إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب

نبذة مختصرة

إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب: قال المؤلف: أما بعد: فهذه رسالة في «إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب، والتبرج، والسفور، وخلوة الأجنبي بالمرأة، وسفر المرأة بدون محرم، والاختلاط»، وقد قسمتها إلى مباحث على النحو الآتي:
المبحث الأول: الحجاب.
المبحث الثاني: التبرج.
المبحث الثالث: السفور.
المبحث الرابع: الخلوة بالمرأة.
المبحث الخامس: سفر المرأة بدون محرم.
المبحث السادس: شبه دعاة السفور، والرد عليها.
المبحث السابع: الفتاوى المحققة المعتمدة في الحجاب والسفور.
المبحث الثامن: الاختلاط.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب

والتبرج، والسفور، والخلوة بالمرأة الأجنبية، وسفرها بدون محرم، والاختلاط في ضوء الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح تقديم معالي العلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء تأليف الفقير إلى اللَّه تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

(/)


تقديم معالي العلامة الشيخ الدكتور: صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للَّه وبعد: فقد تصفحت رسالة (إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب) والسفور، وما يَتْبَعُ ذلك من مسائل تتعلق في حماية المرأة من دعوات الغربيين والمستغربين، فوجدت هذه الرسالة، والحمد للَّه، مفيدة في موضوعها، وشاملة لكُلّ متطلبات الموضوع، فجزى اللَّه مؤلفها: الشيخ سعيد بن علي بن وهف القحطاني خير الجزاء، ونفع بما كتب. وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. كتبه صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في 6/ 11/ 1432هـ

(1/2)


 المقدمة

إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذه رسالة في «إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب، والتبرج، والسفور، وخلوة الأجنبي بالمرأة، وسفر المرأة بدون محرم، والاختلاط»، وقد قسمتها إلى مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: الحجاب. المبحث الثاني: التبرج. المبحث الثالث: السفور. المبحث الرابع: الخلوة بالمرأة. المبحث الخامس: سفر المرأة بدون محرم. المبحث السادس: شبه دعاة السفور، والرد عليها. المبحث السابع: الفتاوى المحققة المعتمدة في الحجاب والسفور. المبحث الثامن: الاختلاط

(1/3)


واللَّه أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً نافعًا، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وينفع به من انتهى إليه، وأن يجعله حجةً لنا، لا حجةً علينا؛ فإنه - عز وجل - خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وصلى اللَّه وسلّم، على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا. المؤلف أبو عبد الرحمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني حرر في عصر الأحد الموافق 9/ 8/1432هـ

(1/4)


 المبحث الأول: الحجاب

 المطلب الأول: التعريفات: الحجاب، والجلباب، والنقاب، والخمار، والاعتجار، والمقنعة، والبرقع، ودرجات الحجاب

أولاً: تعريف الحجاب لغة وشرعاً: 1 - الحجاب لغة: السِّتْرُ، يقال: حَجَبَ الشيءَ يَحْجُبُه حَجْباً وحِجاباً، وحَجَّبَه: سَترَه، وقد احْتَجَبَ، وتحَجَّبَ إِذا اكْتنَّ من وراءِ حِجابٍ، وامرأَة مَحْجُوبةٌ: قد سُتِرَتْ بِسِترٍ ... والحاجِبُ: البَوَّابُ صِفةٌ غالِبةٌ، وجمعُه: حَجَبةٌ، وحُجَّابٌ ... وحَجَبَه أَي مَنَعَه عن الدخول. والحِجابُ اسمُ ما احْتُجِبَ به، وكلُّ ما حالَ بين شيئين حِجابٌ، والجمع: حُجُبٌ لا غير، وقوله تعالى: {وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} (1) معناه: ومن بينِنا وبينِك حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّين، وهو مثل قوله تعالى: {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} (2) إِلاَّ أَنَّ معنى هذا: لا نُوافِقُك في مذهب، [ويقال]: واحْتَجَبَ المَلِكُ عن الناس، ومَلِكٌ مُحَجَّبٌ ... وكُلُّ شيءٍ مَنَع شيئاً فقد حَجَبَه، كما تحْجُبُ الإِخْوةُ الأُمَّ _________ (1) سورة فصلت، الآية: 5. (2) سورة فصلت، الآية: 5.

(1/5)


عن فَريضَتِها؛ فإِن الإِخْوة يحْجُبونَ الأُمَّ عن الثُّلُثِ إِلى السُّدُسِ. والحاجِبانِ: العَظْمانِ اللَّذانِ فوقَ العَيْنَينِ بِلَحْمِهما وشَعَرهِما: صِفةٌ غالِبةٌ، والجمع حَواجِبُ، وقيل: الحاجِبُ: الشعَرُ النابِتُ على العَظْم، سُمِّي بذلك؛ لأَنه يَحْجُب عن العين شُعاعَ الشمس. وقولُه في حديثِ الصلاةِ: «حِين توارَتْ بالحِجابِ» (1): الحِجابُ ههنا: الأُفُقُ، يريد حين غابَتِ الشمسُ في الأُفُق، واسْتَتَرَتْ به، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى توَارَتْ بِالحِجَابِ} (2)، وغير ذلك (3). وقال العلامة الفيومي: «حَجَبَهُ حجباً، من باب قتل: منعه، ومنه قيل للستر: «حِجَابٌ»؛ لأنه يمنع المشاهدة، وقيل للبواب: حَاجِبٌ؛ لأنه يمنع من الدخول، والأصل في الحِجَابِ: جسم حائل بين جسدين، وقد استعمل في المعاني، فقيل: «العَجْزُ حِجَابٌ» بين الإنسان ومراده، و «المَعْصِيَةُ حِجَابٌ» بين العبد وربه ... » (4). فعلى ما تقدم يكون الحجاب لغة: الستر: وهو كل ما حال بين شيئين، سواء كان هذا الستر جداراً أو غيره، أو عباءة أو غيرها. وهو مصدر يدور معناه لغة: على الستر، والحيلولة، والمنع (5). _________ (1) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، مادة «حجب». (2) سورة ص، الآية: 32. (3) انظر: لسان العرب، لابن منظور، فصل الحاء، باب الباء، 1/ 298. (4) المصباح المنير، مادة «حجب»، 1/ 121. (5) حراسة الفضيلة لبكر أبو زيد، ص 27.

(1/6)


2 - الحجاب شرعاً: ورد عدة تعريفات شرعية للحجاب على النحو الآتي: قيل: هو ما تلبسه المرأة من الثياب والعباءة، وما اتخذته من حوائل بينها وبين الرجال الأجانب (1). قال اللَّه تعالى: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} (2) أي ساتراً، ومن ذلك قوله تعالى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (3) أي من وراء ساتر يمنع الرؤية، وقوله - عز وجل -: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} (4) أي سور، وقول اللَّه تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (5) أي من حيث لا يراه، وقال - عز وجل -: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (6) أي عن ربهم مستورون، فلا يرونه - عز وجل -. وقيل: «الحجاب: لباس شرعي سابغٌ، تستتر به المرأة المسلمة؛ ليمنع الرجال الأجانب من رؤية شيء من بدنها» (7). وقيل: «الحجاب: هو ساتر يستر الجسم فلا يشف، ولا يصف» (8). _________ (1) انظر: معجم لغة الفقهاء للروَّاس، ص 153. (2) سورة مريم، الآية: 17. (3) سورة الأحزاب، الآية: 53. (4) سورة الأعراف، الآية: 46. (5) سورة الشورى، الآية: 51. (6) سورة المطففين، الآية: 15. (7) حجاب المرأة المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، للدكتور محمد فؤاد البرازي، ص 30. (8) إعداد المرأة المسلمة، ص 106، وعودة الحجاب، لمحمد القدم، ص 70.

(1/7)


وقيل: «الحجاب: حجب المرأة المسلمة من غير القواعد من النساء عن أنظار الرجال غير المحارم لها» (1). وقيل: «الحجاب لفظ ينتظم جملة من الأحكام الشرعية الاجتماعية المتعلقة بوضع المرأة في المجتمع الإسلامي من حيث علاقتها بمن لا يحلُّ لها أن تظهر زينتها أمامهم» (2). وقيل: «ما تلبسه المرأة من الثياب لستر العورة عن الأجانب» (3). وقيل: ستر المرأة جميع بدنها بما يمنع الأجانب عن رؤية شيء من بدنها، وزينتها التي تتزين بها، ويكون استتارها باللباس والبيوت (4). وقيل: «ستر المرأة جميع بدنها، ومنه الوجه، والكفان، والقدمان، وستر زينتها المكتسبة بما يمنع الأجانب عن رؤية شيء من ذلك ... » (5). والتعريف المختار: الحجاب شرعاً: ما يستر جميع بدن المرأة المسلمة عن الرجال الأجانب: من لباسٍ واسعٍ سابغٍ يغطي جميع بدنها ووجهها، أو حائل يحول بينها وبينهم، ويمنع رؤية شيء من بدنها. _________ (1) فصل الخطاب، للشيخ أبي بكر الجزائري، ص 26، وعودة الحجاب لمحمد المقدم، ص 70. (2) عودة الخطاب لمحمد المقدم، ص 71. (3) معجم لغة الفقهاء، للروَّاس، ص 153. (4) حراسة الفضيلة، لبكر أبو زيد، ص 27. (5) المرجع السابق، ص 29.

(1/8)


ثانياً: تعريف الجلباب لغةً واصطلاحاً: 1 - الجلباب في اللغة: قال ابن منظور: «الجِلْبابُ: القَمِيصُ. والجِلْبابُ: ثوب أَوسَعُ من الخِمار، دون الرِّداءِ، تُغَطِّي به المرأَةُ رأْسَها وصَدْرَها، وقيل: هو ثوب واسِع، دون المِلْحَفةِ، تَلْبَسه المرأَةُ، وقيل: هو المِلْحفةُ. قالت: جَنُوبُ أُختُ عَمْرٍو ذي الكَلْب تَرْثِيه: تَمْشِي النُّسورُ إليه وهي لاهِيةٌ ... مَشْيَ العَذارَى عليهنَّ الجَلابِيبُ وقيل: هو ما تُغَطِّي به المرأَةُ الثيابَ من فَوقُ، كالمِلْحَفةِ؛ وقيل: هو الخِمارُ، وفي حديث أُم عطيةَ: «لِتُلْبِسْها صاحِبَتُها من جِلْبابِها» (1) أَي إِزارها. وقد تجَلْبَب، قال يصِفُ الشَّيْب: حتى اكْتَسَى الرأْسُ قِناعاً أَشْهَبا ... أَكْرَهَ جِلْبابٍ لِمَنْ تجَلْبَبا وفي التنزيل العزيز: {يُدْنِينَ علَيْهِنَّ من جَلابِيبِهِنَّ} (2) قال ابن السِّكِّيت: قالت العامرية: الجِلْبابُ: الخِمارُ، وقيل: جِلْبابُ المرأَةِ: مُلاءَتُها التي تَشْتَمِلُ بها، واحدها جِلْبابٌ، والجماعة جَلابِيبُ، وقد تَجلْبَبَتْ؛ وأَنشد: _________ (1) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (جلب)، والحديث أخرجه مسلم، برقم 890، ويأتي تخريجه. (2) سورة الأحزاب، الآية: 59.

(1/9)


والعَيْشُ داجٍ كَنَفا جِلْبابه وقال آخر: مُجَلْبَبٌ من سَوادِ الليلِ جِلْبابا ابن الأَعرابي: الجِلْبابُ: الإِزارُ. قال أَبو عبيد: قال الأَزهريّ: معنى قول ابن الأَعرابي الجِلْبابُ الإِزار لم يُرِدْ به إِزارَ الحَقْوِ ولكنه أَراد إِزاراً يُشْتَمَلُ به فيُجَلِّلُ جميعَ الجَسَدِ وكذلك إِزارُ الليلِ وهو الثَّوْبُ السابِغُ الذي يَشْتَمِلُ به النائم فيُغَطِّي جَسَدَه كلَّه وقال ابن الأَثير أَي ليَزْهَدْ في الدنيا وليَصْبِرْ على الفَقْر والقِلَّة والجِلْبابُ أَيضاً الرِّداءُ وقيل هو كالمِقْنَعةِ تُغَطِّي به المرأَةُ رأْسَها وظهرها وصَدْرَها والجمع جَلابِيبُ» (1). وقال الحافظ ابن حجر: «الجِلباب - وهُو بِكَسرِ الجِيم، وسُكُون اللاَّم، وبِمُوحَّدَتَينِ بَينهما أَلِفٌ - قِيلَ: هُو المقَنعَة، أَو الخِمار، أَو أَعرَضُ مِنهُ، وقِيلَ: الثَّوب الواسِع يَكُون دُون الرِّداءِ، وقِيلَ: الإِزار، وقِيلَ: المِلحَفَة، وقِيلَ: المُلاءَة، وقِيلَ: القَمِيص» (2). وقال الزبيدي: «والجِلْبَابُ، كَسِرْدَابٍ، و (الجِلِبَّابُ) كَسِنِمَّارٍ مثَّلَ به سيبويهِ ولم يُفَسِّرْه أَحدٌ، قال السيرافيّ: وأَظُنُّه يعْنِي الجِلْبَاب، _________ (1) لسان العرب، مادة: (جلب). (2) فتح الباري، 1/ 424، وانظر: المجموع شرح المهذب، 3/ 172، ومشارق الأنوار عن صحاح الآثار، 1/ 403.

(1/10)


وهو يُذَكَّر ويُؤَنَّثُ: (القَمِيصُ) مُطْلَقاً، وخَصَّه بعضُهم بالمُشْتَمِلِ على البدَنِ كُلِّه، وفَسَّره الجوهريُّ بالمِلْحَفَةِ، قاله شيخُنا». ثم ذكر ما أوردناه عن ابن منظور، ثم قال: «وقال تعالى: {يُدْنِينَ عليْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} (1). وقِيل: هو ما تُغطَّى بهِ المرْأَةٌ، أَو هو ما تُغطِّي به ثِيابَها مِن فَوْقُ كالمِلْحَفةِ، أَو هو الخِمارُ، كذا في المحكم، ونقلَه ابنُ السِّكِّيت عن العامِريَّة، وقيل: هو الإِزارُ، قاله ابنُ الأَعرابيّ، وقد جاءَ ذِكرُه في حدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ (2). وقيل: جِلْبابُها: مُلاءَتُها تَشْتمِلُ بِها، وقال الخَفاجِيُّ في العِناية: قِيل: هو في الأَصْلِ المِلْحَفَةُ، ثم اسْتُعِير لِغَيْرِهَا منَ الثِّيَابِ. ونَقَلَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ في المُقَدَّمة عن النَّضْرِ: الجِلْبَابُ: ثَوْبٌ أَقْصرُ مِنَ الخِمَارِ، وأَعْرضُ منه، وهو المِقْنَعَة، قاله شيخُنا، والجمْعُ جَلاَبِيبُ. وقَدْ تَجَلْبَبْتُ، قال يَصِفُ الشَّيْبَ: حتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعاً أَشْهَبَا ... أَكْرَهَ جِلْبَابٍ لِمَنْ تَجَلْبَبا وقال آخَرُ: مُجَلْبَبٌ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ جِلْبَابَا _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) مسلم، برقم 890، ويأتي تخريجه.

(1/11)


والمتأمل في المعاني يجد أنَّ «الإزار»، و «المُلاءة»، و «الرداء» ألفاظ متعددة لمسمَّىً واحدٍ هو: «الجلباب» كما أوضحه «شيخ الإسلام ابن تيمية» بقوله: «الجلباب: هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره: «الرداء»، وتسميه العامة: «الإزار»، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها» (1) اهـ. لهذا نجد «ابن الأثير» يقول: «والجلباب: الإزار والرداء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلابيب». ثم قال بعد ثلاثة أسطر: «ومنه حديث أم عطية: لتُلبِسَها صاحبتها من جلبابها، أي إزارها» (2). اهـ. فهذه المعاني المختلفة للجلباب - وإن اختلفت ألفاظها - فإنها تدل جميعها على غطاء جميع البدن بما في ذلك الوجه والكفان. قال برهان الدين البقاعي - رحمه الله -: «والجلباب: القميص، وثوب واسع دون المِلحفة تلبسه المرأة، والملحفة: ما سَتَر اللباس، أو الخمار، وهو كل ما غطَّى الرأس. وقال البغوي: الجلباب: الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقال حمزة الكرماني: قال الخليل: كل ما تستتر به _________ (1) مجموع فتاوى ابن تيمية، 22/ 109 - 111. (2) النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 283.

(1/12)


من دثار وشعار وكساء فهو جلباب، والكل يصح إرادته هنا، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي يديها ورجليها، وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها، وإن كان المراد ما دون المِلحفة فالمراد ستر الوجه واليدين» (1). ا. هـ. 2 - الجلباب في الاصطلاح: ذكر النووي - رحمه الله - معاني الجلباب المتعددة في اللغة، ثم قال: «وقال آخرون: هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها، وهذا هو الصحيح، وهو مراد الشافعي - رحمه الله -، والمصنف والأصحاب هنا، وهو مراد المحاملي وغيره بقولهم: هو الإزار، وليس مرادهم الإزار المعروف الذي هو المئزر» (2). ا. هـ. وعَرَّفه ابن حزم بقوله: «والجلباب في لغة العرب التي خاطَبنا بها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، هو ما غَطَّى جميع الجسم لا بعضه» (3) ا. هـ. وإليه ذهب القرطبي حيث قال: «والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن». _________ (1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، 15/ 411 - 412. (2) المجموع شرح المهذب، 3/ 172. (3) المحلى، 3/ 212.

(1/13)


ثم أيَّدَ ذلك بقوله: «وفي صحيح مسلم عن أم عطية، قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لِتُلْبِسْها أختها من جلبابها» (1). والتعريف المختار: «الجلباب: هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها، تستر جميع بدنها وملابسها، ووجهها، وتبدي عيناً واحدة، أو العينين فقط». وعلى هذا يكون الجلباب فوق الدرع والخمار؛ لقول عائشة - رضي الله عنها -: «لا بدَّ للمرأة من ثلاثة أثواب تصلِّي فيهنّ: درعٌ، وجلبابٌ، وخمارٌ، وكانت عائشة تحلُّ إزارها فتجلبب به» (2). وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ، فَلْتُصَلِّ فِي ثِيَابِهَا كُلِّهَا: الدِّرْعُ، وَالْخِمَارُ، وَالْمِلْحَفَةُ» (3). ثالثاً: تعريف النقابِ لغةً واصطلاحاً: 1 - النقاب في اللغة: قال ابن منظور: «النِّقابُ: القِناع على مارِنِ الأَنْفِ، والجمع نُقُبٌ، وقد تَنَقَّبَتِ المرأَةُ، وانْتَقَبَتْ، وإِنها لَحَسَنة النِّقْبة، بالكسر. _________ (1) الجامع لأحكام القرآن، 3/ 372، والحديث أخرجه مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب ذكر خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة، 2/ 605، برقم 890. (2) أخرجه ابن سعد، 8/ 48 - 49، وصحح الألباني إسناده على شرط مسلم، في الحجاب، ص 62. (3) ابن أبي شيبة في المصنف، وصحح سنده الألباني في الحجاب، ص 62، وانظر: فتح الباري، 1/ 424.

(1/14)


والنِّقابُ: نِقابُ المرأَة. التهذيب: والنِّقابُ على وُجُوهٍ؛ قال الفراء: إِذا أَدْنَتِ المرأَةُ نِقابَها إِلى عَيْنها، فتلك الوَصْوَصَةُ، فإِن أَنْزَلَتْه دون ذلك إِلى المَحْجِرِ فهو النِّقابُ، فإِن كان على طَرَفِ الأَنْفِ، فهو اللِّفَامُ» (1). وقد ذكر الزَّبيدي نحو هذا، ثم قال: «وفي حديث ابن سِيرِين: النِّقاب مُحْدَثٌ، أَراد: أَنَّ النساءَ ما كُنَّ يَنْتَقِبْنَ، أَي يَخْتَمِرْن. قال أَبو عبيد: ليس هذا وجهَ الحديث، ولكنِ النِّقابُ عند العرب هو الذي يبدو منه مَحْجِرُ العين، ومعناهُ: أَنَّ إِبداءَهُنَّ المَحَاجِرَ مُحْدَثٌ، إِنما كان النِّقابُ لاصِقاً بالعين، وكانت تَبْدُو إِحدى العينين، والأُخْرَى مستورة. والنِّقابُ لا يبدو منه إِلا العينان، وكان اسمه عندهم الوَصْوَصَةَ، والبُرْقُعَ، وكان من لباسِ النساءِ، ثم أَحْدَثْنَ النِّقابَ بعدُ» (2). وجاء في المعجم الوسيط: النِّقابُ: القِناعُ تجعله المرأةُ على مارنِ أنفِها تستر بها وجهها» (3). وسمي النقاب نقاباً لأنّ فيه نَقبين على العينين تنظر المرأة منهما (4). _________ (1) لسان العرب، مادة: (نقب). (2) تاج العروس، مادة: (نقب). وانظر: النهاية لابن الأثير، 5/ 103. (3) المعجم الوسيط، مادة: (نقب). (4) فتح الملك المعبود تكملة المنهل العذب المورود، 1/ 133.

(1/15)


2 - النقاب في الاصطلاح: عَرَّفَ الحافظُ ابن حجر النقاب بقوله: «الخمارُ: الذي يُشدُّ على الأنف، أو تحت المحاجر» (1). وقال السِّندي: «والنقابُ معروف للنساء، لا يبدو منه إلا العينان» (2). وعرَّفه شهاب الدين القسطلاني بقوله: «هو: الخمار الذي تشده المرأة على الأنف أو تحت المحاجر، فإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصواص - بفتح الواو، وسكون الصاد الأولى- فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللِّفام - بكسر اللام، وبالفاء- فإن نزل إلى الفم، ولم يكن على الأرنبة منه شيء فهو اللِّثام - بالمثلثة» (3). وبالرجوع إلى معاني «النقاب» في اللغة، وتعريفاته عند علماء الشرع، يمكن تعريفه بقولنا: «النقاب: هو الخمار الذي تشده المرأة على الأنف، أو تحت المحاجر، تستر به وجهها، ولا يبدو منه إلا عيناها»، فهو بهذا الاعتبار خاص بالوجه لا غير. _________ (1) فتح الباري، 4/ 53. (2) حاشية السندي على النسائي، 5/ 133. (3) إرشاد الساري، 3/ 312، والزرقاني على الموطأ، 2/ 233. ونقله عنه الكاندهلوي في أوجز المسالك، 6/ 194، والمحشَّى بحاشية كشف المغطَّى عن وجه الموطأ، ص 334، لمحمد إشفاق الرحمن الكاندهلوي، لكن من غير أن يعزوه لأحد.

(1/16)


رابعاً: تعريف الخمارِ لغة واصطلاحاً: 1 - الخمار في اللغة: قال ابن منظور: «الخِمَارُ للمرأَة وهو النَّصِيفُ. وقيل: الخمار ما تغطي به المرأَة رَأْسها، وجمعه أَخْمِرَةٌ، وخُمْرٌ، وخُمُرٌ، والخِمِرُّ - بكسر الخاء والميم، وتشديد الراء- لغة في الخمار. عن ثعلب، وأَنشد: ثم أَمالَتْ جانِبَ الخِمِرِّ والخِمْرَةُ: من الخِمار كاللِّحْفَةِ من اللِّحَافِ، يقال: إِنها لحسنةُ الخِمْرَةِ. وفي المثل: إِنَّ الْعَوَانَ لا تُعَلَّمُ الخِمْرَةَ، أَي إِن المرأَة المجرّبة لا تُعَلَّمُ كيف تفعل، وتَخَمَّرَتْ بالخِمار واخْتَمَرَتْ: لَبِسَتْه. وخَمَّرَتْ به رأْسَها: غَطَّتْه. وفي حديث أُم سلمة: «أَنه - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح على الخُفِّ والخِمار» (1)؛ أَرادت بالخمار العمامة لأَن الرجل يغطي بها رأْسه كما _________ (1) ذكره صاحب النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 148، مادة (خمر)، وقال: «أراد به العمامه لأن الرجل يُغَطّي بهِا رأسَه كما أن المرأه تغطِّيه بخمارها».

(1/17)


أَن المرأَة تغطيه بخمارها» (1). وذكر الزبيدي نحو ذلك، وفيه: «قِيل: كُلُّ ما سَتَرَ شَيْئاً فَهْو خِمَارُه، ومنه خِمَارُ المَرْأَةِ تُغَطِّي به رَأْسَها، جمعه: أَخْمِرَةٌ، وخُمْرٌ - بضم فسكون- وخُمُرٌ بضَمَّتَين ... وتَخَمَّرَتْ بِه أَي الخِمَار، واخْتَمَرتْ: لَبِسَتْه، وخَمَّرتْ به رَأْسَها: غَطَّتْه، والتَّخْمِيرُ: التَّغْطِيَة. وكُلُّ مُغَطًّى ومُخَمَّرٌ» (2). ويُسمَّى الخمار بالنصيف، فيقال: «وقد نَصَّفَتِ المرأَةُ رأْسها بالخمار، وانتَصَفَت الجارية، وتَنَصَّفت: أَي اختمرت، ونصَّفْتها أَنا تَنْصيفاً، ومنه الحديث في صفة الحور العين: «ولَنَصِيفُ إحداهن على رأْسها خير من الدنيا وما فيها» (3)، وهو الخِمار، وقيل: المِعْجَر .. [والاعتجار في لغة العرب: هو لف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه] (4)، وقال أَبو سعيد: النصِيف ثوب تتجلَّل به المرأَة فوق ثيابها كلها، سُمِّيَ نصيفاً لأَنه نصَفٌ بين الناس وبينها، فحَجز أَبصارهم عنها» (5). _________ (1) لسان العرب، مادة (خَمَرَ)، 4/ 257 - 258. (2) تاج العروس، مادة (خَمَرَ). (3) أخرجه أبو نعيم في الحلية، 1/ 245. وهو في البخاري: بلفظ: «وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، كتاب الجهاد والسير، باب الحور البعين وصفتهن، برقم 2796. (4) ما بين المعقوفين من النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 185. (5) لسان العرب، لابن منظور، مادة: نصف، 9/ 332.

(1/18)


2 - الخمار في الاصطلاح: قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: يَرحَم اللَّه نِساء المُهاجِرات الأول، لما أنزل اللَّه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (1) شققن مروطهن فاختمرن بها». قوله: «(فاختَمَرنَ) أَي غَطَّينَ وُجُوهَهُنَّ؛ وصِفَةُ ذَلِكَ: أَن تَضَع الخِمار عَلَى رَأسها، وتَرمِيَهُ مِنَ الجانِب الأَيمَن عَلَى العاتِق الأَيسَر، وهُو التَّقَنُّع. قالَ الفَرّاء: كانُوا فِي الجاهِلِيَّة تُسدِل المَرأَة خِمارها مِن ورائِها، وتَكشِف ما قُدّامها، فَأُمِرنَ بِالاستِتارِ» (2). وقال الحافظ ابن حجر أيضاً في كتاب (الأشربة) عند تعريف الخَمْر: «ومِنهُ خِمار المَرأَة لأَنَّهُ يَستُر وجهها» (3). وقيل: الخمار ما تغطي به المرأة رأسها، ووجهها، وعنقها، وجيبها، وسُمّي: الغدفة، ومادة «غدف» أصل صحيح، يدل على سِتْرٍ وتغطية، يقال: أغدفت المرأة قناعها: أي أرسلته على وجهها» (4). _________ (1) سورة النور، الآية: 31. (2) فتح الباري، 8/ 490. (3) فتح الباري، 10/ 48. (4) حراسة الفضيلة، ص 30.

(1/19)


وباستقراء معاني «الخمار» في اللغة، وتحديداته في الاصطلاح، يمكننا أن نقول في تعريفه: «هو ما تغطي به المرأة رأسها ووجهها، تستتر به عن أعين الرجال الأجانب». خامساً: تعريف الاعتجار لغة واصطلاحاً: 1 - الاعتجار لغة: «المعجر، والعجِارُ: ثوب تَلُفُّه المرأَة على استدارة رأْسها، ثم تَجَلبَبُ فوقه بجلِبابِها، والجمع المَعاجرُ، ومنه أُخِذَ الاعَتِجارُ: وهو لَيُّ الثوب على الرأْس من غير إِدارة تحت الحنَك، وفي بعض العبارات: الاعْتِجارُ: لَفُّ العمامة دون التَّلَحِّي ... والعِجْرة - بالكسر-: نوع من العِمَّة، يقال: فلان حسَنُ العِجْرة. قال ابن منظور: «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنه دخل مكة يوم الفتح مُعْتَجِراً بعمامةٍ سَوْداءَ، المعنى أَنه لَفَّها على رأْسه ولم يَتَلَحَّ بها» (1). وقال الإمام ابن الأثير - رحمه الله -: «الاعْتِجارُ بالعَمامة: هو أن يَلُفَّها على رَأسِه ويَرُدّ طَرَفها على وجْهِه ولا يَعْمل منها شيئًا تحت ذَقْنِه ... ». وقال - رحمه الله -: «وفي حديث عُبيد الله بن عَدِيّ بن الخِيار: «جاء _________ (1) لسان العرب، لابن منظور، مادة: (عجر)، 4/ 544، والحديث عند الطبري في تهذيب الآثار، 1/ 65، وأخبار مكة، للفاكهي، 5/ 215.

(1/20)


وهو مُعْتَجِرٌ بِعمَامَتِهِ، ما يَرَى وحْشِيٌّ منه إلاَّ عَيْنَيْه ورِجْلَيْه» (1). 2 - واعتجار المرأة في الاصطلاح: هو لفّ الخمار على رأسها، وردُّها طرفه على وجهها. واللَّه تعالى أعلم (2). سادساً: تعريف القناع والمقنعة: لغة واصطلاحاً: 1 - القناع والمقنعة لغة: قال ابن منظور - رحمه الله -: والمقنع، والمِقْنَعةُ ... ما تُغَطِّي به المرأَةُ رأْسَها، وفي الصحاح: ما تُقَنِّعُ به المرأَةُ رأْسَها ... وفي حديث عمر - رضي الله عنه -: أَنه رأَى جاريةً عليها قِناعٌ فضربها بالدِّرّة، وقال: أَتشَبَّهِين بالحَرائِر؟ وقد كان يومئذ من لُبْسِهِنَّ ... والقِناعُ أَوْسَعُ من المِقْنعةِ، وقد تَقَنَّعَتْ به وقَنَّعَتْ رأْسَها، وقَنَّعْتُها أَلبستها القِناعَ، فتَقنَّعَتْ ... وما تتَقَنَّعُ به المرأَةُ من ثوب تُغَطِّي رأْسَها ومحاسِنَها، وأَلقى عن وجْهه قِناعَ الحياءِ ... قال الأَزهري: ولا فرق عند الثقات من أَهل اللغة بين القِناعِ والمِقْنَعةِ، وهو مثل اللِّحافِ والمِلْحفةِ ... وفي الحديث: «أَتاه رجل مُقَنَّعٌ بالحديد» (3)، وهو المُتَغَطِّي بالسِّلاحِ ... » (4). _________ (1) النهاية في غريب الأثر، باب العين مع الجيم، (3/ 185). (2) انظر: تفسير ابن كثير، 10/ 212، فقد ذكر حديث عائشة: أن نساء الأنصار اعتجرن بمروطهن عندما نزلت: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} فأصبحن وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان». أخرجه أبو داود، برقم 4102، وسيأتي تخريجه إن شاء الله. (3) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب عمل صالح قبل القتال، برقم 2808، ومسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، برقم 1900، دون ذكر التقنع بالحديد. (4) لسان العرب، مادة (قنع)، 8/ 300 - 301 بتصرف، وانظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، مادة (قنع)، 4/ 114.

(1/21)


2 - القناع في الاصطلاح: قناع المرأة: هو ما تستر به المرأة وجهها (1). ويدل على هذا المعنى رواية أنس: «مرَّت بعُمَرَ - رضي الله عنه - جاريةٌ مُتَنقِبّةً فَعلاهَا بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ: يَا لَكَاعِ، تَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ؟ ألقي القناع» (2). ويدل على ذلك المقنع الكندي، سُمّي مقنعاً؛ لأنه كان لا يخرج إلا على وجهه ستر (3)، ومنه ما قال أحمد بن يعقوب في تاريخه: «كانت العرب تحضر سوق عكاظ وعلى وجوهها البراقع، فيقال: إن أول عربي كشف قناعه ظريف بن غنم العنبري» (4). ولعل التعريف المختار اصطلاحاً: القناع ما تستر به المرأة رأسها ووجهها، والعلم عند اللَّه تعالى. سابعاً: تعريف البرقع لغة واصطلاحاً: 1 - البرقع لغة: البرقوع لغة في البرقُع، قال الليث: جمع البُرْقُع البَراقِعُ، قال: وتَلْبَسُها الدوابُّ، وتلبسها نساء الأَعراب، وفيه خَرْقان _________ (1) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص 338، مادة (قنع). (2) انظر: فتح البيان للنواب صديق حسن خان، 7/ 316، وعودة الحجاب، 3/ 215. (3) انظر: الأغاني، ترجمة المقنع، 17/ 60. (4) تاريخ اليعقوبي، ط أوروبة، 2/ 315، نقله المقدم في عودة الحجاب، 3/ 215.

(1/22)


للعينين، قال توْبةُ بن الحُمَيِّر: وكنتُ إِذا ما جِئتُ ليْلى تَبَرْقَعَتْ ... فقدْ رابَني منها الغَداةَ سُفُورُها قال الأَزهري: فتح الباء في بَرْقُوع نادر، لم يجئ فَعْلول إِلا صَعْفُوقٌ، والصواب: بُرقوع - بضم الباء-، وجوع يُرقوع - بالياء- صحيح، وقال شمر: بُرقع مُوَصْوَصٌ: إِذا كان صغير العينين ... ويقالُ: بَرْقَعه فتَبَرْقَع: أَي أَلْبسه البُرْقُعَ فلَبِسَه» (1). 2 - البرقع اصطلاحاً: برقع المرأة ما تستر به وجهها (2). وقيل: البرقع: القناع الذي تغطي به المرأة وجهها (3). والتعريف المختار اصطلاحاً: البرقع هو: قناع فيه خرقان للعينين، تلبسه المرأة تستر به وجهها، واشتهر بذلك نساء الأعراب، والله أعلم. ثامناً: درجات الحجاب: الحجاب الشرعي درجتان، هما: الدرجة الأولى: حجاب الأشخاص في البيوت بالجدر والخدر، وأمثالها، بحيث لا يرى الرجال شيئاً من أشخاصهن، ولا لباسهن، ولا _________ (1) لسان العرب، لابن منظور، مادة (برقع)، 8/ 9. (2) القاموس الفقهي لغة واصطلاحاُ، لسعدي أبو جيب، ص 73. (3) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص 87، مادة (برقع).

(1/23)


زينتهن الظاهرة ولا الباطنة، ولا شيئاً من جسدهن من الوجه والكفين وسائر البدن، وقد أمر الله - عز وجل - بهذه الدرجة (1) من الحجاب فقال: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (2)، وَقال - سبحانه وتعالى -: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (3). ويرشح هذه الدرجة أحاديثُ تحبّب إلى المرأة القرار في البيت، وعدمَ الخروج حتى إلى صلاة الجماعة مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن قرارها في بيتها أعظم لها في الأجر عند اللَّه تعالى. الدرجة الثانية: خروجهن من البيوت مستورات بالجلباب، الذي يغطي جميع البدن مع الوجه والكفين، ومن أدلتها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} الآية (4). _________ (1) انظر: «جواهر القرآن» لمفتي عموم باكستان العلامة محمد شفيع، و «أحكام الحجاب في القرآن» للشيخ المفسر الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي. (2) سورة الأحزاب، الآية: 53. (3) سورة الأحزاب، الاية: 33. (4) سورة الأحزاب، الآية: 59.

(1/24)


 المطلب الثاني: فضائل الحجاب

أولًا: الحجاب طاعة لله - عز وجل - وطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فقد أوجب اللَّه تعالى طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (1). وقال - عز وجل -: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (2). وقد أمر اللَّه - سبحانه وتعالى - النساء بالحجاب فقال - عز وجل -: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (3). وقال سبحانه: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (4)، وقال تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (5). _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 36. (2) سورة النساء، الآية: 65. (3) سورة النور، الآية: 31. (4) سورة الأحزاب، الآية: 33. (5) سورة الأحزاب، الآية: 53.

(1/25)


وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} (1). وعن عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «المرأة عورة» (2) يعني أنه يجب سترها. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أختٍ له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: «مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام» (3). قال الخطابي - رحمه الله -: «أما أمره إياها بالاختمار؛ فلأن النذر لم ينعقد فيه؛ لأن ذلك معصية، والنساء مأمورات بالاختمار _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) أخرجه الترمذي، كتاب الرضاع، باب حدثنا محمد بن بشار، 3/ 476، برقم 1173، وابن خزيمة، 1/ 93، 1685، مسند البزار، 5/ 427، برقم 427، والطبراني في المعجم الكبير، 9/ 295، برقم 9481، والمعجم الأوسط، 3/ 189، برقم 2890، ومصنف ابن أبي شيبة 2/ 384، برقم 7698، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 1/ 303. (3) رواه الإمام أحمد في المسند، 28/ 540، برقم 17306، سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، 3/ 231، رقم 3295، سنن ابن ماجه، كتاب الكفارات، باب من نذر أن يحج ماشياً، 1/ 689، برقم 2134، سنن الترمذي، كتاب الأيمان والنذور، باب حدثنا محمود بن غيلان، 4/ 116، برقم 1544، وحسنه، سنن النسائي، كتاب الأيمان والنذور، إذا حلفت المرأة لتمشي حافية غير مختمرة، 7/ 20، برقم 3815، وفي الكبرى له، 3/ 163، برقم 4783، والدارمي، 1/ 166، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، 8/ 218، برقم 2592، وقال محققو المسند: «صحيح دون قوله: «ولتصم ثلاثة أيام».

(1/26)


والاستتار» (1). ثانيَا: الحجاب إيمان واللَّه - سبحانه وتعالى - لم يخاطب بالحجاب إلا المؤمنات، فقد قال سبحانه: {وَقُل لِلِمُؤمِنَاتِ} (2)، وقال - عز وجل -: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} (3). ودخل نسوة من بني تميم على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، عليهن ثياب رقاق، فقالت عائشة: «إن كنتن مؤمنات، فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعن به» (4)، وأُدْخِلت امرأة عروس على عائشة - رضي الله عنها - وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: «لم تؤمن بسورة النور امرأة تلبس هذا» (5). ثالثا: الحجاب طهارة: بَيَّن اللَّه سبحانه الحكمة من تشريع الحجاب، وأجملها قي قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (6)، فنص سبحانه على أن الحجاب طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات. وبيان ذلك أنه إذا لم تر العين لم يشته القلب، أما إذا رأت العين _________ (1) معالم السنن، 4/ 55. (2) سورة النور، الآية: 31. (3) سورة الأحزاب، الآية: 59. (4) تفسير القرطبي، 14/ 244. (5) المرجع السابق. (6) سورة الأحزاب، الآية: 53.

(1/27)


فقد يشتهي القلب، وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر؛ لأن الرؤية سبب التعلق والفتنة، فكان الحجاب أطهر للقلب، وأنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية والعصمة. رابعاً: الحجاب عِفَّةٌ رغَب الإسلام في التعفف (1)، وعظَّم شأنه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر به، وَيَحُثُّ عليه، ففي الحديث أن هرقل سأل أبا سفيان: ماذا يأمركم؟ - يعني رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: قلت: يقول «اعبدوا اللَّه وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة» (2). وكان من دعا النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الهدى والتقى والعفة» (3)،، وفي لفظ آخر: «إني أسألك الهدى والتقى والعفاف» (4) الحديث. _________ (1) العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، انظر: "المفردات " للراغب (ص 507). (2) جزء من حديث طويل رواه البخاري، في كتاب بدء الوحي وغيره، 1/ 9، برقم 7، ومسلم في كتاب الجهاد، باب كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، 3/ 1393، برقم 1773، والإمام أحمد،4/ 198، برقم 2370. (3) رواه الإمام أحمد، 6/ 216، برقم 3692، وبالأرقام: 4073، و4195، و4420. (4) رواه مسلم في كتاب الذكر، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم 2721، والترمذي في الدعوات، باب حدثنا محمود بن غيلان، برقم 3489، وابن ماجه في أبواب الدعاء، باب دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، 2/ 1260، برقم 2832، والإمام أحمد، 7/ 63، برقم 3950، و4162.

(1/28)


والعفة صفة من صفات الحور العين التي أشار إليها قوله تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} (1)، وقوله - عز وجل -: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} (2)، وقوله جل وعلا: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ} (3). فقوله جل وعلا: {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} يعني: أنهن عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن، (عِينٌ) أي: حسان الأعين، جميلات المظهر، عفيفات تقيات نقيات. فقد جعل سبحانه عفّتهن قرينة حجابهن وقرارهن في خيامهن، وامتدحهن بالعفة مع الجمال، فأعظم ما تكون العفة إذا ما اقترنت بالجمال، وقد وصف بهما يوسف - عليه السلام - في قول امرأة العزيز: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} (4). خامساً: الحجاب سِتْرٌ: عن يعلى بن شداد بن أوس - رضي الله عنه - قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن اللَّه تعالى حَيِيٌّ ستير، يحب الحياء والستر» (5) الحديث. _________ (1) سورة الرحمن، الآية: 72. (2) سورة ص، الآية: 52. (3) سورة الصافات، الآية: 48. (4) سورة يوسف، الآية: 32. (5) رواه أبو داود، في الحمام: باب النهي عن التعري، 4/ 70، برقم 4014، و4015 والنسائي في الغسل، باب الاستتار عند الاغتسال، 1/ 200، برقم 406، ورواه الإمام أحمد، 29/ 483، برقم 17968، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم 2335.

(1/29)


وقد امتن اللَّه - سبحانه وتعالى - على الأبوين بنعمة الستر، فقال - عز وجل -: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} (1)، وقال سبحانه ممتنًا على عباده: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} (2) الآية. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «يتقي اللَّه فيواري عورته، فذاك لباس التقوى» (3). ولذلك تجد وظيفة اللباس عند من لا يتقون اللَّه، ولا يستحيون منه كعامة الغربيين مثلًا، لا يتجاوز غرض الزينة والرياش، وأما المؤمنون المتقون، فإنهم يحرصون على اللباس أولاً لستر العورات التي يستحيا من إظهارها، ثم بعد ذلك لهم سعة في إباحة الزينة والتجمل. إن الذنوب معايب يُبْتعدُ عنها، ويُستتر منها، والعورات كذلك معايب يجب أن تستر، ويبتعد عما يحرم منها، وكأن المكثرين من الخطايا هم الذين لا يبالون بما يبدو من عوراتهم، ومن هنا ترى المؤمنين المبتعدين عن الذنوب بعيدين عن إظهار العورات. والعورات يجب سترها، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (4). _________ (1) سورة طه، الآية: 118. (2) سورة الأعراف، الآية: 26. (3) أخرجه ابن أبي حاتم، 6/ 1، الطبري في التفسير، 12/ 368، (4) سورة الأعراف، الآية: 31.

(1/30)


وقال جل وعلا: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (1)، ويدخل في حفظ الفروج حفظها عن التكشف، وعن أن يُنظر إليها. وعن جبار بن صخر - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إنا نُهينا أن تُرى عوراتنا» (2). وحب الستر من أخلاق الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. * فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن موسى كان رجلًا حَييًّا سِتِّيرًا، لايرى من جلده شيء، استحياءً منه» (3) الحديث. وكان من دعاء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهم استر عوراتي، وآمن روعاتي» (4) الحديث، وفي لفظ: «اللَّهم استر عورتي». _________ (1) سورة النور، الآيتان: 30 - 31. (2) رواه الحاكم 3/ 223، وابن أبي حاتم في العلل، 2/ 276، برقم 2327، والديلمي في الفردوس، 2/ 527، وصححه العلامة الألباني لشواهده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 4/ 281. (3) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثني إسحاق بن نصر، 4/ 156، برقم 3404، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن تفسير سورة الأحزاب، 5/ 359، برقم 3221، والإمام أحمد، 16/ 396، برقم 10678. (4) جزء من حديث رواه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أخرجه الإمام أحمد، 8/ 403، برقم 4785، وأبو داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، 4/ 479، برقم 5076، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح، 2/ 1273، برقم 3871، والبخاري في الأدب المفرد، ص 411، وابن السني في عمل اليوم والليلة، ص 73، برقم 40، والحاكم، 1/ 517، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه، 3/ 241، برقم 961، وصححه النووي في الأذكار، ص 66، وحسنه الحافظ ابن حجر كما في الفتوحات الربانية، 1/ 108، وصححه العلامة الألباني في كثير من كتبه، انظر: صحيح الأدب المفرد، ص 488.

(1/31)


سادساً: الحجاب حياء: والحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى حياً - بالقصر-؛ لأن به حياة الارض والنبات والدواب، وكذلك سميت بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه ميت في الدنيا، شقي في الآخرة، وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر، ويطلبه حثيثاً (1). * والحياء من أبرز الصفات التي تنأى بالمرء عن الرذائل، وتحجزه عن السقوط إلى سفاسف الأخلاق، وحمأة الذنوب، كما أن الحياء من أقوى البواعث على الفضائل، وارتياد معالي الأمور: عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ حَسَّان بن حريث، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ - رضي الله عنهما - يقول: قَالَ النَّبِيُّ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، وفي روايةٍ: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»، أو قال: «الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» شك الراوي (2). _________ (1) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص 72، ومدارج السالكين، 2/ 259. (2) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الحياء، 8/ 29، برقم 6117، ومسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، 1/ 64، برقم 37، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في الحياء، 4/ 399، برقم 4798.

(1/32)


* ولعظيم أثره جعله الإسلام في طليعة خصائصه الأخلاقية: فَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» (1). * وَبَيِّن - صلى الله عليه وسلم - أن الحياء لم يزل مستحسناً في شرائع الأنبياء الأولين، وأنه لم يُرفع، ولم ينسخ في جملة ما نسخ اللَّه من شرائعهم، فعن أبي مسعود البدري - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (2). * والحياء نوعان: أولهما: نفسي، وهو الذي خلقه اللَّه تعالى في جميع النفوس، كحياء كل شخص من كشف عورته، والوقاع بين الناس. _________ (1) أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحياء، 2/ 1399، برقم 4181، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، 4/ 32، وأبو نعيم في الحلية، 3/ 220، وأبو يعلى، 6/ 269، برقم 3573، والبيهقي في شعب الإيمان، 10/ 156، وهو عند الطبراني في معجميه: الصغير، 2/ 31، والأوسط، 2/ 210، وهو في الموطأ برواية محمد بن الحسن عن يزيد بن طلحة، 3/ 452، وقد حسّنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 2/ 616، برقم 940. (2) أخرجه البخاري، في الأدب، باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت، 8/ 29، برقم 6120، وأبو داود في الأدب: باب ما جاء في الحياء، 4/ 399، برقم 4799، وابن ماجة، في الزهد: باب الحياء، 2/ 1400، برقم 4183.

(1/33)


والآخر: إيماني، وهو خصلة تمنع المؤمن من ارتكاب المعاَصي خوفًا من اللَّه تعالى، وهذا القسم من الحياء فضيلة يكتسبها المؤمن، ويتحلّى بها، وهي أمُّ كل الفضائل الأخرى. فلذلك وجب على المسلمين أن يُعوِّدُوا بناتهم على الحياء، والتخلّق بهذا الخلق الذي اختاره اللَّه تعالى لدينه القويم؛ لأن عدم الحياء علامة لزوال الإيمان، ولا يخفى ما يتولد عن ذلك من العواقب الوخيمة (1). وقد أحسن القائل حين قال: إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي ... وَلَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ فَلَا وَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ ... وَلَا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الْحَيَاءُ (2) : سابعاً: الحجاب يناسب الغيرة: إن الحجاب يتناسب مع الغيرة التي جبل عليها الإنسان السويُّ، والغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود غريزة تستمد قوتها من الشهوة، فهذه تغري بالسفور، وتلك تبعث على الاحتجاب. إن المدنية الغربية انحازت إلى الطبيعة الأولى، وقررت أن لا تحرم المنتسبين إليها التمتع بسفور النساء، واختلاط الجنسين، _________ (1) حجاب المرأة العفة والأمانة والحياء، للسيد عبد الله جمال الدين أفندي، ص 15. (2) لم ينسب هذا الشعر في كثير من الكتب التي أوردتهما، وهما في ديوان أبي تمام، 1/ 756، وفي ديوان بشار بن برد، 1/ 23، وفي روضة العقلاء لابن حبان، ص 57 نسبا إلى رجل من خزاعة، ومثله في الإشراف في منازل الأشراف لابن أبي الدنيا، 1/ 306.

(1/34)


وضحَّتْ بالطبيعة الثانية في سبيل ذلك، فالرجل الغربي يخالط نساء الناس، ويجالسهن متهتكات، مقابل التنازل عن غيرته على زوجته وأخته وبنته، فيخالطهن غيره، ويجالسهن. إن القضاء على الغيرة بلغ عند مدنية الغرب إلى أن اعتبرتها من النقائص، بالرغم من أن الإنسان يشعر بفطرته أنها فضيلة، وتواضع كتابها وشعراؤها على تغيير هذه الفطرة. ومن الدليل على كون السفوريين يتكلفون إسكات صوت الغيرة في قلوبهم، وإماتتها مقابل ما يتمتعون به من الاختلاط بنساء غير نسائهم، أن مقلدتهم من المسلمين لا يسمحون بالدخول على نسائهم إلا لمن يسمح لهم بالدخول على نسائه، فلو قصدوا بالسفور الذي يدعون له إلى تحرير المرأة من أسر الاحتجاب كما يدعونه، لما حافظوا على شرط المعاوضة في سفور نسائهم عند أي رجل من معارفهم (1). والإسلام يعدُّ الغيرة من صميم أخلاق الإيمان، فمن لا غيرة له لا إيمان له، ولهذا كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أغير الخلق على الأمة: * فعن الْمُغِيرَةِ بن شُعبةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ (2) فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ _________ (1) عودة الحجاب، 3/ 113. (2) ضربه بالسيف غير مصفح: إذا ضربه بحدِّه، وضربه صَفْحًا: إذا ضربه بعرضه.

(1/35)


- صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ! وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ» (1). * وعن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ» (2). وإن من ضروب الغيرة المحمودة: أنفةَ المحبِّ وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره، ومن هنا كانت الغيرة نوعاً من أنواع الأثرة، لابد منه لحياطة الشرف، وصيانة العرض، وكانت أيضاً مثار الحمية والحفيظة فيمن لا حمية له، ولا حفيظة. وضد الغيور الدَّيُّوث، وهو الذي يقر الخبث في أهله، أو يشتغل بالقيادة، وقال العلماء أيضًا: الديوث «هو الذي لا يَغَارُ على أهله» (3)، وفي المحكم: «والدَّيُّوثُ: الّذِي يُدْخِلُ الرِّجالَ على حُرْمَتِه بَحَيْثُ يَراهُم» (4)، وقد ورد الوعيد الشديد في حقه: _________ (1) رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا شخص أغير من الله»، 9/ 123، برقم 7416، ومختصراً في الحدود، باب من رأى مع امرأته رجلاً فقتله، 8/ 173، برقم 6846، ورواه معلقاً في النكاح، باب الغيرة، 7/ 35، قبل الرقم 5220، ومسلم، كتاب اللعان،2/ 1136، برقم 1499. (2) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة، 7/ 35، برقم 5223، ومسلم، في التوبة، باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش، 4/ 2114، برقم 2761، واللفظ له، والترمذي، كتاب الرضاع، باب ما جاء في الغيرة، 3/ 471، برقم 1168. (3) النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 147، مادة (ديث). (4) المحكم والمحيط الأعظم، 9/ 392.

(1/36)


* فعن عبد اللَّه بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ - عز وجل - إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ» (1) الحديث. إن الغيرة على حرمة العفة ركن العروبة، وقوام أخلاقها في الجاهلية والإسلام؛ لأنها طبيعة الفطرة البشرية الصافية النقية؛ ولأنها طبيعة النفس الحرة الأبية. ثامناً: فضائل الحجاب الجامعة: وإذا أردت أن تعرف فضل الحجاب وستر النساء وجوههن عن الأجانب، فانظر إلى حال المتحجبات: ماذا يحيط بهن من الحياء، والبعد عن مزاحمة الرجال في الأسواق، والتصوُّن التامّ عن الوقوع في الرذائل، أو أن تمتد إليهن نظرات فاجر؟ وإلى حال أوليائهن: ماذا لديهم من شرف النفس، والحراسة لهذه الفضائل في المحارم؟ وقارن هذا بحال المتبرجة السافرة عن وجهها التي تُقَلِّب وجهها في وجوه الرجال، وقد تساقطت منها هذه الفضائل بقدر ما لديها من سفور وتهتك، وقد ترى السافرة الفاجرة تحادث أجنبيَّاً فاجراً، تظن من حالهما _________ (1) أخرجه النسائي، 5/ 80، برقم 2562، واللفظ له، وفي الكبرى له أيضاً، 2/ 42، برقم 2354، والإمام أحمد، (2/ 134)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، ص 549، برقم 755، والحاكم، 1/ 72، والبيهقي في الكبرى، 10/ 226، وفي شعب الإيمان له أيضاً، 13/ 261، والضياء في المختار، 1/ 308، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 1/ 230، برقم 2070.

(1/37)


أنهما زوجان بعقد، أُشْهِد عليه أبو هريرة - رضي الله عنه -، ولو رآها «الديوث» زوجها وهي على هذه الحال، لما تحركت منه شعرة؛ لموات غيرته، نعوذ باللَّه من موت الغيرة، ومن سوء المنقلب. وأين هؤلاء الأزواج من أعرابي رأي من ينظر إلى زوجته، فطلّقها غيرة على المحارم، فلما عُوتب في ذلك، قال قصيدته الهائية المشهورة، ومنها: وأترك حبَّها من غير بغضٍ ... وذاك لكثرة الشركاءِ فيه إذا وقع الذبابُ على طعامٍ ... رفعتُ يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسودُ ورودَ ماءٍ ... إذا رأتِ الكلابَ وَلَغنَ فيه (1) وأين هؤلاء الأزواج من عربية سقط نصيفها -خمارها- عن وجهها، فالتقطته بيدها، وغطَّت وجهها بيدها الأخرى، وفي ذلك قيل: سَقَطَ النَّصِيفُ ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتَّقَتْنا باليد وأعْلَى من ذلك وأجلُّ: ما ذكره اللَّه سبحانه في قصة ابنتي شيخ مدين: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} (2)، فقد جاء عن عمر _________ (1) أورده الدميري في حياة الحيوان الكبرى، 1/ 11، ولم ينسبه لشاعر معين، بينما ذكر الأبيات صاحب المستطرف، 1/ 104، باختلاف في البيت الأول، وأورد الأبيات في قصة طويلة طريفة، ونسبها لامرأة رجل اسمه فيروز، غلام أحد الملوك، وكذلك أوردها في غذاء الألباب، 2/ 42، ولم ينسبها لأحد. (2) سورة القصص، الآية: 25.

(1/38)


- رضي الله عنه - بسند صحيح أنه قال: «جاءت تمشي على استحياء قَائِلَةً بثوبها على وجهها، لَيْسَت بِسَلْفَعٍ مِن النساء ولاّجةً خرَّاجة». والسَّلْفع من النساء: الجريئة السليطة، كما في تفسير ابن كثير - رحمه الله - (1). وفي الآية أيضاً من الأدب والعفة والحياء، ما بلغ ابنة الشيخ مبلغاً عجيباً في التحفُظ والتحرُز، إذ قالت: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} (2)، فجعلت الدعوة على لسان الأب، ابتعاداً عن الرَّيب والرِّيبة (3). _________ (1) تفسير ابن كثير، 3/ 384. (2) سورة القصص، الآية: 25. (3) حراسة الفضيلة، للعلامة بكر أبو زيد، ص 115 - 116.

(1/39)


 المطلب الثالث: آداب الاستئذان

قال اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُون} (1). قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: «هذه آداب شرعية، أدَّب اللَّه بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان، أمر اللَّه المؤمنين ألا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي: يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده ... » (2). والاستئذان له أحكام في مسائل متعددة، منها المسائل الآتية: أولاً: معنى «حتى تستأنسوا»: المعنى حتى تستأذنوا، قال الإمام الطبري - رحمه الله -: « ... والصواب من القول في ذلك عندي: أن يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم، مخبراً بذلك مَنْ فيه، وهل فيه أحد؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم. _________ (1) سورة النور، الآيات: 27 - 29. (2) تفسير القرآن العظيم، 10/ 204.

(1/40)


وقد حُكي عن العرب سماعاً: اذهب فاستأنس، هل ترى أحداً في الدار؟ بمعنى: انظر هل ترى فيها أحداً؟ فتأويل الكلام إذن إذا كان ذلك معناه: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تسلموا وتستأذنوا، وذلك أن يقول أحدكم: السلام عليكم، [أ] أدخل؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو حتى تسلموا وتستأذنوا، كما ذكرنا من الرواية، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -» (1). وهذا هو الصواب إن شاء اللَّه تعالى في معنى الاستئناس (2). _________ (1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 19/ 149. (2) قال العلامة الإمام الشنقيطي - رحمه الله - تعالى: «اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ أَشْكَلَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ التَّعْبِيرِ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ بِالِاسْتِئْنَاسِ، مَعَ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الْمَادَّةِ وَالْمَعْنَى. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ: أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ فِي لُغَةِ الْيَمَنِ: الِاسْتِئْذَانُ. وَفِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِمَا يُنَاسِبُ لَفْظَهَا وَجْهَانِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا شَاهِدٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مِنَ الِاسْتِئْنَاسِ الظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الِاسْتِيحَاشِ; لِأَنَّ الَّذِي يَقْرَعُ بَابَ غَيْرِهِ لَا يَدْرِي أَيُؤْذَنُ لَهُ أَمْ لَا، فَهُوَ كَالْمُسْتَوْحِشِ مِنْ خَفَاءِ الْحَالِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أُذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ وَزَالَ عَنْهُ الِاسْتِيحَاشُ، وَلَمَّا كَانَ الِاسْتِئْنَاسُ لَازِمًا لِلْإِذْنِ أُطْلِقَ اللَّازِمُ، وَأُرِيدَ مَلْزُومُهُ الَّذِي هُوَ الْإِذْنُ، وَإِطْلَاقُ اللَّازِمِ، وَإِرَادَةُ الْمَلْزُومِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَالْقَائِلُونَ بِالْمَجَازِ يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ، وَعَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُطْلِقَ فِيهَا اللَّازِمُ الَّذِي هُوَ الِاسْتِئْنَاسُ وَأُرِيدَ مَلْزُومُهُ الَّذِي هُوَ الْإِذْنُ يَصِيرُ الْمَعْنَى: حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} [النور: 53]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَهُ: {فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} [النور: 28]، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ: وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ الْكِنَايَةِ، وَالْإِرْدَافِ; لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِئْنَاسِ يَرْدِفُ الْإِذْنَ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الْإِذْنِ. الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْآيَةِ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِئْنَاسُ بِمَعْنَى الِاسْتِعْلَامِ، وَالِاسْتِكْشَافِ، فَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مَنْ آنَسَ الشَّيْءَ إِذَا أَبْصَرَهُ ظَاهِرًا مَكْشُوفًا أَوْ عَلِمَهُ. وَالْمَعْنَى: حَتَّى تَسْتَعْمِلُوا وَتَسْتَكْشِفُوا الْحَالَ، هَلْ يُؤْذَنُ لَكُمْ أَوْ لَا؟ وَتَقُولُ الْعَرَبُ: اسْتَأْنِسْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، وَاسْتَأْنَسْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، أَيْ: تَعَرَّفْتُ وَاسْتَعْلَمْتُ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، أَيْ: عَلِمْتُمْ رُشْدَهُمْ وَظَهَرَ لَكُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ} [طه: 10]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} الْآيَةَ [القصص: 29]، فَمَعْنَى آنَسَ نَارًا: رَآهَا مَكْشُوفَةً، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ: كَأَنَّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي الْجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحِد مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ ... طَاوِي الْمُصَيْرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الْفَرَد فَقَوْلُهُ: عَلَى مُسْتَأْنِسٍ، يَعْنِي: حِمَارَ وَحْشٍ شَبَّهَ بِهِ نَاقَتَهُ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُسْتَأْنِسًا أَنَّهُ يَسْتَكْشِفُ، وَيَسْتَعْمِلُ الْقَانِصِينَ بِشَمِّهِ رِيحَهُمْ وَحِدَّةِ بَصَرِهِ فِي نَظَرِهِ إِلَيْهِمْ، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ الْيَشْكُرِيِّ يَصِفُ نَعَامَةً شَبَّهَ بِهَا نَاقَتَهُ: آنَسَتْ نَبْأَةً وَأَفْزَعَهَا الْقَنَّا ... صُ عَصْرًا وَقَدْ دَنَا الْإِمْسَاءُ فَقَوْلُهُ: آنَسَتْ نَبْأَةً، أَيْ: أَحَسَّتْ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ، وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي هُوَ أَنَّ مَعْنَى تَسْتَأْنِسُوا تَسْتَكْشِفُوا وَتَسْتَعْلموا، هَلْ يُؤْذَنُ لَكُمْ، وَذَلِكَ الِاسْتِعْلَامُ وَالِاسْتِكْشَافُ إِنَّمَا يَكُونُ بِالِاسْتِئْذَانِ أَظْهَرَ عِنْدِي، وَإِنِ اسْتَظْهَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ ثَالِثٌ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ تَرَكْنَاهُ لِعَدَمِ اتِّجَاهِهِ عِنْدَنَا. وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ أَصْلَ الْآيَةِ: حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا وَأَنَّ الْكَاتِبِينَ غَلِطُوا فِي كِتَابَتِهِمْ، فَكَتَبُوا تَسْتَأْنِسُوا غَلَطًا بَدَلَ تَسْتَأْذِنُوا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ صَحَّحَ سَنَدَهُ عَنْهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَوْ فَرَضْنَا صِحَّتَهُ فَهُوَ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي نُسِخَتْ وَتُرِكَتْ، وَلَعَلَّ الْقَارِئَ بِهَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ; لِأَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - أَجْمَعُوا عَلَى كِتَابَةِ تَسْتَأْنِسُوا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، وَعَلَى تِلَاوَتِهَا بِلَفْظِ: تَسْتَأْنِسُوا، وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا فِي مَصَاحِفِهِمْ وَتِلَاوَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ تَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى حِفْظَهُ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وَقَالَ فِيهِ: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، وَقَالَ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} الْآيَتان [القيامة: 16 - 17] [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 6/ 167 - 168].

(1/41)


ثانياً: دُخُولُ الإِنْسَانِ بَيْتَ غَيْرِهِ بِدُونِ الاسْتِئْذَانِ وَالسَّلامِ لا يَجُوزُ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} الْآيَةَ، نَهْيٌ صَرِيحٌ، وَالنَّهْيُ الْمُتَجَرِّدُ عَنِ الْقَرَائِنِ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. ثَالثاً: الاسْتِئْذَانُ ثَلاثُ مَرَّاتٍ، يَقُولُ الْمُسْتَأْذِنُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ عِنْدَ الثَّالِثَةِ، فَلْيَرْجِعْ، وَلَا يَزِدْ عَلَى الثَّلَاثِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، لِأَنَّهُ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ؛ لحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ»، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ ذَلِكَ (1). _________ (1) متفق عليه: البخاري، واللفظ له، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثاً، برقم 6245، ومسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، برقم 2153.

