السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

نبذة مختصرة

رسالة نفيسة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، اشتملت على جوامع من السياسة الإلهية والسياسة النبوية، لا يستغني عنها الراعي والرعية.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (661 - 728 هـ) تحقيق علي بن محمد العمران دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

(المقدمة/1)


راجع هذا الجزء سليمان بن عبد الله العمير جديع بن محمد الجديع

(المقدمة/3)


مقدمة الطبعة الثالثة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذه هي الطبعة الثالثة من الطبعة الكاملة لكتاب السياسة الشرعية نعيدها بعد مضي عشر سنوات على طبعته الأولى. وهي تمتاز بأمور: 1 - مقابلتها على أقدم نسخة للكتاب عُرفت حيث نسخت سنة 705 قبل سفر الشيخ إلى مصر، ومن أهم ما صححتْه هذه النسخةُ ما كنتُ ذكرتُه في مقدمة الطبعة الأولى أن الشيخ ألف الكتاب سنة 709، لكن تاريخ هذه النسخة يقطع بخلاف ذلك. كما سيأتي في موضعه. أما من حيث النص فهي تنتمي إلى النسخ المختصرة للكتاب ونصها جيد في الجملة مع أخطاء وتصحيفات ليست بالكثيرة. وقد أفادني بها الأخ الفاضل مصعب اللهو. 2 - تصحيحات متعددة في الكتاب في مقدمته ومتنه وحواشيه، وصلت تلك الملاحظات من عدد من الأفاضل، وكان أول من تسلمتُها منه د. طه أبو النجا، ثم من وحدة التدقيق والمراجعة بوزارة الأوقاف بقطر، جزى الله الجميع خيرًا. علي بن محمد العمران

(المقدمة/5)


مقدمة التحقيق الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذه طبعة جديدة متميزة لكتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ووجه تميّزها أمور: 1 - أنها الطبعة الأولى الكاملة للكتاب؛ إذ كانت طبعات الكتاب السابقة مختصرة؛ لأنها اعتمدت على نسخٍ مختصرة أو مهذَّبة عن النسخة الأصلية الكاملة للكتاب وهي التي نخرجها اليوم ضمن سلسلة آثار شيخ الإسلام (وسيأتي الحديث بالتفصيل عن ميزات الطبعة في ص 28). 2 - أنها أول طبعة للكتاب تخرجه محققًا تحقيقًا علميًّا يليق به، نأمل أن تكون مستوفية لما تتطلبه مهمة التحقيق. ومما ألْفِتُ النظرَ إليه بادئ ذي بدء أن الشيخ - رحمه الله - لم يكن غرضه من تأليف هذا الكتاب أن يلمّ فيه بكل تفاصيل ما يمكن أن يدخل في موضوع «السياسة الشرعية»، ولا أن يسير على طريقة الكتب التقليدية في الفن، ككتاب الماوردي أو القاضي أبي يعلى؛ بل الشأن كما ذكر في المقدمة: أن هذه الرسالة تتضمن جوامع من السياسة الإلهية والإيالة النبوية. أي: أصول قضاياه والأمور الجامعة فيه. وهذا هو ما اقتضاه الحال والزمان؛ فالحالُ: أن هذه الرسالة كُتبت لأحد

(المقدمة/6)


الأمراء (كما سيأتي تفصيله ص 19 - 21) إما بطلب منه أو بما تقتضيه النصيحة لولاة الأمر. والزمان: أن الشيخ ألفه في ليلة واحدة! وبعد، فقد صار هذا الكتاب من أهم ما أُلِّف في السياسة الشرعية، وهو معدود في مضمار الكتب الأساسية في الفن إن لم يكن قد أربى عليها. قال المستشرق هنري لاوست: «إن هذا الكتاب الجليل لهو أحد الآثار الإسلامية الكبرى في القانون الدولي، وأنا من جانبي لا أتردد مطلقًا في وضعه في مستوى الأحكام السلطانية للماوردي» (1). وسيكون حديثنا في صدر هذه الطبعة في النقاط الآتية: - تقرير معنى السياسة الشرعية من كلام المصنف وتلميذه ابن القيم. - اسم الكتاب. - سبب تأليفه ولِمَن أُلِّف. - تاريخ تأليفه. - إثبات نسبته للمؤلف. - ترتيب الكتاب وموضوعاته. _________ (1) في بحث له بعنوان: النشأة العلمية عند ابن تيمية وتكوينه الفكري. منشور في كتاب «أسبوع الفقه الإسلامي ومهرجان الإمام ابن تيمية» (ص 835). ثم نشرته مفردًا ضمن كتابي «خمس تراجم معاصرة». وهنري لاوست مستشرق فرنسي متخصص في ابن تيمية، وكانت رسالته الدكتوراه عن آراء ابن تيمية السياسية والاجتماعية، وقد طبعت في ثلاثة مجلدات. انظر «موسوعة المستشرقين» (ص 510 - 511) لعبد الرحمن بدوي.

(المقدمة/7)


- ميزات هذه الطبعة. - نشرات الكتاب. - مخطوطات الكتاب. - منهج التحقيق. كتبه علي بن محمد العمران في مكة المكرمة حرسها الله في شعبان 1428

(المقدمة/8)


تقرير معنى السياسة الشرعية من كلام المصنف وتلميذه ابن القيم للمصنف وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى كلامٌ مفيد في موضوع السياسة الشرعية مبثوث في عدد من مؤلفاتهما، ولابن القيم كتاب مفرد في الباب هو «الطرق الحكمية»، رأيتُ من الخير أن أصَدِّر الحديثَ عن الكتاب بهذا الفصل خاصة مما ليس في رسالتنا هذه. * قال المصنف في «مجموع الفتاوى»: (20/ 391 - 393): «وهذا كما يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين وفي تصانيفهم إذا احتجَّ عليهم محتجٌّ بمن قتله النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أمر بقتله، كقَتْله اليهوديَّ الذي رضَّ رأسَ الجارية، وكإهداره لدم السابة التي سبّته وكانت معاهدة، وكأمره بقتل اللوطي ونحو ذلك. قالوا: هذا يعمله سياسة. فيقال لهم: هذه السياسة إن قلتم: هي مشروعة لنا، فهي حق وهي سياسة شرعية. وإن قلتم: ليست مشروعة لنا، فهذه مخالفة للسنة. ثم قولُ القائل بعدُ: «هذا سياسة»؛ إما أن يريد أن الناس يُساسون بشريعة الإسلام، أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام؟ فإن قيل بالأول فذلك من الدين، وإن قيل بالثاني فهو الخطأ. ولكن منشأ هذا الخطأ أن مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسياسة خلفائه الراشدين. وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: «إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي قام نبي، وإنه لا نبي

(المقدمة/9)


بعدي وسيكون خلفاء يكثرون»، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «أوفوا بيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإنَّ الله سائلهم عما استرعاهم». فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس، وتقلَّد لهم القضاء مَن تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيًا في السياسة العادلة= احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين، حتى صار يقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع، وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكمًا أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة. والسبب في ذلك: أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصَّروا في معرفة السنّة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود، حتى تُسْفَك الدماء وتؤخذ الأموال وتُستباح المحرمات. والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوعٍ من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنّة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرَّى العدل، وكثير منهم يحكمون بالهوى ويحابون القويّ ومَن يرشوهم ونحو ذلك. وكذلك كانت الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل المدينة، يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها؛ مِنْ جَعْل صاحب الحرب متبعًا لصاحب الكتاب ما لا يكون في الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل العراق ومَن اتبعهم، حيث يكون في هذه والي الحرب غير متبع لصاحب العلم. وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ} الآية [الحديد: 25]، فقوام الدين بكتابٍ يهدي وسيفٍ ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيرًا.

(المقدمة/10)


ودين الإسلام: أن يكون السيف تابعًا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعًا لذلك كان أمر الإسلام قائمًا، وأهلُ المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك؛ أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الأمر كذلك، وأما بعدهم فهم في ذلك أرجح من غيرهم. وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير، وكان السيف تارةً يوافق الكتاب وتارةً يخالفه= كان دين مَن هو كذلك بحسب ذلك ... » اهـ الغرض من كلام شيخ الإسلام (1). * وقال ابن القيم - رحمه الله - في «بدائع الفوائد»: (3/ 1087 - 1095): «قال ابن عقيل: جرى في جواز العمل في السلطنة الشرعية بالسياسة: هو الحزم، فلا يخلو منه إمام. قال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. قال ابن عقيل: السياسةُ ما كان فعلًا يكون معه الناسُ أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسولُ ولا نزلَ به وحيٌ. فإن أردت بقولك: «إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردت ما نطقَ به الشرعُ فغلطٌ وتغليطٌ للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمُثَل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وتحريق عليّ في الأخاديد وقال: إني إذا شاهدتُ أمرًا منكرًا ... أججتُ ناري ودعوت قَنبرا _________ (1) وانظر أيضًا «مجموع الفتاوى»: (28/ 642)، و «منهاج السنة»: (6/ 48). وللمصنف رسالتان مختصرتان في الموضوع نفسه، مطبوعتان في المجموعة السابعة من «جامع المسائل».

(المقدمة/11)


ونفيُ عمر نصرَ بن حجاج. قلت: هذا موضع مزلّة أقدام، وهو مقامٌ ضَنْك ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة فعطَّلوا الحدود وضيَّعوا الحقوق وجرَّأوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقوم بها مصالح العباد، وسدُّوا على نفوسهم طرقًا عديدة من طرق معرفة المُحقِّ من المُبْطِل، بل عطلوها مع علمهم قطعًا وعلم غيرهم بأنها أدلة حقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع. والذي أوجب لهم ذلك نوعُ تقصير في معرفة الشريعة، فلما رأى ولاةُ الأمر ذلك، وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة= أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها أمر العالم، فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويل وفساد عريض، وتفاقم الأمرُ وتعذَّر استدراكه. وأفرطت طائفة أخرى فسوَّغت منه ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتيَتْ من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله. فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي به قامت السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهه بأيِّ طريق كان فثمَّ شرعُ الله ودينه، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء، ونفى غيرها من الطرق التي هي مثلها أو أقوى منها، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استُخْرج بها العدل والقسط فهي من الدين. لا يقال: «إنها مخالفة له»، فلا تقول: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها

(المقدمة/12)


سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي شرع حق. فقد حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تهمة، وعاقب في تهمة؛ لمّا ظهر أمارات الريبة على المتهم. فمن أطلق كلَّ متهم وخلى سبيله مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونقبه البيوت وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل= فقوله مخالف للسياسة الشرعية. وكذلك منع النبي - صلى الله عليه وسلم - الغال من سهمه من الغنيمة، وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه كله، وكذلك أخذه شطر مال مانع الزكاة، وكذلك إضعافه الغرم على سارق ما لا يقطع فيه وعقوبته بالجلد، وكذلك إضعافه الغُرْم على كاتم الضالة. وكذلك تحريق عمر حانوت الخمار، وتحريقه قرية خمر، وتحريقه قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجَبَ فيه عن الرعية، وكذلك حلقه رأس نصر بن حجاج ونفيه، وكذلك ضربه صَبِيغًا، وكذلك مصادرته عمّاله، وكذلك إلزامه الصحابة أن يقلِّوا الحديثَ عن رسول الله؛ ليشتغل الناس بالقرآن فلا يضيعوه. إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الأمة فصارت سنةً إلى يوم القيامة وإن خالفها مَن خالفها. ومن هذا تحريق الصديق للوطي، ومن هذا تحريق عثمان للصُّحف المخالفة للسان قريش. ومن هذا اختيار عمر للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهره؛ فلا يزال البيت الحرام مقصودًا، إلى أضعاف أضعاف ذلك من السياسات التي ساسوا بها الأمة وهي بتأويل القرآن والسنة. وتقسيمُ الناس الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم من قسم الطريقة إلى شريعة وحقيقة، وذلك تقسيم باطل؛ فالحقيقة نوعان: حقيقة هي حقٌّ صحيح، فهي لب الشريعة لا قسيمتها، وحقيقة باطلة، فهي مضادة للشريعة كمضادة الضلال للهدى.

(المقدمة/13)


وكذلك السياسة نوعان: سياسة عادلة، فهي جزء من الشريعة وقسم من أقسامها لا قسيمتها. وسياسة باطلة، فهي مضادة للشريعة مضادة الظلم للعدل. ونظير هذا: تقسيم بعض الناس الكلامَ في الدين إلى الشرع والعقل هو تقسيمٌ باطل؛ بل المعقول قسمان: قسم يوافق ما جاء به الرسول، فهو معقول كلامه ونصوصه لا قسيم ما جاء به. وقسم يخالفه، فذلك ليس بمعقول؛ وإنما هو خيالات وشُبَه باطلة يظن صاحبها أنها معقولات وإنما هي خيالات وشبهات. وكذلك القياس والشرع، فالقياس الصحيح هو معقول النصوص، والقياس الباطل المخالف للنصوص مضاد للشرع. فهذا الفصل هو فرق ما بين ورثة الأنبياء وغيرهم، وأصله مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسنّة إلى كل ما يحتاجُ إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحهم في معاشهم ومعادهم، وأنه لا حاجة إلى أحدٍ سواه البتة، وإنما حاجتنا إلى ما يبلغنا عنه ما جاء به. فمن لم يستقرّ هذا في قلبه لم يرسخ قدمُه في الإيمان بالرسول، بل يجب الإيمان بعموم رسالته في ذلك كما يجب الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المكلفين. فكما لا يخرج أحدٌ من الناس عن رسالته البتة فكذلك لا يخرج حق من العلم والعمل عما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجة بالأمة إلى سواه، وإنما يحتاج إلى غيره من قلَّ نصيبُه من معرفته وفهمه، فبحسب قلة نصيبه من ذلك تكون حاجته، وإلا فقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا وقد ذكر للأمة منه علمًا وعلَّمهم كل شيء ...

(المقدمة/14)


وبالجملة فقد جاءهم بخير الدنيا والآخرة بحذافيره، ولم يجعل الله بهم حاجة إلى أحد سواه. ولهذا ختم الله به ديوان النبوة، فلم يجعل بعده رسولًا لاستغناء الأمة به عمن سواه، فكيف يُظن أن شريعته الكاملة المكملة محتاجة إلى سياسة خارجة عنها، أو إلى حقيقة خارجة عنها، أو إلى قياس خارج عنها، أو إلى معقول خارج عنها؟ ! فمن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسولٍ آخر بعده، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك. قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، وقال تعالى: {(56) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [يونس: 57]. وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي بعشر معشار ما الناس محتاجون إليه على زعمهم الباطل؟ ويالله العجب كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين واستخراج هذه الآراء والمقاييس والأقوال؟ هل كانوا مهتدين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون أعلم منهم وأهدى منهم؟ ! هذا ما لا يظنه مَن به رمق من عقل أو حياء نعوذ بالله من الخذلان، ولكن مَن أوتي فهمًا في الكتاب وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - استغنى بهما عن غيرهما بحسب ما

(المقدمة/15)


أوتيه من الفهم، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله ذو الفضل العظيم ... » انتهى المراد من كلام ابن القيم (1). * * * * _________ (1) وانظر أيضًا كلام ابن القيم في «أعلام الموقعين»: (4/ 372 - 378)، و «بدائع الفوائد»: (3/ 1035)، و «الطرق الحكمية»: (1/ 29 وما بعدها).

(المقدمة/16)


اسم الكتاب لم يسم المؤلف كتابه في مقدمته كما هي عادته في عامة كتبه، فهو لا يحفل بذلك ولا يهتم له؛ لكن جاءت تسمية الكتاب في مصادر أخرى، وتكاد هذه المصادر تتفق على أصل التسمية مع اختلاف قليل بينها، وسنذكر ما وقفنا عليه من ذلك ونختار ما نراه الأقرب. 1 - فقد جاءت تسميته بعنوان: «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» في كتاب «العقود الدرية» (1)، و «مختصر طبقات علماء الحديث» (2)؛ كلاهما لتلميذه ابن عبد الهادي (ت 744)، وفي جزء للذهبي في ترجمة المصنف (3). ومثله وقع على النسخ الخطية ذوات الرموز (ف، س، ي، ز، ونسخة الأزهر 8793). وهكذا جاءت التسمية في «كشف الظنون» (4) و «هدية العارفين» (5). وهذا العنوان هو ما اخترناه تسميةً عَلَمِيَّةً للكتاب. 2 - وسُمِّي في «أسماء مؤلفات ابن تيمية» (6) لتلميذه ابن رُشَيِّق (749) بـ: «السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية»، فهو كسابقه مع تغيير يسير _________ (1) (ص 52). (2) (ص 275 - ضمن الجامع لسيرة ابن تيمية). (3) (ص 243 - ضمن مجموع رسائل). (4) (ص 1011). (5) (ص 106). (6) (ص 306 - ضمن الجامع لسيرة ابن تيمية).

(المقدمة/17)


في كلمة (لإصلاح). أما النسخ الخطية الأخرى فجاءت التسمية فيها كما يلي: 3 - نسخة الأصل: «جوامع من السياسة الشرعية في صلاح الراعي والرعية»، وقد طُبع الكتاب أول ما طُبع في طبعته الأولى بالهند بعنوان قريب من هذا كما سيأتي. وواضح أن هذا الاسم مستفاد من قول المؤلف في المقدمة: «فهذه ... جوامع من السياسة الإلهية ... ». 4 - نسخة (ل): «السياسة الشرعية في صلاح الراعيين والرعية». كذا بياءين على صفحة العنوان، وفي الصفحة التي تليها وهي بداية الكتاب بياء واحدة (الراعين). 5 - نسخة (ظ): «السياسة الشرعية والقواعد النبوية في إصلاح الراعي والرعية». 6 - أما نسخة (ب) فاقتصرت على صدر العنوان: «السياسة الشرعية». ومثله جاء عند ابن فضل الله العمري (ت 749) تلميذ المصنف في «مسالك الأبصار» (1). * * * * _________ (1) (ص 318 - ضمن الجامع).

(المقدمة/18)


سبب تأليف الكتاب، ولِمَن أُلِّف أما سبب تأليفه، فقد أفصح عنه المصنف في مقدمته بقوله: «فهذه رسالة تتضمن (1) جوامع من السياسة الإلهية والإيالة النبوية ... ، اقتضاها (2) من أوجبَ الله نُصْحَه من ولاة الأمور، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ فيما ثبت عنه من غير وجه ــ: «إن الله يرضى لكم ثلاثة: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولَّاه الله أمركم». فاتضح أن سبب التأليف هو طلب بعض الأمراء كتابة رسالة في هذا الخصوص بلسان المقال وهو الظاهر أو بلسان الحال. أما مَن يكون ذلك الأمير؟ فقد جاء على صفحة العنوان من نسخة ليدن (ل) ــ الآتي وصفُها ــ بيان مَن هو الأمير المكتوبة له الرسالة، إذ فيها: «كتاب السياسة الشرعية ... علّقها ــ رحمه الله ــ حين سأله الأمير قيس (كذا) المنصوري فأجابه إلى ذلك. وعلَّقها في ليلة واحدة رضي الله عنه وأرضاه». كذا ورد اسمه في النسخة (الأمير قيس المنصوري)! وليس من أميرٍ في عصر ابن تيمية ولا بعده يسمى (قيسًا)، وأرجِّح أن يكون الاسم محرَّفًا عن (آقُش ... ) ويكتب أيضًا: (آقوش) بإشباع الضمة، فالظاهر أن كاتب النسخة وجد الاسم هكذا (آقُش) فلم يحسن قراءته فجعله (قيس). وهو رسم قريب. وهو: الأمير جمال الدين آقُش الرَّحَبي ــ بالراء والحاء المهملة _________ (1) في غير الأصل: «مختصرة فيها». (2) أي بعثه على كتابتها وتأليفها.

(المقدمة/19)


المفتوحة والباء الموحَّدة ــ المنصوري (1). تولى الولاية بدمشق نحوًا من إحدى عشرة سنة، من سنة تسع وسبعمائة حتى سنة تسع عشرة وسبعمائة، وكان قبلها قد باشر نيابة الكَرَك من سنة تسعين وستمائة إلى سنة تسع وسبعمائة وله بها آثار حسنة. ثم انتقل إلى شد الدواوين بالقاهرة مدة أربعة أشهر قبل وفاته. توفي سنة (719). وكان هذا الأمير حَسَن السيرة محبوبًا عند الناس، فرح أهلُ دمشق بمقدَمه إليهم أميرًا سنة (709)، قال ابن كثير: «وجاءت مراسيمه (أي السلطان) فقرئت على السُّدّة، وفيها الرفق بالرعايا والأمر بالإحسان إليهم، فدعوا له، وقدِم الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائبًا على دمشق، فدخلها يوم الأربعاء قبل العصر ثاني عشرين جمادى الأولى، فنزل بدار السعادة على العادة، وفرح الناس بقدومه، وأشعلوا له الشموع». والثناء على هذا الأمير كثير، قال البرزالي: «وكان مشكور السيرة قريبًا إلى الناس، فيه تواضع وحسن خلق، وكان الناس يحبونه ولا يختارون غيره في الولاية». وقال الصفدي: «كان مشكور السيرة، خير السريرة، سهل الانقياد، لا يزال من الخير في ازدياد، طالت مدته في ولاية دمشق وكلٌّ يحبّه ... ». وقال ابن كثير: «وكان محبوبًا إلى العامة مدة ولايته». _________ (1) ترجمته في «المقتفى على كتاب الروضتين»: (4/ 370 - 371) للبرزالي، و «أعيان العصر»: (1/ 576 - 577) للصفدي، و «البداية والنهاية»: (18/ 196، 190، 113)، و «الدرر الكامنة»: (1/ 400) لابن حجر.

(المقدمة/20)


وقد كان شيخ الإسلام - رحمه الله - كثير المكاتبة للأمراء والملوك وأصحاب الولايات، بطلبٍ منهم أحيانًا، وابتداءً أحيانًا أخرى قيامًا بواجب البيان والنصيحة. فمن ذلك: ما سأله «بعض ولاة الأمور وفقه الله تعالى لمعالي الأمور ... = أن يبين له سبيل حكم الولاية على قواعد بناء الشرع المطَّهر بسبب تهمة وقعت في سرقة ليكتب شيئًا في ذلك ... » (1). ومن ذلك: «كتابٌ كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الأمير شمس الدين سنقرچاه (2) المنصوري (3) لمّا تولى صفد المحروسة في شهر شوال من سنة أربع وسبعمئة» (4). وكَتبَ الشيخ رسالة إلى البحرين وملوك العرب، ورسالة إلى ملك مصر، ورسالة إلى ملك حماة، ورسالة إلى صاحب قبرص في مصالح تتعلق بالمسلمين (5). * * * * _________ (1) وهذه الرسالة تسمى: «الرسالة في أحكام الولاية» وهي مطبوعة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي. (2) وتكتب أيضًا «سنقرشاه». (3) ترجمته في «أعيان العصر»: (2/ 482 - 483)، و «الدرر الكامنة»: (2/ 175). (4) وهذه الرسالة مطبوعة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي. (5) انظر «الجامع لسيرة ابن تيمية» (ص 311 - مؤلفات ابن تيمية لابن رشيق).

(المقدمة/21)


تاريخ تأليفها كنت قد استظهرتُ في الطبعة الأولى أن تَعْيين اسم الأمير الذي كتبت له هذه الرسالة ومتى تولى نيابة دمشق؛ يقودنا إلى تأريخ تأليف هذه الرسالة. وأنه سنة 709، حيث وافقت سنة تولي الأمير آقش نيابة دمشق، وهي السنة التي خرج فيها شيخ الإسلام ابن تيمية من الحبس بمصر. هذا ما كان، ثم وقفت مؤخرا على نسخة جديدة من الكتاب هي أقدم نسخه، كتبت سنة 705 بالقاهرة بخط أحد تلاميذ ابن تيمية وهو. فدل ذلك على تقدم تاريخ تأليفها وأنه قبل سنة 709. وهذه النسخة مؤرخة في العشر الأول من محرم سنة 705 فيكون الشيخ قد كتبها قبل ذلك بمدة بحيث انتسخت في مصر في هذا التاريخ المبكّر، فربما كتبت سنة 704 أو قبلها. وقد كان كتب إليّ د. عصام يحيى أستاذ التاريخ من فرنسا بخصوص تاريخ تأليف السياسة الشرعية، وأنه استظهر من خلال المعطيات التاريخية التي ذكرها ابن تيمية أنه ألفها قبل سنة 709 ونشر بحثا في ذلك باللغة الفرنسية، فوافقته على ذلك، وأرسلت له نسخة برنستون الجديدة التي تثبت ذلك. * * * *

(المقدمة/22)


إثبات نسبتها للمؤلف يمكن إثبات نسبة الكتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية بعدة أمور: 1 - نسبَه له عددٌ من تلاميذه، كابن عبد الهادي في ترجمة شيخه (1)، وفي «مختصر طبقات علماء الحديث»، وابن رُشَيِّق في «أسماء مؤلفات الشيخ»، والذهبي في جزء له في ترجمته، وابن فضل الله في «مسالك الأبصار» (2)، وابن الوردي في «تتمة المختصر» (3)، وغيرهم. 2 - أن النسبة إلى مصنفها شيخ الإسلام ثابتة في جميع النسخ الخطية التي وقفنا عليها. 3 - أن نسخة الأصل التي اعتمدناها المكتوبة سنة (780) قد نُقلت من نسخةٍ أصلُها منقول من خط شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه كما في خاتمة ناسخها (ق 78). 4 - أن أسلوبَ المؤلف الذي درج عليه في عامة كتبه، ويعرفه مَن له خبرة بمصنفاته، ظاهرٌ في هذه الرسالة. 5 - تطابق الكثير من المسائل والاختيارات التي في الكتاب مع ما في كتب الشيخ الأخرى، وقد أشرنا إلى ذلك في كثير من تلك المواضع. 6 - أن المؤلف له رسالة أرسلها إلى الأمير سنقرچاه المنصوري (ت 707) _________ (1) «العقود الدرية» (ص 35). (2) «الجامع» (ص 318). وسبقت الإحالة على المصادر قبله. (3) «الجامع» (ص 334).

(المقدمة/23)


لما تولى إمارة صفد سنة (704)، وهذه الرسالة أشبه ما تكون بتلخيصٍ لأفكار المؤلف في كتابه هذا في بنائها وتقسيماتها، وإن كنت أجزم بأنه ألَّفها قبل السياسة الشرعية، كما سنفصله في موضعه المناسب، وهذه الرسالة في المجموعة السابعة من «جامع المسائل» بتحقيقي. 7 - نقل العلماء من الكتاب، فقد نقل منه محمد بن محمد الموصلي (ت 774) في كتابه «حسن السلوك الحافظ دولة الملوك» في عدة فصول منه (1)، والمرداوي في «الإنصاف»: (7/ 303) في توريث المولى من أسفل، وفي (1/ 318)، (8/ 438)، (10/ 228) في الحشيشة، والحجاوي في «الإقناع»: (4/ 3)، وفي «شرح منتهى الإرادات»: (3/ 73)، والشربيني في «مغني المحتاج»: (4/ 186) في مسألة الحشيشة، والصنعاني في «سبل السلام»: (1/ 195) في الحشيشة أيضًا، وابن ضويّان في «منار السبيل»: (2/ 155، 259) فيها، ونقل منه الطحطاوي في «حاشيته على مراقي الفلاح»: (2/ 86) في مسالة كفر تارك الصلاة، وهو في كتابنا (ص 165)، وفي «عون المعبود»: (10/ 99) في مسألة الحدّ في الحشيشة. * * * * _________ (1) طبع الكتاب في دار الوطن سنة (1416) بتحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد.

(المقدمة/24)


ترتيب الكتاب وموضوعاته أما ترتيب الكتاب؛ فقد رتَّبه المصنف ترتيبًا بديعًا يدل أولًا على عمق الفكرة وتمام التصور للموضوع الذي تكلم فيه. ويدل ثانيًا على قدرة شيخ الإسلام العجيبة على حسن البيان والترتيب والتقسيم (1)، وسنزداد عجبًا وإعجابًا إذا علمنا أنه ألَّف هذه الرسالة في ليلة واحدة! كما جاء على غلاف نسخة ليدن. وإن كان هذا ليس بمستغرب على هذا الإمام، فإنه قد ألَّف عدة كتب كذلك إما في ليلة أو قعدة (2). * بدأ المصنف كتابه ــ وكان موفَّقًا غاية التوفيق ــ بالأصل الذي بنى عليه هذه الرسالة ثم بانتزاع الدلالة منه قال: «وهذه رسالة مبنية على آية الأمر (3) في كتاب الله وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 58 - 59]. فبيَّن أن الآية نزلت في ولاة الأمور، وأنها أوجبت عليهم أداء الأمانات _________ (1) كما شهد له غير واحد، منهم كمال الدين ابن الزملكاني، انظر «الجامع» (ص 252). (2) كالواسطية والحموية ورسالة في الحروف، انظر «المداخل لآثار شيخ الإسلام ابن تيمية» (ص 70، ط الثانية) لشيخنا العلامة بكر أبو زيد - رحمه الله -. (3) (ي، ز): «آية الأمراء»، والأصل: «أنه الأمر»، و (ط): «آيتين من» ورجحه الشيخ العلامة محمد العثيمين في «شرحه: ص 17» والمثبت من (ظ) وبعض النسخ.

