناس، فذكر مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، ولم يذكر المدِينَةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، فَنَادَاهُ رَافِعُ بن خَدِيجٍ فقال: مالي أَسْمَعُكَ ذَكَرْتَ مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، ولم تَذْكُرْ المدِينَة وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، وقد حَرَّمَ رسول اللَّه ﷺ‬ ما بين لَابَتَيْهَا، وَذَلِكَ عِنْدَنَا في أَدِيمٍ خَوْلَانِيٍّ([1233]) إن شِئْتَ أَقْرَأْتُكَهُ. قال: فَسَكَتَ مَرْوَانُ ثُمَّ قال: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذلك([1234]).

3 – حديث سعد بن أبي وقاص t عن جَابِرٍ قال: قال النبي ﷺ‬: ((إن إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المدِينَةَ ما بين لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا([1235]) ولا يُصَادُ صَيْدُهَا))([1236]).

4 – حديث سعد t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إني أُحَرِّمُ ما بين لَابَتَيْ المدِينَةِ، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أو يُقْتَلَ صَيْدُهَا)) وقال: ((الْـمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عنها إلا أَبْدَلَ اللَّه فيها من هو خَيْرٌ منه، ولا يَثْبُتُ أَحَدٌ على لَأْوَائِهَا([1237]) وَجَهْدِهَا([1238]) إلا كنت له شَفِيعًا أو شَهِيدًا([1239]) يوم الْقِيَامَةِ))([1240]).

وفي لفظ عنه: وزاد في الحديث ((ولا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ المدِينَةِ بِسُوءٍ إلا أَذَابَهُ اللَّه في النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أو ذَوْبَ الْمِلْحِ في المَاءِ))([1241]).

5 – حديث عَامِرِ بن سَعْدٍ، أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إلى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أو يَخْبِطُهُ([1242]) فَسَلَبَهُ([1243])، فلما رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ على غُلَامِهِمْ، أو عليهم، ما أَخَذَ من غُلَامِهِمْ، فقال: مَعَاذَ اللَّه! أَنْ أَرُدَّ شيئا نَفَّلَنِيهِ([1244]) رسول اللَّه ﷺ‬ وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عليهم([1245]).

6- حديث أنسِ بنِ مالكٍ t، قال: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ‬لأبي طَلحَةَ: ((التَمِس لي غُلَامًا من غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي)) فَخَرَجَ بِي أبو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ كُلَّمَا نَزَلَ، فكُنتُ أسمعُهُ يُكثِرُ أن يقولَ: ((اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الهَّمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، وضَلَعِ الدَّيْنِ وغَلَبَةِ الرِّجالِ)) فَلَمْ أزَلْ أخدُمُهُ حتَّى أقْبَلنَا مِنْ خَيبَرَ، وأقْبَلَ بصفيَّةَ بنتِ حُييٍّ، قَدْ حازَهَا، فكُنتُ أراهُ يَحَوِّي وراءَهُ بعباءَةٍ أو بِكِساءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُها ورَاءهُ، حتَّى إذا كنَّا بالصَّهباء صَنَعَ حَيْساً في نِطَعٍ، ثم أرسَلَني، فدعوتُ رجالاً فأكلوا، وكانَ ذلِكَ بناءَهُ بها. ثُمَّ أقْبَلَ حتى إذا بَدَا له أُحُدٌ قال: ((هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)) فلما أَشْرَفَ على المدِينَةِ قال: ((اللَّهم اني أُحَرِّمُ ما بين جَبَلَيْهَا مِثْلَ ما حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهم بَارِكْ لهم في مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ))([1246]).

7 – حديث أنس t عن عاصم قال: قلت لِأَنَسِ بن مَالِكٍ أَحَرَّمَ رسول اللَّه ﷺ‬ المدِينَةَ؟ قال: نعم. ما بين كَذَا إلى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا([1247]) قال ثُمَّ قال لي: هذه شَدِيدَةٌ ((من أَحْدَثَ فيها حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّه منه يوم الْقِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا([1248]) قال: فقال ابن أَنَسٍ ((أو آوَى مُحْدِثًا))([1249]).

وفي رواية لمسلم أخبرنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قال: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَحَرَّمَ رسول اللَّه ﷺ‬ المدِينَة؟ قال: نعم هِيَ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذلك فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ([1250]).

8 – حديث أَنَسِ بن مَالِكٍ t أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ قال:((اللَّهم بَارِكْ لهم في مِكْيَالِهِمْ،وَبَارِكْ لهم في صَاعِهِمْ،وَبَارِكْ لهم في مُدِّهِمْ))يعني أهل المدينة([1251]).

9 – حديث أَنَسِ بن مَالِكٍ t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((اللَّهم اجْعَلْ بِالمدِينَةِ ضِعْفَيْ ما بِمَكَّةَ من الْبَرَكَةِ))([1252]).

10 – حديث علي t، فعن إبراهيم التَّيْمِيِّ عن أبيه قال: خَطَبَنَا عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ فقال: من زَعَمَ أنَّ عِنْدَنَا شيئاً نَقْرَأهُ إلا كِتَابَ اللَّه وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ (قال: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ في قِرَابِ سَيْفِهِ) ([1253]) فَقَدْ كَذَبَ([1254]) فيها أَسْنَانُ الْإِبِلِ([1255])، وَأَشْيَاءُ من الْجِرَاحَاتِ، وَفِيهَا قال النبي ﷺ‬: ((المدِينَةُ حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ([1256]) فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًاً، أو آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالْـمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّه منه يوم الْقِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا، وَذِمَّةُ الْـمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ([1257])، يَسْعَى بها أَدْنَاهُمْ([1258])، [فمن أخفر([1259]) مسلماً فعليه لعنة اللَّه،والملائكة،والناس أجمعين،لا يقبل اللَّه منه صرفاً ولا عدلاً] وَمَنْ ادَّعَى إلى غَيْرِ أبيه([1260])،أو انْتَمَى إلى غَيْرِ مَوَالِيهِ،فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالْـمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ،لَا يَقْبَلُ اللَّه منه يوم الْقِيَامَةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا))([1261]).

11 - حديث أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ‬ قال: ((المدِينَةُ حَرَمٌ، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا أو آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه وَالْـمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ منه يوم الْقِيَامَةِ عَدْلٌ ولا صَرْفٌ))([1262]).

12 - حديث أبي هُرَيْرَةَ t أَنَّهُ كان يقول: لو رأيت الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالمدِينَةِ ما ذَعَرْتُهَا([1263])، قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((ما بين لَابَتَيْهَا حَرَامٌ)). وفي رواية لمسلم: حَرَّمَ رسول اللَّه ﷺ‬ ما بين لَابَتَيِ المدِينَةِ، قال أبو هُرَيْرَةَ: فَلَوْ وَجَدْتُ الظِّبَاءَ ما بين لَابَتَيْهَا ما ذَعَرْتُهَا وَجَعَلَ أثنى عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْـمَدِينَةِ حِمًى([1264]).

13 - حديث أبي هُرَيْرَةَ t أَنَّهُ قال: كان الناس إذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جاؤوا بِهِ إلى النبي ﷺ‬ فإذا أَخَذَهُ رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((اللَّهم بَارِكْ لنا في ثَمَرِنَا وَبَارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لنا في صَاعِنَا، وَبَارِكْ لنا في مُدِّنَا، اللَّهم إنَّ إبراهيم عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ ما دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ معه)) قال ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ له فَيُعْطِيهِ ذلك الثَّمَرَ))([1265]).

14 – الترغيب في سُكْنَى المدينة والصبر على لأوائها؛ لحديث أبي سَعِيدٍ الخدري t فعن أبي سعيد مولى الْمَهْرِيِّ، أنه أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ، وأنه أتى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فقال له: إني كَثِيرُ الْعِيَالِ وقد أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ فَأَرَدْتُ أن أَنْقُلَ عِيَالِي إلى بَعْضِ الرِّيفِ([1266] فقال أبو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ، الْزَمْ المدِينَة فَإِنَّا خَرَجْنَا مع نَبِيِّ اللَّه ﷺ‬ أَظُنُّ أَنَّهُ قال حتى قَدِمْنَا عُسْفَانَ فَأَقَامَ بها لَيَالِيَ، فقال الناس: واللَّه ما نَحْنُ هَا هُنَا في شَيْءٍ وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ([1267]) ما نَأْمَنُ عليهم. فَبَلَغَ ذلك النبي ﷺ‬ فقال: ((ما هذا الذي بَلَغَنِي من حَدِيثِكُمْ؟ ما أَدْرِي كَيْفَ قال وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ أو وَالَّذِي نَفْسِي بيده لقد هَمَمْتُ أو إن شِئْتُمْ (لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قال) لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَلُ([1268])، ثُمَّ لَا أَحُلُّ لها عُقْدَةً حتى أَقْدَمَ المدِينَة))([1269]). وقال: ((اللَّهم إن إبراهيم حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا وَإِنِّي حَرَّمْتُ المدِينَة حَرَامًا([1270]) ما بين مَأْزِمَيْهَا([1271]) أن لَا يُهْرَاقَ فيها دَمٌ ولا يُحْمَلَ فيها سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، ولا تُخْبَطَ فيها شَجَرَةٌ إلا لِعَلْفٍ([1272])، اللَّهم بَارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في صَاعِنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في مُدِّنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في صَاعِنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في مُدِّنَا، اللَّهم بَارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا، اللَّهم اجْعَلْ مع الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بيده ما من الْمَدِينَةِ شِعْبٌ ولا نَقْبٌ([1273]) إلا عليه مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حتى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا)) (ثُمَّ قال لِلنَّاسِ) ((ارْتَحِلُوا)) فَارْتَحَلْنَا. فَأَقْبَلْنَا إلى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي نَحْلِفُ بِهِ أو يُحْلَفُ بِهِ (الشَّكُّ من حَمَّادٍ) ما وَضَعْنَا رِحَالَنَا حين دَخَلْنَا المدِينَة([1274]) حتى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عبد اللَّه بن غَطَفَانَ، وما يَهِيجُهُمْ([1275]) قبل ذلك شَيْءٌ.

وفي رواية عن أبي سَعِيدٍ مولى الْمَهْرِيِّ، أَنَّهُ جاء أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، لَيَالِي الْحَرَّةِ([1276])، فَاسْتَشَارَهُ في الْجَلَاءِ([1277]) من الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إليه أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ له على جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فقال له: وَيْحَكَ، لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إني سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ يقول: ((لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ على لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ، إلا كنت له شَفِيعًا أو شَهِيدًا يوم الْقِيَامَةِ، إذا كان مُسْلِمًا)).

وفي رواية أَنَّهُ سمع رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ يقول: ((إني حَرَّمْتُ ما بين لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ كما حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ)) قال: ثُمَّ كان أبو سَعِيدٍ يَأْخُذُ (وقال أبو بَكْرٍ: يَجِدُ) أَحَدَنَا في يَدِهِ الطَّيْرُ([1278]) فَيَفُكُّهُ من يَدِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ([1279]).

15 – حديث سَهْلِ بن حُنَيْفٍ t قال: أَهْوَى رسول اللَّه ﷺ‬ بيده إلى الْمَدِينَةِ([1280]) فقال: ((إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ))([1281]).

16 – حديث عَائِشَةَ رضي اللَّه عنها قالت: قَدِمْنَا المدِينَة وَهِيَ وَبِيئَةٌ([1282]) فَاشْتَكَى أبو بَكْرٍ وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فلما رَأَى رسول اللَّه ﷺ‬ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قال: ((اللَّهم حَبِّبْ إِلَيْنَا المدِينَة كما حَبَّبْتَ مَكَّةَ أو أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لنا في صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إلى الْجُحْفَةِ([1283])))([1284]).

17 – حديث ابن عُمَرَ رضي اللَّه عنهما قال: سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ يقول: ((من صَبَرَ على لَأْوَائِهَا كنت له شَفِيعًا أو شَهِيدًا يوم الْقِيَامَةِ)).

وفي رواية:عن يُحَنَّسَ مولى الزُّبَيْرِ،أخبره أَنَّهُ كان جَالِسًا عِنْدَ عبد اللَّه بن عُمَرَ في الْفِتْنَةِ([1285]) فَأَتَتْهُ مَوْلَاةٌ له تُسَلِّمُ عليه فقالت: إني أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يا أَبَا عبد الرحمن اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ، فقال لها عبد اللَّه: اقْعُدِي لَكَاعِ([1286])، فَإِنِّي سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ يقول: ((لَا يَصْبِرُ على لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلا كنت له شَهِيدًا أو شَفِيعًا يوم الْقِيَامَةِ))([1287]).

18 – حديث أبي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ قال: ((لَا يَصْبِرُ على لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ من أُمَّتِي، إلا كنت له شَفِيعًا يوم الْقِيَامَةِ أو شَهِيدًا))([1288]).

19 – صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((على أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ ولا الدَّجَّالُ))([1289]).

20 – وحديث أبي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ قال: ((يَأْتِي الْمَسِيحُ([1290]) من قِبَلِ الْمَشْرِقِ هِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ حتى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ))([1291]).

21 – المدينةُ تَنْفِي شِرَارَهَا؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ أن رسول اللَّه ﷺ‬ قالَ: ((يأتي عَلَى النَّاسِ زمانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابنَ عَمِّه وقَريبَهُ: هَلُمَّ إلى الرخاء! هَلُمَّ إلى الرَّخَاء! والمدينَةُ خَيْرٌ لهمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمونَ، والذي نَفْسي بيدهِ لا يَخْرُجُ منهُمْ أحدٌ رَغبةً عنها إلا أخْلَف اللَّه فيها خَيْراً منْهُ، ألا إنَّ المدينةَ كالكِير([1292])، تُخْرِجُ الخَبيثَ. لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى تَنْفي المدينَةُ شِرارَها. كما يَنْفي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ))([1293]).

22 – حديث أبي هريرة t يقول: قال رسول اللَّه ﷺ‬ ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى([1294]) يَقُولُونَ يَثْرِبَ([1295]) وَهِيَ المدِينَةُ، تنفي الناس كما ينفي الْكِيرُ خَبَثَ الحدِيدِ))([1296]).

23 – حديث جَابِرِ بن عبد اللَّه أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ([1297]) بِالمدِينَةِ، فَأَتَى النبي ﷺ‬ فقال: يا محمد أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رسول اللَّه ﷺ‬ ثُمَّ جَاءَهُ فقال: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فقال: أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إنما المدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا([1298])))([1299]).

24 – حديث زَيْدِ بن ثَابِتٍ t عن النبي ﷺ‬ قال: ((إِنَّهَا طَيْبَةُ، يَعْنِي المدِينَة، وَإِنَّهَا تَنْفِي الخبَثَ كما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ))([1300]).

25 – حديث جَابِرِ بن سَمُرَةَ t قال: سمعت رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ يقول: ((إن اللَّه تَعَالَى سَمَّى المدِينَة طَابَةَ([1301])))([1302]).