(1/43)


ولفظ مسلم عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ فِي مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا، قُلْنَا: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنَّنِي أَتَيْتُكَ، فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ»، فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلْتُ: أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، قَالَ: فَاذْهَبْ بِهِ. وفي لفظ عند مسلم: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ فَشَهِدْتُ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ، أَوْ لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَوَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا، قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ هَذَا. وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ: إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَهَا، وَإِلَّا فَلْأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَتَانَا فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ»، قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، قَالَ فَقُلْتُ: أَتَاكُمْ أَخُوكُمُ الْمُسْلِمُ قَدْ أُفْزِعَ، تَضْحَكُونَ انْطَلِقْ فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ فَأَتَاهُ، فَقَالَ هَذَا أَبُو سَعِيدٍ.

(1/44)


وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا إِلَى قَوْلِهِ: قَالَ لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيِّنَةً، أَوْ لَأَفْعَلَنَّ، فَخَرَجَ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَصْغَرُنَا، فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ فِي الْأَسْوَاقِ (1). وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا وَإِلَّا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْعَشِيُّ وَجَدُوهُ، قَالَ يَا أَبَا مُوسَى: مَا تَقُولُ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: عَدْلٌ، يَا أَبَا الطُّفَيْلِ مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ ذَلِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ: إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأُبَيٍّ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، آنْتَ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَلَا تَكُنْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَمَا بَعْدَهُ. فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي مُوسَى، وَأُبَيِّ بْنِ _________ (1) البخاري، برقم 6245، ومسلم، 3153.

(1/45)


كَعْبٍ - رضي الله عنهم - تَدُلُّ دَلَالَةً صَحِيحَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ ثَلَاثٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ بَيْنَنَا مَعْرُوفٌ لِكِبَارِنَا، وَصِغَارِنَا، حَتَّى إِنَّ أَصْغَرَنَا يَحْفَظُهُ، وَسَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -» (1). وَالظَّاهِرُ مِنْهُ كَمَا قَالَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الِاسْتِئْذَانَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ فِي الْآيَةِ بِالِاسْتِئْنَاسِ، وَالسَّلَامَ الْمَذْكُورَ فِيهَا لَا يُزَادُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَأَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ، هُوَ الِاسْتِئْذَانُ الْمُكَرَّرُ ثَلَاثًا; لِأَنَّ خَيْرَ مَا يُفَسَّرُ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الثَّابِتَةُ عَنْهُ» (2). قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (3): مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِئْنَاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا}: الِاسْتِئْذَانُ بِتَنَحْنُحٍ، وَنَحْوِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافَ التَّحْقِيقِ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ تَفْسِيرُ الْآيَةِ بِمَا ذُكِرَ إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ وَالتَّسْلِيمِ ثَلَاثًا كَمَا رَأَيْتَ. وَأَنَّ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ (4) عَنِ الطَّبَرِيِّ مِنْ _________ (1) شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 131. (2) أضواء البيان، 5/ 492. (3) فتح الباري، 11/ 8. (4) فتح الباري، 11/ 8.

(1/46)


طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: الِاسْتِئْنَاسُ هُوَ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثًا إِلَى آخِرِهِ، وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ» (1) يُؤَيِّدُهَا أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (2): وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ (3)، زِيَادَةٌ مُفِيدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ، أَوْ أَبَا مَسْعُودٍ قَالَ لِعُمَرَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُرِيدُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، حَتَّى أَتَاهُ فَسَلَّمَ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ الثَّالِثَةَ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: «قَضَيْنَا مَا عَلَيْنَا»، ثُمَّ رَجَعَ فَأَذِنَ لَهُ سَعْدٌ، الْحَدِيثَ، فَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمِنْ فِعْلِهِ، وَقِصَّةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ (4) مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مُطَوَّلَةً بِمَعْنَاهُ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَوْ غَيْرِهِ كَذَا فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ طَارِقٍ مَوْلَاةِ سَعْدٍ، اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: فَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمِنْ فِعْلِهِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ اسْتِئْذَانِهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (5): حَدَّثَنَا _________ (1) مسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، برقم 2153. (2) فتح الباري، 11/ 28. (3) الأدب المفرد، ص 369. (4) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، 4/ 515، برقم 5187. (5) مسند أحمد، 19/ 397، برقم 12406.

(1/47)


عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَوْ غَيْرِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَأْذَنَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَلَمْ يَسْمَعِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَسْمَعْهُ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا سَلَّمْتَ تَسْلِيمَةً إِلَّا وَهِيَ بِأُذُنِي، وَلَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ وَلَمْ أُسْمِعْكَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ سَلَامِكَ وَمِنَ الْبَرَكَةِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْبَيْتَ فَقَرَّبَ إِلَيْهِ زَبِيبًا، فَأَكَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «أَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ»، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ (1)، وَالنَّسَائِيُّ (2) مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ - قَالَ: زَارَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَنْزِلِنَا فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، فَقَلْتُ: أَلَا تَأْذَنُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: دَعْهُ يُكْثِرْ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، فَرَدَّ سَعْدٌ رَدًّا خَفِيًّا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ - رضي الله عنه -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ سَلَامَكَ وَأَرُدُّ عَلَيْكَ رَدًّا خَفِيًّا لِتُكْثِرَ عَلَيْنَا مِنَ السَّلَامِ، فَانْصَرَفَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -»، وَذَكَرَ ابْنُ _________ (1) برقم 5185. (2) في الكبرى، برقم 10158، ورقم 10159 ..

(1/48)


كَثِيرٍ الْقِصَّةَ إِلَى آخِرِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رَوَى هَذَا مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى، فَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (1). ثم قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ فِي الْآيَةِ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّنَحْنُحَ وَنَحْوُهُ، كَمَا عَزَاهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي لِلْجُمْهُورِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقَدَّمُ السَّلَامُ أَوِ الِاسْتِئْذَانُ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ مَشْرُوعٌ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَالسُّنَّةُ: أَنْ يُسَلِّمَ وَيَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا، فَيَجْمَعُ بَيْنَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ السَّلَامِ، ثُمَّ الِاسْتِئْذَانُ، أَوْ تَقْدِيمُ الِاسْتِئْذَانِ ثُمَّ السَّلَامُ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَقَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ: أَنَّهُ يُقَدِّمُ السَّلَامَ، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ وَالثَّانِي يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَاوَرْدِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ قَدَّمَ السَّلَامَ، وَإِلَّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثَانِ فِي تَقْدِيمِ السَّلَامِ» (2)، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا صَحَّ فِيهِ حَدِيثَانِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ تَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ، وَتَقْدِيمِ الِاسْتِئْنَاسِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى السَّلَامِ فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى _________ (1) تفسير القرآن العظيم، 10/ 250. (2) شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 131.

(1/49)


تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا} لَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الِاسْتِئْذَانِ; لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ، فَيَجُوزُ عَطْفُ الْأَوَّلِ عَلَى الْأَخِيرِ بِالْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} (1)، وَالرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} (2)، وَنُوحٌ قَبْلَ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - وَهَذَا مَعْرُوفٌ وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَاوَ رُبَّمَا عُطِفَ بِهَا مُرَادًا بِهَا التَّرْتِيبُ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} (3)، وَقَدْ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَكَقَوْلِ حَسَّانٍ - رضي الله عنه -: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ عَلَى رِوَايَةِ الْوَاوِ فِي هَذَا الْبَيْتِ. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ مِنَ الْقَرَائِنِ وَالْأَدِلَّةِ الْخَارِجِيَّةِ لَا تَقْتَضِي إِلَّا مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ التَّرْتِيبِ فِي الْعَطْفِ، كَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَدْءِ بِالصَّفَا، أَوْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ قَرِينَةٌ كَالْبَيْتِ الْمَذْكُورِ; لِأَنَّ جَوَابَ الْهِجَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَهُ، أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ أَوِ الْقَرِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْآيَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ رَاجِحٌ، وَلَا قَرِينَةٌ _________ (1) سورة آل عمران، الآية: 43. (2) سورة الأحزاب، الآية: 7. (3) سورة البقرة، الآية: 158.

(1/50)


عَلَى إِرَادَةِ التَّرْتِيبِ فِيهَا بِالْوَاوِ» (1). اهـ. وَقد علَّم النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الاستئذان لمن لا يعلمه، فعن كَلَدَةَ بْنِ ْحَنْبَل، ذكر أَنَّه دَخَلَ على النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يُسَلِّمْ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» (2). وعَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِخَادِمِهِ: «اخْرُجْ إِلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاِسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ». فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ، فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَدَخَلَ (3). وذُكِرَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث جَابِرٍ - رضي الله عنه -: «السَّلاَمُ قَبْلَ الْكَلاَمِ» (4). قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَالْمُخْتَارُ أنَّ صِيغَةَ الِاسْتِئْذَانِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهَا أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَأْذِنُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ انْصَرَفَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي _________ (1) أضواء البيان، 6/ 174. (2) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب كيف الاستئذان، 4/ 509، برقم 5176، والنسائي في السنن الكبرى، 4/ 169، برقم 6702، والبخاري في الأدب المفرد، ص 371، برقم 1081، والإمام أحمد في المسند، 24/ 152، برقم 15425، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 3/ 270. (3) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب كيف الاستئذان، 4/ 510، برقم 5179، وابن أبي شيبة، 8/ 418، برقم 26185، والبيهقي في السنن الكبرى، 8/ 340، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 3/ 270. (4) سنن الترمذي، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في السلام قبل الكلام، 5/ 59، برقم 2699، وأبو يعلى، 4/ 48، ومسند الشهاب، 1/ 56، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 816.

(1/51)


الصَّحِيحِ فِي سِيَاقِهَا تَغَايُرٌ; لِأَنَّ فِي بَعْضِهَا: أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي مُوسَى بَعْدَ انْصِرَافِهِ، فَرَدَّهُ مِنْ حِينِهِ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَجَمَعَ بَيْنَهَا ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ قَالَ (1): «وَظَاهِرُ هَذَيْنِ السِّيَاقَيْنِ التَّغَايُرُ؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى عُمَرَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَفِي الثَّانِي أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ إِلَى أَنْ قَالَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا: بِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الشُّغْلِ الَّذِي كَانَ فِيهِ تَذَكَّرَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِرُجُوعِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ الرَّسُولُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَجَاءَ هُوَ إِلَى عُمَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. اهـ. مِنْهُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى» (2). رابعاً: اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ سَمِعُوهُ لَزِمَهُ الِانْصِرَافُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوهُ، وَلَمْ يَأْذَنُوا لَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْإِذْنِ، وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَدَمَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَدْرِ هَلْ سَمِعُوهُ أَوْ لَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الِانْصِرَافُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، كَمَا أَوْضَحْنَا أَدِلَّتَهُ وَلَمْ يُقَيَّدْ شَيْءٌ مِنْهَا بِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ سَمِعُوهُ (3). خامساً: إذا علم أن أهل البيت لم يسمعوا لا يزيد على الثلاث: قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنَا رُجْحَانُهُ _________ (1) فتح الباري، 11/ 28. (2) أضواء البيان، 6/ 175. (3) أضواء البيان، 6/ 175.

(1/52)


مِنَ الْأَدِلَّةِ، أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ، لَمْ يَسْمَعُوا اسْتِئْذَانَهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، بَلْ يَنْصَرِفُ بَعْدَهَا لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَعَدَمِ تَقْيِيدِ شَيْءٍ مِنْهَا بِكَوْنِهِمْ لَمْ يَسْمَعُوهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَهُ الزِّيَادَةَ، وَمَنْ فَصَّلَ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (1): أَمَّا إِذَا اسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَشْهَرُهَا أَنَّهُ يَنْصَرِفُ، وَلَا يُعِيدُ الِاسْتِئْذَانَ. وَالثَّانِي: يَزِيدُ فِيهِ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الِاسْتِئْذَانِ الْمُتَقَدِّمِ لَمْ يُعِدْهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ أَعَادَهُ، فَمَنْ قَالَ بِالْأَظْهَرِ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ عَلِمَ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ، فَلَمْ يَأْذَنْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ; لِأَنَّهُ ظَاهِرُ النُّصُوصِ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ» (2). سادساً: الْمُسْتَأْذِنُ يَنْبَغِي لَهُ أَلاَّ يَقِفَ تِلْقَاءَ الْبَابِ بِوَجْهِهِ، وَلَكِنَّهُ يَقِفُ جَاعِلًا الْبَابَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَيَسْتَأْذِنُ وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رحمه الله -: «ثُمَّ لِيُعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَأْذِنِ عَلَى أَهْلِ الْمَنْزِلِ أَلَّا يَقِفَ تِلْقَاءَ الْبَابِ بِوَجْهِهِ، وَلَكِنْ لِيَكُنِ الْبَابُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ يَسَارِهِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (3): حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ فِي آخَرِينَ، _________ (1) شرح صحيح مسلم، 14/ 131. (2) أضواء البيان، 6/ 176. (3) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، 4/ 512، برقم 5186، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم 4318.

(1/53)


قَالُوا: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ، انْفَرَدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ (1). وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، ح، وَثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا حَفْصٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ طَلْحَةَ عَنْ هُزَيْلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ قَالَ عُثْمَانُ: سَعْدُ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَأْذِنُ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ، قَالَ عُثْمَانُ: مُسْتَقْبِلَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «هَكَذَا عَنْكَ أَوْ هَكَذَا، فَإِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنَ النَّظَرِ»، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (2)، مِنْ حَدِيثِهِ انْتَهَى». وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ لَا يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْبَابِ خَوْفًا أَنْ يُفْتَحَ لَهُ الْبَابُ، فَيَرَى مِنْ أَهْلِ الْمَنْزِلِ مَا لَا يُحِبُّونَ أَنْ يَرَاهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْبَابُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، فَإِنَّهُ _________ (1) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب كم في الاستئذان، 4/ 509، برقم 5174. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم 4318. (2) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب كم في الاستئذان، 4/ 509، برقم 5175، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم 7016، وفي التعليق الرغيب، 3/ 273.

(1/54)


وَقْتَ فَتْحِ الْبَابِ لَا يَرَى مَا فِي دَاخِلِ الْبَيْتِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (1). سابعاً: الْمُسْتَأْذِنُ إِذَا قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَنْزِلِ: مَنْ أَنْتَ؟، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنَا بَلْ يُفْصِحُ بِاسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ إِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِهِ; لِأَنَّ لَفْظَةَ أَنَا يُعَبِّرُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْمُسْتَأْذِنِ، وَقَدْ ثَبَتَ مَعْنَى هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ. فعن جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ: أَنَا أَنَا، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا» (2)، وَتَكْرِيرُهُ - صلى الله عليه وسلم - لَفْظَةَ (أَنَا) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْضَهَا مِنْ جَابِرٍ; لِأَنَّهَا لَا يُعْرَفُ بِهَا الْمُسْتَأْذِنُ فَهِيَ جَوَابٌ لَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا لَا يُطَابِقُ سُؤَالَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ جَوَابَ الْمُسْتَأْذِنِ بِأَنَا، لَا يَجُوزُ لِكَرَاهَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِذَلِكَ، وَعَدَمِ رِضَاهُ بِهِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَلفظ مُسْلِم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَدَعَوْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَنَا، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا أَنَا». ثامناً: استئذان الرجل على أمه أو ابنته أو أخته البالغين: قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «اعْلَمْ أَنَّ الْأَظْهَرَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَى أُمِّهِ وَأُخْتِهِ، وَبَنِيهِ وَبَنَاتِهِ _________ (1) انظر: أضواء البيان، 6/ 177. (2) البخاري، كتاب الاستئذان، باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا، 8/ 55، برقم 6250، ومسلم، كتاب الآداب، باب كراهة قول المستأذن أنا إذا قيل من هذا، 3/ 1697، برقم 2155.

(1/55)


الْبَالِغِينَ; لِأَنَّهُ إِنْ دَخَلَ عَلَى مَنْ ذَكَرَ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَقَدْ تَقَعُ عَيْنُهُ عَلَى عَوْرَاتِ مَنْ ذُكِرَ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (1) فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ: «إِنَّمَا جُعِلُ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» (2) مَا نَصُّهُ: «وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُشْرَعُ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى الْمَحَارِمِ; لِئَلَّا تَكُونَ مُنْكَشِفَةَ الْعَوْرَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا بَلَغَ بَعْضُ وَلَدِهِ الْحُلُمَ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنٍ (3)، وَمِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: مَا عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهَا تُرِيدُ أَنْ تَرَاهَا (4). وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ نُذَيْرٍ بِالنُّونِ مُصَغَّرًا: سَأَلَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا رَأَيْتَ مَا تَكْرَهُ (5)، وَمِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى أُمِّي فَدَخَلَ، وَاتَّبَعْتُهُ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: تَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: أسْتَأْذِنُ عَلَى أُخْتِي؟ قَالَ: نَعَمْ، _________ (1) فتح الباري، 11/ 25. (2) البخاري، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، برقم 6241، ومسلم، كاب الآداب، باب حريم النظر في بيت غيره، برقم 2156. (3) الأدب المفرد للبخاري، ص 364، برقم 1058، وصحح إسناده العلامة الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم 433. (4) الأدب المفرد للبخاري، ص 364، برقم 1059، وصحح إسناده العلامة الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم 434. (5) الأدب المفرد للبخاري، ص 364، برقم 1060. وصحح إسناده العلامة الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم 434.

(1/56)


قُلْتُ إِنَّهَا فِي حِجْرِي؟ قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ (1) وَأَسَانِيدُ هَذِهِ الْآثَارِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ» (2). وَهَذِهِ الْآثَارُ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ تُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا، وَيُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» (3)، فَوُقُوعُ الْبَصَرِ عَلَى عَوْرَاتِ مَنْ ذُكِرَ لَا يَحِلُّ، كَمَا تَرَى، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ - رحمه الله - فِي تَفْسِيرِهِ لِلْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا (4). «وَقَالَ هُشَيْمٌ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنْ كُرْدُوسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْتَأْذِنُوا عَلَى أُمَّهَاتِكُمْ وَأَخَوَاتِكُمْ. وَقَالَ أَشْعَثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِنِّي أَكُونُ فِي مَنْزِلِي عَلَى الْحَالِ الَّتِي لَا أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي أَحَدٌ عَلَيْهَا، لَا وَالِدٌ وَلَا وَلَدٌ، وَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَأَنَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا} الْآيَةَ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: ثَلَاثُ آيَاتٍ جَحَدَهُنَّ النَّاسُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، قَالَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُكُمْ بَيْتًا، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْإذنُ كُلُّهُ قَدْ جَحَدَهُ النَّاسُ، قَالَ: قُلْتُ: _________ (1) الأدب المفرد للبخاري، ص 364، برقم 1061. (2) فتح الباري، 11/ 25. (3) البخاري، برقم 2641، وسبق تخريجه. (4) تفسير الطبري، 18/ 78، وابن كثير، 10/ 209.

(1/57)


أَسْتَأْذِنُ عَلَى أَخَوَاتِي أَيْتَامٍ فِي حِجْرِي مَعِي فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ لِيُرَخِّصَ لِي فَأَبَى، فَقَالَ: تُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ، قَالَ: فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا مِنِ امْرَأَةٍ أَكْرَهُ إِلَيَّ أَنْ أَرَى عَوْرَتَهَا مِنْ ذَاتِ مَحْرَمٍ، قَالَ: وَكَانَ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: سَمِعْتُ هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ الْأَوْدِيَّ الْأَعْمَى أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَيْكُمُ الْإِذْنَ عَلَى أُمَّهَاتِكُمْ» (1). اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (2). تاسعاً: الأفضل أن يستأذن الرجل على امرأته: قال العلامة الشنقيطي: «اعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا امْرَأَتُهُ، أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ}؛ وَلِأَنَّهُ لَا حِشْمَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، وَيَجُوزُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْمُلَابَسَاتِ مَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا، وَلَوْ كَانَ أَبًّا أَوْ أُمًّا أَوِ ابْنًا، كَمَا لَا يَخْفَى، وَيَدُلُّ لَهُ الْأَثَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ أَبِيهِ طَلْحَةَ عَلَى أُمِّهِ، فَزَجَرَهُ طَلْحَةُ عَنْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أُمِّهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، مَعَ أَنَّ _________ (1) تفسير القرآن العظيم، 10/ 209. (2) أضواء البيان، 6/ 180.

(1/58)


طَلْحَةَ زَوْجَهَا دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنٍ» (1). وَقَالَ الإمام ابْنُ كَثِيرٍ: «وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ؟ قَالَ: لَا، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى أَنْ يُعْلِمَهَا بِدُخُولِهِ، وَلَا يُفَاجِئَهَا بِهِ; لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ لَا تُحِبُّ أَنْ يَرَاهَا عَلَيْهَا» ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ (2) بِسَنَدِهِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ، فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ، كَرَاهَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ، قَالَ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ» (3). ويؤيد ذلك ما جاء في الصحيحين «عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً يَتَخَوَّنُهُمْ» (4)، وفي الحديث الآخر «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً - أَيْ عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ» (5). _________ (1) أضواء البيان، 6/ 180. (2) تفسير الطبري، 18/ 88. (3) تفسير القرآن العظيم، 10/ 210، وأضواء البيان، 6/ 180. (4) البخاري، كتاب النكاح، باب لا يطرق أهله ليلاً إذا أطال الغيبة، 7/ 39، برقم 5243، و5244، ومسلم، كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق، وهو الدخول ليلاً لمن ورد من سفر، 3/ 1528، برقم 715، واللفظ له. (5) البخاري، كتاب النكاح، باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، 7/ 39، برقم 5247، ومسلم، كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق، وهو الدخول ليلاً لمن ورد من سفر، 3/ 1527، برقم 715، واللفظ له.

(1/59)


عاشراً: إِذَا قَالَ أَهْلُ الْمَنْزِلِ لِلْمُسْتَأْذِنِ: ارْجِعْ، وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ}، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَتَمَنَّى إِذَا اسْتَأْذَنَ عَلَى بَعْضِ أَصْدِقَائِهِ أَنْ يَقُولُوا لَهُ: ارْجِعْ، لِيَرْجِعَ، فَيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُ الرُّجُوعِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ; لِأَنَّ مَا قَالَ اللَّهُ إِنَّهُ أَزْكَى لَنَا لَا شَكَّ أَنَّ لَنَا فِيهِ خَيْرًا وَأَجْرًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الحادي عشر: من نظر من نافذة بيت قوم ففقؤوا عينه فهي هَدْرٌ: قال العلامة الشنقيطي: «اعْلَمْ أَنَّ أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا وَأَرْجَحَهَا فِيمَنْ نَظَرَ مِنْ كُوَّةٍ إِلَى دَاخِلِ مَنْزِلِ قَوْمٍ فَفَقَؤُوا عَيْنَهُ الَّتِي نَظَرَ إِلَيْهِمْ بِهَا؛ لِيَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ، وَلَا غُرْمِ دِيَةِ الْعَيْنِ، وَلَا قِصَاصٍ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ، وَلِذَا لَمْ نَذْكُرْ هُنَا أَقْوَالَ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِسُقُوطِهَا عِنْدَنَا؛ لِمُعَارَضَتِهَا النَّصَّ الثَّابِتَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ الْبُخَارِيُّ - رحمه الله - فِي صَحِيحِهِ: بَابُ مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَؤُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَحَادِيثِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» (1)، وَالْجُنَاحُ الْحَرَجُ، _________ (1) البخاري، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له، 9/ 11، برقم 6902، ومسلم، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره،3/ 1699، برقم 2158.

(1/60)


وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ»، لَفْظُ جُنَاحٍ فِيهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَهِيَ تَعُمُّ رَفْعَ كُلِّ حَرَجٍ مِنْ إِثْمٍ وَدِيَةٍ وَقِصَاصٍ، كَمَا تَرَى» (1). ولفظ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» (2). وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ التَّصْرِيحُ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُمْ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ، وَكَوْنُ ذَلِكَ حَلَالًا لَهُمْ مُسْتَلْزِمٌ أَنَّهُمْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ إِثْمٍ، وَلَا دِيَةٍ، وَلَا قِصَاصٍ; لِأَنَّ كُلَّ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَى فِعْلِهِ الْبَتَّةَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُؤَاخَذَةِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَفي لفظ الحديث عند مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ - رحمه الله - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ أَنَّ رجلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» (3). وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ دَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي عَيْنِ الْمَذْكُورِ، وَثُبُوتُ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا رَأَيْتَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا تَعَدَّى وَانْتَهَكَ الْحُرْمَةَ، وَنَظَرَ إِلَى بَيْتِ غَيْرِهِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَخْذِ عَيْنِهِ الْخَائِنَةِ، وَأَنَّهَا هَدْرٌ لَا عَقْلَ فِيهَا، وَلَا قَوَدَ، وَلَا إِثْمَ، وَيَزِيدُ مَا _________ (1) أضواء البيان، 6/ 181. (2) مسلم، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره، 3/ 1699، برقم 2158. (3) مسلم، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره، 3/ 1699، برقم 2158.

(1/61)


ذَكَرْنَا تَوْكِيدًا وَإِيضَاحًا مَا جَاءَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُ أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. وقد ذكر الإمام الْبُخَارِيُّ - رحمه الله - تَحْتَ التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، وَهِيَ قَوْلُهُ: بَابُ مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ: حَديث أَنَسٍ - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِصَ، وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ» (1). وعَنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الْبَصَرِ» (2)، اهـ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ هُنَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ. وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ: بَابُ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَفِظْتُهُ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَمَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِدْرًى يَحُكُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» (3). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِمِشْقَصٍ أَوْ بِمَشَاقِصَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ _________ (1) مسلم، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره، 3/ 1699، برقم 2158. (2) البخاري، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له،9/ 10،برقم 6901. (3) البخاري، برقم 2641، وسبق تخريجه.

(1/62)


الرَّجُلَ لِيَطْعَنَهُ» (1). وَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا، فَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْ خَالَفَهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَنْ أَوَّلَهَا; لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، إِلَّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ (2). والْمِشْقَصُ - بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَفَتْحِ ثَالِثِهِ - هُوَ نَصْلُ السَّهْمِ إِذَا كَانَ طَوِيلًا غَيْرَ عَرِيضٍ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. الْجُحْرُ الْأَوَّلُ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ-: وَهُوَ كُلُّ ثُقْبٍ مُسْتَدِيرٍ فِي أَرْضٍ أَوْ حَائِطٍ، وَالثَّانِي - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ - جَمْعُ حُجْرَةٍ: وَهِيَ نَاحِيَةُ الْبَيْتِ (3). الثاني عشر: إذن من جاء مع الرسول المرسل إليه: «اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ إِذَا أَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى شَخْصٍ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَكُونُ الْإِرْسَالُ إِلَيْهِ إِذْنًا; لِأَنَّهُ طَلَبَ حُضُورَهُ بِإِرْسَالِهِ إِلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِذَا جَاءَ منْزِلَ مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَلَهُ الدُّخُولُ بِلَا إِذْنٍ جَدِيدٍ اكْتِفَاءً بِالْإِرْسَالِ إِلَيْهِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَأْذِنَ إِذَا أَتَى الْمَنْزِلَ اسْتِئْذَانًا جَدِيدًا، وَلَا يَكْتَفِي بِالْإِرْسَالِ؟ وَكُلٌّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ قَالَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ _________ (1) مسلم، برقم 2158، وسبق تخريجه. (2) أضواء البيان، 6/ 183 ببعض التصرف. (3) أضواء البيان، 6/ 183.

(1/63)


الْإِرْسَالَ إِلَيْهِ إِذْنٌ يَكْفِي عَنِ الِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ إِتْيَانِ الْمَنْزِلِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ» (1)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ»، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: قَتَادَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي رَافِعٍ شَيْئًا، اهـ مِنْ أَبِي دَاوُدَ (2). قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَيَأْتِي فِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا رَافِعٍ حَدَّثَهُ (3). اهـ. وَيَدُلُّ لِصِحَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا: بَابُ إِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجَاءَ هَلْ يَسْتَأْذِنُ؟ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «هُوَ إِذْنُهُ» (4) اهـ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا _________ (1) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرجل يدعى أيكون ذلك إذنه، 4/ 513، برقم 5189، والبخاري في الأدب المفرد، ص369، برقم 1076، والبيهقي، 8/ 340، برقم 17449،، وابن حبان، 13/ 128، برقم 5811، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص 426، برقم 822. (2) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرجل يدعى أيكون ذلك إذنه، 4/ 513، برقم 5192. والبخاري في الأدب المفرد 1/ 369، برقم 1075، وأحمد، 16/ 520، برقم 10894، والبيهقي في السنن الكبرى، 8/ 340، برقم17450، وفي شعب الإيمان له، 6/ 445، برقم 8831. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، 1/ 426، برقم 823. (3) 11/ 31. (4) رواه البخاري معلقاً، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاسئذان ثلاثاً، بعد رقم 6245، وأبو داود موصولاً في كتاب الأدب، باب في الرجل يدعى أيكون ذلك إذنه، برقم 5190، وأكّد الحافظ ابن حجر وصله في تغليق التعليق، 5/ 123.

(1/64)


يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، إِلَّا مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (1): «فِي حَدِيثِ: كَوْنِ رَسُولِ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ، وَلَهُ مُتَابِعٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِلَفْظِ: «رَسُولُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِذْنُهُ» (2)، وَأَخْرَجَ لَهُ شَاهِدًا مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «إِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ فَهُوَ إِذْنُهُ» (3)، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. فَهَذِهِ جُمْلَةُ أَدِلَّةِ مَنْ قَالُوا: بِأَنَّ مَنْ دُعِيَ لَا يَسْتَأْذِنُ إِذَا قَدِمَ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: يَسْتَأْذِنُ إِذَا قَدِمَ إِلَى مَنْزِلِ الْمُرْسِلِ، وَلَا يَكْتَفِي بِإِرْسَالِ الرَّسُولِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ»، قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا» (4)، اهـ مِنْهُ، قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَرْسَلَ أَبَا هِرٍّ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ، وَلَمْ يَكْتَفُوا بِالْإِرْسَالِ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ، وَلَوْ كَانَ يَكْفِي عَنْهُ لَبَيَّنَهُ - صلى الله عليه وسلم - ; لِأَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. _________ (1) فتح الباري، 11/ 31. (2) الأدب المفرد، برقم 1176، سبق تخريجه. (3) سبق تخريجه. (4) البخاري، كتاب الاستئذان، باب إذا دُعي الرجل فجاء هل يستأذن، برقم 6246.

(1/65)


وَمِنْ أَدِلَّةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ ظَاهِرُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} (1) الْآيَةَ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهَا يَشْمَلُ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ وَغَيْرَهُ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيْنَ أَدِلَّةِ الْقَوْلَيْنِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (2): «وَجَمَعَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ بِتَنْزِيلِ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ إِنْ طَالَ الْعَهْدُ بَيْنَ الطَّلَبِ وَالْمَجِيءِ احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِ الِاسْتِئْذَانِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَطُلْ لَكِنْ كَانَ الْمُسْتَدْعِي فِي مَكَانٍ يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الْإِذْنِ فِي الْعَادَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِئْنَافِ إِذْنٍ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ الْأَوَّلَ فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَسْتَأْذِنُ لِأَجْلِهِ، وَالثَّانِي بِخِلَافِهِ. قَالَ: وَالِاسْتِئْذَانُ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَحْوَطُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ حَضَرَ صُحْبَةَ الرَّسُولِ أَغْنَاهُ اسْتِئْذَانُ الرَّسُولِ، وَيَكْفِيهِ سَلَامُ الْمُلَاقَاةِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنِ الرَّسُولِ احْتَاجَ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ، وَبِهَذَا جَمَعَ الطَّحَاوِيُّ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، وَإِلَّا لَقَالَ: فَأَقْبَلْنَا، كَذَا قَالَ»، اهـ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ. وَأَقْرَبُهَا عِنْدِي الْجَمْعُ الْأَخِيرُ، وَيَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الْمُتَقَدِّمِ: فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى» (3). _________ (1) سورة النور، الآية: 27. (2) فتح الباري، 11/ 32. (3) أضواء البيان، 6/ 186.

(1/66)


الثالث عشر: استئذان الأطفال والمماليك في ثلاثة أوقات: قال اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1). قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدَّم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر اللَّه تعالى المؤمنين أن يستأذنَهم خَدَمُهم مما ملكَت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال: الأول من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نيامًا في فرشهم {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} أي: في وقت القيلولة؛ لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله، {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ}؛ لأنه وقت النوم، فيُؤمَرُ الخدمُ والأطفال _________ (1) سورة النور، الآيات: 58 - 60.

(1/67)


ألا يهجمُوا على أهل البيت في هذه الأحوال، لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله، أو نحو ذلك من الأعمال؛ ولهذا قال: {ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي: إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إن رأوا شيئاً في غير تلك الأحوال؛ لأنه قد أذن لهم في الهجوم؛ ولأنهم طَوَّافُونَ عليكم، أي: في الخدمة وغير ذلك، ويغتفر في الطوَّافين ما لا يغتفر في غيرهم؛ ولهذا رَوَى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال في الهِرَّة: «إنها ليست بنجَس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (1). ولما كانت هذه الآية محكمة، ولم تنسخ بشيء، وكان عمل الناس بها قليلاً جدًا، أنكر عبد اللَّه بن عباس ذلك على الناس، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثنا أبو زُرْعَة، حَدَّثنا يحيى بن عبد اللَّه بن بُكَيْر، حَدَّثني عبد اللَّه بن لَهِيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر قال: قال _________ (1) الموطأ برواية محمد بن الحسن، 1/ 160، ومسند الشافعي، ص 3، ومسند الإمام أحمد، 37/ 211، برقم 22528، وسنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، 1/ 28، برقم 75، وسنن الترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، 1/ 153، برقم 92، وسنن النسائي، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، 1/ 55، برقم 68، وسنن ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك، 1/ 131، برقم 367، والدارقطني، 1/ 70، برقم 22، ومصنف عبد الرزاق، 1/ 100، برقم 352، والبيهقي، 1/ 245، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 1/ 131، برقم 68.

(1/68)


ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} (1) إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} (2)، والآية التي في الحجرات: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (3). وروي أيضًا من حديث إسماعيل بن مسلم - وهو ضعيف - عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن ابن عباس قال: غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات، فلم يعملوا بهن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} إلى آخر الآية. وقال أبو داود: حدثنا ابن الصباح بن سفيان وابن عبدة - وهذا حديثه - أخبرنا سفيان، عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها أكثر الناس - آية الإذن - وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء، عن ابن عباس يأمر به (4). وقال الثوري، عن موسى بن أبي عائشة سألت الشعبي: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، قال: لم تنسخ. قلت: فإن _________ (1) سورة النور، الآية: 58. (2) سورة النساء، الآية: 8. (3) سورة الحجرات، الآية: 13. (4) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاث، 4/ 514، برقم 5191، والبيهقي، 7/ 97، وصححه الألباني موقوفاً على ابن عباس في صحيح أبي داود.

(1/69)


الناس لا يعملون بها. فقال: اللَّه المستعان. وقال ابن أبي حاتم (1): حَدَّثنا الربيع بن سليمان، حَدَّثنا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عَمرو، عن عكرمة عن ابن عباس؛ أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر اللَّه بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن اللَّه ستِّير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حِجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجلَ خادمُه أو ولده أو يتيمه في حجره، وهو على أهله، فأمرهم اللَّه أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمَّى اللَّه. ثم جاء اللَّه بعد بالستور، فبسط اللَّه عليهم في الرزق، فاتخذوا الستور، واتخذوا الحِجَال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود، عن القَعْنَبِيّ، عن الدَّرَاوَرْدِيّ، عن عمرو بن أبي عَمْرو به. وقال السُّدِّي: كان أناس من الصحابة - رضي الله عنهم -، يحبون أن يُوَاقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم اللَّه أن يأمروا المملوكين والغلمان ألا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن. وقال مقاتل بن حَيَّان: بلغنا - واللَّه أعلم - أن رجلاً من الأنصار _________ (1) تفسير ابن أبي حاتم، 8/ 2632، وأخرجه البيهقي أيضاً، 7/ 97.

(1/70)


وامرأته أسماء بنت مُرْثد صنعا للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاماً، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: يا رسول اللَّه، ما أقبح هذا! إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد، غلامهما بغير إذن! فأنزل اللَّه في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ}، ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ، قوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، ثم قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني: إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث، إذا بلغوا الحلم، وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث ... كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه (1). _________ (1) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ببعض التصرف، 10/ 269 - 272.

(1/71)


 المطلب الرابع: غض البصر وفوائده

قال اللَّه تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} الآية (1). وغض البصر له أحكام وآداب كثيرة، منها الأمور الآتية: أولاً: وجوب غض البصر عما حرم الله النظر إليه؛ لأن اللَّه - عز وجل - أمر بالغض منه المؤمنين والمؤمنات، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف. قال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسير الآية آنفة الذكر: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ باللَّه وبك يا محمد {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} يقول: يكفُّوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه، مما قد نهاهم اللَّه عن النظر إليه، وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ أن يراها من لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم ... وقال - رحمه الله - في قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {وَقُلْ} يا محمد {للْمُؤْمِنَاتِ} من أمتك {يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} عما يكره اللَّه النظر إليه مما نهاكم عن النظر إليه _________ (1) سورة النور، الآيتان: 30 - 31.

(1/72)


{وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} يقول: ويحفظن فروجهنَّ عن أن يراها من لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم» (1). وقال ابن كثير - رحمه الله -: «هذا أمر من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا» (2). ثانياً: بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - المراد من الأمر بغض البصر في أحاديث كثيرة، منها ما يأتي: 1 - «عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» (3). 2 - عن عبد اللَّه بن بُرَيْدة، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لعليّ: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرةَ؛ فإن لك الأولى وليس لك الآخرة» (4). 3 - وعن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والجلوس _________ (1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 19/ 154 - 155. (2) تفسير القرآن العظيم، 10/ 212. (3) مسلم، كتاب الآداب، باب نظر الفجاءة، 3/ 1699، برقم 2159. (4) أخرجه أحمد، 38/ 95، برقم 22991، وأبو داود، كتاب النكاح، باب ما يؤمر به من غض البصر، 2/ 212، برقم 2149، والترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في نظر المفاجأة، 5/ 101، برقم 2777، وقال: «حسن غريب»، والحاكم، 2/ 194، برقم 2788، وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي، 7/ 90، برقم 13293، وابن أبي شيبة، 4/ 324، رقم 17503، وقال الألباني في صحيح أبي داود، 6/ 364، برقم 1865: «حديث حسن».

(1/73)


على الطرقات». قالوا: يا رسول اللَّه؛ لا بد لنا من مجالسنا، نتحدث فيها، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إن أبيتم، فأعطوا الطريق حقَّه»، قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول اللَّه؟ قال: «غَضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» (1). 4 - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» (2). قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهَون أن يُحِدَّ الرجل نظَره إلى الأمرد، وقد شَدَّد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحَرَّمه طائفة من أهل العلم؛ لما فيه من الافتتان، وشَدّد آخرون في ذلك كثيرًا جدًا» (3). وقال الإمام ابن كثير أيضاً: _________ (1) صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب أفنية الدور والجلوس فيها، 3/ 132، برقم 2465، وصحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق حقه، 3/ 1675، برقم 2121، من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. (2) البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، 8/ 54، برقم 6243، ومسلم، كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، 4/ 2046، برقم 2657، واللفظ له. (3) تفسير القرآن العظيم، 10/ 215.

(1/74)


«ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: «النظر سهام سمّ إلى القلب»؛ ولذلك أمر اللَّه بحفظ الفروج، كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}، وحفظُ الفَرج تارةً يكون بمنعه من الزنى، كما قال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه. 5 - كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» (1). {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} أي: أطهر لقلوبهم، وأنقى لدينهم، كما قيل: «مَنْ حفظ بصره، أورثه اللَّه نورًا في بصيرته». ويروى: في قلبه» (2). ثالثاً: فوائد غض البصر ومنافعه: لغض البصر فوائد ومنافع كثيرة، منها الفوائد الآتية: _________ (1) مسند أحمد، 33/ 235، برقم 20034، وأبو داود، كتاب الحمام، باب ما جاء في التعري، 4/ 72، برقم 4019، والترمذي، كتاب الأدب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في حفظ العورة، 5/ 97، برقم 2759، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب التستر عند الجماع، 1/ 618، برقم 1920، والحاكم، 4/ 199، برقم 7358، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في صحيح أبي داود، 1/ 137: «إسناده ثابت»، وحسنه في صحيح ابن ماجه، برقم 1559. (2) تفسير القرآن العظيم، 10/ 214.

(1/75)


1 - امتثال الأمر من الله، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده: 2 - تخليص القلب من الحسرة؛ فإن من أطلق نظره دامت حسرته، فأَضَرُّ شيء على القلب إرسال البصر، فإنه يريه ما لا سبيل إلى وصوله، ولا صبر له عنه، وذلك غاية الألم. قال الفرزدق: تَزَوَّدَ منها نظرةً لم تَدعْ لهُ ... فؤادًا ولم يشعر بما قد تزودا فلم أر مقتولًا ولم أر قاتلًا ... بغير سلاح مثلها حين أقصدا 3 - غض الطرف يورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين، وفي الوجه، وفي الجوارح؛ كما أن إطلاق البصر يورث ذلك ظلمة وكآبة. قال ابن القيم في كتابه: «روضة المحبين ونزهة المشتاقين» لما ذكر هذه الفائدة: «ولهذا - واللَّه أعلم - ذكر سبحانه آية النور في قوله: {اللَّه نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} عقب قوله: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ... 4 - يورث صحة الفراسة؛ فإنها من النور وثمراته، فإذا استنار القلب صحت الفراسة؛ فإنه يصير بمنزلة المرآة المجْلُوَّة تظهر فيها المعلومات كما هي، والنظر بمنزلة التنفس فيها، فإذا أطلق العبد نظره تنفست نفسه الصُّعَداء في مرآة قلبه فطمست نورها، كما قيل في ذلك: مرآة قلبك لا تريك صلاحه ... والنفس فيها دائماً تتنفس

(1/76)


وقال شجاع الكرماني - رحمه الله -: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات وأكل من الحلال، لم تخطئ فراسته، وكان شجاع لا تخطئ له فراسة؛ فإن اللَّه سبحانه يجزي العبد من جنس عمله، فمن غض بصره عن المحارم عوضه اللَّه سبحانه إطلاق نور بصيرته، فلما حبس بصره له تعالى، أطلق له بصيرته جَزاءً وفاقاً. 5 - تُفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه؛ وذلك سبب نور القلب؛ فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات، وانكشف له بسرعة، ونفذ من بعضها إلى بعض، ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه، وأظلم، وانسدّ عليه باب العلم وأحجم. 6 - يورث قوة القلب وثباته وشجاعته؛ فيجعل اللَّه له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة، وفي أَثَرٍ: أن الذي يخالف هواه يَفْرَقُ الشيطان من ظله، ولذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه، ومهانة النفس وحقارتها ما جعله اللَّه لمؤثر هواه على رضاه، بخلاف من آثر رضا مولاه على هواه، فإنه في عز الطاعة، وحصن التقوى، بخلاف أهل المعاصي والأهواء. قال الحسن: «إنهم وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين، إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى اللَّه إلَّا أن يذل من

(1/77)


عصاه» (1). وبعض الناس يطلبون العزّ في أبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة اللَّه، فمن أطاع اللَّه فقد والاه فيما أطاعه فيه، ومن عصاه عاداه فيما عصاه فيه (2). وفي دعاء القنوت: «إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت» (3). 7 - يورث القلب سروراً وفرحة أعظم من الالتذاذ بالنظر، وذلك لقهره عدوه، وقمع شهوته، ونصرته على نفسه، فإنه لما كف لذته، وحبس شهوته للَّه تعالى، وفيهما مَضَرَّةُ نفسِهِ الأمَّارةِ بالسوء، أعاضه اللَّه سبحانه مسرة، ولذة أكمل منهما. كما قال بعضهم: واللَّه لَلَذَّةُ العفة أعظم من لذة الذنب، ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحاً وسروراً ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما، وهنا يمتاز العقل من الهوى. 8 - يُخلِّص القلب من أسر الشهوة، فلا أسر أشد من أسر الشهوة والهوى، قد سلب الحول والقوة، وعزَّ عليه الدواء. _________ (1) ذكره في غذاء الألباب، 1/ 68، ولم يعزه لأحد رواه، وهو أخذه على ما يبدو من ابن القيم في روضة المحبين. (2) انظر: الحاشية السابقة. (3) أخرجه أبو داود، 1/ 536، برقم 1425، والطبراني في الكبير، 3/ 73، برقم 2702، والبيهقي في الكبرى، 2/ 209، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود، 5/ 168، برقم 1281.

(1/78)


فهو كما قيل: كعصفورة في كف طفل يسومها ... حياضَ الردى والطفل يلهو ويلعب (1) 9 - يسدّ عنه باباً من أبواب جهنم، فإنّ النظر باب الشهوة الحاملة على موافقة الفعل، وتحريمُ الرب تعالى وشرعُهُ حجابٌ مانع من الوصول، فمتى هَتَك الحجاب تجرأ على المحظور، ولم تقف نفسه منه عند غاية؛ لأن النفس في هذا الباب لا تقنع بغاية تقف عندها، وذلك أن لذته في الشيء الجديد. فصاحب الطارف لا يقنعه التليد (2)، وإن كان أحسن منه منظراً أو أطيب مخبراً، فَغَضُّ البصر يسدّ عنه هذا الباب، الذي عجزت الملوك عن استيفاء أغراضهم فيه ... 10 - يقوّي عقله، ويثبته، ويزيده، فإرسال البصر لا يحصُلُ إلا من قلة في العقل، وطيش في اللب، وخور في القلب، وعدم ملاحظة للعواقب، فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب، ومُرسِلُ الطرفِ لو علمَ ما تجني عواقبُ طَرْفِهِ عليه لما أطلق بصره. ولذا قال بعضهم: وأعقل الناس من لم يرتكب سبباً ... حتى يفكر ما تجني عواقبه (3) _________ (1) ذكره الدميري في حياة الحيوان الكبرى، ولم ينسبه لأحد. (2) الطارف: المال المستحدث، والتليد: المال القديم الأصلي. (3) لم أجد من ذكره.

(1/79)


11 - يخلِّص القلب من سكرة الشهوة، ورقدة الغفلة؛ فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن اللَّه والدار الآخرة، ويوقع في سكرة العشق، كما قال تعالى في عشاق الصور: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (1)» (2). قَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ - رحمه الله -: «وَالنَّظَرُ أَصْلُ عَامَّةِ الْحَوَادِثِ الَّتِي تُصِيبُ الإِنْسَانَ؛ فَإِنَّ النَّظْرَةَ تُولِدُ الخَطْرَةَ، ثُمَّ تُولِدُ الْخَطْرَةُ فِكْرَةً، ثُمَّ تُولِدُ الْفِكْرَةُ شَهْوَةً، ثُمَّ تُولِدُ الشَّهْوَةُ إرَادَةً، ثُمَّ تَقْوَى فَتَصِيرُ عَزِيمَةً جَازِمَةً، فَيَقَعُ الْفِعْلُ، وَلا بُدَّ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ. وَفِي هَذَا قِيلَ: «الصَّبْرُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ أَيْسَرُ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى أَلَمٍ بَعْدَهُ، وَلهذَا قَالَ الشَّاعِرُ: كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَؤهَا مِنَ النَّظَرِ ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَر كَمْ نَظْرَةً فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا ... فَتْكَ السِّهَامِ بِلا قَوْسٍ وَلا وَتَر وَالْعَبْدُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... فِي أَعْيُنِ الْغِيدِ مَوْقُوفٌ عَلَى الخَطَر يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ خَاطِرَهُ ... لا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ» (3) _________ (1) سورة الحجر، الآية: 72. (2) انظر: غذاء الألباب بشرح منظومة الآداب، 1/ 80 - 95، وحجاب المرأة المسلمة للدكتور محمد فؤاد البرازي، ص 388 - 391. (3) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، طبعة الرياض، نشر مكتبة الرياض الحديثة، 1392هـ،، ص 134.

(1/80)


12 - يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي قد يكون. 13 - يورث القلب أُنساً باللَّه. 14 - يسدّ على الشيطان مداخله من القلب. 15 - يفرغ القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بها. 16 - يسلم القلب من الفساد؛ لأن النظر منفذ للقلب، فإذا فسد النظر فسد القلب، وإذا فسد القلب فسد النظر (1). رابعاً: خطر إطلاق البصر فيما حرم الله - عز وجل -: قال اللَّه تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (2). فقد أمر اللَّه - عز وجل - المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، ولم يذكر اللَّه تعالى ما يُغَض البصر عنه، ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، وأن المراد منه المحرم دون المحلل (3). وتقدم أن الأمر بغضّ البصر عن جميع ما حرم اللَّه على العبد النظر إليه، وأن حفظ الفرج بحفظه من النظر إليه، ويكون تارة بحفظه من الزنا. _________ (1) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص 158 - 159. (2) سورة النور، الآية: 30. (3) انظر: الجامع لأحكام القرآن، لمحمد بن أحمد القرطبي، 6/ 225.

(1/81)


قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «ويَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا حِفْظُهُ مِنَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ، وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ الْأَمْرَ بِغَضِّ الْبَصَرِ عَلَى الْأَمْرِ بِحِفْظِ الْفَرْجِ; لِأَنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنَا ... » (1). والعفيف الذي يراقب اللَّه تعالى ويخشاه يغض بصره عما حرّم اللَّه النظر إليه، امتثالاً لأمر اللَّه تعالى: وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِي جَارَتِي ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا (2)» (3) قَالَ تَعَالَى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (4)، وَهَذَا فِيهِ التَهْدِيدُ لِمَنْ لَمْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنِ الْحَرَامِ (5). وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ - رحمه الله -: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، لِلْحَسَنِ: إِنَّ نِسَاءَ الْعَجَمِ يَكْشِفْنَ صَدْرَهُنَّ وَرُءُوسَهُنَّ، قَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْهُنَّ، يَقُولُ اللَّهُ - عز وجل -: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (6)، قَالَ قَتَادَةُ: عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ} (7) خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ النَّظَرُ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ (8). _________ (1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 6/ 188. (2) البيت لعنترة بن شداد، وهو في ديوانه، ص 93. (3) انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 6/ 255، وأضواء البيان للشنقيطي، 6/ 189. (4) سورة غافر، الآية: 19. (5) انظر: أضواء البيان للشنقيطي، 6/ 189. (6) سورة النور، الآية: 30. (7) سورة النور، الآية: 31. (8) البخاري، كتاب الاستئذان، باب قول اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً}، قبل الحديث رقم 6238.

(1/82)


قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} فِيهِ الْوَعِيدُ لِمَنْ يَخُونُ بِعَيْنِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَهَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَتَانِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا: مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ»، فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» (1). وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: «أَرْدَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا، فَوَقَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَالْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ بِيَدِهِ، فَأَخَذَ بِذَقَنِ الْفَضْلِ فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا»، الْحَدِيثَ (2). _________ (1) البخاري، كتاب الاستئذان، باب قول اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً}، برقم 6229، مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات، وإعطاء الطريق حقه، برقم 2121. (2) البخاري، كتاب الاستئذان، باب قول اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً}، برقم 6228.

(1/83)


وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْهُ: أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - صَرَفَ وَجْهَ الْفَضْلِ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَظَرَهُ إِلَيْهَا لَا يَجُوزُ، وَاسْتِدْلَالُ مَنْ يَرَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْكَشْفَ عَنْ وَجْهِهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ بِكَشْفِ الْخَثْعَمِيَّةِ وَجْهَهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْجَوَابُ عَنْهُ في الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحِجَابِ فِي سُورَةِ «الْأَحْزَابِ». وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: مِنْ أَنَّ نَظَرَ الْعَيْنِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهَا تَكُونُ بِهِ زَانِيَةً، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنِ: النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ: الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ» (1). وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْهُ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: «فَزِنَى الْعَيْنِ النَّظَرُ»، فَإِطْلَاقُ اسْمِ الزِّنَى عَلَى نَظَرِ الْعَيْنِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَالْأَحَادِيثُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّظَرَ سَبَبُ الزِّنَى، فَإِنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى جَمَالِ امْرَأَةٍ مَثَلًا، قَدْ يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِهِ حُبُّهَا مِنْ قَلْبِهِ تَمَكُّنًا يَكُونُ سَبَبَ هَلَاكِهِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَالنَّظَرُ بَرِيدُ الزِّنَى، وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْأَنْصَارِيُّ: كَسَبَتْ لِقَلْبِي نَظْرَةً لِتَسُرَّهُ ... عَيْنِي فَكَانَتْ شِقْوَةً وَوَبَالًا _________ (1) البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، برقم 6243، مسلم، كتاب القدر، باب قدر على بن آدم حظه من الزنا وغيره، برقم 2657.

(1/84)


مَا مَرَّ بِي شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْهَوَى ... سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْهَوَى وَتَعَالَى (1) وَقَالَ آخَرُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْعَيْنَ لِلْقَلْبِ رَائِدٌ ... فَمَا تَأْلَفُ الْعَيْنَانِ فَالْقَلْبُ آلِفُ (2) وَقَالَ آخَرُ: وَأَنْتَ إِذَا أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا ... لِقَلْبِكَ يَوْمًا أَتْعَبَتْكَ الْمُنَاظِرُ رأيت الذي لا كلّه أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر (3) وقال أبو الطيب المتنبي: وَأَنَا الَّذِي اجْتَلَبَ الْمَنِيَّةَ طَرْفُهُ ... فَمَنِ الْمُطَالِبُ وَالْقَتِيلُ الْقَاتِلُ (4) وذكر ابن الجوزي - رحمه الله - في كتابه ذم الهوى فصولاً جيدة نافعة أوضح فيها الآفات التي يسببها النظر، وحذر فيها منه، وذكر كثيراً من أشعر الشعراء، والحكم النثرية في ذلك، وكله معلوم، والعلم عند اللَّه تعالى> (5). _________ (1) ديوان مسلم بن الوليد، ص 201. (2) نسبه في خزانة الأدب، 5/ 22: للشاعر مضرس بن قرطة أحد بني صبح. (3) ذكره في محاضرات الأدباء، 2/ 123 وعزاه إلى جارية. (4) ديوان المتنبي، ص 177. (5) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 6/ 189 - 192 بتصرف.

(1/85)


 المطلب الخامس: الأدلة على وجوب حجاب المرأة عن الرجال الأجانب

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1). وتفصيل ذلك في هذه الآية على النحو الآتي: 1 - {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}. قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «وقوله: {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} قال سعيد بن جُبَيْر: عن الفواحش، وقال قتادة وسفيان: عمَّا لا يحلُّ لهن، وقال مقاتل: عن الزنى، وقال أبو العالية: كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنا، إلا هذه الآية: _________ (1) سورة النور، الآية: 31.

(1/86)


{وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} ألا يراها أحد» (1). وقال الزمخشري: «وعن ابن زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى إلا هذه الآية؛ فإنه أراد به الاستتار» (2). قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِحِفْظِ الْفَرْجِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الِاسْتِتَارُ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا حِفْظُهُ مِنَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ، وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ الْأَمْرَ بِغَضِّ الْبَصَرِ عَلَى الْأَمْرِ بِحِفْظِ الْفَرْجِ; لِأَنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنَا» (3). ووجه دلالة قوله تعالى: {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} على وجوب الحجاب على المرأة عن الرجال الأجانب: أن اللَّه تعالى أمر المؤمنات بحفظ فروجهن، والأمر بحفظ الفرج أمرٌ بحفظه، وبما يكون وسيلة إليه، ولا يرتاب عاقل أن من وسائل حفظ الفرج تغطية الوجه؛ لأن كشفه سبب للنظر إليها، وتأمل محاسنها، والتلذذ بذلك، ثم الوصول إلى الاتصال، وفي الحديث: «العينان تزنيان وزناهما النظر» إلى أن قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (4)، فإذا كان تغطية الوجه من وسائل حفظ الفرج كان مأموراً به؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد (5). _________ (1) تفسير القرآن العظيم، 10/ 217. (2) تفسير الزمخشري، 3/ 229. ونقله عنه الشنقيطي في أضواء البيان، 6/ 188. (3) أضواء البيان، 6/ 188. (4) البخاري، برقم 6243، ومسلم، برقم 2046، وتقدم تخريجه. (5) انظر: رسالة الحجاب، للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ص 7، وهي في مجموع فتاوى ابن عثيمين.

(1/87)


2 - قوله - عز وجل -: «{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: أي: لا يُظهرْنَ شيئاً من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه. وقال ابن مسعود [- رضي الله عنه -]: كالرداء والثياب، يعني: على ما كان يتعاناه نساء العرب، من المِقْنعة التي تُجَلِّل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه. ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم ... » (1). وهذا هو الصواب الذي دلت عليه الأدلة، واختاره المحققون (2). _________ (1) تفسير القرآن العظيم، 10/ 217. (2) والقول الآخر في معنى {مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: « ... وقال الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: وجهها وكفيها والخاتم. ورُوي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم نحوُ ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السَّبيعي، عن أبي الأحْوَص، عن عبد اللَّه قال في قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}: الزينة القُرْط والدُّمْلُج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، [وزينة يراها الأجانب، وهي] الظاهر من الثياب. وقال الزهري: [لا يبدين] لهؤلاء الذين سَمَّى اللَّه ممن لا تحلّ له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري: {إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه [برقم 4104]: حدثنا يعقوب بن كعب الإنطاكي ومُؤَمَّل بن الفضل الحَرَّاني قالا حدثنا الوليد، عن سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة، - رضي الله عنها -؛ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا»، وأشار إلى وجهه وكفيه، لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: هذا مرسل؛ خالد بن دُرَيك لم يسمع من عائشة، واللَّه أعلم. [تفسير القرآن العظيم، 10/ 217 - 218]. ولكن حقق العلماء رحمهم اللَّه تعالى الآثار المنسوبة إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسيره: «إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا: بالوجه والكفين»، وقوله الآخر: بأن ذلك الكحل والخاتم، فبيَّنوا بأنها جاءت بأسانيد ضعيفة لا يعتمد عليها، ويسقط الاستدلال بها، كما بيَّنوا صحة الآثار المسندة إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - في تفسيره: «إلا ما ظهر منها» بأن ذلك ظاهر الثياب، والرداء. قال فضيلة الشيخ عبد القادر بن حبيب اللَّه السندي المدرس بمعهد الحرم المكي الشريف أثناء نقده لأثر: «إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه». [وليس هناك حديث صحيح مرفوع في هذا المعنى إلا ما جاء عن عبد اللَّه بن عباس - رضي الله عنهما - في أثر أخرجه الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره [18/ 119]، والبيهقي في السنن الكبرى [2/ 182 - 183، 7/ 86]، قال الإمام ابن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ} قال: الكحل والخاتم. قلت: إسناده ضعيف جدًّا، بل هو منكر، قال الإمام الذهبي: مسلم بن كيسان أبو عبد اللَّه الضبي الكوفي الملائي الأعور عن أنس وإبراهيم النخعي، وقال الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي [تهذيب الكمال، 7/ 663] في ترجمة مسلم بن كيسان الملائي: روى عن سعيد بن جبير- وهو يروي في هذا الإسناد عن سعيد بن جبير. ثم قال الإمام الذهبي في ترجمته: «عن الثوري ووكيع بن الجراح بن مليح، قال الفلاس: متروك الحديث، وقال أحمد: لا يكتب حديثه، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال يحيى أيضَاً: زعموا أنه اختلط، وقال يحيى القطان: حدثني حفص بن غياث قال: قلت لمسلم الملائي: عمن سمعت هذا؟ قال- عن إبراهيم عن علقمة، قلنا: علقمة عمن؟ قال: عن عبد اللَّه، قلنا: عبد اللَّه عمن؟ قال: عن عائشة-، وقال النسائي: متروك الحديث» [ميزان الاعتدال، 4/ 106] اهـ، "وقلت: هذا الإسناد ساقط لا يصلح للمتابعات والشواهد، كما لا يخفى على أهل هذا الفن الشريف. وقال الإمام الحافظ البيهقي في السنن الكبرى: «أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا حفص بن غياث عن عبد اللَّه بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: ما في الكف والوجه. [السنن الكبرى، 2/ 225، 7/ 852، وقال الشيخ منصور بن إدريس البهوتي - رحمه الله -: «ولا يبدين زينتها إلا ما ظهر منها» قال ابن عباس وعائشة: وجهها وكفيها، رواه البيهقي، وفيه ضعف، وخلفهما ابن مسعود» اهـ، من كشاف القناع، 1/ 243]. قلت: إسناده مظلم ضعيف؛ لضعف راويين هما أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال الإمام الذهبي: أحمد بن عبد الجبار العطاردي روى عن أبي بكر بن عياش وطبقته، ضعفه غير واحد، قال ابن عدي: رأيتهم مجمعين على ضعفه، ولا أرى له حديثاً منكراً، إنما ضعفوه لأنه لم يلق الذين يحدث عنهم، وقال مطين: كان يكذب، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابنه عبد الرحمن: كتبت عنه وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه، وقال ابن عدي: كان ابن عقدة لا يحدث عنه، وذكر أن عنده قِمَطْرًا على أنه كان لا يتورع أن يحدث عن كل أحد، مات سنة 272 هـ[ميزان الاعتدال، 1/ 112 - 113]. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف [تقريب التهذيب، 1/ 19]. وكذا يوجد في هذا الإِسناد- عند الإمام البيهقي- عبد اللَّه بن مسلم بن هرمز المكي عن مجاهد وغيره، قال الحافظ الذهبي: ضعفه ابن معين،. وقال: وكان يرفع أشياء، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن المديني: كان ضعيفاً (مرتين) عندنا، وقال أيضا: ضعيف، وكذا ضعفه النسائي [ميزان الاعتدال، 2/ 503]، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف [تقريب التهذيب، 1/ 450]. قلت: هذان الإسنادان ساء حالهما إلى حد بعيد، لا يحتج بهما ولا يكتبان، وهنا أسانيد أخرى لا تقل درجتها في الضعف والنكارة، وبذلك يمكن أن يقال إن هذه النسبة غير صحيحة إلى عبد اللَّه بن عباس - رضي الله عنهما -، ولو صح الإِسناد إليه لما كان فيه حجة عند علماء أهل الحديث، فكيف في هذه الحال؟ وقد صحت الأسانيد إلى ابن عم المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وإلى غيره من الصحابة - رضي الله عنهم - عكس هذا المعنى الذي رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، والبيهقي في سننه، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره، وزد على ذلك ما ثبت بأسانيد صحيحة عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي مفصلاً من أمره - صلى الله عليه وسلم - بالحجاب والستر. وإليكم أولاً ما جاء عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم -، ومنهم عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه -، أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره إذ قال - رحمه الله -: حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني الثوري، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال: الثياب [تفسير الطبري، 18/ 119، وقد رواه ابن أبي شيبة، والحاكم، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي في التلخيص. قلت: إسناده في غاية الصحة، وأورد هذا الأثر الإمام ابن كثير في تفسيره [2/ 283]. ثم ساق الإمام ابن جرير الطبري إسناداً آخر بقوله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه مثله - قلت: إسناده في غاية الصحة. وقال الإمام السيوطي: أخرج ابن جرير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: الزينة الظاهرة: الوجه والكفان وكحل العينين، ثم قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها، ثم لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن» الآية. ثم قال - رضي الله عنه -: «والزينة التي تبديها لهؤلاء: قرطاها، وقلادتها، وسوارها، وأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها» [الدر المنثور، 5/ 42]، قلت: رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - هذه قد اطلعت على إسنادها عند ابن جرير الطبري في تفسيره، ورجالها كلهم ثقات، إلا أنها منقطعة؛ لأن فيها علي بن أبي طلحة المتوفى سنة 143 هـ، يروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - - ولم يلقه والواسطة بينهما هو مجاهد بن جبر المكي - وهو إمام كبير ثقة ثبت، كما لا يخفى على أحد - وقد احتج بهذه الرواية - أعني رواية على بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - - البخاري في الجامع الصحيح [انظر مثلاً: فتح الباري، 8/ 207، 228، 265]؛ إذ أوردها في مواضع عديدة من كتاب التفسير معلقة، وإن كانت ليست على شرطه في الجامع الصحيح - قال ذلك الحافظ في التهذيب [تهذيب التهذيب، 7/ 340]. وقال الإمام المزي في تهذيب الكمال مشيراً إلى رواية التفسير هذه «في ترجمة علي بن أبي طلحة: هو مرسل عن ابن عباس، وبينهما مجاهد» [تهذيب الكمال، 5/ 480]، واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره [محاسن التأويل، 4/ 4909]، والإمام القرطبي في تفسيره [الجامع لأحكام القرآن، 4/ 243]، وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت قوية ومُحتجّاً بها عند علماء التفسير وغيرهم، وإن ظاهر القرآن والسنة وأثار الصحابة والتابعين تؤيدها، فليعتمد عليها ويستأنس بها». اهـ[الحجاب في الكتاب والسنة للسندي، ص 21 - 26].