(المقدمة/25)


إلى أهلها، والحكم بالعدل، وهذان الأمران هما جِماع السياسة العادلة والولاية الصالحة، وهو مقصود هذه الرسالة. فالسياسة العادلة والولاية الصالحة لها ركنان: * الركن الأول: أداء الأمانات (ص 7). والأمانات نوعان: - النوع الأول: الولايات، ولها ركنان: القوة والأمانة (ص 7). - فالقوة إما أن تكون في إمارة الحرب؛ فهي ترجع إلى عدة أمور. وإما أن تكون في الحكم بين الناس، وهي ترجع إلى عدة أمور. - مقصود القوة في الولاية (ص 35). - والأمانة ترجع إلى ثلاثة أشياء. - المقصود الواجب بالولايات أمران: الأمر الأول: إصلاح دين الخلق. الأمر الثاني: إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمور الدنيا، وهو نوعان: قَسْم المال بين مستحقيه، وعقوبة المعتدين. - النوع الثاني (من الأمانات): الأموال. وهي قسمان: الأعيان، والديون الخاصة (ص 40). - ما يجب على ولي الأمر في المال (ص 45). - الأموال السلطانية ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء.

(المقدمة/26)


* الركن الثاني: الحكم بالعدل (ص 7). وهو ثلاثة أنواع: - النوع الأول: الحدود والحقوق غير المعينة (ص 83). ذكر المؤلف منها (قطاع الطريق ــ المحاربين ــ، والسرقة، والزنا، والتلوُّط، وشرب الخمر، والقذف، والمعاصي التي لا حدَّ فيها). - النوع الثاني: الحدود والحقوق لقوم معينين (ص 195)، وذكر منها: - الدماء، وأنواع القتل الثلاثة (العمد، الخطأ، شبه العمد). - القصاص في الجروح. - القصاص في الأعراض. - الأبضاع من الحقوق (حقوق المرأة، حقوق الرجل). - النوع الثالث: الحكم في الأموال (ص 218). - وذكر ما يجب على ولي الأمر وغيره. - وتكلم على الغش في المعاملات وأنواعه. - وتكلم على الكيمياء والسيمياء. * فصل في الكلام على الشورى وأهميتها. * فصل في ولاية الناس وأنها من أعظم الواجبات. * أقسام الناس في إرادة العلو والفساد. * * * *

(المقدمة/27)


ميزة هذه الطبعة تمتاز هذه الطبعة عن سابقاتها بكونها الطبعة الكاملة الوحيدة للكتاب، فقد يسَّر الله بمنه الوقوف على نسخة خطية في مكتبة شهيد علي رقم (1553) بتركيا، وفيها زيادات كثيرة ليست موجودة في عامة مخطوطات الكتاب، وهذه الزيادات تبلغ نحو ثلاثين صفحة في عدة مواضع من الكتاب. وقد أشرنا إلى كل هذه الزيادات في هوامش الكتاب، وهي أنواع؛ فمنها الكلمة أو أكثر، والسطر أو أكثر، والصفحة أو أكثر، ومنها الفصل الكامل من صفحات عدة. وسنتكلم على هذه الزيادات من جهتين: الأولى: إثبات أن هذه الزيادات للشيخ: وذلك بأمور: 1 - أن ناسخ الأصل يقول: إنه نسخها من نسخةٍ نُقلت جلها من نسخة منقولة من خط مصنفها شيخ الإسلام. 2 - أن هذه الزيادات فيها من تغيير العبارات، وزيادات في المباحث والمسائل والاختيارات ما يقطع بكونها من مؤلف الكتاب وليست زيادات من غيره من المطالعين أو المحشين أو غيرهم. 3 - أن هذه الزيادات متطابقة مع ما في كتب الشيخ الأخرى؛ أسلوبًا وآراءً واختيارًا. 4 - أن هذه الزيادات متساوقة مع سياق نصوص الكتاب لا تشذ عنها.

(المقدمة/28)


5 - أن النص في الطبعات السابقة يدل على أن هناك مَن عَمَدَ إلى الكتاب فاختصره وهذبه، فحذف هذه النصوص ــ الزيادات في نسختنا ــ، وغيّر أيضًا في سياق بعض العبارات ليستقيم له الكلام فيبدو متآلفًا لا حذف فيه ولا نقص، وهذا الأمر هو ما سنبحثه في الفقرة التالية. الثانية: عن طبيعة هذه الزيادات: وهي تحتمل أمرين: أحدهما: أن المصنف ألَّف الرسالة على صورتها التي طُبِعت واشتهرت بها، ثم زاد عليها هذه الزيادات التي في نسختنا. يعني أن نسختنا هذه هي الإخراج الثاني للكتاب، وما طبع عليه سابقًا هو الإخراج الأول للكتاب، وهو الذي انتشر بأيدي النّساخ فكثُرَتْ به النسخ. ثانيهما: أنه ألَّف الكتاب من أول الأمر كما هو الحال في نسختنا، ثم عَمَدَ أحدُهم فاختصرها وهذبها. والميل إلى هذا الاحتمال الثاني أكبر، وذلك لأمور: 1 - أن في مقدمة الطبعات السابقة المختصرة ما يشير إلى ذلك، إذ فيها: «فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من ... »، بينما في النسخة الكاملة: «فهذه رسالة تتضمن جوامع ... ». فالظاهر أن عبارة «مختصرة» قد أضافها من انتقى من الكتاب أو هذَّبه، ومن البعيد جدًّا أن تكون من كلام المصنف في أول الأمر، ثم حذفها لاحقًا لمجرد كونه زاد زيادات وإن كثرت. 2 - أن التهذيب والانتقاء قد طال ديباجة المصنف التي لا علاقة لها

(المقدمة/29)


بموضوع الكتاب، بل هي في الثناء على الله عز وجل، فهذا من غير صنيع الشيخ بلا شك. 3 - أن بعض الفصول مختصرة اختصارًا مخلًّا! فبينما هو في نسختنا في سبع صفحات أو نحوها؛ هو في النسخ المختصرة في صفحة أو نحوها، كما في (ص 210 و 217). وقد أثبتنا الفصول المختصرة برمتها في حواشي الكتاب، حتى يُعرف الفرق بين ما هو في طبعتنا وبين صنيع المُخْتَصِر وطريقته في الاختصار. * * * *

(المقدمة/30)


نشرات الكتاب للكتاب طبعات كثيرة نذكر أهمها: 1 - طبع أوَّلًا بعنوان: الجوامع في السياسة الإلهية والآيات النبوية. طبع في بومبي، مطبعة الأخبار عام (1306 هـ، 1889 م) في (76) صفحة طبع الحجر (1). 2 - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، المطبعة الخيرية (1322) في (80) صفحة (2). 3 - طبع ضمن «مجموع الفتاوى»: (28/ 244 - 397) لابن تيمية. 4 - طبع بتحقيق سعود بن خلف الشمري في مجلدين سنة 1424 في نحو (800) صفحة، وليس عليه اسم الدار الناشرة؛ لأنه فيما يظهر طبع على نفقة محققه. ومحقق هذه النشرة لم يعتمد على أي أصل خطيٍّ، بل اعتمد نص «مجموع الفتاوى» وقابله بالطبعات التي في الأسواق ــ على ما ذكر في مقدمته ــ. وقد أطاله جدًّا بتخريج أحاديث بما لا طائل من ورائه. 5 - طبعة دار الفلاح (1990 م). 6 - طبعة دار الفكر اللبناني، تحقيق إبراهيم رمضان (1992 م). _________ (1) انظر «معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية» (ص 88) للدكتور أحمد خان. (2) انظر «معجم المطبوعات»: (1/ 58) لسركيس.

(المقدمة/31)


7 - دار الآفاق الجديدة. 8 - دار الجيل، تحقيق عصام الحرستاني. وطبعها المحقق نفسه في داري نشر أخريين. 9 - دار الفكر الحديث. 10 - دار الفكر العربي بمصر. 11 - دار الفيحاء، تحقيق بشير عيون. وغيرها كثير. وقد أحصيت له ما يزيد على الأربعين نشرة لا فائدة من ذكرها هنا. والشأن فيها جميعًا أنها لم تعتمد أيّ أصل خطيّ، بل عمدتها الطبعات القديمة أو ما تفرّع عنها. * * * *

(المقدمة/32)


مخطوطات الكتاب للكتاب مخطوطات كثيرة في مكتبات العالم بلغت أكثر من ثلاثين، نتحدث بالتفصيل عن النسخ التي اعتمدناها في التحقيق. 1 - نسخة شهيد علي بتركيا (الأصل) ضمن مجموع برقم (1553) يحتوي على ثلاث رسائل للمصنف يقع في (116 ورقة): أولها السياسة الشرعية، ثم قاعدة في الحِسبة، وقاعدة في الشطرنج. ونسختنا تقع في (78) ورقة، في كل صفحة (19) سطرًا، جاء على صفحة العنوان: «جوامع من السياسة الشرعية في صلاح الراعي والرعية، تأليف الشيخ ... ». وعلى الجانب الأيمن للعنوان تملُّكٌ نصه: «ساقه سائق التقدير حتى انتظم في سلك ملك أحمد بن البصري؟ ... الفقير الحقير». وبعده: «ثم انتقل إلى ملك ولده عمر ... في شعبان (1057)». وعلى ورقة العنوان أيضًا تدوين عدد من تواريخ المواليد والوفيات لمن تملكوا النسخة. وكتب الناسخ في آخرها: «نقلت من نسخة نقلت جلّها بخط المصنف نفع الله به»، ثم ذكر تاريخ الفراغ من نسخها: «كان الفراغ من نسخها بكرة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة ثمانين وسبعمائة». وخطها نسخيّ واضح، ولم يفصح الناسخ عن اسمه، وواضحٌ من قراءة النسخة أن ناسخها ليس من أهل العلم؛ إذ اشتملت على الكثير من التصحيفات والأخطاء والأسقاط في بعض الأحيان، وقد أعزو بعضَ ذلك إلى النسخة المنقولة منها؛ لأن تلك الأخيرة نقلت من خط شيخ الإسلام ولا تخفى صعوبته وإغلاقه. وهنا أشكر فضيلة الشيخ الدكتور عثمان ضميرية على إسهامه في تصوير هذه النسخة من تركيا على (cd) فجزاه الله خيرًا.

(المقدمة/33)


2 - نسخة باريس الأولى (ي) رقم (2590)، وتقع في (38 ورقة) في كل صفحة من (25 إلى 26) سطرًا، في كل سطر نحو عشر كلمات. كتب على صفحة العنوان: «رسالة كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تأليف شيخ الإسلام ... »، وتحت العنوان كتبت بعض التملكات فمنها: «من كتب عبد القادر بن أحمد (1) لطَفَ الله به»، وكتب بعده: «الحمد لله ثم في دَوْلِ (2) يحيى بن صالح البصير سامحه الله تعالى بالشراء من المولى العلامة الوجيه وجَّهه الله لكل خير بتاريخ شهر ربيع الأول سنة 1191». وبعده تملكات ثلاثة. وهي نسخة متقنة قليلة الخطأ، نسخت في اليمن في مدينة ذمار بتاريخ (782)، جاء في ختامها: «نسخ برسم السيد الحبر ... العلامة الصدر الألمعي وحيد عصره ونسيج وحده العزي عز الدين سلالة الآباء الطاهرين وارث علوم الط ... محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان الحمزي نسبًا والعدلي مذهبًا، فرغ من نسخه بذمار المحروسة في النصف الآخر من ذي الحجة من شهور سنة اثنتين وثمانين وسبع مئة، غفر الله لمالكه ولمـ ... ولوالديهم وللمسلمين ... » ثم على جانب الصفحة: «بلغ مقابلة بحسب الإمكان على الأم المنسوخ هو منها ... ». وهذه النسخة متوافقة مع النسخة الأزهرية الآتي وصفها (ز). _________ (1) هو العلامة المجتهد عبد القادر بن أحمد بن عبد القادر الكوكباني اليماني (1135 - 1207) أحد أعلمِ من رآهم الشوكاني قال عنه: «وبالجملة فلم تر عيني مثله في كمالاته، ولم أجد أحدًا يساويه في مجموع علومه، ولم يكن بالديار اليمنية في آخر مدته له نظير». انظر «البدر الطالع»: (1/ 360 - 368). (2) يعني: في ملك.

(المقدمة/34)


3 - نسخة برنستون رقم 1418 (ف) ــ وقفنا عليها مؤخرًا بعد طبع الكتاب ــ. تقع في 100 ورقة، في كل صفحة نحو 17 سطرًا، وهي أقدم نسخة وقفنا عليها، كُتبت في العشر الأول من المحرم سنة خمس وسبعمائة، بخط يوسف بن رسول بن أمير علي التركماني. كما جاء في آخرها. كتب العنوان على الصفحة الظهرية: «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، ثم اسم المؤلف، لكن ختم الفهرسة طمس على جزء من العنوان واسم المؤلف. وفي آخرها مقابلة على الجهة اليسرى بالأصل نصها: «قوبل بأصله من أوله إلى آخره فصح، لكن الأصل فيه ... كتبه: أبو بكر بن قاسم». وفي الجهة اليمنى قيد قراءة مؤرخ سنة 811 هـ، وعلى الغلاف وفي آخرها عدة تملّكات بعضُها مضروب عليها. 4 - نسخة الأزهرية (ز) وهي نسخة خزائنية تقع في (89 ورقة) في كل صفحة (17) سطرًا في كل سطر نحو عشر كلمات، وقد كتب على غلافها المذهَّب المزخرف في إطار مستطيل: «كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» ثم كتب تحته في إطار دائري: «رسم المقام الشريف مولانا القان الملك الطاهر محمد أبو سعيد أعزَّ الله أنصاره» ثم كتب تحته في إطار مستطيل: «تأليف الشيخ الإمام تقي الدين بن عبد السلام ابن تيمية رحمه الله». وعلى الجانب الأيسر من صفحة العنوان نص وقفيَّةٍ طويلة لم يظهر أولها لكنها مؤرَّخة بخامس شوال المبارك سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة. وفي رأس الورقة التي تليها كتبت وقفية أخرى فيها: «أوقف وحبس وتصدق به لوجه الله تعالى الجناب المكرم والملاذ المفخم أمير اللواء حسن بيك قردغلي وقفًا صحيحًا لا يباع ولا يوهب ولا يحبس، فمن بدله بعد ما سمعه

(المقدمة/35)


فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم». وقد كرر هذا الكاتب عبارة «وقف لله تعالى» عدة مرات في صفحات مختلفة من الكتاب. والنسخة خطها نسخي نفيس مضبوط غالبها بالشكل، وهي قليلة الخطأ، تتفق كثيرًا مع نسخة (ي) السالفة، كتب في خاتمتها: «نجز من كتابته مستهل شهر رمضان المعظم سنة خمس وخمسين وثمانمائة على يد العبد الضعيف المؤمل بالجنات أن يدخلها والمسلمين ويرتقي: محمد بن علي بن محمد الأزرقي، حامدًا ومسلِّمًا». 5 - نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم (3246)، وتقع في (70 ورقة) في كل صفحة (15) سطرًا، إلا أنه قد سقط منها عدة صفحات تبدأ من (ق 8 ب) وهو في مطبوعتنا من (ص 25 - 62) من قوله: «وفيما يدق حكمه ... » إلى: «وغيرهم من مال». والظاهر أنه سقطٌ قديم لأن الترقيم القديم في النسخة متسلسل لا خرم فيه. كتب على ورقة العنوان ــ بعد البسملة وبه ثقتي ــ: «كتاب السياسة الشرعية والقواعد النبوية في إصلاح الراعي والرعية، تأليف الشيخ الإمام ... » وكتب بعده بعض الكلمات التي لم تظهر بسبب الطمس أو الحبر المنتشر، وفيه أيضًا إثبات مطالعة لأحد القراء. وهي نسخة جيدة لولا السقط المشار إليه، وخطها نسخي نادر الإعجام، كتبت سنة (756)، جاء في آخرها: «أنهاه تعليقًا لنفسه العبد الفقير إلى الله تعالى: محمد بن محمد بن علي ... عفا الله عنه وعن المسلمين أجمعين، ووافق الفراغ منه يوم الخميس المبارك الرابع عشر من شهر الله المحرم سنة ستٍّ وخمسين وسبع مئة. حسبنا الله ونعم الوكيل»، ثم كتب تحته بخط مقارب: «فرغه نسخًا الفقير محمد بن ... في شهر صفر سنة (834)». وقد

(المقدمة/36)


رمزت لها بـ (ظ). 6 - النسخة الباريسية الثانية رقم (633)، وهي تقع في (57 ورقة)، في كل صفحة من (12 - 17) سطرًا. وحالة النسخة جيدة إلا ما وقع في الورقة الأولى من آثار بلل أو نحوه، وكذلك ما وقع من طمس أو اختفاء للكلمات الأخيرة في ظهر الأوراق (1 - 30) ولعله بسبب التجليد أو التصوير. كتب على ورقه العنوان: «كتاب السياسة الشرعية، تأليف الإمام العالم ... » وعلى جانبها الأيسر تملك لكن لم يظهر بسبب تآكل الورقة. وفي آخرها بعد الثناء على الله والتصلية على رسوله: «كتب بتاريخ ثاني عشرين شهر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وثمانمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل». وتحته فائدة في سؤال هرقل لكسرى في دوام الملك كيف يكون. وقد رمزتُ لها برمز (ب). 7 - نسخة ليدن رقم (2342)، وهي تقع في (43 ورقة) في كل صفحة (22 - 25) سطرًا. كتب على صفحة العنوان: «كتاب السياسة الشرعية في صلاح الراعيين (1) والرعية». ثم كتب تحت العنوان فائدة لم توجد إلا في هذه النسخة بالخط نفسه: «علقهن [كذا] رحمه الله حين سأله الأمير الكبير قيس (2) المنصوري فأجابه إلى ذلك، وعلَّقها في ليلة (3) واحدة رضي الله عنه وأرضاه آمين ... ». _________ (1) كذا في النسخة بياءين، بينما كتب في رأس الصفحة التي تليها وهي بداية الكتاب «الراعين» بياء واحدة. (2) كذا في النسخة وصوابه آقش كما تقدم (ص 19). (3) في النسخة «لية»، سهو.

(المقدمة/37)


والنسخة خطها ضعيف، ليس عليها تاريخ نسخ ولا اسم الناسخ، وهي من منسوخات القرن الثاني عشر تقديرًا، ويظهر لي أنه قد تعاور على نسخها أكثر من ناسخ لاختلاف الخطوط، ويحتمل أن يعود ذلك إلى اختلاف الأقلام أو حالات الناسخ. وقد وقع في الأوراق (12، 13) في نصفها الأسفل طمس كثير في كلماتها، سببه إما تآكل في النسخة أو نحو ذلك. وهي نسخة مقابلة، عليها العديد من علامات اللحق والمقابلة وتصحيح القراءة، فهي جيدة في الجملة من حيث الصحة، ويظهر لي أنها الأصل الذي طبع عنه الكتاب في «مجموع الفتاوى» للتوافق الكبير بينهما في النص. وقد رمزت لها بـ (ل). 8 - نسخة باريس الثالثة رقم (2444)، وهي تقع في (73 ورقة) في كل صفحة (15) سطرًا، وهي نسخة ناقصة من أولها بعد ورقة العنوان عدة أوراق، ومن الآخر كذلك، وليس على النسخة أي أثر للمقابلة أو التصحيح، وهي أقل النسخ جودة؛ ولذا لم أقابلها كاملة بل استفدت منها في مواضع. كتب على ورقة عنوانها: «كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تأليف الشيخ الإمام ... ». ثم كتب تحته تملك نصه: «انتقل هذا الكتاب إلى ملك كاتبه محمد بن ... الحنبلي بالبيع من محمود بن الزكي الد ... بثمن قدره اثنا عشر قطعة فضة في 23 صفر الخير سنة 1033». وقد رمزت لها بـ (س). وهنا نتقدم بالشكر الجزيل لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض على تفضله بتصوير مجموعة من المخطوطات التي اعتمدناها هنا، ونخص قسم المخطوطات ومديره الصديق الفاضل الشيخ

(المقدمة/38)


عبد العزيز بن فيصل الراجحي على تعاونهم المثمر مع الباحثين. أما النسخ الأخرى فهي عديدة كما سبق (1). * * * * _________ (1) انظر قائمة بها في «الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط ــ قسم الفقه وأصوله»: (4/ 707 - 708).

(المقدمة/39)


فوائد تتعلق بالكتاب 1 - كتاب السياسة الشرعية ترجمه: بير محمد بن علي العاشق، لإعلام حاله إلى السلطان سليم خان وبيان عجزه عن القضاء، وسماه: (معراج الإيالة ومنهاج العدالة)، وزاد فيه أشياء متعلقة بالحرب وبيت المال (1). 2 - قال العلامة صديق حسن القنوجي (ت 1307): كتاب «السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية الحراني رضي الله عنه وأرضاه، مختصر، وجدته في مكة المكرمة واستنسختها بيدي لنفسي ولمن أخلفه، وهو موجود في دار الكتب لي. ولله الحمد (2). 3 - شرحَه الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (ت 1421) رحمه الله تعالى، وطبع هذا الشرح باسم: «التعليق على السياسة الشرعية». * * * * _________ (1) «كشف الظنون» (ص 1011). (2) «أبجد العلوم» (2/ 330).

(المقدمة/40)


منهج التحقيق يتلخص في الآتي: 1 - اعتمدنا النسخة الأصل في إثبات جميع الزيادات الواردة فيها على النُسخ الأخرى بعدما ثبت لدينا أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأن النُّسَخ الأخرى إما منتقاة أو مهذبة من الأصل (كما سبق تفصيله)، إلا أنه قد تكررت في ثلاثة مواضع من الأصل عبارات سبقت بنصها، فإما أن يكون الناسخ قد سبق قلمه بتكرارها، أو كان لحقًا في الأصل لم يدر موضعه فكرره، أو نحو ذلك من الاحتمالات. وقد نبهنا على ذلك في مواضعه. انظر (ص 111، 113 - 114، 131). 2 - ولكون نسختنا هذه فريدة في الزيادات المشار إليها، فقد واجهنا صعوبة في قراءة بعض نصوصها، وقد صححنا ما تمكَّنا من معرفة وجهه، ونبهنا على ما أشكل في مواضعه. 3 - أما بقية نصوص الكتاب فاعتمدنا النص المختار في إثبات النص، ولم نلتزم نسخةً بعينها؛ لأن نسخة الأصل ــ كما شرحنا ــ ليست بالجودة التي يُرْكَن إليها، وفي النُّسخ التي اعتمدناها ما هو أكثر جودة منها. ولم نُغفل الإفادة من طبعة الكتاب المدرجة ضمن «مجموع الفتاوى»، وإليها الإشارة برمز (ط). 4 - خرّجنا الأحاديث والآثار وعزونا النصوص إلى أصولها ما أمكن. 5 - أثبتنا في هوامش الكتاب بعض التعليقات التي تناسب المقام من شرح الشيخ العلامة محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى، وكان في أصله

(المقدمة/41)


مسجلًا على الأشرطة، ثم فُرِّغ وطبع باسم «التعليق على السياسة الشرعية» (1). 6 - صنعنا مقدمة للكتاب تكلمنا فيها على بعض المسائل المتعلقة بالكتاب؛ كاسمه، وسبب تأليفه، ولمن ألِّف، وإثبات نسبته للمؤلف، وعن الزيادات الجديدة في نسختنا، وميزة هذه الطبعة على سابقاتها، ثم عرضنا موضوعات الكتاب وترتيب المؤلف له، ثم مطبوعاته ومخطوطاته. وفي ختامه صنعنا الفهارس الشاملة بنوعيها اللفظية والعلمية. والحمد لله على توفيقه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. * * * * _________ (1) له طبعتان: دار ابن حزم، ومدار الوطن، وكان العزو للأخيرة منهما لأنها المعتمدة من مؤسسة الشيخ العثيمين، إلا في مواضع أشرت إليها.

(المقدمة/42)


نماذج من النسخ الخطية

(المقدمة/43)


صفحة العنوان من نسخة شهيد علي (الأصل)

(المقدمة/45)


الصفحة الأولى من نسخة شهيد علي (الأصل)

(المقدمة/46)


الصفحة الأخيرة من نسخة شهيد علي (الأصل)

(المقدمة/47)


صفحة العنوان من نسخة باريس الأولى (ي)

(المقدمة/48)


الصفحة الأولى من نسخة باريس الأولى (ي)

(المقدمة/49)


الصفحة الأخيرة من نسخة باريس الأولى (ي)

(المقدمة/50)


صفحة العنوان من نسخة برنستون (ف)

(المقدمة/51)


الصفحة الأولى من نسخة برنستون (ف)

(المقدمة/52)


الصفحة الأخيرة من نسخة برنستون (ف)

(المقدمة/53)


صفحة العنوان من نسخة الأزهر (ز)

(المقدمة/54)


الصفحة الأخيرة من نسخة الأزهر (ز)

(المقدمة/55)


صفحة العنوان من نسخة الظاهرية (ظ)

(المقدمة/56)


الصفحة الأخيرة من نسخة الظاهرية (ظ)

(المقدمة/57)


الصفحة الأولى من نسخة باريس الثانية (ب)

(المقدمة/58)


الصفحة الأخيرة من نسخة باريس الثانية (ب)

(المقدمة/59)


صفحة العنوان من نسخة ليدن (ل)

(المقدمة/60)


الصفحة الأخيرة من نسخة ليدن (ل)

(المقدمة/61)


صفحة العنوان من نسخة باريس الثالثة (س)

(المقدمة/62)


الصفحة الأخيرة من نسخة باريس الثالثة (س)

(المقدمة/63)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله (1) الحمد لله الذي أوضحَ (2) لنا معالمَ الدين، ومنَّ علينا بالكتاب المبين. شرع لنا من الأحكام، وفصَل بين الحلال والحرام، فتقَدَّرت به مصالح الخلق، وثبتت به قواعد الحق، ووكل إلى ولاة الأمور ما أحسن فيه التقدير وأحكم به التدبير، فله الحمد على ما قدَّر ودبَّر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، {وَأَنْزَلْنَا (3) الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25]. وختمهم بمحمد نبينا (4) - صلى الله عليه وسلم - الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأيَّده بالسلطان النصير، الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة ومعنى القدرة والسيف للنُّصْرَة (5) والتعزير (6). _________ (1) اختلفت افتتاحيات النسخ، اكتفينا بذكرها في المقدمة عند الكلام على النسخ. (2) من هنا إلى قوله: «لا شريك له» من الأصل فقط. (3) بقية النسخ: «وأنزل». (4) من الأصل. (5) الأصل: «النصير»، والمثبت من بقية النسخ. (6) (ز، ب، ل): «والتعزيز» والتعزيز من العزَّة، ورجحه العثيمين في «شرحه» (ص 15 - 16) باعتبار السجع في بقية النسخ، وفيها: «وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً خالصةً خلاص الذهب الإبريز، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا يكون صاحبه في حرزٍ حريز».

(الكتاب/3)


وبعد (1)؛ فهذه رسالة تتضمّن (2) جوامعَ من السياسة الإلهية والإيالة (3) النبوية، لا (4) يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجبَ الله نُصْحَه من ولاة الأمور (5)، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ــ فيما ثبت عنه من غير وجه ــ: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولَّاه الله أمركم» (6). وهذه (7) رسالةٌ مبنية على آية الأمراء (8) في كتاب الله وهي قوله تعالى: _________ (1) (ف، ظ، ي، ز): «أما بعد». (2) في غير الأصل: «مختصرة فيها». (3) (ظ): «الآثار»، و (ط): «الآيات»، وعلق في هامش (ز): «لعلها الولاية كما يدل عليه آخر الكلام». والصواب المثبت من باقي النسخ، والإيالة هي: السياسة. انظر «اللسان»: (11/ 36)، وصرح بذلك المصنف في «مجموع الفتاوى»: (22/ 463)، وابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص 229 - عالم الفوائد). (4) الأصل و (ي): «ولا». (5) جاء على ورقة العنوان في نسخة (ل) بيان اسم الأمير المكتوبة له الرسالة وفيها: «كتاب السياسة ... علقها - رحمه الله - حين سأله الأمير قيس (كذا وصوابه: آقُش) المنصوري فأجابه إلى ذلك. وعلَّقها في ليلة واحدة رضي الله عنه وأرضاه». وراجع المقدمة في تصحيح اسمه والتعريف به. (6) أخرجه مسلم (1715) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (7) (ز): «مَبْنية». وعلق في الهامش: «قوله مبنية صفة لـ (رسالة). وقوله: (الرسالة) لعله: أي الرسالة. وكان بالهامش فألحق بالصلب». (8) المثبت من (ي، ز) ويؤيده قول المصنف في رسالة مخطوطة: «آية ولاة الأمور، والأصل: «أنه الأمر»، و (ط): «آيتين من» ورجحه العثيمين في «شرحه» (ص 17) و (ظ) وبعض النسخ: «آية الأمر».

(الكتاب/4)


{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ [أ/ق 2] إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 58 - 59]. قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم طاعة (1) أولي الأمر الفاعلين لذلك في قَسْمهم وحُكْمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله عز وجل. فإذا أمروا بمعصية الله عز وجل (2) فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وإن لم تفعل ولاةُ الأمر ذلك أُطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأُدِّيت حقوقُهم إليهم كما أمر الله ورسوله، وأُعِينوا على البر والتقوى، ولا يُعَانون على الإثم والعدوان (3). وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جِماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة. _________ (1) (ف، ي، ظ، ز): «أن يطيعوا». (2) «فإذا أمروا بمعصية الله عز وجل» ليست في (ي، ز). (3) في (ظ، ط) بدلًا من العبارة الأخيرة قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

(الكتاب/5)


 فصل أما أداء الأمانات ففيه نوعان:

  أحدهما: الولايات، وهو كان سبب نزول الآية.

فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة وتسلَّم مفاتيح الكعبة من بني شيبة (1)، طلبها منه العباس ليجمع له بين سِقاية الحاج وسِدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية، فدفع (2) مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة (3). فيجب على وليِّ الأمر أن يولِّي على كل عملٍ من أعمال المسلمين أصلح مَن يجده لذلك العمل. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من وَلِيَ من أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلًا وهو يَجِد مَن هو أصلحُ للمسلمين منه، فقد خانَ اللهَ ورسولَه وخانَ (4) المؤمنين» رواه الحاكم في «صحيحه» (5). _________ (1) (ز): «بني أبي طلحة» وكذا في الموضع الثاني، وهو صحيح. والذي سلم مفاتيح الكعبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ردَّها إليه هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، ومن ولده: شيبة، والنسبة إلى الشيبي، ومعهم مفاتيح الكعبة إلى يومنا هذا. انظر «تفسير الطبري»: (7/ 171)، و «جمهرة الأنساب» (ص 127) لابن حزم، و «الإصابة»: (4/ 450 - 451). (2) (ظ): «فأعاد». (3) أخرجه ابن جرير: (7/ 171)، وابن المنذر في «تفسيره»: (2/ 762) عن ابن جريج، وأخرجه ابن مردويه ــ كما في «الدر المنثور»: (2/ 312) عن ابن عباس. (4) «وخان» من الأصل. (5) «المستدرك»: (4/ 92 - 93)، وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (1462)، وابن عدي في «الكامل»: (2/ 352)، والعقيلي في «الضعفاء»: (1/ 247) من طريق حسين بن قيس الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأن حسين بن قيس ضعيف. وقال العقيلي في ترجمة الرحبي: وله غير حديث لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به. وقال: إن هذا الحديث يُرْوى من كلام عمر بن الخطاب. ورواه البيهقي: (10/ 115)، والطبراني في «الكبير» (11216)، وأبو نعيم في «فضيلة العادلين» (ص 107)، والخطيب في «تاريخه»: (6/ 76) من طرقٍ أخرى عن ابن عباس، وكلها ضعيفة. انظر «نصب الراية»: (4/ 62)، و «السلسلة الضعيفة» (4545).

(الكتاب/6)


وفي رواية (1): «من قلَّدَ رجلًا عملًا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين». وروى بعضهم (2) أنه من قول عمر لابن عمر، روى ذلك عنه (3). وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: من وَلي من أمر المسلمين شيئًا فولَّى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين. وهذا واجبٌ عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نُوَّابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نُوَّاب ذي السلطنة (4)، والقضاة ونحوهم، ومن (5) أمراء الأجناد ومُقدَّمي العساكر الكبار والصغار، وولاة الأموال؛ من الوزراء والكتاب والشادِّين (6) والسُّعاة على الخراج _________ (1) لم أجد هذا اللفظ. (2) ذكره العقيلي (1/ 247) بدون إسناد. (3) هذه الفقرة سقطت من (ف، ظ). وفي (ي): «لأن ابن عمر». (4) بقية النسخ: «السلطان». (5) الأصل: «من». (6) شادّ، مفرد جمعه مشدِّية، من الشد بمعنى الضبط والتفتيش. والشادُّ موظَّف من العَصْرَيْن الأيوبي والمملوكي، كانت الدولة تعهد إليه القيام ببعض الأعمال التي يضاف اسمها إلى هذا اللقب، فيقال: شادّ الحوش للمسؤول عن إصلاح حوش القلعة ونحوه، وشادّ الخاص للذي كان إليه النظر في استخلاص المال وما يحتاجه السلطان، وشاد الزردخاناه وهو المسؤول عن آلات الحرب بأنواعها، وهو المسؤول أمام السلطان عن العاملين في مجال صناعة الأسلحة. ومنهم شادُّ الأوقاف، وشادُّ الزكاة، وغيرهم. انظر «معجم المصطلحات والألقاب التاريخية» (ص 265) للخطيب، و «المعجم الكبير»: (2/ 40) و (5/ 379، 382) لأحمد تيمور باشا.

(الكتاب/7)


والصدقات، وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح مَن يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة، والمؤذنين، والمقرئين، والمعلمين، وأمراء الحاج، والبُرُد، والعيون ــ الذين هم القصاد ــ وخُزَّان الأموال، وحُرَّاس الحصون، والحدادين ــ الذين هم البوابون على الحصون والمدائن ــ ونُقباء العساكر [أ/ق 3] الكبار والصغار، وعُرَفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القرى ــ الذين هم الدهاقين ــ. فيجب على كل مَن ولي شيئًا من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح مَن يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلبَ الولاية (1)، أو سبق في الطلب، بل ذلك سبب المنع. فإن في «الصحيحين» (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية، فقال: «إنَّا لا نوليِّ أمرنا هذا مَن طلبه». _________ (1) ليست في (ف، ظ، ي). (2) أخرجه البخاري (2261)، ومسلم (1824) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.

(الكتاب/8)


وقال لعبد الرحمن بن سَمُرَة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعْطِيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها» أخرجاه في «الصحيحين» (1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن طلبَ القضاءَ واستعانَ عليه وُكِلَ إليه، ومَن لم يطلب القضاءَ ولم يستعِنْ عليه، أنزل الله إليه ملَكًا يُسَدِّدُه» رواه أهل السنن (2). فإن عَدَل عن الأحقِّ الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة، أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير _________ (1) أخرجه البخاري (6622)، ومسلم (1652) من حديث عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه -. (2) أخرجه أحمد (13302، 12184)، وأبو داود (3587)، والترمذي (1323)، وابن ماجه (2309)، والحاكم: (4/ 92)، والبيهقي: (10/ 100)، والضياء في «المختارة» (1581، 1580) من حديث إسرائيل عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي عن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أنس - رضي الله عنه - به. وصححه الحاكم. لكن عبد الأعلى ضعيف. وأخرجه الترمذي (1324)، والبيهقي: (10/ 100) من حديث أبي عوانة عن عبد الأعلى بن عامر عن بلال بن مرداس عن خيثمة عن أنس به. وهذا الطريق فيه ــ إضافة إلى عبد الأعلى ــ بلال بن مرداس مجهول، وخيثمة قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو أصح من حديث إسرائيل عن عبد الأعلى. وتعجب ابن القطان من كلام الترمذي وقال: إن إسرائيل أحد الحفاظ، ولولا ضعف عبد الأعلى، كان هذا الطريق خيرًا من طريق أبي عوانة الذي فيه خيثمة وبلال بن مرداس. اهـ من «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 547 - 548).

(الكتاب/9)


ذلك من الأسباب، أو لِضِغَنٍ في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما= فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نُهي عنه في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ثم قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 27 - 28]. فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، وكذلك قد يؤثر زيادةَ ماله أو حفظه (1) بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله والرسول وأمانته (2). ثم إن المؤدي للأمانة ــ مع مخالفة هواه ــ يُثيبُه (3) الله فيحفظه في أهله وماله بعده. والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده فيُذِلُّ أهلَه ويُذهِب مالَه. وفي ذلك الحكاية المشهورة: أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عن بعض ما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز وقد قيل له: يا أمير المؤمنين أفرغت (4) أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم (5) ــ وكان في مرض موته ــ فقال: أدخلوهم عليَّ، فأدخلوهم ــ _________ (1) في بعض النسخ: «يورث زيادة ... »، و (ي): «زيادة حفظه أو ماله». وفي المطبوعة مع شرح العثيمين: «زيادة حظه» ولم يشر إلى مصدر التغيير. (2) بقية النسخ: «وخان أمانته». (3) أكثر النسخ: «يثبته» والمثبت من (ظ) وهو المناسب للسياق. (4) (ف، ي، ظ، ز): «أفغرت»، وفي (ل): «أفقرت». (5) سقطت من الأصل.

(الكتاب/10)


وهم بضعة عشر ذكرًا (1) ليس فيهم بالغ ــ فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بني والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموالَ الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولَّى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخَلِّف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني (2). قال: فلقد رأيت بعضَ ولده حَمَل على مئة فرس في سبيل الله. يعني: أعطاها لمن يغزو عليها. قلت: هذا وقد كان خليفةَ المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وغيرها، ومن جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى [أ/ق 4] اليمن. وإنما أخذ كل واحد من أولاده من ماله (3) شيئًا يسيرًا يقال: أقل من عشرين درهمًا. قال: وحضرتُ بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمئة ألف دينار. ولقد رأيت بعضهم يتكَفَّفُ الناس ــ أي: يسألهم بكفه ــ. وفي هذا الباب من الحكايات (4) والوقائع المشاهدة في هذا الزمن، والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة (5) لكل ذي لب. _________ (1) (ي): «رجلًا ذكرًا». (2) أخرجه القصة بنحوها البسوي في «المعرفة والتاريخ»: (1/ 147، 137)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (25/ 272، 45/ 252)، وابن الجوزي في «سيرة عمر بن عبد العزيز» (ص 320)، وأخرجها ابن سعد: (7/ 393) مختصرة. (3) (ف، ي، ظ، ز): «تَرِكَته»، وسقطت من (ل، ب). (4) ليست في الأصل. (5) (ف، ي): «عبر».

(الكتاب/11)


وقد دلَّت سنةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع: مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر - رضي الله عنه - في الإمارة التي هي الولاية (1): «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها» رواه مسلم (2). وروى البخاري في «صحيحه» (3) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة» قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (4). وقد أجمع المسلمون على معنى هذا، فإنَّ وصيَّ اليتيم، وناظر الوقف، ووكيل الرجل في ماله، عليه أن يتصرف له بالأصلح فالأصلح، كما قال الله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 34]، ولم يقل: إلا (5) بالتي هي حسنة. _________ (1) «التي هي الولاية» من الأصل. (2) (1825). قال الشيخ ابن عثيمين في «شرحه» (ص 32) تعليقًا على الحديث: (فلابد من أمرين ــ أي لجواز تولي الولايات ــ أمر سابق وأمر مقارن، الأمر السابق: هو أن يأخذها بحقها بحيث يكون أهلًا لها. والثاني المقارن: أن يؤدِّي ما أوجب الله عليه فيها، فمن لم يكن أهلًا فإنه لا يحل له أن يتولَّاها حتى لو عُرِضت عليه، ومن كان أهلًا ولكن خاف أن لا يعدل فإنه أيضًا لا يجوز له أن يتولاها؛ لأن الله تعالى قال في العدل بين النساء ــ وهو دون ذلك ــ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3] ... فكيف بالولاية؟!). (3) (59). (4) هذا الحديث سقط من (ي). (5) ليست في (ظ).

(الكتاب/12)


وذلك لأن (1) الوالي راعٍ على الناس، بمنزلة راعي الغنم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» (2). أخرجاه في «الصحيحين» (3). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما مِن راعٍ يسترعيه الله رعيةً يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لها إلا حرّم الله عليه رائحةَ الجنّة» رواه مسلم (4). ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: أيها الأمير (5). فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول. فقال: إنما أنت أجير استأجرك ربُّ هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هَنَأْتَ جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبست أُولاها على أُخراها وفَّاك سيدُها أجرَك، وإن أنت لم تَهْنَأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على _________ (1) (ي): «أن». (2) «ألا ... رعيته» ليست في الأصل و (ي). (3) البخاري (893)، ومسلم (1829) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -. (4) رقم (142)، وأخرجه البخاري (7150) من حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه -. (5) في النسخ خلاف في عدد المرات التي رُدَّ فيها على أبي مسلم، والمثبت من الأصل.

(الكتاب/13)


أخراها عاقبك سَيِّدُها (1). وهذا ظاهر الاعتبار، فإن الخلقَ عبادُ الله، والولاة نُوَّاب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الولاية والوكالة. ثم الوليّ (2) والوكيل متى استناب في أموره رجلًا وترك مَن هو أصلح (3) _________ (1) أخرج القصة أبو نعيم في «الحلية»: (2/ 125)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (27/ 223)، (67/ 218) وقال: هذه الحكاية محفوظة عن أبي مسلم الخولاني. قوله: «هنأت جرباها» الهناء هو القطران، يقال: هنأت البعير إذا طليته لعلاجه بالقطران. انظر «النهاية في غريب الحديث»: (5/ 276). وقوله: «حبست أولاها على أخراها» أي: تمنع عِلْيَة القوم أن يتقدموا على مَن دونهم، بل تجعلهم سواسية لا يتقدم أحد على أحد. علق الشيخ العثيمين على القصة في «شرحه» (ص 36) بما حاصله: (هذا الكلام العجيب يدل على أمرين: الأول: جرْأة السلف على مجابهة الملوك والخلفاء، ومَن دونهم من باب أولى، وهي جُرْأة بصراحة وأمامهم ليست جرأة من وراء الجدران. الثاني: حِلْم الخلفاء السابقين، وعلمهم بأنهم كما يقال لهم، فهو يقول: هو أعلم بما يقول. وهذا إقرار من معاوية على ما قاله أبو مسلم الخولاني ... فأبو مسلم جريء، ولا يعد هذا جفاء منه على الولاة إذ الولاة في وقتهم يتحمَّلون مثل هذا، ولا يرون في هذا مصلحةً لهم، حيث يقول لهم الناصح أمام الناس مثل هذا الكلام وهم صابرون وموافقون عليه ... ) اهـ بتصرف. (2) (ف): «الوالي». (3) (ي، ظ): «أصلح منه».

(الكتاب/14)


للتجارة أو العقار منه، أو باع السلعة بثمن، وهو يجد من يشتريها بخير (1) من ذلك الثمن، فقد خان صاحبه، لاسيما إن كان بينه وبين مَن حاباه مودة أو قربة، فإن صاحبه يبغضه ويذمّه، ويرى أنه قد خانه وداهن قريبَه (2) [أ/ق 5] أو صديقَه. فصل إذا عُرِفَ هذا فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده مَن هو أصلح (3) لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصبٍ بحسبه. وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخْذِه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذه المواضع من أئمة العدل والمقسطين (4) عند الله. وإن اختلَّت بعضُ الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقال جل جلاله في الجهاد: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 84]، وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]. فمن أدى الواجبَ المقدورَ عليه فقد اهتدى، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا _________ (1) (ظ): «بأكثر». (2) (ظ): «قرابته». (3) (ف، ي، ظ، ز): «صالح». (4) (ف): «في هذا الموضع»، و (ي، ز): «المقسطين».

(الكتاب/15)


أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم». أخرجاه في «الصحيحين» (1)، لكن إن كان منه عجزٌ بلا (2) حاجة إليه أو خيانة عوقب على ذلك (3). وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة، كما قال تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، وقال صاحب مصر ليوسف عليه الصلاة والسلام: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54]، وقال تعالى في صفة جبريل عليه السلام: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19 - 21]. والقوة (4) في كل ولايةٍ بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى (5) الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها ــ فإن الحرب خدعة ــ و [إلى] (6) القدرة على أنواع القتال؛ مِن رميٍ وطعن وضرب، وركوبٍ وكرٍّ وفرٍّ، ونحو ذلك، كما قال تعالى: {يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ} [الأنفال: 60]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليَّ من أن تركبوا، ومَن تعلَّمَ الرميَ ثم نسيه فليس مِنَّا» (7). وفي _________ (1) البخاري (7288)، ومسلم (1337)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) في الأصل و (ظ، ب): «فلا»، وفي (ف، ي، ز): «ولا». والمثبت من (ب، ط). (3) (ظ): «على كل». (4) (ف، ي، ظ): «والقوي». (5) ليست في (ف، ي، ظ). (6) من بقية النسخ. (7) ساق المؤلف هذا اللفظ مساق حديثٍ واحد، ولم أجده كذلك. والشطر الأول جزء من حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أخرجه أحمد (17300)، وأبو داود (2513)، والترمذي (1637)، والنسائي (3578)، وابن ماجه (1811)، والحاكم: (2/ 95) وغيرهم. وفي سنده اختلاف، والحديث قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. والشطر الثاني أخرجه مسلم (1919) من حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه -.

(الكتاب/16)


رواية: «فهي نعمةٌ جَحَدها» (1) رواه مسلم. والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة (2) على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى وترك خشية الناس (3)، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل مَن حَكَم على الناس في قوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة. فرجلٌ عرفَ (4) الحقَّ وقضى بخلافه فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجلٌ علمَ الحقَّ وقضى به فهو في الجنة» رواه أهل السنن (5). _________ (1) جزء من حديث عقبة المتقدم في «السنن» لكن بلفظ: « ... فإنها نعمة تركها أو قال: كَفَرَها». ولفظ المؤلف جاء من حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني في «الصغير»: (1/ 197)، والخطيب في «تاريخ بغداد»: (7/ 452) وغيرهم. قال أبو حاتم الرازي في «العلل» (939): هذا حديث منكر. وليست هذه الرواية عند مسلم. (2) الأصل «القوة» وما في النسخ أصح. (3) قوله: «وترك خشية الناس» مكانها بعد قوله: «قليلًا» في (ي، ظ، ز). (4) بقية النسخ: «علم» وهو في بعض ألفاظ الحديث. (5) أخرجه أبو داود (3573)، والترمذي (1322)، والنسائي في «الكبرى» (5891)، وابن ماجه (2315)، والحاكم: (4/ 90)، والبيهقي: (10/ 116) وغيرهم من طرق متعددة بألفاظ مختلفة من حديث بريدة - رضي الله عنه -. قال أبو داود: «وهذا أصح شيء فيه، يعني: حديث ابن بريدة: القضاة ثلاثة»، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وصححه ابن حزم في «الإحكام»: (6/ 215)، وابن الملقِّن في «البدر المنير»: (9/ 552)، والعراقي في «تخريج الإحياء»: (1/ 40)، وأفرد طرقه الحافظ ابن حجر في جزء.

(الكتاب/17)


فالقاضي اسم لكل مَن حكم بين اثنين (1)، سواء سُمِّيَ خليفةً أو سلطانًا أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له، حتى مَن يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ظاهر. فصل اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: اللهم إليك أشكو جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة (2). فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا عُيِّن (3) رجلان أحدهما [أ/ق 6] أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فيُقَدَّم في إمارة الحروب الرجل القويّ الشجاع ــ وإن كان فيه فجور ــ على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا، كما سئل الإمام أحمد (4) عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قويٌّ فاجر والآخر _________ (1) (ف، ظ، ل، ب، ط): «من قضى بين اثنين أو حكم بينهما». (2) لم أجده، وقد ذكره المصنف أيضًا في «منهاج السنة»: (6/ 401). ولم يعزه. (3) (ظ، ي، ط): «تعين». (4) لم أجد نص الرواية، وانظر في معناها «المغني»: (13/ 14)، و «الكافي»: (4/ 132)، و «الإنصاف»: (4/ 119).

(الكتاب/18)


ضعيف صالح، مع أيهما يُغْزَى (1)؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، يُغْزَى مع القوي الفاجر. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (2)، وروي: «بأقوام لا خلاق لهم» (3)، فإذا لم يكن فاجرًا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسدّ مسدَّه. ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل خالدَ بنَ الوليد على الحرب منذ أسلم، وقال: «إن خالدًا سيفٌ سلَّه الله على المشركين» (4) مع أنه أحيانًا قد كان _________ (1) (ي): «نغزو»، (ظ): «يغزو». (2) أخرجه البخاري (3062)، ومسلم (111) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (3) روي بهذا اللفظ عن عدد من الصحابة، أحسنها حديث الحسن عن أنس، أخرجه الترمذي في «العلل الكبير»: (2/ 955 - 956)، والبزار (1721)، والطبراني في «الأوسط» (1969)، و «الصغير»: (1/ 121). وحكى الترمذي عن البخاري أنه قال: حديث حسن. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (8834)، وابن حبان (4517)، والبزار (1722)، والطبراني في «الأوسط» (2758) جميعًا من حديث أبي قِلابة عن أنس. صححه ابن حبان والعراقي في «تخريج الإحياء»، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. وأخرجه أحمد (20454)، وابن عدي في «الكامل»: (2/ 150)، والطبراني كما في «المجمع»: (5/ 548) عن الحسن عن أبي بكرة. قال الهيثمي: رجالهما ثقات. (4) أخرجه أحمد (43)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (696)، والطبراني (3798)، والحاكم: (3/ 298) من حديث أبي بكر - رضي الله عنه -. قال الهيثمي في إسناد أحمد والطبراني في «المجمع»: (9/ 348): رجالهما ثقات. وله شواهد عن عدد من الصحابة، وأخرج البخاري (4262) من حديث أنس في قصة مؤتة: ( ... حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم).

(الكتاب/19)


يعمل ما ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى إنه مرةً رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فَعَل خالد» (1) لما أرسله إلى جَذِيمة (2)، فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يُجَوِّز ذلك، وأنكره عليه بعض مَن كان (3) معه من الصحابة، حتى وَدَاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وضمن أموالهم. ومع هذا فما زال يقدِّمه في إمارة الحرب؛ لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفَعَل ما فَعَلَه بنوع تأويل. وكان أبو ذر - رضي الله عنه - أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيم» رواه مسلم (4). ونهى أبا ذر عن الإمارة والولاية لأنه رآه ضعيفًا. مع أنه قد رُوِي: «ما أظلَّت الخضراءُ ولا أقلَّت الغَبْراء أصدقُ لهجةً من أبي ذر» (5). _________ (1) أخرجه البخاري (4339) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -. (2) الأصل وف: «بني جذيمة»، خطأ. (3) من الأصل. (4) (1826). (5) أخرجه أحمد (6519)، والترمذي (3801)، وابن ماجه (156)، والحاكم: (3/ 342) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -. قال الترمذي: حديث حسن. وأخرجه الترمذي (3802)، وابن حبان (7132)، والحاكم: (3/ 342) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حديث حسن غريب، وصححه ابن حبان، والحاكم على شرط مسلم، وفيه نظر. وصححه الألباني. وللحديث شواهد عن عدد من الصحابة.

(الكتاب/20)


وأمَّرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مرةً عَمْرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل ــ استعطافًا لأقاربه الذين بعثه إليهم ــ على مَن هو أفضل منه (1). وأمَّر أسامة بن زيد لأجل طلب ثأر أبيه (2). وكذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة راجحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير مَن هو أفضل منه في العلم والإيمان. وهكذا كان أبو بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الرِّدَّة، وفي فتوح العراق والشام، وبَدَت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذُكِر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزِلْه من أجلها، بل عَتَبَه (3) عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه (4)، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خُلُقه يميل إلى الشِّدَّة، فينبغي أن يكون خُلُق نائبه يميل إلى اللين، وإذا كان خُلُقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، ليعتدل الأمر. ولهذا كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - يُؤثِر استنابةَ خالد، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يؤثر عزلَ خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح؛ لأن خالدًا كان شديدًا كعمر، وأبا عبيدة كان ليِّنًا كأبي بكر، فكان [أ/ق 7] الأصلح لكل منهما أن يولي مَن ولاه؛ ليكون أمره معتدلًا، ويكون بذلك مِن خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو معتدل، حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا نبيُّ الرحمة، أنا نبيُّ _________ (1) أصله في البخاري (4358)، ومسلم (2384)، وانظر «سيرة ابن هشام»: (ق 2/ 4/623 - 624). (2) انظر «سيرة ابن هشام»: (ق 2/ 4/641 - 642). (3) (ي): «عاتبه»، (ظ): «لم يعبه». (4) (ظ، ل، ب): «إبقائه».

(الكتاب/21)


المَلْحَمَة» (1). وقال: «أنا الضَّحُوك القَتَّال» (2)، وأمته وسط، قال الله تعالى فيهم: _________ (1) أخرجه البخاري في «الأوسط»: (1/ 81)، وأبو يعلى (7207)، ومِن طريقه ابن حبان (6314) من طريق الأعمش، والطبراني في «الأوسط» (2737) من طريق مِسْعر= كلاهما عن عَمْرو بن مُرَّة عن أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري بلفظه. لكن أخرجه مسلم (2355) من طريق الأعمش عن عَمْرو به بلفظ: « ... نبي التوبة، ونبي الرحمة». وأخرجه أحمد (19621) وابن أبي شيبة: (6/ 311) وغيرهما من طريق المسعودي عن عمرو به بلفظ: « ... نبي التوبة، ونبي الملحمة». وأخرج الطيالسي (9) من حديث جبير بن مطعم بلفظ حديث مسلم، ورُوي نحوه عن غيره من الصحابة. (2) نسبه المصنف حديثًا في عدد من كتبه مثل «المنهاج»: (6/ 138)، و «الدرء»: (2/ 115)، وكذا ابن كثير في موضع من «تفسيره»: (4/ 1728). وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (ص 32 - السيرة): إنه جاء في بعض الآثار عنه - صلى الله عليه وسلم - ... ، ومثله ابن كثير في «التفسير»: (3/ 1193) و «الفصول» (ص 265). ولم نجد الحديث، وإنما وجدنا أثرًا عن ابن عباس أخرجه ابن فارس في «أسماء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعانيها» (ص 31، 37) قال: حدثنا سعيد بن محمد بن نصر، حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، قال: حدثنا عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وعن مقاتل عن ابن عباس قال: (اسمه في التوراة: أحمد الضحوك القَتَّال، يركب البعير، ويلبس الشَّمْلة، ويجتزئ بالكِسْرَة، سيفه على عاتقه). ونسبه ابن القيم في «هداية الحيارى» (ص 363) إلى بعض الكتب المتقدمة. وانظر «النهجة السوية» (ص 188، 212) للسيوطي. وفي معنى «الضحوك القتال» قال ابن فارس: «وإنما سمي الضحوك؛ لأنه كان طيب النفس فَكِهًا على كثرة من يأتيه ويَفِد عليه من جُفاة العرب ... وإنما سمي بالقتال؛ لحرصه على الجهاد ومسارعته إلى القِراع». وقال ابن القيم في «هداية الحيارى»: «وأما صفته - صلى الله عليه وسلم - في بعض الكتب المتقدّمة بأنه «الضحوك القتال» فالمراد به أنه لا يمنعه ضحكه وحُسْن خلقه ــ إذا كان حدًّا لله وحقًّا له ــ ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه فيعطي كلَّ حالٍ ما يليق بتلك الحال، فترك الضحك بالكلية من الكبر والتجبر وسوء الخلق، وكثرته من الخِفَّة والطيش، والاعتدال بين ذلك». وأما كيفية إطلاق الاسمين فقال ابن القيم في «الزاد»: (1/ 87): «وأما الضحوك القتال فاسمان مزدوجان لا يُفْرد أحدهما عن الآخر، فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين غير عابس ولا مقطِّب ولا غضوب ولا فظ. قتَّال لأعداء الله لا تأخذه فيهم لومة لائم». وانظر (شرح العثيمين: 25 ط ابن حزم).

(الكتاب/22)


{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، وقال تعالى: {وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى} [المائدة: 54]. ولهذا لما ولي أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - صارا كامِلَين في الولاية، واعتدل منهما ما كانا يُنْسَبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن لين أحدهما وشدّة الآخر، حتى قال فيهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (1). _________ (1) أخرجه أحمد (23276)، والترمذي (3662)، وابن ماجه (97)، وابن حبان (6902)، والحاكم: (3/ 75). من طريق رِبعي بن خراش عن حذيفة - رضي الله عنه -. قال الترمذي: هذا حديث حسن, وقال العقيلي في «الضعفاء»: (4/ 94 - 95): (يروى عن حذيفة بأسانيد جياد تثبت) , وصححه ابن حبان, وقال الحاكم: (هذا حديث من أجلِّ ما روي في فضائل الشيخين, وقد أقام هذا الإسناد عن الثوري ... فثبت بما ذكرنا صحة هذا الحديث, وإن لم يخرجاه) اهـ. وحسَّنه ابن الملقن في «البدير المنير»: (9/ 578). وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي (3805) , والبزار «الكشف» (2679) , والطبراني في «الكبير» (8458) , و «الأوسط» (3828)، والحاكم: (3/ 75 - 76). قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث) اهـ، وقال الحاكم: بإسناد صحيح.

(الكتاب/23)


وظهر من أبي بكر - رضي الله عنه - مِن شجاعة القلب في قتال أهل الردة وغيرهم ما بَرَّزَ به على عمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين (1). وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قُدِّم الأمين (2)، مثل حفظ الأموال ونحوها. فأما استخراجها وحفظها (3) فلا بد فيه من قوة وأمانة، فيولى عليها شادّ (4) قويّ يستخرج الأموال بقوته (5)، وكاتبٌ أمينٌ يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين. وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جُمِع بين عدد، فلابد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولَّى إذا لم تقع الكفاية بواحدٍ تام. ويُقَدَّم في ولاية القضاء الأعْلَم الأورَع الأكْفأ، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قُدِّمَ ــ فيما قد يظهر حكمُه ويُخاف فيه الهوى ــ الأورعُ (6)، _________ (1) انظر «منهاج السنة»: (8/ 79 - 80). (2) (ي): «قدم الأمير الأمين». (3) (ظ، ب): «من متحفظها». (4) تقدم تفسيرها (ص 9). (5) (ظ، ط): «يستخرجها بقوته»، (ي، ز): «يستخرج بقوته». (6) من هنا إلى (ص 62) ساقط من (ظ).