26 – من أراد أهل المدينة بسوء أذابه اللَّه؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ t أَنَّهُ قال: قال أبو الْقَاسمِ ﷺ‬: ((من أَرَادَ أَهْلَ هذه الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ([1303]) (يَعْنِي المدِينَة) أَذَابَهُ اللَّه كما يَذُوبُ الْمِلْحُ في الْمَاءِ))([1304]).

27 -  حديث سعد بن أبي وقاص t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((مَنْ أرَادَ أهْلَ المَدينةِ بِسُوءٍ، أذَابَه اللَّه كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ في المَاءِ)). لفظ البخاري ((لا يَكيدُ أهل المدينة أحدٌ إلا انْمَاعَ كمَا يَنْمَاعُ المِلْح فِي الماءِ))([1305]).

وفي رواية: ((بدَهْمٍ أوْ بِسُوءٍ))([1306]).

28 – الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار؛ لحديث سُفْيَانَ بن أبي زُهَيْرٍ t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((تُفْتَحُ الشَّامُ فَيَخْرُجُ من المدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ([1307]) وَالمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَخْرُجُ من المدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَخْرُجُ من المدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ وَالمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ)).

وفي رواية: ((يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالمدِينَةُ خَيْرٌ لهم لو كَانُوا يَعْلَمُونَ))([1308]).

29- المدِينَةِ حين يَتْرُكُهَا أَهْلُهَا؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬ لِلْمَدِينَةِ: ((لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا على خَيْرِ ما كانت مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي)) يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ([1309]).

وفي رواية: ((يَتْرُكُونَ المدِينَة على خَيْرِ ما كانت لَا يَغْشَاهَا إلا الْعَوَافِي (يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ) ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ من مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المدِينَة يَنْعِقَانِ([1310]) بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا([1311]) حتى إذا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا على وُجُوهِهِمَا([1312])))([1313]).

30 – ما بين بَيْتِ النبي ﷺ‬ وَمِنْبَرِهِ رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الْجَنَّةِ؛ لحديث عبد اللَّه بن زَيْدٍ الْمَازِنيِّ t  أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ قال: ((ما بين بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الْجَنَّةِ))([1314]).

وفي رواية لمسلم: ((ما بين مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الْجَنَّةِ))([1315]).

31 – وحديث أبي هُرَيْرَةَ t  أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ قال: ((ما بين بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ من رِيَاضِ الجنَّةِ وَمِنْبَرِي على حَوْضِي([1316])))([1317]).

32 - أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ؛ لحديث أبي حُمَيْدٍ t قال: خَرَجْنَا مع رسول اللَّه ﷺ‬ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الحديث وَفِيهِ: ثُمَّ أَقْبَلْنَا حتى قَدِمْنَا وَادِي الْقُرَى([1318]) فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إني مُسْرِعٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِي، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ فَخَرَجْنَا حتى أَشْرَفْنَا على المدِينَةِ فقال هذه طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ وهو جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))([1319]).

33 – حديث أَنَسُ بن مَالِكٍ t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)).

وفي رواية:نَظَرَ رسول اللَّه ﷺ‬ إلى أُحُدٍ فقال:((إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))([1320]).

34 - فَضْلِ الصَّلَاةِ بِمَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالمدِينَة؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ t يَبْلُغُ بِهِ النبي ﷺ‬ قال: ((صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا أَفْضَلُ من أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا المسْجِدَ الـْحَرَامَ)).

وفي رواية: ((صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا خَيْرٌ من أَلْفِ صَلَاةٍ في غَيْرِهِ من الْمَسَاجِدِ إلا المسْجِدَ الْـحَرَامَ))([1321]).

35 -  حديث ابن عُمَرَ رضي اللَّه عنهما عن النبي ﷺ‬ قال: ((صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا أَفْضَلُ من أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا المسْجِدَ الْحَرَامَ))([1322]).

36 - حديث جابر t، أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: (( صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا أَفْضَلُ من أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وصَلاةٌ في المسْجِدِ الحَرام أفضَلُ مِنْ مائَةِ ألفِ صلاةٍ فيما سِواه))([1323]).

37  - لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ لحديث أبي هُرَيْرَةَ t يَبْلُغُ بِهِ النبي ﷺ‬: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ([1324]) مَسْجِدِي هذا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى))([1325]).

وفي رواية لمسلم: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ قال: ((إنما يُسَافَرُ إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ([1326])))([1327]).

38 – الْـمَسْجِدَ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى هو مَسْجِدُ النبي ﷺ‬ بِالمدِينَةِ؛ لحديث أبي سعيد الخدري t قال: دَخَلْتُ على رسول اللَّه ﷺ‬ في بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فقلت: يا رَسُولَ اللَّه أَيُّ المسْجِدَيْنِ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى؟ قال: فَأَخَذَ كَفًّا من حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قال: ((هو مَسْجِدُكُمْ هذا))([1328]) (لِمَسْجِدِ المدِينَةِ) ([1329]).

39 - فَضْلِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَفَضْلِ الصَّلَاةِ فيه وَزِيَارَتِهِ؛ لحديث ابن عُمَرَ رضي اللَّه عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ‬ كان يَزُورُ قُبَاءً([1330]) رَاكِبًا وَمَاشِيًا.

            وفي رواية: كان رسول اللَّه ﷺ‬ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فيه رَكْعَتَيْنِ([1331]).

40 - حديث سهل بن حنيف t قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((مَنْ تَطَهَّرَ في بيته، ثُمَّ أتَى مَسجدَ قُباء فصلَّى فيهِ صلاةً كانَ له كأجرِ عُمرة))([1332]).

41 – وحديث أسيد بن ظهير الأنصاري t، عن النبي ﷺ‬ أنه قال: ((الصَّلاة فِي مسجدِ قُباء كَعُمْرةٍ))([1333]). وهذا لمن لم يشد الرحال، وإنَّما زَار مسجد قباء من المدينةِ، أو قدمَ إلى المدينة، ثم أرادَ زيارة مسجد قُباء، أما شدّ الرِّحال للسفرِ فلا يجوزُ إلاَّ إلى المساجدِ الثلاثة كما تقدم.

42 – الإيمان يأرِز إلى المدينة؛ لحديث أبي هريرة t: أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((إن الإيمانَ ليَأرِزْ([1334]) إلى المدينةِ كَمَا تأرِز الحيَّة إلى جُحْرِها))([1335]).

43 – حديث عمر بن الخطاب t قال: ((اللَّهم ارْزقني شهادةً في سَبيلك واجعل موتي في بلدِ رَسُولِك ﷺ‬))([1336]).

44 – حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما، قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((مَن استطاعَ مِنكم أن يموت بالمدينة فليَفعل؛ فإني أشْهَدُ لمَن ماتَ بها))([1337]).

45 – حديث علي t، عن النبي ﷺ‬ قال: ((لا يُختَلى خلاها([1338])، ولا يُنفر صَيْدها، ولا تُلتقَط لقطتها إلا لمنْ أشاد بها([1339])، ولا يصحّ لرجلٍ أنْ يحمل فيها السِّلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعْلِف رجل بعيره))([1340]).

$ $ $


 المبحث الرابع والعشرون: صفة دخول مكة

إذا وصل المعتمر أو الحاج إلى مكة استحبّ له ما يأتي:

أولاً:يُستحب له أن يستريح بمكان مناسب حتى يحصل له النشاط والنظافة قبل الطواف وإن لم يفعل ذلك فلا حرج عليه وهذا مستحب؛ لأن النبي ﷺ‬ ((بات بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة)) ([1341]).

ثانياً: يستحب له إن تيسر أن يغتسل؛ لأن ابن عمر رضي اللَّه عنهما كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل ويَذكُرُ ذلك عن النبي ﷺ‬ ([1342]).

ثالثاً: يستحب له إن تيسر أن يدخل مكة من أعلاها؛ لأن الداخل يأتي من قبل وجهها، ومن أي طريق دخل فلا بأس، فعن عائشة رضي اللَّه عنها ((أن النبي ﷺ‬ لما جاء مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها))([1343]). قال ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: ((إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة من جميع الجوانب، لكن الأفضل أن يأتي من وجه الكعبة اقتداء بالنبي ﷺ‬؛ فإنه دخلها من وجهها من الناحية العليا، وكان ﷺ‬ يغتسل لدخول مكة، كما يبيت بذي طوى وهو عند الآبار التي يقال لها آبار الزاهر، فمن تيسر له المبيت بها، والاغتسال، ودخول مكة نهاراً وإلا فليس عليه شيء من ذلك)) ([1344]).

رابعاً:إذا وصل إلى المسجد الحرام فالأفضل له أن يفعل ما يفعل في سائر المساجد، فيقدم رجله اليمنى([1345]) ويقول: ((أعوذ باللَّه العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)) ([1346]). [بسم اللَّه والصلاة] ([1347]) [والسلام على رسول اللَّه] ([1348]) [((اللَّهم اغفر لي ذنوبي))] ([1349]) اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك)) ([1350]). وإذا خرج من المسجد قال: ((بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، [اللَّهم اغفر لي ذنوبي] ([1351]) اللَّهم إني  أسألك من فضلك)) [اللَّهم اعصمني من الشيطان الرجيم] ([1352])([1353])، وهذا الذكر يُقال عند الدخول لسائر المساجد وكذلك دعاء الخروج وليس خاصاً بالمسجد الحرام ومن لم يفعل هذه السنن الأربع فلا حرج عليه بحمد اللَّه تعالى([1354]).

خامساً: من لم يتيسر له الغسل قبل دخول المسجد فلا بد له من الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر؛ لحديث عائشة رضي اللَّه عنها عن النبي ﷺ‬: ((أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت)) ([1355]). وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((فيه الدلالة: أن الطهارة شرط للطواف، وفيه الدلالة: على القران، وعلى التمتع بالعمرة كما في آخره))([1356]). ولقوله ﷺ‬ لعائشة رضي اللَّه عنها: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) ([1357]).

وعن عبداللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما رفعه إلى النبي ﷺ‬ قال: ((إن الطواف بالبيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير)) هذا لفظ ابن خزيمة، ولفظ الترمذي، عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن النبي ﷺ‬ قال: ((الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير)) ([1358]).

وعن ابن عمرt قال:((أقلُّوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة)) ([1359]).

سادساً: تحية المسجد الحرام الطواف لمن أراد الطواف، أما من لم يرد الطواف فلا يجلس حتى يصلي ركعتين([1360]).

سابعاً: الركوب في الطواف أو السعي لا بأس به لمن كان به علة كالمريض؛ لحديث أم سلمة رضي اللَّه عنها قالت: شكوت إلى رسول اللَّه ﷺ‬ أني أشتكي فقال: ((طوفي من وراء الناس وأنت راكبة)). قالت فطفت ورسول اللَّه ﷺ‬ حينئذ يُصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور([1361]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ طاف وهو على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبر)). ولفظ مسلم: ((طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن)) ([1362]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((وهذا حجة لمن قال بجواز الطواف راكباً، ولكن الأفضل والأحوط أن يطوف ماشياً خروجاً من الخلاف المشهور، أما الطواف لعلَّةٍ راكباً فلا بأس به)) ([1363])([1364]).

&&&


 المبحث الخامس والعشرون: الطواف بالبيت العتيق

أولاً: شروط صحة الطواف بالبيت العتيق على النحو الآتي:

الشرط الأول: الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر؛ لعموم([1365]) حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، أن النبي ﷺ‬ قال: ((الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تكلّمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير))([1366]).

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((أقلُّوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في الصلاة))([1367]).

وعن عائشة رضي اللَّه عنها عن النبي ﷺ‬ ((أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت)) ([1368])؛ ولقول النبي ﷺ‬ لعائشة رضي اللَّه عنها: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري))([1369]).

وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: حججنا مع النبي ﷺ‬، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية فأراد النبي ﷺ‬ ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول اللَّه إنها حاضت، فقال: ((أحابستنا هي؟)) قالت عائشة رضي اللَّه عنها: يا رسول اللَّه: إنها قد كانت أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((فلتنفر [إذاً])) ([1370])، وهذه الأدلة تبيِّن أن الطواف لا يصح إلا بالطهارة، قال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه تعالى: ((الوضوء شرط في صحة الطواف في أصح قولي العلماء)) ([1371]). وقال في موضع آخر: ((لا يصح الطواف بغير طهارة؛ لأن النبي ﷺ‬ لما أراد أن يطوف توضأ، وقد قال: ((خذوا عني مناسككم)) ([1372]) )) ([1373]).

وهذه الأدلة المذكورة صريحة في أن الطهارة شرط([1374]) لصحة الطواف([1375]).

الشرط الثاني: الطهارة من النجس:

استدل جمهور العلماء على شرطية الطهارة من الخبث للطواف بما تقدم من الأدلة على أن الطواف مثل الصلاة([1376] واستأنس بعضهم لطهارة الخبث للطواف بقوله تعالى: ]وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود[([1377]). فالطواف بالبيت في هذه الآية قبل الصلاة، قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: ((...لأنه يدل في الجملة على الأمر بالطهارة للطائفين، والعلم عند اللَّه تعالى)) ([1378]).

وقال العلامة ابن مفلح رحمه اللَّه: ((...وتشترط الطهارة من حدث، قال القاضي وغيره:  الطواف كالصلاة في جميع الأحكام إلا في إباحة النطق)) ([1379]).

الشرط الثالث: ستر العورة؛ لحديث أبي بكر الصديق t، فعن أبي هريرة t قال: ((بعثني في تلك الحجة في مؤذنين يؤذنون بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)) قال حميد بن عبدالرحمن: ثم أردف رسول اللَّه ﷺ‬ علياً فأمره أن يؤذن بـ ((براءة)) قال أبو هريرة: ((فأذَّن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)). وفي لفظ: أن أبا هريرة t قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: ((لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل: الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحجَّ عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي ﷺ‬ مشرك)) ([1380]).

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((... وجوب ستر العورة للطواف يدل عليه كتاب اللَّه في قوله تعالى في سورة الأعراف: ]يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ[ الآية([1381]). وإيضاح دلالة هذه الآية على ستر العورة للطواف يتوقف أولاً على مقدمتين:

الأولى منهما: أن تعلم أن المقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول، أن له حكم الرفع.

المقدمة الثانية: هي أن تعلم أن صورة سبب النزول قطعية الدخول عند جماهير الأصوليين وهو الصواب إن شاءاللَّه([1382]). فعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة، فتقول: من يُعيرني تطوافاً([1383]) تجعله على فرجها، وتقول:

اليوم يبدُو بعضُه أو كلُّه               فما بدا منه فلا أحلُّه

فنزلت هذه الآية: ]خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ[ ([1384])([1385]).