(1/88)


قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: « ... والْمُرَادَ بِالزِّينَةِ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ خَارِجًا عَنْ أَصْلٍ خِلْقَتِهَا، وَلَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا; كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ: إِنَّهَا ظَاهِرُ الثِّيَابِ; لِأَنَّ الثِّيَابَ زِينَةٌ لَهَا خَارِجَةٌ عَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ بِحُكْمِ الِاضْطِرَارِ، كَمَا تَرَى، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا، وَأَحْوَطُهَا، وَأَبْعَدُهَا مِنَ الرِّيبَةِ وَأَسْبَابِ الْفِتْنَةِ ... » (1). (2). _________ (1) أضواء البيان، 6/ 197. (2) وقد نقل الشنقيطي - رحمه الله - أقوال العلماء في تفسير قول اللَّه تعالى: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، ثم بعد أن ذكر هذه الأقوال والآثار عنهم قال: وَقَدْ رَأَيْتَ فِي هَذِهِ النُّقُولِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ السَّلَفِ أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ وَالزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ، وَأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ رَاجِعٌ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ; كَمَا ذَكَرْنَا: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّينَةِ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ خَارِجًا عَنْ أَصْلٍ خِلْقَتِهَا، وَلَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا ; كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ: إِنَّهَا ظَاهِرُ الثِّيَابِ ; لِأَنَّ الثِّيَابَ زِينَةٌ لَهَا خَارِجَةٌ عَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ بِحُكْمِ الِاضْطِرَارِ، كَمَا تَرَى. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا وَأَحْوَطُهَا، وَأَبْعَدُهَا مِنَ الرِّيبَةِ وَأَسْبَابِ الْفِتْنَةِ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّينَةِ: مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا أَيْضًا، لَكِنَّ النَّظَرَ إِلَى تِلْكَ الزِّينَةِ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ الْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ كَالْخِضَابِ وَالْكُحْلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَةَ الْمَوْضِعِ الْمُلَابِسِ لَهُ مِنَ الْبَدَنِ، كَمَا لَا يَخْفَى. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ بَعْضُ بَدَنِ الْمَرْأَةِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا ; كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِمَا ظَهَرَ مِنْهَا الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّنَا قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا أَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْآيَةِ قَوْلًا، وَتَكُونُ فِي نَفْسِ الْآيَةِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا فِي تَرْجَمَتِهِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ فِي الْقُرْآنِ إِرَادَةَ مَعْنًى مُعَيَّنٍ فِي اللَّفْظِ، مَعَ تَكَرُّرِ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي الْقُرْآنِ، فَكَوْنُ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ مِنَ اللَّفْظِ فِي الْغَالِبِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ; لِدَلَالَةِ غَلَبَةِ إِرَادَتِهِ فِي الْقُرْآنِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ، وَذَكَرْنَا لَهُ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ فِي التَّرْجَمَةِ. وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ لِلَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ، وَمَثَّلْنَا لَهُمَا بِأَمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ كِلَاهُمَا مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ فِي مَعْنَى: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّينَةِ: الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ مَثَلًا، تُوجَدُ فِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهِيَ أَنَّ الزِّينَةَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، هِيَ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا: كَالْحُلِيِّ، وَالْحُلَلِ. فَتَفْسِيرُ الزِّينَةِ بِبَعْضِ بَدَنِ الْمَرْأَةِ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ: الْوَجْهُ، وَالْكَفَّانِ خِلَافُ ظَاهِرِ مَعْنَى لَفْظِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ، فَلَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. وَأَمَّا نَوْعُ الْبَيَانِ الثَّانِي الْمَذْكُورِ، فَإِيضَاحُهُ: أَنَّ لَفْظَ الزِّينَةِ يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مُرَادًا بِهِ الزِّينَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ أَصْلِ الْمُزَيَّنِ بِهَا، وَلَا يُرَادُ بِهَا بَعْضُ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُزَيَّنِ بِهَا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف، الآية: 31]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف، الآية: 32]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} [الكهف، الآية: 7]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} [القصص، الآية: 60]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات، الآية: 6]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل، الْآيَةَ: 8]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص، الْآيَةَ: 79]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف، الآية: 46]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الحديد، الْآيَةَ: 20]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه، الآية: 59]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ مُوسَى: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} [طه، الآية: 87]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور، الآية: 31]، فَلَفْظُ الزِّينَةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا يُرَادُ بِهِ مَا يُزَيَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ، كَمَا تَرَى، وَكَوْنُ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْغَالِبُ فِي لَفْظِ الزِّينَةِ فِي الْقُرْآنِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الزِّينَةِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ يُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى، الَّذِي غَلَبَتْ إِرَادَتُهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ; كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: يَأْخُذْنَ زِينَتَهُنَّ أَحْسَنَ مَا تَرَى ... وَإِذَا عَطَلْنَ فَهُنَّ خَيْرُ عَوَاطِل وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ تَفْسِيرَ الزِّينَةِ فِي الْآيَةِ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، فِيهِ نَظَرٌ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّينَةِ فِي الْقُرْآنِ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَأَنَّ مَنْ فَسَّرُوهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ زِينَةٌ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ الْمَرْأَةِ كَظَاهِرِ الثِّيَابِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ زِينَةٌ يَسْتَلْزِمُ النظر إِلَيْهَا رُؤْيَةَ مَوْضِعِهَا مِنْ بَدَنِ الْمَرْأَةِ ; كَالْكُحْلِ وَالْخِضَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ -: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ الزِّينَةَ الظَّاهِرَةَ هِيَ مَا لَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا رُؤْيَةَ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ هُوَ أَحْوَطُ الْأَقْوَالِ، وَأَبْعَدُهَا عَنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ، وَأَطْهَرُهَا لِقُلُوبِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ هُوَ أَصْلُ جَمَالِهَا وَرُؤْيَتَهُ مِنْ أَعْظَمَ أَسْبَابِ الِافْتِتَانِ بِهَا ; كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَالْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْكَرِيمِ، هُوَ تَمَامُ الْمُحَافَظَةِ، وَالِابْتِعَادُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي» [أضواء البيان، 6/ 197 - 200 بتصرف].

(1/92)


وقال الإمام عبد العزيز ابن باز - رحمه الله -: «قال سبحانه: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: مَا (ظَهَرَ مِنْهَا) يعني بذلك: ما ظهر من اللباس؛ فإن ذلك معفوٌّ عنه، ومراده بذلك - رضي الله عنه -: الملابس التي ليس فيها تبرج وفتنة. وأما ما يُروَى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه فسَّر {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالوجه والكفين، فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب، وأما بعد ذلك فقد أوجب اللَّه عليهن ستر الجميع، كما سبق في

(1/94)


الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها. ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك: ما رواه علي بن أبي طلحة عنه أنه قال: «أمر اللَّه نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة»، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق (1)، وهو الحق الذي لا ريب فيه. _________ (1) سبق أن ما يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - تفسيره: «ما ظهر منها» بأنه ضعيف، ولكن على افتراض صحة نسبته إليه فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: «والسلف تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم. قال: وحقيقة الأمر أن اللَّه جعل الزينة زينتين، زينةً ظاهرة وزينة غير ظاهرة، وجوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم. وقبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل اللَّه - عز وجل - آية الحجاب بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش - رضي الله عنها - فأرخى النبي - صلى الله عليه وسلم - الستر ومنع أنسَا أن ينظر. ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها. فلما أمر اللَّه أن لا يُسئلن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ والجلباب هو المُلاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة: الإزار، هو الإزار الكبير الذي، يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عَبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب «فكن النساء ينتقبن»، وفي الصحيح «إن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين» [البخاري، برقم 1838]، فإذا كنَّ مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهر للأجانب، فما بقي يَحِلُّ للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة: فابن مسعود ذكر آخر الأمرين؛ وابن عباس ذكر أول الأمرين» [حجاب المرأة ولباسها في الصلاة" ص: 13 - 17، مجموع الفتاوى لابن تيمية (22/ 110)]، ويتضح من هذا أن شيخ الإسلام يذهب إلى وقوع النسخ في مراحل تشريع الحجاب قال - رحمه الله -: «وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب» اهـ، وقال أيضَاً - رحمه الله -: «وأما وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب لم تُنه عن أَبدائه للنساء ولا لذوي المحارم» اهـ. [من مجموع الفتاوى، (22/ 117 - 118)] .. وقال العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: «وأما ما يروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه فسر «إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا» بالوجه والكفين، فهو محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب، وأما بعد ذلك فقد أوجب اللَّه عليهن ستر الجميع كما سبق في الآيات الكريمات من سورة الأحزاب وغيرها، ويدل على أن ابن عباس أراد ذلك ما رواه علي بن أبي طلحة عنه أنه قال: أمر اللَّه نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة. وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق وهو الحق الذي لا ريب فيه، ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة، وقد تقدم قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ولم يستثن شيئاً وهي آية محكمة، فوجب الأخذ بها والتعويل عليها وحمل ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهن من نساء المؤمنين وتقدم من سورة النور ما يرشد إلى ذلك» [رسالة الحجاب والسفور، ص 19]. وهذا الجمع أولى لما ورد عن ابن عباس أيضًا من قوله: تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به. قال روح في حديثه: قلت: وما (لا تضرب به)؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب قال: «تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو مسدول على وجهها». رواه أبو داود في كتاب المسائل، [ص 110، وصححه الألباني في الرد المفحم، ص 50].

(1/95)


وأما ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة - رحمه الله -: أن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - دخلت على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا»، وأشار إلى وجهه وكفيه. فهو حديث ضعيف الإسناد، لا يصحُّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه من رواية خالد بن دريك عن عائشة، وهو لم يسمع منها، فهو منقطع؛ ولهذا قال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث: هذا مرسل، خالد لم يدرك عائشة .. ولأن في إسناده سعيد بن بشير، وهو ضعيف لا يحتج بروايته .. وفيه علة أخرى ثالثة وهي: عنعنة قتادة عن خالد بن دريك، وهو مدلس. ومعلوم ما يترتب على ظهور الوجه والكفين من الفساد والفتنة وقد تقدم قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، ولم يستثن شيئاً، وهي آية محكمة، فوجب الأخذ بها، والتعويل عليها، وحمل ما سواها عليها، والحكم فيها عام في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهن من نساء المؤمنين» (1). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «إن اللَّه تعالى نهى عن إبداء الزينة مطلقاً إلا ما ظهر منها، وهي التي لا بد أن تظهر كظاهر الثياب، ولذلك قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، لم يقل: إلا ما أظهرن منها، ثم نهى مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم، _________ (1) حكم الحجاب والسفور، ص 8 - 10.

(1/97)


فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى، فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد، ولا يمكن إخفاؤها، والزينة الثانية هي الزينة الباطنة التي لا يجوز إبدؤها إلاّ لأناس مخصوصين، سواء كانت من صنع اللَّه تعالى، كالوجه، أم من صنع الآدميين، كثياب الجمال الباطنة التي يتزين بها، ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى، والاستثناء في الثانية فائدة معلومة» (1). 3 - قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}. وهذا يتضمن أمر النساء بتغطية وجوههن ورقابهن، وبيان ذلك أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها، فهي مأمورة ضمنًا بستر ما بين الرأس والصدر، وهما الوجه والرقبة، وإنما لم يُذكر هاهنا واللَّه أعلم؛ للعلم بأن سدل الخمار إلى أن يضرب على الجيب لا بد أن يغطيهما. والاختمار لغة على تغطية الوجه، قال بعضهم في وصف امرأة بالجمال وهي مخمرة وجهها: قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التّقَى المذهب نور الخمار ونور خدِّك تحته ... عجباً لوجهك كيف لم يتلهَّبَ (2) _________ (1) رسالة الحجاب، ص 8. (2) ذكره في يتيمة الدهر، ونسبه لأبي علي التنوخي، 2/ 406، برواية: (المترهب) بدلاً من (المذهب) في البيت الأول، وذكره وبمثله رواه في وفيات الأعيان، 4/ 160.

(1/98)


قال الألباني - رحمه الله -: «فقد وصفها - يعني المليحة - بأن خمارها كان على وجهها أيضاً» اهـ (1). قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «الخُمُر التي تغطّي الرأس والوجه والعنق، والجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان» (2). قَالَ الإمام الْبُخَارِيُّ - رحمه الله - فِي صَحِيحِهِ، «بَابُ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ»: وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رحمه الله - قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (3). حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: «أَنَّ عَائِشَةَ - رحمه الله - كَانَتْ تَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، أَخَذْنَ أُزُرَهُنَّ فَشَقَقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي، فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (4). وَقَالَ الحافظ ابْنُ حَجَرٍ - رحمه الله -، فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: _________ (1) حجاب المرأة المسلمة، هامش ص 33. (2) حجاب المرأة ولباسها في الصلاة، ص 33، ومجموع فتاويه، 22/ 76. (3) البخاري، كتاب التفسير، باب: «وليضربن بخمرهن على جيوبهن»، برقم 4758. (4) البخاري، كتاب التفسير، باب: «وليضربن بخمرهن على جيوبهن»، برقم 4759.

(1/99)


«قَوْلُهُ: «فَاخْتَمَرْنَ»: أَيْ غَطَّيْنَ وُجُوهَهُنَّ، وَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ تَضَعَ الْخِمَارَ عَلَى رَأْسِهَا، وَتَرْمِيهِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْعَاتِقِ الْأَيْسَرِ، وَهُوَ التَّقَنُّعُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُسْدِلُ الْمَرْأَةُ خِمَارَهَا مِنْ وَرَائِهَا، وَتَكْشِفُ مَا قُدَّامَهَا، فَأُمِرْنَ بِالِاسْتِتَارِ» (1). قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النِّسَاءَ الصَّحَابِيَّاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِيهِ فَهِمْنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، يَقْتَضِي سِتْرَ وُجُوهِهِنَّ، وَأَنَّهُنَّ شَقَقْنَ أُزُرَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ، أَيْ: سَتَرْنَ وُجُوهَهُنَّ بِهَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} الْمُقْتَضِي سِتْرَ وُجُوهِهِنَّ، وَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ الْمُنْصِفُ: أَنَّ احْتِجَابَ الْمَرْأَةِ عَنِ الرِّجَالِ وَسِتْرَهَا وَجْهَهَا عَنْهُمْ ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الْمُفَسِّرَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أَثْنَتْ عَائِشَةُ - رحمه الله - عَلَى تِلْكَ النِّسَاءِ بِمُسَارَعَتِهِنَّ لِامْتِثَالِ أَوَامِرِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُنَّ مَا فَهِمْنَ سَتْرَ الْوُجُوهِ مِنْ قَوْلِهِ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، إِلَّا مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَهُنَّ يَسْأَلْنَهُ عَنْ كُلِّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِنَّ فِي دِينِهِنَّ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (2)، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسِّرْنَهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِنَّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: «وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ _________ (1) البخاري، كتاب التفسير، باب: «وليضربن بخمرهن على جيوبهن»، برقم 4759. (2) سورة النحل، الآية: 44.

(1/100)


عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَيْثَمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: «ذَكَرْنَا عِنْدَ عَائِشَةَ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُنَّ، فَقَالَتْ: إِنَّ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ، وَلَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، فَانْقَلَبَ رِجَالُهُنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أُنْزِلَ فِيهَا، مَا مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا فَأَصْبَحْنَ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ مُعْتَجِرَاتٍ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانُ» (1). قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَمَعْنَى مُعْتَجَرَاتٍ: مُخْتَمِرَاتٍ، كَمَا جَاءَ مُوَضَّحًا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، [الاعتجار: هو لفّ الخمار على الرأس، وردُّ طرفه على الوجه، ولا يعمل منه شيئ تحت الذقن] (2)، فَتَرَى عَائِشَةُ - رحمه الله - مَعَ عِلْمِهَا، وَفَهْمِهَا، وَتُقَاهَا أَثْنَتْ عَلَيْهِنَّ هَذَا الثَّنَاءَ الْعَظِيمَ، وَصَرَّحَتْ بِأَنَّهَا مَا رَأَتْ أَشَدَّ مِنْهُنَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ، وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ فَهْمَهُنَّ لُزُومَ سَتْرِ الْوُجُوهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} مِنْ تَصْدِيقِهِنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِيمَانِهِنَّ بِتَنْزِيلِهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ احْتِجَابَ النِّسَاءِ عَنِ الرِّجَالِ، وَسِتْرَهُنَّ وُجُوهَهُنَّ تَصْدِيقٌ _________ (1) فتح الباري، لابن حجر، 8/ 490، وتفسير ابن أبي حاتم، 8/ 2575، برقم 14405، وانظر: سنن أبي داود، برقم 4100، و4101. وقال الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 80 «في سنده الزنجي بن خالد، واسمه مسلم، وفيه ضعف، لكنه قد توبع عند ابن مردويه». (2) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، 3/ 158.

(1/101)


بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِيمَانٌ بِتَنْزِيلِهِ، كَمَا تَرَى، فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ، مِمَّنْ يَدَّعِي مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى سَتْرِ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا عَنِ الْأَجَانِبِ، مَعَ أَنَّ الصَّحَابِيَّاتِ فَعَلْنَ ذَلِكَ مُمْتَثِلَاتٍ أَمْرَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ إِيمَانًا بِتَنْزِيلِهِ، وَمَعْنَى هَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ وَأَصْرَحِهَا فِي لُزُومِ الْحِجَابِ لِجَمِيعِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا تَرَى» (1). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}؛ فإن الخمار ما تُخمِّر به المرأة رأسها وتُغطِّيه به كالغدفة، فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار على جيبها كانت مأمورة بستر وجهها، إما لأنه من لازم ذلك، أو بالقياس؛ فإنه إذا وجب ستر النحر والصدر، كان وجوب ستر الوجه من باب أولى؛ لأنه موضع الجمال والفتنة؛ فإن الناس الذين يتطلبون جمال الصورة لا يسألون إلا عن الوجه، فإذا كان جميلًا لم ينظروا إلى ما سواه؛ نظراً ذا أهمية؛ ولذلك إذا قالوا: فلانة جميلة لم يفهم من هذا الكلام إلا جمال الوجه، فتبيّن أن الوجه هو موضع الجمال طلباً وخبراً، فإذا كان كذلك، فكيف يفهم أن هذه الشريعة الحكيمة تأمر بستر الصدر والنحر، ثم ترخص في كشف الوجه» (2). 4 - قوله تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} _________ (1) أضواء البيان، 6/ 594 - 595. (2) رسالة الحجاب، ص 7 - 8.

(1/102)


قال العلامة ابن عثيمين - رحمه الله -: «إن اللَّه تعالى يرخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين غير أولى الإربة من الرجال، وهم الخدم الذين لا شهوة لهم، وللطفل الصغير الذي لم يبلغ الشهوة، ولم يطّلع على عورات النساء؛ فدل هذا على أمرين: أحدهما: أن إبداء الزينة الباطنة لا يحل لأحد من الأجانب إلا لهذين الصنفين. الثاني: أن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها، ولا ريب أن الوجه مجمع الحسن، وموضع الفتنة، فيكون ستره واجباً لئلا يفتتن به أولو الإربة من الرجال» (1). 5 - قوله تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق، وفي رجلها خلخال صامت -لا يسمع صوته -ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى اللَّه المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}: ومن ذلك أيضاً أنها تنهى عن التعطر والتطيب» (2). _________ (1) رسالة الحجاب، ص 8 - 9. (2) تفسير القرآن العظيم، 10/ 224.

(1/103)


وقال شمس الدين ابن قيم الجوزية - رحمه الله - في «منع ما يؤدي إلى الحرام»: «قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} فمنعهن من الضرب بالأرجل، وإن كان جائزاً في نفسه؛ لئلا يكون سبباً إلى سمع الرجال صوت الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن» (1). وقال الشيخ أبو بكر الجزائري: «قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}: إن دلالة هذه الآية على الحجاب الكامل أظهر وأقوى من الآيات السابقة؛ وذلك لأن إثارة الفتنة بسماع صوت الخلخال في الرجل إذا ضربت المرأة برجلها وهي تمشي أقل بكثير من فتنة النظر إلى وجهها، وسماع حديثها، فإذا حرّم اللَّه تعالى بهذه الآية على المرأة أن تضرب الأرض برجلها خشية أن يسمع صوت حُليِّها، فيفتن به سامعه، كان تحريم النظر إلى وجهها- وهو محط محاسنها- أولى وأشد حرمة» (2). اهـ. وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} يعني: لا تضرب المرأة برجلها فيعلم ما تخفيه من الخلاخيل ونحوها مما تتحلى به للرجل، فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالأرجل خوفاً من افتتان الرجل بما يسمع من صوت خلخالها ونحوه، فكيف بكشف الوجه. _________ (1) إعلام الموقعين، 3/ 137. (2) فصل الخطاب، ص 41.

(1/104)


فأيما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالاً بقدم المرأة لا يدري ما هي، وما جمالها؟ لا يدري أشابة هي أم عجوز؟ ولا يدري أشوهاء هي أم حسناء؟ أيما أعظم فتنة: هذا أو أن ينظر إلى وجه سافر جميل ممتلئ شبابَاً ونضارة وحسناً وجمالاً وتجميلاً بما يجلب الفتنة، ويدعو إلى النظر إليها؟ إنَّ كل إنسان له إربة في النساء ليعلم أي الفتنتين أعظم، وأحق بالستر والإِخفاء؟؟» (1). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «فَرَخَّصَ لِلْعَجُوزِ الَّتِي لَا تَطْمَعُ فِي النِّكَاحِ أَنْ تَضَعَ ثِيَابَهَا، فَلَا تُلْقِي عَلَيْهَا جِلْبَابَهَا، وَلَا تَحْتَجِبُ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْحَرَائِرِ؛ لِزَوَالِ الْمَفْسَدَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي غَيْرِهَا، كَمَا اسْتَثْنَى التَّابِعِينَ غَيْرَ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ فِي إظْهَارِ الزِّينَةِ لَهُمْ؛ لِعَدَمِ الشَّهْوَةِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْهَا الْفِتْنَةُ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا كَانَ يُخَافُ بِهَا الْفِتْنَةُ، كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تُرْخِيَ مِنْ جِلْبَابِهَا، وَتَحْتَجِبَ، وَوَجَبَ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهَا وَمِنْهَا» (2). اهـ. وقال الشيخ ناصر الدين الألباني - رحمه الله -: «قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}، وهذا يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضاً، وإلا استطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة، وهي الخلاخيل، ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل، ولكنها كانت لا تستطيع ذلك؛ لأنه _________ (1) رسالة الحجاب، ص 9 - 10. (2) دقائق التفسير، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 4/ 429.

(1/105)


مخالفة للشرع مكشوفة، ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة؛ ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضرب بالرجل لتُعْلِم الرجال ما تخفي من الزينة، فنهاهن اللَّه عن ذلك» (1). اهـ. ونقل عن ابن حزم - رحمه الله - قوله بأن هذا نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى، ولا يحل إبداؤه. ولا ريب أن الفتنة المتوقعة من كشف الوجه أعظم بكثير وأشد خطراً وضرراً من فتنة كشف القدمين، أو الضرب بالأرجل، واللَّه أعلم (2). قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - في تفسير قوله - عز وجل -: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (3). _________ (1) حجاب المرأة المسلمة، ص 36. (2) انظر: عودة الحجاب، 3/ 290 - 292. (3) سورة النور، الآية: 31.

(1/106)


لما أمر المؤمنين بغض الأبصار، وحفظ الفروج، أمر المؤمنات بذلك، فقال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} عن النظر إلى العورات والرجال بشهوة، ونحو ذلك من النظر الممنوع. {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} من التمكين من جماعها، أو مسّها، أو النظر المحرم إليها. {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} كالثياب الجميلة والحلي، وجميع البدن كله من الزينة، ولما كانت الثياب الظاهرة، لا بد لها منها، قال: {إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي: الثياب الظاهرة، التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها. {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} وهذا لكمال الاستتار، ويدل ذلك على أن الزينة التي يحرم إبداؤها، يدخل فيها جميع البدن، كما ذكرنا، ثم كرر النهي عن إبداء زينتهن، ليستثني منه قوله: {إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ} أي: أزواجهن {أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} يشمل الأب بنفسه، والجد وإن علا {أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن} ويدخل فيه الأبناء وأبناء البعولة مهما نزلوا. {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ} أشقاء، أو لأب، أو لأم. {أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ} أي: يجوز للنساء أن ينظر بعضهن إلى بعض مطلقاً، ويحتمل أن الإضافة تقتضي الجنسية، أي: النساء المسلمات، اللاتي من جنسكم، ففيه دليل لمن قال: إن المسلمة لا يجوز أن تنظر إليها الذمية.

(1/107)


{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} فيجوز للمملوك إذا كان كله للأنثى، أن ينظر لسيدته، ما دامت مالكة له كله، فإن زال الملك أو بعضه، لم يجز النظر. {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} أي: أو الذين يتبعونكم، ويتعلقون بكم، من الرجال الذين لا إربة لهم في هذه الشهوة؛ كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك، وكالعِنِّين الذي لم يبق له شهوة، لا في فرجه، ولا في قلبه، فإن هذا لا محذور من نظره. {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} أي: الأطفال الذين دون التمييز؛ فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب، وعلل تعالى ذلك، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء، أي: ليس لهم علم بذلك، ولا وجدت فيهم الشهوة بعد، ودل هذا أن المميز تستتر منه المرأة؛ لأنه يظهر على عورات النساء. {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} أي: لا يضربن الأرض بأرجلهن، لِيُصوِّت ما عليهن من حُليٍّ، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة، ويؤخذ من هذا ونحوه قاعدة سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحاً، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع منه. ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة، ووصى بالوصايا المستحسنة، وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك، أمر اللَّه

(1/108)


تعالى بالتوبة، فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة، ثم علق على ذلك الفلاح، فقال: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه اللَّه، ظاهراً وباطناً، إلى: ما يحبه ظاهراً وباطناً، ودل هذا، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة؛ لأن اللَّه خاطب المؤمنين جميعاً، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ} أي: لا لمقصد غير وجهه، من سلامة من آفات الدنيا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة» (1). الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (2). قال الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله -: «يقول تعالى ذكره: واللواتي قد قعدن عن الولد من الكبر من النساء، فلا يحضن، ولا يلدن، واحدتهنّ قاعد {الَّلاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا} يقول: اللاتي قد يئسن من البعولة، فلا يطمعن في الأزواج {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} يقول: فليس عليهنّ حرج، ولا إثم أن يضعن ثيابهنّ، يعني جلابيبهنّ، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم _________ (1) تيسير الكريم الرحمن، ص 662 - 663. (2) سورة النور، الآية: 60.

(1/109)


من الرجال، وغير المحارم من الغرباء غير متبرجات بزينة» (1). وقال - رحمه الله - في قوله سبحانه: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ}: «يقول: ليس عليهنّ جناح في وضع أرديتهنّ، إذا لم يردن بوضع ذلك عنهنَّ أن يبدين ما عليهنَّ من الزينة للرجال. والتبرّج: هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تستره. وقوله: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} يقول: وإن تعففن عن وضع جلابيبهنّ وأرديتهنّ، فيلبسنها، خير لهنّ من أن يضعنها» (2). وقال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «وقوله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ}، قال سعيد بن جُبَيْر، ومُقَاتل بن حَيَّان، وقتادة، والضحاك: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض، ويئسن من الولد، {اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًاً}، أي: لم يبق لهن تَشوُّف إلى التزويج، {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} أي: ليس عليهن من الحرج في التستر، كما على غيرهن من النساء. قال أبو داود: حَدَّثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} (3)، فنسخ، واستثنى _________ (1) جامع البيان، 19/ 216. (2) جامع البيان، 19/ 218. (3) سورة النور، الآية: 31.

(1/110)


من ذلك {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا} الآية (1). قال ابن مسعود في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} قال: الجلباب، أوالرداء، وكذلك رُوي عن ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، وإبراهيم النَّخَعِيّ، والحسن، وقتادة، والزهري، والأوزاعي، وغيرهم. وقال أبو صالح: تضع الجلباب، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد بن جُبَيْر وغيره، في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: (أن يضعن من ثيابهن)، وهو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند قريب أو غيره، بعد أن يكون عليها خمار صَفيق. وقال سعيد بن جبير: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب، ليرى ما عليهن من الزينة ... وقوله: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} أي: وترك وضعهن لثيابهن - وإن كان جائزًا -خير وأفضل لهن، واللَّه سميع عليم» (2). وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله -: _________ (1) انظر: سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب في قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} 2/ 461، برقم 4111، والسنن الكبرى للبيهقي، 7/ 93، والأحاديث المختارة للضياء المقدسي، 12/ 300. وحسّنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم 2443. (2) تفسير القرآن العظيم، 10/ 272 - 273 بتصرف.

(1/111)


«{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} أي: اللاتي قعدن عن الاستمتاع والشهوة {اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا} أي: لا يطمعن في النكاح، ولا يُطمع فيهن، وذلك لكونها عجوزاً لا تُشتهى، أو دميمة الخلقة لا تشتهي ولا تُشتهى {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} أي: حرج وإثم {أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} أي: الثياب الظاهرة، كالخمار ونحوه، الذي قال اللَّه فيه للنساء: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} فهؤلاء يجوز لهنّ أن يكشفن وجوههن لأمن المحذور منها وعليها، ولما كان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب، ربما تُوهِّم منه جواز استعمالها لكل شيء، دفع هذا الاحتراز بقوله: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} أي: غير مظهرات للناس زينة، من تجمل بثياب ظاهرة، وتستر وجهها، ومن ضرب الأرض برجلها، ليُعلم ما تخفي من زينتها، لأنّ مجرد الزينة على الأنثى، ولو مع تسترها، ولو كانت لا تُشتهى، يُفتن فيها، ويُوقع الناظر إليها في الحرج» (1) اهـ. وقال العلامة الشنقيطي: «ومن الأدلّة القرآنيّة الدالَّة على الحجاب، قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}؛ لأن اللَّه جلَّ وعلا بيَّن في هذه الآية الكريمة أن القواعد أي العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، _________ (1) تيسير الكريم الرحمن، ص 672.

(1/112)


أي: لا يطمعن في النكاح لكبر السن، وعدم حاجة الرجال إليهنّ، يُرخّص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهنّ، بشرط كونهن غير متبّرجات بزينة، ثمّ إنه جلَّ وعلا مع هذا كله قال: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}، أي: يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي: واستعفافهن عن وضع ثيابهن، مع كبر سنهنّ وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرّجات بزينة، خير لهن. وأظهر الأقوال في قوله: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}، أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب، التي تكون فوق الخمار والثياب. فقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}، دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال، ولها طمع في النكاح، لا يُرخّص لها في وضع شىء من ثيابها، ولا الإخلال بشىء من التستّر بحضرة الأجانب (1). وقال الإمام العلامة عبد العزيز ابن باز - رحمه الله -: «يخبر سبحانه أن القواعد من النساء - وهن: العجائز اللاتي لا يرجون نكاحاً - لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن، إذا كنّ غير متبرجات بزينة؛ فَعُلِمَ بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها، وغير ذلك من زينتها، وأن عليها جناحاً في _________ (1) أضواء البيان، 6/ 591 - 592.

(1/113)


ذلك، ولو كانت عجوزاً؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة (1)؛ ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة، ولو كانت عجوزاً، فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت؟! ولا شك أن إثمها أعظم، والجناح عليها أشدّ، والفتنة بها أكبر، وشرط سبحانه في حق العجوز أن لا تكون ممن يرجو النكاح؛ وما ذاك - واللَّه أعلم- إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج بالزينة طمعاً في الأزواج، فنُهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها؛ صيانة لها ولغيرها من الفتنة. ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف، وأوضح أنه خير لهن، إن لم يتبرجن، فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب - ولو من العجائز- وأنه خير لهن من وضع الثياب، فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خير للشابات من باب أولى، وأبعد لهن عن أسباب الفتنة» (2). (3). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ _________ (1) وقالوا في هذا المعنى: لكل ساقطة في الحي لاقطة ... وكل كاسدة يوماً لها سوق وهو بيت مشهور في كتب أهل العلم، ولم أجد من نسبه لشاعر معين، انظر: الاخيار للحصني الحنفي، 3/ 301، وإعانة الطالبين للدمياطي، 3/ 259، واللباب في قواعد الإعراب، ص 8، وغيرها. (2) رسالة في الحجاب والسفور، ص 6 - 8. (3) وانظر: عودة الحجاب، 3/ 299 - 300.

(1/114)


يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن اللَّه تعالى نفى الجناح، وهو الإثم، عن القواعد، وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحاً؛ لعدم رغبة الرجال بهن؛ لكبر سنّهنّ، نفى اللَّه الجناح عن هذه العجائز في وضع ثيابهن بشرط أن لا يكون الغرض من ذلك التبرج بالزينة، ومن المعلوم بالبداهة أنه ليس المراد بوضع الثياب أن يبقين عاريات، وإنما المراد وضع الثياب التي تكون فوق الدرع ونحوه مما لا يستر ما يظهر غالباً: كالوجه والكفين، فالثياب المذكورة المرخَّص لهذه العجائز في وضعها هي: الثياب السابغة التي تستر جميع البدن، وتخصيص الحكم بهؤلاء العجائز دليل على أن الشوابّ اللاتي يرجون النكاح يخالفنهن في الحكم، ولو كان الحكم شاملاً للجميع في جواز وضع الثياب، ولبس درع ونحوه لم يكن لتخصيص القواعد فائدة، ومن قوله تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَة} دليل آخر على وجوب الحجاب على الشابة التي ترجو النكاح؛ لأن الغالب عليها إذا كشفت وجهها أنها تريد التبرج بالزينة، وإظهار جمالها، وتطلع الرجال لها، ومدحهم إياها، ونحو ذلك، ومن سوى هذه نادرة، والنادر لا حكم له» (1). الدليل الثالث: قول اللَّه تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ _________ (1) رسالة الحجاب، ص 10 - 11.

(1/115)


النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (1). قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «هذه آداب أمر اللَّه تعالى بها نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال مخاطباً لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهن إذا اتقين اللَّه كما أمرهن، فإنهن لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}. قال السُّدِّي وغيره: يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال؛ ولهذا قال: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: دَغَل، {وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا}: قال ابن زيد: قولاً حسنًا جميلاً معروفًا في الخير. ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها. وقوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي: الْزَمْنَ بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه، وليخرجن وهن تَفِلات» (2)، وفي رواية: «وبيوتهن خير _________ (1) سورة الأحزاب، الآيتان: 32 - 33. (2) تفسير القرآن العظيم، 11/ 150.

(1/116)


لهن» (1)» (2). وعن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروْحَة ربها وهي في قَعْر بيتها» (3). وعَنْ عَبْدِ اللَّه، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِي بَيْتِهَا، وَصَلاَتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِي حُجْرَتِهَا» (4). وقوله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى} قال مجاهد: _________ (1) أخرجه أحمد، 15/ 405، برقم 9645، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، 1/ 210، برقم 565، والبيهقي في السنن الكبرى، 3/ 134، برقم 5160، وابن خزيمة، 3/ 90، برقم 1679. والشافعي في مسنده، ص 171، ومعرفة السنن والآثار، 4/ 237، وعبد الرزاق، 3/ 151، برقم 5121، والدارمي، 1/ 98، برقم 1314، وابن الجارود (1/ 91، رقم 332) وأما حديث زيد بن خالد: فأخرجه أحمد، 36/ 7، برقم 21674، وابن حبان، 5/ 589، برقم 2211، والبزار، 9/ 231، والطبراني، 5/ 248، برقم 5239، والجملة الأولى في الصحيحين: البخاري: كتاب الجمعة، باب حدثنا عبد اللَّه بن محمد، برقم 900، ومسلم، كتاب الأذان، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة، برقم 442. وصححه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، 7/ 212، والإرواء، برقم 515, وصحيح أبي داود، برقم 574. وأما الرواية الثانية: «وبيوتهن ... »، فقد أخرجها أحمد، 9/ 340، برقم 5471، وابن خزيمة، 3/ 93، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، 1/ 210، برقم 567، والمستدرك، 1/ 209، برقم 755، والبيهقي في السنن الكبرى، 3/ 131، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 3/ 103، برقم 576. (2) تفسير القرآن العظيم، 11/ 150. (3) الترمذي، برقم 1173، وابن خزيمة، 1685، وصححه الألباني في إرواء الغليل،، سبق تخريجه بنص: «المرأة عورة». (4) أخرجه البزار، 5/ 426، برقم 2060، وابن خزيمة، 3/ 95، برقم 1690، وقال ابن كثير في تفسيره، 11/ 151: «وهذا إسناد جيد»، وقد صحح العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم 579، لفظ: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها».

(1/117)


كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. وقال قتادة: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى} يقول: إذا خرجتن من بيوتكن -وكانت لهن مشية وتكسر وتغنُّج -فنهى اللَّه عن ذلك. وقال مقاتل بن حيان: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى} والتبرج: أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج (1). وقال الإمام القرطبي - رحمه الله -: «معنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن؟ والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع، فأمر اللَّه تعالى نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بملازمة بيوتهن، وخاطبهن بذلك تشريفاً لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى، فقال: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى} ... وحقيقته [التبرج]: إظهار ما سَتْرُهُ أحْسَنُ ... إلى أن قال: «وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من الِمشْيَةِ على تغنيج وتكسير، وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعاً، وذلك _________ (1) انظر: تفسير القرآن العظيم، 11/ 152.

(1/118)


يشمل الأقوال كلها ويعمُّها، فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذّل وتستّر تام، واللَّه الموفق» (1). وقال ابن العربي: «من التبرج أن تلبس المرأة ثوبًا رقيقًا يصفها، وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «رُبَّ نساءٍ كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها» (2)، وإنما جعلهنَّ كاسياتٍ؛ لأن الثيابَ عليهن، وإنما وصفهنَّ بعاريات لأن الثوب إذا رقَّ يكشفهنَّ، وذلك حرام» (3). وقال العلامة السعدي - رحمه الله -: «يقول تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} خطاب لهن كلهن {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} الله، فإنكن بذلك، تَفُقْن النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها؛ فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المُحرَّم، فقال: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فَتَلِنَّ في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويُطمِع {الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: مرض شهوة الزنا؛ فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح [فإن القلب الصحيح] _________ (1) الجامع لأحكام القرآن، 14/ 175 - 176. (2) نص الحديث في صحيح مسلم: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»، مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، برقم 2128. (3) أحكام القرآن، 3/ 1401.

(1/119)


ليس فيه شهوة لما حرم الله؛ فإن ذلك لا تكاد تُمِيلُه، ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه، وسلامته من المرض. بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل، لها أحكام المقاصد؛ فإن الخضوع بالقول، واللين فيه، في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلِينَ لهم القول. ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: {وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا} أي: غير غليظ، ولا جافٍ كما أنه ليس بِلَيِّنٍ خاضع. وتأمل كيف قال: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} ولم يقل: «فلا تَلِنَّ بالقول»، وذلك لأن المنهي عنه، القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع، هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلامًا لينًا، ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم؛ فإن هذا، لا يطمع فيه خصمه؛ ولهذا مدح الله رسوله باللين، فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} (1)، وقال لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا _________ (1) سورة آل عمران، الآية: 159.

(1/120)


لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (1). ودلّ قوله: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} مع أمره بحفظ الفرج، وثنائه على الحافظين لفروجهم، والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد، إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه، ويجد دواعي طمعه قد انصرفت إلى الحرام، فَلْيَعْرِفْ أن ذلك مرض؛ فَلْيَجْتَهِدْ في إضعاف هذا المرض، وحسم الخواطر الردية، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر، وسؤال الله العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به. {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي: اقررن فيها؛ لأنه أسلم وأحفظ لَكُنَّ، {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى} أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى، الذين لا علم عندهم ولا دين، فكل هذا دفع للشر وأسبابه. ولما أمرهن بالتقوى عمومًا، وبجزئيات من التقوى، نص عليها [لحاجة] النساء إليها، كذلك أمرهن بالطاعة، خصوصًا الصلاة والزكاة، اللتان يحتاجهما، ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر العبادات، وأجل الطاعات، وفي الصلاة، الإخلاص للمعبود، وفي الزكاة، الإحسان إلى العبيد. _________ (1) سورة طه، الآيتان: 33 - 34.

(1/121)


ثم أمرهن بالطاعة عمومًا، فقال: {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} يدخل في طاعة الله ورسوله، كل أمر، أمرَا به أمر إيجاب أو استحباب. {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ} بأمركن بما أَمَرَكُنَّ به، ونهيكن بما نهاكُنَّ عنه، {لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} أي: الأذى، والشر، والخبث، يا {أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} حتى تكونوا طاهرين مطهرين. أي: فاحمدوا ربكم، واشكروه على هذه الأوامر والنواهي، التي أخبركم بمصلحتها، وأنها محض مصلحتكم، لم يرد الله أن يجعل عليكم بذلك حرجًا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، ولتتطهر أخلاقكم، وتحسن أعمالكم، ويعظم بذلك أجركم. ولما أمرهن بالعمل، الذي هو فعل وترك، أمرهن بالعلم، وبين لهن طريقه، فقال: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} والمراد بآيات الله، القرآن والحكمة، أسراره، وسنة رسوله، وأمرهن بذكره، يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وذكر العمل به وتأويله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} يدرك أسرار الأمور، وخفايا الصدور، وخبايا السموات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر. فلطفه وخبرته، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة الله على تلك الأعمال. ومن معاني «اللطيف» الذي يسوق عبده إلى الخير، ويعصمه من الشر، بطرق خفية لا يشعر بها، ويسوق إليه من الرزق، ما لا

(1/122)


يدريه، ويريه من الأسباب، التي تكرهها النفوس ما يكون ذلك طريقا [له] إلى أعلى الدرجات، وأرفع المنازل» (1). وقال الإمام عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: «نهى سبحانه في هذه الآيات نساء النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين، وهن من خيرِ النساء، وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال، وهو تليين القول وترقيقه؛ لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا، ويظن أنهن يوافقنه على ذلك، وأمر بلزومهن البيوت، ونهاهن عن تبرج الجاهلية، وهو إظهار الزينة والمحاسن: كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق، ونحو ذلك من الزينة؛ لما في ذلك من الفساد العظيم، والفتنة الكبيرة، وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا. وإذا كان الله سبحانه يحذّر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن، وإيمانهن، وطهارتهن، فغيرهن أولى وأولى بالتحذير، والإنكار، والخوف عليهن من أسباب الفتنة عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن، ويدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن قوله سبحانه في هذه الآية: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}؛ فإن هذه الأوامر أحكام عامة لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهن» (2). وقال الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله: «في هذه الآية _________ (1) تيسير الكريم الرحمن، ص 779 - 780. (2) الحجاب والسفور، ص 3 - 4، ومجموع فتاوى ابن باز،.

(1/123)


الكريمة دلالات كبرى كلها تؤكد حكم الحجاب، وتقرره، وهي على النحو الآتي: 1 - منع المؤمنة من ترقيق قولها وتلينه إذا تكلمت مع أجنبي عنها ليس محرمًا لها. 2 - تقدير وجود مرض الشهوة في قلوب بعض المؤمنين، وهو علة نهي المرأة عن ترقيق قولها إذا قالت. 3 - وجود تحديد العبارة والتكلم على قدر الحاجة، بحيث لا تزيد المرأة إذا تكلمت مع أجنبي في كلامها ما ليس بضروري للإفهام، فلا يجوز منها إطناب ولا استطراد، بَل يجب أن تكون كلماتها على قدر حاجتها في خطابها. 4 - لزوم المرأة المسلمة بيتها وهو مقر عملها الطبيعي، فلا تخرج إلا لحاجة ماسه إذ البيت هو محل تربية أولادها، وخدمة زوجها، وعبادة ربها بالصلاة، والزكاة، وذكر الله وما والاه. 5 - تحريم التبرج، وهو خروج المرأة المسلمة من بيتها كاشفة من وجهها، مظهرة لمحاسنها غير خجلة ولا محتشمة حيية. إن هذه الدلالات الخمس من هذه الآية في خطاب أمهات المؤمنين رضي عنهن اللَّه كل واحدة منها دالة بفحواها على فرضية الحجاب، وتَحتُّمِه على المرأة المسلمة، غير أن المبطلين لم يروا ذلك، فقالوا في هذه الآية والتي قبلها: «إنها نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -

(1/124)


وهي خاصة بهن، ولا تعلق لها بغيرهن من نساء المؤمنين وبناتهم»، وهو قول مضحك عجيب. . . وهاتان الآيتان مثلهما مثل إقسام الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنه لو أشرك لحبط عمله، وكان من الخاسرين في آية الزمر، مع العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معصوم لا يتأتى منه الشرك، ولا غيره من الذنوب، ولكن الكلام من باب «إياك أعني، واسمعي يا جارة»، وعليه فإذا كان الرسول على جلالته لو أشرك لحبط عمله، وخسر فغيره من باب أولى، كما أن الحجاب لو فرض على نساء النبي وهن أمهات المؤمنين كان على غيرهن من باب أولى. ويبدو أنه لما كان الحجاب مخالفاً لما كان عليه العرب في جاهليتهم، ولم يشرع تدريجاً، وشيئًا فشيئاً حتى بالقوة، إذ لا يمكن فيه التدريج، فلما شرع دفعة واحدة كان أمراً عظيماً، فبدأ الله تعالى فيه بنساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يقال- وما أكثر من يقول يومئذ، والمدينة مليئة بالنفاق والمنافقين-: انظروا كيف ألزم نساء الناس البيوت والحجاب، وترك نساءه وبناته غاديات رائحات ينعمن بالحياة. . . إلى آخر ما يقول ذوو القلوب المرضى في كل زمان ومكان، فلما فرضه على نساء رسوله - صلى الله عليه وسلم - لم يبق مجال لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَرْغَبَ بنفسها عن نساء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فترى السفور لها، ولا تراه لأزواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبناته، وهذا يعرف عند علماء الأصول بالقياس الجلي، ومن باب أولى كتحريم ضرب الأبوين قياساً على تحريم التأفيف في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا

(1/125)


أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}» (1). الدليل الرابع: آية الحجاب، وهي قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (2). قال الإمام ابن جرير - رحمه الله -: «وإذا سألتم أزواج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعاً: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل» (3). قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «قَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا أَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْآيَةِ قَوْلًا، وَتَكُونُ فِي نَفْسِ الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَذَكَرْنَا لَهُ أَمْثِلَةً فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَمْثِلَةً كَثِيرَةً فِي الْكِتَابِ لَمْ تُذْكَرْ فِي التَّرْجَمَةِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي التَّرْجَمَةِ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، فَقَدْ قُلْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُ _________ (1) فصل الخطاب في المرأة والحجاب، ص 35 - 36. (2) سورة الأحزاب، الآية: 53. (3) جامع البيان، 20/ 313.

(1/126)


كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ إِنَّ آيَةَ «الْحِجَابِ» أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} خَاصَّةٌ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَإِنَّ تَعْلِيلَهُ تَعَالَى لِهَذَا الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ إِيجَابُ الْحِجَابِ بِكَوْنِهِ أَطْهَرَ لِقُلُوبِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنَ الرِّيبَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} قَرِينَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى إِرَادَةِ تَعْمِيمِ الْحُكْمِ، إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ غَيْرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَا حَاجَةَ إِلَى أَطْهَرِيَّةِ قُلُوبِهِنَّ وَقُلُوبِ الرِّجَالِ مِنَ الرِّيبَةِ مِنْهُنَّ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تُعَمِّمُ مَعْلُولَهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ تُخَصِّصُ وَقَدْ تُعَمِّمُ ... لِأَصْلِهَا لَكِنَّهَا لَا تَخْرِمُ وَبِمَا ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الدَّلِيلَ الْوَاضِحَ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْحِجَابِ حُكْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ، لَا خَاصٌّ بِأَزْوَاجِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ اللَّفْظِ خَاصًّا بِهِنَّ; لِأَنَّ عُمُومَ عِلَّتِهِ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ الْحُكْمِ فِيهِ، وَمَسْلَكُ الْعِلَّةِ الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، هُوَ عِلَّةُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، هُوَ الْمَسْلَكُ الْمَعْرُوفُ فِي الْأُصُولِ بِمَسْلَكِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ، وَضَابِطُ هَذَا الْمَسْلَكِ الْمُنْطَبِقِ عَلَى جُزْئِيَّاتِهِ، هُوَ أَنْ يَقْتَرِنَ وَصْفٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى وَجْهٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ الْوَصْفُ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ لَكَانَ الْكَلَامُ مَعِيبًا عِنْدَ الْعَارِفِينَ، وَعَرَّفَ صَاحِبُ َمرَاقِي السُّعُودِ دَلَالَةَ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ فِي مَبْحَثِ دَلَالَةِ

(1/127)


الِاقْتِضَاءِ وَالْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ بِقَوْلِهِ: دَلَالَةُ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ ... فِي الْفَنِّ تَقْصِدُ لَدَى ذَوِيه أَنْ يُقْرَنَ الْوَصْفُ بِحُكْمٍ إِنْ يَكُنْ ... لِغَيْرِ عِلَّةٍ يُعِبْهُ مَنْ فَطِنْ وَعَرَّفَ أَيْضًا الْإِيمَاءَ وَالتَّنْبِيهَ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ: وَالثَّالِثُ الْإِيمَا اقْتِرَانُ الْوَصْفِ ... بِالْحُكْمِ مَلْفُوظَيْنِ دُونَ خِلْف وَذَلِكَ الْوَصْفُ أَوِ النَّظِيرُ ... قِرَانُهُ لِغَيْرِهَا يَضِيرُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، لَكَانَ الْكَلَامُ مَعِيبًا غَيْرَ مُنْتَظِمٍ عِنْدَ الْفَطِنِ الْعَارِفِ. وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، هُوَ عِلَّةُ قَوْلِهِ: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}، وَعَلِمْتَ أَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ عَامٌ. فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تُعَمِّمُ مَعْلُولَهَا، وَقَدْ تُخَصِّصُهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي بَيْتِ مَرَاقِي السُّعُودِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ حُكْمَ آيَةِ الْحِجَابِ عَامٌ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ عَامًّا بِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ الْقُرْآنِيَّةِ. فاعلم أن الحجاب واجب، بدلالة القرآن على جميع النساء (1) (2). _________ (1) أضواء البيان، 6/ 584 - 585. (2) وقال العلامة الشنقيطي - رحمه الله - أيضاً: «وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ آيَةِ الْحِجَابِ عَامٌّ هُوَ مَا تُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ، مِنْ أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِذَلِكَ الْوَاحِدَ الْمُخَاطَبَ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي سُورَةِ «الْحَجِّ»، فِي مَبْحَثِ النَّهْيِ عَنْ لَبْسِ الْمُعَصْفَرِ، وَقَدْ قُلْنَا فِي ذَلِكَ; لِأَنَّ خِطَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِوَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِهِ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ، لِاسْتِوَائِهِمْ فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَخِلَافُ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي خِطَابِ الْوَاحِدِ، هَلْ هُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ الدَّالَّةِ عَلَى عُمُومِ الْحُكْمِ؟ خِلَافٌ فِي حَالٍ لَا خِلَافٌ حَقِيقِيٌّ، فَخِطَابُ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ صِيغَةُ عُمُومٍ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ لَا يَعُمُّ; لِأَنَّ اللَّفْظِ لِلْوَاحِدِ لَا يَشْمَلُ بِالْوَضْعِ غَيْرَهُ، وَإِذَا كَانَ لَا يَشْمَلُهُ وَضْعًا، فَلَا يَكُونُ صِيغَةَ عُمُومٍ. وَلَكِنَّ أَهْلَ هَذَا الْقَوْلِ مُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ خِطَابِ الْوَاحِدِ عَامٌّ لِغَيْرِهِ، وَلَكِنْ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ خِطَابِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ الدَّلِيلُ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ. أَمَّا الْقِيَاسُ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ قِيَاسَ غَيْرِ ذَلِكَ الْمُخَاطَبِ عَلَيْهِ بِجَامِعِ اسْتِوَاءِ الْمُخَاطَبِينَ فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ مِنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ. وَالنَّصُّ كَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي مُبَايَعَةِ النِّسَاءِ: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، وَمَا قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ» [أخرجه مالك في الموطأ، 5/ 1431، وأحمد، برقم 27006، ويأتي تخريجه. قَالُوا: وَمِنْ أَدِلَّةِ ذَلِكَ حَدِيثُ: «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ». قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ فِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ: اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ»، لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصِلٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَكِنْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حَبَّانَ، قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - فِي مُبَايَعَةِ النِّسَاءِ: «إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَالَ صَاحِبُ كَشْفُ الْخَفَاءِ وَمُزِيلِ الْإِلْبَاسِ عَمَّا اشْتُهِرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ: «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ»، وَفِي لَفْظٍ: «كَحُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ»، لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ بِهَذَا اللَّفْظِ; كَمَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثَ الْبَيْضَاوِيِّ. وَقَالَ فِي الدُّرَرِ كَالْزَرْكَشِيِّ: لَا يُعْرَفُ. وَسُئِلَ عَنْهُ الْمُزِّيُّ وَالذَّهَبِيُّ فَأَنْكَرَاهُ، نَعَمْ يَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، فَلَفْظُ النَّسَائِيُّ: «مَا قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ»، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: «إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ»، وَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَلْزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ الشَّيْخَيْنِ بِإِخْرَاجِهَا لِثُبُوتِهَا عَلَى شَرْطِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ قَاسِمٍ الْعَبَّادِيُّ فِي شَرْحِ الْوَرَقَاتِ الْكَبِيرِ: «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ» لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصِلٌ إِلَى آخِرِهِ، قَرِيبًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ، انْتَهَى. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ بِقَافَيْنِ مُصَغَّرًا، وَهِيَ صَحَابِيَّةٌ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، وَرَقِيقَةٌ أُمُّهَا، وَهِيَ أُخْتُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَقِيلَ: عَمَّتُهَا، وَاسْمُ أَبِيهَا بِجَادٌ - بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ جِيمٍ - ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيُّ، تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ. وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ: خِطَابٌ وَاحِدٌ لِغَيْرِ الْحَنْبَلِ ... مِنْ غَيْرِ رَعْيِ النَّصِّ وَالْقَيْسِ الْجَلِي انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا تَعْلَمُ أَنَّ حُكْمَ آيَةِ الْحِجَابِ عَامٌّ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهَا خَاصًّا بِأَزْوَاجِهِ - صلى الله عليه وسلم - ; لِأَنَّ قَوْلَهُ لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِنَّ كَقَوْلِهِ لِمِائَةِ امْرَأَةٍ، كَمَا رَأَيْتَ إِيضَاحَهُ قَرِيبًا» [أضواء البيان، 6/ 589 - 591].

(1/128)


وقال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَإِذَا عَلِمْتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَ آيَةِ الْحِجَابِ عَامٌّ، وَأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مَعَهَا مِنَ الْآيَاتِ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى احْتِجَابِ جَمِيعِ بَدَنِ الْمَرْأَةِ عَنِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، عَلِمْتَ أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى الْحِجَابِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ آيَةَ الْحِجَابِ خَاصَّةٌ بِأَزْوَاجِهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَا شَكَّ أَنَّهُنَّ خَيْرُ أُسْوَةٍ لِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْآدَابِ الْكَرِيمَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلطَّهَارَةِ التَّامَّةِ، وَعَدَمِ التَّدَنُّسِ بِأَنْجَاسِ الرِّيبَةِ، فَمَنْ يُحَاوِلُ مَنْعَ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ كَالدُّعَاةِ لِلسُّفُورِ وَالتَّبَرُّجِ وَالِاخْتِلَاطِ الْيَوْمَ مِنَ الِاقْتِدَاءِ بِهِنَّ فِي هَذَا الْأَدَبِ السَّمَاوِيِّ الْكَرِيمِ الْمُتَضَمِّنِ سَلَامَةَ الْعَرْضِ وَالطَّهَارَةِ مِنْ دَنَسِ الرِّيبَةِ غَاشٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - مَرِيضُ الْقَلْبِ كَمَا تَرَى» (1). وقال الإمام ابن باز - رحمه الله -: «فهذه الآية الكريمة نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال، وتسترهن منهم، وقد أوضح اللَّه سبحانه في هذه الآية أن التحجب أطهر لقلوب الرجال والنساء، _________ (1) أضواء البيان، 6/ 592.

(1/130)


وأبعد عن الفاحشة وأسبابها، وأشار سبحانه إلى أن السفور وعدم التحجب خبث ونجاسة، وأن التحجب طهارة وسلامة» (1). وقال الشيخ أبو بكر الجزائري- حفظه اللَّه -: «فهذه الآية الكريمة تعرف بآية الحجاب، إذ هي أول آية نزلت في شأنه، وعلى أثرها حَجَبَ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - نساءه، وحجب المؤمنون نساءهم، وهي نص في فرض الحجاب، إذ قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} قطعي الدلالة في ذلك، ومن عجيب القول أن يقال إن هذه الآية نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي خاصة بهن دون باقي نساء المؤمنين، إذ لو كان الأمر كما قيل لما حجب أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - نساءهم، ولما كان لإذن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - للخاطب أن ينظر لمن يخطبها معنى أبداً. وفوق ذلك أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلهن اللَّه تعالى أمهات المؤمنين، إذ قال اللَّه تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}، فنكاحهن محرم على التأبيد كنكاح الأمهات، فأي معنى إذا لحجبهن وحجابهن إذا كان الحكم مقصورًا عليهن، ومن هنا كان الحكم عاما يشمل كل مؤمنة إلى يوم القيامة، وكان من باب قياس الأولى، فتحريم اللَّه تعالى التأفيف للوالدين يدل على تحريم ضربهما من باب أولى، وهذا الذي دلت عليه نصوص الشريعة، وعمل به المسلمون» (2). _________ (1) حكم السفور والحجاب، ص 4. (2) فصل الخطاب في المرأة والحجاب، ص 34 - 35.

(1/131)


الدليل الخامس: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (1). قال الإمام الطبري - رحمه الله -: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ}: لا تتشبهن بالإماء في لباسهن، إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن اللَّه به. فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن، فلا يبدين منهن إلاَّ عينًا واحدة» (2). وقال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «يقول اللَّه تعالى آمرًا رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر النساء المؤمنات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهن - بأن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء، والجلباب: هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد، وهو بمنزلة الإزار اليوم. _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) جامع البيان، 20/ 324.

(1/132)


قال الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلًا لها: تمشي النسور إليه وَهْيَ لاهية ... مَشْيَ العَذَارى عليهن الجلابيبُ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر اللَّه نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدةً. وقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدةَ السّلماني عن قول اللَّه تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. وقال عكرمة: تغطي ثُغْرَة نحرها بجلبابها تدنيه عليها. وعن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: «لما نزلت هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها» (1). وقوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} أي: إذا فعلن ذلك عُرِفْنَ أنَّهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر. قال السدي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ _________ (1) تفسير ابن أبي حاتم، 10/ 3154، برقم 17784، وتفسير عبد الرزاق، 3/ 123، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في قوله تعالى: {يدنين من جلابيبهن}، برقم 4101، وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 83.

(1/133)


وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}، قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة، يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضَيِّقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة، كفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة. فوثبوا إليها. وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. وقوله: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} أي: لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك. ثم قال تعالى متوعدًا للمنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قال عكرمة وغيره: هم الزناة هاهنا {وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} يعني: الذين يقولون: «جاء الأعداء» و «جاءت الحروب»، وهو كذب وافتراء، لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي: لنسلطنَّك عليهم» (1). وقال العلامة السعدي - رحمه الله -: «{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ _________ (1) تفسير القرآن العظيم، 11/ 242 - 243.

(1/134)


وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (1). هذه الآية التي تسمى آية الحجاب، فأمر الله نبيه، أن يأمر النساء عمومًا، ويبدأ بزوجاته وبناته؛ لأنهن آكد من غيرهن؛ ولأن الآمر [لغيره] ينبغي أن يبدأ بأهله، قبل غيرهم كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (2) أن {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أي: يغطين بها، وجوههن وصدورهن. ثم ذكر حكمة ذلك، فقال: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} دلّ على وجود أذية، إن لم يحتجبن، وذلك، لأنهن إذا لم يحتجبن، ربما ظن أنهن غير عفيفات، فيتعرض لهن من في قلبه مرض، فيؤذيهن، وربما استهين بهن، وظن أنهن إماء، فتهاون بهن من يريد الشر. فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن. {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} حيث غفر لكم ما سلف، ورحمكم، بأن بين لكم الأحكام، وأوضح الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتهن. وأما من جهة أهل الشر فقد توعدهم بقوله: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي: مرض شك أو شهوة _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) سورة التحريم، الآية: 6.