(الكتاب/24)


وفيما يدِقُّ (1) حكمه ويُخاف فيه الاشتباه الأعلم. ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يحب البصر الناقد (2) عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» (3). ويقدَّمان على الأكفأ إن كان القاضي مؤيدًا تأييدًا تامًّا من جهة والي الحرب أو العامة. ويقدَّم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي المُطْلَق يحتاج أن يكون عالمًا عادلًا قادرًا، بل وكذلك كل والٍ للمسلمين، فأيُّ صفةٍ من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه. والكفايةُ: إما بقهر ورهبة (4)، وإما بإحسان ورغبة، وفي الحقيقة فلابد منهما. وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يتولى القضاء إلا عالم فاسق (5) _________ (1) (ف): «ندر». (2) (ط، ز): «النافذ»، وهو كذلك في أكثر المصادر، ويبدو أن الخلاف قديم ففي «تاج العروس»: (7/ 55): (البصير الناقد هكذا بالقاف والدال في سائر النُّسَخ، والذي في التكملة وغيرها: النافذُ في كُلِّ شيءٍ بالفاءِ) اهـ. (3) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (1081، 1080)، والبيهقي في «الزهد الكبير» (954)، وأبو نعيم في «الحلية»: (6/ 199) من حديث عمران بن حصين. قال البيهقي: تفرد به عمر بن حفص، قال العراقي في «تخريج الإحياء»: (2/ 1186): وفيه عمر بن حفص العدني ضعفه الجمهور. وقال المصنف: مرسل. «مجموع الفتاوى»: (7/ 540). (4) ليست في (ز). (5) (ز): «فاسق عالم».

(الكتاب/25)


أو جاهل دَيِّن (1)، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدِّين أكثر لغلبة الفساد، قُدِّم الدَّيِّن، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات، قُدِّم العالم (2). وأكثر العلماء يقدِّمون ذا الدين، فإن الأئمة متفقون على أنه لابدّ في المتولي من أن يكون عدلًا أهلًا للشهادة (3). واختلفوا في اشتراط العلم (4) هل يجب أن يكون مجتهدًا، أو يجوز أن يكون مقلدًا؟ أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال (5). وبَسْط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع (6). ومع أنه يجوز تولية غير الأهل (7) للضرورة إذا كان أصلح الموجود، [أ/ق 8] فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما _________ (1) هل المقصود بالجاهل هنا المقلد الذي يقابل المجتهد أو العامي؟ فيه نزاع. انظر: «رد المحتار»: (8/ 46)، و «شرح العثيمين» (ص 58). (2) علق الشيخ العثيمين في «شرحه» (ص 59) بقوله: «يعني إذا كانت المسائل مشتبهة مشتبكة تخفى، وتحتاج إلى عالم جيد؛ فهنا يُقدَّم العالم على الدَّيّن، وإذا كان الهوى والشر والفساد والرشوة فاشية يُقَدَّم الدَّيِّن على العالم، وكلٌّ منهما أهل للقضاء». (3) انظر «البيان»: (13/ 20) للعمراني، و «المغني»: (14/ 13 - 14). (4) (ي): «العالم». (5) الخلاف في ذلك مع أبي حنيفة إذ أجاز تولية المقلد، انظر «رد المحتار»: (8/ 46 - 47)، و «المغني»: (14/ 13)، و «البيان»: (13/ 19). (6) من قوله: «وأكثر العلماء ... » إلى هنا ساقط من (ف). (7) فوقها في (ي) علامة ×× وكتب في الهامش: (الظاهر: الأمثل).

(الكتاب/26)


لا بد منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المُعْسِر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يُطْلَب منه إلا ما يقدر عليه، وكما يجب الاستعدادُ للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها، فإنه لا يجب تحصيلها؛ لأن الوجوب هناك لا يتم إلا بها. فصل والمهم (1) في هذا الباب معرفة الأصلح (2) وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرِفَت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين قدَّموا في ولايتهم من يُعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته (3). وقد كانت السُّنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم هم أمراء الحرب، الذين هم نُوَّاب ذي السلطان على الجند، ولهذا لما قدَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر في الصلاة، قدَّمَه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرًا على حرب (4) كان هو الذي يؤمُّ _________ (1) (ط): «وأهم ما». (2) (ي): «الإصلاح» وكتب فوقها: الظاهر: الأصلح. (3) علق الشيخ العثيمين في «شرحه» (ص 64): (ولهذا تجد الملوك ورؤساء البلدان يقربون من العلماء مَن يوافقهم على أهوائهم، وإن كان في البلد مَن هو أعلم وأدين ممن قربوه؛ لأنهم إنما يريدون الوصول إلى أهوائهم ... ). (4) (ي): «الحرب».

(الكتاب/27)


الصلاة (1) بأصحابه. وكذلك إذا استعمل رجلًا نائبًا على مدينة كما استعمل عَتَّاب بن أَسِيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعليًّا ومعاذًا وأبا موسى على اليمن، وأبا سفيان (2) [و] عَمرو بن حزم على نجران= كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب. وكذلك (3) خلفاؤه بعده، ومن بعدهم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين؛ وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد، ولهذا كانت أكثر الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة والجهاد. وكان إذا عاد مريضًا يقول: «اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاةً وينكأ لك عدوًّا» (4). _________ (1) (ي، ز، ب، ل): «يؤمِّره للصلاة». (2) قوله: «أبا سفيان» من الأصل فقط. وقد ذكر غير واحد من العلماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي وأبو سفيان والٍ له على نجران بعد عمرو بن حزم. لكن قال الواقدي: (أصحابنا ينكرون ذلك ويقولون: كان أبو سفيان بمكة وقت وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان عاملها حينئذ عمرو بن حزم) اهـ. وقال ابن حجر: ولا يثبت. انظر «معرفة الصحابة»: (3/ 42) لأبي نعيم، و «أسد الغابة»: (2/ 392) لابن الأثير، و «الإصابة في معرفة الصحابة»: (3/ 403) لابن حجر. (3) (ف، ز): «وكذلك كان». (4) أخرجه أحمد (6600)، وأبو داود (3107)، وابن حبان (2974)، والحاكم: (1/ 344) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -. والحديث صححه ابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي. لكن في سنده حُيي بن عبد الله المعافري لم يخرج له مسلم وفيه ضعف، وقال ابن عدي (2/ 450): إن عامة أحاديثه بهذا الإسناد لا يُتابع عليها.

(الكتاب/28)


ولما بعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمن قال: «يا معاذ إن أهمَّ أمرك عندي الصلاة» (1). وكذلك كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يكتب إلى عماله: إن أهمَّ أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حَفِظَ دينَه، ومن ضيعها كان لما سِواها من عمله أشد إضاعة (2). وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلاة عماد الدين» (3). فإذا أقام المتولي عمادَ الدين، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي التي تُعِيْن الناس على ما سواها من الطاعات، كما قال سبحانه وتعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، وقال: {(152) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ} [البقرة: 153]، وقال عز وجل لعبده ونبيه (4) - صلى الله عليه وسلم -: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ _________ (1) لم أجده. (2) أخرجه مالك في «الموطأ» (6)، وعبد الرزاق في «المصنف» (2037 - 2039)، والبيهقي في «الكبرى»: (1/ 445). (3) أخرجه البيهقي في «الشعب» (2550) بسند ضعيف من حديث عكرمة عن عمر مرفوعًا، ونقل عن شيخه الحاكم أنه قال: عكرمة لم يسمع من عمر، قال: وأظنه أراد عن ابن عمر. وقال النووي في التنقيح: منكر باطل. وتعقبه ابن حجر في «التلخيص»: (1/ 183) بقوله: (وليس كذلك، بل رواه أبو نعيم شيخ البخاري في «كتاب الصلاة» عن حبيب بن سليم، عن بلال بن يحيى، قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله، فقال: الصلاة عمود الدين». وهو مرسل رجاله ثقات) اهـ. ويشهد له حديث: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة ... » وسيأتي تخريجه. وانظر: «المقاصد الحسنة» (ص 266 - 267). (4) (ف، ي، ز): «وقال تعالى لنبيه».

(الكتاب/29)


نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132]، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58]. والمقصودُ الواجب بالولايات: إصلاحُ دين الخلق الذين متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نَعِمُوا به في الدنيا، وإصلاحُ ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قَسْم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين (1). فمن لم يَعْتَدِ أصلحَ له دينَه ودنياه؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: إنما بعثتُ عُمَّالي إليكم ليعَلِّموكم كتابَ ربكم، وسنةَ نبيّكم، ويقسموا بينكم فيأكم (2). فلما تغيرت الرعية من وجه، والرُّعاة من وجه، تناقضت (3) الأمور. فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل _________ (1) (ي): «المتعدين». (2) أخرجه أحمد (286)، وأبو داود (4537)، والحاكم: (4/ 439)، والبيهقي: (9/ 42) من طريق أبي فراس عن عمر بن الخطاب، وإسحاق في «مسنده ــ كما في المطالب العالية: 15859» من طريق عطاء قال: «كان عمر ... » الأثر، وغيرهم مطولًا، ورواه غيرهم مختصرًا. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي، لكن مسلم لم يخرج لأبي فراس. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على «المسند»: (1/ 90). ولفظة: «ويقسموا بينكم فيأكم» جاءت في رواية الحاكم وإسحاق. (3) (ي، ز، ل): «تناقصت».

(الكتاب/30)


أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقد رُوِي: «يومٌ من إمامٍ عادل أفضل من عبادة ستين سنة» (1). وفي «المسند» (2) للإمام أحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أحبُّ الخلقِ إلى الله إمامٌ عادل، وأبغض الخلق إلى الله (3) إمام جائر» (4). (5) وفي «الصحيحين» (6) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وتفرَّقا عليه، ورجلٌ ذَكَر الله خاليًا ففاضت عيناه، _________ (1) أخرجه الطبراني في «الكبير» (11932) و «الأوسط» (4762)، وأبو نعيم في «فضيلة العادلين» (16)، والبيهقي في «الكبرى»: (8/ 162) و «الشعب» (6995) من طريق عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - الحديث. قال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا عفان بن جبير، تفرد به جعفر بن عون، ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد). وقال الهيثمي في «المجمع»: (6/ 263): (فيه زريق بن السخت ولم أعرفه). وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (989). (2) (11174). (3) (ي): «وأبغضهم إليه». (4) وأخرجه الترمذي (1329)، والبيهقي: (10/ 88) من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري. قال الترمذي: (حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، وقال ابن القطان في «بيان الوهم»: (4/ 363): (وعطية العوفي يضعف، وقال ابن معين فيه: صالح، فالحديث حسن) اهـ. (5) هذه الفقرة ليست في (ف). (6) البخاري (660)، ومسلم (1031).

(الكتاب/31)


ورجلٌ دعته امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال (1) فقال: إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين، ورجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تنفق يمينُه». وفي «صحيح مسلم» (2) عن عِياض بن حِمار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسِط، ورجلٌ رحيم رقيق (3) القلب بكل ذي قُرْبى ومسلم، ورجل غني عفيف متصدق». وفي «السنن» (4) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الساعي على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله». وقد قال سبحانه وتعالى ــ لما أمر بالجهاد ــ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]. وقيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، الرجلُ يقاتل شجاعةً، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي _________ (1) (ز) زيادة: «إلى نفسها». (2) (2865). ولفظه: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال). (3) ليست في (ز). (4) أخرجه أحمد (15826)، وأبو داود (2936)، والترمذي (645)، وابن ماجه (1809)، وابن خزيمة (2334)، والحاكم: (1/ 406)، والبيهقي (7/ 16) من حديث رافع بن خديج - رضي الله عنه - بلفظ: «العامل على الصدقة ... ». قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وفي سنده محمد بن إسحاق صاحب السيرة، وفيه كلام معروف.

(الكتاب/32)


العليا فهو في سبيل الله» أخرجاه في «الصحيحين» (1). فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا. وكلمة الله: اسم جامع لكلماته التي تضمَّنها كتابه (2)، وهكذا قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه. ثم قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ}، فمَن عَدَل عن الكتاب قُوِّمَ بالحديد، ولهذا كان قِوامُ الدين بالمصحف والسيف. وقد رُوِي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنه قال: أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه [أ/ق 10] وسلم أن نضرب بهذا ــ يعني السيف ــ من عَدَل عن هذا ــ يعني المصحف ــ (3). _________ (1) البخاري (7458)، ومسلم (1904) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -. وقوله: «أخرجاه في الصحيحين» ليست في (ف). (2) وشرحها المصنف أيضًا بقوله: (وكلمة الله هي: خبره وأمره، فيكون أمره مطاعًا مقدمًا على أمر غيره، وخبره مصدَّقًا مقدمًا على خبر غيره». «مجموع الفتاوى»: (5/ 238). (3) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (52/ 279). ولفظه: عن عمرو بن دينار قال: (رأيت جابر بن عبد الله وبيده السيف والمصحف وهو يقول: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نضرب بهذا مَن خالف ما في هذا). لكن أخرجه سعيد بن منصور في «سننه»: (2/ 333)، والحاكم: (3/ 436)، وابن عساكر: (39/ 322) بسياق آخر ليس من قول جابر، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: بعثنا عثمان في خمسين راكبًا وأميرنا محمد بن مسلمة، فلما انتهينا إلى ذي خشب استقبلنا رجل في عنقه مصحف، متقلدًا سيفه، تذرف عيناه، فقال: إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا ــ يعني السيف ــ على ما في هذا، فقال له محمد: «اجلس فنحن قد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك أو قبل أن تولد» قال: فلم يزل يكلمهم حتى رجعوا. وصححه الحاكم على شرط الشيخين.

(الكتاب/33)


فإذا كان هذا هو المقصود فإنه يُتَوسَّل إليه بالأقرب فالأقرب، ويُنظر إلى الرجلين أيهما كان أقرب إلى المقصود وُلِّي، فإذا كانت الولاية ــ مثلًا ــ إمامة صلاة فقط، قُدِّم من قدمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث قال: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًّا، ولا يُؤمَّنَّ الرجلُ في سلطانه، ولا يجلس على تَكْرِمَتِه إلا بإذنه» رواه مسلم (1). فإذا تكافأ رجلان، أو خفي أصلحُهما أُقْرِع بينهما، كما أقرع سعد بن أبي وقاص بين الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان (2)، متابعةً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناسُ ما في النداء والصفِّ الأوّل ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه لاسْتَهَموا (3)» (4). فإذا كان التقديم بأمر الله إذا ظهر، أو بفعله (5) ــ وهو ما يُرَجِّحه بالقرعة _________ (1) (673) من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -. (2) أخرجه الطبري في «تاريخه»: (2/ 425)، والبيهقي في «الكبرى»: (1/ 429). وعلقه البخاري في باب الاستهام على الأذان بصيغة التمريض. وقال الحافظ عن سند البيهقي: إنه منقطع. «فتح الباري»: (2/ 114). (3) (ي، ز، ب، ل) زيادة: «عليه». (4) أخرجه البخاري (615)، ومسلم (437) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (5) المثبت من (ل). والمعنى: أي بفعل الله. ووقع في الأصل و (ز): «ظهر ويفعله»، (ي): «ظهر بفعله»، (ب): «ظهر وبفعله».

(الكتاب/34)


إذا خفي الأمر ــ كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات (1) إلى أهلها. فصل (2) القوة في الولايات تجمع قوة المرء في نفسه، وقوته على غيره؛ فقوته على نفسه بالحلم والصبر، كما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (3). وهذا هو السيد الذي قال الله تعالى فيه: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران: 39]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحسن: «إنَّ ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين» (4). فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرجل الشديد القوي ليس هو القوي في بدنه الذي يصرع الناسَ ويغلبهم كثيرًا، وإنما هو القوي في نفسه الذي يملك نفسه ويغلبها عند الغضب. وأما قوته على غيره؛ فالشجاعة في نفسه، والخبرة وسائر أسباب القوى من الرجال والأموال، كما دل عليه قوله تعالى: {يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ} [الأنفال: 60]. وروى مسلم في «صحيحه» (5) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول _________ (1) «في الولايات» ليس في (ز). (2) هذا الفصل إلى (ص 39) من الأصل فقط. (3) أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) أخرجه البخاري (2704) من حديث أبي بكرة - رضي الله عنه -. (5) (2664).

(الكتاب/35)


الله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعُك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطان». فبالقوَّة الأولى يصير المرء من المهاجرين الذين هجروا ما نهى الله عنه، ومن المجاهدين الذين جاهدوا نفوسهم في الله، وهو جهاد العدو الباطن من الشيطان والهوى. وبالقوة الثانية يصير من المهاجرين المجاهدين في سبيل الله، الذين جاهدوا أعداءه ونصروا الله ورسوله، وبهم يقوم الدين. وكثيرًا ما يحصل للرجل إحدى القوتين دون الأخرى، فيختلُّ من أمره بحسب ذلك؛ ولهذا وصَّى العلماء لمن ولي القضاء وغيره من الولايات: أن يكون قويًّا من غير عنف، ليِّنًا من غير ضعف، بمنزلة كف الإنسان [أ/ق 11] اجتمعت فيه القوة واللين، ليس يابسًا في قوته كالعظم والحجر، ولا ضعيفًا في لِيْنِه كالدم والماء، فإنَّ مَن كان قويًّا على الناس ولم يكن قويًّا على نفسه حتى يكون حليمًا كريمًا ليِّنًا للناس صبورًا على أذاهم= كان فيه من الهَلَع والضيق ما يصير به عاسفًا لهم ولنفسه حتى قد تهلكه شجاعته. ومن كان قويًّا على نفسه مخالفًا لهواه، إلا أنه ليس فيه قوة على الناس وسلطان يحملهم به على الحق= خرجوا عن الحق، ولم يؤدوا الواجبات ولم يتركوا المحرَّمات. وقد يكون الرجلان مُتَّصِفَين بالصفات الحميدة، وبعضهم أكمل في بعضها من بعض، فإن الخلفاء الراشدين كلٌّ منهم موصوف بالفضائل التي

(الكتاب/36)


سبقوا بها الخلق، وكان عثمان وعلي - رضي الله عنهما - متفاضِلَين (1) في الحلم والشجاعة، وفي الزهد في المال والزهد في الرياسة، وفي الجهاد بالنفس (2) والجهاد بالمال، وفي العلم بالكتاب والعلم بالسنة، فيظهر فضل أحدهما في أحد النوعين كما يظهر فضل الآخر في النوع الآخر، وكما يظهر فضل أبي بكر وعمر في عامة ذلك عليهما، وكما يظهر فضلهم ــ رضوان الله عليهم ــ على مَن سواهم في عامة ذلك، وكما يظهر هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - على هدي موسى وعيسى ــ صلوات الله عليهم أجمعين ــ. وهؤلاء الأربعة هم الذين يجب على المسلمين عمومًا وعلى العلماء والأمراء خصوصًا أن ينظروا في سيرتهم ويقتدوا بهديهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد ثبت في «السنن» عن العِرْباض بن سارية أنه قال: خَطَبَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خُطْبة ذرفت منها العيون ووجِلَت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنَّ هذه خطبة مودِّع فماذا تَعْهَد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله تعالى وعليكم بالسمع والطاعة، فإنه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدَثات الأمور فإنّ كل بدعة ضلالة» (3). _________ (1) الأصل: «متفاضلان». (2) تكررت في الأصل. (3) أخرجه أحمد (17142)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وابن حبان «الإحسان» (45)، والحاكم: (1/ 95 - 96) وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم والبزار والمصنف في «الفتاوى»: (20/ 309) وغيرهم.

(الكتاب/37)


وثبت أيضًا في «السنن» عن سفينة مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تكون الخلافة من بعدي ثلاثين سنة ثم تصير مُلكًا» (1). وكان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - الذي شهد له المسلمون بأنه كان خليفةً راشدًا يقول: سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذُ بها تصديقٌ لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي مَن خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدي، ومن استنصر بها فهو منصور، ومَن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا (2). وهذه الأصول الثلاثة: كتاب الله، وسنة رسوله، وسبيل عباده المؤمنين، _________ (1) أخرجه أحمد (21919)، وأبو داود (4647)، والترمذي (2226)، والنسائي في «الكبرى» (8099)، وابن حبان «الإحسان» (6943)، والحاكم: (3/ 71، 145)، وغيرهم من طرقٍ عن سعيد بن جُمْهان عن سفينة به بألفاظ متقاربة. والحديث صححه الإمام أحمد كما في «السنة» (636) للخلال، ونقله ابن عبد البر في «جامع بيان العلم»: (2/ 1169)، والمصنف في «الفتاوى»: (35/ 18)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان)، وصححه ابن حبان، وقال المصنف في «الفتاوى»: (35/ 18): (وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب وغيرهم عن سعيد بن جمهان عن سفينة ... واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، وثبته أحمد واستدل به على مَن توقف في خلافة علي) اهـ. (2) أخرجه الآجري في «الشريعة» (92)، واللالكائي (134)، وابن عبد البر في «الجامع» (2326).

(الكتاب/38)


هي دين الله، وصراطه المستقيم، وحبله المتين، الذي هو أفضل الأديان، وأهله أكرم الأمم على الله، وخير أُمةٍ أخرجت للناس، وأوجبت [أ/ق 12] على أهل الأرض الدخول فيه علمًا وعملًا، بحيث لا يُخْرَج منه ما دخل فيه، ولا يُدْخل فيه ما خرج منه. نسأل الله العظيم أن يهدينا إليه كلِّه، ويُثَبِّتنا عليه باطنًا وظاهرًا، وسائر إخواننا إنه جواد كريم. * * * *

(الكتاب/39)


 فصل القسم الثاني من الأمانات (1): الأموال، كما قال الله سبحانه وتعالى في الديون: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: 283].

ويدخل في هذا القسم: الأعيان، والديون الخاصة والعامة، مثل رد الودائع، ومال الشريك، والمُوَكِّل، والمضارب، ومال المولَّى من اليتيم وأهل الوقف، ونحو ذلك. وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات، وبدل القرض، وصَدُقات النساء، وأجور المنافع، ونحو ذلك. وقد قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المعارج: 19 - 32]، وقوله تعالى: {أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)} [النساء: 105]، أي: لا تخاصم عنهم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن مَن خانك» رواه أهل «السنن» (2). _________ (1) (ي، ب): «في أمانات». (2) قوله: «رواه أهل السنن» من الأصل. والحديث أخرجه أحمد: (3/ 414)، وأبو داود (3535)، والترمذي (1264)، والدارقطني: (3/ 35)، والحاكم: (2/ 46)، والبيهقي: (10/ 271) وغيرهم من رواية شريك وقيس بن الربيع كلاهما عن أبي صالح، والحارث من رواية الحسن كلاهما عن أبي هريرة. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولكن قد أعله ابن حزم وكذا ابن القطان والبيهقي. وقال أبو حاتم: إنه منكر، وقال الشافعي في «الأم»: (5/ 104): إنه ليس بثابت عند أهله، وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه صحيح، وقال ابن ماجه: وله طرق ستة كلها ضعيفة. وضعفه ابن الجوزي من جميع طرقه. انظر «المحلى»: (8/ 182)، و «العلل المتناهية»: (2/ 593)، و «البدر المنير»: (7/ 297 - 301)، و «المقاصد الحسنة» (ص 31). وله شواهد من حديث جماعة من الصحابة؛ كأنس وأبي أمامة وأبي بن كعب، وجميعها فيها مقال، لكن قال السخاوي: إنه بانضمامها يقوى الحديث. وقوله: «رواه أهل السنن» ليس في (ف).

(الكتاب/40)


وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن من أمِنَه المسلمون على دمائهم وأموالهم، والمسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر مَن هَجَر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسَه في ذات الله». وهو حديث صحيح بعضه في «الصحيحين (1)» (2) وبعضه صحَّحَه الترمذي (3). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أخَذ أموالَ الناسِ يريدُ أداءَها أدَّاها الله عنه، ومَن _________ (1) (ي): «الصحيح». (2) وهو قوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» وزاد البخاري: «والمهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه». البخاري (10)، ومسلم (40) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -. (3) (ف، ب، ل، ط): «في سنن الترمذي». أخرجه الترمذي (2627)، وأحمد (23958)، وابن ماجه (3934)، وابن حبان «الإحسان» (4952)، والحاكم: (1/ 10) وغيرهم من حديث فضالة بن عبيد - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم وابن حبان. وله شواهد بنحوه من حديث جماعة من الصحابة.

(الكتاب/41)


أخذَها (1) يريدُ إتلافَها أتلفَه الله» رواه البخاري (2). وإذا كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قُبِضَت بحق ففيه تنبيه (3) على وجوب أداء الغَصْب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم، وكذلك أداء العاريَّة. وقد خطب (4) النبي - صلى الله عليه وسلم - (5) في حجة الوداع، وقال في خطبته: «العارية مؤدَّاة، والمنحة مردودة، والدَّيْن مقضيٌّ، والزعيم غارم، إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيةَ لوارث» (6). وهذا القسم يتناول الرُّعاة (7) والرعية، فعلى كلٍّ منهما أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه؛ فعلى كلّ ذي السلطان ونُوَّابه في العطاء أن يؤتوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وعلى جُباة الأموال ــ كأهل الديوان ــ أن يؤدوا إلى كل ذي _________ (1) الأصل: «أخذ أموال الناس». (2) (2387). (3) في (ي) كتب فوقها: «في الأم: بينة». (4) (ي): «وقد قال في خطبته خطبة النبي ... » وكتب فوق «خطبته»: صح. (5) (ف، ب، ل) زيادة: «المسلمين». (6) في (ل) زيادة: «رواه أبو داود وغيره». وهذا الحديث روي من طريق جماعة من الصحابة، منها حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أخرجه أحمد (22294)، وأبو داود (2862)، والترمذي (2120)، وابن ماجه (2713) مطولًا ومختصرًا. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (وفي التحفة والبدر: حسن فقط). قال ابن الملقن: وهو كما قال؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم، وهو حمصي من أهل الشام. انظر «البدر المنير»: (7/ 264 - 269). (7) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: «الولاة».

(الكتاب/42)


السلطان ما يجب إيتاؤه إليه، وكذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق. وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، فيكونون من جنس مَن قال الله سبحانه وتعالى فيه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [أ/ق 13] وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1)} [التوبة: 58 - 60]. ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق وإن كان ظالمًا كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر جَور الولاة، فقال: «أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». ففي «الصحيحين» (2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياءُ (3)، كلما هلَك نبيٌّ خَلَفَه نبيّ، وإنه لا نبيّ بعدي، وسيكون خلفاء فتكثر (4)» قالوا: فما تأمرنا؟ فقال: _________ (1) الأصل: «عزيز حكيم». (2) أخرجه البخاري (3455)، ومسلم (1842) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (3) علق الشيخ العثيمين في «شرحه» (ص 94): «في هذا دليل على أن الشريعة سياسة؛ لأن الأنبياء يأتون بالشرائع سياسةً، لأن فيه إصلاح الخلق في معاملة الله، وإصلاحهم في معاملة عباد الله، وهذه هي السياسة» اهـ. (4) سقطت من (ب)، وفي (ف): «فيكثرون» وبعدها بياض قدر ثلاث كلمات، وفي (ل): «تعرفون وتنكرون».

(الكتاب/43)


«فوا (1) بيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». وفيهما (2) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم سترون بعدي أَثَرَةً وأمورًا تنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقَّهم، واسألوا الله حقَّكم». وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالكُ ملكه، فإنما هم أُمَناء ونُوَّاب ووُكَلاء، ليسوا مُلَّاكًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيثُ أُمِرت» رواه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بنحوه (3). فهذا رسولُ ربِّ العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أُبيح له التصرف في ماله، وكما تفعل الملوك الذين يعطون من أحبوا ويمنعون من أحبوا (4)، وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره، فيضعه (5) حيث أمره الله سبحانه وتعالى. وهكذا قال رجل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يا أمير المؤمنين لو وسَّعْتَ على نفسك في النفقة من مال الله تعالى؟ فقال له عمر: أتدري ما _________ (1) (ب، ل، وهامش ف): «أوفوا». (2) أخرجه البخاري (3603)، ومسلم (1843). (3) (3117). (4) (ل): «من أبغضوا». وكتب فوق «أحبوا» في (ي): «مَنْعَه» يعني: أحبوا منعه. واستظهر أحد المعلقين في هامش (ف) ما ورد في (ل). (5) ليست في (ز).

(الكتاب/44)


مَثَلي ومَثَل هؤلاء؟ كمثل قومٍ كانوا في سفر، فجمعوا منهم (1) مالًا وسلَّموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحلُّ لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم (2)؟ ! وحُمِل مرةً إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مال عظيم من الخمس فقال: إن قومًا أدوا الأمانة في هذا لأُمناء، فقال له بعض الحاضرين: إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة، ولو رَتعتَ لرتَعوا (3). وينبغي أن يُعرَف أن ولي الأمر كالسوق ما نَفَق فيه جُلِب إليه (4)، هكذا قال عمر بن عبد العزيز (5)، فإن نَفَق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة جُلِب إليه ذلك، وإن نفق فيه الكذب والفجور والجَوْر والخيانة جُلِبَ إليه ذلك. والذي على وليِّ الأمر: أن يأخذ المال من حلِّه، ويضعه في حقِّه، ولا يمنعه من مُسْتحقِّه. وكان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إذا بلغه أن بعض نوابه ظَلَم يقول: اللهم إني لم آمرهم أن يظلموا خلقك أو يتركوا حقك (6). _________ (1) كتب فوقها في (ي): «نسخة: بينهم. صح». وكتب فوقها في (ف): كذا. (2) أخرجه ابن سعد: (3/ 280)، والدينوري في «المجالسة» (623). (3) أخرجه أبو إسحاق الفزاري في «السير» (431)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (44/ 343) بنحوه. (4) (ف) زيادة: «ذلك المتاع». (5) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد»: (10/ 215). (6) لم أجده.