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((ولأجل هذا كان ابن عباس يفسر الزينة المذكورة في هذه الآية: باللباس، ولتعلق هذا التفسير بسبب النزول، فله حكم الرفع كما بيَّنا...)) ([1386]).

الشرط الرابع:أن يكون الطواف سبعة أشواط كاملة([1387])،فإن ترك شيئاً من السبع ولو قليلاً لم يجزه؛ لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، قال عن النبي ﷺ‬: ((قدم النبي ﷺ‬ فطاف بالبيت سبعاً، وصلَّى خلف المقام ركعتين، ثم خرج عليه الصلاة والسلام إلى الصفا، وقد قال اللَّه تعالى: ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[ ([1388]). فقد طاف النبي ﷺ‬ سبعاً، فيكون تفسيراً لمجمل قوله تعالى:]وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق[([1389]).فيكون ذلك هو الطواف المأمور به،وقد قال النبي ﷺ‬:((...لتأخذوا مناسككم)) ([1390]).

الشرط الخامس: أن يكون الطواف بجميع البيت خارجه، فإن طاف من داخل الحِجر، أو طاف على جداره، أو على شاذروان الكعبة([1391]) لم يجزئه؛ لأن اللَّه تعالى قال: ]وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق[([1392])، وهذا يقتضي الطواف بجميعه، والحِجْر منه([1393] لحديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: سألت النبي ﷺ‬ عن الجَدْرِ أمِن البيت هو؟ قال: ((نعم)) قلت: فلما لم يدخلوه في البيت؟ قال: ((إن قومك قصَّرت بهم النفقة)) قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: ((فعل ذلك قومُكِ ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألزق بابه بالأرض)) ([1394]). وفي لفظ للبخاري: ((قال جرير فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها))([1395]). ولفظ النسائي: ((لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوِّى على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، وجعلت له باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه)) ([1396]).

وعن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: قلت يا رسول اللَّه، ألا أدخل البيت؟ قال: ((ادخلي الحجر فإنه من البيت)) ([1397]).

الشرط السادس: الترتيب، وهو أن يطوف على يمينه، ويجعل البيت عن يساره، فإن نكَسَه فطاف وجعل البيت عن يمينه لم يجزئه ولا يصح طوافه؛ لحديث جابر t قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ‬ مكة دخل المسجد فاستلم الحَجَر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم أتى المقام فقال: ]وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى[ فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين فاستلم الحجر ثم خرج إلى الصفا))([1398])، ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فكان الترتيب فيها شرطاً كالصلاة([1399]).

الشرط السابع: أن يبتدئ بالحجر الأسود فيحاذيه، وينتهي إليه في كل شوط؛ لحديث جابر t عن النبي ﷺ‬ وفيه: ((... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً....))([1400]). فدل على أن النبي ﷺ‬ بدأ بالحجر الأسود، وقد قال عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما في صفة طواف النبي ﷺ‬ بالبيت: ((قدم رسول اللَّه ﷺ‬ فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين، وسعى بين الصفا والمروة سبعاً، وقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة)) ([1401]).

الشرط الثامن: الموالاة. فيوالي في طوافه ويستأنف الطواف من أوله إذا أحدث أثناء الطواف على الصحيح، وكذلك إذا قطع الطواف وطال الفصل بحيث يكون القطع طويلاً([1402])؛ لأن النبي ﷺ‬ طاف كذلك، وقد قال: ((... لتأخذوا مناسككم)) ([1403]).

إلا أن الطائف بالبيت إذا أُقيمت الصلاة، أو حضرت جنازة، فإنه يُصلِّي ثم يبني فيكمل الباقي من الأشواط([1404])؛ لقول النبي ﷺ‬: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) ([1405]).

قال الإمام البخاري رحمه اللَّه:((باب:إذا وقف في الطواف،وقال عطاء فيمن يطوف فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه:إذا سلم يرجع حيث قُطِع عليه([1406]).ويذكر نحوه عن ابن عمر([1407])،وعبدالرحمن بن أبي بكر y)) ([1408])([1409]).

وسمعت شيخنا العلامة الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه اللَّه يقول: ((وهذا هو الصواب إذا أقيمت الصلاة وهو يطوف، فإنه يصلِّي وبعد نهاية الصلاة يقوم ويبدأ من محلِّه، وقال بعض الفقهاء: إنَّ هذا الشوط يضيع عليه، ويبدأ من الحَجَر، والصواب أنه لا يعود وإنما يبدأ من محلِّه؛ لأنه طواف قطعه بنيَّة شرعيَّة ثم رجع إليه، أما من أحدث، أو خرج بدون عذر شرعي وطال الزمن فإنه يعيده من أوله؛ لأن الطواف مثل الصلاة)) ([1410])([1411]).

وقال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: ((والطواف من جنس الصلاة في الجملة، لكن لو قطعه لحاجة مثلاً: كمن طاف ثلاثة أشواط ثم أقيمت الصلاة فإنه يصلي ثم يرجع فيبدأ من مكانه، ولا يلزمه الرجوع إلى الحجر الأسود، بل يبدأ من مكانه ويكمل، خلافاً لما قال بعض أهل العلم: إنه يبدأ من الحجر الأسود، والصواب لا يلزمه ذلك، كما قال جماعة من أهل العلم، وكذا لو حضرت جنازة وصلَّى عليها، أو أوقفه أحد يكلمه، أو زحام، فإنه يكمل طوافه ولا حرج عليه في ذلك واللَّه ولي التوفيق)) ([1412])([1413]).

وقال الإمام أحمد: ((إذا أُعيي في الطواف لا بأس أن يستريح)) ([1414]).

الشرط التاسع: النية؛ لقول النبي ﷺ‬: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) ([1415]). فإذا لم ينوِ الطواف وإنما جعل يدور حول الكعبة؛ ليتابع مديناً له، يطالبه بدين، أو لأي غرض من الأغراض، فإنه لا يصح طوافه؛ للحديث المذكور آنفاً، فهو لم ينوِ الطواف بل نوى متابعة غريم، أو متابعة إنسان يريد أن يتكلم معه، ويمشي معه حتى ينتهي من طوافه، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يصح طوافه([1416])([1417]).

ثانياً: صفة الطواف بالبيت على النحو الآتي:

1 – يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعاً أو معتمراً([1418])، ثم يقصد الحجر الأسود، فيحاذيه، ويستقبله ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك([1419] ولا يؤذي الناس بالزحام ويقول عند استلامه: ((اللَّه أكبر)) ([1420] ولو قال: ((بسم اللَّه واللَّه أكبر))([1421]) فحسن؛ لما ثبت عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما أنه كان ((...يدخل مكة ضحىً فيأتي البيت فيستلم الحجر ويقول: بسم اللَّه واللَّه أكبر)) ([1422]). وللحجر الأسود سنن أربع كلها ثبتت عن النبي ﷺ‬ وهي:

السُّنَّة الأولى:يمسحه بيده،ويُقبِّله،ويكبر،وهذا أكمل الحالات؛ لحديث عمر بن الخطاب t أنه:((قبل الحجر،وقال:لولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ‬ قبَّلك ما قبلتك)).وفي لفظ لمسلم:أن عمر بن الخطاب t كان ((يُقبل الحجر،ويقول:واللَّه إني لأقبلك،وإني أعلم أنك حجر،وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ‬ قبلك ما قبلتك))([1423]).

وسأل رجل ابن عمر رضي اللَّه عنهما عن استلام الحجر فقال: ((رأيت رسول اللَّه ﷺ‬، يستلمه ويقبله)) ([1424]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((طاف النبي ﷺ‬ على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده، وكبَّر)) ([1425]).

السنة الثانية: فإن لم يتيسر له ذلك مسحَهُ بيده وقبّل يده؛ لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما، فعن نافع قال: ((رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبَّل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول اللَّه ﷺ‬ يفعله))([1426]).

السنة الثالثة: فإن لم يتيسر له ذلك استلمه بعصا وقبل ما استلمه به؛ لحديث أبي الطفيل t قال: ((رأيت رسول اللَّه ﷺ‬ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجنٍ معه، ويقبِّل المحجن)) ([1427]).

السنة الرابعة: فإن لم يتيسر له ذلك أشار إليه بيده وكبر ولا يقبِّل ما يشير به؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: ((طاف النبي ﷺ‬ على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه)) ([1428]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه: ((أورد فيه حديث ابن عباس: ((طاف النبي ﷺ‬ على بعير كلما أتى الركن أشار إليه)) وقد تقدم قبل بابين بزيادة شرح فيه، قال ابن التين: تقدم أنه كان يستلمه بمحجن فيدل على قربه من البيت، لكن من طاف راكباً يستحب له أن يبق إن خاف أن يؤذي أحداً، فيحمل فعله ﷺ‬ على الأمن من ذلك، انتهى. ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريباً حيث أمن ذلك، وأن يكون في حال إشارته بعيد حيث خاف ذلك)) ([1429]).

وهذه سنن من فعل منها ما تيسر فقد أصاب سنة النبي ﷺ‬ والحمد لله([1430]).

2 – ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره، وإن قال في ابتداء طوافه: ((اللَّهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ‬)) فحسن؛ لوروده عن علي، وابن عباس رضي اللَّه عنهما([1431]).

3 – يرمل الرجل في طواف العمرة، وفي الطواف الأول من الحج، في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه؛ لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثاً([1432])، ومشى أربعاً، وكان يسعى ببطن المسيل([1433]) إذا طاف بين الصفا والمروة)). ((وكان ابن عمر يفعل ذلك)) وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ للبخاري، ((كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة)  وفي لفظ للبخاري أن عبيداللَّه بن عمر قال لنافع: أكان عبداللَّه [أي ابن عمر] يمشي إذا بلغ الركن اليماني؟ قال: لا، إلا أن يزاحم على الركن؛ فإنه كان لا يدعه حتى يستلمه)) ([1434]).

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((رمل رسول اللَّه ﷺ‬ من الحجر إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً)) ([1435]).

وعن جابر بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهما أنه قال: ((رأيت رسول اللَّه ﷺ‬ رمل من الحَجَر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف)). وفي لفظ: ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر)) ([1436]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول على ترجمة البخاري: ((باب الرمل في الحج والعمرة)) قال: ((يعني طواف القدوم في الحج والعمرة، والرمل خاص بالرجال، والرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، أما المشي بين الركنين فإنما كان ذلك في عمرة القضية فقط. والرسول ﷺ‬ فعل الرمل حتى في طواف القدوم في حجة الوداع، فاستقرت السنة بالرمل [أي من الحجر إلى الحجر])) ([1437]).

ومما يدل على أن الرمل سنة دائمة في طواف العمرة أو طواف القدوم حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ‬ قال t: ((... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم تقدَّم إلى مقام إبراهيم...)) الحديث([1438]).

ومما يدل على أن الرمل إنما يكون في طواف العمرة، وطواف الحج الأول حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ((أن النبي ﷺ‬ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه)) ([1439]).

والرمل يكون للرجال، أما النساء فلا رمل عليهن بالإجماع([1440]).

4 – يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر: يبدي منكبه الأيمن ويغطي الأيسر؛ لحديث يعلى بن أمية t قال: ((طاف النبي ﷺ‬ مضطبعاً وعليه بردٌ)). وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: ((طاف النبي ﷺ‬ مضطبعاً ببرد أخضر))، ولفظ أحمد: ((لما قدم مكة طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له حضرمي)) ([1441]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن رسول اللَّه ﷺ‬ وأصحابه اعتمروا من جعرانة، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم وقذفوها على عواتقهم اليسرى)) وهذا من ألفاظ أحمد، ولفظ أبي داود: ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم)) ([1442]).

5 – يطوف من وراء الحجر؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ((الحِجر من البيت؛ لأن رسول اللَّه ﷺ‬ طاف بالبيت من ورائه، وقال اللَّه تعالى: (ولِيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيْق) ([1443]).

قال الإمام ابن خزيمة رحمه اللَّه: ((والنبي ﷺ‬ أمر عائشة أن تصلِّي في الحجر، وقال: ((الحِجر من البيت)) ([1444]) )).

6 – فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه؛لحديث عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أن النبي ﷺ‬ قال: ((إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطّاً)). وفي لفظ لأحمد أيضاً: ((إن استلامهما يحط الخطايا)). وفي لفظ له: ((إن استلام الركنين يحطان الذنوب)) ([1445]).

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني)). ولفظ ابن خزيمة في صحيحه: ((كان إذا طاف بالبيت مسح أو قال استلم الحجر والركن في كل طواف)) ([1446]). ولو قال إذا مسحه ((بسم اللَّه واللَّه أكبر)) فحسن([1447])، ولا يُقبِّله؛ فإن شق عليه مسحُهُ تركه ومضى في طوافه، ولا يُشير إليه، ولا يكبر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ‬ فيما أعلم، ويفعل ذلك في كل شوط من طوافه([1448]).

فعُلِمَ مما تقدم من الأدلة: أنه لا يشرع استلام الركنين الآخرين الشاميين؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﷺ‬؛ ولأن النبي ﷺ‬ لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني([1449]).

7 – يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: ]رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار[([1450]). لحديث عبداللَّه بن السائب t قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ‬ يقول بين الركنين: ]رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار[. ولفظ ابن خزيمة: ((... فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود))([1451]).

8 – كلما مرَّ بالحجر الأسود استلمه وقبَّله، وقال ((اللَّه أكبر)) فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه مرة واحدة بيده اليمنى وكبر مرة واحدة، وكلما حاذى اليماني استلمه بيده إن تيسر، وإن لم يتيسر سار بدون إشارة، ويكثر في طوافه من الذكر والدعاء والاستغفار، ويُسِرُّ بدعائه وقراءته إن قرأ شيئاً من القرآن، ولا يؤذي الطائفين وليس في الطواف أدعية محددة، ومن خصص لكل شوطٍ من الطواف أو السعي أدعية خاصة فلا أصل له. ولا يطوف من داخل الحِجْر؛ لأنه من البيت فلا بد أن يكون الطواف من ورائه.

9 – فإذا كَمَّل سبعة أشواط وفرغ منها سوَّى رداءه فوضعه على كتفيه وتقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ]وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى[([1452]). ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ذلك، ويجعله بينه وبين البيت ولو بَعُدَ عنه. وإن لم يتيسر ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد، ولا يؤذي الناس ولا يصلِّي في طريقهم، ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى ]قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون[ بعد الفاتحة، وفي الثانية بعد الفاتحة ]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد [([1453]).

10 – يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها ويصب على رأسه لفعله ﷺ‬؛ لحديث جابر t ((أن النبي ﷺ‬ رمل ثلاثة أطواف من الحَجر إلى الحَجر، وصلَّى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، ثم رجع فاستلم الركن، ثم رجع إلى الصفا فقال: أبدأ بما بدأ اللَّه به)) ([1454]).