(1/135)


{وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ} أي: المخوفون المرهبون الأعداء، المحدثون بكثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين. ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه، ليعم ذلك، كل ما توحي به أنفسهم إليهم، وتوسوس به، وتدعو إليه من الشر، من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين، وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة، من أمثال هؤلاء. {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} أي: نأمرك بعقوبتهم وقتالهم، ونسلطك عليهم، ثم إذا فعلنا ذلك، لا طاقة لهم بك، وليس لهم قوة ولا امتناع؛ ولهذا قال: {ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً} أي: لا يجاورونك في المدينة إلا قليلاً بأن تقتلهم أو تنفيهم» (1). وقال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: «وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى احْتِجَابِ الْمَرْأَةِ وَسِتْرِهَا جَمِيعَ بَدَنِهَا حَتَّى وَجْهَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}، فَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ مَعْنَى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}: أَنَّهُنَّ يَسْتُرْنَ بِهَا جَمِيعَ وُجُوهِهِنَّ، وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ إِلَّا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ تُبْصِرُ بِهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ. _________ (1) تيسير الكريم الرحمن، ص 788.

(1/136)


فَإِنْ قِيلَ: لَفْظُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}، لَا يَسْتَلْزِمُ مَعْنَاهُ سَتْرَ الْوَجْهِ لُغَةً، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إِجْمَاعٍ عَلَى اسْتِلْزَامِهِ ذَلِكَ، وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ، مَعَارَضٌ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَبِهَذَا يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْوَجْهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَرِينَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِيهَا: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ سَتْرُ وُجُوهِهِنَّ بِإِدْنَاءِ جَلَابِيبِهِنَّ عَلَيْهَا، وَالْقَرِينَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ}، وَوُجُوبُ احْتِجَابِ أَزْوَاجِهِ وَسِتْرِهِنَّ وُجُوهَهُنَّ، لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَذَكَرَ الْأَزْوَاجَ مَعَ الْبَنَاتِ وَنِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْوُجُوهِ بِإِدْنَاءِ الْجَلَابِيبِ، كَمَا تَرَى. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا: هُوَ مَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ النُّورِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، مِنْ أَنَّ اسْتِقْرَاءَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الْمُلَاءَةُ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ قَامَتْ قَرِينَةٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}، لَا يَدْخُلُ فِيهِ سَتْرُ الْوَجْهِ، وَأَنَّ الْقَرِينَةَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ}، قَالَ: وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: أَنْ يُعْرَفْنَ عَلَى أَنَّهُنَّ سَافِرَاتٌ كَاشِفَاتٌ عَنْ وُجُوهِهِنَّ;

(1/137)


لِأَنَّ الَّتِي تَسْتُرُ وَجْهَهَا لَا تُعْرَفُ، بَاطِلٌ، وَبُطْلَانُهُ وَاضِحٌ، وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَمْنَعُهُ مَنْعًا بَاتًّا; لِأَنَّ قَوْلَهُ: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} صَرِيحٌ فِي مَنْعِ ذَلِكَ. وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} رَاجِعَةٌ إِلَى إِدْنَائِهِنَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، وَإِدْنَاؤُهُنُّ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ أَنْ يَكُونَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ بِسُفُورِهِنَّ وَكَشْفِهِنَّ عَنْ وُجُوهِهِنَّ كَمَا تَرَى، فَإِدْنَاءُ الْجَلَابِيبِ مُنَافٍ لِكَوْنِ الْمَعْرِفَةِ مَعْرِفَةً شَخْصِيَّةً بِالْكَشْفِ عَنِ الْوُجُوهِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لِأَزْوَاجِكَ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ لَيْسَتْ بِكَشْفِ الْوُجُوهِ; لِأَنَّ احْتِجَابَهُنَّ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ أَدِلَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ: الْأَوَّلُ: سِيَاقُ الْآيَةِ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ آنِفًا. الثَّانِي: قَوْلُهُ: لِأَزْوَاجِكَ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ أَيْضًا. الثَّالِثُ: أَنَّ عَامَّةَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فَسَّرُوا الْآيَةَ مَعَ بَيَانِهِمْ سَبَبَ نُزُولِهَا، بِأَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كُنْ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِنَّ خَارِجَ الْبُيُوتِ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ بَعْضُ الْفُسَّاقِ يَتَعَرَّضُونَ لِلْإِمَاءِ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِلْحَرَائِرِ، وَكَانَ بَعْضُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يَخْرُجْنَ فِي زِيٍّ لَيْسَ مُتَمَيَّزًا عَنْ زِيِّ الْإِمَاءِ، فَيَتَعَرَّضُ لَهُنَّ أُولَئِكَ

(1/138)


الْفُسَّاقُ بِالْأَذَى ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُنَّ إِمَاءٌ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَأْمُرَ أَزْوَاجَهُ وَبَنَاتِهِ وَنِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَمَيَّزْنَ فِي زِيِّهِنَّ عَنْ زِيِّ الْإِمَاءِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ وَرَآهُنَّ الْفُسَّاقُ، عَلِمُوا أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِأَنَّهُنَّ حَرَائِرُ لَا إِمَاءَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ}، فَهِيَ مَعْرِفَةٌ بِالصِّفَةِ لَا بِالشَّخْصِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مُنْسَجِمٌ مَعَ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ، كَمَا تَرَى. فَقَوْلُهُ: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ}، لِأَنَّ إِدْنَائِهِنَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ يُشْعِرُ بِأَنَّهُنَّ حَرَائِرَ، فَهُوَ أَدْنَى وَأَقْرَبُ لِأَنْ يُعْرَفْنَ، أَيْ: يُعْلَمُ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ، فَلَا يُؤْذَيْنَ مِنْ قِبَلِ الْفُسَّاقِ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْإِمَاءِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ تَعَرُّضَ الْفُسَّاقِ لِلْإِمَاءِ جَائِزٌ، بل هُوَ حَرَامٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَعَرِّضِينَ لَهُنَّ مِنَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}، إِلَى قَوْلِهِ: {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَرِّضَ لِمَا لَا يَحِلُّ مِنَ النِّسَاءِ مِنَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} الآيَةَ، وَذَلِكَ مَعْنًى مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: حَافِظٌ لِلْفَرْجِ رَاضٍ بِالتُّقَى ... لَيْسَ مِمَّنْ قَلْبُهُ فِيهِ مَرَضْ وَفِي الْجُمْلَةِ: فَلَا إِشْكَالَ فِي أَمْرِ الْحَرَائِرِ بِمُخَالَفَةِ زِيِّ الْإِمَاءِ

(1/139)


لِيَهَابَهُنَّ الْفُسَّاقُ، وَدَفْعُ ضَرَرِ الْفُسَّاقِ عَنِ الْإِمَاءِ لَازِمٌ، وَلَهُ أَسْبَابٌ أُخَرَ لَيْسَ مِنْهَا إِدْنَاءُ الْجَلَابِيبِ» (1). وقال العلامة الإمام ابن باز - رحمه الله -: «أمر اللَّه سبحانه جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك؛ حتى يعرفن بالعفة فلا يفتتن ولا يفتن غيرهن فيؤذيهن. قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: أمر اللَّه نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة (2). وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قول اللَّه - عز وجل -: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. ثم أخبر اللَّه سبحانه أنه غفور رحيم عما سلف من التقصير في ذلك قبل النهي والتحذير منه» (3). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «قوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (4). _________ (1) أضواء البيان، 6/ 586 - 588. (2) أخرجه ابن أبي حاتم، 10/ 3154، والطبري، 20/ 324، وقال الشيخ الألباني: «وقفنا على إسناد آخر له صحيح استدركته فيما تقدم، والحمد للَّه»، جلباب المرأة المسلمة، ص59،، وسيأتي تمام تخريجه. (3) حكم الحجاب والسفور، ص 4 - 5. (4) سورة الأحزاب، الآية: 59.

(1/140)


قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة، وتفسير الصحابي حجة؛ بل قال بعض العلماء إنه في حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوله - رضي الله عنه -: «ويبدين عيناً واحدة» إنما رخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة إلى نظر الطريق، فأما إذا لم يكن حاجة فلا موجب لكشف العين. والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة، قالت أم سلمة - رحمه الله - لما نزلت هذه الآية: «خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها» (1)، وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن من أجل رؤية الطريق» (2). الدليل السادس: قال اللَّه تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} (3). فنفى الجناح عنهن في ترك الحجاب في هؤلاء المذكورين من الأقارب. قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «لما أمر تبارك وتعالى النساء _________ (1) ابن أبي حاتم، برقم 17784، وأبو داود، برقم 4101، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه. (2) رسالة الحجاب، ص 13 - 14. (3) سورة الأحزاب، الآية: 55.

(1/141)


بالحجاب من الأجانب, بَيَّن أنّ هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم, كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ}» (1). وجه الدليل هو: أنه لما نفى الجناح عن هؤلاء المذكورين في عدم الاحتجاب عنهم؛ وذلك لأنهم غير أجانب منهن بقي الجناح في حق غيرهم إذا لم يحتجبن عنهم، وهم الأجانب. قال العلامة السعدي - رحمه الله -: {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}؛ لما ذكر أنهن لا يسألن متاعًا إلا من وراء حجاب، وكان اللفظ عامًا [لكل أحد] احتيج أن يستثنى منه هؤلاء المذكورون، من المحارم، وأنه {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ} في عدم الاحتجاب عنهم. ولم يذكر فيها الأعمام، والأخوال، لأنهن إذا لم يحتجبن عمن هن عماته ولا خالاته، من أبناء الإخوة والأخوات، مع رفعتهن عليهم، فعدم احتجابهن عن عمهن وخالهن، من باب أولى؛ ولأن _________ (1) تفسير القرآن العظيم، 11/ 209.

(1/142)


منطوق الآية الأخرى، المصرحة بذكر العم والخال، مقدمة، على ما يفهم من هذه الآية. وقوله: {وَلا نِسَائِهِنَّ} أي: لا جناح عليهن ألا يحتجبن عن نسائهن، أي: اللاتي من جنسهن في الدين، فيكون ذلك مخرجًا لنساء الكفار، ويحتمل أن المراد جنس النساء؛ فإن المرأة لا تحتجب عن المرأة. {وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} ما دام العبد في ملكها جميعه. ولما رفع الجناح عن هؤلاء، شرط فيه وفي غيره، لزوم تقوى الله، وأن لا يكون في محذور شرعي فقال: {وَاتَّقِينَ اللَّهَ} أي: استعملن تقواه في جميع الأحوال {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} يشهد أعمال العباد، ظاهرها وباطنها، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم، ثم يجازيهم على ذلك، أتم الجزاء وأوفاه» (1). _________ (1) تيسير الكريم الرحمن، ص 787.

(1/143)


ثانياً: أدلة وجوب الحجاب من السنة المطهرة: الدليل الأول: أحاديث أسباب نزول الحجاب: قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - في سبب نزول آية الحجاب، وهي قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النّبِيّ إِلاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىَ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النّبِيّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوَاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً * إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنّ اللهَ كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً} (1): «هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية, وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - , كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي - عز وجل - في ثلاث, قلت: يا رسول اللَّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى, فأنزل اللَّه تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}، وقلت: يا رسول اللَّه إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل اللَّه آية الحجاب, وقلت لأزاوج النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا تمالأن عليه في الغيرة: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ} فنزلت كذلك, وفي رواية لمسلم ذكر أسارى _________ (1) سورة الأحزاب، الآيتان: 53 - 54.

(1/144)


بدر وهي قضية رابعة» (1). وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يا رسول اللَّه، يدخل عليك البر والفاجر, فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب, فأنزل اللَّه آية الحجاب» (2). قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بزينب بنت جحش الأسدية التي تولى اللَّه تعالى تزويجها بنفسه, وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة، والواقدي وغيرهما. وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث, فاللَّه أعلم» (3). وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: لما تزوّج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش, دعا القوم فطعموا, ثم جلسوا يتحدثون, فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا, فلما رأى ذلك قام, فلما قام, قام من قام، وقعد ثلاثة نفر, فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدخل, فإذا القوم جلوس, ثم إنهم قاموا فانطلقوا, فجئت فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى _________ (1) البخاري، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة ... ، برقم 402، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - رضي الله عنهم -، باب من فضائل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، برقم 2399، وهي رواية مسلم المشار إليها فلفظها: «قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وَفِي الْحِجَابِ وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ». (2) مسلم، كتاب فضائل الصحابة - رضي الله عنهم -، باب من فضائل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، برقم 2399. (3) تفسير القرآن العظيم، 11/ 202.

(1/145)


دخل, فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} الآية (1). وفي لفظ البخاري عن أنس بن مالك قال: بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بزينت بنت جحش بخبز ولحم, فَأُرْسِلْتُ على الطعام داعياً, فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون, ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون, فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه, فقلت: يارسول اللَّه ما أجد أحداً أدعوه, قال: «ارفعوا طعامكم»، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - , فانطلق إلى حجرة عائشة - رضي الله عنها - فقال: «السلام عليكم - أهل البيت - ورحمة اللَّه وبركاته»، قالت: وعليك السلام ورحمة الله, كيف وجدت أهلك يا رسول اللَّه؟ بارك اللَّه لك؟ فَتَقَرَى (2) حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة, ويقلن له كما قالت عائشة, ثم رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا ثلاثة رهط [في البيت] يتحدثون, وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - شديد الحياء, فخرج منطلقاً نحو حُجْرة عائشة, فما أدري أخبرتُه أم أُخْبِرَ أن القوم خَرَجوا؟ فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسْكُفَّةِ (3) الباب داخله والأخرى خارجة, أرخى الستر بيني وبينه, وأنزلت آية الحجاب» (4). _________ (1) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم}، برقم 4791، وبرقم 4792، وبرقم 6239، و6271، ومسلم، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش، رقم 11792. (2) أي: تتبعها. (3) أسكفة الباب: عتبته. (4) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم}، برقم 4793، و4794، والنسائي في السنن الكبرى، برقم 10101.

(1/146)


وعن أنس بن مالك قال: أعرس رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ببعض نسائه, فصنعت أم سُليم حيساً (1)، ثم جعلته في تَوْر (2)، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وأقرئه مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل, قال أنس: والناس يومئذ في جهد, فجئت به فقلت: يارسول اللَّه، بعثت بهذا أم سُليم إليك, وهي تقرئك السلام، وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل, فنظر إليه ثم قال: «ضعه»، فوضعته في ناحية البيت، ثم قال: «اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً»، فسمى رجالاً كثيراً وقال: «ومن لقيت من المسلمين»، [فدعوت من قال لي، ومن لقيت من المسلمين] , فجئت والبيت والصفة والحجرة ملأى من الناس, فقلت: يا أبا عثمان كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة، قال أنس: فقال لي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «جِئْ بِهِ»، فجئتُ به إليه، فوضع يده عليه ودعا، وقال: «ما شاء اللَّه»، ثم قال: «ليَتَحَلَّق عَشَرة عَشَرَة, وليسمُّوا, وليأكل كل إنسان مما يليه»، فجعلوا يسمّون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم, فقال لي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «ارفعه» قال: فجئتُ فأخذت التور, فنظرت فيه فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت؟ قال: وتخلّف رجال يتحدثون في بيت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وزوج رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - التي دخل بها معهم مُولية وجهها إلى الحائط, فأطالوا الحديث, _________ (1) الحيس: تمر وأقط وسمن تخلط وتعجن وتسوَّى كالثريد. (2) التور: إناء يشرب فيه.

(1/147)


فشقوا على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، [وكان أشدَّ الناس حياء, - ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزاً]- فقام رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - , فخرج فسلَّم على حُجره وعلى نسائه, فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه, ابتدروا الباب فخرجوا, وجاء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة, فمكث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في بيته يسيراً، وأنزل اللَّه عليه القرآن, فخرج وهو يقرأ هذه الآية: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النّبِيّ إِلاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىَ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ} إلى قوله: {بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً} الآيات, قال أنس: فقرأهن عليَّ قبل الناس, فأنا أحدث الناس بهن عهداً» (1). قال ابن كثير - رحمه الله -: «وقد رواه مسلم، والترمذي، والنسائي جميعاً عن قتيبة عن جعفر بن سليمان به» (2) , وعلقه البخاري في كتاب النكاح, فقال: وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس فذكر نحوه (3). ورواه مسلم أيضاً عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر عن الجعد به (4) , (5). _________ (1) تفسير ابن أبي حاتم، 10/ 3149، برقم 17759. وهذا لفظه. (2) مسلم، كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، برقم 94 - (1428)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأحزاب، برقم 3218، والنسائي، كتاب النكاح، باب الهدية لمن عرس، برقم 3387. (3) البخاري، كتاب النكاح، باب الهدية للعروس، برقم 5163، (4) مسلم، كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، برقم 95 - (1428)، وانظر: صحيح البخاري، برقم 5170. (5) تفسير القرآن العظيم، 11/ 204.

(1/148)


وعن ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لزيد: «اذهب فاذكرها عليَّ»، قال: فانطلق زيد حتى أتاها، قال وهي تُخمر عجينها, فلما رأيتُها عظُمَتْ في صدري ... , وذكر تمام الحديث كما قدمناه عند قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً}، وزاد في آخره بعد قوله: وَوَعَظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىَ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النّبِيّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ} الآية» (1). وعن عائشة - رحمه الله - قالت: إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كنَّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح -، وكان عمر يقول لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: احجب نساءك, فلم يكن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ليفعل, فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - , وكانت امرأة طويلة, فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حِرْصاً على أن _________ (1) مسلم في النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، برقم 89 - (1428) عن محمد بن حاتم، عن بهز، وعن محمد بن رافع، عن أبي النضر بن القاسم، والنسائي، كتاب النكاح، باب صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها، برقم 3251، وفي التفسير في الكبرى، قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطراً}، برقم 11346، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، ثلاثتهم عن سليمان به.

(1/149)


ينزل الحجاب, قالت: فأنزل اللَّه الحجاب» (1). ولكن قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: «هكذا وقع في هذه الرواية, والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رحمه الله - قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها, وكانت امرأة جسيمة, لا تخفى على من يعرفها, فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما واللَّه ما تَخْفَيْنَ علينا, فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة، ورسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في بيتي، وإنه ليتعشّى وفي يده عَرْقٌ (2) , فدخلت فقالت: يارسول اللَّه إني خرجت لبعض حاجتي, فقال لي عمر: كذا وكذا, قالت: فأوحى اللَّه إليه, ثم رُفعَ عنه، وإن العرق في يده ما وضعه, فقال: «إنه قد أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن» (3). لفظ البخاري» (4). قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: «والحاصِل أَنَّ عُمَر - رضي الله عنه - وقَعَ فِي قَلبه نُفرَة مِن اطِّلاع الأَجانِب عَلَى الحَرِيم النَّبَوِيّ، حَتَّى صَرَّحَ بقَولهِ لَهُ عَلَيهِ الصَّلاة والسَّلام: اُحجُب نِساءَك، وأَكَّدَ ذَلِكَ إِلَى أَن نَزَلَت _________ (1) أخرجه ابن جرير بسنده في جامع البيان، 22/ 28. (2) العرق: العظم أخذ عنه معظم اللحم، وبقي عليه لحوم رقيقة طيبة. (3) المسند، 40/ 333، برقم 24290، والبخاري في كتاب الوضوء، باب خروج النساء إلى البراز، برقم 146، ورقم 147، و4795، و5237، و6240، ومسلم، كتاب السلام، باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان، برقم 2170. (4) تفسير القرآن العظيم، 11/ 206.

(1/150)


آيَة الحِجاب، ثُمَّ قَصَدَ بَعدَ ذَلِكَ أَن لا يُبدِينَ أَشخاصهنَّ أَصلاً، ولَو كُنَّ مُستَتِرات، فَبالَغَ فِي ذَلِكَ، فَمَنَعَ مِنهُ، وأَذِنَ لَهُنَّ فِي الخُرُوج لِحاجَتِهِنَّ دَفعًا لِلمَشَقَّةِ، ورَفعًا لِلحَرَجِ» (1). وقال القسطلاني - رحمه الله -: «وفيه تنبيه على أن المراد بالحجاب التستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء لا حجب أشخاصهن في البيوت» (2). وقال ابن كثير - رحمه الله -: «فقوله تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام, حتى غار اللَّه لهذه الأمة، فأمرهم بذلك, وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة؛ ولهذا قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والدخول على النساء» (3). ثم استثنى من ذلك فقال تعالى: {إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ}. قال مجاهد، وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه, أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول, فإن هذا مما يكرهه اللَّه ويذمّه, وهذا دليل على _________ (1) فتح الباري، 8/ 531. (2) إرشاد الساري، 7/ 303. (3) البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة، برقم 5232، ومسلم، كتاب السلام، باب إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان، برقم 2172.

(1/151)


تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن, وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتاباً في ذم الطفيليين, وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها. ثم قال تعالى: {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا}، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا دَعَا أَحَدُكُم أخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرساً كان أو غيره» (1). وفي الصحيح أيضاً عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لو دُعيتُ إلى ذِراعٍ لأجبتُ، ولو أُهدِي إليَّ ذِراعٌ أوْ كُرَاعٌ لقبِلْتُ» (2)؛ ولهذا قال تعالى: {وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} أي كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث, ونسُوا أنفسهم حتى شق ذلك على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - , كما قال تعالى: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ}. وقيل: المراد إن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به, ولكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه - صلى الله عليه وسلم - حتى أنزل اللَّه عليه النهي عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} أي ولهذا نهاكم عن ذلك وزجركم عنه. ثم قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا _________ (1) مسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، برقم 100 - (1429)، وأصله في الصحيحين. (2) البخاري، كتاب الهبة، باب القليل من الهبة، برقم 2568، ورقم 5178.

(1/152)


إليهن بالكلية, ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن, فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا ابن أبي عمر, حدثنا سفيان، عن مسعر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة - رحمه الله - قالت: كنت آكل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حيساً في قَعْبٍ (1) , فمر عمر فدعاه فأكل, فأصابت إصبعه إصبعي, فقال حسّ (2) - أو أوه- لو أُطاع فيكن ما رأتكن عين, فنزل الحجاب» (3). وقد جمع الحافظ - رحمه الله - بين هذه الروايا فقال: « ... وطَرِيق الجَمع بَينها أَنَّ أَسباب نُزُول الحِجاب تَعَدَّدَت، وكانَت قِصَّة زَينَب آخِرها لِلنَّصِّ عَلَى قِصَّتها فِي الآيَة» (4). وقال الحافظ بعد ذكر حديث عائشة - رحمه الله - آنف الذكر الذي أصابت أصبعه أصبعها فيه: «ويُمكِن الجَمع بِأَنَّ ذَلِكَ وقَعَ قَبلَ قِصَّة زَينَب، فَلِقُربِهِ مِنها أَطلَقت نُزُول الحِجاب بِهَذا السَّبَب، ولا مانِع مِن تَعَدُّد الأَسباب» (5). _________ (1) القعب: القدح الضخم. (2) حس: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضّه وأحرقه غفلة كالجمرة والضربة ونحوهما. انظر: النهاية في غريب الحديث، 1/ 385. (3) تفسير القرآن العظيم، 11/ 207. (4) فتح الباري، لابن حجر، 1/ 249. (5) فتح الباري، لابن حجر، 8/ 531.

(1/153)


«{ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} أي هذا الذي أمرتكم به، وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب» (1). الدليل الثاني: حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ» (2). قال الشيخ حمود التويجري - رحمه الله - في شرحه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المرأة عورة» (3): «وهذا الحديث دالٌّ على أن جميع أجزاء المرأة عورة في حق الرجال الأجانب، وسواءٌ في ذلك وجهها وغيره من أعضائها، وقد نقل أبو طالب عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه قال: «ظُفر المرأةِ عورةٌ، فإذا خرجت من بيتها فلا تُبِنْ منها شيئَاً، ولا خُفَّها؛ فإن الخُفَّ يصفُ القدم، وأَحَبُّ إليَّ أن تجعل لكُمِّها زِرّاً عند يدها حتى لا يبين منها شيء». اهـ. وقد تقدّم ذكر ما نقله شيخ الإِسلام ابن تيميه عن الإمام أحمد أنه قال: «كل شيء منها عورة حتى ظفرها»، قال شيخ الإسلام: «وهو قول مالك» (4) اهـ. وفي لفظٍ عن أبي الأحوص عن عبد اللَّه - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون _________ (1) تفسير القرآن العظيم، 11/ 207. (2) الترمذي، برقم 1173، وابن خزيمة، 1685، وصححه الألباني في إرواء الغليل،، سبق تخريجه بنص: «المرأة عورة». (3) البزار في البحر الزخار، برقم 2061، وابن خزيمة في صحيحه، برقم 1685، وتقدم تخريجه. (4) الصارم المشهور، ص 96، والرد القوي، ص 245.

(1/154)


بروحة ربها وهي في قعر بيتها» (1) (2). وقال المباركفوري - رحمه الله -: «(فإذا خرجت استشرفها الشيطان): أي زيّنها في نظر الرجال، وقيل: أي نظر إليها ليغويها، ويغوي بها، والأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء، وبسط الكف فوق الحاجب، والمعنى: أن المرأة يستقبح بروزها وظهورها؛ فإذا خرجت أمعن النظر إليها، ليغويها بغيرها، ويغوي غيرها بها؛ ليوقعهما، أو أحدهما في الفتنة، أو يريد بالشيطان شيطان الإنس من أهل الفسق، سمّاه به على التشبيه» (3). الدليل الثالث: حديث عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» (4). _________ (1) البزار في البحر الزخار، برقم 2061، وابن خزيمة في صحيحه، برقم 1685، وتقدم تخريجه. (2) قال الشنقيطي - رحمه الله -: «وقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة، وما جاء فيه من كون المرأة عورة: يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة، ومما يؤيد ذلك: الهيثمي أيضاً في مجمع الزوائد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج عن بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان فيقول: «إنك لا تمرّين بأحد إلا أعجبتِهِ، وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها»، ثم قال: «رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات». اهـ. منه ومثله له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي فيه». [أضواء البيان، 6/ 596]. (3) تحفة الأحوذي، 4/ 337، برقم 183. (4) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، برقم 1838، ورواه مالك موقوفاً على ابن عمر، الموطأ، 3، 473، برقم 1175.

(1/155)


ووجه الدليل منه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بقوله: «وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحْرِمْنَ، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن» (1). وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي: «قوله في حديث ابن عمر: «لا تنتقب المرأة»؛ وذلك لأن ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها» (2). وقال صفي الرحمن المباركفوري: «هذا الحديث أحسن دليل على ما وقع من التغير والتطوير فى ألبسة النساء بعد نزول الحجاب، والأمر بإدناء الجلباب، وأن النقاب كان قد صار ديدن النساء بحيث لم يكنَّ يخرجنَ إلا به، وليس معنى النهي عن الانتقاب للمحرمة أنها لا تستر وجهها، وإنما المراد أنها تتخذ النقاب لباساً مستقلاً، وإنما تستر وجهها بجزء من لباسها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينهَ عن تغطية وجوه المحرمات، وإنما النهي عن النقاب ونحوه، وعن القفازين فقط» (3). قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «وَكُنَّ النِّسَاءُ يُدْنِينَ عَلَى _________ (1) انظر: حجاب المرأة المسلمة ولباسها في الصلاة لشيخ الإسلام، ص 14. (2) عارضة الأحوذي، 4/ 56. (3) انظر: إبراز الحق والصواب في مسألة السفور والحجاب، الحلقة الخامسة، مجلة الجامعة السلفية، ص 50.

(1/156)


وُجُوهِهِنَّ مَا يَسْتُرُهَا مِنَ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ مَا يُجَافِيهَا كبدن الرجل، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ، فَلَهَا أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا لَكِنْ بِغَيْرِ اللِّبَاسِ الْمَصْنُوعِ بِقَدْرِ الْعُضْوِ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ، وَيَلْبَسُ الْإِزَارَ» (1). وقال الشيخ محمد أديب كلكل تعليقاً على هذا الحديث: «وهذا صريح الدلالة على أن النساء في عهد النبوة قد تعودن الانتقاب، ولبس القفازين عامَّة، فنُهين عنه في الإحرام» (2). قال القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله -: «والمسألة الرابعة عشرة: قوله في حديث ابن عمر: «ولا تَنَتقِب الَمرأةُ»؛ وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها» (3). وقال شيخ الإسلام - رحمه الله -: «ووجه المرأة في الإِحرام فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، قيل: إنه كرأس الرجل فلا يغطى، وقيل: إنه كبدنه، فلا يغطى بالنقاب والبُرْقُع ونحو ذلك مما صنع على قدره؛ وهذا هو الصحيح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينهَ إلاَّ عن القفازين والنقاب، وكن النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال _________ (1) انظر: حجاب المرأة المسلمة ولباسها في الصلاة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص 14، ومجموع الفتاوى له، 15/ 370 - 371. (2) انظر: اللباب في فرضية النقاب، ص 115. (3) عارضة الأحوذي، 4/ 56.

(1/157)


من غير وضع ما يجافيها عن الوجه، فَعُلِمَ أن وجهها كبدن الرجل، وذلك أن المرأة كلها عورة، فلها أن تغطي وجهها ويديها (1)؛ لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإِزار» (2). * وقال الإمام العلامة المحقق ابن قيم الجوزية - رحمه الله - في تهذيب السَنن: «وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - المرأة أن تنتقب، وأن تلبس القفازين، فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفُصِّل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمِقْنَعة والجِلباب ونحوهما، وهذا أصح القولين؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بين وجهها ويديها، ومنعها من القفازين والنقاب، ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها، وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصَّل على قدرهما وهما القفازان، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه، وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرف واحد، في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام إلا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القفازين، فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء، وهذا واضح بحمد اللَّه» (3). وقال أيضًا في إعلام الموقعين في الحديث نفسه: «ونساؤه - صلى الله عليه وسلم - _________ (1) يعني في حال الإحرام. (2) مجموع الفتاوى، 20/ 120. (3) تهذيب سنن أبي داود، 5/ 282 - 283 بهامش عون المعبود.

(1/158)


أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كنّ يَسْدُلن على وجوههن إذا حاذاهن الركبان، فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن، ورَوى وكيع، عن شعبة، عن يزيدَ الرِّشْك، عن معاذة العدوية قالت: سألتُ عائشة - رحمه الله - ما تلبسُ المحرمة؟ فقالت: لا تنتقب ولا تتلثم، وتسدل الثوبَ على وجهها» (1). ثم ذكر ابن القيم - رحمه الله - قول الذين يمنعون المحرمة من تغطية وجهها وردَّ عليهم إلى أن قال: «فكيف يحرم ستر الوجه في حق المرأة مع أمر اللَّه لها أن تدني عليها جلبابها، لئلا تُعْرَفَ ويفْتَتَن بصورتها؟» (2). وذكر الإمام ابن القيم أيضاً في بدائع الفوائد سؤالاً في كشف المرأة وجهها في حال الإِحرام، وجواباً لابن عقيل في ذلك، ثم تعقبه بالرد فقال: «سبب هذا السؤال والجواب خفاءُ بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإِحرام؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النصُّ بالنهي عن النقاب خاصة، كما جاء بالنهي عن القفازين، وجاء بالنهي عن القميص والسراويل، ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء، لم يُرِد _________ (1) وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «تلبس المحرمة من الثياب ما شاءت إلا ثوباً مسه زعفران أو ورس، ولا تتبرقع، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها» رواه البيهقي، 5/ 47، وغيره. انظر: مسائل الإمام أحمد، لأبي داود، ص 108 - 110. (2) إعلام الموقعين عن رب العالمين، 1/ 266.

(1/159)


أنها تكون مكشوفة لا تُسْتَرُ البتة؛ بل قد أجمع الناسُ على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودِرْعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإِزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يُزاد على موجَب النص، ويُفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهارًا؟ فأي نص اقتضى هذا، أو مفهومِ أو عموم أو قياس أو مصلحة؟ بل وجه المرأة كبدن الرجل، يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبُرقع، بل وكَيَدِها يحرم سترُها بالمفصَّل على قدر اليدين كالقُفَّاز، وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم يُنْه عنه البتة، ومن قال: إن وجهها كرأس المحرم، فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرِم، لما جعل اللَّه بينهما من الفرق. وقول من قال من السلف: إحرام المرأة في وجهها، إنما أراد به هذا المعنى، أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يَلزم الرجل، بل يلزمها اجتناب النقاب، فيكون وجهها كبدن الرجل. ولو قُدِّر أنه أراد وجوبَ كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك، وأراد به وجوب كشف الوجه، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين. وقد قالت أم المؤمنين عائشة - رحمه الله -: «كُنَّا إذا مَرَّ

(1/160)


بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها» (1)، ولم تكن إحداهن تتخذ عوداً تجعله بين وجهها وبين الجلباب (2)، كما قاله بعض الفقهاء، ولا يُعْرَفْ هذا عن امرأة من نساء الصحابة، ولا أمهات المؤمنين البتة، لا عملاً ولا فتوىً، ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإِحرام، ولا يكونَ ظاهرًا مشهورًا بينهن يعرفه الخاص والعام. ومن آثر الإِنصاف، وسلك سبيل العلم والعدل، تبين له راجح المذاهب من مرجوحها، وفاسدها من صحيحها، واللَّه الموفق والهادي» (3). ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن ابن المنذر أنه قال: «أجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخِيطَ كلَّه والخِفافَ، وأنَّ لها أن تغطي رأسها، وتستُر شعرها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوبَ سدلًا خفيفاً تستتر به عن نظر الرجال الأجانب، ولا تخمره، إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: «كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - تعني جدتها» (4). قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدْلاً، كما جاء عن عائشة _________ (1) أخرجه أحمد، برقم 24021، وأبو داود، برقم 1833، وقال الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة، 1/ 107: «حسن في الشواهد». وتقدم تخريجه. (2) انظر: نيل الأوطار، 5/ 71. (3) بدائع الفوائد، 3/ 174 - 175. (4) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، 1/ 328، برقم 16 في الحج، باب تخمير المحرم وجهه، وابن خزيمة، 4/ 203، برقم 2690، والحاكم، 1/ 45، وصححه، ووافقه الذهبي.

(1/161)


- رحمه الله - قالت: «كنّا مع رسول اللَّه - رضي الله عنه - إذا مرَّ بنا رَكْبٌ سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات، فإذا جاوزونا رفعناه» (1). قال العلامة الصنعاني في حاشيته على شرح العمدة بعد ما ذكر الحديث: «لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين». قال: «قوله: بوجهها وكفيها، أقول: فلا يُلبس ما فصل وقطع وخيط لأجل الوجه كالنقاب، ولأجل اليدين كالقفازين، لا لأن المراد أنها لا تغطي وجهها وكفيها كما توهم، فإنه يجب سترهما، لكن بغير النقاب والقفازين» (2). الدليل الرابع: حديث عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزَنَا كَشَفْنَاهُ» (3). قال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «ففي قولها: فإذا حاذونا تعني الركبان سدلت إحدانا جلبابها على وجهها دليل على وجوب ستر الوجه؛ لأن المشروع في الإحرام كشفه، فلولا وجود مانع قوي من كشفه حينئذ لوجب بقاؤه مكشوفًا حتى عند الركبان، وبيان ذلك أن كشف الوجه في الإحرام واجب على النساء عند الأكثر _________ (1) فتح الباري، لابن حجر، 3/ 406. (2) العدة شرح العمدة بحاشية الصنعاني، 3/ 476. (3) أخرجه أحمد، 40/ 522، برقم 24021، وأبو داود، برقم 1833، وقال الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة، 1/ 107: «حسن في الشواهد». وتقدم تخريجه.

(1/162)


من أهل العلم، والواجب لا يعارضه إلا ما هو واجب، فلولا وجوب الاحتجاب، وتغطية الوجه عند الأجانب، ما ساغ ترك الواجب من كشفه حال الإحرام، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن المرأة المحرمة تنهى عن النقاب والقفازين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن» (1). وهذا الحديث صريح في شمول الحجاب للوجوه، بل يفيد أن تغطية الوجوه كان هو المقصود بأمر الحجاب، والحديث حكمه عام لجميع نساء المؤمنين؛ فإن المراد بضمائر جمع المتكلم ليست أمهات المؤمنين فحسب كما يزعمه الزاعمون، والدليل على ذلك أن عائشة - رحمه الله - التي روت هذا الحديث، وهي التي كانت تفتي: بأن المرأة المحرمة تسدل جلبابها من فوق رأسها على وجهها. وروى مالك في الموطأ ما يفيد أن تغطية الوجوه في الإِحرام كان عامًّا في النساء، لا في زمن الصحابة فقط، بل فيما بعدهم أيضَاً، فقد روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: «كنا نُخَمِّرُ وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق فلا تنكره علينا» (2). وهذا العموم هو الذي فهمه العلماء في حديث عائشة. _________ (1) رسالة الحجاب، ص 18 - 19. (2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، برقم 16، وابن خزيمة، برقم 2690، والحاكم، 1/ 45، وصححه، ووافقه الذهبي، وتقدم تخريجه.

(1/163)


قال في عون المعبود في قولها: «يمرون بنا»: أي علينا معشر النساء» (1). وقال الشوكاني: «واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها أن تسدل ثوبها من فوق رأسها على وجهها؛ لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقَاً كالعورة، لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافياً عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم، وظاهر الحديث خلافه؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطًا لبينه - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن المنذر: «أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها لا وجهها، فتسدل الثوب سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال» (2). والمقصود من نقل كلام الشوكاني، وابن المنذر أن العلماء لا يرون هذه الضمائر راجعة إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة» (3). الدليل الخامس: حديث فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - قالت: «كنا نغطّي وجوهَنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإِحرام» (4). _________ (1) عون المعبود، 5/ 102، 104، 105. (2) نيل الأوطار، 5/ 7. (3) مجلة الجامعة السلفية، عدد أكتوبر، 1978م. (4) أخرجه الحاكم، 1/ 454، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي، وهو صحيح على شرط مسلم وحده.

(1/164)


الدليل السادس: عن فاطمة بنت المنذر رحمها اللَّه قالت: «كنا نخمر وجوهنا، ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -» (1). وفي تعبير أسماء - رضي الله عنها - بصيغة الجمع في قولها: «كنا نغطي وجوهنا من الرجال» دليلٌ على أن عمل النساء في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - كان على تغطية الوجوه من الرجال الأجانب، واللَّه أعلم، أما حديث فاطمة بنت المنذر، فيفيد أن تغطية الوجه في الإِحرام كان عامًّا في النساء، لا في زمن الصحابة فقط؛ بل فيما بعدهم أيضًا. قال صفي الرحمن المباركفوري - رحمه الله -: «وهذا الحديث أيضاً صريح في شمول الحجاب للوجوه، بل ويفيد أن تغطية الوجوه كان هو المقصود بأمر الحجاب، وحكم هذا الحديث عام لجميع نساء المؤمنين؛ فإن المراد بضمائر جمع المتكلم ليست أمهات المؤمنين فحسب كما يزعمه الزاعمون، والدليل على ذلك أن عائشة - رضي الله عنها - هي التي روت هذا الحديث، وهي التي كانت تفتي بأن المرأة المحرمة تسدل جلبابها من فوق رأسها على وجهها، وروى مالك في الموطأ ما يفيد أن تغطية الوجوه في الإِحرام كانت عامًّة في النساء، لا في زمن الصحابة فقط، بل فيما بعدهم أيضَاً، فقد روى عن فاطمة بنت المنذر قالت: «كنا نخمّر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق فلا تنكره علينا» (2). الدليل السابع: حديث ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ _________ (1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، 1/ 328، وابن خزيمة، برقم 2690، والحاكم، 1/ 45، وصححه، ووافقه الذهبي، وتقدم تخريجه. (2) إبراز الحق، للمباركفوري، ص 49.

(1/165)


جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْرًا». فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ. قَالَ: «فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لاَ يَزِدْنَ عَلَيْهِ» (1). قال الترمذي: «وفي الحديث رخصة للنساء في جَرِّ الإزار؛ لأنه يكون أستَرَ لهن». وقال البيهقي: «في هذا دليل على وجوب ستر قدميها». وفي رواية لأحمد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - «أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - رخَّص للنساء أن يُرْخين شبرًا، فقلن: يا رسول الله إذًا تنكشف أقدامُنا، فقال: «ذِرَاعاً ولا يَزِدْنَ عليه» (2). وفي رواية له أخرى عن ابن عمر - رضي الله عنها - أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - سألنه عن الذيل، فقال: «اجعلنَه شِبرَا»، فقلن: شبراً لا يَسْتُرُ من عَورَةِ، فقال: «اجعلْنَه ذرَاعَا»، فكانت إحداهن إذا أرادت أن تتخذ درعاً _________ (1) أخرجه أحمد، 9/ 158، برقم 5173، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في قدر الذيل، برقم 4117، والترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في ذيول النساء، برقم 1730، وقال: حسن صحيح، والنسائي، كتاب الزينة، باب ذيول النساء، برقم 5336، وفي الكبرى له، كتاب الزينة، ذيول النساء، برقم 9651، وابن ماجه، كتاب اللباس، باب ذيل المرأة كم يكون، برقم 3580، قال الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص80: «حسن صحيح»، وقال محققو المسند في التعليق على الحديث رقم 4489، 8/ 73: «إسناده صحيح على شرط الشيخين، دون ما يتعلق بذيول النساء، ففيها انقطاع بين نافع وبين أم سلمة، وسيأتي موصولاً بهذه الزيادة بإسناد صحيح». (2) انظر: سنن النسائي، 8/ 209، برقم 5336، وابن ماجه، برقم 3580، وأحمد، برقم 5173.

(1/166)


أرخت ذراعَاً، فجعلته ذيلاً (1). قال العلامة التويجري - رحمه الله -: «وفي هذا الحديث والحديثين بعده دليل على أن المرأة كلها عورة في حق الرجال الأجانب؛ ولهذا لما رخّص النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء في إِرخاء ذيولهن شبرًا، قلن له: إنَّ شبراً لا يستر من عورة، والعورة ها هنا القدم، كما هو واضح من باقي الروايات عن ابن عمر، وأم سلمة - رضي الله عنهم -. وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء على جعل القدمين من العورة، وإذا كان الأمر هكذا في القدمين، فكيف بما فوقهما من سائر أجزاء البدن؟ ولا سيما الوجه الذي هو مجمع محاسن المرأة؟ وأعظم ما يَفْتَتِنُ به الرجال، ويتنافسون في تحصيله إن كان حسناً. ومن المعلوم أن العشق الذي أضنى كثيراً من الناس، وقتل كثيراً منهم، إنما كان بالنظر إلى الوجوه الحسنة، لا إلى الأقدام وأطراف الأيدي، ولا إلى الحلي والثياب، وإذا كان قدم المرأة عورة يجب سترها، فوجهُها أولى أن يُسْتَر، واللَّه أعلم» (2). وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله -: «هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة - رضي الله عنهم -، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب، فالتنبيه _________ (1) مسند أحمد، 5/ 455، برقم 5636، وصححه محققو المسند لغيره، 5/ 455. (2) الصارم المشهور، ص 97 - 98.

(1/167)


بالأدنى تنبيه على ما فوقه، وما هو أولى منه بالحكم، وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة، ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة؛ فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة اللَّه وشرعه» (1). الدليل الثامن: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (2). قال الشنقيطي - رحمه الله -: «فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن، وسؤالهن متاعًا إلا من وراء حجاب؛ لأن من سألها متاعَاً لا من وراء حجاب فقد دخل عليها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حذَّره من الدخول عليها، ولما سأله الأنصاري عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمَاً لزوجته: كأخيه، وابن أخيه، وعمه، وابن عمه، ونحو ذلك، قال له - صلى الله عليه وسلم -: «الحَمو الموتُ»، فسمَّى - صلى الله عليه وسلم - دخول قريب الرجل على امرأته، وهو غير محرم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير؛ لأن الموت هو أفظع حادث يأتي على الإنسان في الدنيا، كما قال الشاعر: والموتُ أعظمُ حادثٍ ... مِمَّا يمرُّ على الجِبِلَّةْ _________ (1) الحجاب، ص 10. (2) البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة، برقم 5232، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، برقم 2172.

(1/168)


والجبلة: الخُلُق، ومنه قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} (1). فتحذيره - صلى الله عليه وسلم - هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} عام في جميع النساء كما ترى، إذ لو كان حكمه خاصاً بأزواجه - صلى الله عليه وسلم -، لما حذَّر الرجال هذا التحذير البالغ العامِّ من الدخول على النساء. وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن، ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن، والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديداً بانفراده، كما قدمنا أن مسلماً - رحمه الله - أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فدلَّ على أن كليهما حرام» (2). وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: «إِيّاكُم والدُّخُول»، بِالنَّصبِ عَلَى التَّحذِير، وهُو تَنبِيه المُخاطَب عَلَى مَحذُور لِيَحتَرِز عَنهُ كَما قِيلَ: إِيّاكَ والأَسَد، وقَوله: «إِيّاكُم» مَفعُول بِفِعلِ مُضمَر تَقدِيره اتَّقُوا. وتَقدِير الكَلام اتَّقُوا أَنفُسكُم أَن تَدخُلُوا عَلَى النِّساء، والنِّساء أَن يَدخُلنَ عَلَيكُم. ووقَعَ فِي رِوايَة ابن وهب بِلَفظِ: لا تَدخُلُوا عَلَى _________ (1) سورة الشعراء، الآية: 184. (2) أضواء البيان، 6/ 592 - 593.

(1/169)


النِّساء، وتَضَمَّنَ مَنعَ الدُّخُول مَنع الخَلوة بِها بِطَرِيقِ الأَولَى» (1). وقال الشيخ عبد القادر السندي: «الحديث فيه دلالة واضحة على أنه لا يجوز دخول الأجنبي على الأجنبية، وكذا قريب الزوج من أخ وعم ونحو ذلك، وفي رواية لمسلم في الصحيح عن أبي الطاهر عن ابن وهب قال: سمعت الليث يقول: «الحمو أخو الزوج وما أشبه من أقارب الزوج وابن العم ونحوه»، وفي الحديث تغليظ شديد، وتنبيه خطير من الدخول على النساء (2). وقال الإمام ابن الأثير في النهاية: «لا يَخْلُوَنّ رجل بأجنبية، وإن قيل حَمُوها، ألاَ حَمُوها الموتُ، أحدُ الأحْماء أقارِب الزَّوج، والمعنى فيه: أنه إذا كان رَأيُه هذا في أخي الزَّوج وما شابهه، وهو قريب، فكيف بالغَريب؟ أي: فلْتَمُتْ، ولا تَفْعَلَنّ ذلك، وهذه الكلمة تقولُها العرب كما تقول: الأسَدُ الموتُ، والسُّلطانُ النارُ، أي لقاؤهما مِثْل الموت والنار، يعني أنّ خَلْوة ابن عم الزوج معها أشدّ من خلوة غيره من الغُرَباء؛ لأنه ربما حَسَّن لها أشياء، وحَمَلها على أمور تَثْقُل على الزَّوج من الْتِماس ما ليس في وُسْعه، أو سُوء عِشْرة أو غير ذلك» (3). الدليل التاسع: عن عائشة - رضي الله عنها -: «أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ _________ (1) فتح الباري، 9/ 331. (2) انظر: عودة الحجاب، 3/ 309. (3) النهاية، 1/ 448، وهو منقول بتصرف، من مادة (حما).

(1/170)


لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ» (1). وفي رواية أنه قال لها: «أتحتجبين مني، وأنا عمك؟». وفي ثالثة: «فقلت: لا آذن له حتى أستأذن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فإن أخا أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس». ورواية: «وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة». وقال عروة: «فبذلك كانت عائشة تقول: حَرموا من الرضاع ما يحرم من النسب»، وفي رواية مسلم: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحتَجِبِي منه، فإنه يحَرُمُ من الرضَاعِ ما يحَرُمُ من النسَبِ» (2). قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذا الحديث: «وفيه وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب، ومشروعية استئذان المحرم على محرمه، وأن المرأة لا تأذن في بيت الرجل إلا بإذنه» (3). والشاهد فيه واضح، وهو أن الحافظ عمم حكم الوجوب على سائر النساء. وقال العيني - رحمه الله -: «قوله بعد أن نزل الحجاب، فيه أنه لا يجوز _________ (1) وفي رواية: «قُلْتُ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ، قَالَ: «تَرِبَتْ يَدَاكِ أَوْ يَمِينُكِ». وفي رواية: «صدق أفلح، ائذني له». والحديث أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لبن الفحل، برقم 5103، ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، برقم 1445. (2) مسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، برقم 1445. (3) فتح الباري، 9/ 152.

(1/171)


للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها، ويجب عليها الاحتجاب منه إجماعاً، وما ورد من بروز النساء، فإنما كان قبل نزول الحجاب، وكانت قصة أفلح مع عائشة بعد نزول الحجاب كما صرح به هنا» (1). الدليل العاشر: عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا كانَ لإحداكنَّ مَكُاتَبٌ، وكانَ عندَه ما يؤدّي، فلتَحتَجِبْ منه» (2). قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «وجه الدلالة من هذا الحديث - يعني على وجوب الحجاب - أنه يقتضي أنَّ كشف السيدة وجهها لعبدها جائز ما دام في ملكها، فإذا خرج منه، وجب عليها الاحتجاب لأنه صار أجنبياً، فدل على وجوب احتجاب _________ (1) عمدة القاري، 20/ 98. (2) أخرجه أحمد، 44/ 73، برقم 26473، وأبو داود، كتاب العتق، باب في بيع المكاتب، برقم 3928، والترمذي، كتاب البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدى، برقم 1261، وقال: «هذا حديث حسن صحيح، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع، وقالوا: لا يعتق المكاتب، وإن كان عنده ما يؤدي حتى يؤدي» اهـ. وابن ماجه، كتاب العتق، باب المكاتب، برقم 2520، والحاكم، 2/ 219، وقال: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي، وابن حبان، (1412)، والطبراني في المعجم الكبير،17/ 215، برقم 19391، والبيهقي، 10/ 327، وأشار إلى جهالة نبهان، ثم قال: قال الشافعي: لم أر من رضيت من أهل العلم يثبت هذا الحديث. وقال محققو المسند، 44/ 73: «إسناده ضعيف ... ، فقد روى البيهقي في سننه، 10/ 324 من طريق أبي معاوية الضرير، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن سليمان بن يسار، عن عائشة، قال: استأذنت عليها، فقالت: من هذا؟ فقلتُ: سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قال: قلت: عشر أواق، قال: ادْخُلْ، فإنك عبد ما بقي عليك درهم. وهذا إسناد صحيح».

(1/172)


المرأة عن الرجل الأجنبي» (1). وروى الطحاوي بإسناده عن ابن شهاب أَنَّ نَبْهَانَ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ، قَالَ: فَكُنْتُ أَتَمَسَّكُ بِهَا كَيْمَا أَدْخُلَ عَلَيْهَا وَأَرَاهَا، فَقَالَتْ وَهِيَ تَسِيرُ: مَاذَا بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ يَا نَبْهَانُ؟ قُلْتُ: أَلْفَا دِرْهَمٍ، قَالَتْ: فَهُمَا عِنْدَكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَتِ: ادْفَعْ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ؛ فَإِنِّي قَدْ أَعَنْتُهُ بِهِمَا فِي نِكَاحِهِ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ, ثُمَّ أَلْقَتْ دُونِيَ الْحِجَابَ، فَبَكَيْتُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيهَا إيَّاهَا أَبَدًا، قَالَتْ: إنَّكَ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ لَنْ تَرَانِي أَبَدًا, إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَهِدَ إلَيْنَا أَنَّا إذَا كَانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ؛ فَاضْرِبْنَ دُونَهُ الْحِجَابَ». ثم قال الطحاوي - رحمه الله -: «وَمِمَّا يُسْتَخْرَجُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْأَحْكَامِ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ مَعَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النَّاسِ ... » (2). وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهَا فَقَالَتْ مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ سُلَيْمَانُ، قَالَتْ: كَمْ بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ مُكَاتَبَتِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: عَشْرُ أَوَاقٍ، قَالَتِ: ادْخُلْ فَإِنَّكَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ دِرْهَمٌ» (3). _________ (1) رسالة الحجاب، ص 19. (2) مشكل الآثار، 1/ 121. (3) رواه البيهقي، 7/ 95، وصححه الألباني في إرواء الغليل، 6/ 183، وقال البيهقي عقبه: «وَرُوِّينَا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَتْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ يَكُونُ لِبَعْضِهِنَّ الْمُكَاتَبُ، فَتَكْشِفُ لَهُ الْحِجَابَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، فَإِذَا قَضَى أَرْخَتْهُ دُونَهُ».

(1/173)


الدليل الحادي عشر: عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «يرحم اللَّه نساء المهاجرات الأول، لما أنزل اللَّه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهن فاختمرن بها» (1). وفي لفظ للبخاري: «أنَّ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - كَانَتْ تَقُولُ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (2). «وروى ابن أبي حاتم هذا الحديث من طريق صفية بنت شيبة، قالت: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: «إن لنساء قريش لفضلَاً، وإني واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا لكتاب اللَّه، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} انقلب رجالهن إليهن، يتلون عليهن ما أنزل اللَّه عليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل اللَّه من كتابه، فأصبحن وراء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان» (3). وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «رحم اللَّه نساء الأنصار، لما _________ (1) البخاري، كتاب التفسير، باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن، برقم 4758. (2) البخاري، كتاب التفسير، باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن، برقم 4759. (3) أخرجه ابن أبي حاتم، 8/ 2575، وعزاه السيوطي في الدر المنثور، 11/ 27 لأبي داود وابن أبي حاتم وابن مردويه، وقد رواه البخاري مختصراً معلقاً في كتاب التفسير، باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن، برقم 4758،.

(1/174)


نزلت {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} الآية. شققن مروطهن فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كأنما على رؤوسهن الغربان» (1). «ولا يتأتّى تشبيههن بالغربان إلا مع سترهن وجوههن بفضول أكسيتهن» (2). قال الحافظ - رحمه الله -: «قَوله: (مُرُوطهنَّ) جَمع مِرط وهُو الإِزار، وفِي الرِّوايَة الثّانِيَة: (أُزُرهنَّ)، وزادَ (شَقَقنَها مِن قِبَلِ الحَواشِي). قَوله: (فاختَمَرنَ) أَي غَطَّينَ وُجُوهَهُنَّ؛ وصِفَة ذَلِكَ: أَن تَضَع الخِمار عَلَى رَأسها، وتَرمِيه مِنَ الجانِب الأَيمَن عَلَى العاتِق الأَيسَر وهُو التَّقَنُّع، قالَ الفَرّاء: كانُوا فِي الجاهِلِيَّة تُسدِل المَرأَة خِمارها مِن ورائِها، وتَكشِف ما قُدّامها، فَأُمِرنَ بِالاستِتارِ، والخِمار لِلمَرأَةِ كالعِمامَةِ لِلرَّجُلِ ... وأَخرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن رِوايَة ابن المُبارَك عَن إِبراهِيم بن نافِع بِلَفظِ (أَخَذَ النِّساء). وأَخرَجَهُ الحاكِم مِن طَرِيق زَيد بن الحُبابِ، عَن إِبراهِيم بن نافِع بِلَفظِ: (أَخَذَ نِساء الأَنصار)، ولابنِ أَبِي حاتِم مِن طَرِيق عَبد اللَّه بن عُثمان بن خُثَيمٍ عَن صَفِيَّة ما يُوضِّح ذَلِكَ، ولَفظه: «ذَكَرنا عِندَ عائِشَة نِساء قُرَيش وفَضلَهُنَّ، فَقالَت: إِنَّ نِساء قُرَيش لَفُضَلاء، ولَكِنِّي واللَّه ما رَأَيت أَفضَل مِن نِساء الأَنصار أَشَدّ تَصدِيقًا بِكِتابِ اللَّه، ولا _________ (1) ذكره في الدر المنثور، 12/ 143. (2) إلى كل فتاة تؤمن باللَّه، ص 41.

(1/175)


إِيمانًا بِالتَّنزِيلِ، لَقَد أُنزِلَت سُورَة النُّور {وَلْيَضْرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} فانقَلَبَ رِجالهنَّ إِلَيهِنَّ يَتلُونَ عَلَيهِنَّ ما أُنزِلَ فِيها، ما مِنهُنَّ امرَأَة إِلاَّ قامَت إِلَى مِرطها فَأَصبَحنَ يُصَلِّينَ الصُّبح مُعتَجِرات كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ الغِربان» ويُمكِن الجَمع بَينَ الرِّوايَتَينِ بِأَنَّ نِساء الأَنصار بادَرنَ إِلَى ذَلِكَ» (1). الدليل الثاني عشر: حديث عائشة - رحمه الله - في حديث الإفك، قال: «فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ (2) حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» الحديث (3). قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: «قوله: (فخمرت): أي غطيت وجهي بجلبابي، أي: الثوب الذي كان عليها، وفِي رِوايَة أَبِي أُويس فاستَرجَعَ وأَعظَمَ مَكانِي، أَي حِينَ رَآنِي وحدِي، وقَد كانَ يَعرِفُنِي قَبلَ أَن يُضرَب عَلَينا الحِجاب، فَسَأَلَنِي عَن أَمرِي، فَسَتَرت وجهِي عَنهُ بِجِلبابِي، وأَخبَرته بِأَمرِي» (4). _________ (1) فتح الباري، 8/ 490. (2) باسترجاعه: تعني قوله: «إنا للَّه وإنا إليه راجعون». (3) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الإفك، برقم 4141، ومسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف، برقم 2770. (4) فتح الباري، 6/ 6.

(1/176)


وقال صفي الرحمن المباركفوري - رحمه الله -: «ومعنى هذا أنه لو لم يكن رآها قبل الحجاب لم يكن ليعرفها برؤيتها، فهذا الحديث نص في شمول الحجاب للوجه، ويفيد أن الحجاب يمنع الرائي من معرفة المرأة بوجهها؛ لكون الوجه مستوراً تمام الستر» (1). وهذا يدل على أن تغطية الوجه عامة لجميع النساء؛ لأنه لم يرد أن ذلك خاص بها ولا غيرها. الدليل الثالث عشر: حديث أُمِّ عَطِيَّةَ - رحمه الله - قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاَةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لاَ يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» (2) هذا أحد ألفاظ مسلم. وفي لفظ له: «أَمَرَنَا - تَعْنِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ». ولفظ البخاري: «قالت امرأة: يا رسول اللَّه، إحدانا ليس لها _________ (1) إبراز الحق، ص 49. (2) البخاري، كتاب الصلاة، باب وجوب الصلاة في الثياب، برقم 351، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال برقم 890.

(1/177)


جلبابٌ؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها» (1). قال العلامة ابن عثيمين- رحمه الله -: «فهذا الحديث يدل على أنّ المعتاد عند نساء الصحابة أن لا تخرج امرأة إلا بجلباب، وأنها عند عدمه لا يمكن أن تخرج؛ ولذلك ذكرن رضي الله عنهن هذا المانع لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - حينما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - لهن حل هذا الإشكال، بأن تلبسها أختها من جلبابها، ولم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب، مع أن الخروج إلى مصلى العيد مشروع مأمور به للرجال والنساء، فإذا كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب فيما هو مأمور به، فكيف يرخّص لهن في ترك الجلباب لخروجٍ غير مأمور به، ولا محتاج إليه، بل هو للتجول في الأسواق، والاختلاط بالرجال، والتفرج الذي لا فائدة منه، وفي الأمر بلبس الجلباب دليل على أنه لابد من التستر، واللَّه أعلم» (2). قال الإمام ابن رجب - رحمه الله -: و (الجلباب): قال ابن مسعود ومجاهد وغير هما: هو الرداء، ومعنى ذلك: أنه للمرأة كالرداء للرجل، يستر أعلاها، إلا أنه يقنعها فوق رأسها، كما يضع الرجل رداءه على منكبيه. _________ (1) البخاري، كتاب الصلاة، باب وجوب الصلاة في الثياب، برقم 351، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال برقم 890. (2) رسالة الحجاب، ص 15.

(1/178)


وقد فسر عَبيدَةُ السلماني قول اللَّه - عز وجل -: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ} بأنها تدنيه من فوق رأسها، فلا تظهر إلا عينها، وهذا كان بعد نزول الحجاب، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها، وكان ذلك ما ظهر منها من الزينة في قوله - عز وجل -: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها ... إلى أن قال: فصارت المرأة الحرة لا تخرج بين الناس إلا بالجلباب؛ فلهذا سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر النساء بالخروج في العيدين، وقيل له: المرأة منا ليس لها جلباب؟ فقال: «لتلبسها صاحبتها من جلبابها» يعني تعيرها جلباباً تخرج فيه ... إلى أن قال: فإن الجلباب إنما أمر به للخروج بين الناس؛ لا للصلاة، ويدل عليه: أن الأمر بالخروج دخل فيه الحيَّض وغيرهن، وقد تكون فاقدة الجلباب حائضاً، فعلم أن الأمر بإعارة الجلباب إنما هو للخروج بين الرجال ... وليس من باب أخذ الزينة للصلاة؛ فإن الحرة تصلي في بيتها بغير جلباب بلا خلاف» (1). الدليل الرابع عشر: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ _________ (1) فتح الباري، لابن رجب، 2/ 351، برقم 351.

(1/179)


رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (1). قال الإمام النووي - رحمه الله -: «هذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع هذان الصنفان، وهما موجودان، وفيه ذم هذين الصنفين. قيل: معناه: كاسيات من نعمة اللَّه، عاريات من شكرها. وقيل: معناه: تستر بعض بدنها، وتكشف بعضه إظهاراً [لجمالها] ونحوه، وقيل: معناه: تلبس ثوباً رقيقاً يصف لون بدنها. وأما مائلات فقيل: معناه: عن طاعة اللَّه، وما يلزمهن حفظه، مميلات: أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم، وقيل: مائلات: يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن، وقيل: مائلات: يمشطن المشطة المائلة، وهي مشطة البغايا، مميلات، يمشطن غيرهن تلك المشطة، ومعنى: «رؤوسهن كأسنمة البخت» أن يكبرنها، ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها» (2). وقال القاضي عياض - رحمه الله -: «كاسيات عاريات، ... إلخ: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: كاسيات من نعم اللَّه تعالى، عاريات من الشكر. الثاني: كاسيات: يكشفن بعض جسدهنّ، ويسبلن الخُمر من ورائهن، فتنكشف صدورهن، فهن كاسيات بمنزلة العاريات، إذا _________ (1) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، برقم 2128. (2) شرح النووي على صحيح مسلم، 14/ 110، وفيض القدير للمناوي، 4/ 209، برقم 5045.

(1/180)


كان لا يستر لباسُهُنَّ جميعَ أجسادهنَّ. الثالث: يلبسن ثياباً رقاقاً تصف ما تحتها، فهن كاسيات في ظاهر الأمر، عاريات في الحقيقة. وقوله: «مائلات مميلات»: أي زائغات عن استعمال طاعة اللَّه تعالى وما يلزمهن من حفظ الفروج» (1). الدليل الخامس عشر: عَنْ عَائِشَةَ - رحمه الله - قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَسْأَمُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ» (2). الدليل السادس عشر: حديث أَنَسٍ - رضي الله عنه - في قصة زواج رسول اللَّه من ِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ - رحمه الله -: «فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأ لَهَا خَلْفَهُ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ» (3). وفي رواية أخرى عن أنس - رضي الله عنه - أيضاً قال: «فلما قُرِّب البعير لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ليخرج، وضع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - رجله لصفية لتضع قدمها _________ (1) إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/ 386، برقم 2128. (2) البخاري، أبواب المسجد، باب أصحاب الحراب في المسجد، برقم 5236، مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لامعصية فيه في أيام العيد، برقم 892. (3) البخاري، كتاب النكاح، باب اتخاذ السراري ومن أعتق جاريته ثم تزوجها، برقم 5085، ومسلم، كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، برقم 1365.