(الكتاب/45)


فصل (1) الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء. فأما الغنيمة: فهي (2) المال المأخوذ من الكفار بالقتال (3)، ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال التي أُنْزِلت في غزوة بدر، وسُمِّيت أنفالًا؛ لأنها زيادة في أموال المسلمين [أ/ق 14] فقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} إلى أن قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ... } الآية [الأنفال: 1 - 41]، وقال في أثنائها: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 69]. وفي «الصحيحين» (4) عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ نبيٌّ قبلي: نُصِرتُ بالرّعب مسيرةَ شهر، وجُعِلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تُحَلَّ لأحد قبلي، وأُعْطِيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبْعَث إلى قومه خاصة وبُعِثْتُ إلى الناس عامة». _________ (1) للمصنف رسالة خاصة في الأموال السلطانية، وهي مطبوعة ضمن آثار شيخ الإسلام «جامع المسائل»: (5/ 383 - 399). (2) الأصل و (ف، ز): «فهو». (3) وذكر المصنف أن المال المأخوذ من المرتدين والخارجين عن شريعة الإسلام يسمى فيئًا وأنفالًا، على تفصيل في ذلك. «جامع المسائل»: (5/ 384). (4) أخرجه البخاري (335)، ومسلم (521).

(الكتاب/46)


وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجُعِل الذلةُ والصَّغَارُ على مَن خالف أمري، ومَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم». رواه أحمد في «المسند» (1) عن ابن عمر (2). والواجب في المَغْنَم تخميسه، وصرف الخُمُس إلى من ذكره الله تعالى، وقِسْمةُ الباقي بين الغانمين. قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الغنيمة لمن شَهِد الوقعة (3). _________ (1) (5114)، وأخرجه أبو داود (4031) مختصرًا، وابن أبي شيبة في «المصنف»: (4/ 212)، والطحاوي في «شرح المشكل» (231) وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن أبي مُنِيب الجُرَشي عن ابن عمر به. وفيه ابن ثوبان مختلَفٌ فيه، ومدار الحديث عليه، والحديث احتجَّ به الإمام أحمد، وجوَّده المصنف في «الاقتضاء»: (1/ 269)، وقال الذهبي في «السير»: (15/ 509): إسناده صالح، وصححه العراقي في «تخريج الإحياء»: (1/ 217)، وحسنه ابن حجر في «الفتح»: (10/ 282). لكن ضعف سنده السخاوي في «المقاصد» (ص 407) من أجل ابن ثوبان، ومال إلى تقويته بشواهده، فله شواهد من حديث حذيفة وأبي هريرة وأنس، ومن مرسل طاوس. والمرسل حسَّنه الحافظ في «الفتح»: (6/ 116)، و «التغليق»: (3/ 446). (2) (ي، ز) زيادة: «واستشهد به البخاري». قلت: في كتاب الجهاد، باب ما قيل في الرماح قبل (2914). (3) أخرجه عبد الرزاق: (5/ 303)، وابن أبي شيبة: (6/ 494)، وسعيد بن منصور: (2/ 285)، وابن المنذر في «الأوسط»: (11/ 194)، والبيهقي في «الكبرى»: (6/ 335). وصحح إسناده ابن حجر في «الفتح»: (6/ 259). وقد جاء أيضًا من قول أبي بكر الصديق وغيره.

(الكتاب/47)


وهم الذين شهدوها للقتال، قاتَلوا أو لم يقاتلوا، ويجب قَسْمُها بينهم بالعدل، فلا يُحَابَى أحدٌ لا لرياسته (1) ولا لنَسَبِه ولا لفضله، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه يقسمونها. وفي «صحيح البخاري» (2) أن سعد بن أبي وقاص رأى له فضلًا على مَن دونه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هل تُنْصَرون وتُرْزَقون إلا بضعفائكم». وفي «مسند أحمد» (3) عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: يا رسول الله، الرجلُ يكون حاميةَ القوم، فيكون سهمه وسهم غيره سواء؟ ! قال: «ثَكِلتك أمُّك ابن أم سعد، وهل تُرْزَقون وتُنْصرون إلا بضعفائكم؟ ». وما زالت الغنائم تُقْسَم بين الغانمين في دولة بني أمية وبني العباس، لمَّا كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر، لكن يجوز للإمام أن يُنَفِّل من ظهر منه زيادة نِكاية، كسَريَّةٍ تَسَرَّت من الجيش، أو رجل صعد حصنًا عاليًا (4) ففتحه، أو حَمَل على مُقَدَّم العدوِّ، فقتله فهُزِم (5) العدوُّ، ونحو ذلك؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاءَه كانوا يُنَفِّلون لذلك. وكان يُنَفِّل السريةَ في البَدْأة (6) الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعد _________ (1) الأصل: «لرياسةٍ». و (ف): «فلا يحابي أحدا». (2) (2896). (3) (1493). وأخرجه عبد الرزاق: (5/ 303) من طريق مكحول عن سعد به، ومكحول لم يسمع من سعد. (4) (ف): «على حصن». (5) (ل): «أو هزمه». (6) (ز، ب): «البداية». قال الزبيدي ــ بعد أن ذكر أن البُداءة والبَداءة بالفتح والضم لغتان صحيحتان ــ: (أما البِدايَةُ ــ بالكسر والتحتيَّة بدلَ الهمزة ــ فقال المطرزيُّ: لغةٌ عامِّيَّةٌ، وعدَّها ابن بَرِّيٍّ من الأغلاط، ولكن قال ابنُ القطَّاع: هي لغةٌ أنصاريَّة). انظر «تاج العروس»: (1/ 109 - 110).

(الكتاب/48)


الخمس (1). وهذا النفل قد قال بعض العلماء: إنه يكون من الخمس، وقال بعضهم: إنه يكون من خُمُس الخمس، لئلا يُفَضَّل بعضُ الغانمين على بعض، والصحيح أنه يجوز من أربعة الأخماس (2) وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية لا هوى النفس، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مرة. وهذا قول فقهاء الشام (3)، وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم (4). وعلى هذا فقد قيل: إنه يُنَفِّل الربع والثلث بشرط وغير شرط، ويُنَفِّل الزيادة على ذلك بالشرط، مثل أن يقول: من دلني على قلعة فله كذا، ومن جاء برأس فله كذا، ونحو ذلك. وقيل: لا يُنَفِّل زيادةً على الثلث، ولا ينفِّلُه _________ (1) أخرجه أحمد (17465)، وأبو داود (2749)، وابن حبان «الإحسان» (4835)، والحاكم: (2/ 133)، والبيهقي: (6/ 314) وغيرهم من حديث حبيب بن مسلمة - رضي الله عنه -. وقد صححه ابن حبان والحاكم. وأخرجه الترمذي (1561)، وابن ماجه (2852)، وابن حبان (4855) من حديث عُبادة بن الصامت - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان، وابن الملقن في «البدر المنير»: (7/ 331). (2) الأصل: «الأربعة أخماس». (3) (ي، ز): «فقهاء الثغر». وهم فقهاء الشام، لأن كثيرًا من الثغور كانت هناك. انظر «مجموع الفتاوى»: (13/ 178) و (27/ 51 - 53، 249). (4) انظر «المغني»: (13/ 60 - 61).

(الكتاب/49)


إلا بالشرط، وهذان قولان لأحمد وغيره (1). وكذلك ــ على القول الصحيح ــ للإمام أن يقول [أ/ق 15]: من أخذ شيئًا فهو له، كما رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في غزوة بدر (2)، إذا رأى المصلحة (3) راجحة على المفسدة. وإذا كان الإمام يجمع الغنيمة ويقسمها، لم يَجُز لأحد أن يغلَّ منها شيئًا {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]، فإن الغُلول خيانة. ولا تجوز النُّهْبَة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها (4)، فإن (5) ترك الإمام الجمعَ والقسمةَ وأذِنَ في الأخذ إذنًا جائزًا، فمن أخذ شيئًا بلا عُدوان حل (6) له بعد تخميسه، وكلُّ ما دل على الإذن فهو إذن. وأما إذا لم يأذن أو أذنَ إذنًا غير جائز= جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة متحرِّيًا للعدل في ذلك. _________ (1) انظر «المغني»: (13/ 55)، و «الإنصاف»: (4/ 146). والقول الثاني هو الصحيح في المذهب المنصوص عليه. (2) كذا في الأصل، وفي باقي النسخ: «كما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد قال في ... ». والمصنف يشير إلى ما أخرجه البخاري (3141)، ومسلم (1752) من حديث عبد الرحمن بن عوف في معركة بدر لما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسَلَب أبي جهل لمعاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء لاشتراكهما في قتله. أما حديث أبي قتادة: (من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه) فهو في غزوة حنين. أخرجه البخاري (3142)، ومسلم (1751). (3) باقي النسخ: «رأى ذلك مصلحة». (4) أخرجه البخاري (2475)، ومسلم (57). (5) بقية النسخ: «فإذا». (6) (ي): «فهو».

(الكتاب/50)


ومن حرَّم على المسلمين جمع المغانم ــ والحال هذه ــ أو أباح للإمام أن يفعل فيها ما شاء، فقد تقابل القولان (1) تقابُلَ الطرفين، ودين الله (2) وسط. والعدل في القسمة: أن يقسم للرَّاجل سهم، وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، هكذا قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر (3). ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان، والأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، ولأن الفرس يحتاج إلى مؤونة نفسه وسائسه (4)، ومنفعةُ الناس (5) به أكثر من منفعة راجِلَين. ومنهم مَن يقول: يسوَّى بين الفرس العربي والهجين في هذا. ومنهم من يقول: بل الهجين يُسْهَم له سهم واحد، كما رُوِي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه (6). _________ (1) الأصل: «القولين»! (2) (ف): «دين الله ورسوله» (3) أخرجه البخاري (2863)، ومسلم (1762) من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -. (4) (ل): «إلى مؤنة وسياسة». (5) غير الأصل: «الفارس» وهو بعيد في المعنى. (6) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (275)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (6/ 328) عن مكحول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عَرَّب العربي وهجَّن الهجين، للعربي سهمان وللهجين سهم. ثم نقل عن الشافعي أنه قال: «وقد ذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فضل العربي على الهجين وأن عمر فعل ذلك، ولم يرو ذلك إلا مكحول مرسلًا والمرسل لا تقوم بمثله عندنا حجة». وأخرجه البيهقي موصولًا من حديث حبيب بن سلمة، وقال: إن المرسل أصح.

(الكتاب/51)


والفرس الهجين: الذي تكون أمه نبطية، ويسمى في هذا الزمان: التتريّ (1)، سواء كان حصانًا أو حِجرًا، ويسمى الرَّمَكة، أو خَصِيًّا ويسمى الإكديش (2). كان السلف يعدون للقتال الحصان لشدته ولقوَّته وحِدَّته، وللإغارة والبَيات الحِجْر (3)؛ لأنه ليس له صهيل ينذر العدو فيحترزون، وللسَّيْر الخَصِي لأنه أصبر على السير. وإذا كان المغنوم مالًا قد كان للمسلمين قبل ذلك من عقار أو منقول، وعَرَفَه صاحبُه قبل القسمة، فإنه يُرَدُّ إليه بإجماع المسلمين. وتفاريع الغنائم (4) وأحكامها فيه آثار وأقوال اتفق المسلمون على بعضها وتنازعوا في بعض ذلك، ليس هذا موضعها، وإنما الغرض ذِكْر الجمل الجامعة. _________ (1) (ي، ز): «ويسمى البرذون، وبعضهم يسميه: التترى». أقول: كذا وقع في النسخ «التتري» وجاء في كتاب «الأقوال الكافية» للرسولي (ص 361): «الشهري: وهي ما بين المقرف والبرذون». (2) الحِجْر: هي الأنثى من الخيل «القاموس» (ص 475)، والرَّمكة: هي الفرس والبرذونة تتخذ للنسل «القاموس» (ص 1215)، والإكديش: الكديش من الخيل خلاف الجواد، يمتهن بالركوب والحمل، جمعه كُدش وأكاديش. والكديش وما بعده من كلام العامة، انظر «الأقوال الكافية والفصول الشافية» (ص 361) للملك الرسولي، و «تكملة المعاجم»: (9/ 48) لدوزي. (3) (ف، ي، ز): «الحجرة». (4) بقية النسخ: «المغانم».

(الكتاب/52)


فصل وأما الصدقات؛ فهي لمن سمى الله سبحانه وتعالى في كتابه، فقد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلًا سأله من الصدقة فقال: «إن الله لم يرضَ في الصدقة بقسم نبي ولا غيره، ولكن جزَّأها ثمانيةَ أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» (1). فـ (الفقراء والمساكين) يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية (2)، فلا تحلُّ الصدقة لغنيٍّ ولا لقويٍّ مكتسب. (والعاملون عليها) هم الذين يَجْبونها، ويحفظونها، ويكتبونها (3)، ونحو ذلك. (والمؤلفة قلوبهم) سنذكرهم ــ إن شاء الله تعالى ــ في مال الفيء. (وفي الرقاب) يدخل فيه إعانة المُكَاتبين، وافتداء الأسرى، وعتق الرقاب، هذا أقوى الأقوال فيها. (والغارمون) هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها، فيُعْطَون وفاء _________ (1) أخرجه أبو داود (1630)، والطبراني في «الكبير» (5285)، والدارقطني: (2/ 137)، والبيهقي: (4/ 174) من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن زياد بن نعيم الحضرمي أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي به. وفيه عبد الرحمن بن أنعم أكثر العلماء على تضعيفه. (2) وفي مقدار الكفاية أقوال، منها أن يُعطى مقدار ما يكفيه سنة كاملة. (3) يعني من قبل الإمام أو ولي الأمر، لا مَن يوكِّله آحادُ الناس في توزيع زكواتهم.

(الكتاب/53)


دينهم (1) ولو كان كثيرًا، إلا أن يكونوا غَرِموه في معصية الله تعالى (2)، فلا يُعْطَون حتى يتوبوا. (وفي سبيل الله) هم [أ/ق 16] الغُزَاة الذين لا يُعْطَون (3) من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيُعْطَون ما يغزون به، أو تمام ما يغزون به، من خيل وسلاح ونفقة وأجرة. والحجُّ من سبيل الله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (4). (وابن السبيل) هو الذي يجتاز (5) من بلد إلى بلد (6). _________ (1) بقية النسخ: «ديونهم». (2) كمن غرمه في معاملة محرمة كالقمار أو الربا، أو اشترى به محرمًا أو غير ذلك. (3) في (ي) كتب فوقها علامة × وكتب في الهامش: «الظاهر: لا يجدون». (4) ولفظه: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال: أرسل مروان إلى أم معقل الأسدية يسألها عن هذا الحديث فحدثته: أن زوجها جعل بكرًا لها في سبيل الله وأنها أرادت العمرة، فسألت زوجها البكر، فأبى فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فأمره أن يعطيها، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحج والعمرة من سبيل الله». أخرجه أحمد (27286) وهذا لفظه، (ولفظة العمرة شاذة)، والطيالسي (1767)، وأبو داود (1990)، والترمذي (939)، وابن خزيمة (3075)، والحاكم: (1/ 482) وغيرهم من طرق عن أم معقل. قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط مسلم، قال الزيلعي: وفيه نظر، فإن فيه رجلًا مجهولًا، وإبراهيم بن مهاجر متكلم فيه. والحديث له شواهد من حديث ابن عباس وجابر وغيرهم، وهو صحيح بشواهده. وما رجَّحه المصنف من جواز إعطاء الزكاة مَن لم يجد نفقة الحج هو أحد القولين فيها، والقول الآخر لا يُعطى منها؛ لأن الفقير لم يجب عليه الحج فيكون هو والمتطوع بالحج سواء. انظر: تعليق الشيخ العثيمين في «شرحه» ص 115 - 116. (5) (ز): «هو المجتاز». (6) علق الشيخ العثيمين في «شرحه» ص 112: (الأصناف الأربعة الأولى يُعطون الزكاة تمليكًا، ولهذا دخلت «اللام» في استحقاقهم: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} فيُمَلَّكون ما يعطون، ويكون ملكًا لهم. أما الذين دخلت عليهم «في»: {وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} فإنه إذا فضل منه شيء وجب عليهم رده ... إن كانوا يعلمون الذي أعطاهم ردوه إليه، وإن كانوا لا يعلمونه صرفوه في أهل الزكاة) اهـ.

(الكتاب/54)


وأما الفيء (1)، فأصله ما ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الحشر التي أنزلها في غزوة بني النضير بعد بدر في قوله: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 6 - 10]. فذكر الله سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم على ما وصف، فدخل في الصنف الثالث كلُّ مَن جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة، كما دخلوا في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا _________ (1) قبله في (ف): «فصل».

(الكتاب/55)


وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 75]، وفي قوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100]، وفي قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجمعة: 3]. ومعنى قوله: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} أي: ما حركتم ولا سقتم خيلًا ولا إبلًا، ولهذا قال الفقهاء: الفيء هو ما أُخِذَ من الكفار بغير قتال، لأن إيجاف الخيل والركاب هو معنى القتال. وسُمِّي فيئًا لأن الله سبحانه وتعالى أفاءه على المؤمنين (1)، أي: رده عليهم من الكفار، فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنه إنما خلق الخلق لعبادته، فالكافرون به أباحَ نفوسَهم التي لم يعبدوه بها، وأموالَهم التي لم يستعينوا بها على عبادته لعباده (2) المؤمنين الذين يعبدونه، وأعاد عليهم (3) ما يستحقونه، كما يُعاد على الرجل ما غُصِب من ميراثه، وإن لم يكن قبضه قبل ذلك. وهذا مثل الجزية التي على اليهود والنصارى، والمال الذي يُصالح عليه العدو، أو يهدونه إلى سلطان المسلمين (4)، كالحمل الذي يُحْمَل من بلاد النصارى ونحوهم، وما يؤخذ من تجار أهل الحرب وهو العُشْر، ومن تجار _________ (1) (ط): «المسلمين». (2) الأصل: «كعباده»، والصواب ما في بقية النسخ. (3) بقية النسخ: «أفاء إليهم». (4) سقطت من الأصل.

(الكتاب/56)


أهل الذمة إذا اتَّجروا في (1) غير بلادهم وهو نصف العُشْر. هكذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (2) يأخذ (3). وما يؤخذ (4) من أموال من ينقض العهد منهم، والخراج الذي كان مضروبًا في الأصل عليهم، وإن كان قد صار بعضه [أ/ق 17] على بعض المسلمين. ثم إنه يجتمع مع الفيء جميع الأموال السلطانية التي لبيت مال المسلمين؛ كالأموال التي ليس لها مالك مُعَيَّن، مثل من يموت من المسلمين وليس له وراث معين، وكالغُصُوب، والعواري، والودائع (5) التي تعذَّر معرفة أصحابها، وغير ذلك من أموال المسلمين العقار والمنقول (6). _________ (1) (ف): «إذا تجروا»، و (ي): «إلى». (2) الأصل زيادة «كان». (3) أخرجه البيهقي: (9/ 210) عن أنس عن عمر، وعبد الرزاق في «المصنف»: (6/ 100) عن ابن عمر عن أبيه، ويحيى بن آدم في «الخراج» (638) عن أبي موسى عن عمر. (4) (ي): «أُخِذ». (5) الأصل: «والوديعة». (6) وهل تُدفع هذه الأموال وغيرها كالزكاة إلى السلطان أو يقسمها بنفسه؟ فقد سُئل أحمد عن ذلك فقال: لا تدفع إليهم بل يقسمها بنفسه، وساق أثرًا عن ابن عمر في ذلك. انظر «مسائل ابنه عبد الله» (712، 713). وقد سئل المصنف عن ذلك فأجاب: (أما ما يأخذه ولاة المسلمين من العشر، وزكاة الماشية، والتجارة، وغير ذلك، فإنه يسقط ذلك عن صاحبه إذا كان الإمام عادلًا يصرفه في مصارفه الشرعية باتفاق العلماء. فإن كان ظالمًا لا يصرفه في مصارفه الشرعية، فينبغي لصاحبه أن لا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها، فإن أكره على دفعها إلى الظالم بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر، فإنها تجزئه في هذه الصورة عند أكثر العلماء) اهـ. من «مجموع الفتاوى»: (25/ 81)، وتعليق الشيخ العثيمين في «شرحه» ص 124 - 125.

(الكتاب/57)


فهذا ونحوه مال المسلمين، وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الفيءَ فقط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يموت على عهده ميت إلا وله وارثٌ معيَّن؛ لظهور الأنساب في أصحابه. وقد مات مرةً رجل من قبيلة فدفع ميراثه إلى كبير (1) تلك القبيلة (2)، أي: أقربهم نسبًا إلى جدهم. وقد قال بذلك طائفة من العلماء كالإمام أحمد في قول منصوصٍ وغيره (3). ومات رجل ولم يُخَلِّف إلا عتيقًا له فدفع ماله لعتيقه (4). وقال بذلك _________ (1) (ل): «أكبر»، (ز): «كبر»، (ط): «أكبر رجل من». (2) ولفظه: (مات رجل من خزاعة فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بميراثه فقال: «التمسوا له وارثًا أو ذا رحم» فلم يجدوا له وارثًا ولا ذا رحم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعطوه الكُبر من خزاعة»)، وفي لفظ: (أكبر خزاعة). أخرجه أحمد (22944)، وأبو داود (2904)، والنسائي في «الكبرى» (6361 - 6363)، والبيهقي: (6/ 243) من طرق عن أبي بكر جبريل بن أحمر عن ابن بريدة عن أبيه به. قال النسائي: جبريل بن أحمر ليس بالقوي، والحديث منكر. نقله المزي في «تحفة الأشراف»: (2/ 79). وله شاهد من حديث عائشة أخرجه أحمد (25054) وغيره، ومن حديث ابن عباس الآتي. (3) انظر: «المغني»: (9/ 82 - 85). (4) بقية النسخ: «ميراثه إلى عتيقه». ولفظه: (أن رجلًا مات ولم يدع وارثًا إلا غلامًا له كان أعتقه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هل له أحد؟ » قالوا: لا إلا غلامًا له كان أعتقه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميراثه له). أخرجه أبو داود (2905)، والترمذي (2106)، والحاكم: (4/ 346). قال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري.

(الكتاب/58)


طائفة من العلماء (1) من أصحاب أحمد وغيرهم. ودفعَ ميراثَ رجل إلى رجل من أهل قريته (2). وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وخلفاؤه يتوسعون في دفع ميراث الميت إلى من بينه وبينه سبب (3) كما ذكرناه. ولم يكن يأخذ من المسلمين إلا الصدقات، وكان يأمرهم بأن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، كما أمر الله تعالى به في كتابه. ولم يكن للأموال المقبوضة والمقسومة ديوانٌ جامع على عهده وعهد أبي بكر - رضي الله عنه -، بل كان يقسم المال شيئًا فشيئًا، فلما كان في زمان عمر - رضي الله عنه - كَثُرَ المال، واتسعت البلاد، وكثر الناس، فجعل ديوان العطاء للمقاتلة وغيرهم. _________ (1) «من العلماء» من الأصل. (2) ولفظه: (عن عائشة - رضي الله عنها - أن مولى للنبي - صلى الله عليه وسلم - مات وترك شيئًا ولم يدع ولدًا ولا حميمًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أعطوا ميراثه رجلًا من أهل قريته». أخرجه أحمد (25054)، وأبو داود (2902) وهذا لفظه، والترمذي (2105)، وابن ماجه (2733)، والبيهقي: (6/ 243). قال الترمذي. هذا حديث حسن. وقد علق البغوي على هذا الحديث بقوله: (ليس هذا عند أهل العلم على سبيل توريث أهل القرية والقبيلة، بل مال من لا وراث له لعامة المسلمين، يضعه الإمام حيث يراه على وجه المصلحة، فوضعه النبي - صلى الله عليه وسلم - في أهل قبيلته على هذا الوجه) اهـ. «شرح السنة»: (8/ 361 - 362). (3) الأصل و (ب): «نسب». والمثبت من (ي، ل) ورجحه العثيمين في «شرحه» ص 128، وزاد في (ي): «أدنى سبب».

(الكتاب/59)


وديوان الجيش ــ في هذا الزمان ــ مشتمل على أكثر ذلك الديوان، وهو (1) أهم دواوين المسلمين. وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء لما يُقْبَض من الأموال، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات، والفيء، وغير ذلك. فصارت الأموال في هذه الأزمان وما قبلها ثلاثة أنواع: نوع (2) يستحقّ الإمام قبضَه بالكتاب والسنة والإجماع، كما ذكرناه. وقسم يحرم أخذه بالإجماع، كالجبايات (3) التي تؤخذ من أهل (4) القرية لبيت المال؛ لأجل قتيل قتل بينهم وإن كان له وارث، أو يؤخذ من الرجل على حدٍّ ارتكبه (5)، وتسقط عنه العقوبة بذلك، وكالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقًا. وقسم فيه اجتهاد وتنازع (6)، كمال من له ذو رَحِم ليس بذي فرضٍ ولا _________ (1) بقية النسخ: «على أكثره، وذلك الديوان هو». (2) من بقية النسخ. (3) الأصول: «الجنايات»، والصواب ما أثبت. ورجحه الشيخ العثيمين في «شرحه»: ص 129. (4) من بقية النسخ. (5) بقية النسخ: «أو على حد ارْتُكب». (6) وهذا القسم جعله المصنف نوعين في رسالته «الأموال السلطانية»: (5/ 391 - جامع المسائل) فقال: «ومنها ما هو اجتهاد يسوغ بين العلماء، وقد يسقط الوجوب بأعذار، ويباح المحظور بأسباب ... ومنها ما هو اجتهاد، لكن صدوره لعدوان من المجتهد وتقصير منه شابَ الرأيَ فيه الهوى، فاجتمعت فيه حسنة وسيئة، وهذا النوع كثير جدًّا».

(الكتاب/60)


عَصَبة، ونحو ذلك. وكثيرًا ما يقع الظلم من الولاة والرعية؛ هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب، كما قد يتظالم الجندُ والفلاحون، وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، ويكنز الولاة من مال الله مما لا يحل كنزه، وكذلك العقوبات على أداء الأموال؛ فإنه قد يَتْرك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل. والأصل في ذلك: أن كل مَن عليه مال يجب أداؤه؛ كرجل عنده وديعة، أو مضاربة، أو شركة، أو مال لمُوَكِّله، أو مال يتيم (1)، أو مال وقف، أو مال لبيت المال، أو عنده دينٌ هو قادر على أدائه، فإنه إذا امتنع [أ/ق 18] من أداء الحق الواجب من عين أو دين، وعُرِفَ أنه قادر على أدائه= فإنه يستحق العقوبة حتى يُظْهِر المال أو يدل على موضعه، فإذا عُرِفَ المال وصبر على (2) الحبس= يُسْتوفى (3) الحق من المال ولا حاجة إلى ضربه. وإن امتنع من الدلالة على ماله ومن الإيفاء ضُرِب حتى يؤدِّي الحق أو يُمَكِّن من أدائه. وكذلك لو امتنع من أداء النفقة الواجبة عليه مع القدرة عليها؛ لما روى عمرو بن الشريد (4) عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعقوبَتَه» رواه أهل السنن (5). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَطْلُ الغنيِّ _________ (1) تحرفت في الأصل إلى «بينهم»! (2) (ز): «وصبر في»، وفي «شرح العثيمين: 131» إشارة إلى أن في نسخة: «وصُيِّر في». (3) بقية النسخ: «فإنه يستوفى». (4) تحرفت في الأصل إلى «الشريك»! (5) أخرجه أحمد (17946)، وأبو داود (3628)، والنسائي (4690)، وابن ماجه (2427)، وابن حبان «الإحسان» (5089)، والحاكم: (4/ 102)، والبيهقي: (6/ 51)، وعلقه البخاري كتاب الاستقراض، باب لصاحب الحق مقال. والحديث صححه ابن حبان، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه العراقي في «تخريج الإحياء»: (2/ 824)، وابن الملقن في «البدر المنير»: (6/ 656)، وحسّنه الحافظ في «الفتح»: (5/ 76) وفي «التغليق»: (3/ 319).