11 – يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر؛ لحديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ‬، وفيه قال: ((... ثم تقدَّم إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: ]وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى[ فجعل المقام بينه وبين البيت، [و]([1455]) كان يقرأ في الركعتين: ]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد[  و]قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون [ ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا..)) ([1456])([1457]).

والنساء يَطُفْنَ مع الرجال، لكن لا يزاحمن الرجال، ويلتزمن الستر، فعن ابن جُريج قال: أخبرني عطاء إذْ منع ابن هشامٍ النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهّنَّ وقد طاف نساء النبي ﷺ‬ مع الرجال؟ قلتُ: أبعدَ الحجاب أو قبلُ؟ قال: إي لعمري لقد أدركتهُ بعد الحجاب، قلتُ كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكنَّ يخالطنَ، كانت عائشة رضي اللَّه عنها تطوف حَجْرةً([1458]) من الرجال، لا تُخالطهم، فقالت امرأةٌ انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنكِ، وأبتْ، يَخْرُجْنَ متنكِّرات([1459])، بالليل فيطُفْنَ مع الرجال، ولكنهنَّ كُنَّ إذا دخلن البيت قُمنَ حتى يدخُلْنَ، وأُخرج الرجال([1460])، وكنتُ آتي عائشة أنا وعُبيد بن عُميرٍ وهي مجاورة في جوف ثبير([1461]) قلت: وما حجابها؟ قال: هي في قُبَّة تركية([1462]) لها غشاءٌ، وما بيننا وبينها غير ذلك، ورأيت عليها درعاً مُورَّداً([1463]))) ([1464]).

$ $ $


 المبحث السادس والعشرون: السعي بين الصفا والمروة

أولاً: مفهوم الصفا والمروة: لغة، واصطلاحاً:

الصفا لغة: جمع صفاة، وهو الحجر العريض الأملس، أو الحجارة العريضة الملساء، أو العريض من الحجارة الملس([1465]).

والصفا شرعاً: مكان مرتفع في أصل جبل أبي قبيس من شعائر اللَّه، يتم السعي منه إلى المروة([1466])، وهو في جهة البيت الجنوبية الشرقية([1467])، جعله اللَّه تعالى من أعلام دينه الظاهرة، كما قال تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ [([1468]). وقد تعبَّد اللَّه تعالى عباده بهذه الشعيرة، وأمر بتعظيمه؛ لأنه من شعائر اللَّه: ]ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّه فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب[([1469])([1470]).

المروة لغة: واحدة المرو، وهي الحجارة البيض البرَّاقة، وقيل: حجر أبيض برَّاق، وقيل: هي التي تقدح منها النار، وحجر المرو هو الأبيض الصلب، ومروة المسعى التي تذكر مع الصفا، وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعي إليهما([1471]).

والمروة شرعاً: مكان مرتفع في أصل جبل قعيقعان، من شعائر اللَّه، يتم السعي بينه وبين الصفا([1472])، وهو في جهة البيت العتيق الشرقية الشمالية، جعل اللَّه المروة من شعائر دينه الظاهرة، وتعبد اللَّه سبحانه عباده الحجاج والمعتمرين بالسعي بينها وبين الصفا([1473])، ولا يتم الحج ولا العمرة إلا بالسعي بينهما([1474]).

ثانياً: سبب مشروعية السعي بين الصفا والمروة:

عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: أوَّل ما اتخذ النساء المِنْطَق([1475])، من قِبلِ أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها  على سارة([1476])، ثم جاء [وفي رواية: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج] ([1477]) بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى [قدم مكة، فـ] ([1478]) وضعهما عند البيت عند دوحةٍ([1479]) فوق الزمزم في أعلى المسجد([1480]) وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه [وفي رواية: شنَّة فيها]([1481]) ماء([1482]) [فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدرُّ لبنها على صبيِّها] ([1483])، ثم قفَّى([1484]) إبراهيم منطلقاً [إلى أهله] فتبعته أم إسماعيل [حتى لمَّا بلغوا كداء نادته من ورائه] ([1485]) فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها [وفي رواية: إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللَّه]، فقالت له: اللَّه أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، [وفي رواية: قالت: رضيت باللَّه]، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية([1486]) حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت([1487] ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ]رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْـمُحَرَّمِ[ حتى بلغ: ]يَشْكُرُون [([1488]). وجعلت أم إسماعيل تُرضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء [ويدرُّ لبنها] حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها فجعلت تنظر إليه يتلوَّى، أو قال: يتلبَّط([1489]) [قالت: لو ذهبت فنظرت لعلِّي أحسُّ أحداً] فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، [ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ (تعني الصبي) فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرُّها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحسُّ أحداً فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحداً]، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ‬: ((فذلك سعي الناس بينهما) فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صهٍ([1490])، تريد نفسها، ثم تسمَّعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث([1491][وفي رواية: فقالت: أغث إن كان عندك خير] فإذا هي بالمَلَك [وفي رواية: فإذا جبريل] عند موضع زمزم فبحث بعقبه [هكذا، وغمز عقبه على الأرض] أو قال: بجناحه – حتى ظهر الماء [فدهشت أم إسماعيل] فجعلت تُحوِّضه([1492]) وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ‬: ((يرحم اللَّه أم إسماعيلَ لو تركت زمزم – أو قال: لوْ لم تغرفْ من زمزم [وفي رواية: لولا أنها عَجِلت] لكانت زمزم عيناً معيناً)[وفي رواية: لو تركته كان الماء ظاهراً] قال: فشربت [من الماء] وأرضعت ولدها [وفي رواية: ويدرُّ لبنها على صبيِّها] فقال لها الملَكُ: لا تخافوا الضَّيعة، فإن هاهنا بيت اللَّه يبني هذا الغلام وأبوه، وإن اللَّه لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرَّت بها رفقةٌ من جرهم – أو أهل بيت من جرهم – مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً([1493]) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًّا أو جريَّتين([1494])، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء - فأقبلوا قال: وأم إسماعيل عند الماء – فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ‬: ((فألفى([1495]) ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحبُّ الأنس)) فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم([1496]) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوَّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل [ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله إني مطَّلع تركتي] فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته([1497]) فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي([1498]) [وفي رواية: يصيد] لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشَرٍّ، ونحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام وقولي له يغيِّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس([1499]) شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنَّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك فطلَّقها، وتزوج منهم امرأة أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللَّه ثم [إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله: إني مطَّلع تركتي، قال: فـ] أتاهم بعدُ فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي [وفي رواية: ذهب يصيد] لنا [فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟] قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعةٍ، وأثنت على اللَّه ﷻ‬، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال:اللَّهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ‬: [بركةٌ بدعوة إبراهيم ﷺ‬((ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه)). قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة – وأثنت عليه – فسألني عنك؟ فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تُثْبِت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء اللَّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً([1500]) له تحت دوحةٍ قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن اللَّه أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتُعينني؟ [وفي رواية: إنه قد أمرني أن تعينني عليه] قال: وأعينُك، قال: فإن اللَّه أمرني أن أبني [له] هاهنا بيتاً – وأشار إلى أكمةٍ([1501]) مرتفعة على ما حولها – قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء [وضعف الشيخ عن نقل الحجارة] جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ]رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم[([1502]). قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ]رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم[ ([1503]).

ثالثاً: شروط صحة السعي بين الصفا والمروة:

الشرط الأول: النية، لقول النبي ﷺ‬: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) ([1504])، فلا بد من أن يقصد أصل السعي، ولو نية مطلقة بدون تعيين، فلو دار بين الصفا والمروة؛ ليتابع مديناً، أو يبحث عن طفلٍ مفقود تائهاً ولم ينوِ السعي، أو دار لغرض آخر لم يجزئه، ومن أهل العلم من قال لا بد من تعيين نية السعي، فينوي بأن هذا سعي العمرة، أو سعي الحج، وهذا أحوط للخروج من الخلاف([1505])([1506]).

الشرط الثاني: أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ وهذا هو الترتيب، قال الإمام ابن قدامة رحمه اللَّه: ((وجملة ذلك: أن الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، فإذا صار على الصفا اعتدَّ بما يأتي بعد ذلك؛ لأن النبي ﷺ‬ بدأ بالصفا، وقال: ((أبدأ بما بدأ اللَّه به))([1507])، فبدأ بالصفا، وقد قال ﷺ‬: ((لتأخذوا مناسككم))([1508])، وهذا قول الحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي وأصحاب الرأي، وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال: قال اللَّه تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهُ[([1509]). فبدأ بالصفا، وقال: ((اتبعوا القرآن، فما بدأ اللَّه به فابدأوا به)) ([1510])([1511]).

الشرط الثالث: أن يكون السعي بعد طواف صحيح، قال الإمام ابن قدامة: ((والسعي تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح، وبذلك قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال عطاء يجزئه، وعن أحمد يجزئه إن كان ناسياً، وإن كان عمداً لم يجزئه سعيه؛ لأن النبي ﷺ‬ لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل، والنسيان، قال: ((لا حرج)) ([1512]) ووجه الأول: أن النبي ﷺ‬ إنما سعى بعد طوافه، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم))([1513])([1514])([1515] واختار شيخنا العلامة ابن باز رحمه اللَّه: أن الأحوط للمسلم أن لا يسعى إلا بعد طواف، إلا إذا نسي، أو أخطأ فلا حرج([1516])([1517]).

الشرط الرابع: أن يكون السعي سبعة أشواط؛ لأن النبي ﷺ‬ سعى سبعة أشواط من الصفا إلى المروة؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((...قدم رسول اللَّه ﷺ‬ فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعاً ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ[([1518])([1519]) وقد قال النبي ﷺ‬: ((لتأخذوا مناسككم...)) ([1520]).

الشرط الخامس: استيعاب ما بين الصفا والمروة؛ ليتيقن الوصول إليهما في كل شوط؛ لأن النبي ﷺ‬ قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة([1521]).

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((اعلم أن جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة: مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم، على أنه يشترط في صحة السعي أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة في كل شوط، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه...)) ثم قال: ((وحجة الجمهور أن المسافة للسعي محدودة من الشارع، فالنقص عن الحد مبطل كما هو ظاهر)) ([1522])([1523]).

الشرط السادس: أن يكون السعي في المسعى بين الصفا والمروة؛ لأن النبي ﷺ‬ سعى في هذا المكان، وهذا تشريع منه ﷺ‬، والعبادات توقيفية لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان إلا في حدود ما شرعه اللَّه ورسوله ﷺ‬.

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((اعلم أنه لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو كان يمر من وراء المسعى، حتى يصل إلى الصفا والمروة من جهة أخرى لم يصح سعيه، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، وعن الشافعي في القديم: أنه لو انحرف عن موضع السعي انحرافاً يسيراً أنه يجزئه. والظاهر: أن التحقيق خلافه وأنه لا يصح السعي إلا في موضعه)) ([1524]).

ومكان السعي من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وسعي زوجته هاجر نقله الناس جيل عن جيل، إلى أن سعى النبي الخاتم محمد ﷺ‬ بين الصفا والمروة، وشرع ذلك لأمته، ومعه من أصحابه في حجة الوداع أكثر من مائة ألف صحابي([1525]) كلهم سعوا في الموضع الذي سعى فيه نبيهم مقتدين به، وقد أمرهم وأمر مَن بعدهم إلى قيام الساعة بقوله ﷺ‬: ((لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه))([1526])، ثم نقل هؤلاء الصحابة ما أخذوه عن نبيهم ﷺ‬ إلى من بعدهم، ونقله المسلمون قرناً عن قرن بعضهم عن بعض إلى يومنا هذا([1527])، واللَّه ولي التوفيق([1528]).

رابعاً:السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة:

السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، ومن أركان العمرة، والصفا والمروة من أعلام دين اللَّه الظاهرة، قال اللَّه تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[([1529]). والصواب أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، لا يصح واحد منهما بدونه، للأدلة الكثيرة الآتية:

1 – قال اللَّه تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[([1530]). فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر اللَّه يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لا بد منه؛ لأن شعائر اللَّه عظيمة لا يجوز التهاون بها، وقد أشار الإمام البخاري في صحيحه إلى أن كونهما من شعائر اللَّه يدل على ذلك، قال رحمه اللَّه: ((بابٌ: وجوب الصفا والمروة، وجُعِلَ من شعائر اللَّه: أي وجوب السعي بينهما مستفاد من كونهما جُعِلا من شعائر اللَّه، قاله ابن المنير في الحاشية)) ([1531]).

2 – أن النبي ﷺ‬ طاف في حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعاً، وقد دلَّ على أن ذلك لا بد منه دليلان:

الدليل الأول: أن سعي النبي ﷺ‬ بين الصفا والمروة بيان لما أجمل في قوله تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[، وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ‬ إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب اللَّه أن ذلك الفعل يكون لازماً، والدليل على أن فعله بياناً للآية هو قوله ﷺ‬: ((نبدأ بما بدأ اللَّه به))([1532]). يعني الصفا؛ لأن اللَّه بدأ به في قوله: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ[ الآية. وفي رواية: ((أبدأ)) ([1533])، بهمزة المتكلم، وفي رواية عند النسائي: ((ابدأوا بما بدأ اللَّه به)) ([1534]) بصيغة الأمر.

الدليل الثاني: أن النبي ﷺ‬ قال: ((لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) ([1535]).

ولفظ البيهقي:((خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا))([1536]).

وقد طاف ﷺ‬ بين الصفا والمروة سبعاً فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا،ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه،واللَّه تعالى يقول:]فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم[([1537]).

وطواف النبي ﷺ‬ بين الصفا والمروة ثابت بالروايات الصحيحة الكثيرة المعروفة، ومنها حديث ابن عمر المتفق على صحته([1538]).

3 – حديث عائشة رضي اللَّه عنها، قال عروة: سألت عائشة رضي اللَّه عنها فقلت لها: أرأيت قول اللَّه تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا[، فواللَّه ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوَّلتها عليه كانت لا جُناح عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل([1539])، فكان من أهلَّ يتحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول اللَّه ﷺ‬ عن ذلك، قالوا: يا رسول اللَّه إنَّا كنَّا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل اللَّه تعالى: ]إِنَّ الصَّفَا وَالـْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[الآية. قالت عائشة رضي اللَّه عنها: وقد سنَّ رسول اللَّه ﷺ‬ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرتُ أبا بكر بن عبدالرحمن فقال: إن هذا لَعِلمٌ ما كنتُ سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس – إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهلُّ بمناة – كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر اللَّه تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول اللَّه، كنَّا نطوف بالصفا والمروة، وإن اللَّه أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوَّف بالصفا والمروة؟ فأنزل اللَّه تعالى:  ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[الآية. قال أبو بكر، فأسْمَع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرَّجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرَّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن اللَّه تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت))([1540]). وفي لفظ للبخاري: أن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ((ما أتم اللَّه حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة)) ([1541]). وفي رواية مسلم: عن عروة عن عائشة، قال: قلت لها: إني لا أظنّ رجلاً لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره؟ قالت: لِمَ؟ قلت: لأن اللَّه يقول: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[ إلى آخره، فقالت: ما أتمَّ اللَّه حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول لكان: ((فلا جناح عليه أن لا يطوَّف بهما...)) الحديث([1542])([1543]). وفي رواية لمسلم: ((... فلعمري ما أتمَّ اللَّه حج من لم يطف بين الصفا والمروة)) ([1544]).