(1/181)


على فخذه، فأبت ووضعت ركبتها على فخذه، وسترها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وحملها وراءه، وجعل رداءه على ظهرها ووجهها، ثم شده من تحت رجلها، وتحمَّل بها، وجعلها بمنزلة نسائه» (1). وهذا الحديث من أدلة الوجوب أيضاً؛ لأنه من فعله - صلى الله عليه وسلم - بيده الكريمة، فهو عمل كامل، حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - ستر جسمها كله، وهذا هو الحق الذي يجب اتباعه، فهو القدوة الحسنة، ولو لم يكن دليل من النصوص الشرعية على وجوب ستر المسلمة وجهها، وجميع بدنها، ومقاطع لحمها إلا هذا الحديث الصحيح، لكفى به موجبًا وموجهاً إلى أكمل الصفات» (2). وقصة صفية هذه لا تدل على اختصاص الحجاب بأمهات المؤمنين، بل على عكس من ذلك تدل عل عمومه لهن ولنساء المسلمين؛ لأن السياق يصرح تمام التصريح بأن الصحابة كانوا مترددين في أمر صفية أنها مملوكة سُرِّيَّةٌ أو حرَّة متزوجة؟ وأنهم كانوا على جزم صارم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو حجبها فهي أمارة على أنه أعتقها وتزوجها، ولم يكن جزمهم هذا إلا لأنهم كانوا يعرفون أن الحجاب مختص بالحرائر، وأنه أكبر ميزة، وأعظم فارق في معرفة الحرة من المملوكة، فإذا حجبها فلابد وأن تكون حرة، والحرة لا تصلح أن تكون سُرِّيَّة، فهي إذن من أزواجه وأمهات المؤمنين. _________ (1) الطبقات الكبرى لابن سعد، 8/ 121، وبنحوه: مسند أحمد، 19/ 268، برقم 12239، وأبو عوانة، 3/ 203، وقال محققو المسند، 19/ 268: «إسناده صحيح على شرط مسلم». (2) نظرات في حجاب المرأة المسلمة، ص 97.

(1/182)


فالصحابة - رضي الله عنهم - إنما جعلوا الحجاب أمارة على العتق والتزويج؛ لأن صفية كانت سبيًا مملوكة، نعم لو كانت من الحرائر المؤمنات من قبل، ثم جعلوا الحجاب أمارة على كونها من أمهات المؤمنين لكان في ذلك دليل على اختصاص الحجاب بهن، وأما إذ ليس فليس، ثم ليعلم أن التزوج والعتق ليسا من خصائصهن، فالحجاب الذي جعلوه أمارة على العتق والتزوج كيف يكون مختصا بهن؟ ثم إن القصة لا تدل على أكثر من أن أمهات المؤمنين كن محتجبات، ولا يلزم من كونهن محتجبات اختصاصهن بالحجاب» (1). الدليل السابع عشر: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» (2). وفي لفظ مسلم: عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «لاَ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلاَ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلاَ تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ» (3). قال الشيخ حمود التويجري- رحمه الله -: «وفي نهيه - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تباشر المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها دليل على مشروعية احتجاب النساء عن الرجال الأجانب، وأنه لم يبق للرجال سبيل إلى معرفة _________ (1) مجلة الجامعة السلفية، قاله أبو هشام الأنصاري. (2) البخاري، كتاب النكاح، باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها، برقم 524. . (3) مسلم، كتاب الحيض، باب تحريم النظر إلى العورات، برقم 338.

(1/183)


الأجنبيات من النساء إلا من طريق الصفة أو الاغتفال، ونحوِ ذلك؛ ولهذا قال: «كأنه ينظُرُ إليها»، فدلَّ على أن نظر الرجال إلى الأجنبيات ممتنع في الغالب من أجل احتجابهن عنهم، ولو كان السفور جائزًا لما كان الرجال يحتاجون أن تُنْعَتَ لهم الأجنبيات من النساء، بل كانوا يستغنون بنظرهم إليهن، كما هو معروف في البلدان التي قد فشا فيها التبرج والسفور» (1). قال الإمام النووي- رحمه الله -: «باب تحريم النظر إلى العورات»، ثم ساق الحديث، ثم قال: «وأما أحكام الباب ففيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة وهذا ... حرام بالإجماع، ونبّه - صلى الله عليه وسلم - بنظر الرجل إلى عورة الرجل على نظره إلى عورة المرأة، وذلك بالتحريم أولى، وهذا التحريم في حق غير الأزواج والسادة، أما الزوجان فلكل واحد منهما النظر إلى عورة صاحبه جميعها ... إلى أن قال: «وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها، فكذلك يحرم عليها النظر إلى كل شيء من بدنه؛ سواء كان نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها، وقال بعض أصحابنا: لا يحرم نظرها إلى وجه الرجل بغير شهوة، وليس هذا القول بشيء» (2). وقال القسطلاني - رحمه الله -: «في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تباشر المرأة المرأة _________ (1) الصارم المشهور، ص 203، وطبعة أخرى، ص 95. (2) شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 30.

(1/184)


فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» قال الطيبي - رحمه الله -: المعنى به في الحديث النظر مع المس، فتنظر إلى ظاهرها من الوجه والكفين، وتجس باطنها باللمس» (1). الدليل الثامن عشر: حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» (2). قال العلامة التويجري - رحمه الله -: «ويستفاد من هذا الحديث أن نساء المؤمنين في زمن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كن يستترن عن الرجال الأجانب، ويغطين وجوههن عنهم، وإنما كان يقع النظر عليهن فجأة في بعض الأحيان، وأيضَاً لو كُنَّ يكشفن وجوههن عند الرجال الأجانب لكان في صرف البصر عنهن مشقة عظيمة، ولاسيما إذا كثرت النساءُ حول الرجل؛ لأنه إذا صرف بصره عن واحدة فلا بد أن ينظر إلى أخرى أو أكثر، وأمَّا إذا كن يغطين وجوههن كما يفيده ظاهر الحديث؛ فإنه لا يبقى على الناظر مشقة في صرف النظر؛ لأن ذلك إنما يكون بغتة في بعض الأحيان، واللَّه أعلم» (3). وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري في معرض الرد على من استدل بهذا الحديث على إباحة السفور: «هذا لا يتمّ به الاستدلال؛ فإن غاية ما فيه إمكان وقوع النظر على الأجنبيات، وهذا لا يستلزم جواز كشف _________ (1) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، 9/ 237. (2) مسلم، كتاب الآداب، باب نظر الفجاءة، برقم 2159؟ (3) الصارم المشهور، ص 92.

(1/185)


الوجوه والأيدي أمام الأجانب، وإيضاح ذلك أن المرأة كثيرَاً ما تكشف وجهها وكفيها ظنًّا منها أنها بمأمن من نظر الأجنبي، بينما تكون هي بمرأى منه، مثلاً تمر في طريق خالية من الرجال، فتكشف وجهها، ويكون رجل عند باب غرفته أو شباكها أو في شرفة أو على سقف أو في ناحية أخرى يراها، وهي لا تشعر به، كذلك ربما تضطر المرأة إلى كشف بعض جسدها لأمر ما، كما أنها ربما ينكشف بعض أعضائها من غير خيار منها، أو من غير أن تشعر بانكشافه - وقد أسلفنا بعض هذا - وربما تكون المرأة غير مسلمة أو مسلمة اجترأت على هتك أوامر اللَّه، وكشفت بعض أعضائها تعمدَاً - وقد عمت به البلوى في هذا الزمان - فالسبيل في هذه الصور وأمثالها أن يؤمر الرجل بغض البصر، وليس من مقتضيات هذا أن يجوز للمرأة كشف وجهها من غير عذر أو حاجة أو مصلحة» (1). الدليل التاسع عشر: حديث فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - رضي الله عنها -:أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ»، وفي رواية أخرى: ثلاث تطليقات»، وَهُوَ غَائِبٌ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي (2)، اعْتَدِّي عِنْدَ _________ (1) مجلة الجامعة السلفية، عدد نوفمبر وديسمبر، 1978م. (2) قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي - رحمه الله - في "عارضة الأحوذي: «(قوله لها: «تلك امرأة يغشاها أصحابي» قيل في ذلك وجهان: أحدهما: أن ذلك قبل نزول الحجاب، وهو ضعيف؛ لأن مغيب عليّ إلى اليمن حين سافر معه زوج فاطمة كان بعد نزول الحجاب بمدة. الثاني: وهو الصحيح: أن أم شريك كانت مبجلة رجلة، فكان المهاجرون والأنصار يداخلونها بجلالتها ورجولتها، فلم يكن ذلك موضع تحصين لكثرة الداخل فيه والخارج، وعسر التحفظ فيه، فنقلها منه إلى دار امرأةٍ لها زوج أعمى، فتكون في حصانة من الرجال، وفي ستر من ضراوة الرجل المختص بذلك المنزل». [5/ 146].

(1/186)


ابْنِ أَمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عنده»، وفي رواية: «انتَقِلي إلى أم شريكٍ، وأم شريك امرأة غنية من الأنصارِ، عظيمةُ النفقَةِ في سبيلِ اللَّهِ، ينزلُ عليها الضيفَانِ، فإني أكره أن يَسقُطَ خمارُك، أو ينكشفَ الثوبُ عن سَاقَيكِ، فيرى القومُ منك بعضَ ما تكرهين، ولكن انتقِلي إلى ابنِ عمك عبدِ اللَّه ابن أم مكتومِ الأعمى - وهو من البطن التي هي منه - فإنك إذا وَضَعتِ خمارَك لم يَرَك»، فانتقلتُ إليه، فلما انقضت عدتي سمعتُ نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى صلاته جلس على المنبر فقال: «إنّي واللَّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمَاً الداري كان رجلاً نصرانيّاً، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. . .» الحديث (1). وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك»، وفي رواية: _________ (1) مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، برقم 1480، واللفظ له، وأحمد، 45/ 309، برقم 27327، وأبو داود، كتاب الطلاق، باب في نفقة المبتوتة، برقم 2284، والنسائي، كتاب النكاح، باب إذا استشارت المرأة رجلا فيمن يخطبها هل يخبرها بما يعلم، برقم 3245، والطحاوي في شرح معاني الآثار، 3/ 65، والبيهقي في الكبرى، 7/ 135. وانظر: العدة شرح العمدة بحاشية الصنعاني، 4/ 240 - 241.

(1/187)


«فإني أكره أن يسقط منك خمارك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين» دليل على أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها - فضلاً عن غيره - عند البصير من الرجال الأجانب؛ وذلك لأن الخمار عام لمسمَّى الرأس والوجه لغة وشرعَاً (1)، ويشهد لهذا ما تقدم من قول الحافظ ابن حجر في تعريف الخَمْر: «ومنه الخِمار؛ لأنه يغطي وجه المرأة». وقول القاضي أبي علي التنوخي فيما ينسب إليه: قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقى المذهب نور الخمار، ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهب وهذا الحديث ينبغي أن يفهم في ضوء قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المرأة عَورَةُ». وإذا كان النظر إلى وجوه النساء أعظم فتنة من النظر إلى رؤوسهن، فبعيد أن تأتي الشريعة الكاملة بإيجاب ستر الرؤوس، وإباحة كشف الوجوه، وقوله: «لم يرك» ظاهر في إرادة جميع ما يبدو منها من وجه ورأس ورقبة، وليس في الحديث ما يدل على وجوب ستر الرأس وحده دون الوجه (2). الدليل العشرون: حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَبَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلاً، فَلَمَّا رَجَعْنَا، وَحَاذَيْنَا بَابَهُ إِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ _________ (1) انظر: نظرات في حجاب المرأة المسلمة، ص 72 - 73، والصارم المشهور، ص 77 - 78. (2) انظر: عودة الحجاب، للمقدم، 3/ 328.

(1/188)


مُقْبِلَةٍ لاَ نَظُنُّهُ عَرَفَهَا، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ مِنْ أَيْنَ جِئْتِ؟». قَالَتْ: جِئْتُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ، رَحِمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ، وَعَزَّيْتُهُمْ» (1). فقد ظن الصحابة - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعرف هذه المرأة التي مرت من عنده، لأنها كانت مستترة، ولكنه عرفها، وقال لها: «يا فاطمة» (2). الدليل الحادي والعشرون: حديث جَابِرٍ بن عبد اللَّه - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ»، قَالَ: فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا» (3). وقد بيّن العلامة صفي الرحمن المباركفوري - رحمه الله -: أن هذا الحديث يدل على تحريم السفور، وعلى فرضية احتجاب النساء _________ (1) أحمد، 11/ 137، برقم 6745، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في التعزية، برقم 3125، والبيهقي في السنن الكبرى، 4/ 60، وفي دلائل النبوة له، 1/ 192، والحاكم، 1/ 373، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي. (2) انظر: عودة الحجاب للمقدم، 3/ 329. (3) أخرجه الإمام أحمد، 22/ 440، برقم 14586، وأبو داود، كتاب النكاح، باب فِي الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ يُرِيدُ تَزْوِيجَهَا، برقم (2082) في النكاح باب الرجل ينظر إلى المرأة، وهو يريد تزويجها، والحاكم، 2/ 165، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، والبيهقي، 7/ 87، وقال الحافظ في بلوغ المرام: «رجاله ثقات»، وقال في الفتح: «وسنده حسن، وله شاهد من حديث محمد بن مسلمة». فتح الباري، 9/ 87، وقال الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، 6/ 201: «فالسند حسن، وقد حسنه الحافظ». وانظر تمام تخريجه في: الاستيعاب فيما قيل في الحجاب، ص 107.

(1/189)


عن الرجال الأجانب من وجوه: «الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا جناح أن يغترها، فينظر إليها»، فهو يفيد أن النظر إلى المرأة لم يمكن وهي منتبهة بوجود الرجل، وأن النظر إليها مع غرتها لا يجوز، بل فيه جناح إلا إذا كان لمثل هذه الأغراض المشروعة. الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن استطاع أن ينظر» أو «فقدر أن يرى» إلخ يدل على أن النظر إلى النساء لم يكن سهلاً في ذلك الزمان، بل كان يحتاج إلى حيل وتصرفات، ولو كانت النساء يخرجن سافرات الوجوه لم يكن لاشتراط الاستطاعة والقدرة معنى. الثالث: ما فعله جابر من الاختباء تحت أصول النخل دليل على أن النساء لم يَكُنَّ يتركن الحجاب إلا إذا علمن أنهن في مأمن من نظر الرجال» (1). الدليل الثاني والعشرون: حديث مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «خَطَبْتُ امْرَأَةً فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهَا فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «إِذَا أَلْقَى اللَّهُ - عز وجل - فِي قَلْبِ امْرِئٍ مِنْكُمْ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا» (2). _________ (1) إبراز الحق، ص 51. (2) رواه الإمام أحمد، 29/ 492، برقم 17976، وسعيد بن منصور في سننه، 1/ 146، برقم 519، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، برقم 1886، والطحاوي في شرح معاني الآثار، 3/ 13، والبيهقي 7/ 85، والطيالسي، 2/ 507، برقم 1282، والحاكم، 4/ 492، وقال: هذا حديث غريب، وإبراهيم بن صرمة ليس من شرط هذا الكتاب، وقال الذهبي في "التخليص": ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: شيخ. اهـ، والطبراني في المعجم الكبير، 19/ 224، برقم 500، وابن حبان، 9/ 349، برقم 4042، وعبد الرزاق، 6/ 156، برقم 10335، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 98، وانظر تخريجه مطولاً في: الاستيعاب فيما قيل في الحجاب، للشيخ فريح بن صالح البهلال، ص 103 - 107.

(1/190)


الدليل الثالث والعشرون: حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَذَكَرْتُ لَهُ امْرَأَةً أَخْطُبُهَا، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا»، قَالَ: فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَخَطَبْتُهَا إِلَى أَبَوَيْهَا، وَأَخْبَرْتُهُمَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَكَأَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ، قَالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ فِي خِدْرِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَمَرَكَ أَنْ تَنْظُرَ، فَانْظُرْ، وَإِلَّا فَإِنِّي أَنْشُدُكَ، كَأَنَّهَا عْظَّمَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا: فَتَزَوَّجْتُهَا، فَذَكَرَ مِنْ مُوَافَقَتِهَا» (1). قال العلامة التويجري - رحمه الله -: «وفي هذا الحديث والحديثين قبله دليل على مشروعية احتجاب النساء من الرجال الأجانب؛ ولهذا أنكروا _________ (1) رواه الإمام أحمد، 30/ 66، برقم 18137، وسعيد بن منصور في سننه، 1/ 145، برقم 514، والترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، برقم 1087،)، وحسَّنه، والنسائي، كتاب النكاح، باب إباحة النظر قبل التزويج، برقم 3253، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب تزويج الحرائر والولود، برقم 1865، والدارمي 1/ 155، والطحاوي 3/ 14، وابن الجارود في المنتقى، ص 170، والمقدسي في المختار، 2/ 333، وصحح إسناده، 96. وقال البوصيري في الزوائد، 1/ 118: «هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات»، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 96.

(1/191)


على محمد بن مسلمة لما أخبرهم أنه تخبأ لمخطوبته حتى نظر إليها وهي لا تشعر، فأخبرهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رخَّص في ذلك للخاطب. وكذلك المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - لما طلب النظر إلى المخطوبة كَرِه ذلك والداها، وأعظمت ذلك المرأةُ، وشددت على المغيرة، ثم مكنته من النظر إليها طاعة لأمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -. وفي هذه الأحاديث أيضاً بيان ما كان عليه نساء الصحابة - رضي الله عنهم - من المبالغة في التستر من الرجال الأجانب؛ ولهذا لم يتمكن جابر ومحمد بن مسلمة - رضي الله عنهما - من النظر إلى المخطوبة إلا من طريق الاختباء والاغتفال، وكذلك المغيرة لم يتمكن من النظر إلى مخطوبته إلا بعد إذنها له في النظر إليها» (1). وكذلك يشهد لهذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر - رضي الله عنه - المتقدم: «فإن استطَاعَ أن يَنظرَ إلى ما يَدعُوه إلى نِكَاحِهَا فَليَفعَل». وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري معلقاً على حديث المغيرة - رضي الله عنه -: «وهذا الحادث يدل أيضَاً على أن النساء كن قائمات بالتستر بحيث لم يكن الرجل يقدر على أن يراهن إلا بالحيل والتصرفات، أو إلا أن يسمحن له بالرؤية، ولو كن يخرجن سافرات الوجوه، كاشفات الخدين، مكتحلات العينين، مخضوبات الكفين لم يكن الرجال يحتاجون إلى تجشم هذه المشقات في رؤيتهن». _________ (1) الصارم المشهور، ص 94 - 95.

(1/192)


وقال معلقًا على قول جابر - رضي الله عنه - في آخر حديثه: «فخطبت امرأة من بني سلمة، فكنت أختبئ تحت الكرب حتى رأيت منها بعض ما دعاني إِليها» (1). وفي هذا الحديث دليل من وجهين: الأول: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن استطاع أن ينظر. . . إلخ» يدل على أن النظر إلى النساء لم يكن سهلَا، بل كان لابد لها من حيل وتصرفات، ولو كانت النساء يخرجن سافرات الوجوه في ذلك الزمان لم يكن لاشتراط الاستطاعة في النظر إليهن معنى. والثاني: ما فعله جابر من الاختباء تحت الكرب دليل على أن النساء لم يكن يتركن الحجاب إلا إذا علمن أنهن في أمن من نظر الرجال. «وقال في حديث محمد بن مسلمة - رضي الله عنه -: «وهذا الحديث مثل حديث جابر في الدلالة على المطلوب، مع مزيد الدلالة على أن النظر إلى المرأة الأجنبية كان من أسباب التعجب والنكران عند أوائل هذه الأمة» (2). الدليل الرابع والعشرون: حديث أَبِي حُمَيْدٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ _________ (1) المحلى لابن حزم، 11/ 220. (2) مجلة الجامعة السلفية، عدد نوفمبر وديسمبر، 1978م، وإبراز الحق، ص 52.

(1/193)


إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ» (1). قال الشيخ أبو هشام الأنصاري - رحمه الله -: «إن رفع الجناح عن إظهار التزين في هذه الحالة المخصوصة لأجل هذه المصلحة الخاصة دليل على أن في إظهار التزين في عامة الأحوال جناحًا وإثماً. والدليل على تغاير حكم الخطبة عن حكم عامة الأحوال أن الخاطب أبيح له النظر إلى المخطوبة، بل هو مأمور بذلك أمر حض وإرشاد، أو أمر استحباب وندب، بينما هو مأمور بغض البصر عن الأجنبيات، وحرم عليه النظر إليهن إلا النظرة الأولى، أو نظرة الفجأة التي تصدر منه من غير عمد وقصد، والذين لهم إلمام بقواعد الشريعة يعرفون جيدًا أن تقييد إِباحة الشيء أو جوازه أو رخصته بحالة خاصة دليل على تحريمه في الأصل، كما أن ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للحاجة أو المصلحة الراجحة (2)، فجواز أو إباحة إظهار التزين - الذي يعده البعض كشف الوجه - للمخطوبة دليل على تحريم إظهار تلك الزينة في عامة الأحوال. وصنيع الفقهاء والمحدثين يرشد إلى ما قلنا؛ فإن عامتهم بوبوا _________ (1) أخرجه الإمام أحمد 39/ 15، برقم 23602، والطحاوي، 3/ 14، والطبراني في الأوسط، 6/ 99، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «ورجال أحمد رجال الصحيح»، وسكت عليه الحافظ في التلخيص الحبير، 3/ 147، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 97، وصححه محققو المسند، 39/ 15،. (2) انظر: زاد المعاد، 2/ 213.

(1/194)


على أحاديث الخطبة بباب جواز النظر إلى المخطوبة وأمثاله، فتقييدهم النظر إلى المخطوبة بالجواز يشعر بأن النظر إلى غير المخطوبة غير جائز عندهم» (1). وقال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها ... ، ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغير إذنها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بالنظر وأطلق ... ولا يجوز له الخلوة بها؛ لأنها محرمة، ولم يَرد الشرعُ بغير النظر، فبقيت الخلوة على التحريم؛ ولأنه لا يُؤمَن مع الخلوة مواقعة المحظور ... ، ولا ينظر إليها نظرة تلذذ وشهوة، ولا لريبة، قال أحمد في رواية صالح: ينظر إلى الوجه، ولا يكون عن طريق لذة، وله أن يردد النظر إليها، ويتأمل محاسنها؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك» (2). وقيَّد الحجاوي والفُتُوحي وغيرهما جواز النظر بما إذا غلب على ظنه إجابته، قال الجراعيُّ: «متى غلب على ظنه عدم إجابته لم يجز، كمن ينظر إلى امرأة جليلة يخطبها مع علمه أنه لا يُجاب إلى ذلك». وكما أن الأحاديث التي ذُكرت آنفًا قد دلت بمنطوقها على جواز _________ (1) مجلة الجامعة السلفية، نوفمبر، ديسمبر، 1978م. (2) المغني، 6/ 552 - 553 مختصراً، وفي المسألة تفصيل يراجع في سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم 95 - 99.

(1/195)


نظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، فكذلك هي دالة بمفهومها على أنه لا يجوز النظرُ إلى غيرها من سائر الأجنبيات ويوضح ذلك قوله في حديث أبي حُميد - رضي الله عنه -: «إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة»، فدل على أنه لا يجوز النظر إلى الأجنبية لغير خاطب. وأيضاً فوضع البأس والجُناح على الخاطب إذا نظر إلى مخطوبته يدل على أنه لا يجوز النظر لغير خاطب، وأن عليه في نظره إلى الأجنبية بأساً وجناحَاً، واللَّه أعلم (1). وقد أخرج البخاري - رحمه الله - في الجامع نحو حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - فقد عقد بابًا إذ قال: «باب النظر إلى المرأة قبل التزويج»، وقال الحافظ في الفتح: «قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها» (2). وقال السندي: «وأما المفهوم المخالف لهذا الحديث؛ فإنه لا يجوز لغير الخاطب أن ينظر إليها، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانت المرأة محجبة، وأما في حالة كشف الوجه والكفين فلا معنى لهذا الحديث بالمفهوم، فهذا أيضَاً دليل على عدم جواز كشف الوجه والكفين» (3). وسياق حديث محمد بن مسلمة وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ألقَى اللَّه - عز وجل - _________ (1) انظر: عودة الحجاب، 3/ 324. (2) راجع الخلاف في هذا في فتح الباري، لابن حجر، 9/ 182. (3) رسالة الحجاب، ص 42 - 43.

(1/196)


في قلب امرئ خِطبَةَ امرأة فلا بأس أن ينظُرَ إليها»؛ فهذا الإذن بهذا السياق يدل على تحريم النظر إلى الوجه والكفين لغير الخاطب (1). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبةوإن كانت لا تعلم»: وجه الدلالة منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى الجناح، وهو الإثم، عن الخاطب خاصة إذا نظر من مخطوبته بشرط أن يكون نظره للخطبة، فدل هذا على أن غير الخاطب آثم بالنظر إلى الأجنبية بكل حال، وكذلك الخاطب إذا نظر لغير الخطبة، مثل أن يكون غرضه بالنظر التلذذ والتمتع به ونحو ذلك؛ فإن قيل: ليس في الحديث بيان ما ينظر إليه، فقد يكون المراد بذلك نظر الصدر والنحر، فالجواب: إن كل أحد يعلم أن مقصود الخاطب المريد للجمال إنما هو جمال الوجه، وما سواه تبع لا يقصد غالباً، فالخاطب إنما ينظر إلى الوجه؛ لأنه المقصود بالذات لمريد الجمال بلا ريب ... » (2). الدليل الخامس والعشرون: حديث أبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: «رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً، فَقَالَ - يَعْنِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا» (3). _________ (1) انظر: عودة الحجاب، 3/ 325. (2) رسالة الحجاب، ص 14. (3) أخرجه أحمد، 13/ 235، برقم 7841، والحميدي، 1172، وسعيد بن منصور، برقم 523، والنسائي في كتاب النكاح، إذا استشار رجل رجلاً في المرأة هل يخبره بما يعلم، برقم 32246، وفي الكبرى له أيضاً: كتاب النكاح، إذا استشار الرجل رجلا في المرأة هل يخبره بما يعلم، برقم 5330، وابن حبان 9/ 349، برقم 4041، و4044، وبنحوه: مسلم، كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، برقم 1424، والطحاوي في شرح معاني الآثار، 3/ 14، والبيهقي، 7/ 84، وقال محققو المسند 13/ 235: «إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير يزيد بن كيسان، فمن رجالِ مسلم»، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم 4030.

(1/197)


وقال العلامة حمود التويجري - رحمه الله -: «في هذه الأحاديث أيضاً بيان ما كان عليه نساء الصحابة - رضي الله عنهم - من المبالغة في التستر من الرجال الأجانب؛ ولهذا لم يتمكن جابر، ومحمد بن مسلمة - رضي الله عنهما - من النظر إلى المخطوبة إلا من طريق الاختباء والاغتفال، وكذلك المغيرة لم يتمكن من النظر إلى مخطوبته إلا بعد إذنها له في النظر إليها» (1). فليتأمل ذلك المفتون بسفور النساء، وتكشفهن بين الرجال الأجانب، وليتقوا اللَّه في أمورهم عامة، وفي نسائهم خاصة، وليعلموا أنهم مسؤولون عنهن يوم القيامة، وليحذروا أن يكونوا ممن قال اللَّه تعالى فيهم: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (2). الدليل السادس والعشرون: حديث عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» (3). _________ (1) الصارم المشهور، ص 202. (2) سورة النساء، الآية: 115. (3) البخاري، كتاب الأذان، باب انتظار الناس قيام الإمام العالم، برقم 867، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها، برقم 645.

(1/198)


وحديث عَائِشَةَ - رحمه الله - قَالَتْ: «لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَوَمُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ» (1). قال العلامة محمد بن العثيمين - رحمه الله -: «والدلالة في هذا الحديث من وجهين: أحدهما: أن الحجاب والتستر كان من عادة نساء الصحابة الذين هم خير القرون، وأكرمها على اللَّه - عز وجل -، وأعلاها أخلاقاً وآداباً، وأكملها إيماناً، وأصلحها عملاً فهم القدوة الذين - رضي الله عنهم -، وعمن اتبعوهم بإحسان، كما قال تعالى: {وَالسَّبِقُونَ الاْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (2)، فإذا كانت تلك طريقة نساء الصحابة، فكيف يليق بنا أن نحيد عن تلك الطريقة التي في اتباعها بإحسان رضى الله تعالى عمن سلكها واتبعها، وقد قال اللَّه تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} (3). الثاني: أن عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما -، _________ (1) البخاري، كتاب الأذان، باب انتظار الناس قيام الإمام العالم، برقم 869، ومسلم، كتاب الصلاة، باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَأَنَّهَا لاَ تَخْرُجُ مُطَيَّبَةً، برقم 445. (2) سورة التوبة، الآية: 100. (3) سورة النساء، الآية: 115.

(1/199)


وناهيك بهما علماً وفقهاً وبصيرة في دين اللَّه، ونصحاً لعباد اللَّه أخبرا بأن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، لو رأى من النساء ما رأياه لمنعهن من المساجد، وهذا في زمان القرون المفضلة تغيرت الحال عما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلى حد يقتضي منعهن من المساجد، فكيف بزماننا هذا بعد نحو ثلاثة عشر قرناً، وقد اتسع الأمر، وقل الحياء، وضعف الدين في قلوب كثير من الناس؟! وعائشة وابن مسعود - رضي الله عنهما - فهما ما شهدت به نصوص الشريعة الكاملة من أن كل أمر يترتب عليه محذور فهو محظور (1). ثالثاً: الأدلة من الإجماع العملي على وجوب حجاب المرأة عن الرجال الأجانب: نقل الإجماع العملي المستمر على وجوب حجاب المرأة عن الرجال الأجانب جمع من أهل العلم، منهم من يأتي: 1 - قالَ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المُنذِر النيسابوري المتوفى سنة 318هـ: «وأَجمَعُوا عَلَى أَنَّ المَرأَة تَلبَس المَخِيط كُلّه والخِفاف، وأَنَّ لَها أَن تُغَطِّيَ رَأسَها، وتَستُرَ شَعرَها إِلاَّ وجهَها، فَتَسدُل عَلَيهِ الثَّوب سَدلاً خَفِيفًا، تُستَر بِهِ عَن نَظَرِ الرِّجال، ولا تُخَمِّرهُ إِلاَّ ما رُوِيَ عَن فاطِمَة بِنت المُنذِر، قالَت: كُنّا نُخَمِّر وُجُوهنا ونَحنُ مُحرِمات مَعَ أَسماء بِنت أَبِي بَكر؛ تَعنِي جَدَّتها» (2). _________ (1) رسالة الحجاب، ص 17. (2) عزاه إليه الحافظ في الفتح، 3/ 406، وهو في بداية المجتهد، ص 272.

(1/200)


2 - وقال الحافظ الإمام ابن عبد البر المتوفى سنة 463هـ: «وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها، وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلاً خفيفاً، تستتر به عن نظر الرجال إليها» (1)، وقال في موضع آخر: «وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا، وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا وهي محرمة، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تَسْدِلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا سَدْلًا خَفِيفًا، تَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا» (2). 3 - وقال الإمام ابن رشد الحفيد المتوفى سنة 595 هـ: «وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها، وأن لها أن تسدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلاً خفيفاً، تستر به من نظر الرجال إليها، كَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رحمه الله - أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، فَإِذَا مَرَّ بِنَا رَكِبٌ سَدَلْنَا عَلَى وُجُوهِنَا الثَّوْبَ مِنْ قِبَلِ رُؤوسِنَا، وَإِذَا جَاوَزَ الرَّكْبُ رَفَعْنَاهُ، وَلَمْ يَأْتِ تَغْطِيَةُ وُجُوهِهِنَّ إِلَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» (3). _________ (1) التمهيد لابن عبد البر، 15/ 108. (2) الاستذكار لابن عبد البر، 11/ 28، برقم 15257. (3) بداية المجتهد، 1/ 336، وتقدم تخريجه.

(1/201)


4 - وقال شيخ الحنابلة الموفق ابن قدامة المتوفى سنة 620هـ في قول الخرقي: «الْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا، فَإِنْ احْتَاجَتْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا»، قال: فَأَمَّا إذَا احْتَاجَتْ إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا، لِمُرُورِ الرِّجَالِ قَرِيبًا مِنْهَا، فَإِنَّهَا تَسْدُلُ الثَّوْبَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا; وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رحمه الله - قَالَتْ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِذَا حَاذَوْنَا، سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ؛ وَلِأَنَّ بِالْمَرْأَةِ حَاجَةً إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا سَتْرُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَالْعَوْرَةِ» (1). 5 - وقال أبو الحسن بن القطان المتوفى سنة 628هـ: «وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلاً خفيفاً، تستتر به عن نظر الرجال إليها» (2). 6 - وَقال شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة 728هـ: «أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا عَوْرَةٌ، فَلِذَلِكَ جَازَ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ الثِّيَابَ الَّتِي تَسْتَتِرُ بِهَا، وَتَسْتَظِلُّ بِالْمَحْمَلِ، لَكِنْ نَهَاهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تَنْتَقِبَ أَوْ تَلْبَسَ _________ (1) المغني لابن قدامة، 5/ 154. (2) الإقناع، 1/ 262، برقم 1458.

(1/202)


الْقُفَّازَيْنِ، وَالْقُفَّازَانِ: غِلَافٌ يُصْنَعُ لِلْيَدِ، كَمَا يَفْعَلُهُ حَمَلَةُ الْبُزَاةِ، وَلَوْ غَطَّتْ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا بِشَيْءِ لَا يَمَسُّ الْوَجْهَ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ يَمَسُّهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا، وَلَا تُكَلَّفُ الْمَرْأَةُ أَنْ تُجَافِيَ سُتْرَتَهَا عَنْ الْوَجْهِ لَا بِعُودِ، وَلَا بِيَدِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ» (1). 7 - وقال الإمام الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 752هـ: «قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء، وأسافله بالإزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يزاد على موجب النص، ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهاراً؟ فأي نص اقتضى هذا؟! أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة، بل وجه المرأة كبدن الرجل، يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب، والبرقع، وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفازين، وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملاءه والخمار والثوب، فلم ينه عنه البتة» (2). 8 - وقال الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن مفلح المتوفى سنة 763هـ: «وَالْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا في وَجْهِهَا، فيحرم عليها تَغْطِيَتُهُ بِبُرْقُعٍ أو نِقَابٍ أو غَيْرِهِ وفاقاً للثلاثة. قال ابن الْمُنْذِرِ: كَرَاهِيَةُ الْبُرْقُعِ ثَابِتَةٌ عن سَعِيدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ _________ (1) مجموع الفتاوى، 26/ 112. (2) بدائع الفوائد، 3/ 141.

(1/203)


عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فيه ... إلى أن قال: «وَيَجُوزُ لها أَنْ تُسْدِلَ على الْوَجْهِ لِحَاجَةٍ؛ ولقول عَائِشَةَ: «كان الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا ... الحديث، وعن فاطمة بنت المنذر، قالت: «كُنَّا نُخَمِّرُ وجوهَنا، ونحنُ محرمات ... الحديث، إلى أن قال: «وحُكْمُ الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ في جَمِيعِ ما سَبَقَ إلَّا في لُبْسِ الْمَخِيطِ، وَتَظْلِيلِ الْمَحْمَلِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِمَا سَبَقَ من حديث ابْنِ عُمَرَ وَلِحَاجَةِ السَّتْرِ» (1). وقال - رحمه الله - أيضاً: «وَيَحْرُمُ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ، وَمَنْ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ إجماعاً، قَالَهُ شَيْخُنَا، وَنَصُّهُ: (وَخَوْفُهَا) وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا» (2). 9 - وحكى الإمام العلامة أحمد بن حسين بن رسلان الشافعي المتوفى سنة 844 هـ: «اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق» (3). 10 - وقال العلامة بكر أبو زيد - رحمه الله -: «واتفق المسلمون على عدم خروج نساء المؤمنين أمام الرجال إلا متحجبات، غير سافرات الوجه، ولا حاسرات عن شيء من الأبدان، ولا متبرجات بزينة» (4). 11 - وحكى النووي: عن إمام الحرمين الجويني أبي المعالي أنه حكى اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجه، وبأن _________ (1) كتاب الفروع، لابن مفلح، 3/ 450 بتصرف. (2) كتاب الفروع، 5/ 155. (3) نقله عنه الشوكاني في نيل الأوطار، 6/ 130. (4) حراسة الفضيلة، ص 37.

(1/204)


النظر مظنة الفتنة، وهو محرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب فيه، والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية» (1). 12 - وقال سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز - رحمه الله -: «وقد أجمع علماء السلف على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها، وأنه عورة يجب عليها ستره إلا من ذي محرم» (2). 13 - وقال الإمام المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير - رحمه الله -: «وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء» (3). 14 - ونقل الإمام النووي - رحمه الله - أن نظر الرجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع ... إلى أن قال: وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها» (4). 15 - وقال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن حبيب العامري - رحمه الله -: «إن الذي أجمعت عليه الأمة، واتفقت على تحريمه: علماء السلف والخلف من الفقهاء والأئمة، هو نظر الأجانب من الرجال والنساء بعضهم إلى بعض ... وهم: من ليس بينهم رحم من النسب، ولا محرم من سبب كالرضاع وغيره، فهؤلاء حرام نظر بعضهم إلى بعض ... فالنظر والخلوة محرم على هؤلاء عند كافة _________ (1) روضة الطالبين، للإمام النووي، 7/ 21. (2) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، 5/ 231. (3) الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -، 1/ 202. (4) شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 30.

(1/205)


المسلمين، لا يباح بدعوى زهد وصلاح ولا توهم عدم آفة ترفع عنهم الجناح إلا في أحوال نادرة من ضرورة أو حاجة ... فما سوى ذلك محرم سواء كان عن شهوة أو عن غيرها» (1). وقال - رحمه الله -: «ثم قد اتفقت علماء الأمة أن من اعتقد هذه المحظورات وإباحة امتزاج الرجال بالنسوان الأجانب فقد كفر واستحق القتل بردته، وإن اعتقد تحريمه وفَعَلَهُ، وأقر عليه ورضي به فقد فسق، لا يسمع له قول ولا تقبل له شهادة، فضلاً عن أن تظن به زهادة أو عبادة، بل يرتكب محظوراً محرماً، فاسق به مجرم بارتكابه معاصي لا تحصى» (2). 16 - ذكر الإمام الصنعاني - رحمه الله - إجماع المسلمين على تحريم التبرج» (3). رابعاً: الدليل من الاعتبار الصحيح والقياس المطرد على وجوب الحجاب: قال العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -: «الدليل الحادي عشر: الاعتبار الصحيح والقياس المطرد الذي جاءت به الشريعة الكاملة. وهو إقرار المصالح ووسائلها والحث عليها، وإنكار المفاسد ووسائلها والزجر عنها، فكل ما كانت مصلحته خالصة أو راجحة على مفسدته فهو مأمور به أمر إيجاب أو أمر استحباب. _________ (1) أحكام النظر إلى المحرمات وما فيه من الخطر والآفات، والرد على من استباح ذلك وادعى العصمة من الفتن، ص 260. (2) المرجع السابق، ص 287. (3) منحة الغفار على ضوء النهار، 4/ 2011، 2012.

(1/206)


وكل ما كانت مفسدته خالصة أو راجحة على مصلحته فهو نهي تحريم أو نهي تنزيه. وإذا تأملنا السفور وكشف المرأة وجهها للرجال الأجانب وجدناه يشتمل على مفاسد كثيرة، وإن قدر فيه مصلحة فهي يسيرة منغمرة في جانب المفاسد. مفاسد السفور وكشف المرأة وجهها كثيرة، منها: 1 - الفتنة؛ فإن المرأة تفتن نفسها بفعل ما يُجَمِّل وجهها، ويبهيه، ويظهره بالمظهر الفاتن. وهذا من أكبر دواعي الشر والفساد. 2 - زوال الحياء عن المرأة الذي هو من الإيمان، ومن مقتضيات فطرتها، فقد كانت المرأة مضرب المثل في الحياء «أحيا من العذراء في خدرها»، وزوال الحياء عن المرأة نقص في إيمانها، وخروج عن الفطرة التي خلقت عليها. 3 - افتتان الرجال بها لا سيما إذا كانت جميلة، وحصل منها تملق وضحك ومداعبة في كثير من السافرات، وقد قيل: «نظرة، فسلام، فموعد، فلقاء». والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فكم من كلام وضحك وفرح أوجب تعلق قلب الرجل بالمرأة، وقلب المرأة بالرجل، فحصل بذلك من الشر ما لا يمكن دفعه نسأل اللَّه السلامة. 4 - اختلاط الرجال بالنساء، فإن المرأة إذا رأت نفسها مساوية للرجل في كشف الوجه، والتجول سافرة لم يحصل منها حياء ولا

(1/207)


خجل من مزاحمة، وفي ذلك فتنة وفساد عريض، وقد «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم من المسجد، وقد اختلط النساء مع الرجال في الطريق فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «استأخرن؛ فإنه ليس لكنَّ أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق». فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق به من لصوقها» (1)، ذكره ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}» (2). وقد جاء في فتنة النساء أحاديث كثيرة، منها: 1 - حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (3). 2 - حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (4). قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: «وفي الحديث: أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد لهذا قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ _________ (1) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق، برقم 5272، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 856. (2) رسالة الحجاب، ص 20 - 22. (3) البخاري، برقم 5096، ومسلم، برقم 2740، وتقدم تخريجه. (4) مسلم، كتاب العلم، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، برقم 2742.

(1/208)


الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ} فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك ... وقد قال بعض الحكماء: «النساء شر كلهن، وأشر ما فيهن عدم الاستغناء عنهن، ومع أنهن ناقصات عقل ودين تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين» (1). قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: «ففتنة النظر أصل كل فتنة، كما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (2). وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء» (3). وفي مسند محمد بن إسحاق السرّاج من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمر» (4). وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: «لم يكفر ممن كفر ممن مضى إلا من قبل النساء، وكفر من بقي من قبل النساء» (5) ... _________ (1) فتح الباري، لابن حجر، 9/ 138. (2) البخاري، برقم 5096، ومسلم، برقم 2740، وتقدم تخريجه. (3) مسلم، برقم 2742، وتقدم تخريجه. (4) علل الحديث لابن أبي حاتم، برقم 1311، ومسند السراج، ص 26، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، برقم 6052. (5) مصنف ابن أبي شيبة، 3/ 46، برقم 17643، وقال الشيخ التويجري في إتحاف الجماعة، 1/ 338: «إسناده حسن».

(1/209)


إلى أن قال: «والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه، كما قيل: كل الحوادث مبدؤها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الغيد موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحباً بسرور عاد بالضرر» (1) _________ (1) روضة المحبين، ص 113.

(1/210)


 المطلب السادس: الحكمة من مشروعية الحجاب

من أبرز حِكَم مشروعية الحجاب الحِكم الآتية: أولاً: طهارة القلوب من الخواطر الشيطانية، والهواجس النفسانية؛ لأن قلوب البشر مهما تطهرت بالتقوى، ونفوسهم مهما تزكَّت بالمجاهدة، فلن تصل بأصحابها إلى العصمة من الخواطر، أو الوقوع في المآثم عند وجود أسبابها، إلّا أن يتولى اللَّه تعالى الصالح من عباده بعنايته، فيحفظه من هذه المعاصي. إن شيوع السفور، وانتشار التبرج، وإظهار المحاسن، وإبراز المفاتن، يُلهب العواطف، ويثير الغرائز، وقد يبعث أوهامًا هابطة، وظنونًا ساقطة، تكون سببًا في إرجاف المرجفين، وتَقَوُّلِ الخراصين؛ لهذا أراد الشارع الحكيم أن يطهر تلك القلوب بقطع أسباب هذه الخواطر والهواجس، فشرع الحجاب، طهارة لتلك القلوب من إلقاء الشيطان .. إن المرأة التي تخطِرُ في مِشْيتها، وتبدي أمام الرجال الأجانب زينتها، تكون عرضة لعبث أصحاب الأهواء، خاصة إذا رأت نظرات المستحسنين، واستروحت لعبارات المعجبين؛ فترق الحواجز بين الفريقين، ويقع ما لا يُحمد عقباه من الجانبين. فكم من نظرة تمكنت بسببها خطرة، وكم من خطرة استدعت

(1/211)


عبرة، ثم أورثت حسرة، وكم من متضمخة بالأفعاء (1) ساقت مرضى النفوس إلى لقاء، وكم من لقاء أدَّى إلى إفضاء، وللَّه در القائل: نظرة فابتسامةٌ فسلامٌ ... فكلامٌ فموعدٌ فلقاءٌ (2) قال ابن القيم - رحمه الله -: «دافِع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فإن لم تدافعها صارت فعلًا، فإن لم تتداركه بضده صار عادة، فيصعب عليك الانتقال عنها» (3). لهذا كانت طهارة قلوب الفريقين حكمة من حكم الشارع العظيمة التي أشار إليها في قوله الكريم: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (4). ومن عرف أن هذه الآية نزلت في أمهات المؤمنين اللاتي حفظهن اللَّه تعالى، أدرك أن حُكمها يعم كافة النساء؛ لأنهن أحوج إلى طهارة القلوب من نساء الرسول - صلى الله عليه وسلم - اللاتي طهَّرهن اللَّه، وجعل لهن أمومة شرعيةً تنأى بالمؤمنين عن تصورهن بغير هذا المعنى الكريم. وقلوب رجال المؤمنين بحاجة أيضًا إلى هذه الطهارة التي _________ (1) الأفعاء: الروائح الطيبة، كما في القاموس المحيط. (2) القائل هو الشاعر أحمد شوقي، انظر: الشوقيات، 2/ 112. (3) الفوائد، ص 31. (4) سورة الأحزاب، الآية: 53.

(1/212)


تسمو بأصحابها في درجات التقوى والكمال؛ لذا كانت علة سؤالهن من وراء حجاب مُفْصِحَةً عن حقيقة هذه الحكمة التي يُراد منها الطهارةُ والعفافُ ونَقَاءُ السريرة. وقد بيَّنَ القرآن الكريم وسائل إذهابِ الرجس، ووسائلَ التطهير، فوجَّه الخطاب إلى نسوة من أطهر نساء الأرض، وأرفعهن شأنًا، اللاتي عِشْنَ في بيت النبوة، ونَهَلْنَ من آدابه الرفيعة؛ لتكون تلك الأوامر أوقعَ أثرًا في قلوب سواهن، فقال لهن: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (1). تلك هي وسائل التطهير التي يُذهب اللَّه تعالى بها الرجس عن عباده، والتي منها عدم التبرج. ثانياً: الحجاب صيانة النساء من أذى الفاسقين: وقد نص القرآن الكريم على ذلك، فقال اللَّه - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} (2). _________ (1) سورة الأحزاب، الآيتان: 32 - 33. (2) سورة الأحزاب، الآية: 59.

(1/213)


ويحكي المفسرون عند هذه الآية أن ناسًا من فساق أهل المدينة كانوا يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة فيتعرضون للنساء. فإن رأَوا المرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة فكُفُّوا عنها، وإلاَّ تعرضوا لها .. ومن هنا ندرك هيبة الحجاب الذي يصدُّ الفاسقين عن المتحجبات، والوقار الذي يخلعه ذلك الشعار الإسلامي على المؤمنات، فيحفظهنَّ من الأذى، ويقيهن من عوادي السوء، ويصونهن من كيد الأشرار، والمتدبر للآية الكريمة السابقة وما جاء بعدها يدرك أن أولئك الماجنين دخلوا في عموم قول اللَّه تعالى الوارد بعد آية إدناء الجلابيب: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} (1). لقد قرنَ اللَّه تعالى هؤلاء بأولئك، لأن الفاسقين الذين يعيثون في الأرض فسادًا يحطمون أخلاق الأمة، والمنافقين والمرجفين يدمرون نظامها، ويَفُلُّون قوتها. لهذا حسم الإسلام مادة الشر، ففرض على النساء الحجاب، _________ (1) سورة الأحزاب، الآيتان: 60 - 61.

(1/214)


وحرَّم عليهن السفور والاختلاط، وحافظ على كرامتهن بما شرعه من زواجر تردع الماجنين، وتكفّ الفاسقين، وتجعلهم تحت مظلة الأدب والوقار والطهر أجمعين. ثالثاً: الحجاب إصلاح الظاهر بما يتناسب وما قصد إليه الشارع من صلاح الباطن، ليتم الانسجام التام بين حشمة المظهر وعفة المخبر .. ذلك أن المرأة المتبرجة التي تبرز محاسنها، وتبدي مفاتنها، امرأة متمردة على ما فطرها اللَّه عليه من الحشمة والوقار المركوزين في النفس بمقتضى الإيمان الذي فطر اللَّه تعالى المخلوقات عليه، والذي يدعو إلى التمسك بالفضائل، ونبذ جميع الرذائل. وهي مع ذلك تعطي إيماءة واضحة على فساد باطنها، إذ ماذا يمكنك أن تتصور تلك النفس التي تستمرئ إظهار مفاتن الجسد، وتستروح غشيان الشواطئ بعريٍ فاضح؟!! إِنَّ ذلك يومئ إلى حيوانية في التصور، ويكشف عن هبوط في السلوك، يغري أصحاب النفوس المريضة بهؤلاء الفاسقات، ويدفعهم إلى الجريِ وراء أولئك المتهتكات. وهي مع ذلك تشير بتبرجها إلى تبعيتها لبيوت الأزياء الغربية، وخضوعها لمؤثرات الاستعمار الفكري بحيث باتت واحدة من ضحاياه .. وما أشد إفلاس الأمة حين تصبح مربيات الأجيال، وصانعات

(1/215)


الرجال دُمًى تحركها العقلية الاستعمارية عن طريق بيوت الأزياء، وما يسمى «جمعيات تحرير المرأة» فَيتقمصْنَ شخصياتها، ويُقَلّدنها في أفعالها، وما أشد مُصَاب الأمة حين تُنكب بناشئة تربو على أيدي أمهات من ذلك القبيل، فينشؤون نشأة لا يعرفون قيمة لفضيلة، ولا يدركون مدى هبوط الرذيلة. عقلهم غربي، وسلوكهم أجنبي، ولسانهم عربي .. وصدق فيهم ما رواه أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ» (1)؟ رابعاً: الحجاب مظهر ودليل على تمكن الحياء ووفور الأدب: فالمرأة التي تعلو وجهها حُمْرة الحياء حين يقع عليها نظر رجل، وتتحرج عندما تتكلم مع غير محارمها لحاجة أو ضرورة تدعوانها إلى ذلك، امرأةٌ نقية المعدن، طيبة القلب، نبيلة الشعور، وحجابها يزيد ضميرها حياةً، وعنصرها زكاةً، وباطنها نقاءً، فتمتنع عما لا يجوز، وتنأى بنفسها عما لا ينبغي، وتتأبَّى من غشيان مجالس السوء، ولا عجب أن يصونها الحجاب؛ لأنه يدعو إلى _________ (1) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، برقم 7320، واللفظ له، ومسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم 2669.

(1/216)


الحياء، ويبعدها عن مواطن الريبة، ويُقَرِّبُها من فِعَال الخير، وصدق رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: «الحياء خير كله» (1). ولما كان الحياء خيرًا كله؛ فإن عاقبته إلى خير، حيث يحجز صاحبه عن الرذائل، ويسوقه إلى الفضائل، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» (2). إن المرأة التي يدفعها حياؤها إلى ستر مفاتنها، وعدم إبداء زينتها، والاعتزاز بحجابها، والبعد عما يسخط ربها، هي امرأة ربا الإيمان في قلبها، وعظم اليقين في نفسها، وتسربلت الخير في عملها، وحياء يدفع لهذا كله لا شك أنه من الإيمان المركوز في فطرة الإنسان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ» (3)، وفي رواية أخرى: «الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» (4). قال الحافظ ابن حجر: «فإن قيل: الحياء من الغرائز، فكيف جُعل شعبة من الإيمان؟ أُجِيب بأنه قد يكون غريزة، وقد يكون تخلقًا، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم _________ (1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، برقم 37. (2) البخاري، كتاب الأدب، باب الحياء، برقم 6117، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، برقم 37. (3) البخاري، كتاب الإيمان، باب الحياء من الإيمان، برقم 24، ومسلم واللفظ له، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، برقم 36. (4) البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، برقم 9، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، برقم 35.

(1/217)


ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة، وحاجزًا عن المعصية. فإن قيل: لِمَ أفرده - أي البخاري - بالذكر هنا، أي في باب أمور الإيمان؟ أجيب بأنه كالداعي إلى باقي الشعب، إذ الَحِييُّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر» (1). والمرأة التي لا تتورع عن الابتذال في ملبسها، ولا تترفع عن إظهار مفاتنها، ثم لا تستشعر تأنيب الضمير حين تفتن الرجال بنفسها، بل تزهو بسيئ العمل، ولا يصطبغ وجهها - من ذلك بحمرة الخجل، فهذه امرأة فقدت حياءها، ومن ثمَّ فقدت ثمرة إيمانها، وإن استحلت ذلك مع علمها بحرمته فقدت الإيمان نفسه - والعياذ باللَّه تعالى -، وصدق رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: «الْحَيَاءُ وَالإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ» (2). إن الإنسان حين يفقد حياءه، لا يشعر بغضاضة من اقتراف المعصية، وإنِ اقترفها من غير رادع، أو ألمَّ بها من دون وازع، سَهُل _________ (1) فتح الباري، 1/ 52. (2) أخرجه الحاكم، 1/ 22، وقال: «صحيح على شرطهما»، والبخاري في الأدب المفرد، برقم 1313، وأبو نعيم في الحلية، 4/ 297، والبيهقي في شعب الإيمان، 6/ 140، وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة، 5/ 213، رقم 25350 موقوفًا على ابن عمر، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، 2/ 36، برقم 991.

(1/218)


عليه غيرها، بحيث ينتقل من معصية إلى أخرى، وينحدر من مأثم إلى آخر حتى تهوي به الموبقات في مكان سحيق. لقد عالج الإسلام مرضى النفوس، فطهرههم من دَنَسِ الرذيلة، ثم حفزهم إلى التحلي بكل فضيلة، كما حارب الفاحشة بالعفاف، والتبرجَ بالحجاب، وأقام من الإيمان والحياء حارسًا أمينًا على الإنسان حتى يقيَهُ مصارع السوء؛ فإذا فَقَدَ أحدهما فقد الآخر، وتمرَّغ في أوحال الرذيلة، ووقع في دَنَسِ الخطيئة. وما حجاب المرأة إلا درع يقيها من نظرات المتطفلين، ويصونها من عبث العابثين، ويرد عنها أذى المستهترين، وما هو إلا أثر من آثار الإيمان والحياء، فما أحوج المرأة المسلمة إليهما في هذا الزمان الذي ظهر فيه الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. خامساً: الحجاب يتناسب مع طبيعة المرأة التي فطرها اللَّه تعالى على الإيمان والحياء؛ لأن حالها مبني على الستر، وطبيعة الحجاب تضمن لها ذلك لكونه من مقتضيات الخَفَر، فهو مادة من قانون حياتها الذي لا يجوز لها الخروج عليه، أو الانعتاق منه. وحين تعيش المرأة في نطاق هذا النظام، وتحيا ضمن تلك الطبيعة، تشعر براحة النفس، وهدوء البال، فلا نظرات تلاحقها، ولا متسكعًا يتبعها، ولا قلقًا يؤرقها، ولا فراغًا يضجرها؛ لأنها في كَنفِ القانون الإلهي الذي قَرنَ الحياء بالإيمان. فالإيمان زوَّدها بحصانة تحفظها، والحياء أسبغ عليها حجابًا

(1/219)


يسترها، ومنحها من الوقار والهيبة ما يصرف الفاسقين عنها .. إن خروجَ المرأة عن تلك الطبيعة يُعتبرُ عدوانًا صارخًا على الفطرة، وتمردَها على الشرع ضربٌ من العبث بسنن اللَّه التي بثها في الكون، ولهذه الحكمة حرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة، كما حرم على المرأة أن تتشبه بالرجل؛ لما في ذلك من الخروج عن الفطرة، والعبث بسنن اللَّه في الكون فللرجل لباسه، وللمرأة لباسها .. تلك هي سنة اللَّه تعالى في خلقه، وتلك هي القِسمة العادلة التي تناسب طبيعة كلٍّ منهما. والإسلام يحرص على بقاء الرجل ضمن معاني الرجولة، ليؤدي دوره المطلوب منه في الحياة؛ كما يحرص على بقاء المرأة في إطار الأنوثة، ليتم التكامل، وتطَّرد سنة اللَّه الكونية في خلق النوع الإنساني الذي أخبرنا عنه بقوله الكريم: {وَمِن كُلِّ شَيء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (1). وخروج الرجل أو المرأة عن إطارهما يعني التحلل من المواصفات الخاصة بكل منهما، وبالتالي التحلل من أساسيات الفطرة، وأصول النوع، وذلك ضرب من خُواء النفس، وفقر الروح، وخلل التفكير. لقد جاء الإسلام ليعيد التوازن إلى ذلك الإنسان الشارد، ويرده _________ (1) سورة الذاريات، الآية: 49.

(1/220)


إلى جادة الهدى بإعادته إلى فطرته، وتذكيره بمهمته في هذه الحياة، كما حرص على النهوض به من إسفاف التفكير إلى سلامة التدبير، ومن ضعف المعالجة إلى نضج التحليل، ومن سطحية النظرة إلى أعماق الفكرة، فإذا استجاب لهذا النداء فَقَمِنٌ به أن يثري المجتمع بفكره، ويشد أزره بصالح عمله. إن فرضَ الحجاب على المرأة تكريم لها، لإبقائها على أنوثتها، ومنعَها من التبرج صيانة لها من الخروج عن طبيعتها، وحين تتحلل هذه الطبيعة، وتختل تلك الفطرة - نظرًا لتشبه كل فريق بالآخر - تضطرب القيم، وتختل الموازين، وتفسد المفاهيم. لهذا قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «لعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (1). لقد أوصد الإسلام كل باب يعتبر ذريعة لتحلل المرأة، واختلال فطرتها وحظر كل ما يؤدي إلى فسادها وإغراء الرجال بها، ففرض عليها من الأحكام ما يدفع عنها غوائل السوء، وكان من جملة تلك الأحكام الإلهية إلزامها بالحجاب {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} (2). تلك هي بعض الحِكَم من شرعية الحجاب، أردنا أن نوضحها، _________ (1) البخاري، كتاب اللباس، باب: المتشبهين بالنساء، والمتشبهات بالرجال، برقم 5885. (2) سورة الأحزاب، الآية: 59.

(1/221)


لندلل على عمق نظرة التشريع الإسلامي، وسموّ مقاصده، ونبل أهدافه؛ ولنؤكد أن الحجاب ما هو إلا فضيلة تهدف إلى وقاية المرأة، والمحافظة على المجتمع، والحرص على أخلاق الأمة، لئلا تذوب في غيرها من الأمم، أو تصبح تبعًا لها في ملبسها، وأسلوبِ حياتها، فتفقد خصائصها الإسلامية، وتغدو أمة على هامش الأحداث، لا تحظى باحترام، ولا تُقابَل بتقدير» (1). _________ (1) حجاب المسلمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي، ص 121 - 134 بتصرف.

(1/222)


 المطلب السابع: شروط الحجاب الإسلامي

أولاً: تعريف الشرط لغة واصطلاحاً: 1 - الشرط لغة: العلامة. 2 - الشرط اصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته (1). ثانياً: شروط الحجاب الشرعي إجمالاً: الشرط الأول: أن يكون حجاب المرأة ساترًا لجميع بدنها كاملاً. الشرط الثاني: أن لا يكون فيه زينة. الشرط الثالث: أن يكون ثخينًا لا يشف عما تحته. الشرط الرابع: أن يكون فضفاضًا واسعاً غير ضيق. الشرط الخامس: أن لا يكون مطيبًا بأي نوع من أنواع الطيب. الشرط السادس: أن لا يُشبه لباس الرجال. الشرط السابع: أن لا يُشبه لباس الكافرات. الشرط الثامن: أن لا يكون لباس شهرة. الشرط التاسع: أن لا يكون فيه تصاليب. الشرط العاشر: أن لا يكون فيه تصاوير. _________ (1) عدة الباحث في أحكام التوارث، للشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، ص 4.

(1/223)


ثالثاً: شروط الحجاب الإسلامي تفصيلاً: الشرط الأول: أن يكون حجاب المرأة ساتراً لجميع بدنها كاملاً: لما كانت المرأة مصدر التعلق والفتنة والإغراء، فقد أمرها اللَّه تعالى بالحجاب السابغ الساتر لجميع بدنها، صيانة لها من الأوغاد، وحفاظًا على المجتمع من الفساد؛ لأدلة كثيرة، منها: 1 - قال اللَّه تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1). فقد أمر اللَّه تعالى في هذه الآية النساء أن يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن للناظرين إلا أمام من استثناه منهم في تتمتها حذرًا من الافتتان. واستثنى الرداء والثياب وما ظهر منهن بغير قصد، كالذي يبدو _________ (1) سورة النور، الآية: 31.

(1/224)


عند حركتها، أو إصلاح شأن من شؤونها، أو ما تكشفه الريح منها، فهذا هو المعفو عنه إذا سارَعْن إلى ستره. 2 - وقال اللَّه - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} (1). فقد أمر اللَّه تعالى زوجات النبي الطاهرات، وبناته الفضليات، وكافة النساء المؤمنات أن يرتدين الجلباب الشرعي السابغ الذي يغطي أجسامهن ووجوههن؛ لئلا يتعرض لهن أحد بسوء، فتعرف المرأة من حجابها السابغ لجميع البدن بأنها حرَّة وليست بأمة، عفيفة غير متطلعة لفاحشة، فتنقطع أطماع أصحاب القلوب المريضة عنهن (2). الشرط الثاني: أن لا يكون فيه زينة (3)؛ للأدلة الآتية: 1 - عموم قوله - عز وجل -: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} (4)، فإن هذا العموم _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) انظر: حجاب المرأة المسلمة، للبرازي، ص 142. (3) ترجم الترمذي، 3/ 461 لذلك بقوله: «باب ما جاء في كراهية خروج النساء في الزينة»، والدارمي، 2/ 279 لذلك بقوله: «باب في كراهية إظهار الزينة»، وابن الجوزي في أحكام النساء، ص 288 بقوله: «تحريم التبرج، وإظهار الزينة، وإبراز المحاسن، وكل ما يستدعي شهوة الرجل»، والهيتمي في الزواجر، 2/ 71، طبع دار الكتب العلمية، وقال: «الكبيرة التاسعة والسبعون بعد المائتين: خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة ولو بإذن الزوج». (4) سورة النور، الآية: 31.