(الكتاب/61)


ظُلْم» أخرجاه في «الصحيحين» (1)، والليُّ: هو المَطْل. والظالم يستحق العقوبة والتعزير، وهذا أصلٌ متفق عليه: أن كل من فعَل محرمًا أو ترك واجبًا استحقَّ العقوبة، فإن لم تكن مُقَدَّرة بالشرع كان تعزيرًا يجتهد فيه وليُّ الأمر، فيعاقب الغني الماطل (2) بالحبس، فإن أصرَّ عُوقب بالضرب حتى يؤدِّي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا (3). وقد روى البخاري في «صحيحه» (4) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - _________ (1) أخرجه البخاري (2287)، ومسلم (1564) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) (ي): «المماطل». (3) انظر «مجموع الفتاوى»: (30/ 38، 23)، (35/ 402). وقوله: «مالك و» ليس في (ف). (4) ذكر البخاري بعد (2730) سنده فقط دون متنه وقال: (اختصره)، وقد عزاه الحميدي مطولًا للبخاري في «الجمع بين الصحيحين»: (1/ 121)، وعزاه المؤلف في «الفتاوى»: (35/ 407) للصحيح، وشيخ الإسلام كثير الاعتماد على كتاب الحميدي، بل هو من أوائل محفوظاته، فالغالب أنه اعتمد عليه في العزو، وقد نبه الحافظ ابن حجر في «الفتح»: (5/ 387) إلى صنيع الحميدي في هذا الحديث فقال: (تنبيه: وقع للحميدي نسبة رواية حماد بن سلمة مطولة جدًّا إلى البخاري، وكأنه نقل السياق من مستخرج البرقاني كعادته وذهل عن عزوه إليه، وقد نبه الإسماعيلي على أن حمادًا كان يطوله تارة ويرويه تارة مختصرًا) اهـ. والحديث أخرجه أبو داود (3006)، وابن حبان «الإحسان» (5199)، والبيهقي: (9/ 137)، وابن المنذر في «الأوسط»: (11/ 362). من رواية حماد بن سلمة، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر ــ فيما يحسب أبو سلمة ــ عن نافع، عن ابن عمر به. صححه ابن حبان، وقال الحافظ: رجاله ثقات. «الفتح»: (7/ 548).

(الكتاب/62)


لما صالح أهلَ خيبر على الصفراء والبيضاء والسلاح سأل بعض اليهود ــ وهو سَعْيَه (1) عم حُيَي بن أخطب ــ عن كنز حُيَي بن أخطب؟ فقال: أذهَبَتْه النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب، والمال أكثر من ذلك» فدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعية إلى الزبير، فمَسَّه بعذاب، فقال: قد رأيتُ حييًّا يطوف في خِرْبَة ههنا، فذهبوا فطافوا، فوجدوا المَسْك في الخربة. وهذا الرجل كان ذميًّا، والذمي لا تحل عقوبته إلا بحق، وكذلك كل مَن كتم ما يجب إظهاره من دلالة واجبة وغير ذلك عُوقِب (2) على ترك الواجب. وما أخذ ولاة الأموال (3) وغيرهم من مال (4) المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل، قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: هدايا العمال غلول (5). _________ (1) تصحف في الأصل و (ب): «شعية» و (ف): «شعبة»، وانظر «الإكمال»: (5/ 66) لابن ماكولا. (2) بقية النسخ: «ونحو ذلك يعاقب». (3) (ط): «وما أخذه العمال». (4) هنا ينتهي السقط الطويل من نسخة (ظ) وكانت بدايته (ص 24). (5) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»: (4/ 444).

(الكتاب/63)


وروى إبراهيم الحربي في كتاب «الهدايا» (1) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «هدايا الأمراء غلول» (2). وفي «الصحيحين» (3) عن أبي حُمَيد الساعدي - رضي الله عنه - قال: استعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من الأزْد يقال له: ابن اللُّتْبِية على الصدقة فلما قَدِم قال: هذا لكم وهذا أُهْدِي إليَّ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أُهْدِي إليَّ؟ ! فهلَّا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة _________ (1) ذكره ياقوت في ترجمته باسم (الهدايا والسنة فيها) «معجم الأدباء»: (1/ 50)، والحافظ في «المعجم المفهرس»: (2/ 399)، ونقل منه في «الفتح». (2) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (6898) بلفظ: (الهداية إلى الإمام غلول). قال الهيثمي: فيه يمان بن سعيد وهو ضعيف. «المجمع»: (10/ 151). وله شاهد من حديث أبي حميد الساعدي أخرجه أحمد (23601)، والبزار (3723)، والبيهقي: (10/ 138) وضعفه الهيثمي في «المجمع»: (10/ 151)، والحافظ في «التلخيص»: (4/ 208). ومن حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني في «الأوسط» (7848) قال الهيثمي في «المجمع»: (10/ 151): (وفيه حميد بن معاوية الباهلي وهو ضعيف). وقال الحافظ: إنه أشد ضعفًا من حديث أبي حميد. ومن حديث جابر أخرجه ابن أبي شيبة: (5/ 168)، والطبراني في «الأوسط» (4965) وقال: لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا ليث تفرد به قيس. قال الهيثمي: إسناده حسن. «المجمع»: (10/ 151). (3) أخرجه البخاري (1500)، ومسلم (1832).

(الكتاب/64)


تَيْعَر» ثم رفع بيده حتى رأينا عُفْرَة (1) إبطيه: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت» ثلاثًا. وكذلك محاباة الولاة في المعاملة؛ من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة، ونحو ذلك= هو من نوع الهديَّة، ولهذا شاطر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من عماله مَن كان [أ/ق 19] له فضل ودين لا يُتَّهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خُصُّوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمامَ عدلٍ يقسم بالسوية (2). _________ (1) الأصل و (ف، ي، ز، ظ، ل): «عفر»، والمثبت من (ب) ومصادر الحديث. والعفرة البياض ليس بالناصع. انظر «النهاية»: (3/ 516). (2) وقال المؤلف في «الاختيارات» (ص 462): (ثبت أن عمر شاطر عماله كسعد وخالد وأبي هريرة وعمرو بن العاص ولم يتهمهم بخيانة بينة، بل بمحاباة اقتضت أن جعل أموالهم بينهم وبين المسلمين، ومن علم تحريم ما ورثه أو غيره وجهل قدره قسمه نصفين) اهـ. وقد أخرج أبو عبيد في «الأموال» (667)، وابن زنجويه في «الأموال» (996) عن أبي هريرة أنه لما قدم من البحرين ــ وكان أميرًا عليها ــ ساءله عمر عما بيده من المال، وأنه قبضه منه. وذكر الحافظ ابن حجر في «الإصابة»: (1/ 609) أن الزبير أخرج في «الموفقيات» عن جعفر مولى أبي هريرة قال: عزل عمر أبا موسى عن البصرة، وقدامة بن مظعون، وأبا هريرة، والحارث بن وهب أحد بني ليث بن بكر، وشاطرهم أموالهم، فذكر القصة وفيها: وقال للحارث: ما أعبد وقلاص بعتها بمائة دينار؟ قال: خرجت بنفقة معي فتجرت فيها، قال: إنا والله ما بعثناك للتجارة في أموال المسلمين ... وانظر «الفقه الاقتصادي لعمر بن الخطاب» (ص 588 - 589). وهذه المشاطرة مبنية على معرفة ماله قبل الولاية، فقد كان عمر إذا استعمل عاملًا كتب ماله. أخرجه ابن سعد في «الطبقات»: (3/ 307).

(الكتاب/65)


فلما تغير الإمام والرعية، كان الواجب على كلِّ إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له. وقد يُبْتَلى الناسُ من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها، ليتمكن بذلك من استيفاء المظالم منهم، ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم، فيكون من أخذَ منهم عِوضًا على كَفِّ ظلمٍ وقضاء حاجةٍ مباحة أحبَّ إليهم من هذا، فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره، وأخسرُ الناسِ صفقةً من باع آخرته بدنيا غيره. وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها؛ من تبليغ ذي السلطان حاجاتِهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسدهم بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة، كما يفعل ذوو الأغراض من الكُتَّاب ونحوهم في أغراضهم، ففي حديث هند بن أبي هالة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «أبلغوني حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها ثَبَّتَ الله قدميه على الصراط يوم تزلُّ الأقدام» (1) _________ (1) أخرجه الترمذي في «الشمائل» (336)، والآجري في «الشريعة» (1022)، والطبراني في «الكبير» (22/ 414)، وابن عدي: (7/ 134)، والبيهقي في «الدلائل»: (1/ 285 - 289)، و «الشعب»: (1362) من حديث رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد الله، عن ابنٍ لأبي هالة، عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة ــ وكان وصافًا ــ عن حلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره مطولًا. قال المزي في «تهذيب الكمال»: (7/ 428): (في إسناد حديثه بعض مَن لا يعرف، وحديثه من أحسن ما روي في وصف حلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود وذكر حديث ابن أبي هالة، فقال: أخشى أن يكون موضوعًا) اهـ.

(الكتاب/66)


وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في «سننه» عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له عليها هدية فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا» (1). وروى إبراهيم الحربي (2) عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: السُّحْت أن يطلب الحاجةَ للرجل، فتُقْضى له، فيُهْدي إليه فيقبلها (3). وروى أيضًا عن مسروق: أنه كلم ابنَ زياد في مظلمة فردها، فأهدى له صاحبُها وصيفًا فرده عليه وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من ردَّ عن مسلم مظلمة فرَزَأه (4) عليها قليلًا أو كثيرًا فهو سُحْت. فقلت: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذاك كفر (5). _________ (1) أخرجه أحمد (22251)، وأبو داود (3541)، والطبراني في «الكبير» (7853). ضعفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية»: (2/ 267)، وابن القطان في «بيان الوهم»: (4/ 519)، وقال الحافظ في «بلوغ المرام»: (2/ 24): إسناده فيه مقال. (2) هذا الأثر وما بعده لعله في كتاب «الهدايا» للحربي الذي سلف نقل المؤلف عنه قريبًا. (3) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره»: (4/ 1134). (4) (ي، ظ، ل): «فرزقه»، (ب): «فرزى». (5) أخرجه عبد الرزاق: (8/ 148)، والبيهقي في «الشعب» (5116) من طريق عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق بنحو لفظه، وإسناده صحيح. ومن طريق آخر أخرجه ابن سعد في «الطبقات»: (6/ 81) بنحوه. وبدون ذكر قصة ابن زياد أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره»: (4/ 1134)، والطبراني في «الدعاء» (ص 581) وغيرهم.

(الكتاب/67)


فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذويه (1)، فلا ينبغي إعانة واحد منهما، إذ كل منهما ظالم، كلِصٍّ سرق من لص، وكالطائفَتْين المُقْتَتِلَتَيْن على عصبية ورئاسة، ولا يحلُّ للرجل أن يكون عونًا على ظلم (2)، فإن التعاون نوعان (3): * تعاون على البرّ والتقوى؛ من الجهاد، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسكَ عنه خشيةَ أن يكون من أعوان الظلمة= فقد ترك فرضًا على الأعيان، أو على الكفاية، متوهِّمًا أنه متورِّع، وما أكثر ما يشتبه الجُبْن والبخل (4) بالوَرَع؛ إذ كلٌّ منهما كفٌّ وإمساك. * والثاني: تعاونٌ على الإثم والعدوان، كالإعانة على دمٍ معصوم، أو أخذ مالٍ مغصوب (5)، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك، فهذا الذي حرمه الله ورسوله. نعم، إذا كانت الأموال قد أُخِذَت بغير حق، وقد تَعَذَّر ردُّها إلى أصحابها، ككثير من الأموال السلطانية، [أ/ق 20] فالإعانة على صرف هذه _________ (1) كذا في النسخ، وأصلحت في بعض المطبوعات إلى «ذويه» وهو الوجه. (2) (ف): «المظالم». (3) من بقية النسخ. (4) في النسخ: «والفشل»، والمثبت من (ي) وهو المناسب للسياق، وستأتي على الصواب (ص 76). (5) (ف، ظ، ر، ب، ل، ط): «معصوم»، والمثبت من الأصل و (ي).

(الكتاب/68)


الأموال في مصالح المسلمين (1)؛ كسداد الثغور، ونفقة المقاتلة، ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى؛ إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال ــ إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم ــ أن يصرفها ــ مع التوبة إن كان هو الظالم ــ إلى مصالح المسلمين. هذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد، وهو منقول عن غير واحد من الصحابة، وعلى ذلك دلَّت الدلالة (2) الشرعية، كما هو مبسوط في موضع آخر (3). وإن كان غيره قد أخذها، فعليه هو أن يفعل بها كذلك (4)، وكذلك لو امتنع السلطان من ردها، كان الإعانة على إنفاقها في مصالح أهلها (5) أولى من تركها بيده ومن (6) يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين (7). _________ (1) ليست في الأصل، (ل). (2) (ي، ز): «الأدلة». (3) من قوله: «هذا قول» إلى هنا ساقط من (ف، ظ، ب، ك). (4) (ظ، ب): «ذلك». (5) بقية النسخ: «أصحابها». (6) بقية النسخ: «بيد من». (7) للمصنف رسالة في الأموال التي لا يُعرف صاحبها، وما يجب العمل بها، انظرها في «مجموع الفتاوى»: (28/ 592 - فما بعدها). وقد ذكر الأقوال في هذا النوع من الأموال، ورد على من رأى حبسها وعدم صرفها فقال: (هذا مثل إتلافها، فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها، وهذا تعطيل أيضًا، بل هو أشد منه من وجهين؛ أحدهما: أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به. الثاني: أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لابد أن يستولي عليها أحد من الظلمة بعد هذا إذا لم ينفقها أهل العدل والحق، فيكون حبسها إعانة للظلمة وتسليمًا في الحقيقة إلى الظلمة، فيكون قد منعها أهلَ الحق وأعطاها أهل الباطل، ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا، فإن من وضع إنسانًا بمَسْبَعة فقد قتله، ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكله، ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولي عليها من الظلمة، فقد أعطاهموها. فإذا كان إتلافها حرامًا وحبسها أشد من إتلافها تعيّن إنفاقها، وليس لها مصرف معيّن فتُصرف في جميع جهات البر والقُرَب التي يتقرب بها إلى الله؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته، وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته فتصرف في سبيل الله) اهـ.

(الكتاب/69)


فإنّ مدار الشريعة على قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، المفسر لقوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] وعلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم» أخرجاه في «الصحيحين» (1). وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتبطيل (2) المفاسد وتقليلها. فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع. والمُعِين على الإثم والعدوان: من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة، فهو وكيلُ المظلوم لا (3) وكيلُ الظالم (4)، بمنزلة الذي يُقرضه أو الذي يتوكّل في حمل المال له إلى الظالم. _________ (1) البخاري (7288)، ومسلم (1337) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) (ط): «وتعطيل». (3) (ظ): «لأن». (4) (ي): «وكيل للمظلوم لا وكيل للظالم».

(الكتاب/70)


مثال ذلك: ولي اليتيم والوقف إذا طلب ظالمٌ منه مالًا فاجتهد في دفع ذلك بما هو (1) أقل منه إليه أو إلى غيره، بعد الاجتهاد التام في الدفع فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل. وكذلك وكيل المالك من المنادين (2) والكُتَّاب (3) وغيرهم، الذي يتوكل لهم في العقد والقبض ودفع ما يُطْلَب منهم، لا يتوكَّل للظالمين في الأخذ. وكذلك لو وُضِعَت مظلمة على أهل قرية أو دَرْب أو سوق أو مدينة، فتوسَّط رجل محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان، وقَسَّطها عليهم (4) قدر طاقتهم من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء، بل توكَّل لهم في الدفع عنهم والإعطاء= كان محسنًا. لكنَّ الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل الظالمين، محابيًا مرتشيًا مُخْفِرًا لمن يريد، وآخذًا ممن يريد، وهذا من أكبر الظلمة الذين يُحْشرون في توابيت من نار، هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يُقذَفون في النار (5). _________ (1) (ظ): «بدفع ما هو» و (ي): «بما هو، ثم كتب: ظ: بدفع ما». (2) كذا في الأصل و (ز، ل، ظ) وهم الدلالون، و (ف، ي، ب): «الشادين». وزاد بعده في (ظ): (والدلالين). (3) علق في هامش (ي) ما نصه: (أظن هذا مثل كبراء القرى والعُرفاء، وكبراء القوافل وأشباههم، فهو كالوكلاء للملاك، مفاصلون عنهم ويتاقون (كذا) عليه، ويوزعون ويقسطون ما يضرب عليهم، والله أعلم) اهـ. (4) (ف، ل، ب، ط): «بينهم على». (5) وانظر للمزيد عن هذه الموازنات «مجموع الفتاوى»: (30/ 356 - 360).

(الكتاب/71)


فصل وأما المصارف؛ فالواجب أن يُبتدأ في القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين العامة، كعطاء من يحصل للمسلمين به منفعة عامة. فمنهم المقاتِلَة الذين هم أهل النُّصْرَة والجهاد، وهم أحق الناس بالفيء؛ لأنه لا يحصل إلا بهم، حتى اختلف الفقهاء في مال الفيء: هل هو مختصٌّ بهم أو مشترك في جميع المصالح؟ وأما سائر الأموال السلطانية فلجميع المصالح وفاقًا، إلا ما خُص به نوع كالصدقات والمغنم. ومن المستحقين: ذوو (1) الولايات عليهم؛ كالولاة، والقضاة، والعلماء، والسُّعاة على المال جمعًا وحفظًا وقسمةً ونحو ذلك، حتى أئمة الصلاة والمؤذنين ونحو ذلك. وكذلك صرفه في الأثمان والأجور [أ/ق 21] لما يعمُّ نفعُه؛ من سداد الثغور بالكُراع (2) والسلاح، وعمارة ما يحتاج إلى عمارته من طرقات الناس، كالجسور والقناطر، وطرقات المياه كالأنهار. ومن المستحقين: ذوو الحاجات, فإن الفقهاء قد اختلفوا: هل يقدَّمَون في غير الصدقات من الفيء ونحوه على غيرهم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ منهم من قال: يقدَّمون، ومنهم من قال: المال استُحِقَّ بالإسلام، فيشتركون فيه كما يشترك الورثة في الميراث. والصحيح أنهم يقدَّمون، فإن _________ (1) الأصل: «ذوي». (2) الكراع: اسم جامع للخيل وعدتها وعدة فرسانها. انظر: «المصباح المنير» (ص 203).

(الكتاب/72)


النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقدم ذوي الحاجات، كما قدمهم في مال بني النضير. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ليس أحدٌ أحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجلُ وسابقتُه، والرجلُ وغَناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجلُ وحاجتُه (1). فجعلهم عمر - رضي الله عنه - أربعة أقسام: * ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال. * ومن يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، كالسَّاسة (2) والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدين والدنيا والآخرة. * ومن يُبْلي بلاء حسنًا في دفع الضرر عنهم، كالمجاهدين في سبيل الله، من الأجناد والعيون الذين هم القُصَّاد المناصحون (3) ونحوهم. والرابع: ذوو الحاجات. وإذا حصل من هؤلاء متبرع فقد أغنى الله به، وإلا أُعْطِي ما يكفيه أو قدر عمله. وإذا عرفتَ أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في مال المصالح وفي الصدقات ــ أيضًا ــ فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل إلا كما يستحقه نُظَراؤه، مثل أن يكون شريكًا في غنيمة أو ميراث. _________ (1) أخرجه أحمد (292)، وأبو داود (2950)، وقد صحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على «المسند»: (1/ 281)، وفي إسناده مقال. (2) (ي، ز): «كولاة الأمر». (3) بقية النسخ: «من القصاد والمناصحين».

(الكتاب/73)


ولا يجوز للإمام أن يعطي أحدًا ما لا يستحقه لهوى نفسه؛ من قرابة بينهما، أو مودة، ونحو ذلك، فضلًا أن يعطيه لأجل منفعة محرمة منه؛ كعطية المُخنثين من الصبيان المردان؛ الأحرار والمماليك ونحوهم، والبغايا، والمغنين، والمساخر، ونحو ذلك، أو إعطاء العرَّافين من الكُهَّان والمُنَجِّمين ونحوهم. لكن يجوز، بل يجب الإعطاء لتأليف من يحتاج إلى تأليف قلبه، وإن كان هو لا يحلُّ له أخذ ذلك، كما أباح الله سبحانه وتعالى في القرآن العطاء للمؤلفة قلوبهم من الصدقات، وكما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطي المؤلفة قلوبهم (1) من الفيء ونحوه، وهم السادة المطاعون في عشائرهم، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعطي الأقْرَع بن حابس سيد بني تميم، وعُيينة بن حِصْن سيد بني فَزارة، وزيد الخير (2) الطائي سيد بني نبهان، وعلقمة بن عُلاثة العامري سيد بني كلاب. ومثل سادات قريش من الطلقاء (3)؛ كصفوان بن أُمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن حرب، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعدد كثير. _________ (1) في هامش (ي) تعليق نثبت ما ظهر منه: ([كان] يؤلف أجل ... وأما بعد قوة ... فلم يؤثر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تألف مسلمًا، ولا وقع بعده من أحد من الخلفاء الأربعة، حتى قال بعض العلماء: إنه قد نسخ التأليف و ... المصارف بعد سبعة) اهـ. (2) (ي، ز): «الخيل» وهذا اسمه قبل إسلامه ثم سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد الخير. انظر «الإصابة»: (2/ 622 - 623). (3) تصحفت في (ف): «الخلفاء».

(الكتاب/74)


ففي «الصحيحين» (1) عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بعثَ عليٌّ وهو باليمن بذُهَيبة في تُرْبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَسَمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيَينة بن بدر (2) الفَزَاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري أحد (3) بني كلاب، وزيد الخير (4) الطائي أحد بني نبهان. قال: فغضبت قريش والأنصار فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا؟ ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[أ/ق 22]: «إني إنما فعلت ذلك لأتألَّفهم»، فجاء رجلٌ كثُّ اللحية، مشرف الوَجْنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن يُطِعِ الله إن عصيتُه؟ أيأمَنُنِي على أهل الأرض ولا تأمَنُوني؟ ». قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله ــ ويرون أنه خالد بن الوليد ــ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من ضِئْضِئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يُجاوز حناجِرَهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لئن أدركتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عادٍ». وعن رافع بن خَديج قال: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعُيَينة بن حصن، والأقرعَ بن حابس، كلَّ إنسان منهم مئةً _________ (1) البخاري (4351)، ومسلم (1064) واللفظ له. (2) (ف، ظ، ب): «بن حصن»، وفي هامش (ي): (الظاهر: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر). (3) (ي، ز): «ثم أحد»، وكذلك ما بعدها في (ز) فقط. (4) (ي، ز): «الخيل» انظر ما سبق في الصفحة الماضية.

(الكتاب/75)


من الإبل، وأعطى عباسَ بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العُبَيْـ ... ــدِ بين عيينه والأقرع فما كان حِصْنٌ (1) ولا حابسٌ ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنتُ (2) دونَ امرئٍ منهما ... ومن تَخْفِضِ اليومَ لا يُرْفَع قال: فأتمَّ له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة. رواه مسلم (3). والعُبَيد: اسم فرس له. والمؤلفة قلوبهم نوعان: كافر، ومسلم. فالكافر إما أن يُرْجَى بعطيْته منفعة؛ كإسلامه، أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك. والمسلم المُطاع يُرْجى بعطيته المنفعة أيضًا؛ كحُسْن إسلامه، أو إسلام نظيره، أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، أو النكاية في العدو، أو كفِّ ضرره عن المسلمين إذا لم ينكفَّ إلا بذلك. وهذا النوع من العطاء، وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء، كما يفعل الملوك، فالأعمال بالنيات؛ فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله، كان من جنس عطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد، كان من جنس عطاء فرعون، وإنما ينكره (4) ذو الدين _________ (1) في «صحيح مسلم»: «بدر» وهو نسبة إلى جده. (2) سقطت من الأصل. (3) (1060). (4) أي ينكر إعطاء المؤلفة قلوبهم، وفي هامش (ي) حاشية نصها: (يعني المقصود به المصلحة).

(الكتاب/76)


الفاسد، كذي الخُويَصرة الذي أنكره على النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى قال فيه ما قال. وكذا حزبه الخوارج أنكروا على أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - ما قصدَ به المصلحة من التحكيم، ومَحْوِ اسمه، وما تركه من سبي نساء المسلمين وصبيانهم (1). وهؤلاء أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم؛ لأن معهم دينًا فاسدًا لا يصلح به دنيا ولا آخرة. وكثيرًا ما يشتبه الورع الفاسد بالجبن والبخل، فإن كلاهما (2) فيه ترك، فيشتبه ترك (3) الفساد لخشية الله تعالى بترك ما يُؤمَر به من الجهاد والنفقة: جبنًا وبخلًا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «شرُّ ما في المرء شُحٌّ هالعٌ وجُبْن خالع» (4). قال الترمذي: حديث صحيح. وكذلك قد يترك الإنسان العمل ظنًّا أو إظهارًا أنه ورع، وإنما هو كِبْر _________ (1) انظر ما أنكره الخوارج على علي - رضي الله عنه - في «المعرفة والتاريخ»: (1/ 522 - 524) للبسوي، و «المسند» (656)، و «البداية والنهاية»: (10/ 564 - 570). (2) (ي): «كلًّا منهما». وتشبه في الأصل: «كليهما». وقد جرت عادة الشيخ على إلزام (كلا) الألف كما هو ثابت بخطه. (3) سقطت من الأصل. (4) أخرجه أحمد (8010)، وأبو داود (2511)، وابن أبي شيبة: (5/ 332)، وابن حبان «الإحسان» (3250)، والبيهقي: (9/ 170) من طريق عُلَيّ بن رباح عن عبد العزيز بن مروان قال سمعت أبا هريرة به. والحديث صححه ابن حبان، والمصنف في «الفتاوى»: (28/ 437)، وقال العراقي في «تخريج الإحياء»: (2/ 910): سنده جيد. ولم أجد الحديث في الترمذي كما أشار المصنف، ولعله سبق قلم.

(الكتاب/77)


وإرادةٌ للعلو، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» (1) كلمة جامعة كاملة، فإن النية للعمل كالروح للجسد، وإلا فكل واحد من الساجد لله والساجد للشمس والقمر، قد وضع جبهته على الأرض، فصورتهما واحدة، ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى، وهذا أبعد الخلق عن الله. [أ/ق 23] وقد قال الله عز وجل: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (2) [العصر: 3]، {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17]. وفي الأثر: «أفضل الإيمان: السماحة والصبر» (3). فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك. ولهذا كان من لم يقم بهما سلبه الله الأمر ونقله إلى غيره، كما قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا _________ (1) أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. (2) هذه الآية من الأصل فقط. (3) أخرجه أحمد (22717)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (653)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (124)، وابن أبي عاصم في «الجهاد» (25) ولفظهما مختصر، وغيرهم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - ولفظه عند أحمد والخرائطي: أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله، أي العمل أفضل؟ قال: «الإيمان بالله، وتصديق به، وجهاد في سبيله»، قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله، قال: «السماحة والصبر ... » الحديث. وفي إسناد أحمد والخرائطي ابن لهيعة، وفي إسناده غيره من يُضَعَّف.

(الكتاب/78)


وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38 - 39]. وقال تعالى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]. وقد قال سبحانه وتعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد: 10]، فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء، والقتال الذي هو الشجاعة. وكذلك قال في غير موضع: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [التوبة: 20]. وبيَّن أن البخل من الكبائر في قوله تعالى: {يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ} [آل عمران: 180]، وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} الآية [التوبة: 34]. وكذلك الجبن في مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 16]، وفي قوله: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56]، وهو كثير في الكتاب والسنة، وهو مما اتفق عليه أهل الأرض، حتى إنهم يقولون في الأمثال العامية: لا طعنة ولا

(الكتاب/79)


جفنة (1)، ويقولون: لا فارس الخيل ولا وجه العرب (2). لكن افترق الناس هنا ثلاث فرق: * فريق غلبَ عليهم حبُّ العلو في الأرض أو الفساد، فلم ينظروا في عاقبة المعاد، ورأوا أن السلطان لا يقوم إلا بعطاء، وقد لا يتأتَّى العطاء إلا باستخراج أموال من غير حلِّها، فصاروا نهَّابين وهَّابين. وهؤلاء يقولون: لا يمكن أن يتولى على الناس إلا من يأكل ويُطْعِم، فإنه إذا تولى العفيف (3) الذي لا يأكل ولا يُطْعِم، سَخِط عليه الرؤساء وعزلوه، إن لم يضروه في نفسه وماله. وهؤلاء نظروا في عاجل دنياهم وأهملوا الآجل من دنياهم وآخرتهم، فعاقبتهم عاقبة رديئة في الدنيا والآخرة، إن لم يحصل لهم ما يُصْلِح آخرتهم (4) من توبة ونحوها مما يعتقدونه فينجوا منه (5). * وفريقٌ عندهم خوفٌ من الله تعالى، ودينٌ يمنعهم عما يعتقدونه قبيحًا، من ظلم الخلق وفعل المحارم، فهذا حسنٌ واجب، لكن قد يعتقدون مع ذلك أن السياسة لا تتم إلا بما يفعله أولئك من الحرام، فيمتنعون أو يمنعون عنها مطلقًا، وربما كان في نفوسهم جُبن أو بخل، أو ضِيق خلق _________ (1) والمعنى: لا شجاعة ولا كرم. وفي الأصل: «لا طعته ولا خفته»! وهو تحريف. (2) بمعنى المثل السابق، وقد أنشد السراج (ت 691) لنفسه كما في «أعيان العصر»: (5/ 121). قال وقد أبْصَرَ وجهي مُقْبلًا ... لا فارس الخَيلِ ولا وجْهَ العَرَب (3) (ي): «الضعيف». (4) بقية النسخ: «عاقبتهم». (5) «مما يعتقدونه فينجوا منه» من الأصل فقط.