قال العلامة الشنقيطي رحمه اللَّه: ((فهذه الروايات في الصحيحين عن عائشة فيها الدلالة الواضحة على أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا بد منه، وفيها النص الصريح الصحيح على أن السعي لا بد منه، وأن من لم يسعَ لم يتم له حج ولا عمرة)) ([1545]).

4 – حديث حبيبة بنت أبي تجزية، وفيه: أن النبي ﷺ‬ قال لأصحابه: ((اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي)) ([1546]).

5 – حديث عائشة رضي اللَّه عنها وفيه أن النبي ﷺ‬ قال لها: ((يُجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجتك وعمرتك)) ([1547]). فيفهم من هذا الحديث أنها لو لم تطف بين الصفا والمروة لم يحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها([1548]).

6 – حديث أبي موسى t، قال: ((بعثني النبي ﷺ‬ إلى قومي باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فقال: ((بما أهللت؟)) قلت: أهللت كإهلال النبي ﷺ‬، قال: ((هل معك من هدي؟)) قلت: لا، فأمرني فطفت بالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت...)). وفي لفظ للبخاري: قال أبو موسى: قدمت على رسول اللَّه ﷺ‬ وهو بالبطحاء، فقال: ((أحججت؟)) قلت: نعم، قال: ((بما أهللت؟) [قال] قلت: لبيك بإهلالٍ كإهلال النبي ﷺ‬، قال: ((أحسنت، انطلق فطف بالبيت وبالصفا والمروة...)). وفي لفظ للبخاري: ((أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أحلَّ)) فطفت بالبيت وبالصفا والمروة. وفي لفظ للبخاري، قال أبو موسى t: ((بعثني رسول اللَّه ﷺ‬ إلى أرض قومي، فجئت ورسول اللَّه ﷺ‬ منيخٌ بالأبطح...))([1549]) الحديث.

فقول النبي ﷺ‬: ((طف بالبيت، وبالصفا والمروة)) أمر صريح منه ﷺ‬ بلزوم السعي بين الصفا والمروة، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك.

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((الطواف بالصفا والمروة أمر لازم، وفرض... وهو ركن من أركان الحج...)) ([1550])([1551]).

خامساً: صفة السعي بين الصفا والمروة:

1 – ثم بعد صلاته ركعتين خلف المقام ورجوعه إلى الحجر واستلامه، يخرج إلى المسعى فيتجه إلى الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ]إِنَّ الصَّفَا وَالْـمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ[([1552]((أبدأ بما بدأ اللَّه به))([1553]).

2 – ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبل القبلة فيوحد اللَّه ويكبره [ويحمده] ([1554]) ويقول: (([اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر] ([1555]) [لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد] [يحيي ويميت] ([1556]) وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده [لا شريك له] ([1557]) أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) ([1558]).

ويرفع يديه بما تيسر من الدعاء([1559]) ويكرِّر هذا الذكر والدعاء ثلاث مرات يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.

3 – ثم ينزل من الصفا إلى المروة فيمشي حتى يصل إلى العلم الأخضر الأول فيسعى الرجل سعياً شديداً إن تيسر له الركض، ولا يؤذي أحداً؛ لحديث علي t: ((أنه رأى رسول اللَّه ﷺ‬ يسعى بين الصفا والمروة في المسعى كاشفاً عن ثوبه قد بلغ إلى ركبتيه)) ([1560]).

وفي حديث جابر t: ((حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى)) ([1561]).

وأما المرأة فلا ترمل في الطواف بالبيت ولا في السعي بين الصفا والمروة، بإجماع أهل العلم، وذلك؛ لأنها عورة وقد تنكشف عورتها في الرمل، وقد تزاحم الرجال؛ ولهذا لا يشرع لها الرمل، وإنما تمشي متستِّرة في الطواف بالبيت، وفي السعي بين الصفا والمروة([1562]).

فإذا وصل إلى العَلَم الأخضر الثاني مشى كعادته حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها [حتى يرى البيت] ([1563]). ويستقبل القبلة، ويرفع يديه في دعائه، ويقول ويفعل كما قال وفعل على الصفا.

4 – ثم ينزل من المروة إلى الصفا فإذا وصل العلم الأول سعى بينه وبين الثاني سعياً شديداً([1564])، فإذا جاوز العلم الثاني مشى كعادته إلى أن يصل إلى الصفا، فإذا وصل قال وفعل كما قال وفعل أول مرة، وهكذا على المروة حتى يُكمِّل سبعة أشواط: ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكر ودعاء، ويكثر من ذلك، وإن دعا في السعي في بطن الوادي بين الميلين الأخضرين بقوله: ((رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم)) فلا بأس؛ لثبوت ذلك عن ابن عمر وعبداللَّه بن مسعود y([1565]).

ويستحب أن يكون متطهراً من الأحداث والأخباث،ولو سعى على غير طهارة أجزأه ذلك،وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف سعت وأجزأها ذلك؛لأن الطهارة ليست شرطاً في السعي وإنما هي مستحبة([1566]).

5 – فإذا أتمَّ سبعة أشواط مبتدئاً بالصفا خاتماً بالمروة حلق أو قصر رأسه إن كان رجلاً معتمراً، أو متمتعاً، وإن كانت امرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة، والأنملة هي: (رأس الأصبع). وإذا كان وقت الحج قريب وكانت المدة بين العمرة والحج قصيرة بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير؛ ليحلق بقية رأسه في الحج؛ لأن النبي ﷺ‬ لما قدم هو وأصحابه مكة في رابع ذي الحجة أمر من لم يسق الهدي أن يقصر ويحل([1567])، ولم يأمرهم بالحلق، ولا بد في التقصير من تعميم الرأس ولا يكفي تقصير بعضه، كما أن حلق بعض الرأس لا يكفي، والمرأة لا يشرع لها إلا التقصير، ولا تأخذ زيادة على قدر الأنملة.

فإذا فعل المحرم ما ذُكِر فقد تمت عمرته وحلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام، إلا أن يكون قارناً أو مفرداً قد ساق الهدي من الحل؛ فإنه يبقى على إحرامه حتى يحل من الحج والعمرة جميعاً بعد التحلل الأول يوم النحر.

فإذا لم يكن مع القارن أو المفرد هدي فالأفضل في حقه أن يجعلها عمرة ويفعل ما يفعله المتمتع. ويكون بهذا متمتعاً عليه ما على المتمتع؛ لقول النبي ﷺ‬ في آخر طوافه على المروة: ((لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فحل الناس كلهم وقصَّروا، إلا النبي ﷺ‬ ومن كان معه هدي)) ([1568]).

وإذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها بالعمرة قبل أن تطوف بالبيت ولم تطهر حتى يوم التروية أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه، وتعتبر بذلك قارنة بين الحج والعمرة، وتفعل ما يفعله الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل؛ لقوله ﷺ‬ لعائشة لما حاضت: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري))([1569]). فإذا طهرت طافت بالبيت وبين الصفا والمروة طوافاً واحداً، وسعياً واحداً وأجزأها ذلك عن حجها وعمرتها جميعاً([1570]).

$ $ $


 المبحث السابع والعشرون:أعمال الحج يوم الثامن (يوم التروية)

1 – إذا كان يوم التروية([1571]) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة استحب للذين أحلوا بعد العمرة، وهم المتمتعون أن يحرموا بالحج ضُحَى من مساكنهم، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة، فعن جابر t قال: ((أمرنا النبي ﷺ‬ لما أحللنا أن نحرِم إذا توجَّهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح)) ([1572]).

أما القارن والمفرد الذين لم يحلوا من إحرامهم فهم باقون على إحرامهم الأول.

2 – يستحب الاغتسال، والتنظف، والتطيب، وأن يفعل ما فعل عند إحرامه من الميقات([1573]).

3 – ينوي الحج بقلبه ويلبي قائلاً: ((لبيك حجاً)) وإن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) ([1574]).

وإن كان حاجاً عن غيره نوى بقلبه ثم قال: لبيك حجاً عن فلانٍ، أو عن فلانة، أو عن أم فلان إن كانت أنثى، ثم يستمر في التلبية ((لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) ([1575]).

وإن زاد: ((لبيك إله الحق لبيك)) فحسن لثبوت ذلك عن النبي ﷺ‬([1576]).

4 – يستحب التوجه إلى منى قبل الزوال والإكثار من التلبية؛ لحديث جابر t، وفيه: ((فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فأهلُّوا بالحج، وركب رسول اللَّه ﷺ‬، فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس...))([1577]).

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: ((أنه كان يصلي الصلوات الخمس بمنى، ثم يخبرهم أن رسول اللَّه ﷺ‬ كان يفعل ذلك)) ([1578]).

5 – يصلي بمنى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر قصراً بلا جمع إلا المغرب والفجر فلا يقصران؛ لأن النبي ﷺ‬ صلَّى بالناس من أهل مكة وغيرهم قصراً، فلا فرق بين أهل مكة، وغيرهم؛ لأن النبي ﷺ‬ لم يأمرهم بالإتمام، ولو كان واجباً عليهم لبينه لهم([1579]).

عن عبداللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: ((صليت مع النبي ﷺ‬ بمنى ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدراً من إمارته...)) ([1580]).

وعن أنس t قال: ((خرجنا مع النبي ﷺ‬ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة)) قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: ((أقمنا بها عشراً)). وفي لفظ لمسلم: ((خرجنا من المدينة إلى الحج...))([1581]).

6 – يستحب للحاج أن يبيت بمنى ليلة عرفة؛ لفعله ﷺ‬ فإذا صلى الفجر مكث حتى تطلع الشمس([1582])، فإذا طلعت سار من منى إلى عرفات ملبياً أو مكبراً؛ لقول أنس t ((كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر منا المكبر فلا يُنكر عليه)) ([1583]). وقد أقرَّهم النبي ﷺ‬ على ذلك، لكن الأفضل لزوم التلبية؛ لأن النبي ﷺ‬ لازمها.

$ $ $


 المبحث الثامن والعشرون: الوقوف بعرفة

أولاً: إذا وصل الحاج إلى [قُبَيْل] عرفة استحب له أن ينزل بنمرة([1584])  إلى الزوال إن تيسر له ذلك؛ لفعله ﷺ‬، كما قال جابر t: (( .. وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار رسول ﷺ‬، ولا تشُكُّ قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول اللَّه ﷺ‬ حتى أتى عرفة([1585]) فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي([1586]) فخطب الناس ..))([1587]). وإن لم يتيسر النزول بها فلا حرج عليه أن ينزل بعرفة([1588]).

ثانياً: إذا زالت الشمس([1589]) سُنَّ للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة يُبيِّنُ فيها ما يُشرع للحاج في هذا اليوم وما بعده، ويأمرهم فيها بتقوى اللَّه وتوحيده، والإخلاص له في كل الأعمال، ويُحذِّرهم من محارمه تعالى، ويوصيهم فيها بالتمسك بكتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ‬، والحكم بهما، والتحاكم إليهما في كل الأمور، اقتداءً بالنبي ﷺ‬ في ذلك كله، وبعد الخطبة يصلون الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين؛ لفعله([1590])  ﷺ‬([1591]).

ثالثاً: من لم يُصلِّ مع الإمام صلَّى مع جماعة أخرى إذا زالت الشمس جمعاً وقصراً في وقت الأولى كما تقدم.

رابعاً: ثم ينزل إلى الموقف بعرفة إن لم يكن بها، وعليه أن يتأكد من حدودها ثم يكون داخلها، والأفضل أن يجعل جبل الرحمة([1592]) بينه وبين القبلة إن تيسر له ذلك([1593])، فإن لم يتيسر استقبالهما استقبل القبلة، وإن لم يستقبل الجبل، لأن النبي ﷺ‬ قال: ((وقفت ههنا وعرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة))([1594]).

خامساً: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، فيستحب في هذا الموقف العظيم أن يجتهد الحاج في ذكر اللَّه تعالى، ودعائه، والتضرع إليه، ويرفع يديه حال الدعاء اقتداءً بنبيه ﷺ‬، فإنه وقف بعد الزوال رافعاً يديه مجتهداً في الدعاء. قال أُسامة y: ((كنت رديف النبي ﷺ‬ بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى))([1595]((ولم يزل واقفاً يدعو حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً))([1596] وقد حث أمته على الدعاء ورغب فيه فقال ﷺ‬: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))([1597]).

وقال ﷺ‬: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق اللَّه فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء))([1598])، فينبغي للحاج أن لا يفوِّت هذه الفرصة العظيمة، فعليه أن يُكثر من الذكر، والدعاء، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتوبة، والاستغفار إلى أن تغرب الشمس.

وهذه أدعية جامعة نافعة إن شاء اللَّه  تعالى يناسب الدعاء بها في عرفات، وفي المشعر الحرام، وبعد رمي الجمرة الأولى والثانية أيام التشريق، وعلى الصفا والمروة، وفي كل موطن للدعاء، وكل زمان ومكان، وليست مخصصة لهذه المشاعر، لكن لا مانع من الدعاء بها؛ لقوله ﷺ‬: ((ما من مسلم يدعو اللَّه بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها)) قالوا: إذاً نكثر. قال: ((اللَّه أكثر))([1599]).

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:

1- ]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ* الْـحَـمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَـمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المـَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ[.

2-      ] رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*  وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [([1600]).

3-      ]رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[([1601]).

4-      ]سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْـمَصِيرُ [([1602]).

5-     ]رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [([1603]).

6-      ]رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [([1604]).

7-      ]رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [[1605]).

8-     ]رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [([1606]).

9-      ]رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [([1607]).

10- ]ربَّنَا اغْفِرْ لَـنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [([1608]).

11- ]رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِـمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَـنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْـمِيعَادَ [([1609]).

12-  ]رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [([1610]).

13-   ]رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لـَّمْ تَغْفِرْ لَـنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْـخَاسِرِينَ [([1611]).

14-  ]رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِـمِينَ [([1612]).

15-   ]حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[([1613]).

16-  ]رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِـمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [([1614]).

17- ]رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْـخَاسِرِينَ [([1615]).

18- ]رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ [([1616]).

19-  ]رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [([1617]).

20- ]رَبَّـنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْـحِسَابُ [([1618]).

21- ]رَبَّـنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [([1619]).