(1/225)


يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة بأي نوع من أنواع الزينة التي تلفت أنظار الرجال إليها. 2 - قال اللَّه - عز وجل -: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} (1)، إن من الزينة المنهي عن إبدائها: ضربُ المرأة برجلها ليُعلم خلخالها، أو تحريك يديها ليُسمع وسوسة حليها، فقد كان ذلك من عادات المرأة في الجاهلية التي نهى اللَّه عنها. قال ابن كثير - رحمه الله -: «كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خَلخال صامت لا يُعلم صوته، ضربت برجلها الأرض، فيسمع الرجال طنينه، فنهى اللَّه المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خَفيّ دخل في هذا النهي، لقوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} إلى آخره» (2). 3 - قال اللَّه - سبحانه وتعالى -: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (3). أمر اللَّه تعالى في هذه الآية نساء المسلمين بالقرار في البيوت، وعدم التبرج؛ فلو كان الحجاب مزينًا فإن الخروج به من التبرج المنهي عنه، ولمّا كان المقصود من الأمر بالجلباب هو ستر الزينة، فلا يجوز أن يكون هو نفسُهُ مزينًا يستدعي أنظار الرجال. _________ (1) سورة النور، الآية: 31. (2) تفسير القرآن العظيم، 10/ 224. (3) سورة الأحزاب، الآية: 33.

(1/226)


قال الشوكاني - رحمه الله -: «التبرج: أن تبديَ المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره، مما تستدعي به شهوة الرجل» (1). وقال القرطبي - رحمه الله - عند قول اللَّه تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} (2): أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة ليُنظر إليهن، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق. والتبرج: التكشف والظهور للعيون؛ ومنه: بروج مشيدة، وبروج السماء والأسوار، أي لا حائل دونها يسترها. وقيل لعائشة - رحمه الله -: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب، والصباغ، والتمائم، والقرطين، والخلخال، وخاتم الذهب، ورِقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء، قِصَّتُكُنَّ قصة امرأة واحدة، أحلَّ اللَّه لكُنَّ الزينة غير متبرجات لمن لا يحلُّ لكُنَّ أن يَرَوا منكنَّ مُحرَّمًا» (3). وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عند قول رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه مسلم وغيره: «إذا شهدتْ إحداكنَّ المسجدَ فلا تمسَّ طيبًا»، قال: «ويلحقُ بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة، كحُسْنِ الملبس، والحليّ الذي يظهر، والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال» (4). _________ (1) فتح القدير للشوكاني، 4/ 278. (2) سورة النور، الآية: 60. (3) تفسير القرطبي، 12/ 309 - 310. (4) فتح الباري، 2/ 350، وانظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 1/ 168، وفيض القدير، 1/ 387 - 388، وأوجز المسالك، 4/ 104.

(1/227)


ومما قاله الحافظ ابن حجر وقبله المفسر القرطبي رحمهما الله تعالى يتبين بجلاء أن إظهار الحلي على مواضعها منهي عنه. وبعض النساء المحجبات يتساهلن في ذلك فيظهرن للأجانب: الأساور، والقلائد، والأطواق، والأقرطة من فوق الحجاب، فهذا مما لا يحل إبداؤه، ولا يجوز إظهاره. 4 - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «جَاءَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ رُقَيْقَةَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: «أُبَايِعُكِ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكِي بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقِي، وَلَا تَزْنِي، وَلَا تَقْتُلِي وَلَدَكِ، وَلَا تَأْتِي بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ يَدَيْكِ وَرِجْلَيْكِ، وَلَا تَنُوحِي، وَلَا تَبَرَّجِي تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى» (1). وقال الذهبي أيضًا: «فمن الأفعال التي تُلعن عليها المرأة: إظهار الزينة، والذهب واللؤلؤ من تحت النقاب، وتطيُّبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت، ولُبسُها الصباغات، والأُزُر من الحرير، والأقبيةَ القصار، مع تطويل الثوب، وتوسعة الأكمام، وتطويلها، إلى غير ذلك إذا خرجت، وكل ذلك من التبرج الذي يمقت اللَّه عليه فاعِلَه في الدنيا والآخرة. ولهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء، قال عنهنَّ النبي _________ (1) أحمد، 2/ 169، برقم وابن جرير، 28/ 52، ومسند الشاميين، للطبراني، 2/ 304، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، 6/ 41 وقال: «رواه الطبراني ورجاله ثقات»، وحسنه الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 121ـ

(1/228)


- صلى الله عليه وسلم -: «وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» (1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما تركت بعدي فتنة هي أضرَّ على الرجال من النساء» (2)، فنسألُ اللَّه أن يقينا فِتَنَهُنَّ، وأن يُصلحهُنَّ وإيانا بمنِّه وكرمه» (3). 5 - عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَعَصَى إِمَامَهُ وَمَاتَ عَاصِيًا، وَأَمَةٌ أَوْ عَبْدٌ أَبَقَ فَمَاتَ، وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَدْ كَفَاهَا مُؤْنَةَ الدُّنْيَا فَتَبَرَّجَتْ بَعْدَهُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ ... » (4). الشرط الثالث: أن يكون ثخيناً صفيقاً لا يشف عما تحته؛ للأدلة الآتية (5): _________ (1) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، برقم 3241، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، برقم 2737. (2) البخاري، برقم 5096، ومسلم، برقم 2740، وتقدم تخريجه. (3) الكبائر للذهبي، ص 135، والحديث الذي أورده الذهبي بلفظ: «اطلعت على النار فوجدت أكثر أهلها النساء»، وهو في السنن الكبرى للنسائي، 5/ 398، 9215، وشرح مشكل الآثار للطحاوي، 13/ 216، وصحيح ابن حبان، 16/ 493. (4) أخرجه أحمد، 39/ 368، برقم 23943، والبخاري في الأدب المفرد، ص 207، برقم 590، والحاكم، 1/ 119، وصححه، وابن حبان، 10/ 422، والبزار، 9/ 204، والطبراني في الكبير، 18/ 306، والبيهقي في شعب الإيمان، 10/ 220، وصححه محققو المسند، 39/ 368، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص 234. (5) ترجم الهيثمي في موارد الظمآن، ص 351 لذلك بقوله: «باب فيما يحرم على النساء مما يصف البشرة وغيره»، وصاحب المنتقى، 2/ 116 لذلك بقوله: «باب نهي المرأة أن تلبس ما يحكي بدنها»، وابن مفلح في الآداب الشرعية، 3/ 523بقوله: «فصل في كراهة لبس الشفوف، والمنذري في الترغيب والترهيب، 3/ 94، وقال: «الترهيب في لبس النساء الرقيق من الثياب التي تصف البشرة»، وصديق حسن خان في حسن الأسوة، ص / 568 بقوله: «باب ما ورد في ترهيب النساء من لبس الرقيق من الثياب الذي يشف عن البشرة».

(1/229)


1 - عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ، مَائِلاَتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَ» (1). قال الحافظ ابن عبد البر - رحمه الله -: «وأما معنى قوله: كاسيات عاريات، فإنه أراد اللواتي يَلبَسْنَ من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة، مائلات عن الحق، مميلات لأزواجهن عنه» (2). 2 - وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ كَأَشْبَاهِ الرِّحَالِ، يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ، الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ، لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَخَدَمْنَ نِسَاؤُكُمْ نِسَاءَهُمْ كَمَا يَخْدِمْنَكُمْ _________ (1) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، برقم 2128. (2) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 13/ 204، ونقله السيوطي في تنوير الحوالك، 3/ 103.

(1/230)


نِسَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ» (1). قال الإمام أبو بكر بن العربي: «من التبرج أن تلبس المرأة ثوبًا رقيقًا يصفها، وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «رُبَّ نساءٍ كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها» (2). وإنما جعلهنَّ كاسياتٍ لأن الثيابَ عليهن، وإنما وصفهنَّ بعاريات لأن الثوب إذا رقَّ يكشفهنَّ، وذلك حرام» (3). وقد ذكر القرطبي نحوه، ونقل عن ابن العربي عبارته الأخيرة على نحو أتم فقال: «وإنما جعلهن كاسيات؛ لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رقَّ يصفهنَّ ويبدي محاسنهن، وذلك حرام» (4). ولعله لهذا المعنى الذي يحمله هذا الحديث الشريف، قال جرير بن _________ (1) أحمد، 11/ 654، برقم 7083، وابن حبان، برقم 5753، والحاكم، 4/ 436، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وأخرجه الطبراني مختصرًا في المعجم الصغير، 2/ 258، الروض الداني بإسناد صحيح بلفظ: «سيكون آخر أمتي نساء كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات». وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 5/ 240: «رواه أحمد، والطبراني في الثلاثة، ورجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن الطبراني قال: «سيكون في أمتي رجال يركب نساؤهم على سروج، كأشباه الرجال»، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 2683. (2) انظر: صحيح مسلم، برقم 2128، وتقدم تخريجه. (3) أحكام القرآن، 3/ 1401. (4) الجامع لأحكام القرآن، 12/ 310.

(1/231)


عبد اللَّه - رضي الله عنه -: «إن الرجل لَيَلبس وهو عارٍ، يعني: الثياب الرقاق» (1). 3 - وعن هشام بن عروة: «أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر من ثياب مَرْويَّة وقوهيَّة (2) رقاق عتاق بعدما كُفَّ بصرها، قال: فَلَمَستها بيدها، ثم قالت: أُفّ، رُدوا عليه كسوته، قال: فشقَّ ذلك عليه، وقال: يا أُمَّهْ، إنه لا يشفّ، قالت: إنها إن لم تشف فإنها تصف» (3). 4 - وروي عن علقمة بن أبي علقمة، عن أُمِّه - رضي الله عنها -: قالت: «دَخَلتْ حفصةُ بنتُ عبد الرحمن على عائشةَ، وعليها خمار رقيق [يشف عن جيبها]، فشقَّتْهُ عائشةُ [وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور] وكَسَتها خِماراً كثيفاً» (4). _________ (1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، 8/ 277، والطبراني في الكبير، 2/ 292، برقم 2215، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 5/ 136: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح». (2) مَرْويَّة: ثياب منسوجة في (مَرْو). وهي كما في لسان العرب: مدينة بفارس، النسب إليها: مَرْويّ، ومَرَويّ، ومَرْوَزيّ. (الأخيران من معدول النسب)، وقال الجوهري: النسبة إليها: مَرْوَزيّ على غير قياس، والثوب: مَرْوِيّ على القياس. وقوهيَّة: ثياب بيض، نسبة إلى (قُوهُستان)، بين نيسابور وهَراة، وكل ثوب أشبهه يقال له قوهيّ، وإن لم يكن من قوهستان. انظر: القاموس المحيط، وحكى ابن منظور عن الأزهري: أن الثياب القوهية معروفة، منسوبة إلى قوهستان. (3) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، 8/ 252، وصححه الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 127. (4) أخرجه مالك في الموطأ، 2/ 913، برقم 1625، وطبقات ابن سعد، 8/ 72، وما بين المعقوفين من الطبقات، وأورد القرطبي في تفسيره، 14/ 215: «ودخلت نسوة من بني تميم على عائشة - رضي الله عنها - عليهن ثياب رقاق فقالت عائشة: إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعن به، وأدخلت امرأة عروس على عائشة - رضي الله عنها - وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم تؤمن بسورة النور امرأة تلبس هذا». وصححه الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 126.

(1/232)


الشرط الرابع: أن يكون فضفاضاً واسعاً غير ضيق فيصف شيئاً من جسمها للأدلة الآتية: 1 - قول أُسَامَةَ بن زيد - رضي الله عنه -: «كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قُبْطِيَّةً (1) كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً (2)، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا» (3). قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا - رحمه الله -: «المعنى: إن ثوب المرأة إما أن يكون كثيفًا، أي غليظًا ضيقًا يصف تقاسيم جسم المرأة، وإما أن يكون رقيقًا يصف لون بشرتها، وكلاهما غير جائز. _________ (1) القِبط - بالكسر -: نصارى مصر، الواحد: قِبطيّ على القياس، والقُبطيّ: ثوب من كتَّان رقيق يُعمل بمصر، نسبة إلى القِبط على غير قياس، فرقًا بينه وبين الإنسان، وثياب قُبطية أيضًا، وجبة قبطية، والجمع قَباطي. المصباح المنير، 2/ 488، مادة (قبط). (2) الغِلالة هي: شِعار يلبَس تحت الثوب؛ لأَنه يُتَغَلَّل فيها أَي يُدْخَل، وفي التهذيب: الغِلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب. لسان العرب، 5/ 3287، مادة (غلّ). (3) أخرجه أحمد، 36/ 120، برقم 21786، وابن سعد، 4/ 64، والطبراني في الكبير، 12/ 387، برقم 13433، والبيهقي 2/ 234، برقم 3388، والضياء، 2/ 171، برقم 1368، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 5/ 136: «رواه أحمد، والطبراني، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات»، وحسنه الألباني في الثمر المستطاب، ص 318.

(1/233)


والمطلوب: أن يكون ثوبُ المرأة الظاهرُ أمام الناس واسعًا كثيفًا لا يصف جسمًا ولا بشرة» (1). قَالَ الإمام مَالِكٌ - رحمه الله -: «بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - نَهَى النِّسَاءَ أَنْ يَلْبَسْنَ الْقَبَاطِيَّ، قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ لَا تَشِفُّ فَإِنَّهَا تَصِفُ، قَالَ مَالِكٌ: مَعْنَى تَصِفُ أَيْ تَلْصَقُ بِالْجِلْدِ. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْوَصَائِفِ يَلْبَسْنَ الْأَقْبِيَةَ، فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَإِذَا شَدَّتْهَا عَلَيْهَا ظَهَرَ عَجُزُهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لِضِيقِهِ يَصِفُ أَعْضَاءَهَا: عَجُزَهَا وَغَيْرَهَا مِمَّا شُرِعَ سِتْرُهُ» (2). قال ابن رشد: «القباطيّ: ثياب ضيقة تلصق بالجسم لضيقها، فتبدو ثخانة جسم لابسها من نحافته، وتصف محاسنه، وتبدي ما يُسْتَحْسَنُ منه مما لا يُستحسَن، فنهى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يلبسها النساء امتثالاً لقوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}» (3). 2 - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (4). _________ (1) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 17/ 301. (2) المنتقى شرح الموطأ، للباجي، 7/ 224. (3) المدخل، لابن الحاج، 1/ 242. (4) مسلم، برقم 2128، وتقدم تخريجه.

(1/234)


قال الشوكاني - رحمه الله -: «والحديث ساقه المصنف للاستدلال به على كراهة لبس المرأة ما يحكي بدنها، وهو أحد التفاسير كما تقدم. والإخبارُ بأن من فعل ذلك من أهل النار، وأنه لا يجد ريح الجنة مع أن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام، وعيد شديد يدل على تحريم ما اشتمل عليه الحديث من صفات هذين الصنفين» (1). 3 - وعَنْ أُمِّ جَعْفَرٍ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ: يَا أَسْمَاءُ، إِنِّي قَدِ اسْتَقْبَحْتُ مَا يُصْنَعُ بِالنِّسَاءِ، إِنَّهُ يُطْرَحُ عَلَى الْمَرْأَةِ الثَّوْبُ فَيَصِفُهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَلاَ أُرِيكِ شَيْئًا رَأَيْتُهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟ فَدَعَتْ بِجَرَائِدَ رَطْبَةٍ فَحَنَتْهَا، ثُمَّ طَرَحَتْ عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ - رحمه الله -: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ يُعْرَفُ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ، فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلِينِي أَنْتِ وَعَلِيٌّ - رضي الله عنه -، وَلاَ تُدْخِلِي عَلَيَّ أَحَدًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ - رحمه الله - جَاءَتْ عَائِشَةُ - رحمه الله - تَدْخُلُ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: لاَ تَدْخُلِي، فَشَكَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَتْ: إِنَّ هَذِهِ الْخَثْعَمِيَّةَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ جَعَلَتْ لَهَا مِثْلَ هَوْدَجِ الْعَرُوسِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَوَقَفَ عَلَى الْبَابِ، وَقَالَ: يَا أَسْمَاءُ مَا حَمَلَكِ أَنْ مَنَعْتِ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلْنَ عَلَى ابْنَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَجَعَلْتِ لَهَا مِثْلَ هَوْدَجِ الْعَرُوسِ؟ فَقَالَتْ: أَمَرَتْنِي أَنْ لاَ تُدْخِلِي عَلَيَّ أَحَدًا، وَأُرِيتَهَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَصْنَعَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -: _________ (1) نيل الأوطار، 2/ 131.

(1/235)


فَاصْنَعِي مَا أَمَرَتْكِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَغَسَلَهَا عَلِيٌّ وَأَسْمَاءُ - رضي الله عنهما -» (1). قال العلامة الألباني - رحمه الله -: «ومما يحسن إيراده هنا استئناساً ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ: يَا أَسْمَاءُ، إِنِّي قَدِ اسْتَقْبَحْتُ مَا يُصْنَعُ بِالنِّسَاءِ، إِنَّهُ يُطْرَحُ عَلَى الْمَرْأَةِ الثَّوْبُ فَيَصِفُهَا». ثم ساق الحديث. ثم قال العلامة الألباني - رحمه الله -: «فانظر إلى فاطمة بضعة النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح، فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة ... ثم ليستغفرن اللَّه تعالى، وليتبن إليه، وليذكرن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الحياء والإيمان قُرِنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» (2). _________ (1) أخرجه البيهقي، 4/ 34، واللفظ له، ومختصراً في 3/ 396، وأبو نعيم في حلية الأولياء، 2/ 43مختصرًا، قال العلامة علاء الدين المارديني الشهير بابن التركماني في الجوهر النقي، 3/ 396: «قلت: في سنده من يُحتاج إلى كشف حاله»، وأخرجه الجوزقاني في كتابه: الأباطيل والمناكير، والصحاح والمشاهير، 2/ 62 بإسناده إلى أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن أسماء بنت عُميس، أن فاطمة بنت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قالت: .. وذكره .. ثم قال: هذا حديث مشهور حسن، رواه عن أم جعفر عمارةُ بنُ المهاجر. كما ذكره الذهبي في تلخيص الأباطيل، ص 33، وقال: «وهذا حسن»، وصححه الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 134. (2) حجاب المرأة المسلمة للألباني، ص 63.

(1/236)


وكما لا يجوز للمرأة لُبْسُ الثياب الضيقة التي تصف أعضاءها، فكذا لا يجوز نظرُ المحارم والنساء إلى المجسَّم من عورتها، ولا نظَرُ الأجانب إلى ما يصف أيَّ عضوٍ من أعضائها، حتى ولو كان ما تلبسه ثخينًا لا يشف عن شيء منها. قال العلامة الشيخ علاء الدين عابدين: «ولا يجوز رؤية الثوب بحيث يصف حجم عضوها ولو كثيفًا لا تُرى البشرة منه، ولو بلا شهوة. ولا ينظر إلى عورة غيره فوق ثوب ملتزقٍ بها يصف حجمها، كما أفاده سيدي الوالد مما استفاده مما في التبيين» (1) (2). الشرط الخامس: أن لا يكون مطيّباً بأي نوع من أنواع الطيب؛ للأدلة الآتية (3): 1 - عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ، وَكُلُّ عَيْنٍ _________ (1) الهدية العلائية، ص 243. (2) انظر: حجاب المسلمة، للبرازي، ص 270. (3) ترجم الدارمي، 2/ 279 لذلك بقوله: «باب في النهي عن الطيب إذا خرجت»، وابن خزيمة، 3/ 91 بقوله: «باب التغليظ في تعطر المرأة عند الخروج ليوجد ريحها، وتسمية فاعلها زانية»، والمنذري في الترغيب والترهيب، 3/ 84 بقوله: «ترهيب المرأة أن تخرج من بيتها متعطرة متزينة»، وابن الجوزي في أحكام النساء، ص 216، بقوله: «نهي المرأة إذا تطيبت أن تخرج»، والبنا الساعاتي في الفتح الرباني، 17/ 303 بقوله: «باب ما جاء في خروج النساء من منازلهن لغير حاجة، ووعيد من تعطرت للخروج»، والهيتمي في الزواجر، 2/ 45 بقوله: الكبيرة التاسعة والسبعون بعد المائتين: خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة ولو بإذن الزوج.

(1/237)


زَانِيَةٌ» (1). قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي - رحمه الله - بعد هذا الحديث: «فيه تشديد وتشنيع على من تستعمل الطيب من النساء للخروج، وتشبيه لها بالزانية؛ لأنها تهيج بالتعطُّر شهوات الرجال، وتفتح باب عيونهم للنظر إليها، وذلك من مقدمات الزنا، وقد نشأ ذلك في نساء زماننا، نعوذ باللَّه من فتنهنّ» (2). وقال المناوي - رحمه الله -: «فهي زانية» أي كالزانية في حصول الإثم وإنْ تفاوت؛ لأن فاعل السبب كفاعلِ المسبَّب. قال الطيبي: شبَّه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال التي هي بمنزلة رائد الزنا بالزنا، مبالغة وتهديدًا وتشنيعًا عليها، «وكل عين زانية»، أي كل عين نظرت إلى محرم من امرأة أو رجل فقد حصل لها حظها من الزنا، إذ هو حظها منه. _________ (1) أخرجه أحمد، 32/ 483، برقم 19711، وأبو داود بنحوه، كتاب الترجيل، باب في طيب المرأة للخروج، برقم 4173، والنسائي، كتاب الزينة، ما يكره للنساء من الطيب، برقم 5126، وفي السنن الكبرى له أيضاً، كتاب الزينة، ما يكره للنساء من الطيب، برقم 9361، والترمذي، كتاب الأدب عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة، برقم 2786 بنحوه، وقال: «حسن صحيح»، وابن حبان، 10/ 270، برقم 4424، وابن خزيمة، 3/ 91، برقم 1681، واللفظ له، والبيهقي، 3/ 246، برقم 6188، والحاكم، 2/ 397، والدارمي، 1/ 198، وقال محققو المسند،32/ 483: «إسناده جيد»، وحسنه الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 136. (2) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 17/ 303.

(1/238)


وأخذ بعض المالكية من الحديث حرمة التلذذ بشم طيب أجنبية؛ لأن اللَّه إذا حرَّم شيئًا زجرت الشريعة عما يضارعه مضارعة قريبة، وقد بالغ بعض السلف في ذلك حتى كان ابن عمر - رضي الله عنهما - ينهى عن القعود بمحل امرأة قامت حتى يبرد» (1). وقال المباركفوري: «زانية: لأنها هيجت شهوة الرجال بعطرها، وحَمَلتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينه، فهي سبب زنى العين، فهي آثمة» (2). 2 - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ» (3). قال ابن دقيق العيد: «وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد؛ لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال، وأُلحِقَ به حسن الملبس والحلي الظاهر» (4). وقد ترجم الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم على أحاديث الخروج إلى المساجد بقوله: «باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مُطيَّبة»، ثم قال عند حديث: «لا تمنعوا _________ (1) فيض القدير، 3/ 147. (2) تحفة الأحوذي، 8/ 71. (3) مسلم، كتاب الصلاة، باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَأَنَّهَا لاَ تَخْرُجُ مُطَيَّبَةً، برقم 444. (4) ذكره المناوي في فيض القدير، 3/ 137.

(1/239)


إماء اللَّه مساجد اللَّه» (1): «هَذَا وَشَبَهه مِنْ أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَع الْمَسْجِد، لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاء مَأْخُوذَة مِنْ الْأَحَادِيث، وَهُوَ: أَلَّا تَكُون مُتَطَيِّبَةً، وَلَا مُتَزَيِّنَةً، وَلَا ذَاتَ خَلَاخِل يُسْمَع صَوْتهَا، وَلَا ثِيَاب فَاخِرَة، وَلَا مُخْتَلِطَة بِالرِّجَالِ، وَلَا شَابَّة وَنَحْوهَا مِمَّنْ يُفْتَتَن بِهَا، وَأَنْ لَا يَكُون فِي الطَّرِيق مَا يَخَاف بِهِ مَفْسَدَة وَنَحْوهَا، وَهَذَا النَّهْي عَنْ مَنْعهنَّ مِنْ الْخُرُوج مَحْمُول عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه إِذَا كَانَتْ الْمَرْأَة ذَات زَوْج أَوْ سَيِّد، وَوُجِدَتْ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة (2)، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْج وَلَا سَيِّد، حَرُمَ الْمَنْع إِذَا وُجِدَتْ الشُّرُوط» (3). وقال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي في باب: «آداب تتعلق بخروجهن وصلاتهن في المسجد»: «في أحاديث الباب النهي عن خروج المرأة من بيتها متطيبة بطيب له رائحة ظاهرة، فإن طرأ عليها ما يستدعي الخروج لضرورة وهي متطيبة، فلتبادر إلى إزالته، ولتخرج متلففة بما يستر جميع بدنها ويمنع صفته، بحيث لا يُرى منه شيء إلا ما تدعو الضرورة لكشفه، كبعض وجهها لترى الطريق» (4). _________ (1) أخرجه مسلم، برقم 442، أحمد، برقم 9645، وأبو داود، برقم 565، تقدم تخريجه. (2) ومعنى العبارة: يكره كراهة تنزيه منع الزوج زوجته، والسيد أَمَتَهُ من الخروج إلى المسجد إذا لم تكن مطيبة، ولا متزينة .. إلخ. (3) شرح صحيح مسلم، للنووي، 4/ 161 - 162. (4) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 5/ 205.

(1/240)


3 - وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قالت: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ - وفي رواية: المسجد - فَلاَ تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» (1). قال المناوي: «إذا شهدت إحداكن العشاء» أي أرادت حضور صلاتها مع الجماعة بنحو مسجد، وفي رواية مسلم بدل «العشاء»: «المسجد». «فلا تَمسَّ طيبًا» من طيب النساء قبل الذهاب إلى شهودها أو معه؛ لأنه سبب للافتتان بها، بخلافه بعده في بيتها، وتخصيص العشاء ليس لإخراج غيرها، بل لأن تطيُّب النساء إنما يكون غالبًا في أول الليل. قال ابن دقيق العيد: «ويُلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع ما فيه من تحريك داعية الشهوة، كحُسْنِ الملبس، والحلي الذي يظهر، والهيئة الفاخرة. فإن قلت: فلمَ اقتصر في الحديث على الطيب؟ قلت: لأن الصورة أن الخروج ليلًا، والحليَّ، وثياب الزينة مستورة بظلمته، وليس لها ريح يظهر، فإن فُرضَ ظهوره كان كذلك. فإن قلتَ: فلمَ نكَّر الطيب؟ قلت: ليشمل كل نوع من الأطياب _________ (1) مسلم، كتاب الصلاة، باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ وَأَنَّهَا لاَ تَخْرُجُ مُطَيَّبَةً، برقم 443.

(1/241)


التي يظهر ريحها؛ فإن ظهر لونه وخفي ريحه فهو كثوب الزينة؛ فإن فُرض أنه لا يُرى لكونها متلففة، وهي في ظلمة الليل احتمل أن لا تدخل في النهي» (1). فإذا كان التبخر والتعطر محرمًا على من تريد المسجد؛ فإنه يكون مُحرَّمًا بالأولى على من تخرج من بيتها متعطرة متبخِّرة لغيره، سيَّما تلك التي تطوف الأسواق بقَدِّها، وتختال في الطرقات بمشيتها، وتغشى الحدائق ودور الخيالة (السينما) بنفسها. لهذا عدَّ ابن حجر المكي الهيتمي الشافعي خروجها متعطرة من الكبائر فقال: «الكبيرة التاسعة والسبعون بعد المائتين: خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة، حتى ولو أذِنَ لها زوجها بذلك، ثم قال بعد أن أورد عدة أحاديث: «عُدَّ هذا - أي كون التعطر كبيرة من الكبائر - هو صريح هذه الأحاديث، وينبغي حمله ليوافق قواعدنا يعني قواعد الشافعية - على ما إذا تحققت الفتنة، أما مع مجرّد خشيتها فهو مكروه، أو مع ظنها فهو حرام غير كبيرة كما هو ظاهر» (2). وقال ابن حزم: «ولا يحلُّ لهنَّ أن يخرجن متطيبات، ولا في ثياب حسان، فإن فعلنَ فليمنعها» (3)، أي فليمنعها الزوج من ذلك. _________ (1) فيض القدير، 1/ 387 - 388 باختصار. وانظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 1/ 168، وفتح الباري، 2/ 350، وأوجز المسالك، 4/ 104. (2) الزواجر عن اقتراف الكبائر، 2/ 45. (3) المحلى، 4/ 129.

(1/242)


قال المناوي - رحمه الله -: «أما التطيب والتزين للزوج فمطلوب محبوب، قال بعض الكبراء: تَزيُّنُ المرأة، وتطيُّبها لزوجها من أقوى أسباب المحبة والألفة بينهما، وعدم الكراهة والنُّفرة؛ لأن العين رائد القلب، فإذا استحسنت منظرًا أَوْصَلَتهُ إلى القلب فحصلت المحبة، وإذا نظرت منظرًا بشعًا، أو لا يُعجبها من زي أو لباس تلقيه إلى القلب فتحصل الكراهة والنفرة؛ ولهذا كان من وصايا نساء العرب لبعضهن: إيَّاكِ أن تقع عين زوجك على شيء لا يستملحه، أو يشم منك ما يستقبحه» (1). فإذا عزمت المرأة على الخروج من بيتها، وجب عليها غسل الطيب عن بدنها، وإزالته عن جلبابها وثيابها، أو الخروج بثيابٍ غيرها، لئلا تبوء بغضب ربها. 4 - فعن مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «مَرَّتْ بِأَبِي هُرَيْرَةَ امْرَأَةٌ وَرِيحُهَا تَعْصِفُ، فَقَالَ لَهَا: إِلَى أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ؟ قَالَتْ: إِلَى الْمَسْجِدِ، قَالَ: تَطَيَّبْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَارْجِعِي فَاغْتَسِلِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لاَ يُقْبَلُ اللَّهُ مِنَ امْرَأَةٍ صَلاَةً خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرِيحُهَا تَعْصِفُ حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ» (2). _________ (1) فيض القدير، 3/ 147. (2) أخرجه أحمد، 12/ 311، برقم 7356، وابن خزيمة، 3/ 91 - 92، واللفظ له، وأبو داود، أول كتاب الترجل، باب في طيب المرأة للخروج، برقم 4174، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب فتنة النساء، برقم 4002، وعبد الرزاق، 4/ 371، برقم 8109، والحميدي، 2/ 429، والطيالسي، 1/ 358 (منحة المعبود)، والبيهقي، 3/ 133، و246، بثلاثة أسانيد أحدها صحيح، وأبو يعلى، 11/ 271، برقم 6385. وقال محققو المسند، 12/ 313: «إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات»، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 216، برقم 2020.

(1/243)


قال ابن الأثير: «يا أَمَة الجبار»: إنما أضاف الأَمَةَ هنا إلى الجبَّار دون باقي أسماء اللَّه تعالى؛ لأن الحال التي كانت عليها المرأة من الفخر والكبرياء بالطيب الذي تطيبت به، وجرِّ أذيالها، والعُجبِ بنفسها، اقتضى أن يضيف اسمها إلى اسم الجبار، تصغيرًا لشأنها، وتحقيرًا لها عند نفسها، وهذا من أحسن التعريض، وأشبهه بمواقع الخطاب» (1). وقال الشيخ محمد عبد الرحمن البنا الساعاتي: «إنما طلبَ منها الغسل كغُسلِ الجنابة، يعني في وجوبه، وتعميم بدنها بالماء مبالغة في إزالة ريح الطيب، والمعنى: أن اللَّه تعالى لا يقبل من امرأة تطيَّبت لأجل المسجد صلاةً مادامت رائحة ذلك الطيب عالقة بها، فإذا كان هذا عقاب من تطيبت لأجل المسجد والصلاة، فما بالك بعقاب من تطيبت للخروج في الأسواق والمتنزهات، ولم تركع للَّه ركعة من الصلوات المفروضات. نسأل اللَّه السلامة» (2). 5 - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْتَغْتَسِلْ مِنْ الطِّيبِ كَمَا تَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ» (3). _________ (1) جامع الأصول في أحاديث الرسول، 4/ 772. (2) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 5/ 200. (3) أخرجه النسائي، كتاب الزينة، اغتسال المرأة من الطيب، برقم 5127، وفي السنن الكبرى له أيضاً، كتاب الزينة، اغتسال المرأة من الطيب، برقم 9362، وبنحوه البيهقي، 3/ 133، وابن أبي شيبة 9/ 26، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 1031.

(1/244)


قال السندي - رحمه الله -: «قوله: فلتغتسل من الطيب ظاهرهُ أنها إذا أرادت الخروج إلى المسجد وهي قد استعملت الطيب في البدن، فلتغتسل منه، وتبالغ فيه كما تبالغ في غسل الجنابة، حتى يزول عنها الطيب بالكلية، ثم لْتخرج. ومثله قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه} (1)، لا أنها إذا خرجت بطيب ثم رجعت فعليها الغُسل لذلك، لكن رواية أبي داود ظاهرة في الثاني؛ فقيل: أمَرَها بذلك تشديدًا عليها، وتشنيعًا لفعلها، وتشبيهًا له بالزنا؛ وذلك لأنها هيَّجت بالتعطر شهوات الرجال، وفتحت باب عيونهم التي بمنزلة بريد الزنا، فحكم عليها بما يُحكم على الزاني من الاغتسال من الجنابة، «واللَّه تعالى أعلم» (2). والوجه الأول القاضي بوجوب الغُسل عليها إذا أرادت الخروج متطيبة إلى المسجد، هو الذي ذهب إليه الحافظ ابن خزيمة في صحيحه حيث قال: «باب إيجاب الغسل على المتطيبة للخروج إلى المسجد، ونفي قبول صلاتها إن صلَّت قبل أن تغتسل» (3). وقد كان السلف الصالح رحمهم اللَّه تعالى يتشددون في هذا _________ (1) سورة النحل، الآية: 98. (2) حاشية السندي بهامش سنن النسائي، 8/ 154. (3) صحيح ابن خزيمة، 3/ 91.

(1/245)


الباب، فيزجرون المرأة إذا شمُّوا طيبها، ولا يأذنون لها - حينذاك - ـ بالخروج من بيتها. * فعن إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - خَرَجَ يَوْمَ عِيدٍ، فَمَرَّ بِالنِّسَاءِ، فَوَجَدَ رِيحَ رَأْسِ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبَةُ هَذِهِ الرِّيحِ؟ أَمَا لَوْ عَرَفْتُهَا لَفَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، إِنَّمَا تَطَّيَّبُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا، فَإِذَا خَرَجَتْ لَبِسَتْ أُطَيْمِيرَهَا أَوْ أُطَيْمِيرَ خَادِمِهَا، قَالَ: فَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّهَا قَامَتْ عَنْ حَدَثٍ» (1) يعني من شدة الخوف. * وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ وَجَدَ مِنَ امْرَأَتِهِ رِيحَ مِجْمَرٍ، وَهِيَ بِمَكَّةَ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهَا أَلاَ تَخْرُجَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» (2). * وعَنْ إبْرَاهِيمَ، أَنَّ امْرَأَتَهُ اسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَهَا، فَأَذِنَ لَهَا، فَوَجَدَ بِهَا رِيحُ دُخْنة فحبسها، وَقَالَ: إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَطَيَّبَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ فَإِنَّمَا طِيبُهَا شَنَارٌ فِيهِ نَارٌ» (3). وأما ما جاء عن عائشة - رحمه الله -، أنها قالت: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَلاَ يَنْهَاهَا» (4). _________ (1) مصنف بن أبي شيبة، 9/ 25 - 26. (2) مصنف بن أبي شيبة، 9/ 27. (3) مصنف بن أبي شيبة، 9/ 27، وغريب الحديث لأبي عبيد الهروي، 4/ 429، والفائق للزمخشري. (4) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم، برقم 1832، والبيهقي، 5/ 48، ولفظه: «فلا ينهانا»، وله في معرفة السنن، 7/ 143، وبنحوه أحمد، 41/ 50، برقم 24502، وقال الشوكاني في نيل الأوطار، 5/ 10: «سكت عنه أبو داود والمنذري، وإسناده رواته ثقات، إلا الحسن بن الجنيد شيخ أبي داود، وقد قال النسائي لا بأس به، وقال ابن حبان في الثقات: مستقيم الأمر فيما يروي»، وقال النووي في المجموع، 7/ 219: «هذا حديث حسن»، وصحح إسناده الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 6/ 92، برقم 1606.

(1/246)


فهو خاص بحالة مريد الإحرام لا بغيرها، ويقابل تلك الحالة من المنهيات قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين» (1)، وما ذلك إلا لكونها في عبادة خاصة؛ لهذا أذنَ لها بالطيب قبل شروعها في الإحرام رغم أنه مُحَرَّمٌ عليها عند خروجها من منزلها في غير الحالة المذكورة، وحَرَّمَ عليها النقاب والقفازين أثناء إحرامها مع كونهما من حجاب المسلمات الذي دَرَجْنَ عليه في غير حالة الإحرام. وقد ذكر الإمام الشافعي - رحمه الله - في باب «الطيب للإحرام» من كتابه: «اختلاف الحديث» بعضَ الأحاديث الواردة في ذلك، ثم قال: «وبهذا كله نأخذ، فنرى جائزًا للرجل والمرأة أن يتطيبا بالغَالية وغيرها مما يبقى ريحه بعد الإحرام، إذا كان تطيبَ به قبل الإحرام» (2). وقال الإمام النووي - رحمه الله -: «يُستحبّ أن يتطيّب في بدنه عند إرادة الإحرام، سواء الطِّيب الذي يبقى له جُرم بعد الإحرام، والذي _________ (1) أخرجه البخاري، برقم 1838، تقدم تخريجه. (2) اختلاف الحديث، ص 175.

(1/247)


لا يبقى، وسواء الرجل والمرأة، هذا هو المذهب، وبه قطع جماهير الأصحاب في جميع الطرق». وبعد أن أورد أقوالًا أخرى قال: «والصواب استحبابه مطلقاً ... وسواء في استحبابه المرأة الشابة والعجوز، وقالوا: والفرق بينه وبين الجمعة؛ فإنه يكره للنساء الخروج إليها مُتطيبات؛ لأن مكان الجمعة يضيق، وكذلك وقتها، فلا يمكنها اجتناب الرجال بخلاف النسك» (1). وقال الخطيب الشربيني: «وَيُسَنُّ أَنْ يُطَيِّبَ مُرِيدُ الْإِحْرَامِ بَدَنَهُ لِلْإِحْرَامِ رَجُلًا كَانَ أَوْ خُنْثَى، أَوْ امْرَأَةً شَابَّةً، أَوْ عَجُوزًا: خَلِيَّةً أَوْ مُتَزَوِّجَةً، اقْتِدَاءً بِهِ - صلى الله عليه وسلم -.رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَقِيلَ: لَا يُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ، كَذَهَابِهَا إلَى الْجُمُعَةِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ زَمَانَ الْجُمُعَةِ وَمَكَانَهَا ضَيِّقٌ، وَلَا يُمْكِنُهَا تَجَنُّبُ الرِّجَالِ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ» (2). وبناءً على ذلك فإن هذا الحديث خاص بحالة الإحرام؛ ولعل الحكمة في الترخيص لهن بالطيب أثناء ذلك هي دفعُ الروائح الكريهة الناجمة عن كثرة التعرق من شدة الحرارة، وكثرة الزحام، ويبعد عنهن في الغالب كل البعد استمالة الرجال إلى المعصية أثناء ذلك؛ لكونهن يؤدين عبادة اللَّه تعالى في أقدس البقاع. _________ (1) المجموع شرح المهذب، 7/ 218. (2) مغني المحتاج، 1/ 479.

(1/248)


أما ماعدا تلك الحالة، فيحرم على المرأة أن تتطيب عند خروجها من بيتها؛ لدلالة الأحاديث المتقدمة التي تنهى عن ذلك أشد النهي. وحديث عائشة - رحمه الله - قالت: «طَيَّبتُ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِي لِحُرْمِه، وطيَّبتُهُ بِمِنًى قبلَ أن يُفيضَ» (1). وليس في هذا الحديث أي دلالة على جواز خروج المرأة متطيبة. بل يؤخذ منه عين الترجمة التي وضعها له الإمام البخاري، حيث قال: «باب تطييب المرأة زوجها بيديها». قال الحافظ ابن حجر: «كَأَنَّ فِقه هَذِهِ التَّرجَمَة مِن جِهَة الإِشارَة إِلَى الحَدِيث الوارِد فِي الفَرق بَين طِيب الرَّجُل والمَرأَة، «وأَنَّ طِيب الرَّجُل ما ظَهَرَ رِيحه، وخَفِيَ لَونه، والمَرأَة بِالعَكسِ» (2)، فَلَو كانَ ذَلِكَ ثابِتًا لامتَنَعَت المَرأَة مِن تَطَيُّب زَوجها؛ لِما يُعَلَّق بِيَدَيها وبَدَنها مِنهُ حالَة تَطيِيبها لَهُ، وكانَ يَكفِيه أَن يُطَيِّب نَفسه، فاستَدَلَّ المُصَنِّف بِحَدِيثِ عائِشَة المُطابِق لِلتَّرجَمَةِ، وقَد تَقَدَّمَ مَشرُوحًا فِي الحَجّ، وهُو _________ (1) البخاري، كتاب اللباس، تطييب المرأة زوجها بيديها برقم 5922، بلفظه، ومسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام، برقم 1189. (2) الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في طيب الرجال والنساء، برقم 2788، بلفظ: «طيب الرجال ما ظهر ريحه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه»، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الزينة، الفصل بين طيب الرجال والنساء، برقم 9348، ومعجم الشيوخ لابن عساكر، 2/ 191، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم 188.

(1/249)


ظاهِر فِيما تُرجِمَ لَهُ، والحَدِيث الَّذِي أَشارَ إِلَيهِ: أَخرَجَهُ التِّرمِذِيّ، وصَحَّحَهُ الحاكِم مِن حَدِيث عِمران بن حُصَينٍ، ولَهُ شاهِد عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيّ عِند الطَّبَرانِيِّ فِي الأَوسَط (1). ووجه التَّفرِقَة أَنَّ المَرأَة مَأمُورَة بِالاستِتارِ حالَة بُرُوزها مِن مَنزِلها، والطِّيب الَّذِي لَهُ رائِحَة لَو شُرِعَ لَها كانَت فِيهِ زِيادَة فِي الفِتنَة بِها، وإِذا كانَ الخَبَر ثابِتًا، فالجَمع بَينه وبَين حَدِيث الباب أَنَّ لَها مَندُوحَة أَن تَغسِل أَثَره إِذا أَرادَت الخُرُوج؛ لأَنَّ مَنعها خاصّ بِحالَةِ الخُرُوج. واللَّه أَعلَم» (2). الشرط السادس: أن لا يُشبهَ لباس الرجال للأدلة الآتية (3): 1 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: «لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الرَّجُلَ يَلْبَسُ _________ (1) انظر: سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب من كرهه [لبس الحرير]، برقم 4050، والمسند، 33/ 185، برقم 19975، والبيهقي، 3/ 246، والطبراني في الكبير، 18/ 147، برقم 314، ومسند البزار، 9/ 33، برقم 3549، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 7168. (2) فتح الباري، 10/ 366. (3) ترجم البزار، 2/ 446 (كشف الأستار) لذلك بقوله: «باب النهي عن تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال»، والحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، 3/ 103، وصديق حسن خان في حسن الأسوة، ص 569 لذلك بقوله: «الترهيب من تشبه الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل في لباس، أو كلام، أو حركة، أو نحو ذلك»، والحافظ الذهبي في الكبائر، ص 134 بقوله: «الكبيرة الثالثة والثلاثون: تشبُّهُ النساء بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء»، وصاحب المنتقى، 2/ 116 مع نيل الأوطار، والبنا الساعاتي في الفتح الرباني، 17/ 300 بقولهما: «باب نهي المرأة أن تلبس ما يحكي بدنها، أو تَشبَّهَ بالرجال». وانظر: [حجاب المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ص: 226]

(1/250)


لُبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَةَ الرَّجُلِ» (1). 2 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (2). قال الحافظ ابن حجر: «قال الطبري: المعنى: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء، ولا العكس. قلت: [القائل هو ابن حجر] وكذا في الكلام والمشي، فأما هيئة اللباس، فمختلف باختلاف عادة كل بلد .. لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار. وأما ذم التشبه بالكلام والمشي، فمختص بمن تعمَّد ذلك. وأما من كان ذلك من أصل خلقته، فإنما يؤمر بتكلف تركه، والإدمان على ذلك بالتدريج؛ فإن لم يفعل وتمادى دَخَلَهُ الذم، ولا سِيَّما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأَخذُ هذا واضح من لفظ _________ (1) أخرجه أحمد، 14/ 61، برقم 8309، وأبو داود، كتاب اللباس، باب لباس النساء، برقم 4100، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عشرة النساء، برقم 9209، والحاكم، 4/ 194، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، وأقره الذهبي، وابن حبان، 13/ 62، والبيهقي في شعب الإيمان، 6/ 187، وقال الشوكاني في نيل الأوطار، 2/ 131، والشيخ الساعاتي في بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 17/ 303: «ورجاله رجال الصحيح»، وقد ذكره النووي في المجموع شرح المهذب، 4/ 469، وصَحَّحَ إسناده، وصحح إسناده محققو المسند،14/ 61، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم 2069، وفي جلباب المرأة المسلمة، ص 141. (2) البخاري، كتاب اللباس، بَاب إِخْرَاجِ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الْبُيُوتِ، برقم 5885.

(1/251)


المتشبهين. وأما إطلاق من أطلق، كالنووي، وأن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم، فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني، والتكسر في المشي، والكلام، بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكنًا، ولو بالتدرج، فتركَهُ بغير عذر لحقهُ اللوم. واستدل لذلك الطبري بكونه - صلى الله عليه وسلم - لم يمنع المخنث من الدخول على النساء، حتى سمع منه التدقيق في وصف المرأة، فمنَعَهُ حينئذٍ، فدلَّ على أنْ لا ذمَّ على ما كان من أصل الخلقة» (1). 3 - وعن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: «لَعَنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، قَالَ فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فُلَانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا» (2). وفي رواية الدارمي: «فاخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فلاناً، وأخرج عمر فلاناً، أو فلانة، قال عبد اللَّه فأشك» (3). زاد أحمد في رواية له: «فَقُلْتُ: مَا الْمُتَرَجِّلاتُ مِنَ النِّسَاءِ؟ قَالَ: «الْمُتَشَبِّهَاتُ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» (4). قال ابن التين: «المراد باللعن في هذا الحديث مَن تشبَّه من _________ (1) فتح الباري، 10/ 332 - 333 باختصار. (2) أخرجه البخاري كتاب اللباس، بَاب إِخْرَاجِ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الْبُيُوتِ، برقم 5886. (3) سنن الدارمي، 2/ 364، برقم 2649، وقال محقق السنن: «إسناده صحيح». (4) أحمد، 4/ 144، برقم 2292، وابن أبي شيبة، 9/ 63، وقال محققو المسند، 4/ 144: «حسن لغيره».

(1/252)


الرجال بالنساء في الزِّي، ومن تشبَّه من النساء بالرجال كذلك. قال: وإنما أَمَرَ بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت؛ لئلا يفضي الأمر بالمتشبه إلى تعاطي الأمر المنكر. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة - نفع اللَّه به - ما ملخصه: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات، ونحوها، لا التشبه في أمور الخير. وقال أيضاً: اللعن الصادر من النبي - صلى الله عليه وسلم - على ضربين: - أحدهما: يُراد به الزجر عن الشيء الذي وقع اللعن بسببه، وهو مخوف؛ فإن اللعنَ من علامات الكبائر. - والآخر: يقع في حال الحرج، وذلك غير مخوف، بل هو رحمة في حق من لعنه، بشرط أن لا يكون الذي لعنه مستحقًا لذلك، كما ثبت من حديث ابن عباس عند مسلم. قال: والحكمة في لعن مَن تشبَّهَ، إخراجُه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء .. » (1). 4 - وعن سالم، عن أبيه - ابن عمر - رضي الله عنهما - - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثَلاثَةٌ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ، وَثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، _________ (1) فتح الباري، 10/ 333 باختصار.

(1/253)


وَالدَّيُّوثُ، وَالرَّجِلَةُ» (1). قال الحافظ المنذري: «الدَّيُّوث» - بفتح الدال، وتشديد الياء المثناة تحت-: هو الذي يعلم الفاحشة في أهله، ويقرهم عليها (2). وقال في موضع آخر: هو الذي يقر أهله على الزنا. «والرَّجِلة»:- بفتح الراء، وكسر الجيم-:هي المترجلة المتشبهة بالرجال (3). قال المناوي - رحمه الله -: «الدَّيُّوث، والرَّجلة من النساء»: بمعنى المترجلة. «ومدمن الخمر» أي: المداوم على شربها. قال ابن القيم: وذِكر الدَّيُّوث في هذا وما قبله، يدل على أنَّ أصل الدين الغَيرة، ومَن لا غَيرة له لا دِين له، فالغَيرة تحمي القلب، فتحمي له الجوارح، فترفع السوء والفواحش، وعدمها يميت القلب، فتموت الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة، والغَيرة في القلب _________ (1) أخرجه أحمد 10/ 322، برقم 6180، والنسائي في البيوع، المنفق سلعته بالحلف الكاذب، برقم 4459، وفي الكبرى له أيضاً، كتاب الزكاة، المنان بما أعطى، برقم 2355، والبزار (كشف الأستار)، 2/ 372 - 373، واللفظ له بإسنادين جيدين على ما ذكره الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب،3/ 327، والحاكم، 4/ 174، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وأقره الذهبي في التلخيص، والبيهقي في شعب الإيمان، 10/ 278، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 8/ 148: «رواه البزار بإسنادين ورجالهما ثقات»، وحسّن إسناده محققو المسند، 10/ 322، وقال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 333: «حسن صحيح». (2) الترغيب والترهيب، 3/ 106. (3) الترغيب والترهيب، 3/ 327.

(1/254)


كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كان الهلاك» (1). والضابط في تشبه النساء بالرجال في الملبوس، وهل هو بالنسبة إلى ما كان على عهد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، أو كل زمانٍ بحسبه؟ وقد أجاب على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بجواب مفصَّل، فقال: «وَقَدْ اسْتَفَاضَتْ السُّنَنُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، والمتشبهين مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ لَعَنَ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ والمترجلات مِنَ النِّسَاءِ»، وَأَمَرَ بِنَفْيِ الْمُخَنَّثِينَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى نَفْيِهِمْ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَد، وَغَيْرُهُمَا، وَقَالُوا: جَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالنَّفْيِ فِي حَدِّ الزِّنَا، وَنَفْيِ الْمُخَنَّثِينَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مِنْ أُمَّتِي لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ: كَاسِيَاتٌ، عَارِيَاتٌ، مَائِلَاتٌ، مُمِيلَاتٌ، عَلَى رُؤُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَرِجَالٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ» (2). وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ «مَرَّ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ - رحمه الله - وَهِيَ تَعْتَصِبُ فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَيَّةٌ لَا لَيَّتَيْنِ» (3). _________ (1) فيض القدير، 3/ 327. (2) مسلم، برقم 1189، تقدم تخريجه. (3) أحمد، 44/ 142، برقم 26525، وأبو داود، كتاب اللباس، باب كيف الاختمار، برقم 4115، والحاكم، 4216، وقال: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي، وعبد الرزاق، 133، برقم 5050، والطبراني، 23/ 312، برقم 705، والبيهقي في شعب الإيمان، 5/ 150.

(1/255)


وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ: «كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ» بِأَنْ تَكْتَسِيَ مَا لَا يَسْتُرُهَا، فَهِيَ كَاسِيَةٌ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ عَارِيَةٌ، مِثْلُ مَنْ تَكْتَسِي الثَّوْبَ الرَّقِيقَ الَّذِي يَصِفُ بَشَرَتَهَا؛ أَوْ الثَّوْبَ الضَّيِّقَ الَّذِي يُبْدِي تَقَاطِيعَ خَلْقِهَا، مِثْلَ: عَجِيزَتِهَا، وَسَاعِدِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا كُسْوَةُ الْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا، فَلَا يُبْدِي جِسْمَهَا، وَلَا حَجْمَ أَعْضَائِهَا؛ لِكَوْنِهِ كَثِيفًا وَاسِعًا. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ الضَّابِطُ فِي نَهْيِهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَعَنْ تَشَبُّهِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ رَاجِعًا إلَى مُجَرَّدِ مَا يَخْتَارُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَيَشْتَهُونَهُ، وَيَعْتَادُونَهُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إذَا اصْطَلَحَ قَوْمٌ عَلَى أَنْ يَلْبَسَ الرِّجَالُ الْخُمُرَ الَّتِي تُغَطِّي الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ وَالْعُنُقَ وَالْجَلَابِيبَ الَّتِي تُسْدَلُ مِنْ فَوْقِ الرُّؤُوسِ، حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِنْ لَابِسِهَا إلَّا الْعَيْنَانِ، وَأَنْ تَلْبَسَ النِّسَاءُ الْعَمَائِمَ وَالْأَقْبِيَةَ الْمُخْتَصَرَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا سَائِغًا، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلنِّسَاءِ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} الْآيَةَ (1). وَقَالَ: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} الْآيَةَ (2). _________ (1) سورة النور، الآية: 31. (2) سورة الأحزاب، الآية: 59.

(1/256)


وَقَالَ: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (1). فَلَوْ كَانَ اللِّبَاسُ الْفَارِقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ مَا يَعْتَادُهُ النِّسَاءُ أَوْ الرِّجَالُ بِاخْتِيَارِهِمْ وَشَهْوَتِهِمْ، لَمْ يَجِبْ أَنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ الْجَلَابِيبَ، وَلَا أَنْ يَضْرِبْنَ بِالْخُمُرِ عَلَى الْجُيُوبِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِنَّ التَّبَرُّجَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةً لِأُولَئِكَ، وَلَيْسَ الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ لِبَاسًا مُعَيَّنًا مِنْ جِهَةِ نَصِّ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أَوْ مِنْ جِهَةِ عَادَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى عَهْدِهِ، بِحَيْثُ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ وَغَيْرُهُ يَحْرُمُ. فَإِنَّ النِّسَاءَ عَلَى عَهْدِهِ كُنَّ يَلْبَسْنَ ثِيَابًا طَوِيلَاتِ الذَّيْلِ، بِحَيْثُ يَنْجَرُّ خَلْفَ الْمَرْأَةِ إذَا خَرَجَتْ، وَالرَّجُلُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُشَمِّرَ ذَيْلَهُ حَتَّى لَا يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا «نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الرِّجَالَ عَنْ إسْبَالِ الْإِزَارِ، وَقِيلَ لَهُ: فَالنِّسَاءُ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْرًا» قِيلَ لَهُ: إذَنْ تَنْكَشِفَ سُوقُهُنَّ! قَالَ: «ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ (2). حَتَّى إنَّهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ رُوِيَ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمَرْأَةِ إذَا جَرَّتْ ذَيْلَهَا عَلَى مَكَانٍ قَذِرٍ، ثُمَّ مَرَّتْ بِهِ عَلَى مَكَانٍ طَيِّبٍ، أَنَّهُ يَطْهُرُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، جَعَلَ الْمَجْرُورَ _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 33. (2) الترمذي، كتاب اللباس، جر ذيول النساء، برقم 1731، وأحمد، 8/ 391، برقم 4773، والنسائي، كتاب الزينة، ذيول النساء، برقم 5337، وقال الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 80: «حسن صحيح».

(1/257)


بِمَنْزِلَةِ النَّعْلِ الَّذِي يَكْثُرُ مُلَاقَاتُهُ النَّجَاسَةَ، فَيَطْهُرُ بِالْجَامِدِ، كَمَا يَطْهُرُ السَّبِيلَانِ بِالْجَامِدِ لِمَا تَكَرَّرَ مُلَاقَاتُهُمَا النَّجَاسَةَ. ثُمَّ إنَّ هَذَا لَيْسَ مُعِينًا لِلسَّتْرِ، فَلَوْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ سَرَاوِيلَ، أَوْ خُفًّا وَاسِعًا صُلْبًا، كَالْمُوقِ، وَتَدَلَّى فَوْقَهُ الْجِلْبَابُ، بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ حَجْمُ الْقَدَمِ؛ لَكَانَ هَذَا مُحَصِّلًا لِلْمَقْصُودِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ اللَّيِّنِ الَّذِي يُبْدِي حَجْمَ الْقَدَمِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ لِبَاسِ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَوْ لَبِسَتْ جُبَّةً وَفَرْوَةً لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ إلَى دَفْعِ الْبَرْدِ، لَمْ تَنْهَ عَنْ ذَلِكَ. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَمْ يَكُنْ النِّسَاءُ يَلْبَسْنَ الْفِرَاءَ؟! قُلْنَا: فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْحَاجَةِ؛ فَالْبِلَادُ الْبَارِدَةُ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى غِلَظِ الْكُسْوَةِ، وَكَوْنِهَا مُدَفِّئَةً، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، فَالْفَارِقُ بَيْنَ لِبَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَعُودُ إلَى مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ، وَهُوَ مَا يُنَاسِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الرِّجَالُ، وَمَا تُؤْمَرُ بِهِ النِّسَاءُ. فَالنِّسَاءُ مَأْمُورَاتٌ بِالِاسْتِتَارِ وَالِاحْتِجَابِ، دُونَ التَّبَرُّجِ وَالظُّهُورِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَشْرَعْ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْأَذَانِ، وَلَا التَّلْبِيَةِ، وَلَا الصُّعُودُ إلَى الصَّفَا والمروة، وَلَا التَّجَرُّدُ فِي الْإِحْرَامِ كما يَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ ... فَلَوْ أَرَادَ الرِّجَالُ أَنْ يَنْتَقِبُوا، وَيَتَبَرْقَعُوا، وَيَدَعُوا النِّسَاءَ بَادِيَاتِ الْوُجُوهِ لَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ ... [النِّسَاءُ] مَأْمُورَاتٌ فِي هَذَا بِمَا يَسْتُرُهُنَّ وَيَحْجُبُهُنَّ؛ فَإِذَا اخْتَلَفَ لِبَاسُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَمَّا كَانَ أَقْرَبَ إلَى

(1/258)


مَقْصُودِ الِاسْتِتَارِ وَالِاحْتِجَابِ: كَانَ لِلنِّسَاءِ، وَكَانَ ضِدُّهُ لِلرِّجَالِ. وَأَصْلُ هَذَا: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الشَّارِعَ لَهُ مَقْصُودَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. والثَّانِي احْتِجَابُ النِّسَاءِ، فَلَوْ كَانَ مَقْصُودُهُ مُجَرَّدَ الْفَرْقِ لَحَصَلَ ذَلِكَ بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ بِهِ الِاخْتِلَافُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَسَادُ ذَلِكَ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِاللِّبَاسِ إظْهَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مَا يُنَاسِبُهُ ... وَكَذَلِكَ أَيْضًا: لَيْسَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ حَجْبِ النِّسَاءِ وَسَتْرِهِنَّ دُونَ الْفَرْقِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الرِّجَالِ؛ بَلْ الْفَرْقُ أَيْضًا مَقْصُودٌ، حَتَّى لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الصِّنْفَيْنِ اشْتَرَكُوا فِيمَا يَسْتُرُ وَيَحْجُبُ، بِحَيْثُ يُشْتَبَهُ لِبَاسُ الصِّنْفَيْنِ لَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ هَذَا الْمَقْصُودَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} (1)، فَجَعَلَ كَوْنَهُنَّ يُعْرَفْنَ بِاللِّبَاسِ الْفَارِقِ أَمْرًا مَقْصُودًا. وَلِهَذَا جَاءَتْ صِيغَةُ النَّهْيِ بِلَفْظِ التَّشَبُّهِ بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، والمتشبهين مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ» (2)، _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) أحمد، / 330، برقم 3060، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في لباس النساء، برقم 4097)، والترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في المتشبهات بالرجال من النساء، برقم 2784، وقال: «حسن صحيح». وابن ماجه، كاب النكاح، باب في المخنثين، برقم 1904، والطبراني، 11/ 204، برقم 11502، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم 2068.

(1/259)


وَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ والمترجلات مِنْ النِّسَاءِ» (1)، فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِاسْمِ التَّشَبُّهِ، وَيَكُونُ كُلُّ صِنْفٍ يَتَّصِفُ بِصِفَةِ الْآخَرِ ... الْمُشَابَهَةَ فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ تُورِثُ تَنَاسُبًا وَتَشَابُهًا فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ ... وَالرَّجُلُ الْمُتَشَبِّهُ بِالنِّسَاءِ يَكْتَسِبُ مِنْ أَخْلَاقِهِنَّ بِحَسَبِ تَشَبُّهِهِ، حَتَّى يُفْضِيَ الْأَمْرُ بِهِ إلَى التَّخَنُّثِ الْمَحْضِ، وَالتَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهِ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ ... وَالْمَرْأَةُ الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ تَكْتَسِبُ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ، حَتَّى يَصِيرَ فِيهَا مِنْ التَّبَرُّجِ وَالْبُرُوزِ وَمُشَارَكَةِ الرِّجَالِ: مَا قَدْ يُفْضِي بِبَعْضِهِنَّ إلَى أَنْ تُظْهِرَ بَدَنَهَا كَمَا يُظْهِرُهُ الرَّجُلُ، وَتَطْلُبُ أَنْ تَعْلُوَ عَلَى الرِّجَالِ كَمَا تَعْلُو الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ، وَتَفْعَلَ مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يُنَافِي الْحَيَاءَ وَالْخَفْرَ (2) الْمَشْرُوعَ لِلنِّسَاءِ، وَهَذَا الْقَدْرُ قَدْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْمُشَابَهَةِ. وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ لِبَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَرْقٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ الرِّجَالُ عَنِ النِّسَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ لِبَاسُ النِّسَاءِ فِيهِ مِنَ الِاسْتِتَارِ وَالِاحْتِجَابِ مَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَ ذَلِكَ: ظَهَرَ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ، وَتَبَيَّنَ _________ (1) البخاري، كتاب اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت، برقم 5886. (2) الخَفَر - بالفتح-: الحياء ... أي الحياء من كل ما يُكْره لهنّ [النساء] أن ينظرْنَ إليه. [انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (خفر)].

(1/260)


أَنَّ اللِّبَاسَ إذَا كَانَ غَالِبُهُ لُبْسَ الرِّجَالِ نُهِيَتْ عَنْهُ الْمَرْأَةُ، وَإِنْ كَانَ سَاتِرًا، كالفراجي الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ أَنْ يَلْبَسَهَا الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، وَالنَّهْيُ عَنْ مَثَلِ هَذَا بِتَغَيُّرِ الْعَادَاتِ. وَأَمَّا مَا كَانَ الْفَرْقُ عَائِدًا إلَى نَفْسِ السِّتْرِ، فَهَذَا يُؤْمَرُ بِهِ النِّسَاءُ بِمَا كَانَ أَسْتَرُ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْفَرْقَ يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي اللِّبَاسِ قِلَّةُ السَّتْرِ وَالْمُشَابَهَةُ، نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» (1). الشرط السابع: أن لا يُشبهَ لباس الكافرات للأدلة الآتية (2): 1 - قال اللَّه - عز وجل -: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّه شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّه وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} (3). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «جعل اللَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على شريعة من الأمر شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون: كل من خالف شريعته. و «أهواؤهم»: هي ما يَهْوَوْنه، وما عليه المشركون من هديه _________ (1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 22/ 145 - 155 بتصرف واختصار. (2) ترجم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، 5/ 131لذلك بقوله: «باب مخالفة أهل الكتاب في اللباس وغيره»، وعَنْوَنَ محقق كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص/ 12 لأحد فصوله بقوله: «فصل في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار، والنهي عن التَشبه بهم». (3) سورة الجاثية، الآيتان: 18 - 19.