(الكتاب/80)


عاضد لما (1) معهم من الدين، فيقعون أحيانًا في ترك واجب يكون تركه أضرَّ عليهم من بعض المحرمات، أو يقعون في النهي عن واجب، يكون النهيُ عنه من الصدِّ عن سبيل الله. وقد يكونون متأوِّلين، وربما اعتقدوا أن إنكار ذلك واجب ولا يتم إلا بالقتال، فيقاتلون المسلمين كما فعلت الخوارج؛ فهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل، لكن قد يصلح بهم كثيرٌ من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا، وقد يُعْفَى عنهم في بعض ما (2) اجتهدوا فيه فأخطأوا، ويُغفَر لهم قصورُهم، وقد يكونون من الأخسرين (3) الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره، ولا يرى أن يتألف الناس من الكفار والفجار لا بمال ولا بنفع (4)، ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرَّم. * الفريق الثالث: الأمة الوسط، وهم أهل دين (5) محمد - صلى الله عليه وسلم -، وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة، وهو: إنفاق المال والمنافع _________ (1) المثبت من (ي، ز)، الأصل: «عامد لما معهم»، (ل): «مع ما معهم»، (ب): «ضيق خلق معهم»، وبياض في (ف). (2) بقية النسخ: «عنهم فيما». (3) (ف) زيادة: «أعمالا». (4) الأصل: و «لا بمنع». (5) (ف): «وهو دين».

(الكتاب/81)


للناس ــ وإن كانوا رؤساء ــ بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال لإقامة (1) الدين، والدنيا التي يحتاج إليها الدين. وعِفَّته في نفسه فلا يأخذ ما لا يستحقه، فيجمعون بين التقوى والإحسان {(127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ} [النحل: 128]. فلا تتم السياسة الدينية إلا بهذا، ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة، وهذا هو الذي يُطْعم الناس ما يحتاجون إلى إطعامه (2)، ولا يأكل هو إلا الحلال الطيب، ثم هذا يكفيه من الإنفاق أقل مما يحتاج إليه الأُوَل، فإن الذي يأخذ لنفسه تطمع فيه النفوس ما لا تطمع في العفيف، ويصلح به الناس في دينهم ما لا يصلحون بالثاني، فإن العِفَّة مع القدرة تقوِّي حُرْمة الدين. وفي «الصحيحين» (3) عن أبي سفيان بن حرب أن هرقل ملك الروم قال له عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصّلَة. وفي الأثر: أن الله أوحى إلى رسوله إبراهيم الخليل ــ صلى الله على نبينا وعليه وعلى كافة الأنبياء والمرسلين ــ: يا إبراهيم أتدري لم اتخذتك خليلًا؟ لأني رأيتُ العطاءَ أحبَّ إليك من الأخذ (4). _________ (1) بقية النسخ: «ولإقامة». (2) (ف، ي، ز، ل): «طعامه». (3) البخاري (7)، ومسلم (1773). (4) وردت في ذلك آثار عن جماعة من السلف، عن يوسف بن أسباط أخرجه أبو نعيم في «الحلية»: (8/ 242)، وعن وهب بن منبه أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: (6/ 217 - 218)، وغيرهما كما في «الدر المنثور»: (2/ 407 - 408).

(الكتاب/82)


وهذا الذي ذكرناه في الرزق والعطاء الذي هو السخاء وبذل المنافع= نظيرُه في الصبر والغضب الذي هو الشجاعة ودفع المضارِّ: أن الناس ثلاثة أقسام: قسم يغضبون لنفوسهم ولربهم، وقسم لا يغضبون لنفوسهم ولا لربهم، والثالث ــ وهو الوسط ــ أن يغضب لربه لا لنفسه كما في «الصحيحين» (1) عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده خادمًا له، ولا امرأة، ولا دابة، ولا شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نِيلَ منه شيء فانتقم لنفسه، إلا أن تُنْتَهَك حُرُمات الله، فإذا انتُهِكَت حُرُمات الله لم يَقُم لغضبه شيء حتى ينتقم لله تبارك وتعالى». فأما من يغضب لنفسه لا لربه، أو يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره [أ/ق 25]، فهذا القسم الرابع شرُّ الخلق لا يصلح بهم دين ولا دنيا. كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرَّمات، وهم الذين يعطون ما يُصْلِح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أُبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتُهِكَت محارمُه، ويعفون عن حظوظهم، وهذه أخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بذله ودفعه، وهي أكمل الأمور، وكلما كان إليها أقرب كان أفضل. فليجتهد المسلم في التقرُّب إليها بجهده، ويستغفر الله تعالى بعد ذلك من قصور أو تقصير، بعد أن يعرف كمالَ ما بَعَث الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من الدين. _________ (1) بهذا اللفظ أخرجه مسلم (2328)، وأخرج البخاري (3560) من حديثها بلفظ: «ما خير النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تُنْتَهك حُرُمات الله فينتقم لله».

(الكتاب/83)


فهذا في قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]. فصل وأما قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] فإن الحُكْم بين الناس يكون في الحدود والحقوق، وهما قسمان: فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم، وكلهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله (1)، مثل: حدِّ قُطَّاع الطريق، والسُّرَّاق، والزُّناة ونحوهم، ومثل: الحكم في الأمور السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعيَّن، فهذه من أهم أمور الولايات؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: لابدَّ للناس من إمارة برَّةً كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرَّة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: تُقام بها الحدود، وتأمن بها السُّبُل، ويُجاهَد بها العدو، ويُقْسَم بها الفيء (2). وهذا القسم (3) يجب على الولاة البحث عنه (4)، وإقامته من غير دعوى _________ (1) الأصل: «حدود وحقوق الله». وسيأتي القسم الثاني (ص 195). (2) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7102) بنحوه، وفي سنده ليث بن أبي سليم. ورُوي نحوه عن ابن مسعود مرفوعًا عند الطبراني رقم (10210). (3) يعني إقامة الحدود والحقوق المذكورة وغيرها. وقارن بنا ذكره الشيخ العثيمين في «شرحه» (ص 188). (4) هنا تعليق في (ي) لكن معظمه لم يظهر.

(الكتاب/84)


أحدٍ به، وكذلك تُقام الشهادة فيه من غير دعوى أحدٍ به، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق: هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، ولكنهم متفقون على أنه لا يفتقر إلى مطالبة المسروق بالحدِّ، بل اشترط بعضُهم المطالبة بالمال (1) لئلا يكون للسارق فيه شبهة. وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطَّلَه لذلك ــ وهو قادر على إقامته ــ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا. روى أبو داود في «سننه» (2) عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقط ضادَّ (3) الله في أمره، ومَن خاصم في باطلٍ وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومَن قال في مسلم ما ليس فيه حُبِسَ في ردغة الخَبال حتى يخرج مما قال». قيل: يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال: «عُصارة أهل النار» (4). _________ (1) (ف، ب، ل) زيادة: «له». (2) (3597)، وأخرجه أحمد (5385)، والحاكم: (2/ 27)، والبيهقي: (6/ 82)، وغيرهم. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وجود إسناده المنذري في «الترغيب»: (3/ 198)، وابن القيم في «أعلام الموقعين»: (5/ 463)، والذهبي في «الكبائر» (ص 477)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على «المسند»: (7/ 204). (3) (ظ): «حاد»، الأصل: «ضار». (4) هذا الحديث بهذا السياق مركب من حديثين، آخر هذا الحديث الذي أورده المؤلف المشتمل على سؤالهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن ردغة الخبال ليس في حديث ابن عمر هذا، وإنما هو في حديث آخر لعبد الله بن عمرو. وقد تقدم تخريج حديث ابن عُمر، أما حديث ابن عَمرو فأخرجه ابن ماجه (3377) مرفوعا ولفظه: «من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة» قالوا: يا رسول الله، ما ردغة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار». ومثله في حديث عياض بن غنم عند أبي يعلى في مسنده (6827) بنفس اللفظ السابق. وجاء نحوه عن ابن عباس في المعجم الكبير للطبراني (12/ 249) قالوا: يا أبا العباس وما ردغة الخبال؟ قال: «شحوم أهل النار وصديدهم». التفسير موقوف.

(الكتاب/85)


فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحُكَّام، والشهداء، والخُصَماء، وهؤلاء أركان الحكم. وفي «الصحيحين» (1) عن عائشة - رضي الله عنها - أن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: مَن يكلم فيها رسول الله؟ فقالوا: ومَن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، قال: «يا أسامة، أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟ [أ/ق 26] إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها». ففي هذه القصة عبرة، فإنَّ أشرف بيت كان في قريش بطنان: بنو مخزوم، وبنو عبد مناف، فلما وجب على هذه القطعُ بسرقتها، التي هي جهود العاريَّة _________ (1) البخاري (3475، 2648)، ومسلم (1688).

(الكتاب/86)


على قول بعض العلماء، أو سرقة أخرى غير هذه على قول آخرين، وكانت من أكبر القبائل وأشرف البيوت، وشفَع فيها حِبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة= غضبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله، وهو الشفاعة في الحدود، ثم ضرب المثل بسيدة نساء العالمين ــ وقد برَّأها الله من ذلك ــ فقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدَها». وقد رُوِي: أن هذه المرأة التي قُطِعت يدها تابت، وكانت تدخل بعد ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقضي حاجَتَها (1). فقد رُوِي: «أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار» (2). وروى مالك في «الموطأ» (3): أن جماعةً أمسكوا لصًّا ليرفعوه إلى عثمان، فتلقاهم الزبير فكلَّمهم فيه، فقالوا: إذا رُفِع إلى عثمان فاشفع فيه عنده، فقال: إذا بلغت الحدودُ السلطانَ فلعن الله الشافع والمُشفِّع. يعني الذي يقبل الشفاعة. _________ (1) جاء ذكر ذلك في الحديث السالف في «الصحيحين». (2) لم أجده بهذا اللفظ، لكن أخرج ابن عدي في «الكامل»: (1/ 401 - 402) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إذا قطعت يد السارق وقعت في النار، فإن تاب استشلاها، وإن مات ولم يتب تبعها) ومعنى استشلاها: استرجعها. وقال عنه: منكر، تفرد به أسيد بن يزيد وهو لا يعرف. وقال الذهبي في «الميزان»: (1/ 258): ليس بصحيح. وأخرج عبد الرزاق في «المصنف»: (7/ 390) نحوه من مرسل ابن المنكدر. (3) (2417)، قال الحافظ: منقطع، ورواه ابن أبي شيبة ــ لعله في المسند ــ بسند حسن كما قال الحافظ.

(الكتاب/87)


وكان صفوان بن أمية نائمًا على رداءٍ له في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاء لصٌّ فسرقه، فأخذه فأتى به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأمر بقطع يده، فقال: يا رسول الله، أعلى ردائي تقطع يده؟ أنا أَهَبُه له، قال: «فهلَّا قبل أن تأتيني به (1)» ثم قطعَ يدَه. رواه أهل السنن (2). يعني - صلى الله عليه وسلم -: أنك لو عفوتَ عنه قبل أن تأتيني به لكان، فأما بعد أن رُفِع إليَّ فلا يجوز تعطيل الحدِّ لا بعفوٍ ولا بشفاعةٍ ولا بهبة ولا غير ذلك. ولهذا اتفق العلماء ــ فيما أعلم ــ على أن قاطعَ الطريق واللص ونحوهما إذا رُفِعوا إلى وليِّ الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته وإن تابوا. فإن كانوا صادقين في التوبة كان الحدُّ كفارةً لهم، وكان تمكينُهم من ذلك من تمام التوبة، بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها، والتمكين من استيفاء القصاص في حقوق الآدميين. وأصل هذا في قول الله سبحانه وتعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء: 85]، فإن الشفاعة هي: إعانة الطالب حتى يصير معه شفعًا بعد أن كان _________ (1) (ي، ز) زيادة: «عفوتَ عنه». (2) أخرجه أحمد (15305)، وأبو داود (4394)، والنسائي (4879)، وابن ماجه (2595)، والدارقطني: (3/ 204)، والحاكم: (4/ 380)، والبيهقي: (8/ 265) وغيرهم من طرق عن صفوان به بألفاظ مختلفة. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وصححه ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق»: (4/ 563)، وابن الملقن في «البدر»: (8/ 652). ومجموع طرقه لا تخلو من مقال، ولذلك مال إلى تضعيفها عبد الحق الإشبيلي، وابن القطان في «بيان الوهم والإيهام»: (3/ 568 - 571).

(الكتاب/88)


وترًا، فإن أعانتْه (1) على برٍّ وتقوى كانت شفاعةً حسنة، وإن أعانَتْه على إثمٍ وعدوان كانت شفاعةً (2) سيئة. والبرُّ: ما أُمِرت به، والإثمُ: ما نُهِيْتَ عنه، وإن كانوا كاذبين فإن الله لا يهدي كيد الخائنين. وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33 - 34]، فاستثنى التائبين قبل القدرة عليهم فقط، فالتائب بعد القدرة عليه باقٍ فيمن وجب عليه الحد (3)؛ للعموم والمفهوم والتعليل. هذا إذا كان قد ثبت بالبينة، فأما إذا كان بإقرار، وجاء مقرًّا بالذنب تائبًا، فهذا فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع، وظاهر مذهب أحمد: أنه لا تجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة، بل إن طَلَبَ إقامة الحد عليه أقيم، وإن ذهب لم يُقَم عليه حدٌّ، وعلى هذا حُمِل حديث ماعز بن مالك لما قال: «فهلَّا تركتموه» (4)، _________ (1) (ي، ز، ل): «أعنته»، (ف، ب): «أعانه». (2) (ي): «شفاعته شفاعةً». (3) «باقٍ فيمن وجب عليه» سقط من (ز). (4) أخرجه أحمد (9809)، والترمذي (1428)، والنسائي في «الكبرى» (7166)، وابن ماجه (2554)، وابن حبان (4439)، والحاكم: (4/ 363)، والبيهقي: (8/ 228) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال الترمذي: حسن، وصححه الحاكم على شرط مسلم. وأخرجه أحمد (21890)، وأبو داود (4420)، والنسائي في «الكبرى» (7167)، والحاكم: (4/ 363) وغيرهم من حديث نُعَيم بن هَزَّال - رضي الله عنه -، صححه الحاكم. وروي أيضًا من حديث جابر وغيره.

(الكتاب/89)


وحديث الذي قال: «أصبتُ حدًّا فأقِمْه علَيَّ» (1)، مع آثار أخر (2). وفي «سنن أبي داود» والنسائي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تعافَوا الحدودَ فيما بينكم، فما بلغني مِن حدٍّ فقد وجب» (3). وفي «سنن النسائي» وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حدٌّ يُعْمَل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يُمْطَروا أربعين صباحًا» (4). وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنة، فإذا أقيمت الحدود، ظهرت طاعة الله ونقصت معصيته، فحصل الرزق والنصر. _________ (1) أخرجه البخاري (6823) من حديث أنس، ومسلم (1696) من حديث عمران بن حصين - رضي الله عنهما -. (2) من قوله: «هذا إذا كان ... » إلى هنا ساقط من (ف، ظ). (3) أخرجه أبو داود (4376)، والنسائي (4885)، والحاكم: (4/ 383)، والبيهقي: (8/ 331) وغيرهم. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الحافظ: سنده إلى عمرو بن شعيب صحيح. «الفتح»: (12/ 89). (4) أخرجه أحمد (8738)، والنسائي (4904)، وفي «الكبرى» (7350)، وابن ماجه (2538)، وابن حبان «الإحسان» (4398). وقد اختلف في إسناده بين الرفع والوقف، ورجح الدارقطنيُّ في «العلل»: (11/ 112)، والنسائيُّ الوقفَ.

(الكتاب/90)


ولا ينبغي (1) أن يؤخذَ من الزاني أو السارق أو قاطع الطريق ونحوهم مالٌ (2) يُعَطَّل به الحدُّ، لا لبيت المال ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سُحتٌ خبيث، وإذا فعل وليُّ الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين. أحدهما: تعطيل الحد، والثاني: أكل السحت. فتَرَك الواجبَ وفَعَل المحرَّم، قال الله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 63]، وقال تعالى عن اليهود: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42]؛ لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التي تسمى: البِرْطِيل (3)، وتسمَّى أحيانًا: الهدية وغيرها، ومتى أكل وليُّ الأمر السُّحْت احتاج أن يسمع الكذب من الشهادة الزور وغيرها، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي والرائش، وهو الواسطة الذي يمشي بينهما. رواه أهل السنن (4). وفي «الصحيحين» (5): أن رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما: _________ (1) بقية النسخ: «ولا يجوز». (2) (ظ): «ما». وفي (ف) زيادة «أو الشارب» بعد السارق. (3) سيذكر المؤلف معناها (ص 91). (4) أخرجه أحمد (6532)، وأبو داود (3580)، والترمذي (1337)، وابن ماجه (2313)، وابن حبان «الإحسان» (5076)، والحاكم: (4/ 102 - 103) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -، قال الترمذي: حسن صحيح، وصحَّح الحاكمُ إسناده، وقواه الحافظ في «الفتح»: (5/ 221). وله شاهد من حديث جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، وثوبان، وغيرهم - رضي الله عنهم -. (5) البخاري (2314)، ومسلم (1698، 1697) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد - رضي الله عنهما -.

(الكتاب/91)


يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، فقال صاحبه ــ وكان أفقه منه ــ: نعم يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله واذَنْ لي، فقال: «قل»، فقال: إن ابني كان عسيفًا في أهل هذا ــ يعني أجيرًا ــ فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمئة شاة وخادم، وإني سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأنَّ على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله: المئة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغْدُ يا أُنَيس على امرأة هذا فاسألها فإن اعترفت فارجمها»، فسألها فاعترفت فرجمها. ففي هذا الحديث أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحدِّ عنه، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد، ولم يأخذ المال للمسلمين؛ من المجاهدين والفقراء وغيرهم. وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمالٍ يُؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن [أ/ق 28] المال المأخوذ من الزاني، والسارق، والشارب، والمحارب قاطع الطريق (1)، ونحو ذلك، لتعطيل الحدِّ= مالُ سُحْتٍ خبيث. وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس، إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من أكبر الأسباب في فساد أهل البوادي والقرى والأمصار، من الأعراب والتُّرْكُمان والأكراد والفلاحين، وأهل الأهواء، كقيس ويَمَن، وأهل الحاضرة؛ من رؤساء الناس وأغنيائهم وفقرائهم، وأمراء الناس ومُقَدَّميهم وجندهم. وهو سبب سقوط حُرمة المتولِّي، وسقوط قَدره من _________ (1) (ظ، ل، ب): «وقاطع الطريق».

(الكتاب/92)


القلوب، وانحلال أمره، فإذا ارتشى وتَبَرْطل على تعطيلِ حدٍّ ضَعُفَت نفسُه أن يقيم حدًّا آخر، وصار من جنس اليهود الملعونين. وأصلُ البِرْطيل هو: الحَجر المستطيل، سُمِّيت به الرشوة لأنها تلقم المرتشي عن التكلُّم بالحق، كما يلقمه الحجر الطويل (1). كما قد جاء في الأثر: إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكُوَّة (2). يعني: الطاقة (3). وكذلك إذا أخذ مالًا للدولة على ذلك، مثل هذا السُّحْت الذي يسمى: التأديبات، ألا ترى أن الأعراب المفسدين إذا أخذوا مالًا لبعض الناس، ثم جاءوا إلى ولي الأمر، فقادوا إليه خيلًا فيقدمونها له، أو غيرها= كيف يقوى طمعُهم في الفساد، وتنكسر حُرْمة الولاية والسلطنة، وتفسد الرعية! وكذلك الفلاحون وغيرهم، وكذلك شارب الخمر إذا أُخِذ فدفعَ بعض ماله، كيف يطمع الخمَّارون فيرجون إذا أُمْسِكوا أن يفتدوا ببعض أموالهم، فيأخذها ذلك الوالي سحتًا لا يُبارك فيها، والفساد قائم. _________ (1) فائدة: يقال: إن أول من أظهر البرطيل بالشام وأوقع عليه هذا الاسم هو: محمد بن صالح بن عبد الله بن صالح (ت 231) والي حلب وقِنَّسرين في خلافة الواثق، وكانت سيرته غير محمودة، وكان لا يعرف قبل ذلك إلا الرشوة على غير إكراه. انظر «زبدة الحلب من تاريخ حلب»: (1/ 78). (2) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 288) عن الحسن، وابن عساكر في «تاريخه»: (23/ 37) عن شريح. (3) «يعني: الطاقة» من الأصل.

(الكتاب/93)


وكذلك ذوو الجاه (1) إذا حموا أحدًا أن يُقام عليه الحد، مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة، ثم يأوي إلى قرية نائب السلطان، أو أمير (2) فيحتمي على الله ورسوله، فيكون ذلك الذي حماه ممن لعنه الله ورسوله، فقد روى مسلم في «صحيحه» (3) عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله من أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا». فكل من آوى محدِثًا من هؤلاء المُحْدِثين فقد لعنه الله ورسوله. وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: «إن من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره» (4) فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده، واعتاض من (5) المجرمين بسُحْتٍ من المال يأخذه؟ ! لاسيما الحدود على سكان البر، فإن من أعظم فسادهم: حماية المعتدين منهم بجاه أو مال، سواء كان المال المأخوذ لبيت المال أو للوالي سرًّا أو علانية، فذلك جميعه محرم بإجماع المسلمين، وهو مثل تضمين الحانات والخمر (6)، فإنَّ من مكَّنَ من ذلك أو أعان أحدًا عليه بمال يأخذه فهم (7) من جنسٍ واحد. والمال المأخوذ على هذا شبيهٌ بما يُؤخذ من مهر البغيِّ، وحُلوان _________ (1) (ي): «الجاهات»، (ل): «الحاجة». (2) (ز): «أمين» ومحتملة في (ب). (3) (1370)، وأخرجه البخاري أيضًا (1870). (4) تقدم تخريجه (ص 84). (5) بقية النسخ: «عن». (6) «والخمر» ليست في الأصل. (7) (ي): «فهو»، (ف، ظ، ب، ل): «يأخذه منهم».

(الكتاب/94)


الكاهن، وثمن الكلب، وأجرة المتوسط في الحرام الذي يُسمَّى: القوَّاد، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغيِّ خبيث، وحُلوان الكاهن خبيث» رواه البخاري (1). فمَهْر البغيِّ هو الذي يسمَّى: جُذور القِحاب (2)، وفي معناه ما يُعطاه المخنَّثون الصبيان من المماليك أو الأحرار على الفجور بهم [أ/ق 29]. وحُلوان الكاهن مثل حلاوة المنجم ونحوه، على ما يخبر به (3) من الأخبار المبشرة بزعمه، ونحو ذلك. وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمالٍ يأخذه= كان بمنزلة مُقَدَّم الحراميَّة الذي يُقاسم المحاربين على الأخِيْذة (4)، وبمنزلة القوَّاد الذي يأخذ ما يأخذه ليجمع بين اثنين على فاحشة. وكانت حاله شبيهًا بحال عجوز السوء امرأة لوط التي خانته، فكانت (5) تدلُّ الفجارَ على ضيفه التي قال الله فيها: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [الأعراف: 83]، وقال تبارك وتعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود: 81]، فعذَّب الله عجوزَ السوء القوَّادة بمثل ما عذَّبَ القوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث، وهذا _________ (1) (2237)، وأخرجه مسلم أيضًا (1567) من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -. (2) انظر في استعمال هذا اللفظ: «أخلاق الوزيرين» (ص 147)، واستعمل أيضًا في أجور المغنيات والقيان، انظر «نشوار المحاضرة»: (1/ 178، 183، 304). (3) (ف): «يخبرونه». (4) (ف): «الأخذ». والأخيذة: هي الشيء المأخوذ المغتصب. «اللسان»: (3/ 470). (5) بقية النسخ: «التي كانت».

(الكتاب/95)


لأنَّ هذا جميعَه أخذُ مالٍ للإعانة على الإثم والعدوان، وولي الأمر إنما نُصِبَ ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يُمَكِّن من المنكر بمالٍ يأخذه= كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نَصَبْتَه ليعينك على عدوِّك، فأعان عدوَّك عليك، وبمنزلة من أخذ مالًا ليجاهِدَ به في سبيل الله تعالى، فقاتلَ به المسلمين!! يوضح ذلك: أن صلاح البلاد والعباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)، فإن صلاح المعاش والمعاد (2) في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أُمَّة أُخْرِجت للناس، قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104]، وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] (3)، وقال الله تعالى عن بني إسرائيل: {(78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا} [المائدة: 79]، وقال تعالى: {(164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا} [الأعراف: 165]. فأخبر الله تعالى أن العذابَ لما نزل نَجَّى الذين ينهون عن السيئات، _________ (1) (ظ): «المنكرات». (2) الأصل: «الفاش والعباد»! والمثبت من بقية النسخ. (3) هذه الآية سقطت من الأصل.

(الكتاب/96)


وأخَذَ الظالمين بالعذاب الشديد. وفي الحديث الثابت: أنَّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - خطبَ الناس على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (1)} [المائدة: 105] وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب (2) منه» (3). وفي حديث آخر: «إن المعصية إذا خفيَتْ (4) لم تضرّ إلا صاحبَها، ولكن إذا ظهرَت فلم تُنْكَر ضرَّت العامة» (5). وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه مقصودُه (6) الأكبر هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف مثل: _________ (1) في هامش (ي) تعليق نصه: (فدل قوله تعالى: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} على المقصود وأنها لا تتم الهداية إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). (2) (ظ، ب، ل): «بعذاب». (3) أخرجه أحمد (1)، وأبو داود (4338)، والترمذي (3057، 2168)، والنسائي في «الكبرى» (11092)، وابن ماجه (4005)، وابن حبان «الإحسان» (304) وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان، والمصنف. (4) (ز): «أخفيت». (5) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (4767) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (7/ 528): فيه مروان بن سالم الغفاري وهو متروك. وأخرجه البيهقي في «الشعب» (7196)، وأبو نعيم في «الحلية»: (5/ 222) وغيرهم من قول بلال بن سعد. (6) الأصل: «ومقصوده».

(الكتاب/97)


الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدقة (1)، والأمانة، وبر الوالدين، وصِلَة الأرحام، وحُسْن العشرة مع الأهل والجيران، ونحو ذلك. فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين. فإن كان التاركون طائفةً ممتنعة [أ/ق 30] قُوتِلوا بتركها (2) بإجماع المسلمين، وكذلك يُقاتلون على ترك الزكاة، والصيام، وغيرهما، وعلى استحلال ما كان من المحرمات الظاهرة المُجْمَع عليها؛ كنكاح ذوات المحارم، والفساد في الأرض، ونحو ذلك. فكلُّ طائفةٍ ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة والمتواترة يجب جهادُها حتى يكون الدين كلُّه لله، باتفاق العلماء (3). وإن كان التارك للصلاة واحدًا، فقد قيل: إنه يُعاقَب بالضرب والحبس حتى يصلي، وجمهور (4) العلماء على أنه يجب قتلُه إذا امتنع من الصلاة بعد أن يُسْتتاب كما يُسْتتاب المرتد (5)، فإن تاب وصلى وإلا قتل. وهل يقتل كافرًا، أو مسلمًا فاسقًا (6)؟ فيه قولان. وأكثر السلف على أنه يُقتل كافرًا، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها. أما إذا جحدَ وجوبَها فهو كافر بإجماع _________ (1) (ف): «الصدق». (2) بقية النسخ: «على تركها». (3) انظر «مجموع الفتاوى»: (28/ 502 - 508، 545 - 553). (4) (ف، ظ، ب): «وأجمع»، (ل): «وأكثر». (5) «كما يستتاب المرتد» من الأصل. (6) (ي): «أو فاسقًا».

(الكتاب/98)


المسلمين، وكذلك من جحدَ سائرَ الواجبات المذكورة والمحرمات التي يجب القتالُ عليها، فالعقوبةُ على ترك الواجبات، وفِعْل المحرَّمات هو مقصود الجهاد في سبيل الله، وهو واجبٌ على الأمة باتفاق (1)، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهو من أفضل الأعمال. قال رجل: يا رسول الله، دلني على عمل يَعْدِل الجهاد في سبيل الله، قال: «لا تستطيعه ــ أو: لا تطيقه ــ»، قال: أخبرني به، قال: «هل تستطيعُ إذا خرجَ المجاهدُ أن تصومَ لا تفطر وتقوم لا تفتر؟» قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: «فذلك الذي يَعْدِلُ الجهادَ في سبيل الله» (2). وقال (3): «إن في الجنة لمئة درجة، من (4) الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله» (5). كلاهما في «الصحيحين». وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (6). _________ (1) (ظ): «باتفاق المسلمين»، (ب): «على الأمير باتفاق المسلمين». (2) أخرجه البخاري (2785)، ومسلم (1878) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (3) سقطت من الأصل. (4) بقية النسخ: «ما بين». (5) أخرجه البخاري (2790) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، ومسلم (1884) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. (6) أخرجه أحمد (22016)، والترمذي (2616)، والنسائي في «الكبرى» (11330)، وابن ماجه (3973)، والحاكم: (2/ 76)، والبيهقي: (9/ 20) وغيرهم من حديث أبي وائل شقيق بن سلمة عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، والمصنف في «الفتاوى»: (17/ 26). وقد تعقب ابن رجب من صحح الحديث من وجهين: الأول: أنَّه لم يثبت سماعُ أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسِّنِّ، وكان معاذٌ بالشَّام، وأبو وائل بالكوفة. وقد حكى أبو زرعة الدِّمشقي عن قوم أنَّهم توقَّفُوا في سماعِ أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد. والثاني: أنَّه قد رواه حمَّادُ بن سلمة، عن عاصم بن أبي النَّجود، عن شهر بن حوشبٍ، عن معاذ، خرَّجه الإمام أحمد مختصرًا، قال الدارقطني في «العلل»: (6/ 73 - 79): وهو أشبهُ بالصَّواب؛ لأنَّ الحديثَ معروفٌ من رواية شهرٍ على اختلافٍ عليه فيه. وله طرقٌ أخرى عن معاذ كلُّها ضعيفة. انظر «جامع العلوم والحكم»: (2/ 135). والحديث صحيح بشواهده.