22- ]رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [([1620]).

23- ]رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا [([1621]).

24- ]لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ [([1622]).

25-  ]رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [([1623]).

26-  ]رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ [([1624]).

27-  ]رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَــنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [([1625]).

28-  ]رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [([1626]).

29-  ]رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [([1627]).

30- ]رَبَّنَا هَبْ لَـنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [([1628]).

31- ]رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْـحِقْنِي بِالصَّالِـحِينَ * وَاجْعَل لّـِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [ ([1629]).

32-  ]وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [([1630]).

33-  ]رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِـحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِـحِينَ [([1631]).

34-  ]رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [([1632]).

35-  ]رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِـمِينَ [([1633]).

36- ] عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [([1634]). 

37-  ]رَبِّ إِنِّي لِـمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [([1635]).

38-  ]رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْـمُفْسِدِينَ [([1636]).

39-  ]رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِـحِينَ [([1637]).

40-   ]رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِـحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْـمُسْلِمِينَ [([1638]).

41-  ]رَّبَّـنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْـمَصِيرُ [([1639]).

42-  ]رَبَّـنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [([1640]).

43-   ]رَبَّـنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيمُ [([1641]).

44-  ]رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِـمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ [([1642]).

45-  ]رَبَّـنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [([1643]).

46-                         ((اللَّهمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))([1644]).

47- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْر،ِ وَشَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْـمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهمَّ اغْسِلْ قَلْبِي بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْـخَطَايَا كَمَا نَقّيتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْـهَرَمِ وَالْـمَأْثَمِ وَالْـمَغْرَمِ ))([1645]).

48- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنَ الْعَجْز وَالْكَسَل،وَالـْجُبْن وَالْـهَرَم وَالْبُخْل، وَأَعُوذ بِك مِنْ عَذَاب الْقَبْر،وَمِنْ شَرّ فِتْنَة الْـمَحْيَا وَالْـمَمَات))([1646]).

49- ((اللَّهم إني أَعَوذُ بكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ))([1647]).

50- ((اللَّهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي اَلَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ اَلَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي اَلَّتِي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ اَلـْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْ،ٍ, وَاجْعَلِ اَلْـمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ))([1648]).

51- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْـهُدَى، وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى))([1649]).

52- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْـجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْـهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَـهَا))([1650]).

53- ((اللَّهمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي،... اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْـهُدَى وَالسَّدَادَ))([1651]).

54- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِك، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ))([1652]).

55- ((اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ ومنْ شَرِّ مَا لَمْ أعْمَلْ))([1653]).

56- ((اللَّهم أكثر مالي، وولدي، وبارك لي فيما أعطيتني))([1654]) (([وأطل حياتي على طاعتك وأحسن عملي] واغفر لي))([1655]).

57- ((لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ،الْعَظِيمُ الْـحَلِيمُ،لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ،رَبُّ السَّموَاتِ،وَرَبُّ الأَرْضِ،وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ))([1656]).

58-  ((اللَّهمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ))([1657]).

59- ((لا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ))([1658]).

60- ((اللَّهمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِى بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِى عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ: أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي))([1659]).

61- ((اللَّهمَّ مُصَرِّف الْقُلُوب صَرِّفْ قُلُوبنَا عَلَى طَاعَتك))([1660]).

62- ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))([1661]).

63- ((اللَّهمَّ إني أسألُكَ العَافِيَةَ في الدنيا والآخِرةِ))([1662]).

64- ((اللَّهمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِى الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الآخِرَةِ))([1663]).

65- ((رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ،وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ،وَامْكُرْ لِي،وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ،وَاهْدِنِي،وَيَسِّرِ الْـهُدَى إلِيَّ،وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ،رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا،لَكَ ذَكَّارًا،لَكَ رَهَّابًا،لَكَ مِطْوَاعًا،إِلَيْكَ مُخْبِتًا، أَوَّاهًا مُنِيبًا،رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي،وَاغْسِلْ حَوْبَتِي،وَأَجِبْ دَعْوَتِي،وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي،وَسَدِّدْ لِسَانِي ،وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي))([1664]).

66- ((اللَّهمَّ إنَّا نَسْألُكَ مِنْ خَيْرِ ما سَألَكَ منهُ نَبِيُّكَ محمَّدٌ [ﷺ‬] ونَعُوذُ بك مِنْ شَرِّ ما اسْتعاذَ منهُ نَبِيُّكَ محمَّدٌ [ﷺ‬]،وأنتَ المُسْتَعانُ،وعليكَ البَلاغُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاّ باللَّه))([1665]).

67- ((اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي ، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي ، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي ، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي ، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي))([1666]).

68- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْـجُنُونِ، وَالْـجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ))([1667]).

69- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ))([1668]).

70- ((اللَّهمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي))([1669]).

71- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْـخَيْرَاتِ،وَتَرْكَ الْـمُنْكَرَات،وَحُبَّ الْـمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي،وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ،وَأسْأَلُكَ حُبَّكَ،وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ،وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُني إِلَى حُبِّكَ))([1670]).

72- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْـخَيْرِ كُلِّهِ: عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ اَلْـجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ مِنْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا))([1671]).

73-  ((اللَّهمَّ احْفَظنِي بالإِسْلاَمِ قائِماً، واحْفَظْنِي بالإِسْلاَمِ قاعِداً، واحْفَظنِي بالإِسْلاَمِ راقِداً، ولا تُشْمِتْ بِي عَدُوّاً ولا حاسِداً، اللَّهمَّ إِنِّي أسْألُكَ مِنْ كُلِّ خَيْر خزائِنُهُ بِيَدِكَ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرَ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ))([1672]).

74- ((اللَّهمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ،وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ،وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهمَّ مَتِّعْنَا بأسْمَاعِنا،وَأَبْصَارِنَا،وقُوَّتِنَا مَا أحْيَيْتَنَا،وَاجْعَلْهُ الوارثَ مِنَّا،وَاجْعَلْ ثَأرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا،وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا،وَلاَ تَجْعَلْ مُصيبَتَنَا فِي دِينِنَا،وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا،وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا،وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا))([1673]).

75- ((اللَّهمَّ إني أَعوذ بك من الـجُبْنِ،وأعُوذُ بك من البُخْلِ،وأَعوذُ بك أنْ أُرَدَّ إِلى أرذَلِ العُمر،وأعوذُ بك من فِتْنَةِ الدّنيا وعَذَابِ القَبْرِ))([1674]).

76- ((اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهمَّ اِغْفِرْ لِي جِدِّي، وَهَزْلِي، وَخَطَئِي، وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي))([1675]).

77- ((اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي))([1676]).

78- ((اللَّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))([1677]).

79- ((اللَّهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ،وَبِكَ آمَنْتُ،وَعَليْك تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهمَّ إني أعُوذُ بعزَّتِكَ؛ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ أنْ تُضلَّني، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لاَ تَمُوتُ، وَالجـِنُّ والإنْسُ يَمُوتُونَ))([1678]).

80- ((اللَّهمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ،وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ،والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ،والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ،والفَوْزَ بالجـَنَّةِ،والنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ))([1679]).

81- ((اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي ، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي))([1680]).

82- ((اللَّهمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، فإِنَّهُ لا يَمْلِكُها إلاَّ أنْتَ))([1681]).

83- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ التَّرَدِّي، وَالْـهَدْمِ، وَالْغَرَقِ، وَالْـحَرقِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْـمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا))([1682]).

84- ((اللَّهمَّ إِني أَعوذ بك من الـجُوع ، فإِنه بِئْسَ الضْجيعُ ، وأعوذ بك من الخِيانة ، فإِنها بِئْسَتِ البِطانةُ))([1683]).

85- ((اللَّهمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ،والْكَسَلِ،والجـُبْنِ،والْبُخْلِ، والْـهَرَمِ، والقَسْوَةِ،والغَفْلَةِ،والعَيْلَةِ،والذِّلَّةِ،والْـمَسْكَنَةِ،وأعُوذُ بِكَ مِنَ الفَقْرِ، وَالكُفْرِ،والفُسُوقِ،والشِّقَاقَ،والنِّفَاقِ،والسُّمْعَةِ،والرِّياءِ،وأعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ،والبَكَمِ،والْجُنُونِ،وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ،وَسَيِّئِ الأَسْقَامِ))([1684]).

86- ((اللَّهمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ))([1685]).

87- ((اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ جارِ السوءِ في دَارِ المُقامَةِ؛ فإنَّ جارَ البادِيَةِ يَتَحَوَّلُ))([1686]).

88- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ ، وَمن نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ ، وَمن دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ ، وَمن عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ ، اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ هُؤُلاَءِ الأَرْبَعِ))([1687]).

89- ((اللَّهم إني إعوذُ بك من يومِ السوءِ، ومنْ ليلةِ السوءِ، ومنْ ساعة السوءِ، ومنْ صاحبِ السوءِ، ومنْ جارِ السوءِ في دارِ المُقامة))([1688]).

90- ((اللَّهم إني أسألك الجنة وأستجير بك من النار))([1689]).

91- ((اللَّهمَّ فَقِّهني فِي الدِّينِ ))([1690]).

92- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ))([1691]).

93- ((اللَّهمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي ، وَزِدْنِي عِلْمًا))([1692]).

94- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا))([1693]).

95- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللَّه بِأَنــَّكَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))([1694]).

96- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْـحَمْدَ،لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ،[وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ] الْـمَنَّانُ [يَا] بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ،يَا ذَا الْـجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ،يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ [الْـجَنَّةَ وأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ]))([1695]).

97- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّه، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، اَلْأَحَدُ، اَلصَّمَدُ، اَلَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَـمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ))([1696]).

98- ((ربِّ اغْفِر لي وتُب عَليَّ ، إنك أَنت التَّوَّابُ الغَفورُ))([1697]).

99- ((اللَّهمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْب،وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْـخَلْقِ،أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْـحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهمَّ أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْـحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْـمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ))([1698]).

100-((اللَّهمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ))([1699]).

101- ((اللَّهمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْـخَطَايَا،اللَّهمَّ نَقِّنِي مِنْهَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ،اللَّهمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْـمَاءِ الْبَارِدِ))([1700]).

102-((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْـجُبْنِ، وَالْبُخْلِ ، وَسُوءِ الْعُمُرِ ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ))([1701]).

103-((اللَّهمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))([1702]).

104-((اللَّهمَّ أَلْـهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي))([1703]).

105-((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَيَنْفَعُ))([1704]).

106-((اللَّهمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السبع،وَرَبَّ الْأَرْضِ،وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْـحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ))([1705]).

107-((اللَّهمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتّ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ وَالْفِتَنَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ،وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا،وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعَمِك ، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لهَا، وَأَتِممْها عَلَيْنَا))([1706]).

108- ((اللَّهمَّ إنّي أسْألُكَ خَيرَ المسْأَلَةِ، وخَيْرَ الدُّعَاءِ، وخَيْرَ النَّجَاح، وخَيْرَ العَمَلِ، وخَيْرَ الثَّوابِ، وخَيْرَ الْـحَيَاةِ، وخَيْرَ الْـمَمَاتِ، وثَبِّتْنِي، وثَقِّلْ مَوَازِينِي، وحَقِّقْ إيْمانِي، وَارْفَعْ دَرَجاتِي، وَتَقَبَّلْ صَلاَتِي، وَاغْفِرْ خَطِيئَتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرجَاتِ العُلاَ مِنَ الْـجَنَّةِ، اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْـخَيْرِ، وخَوَاتِمَهُ، وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ، وَظَاهِرَهُ، وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْـجَنَّةِ آمين، اللَّهمّ إِنّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ، وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْـجَنَّةِ. آمين. اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْرِي، وَتَضَعَ وِزْرِي، وَتُصْلِحَ أَمْرِي، وَتُطَهِّرَ قَلْبي، وَتُحَصِّنَ فَرْجِي، وَتُنَوِّرَ قَلْبِي، وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْـجَنَّةِ آمين، اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُبارِكَ فِي نَفْسِي، وَفِي سَمْعِي، وَفِي بَصَرِي، وَفِي رُوحِي، وَفِي خَلْقِي، وَفِي خُلُقِي، وَفِي أهْلِي، وَفِي مَحْيَايَ، وَفِي مَمَاتِي، وَفِي عَمَلِي، فَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْـجَنَّةِ آمِين))([1707]).

109- ((اللَّهمَّ،جَنِّــبْنِي مُنْكَرَاتِ الأَخْلاقِ،وَالأَعْمَالِ،وَالأَهْوَاءِ، وَالأدْوَاءِ))([1708]).

110- ((اللَّهمَّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ))([1709]).

111-((اللَّهمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا))([1710]).

112-((اللَّهمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))([1711]).

113-((اللَّهم إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ‬ فِي أَعْلَى جَنَّةِ الـْخُلْدِ))([1712]).

114- ((اللَّهمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي، اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ،وَمَا أَعْلَنْتُ،وَمَا أَخْطَأْتُ،وَمَا عَمَدْتُ،وَمَا عَلِمْتُ، وَمَا جَهِلْتُ))([1713]).

115- ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ،وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ،وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ))([1714]).

116-((اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، أَعُوذُ بِاللَّه مِنْ ضِيقِ الْـمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))([1715]).

117-((اللَّهمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ يَظْلِمُنِي، وَخُذْ مِنْهُ بِثَأْرِي))([1716]).

118- ((اللَّهمَّ إنِي أَسْأَلُكَ عِيشَةً نَقِيَّةً،ومِيتَةً سَوِيّةً،ومَردّاً غَيْرَ مُخْزٍ،ولَا فَاضِحٍ))([1717]).

119-((اللَّهمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَأَحْسِنْ خُلُقِي))([1718]).

120-((اللَّهمِ اَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالـمُؤْمِنَاتِ))([1719]).

121-((اللَّهمَّ ثَبِّتني وَاجْعَلْني هَادِيًا مَهْدِيًّا))([1720]).

122-((اللَّهمَّ آتِنِي الْـحِكْمَةَ الّتِي مَنْ أُوتِيهَا فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً))([1721]).

123-((اللَّهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم،إنك حميد مجيد،اللَّهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم،وعلى آل إبراهيم [في العالمين] إنك حميد مجيد))([1722]).

^^^

ومن الأفضل أن يكون الحاجُّ يوم عرفة مفطراً اقتداءً بالنبي ﷺ‬، فعن أم الفضل بنت الحارث رضي اللَّه عنها: ((أن ناساً تماروا عندها يوم عرفه في صوم النبي ﷺ‬ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتْ إليه بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره فشربه ))([1723]) .

وعن ميمونه رضي اللَّه عنها: أن ناساً شكَّوا في صيام النبي ﷺ‬ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلابٍ([1724]) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون))([1725]).