(1/261)


الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم يَهْوَوْنه، وموافقتهم فيه: اتباع لما يَهْوَوْنه؛ ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويُسَرُّون به، ويودون أن لو بذلوا مالاً عظيمًا ليحصل ذلك، ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم، فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أَحْسَمُ لمادة متابعتهم في أهوائهم، وأعون على حصول مرضاة اللَّه في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره؛ فإن «من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه»، وأيُّ الأمرين كان، حصل المقصود في الجملة، وإن كان الأول أظهر» (1). 2 - وقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (2). 3 - وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (3). قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله -: فقوله: {وَلاَ يَكُونُوا} نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم _________ (1) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، ص 14. (2) سورة الحشر، الآية: 19. (3) سورة الحديد، الآية: 16.

(1/262)


في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي» (1). وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - عند تفسير هذه الآية: «ولهذا نهى اللَّه المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية» (2)، وغير ذلك من الآيات. 4 - وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (3). قال المناوي: «أي من تزيَّا في ظاهره بِزِيِّهم، وفي تخلقه بخلقهم، وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم، أي: وكان التشبه بحق قد طابق فيه الظاهرُ الباطنَ «فَإِنَّهُ مِنْهُمْ»، وقيل: المعنى، من تشبه بالصالحين وهو من أتباعهم يُكرَم كما يُكرمون، ومن تشبه بالفساق يُهانُ ويُخذل كَـ (هُمْ) .. وبأبلغ من ذلك صرَّح القرطبي فقال: لو خُصَّ أهل الفسوق والمجون بلباس مُنع لُبسُهُ _________ (1) اقتضاء الصراط المستقيم، ص 43. (2) تفسير القرآن العظيم، 8/ 20. (3) أخرجه الإمام أحمد، 9/ 127، برقم 5115، وابن أبي شيبة، 4/ 212، برقم 19401، والبيهقي في شعب الإيمان، 2/ 417، والطبراني في مسند الشاميين، 1/ 135، برقم 216، وعبد بن حميد، برقم 848، وسنن سعيد بن منصور، 2/ 143، برقم 2370، والديلمي في مسند الفردوس، برقم 2099، وحسن إسناده الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص205.

(1/263)


لغيرهم، فقد يَظُنُّ به من لا يعرفه أنه منهم فيظن به ظن السوء، فيأثم الظان والمظنون فيه بسبب العون عليه، وقال بعضهم: قد يقع التشبه في أمور قلبية من الاعتقادات، وإرادات وأمور خارجية من أقوال وأفعال قد تكون عبادات، وقد تكون عادات، في نحو: طعام، ولباس، ومسكن، ونكاح، واجتماع، وافتراق، وسفر، وإقامة، وركوب، وغيرها، وبين الظاهر والباطن ارتباط ومناسبة. وقد بعث اللَّه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة التي هي سنته، وهي الشِّرعة والمنهاج الذي شرعه له، فكان مما شرعه له من الأقوال والأفعال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأَمر بمخالفتهم في الهَدْيِ الظاهر في هذا الحديث، وإن لم يظهر فيه مفسدة، لأمور: - منها: أن المشاركة في الهدي في الظاهر تؤثر تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين تعود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ فإن لابس ثياب العلماء - مثلًا - يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، ولابس ثياب الجند المقاتلة - مثلًا - يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، وتصير طبيعته منقادة لذلك إلا أن يمنعه مانع. - ومنها: أن المخالفة في الهَدْي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان. - ومنها: أن مشاركتهم في الهَدْيِ الظاهر توجب الاختلاط

(1/264)


الظاهر، حتى يرتفع التمييز ظاهرًا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكيمة التي أشار إليها هذا الحديث وما أشبهه» (1). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «هذا الحديث أقل أحواله: أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم، كما في قوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (2)، وهو نظير ما سنذكره عن عبد اللَّه بن عمرو، أنه قال: «من بنى بأرض المشركين، وصنع نَيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة» (3). فقد يُحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه؛ فإن كان كفرًا أو معصية، أو شعارًا للكفر أو المعصية: كان حكمه كذلك، وبكل حال فهو يقتضي تحريم التشبه بهم بعلة كونها تشبهًا. والتشبُّهُ: يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذًا _________ (1) فيض القدير، 6/ 104. وقد نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ص 11 - 12 باختصار. (2) سورة المائدة، الآية: 51. (3) رواه البيهقي في السنن الكبرى، 9/ 234, وصحَّح إسناده شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم، 1/ 457 - 458.

(1/265)


عن ذلك الغير (1). فأما من فعل الشيء، واتفق أن الغير فعله أيضًا، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهًا نظر، لكنْ قد يُنهى عن هذا، لئلا يكون ذريعة إلى التشبُّهِ، ولِمَا فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى وإعفائها، وإحفاء الشوارب، مع أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود» دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا، ولا فعل، بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية» (2). وقال أيضاً بتفصيل أوضح: «مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان: أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم، فهذا العمل الذي هو من خصائص دينهم: - إما أن يُفعل لمجرد موافقتهم، وهو قليل. - وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل. - وإما لشبهة فيه تُخَيِّلُ أنه نافع في الدنيا وفي الآخرة. وكل هذا لاشك في تحريمه، لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفراً بحسب الأدلة الشرعية. _________ (1) وهذا ينطبق على النساء اللواتي يتتبعنَ أحدث الأزياء الغربية، ويلبسْنَها ليقال عنهن: «متحضرات»، ويتابعن بيوت الأزياء الشهيرة في جميع فصول السنة ليوصفن بـ «المتحررات»، ولكنْ من كل التزام شرعي، وخلق إسلامي، «المتقدمات» ولكن إلى فساد الجيل، ثم إلى جهنم وبئس المصير. [حجاب المسلمة، ص: 247]. (2) اقتضاء الصراط المستقيم، ص 83.

(1/266)


- وإما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم، فهو نوعان: أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذًا عنهم، إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير في الزمان، أو المكان، أو الفعل، ونحو ذلك، فهو غالبُ ما يُبتلى به العامة في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير، والميلاد، ونحوهما؛ فإنهم قد نشأوا على اعتياد ذلك، وتلقاه الأبناء عن الآباء، وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك. فهذا يُعرَّفُ صاحبُه حُكمه، فإن لم ينتهِ وإلا صار من القسم الأول. النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذًا عنهم، لكنهم يفعلونه أيضًا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد تفوت فيه منفعة المخالفة، فتوقُّفُ كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم إذ ليس كوننا تشبَّهْنا بهم بأولى من كونهم تشبَّهوا بنا، فأما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر: فظاهر، لما تقدم من المخالفة. وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم فيه، وتوجب عليهم مخالفتنا، كما في الزيّ ونحوه، وقد يقتصر على الاستحباب، كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين، والسجود، وقد تبلغ إلى الكراهة، كما في تأخير المغرب، والفطور، بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذًا عنهم، فإن الأصل فيه التحريم لما قدمناه» (1). _________ (1) اقتضاء الصراط المستقيم، ص / 222 - 223. [حجاب المسلمة، ص: 249].

(1/267)


5 - وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ (1)، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلاَ تَلْبَسْهَا» (2). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعلل النهي عن لُبسها بأنها «من ثياب الكفار»، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار بأنهم يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك، كما أنه في الحديث قال: «إنهم يستمتعون بآنية الذهب والفضة في الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة» (3)؛ ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير، وأواني الذهب والفضة تشبهًا بالكفار. ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي، قال: «كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ: يَا عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ، وَلاَ مِنْ كَدِّ أَبِيكَ، وَلاَ مِنْ كَدِّ أُمِّكَ، فَأَشْبِعِ الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالِهِمْ مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِكَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَبُوسَ الْحَرِيرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ، قَالَ: «إِلاَّ هَكَذَا»، وَرَفَعَ لَنَا _________ (1) المعصفر: نسبة إلى العُصْفُر: نبات سُلافَتُه الجِرْيالُ، وهي معربة والعُصْفُر هذا الذي يصبغ به الثياب. انظر: لسان العرب، (عصفر). (2) مسلم، كتاب اللباس، بَابُ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الرَّجُلِ الثَّوْبَ الْمُعَصْفَرَ، برقم 2077. (3) علق الشيخ الألباني - رحمه الله - على هذا الحديث في جلباب المرأة المسلمة، ص 185: «لهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبهًا بالكفار، ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي قال: كتب إلينا عمر - رضي الله عنه - ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: يا عتبة! إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياك والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبوس الحرير، وقال: «إلا هكذا»، ورفع لنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما».

(1/268)


رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ وَضَمَّهُمَا» (1). 6 - وعن علي - رضي الله عنه - أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم ولَبوسَ الرهبان، فإنه من تزيَّا بهم أو تَشَبَّهَ فليس مني» (2). 7 - وعن أبي أمامة - رضي الله عنه -، قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارٍ، بِيضٌ لِحَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ»، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلْا يَأْتَزِرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ»، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَخَفَّفُونَ وَلَا يَنْتَعِلُونَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَتَخَفَّفُوا وَانْتَعِلُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ»، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ (3)، وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ (4)، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «قُصُّوا سِبَالَكُمْ، وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» (5). _________ (1) البخاري، كتاب اللباس، بَاب لُبْسِ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشِهِ لِلرِّجَالِ وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ، برقم 5829، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ عَلَى الرَّجُلِ وَإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ وَإِبَاحَةِ الْعَلَمِ وَنَحْوِهِ لِلرَّجُلِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ، برقم 2069 واللفظ له. (2) رواه الطبراني في الأوسط، 4/ 178، برقم 3909، وضعفه الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 183، وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد، 5/ 131، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، 10/ 272: «أخرجه الطبراني في الأوسط بسند لا بأس به». (3) العثانين: جمع عُثنون، وهي اللحية. (4) السبال: جمع سَبَلة-بالتحريك-: الشارب. [بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 17/ 237]. (5) أخرجه أحمد، 36/ 613، والطبراني في الكبير، 8/ 216، برقم 7924، وأبو حاتم في العلل، برقم 1455، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، 5/ 131: «رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم، وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر»، وحسّنه الحافظ ابن حجر في الفتح، 9/ 291، وصحح إسناده محققو المسند، 36/ 613، وحسّن إسناده الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 186.

(1/269)


قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا: «والمعنى: أن اليهود كانوا يقصون لحاهم، ويتركون شواربهم، كما يفعله السواد الأعظم من الناس الآن في زمننا هذا، حتى بعض العلماء؛ فلا حول ولا قوة إلا باللَّه» (1). الشرط الثامن: أن لا يكون لباس شُهرة للأدلة الآتية (2): 1 - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا» (3). _________ (1) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 17/ 237. (2) ترجم الإمام أبو داود، 4/ 43 لذلك بقوله: «باب في لبس الشهرة»، وابن ماجه، 2/ 1192بقوله: «باب من لبس شهرة من الثياب»، وصاحب المنتقى، 2/ 110 مع نيل الأوطار بقوله: «باب الرخصة في اللباس الجميل، واستحباب التواضع فيه، وكراهة الشهرة والإسبال»، والحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، 3/ 107 بقوله: «الترغيب في ترك الترفع في اللباس تواضعًا واقتداءً بأشرف الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، والترهيب من لباس الشهرة والفخر والمباهاة»، والهيثمي في مجمع الزوائد، 5/ 135 بقوله: «باب في ثوب الشهرة»، والبنا الساعاتي في منحة المعبود، 1/ 352، وفي الفتح الرباني، 17/ 289 بقوله: «النهي عن الشهرة والإسبال، ووعيد من فعل ذلك». وانظر: الدراري المضية شرح الدرر البهية، 2/ 179، و182. (3) أخرجه أحمد، 9/ 476، برقم 664، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، برقم 4029، والنسائي في الكبرى، كتاب الزينة، ذكر ما يستحب من الثياب وما يكره، برقم 9487، وابن ماجه، كتاب اللباس، باب من لبس شهرة من الثياب، برقم 3608، واللفظ له، وعبد الرزاق، 11/ 80، برقم 19979، والبيهقي في الشعب، 5/ 168، وقال الشوكاني في نيل الأوطار، 2/ 125: «رجال إسناده ثقات»، وقال في بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 17/ 289: «وسنده صحيح»، وحسنه محققو المسند، 9/ 476، كما حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم 2089.

(1/270)


قال صاحب عون المعبود: «قال ابن الأثير: الشُهْرة: ظُهور الشَّيء [في شُنْعة حتى يَشْهَره الناس] (1)؛ والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس؛ لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، ويختال عليهم بالعُجب والتكبر» (2). قال الشوكاني: «والحديث يدل على تحريم لُبسِ ثوب الشهرة، وليس هذا الحديث مختصًا بنفيس الثياب، بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوبًا يخالف ملبوس الناس من الفقراء، ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه، قاله ابن رسلان. وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس، فلا فرق بين رفيع الثياب ووضيعها، والموافق لملبوس الناس والمخالف؛ لأن التحريم يدور مع الاشتهار والمعتبر القصد، وإن لم يطابق الواقع» (3). وقال أيضًا في الدراري المضيَّة: «ويُلحق بالثوب غيرُه من الملبوس، ونحوه مما يُشْهَرُ به اللابس له، لوجود العلة» (4). _________ (1) النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (شهر). (2) انظر: نيل الأوطار، 2/ 113، وعون المعبود، 11/ 73. (3) نيل الأوطار (2/ 113). وقد نقل قول ابن رسلان أيضًا: أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في كتابه: «عون المعبود في شرح سنن أبي داود» (11/ 73 - 74). (3) 2) الدراري المضيَّة (2/ 182). [حجاب المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ص: 220] (4) 2/ 182، وقال الشوكاني في نيل الأوطار، 2/ 125: «رجال إسناده ثقات»، وقال في بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، 17/ 289: «وسنده صحيح».

(1/271)


2 - وعن أبي ذر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ، أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يَضَعَهُ مَتَى وَضَعَهُ» (1). وعن كنانةَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الشهرتين: أن يلبسَ الثيابَ الحسنة التي يُنظر إليه فيها، أو الدنيَّة أو الرَّثَّة التي يُنظر إليه فيها» (2). قال علاء الدين بن عابدين: «وينبغي للرجل أن يكون موافقًا لأقرانه، فلا يلبس لباسًا مرتفعًا جدًّا، ولا رديئًا دونًا، فإنه لو فعل ذلك ارتكب النهي، وأوقع الناس في الغيبة، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشهرتين في اللباس: المرتفعة جدًّا، والمحتقرة جدًّا، بأن لا يُزدرَى عند السفهاء، ولا يُعاب عند الفقهاء» (3). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَتُكْرَهُ الشُّهْرَةُ مِنَ الثِّيَابِ، وَهُوَ الْمُتَرَفِّعُ الْخَارِجُ عَنِ الْعَادَةِ، وَالْمُتَخَفِّضُ الْخَارِجُ عَنِ الْعَادَةِ؛ فَإِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الشهرتين: الْمُتَرَفِّعَ، وَالْمُتَخَفِّضَ، وَفِي الْحَدِيثِ _________ (1) أخرجه ابن ماجه، كتاب اللباس، باب من لبس شهرة من الثياب، برقم 3608، وأبو نعيم في الحلية، 4/ 190 - 191، والبيهقي في الشعب، 5/ 169، وعزاه ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح،8/ 255 أيضًا إلى الضياء، وحسن إسناده الكناني في مصباح الزجاجة، 4/ 90، وقال الشيخ الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 217: «ومنه نعلم أن قول البوصيري في الزوائد "إسناده حسن". غير حسن، إلا إن كان يريد أنه حسن لغيره، فسائغ، ولعله لذلك أورده المقدسي في الأحاديث المختارة. واللَّه أعلم. (2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، 3/ 273، وإسناده صحيح مرسلاً كما في جلباب المرأة المسلمة، ص 218. (3) الهدية العلائية، ص 295.

(1/272)


«مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ» (1)، وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا، وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ فِي الظَّاهِرِ يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ النِّيَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَمَنْ حَجَّ مَاشِيًا لِقُوَّتِهِ عَلَى الْمَشْيِ، وَآثَرَ بِالنَّفَقَةِ، كَانَ مَأْجُورًا أَجْرَيْنِ: أَجْرَ الْمَشْيِ، وَأَجْرَ الْإِيثَارِ، وَمَنْ حَجَّ مَاشِيًا بُخْلًا بِالْمَالِ، إضْرَارًا بِنَفْسِهِ، كَانَ آثِمًا إثْمَيْنِ: إثْمَ الْبُخْلِ، وَإِثْمَ الْإِضْرَارِ، وَمَنْ حَجَّ رَاكِبًا؛ لِضَعْفِهِ عَنِ الْمَشْيِ؛ وَلِلِاسْتِعَانَةِ بِذَلِكَ عَلَى رَاحَتِهِ لِيَتَقَوَّى بِذَلِكَ عَلَى الْعِبَادَةِ، كَانَ مَأْجُورًا أَجْرَيْنِ، وَمَنْ حَجَّ رَاكِبًا يَظْلِمُ الْجَمَّالَ وَالْحَمَّالَ، كَانَ آثِمًا إثْمَيْنِ. وَكَذَلِكَ اللِّبَاسُ: فَمَنْ تَرَكَ جَمِيلَ الثِّيَابِ، بُخْلًا بِالْمَالِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ، وَمَنْ تَرَكَهُ مُتَعَبِّدًا بِتَحْرِيمِ الْمُبَاحَاتِ، كَانَ آثِمًا، وَمَنْ لَبِسَ جَمِيلَ الثِّيَابِ إظْهَارًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ، وَاسْتِعَانَةً عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، كَانَ مَأْجُورًا، وَمَنْ لَبِسَهُ فَخْرًا وَخُيَلَاءَ، كَانَ آثِمًا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» (2). 3 - عن عبد اللَّه بن مسعود - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ _________ (1) أخرجه أحمد، 9/ 476، برقم 5664، والنسائي فى الكبرى، 5/ 460، برقم 9560، وابن ماجه، كتاب اللباس، باب من لبس ثوب شهرة من الثياب، برقم 3606، واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان، 5/ 168، وأبو يعلى، 10/ 62، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، برقم 2906، وقال محققو المسند، 9/ 476: «حديث حسن» .. (2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 22/ 138 - 139.

(1/273)


الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (1). 4 - وعن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثَوْبٍ دُونٍ، فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟»، قَالَ: قَدْ أَتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، قَالَ: «فَإِذَا أَتَاكَ اللَّهُ مَالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ» (2). قال ملا علي القاري: «والمعنى: البَسْ ثوبًا جيدًا ليعرفَ الناس أنك غنيّ، وأن اللَّه أنعم عليك بأنواع النعم». وفي شرح السنة هذا في تحسين الثياب بالتنظيف والتجديد عند الإمكان من غير أن يبالغ في النعامة والدقة، ومظاهرة الملبس على اللبس، على ما هو عادة العجم. قلت: اليوم زاد العرب على العجم، وقد قيل: مَن رقَّ ثوبه رقَّ دينه. قال البغوي: ورُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ينهى عن كثرة الإرفاه» (3). _________ (1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم 91. (2) أخرجه أحمد، 28/ 467، برقم 17231، وأبو داود، كتاب اللباس، باب فِي الْمَصْبُوغِ بِالصُّفْرَةِ، برقم 4065، واللفظ له، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو، برقم 2006، والنسائي، كتاب الزينة، الجلاجل، برقم 5223، والحاكم، 4/ 181، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وأقره الذهبي في التلخيص، وصححه الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام، ص 63، برقم 75، وقال محققو المسند، 28/ 467: «إسناده صحيح على شرط مسلم» .. (3) مرقاة المفاتيح، 8/ 257، وحديث النهي عن كثرة الإرفاه أخرجه أحمد، 39/ 389، برقم 23969، وأبو داود، برقم 4162، والنسائي، برقم 5058، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 502، وقال محققو المسند، 39/ 389: «إسناده صحيح»، وقال الإمام الخطابي في معالم السنن، 3/ 57: «معنى الإرفاه: الاستكثار من الزينة، وأن لا يزال يهيئ نفسه، وأصله من الرفه».

(1/274)


والنهي عن ثياب الشهرة يشمل الرجال والنساء على حدٍّ سواء لعموم النصوص الواردة في ذلك، ويدخل في هذا: الخروج عن عادة بلده وعشيرته في اللباس، إلا إذا كانت أزياؤهم مخالفة للشريعة الإسلامية، كأن تكون ضيقة تصف العورة، أو مختصة بالكفار، بحيث يعرفون بها، ويشتهرون فيها، فيجب حينئذٍ مخالفتهم فيها. قال الشيخ محمد السَّفَّاريني الحنبلي - رحمه الله -: «وفي الغُنية: من اللباس المُنَزَّهِ عنه: كلُّ لبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس، كالخروج عن عادة بلده وعشيرته، فينبغي أن يلبس ما يلبسون، لئلا يُشار إليه بالأصابع، ويكون ذلك سببًا لحملهم على غِيبته، فيشركهم في إثم الغيبة له. انتهى ... » (1). الشرط التاسع: أن لا يكون فيه تصاليب للأدلة الآتية (2): 1 - عن عِمْرَانَ بنِ حِطَّان «أَنَّ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - حَدَّثَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ» (3). _________ (1) غذاء الألباب، 2/ 158 - 159، وهناك نصوص كثيرة نحو هذا ... (2) ترجم أبو داود، 4/ 72 لذلك بقوله: «باب في الصليب في الثوب»، وابن أبي شيبة، 8/ 196 بقوله: «في لبس الثوب فيه الصليب»، والبنا الساعاتي في بلوغ الأماني، 17/ 282 بقوله: «باب ما جاء في الصور والتصاليب تكون في البيت، وفي الستور والثياب والبسط، ونحو ذلك». (3) البخاري، كتاب اللباس، باب نقض الصور، برقم 5807.

(1/275)


قال الحافظ ابن حجر: «قَوله: (إِلاَّ نَقَضَهُ)، كَذا لِلأَكثَرِ، ووقَعَ فِي رِوايَة أَبان إِلاَّ قَضَبَهُ، بِتَقدِيمِ القاف ثُمَّ المُعجَمَة ثُمَّ المُوحَّدَة، وكَذا وقَعَ فِي رِوايَة عِند ابن أَبِي شَيبَة، عَن يَزِيد بن هارُون، عَن هِشام، ورَجَّحَها بَعض شُرّاح المَصابِيح، وعَكَسَهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: رِوايَة البُخارِيّ أَضبَط، والاعتِماد عَلَيهِم أَولَى. قُلت: ويَتَرَجَّح مِن حَيثُ المَعنَى أَنَّ النَّقض يُزِيل الصُّورَة مَعَ بَقاء الثَّوب عَلَى حاله، و (القَضْب): وهُو القَطع يُزِيل صُورَة الثَّوب» (1). وقال القسطلاني: «(نَقَضَه): أي كسرَهُ وغيَّرَ صورته» (2). 2 - عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لاَ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إِلاَّ قَضَبَهُ» (3). قال الشيخ خليل أحمد السهارنفوري في شرحه لهذا الحديث: « ... أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يترك في بيته شيئًا» يشمل الملبوس، والستور، والبُسُط، والآلات. «فيه تصليب» أي صورة الصليب التي _________ (1) فتح الباري، 10/ 385. (2) إرشاد الساري، 8/ 481. (3) أخرجه أحمد، 43/ 136، برقم 25996، وأبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في الصليب في الثوب، برقم 4153، وسنن النسائي الكبرى، كتاب الزينة، التصاوير، برقم 9706، وطبقات ابن سعد، 1/ 386، ومسند أبي يعلى، 8/ 104، والبيهقي في شعب الإيمان، 8/ 329. وصححه الألباني في صحيح غاية المرام، ص 142، وقال محققو المسند، 43/ 136: «إسناده صحيح».

(1/276)


للنصارى من نقش في ثوب، أو غيره. «إلا قَضَبه»، ولفظ البخاري: «إلا نَقَضَه» أي قطعه وكسره، وغيَّرَ صورة الصليب. والصليب وإن لم يكن على صورة ذي حياة، لكنْ يُمحَى لما يعبده النصارى» (1). 3 - وعن دِقْرَةِ (2) أُمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَأَتْ عَلَى امْرَأَةٍ بُرْدًا فِيهِ تَصْلِيبٌ، فَقَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: «اطْرَحِيهِ اطْرَحِيهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا رَأَى نَحْوَ هَذَا قَضَبَهُ» (3). 4 - وعَنْ دِقْرَةَ (4) أُمِّ عَبْدِ اللَّه (5) بْنِ أُذَيْنَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَطُوفُ مَعَ عَائِشَةَ بِالْبَيْتِ فَأَتَاهَا بَعْضُ أَهْلِهَا، فَقَالَ: إِنَّكِ قَدْ عَرَقْتِ فَغَيِّرِي ثِيَابَكِ، فَوَضَعَتْ ثَوْبًا كَانَ عَلَيْهَا، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِا بُرْدًا عَلَيَّ مُصَلَّبًا، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا رَآهُ فِي ثَوْبٍ قَضَبَهُ، قَالَتْ: فَلَمْ تَلْبَسْهُ» (6). _________ (1) بذل المجهود، 17/ 32. (2) دِقْرة - بكسر الدال المهملة، وسكون القاف - كما في الإكمال لابن ماكولا. (3) أخرجه أحمد، 42/ 16، برقم 25091، وسنن النسائي الكبرى، كتاب الزينة، التصاوير، برقم 9707، وجود إسناده الشيخ البنا في بلوغ الأماني، 17/ 285، وحسّن إسناده محققو المسند، 42/ 16. (4) يقول محققو المسند إنها في إحدى نسخ المخطوط (أم زفرة)، وهو خطأ. (5) الصحيح أنها أم عبد الرحمن، كما في الحديث السابق، وقد أشار محققو المسند إلى هذا الخطأ من النساخ، المسند، 43/ 13. (6) أخرجه أحمد، 43/ 13، برقم 25810. وبنحوه في شعب الإيمان للبيهقي، 5/ 142. وحسن إسناده محققو المسند، 43/ 13.

(1/277)


5 - وعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها -،قَالَتْ: «إِنَّا لاَ نَلْبَسُ الثِّيَابَ الَّتِي فِيهَا الصَّلِيبُ» (1). 6 - وعَنْ أَبِي الْجَحَّافِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَنْ تَابُوتٍ لِي فِيهِ تَمَاثِيلُ؟ فَقَالَ: «حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى عُمَرَ يُحَرِّقُ ثَوْبًا فِيهِ صَلِيبٌ، يَنْزِعُ الصَّلِيبَ مِنْهُ» (2). ففي هذا الأثر دليل على عدم جواز لبس ثوب فيه صليب، وإلّا ما أقْدمَ عمر - رضي الله عنه - على إحراقه. 7 - وعَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ؛ «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ سِتْرًا فِيهِ صَلِيبٌ، فَأَمَرَ بِهِ فقضب (3)» (4). ففي الأحاديث والآثار المتقدمة دلالة واضحة على النهي عن لبس ثوب فيه صورة صليب، لما فيه من مضاهاة النصارى الذين اتخذوه شعارًا لعقيدتهم الباطلة، وشريعتهم المحرفة، وأشركوا بعبادتهم له مع اللَّه إلهًا آخر. قال ابن قدامة: «ويكره الصليب في ثوب؛ لأن عمران بن حِطَّان روى عن عائشة: «أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلا قضَبَه». رواه أبو داود» (5). وقال ابن مفلح المقدسي: «يُكره الصليب في الثوب، ونحوه، _________ (1) مصنف ابن أبي شيبة، 8/ 196. (2) مصنف ابن أبي شيبة، 8/ 196. (3) في طبعة مكتبة الرشد: (فقصت)، وفي طبعة عوامة كما أثبت، وهو الأصح على ما يبدو. (4) مصنف ابن أبي شيبة، 8/ 197. (5) المغني، 1/ 590، والحديث في سنن أبي داود، برقم 4153، وتقدم تخريجه.

(1/278)


قال ابن حمدان: ويحتمل التحريم .. قال إبراهيم: أصاب أصحابُنا خمائص (1) فيها صُلُب، فجعلوا يضربونها بالسُّلوك (2)، يمحونها بذلك» (3). والمعنى: أنهم كانوا إذا أصابوا أكسية نُقش عليها الصلبان، خاطوا عليها بالخيوط ليطمسوها، لئلا تبقى على حالتها، وهذا دليل على أنهم كانوا يرونها غير جائزة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «والكراهية في كلام السلف كثيرًا، وغالبًا يُراد بها التحريم» (4). الشرط العاشر: أن لا يكون فيه تصاوير للأدلة الآتية (5): 1 - عن أَبي طَلْحَةَ - رضي الله عنه - صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ _________ (1) خمائص: جمع خميصة، وهي: كساء أسود معلم الطرفين، ويكون من خز، أو صوف. انظر: المصباح المنير، مادة (خمص). (2) سلوك: واحدها: سِلكة - بالكسر-: الخيط يُخاط به، جمع: سِلك، وجمع الجمع: أسلاك، وسلوك. انظر: القاموس المحيط، مادة (سلك). (3) الآداب الشرعية والمنح المرعية، 3/ 512. (4) مجموع فتاوى ابن تيمية، 32/ 241. (5) ترجم الإمام البخاري، 10/ 385، لذلك بقوله: باب نقض الصور، 4/ 158، والدارمي، 2/ 284 بقوله: «باب في النهي عن التصاوير»، والحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، 4/ 41 بقوله: «الترهيب من تصوير الحيوانات والطيور في البيوت وغيرها»، والذهبي في الكبائر، ص 181، وقال: «الكبيرة الثامنة والأربعون: التصوير في الثياب، والحيطان، والحجر، والدراهم، وسائر الأشياء، والأمر بإتلافها»، والبنا الساعاتي في منحة المعبود، 1/ 358 بقوله: «باب النهي عن التصوير، واتخاذ الصور، والتشديد في ذلك».

(1/279)


بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» (1). 2 - وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ» (2). قال الخطابي: «والصورة التي لا تدخل الملائكةُ البيتَ الذي هي فيه: ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي يكون فيها الروح مما لم يقطع رأسه، أو لم يمتهن» (3). 3 - وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مِنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رحمه الله - قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي، عَلَى سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ _________ (1) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم 3322، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، بَابُ تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه ... ، برقم 2106. (2) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إِذَا قال آمين، برقم 3325، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، بَابُ تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه ... ، برقم 2106 بلفظ: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل»، وفي لفظ آخر: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير» [مسلم، كتاب اللباس والزينة، بَابُ تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه ... ، برقم 2112. (3) فتح الباري، 10/ 382.

(1/280)


رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَتَكَهُ، وَقَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»، قَالَتْ: فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ» (1). 4 - عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (2) فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، وَقَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا _________ (1) البخاري، كتاب اللباس، باب ما وطئ من التصاوير، برقم 5954، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، بَابُ تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه ... ، برقم 2107. قال الحافظ ابن حجر: «القرام - بكسر القاف، وتخفيف الراء -: هو ستر فيه رقم ونقش، وقيل: ثوب من صوف ملون، يُفرش في الهودج أو يُغطى به. على سهوة - بفتح المهملة، وسكون الهاء -. وقد نقل ابن حجر في معناها أقوالًا عديدة، ثم اختار المعنى المناسب لها في هذا الحديث فقال: فتعين أن السهوة بيت صغير عُلقت الستر على بابه». فتح الباري، 10/ 387. (2) نمرقة - أي بضم النون والراء، ضبطه ابن السِّكّيت هكذا، وضبطها أيضًا: بكسر النون والراء، وبغير هاء-، وجمعها: نمارق، وقال ابن التين: ضبطناها في الكتب بفتح النون وضم الراء، وقال عياض وغيره: هي وسادة، وقيل: مِرفقة، وقيل: هي المجالس، ولعله يعني الطنافس. وفي المُحْكم: النمرق والنمرقة، قد قيل: هي التي يلبسها الرجل، وفي الجامع: النمرق تجعل تحت الرحل، وفي الصحاح: النمرقة: وسادة صغيرة، وربما سَمَّوا الطنفسة التي تحت الرحل: نمرقة». عمدة القاري، 11/ 224.

(1/281)


تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» (1). وقد ترجم البخاري - رحمه الله - لهذا الحديث في كتاب البيوع فقال: «باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء»، وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: «والثوب الذي فيه الصورة يشترك في المنع منه الرجال والنساء، فهو مطابق للترجمة من هذه الحيثية» (2). قال النووي - رحمه الله -: «أما اتخاذ المصوَّر فيه صورةَ حيوان، فإن كان معلقًا على حائط، أو ثوبًا ملبوسًا، أو عمامة، ونحو ذلك، مما لا يُعَدُّ ممتهنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يُداس، ومخدّة، ووسادة، ونحوها مما يمتهن فليس بحرام، ولا فرق في هذا كله بين ماله ظل، وما لا ظل له. هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء: من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل؛ فإن الستر الذي أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته _________ (1) البخاري، كتاب البيوع، باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء، برقم 2105، واللفظ له، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، بَابُ تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه ... ، برقم 2107. (2) فتح الباري، 4/ 325.

(1/282)


ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقمًا في ثوب، أو غير رقم، وسواء كانت في حائط، أو ثوب، أو بساط ممتهن، أو غير ممتهن، عملًا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النُّمْرُقة الذي ذكره مسلم، وهذا مذهب قوي. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقمًا في ثوب سواء امتُهن أم لا، وسواء عُلِّقَ أم لا، وكرهوا ما كان له ظل، أو كان مُصَوَّرًا في الحيطان وشبهها، سواء كان رقمًا أو غيره، واحتجوا بقوله في بعض أحاديث الباب: «إلا ما كان رقمًا في ثوب»، وهذا مذهب القاسم بن محمد. وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره، قال القاضي: إلا ما ورد في اللَّعِبِ بالبنات (1)، والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته، وادَّعى بعضهم أن إباحة اللَّعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث، والله أعلم» (2). وقد تعقَّبَ الحافظُ ابن حجر الإمامَ النووي في بعض ما ساقه، قال: «وفيما نقله مؤاخذات: - منها: أن ابن العربي من المالكية نقل أن الصورة إذا كان لها _________ (1) أي: الدمى، مفردها: دمية، ويقصد بها هنا ما يُتخذ على صورة البنات. (2) شرح صحيح مسلم للنووي، 14/ 81 - 82.

(1/283)


ظل حَرُمَ بالإجماع، سواء كانت مما يمتهن أم لا، وهذا الإجماع محله في غير لُعَبِ البنات، وصحَّحَ ابن العربي أن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيئتها حَرُمَت، سواء كانت مما يمتهن أم لا، وإن قطع رأسها أوفرقت هيئتها جاز، وهذا المذهب منقول عن الزهري، وقوَّاه النووي، وقد يشهد له حديث النُّمْرُقة. - ومنها: أن إمام الحرمين نقل وجهًا أن الذي يُرَخَّصُ فيه مما لا ظل له، ما كان على ستر، أو وسادة؛ وأما ما على الجدار والسقف فيُمنع. - ومنها: أن مذهب الحنابلة جوازُ الصورة في الثوب، ولو كان معلقًا على ما في خبر أبي طلحة، لكن إن سُترَ به الجدار منع عندهم. - ومنها: قول النووي: وذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه مطلقًا، وهو مذهب باطل ... قلت: المذهب المذكور نَقَله ابن أبي شيبة، عن القاسم بن محمد بسند صحيح، ففي إطلاق كونه مذهبًا باطلًا نظر، إذ يحتمل أنه تمسك في ذلك بعموم قوله: «إلا رقمًا في ثوب»؛ فإنه أعمُّ من أن يكون معلقًا، أو مفروشًا، وكأنه جعل إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على عائشة تعليق الستر المذكور مركبًا من كونه مصورًا، ومن كونه ساترًا للجدار ...

(1/284)


ثم قال الحافظ: لكن الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك يدل على أنه مذهب مرجوح، وأن الذي رُخِّصَ فيه من ذلك ما يُمتهن، لا ما كان منصوبًا، وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق أيوب، عن عكرمة، قال: «كانوا يقولون في التصاوير في البسُط والوسائد التي توطأ ذُلٌ لها»، ومن طريق عاصم، عن عكرمة، قال: «كانوا يكرهون ما نُصِبَ من التماثيل نصبًا، ولا يَرون بأسًا بما وطئته الأقدام» (1). قال ابن قدامة: «فأما الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات، فقال ابن عقيل: يكره لبسها وليس بمحرَّم، وقال أبو الخطاب: هو محرم، لأن أبا طلحة قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب، ولا صورة»، متفق عليه (2). وحجة من لم يَرَهُ مُحرَّمًا: أن زيد بن خالد رواه عن أبي طلحة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال في آخره: «إلا رقمًا في ثوب» متفق عليه» (3). وقال ابن مفلح الحنبلي: «ولا يجوز لُبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين» اختاره أبو الخطاب، وجزم به السامري، وصاحب التلخيص، لما روى أبو طلحة، قال: سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب، أو صورة» متفق عليه. _________ (1) فتح الباري، 10/ 388 باختصار. (2) البخاري، برقم 3322، ومسلم، برقم 2106، وتقدم تخريجه. (3) المغني، 1/ 590، والحديث أخرجه البخاري، برقم 3322، ومسلم، برقم 2106، وتقدم تخريجه.

(1/285)


والمراد به كلب منهي عن اقتنائه، وقال أحمد في رواية صالح: الصورة لا ينبغي لبسها، وكتعليقِهِ وستر الجدار به وِفَاقًا، وظاهره عام في الكل. والثاني: يُكره ولا يحرم، قاله: ابن عقيل، وقدَّمه ابن تميم، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في آخر الخبر: «إلا رقمًا في ثوب»، وكافتراشه، وجعله مِخَدًا، لأنه - صلى الله عليه وسلم - اتكأ على مخدة فيها صورة. رواه أحمد (1). وعُلم مما سبق أنه يحرم تصوير الحيوان، وحكاه بعضهم وفاقًا، لما روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أصحاب هذه الصور يُعذبون يوم القيامة، ويُقال لهم: أحيوا ما خلقتم» رواه البخاري (2). فلو أُزيل منها ما لا تبقى الحياة معه لم يكره في المنصوص، ومثله شجر ونحوه» (3). وقال البهوتي - فقيه الحنابلة في وقته -: «يحرم على ذكر وأنثى لُبس ما فيه صورة حيوان» لحديث أبي طلحة قال: سمعت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة، أو كلب» متفق عليه. _________ (1) لم أجد هذا اللفظ، وفي مسند أحمد، 10/ 404، برقم 6326: «حَدَّثَنَا لَيْثٌ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ فِيهَا تَمَاثِيلُ طَيْرٍ وَوَحْشٍ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ يُكْرَهُ هَذَا؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا يُكْرَهُ مَا نُصِبَ نَصْبًا، حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ»، وضعفه محققو المسند. (2) البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، برقم 7558. (3) المبدع في شرح المقنع، 1/ 377 - 378.

(1/286)


«وتعليقُه»: أي ما فيه صورة، «وسترُ الجدار به» لما تقدم. «وتصويرُه كبيرة» للوعيد عليه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم». «حتى في ستر، وسقف، وحائط، وسرير، ونحوها» لعموم ما سبق. «لا افتراشه وجعله» أي المصوَّر، «مِخَدًا» فيجوز «بلا كراهة». قال في الفروع: «لأنه - صلى الله عليه وسلم - اتكأ على مِخَدَّةٍ فيها صور». رواه أحمد، وهو في الصحيحين بدون هذه الزيادة» (1). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا تصح الصلاة في الثوب المغصوب، ولا الحرير، ولا المكان المغصوب، هذا إذا كانت الصلاة فرضًا، وهو أصح الروايتين عن أحمد، وإن كانت نفلًا، فقال الآمدي: لاتصح، روايةً واحدة. وينبغي أن يكون الذي يجرُّ ثوبه خيلاءً في الصلاة على هذا الخلاف؛ لأن المذهب أنه حرام، وكذلك من لبس ثوبًا فيه تصاوير» (2). وقال الشوكاني في شرحه للحديث السابق: «فيه الإذن بتصوير الشجر، وكل ما ليس له نفس، وهو يدل على اختصاص التحريم بتصوير الحيوانات. _________ (1) كشاف القناع، 1/ 325، ونحو مختصراً في الإقناع. (2) الاختيارات الفقهية، ص 41 باختصار.

(1/287)


قال في البحر: ولا يكره تصوير الشجر، ونحوها من الجماد إجماعًا» (1). وإذا جاز تصوير ما لا روح له، جاز لُبسُ الثوب الذي رُقمت عليه تلك الصورة التي لا روح فيها بالأَوْلى، لكن محل ذلك الثياب التي تبدو بها المرأة أمام زوجها، ومحارمها، والنساء، لا الجلباب الذي تستتر به فوق ثيابها، وتخرج به من منزلها، فهذا لا يحل لها، لأنه من الزينة المنهي عن إبدائها. وأما حديث أبِي طَلْحَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ»، قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ، فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ، عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ؟! فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» (2). وحديث عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ، قَالَ: فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَانًا، فَنَزَعَ نَمَطًا (3) مِنْ تَحْتِهِ، فَقَالَ لَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: لِمَ _________ (1) نيل الأوطار، 2/ 105. (2) البخاري، كتاب اللباس، باب من كره القعود على الصورة، برقم 5958، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، بَابُ تحريم تصوير صورة الحيوان، وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه ... ، برقم 2106. (3) النَّمَط: - بفتحتين -، قال النووي في شرح صحيح مسلم، 14/ 86: «المراد بالنمط هنا: بساط لطيف له خَمَل».

(1/288)


تَنْزِعُهُ قَالَ لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيهَا مَا قَدْ عَلِمْتَ فَقَالَ سَهْلٌ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ - صلى الله عليه وسلم - إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ قَالَ بَلَى وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي» (1). فقد تمسَّكَ المجيزون بهذا لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إلا رقمًا في ثوب» فاحتجوا به على جواز ما له روح وما لا روح له. ولا حجة لهم في هذين الحديثين وغيرهما على ما ذهبوا إليه، لأن الرَّقْمَ المذكور محمول على ما كان لغير ذي روح جمعًا بين الأدلة. قال النووي - رحمه الله -: «إلا رقمًا في ثوب»: هذا يحتج به مَن يقول بإباحة ما كان رَقْمًا مطلقًا، وجوابنا وجواب الجمهور عنه: أنه محمول على رَقْمٍ على صورةِ الشجر وغيره مما ليس بحيوان، وقد قَدَّمْنا أنَّ هذا جائز عندنا» (2). ونقل الحافظ ابن حجر عن النووي مفاد هذا الكلام، ثم أضاف فائدة أخرى فقال: «ويحتمل أن يكون ذلك قبل النهي، كما يدل عليه حديث أبي هريرة الذي أخرجه أصحاب السنن» (3). _________ (1) أخرجه مالك، 5/ 1406، واللفظ له، وأحمد، 25/ 353، برقم 15979، والنسائي، كتاب الزينة، والتصاوير، برقم 5349، والترمذي، كتاب اللباس، باب ما جاء في الصورة، برقم 1750، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وابن حبان، 13/ 162، والبيهقي، 7/ 271، والطبراني في الكبير، 5/ 104، برقم 4731، وصححه لغيره محققو المسند، 25/ 353، وصححه الألباني في غاية المرام، ص 134. (2) شرح صحيح مسلم للنووي، 14/ 85 - 86. (3) فتح الباري، 10/ 391.

(1/289)


وعن مجاهد قال: حدثنا أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «أتَانِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ (1) سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ، فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ». فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَإِذَا الْكَلْبُ لِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ كَانَ تَحْتَ نَضَدٍ لَهُمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ» (2). قال الحافظ ابن حجر: «وفي هذا الحديث ترجيح قول من ذهب إلى أن الصورة التي تمنع الملائكة من دخول المكان: التي تكون فيه باقيةً على هيئتها مرتفعة غير ممتهنة، فأما لو كانت ممتهنة أو غير ممتهنة، لكنها غُيِّرت من هيئتها إما بقطعها من نصفها، أو بقطع رأسها فلا امتناع (3). _________ (1) قال الفَتَّنيّ: «قِرامُ ستر: هو ستر رقيق، وقيل: صفيق من صوف ذي ألوان، وإضافته: كثوبِ قميص، وقيل: القرام: ستر رقيق وراء الستر الغليظ، ولذا أضافه». اهـ مجمع بحار الأنوار، 4/ 257. (2) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في الصور، برقم 4160، واللفظ له، والترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب، برقم 2806، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وابن حبان، 13/ 165، برقم 5854، والبيهقي، 7/ 270، وقال الأرناؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان، 13/ 165: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم 3105. قال أبو داود: والنَّضَدُ: شيء توضع عليه الثياب، شبه السرير. (3) فتح الباري، 10/ 392.

(1/290)


5 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «ادْخُلْ». فَقَالَ: كَيْفَ أَدْخُلُ وَفِي بَيْتِكَ سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُؤُوسُهَا، أَوْ تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ، فَإِنَّا مَعْشَرَ الْمَلاَئِكَةِ لاَ نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ» (1). قال الخطابي: «وفيه دليل على أنَّ الصورة إذا غُيِّرَت بأن يُقطعَ رأسها، أو تُحَلَّ أوصالها حتى تتغير هيئتها عما كانت، لم يكن بها بعد ذلك بأس» (2). لهذا كله اعتبر الحافظ الذهبي أن عموم أحاديث النهي عن الصور يشمل كذلك ما كانت منقوشة في سقف، أو جدار، أو منسوجة في ثوب أو مكان، قال - رحمه الله -: «وأما الصور: فهي كل مصوَّر من ذوات الأرواح، سواء كانت لها أشخاص منتصبة، أو كانت منقوشة في سقف أو جدار، أو موضوعة في نَمَط، أو منسوجة في ثوب أو مكان، فإن قضية العموم تأتي عليه فليُجتَنب، وباللَّه التوفيق» (3). وقال ابن العربي: «حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت _________ (1) النسائي، كتاب الزينة، ذكر أشد الناس عذاباً، برقم 5365، وفي السنن الكبرى له أيضاً، كتاب الزينة، التصاوير، برقم 9708، وشرح معاني الآثار للطحاوي، 4/ 287، وصححه الألباني في صحيح آداب الزفاف، 108 - 109، وفي غاية المرام، ص 111. (2) معالم السنن، 6/ 82. (3) الكبائر، ص 182، طبعة دار الكتاب العربي، عام 1400هـ- 1980م.

(1/291)


ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقمًا فأربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقًا على ظاهر قوله: «إلا رقمًا في ثوب». الثاني: المنع مطلقًا حتى الرَّقْم (1). الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة، قائمة الشكل، حَرُم، وإن قطعت الرأس، أو تفرقت الأجزاء، جاز، قال: وهذا هو الأصح (2). الرابع (3): إن كان مما يُمتهن جاز، وإن كان معلقا لم يجز» (4). وبهذا الاستعراض السابق لأقوال أهل العلم، نخلُصُ إلى حرمة اتخاذ ما فيه صورة ذي روح، سواء كان ثوبًا، أو سترًا، أو نحوه، فإن كانت الصورة مقطوعة الرأس، أو مفرقة الأجزاء، أو ممتهنة، بأن كانت في بساط يُوطأ، أو مخدة يُجلس عليها، ونحوها مما يمتهن، _________ (1) لإطلاق الأحاديث الواردة في النهي عن اتخاذ ما فيه صورة. (2) لكثرة أدلته الصحيحة، ولجمْعِهِ بينها، ولكونه مذهب الجمهور. ومما يدل عليه: - ما جاء في الصحيحين وغيرهما أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «قدم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - من سفر، وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - هتكه، وقال: أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق اللَّه، قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين»، وقد تقدم تخريجه. وفي رواية أخرى للبخاري، برقم 2479: «فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا». - وجاء أيضًا في سنن النسائي: « .. فإما أن تُقطع رؤوسها، أو تجعل بساطًا يوطأ .. »، وتقدم آنفًا مع تخريجه. (3) ويمكن إدراجه تحت القول الثالث؛ لدلالة حديث النسائي السابق عليهما. (4) فتح الباري، 10/ 391.

(1/292)


فليس ذلك بحرام. قال النووي: «هذا تلخيص مذهبنا - يعني الشافعية - في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم» (1). وهو مذهب الحنابلة - أيضًا - في الصحيح عندهم، كما سبق بيانه. أما إذا كانت الصورة لغير ذي روح، كالأشجار، والأنهار، والأبنية، والبحار، ونحوها، فإن تصويرها، واتخاذ ما صُوِّرت فيه من ثوب، وغيره جائز بالاتفاق. لكنَّ محل جواز صورة ما لا روح له في ثوب المرأة مقيَّدٌ بما إذا لم يكن جلبابها الذي تخرج به، فإن كانت الصورة فيه لم يجز لها الخروج به؛ لكونه من الزينة المنهي عن إبدائها لغير زوج، أو محرم، أو امرأة. وهنا ينتهي القول في الشروط الواجب توافرها في الحجاب، ليكون حجابًا إسلاميًا يرضى اللَّه - عز وجل - عنه، واللَّه - سبحانه وتعالى - أعلم (2). _________ (1) شرح صحيح مسلم للنووي، 14/ 81 - 82. (2) انظر: حجاب المسلمة للبرازي، ص 141 - 372، وعودة الحجاب للمقدم، 3/ 145 - 160 بتصرف.

(1/293)


 المبحث الثاني: التبرج

  المطلب الأول: تعريف التبرج لغة وشرعاً

أولاً: التبرج لغة: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال، يقال: تبرجت المرأة: إذا أظهرت وجهها، ومحاسن جيدها ووجهها، وقال أبو إسحاق في قوله - عز وجل -: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينةٍ} (1): التبرج: إظهار الزينة، وما يستدعى به شهوة الرجل، وقيل: إنهن كن يتكسرن في مشيهن، ويتبخترن، والتبرج: إظهار الزينة للناس الأجانب، وهو المذموم، فأما للزوج فلا (2). وقال العلامة الفيومي - رحمه الله -: «تبرَّجت المرأة: أظهرت زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب» (3). وقال الإمام ابن الأثير - رحمه الله -: «التبرج إظهار الزينة للناس الأجانب، وهو المذموم، فأما للزوج فلا ... » (4). ثانياً: التبرج اصطلاحاً: قيل: تعمّد المرأة إظهار زينتها للرجال، ومنه قول اللَّه - عز وجل -: {غير متبرجات بزينة}» (5). _________ (1) سورة النور، الآية: 60. (2) لسان العرب لاين منظور، مادة (برج)، 2/ 212. (3) المصباح المنير، مادة (برج)، 1/ 42. (4) النهاية في غريب الحديث والأثر، باب الباء مع الراء، 1/ 113. (5) عودة الحجاب للمقدم، 3/ 125.

(1/294)


وقيل: التبرج: هو كل زينة أو تجمّل تقصد المرأة بإظهاره أن تحلو في أعين الرجال الأجانب (1). وقيل: التبرج هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها (2). وقيل: التبرج هو التبختر والتكسر في المشية (3). وقيل: التبرج أن تبدي المرأة محاسنها، وما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل» (4). والتعريف الجامع أن يقال: التبرج هو: تعمُّد إظهار المرأة زينتها، ومحاسنها، وتبخترها، وتكسرها للرجال الأجانب، واللَّه تعالى أعلم. _________ (1) انظر: عودة الحجاب للمقدم، 3/ 125. (2) انظر: عودة الحجاب، 3/ 125، وتفسير الطبري، 22/ 4. (3) انظر: المرجع السابق، 3/ 125، وتفسير الطبري، 22/ 4. (4) انظر: معجم لغة الفقهاء للرواس، ص 99، وفتح القدير للشوكاني، 4/ 278، وانظر: حجاب المسلمة، ص 275.

(1/295)


 المطلب الثاني: المطالب المنحرفة الداعية للتبرج والسفور وبدايته

لا شك أن المطالب المنحرفة الداعية إلى التبرج، والسفور، والفساد تنحصر في أمرين: الأمر الأول: في تاريخ هاتين النظريتين: الحرية والمساواة، وآثارهما التدميرية في العالم الإسلامي. ليُعلم أن النداء بتحرير المرأة تحت هاتين النظريتين: حرية المرأة، ومساواة المرأة بالرجل، إنما ولدتا على أرض أوربة النصرانية في فرنسا، التي كانت ترى أن المرأة مصدر المعاصي، ومكمن السيئات والفجور، فهي جنس نجس يجتنب، ويحبط الأعمال، حتى ولو كانت أُمَّاً أو أختاً. هكذا نشر رهبان النصارى في أوربا هذا الموقف المعادي المتوتر من المرأة، بينما كانوا - أي أولاء الرهبان- مكمن القذارة في الجسد والروح، ومجمع الجرائم الأخلاقية، ورجال الاختطاف للأطفال، لتربيتهم في الكنائس، وإخراجهم رهباناً حاقدين، حتى تكاثر عدد الرهبان، وكوَّنوا جمعاً مهولاً أمام الحكومات والرعايا. ومن هذه المواقف الكهنوتية الغالية الجافية، صار الناس في توتر وكبت شديدين، حتى تولدت من ردود الفعل لديهم، هاتان النظريتان: المناداة بتحرير المرأة باسم: حرية المرأة، وباسم: المساواة بين المرأة والرجل، وشعارهما: رفض كل شيءٍ له صلة

(1/296)


بالكنيسة، وبرجال الدين الكنسي، وتضاعفت ردود الفعل، ونادوا بأن الدين والعلم لا يتفقان، وأن العقل والدين نقيضان، وبالغوا في النداءات للحرية المتطرفة الرامية إلى الإباحية والتحلل من أي قيد أو ضابط فطري أو ديني يَمس الحرية، حتى طغت هذه المناداة بحرية المرأة، إلى المناداة بمساواتها بالرجل بإلغاء جميع الفوارق بينهما وتحطيمها، دينية كانت أم اجتماعية، فكل رجل، وكل امرأة، حرٌّ يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء، لا سلطان عليه لدين، ولا أدب، ولا خلق، ولا سلطة، حتى وصلت أوربة ومن ورائها الأمريكتان وغيرهما من بلاد الكفر إلى هذه الإباحية، والتهتك، والإخلال بناموس الحياة، وصاروا مصدر الوباء الأخلاقي للعالم. إن المطالبات المنحرفة لتحرير المرأة بهذا المفهوم الإلحادي تحت هاتين النظريتين المولدتين في الغرب الكافر، هي العدوى التي نقلها المستغربون إلى العالم الإسلامي، فماذا عن تاريخ هذه البداية المشؤومة، التي قلَبَت جُلَّ العالم الإسلامي من جماعة مسلمة يُحجِّبون نساءهم، ويحمونهن، ويقومون على شؤونهن، ويقمن هنَّ بما افترضه للَّه عليهن، إلى هذه الحال البائسة من التبرج والانحلال والإباحية؟! تقدّم غير مرة أن نساء المؤمنين كن محجبات، غير سافرات الوجوه، ولا حاسرات الأبدان، ولا كاشفات عن زينة، منذ عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري.

(1/297)


وأنه على مشارف انحلال الدولة الإسلامية في آخر النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وتوزعها إلى دول، دبَّ الاستعمار الغربي الكافر لبلاد المسلمين، وأخذوا يرمون في وجوههم بالشبه، والعمل على تحويل الرعايا من صبغة الإسلام إلى صبغة الكفر والانحلال. وكانت أول شرارة قُدحت لضرب الأمة الإسلامية هي في سفور نسائهم عن وجوههن، وذلك على أرض الكنانة، في مصر، حين بعث والي مصر محمد علي باشا (1) البعوث إلى فرنسا للتعلم، وكان فيهم واعظ البعوث: رفاعة رافع الطهطاوي، المتوفى سنة 1290 هـ، وبعد عودته إلى مصر، بذر البذرة الأولى للدعوة إلى تحرير المرأة، ثم تتابع على هذا العمل عدد من المفتونين المستغربين، ومن الكفرة النصارى، منهم: الصليبي النصراني مرقس فهمي الهالك سنة 1374هـ في كتابه: (المرأة في الشرق) الذي هدف فيه إلى نزع الحجاب، وإباحة الاختلاط. وأحمد لطفي السيد، الهالك سنة 1382هـ، وهو أول من أدخل الفتيات المصريات في الجامعات مختلطات بالطلاب، سافرات الوجوه، لأول مرة في تاريخ مصر، يناصره في هذا عميد الفجور _________ (1) هل تعلم أن لقب (الباشا) بمعنى: نعل السلطان. انظر: مجلة الدارة لعام 1420، وهذا غير مستغرب على الأعاجم؛ لغلوهم وإسرافهم في الألقاب.

(1/298)


العربي: طه حسين، الهالك سنة 1393هـ. وقد تولى كِبْرَ هذه الفتنة داعية السفور: قاسم أمين، الهالك سنة 1362 الذي ألّف كتابه: «تحرير المرأة»، وقد صدرت ضده معارضات العلماء، وحكم بعضهم بردته، بمصر، والشام، والعراق، ثم حصلت له أحوال ألَّف على إثرها كتاب: «المرأة الجديدة»، أي: تحويل المسلمة إلى أوربية. وساعد على هذا التوجه من البلاط الأميرة نازلي مصطفى فاضل، وهذه قد تنصرت وارتدت عن الإسلام، كما في كتاب «الملكة نازلي»: (ص 8، 226 - 227) للمحلاوي. ثم مُنَفِّذ فكرة قاسم أمين داعية السفور: سعد زغلول، الهالك سنة 1346هـ، وشقيقه أحمد فتحي زغلول الهالك سنة 1332هـ. ثم ظهرت الحركة النسائية بالقاهرة لتحرير المرأة عام 1919م برئاسة هدى شعراوي، الهالكة سنة 1367هـ، وكان أول اجتماع لهن في الكنيسة المرقصية بمصر سنة 1920م، وكانت هدى شعراوي أول مصرية مسلمة رفعت الحجاب -نعوذ باللَّه من الشقاء- في قصة تمتلئ النفوس منها حسرة وأسى، ذلك أن سعد زغلول لما عاد من بريطانيا مُصَنَّعاً بجميع مقومات الإفساد في الإسلام، صُنِع لاستقباله سرادقان: سرادق للرجال، وسرادق للنساء، فلما نزل من الطائرة عَمَدَ إلى سرادق النساء المتحجبات، واستقبلته هدى شعراوي بحجابها لينزعه، فَمدَّ يده -يا ويلهما-، فنزع الحجاب عن وجهها،

(1/299)


فصفق الجميع ونزعن الحجاب. واليوم الحزين الثاني: أن صفية بنت مصطفى فهمي زوجة سعد زغلول، التي سمّاها بعد زواجه بها: صفية هانم سعد زغلول، على طريقة الأوربيين في نسبة زوجاتهم إليهم، كانت في وسط مظاهرة نسائية في القاهرة أمام قصر النيل، فخلعت الحجاب مع من خلعنه، ودُسْنَه تحت الأقدام، ثم أشعلن به النار؛ ولذا سُمي هذا الميدان باسم: «ميدان التحرير». وهكذا تتابع أشقياء الكنانة: إحسان عبد القدوس، ومصطفى أمين، ونجيب محفوظ، وطه حسين، ومن النصارى: شبلي شُمَيِّل، وفرح أنطون -نعوذ باللَّه من الشقاء وأهله-، يؤازرهم في هذه المكيدة للإسلام والمسلمين الصحافة، إذ كانت هي أُولَى وسائل نشر هذه الفتنة، حتى أُصْدِرَت مجلة باسم: «مجلة السفور» نحو سنة 1318هـ، وهرول الكُتَّاب الماجنون بمقالاتهم القائمة على المطالبة بما يُسند السفور والفساد، ويهجم على الفضائل والأخلاق من خلال وسائل الإفساد الآتية: نشر صور النساء الفاضحة، والدمج بين المرأة والرجل في الحوار والمناقشة، والتركيز على المقولة المحدَثَة الوافدة: «المرأة شريكة الرجل» أي: الدعوة إلى المساواة بينهما، وتسفيه قيام الرجل على المرأة، وإغراؤها بنشر الجديد في الأزياء الخليعة ومحلات الكوافير، وبرك السباحة النسائية والمختلطة، والأندية الترفيهية،

(1/300)


والمقاهي، ونشر الحوادث المخلة بالعرض، وتمجيد الممثلات والمغنيات ورائدات الفن والفنون الجميلة .. . يساند هذا الهجوم المنظم أمران: الأمر الأول: إسنادهم من الداخل، وضعف مقاومة المصلحين لهم بالقلم واللسان، والسكوت عن فحشهم، ونشر الفاحشة، وإسكات الطرف الآخر، وعدم نشر مقالاتهم، أو تعويقها، وإلصاق تُهم التطرف والرجعية بهم، وإسناد الولايات إلى غير أهلها من المسلمين الأمناء الأقوياء. هكذا صارت البداية المشؤومة للسفور في هذه الأمة بنزع الحجاب عن الوجه، وهي مبسوطة في كتاب: المؤامرة على المرأة المسلمة للأستاذ أحمد فرج، وفي كتاب: «عودة الحجاب ج/1» للشيخ محمد بن أحمد إسماعيل، ثم أخذت تدب في العالم الإسلامي في ظرف سنوات قلائل، كالنار الموقدة في الهشيم، حتى صدرت القوانين الملزمة بالسفور، ففي تركيا أصدر الملحد أتاتورك -الهالك سنة 1356هـ-قانوناً بنزع الحجاب سنة 1920م، وفي سنة 1348هـ صدر قانون مدني على غرار قانون (نوشاتيل) المدني السويسري، فحرم تعدد الزوجات وغير ذلك، وفي مدة قصيرة جعل من المرأة التركية شقيقة المرأة السويسرية، فأصبحت المرأة التركية ترتدي أثواب السهرة العارية الكتفين والظهر، كما أنها لا تحجم عن ارتداء المايوه ... عياذاً باللَّه تعالى، وفي إيران أصدر الرافضي رضا

(1/301)


بهلوي قانوناً بنزع الحجاب سنة 1926م، وفي أفغانستان أصدر محمد أمان قراراً بإلغاء الحجاب، وفي ألبانيا أصدر أحمد زوغو قانوناً بإلغاء الحجاب، وفي تونس أصدر أبو رقيبة الهالك سنة 1421هـ قانوناً بمنع الحجاب، وتجريم تعدد الزوجات، ومن فعل فيعاقب بالسجن سنة، وغرامة مالية!! كما أصدرت قرارات عدوانية على الشريعة، منها: إطلاق الحرية للمرأة إذا تخطت العشرين من عمرها أن تتزوج بدون موافقة والديها، ومعاقبة من يتزوج ثانية بالحلال، وتبرئ من يخادن عَشْراً بالحرام!! وفي مجلة العربي نشر استطلاع عن تونس وفيه صورة للوحات الدعاية المنصوبة في الشوارع، ففي كل ميدان لوحتان: إحداهما تمثل أسرة ترتدي الزي المحتشم مشطوبة بإشارة (×)، والأخرى تمثل أسرة متفرنجة، ومكتوب تحتها: «كوني مثل هؤلاء». ولذا قال العلامة الشاعر العراقي محمد بهجت الأثري - رحمه الله - المتوفى سنة 1416هـ: أبو رقيبة لا امتدتْ لَه رَقَبَة ... لم يتقِ اللَّه يوماً لا ولا رَقَبَه وكان متولي كِبْرَها هو وآخرون، منهم المدعو: الطاهر الحداد المولود سنة 1317هـ الهالك سنة 1353هـ حين ألَّف كتابه: «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» بين عام 1338 - 1348هـ يدعو فيه إلى تحرير المرأة، وقيل: بل هو من تأليف النصراني: الأب سلام، تحمله الطاهر

(1/302)


الحداد، وفي آخره أثار اثني عشر سؤالاً أجاب عليها عدد من المفتين، وقد حكم عليه مفتيا المالكية بالمروق من الدين، وبسببه حُرِمَ من الامتحان في كلية الحقوق حتى مات سنة 1353هـ غير مُشيَّع إلا من أهله، وعدد من أصدقائه، وكان مُولعاً بالغناء، والتردد على المقاهي، والانتماء إلى المذهب الاشتراكي، ثم ركزت الصحافة على نشر ما في الكتاب من الطوام، وما زالوا كذلك حتى تحولت تونس إلى «جسم مريض» بالسفور والحسور، وتجد تفاصيل هذه المعركة الإلحادية على: «الحجاب»، و» العفة» في كتاب لا يُفرح به في نحو أربعمائة صفحة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون (1). وفي العراق تولى كِبْرَ هذه القضية -المناداة بنزع الحجاب- الزهاوي، والرُّصافي، نعوذ باللَّه من حالهما، كما هو مفصَّل في كتاب: «حكايات سياسية في تاريخ العراق الحديث» (ص 91 - 143). وانظر خبر اليوم الحزين في نزع الحجاب في الجزائر كما في كتاب: «التغريب في الفكر والسياسة والاقتصاد» [ص 33 - 139] في 13 ماي عام 1958م قصة نزع الحجاب، قصة تتقطع منها النفسُ حَسَراتٍ، ذلك أنه سُخِّر خطيب جمعة بالنداء في خطبته إلى نزع الحجاب، ففعل المبتلى، وبعدها قامت فتاة جزائرية فنادت بمكبر الصوت بخلع الحجاب، فخلعت حجابها ورمت به، وتبعها _________ (1) من سقطات «الأعلام» للزركلي وصفه للطاهر الحداد المذكور بأنه من زعماء الإصلاح، فليُتنبَّهْ!

