كما تكون لعباد الله يكون الله لك

نبذة مختصرة

كما تكون لعباد الله يكون الله لك: كما تحب أن يعاملك الله - جل وعلا - فعامِل الناس، فارحم الناس ليرحمك الله، واستر الناس ليسترك الله، وأعِن الناس على حوائجهم يعينك الله، وفرِّج كُرَب إخوانك المسلمين يُفرِّج الله عنك، فكما تُدين تُدان، والجزاء من جنس العمل. وفي هذه المقالة تجليةٌ لهذه المعاني، مُستقاةٌ من الكتاب والسنة النبوية.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

    كما تكون لعباد الله يكون الله لك

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    في الحديث: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء»؛ رواه البخاري.

    هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ من رَحِمَ الخلق رحِمَه الخالق؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»؛ رواه الترمذي.

    الجزاء من جنس العمل، يُعامل اللهُ عبدَه كما يعامل العبدُ عبادَه، فعامِل عبد الله بما تحب أن يُعامِلك الله به، {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: 14 ]، {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22 ].

    احرص على تخفيف الشدائد عن الناس ليُخفِّف الله عنك، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من فرَّجَ عن مسلم كربةً فرَّجَ الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة»؛ رواه البخاري، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من نَجَّى مكروبًا فكَّ الله عنه كُربةً من كُرَب يوم القيامة»؛ رواه أحمد.

    أعِن الناس على حوائجهم تجِد العونَ من الله، قال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهُ في عَون العبد ما كان العبد في عَون أخيه»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»؛ رواه مسلم.

    كن للمُعسِر مُيسِّرًا يُيسِّر الله عليك؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من يسَّر على مُعسِر يسَّرَ الله عليه في الدنيا والآخرة»؛ رواه مسلم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «كان فيمن كان قبلكم تاجرٌ يُدايِنُ الناس، فإن رأى مُعسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه»؛ رواه البخاري.

    ارفِق بعباد الله تشملك دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم من رَفَقَ بأمتي فارفِق به، ومن شقَّ عليهم فشُقَّ عليه»؛ رواه أحمد، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله رفيقٌ يحبُّ الرفقَ، ويُعطِي على الرفق ما لا يُعطي على العنف»؛ رواه مسلم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من يُحرَمَ الرفقَ يُحرَمَ الخير»؛ رواه مسلم.

    استُر على الناس يستر الله عليك؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من سَتَرَ مسلمًا سَتَرَه الله في الدنيا والآخرة»؛ رواه مسلم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من سَتَرَ عورةَ أخيه المسلم سَتَرَ الله عورَتَه يوم القيامة»؛ رواه ابن ماجة.

    أقِل عَثْرَة أخيك يُقِل اللهُ عَثْرَتك؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من أقَالَ مسلمًا أقَالَ الله عَثْرَته»؛ رواه أبو داود.

    أطعِم المسلمين يُطعِمكَ الله؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «أيَّما مؤمن أطعَمَ مؤمنًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة»؛ رواه الترمذي.

    اسقِ المسلمين يسقك الله؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «أيَّما مؤمن سقَى مؤمنًا على ظمأٍ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم»؛ رواه الترمذي.

    اُكسُ المسلمين يكسُك الله؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «أيَّما مؤمن كسَا ثوبًا على عُرْيٍ كسَاه الله من خضر الجنة»؛ رواه الترمذي.

    فكما تكون لعباد الله يكون الله لك، فاختر لنفسك الحالة التي تريد أن يُعامِلك الله - جل وعلا - بها، فعامل عباده بذلك تجد جزاءه.

    احذر أن تُعذِّب الناس فيُعذِّبك الله؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يُعذِّبُ الذين يُعذِّبُون الناسَ في الدنيا»؛ رواه مسلم، قال - عز وجل -: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} [البقرة: 49 ]، {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46 ].

    إياك والمشقَّة على عباد الله تُصيبُك دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم من ولِيَ من أمر أمتي شيئًا فشَقَّ عليهم فاشقُق عليه، ومن وَلِيَ من أمر أمتي شيئًا فرَفقَ بهم فارفِق به»؛ رواه مسلم.

    لا تُؤذِ المسلمين بتتبُّع عوراتهم؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تتبَّعَ عورةَ أخيه المسلم تتبَّعَ الله عورَتَه، ومن تتبَّعَ الله عورَتَه يفضحه ولو في جوف رحله»؛ رواه الترمذي، «ومن كَشَفَ عورَةَ أخيه المسلم كَشَفَ الله عورَتَه حتى يفضحه بها في بيته»؛ رواه ابن ماجة.

    لا تُمسِك رحمتك عن الناس؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل»؛ رواه مسلم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا تُنزَع الرحمة إلا من شقِيٍّ»؛ رواه الترمذي.

    فمهما عامَلْتَ العباد بأمرٍ وجدته عند رب العباد جزاءً وفاقًا.

    قال ابن القيم رحمه الله: «إنّ الله كريمٌ يحب الكريم من عباده، وعالمٌ يحب العلماء، وقادرٌ يحب الشجعان، وجميلٌ يحب الجمال، وهو - سبحانه وتعالى - رحيمٌ يحب الرُّحَماء، وإنما يرحم من عباده الرُّحَماء، وهو سِتِّيرٌ يحبُّ من يستُرُ على عباده، وعفُوٌّ يحبُّ من يعفُو عنهم، وغفورٌ يحبُّ من يغفر لهم، ولطيفٌ يحبُّ اللطيفَ من عباده، ويبغض الفَظَّ الغليظَ القاسي الجعظريّ الجَوَّاظ، ورفيقٌ يحب الرفقَ، وحليمٌ يحب الحلم، وبَرٌّ يحب البِرَّ وأهله، وعدلٌ يحب العدل، وقابِلُ المعاذير يحب من يقبل معاذير عباده، ويُجازِي عبده بحسب هذه الصفات فيه وجودًا وعدمًا، فمَن عفَا عفَا عنه، ومن غَفَرَ غَفَر له، ومن سامَحَ سامَحَه، ومن حاقَقَ حاقَقَه، ومن رَفَقَ بعباده رَفَقَ به، ومن رَحِمَ خلقَه رَحِمَه، ومن أحسَنَ إليهم أحسَنَ إليه، ومن جادَ عليهم جادَ عليه، ومن نفعهم نفَعَه، ومن سَتَرَهم سَتَرَه، ومن صَفَحَ عنهم صَفَحَ عنه، ومن تتبَّعَ عورَتهم تتبَّع عورَتَه، ومن هَتَكَهم هَتَكَه وفَضَحَه، ومن مَنَعَهم خيرَه مَنَعَه خيره، ومن شاقَّ الله شاقَّ الله تعالى به، ومن مَكَرَ مَكَر به، ومن خَادَعَ خَادَعَه، ومن عَامَلَ خلقَه بصفةٍ عامَلَه الله تعالى بتلك الصفة بعَيْنها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه، فكما تُدينُ تُدان، وكن كيف شئتَ فإن الله تعالى لك كما تكون أنت له ولعباده».

    فاحرِص - وفقك الله - على نفع عباد الله امتثالًا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»؛ رواه مسلم.

    وأحسِن إليهم إن الله يحب المحسنين، كن هيِّنًا لهم ليِّنًا سهلًا؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «حُرِّم على النار كل هَيِّن لَيِّن سهلٍ قريبٍ من الناس»؛ رواه أحمد.

    اُعفُ عنهم واصفَح وسَامِح واغفِر، عسى الله أن يعفو عنك ويغفِر لك، إن الله لا يُضيعُ أجر من أحسن عملًا.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    رأيك يهمنا