وفي إفطار الحاج يوم عرفة من الفوائد: أنه يتقوَّى بذلك على الدعاء، والتضرع، والتذلل لله تعالى، ويزيد نشاطه في هذا الموقف العظيم.

سادساً: إذا غربت الشمس وتحقق من غروبها([1726]) انصرف الحاج إلى مزدلفة بسكينةٍ، ووقارٍ، وأكثروا من التلبية، وأسرعوا في المتسع؛ لفعل النبي ﷺ‬، وقوله:((أيها الناس السكينةَ السكينةَ))([1727]وقال حينما سمع زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإبل:((أيها الناس عليكم السكينة فإن البر ليس بالإيضاع))([1728] ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: ((ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غُفر له))([1729]).

سابعاً: ولا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع الفجر([1730]) من يوم النحر، فعن عبد الرحمن بن يَعْمُر t قال: شهدت رسول اللَّه ﷺ‬ وهو واقف بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه، كيف الحج؟ قال: ((الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلةِ جمعٍ فقد تمَّ حجُّه)) ([1731]).

وقال عروة بن مُضرِّس t: أتيت رسول اللَّه ﷺ‬ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول اللَّه إني جئت من جبلي طيئٍ، أكللت راحتي، وأتعبتُ نفسي، واللَّه ما تركت من جبلٍ إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول اللَّه ﷺ‬: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حجُّه، وقضى تفثه)) ([1732]).

# # #


 المبحث التاسع والعشرون: الفوات

أولاً: مفهوم الفوات.

الفوات لغة: مصدر فات يفوت فوتاً وفواتاً، وجمعه: أفوات، ومعناه: أن يُسبق فلا يُدرك، يُقال: فاتني كذا: أي سبقني([1733]) .

وفوات الحج اصطلاحاً: هو أن يطلع على الحاج فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة، قال ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض، لا حج لمن فاته الوقوف بها))([1734]).

ثانياً: أحكام الفوات: إذا طلع الفجر من يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة، فقد فاته الحج، فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه فقال: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) تحلَّل من إحرامه، ولا شيء عليه،  والأفضل له أن يتحلَّل بعمرة، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف بعرفة؛ فإنه يتحلَّل بعمرة، فيطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصّر، وإذا كان معه هدي ذبحه ويحج عاماً قابلاً ويهدي([1735])، كما أفتى بذلك عمر بن الخطاب t، لأبي أيوب الأنصاري، وهبَّار بن الأسود رضي اللَّه عنهما.

فعن سليمان بن يسار: ((أن أبا أيوب الأنصاري، خرج حاجَّاً، حتى إذا كان بالنازية([1736]) من طريق مكة أضلَّ رواحله، وإنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال عمر: اصنع كما يصنع المعتمر، ثُمَّ قد حللت، فإذا أدركك الحجُّ قابلاً فاحجج، واهدِ ما استيسر من الهدي)) ([1737]).

وعن نافع عن سليمان بن يسار: ((أن هبَّار بن الأسود جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخطأنا العدة، كُنَّا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة؟ فقال عمر: اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك، وانحروا هدياً إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصِّروا، وارجعوا، فإذا كان عامٌ قابلٌ فحجّوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع))([1738]).

وعن ابن عمر t: أنه قال: ((من أدرك ليلة النحر من الحاجّ فوقف بجبال عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج، ومن لم يُدرِك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، فليأتِ البيت قبل أن يحلق فليطف به سبعاً، ويطوف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق أو يقصِّر إن شاء، وإن كان معه هديه فلينحره قبلُ، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصّر، ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع، وليهدِ في حجه))([1739]).

# # #


 المبحث الثلاثون: المبيت بمزدلفة

أولاً: إذا وصل الحاج إلى مزدلفة([1740]) صلى بها المغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين، جمعاً بأذانٍ واحدٍ وإقامتين من حين وصوله؛ لفعل النبي ﷺ‬([1741])؛ سواء وصل الحاج إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء؛ لحديث أسامه بن زيد رضي اللَّه عنهما، قال: ردفتُ رسول اللَّه ﷺ‬ من عرفاتٍ، فلمّا بلغ رسول اللَّه ﷺ‬ الشِّعْب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببتُ عليه الوضوءَ فتوضأ وُضوءاً خفيفاً، ثم قلت: الصلاةَ يا رسول اللَّه: فقال: ((الصلاة أمامك))، فركب رسول اللَّه ﷺ‬ حتى أتى المزدلفة، فصلَّى ثم ردف الفضل غداة جمع))، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((دفع رسول اللَّه ﷺ‬ من عرفة فنزل الشِّعب فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوءَ، فقلت له: الصلاة، فقال: ((الصلاة أمامك)) فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كلُّ إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى ولم يصلِّ بينهما))، وهذا من لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسانٍ بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلاّها، ولم يصلِّ بينهما شيئاً))([1742]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول:((وهذا فيه المبادرة بالصلاة، إذا وصل مزدلفة،فإذا وصلوا بدأوا بالصلاة قبل إناخة الإبل،فلما صلُّوا المغرب أناخوا الإبل،ثم صلّوا العشاء قبل حطِّ الرحال،ثم تحّط الرحال بعد صلاة العشاء)ثم قال رحمه اللَّه:((والغالب من فعل النبي ﷺ‬ أنه لا يتوضأ وضوءاً جديداً إلا قد صلَّى بالوضوء الأول،ولكن في هذا الحديث قد يكون للنشاط،أو أحدث بين الوضوءين،أو لأسباب أخرى ... ))([1743])،  لكن إن لم يتمكن من وصول مزدلفة قبل نصف الليل، فإنه يصلي ولو قبل الوصول إلى مزدلفة،ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى بعد نصف الليل، بل يصلي في أي مكان كان، ولا يصلي بينهما نافلة.

ثانياً: يبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة ويحرص أن ينام مبكراً؛ ليكون نشيطاً لأداء مناسك الحج يوم النحر؛ لفعل النبي ﷺ‬؛ فإنه بعد أن صلى المغرب والعشاء اضطجع حتى طلع الفجر([1744]) .

ثالثاً: يجوز للضعفة من النساء، والصبيان، ونحوهم، ومن يقوم برعايتهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل ومغيب القمر([1745] للأحاديث الآتية:

الحديث الأول: حديث عبد اللَّه مولى أسماء أنها نزلت ليلة جمعٍ عند المزدلفة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا ومضينا حتى رمت جمرة العقبة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: ما أرانا إلا قد غلّسنا؟ قالت: ((يا بني إن رسول اللَّه ﷺ‬ أذن للظعن))([1746]).

الحديث الثاني: حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما: ((أنا ممن قدَّمَ رسول اللَّه ﷺ‬ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله))([1747] وفي لفظٍ: ((بعثني رسول اللَّه ﷺ‬ من جمعٍ بليلٍ) وفي لفظ لمسلم: ((بعث بي رسول اللَّه ﷺ‬ بسحرٍ من جمعٍ)).

الحديث الثالث: حديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ((استأذنت سودة رسول اللَّه ﷺ‬ ليلة جمع أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطةً - يعني ثقيلة - فأذِنَ لها، وفي لفظ: ((استأذنت النبي ﷺ‬ سودة: أن تدفع قبل حطمة الناس – وكانت امرأة بطيئة – فأذِنَ لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنتُ رسول اللَّه ﷺ‬ كما استأذنت سودةُ أحبَّ إليَّ من مفروح به))([1748]).

الحديث الرابع: حديث عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ((أرسل النبي ﷺ‬ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت))([1749] وفي لفظ للنسائي: ((أن رسول اللَّه ﷺ‬ أمر إحدى نسائه أن تنفر من جمعٍ ليلة جمعٍ فتأتي جمرة العقبة فترميها، وتصبح في منزلها، وكان عطاء يفعله حتى مات))([1750]). قال شيخنا ابن باز رحمه اللَّه: ((هي أمُّ سلمة)).

الحديث الخامس: حديث أم حبيبة رضي اللَّه عنها: ((أن النبي ﷺ‬ بعث بها من جمعٍ بليل))، وفي لفظٍ: قالت: ((كُنَّا نفعله على عهد النبي ﷺ‬: نُغَلِّس من جمعٍ إلى منى))، وفي رواية: ((نغلِّس من مزدلفة))([1751]).

الحديث السادس: حديث ابن عمر: ((كان عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما يقدم ضعفة أهله،فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون اللَّه ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: ((أرخص في أولئك رسول اللَّه ﷺ‬))([1752]) .

الحديث السابع: حديث الفضل،: أن النبي ﷺ‬: ((أمر ضعفة بني هاشم أن ينفروا من جمع بليل))([1753]).

رابعاً: إذا تبين الفجر الثاني صلى الفجر مبكراً بأذانٍ وإقامة؛ لحديث جابر t، وفيه: ((ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة))([1754])، وهذا تفسير لحديث عبد اللَّه بن مسعود t فإنه قال: ((ما رأيت النبي ﷺ‬ صلَّى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلّى الفجر قبل ميقاتها))([1755])، معناه أنه صلى الفجر يوم النحر في أول وقتها بعد طلوع الفجر، ثم يقف عند المشعر الحرام ويستقبل القبلة، ويدعو اللَّه، ويُكَبِّره، ويُهلِّله، ويوحِّده([1756])، ويكثر من الدعاء ويرفع يديه، ويستحب له أن يستمرَّ على ذلك حتى يسفر جداً، وحيثما وقف من مزدلفة أجزأه ذلك؛ لقوله ﷺ‬: ((وقفت ههنا وجمع كلها موقف)) ([1757]).وجمع هي مزدلفة([1758]).

خامساً: إذا أسفر جداً دفع من مزدلفة([1759]) إلى منى قبل طلوع الشمس؛ لحديث عمر t، قال عمرو بن ميمون: ((شهدت عمر بن الخطاب t بجمعٍ الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرقْ ثبير [كيما نغير] وأن النبي ﷺ‬ خالفهم أفاض قبل أن تطلع الشمس))([1760])، والسنة أن يُلتقط هذا اليوم سبع حصيات مثل حصى الخذف؛ لأن النبي ﷺ‬ لم يأمر أن يُلتقط له الحصى إلا بعد انصرافه من المشعر الحرام إلى منى؛ لحديث الفضل بن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ‬ غداة العقبة وهو على ناقته: ((هات القط لي حصى))، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف([1761] فجعل ينفضهن في كفه ويقول: ((بأمثال هؤلاء فارموا، وإيّاكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين) ولفظ ابن ماجه: قال: قال رسول اللَّه ﷺ‬ غداة العقبة، وهو على ناقته: ((القط لي حصىً ))، فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه، ويقول: ((أمثال هؤلاء فارموا) ثم قال: ((يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين))([1762]) .

وسمعت شيخنا ابن باز يقول: ((وهذا يدل على أن السنة التقاط الحصى بعد دخول منى، وأن الحصى مثل حصى الخذف، والرمي بالحجر الكبير، أو الحذاء من الغلوّ في الدين، فالزيادة في العبادة غلوٌّ، والنقصُ من الجفاء)))([1763]).

وهذا هو الأفضل، ومن أيِّ موضع التقط الحصى أجزأه ذلك، ولا يتعيّن لقطه من مزدلفة، بل يجوز لقطه من منى، والسنة التقاط سبع حصيات في هذا اليوم مثل حصى الخذف يرمي بها جمرة العقبة، أما في الأيام الثلاثة فيلتقط من منى كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاث([1764]).

سادساً:يكثر الحاج من التلبية في سيره إلى منى فإذا وصل إلى محسِّر([1765]) استحب له الإسراع قليلاً إن استطاع ذلك بدون أذىً لأحدٍ؛ لفعلهﷺ‬ ([1766])([1767]).

# # #


 المبحث الحادي والثلاثون: أعمال الحج يوم النحر

أولاً: رمي جمرة العقبة:

إذا وصل الحاج إلى منى يوم النحر فالأفضل أن يرتب هذه الأعمال الأربعة:

1-          يقطع التلبية عند جمرة العقبة؛ لحديث عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما: أن أسامة كان ردف النبي ﷺ‬ من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: ((لم يزل النبي ﷺ‬ يلبي حتى رمى جمرة العقبة))([1768])، وسُمِّيت جمرة العقبة؛ لأنها في عقبة مأزم منى، وخلفها من ناحية الشام وادٍ فيه بايع الأنصار رسول اللَّه ﷺ‬ بيعة العقبة، وهي ملاصقة للجبل، وبجانبها طريق مع الجبل يسمى العقبة، والعقبة: هي الطريق مع الجبل، ولهذا سميت بالعقبة([1769]).

2-          يستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويكبر مع كل حصاة، ويتأكد بأن الرمي يقع في الحوض داخل المرمى؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود t، فعن عبد الرحمن بن يزيد: ((أنه حجَّ مع عبد اللَّه بن مسعود t، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات [يُكبِّر مع كل حصاة]، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: ((هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) وفي رواية: أن عبد الرحمن بن يزيد كان مع ابن مسعود t حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: ((من ها هنا – والذي لا إله غيره – قام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة) وفي لفظ: ((أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة))([1770]).

وعن جابر t عنه عن النبي ﷺ‬ ، وفيه: ((... ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ...))([1771]).

3-          وقت رمي جمرة العقبة، هذه الجمرة الوحيدة التي يستحب للحاج أن يرميها ضُحىً يوم النحر([1772])، أما بقية الأيام فلا تُرمَى الجمار الثلاث إلا بعد الزوال فعن جابر t قال: ((رمى رسول اللَّه ﷺ‬ يوم النحر ضحىً وأما بعدُ فإذا زالت الشمس))، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري معلقاً: ((رمى النبي ﷺ‬ يوم النحر ضحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال)) ([1773])، وجمرة العقبة هي الأخيرة مما يلي مكة([1774]).

ثانياً: نحر الهدي أو ذبحه:

إذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة نحر هديه أو ذبحه، وهو شاة، أو سُبُعُ بدنة، أو سُبُعُ بقرة، وهو واجب على المتمتع والقارن؛ لقوله تعالى: ]فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْـحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْـهَدْيِ فَمَن لَّـمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْـحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِـمَن لَّـمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ [([1775]).

ويُستحب أن يقول عند ذبحه أو نحره: ((بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّهم منك ولك [اللَّهم تقبل مني]))([1776]).

ويُسنُّ ذبح الغنم والبقر على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة،ونحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى؛لحديث زياد بن جبير،قال:((رأيت ابن عمر رضي اللَّه عنهما أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها،قال:ابعثها قياماً مُقَيَّدة سُنّة محمد ﷺ‬)) هذا لفظ البخاري،ولفظ مسلم:((أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنة باركة،فقال:ابعثها قياماً مقيدة سنة نبيكم ﷺ‬))([1777]).