(1/303)


فتيات -منظمات لهذا الغرض- نزعن الحجاب، فصفق المسَخَّرون، ومثله حصل في مدينة وهران، ومثله حصل في عاصمة الجزائر: والصحافة من وراء هذا إشاعة، وتأييداً. وفي المغرب الأقصى، وفي الشام بأقسامه الأربعة: لبنان، وسوريا، والأردن، وفلسطين، انتشر السفور والتبرج والتهتك والإباحية على أيدي دعاة البعث تارة، والقومية تارة أخرى، إلا أن المصادر التي تم الوقوف عليها لم تسعف في كيفية حصول ذلك، ولا في تسمية أشقيائها، فلا أدري لماذا أعرض الكُتَّاب ومُسَجِّلو الأحداث آنذاك عن تسجيل البداية المشؤومة في القطر الشامي خاصة، مع أن الانفجار الجنسي والعري، والتهتك والإباحية على حال لا تخفى (1). وأول كتاب يتحدث عن تحرير المرأة في الشام سنة 1347هـ أي بعد وفاة فاسم أمين بعشرين سنة - هو الكتاب الذي ألفته - أو ألِّف باسم - نظيرة زين الدين، بعنوان: «السفور والحجاب»، ومما يثير الانتباه أن الذي قرظه هو علي عبد الرازق صاحب كتاب: «الإسلام وأصول الحكم» الكتاب الذي فَجَّر العلمانية في مصر، وردّ عليه علماء مصر. أما في الهند وباكستان، فكانت حال نساء المؤمنين على خير حال من الحجاب -دِرْعُ الحشمة والحياء- وفي التاريخ نفسه -حدود عام _________ (1) ثم وجدت ذلك في كتاب الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - «ذكريات» (5/ 101 - 112)، (223 - 274)، (6/ 10 - 25) [الواجد بكر أبو زيد - رحمه الله -].

(1/304)


1370هـ- بدأت حركة تحرير المرأة والمناداة بجناحيها: الحرية والمساواة، وترجم لذلك كتاب قاسم أمين: «تحرير المرأة»، ثم من وراء ذلك الصحافة في الدعاية للتعليم المختلط، ونزع الخمار، حتى بلغت هذه القارة من الحال ما لا يشكى إلا إلى اللَّه تعالى منه، وهو مبسوط في كتاب: «أثر الفكر الغربي في انحراف المجتمع المسلم في شبه القارة الهندية» لخادم حسين ص 182 - 195. وهكذا تحت وطأة سعاة الفتنة بالنداء بتحرير المرأة باسم الحرية والمساواة، آلت نهاية المرأة الغربية بداية للمرأة المسلمة في هذه الأقطار. فباسم الحرية والمساواة: - أخرجت المرأة من البيت تزاحم الرجل في مجالات حياته. - وخُلع منها الحجاب وما يتبعه من فضائل العفة والحياء والطهر والنقاء. - وغمسوها بأسفل دركات الخلاعة والمجون، لإشباع رغباتهم الجنسية. - ورفعوا عنها يد قيام الرجال عليها؛ لتسويغ التجارة بعرضها دون رقيب عليها. - ورفعوا حواجز منع الاختلاط والخلوة؛ لتحطيم فضائلها على صخرة التحرر، والحرية والمساواة. - وتَمَّ القضاء على رسالتها الحياتية، أُمَّاً وزوجة، ومربية أجيال، وسكناً لراحة الأزواج، إلى جعلها سلعة رخيصة مهينة مبتذلة في كَفِّ كُلِّ لاقِطٍ من خائن وفاجر.

(1/305)


إلى آخر ما هنالك من البلاء المتناسل، مما تراه محرراً في عدد من كتابات الغيورين، ومنها: كتاب: «حقوق المرأة في الإسلام» لمؤلفه محمد بن عبد اللَّه عرفة. هذه هي المطالب المنحرفة في سبيل المؤمنين، وهذه هي آثارها المدمرة في العالم الإسلامي. الأمر الثاني: إعادة المطالب المنحرفة؛ لضرب الفضيلة في آخر معقل للإسلام، وجعلها مِهاداً للجهر بفساد الأخلاق: إن البداية مدخل النهاية، وإن أول عقبة يصطدم بها دعاة المرأة إلى الرذيلة هي الفضيلة الإسلامية: الحجاب لنساء المؤمنين، فإذا أسفرن عن وجوههن حَسَرْن عن أبدانهن وزينتهن التي أمر اللَّه بحجبها وسترها عن الرجال الأجانب عنهن، وآلت حال نساء المؤمنين إلى الانسلاخ من الفضائل إلى الرذائل؛ من الانحلال والتهتك والإباحية، كما هي سائدة في جُلِّ العالم الإسلامي، نسأل اللَّه صلاح أحوال المسلمين. واليوم يمشي المستغربون الأُجَرَاء على الخُطَا نفسها، فيبذلون جهودهم مهرولين، لضرب فضيلة الحجاب في آخر معقل للإسلام، حتى تصل الحال - سواء أرادوا أم لم يريدوا- إلى هذه الغايات الإلحادية في وسط دار الإسلام الأولى والأخيرة، وعاصمة المسلمين، وحبيبة المؤمنين: «جزيرة العرب» التي حمى اللَّه قلبها وقبلتها منذ أسلمت ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين إلى يومنا هذا من

(1/306)


أن ينفذ إليها الاستعمار، والإسلام فيها -بحمد اللَّه- ظاهر، والشريعة نافذة، والمجتمع فيها مسلم، لا يشوبه تَجَنُّسُ كافر، وهؤلاء المفتونون السَّخَّابون على أعمدة الصحف اتَّبَعُوا سَنَن من كان مثلهم من الضالين من قبل، فنقلوا خطتهم التي واجهوا بها الحجاب إلى بلادنا وصحافتنا، وبدؤوا من حيث بدأ أولئك بمطالبهم هذه يُجَرِّمون الوضع القائم، وهو وضع إسلامي في الحجاب، وفيه الطهر والعفاف، وكل من الجنسين في موقعه حسب الشرع المطهر، فماذا ينقمون؟ وإنَّ ما تقدم بيانه من أصول الفضيلة، يردّ على هذه المطالب المنحرفة الباطلة، الدائرة في أجواء الرذيلة: من السفور عن الوجه، والتبرج، والاختلاط، وسلب قيام الرِّجال على النساء، ومنازعة المرأة في اختصاص الرجل، وهكذا من الغايات المدمرة. وإن حقيقة هذه المطالب المنحرفة عن سبيل المؤمنين: إعلانٌ بالمطالبة بالمنكر، وهجر للمعروف، وخروج على الفطرة، وخروج على الشريعة، وخروج على الفضائل والقيم بجميع مقوماتها، وخروج على القيادة الإسلامية التي تحكم الشرع المطهر، وجعل البلاد مِهاداً للتبرج والسفور والاختلاط والحسور. وهذا نوع من المحاربة باللسان -والقلم أحد اللسانين- وقد يكون أنكى من المحاربة باليد، وهو من الإفساد في الأرض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «وما يفسده اللسان من

(1/307)


الأديان أضعاف ما تفسده اليد، كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد» (1). هذا وليعم أن الدعوة إلى السفور والتبرج، وترجيل المرأة ليست قاصرة على الصحافة فحسب، بل هناك أدوات أخرى تعمل بجهد جهيد إلى ذلك من إذاعات وتلفزة، وقنوات، وشبكات، وكتب، وقصص، وغيرها كلها تشترك في مسارعة الخطا إلى نشر التغريب بين المسلمين، وتَحْمِلُهم على الخروج على أحكام دينهم، وعفَّتهم وفَضيلتهم، فَنُحَذِّرُ الجميع من عقاب اللَّه وسخطه، ونذكِّرهم بأيام اللَّه، واللَّه موعدهم. [العلاج لهذا السيل الجارف]: لهذا فإن المتعين إجراؤه أمام التوجه المنحرف هو ما يأتي: 1 - على مَن بسط اللَّه يده إصْدار الأوامر الحاسمة للمحافظة على الفضيلة من عاديات التبرج والسفور والاختلاط، وكفُّ أقلام الرعاع السُّفوريّين عن الكتابة في هذه المطالب؛ حماية للأمة من شرورهم، وإحالة مَن يَسْخر من الحجاب إلى القَضاء الشرعي؛ ليطبق عليهم ما يقضي به الشرع من عقاب. وإلحاق العقاب بالمتبرجات؛ لأنهن شراك للافتتان، وهن أولى بالعقاب من الشاب الذي يتعرض لهن؛ إذ هي التي أغرته فَجَرَّته إلى نفسها. _________ (1) الصارم المسلول، 2/ 735.

(1/308)


2 - على العلماء وطلاب العلم بذل النصح، والتحذير من قالة السوء، وتثبيت نساء المؤمنين على ما هن عليه من الفضيلة، وحراستها من المعتدين عليها، والرحمة بهن بالتحذير من دعاة السوء، عبيد الهوى. 3 - على كل مَن وَلاَّه اللَّه أمر امرأة من الآباء والأبناء والأزواج وغيرهم، أن يتقوا اللَّه فيما وُلُّوا من أمر النساء، وأن يعملوا الأسباب لحفظهن من السفور والتبرج والاختلاط، والأسباب الداعية إليها، ومن دعاة السوء. وليعلموا أن فساد النساء سببه الأول: تساهل الرجال. 4 - على نساء المؤمنين أن يتقين اللَّه في أنفسهن، وفي مَن تحت أيديهن من الذراري، بلزوم الفضيلة، والتزام اللباس الشرعي والحجاب بلبس العباءة والخمار، وأن لا يمشين وراء دعاة الفتنة وعشاق الرذيلة. 5 - ننصح هؤلاء الكتاب بالتوبة النصوح، وأن لا يكونوا باب سوء على أهليهم، وأمتهم، وليتقوا سخط اللَّه ومقته وأليم عقابه. 6 - على كل مسلم الحذر من إشاعة الفاحشة ونشرها وتكثيفها، وليعلم أن محبتها -كما بينها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - (1) لا تكون بالقول والفعل فقط، بل تكون بذلك، وبالتحدث بها، وبالقلب، _________ (1) فتاوى ابن تيمية، 15/ 332، 344.

(1/309)


وبالركون إليها، وبالسكوت عنها، فإن هذه المحبة تُمَكِّن من انتشارها، وتُمَكن من الدفع في وجه من ينكرها من المؤمنين، فليتق اللَّه امرؤ مسلم من محبة إشاعة الفاحشة، قال اللَّه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1). هذا ما أردت بيانه- وما على أهل العلم والإيمان إلا البلاغ والبيان- للتخفف من عهدته، ورجاء انتفاع من شاء اللَّه من عباده، وللنصح به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة» قالوا: لمن يا رسول اللَّه؟ قال: «للَّه، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» (2). وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - في «الحِكَم الجديرة بالإذاعة» (3): «رُوي عن الإمام أحمد أنه قيل له: إن عبد الوهاب الوراق ينكر كذا وكذا، فقال: لا نزال بخير ما دام فينا من يُنكر»، ومن هذا الباب قول عمر لمن قال له: اتق اللَّه يا أمير المؤمنين، فقال: «لا خير فيكم إن لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم» (4). _________ (1) سورة النور، الآية: 19. (2) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، برقم 55. (3) الحكم الجديرة بالإذاعة، ص 43. (4) تاريخ المدينة لابن شبة، 2/ 773، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وفيه مبارك بن فضالة مدلس، وقد عنعن كما في التقريب، رقم: 6464، وأورده ابن الجوزي في مناقب عمر بن الخطاب، ص 155. انظر: محض الصواب في فضائل عمر بن الخطاب، لعبد العزيز بن محمد بن محسن، 2/ 601.

(1/310)


وما يتذكر إلا أولو الألباب، واللَّه يتولى الجزاء والحساب (1). وكانت بداية السفور بخلع الخمار عن الوجه في مصر، ثم تركيا، ثم الشام، ثم العراق، وانتشر في المغرب الإسلامي، وفي بلاد العجم، ثم تطور إلى السفور الذي يعني الخلاعة والتجرد من الثياب الساترة لجميع البدن، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وإن له في جزيرة العرب بدايات، نسأل اللَّه أن يهدي ضال المسلمين، وأن يكف البأس عنهم (2). وكان بدء انفلات النساء في البلاد الإسلامية تقليداً للبلاد الغربية حصل بترك الحجاب، وكشف النساء وجوههن، وتبع ذلك شيئاً فشيئاً كشف: رؤوسهن، وصدورهن، وسواعدهن، وأعضادهن، وسوقهن، وبعض أفخاذهن، وتبع ذلك أيضاً مخالطتهن الرجال ومشاركتهن لهم في سائر الأعمال والتسوية بينهم وبينهن، يوضح ذلك ما ذكره الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - عن بدء السفور في بلاد الشام، حيث قال (3): «وكانت النصرانيات واليهوديات من أهل الشام يلبسن قبل الحرب الأولى الملاءات الساترات كالمسلمات، وكل ما عندهن أنهن يكشفن الوجوه، ويمشين سافرات، أذكر ذلك وأنا صغير، وجاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة فأغلقت دمشق كلها حوانيتها، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين حتى روّعوا _________ (1) حراسة الفضيلة، للعلامة بكر بن عبد اللَّه أبو زيد، ص 137 - 152. (2) حراسة الفضيلة، ص 34. (3) ذكريات لعلي الطنطاوي، 5/ 226.

(1/311)


الحكومة فأمرتها بالحجاب، وأوقعت عليها العقاب، مع أنها لم تكشف إلا وجهها، ومع أن أباها كان وزيراً عالماً جليلاً، وكان أستاذاً لنا. ومرّت الأيام، وجئت هذه المدرسة ألقي فيها دروساً إضافية، وأنا قاضي دمشق سن 1949م، وكان يدرِّس فيها شيخنا محمد بهجت البيطار، فسمعت مرّة صوتاً من ساحة المدرسة، فتلفتّ أنظر من النافذة، فرأيت مشهداً ما كنت أتصور أن يكون في ملهى فضلاً عن مدرسة، وهو أن طالبات أحد الفصول - وكلهن كبيرات بالغات- قد استلقين على ظهورهن في درس الرياضة، ورفعن أرجلهن حتى بدت أفخاذهن عن آخرها!». إلى أن قال (1): «كان أن دمشق التي عرفناها تستر بالملاءة البنت من سنتها العاشرة، شهدت يوم الجلاء بنات السادسة عشرة وما فوقها يمشين في العرض بادية أفخاذهن، تهتز نهودهن في صدورهن تكاد تأكلهن النظرات الفاسقة، وشهدتُ بنتاً جميلة زُيِّنتْ بأبهى الحُلَل، وأُلبست لباس عروس، وركبت السيارة المكشوفة وسط الشباب ... قالوا: إنها رمز الوحدة العربية! ولم يَدْرِ الذين رمزوا هذا الرمز أن العروبة إنما هي في تقديس الأعراض، لا في امتهانها». إلى أن قال (2): «ألا مَن كان له قلب فليتفطّر اليوم أسفاً على الحياء، _________ (1) ص 238. (2) ص 239.

(1/312)


مَن كانت له عين فلتَبْكِ اليوم دماً على الأخلاق، مَن كان له عقل فليفكر بعقله، فما بالفجور يكون عز الوطن، وضمان الاستقلال، ولكن بالأخلاق تحفظ الأمجاد، وتسمو الأوطان، فإذا كنتم تحسبون أن إطلاق الغرائز من قيد الدين والخلق، والعورات من أسر الحجاب والستر، إذا ظننتم ذلك من دواعي التقدم ولوازم الحضارة، وتركتم كل إنسان وشهوته وهواه، فإنكم لا تحمدون مغبة ما تفعلون ... » (1). هذه قصة بدء السفور، وكشف النساء وجوههن في بلاد الشام، حكاها الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - عن مشاهدة ومعاينة، وكانت وفاته سنة 1420هـ، والسعيد مَن وُعظ بغيره، ومثل هذا الذي حصل في بلاد الشام حصل في مصر، وتركيا، وإيران وغيرها، وكانت بداية السفور، وكشف الوجوه في القرن الرابع عشر الهجري الموافق للقرن العشرين الميلادي (2) (3). _________ (1) ذكريات علي الطنطاوي، 5/ 226 - 239 .. (2) انظر: حراسة الفضيلة للشيخ بكر بن عبد اللَّه أبو زيد، ص 139 - 143. (3) انظر: لماذا لا تقود المرأة السيارة في المملكة العربية السعودية، للعلامة عبد المحسن العباد، ص 6 - 9.

(1/313)


 المطلب الثالث: أضرار التبرج وأخطاره ومفاسده

أولا: التبرج معصية للَّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -: ومن يعص اللَّه ورسوله؛ فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر اللَّه شيئَاً، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (1). واعلم- رحمك اللَّه - أن كل آية أو حديث اشتملت، أو اشتمل على الزجر عن معصية اللَّه - عز وجل -، ومعصية رسوله - صلى الله عليه وسلم - يصلح أن يستدل به هنا، غير أننا- اختصارًا- نورد فيما يلي ما جاء في النهي عن معصية التبرج بخصوصها، فمن ذلك: ما رواه أَبو حَرِيزٍ، مَوْلَى أمير المؤمنين مُعَاوِيَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: «خَطَبَ النَّاسَ مُعَاوِيَةُ، بِحِمْصَ، فَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَرَّمَ سَبْعَةَ أَشْيَاءَ، وَإِنِّي أُبْلِغُكُمْ ذَلِكَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ، مِنْهُنَّ: النَّوْحُ، وَالشِّعْرُ، وَالتَّصَاوِيرُ، وَالتَّبَرُّجُ، وَجُلُودُ السِّبَاعِ، وَالذَّهَبُ، وَالْحَرِيرُ» (2). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَكْرَهُ عَشْرَ خِصَالٍ: الصُّفْرَةَ - يَعْنِي الْخَلُوقَ -، وَتَغْيِيرَ الشَّيْبِ، وَجَرَّ الْإِزَارِ، وَالتَّخَتُّمَ بِالذَّهَبِ، وَالضَّرْبَ بِالْكِعَابِ، وَالتَّبَرُّجَ بِالزِّينَةِ لِغَيْرِ مَحَلِّهَا، _________ (1) البخاري، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، برقم 7280. (2) مسند الإمام أحمد، 28/ 131، برقم 16935، والطبراني في الكبير، 14/ 296، برقم 16240، وصححه لغيره محققو المسند، 28/ 131.

(1/314)


وَالرُّقَى إِلَّا بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَتَعْلِيقَ التَّمَائِمِ، وَعَزْلَ الْمَاءِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ، وَإِفْسَادَ الصَّبِيِّ غَيْرَ مُحَرِّمِهِ» (1). قال السيوطي - رحمه الله -: «والتبرج بالزينة: أي إظهارها للناس الأجانب، وهو المذموم، فأما للزوج فلا، وهو معنى قوله: «لغير محلها» (2). ثانيا: التبرج كبيرة موبقة: جَاءَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ رُقَيْقَةَ، إِلَى رَسُولِ اللًّهِ - صلى الله عليه وسلم - تُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: «أُبَايِعُكِ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكِي بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقِي، وَلَا تَزْنِي، وَلَا تَقْتُلِي وَلَدَكِ، وَلَا تَأْتِي بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ يَدَيْكِ وَرِجْلَيْكِ، وَلَا تَنُوحِي، وَلَا تَبَرَّجِي تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى» (3). فتأمل كيف قرن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - التبرج الجاهلي بأكبر الكبائر المهلكة. _________ (1) أخرجه النسائي في السنن (المجتبى)، كتاب الزينة، الخضاب بالصفرة، برقم 5088، وفي السنن الكبرى له أيضاً، كتاب الزينة، الخضاب بالصفرة، برقم 9310، وبنحوه: مصنف ابن أبي شيبة، برقم 185، والحاكم في المستدرك، برقم 7418، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان، 4/ 168، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح، 10/ 195: «صححه ابن حبان، والحاكم. وعبد الرحمن بن حرملة، قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال الطبري: لا يحتج بهذا الخبر لجهالة راويه»، وقال الألباني في ضعيف أبي داود، برقم 905: «منكر». (2) وكذا ذكره السندي في حاشيته، انظر: سنن النسائي، 8/ 141 - 142. (3) أخرجه الإمام أحمد، 11/ 437، برقم 6850، والطبراني في مسند الشاميين، 2/ 304، برقم 1390، وقال محققو المسند، 11/ 437: «صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن»، وحسن إسناده الألباني في جلباب المرأة المسلمة، ص 121.

(1/315)


ثالثًا: التبرج يجلب اللعن والطرد من رحمة اللَّه: فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - قالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ» (1). وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ كَأَشْبَاهِ الرِّجَالِ، يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ، الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ، لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَخَدَمْنَ نِسَاؤُكُمْ نِسَاءَهُمْ كَمَا يَخْدِمْنَكُمْ نِسَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ» (2). رابعًا: التبرج من صفات أهل النار: فعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ _________ (1) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير، 2/ 258، وفي المعجم الكبير للطبراني [القسم الذي كان مفقوداً]، برقم 1408، ونقل السيوطي عن ابن عبد البر قوله: «أراد - صلى الله عليه وسلم - النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف، ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة». [تنوير الحوالك، 3/ 103]، وانظر: نيل الأوطار، 2/ 131، وحسن إسناده الألباني في الثمر المستطاب، ص 317. (2) أحمد، برقم 7083، وابن حبان، برقم 5753، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 2683، وتقدم تخريجه. وقوله: «كأسنمة البخت» هو جمع «سنام»، وهو أعلى ظهر البعير، و «البخت» - بضم الباء، وسكون الخاء -: جمال طوال الأعناق، والعِجاف: جمع عجفاء.

(1/316)


كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (1). وعَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الشِّعْبِ [فإذا نحن بامرأة عليها حبائر (2) لها وخواتيم وقد بسطت يدها إلى الهودج] إِذْ قَالَ: «انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئًا؟» فَقُلْنَا: نَرَى غِرْبَانًا فِيهَا غُرَابٌ أَعْصَمُ (3) أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ النِّسَاءِ _________ (1) رواه مسلم، برقم (2128)، وتقدم تخريجه. قال النووي - رحمه الله -: «قيل: معنى كاسيات أي من نعمة اللَّه عاريات من شكرها، وقيل: معناه تستر بعض بدنها، وتكشف بعضه إظهارًا لجمالها ونحوه، وقيل: تلبس ثوبًا رقيقاً يصف لون بدنها، وهو المختار، ومعنى مائلات: عن طاعة اللَّه، وما يلزمهن حفظه، مميلات أي: يعَلِّمْنَ غيرهن فعلهن المذموم، وقيل: يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن، وقيل: مائلات يمتشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا، ومميلات: يمشطن غيرهن تلك المشطة، ومعنى رؤوسهن كأسنمة البخت أي: يكبرنها، ويعظمنها بلف عمامة أو- نحوها، واللَّه أعلم» [المجموع شرح المهذب، 4/ 307]. (2) حبائر ثياب جديدة، وثوب حبير أي جديد. انظر: الصحاح للجوهري، 2/ 620. (3) الأعصم: هو الأبيض الجناحين، وقيل الأبيض الرجلين، وقيل: هو أحمر المنقار والرجلين، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 3/ 249. وفي الحديث كناية عن قلة من يدخل الجنة من النساء، لأن هذا الوصف في الغربان قليل، ونظير ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الكسوف: «رأيت النار، ورأيت أكثر أهلها النساء» متفق عليه، وفي الصحيحين أيضاً من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما -: «وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء»، وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أقل ساكني الجنة النساء»، وانظر: التذكرة للقرطبي، 1/ 369، والجنة والنار، للأشقر، ص 83 - 84.

(1/317)


إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُنَّ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فِي الْغِرْبَانِ» (1). خامسًا: التبرج سواد وظلمة يوم القيامة: قال الإمام الترمذي - رحمه الله -: «حدثنا علي بن خَشْرم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد- وكانت خادمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: «مَثَلُ الرَّافِلَةِ فِي الزِّينَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِهَا كَمَثَلِ ظُلْمَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ نُورَ لَهَا» (2). _________ (1) رواه الإمام أحمد، 29/ 305، برقم 17770، والحاكم، 4/ 602، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، سنن النسائي الكبرى، كتاب عشرة النساء، ذكر الاختلاف على أبي رجاء في هذا الحديث، برقم 9223، ومسند أبي يعلى، 13/ 271، وعبد بن حميد، ص 121، وما بين المعقوفين من أبي يعلى، وزاد الألباني في تخريجه: أبا يعلى، وابن عساكر، وابن قتيبة في " إصلاح الغلط؟ وقال: (وهذا سند صحيح، وقول الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» خطأ، وافقه الذهبي عليه، فإن أبا جعفر اسمه عمير بن يزيد لم يخرج مسلم له شيئاً» ـ. سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 1850، وقال التويجري - رحمه الله -: «والظاهر أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - إنما حَدَّث به قصد الإنكار على المرأة المبدية لزينتها بين الرجال الأجانب» [الصارم المشهور، ص 14]، وصحح إسناده الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 4/ 466. (2) رواه الترمذي في سننه، كتاب الرضاع: باب ما جاء في كراهية خروج النساء في الزينة، برقم 1167 وقال: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عُبيدة يضعف في الحديث من قبل حفظه، وهو صدوق، وقد رواه بعضهم عن موسى بن عبيدة، ولم يرفعه»، والطبراني في الكبير، 20/ 38، برقم 70، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، 5/ 583، ومعرفة الصحابة، لأبي نعيم، برقم 7196، وأمثال الحديث له أيضاً، برقم 234، وصححه السيوطي في الجامع الصغير، برقم 8132، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، برقم 1800.

(1/318)


قوله: الرافلة: قال في النهاية: «الرافلة ... : هي التي تَرْفُلُ فِي ثوبها، أي تتبختر، والرفل: الذيل، ورفل إزاره: إذا أسبله، وتبختر فيه» (1). وقوله: «في الزينة»: أي في ثياب الزينة، قوله: «في غير أهلها» أي بين من يحرم نظره إليها، قوله: «كمثل ظلمة يوم القيامة» أي تكون يوم القيامة كأنها ظلمة، قوله: «لا نور لها» الضمير للمرأة، قال الديلمي: يريد المتبرجة بالزينة لغير زوجها» (2). وقال في الفردوس: «والرَّفْلُ التمايل في المشي مع جَر ذيل، يريد أنها تأتي يوم القيامة سوداء مظلمة كأنها متجسدة من ظلمة» (3). قال القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله -: «ذكره الترمذي، وضعفه، ولكن المعنى صحيح؛ فإن اللذة في المعصية عذاب، والراحة نصب، والشبَعَ جوع، والبركة مَحَق، والنور ظلمة، والطيب نتن، وعكسه الطاعات، فخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، ودم الشهيد اللون لون دم، والعَرْفُ عرف مِسْك» (4). سادسَاً: التبرج نفاق: فعَنْ أَبِي أُذَيْنَةَ الصَّدَفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «خَيْرُ نِسَائِكُمُ الْوَدُودُ الْوَلُودُ، الْمَوَاتِيَةُ، الْمُوَاسِيَةُ؛ إِذَا اتَّقَيْنَ اللَّهَ، _________ (1) النهاية في غريب الحديث، 2/ 247، مادة (رفل). (2) تحفة الأحوذي، 4/ 329. (3) نقله المناوي في فيض القدير، 5/ 507. (4) عارضة الأحوذي، 5/ 113 - 114.

(1/319)


وَشَرُّ نِسَائِكُمُ الْمُتَبَرِّجَاتُ الْمُتَخَيِّلاَتُ، وَهُنَّ الْمُنَافِقَاتُ، لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ إِلاَّ مِثْلُ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ» (1). سابعًا: التبرج فاحشة: فإن المرأة عورة، وكشف العورة فاحشة ومقت، قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (2). والشيطان هو الذي يأمر بهذه الفاحشة: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} (3). والمتبرجة جرثومة خبيثة ضارة تنشر الفاحشة في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (4). عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ، وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ» (5). _________ (1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، 7/ 82، ورواه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أبو نعيم في الحلية، 8/ 376، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 1849، رقم 632. (2) سورة الأعراف، الآية: 28. (3) سورة البقرة، الآية: 268. (4) سورة النور، الآية: 19. (5) أخرجه أحمد، برقم 19711، وأبو داود، برقم 4173، والنسائي، برقم 5126، وابن حبان، برقم 4424، وابن خزيمة، برقم 1681، وتقدم تخريجه.

(1/320)


ثامنًا: التبرج تهتك وفضيحة: عن عائشة - رحمه الله - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ - عز وجل -» (1). ومثل ذلك ما ثبت عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - رضي الله عنه -، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَعَصَى إِمَامَهُ، وَمَاتَ عَاصِيًا، وَأَمَةٌ أَوْ عَبْدٌ أَبَقَ فَمَاتَ، وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، قَدْ كَفَاهَا مُؤْنَةَ الدُّنْيَا فَتَبَرَّجَتْ بَعْدَهُ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ» (2). تاسعَاً: التبرج سنة إبليسية: المعركة مع الشيطان معركة جدية، وأصيلة، ومستمرة، وضارية، لأنه عدوٌّ عنيد يصر على ملاحقة الإنسان في كل حال، وعلى إتيانه من كل صوب وجهة، كما وصفه _________ (1) رواه الإمام أحمد، 42/ 422، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب دخول الحمام، رقم (3750).والحاكم في المستدرك، 4/ 288، وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي، وعبد الرزاق، 1/ 294، برقم 1132، وأبو يعلى، 8/ 138، والطبراني في الأوسط، 7/ 100، برقم 6973، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم 3021. قال المناوي - رحمه الله -، 3/ 176: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وضعت ثيابها في غير بيت زوجها» كناية عن تكشفها للأجانب، وعدم تسترها منهم «فقد هتكت ستر ما بينها وبين اللَّه - عز وجل -» لأنه تعالى أنزل لباساً ليوارين به سواءتهن، وهو لباس التقوى، وإذا لم يتقين اللَّه، وكشفن سواءتهن، هتكن الستر بينهن وبين اللَّه تعالى، وكما هتكت نفسها ولم تصن وجهها، وخانت زوجها يهتك اللَّه سترها، والجزاء من جنس العمل، وأهتك خرق الستر عما وراءه، والهتيكة الفضيحة». (2) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، برقم 590، والإمام أحمد، 39/ 368، برقم 23948، والطبراني في الكبير، 18/ 306، برقم 788، ومسند البزار، 9/ 204، برقم 3749، والحاكم، 1/ 119، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وابن أبي عاصم، في السنة، برقم 89، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 186، برقم 1887.

(1/321)


اللَّه تعالى في قوله: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (1)، ولا عاصم لبني آدم من الشيطان إلا التقوى والإيمان والذكر، والاستعلاء على الشهوات، وإخضاع الهوى لهدى اللَّه تبارك وتعالى. ومن استعراض ما حدث لآدم - عليه السلام - مع عدوّه إبليس نرى أن الحياء من التعري وانكشاف السوأة شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته، إذ يقول اللَّه سبحانه: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} (2)، وقال - عز وجل -: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} (3). وقال عز من قائل: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} (4). لقد نسي آدم، وأخطأ، وتاب، واستغفر، فقبل اللَّه توبته، وغفر له، وانتهى أمر تلك الخطيئة الأولى، ولم يبق منها إلا رصيد التجربة الذي يعين ابن آدم في صراعه الطويل المدى مع الشيطان الذي يأتيه من مواطن الضعف فيه، فيغويه، ويمنيه، ويوسوس له حتى _________ (1) سورة الأعراف، الآيتان: 16 - 17. (2) سورة الأعراف، الآية: 20. (3) سورة الأعراف، الآية: 22. (4) سورة الأعراف، الآية: 121.

(1/322)


يستجيب فيقع في المحظور. إن قصة آدم وحواء مع إبليس تكشف لنا مدى حرص عدو الله على كشف السوءات، وهتك الأستار، وإشاعة الفاحشة، وأن هذا هدف مقصود له. ومن ثم حذرنا اللَّه - عز وجل - عن هذه الفتنة خاصة، فقال. جل وعلا: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} (1). ومن هنا فإن إبليس هو رائد الدعوة إلى كشف العورات، وهو مؤسس الدعوة إلى التبرج بدرجاته المتفاوتة، بل هو الزعيم الأول لشياطين الإنس والجن الداعين إلى (تحرير) المرأة عن قيد الستر والصيانة والعفاف. ومن ثم قال اللَّه تبارك وتعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (2). عاشرًا: التبرج من سنن اليهود والنصارى: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (3). _________ (1) سورة الأعراف، الآية: 64. (2) سورة الأعراف، الآية: 27. (3) سورة فاطر، الآية: 6.

(1/323)


لقد اتفق مخططو الدولة الصِّهْيُونية العالمية التي تريد أن تسيطر على العالم في «بروتوكولات حكماء صهيون» على أن من السبل التي يجب اتباعها لإخضاع من يسمونهم «الجوييم»، أو «الأمميين» حربَ الأخلاق، وتقويض نظام الأسرة بشتى الوسائل الممكنة، ووجدوا أن الأسباب المدمرة للأسرة تتركز في كل ألوان الإغراء بالفواحش، وإثارة الشهوات، وهكذا غَدَوْا يصنعون: عن طريق الأفلام الماجنة التي توزعها في العالم «دور صهيونية»، وعن طريق الأزياء الخليعة التي تنشرها دور الأزياء الصهيونية، وكذا المجلات والقصص ونحوها. ولليهود باع كبير في هذا المجال، عرفوا به في كل عصر ومصر. وها هو ذا ناصحنا الأمين رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يحذِّرنا أولاً من فتنة النساء، كما في حديث أسامة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (1). ثم ها هو يخص فتنة النساء بالتحذير، ويبين لنا أنها كانت أول ما فتن به بنو إسرائيل. وذلك في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (2). _________ (1) البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة برقم 5096، ومسلم، كتاب العلم، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، برقم 2740. (2) مسلم، كتاب العلم، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء، برقم 2742.

(1/324)


وقد شرع اللَّه لهن الستر، وأمَرَهُنَّ بالصيانة، فقلن: «سمعنا وعصينا»، كما كانت عادة الأمة المغضوب عليها. ويشرح لنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - جانبًا من فتنة نساء بني إسرائيل، وإلحاحهن على التحيل لبث هذه الفتنة، فعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَصِيرَةٌ، تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ (1)، وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، مُغْلَقٍ مُطْبَقٍ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ فَلَمْ يَعْرِفُوهَا، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا» (2) وقد كان نساء العجم من اليهود أو النصارى الذين يعيشون مع المسلمين يحرصن على هذا التبرج، قال سعيد بن أبي الحسن للحسن البصري أخيه: «إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (3) الآية» (4). الحادي عشر: التبرج جاهلية منتنة: قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي _________ (1) وذلك لتبدو طويلة، تماماً كما يفعل بعض النساء اليوم من لباس ما يسمى بـ (الكعب العالي)، وللغرض نفسه. (2) مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب كراهة قول الإنسان: خبثت نفسي، برقم 2252. (3) سورة النور، الآية: 30. (4) فتح الباري، 11/ 7.

(1/325)


بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (1). وقد وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوى الجاهلية بأنها منتنة (2) أي خبيثة، وأمرنا بنبذها، وقد جاء في صفته - صلى الله عليه وسلم - أنه {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (3). وقد تبرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كل من يدعو بدعوى الجاهلية، فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (4). وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (5). قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: «سُنَّة الجاهِلِيَّة اسم جِنس يَعُمّ جَمِيع ما كانَ أَهل الجاهِلِيَّة يَعتَمِدُونَهُ» (6). ودعوى الجاهلية شقيقة تبرج الجاهلية، كلاهما منتن خبيث، _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 33. (2) انظر: صحيح البخاري، برقم 4905، ومسلم، برقم 2584. (3) سورة الأعراف، الآية: 157. (4) رواه من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - البخاري، كتاب الجنائز، باب ليس منا من ضرب الخدود، برقم1297، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود، برقم 103. (5) البخاري، كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق، برقم 6882. (6) فتح الباري، 12/ 211.

(1/326)


أبغضه اللَّه تعالى، وحرَمه علينا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الأولى: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» (1)، فوجب أن نقول في الأخرى: «دعوها فإنها منتنة»، بل ضعوها حيث وضعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قال: «أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ» (2). فلا يجوز لأي مسلمة بحال أن ترفع ما وضعه رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، أو تعَظِّمَ ما حَقره من أمر الجاهلية، سواء في ذلك: ربا الجاهلية، أو تبرج الجاهلية، أو دعوى الجاهلية، أو حكم الجاهلية، أو ظن الجاهلية، أو حمية الجاهلية، أو سنة الجاهلية. الثانِي عشر: التبرج: انتكاس، وتخلف، وانحطاط: من استعراض ما حدث لآدم - عليه السلام - مع عدوه إبليس نرى أن الحياء من التعري وانكشاف السَّوأة شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته، إذ يقول الله سبحانه: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} (3). _________ (1) قطعة من حديث رواه البخاري عن جابر - رضي الله عنه -، بَاب قَوْلُهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، برقم 4905، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، برقم 2584. (2) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، برقم 1218. (3) سورة الأعراف، الآية: 20.

(1/327)


ويقول - عز وجل -: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} (1). ويقول سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} (2). وكل هذه الآيات توحي بأهمية هذه المسألة، وعمقها في الفطرة البشرية، فاللباس، وستر العورة: زينة للإنسان، وستر لعوراته الجسدية، كما أن التقوى لباس، وستر لعوراته النفسية. والفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوءاتهما الجسدية والنفسية، وتحرص على سترها ومواراتها، والذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس، وتعرية النفس من التقوى ومن الحياء من اللَّه، ثم من الناس. والذين يطلقون ألسنتهم، وأقلامهم، وأجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة - في شتى الصور والأساليب الخبيثة - هم الذين يريدون سلب الإنسان خصائص فطرته، وخصائص إنسانيته، التي بها صار إنسانًا متميزَا عن الحيوان (3). قال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (4). _________ (1) سورة الأعراف، الآية: 22. (2) سورة الأعراف، الآية: 27. (3) اللباس والزينة في الشريعة الإسلامية، ص 16 - 17. (4) سورة الأسراء، الآية: 70.

(1/328)


إن العري فطرة حيوانية، ولم تزل الحيوانات في انكشاف منذ خلقت، لم يتغير حالها يومًا، بعكس الإنسان الذي يصح أن نَصِفَهُ بأنه «حيوان مستور»، وهذه الفطرة الحيوانية لا يميل الإنسان إليها إلا وهو يرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان. إن رؤية العُرْي والتكشف جمالًا هو انتكاس في الذوق البشري قطعَاً، ومؤشر واضح يبين انتشار التخلف في المجتمع البشري. وحتى هؤلاء الذين يتشدقون بالتقدم المزعوم، يقولون: إن الإنسان بدأ حياته على طريقة الحيوان عاريَاً من كل ستر إلا شعره، ثم رأى أن يستر جسمه بأوراق الشجر، ثم بجلود الحيوانات، ثم جعل يترقى في مدارج الحضارة حتى اكتشف الإبرة، وابتدع وسيلة الحياكة، فاستكمل ستر جسمه. وهكذا كانت نزعة التستر وليدة التقدم المدني، فكل زيادة في هذا التقدم كانت مؤدية إلى زيادة في توكيد الحشمة، وكل خلل في كمال الستر عنوان التخلف والرجعية. وآية ذلك أن المتخلفين في أواسط أفريقيا عراة، حين تشرق حضارة الإسلام في هذه المناطق، يكون أول مظاهر هذه الحضارة اكتساء العراة، وانتشالهم من وهدة التخلف، والتسامي بهم إلى مستوى (الحضارة) بمفهومها الإسلامي الذي يستهدف استنقاذ خصائص الإنسان وإبرازها.

(1/329)


قال الشيخ مصطفى صبري - رحمه الله -: «لا خلاف في أن السفور حالة بداوة وبداية في الإنسان، والاحتجاب طرأ عليه بعد تكامله بوازع ديني أو خلقي يَزَعُهُ عن الفوضى في المناسبات الجنسية الطبيعية، ويسد ذرائعها، ويكون حاجزًا بين الذكور والإناث ... ثم إن الاحتجاب كما يكون تقييدًا للفوضى في المناسبات الجنسية الطبيعية، ويضاد الطبيعة من هذه الحيثية، فهو يتناسب مع الغيرة التي جُبل عليها الإنسان، ويوافق الطبيعة من ناحيته الأخرى، إلا أن الغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود في المناسبة الجنسية غريزة تستمد قوتها من الشهوة الجسمانية، فهذه تغري بالسفور، وتلك تبعث على الاحتجاب، وبين هاتين الغريزتين تجافِ، وتحارب يجريان في داخل الإنسان» (1). الثالث عشر: التبرج باب شر مستطير: وذلك لأن من يتأمل نصوص الشرع، وعِبَر التاريخ يتيقن مفاسد التبرج وأضراره على الدين والدنيا، لا سيما إذا انضم إليه الاختلاط المستهتر. فمن هذه العواقب الوخيمة: تسابق المتبرجات في مجال الزينة المحرمة لأجل لفت الأنظار إليهن، مما يجعل المرأة كالسلعة المهينة الحقيرة المعروضة لكل من شاء أن ينظر إليها. ومنها: الإعراض عن الزواج، وشيوع الفواحش، وسيطرة الشهوات. _________ (1) قولي في المرأة، للشيخ مصطفى صبري - رحمه الله -، ص 24 - 25.

(1/330)


ومنها: انعدام الغيرة، واضمحلال الحياء. ومنها: كثرة الجرائم. ومنها: فساد أخلاق الرجال خاصة الشباب، خاصة المراهقين، ودفعهم إلى الفواحش المحرمة بأنواعها. ومنها: تحطيم الروابط الأسرية، وانعدام الثقة بين أفرادها، وتفشي الطلاق. ومنها: المتاجرة بالمرأة، كوسيلة دعاية، أو ترفيه في مجالات التجارة وغيرها. ومنها: الإساءة إلى المرأة نفسها، والإعلان عن سوء نيتها، وخبث طويتها، مما يعرضها لأذية الأشرار والسفهاء. منها: انتشار الأمراض: قال - صلى الله عليه وسلم -: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط؛ حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوْا» (1). ومنها: تسهيل معصية الزنا بالعين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العينان زناهما النظر» (2)، وتعسير طاعة غض البصر التي أُمِرنا بها إرضاء للَّه سبحانه. _________ (1) أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات، رقم 4019، وأبو نعيم، في حلية الأولياء، 8/ 333، والحاكم، 4/ 583، برقم 8623، وقال: «صحيح الإسناد»، والبيهقي في شعب الإيمان، 3/ 197، برقم 3315، والطبراني في الأوسط، 5/ 61، برقم 4671، وابن عساكر، 35/ 260، والديلمي في الفردوس، 5/ 288، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم 4009. (2) البخاري، برقم 6243، ومسلم، برقم 2657، وتقدم تخريجه.

(1/331)


ومنها: استحقاق نزول العقوبات العامة التي هي قطعًا أخطر عاقبة من القنابل الذرية، والهزات الأرضية، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (1)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغيِّرُوهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ» (2)» (3). _________ (1) سورة الإسراء، الآية: 16. (2) أحمد، 1/ 178، برقم 1، وأبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم 4340، والترمذي، كتاب الفتن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، برقم 2168، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم 4005، والبيهقي، 10/ 91، وابن حبان، 1/ 540، برقم 305، ومسند البزار، 1/ 135، برقم وأبو يعلى، 1/ 118، برقم 128، وصححه الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح، برقم 5142، وتخريج المختارة، 54 - 58، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 1564، وصحيح ابن ماجه، 3236. (3) انظر: عودة الحجاب، 3/ 125 - 142 بتصرف.

(1/332)


 المبحث الثالث: السفور

  المطلب الأول: تعريف السفور لغة وشرعاً

أولاً: السفور لغة: كشف الوجه، يقال: «سفرت المرأة وجهها: إذا كشفت النقاب عن وجهها، ويقال: سفرت المرأة عن نقابها تسفره سفوراً، فهي سافرة: جلّته، وسمي السَّفَرُ سَفَراً؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافياً منها» (1). ويقال: سفرت المرأة سفوراً: كشفت وجهها، فهي سافر، بغير هاء (2). ثانياً: السفور اصطلاحاً: هو كشف المرأة وجهها للرجال الأجانب عنها. وقيل: خروج المرأة أمام الرجال الأجانب بغير حجاب (3). والتعريف المختار: السفور: هو كشف المرأة وجهها، وإظهاره أمام الرجال الأجانب، واللَّه تعالى أعلم. _________ (1) انظر: لسان العرب، لابن منظور، مادة (سفر)، 4/ 368 - 370. (2) المصباح المنير للفيومي، 1/ 279. (3) معجم لغة الفقهاء للروَّاس، مادة (سفور)، ص 219.

(1/333)


 المطلب الثاني: الأدلة على وجوب ستر وجه المرأة عن الرجال الأجانب

أولاً: الأدلة من الكتاب العزيز والسنة المطهرة: 1 - قال اللَّه تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (1). فقد فسَّرَ بعض السلف: كابن مسعود، والحسن، وابن سيرين، وأبي الجوزاء، وإحدى الروايتين عن إبراهيم النخعي، وغيرهم، قولَه تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (2) بالرداء والثياب، وما يبدو من أسافل الثياب (أي أطراف الأعضاء)، وما قد يبدو معها كالخاتم ونحوه (3)، فإن في إخفاء ذلك من الحرج ما لا يخفى، فبقي الوجه والكفان داخلين في عموم ما يُحظَرُ كشفه، وعليه فلا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة، كالمعالجة، وتحمُّل الشهادة (4). فقد أخرج ابن جرير بإسناد صحيح إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال: هي الثياب» (5). _________ (1) سورة النور، الاية: 31. (2) سورة النور، الآية: 31. (3) انظر: تفسير ابن جرير، 18/ 92 - - 93، وتفسير ابن كثير، 3/ 283. (4) انظر: تفسير البيضاوي، 2/ 62، والمغني لابن قدامة الحنبلي، 7/ 460، ومغني المحتاج في شرح منهاج الطالبين، 3/ 128. (5) انظر: تفسير ابن جرير، 18/ 92، وأخرج نحوه - - أيضًا - - عبد الرزاق، 3/ 204، وابن أبي شيبة، 4/ 283 بإسناد صحيح، والطبراني في الكبير، 9/ 228، والحاكم، 2/ 397 من طريقه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه؛ ووافقه الذهبي.

(1/334)


وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي لا يُظهرنَ شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من الِمقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، ونظيره في زِيِّ النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، وغيرهم» (1). وبعد أن أورد ابن عطية اختلافَ أهل العلم في قَدرِ ما يظهر من الزينة، قال: «ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ويقع الاستثناء في كل ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابدَّ منه، أو إصلاح شأن، ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه، ويقوي ما قلناه: الاحتياط، ومراعاة فساد الناس، فلا يُظَنُّ أن يُباح للنساء من إبداء الزينة إلا ما كان بذلك الوجه» (2). أي: ما يظهر عند حركتها، أو إصلاح شأن من شؤونها، ونحو ذلك. 2 - قال اللَّه - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ _________ (1) تفسير ابن كثير، 3/ 283. (2) تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز)، 10/ 488 - 489.

(1/335)


وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} (1) فسر بعض الصحابة والتابعين إدناء الجلباب بستر الوجه، وهذا قول ابن مسعود، وابن عباس، وعَبِيدة السلماني، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغيرهم. 3 - فعن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: «أمَرَ اللَّه نساء المؤمنين إذا خرجْنَ من بيوتهنَّ في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهنَّ بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة» (2). - وقال محمد بن سيرين: «سألتُ عَبيدة السَّلماني عن قول اللَّه - عز وجل -: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} (3)، فغطى وجهه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى» (4). 4 - وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: «لمَّا نزلت: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) أخرجه ابن أبي حاتم، 10/ 3154، والطبري، 20/ 324، وانظر: تفسير ابن كثير، 3/ 283، وقال الشيخ الألباني: « ... الطبري رواه من طريق علي عنه. وعلي هذا هو ابن أبي طلحة كما علقه عنه ابن كثير، وهو مع أنه تكلم فيه بعض الأئمة، لم يسمع من ابن عباس، بل لم يره، وقد قيل: بينهما مجاهد، فإن صحَّ هذا في هذا الأثر؛ فهو متصل، لكن في الطريق إليه أبو صالح، واسمه عبد اللَّه بن صالح، وفيه ضعف، وقد روى ابن جرير عن ابن عباس خلاف هذا، ولكنه ضعيف الإسناد أيضًا، لكن وقفنا على إسناد آخر له صحيح استدركته فيما تقدم، جلباب المرأة المسلمة، ص59، والحمد للَّه». (3) سورة الأحزاب، الآية: 59. (4) أخرجه الفريابي، وعَبد بن حُمَيد، وَابن جَرِير، 20/ 325، وَابن المنذر، وَابن أبي حاتم، 10/ 3155، كما في الدر المنثور، 12/ 143، وهو في تفسير ابن كثير، 3/ 283.

(1/336)


جَلَابِيبِهِنَّ} (1) خرج نساء الأنصار كأنَّ على رؤوسهنَّ الِغربان من الأكسية» (2). لهذا قال الجصَّاص: «في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار العفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الرِّيَبِ فيهن» (3). وقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، في تفسيرها أيضًا: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين، لا تتشبهْنَ بالإماء في لباسهن إذا هنَّ خَرجْنَ من بيوتهنَّ لحاجتهنّ، فكشفْنَ شعورهنّ ووجوههنّ، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرِضَ لهنَّ فاسق - إذا عَلِمَ أنهنَّ حرائر - بأذًى من قول» (4). 5 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في قول اللَّه تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} برقم 4101، وبنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره، 10/ 3154، الصنعاني في تفسيره، 2/ 123، والجصاص في أحكام القرآن، 3/ 372، وأورده السيوطي في الدر المنثور، 5/ 221 من رواية عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من حديث أم سلمة بلفظ: « ... من أكسية سود يلبسنها، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم 3456، جلباب المرأة المسلمة، ص 84. (3) أحكام القرآن، 3/ 458. (4) جامع البيان، 22/ 33.

(1/337)


لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} (1) شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (2). قال الحافظ ابن حجر: «قَوله: فاختَمَرنَ: أَي غَطَّينَ وُجُوهَهُنَّ؛ وصِفَة ذَلِكَ أَن تَضَع الخِمار عَلَى رَأسها، وتَرمِيه مِنَ الجانِب الأَيمَن عَلَى العاتِق الأَيسَر، وهُو التَّقَنُّع، قالَ الفَرّاء: كانُوا فِي الجاهِلِيَّة تُسدِل المَرأَة خِمارها مِن ورائِها، وتَكشِف ما قُدّامها، فَأُمِرنَ بِالاستِتارِ» (3). وقال أيضًا في كتاب الأشربة: «ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها» (4). 6 - وعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ, قَالَتْ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَذَكَرَتْ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُنَّ, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلاً, وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ, وَلا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ، لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} انْقَلَبَ رِجَالُهُنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِنَّ فِيهَا, وَيَتْلُو الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ, وَعَلَى كُلِّ ذِي قَرَابَتِهِ, مَا مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا الْمُرَحَّلِ، فَاعْتَجَرَتْ بِهِ تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ, فَأَصْبَحْنَ يُصَلِّينَ وَرَاءَ رَسُولِ _________ (1) سورة النور، الآية: 31. (2) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ، برقم 4758. (3) فتح الباري (8/ 490). (4) فتح الباري (10/ 48).

(1/338)


اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصُّبْحَ مُعْتِجِرَاتٍ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ» (1). والاعتجار في لغة العرب: هو لفُّ الخمار على الرأس مع تغطية الوجه. قال ابن الأثير: «وفي حديث عبيد الله بن عديّ بن الِخيار: «جاء وهو معتجر بعمامته، ما يرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه»: الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه، ويردَّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه» (2). 7 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت في حديث قصة الإفك: « ... فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ، مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ [فأدلج] (3)، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» (4). _________ (1) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، 8/ 2575، وبنحوه أبو داود، كتاب اللباس، باب في قول اللَّه تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ، برقم 4102، وانظر: فتح الباري، 8/ 490، وعزاه السيوطي في الدر المنثور، 5/ 42 إلى أبي داود، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. اهـ. وقال الشيخ الألباني: «وفي سنده الزنجي بن خالد، واسمه مسلم، وفيه ضعف، لكنه قد توبع عند ابن مردويه في تفسيره، كما في تخريج الكشاف، للزيلعي، ص435 - مخطوط»، [جلباب المرأة المسلمة ص: 80]. (2) النهاية لابن الأثير، 3/ 185، مادة (عجر)، ومجمع بحار الأنوار، 3/ 523. (3) من الدلجة - بلاضم-: وهو السير في أول الليل. (4) البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الإفك، برقم 4141، واللفظ له، ومسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف، برقم 2770.

(1/339)


8 - وعن أسماء بنت أبي بكر - رحمه الله - قالت: «كُنَّا نُغَطِّيَ وُجُوهَنَا مِنَ الرِّجَالِ، وَكُنَّا نَتَمَشَّطُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الإِحْرَامِ» (1). 9 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَلَا تَنْتَقِبْ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ» (2). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا مما يدلُّ على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحْرِمنَ، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن» (3). وقال الشيخ أبو الأعلى المودودي: «وهذا صريح الدلالة على أن النساء في عهد النبوة قد تعوَّدْنَ الانتقاب ولبسَ القفازين عامة، فنُهينَ عنه في الإحرام» (4). 10 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قَالَتْ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ _________ (1) أخرجه ابن خزيمة، 4/ 203، برقم 2690، والحاكم، 1/ 454، وقال: «حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، والحقُّ أنه على شرط مسلم وحده؛ لأن في إسناده زكريا بن عديّ، وقد روى له البخاري في غير صحيحه، كما في تهذيب التهذيب، 3/ 331، وصححه محقق صحيح ابن خزيمة، 4/ 202، والألباني في إرواء الغليل، 4/ 212. (2) البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، برقم 1838. (3) مجموع الفتاوى، 15/ 371 - - 372، وحجاب المرأة ولباسها في الصلاة، ص/ 17، طبع دار المعارف، وتفسير سورة النور، ص/ 56. (4) الحجاب (ص / 369).

(1/340)


رَأْسِهَا إِلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» (1). 11 - ومما يشهد لذلك ما رواه البيهقي من طريق صفية بنت أبي عبيد قالت: «خَرَجَتِ امْرَأَةٌ مُخْتَمِرَةٌ مُتَجَلْبِبَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: مَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ جَارِيَةٌ لِفُلاَنٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى حَفْصَةَ - رحمه الله - فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى أَنْ تُخَمِّرِي هَذِهِ الأَمَةَ، وَتُجَلْبِبِيهَا وَتُشَبِّهِيهَا بِالْمُحْصَنَاتِ، حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَقَعَ بِهَا، لاَ أَحْسَبُهَا إِلاَّ مِنَ الْمُحْصَنَاتِ، لاَ تُشَبِّهُوا الإِمَاءَ بِالْمُحْصَنَاتِ» (2). قال الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي: «وفيه دليل على أَنَّ المرأة تستر وجهها في غير حالة الإحرام» (3). _________ (1) أخرجه أحمد، 40/ 21، برقم 24021، وأبو داود، كتاب المناسك، باب في المحرمة تغطي وجهها، برقم 1835، واللفظ له، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب المحرمة تسدل الثوب على وجهها، برقم 2935، والبيهقي، 5/ 48، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وتكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم في جماعة غير محتج به، وقال الحافظ في التلخيص الحبير، 2/ 272: «وأخرجه ابن خزيمة، وقال: في القلب من يزيد بن أبي زياد، ولكن ورد من وجه آخر، ثم أخرج من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر - - وهي جدتها - - نحوه، وصححه الحاكم». وللحديث شواهد يرتقي بها إلى الحسن، وتقدم تخريجه مطولاً في أدلة الحجاب. (2) أخرجه البيهقي، 2/ 226، وذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، 1/ 111، وسكت عليه بما يفيد أنه مقبول عنده على عادته - رحمه الله -، وقال العلامة الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، 6/ 204: «قلت: وإسناده جيد رجاله كلهم ثقات، غير شيخ البيهقي أبي القاسم عبد الرحمن بن عبيد اللَّه الحربي، وهو صدوق كما قال الخطيب، 10/ 303، وقال البيهقي عقبه: «والآثار عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ذلك صحيحة». (3) إعلاء السنن، 10/ 223.

(1/341)


12 - وأخرج ابن جرير في تفسيره عن يعقوب، قال: حدثنا ابن عُلَية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} (1)، فَلَبسَها عندنا ابن عون، قال: وَلبسها عندنا محمد، قال محمد: ولَبِسها عندي عَبيدة، قال ابن عون بردائه فتقنع به، فغطّى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه، أو على الحاجب» (2). وإسناده في غاية الصحة (3). _________ (1) سورة الأحزاب، الآية: 59. (2) تفسير ابن جرير، 20/ 325. (3) والقائلون بجواز كشف الوجه قالوا: تظهر وجهها وكفيها. وحَدُّ الوجه: من منبت شعر الرأس إلى أسفل الذقن طولًا، وما بين شحمتي الأذنين عرضًا. وأظهر ما استدل به هذا الفريق على ما ذهب إليه، الأدلة الآتية: 1 - قول اللَّه تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور: 31]. فقد ذهب من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر. ومن التابعين: سعيد ابن جبير، وعطاء، وعكرمة، والضحاك، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخعي وغيرهم، إلى أن ما ظهر منها هو: الوجه والكفان. وعلى هذا التأويل يكون معنى الآية: ولا يبدين زينتهن إلا ما دعت الحاجة إلى كشفه وإظهاره، وهو الوجه والكفان [تفسير ابن جرير، 18/ 93 - 94، وتفسير ابن كثير، 3/ 283، وقد أخرج أثر ابن عباس مرفوعًا بسند جيد: ابن أبي حاتم، والبيهقي، وإسماعيل القاضي، كما في عون المعبود شرح سنن أبي داود، 11/ 162]. =

(1/342)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . __________ = قال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري بعد استقصائه لما قيل في الآية: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُني بذلك الوجه والكفان، يدخل في ذلك - إذا كان كذلك -: الكحل والخاتم والسوار والخضاب» [تفسير ابن جرير، 18/ 94]. كما استدل هذا الفريق على ما ذهب إليه بالأحاديث الآتية: 2 - فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاَةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلاَلٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ» [صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، برقم 885]. فقد ذهب هذا الفريق إلى أنه لو لم تكن هذه المرأة كاشفة عن وجهها، لما استطاع الراوي أن يصفها بأنها سفعاء الخدين. 3 - وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ... [البخاري، كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة قبل التزويج، برقم 5126، واللفظ له، ومسلم، كتاب النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد ... ، برقم 1425]. فقد ذهب هذا الفريق إلى أنه لو لم تكن هذه المرأة كاشفة عن وجهها لما صعَّد الرسول - صلى الله عليه وسلم - النظر إليها وصوَّبه، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يدعوه إلى نكاحها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة [فتح الباري، 9/ 210]. 4 - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: «كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» [البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله، برقم 1513، ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانه وهرم ونحوهما، أو للموت، برقم 1334]. =

(1/343)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . __________ = فقد استدل هذا الفريق بهذا الحديث على أن سترَ وجهِ المرأة ليس فرضًا عليها؛ حيث لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة الخثعمية بستره، بل اكتفى بتحويل وجه الفضل عنها. قال ابن بطال: «في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أُمنتِ الفتنة لم يمتنع .. ويؤيده أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يُحوّلْ وجه الفضل حتى أَدْمَنَ النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه .. وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لَأمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الخثعمية بالاستتار ولما صَرَف وجه الفضل .. وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا؛ لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ولو رآه الغرباء» [فتح الباري، 11/ 10]. 5 - وعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَالَ: «يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا». وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ». [سنن أبي داود، كتاب كتاب اللباس، باب فيما تبدي المرأة من زينتها، برقم 4106، والبيهقي، 8/ 163، وفي معرفة السنن له أيضاً: 3/ 144، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، برقم 2045، وقال الحافظ ابن حجر في الدراية، 1/ 123: وأخرجه ابن عديّ، وقال: رواه خالد مرة أخرى، فقال: عن أم سلمة، وعن قتادة مرفوعًا: «إن المرأة إذا حاضت لم يصلح أن يُرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل»، وهذا معضل، أخرجه أبو داود في المراسيل، وعزاه ابن كثير في تفسيره، 3/ 283، نحو هذا إلى أبي حاتم الرازي]. فهذا نص واضح - لو صحَّ الحديث - على جواز إظهار المرأة وجهها وكفيها، لكن لا يغفل عن قول القائلين بذلك يشترطون أن لا يكون عليها شيء من الزينة، ولا يحصل بذلك فتنة [انظر: حجاب المسلمة، للبرازي، ص 147]. ورد القائلون بتحريم سفور وجه المرأة، ووجوب تغطيته بما يأتي: 1 - إن قول هذا الفريق بجواز كشف الوجه مشروط بأمن الفتنة، وحيث يغلب على الظن وجودها، فضلًا عن تحققها، فيحرم - حينئذ - كشفه. [انظر: أحكام القرآن للجصاص، 3/ 289، والدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين، 5/ 244، ومجمع الأنهر، 1/ 81، وأحكام القرآن لابن العربي، 3/ 1357، ومواهب