ويستحب أن يأكل من هديه،ويُهدي،ويتصدق؛ لقوله تعالى: ]فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [([1778])، ويمتد وقت الذبح على الصحيح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق([1779]) ويجوز له أن يذبح في منى وهو الأفضل أو في مكة؛ لحديث جابر t أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال: ((نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف،ووقفت ها هنا،وجمع كلها موقف))،هذا لفظ مسلم، ولفظ أبي داود:((وقفت ها هنا بعرفة، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا بجمع، وجمع كلها موقف، ونحرت ها هنا، ومنى كلها منحر،فانحروا في رحالكم))([1780]وفي لفظ لأبي داود:((كل عرفة موقف، وكل منى منحر،وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر))([1781]).

ثالثاً: الحلق أو التقصير، والحلق أفضل:

إذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصَّره،والحلق أفضل للرجل؛لأن النبي ﷺ‬ دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أن رسول اللَّه ﷺ‬ قال:((رحم اللَّه المحلقين)قالوا:والمقصرين يا رسول اللَّه،قال:((رحم اللَّه المحلّقين)قالوا:والمقصرين يا رسول اللَّه،قال: ((رحم اللَّه المحلقين)قالوا:والمقصرين يا رسول اللَّه؟قال: ((والمقصرين))([1782]).

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول اللَّه : ((اللَّهم اغفر للمحلقين) قالوا : يا رسول اللَّه والمقصرين، قال: ((اللَّهم اغفر للمحلقين) قالوا: يا رسول اللَّه والمقصرين؟ قال: ((اللَّهم اغفر للمحلقين) قالوا: يا رسول اللَّه والمقصرين؟ قال: ((والمقصِّرين))([1783]) .

أما المرأة فليس عليها إلا التقصير تأخذ من كل قرن قدر الأنملة أو أقل.

وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويُسمَّى هذا التحلل الأول([1784]).

فإذا تحلل التحلل الأول:استحب له أن يتطيب؛لقول عائشة رضي اللَّه عنها: ((كنت أطيب رسول اللَّه ﷺ‬ لإحرامه حين يحرم،ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) ([1785]).

ويستحب له أن يتنظف ويلبس أحسن ثيابه.

رابعاً: طواف الإفاضة مع السعي لمن كان عليه سعي:

يتوجه الحاج بعد الأعمال السابقة إلى مكة؛ ليطوف بالبيت، ويُسمَّى هذا الطواف: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، وهو المراد في قوله تعالى: ]ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [([1786]) ويكون طوافه كطواف العمرة، وطواف القدوم الذي ذُكِرَ سابقاً تماماً، لكن ليس فيه رمل ولا اضطباع.

ثم يُصلِّي ركعتين خلف المقام، ويستحب أن يشرب من زمزم؛ لفعله ﷺ‬ ،ففي حديث جابر t : ((... ثم ركب رسول اللَّه ﷺ‬ فأفاض([1787]) إلى البيت، فصلَّى بمكة الظهر([1788] فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: ((انزعوا([1789]) بني عبد المطلب، فلولا أن لا يغلبكم الناس([1790]) على سقايتكم لنزعتُ معكم، فناولوه دلواً فشرب منه)) ([1791]).

ثم بعد طواف الإفاضة([1792])، وصلاة ركعتين يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً؛ لأن سعيه الأول لعمرته وهذا سعي الحج؛ لحديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت:((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ‬ عام حجة الوداع...)) الحديث،وفيه: ((... فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجِّهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً))([1793])، وتعني بالطواف الآخر الطواف بين الصفا والمروة على أصح الأقوال؛ لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع، وقد فعلوه.

ويدل على صحة ذلك أيضاً ما رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه سُئِلَ عن متعة الحج فقال أهلّ المهاجرون والأنصار، وأزواج النبي ﷺ‬ في حجة الوداع، وأهللنا فلمَّا قدمنا مكة قال رسول اللَّه ﷺ‬: ((اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلَّد الهدي))، فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: ((من قلَّد الهدي؛ فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله))، ثم أمرنا عشية التروية أن نهلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تمَّ حجنا وعلينا الهدي))([1794])، وهذا صريح في سعي المتمتع مرتين واللَّه أعلم([1795]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه اللَّه يقول: ((فيه التصريح في أن المتمتع عليه سعيان: السعي الأول لعمرته، والسعي الثاني لحجِّه))([1796]).

أما القارن والمفرد فليس على كل واحدٍ منهما إلا سعي واحد؛ فإن كان قد سعاه بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة، وإلا سعى بعد طواف الإفاضة([1797])([1798]).

والأعمال التي يحصل بها التحلل الثاني ثلاثة: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن كان عليه سعي، فإذا فعل هذه الثلاثة حل له كل شيءٍ حرم عليه بالإحرام حتى النساء، ومن فعل اثنين منها حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء([1799])،كما تقدم.

والأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة المتقدمة:رمي جمرة العقبة،ثم النحر أو الذبح،ثم الحلق أو التقصير،ثم الطواف بالبيت والسعي بعده للمتمتع وكذلك القارن والمفرد إذا لم يسعيا مع طواف القدوم.

فإن قدَّم بعض هذه الأمور على بعض فلا حرج وأجزأه ذلك، لثبوت الرخصة عن النبي ﷺ‬ في ذلك وقد تتابعت الأسئلة عليه في ذلك.

فجاء رجل فقال:لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال:((اذبح ولا حرج)).

فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال: ((ارمِ ولا حرج)).

وجاء آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي فقال: ((ارمِ ولا حرج)).

وجاء آخر فقال:أفضت إلى البيت قبل أن أرمي،قال:((ارمِ ولا حرج))،فما سئل النبي ﷺ‬ يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال:((افعل ولا حرج))([1800]).

وقال آ خر رميت بعد ما أمسيت، فقال: ((لا حرج))([1801]).

وقال آخر: يا رسول اللَّه سعيت قبل أن أطوف. قال: ((لا حرج))([1802]).

وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: أن النبي ﷺ‬ قيل له: في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: ((لا حرج))([1803]) .

فدل ذلك كله على التيسير والتسهيل،والرحمة والرفق في هذه الأمور، ولله الحمد.

# # #


 المبحث الثاني والثلاثون:المبيت بمنى ليالي أيام التشريق

يرجع الحاج بعد طواف الإفاضة، والسعي ممن عليه سعي، إلى منى، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر لمن أراد التأخر، وهذا المبيت واجب من واجبات الحج إلا على السقاة، والرعاة، ونحوهم فلا يجب عليهم،ووجوب المبيت بمنى في هذه الليالي ثبت بأدلة صحيحة صريحة على النحو الآتي:

أولاً: قول اللَّه تعالى: ]وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى[([1804]).

ثانياً: بات النبي ﷺ‬ بمنى ليالي التشريق، وقال: ((خذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا))، وهذا لفظ البيهقي، ولفظ مسلم: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه))([1805])، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى ليالي التشريق.

ثالثاً:أذن النبيﷺ‬  للعباس  أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فعن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما : ((أن العباس t استأذن النبي ﷺ‬ ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له))([1806])، فدل هذا على وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة.

رابعاً: رخّص النبي ﷺ‬ لرعاء الإبل في البيتوتة ليالي منى؛ لحديث عاصم بن عدي t: أن النبي ﷺ‬ رخّص للرعاء في البيتوتة، يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعدهما يجعلونهما في أحدهما))([1807])، فدلّت هذه الرخصة على أنه يقابلها عزيمة.

خامساً: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنه كان ينهى أن يبيت الحاج وراء العقبة خارج منى، فعن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أن عمر بن الخطاب قال: (( لا يبيتنَّ أحدٌ من الحجاج لياليَ منى وراء العقبة))([1808]).

وهذه الأدلة تدل على أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب من واجبات الحج، ونسك من أنساكه إلا لهؤلاء، المعذورين، ومن كان في حكمهم([1809]).

والحاج الذي يرغب في الثواب يجتهد في الاقتداء بالنبي ﷺ‬ في المبيت في منى، وفي أداء الأنساك كلها، لما تقدم من قوله ﷺ‬ :((خذوا عني مناسككم ....)).

وقد قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز رحمه اللَّه: ((أماكن الحج وأزمنته محدودة من الشارع، وليس فيها مجال للاجتهاد، وقد حجَّ رسول اللَّه ﷺ‬ حجة الوداع، وقال فيها: ((خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا))([1810])، وبين فيها [ﷺ‬] الأزمنة والأمكنة، وحدود منى: من وادي محسر إلى جمرة العقبة، فعلى من حجَّ أن يلتمس مكاناً له داخل حدود منى، فإن تعذر عليه حصول المكان نزل في أقرب مكان يلي منى ولا شيء عليه))([1811])، واللَّه المستعان([1812]).

وذكر شيخ الإسلام أن السنة للحاج أن لا يبيت ليالي التشريق إلا بمنى؛ لأن رسول اللَّه ﷺ‬ رجع إلى منى بعد طواف الإفاضة فبات بها هو وجميع من معه، وقد قال: ((لتأخذوا عني مناسككم))، وهذه السنة الموروثة عنه التي تناقلتها الأمة خلفاً عن سلف، إلا أن أهل السقاية الذين يسقون الحجيج يرخص لهم في المبيت بمكة ... وكذلك يرخص للرعاة، وذكر الأدلة رحمه اللَّه([1813]).

# # #


 المبحث الثالث والثلاثون:خطب النبي ﷺ‬ في الحج ووداعه لأمته ووصاياه

أولاً: أذانه ﷺ‬ في الناس بالحج:

بعد أن بلَّغ ﷺ‬ البلاغ المبين وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في اللَّه حق جهاده، أعلن في الناس وأذَّن فيهم، وأعلمهم أنه حاج في السنة العاشرة - بعد أن مكث في المدينة تسع سنين كلها معمورة بالجهاد والدعوة والتعليم - وبعد هذا النداء العظيم الذي قصد به ﷺ‬ إبلاغ الناس فريضة الحج؛ ليتعلموا المناسك منه ﷺ‬؛ وليشهدوا أقواله، وأفعاله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد([1814])، قال جابر t: إن رسول اللَّه ﷺ‬ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول اللَّه ﷺ‬ حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللَّه ﷺ‬ ، ويعمل مثل عمله... وساق الحديث وفيه: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء([1815]) نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك([1816]), ورسول اللَّه ﷺ‬ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله وما عمل به من شيء عملنا به... وساق الحديث وقال: حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضُرِبت له بنمرة فنزل بها.

ثانياً: خطبه ﷺ‬ في حجة الوداع، وتوديعه لأمته ووصاياه:

1- خطبته ﷺ‬  ووداعه ووصيته لأمته في عرفات:

قال جابر t: حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: «إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع([1817]) ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله([1818]) فاتقوا اللَّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه([1819]) ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم([1820]) أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهُنَّ ضرباً غير مبرِّح([1821])، ولهُنَّ عليكم رزقهنَّ وكُسوتهنَّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه([1822])، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟))، قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: ((اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد)) ثلاث مرات ثم أذَّن، ثم أقام، فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئاً... ))([1823])، وقد كان في الموقف جمٌّ غفير لا يُحصي عددهم إلا اللَّه تعالى([1824]).

وعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ‬ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْـمُخَضْرَمَةِ([1825]) بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ هَذَا، وَأَيَّ شَهْرٍ هَذَا، وَأَيَّ بَلَدٍ هَذَا؟) قَالُوا: هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، وَشَهْرٌ حَرَامٌ، وَيَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: ((أَلَا وَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْـحَوْضِ، وَأُكَاثِرُ بِكُمْ الْأُمَمَ، فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي، ألَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ أُنَاسًا، وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي أُنَاسٌ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ))([1826]).

وأُنزل على النبي ﷺ‬ في يوم عرفة يوم الجمعة قوله تعالى: ] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً[([1827]).

فعن عمر بن الخطاب t:أن رجلاً من اليهود،قال له:يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤنها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً؟ قال: أيُّ آية؟ قال: ] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً[، قال عمر t: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ‬، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة))([1828]).

وهذه أكبر نعم اللَّه تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره, ولا إلى نبي غير نبيهم ﷺ‬ ؛ ولهذا جعله اللَّه خاتم الأنبياء, وبعثه إلى الجن والإنس فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما شرعه, وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف، قال اللَّه ﷻ‬: ]وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [ ([1829])، أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي, فلما أكمل اللَّه لهم الدين تمت عليهم النعمة([1830]).

وقد ذُكِرَ أن عمر بكى عندما نزلت هذه الآية في يوم عرفة, فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أَنَّا كنا في زيادة من ديننا, فأما إذا أُكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص([1831])، وكأنه t توقع موت النبي ﷺ‬ قريباً.

2- خطبته ﷺ‬ ووداعه ووصيته لأمته يوم النحر:

قال جابر t: رأيت النبي ﷺ‬ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه))([1832]).

وعن أم الحصين رضي اللَّه عنها قالت: حججت مع رسول اللَّه ﷺ‬ فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة... فقال رسول اللَّه ﷺ‬ قولاً كثيراً ثم سمعته يقول: ((إن أُمِّر عليكم عبد مجدَّع أسود يقودكم بكتاب اللَّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا))([1833]).

وعن أبي بكرة t أن النبي ﷺ‬ قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه - أو بزمامه - وخطب الناس [وفي رواية: خطبنا النبي ﷺ‬ يوم النحر]  فقال: ((أتدرون أيُّ يوم هذا؟) قالوا: اللَّه ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس بيوم النحر؟) قلنا: بلى يا رسول اللَّه! قال: ((فأي شهر هذا؟) قلنا: اللَّه ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسمه بغير اسمه، فقال: ((أليس بذي الحجة؟) قلنا: بلى يا رسول اللَّه. قال: ((فأي بلد هذا؟))، قلنا اللَّه ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: ((أليست البلدة الحرام؟) قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: ((إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا [وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفاراً] [أو ضُلاَّلاً] يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد [منكم] الغائب [فَرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع] أَلاَ هل بلَّغت ) وفي رواية لمسلم: ((ثم انكفأ([1834]) إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزيعةٍ من الغنم([1835]) قسمها بيننا، وفي رواية للبخاري ومسلم: ((إن الزمان قد استدار([1836]) كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض: السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالياتٌ: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبان ))([1837]).

وسكوته ﷺ‬ بعد كل سؤال من هذه الأسئلة الثلاثة كان لاستحضار فهومهم؛ وليقبلوا عليه بكلِّيَّتهم؛ وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه([1838]).

وعن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه ﷺ‬ خطب الناس يوم النحر فقال: ((يا أيُّها الناس ، أيُّ يَوْمٍ هَذا ؟)) قالُوا :يَوْمٌ حَرَامٌ ، قال: ((فَأيُّ بَلَدٍ هَذا؟)) قالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ ، قَـــالَ: ((فَأيُّ شَهْرٍ هَذا؟)) قالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قال: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في شَهْر