(الكتاب/99)


وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]، وقال سبحانه وتعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 19 - 22]. فصل فمن ذلك عقوبة المحاربين قُطَّاع الطريق، الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مُجاهرةً؛ من الأعراب، أو

(الكتاب/100)


التركمان، أو الأكراد، أو الفلاحين، أو فَسَقَة الجند، أو مَرَدة الحاضرة، أو غيرهم، قال الله تعالى فيهم: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]. وقد روى الشافعيُّ - رضي الله عنه -[أ/ق 31] في «مسنده» (1) عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قُطَّاع الطريق: إذا قَتَلوا وأَخَذوا المالَ قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا قَتلوا ولم يأخذوا المال قُتِلوا ولم يُصْلَبوا، وإذا أخذوا المال ولم يَقتلوا قُطِعت (2) أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نُفُوا من الأرض. وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد، وهو قريب من قول أبي حنيفة. ومنهم من يسوِّغ للإمام أن يجتهد فيهم، فيَقْتُل من رأى قتلَه مصلحةً منهم (3) وإن كان لم يَقْتل، مثل أن يكون رئيسًا مُطاعًا فيهم، ويَقْطَع من رأى قطْعَه مصلحةً وإن كان لم يأخذ المال، مثل أن يكون ذا جَلَدٍ وقوةٍ في أخذ المال. كما أن منهم من يرى أنه إذا أخذوا المال قُتِلوا وقُطِعوا وصُلِبوا، والأول _________ (1) (282 - مع تخريجه)، ومن طريقه البيهقي: (8/ 283)، وفي سنده إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي وأكثر العلماء على تضعيفه. وله طريق أخرى من رواية العوفيين عن ابن عباس أخرجها البيهقي: (8/ 283) وهي ضعيفة أيضًا. (2) الأصل: «قطعوا». (3) اضطرب مكان «منهم» في النسخ، والمثبت من الأصل و (ي، ز).

(الكتاب/101)


قول الأكثر، فمن كان من المحاربين قد قَتَل فإنه يقتله الإمامُ حدًّا، لا يجوز العفو عنه بحالٍ بإجماع العلماء، ذكره ابن المنذر (1). ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول، بخلاف ما لو قَتل رجلٌ رجلًا لعداوة بينهما أو خصومة، أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإنَّ هذا دمه لأولياء المقتول إن أحبوا قَتَلوا (2)، وإن أحبوا عَفَوا عنه، وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأنه قتله لغرض خاص. وأما المحاربون فإنما يَقْتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عامٌّ بمنزلة السُّرَّاق؛ فكان قتلُهم حدًّا لله، وهذا متفق عليه بين الفقهاء. حتى لو كان المقتول غير مكافئ للقاتل؛ مثل أن يكون القاتل حرًّا والمقتول عبدًا، أو القاتل مسلمًا والمتقول ذميًّا أو مستأمنًا (3)، أو ولد القاتل (4)، فقد اختلف الفقهاء هل يُقتل في المحاربة؟ والأقوى أنه يقتل، كقول مالك وأحمد في إحدى (5) روايتيه والشافعي في قول له (6)؛ لأنه يُقتل للفساد العام حدًّا، كما يُقطع إذا أخذ أموالهم، وكما يُحبس بحقوقهم (7). _________ (1) انظر: «الإجماع» (ص 69)، و «الإقناع»: (1/ 332) كلاهما لابن المنذر. (2) «إن أحبوا قتلوا» سقطت من (ي). (3) (ظ): «ذميًّا مستأمنًا». (4) «أو ولد القاتل» من الأصل. (5) الأصل: «أحد». (6) من قوله: «كقول مالك ... » إلى هنا من الأصل. (7) انظر «المغني»: (12/ 477).

(الكتاب/102)


وإذا كان المحاربون الحرامية جماعة (1) فالواحدُ منهم باشَر القتلَ بنفسه والباقون أعوانٌ له ورِدْء له، فقد قيل: إنه يُقتل المباشرُ فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون ولو كانوا مئة، وأن الرِّدْء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن (2) الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قَتَل ربيئة المحاربين (3). والربيئة هو: الناظر (4) الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء؛ ولأن المباشر إنما تمكَّن من قَتْله بقوة الرِّدْء ومعونته. والطائفة إذا انتصر بعضُها ببعضٍ حتى صاروا ممتنعين، فهم مشتركون في الثواب والعقاب كالمجاهدين، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذِمَّتهم أدناهم، وهم يدٌ على مَن سواهم، ويرُدُّ متسرِّيهم على قاعِدِهم» (5). يعني أن جيش المسلمين إذا برزت منهم (6) سرية فغنمت مالًا، فإن _________ (1) تحرفت في الأصل إلى: «حماقة»! (2) (ل) زيادة: «العلماء». (3) ذكره في «المدونة»: (6/ 301)، و «تهذيبها»: (4/ 460) للبراذعي، وقد ذكر المصنف في «الفتاوى»: (14/ 84)، (30/ 326)، وفي «المنهاج»: (6/ 279) أن عمر كان يأمر بذلك. (4) (ي، ز): «الناظور». والعبارة محرفة في (ل) مع محاولة الناسخ إصلاحها. (5) أخرجه أحمد (959)، وأبو داود (4530)، والنسائي (4734) عن علي - رضي الله عنه -. وأخرجه أحمد (6796) وأبو داود (2751)، والحاكم: (2/ 141) ــ ولم يَسُق سنده ــ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به. وله شواهد من حديث عدد من الصحابة، وهو صحيح بشواهده. (6) (ي): «سرت منه»، (ب): «سرت سرية»، (ز): «تسرت منهم»، (ف، ظ): «تسرت منه».

(الكتاب/103)


الجيش يشاركها فيما غنمت؛ لأنها بظهره وقوّته تمكَّنَت، لكن تُنَفَّل عنه نفلًا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُنَفِّل السَّرِية إذا كانوا في بداءتهم الرّبُعَ بعد الخُمس، فإذا رجعوا إلى أوطانهم وتسرَّت سرية نفَّلهم الثلث بعد الخمس (1). وكذلك لو غَنِم الجيش غنيمة شاركته السرية؛ لأنها في مصلحة الجيش [أ/ق 32] كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - لطلحة والزبير (2) - رضي الله عنهما - يوم بدر؛ لأنه كان قد بعثهم في مصلحة الجيش. فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. وهكذا المقتتلون على باطل لا تأويل فيه، مثل المقتتلين على عصبية ودعوى جاهلية، كقيس ويمن ونحوهما، هما ظالمتان، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه أراد قتلَ صاحِبِه» أخرجاه في «الصحيحين» (3). وتضمن كلُّ طائفة ما أتلفت للأخرى (4) من نفس ومال، وإن لم يُعْرَف _________ (1) سبق تخريجه (ص 48). (2) كذا في الأصول، وهو سبق قلم فإن الزبير بن العوام ممن شهد بدرًا (صحيح البخاري، باب تسمية من سمي من أهل بدر)، وصوابه: سعيد بن زيد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسله وطلحة بن عبيد الله يجُسَّان له أمر قريش. أخرجه البيهقي: (9/ 57)، وابن عساكر في «تاريخه»: (25/ 68). (3) البخاري (31)، ومسلم (2888) من حديث أبي بكرة - رضي الله عنه -. (4) بقية النسخ: «أتلفته الأخرى»، وفي هامش (ي) كتب: «الظاهر: على الأخرى، أو للأخرى»، والمثبت من (س).

(الكتاب/104)


عينُ القاتل؛ لأن الطائفة الواحدة المتمنعَ (1) بعضُها ببعض كالشخص الواحد (2). وأما إذا أخذوا المال فقط ولم يقتلوا ــ كما قد يفعله الأعراب كثيرًا ــ فإنه يُقْطَع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى، عند أكثر العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. وهذا معنى قول الله تعالى: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} [المائدة: 33]، تُقْطَع اليد التي يَبْطِش بها، والرِّجْل التي يَمْشي عليها، وتُحْسَم يده ورجله بالزيت المغلي ونحوه، لينحسم الدم ولا يخرج، لتفضي إلى تلفه (3)، وكذلك تُحْسَم يد السارق بالزيت (4). وهذا القَدْر (5) قد يكون أزْجَرَ من القتل، فإن الأعراب وفَسَقة الجُند وغيرهم إذا رأوا دائمًا بينهم مَن هو مقطوع اليد والرِّجل تذكَّروا بذلك جُرمه _________ (1) في بعض النسخ: «الممتنع». (2) في (ل، س، ط) زيادة: «وفي ذلك نزل قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}». (3) (ظ، ب): «قتله». (4) «بالزيت» ليست في (ي، ز). وعلق الشيخ العثيمين في «شرحه» (ص 235) على مسألتين: (الأولى: في وقتنا الحاضر يوجد أشياء لإيقاف الدم غير هذا، فهل نستعملها؟ الجواب: نستعملها ولابد؛ لأن العلماء ذكروا ذلك وسيلة لإيقاف الدم، وليس عندهم سواه، أما الآن فهناك أسباب كثيرة بدون هذا التعذيب. الثانية: هل يُبَنَّج هذا الرجل عند قطع يده أو رجله، أو لا يُبَنج ليذوق الألم؟ والجواب: أنه يبنج إلا في القصاص ... » اهـ باختصار وتصرف. (5) بقية النسخ: «الفعل».

(الكتاب/105)


فارتدعوا، بخلاف القتل فإنه قد يُنسى، وقد يؤثِر بعضُ النفوس الأبيَّةَ قتلَه على قَطْع يده ورجله من خلاف، فيكون هذا أشد تنكيلًا له ولأمثاله. وأما إذا شَهَروا السلاح ولم يقتلوا نفسًا ولم يأخذوا مالًا ثم أغمدوه وهربوا (1)، أو تركوا الحراب (2) فإنهم يُنْفَون، فقيل: نفيهم تشريدهم فلا يتركون يأوون (3) في بلد، وقيل: هو حبسهم، وقيل: هو ما يراه الإمام أصلح من نفي أو حبس أو نحو ذلك. والقتل المشروع هو: ضرب الرقبة بالسيف ونحوه؛ لأن ذلك أوحى (4) أنواع القتل، وكذلك شرع الله قتل ما يُباح قتله من الآدميين والبهائم إذا قُدِر عليه على هذا الوجه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتب الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة، وليحد أحدُكم شفرته وليُرِح ذبيحَتَه» رواه مسلم (5). وقال: «إن أعفَّ الناس قِتْلة أهلُ الإيمان» (6). _________ (1) (ز، ب، ل): «أو هربوا». (2) (ل): «الحرب». (3) سقطت من (ي). (4) كذا في جميع النسخ، وفي (ط): «أروح». ومعنى أوحى: أسرع وأمضى. (5) (1955) من حديث شداد بن أوس - رضي الله عنه -. (6) أخرجه أحمد (3728)، وأبو داود (2666)، وابن ماجه (2681)، وابن حبان «الإحسان» (5994)، والبيهقي: (8/ 61) وغيرهم من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -. وفي إسناد الحديث اختلاف كثير، انظر «العلل»: (5/ 141 - 142) للدارقطني، وضعَّفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (1232).

(الكتاب/106)


فصل (1) وأما الصلب المذكور فهو: رفعهم على مكان عالٍ ليراهم الناس ويشتهر أمرُهم، وهو بعد القتل عند جمهور العلماء، ومنهم مَن قال: يُصلبون ثم يُقتلون وهو مصلوبون. وقد جوَّزَ بعض الفقهاء قتلَهم بغير السيف، حتى قال بعضهم: يُتْرَكون على المكان العالي حتى يموتوا حتف أنوفهم (2) بلا قتل. فأما التمثيل في القتل، فلا يجوز إلا على وجه القصاص، وقد قال عمران بن حصين - رضي الله عنه -: ما خطبنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خطبةً إلا أمَرَنا بالصدقة ونهانا عن المُثْلَة (3). حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثِّل بهم بعد القتل، ولا نجدع أنفهم وآذانهم (4) ولا نبقر بطونهم، إلا أن يكونوا [أ/ق 33] فعلوا ذلك بنا، فنفعل بهم مثل ما فعلوا، والترك أفضل، كما قال الله سبحانه وتعالى: {(125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ} [النحل: 126]، قيل: _________ (1) «فصل» من الأصل فقط. (2) (ظ، ب): «أنفهم»، (ل): «أنفسهم». (3) أخرجه أحمد (19844، 19858)، وأبو داود (2667)، والحاكم: (4/ 305)، والطبراني في «الكبير» 18 (352) وغيرهم. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (4/ 189): رجال أحمد رجال الصحيح. وقوَّى إسناده الحافظ في «الفتح»: (7/ 459)، وله شواهد كثيرة. (4) (ف): «آذانهم وأنافيهم».

(الكتاب/107)


إنها (1) نزلت لما مَثَّل المشركون بحمزة وغيره من شهداء أحد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لئن أظفرني الله بهم لأمثلنّ بضعفي ما مَثّلوا بنا» (2) فأنزل الله هذه الآية ــ وإن كانت قد نزلت [قبل ذلك] (3) بمكة، مثل قوله: {سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ} [الإسراء: 85]، وقوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، وغير ذلك من الآيات التي نزلت بمكة، ثم جرى بالمدينة سببٌ يقتضي الخطاب فأُنْزِلت مرة ثانية (4) ــ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بل نصبر». وفي «صحيح مسلم» (5) عن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرًا على سريَّة أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم يقول: «اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا». وقد يتنازع الأئمة في بعض أنواع القتل، كالتحريق بالنار عند شدة _________ (1) «قيل إنها» ليست في (ف، ي، ز، ظ، ب). (2) أخرجه الحاكم: (3/ 197)، والطبراني في «الكبير» (2937)، وابن عدي في «الكامل»: (4/ 63) وغيرهم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لما رأى حمزة قد مُثّل به: (أما والله لأمثلن بسبعين منهم ... ونزلت الآية ... )، ولفظ «بضعفي» لم أجده. والحديث في سنده صالح المري وهو ضعيف، قال الحافظ في «الفتح»: (7/ 371): إسناده فيه ضعف. وضعفه الهيثمي في «المجمع»: (6/ 119). وله شواهد من حديث ابن عباس وأُبي بن كعب. (3) من (ي، ز). (4) من قوله: (وإن كانت قد نزلت ... ) إلى هنا ليس في (ف، ظ، ب، ل). (5) (1731).

(الكتاب/108)


الذنوب، فيجوِّزُه بعضهم؛ لأن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أمر بتحريق ناس من المرتدين (1)، وكذلك علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حرَّق المغالية الذين ادعوا إلاهيته (2). ومنعه آخرون؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من النهي عن تحريق مَن كان أمر بتحريقه (3) (4). ولو شَهَر المحاربون السلاح في البنيان ــ لا في الصحراء ــ لأخْذِ المال، فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين بل هم بمنزلة المُخْتلس والمُنْتَهِب؛ لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس. وقال الأكثرون: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد، وهذا قول مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد وبعض أصحاب أبي حنيفة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محلُّ (5) تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة (6) والمغالبة؛ ولأنهم يسلبون الرجلَ في داره جميعَ ماله، والمسافر لا يكون معه ــ غالبًا ــ إلا بعض ماله. فهذا هو الصواب، لاسيما هؤلاء المتحزِّبون الذين تسميهم العامة في _________ (1) أخرج عبد الرزاق: (5/ 212) أن خالد بن الوليد أحرق جماعة من المرتدين وأقره أبو بكر على ذلك، وانظر «فتح الباري»: (6/ 150). (2) أخرجه البخاري (3017). (3) أخرجه البخاري (3016) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) من قوله: (وقد يتنازع ... ) إلى هنا من الأصل فقط. (5) «لأنه محل» ليست في (ظ). (6) (ي): «المعاقبة».

(الكتاب/109)


الشام ومصر: المِنْسَر (1)، وكانوا يسمَّون ببغداد: العيَّارين (2). ولو حاربوا بالعصي والحجارة المقذوفة بالأيدي أو المقاليع ونحوها، فهم محاربون أيضًا، وقد حُكي عن بعض الفقهاء: لا محاربة إلا بالمحدَّد، وحكى بعضُهم الإجماعَ على أن المحاربة تكون بالمحدَّد والمثقَّل. وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين: أن من قاتل على أخذِ الأموال بأي نوعٍ كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع، كما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوعٍ كان من أنواع القتال (3) فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيفٍ أو رمح أو سهم أو حجارة أو عصًا؛ فهو مجاهد في سبيل الله تعالى. وأما إذا كان يقتل النفوس سرًّا لأخذ المال، مثل الذي يجلس في خان _________ (1) المِنْسَر: جماعة من الجيش اختلف في عددهم، وتكون في العادة متقدمة على الجيش، ثم استعمل هذا المصطلح بمعنى «العيارين»، انظر «اللسان»: (1/ 691، 5/ 204). وانظر: بعض أخبارهم في «السلوك لدول الملوك» للمقريزي. (2) العَيَّارون: جمع عَيَّار، وهو الكثير الحركة والتطواف، واستعملته العرب في المدح والذم، لكنه استعمل بعد ذلك في وصف جماعة من السّراق كانوا ينتهزون فرصة انشغال الدولة فيقومون بمهاجمة الدكاكين والمنازل وأخذ الأموال وقتل الناس وغير ذلك من أنواع الفساد، وكانت تقوى شوكتهم فيسيطرون على أماكن كثيرة، واشتهر أمرهم في العصر العباسي، وأخبارهم كثيرة في «تاريخ الطبري»، و «الكامل» لابن الأثير، و «البداية والنهاية». انظر «ألفاظ الحضارة في القرن الرابع الهجري» (ص 79)، و «معجم المصطلحات التاريخية» (ص 328). (3) من قوله: «فهو محارب ... » إلى هنا ساقط من (ل)، وقوله «من أنواع القتال» ليست في (ز).

(الكتاب/110)


يكون (1) لأبناء السبيل، [أ/ق 34] وإذا انفرد بقومٍ منهم قتلهم وأخذ أموالهم. أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة أو طب أو نحو ذلك، فيقتله ويأخذ ماله. وهذا القتل يسمى: قتل غيلة، وتسميهم العامة: المعرضين (2). فإذا كان لأخذِ المال فهل هم كالمحاربين، أو يجري عليهم حكم القوَد؟ ففيه قولان للفقهاء: أحدهما: أنهم كالمحاربين؛ لأن القتل بحيلة كالقتل مكابرة، كلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد لأنه لا يدرى به. والثاني: أن المحارب هو المجاهر بالقتال، وأن هذا المغتال يكون أمره إلى وليِّ الدم. والأول أشبه بأصول الشريعة، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه لا يُدرى به. واختلف الفقهاء أيضًا فيمن يقتل السلطانَ؛ كقَتَلَة عثمان، وقاتل علي - رضي الله عنهما - (3): هل هم كالمحاربين فيُقْتَلون حدًّا، أو يكون أمرُهم إلى أولياء الدم؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره (4)؛ لأن في قتله فسادًا عامًّا (5). _________ (1) في بقية النسخ: «يكريه». (2) كذا في الأصل وفي نسخة كما في هامش (ط)، وفي (ف، ي، ز، ب، س): «المعرخين»، وفي (ل، ط): «المعرجين»، وفي هامش (ط) الإشارة إلى قراءة أخرى ففي نسخة «المفسد»، وفي أخرى «المحترفون»، وفي ط الفتاوى: «العيّارين»، ولم أهتد إلى صحتها. وفي (ف): «وتسميهم بعض العامة». (3) «وقاتل علي» ليست في (ف). (4) «في مذهب أحمد وغيره» ليست في (ظ). (5) انظر «المغني»: (12/ 251 - 252)، و «البيان شرح المهذب»: (12/ 37) للعمراني.

(الكتاب/111)


فصل وهذا كله إذا قُدِر عليهم، فأما إذا طلبهم السلطان أو نُوَّابه لإقامة الحدِّ (1) بلا عدوان فامتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يُقْدَر عليهم كلهم، ومتى لم ينقادوا إلا بقتالٍ يفضي إلى قتلهم كلهم قوتلوا وإن أفضى إلى ذلك (2)، سواء كانوا قد قَتَلوا أو لم يَقْتلوا، ويُقتلون في القتال كيفما أمكن في العُنُق وغير العنق. ويقاتَل مَن قاتل معهم ممن يحميهم ويُعينهم، وهذا قتال وذاك إقامة حد. وقتال هؤلاء من آكد (3) قتال الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام، فإن هؤلاء قد تحزَّبوا لفساد النفوس والأموال، وهلاك الحرث والنسل، ليس مقصودهم إقامة (4) دين ولا مُلك، وهؤلاء كالمحاربين الذين يأوون إلى حصن، أو مغارة، أو رأس جبل، أو بطن واد، ونحو ذلك؛ يقطعون الطريق على من مرَّ بهم، وإذا جاءهم جندُ ولي الأمر يطلبهم للدخول في جماعة المسلمين والطاعة لإقامة الحدود= قاتلوهم ودفعوهم، مثل الأعراب الذين يقطعون الطريق على الحاج (5) أو غيره من الطرقات، وكالجبليّة الذين يعتصمون برؤوس الجبال أو المغارات لقطع الطريق، وكالأحلاف الذين تحالفوا لقطع الطريق بين الشام والعراق ويسمون ذلك: النهيضة= فإنهم _________ (1) (ف): «الحدود». (2) (ي): «أفضى ذلك إلى» ثم كتب في الهامش: (ظ: قتلهم). (3) (ز، ظ، ب، ل): «أوكد من»، وسقطت «من» في (ي). (4) (ي، ز، ظ، ب): «لا إقامة ... ». (5) بقية النسخ: «طريق الحاج».

(الكتاب/112)


يُقاتلون كما ذكرنا؛ لكنَّ قتالهم ليس بمنزلة قتال الكفار إذ لم يكونوا كفارًا، فلا تُؤخذ أموالُهم (1) إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق، فإنَّ عليهم ضمانها، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم يُعْلَم عين الآخذ، وكذلك لو عُلم (2)، فإن الرِّدْء والمباشِر سواء كما قلناه (3)، لكن إذا عُرف عينُه كان قرار الضمان عليه. ويُرَدُّ ما أُخِذَ منه (4) على أرباب الأموال، فإن تعذَّر الردُّ إليهم كان لمصالح المسلمين من رزق الطائفة المقاتلة لهم، وغير ذلك. بل المقصود من قتالهم التمكُّن منهم لإقامة الحدود، ومنعهم من الفساد، فإذا جُرِح الرجل منهم جرحًا مُثْخنًا لم يُجْهز عليه حتى يموت إلا أن يكون [أ/ق 35] قد وجب عليه القتل، فإذا هو هرب (5) وكفانا شرَّه لم نَتْبَعه إلا أن يكون عليه حدٌّ أو نخاف عاقبته. ومن أُسِر منهم أُقِيم عليه الحدُّ الذي يُقام على غيره، ومن الفقهاء من يشدِّد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها، وأكثرهم يأبون (6) ذلك (7). _________ (1) «فلا تؤخذ أموالهم» سقطت من (ف، ي، ز). (2) (ف، ي، ظ، ل): «علم عينه»، (ز، ب): «علم عين الآخذ». (3) فيما تقدم (ص 101). (4) (ف): «يؤخذ منهم». (5) (ف): «وإذا هرب». (6) رسمها في الأصل و (ز): «يأتون»! (7) بعده في الأصل: «إلا أن يكونوا أخذوا أموال الناس بغير حق فإن عليهم ضمانها، فتؤخذ منهم بقدر ما أخذوا وإن لم يعلم عين الآخذ، وكذلك لو عرف عينه فإن الردء والمباشر سواء كما قدمنا، لكن إذا عرف عينه كان قرار الضمان عليه» وهذا المقطع تقدم قريبًا بكامله، فلعل ناسخ الأصل سبق قلمه بتكراره.

(الكتاب/113)


فأما إذا تحيَّزوا إلى مملكةِ طائفةٍ خارجةٍ على شريعة الإسلام وأعانوهم على المسلمين= قُوتِلوا كقتالهم. وأما من كان لا يقطع الطريق لكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس والدواب والأحمال ونحو ذلك؛ فهذا نخَّاس (1) مكَّاس عليه عقوبة المكاسين. وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله، وليس هو من قُطَّاع الطريق، فإن الطريق لا تنقطع به، مع أنه من أشدِّ الناس عذابًا يوم القيامة، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغامدية: «لقد تابت توبةً لو تابها صاحب مكس لغُفِر له» (2). ويجوز للمظلومين (3) الذين تُراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع المسلمين، ولا يجب أن يُبْذل لهم من المال شيءٌ (4) إذا أمكن قتالُهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومَن قتل دون دمه فهو شهيد، ومَن قتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قتل دون حرمته فهو شهيد» (5). _________ (1) (ز، ل): «بخاس». (2) أخرجه مسلم (1695) من حديث بريدة بن الحصيب - رضي الله عنه -. (3) (ف، ز، ب): «للمطلوبين». (4) بقية النسخ بدلا من «شيء»: «لا قليل ولا كثير». (5) أخرجه أحمد (1652)، وأبو داود (4772)، والترمذي (1421)، والنَّسَائي (4094)، وابن ماجه (2580) مختصرًا من حديث سعيد بن زيد - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والجملة الأولى في البخاري (2480)، ومسلم (141) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -.

(الكتاب/114)


وهذا الذي تسميه الفقهاء: الصائل، وهو الظالم بلا تأويل ولا ولاية، فإن كان مطلوبه المال جاز دفعُه (1) بما يمكن، فإذا لم يندفع إلا بالقتال قُوتِل (2)، وإن ترك القتال وأعطاهم شيئًا من المال جاز. وأما إذا كان مطلوبُه الحُرْمة: مثل أن يطلب الزنا بمحارم الإنسان، أو يطلب من المرأة أو الصبي المملوك أو غيره الفجور به، فإنه يجب عليه أن يدفَع عن نفسه بما يمكن ولو بالقتل (3)، ولا يجوز التمكينُ بحال، بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه؛ لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو الحُرْمة غير جائز (4). وأما إذا كان مقصودُه قتل الإنسان جاز له الدفع عن نفسه، وهل يجب عليه؟ على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره (5). وهذا إذا كان للناس سلطان، وأما إذا كان ــ والعياذ بالله ــ فتنة مثل أن يختلف سلطانان للمسلمين ويقتتلان على الملك؛ فهل يجوز للإنسان إذا دخلَ أحدُهما بلدَ الآخر وجرى السيفُ أن يدفَع عن نفسه في الفتنة أو يستسلم ولا يقاتل فيها (6)؟ على قولين لأهل العلم في مذهب أحمد _________ (1) الأصل: «دفعها». (2) الأصل و (ي، ز): «قوتلوا». (3) (ي): «بالقتال». (4) «وبذل الفجور بالنفس أو الحرمة غير جائز» سقطت من (ي). (5) انظر «المغني»: (12/ 533 - 534). (6) الأصل: «فيهما».

(الكتاب/115)


وغيره (1). فإذا ظفر السلطان [أ/ق 36] بالمحاربين الحرامية وقد أخذوا الأموال، فعليه أن يستخرج منهم الأموال التي للناس ويردَّها عليهم، مع إقامة الحدِّ على أبدانهم، وكذلك السارق. فإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم، عاقبهم بالحبس والضرب حتى يُمَكِّنوا من أخذه بإحضاره، أو توكيل من يحضره، أو الإخبار عنه بمكانه، كما يُعَاقَب كلُّ ممتنعٍ عن حقٍّ وجبَ عليه أداؤه (2)، فإنَّ الله قد أباح للرجل في كتابه أن يضرب امرأته إذا نَشَزَت فامتنعت من الحق الواجب عليها حتى توفيه، فهؤلاء أولى وأحرى. وهذه المطالبة والعقوبة (3) حقٌّ لربِّ المال، فإن أراد هِبَتَهم المال أو المصالحة عليه أو العفو عن عقوبتهم على ذلك؛ فله ذلك بخلاف إقامة الحد عليهم، فإنه لا سبيل إلى العفو عنه بحال. وليس للإمام أن يُلْزِم ربَّ المال بترك شيء من حقه. _________ (1) بعده في الأصل: (وأما من كان لا يقطع الطريق، ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس والدواب والأحمال وغير ذلك؛ فهذا مكَّاس عليه عقوبة المكَّاسين. وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله، وليس هو من قطاع الطريق، فإن الطريق لا تنقطع به، مع أنه أشد الناس عقوبة يوم القيامة، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغامدية التي زنت: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مُكْسٍ لغفر له»). وقد تقدم قريبًا هذا النص برمته، فلعل ناسخ الأصل سبق قلمه بتكراره. وانظر ما سبق التنبيه عليه (ص 111). (2) انظر ما تقدم (ص 62). (3) (ي): «والمعاقبة».

(الكتاب/116)


وإن كانت الأموال قد تَلِفَت بالأكل وغيره عندهم أو عند السارق، فقيل: يضمنونها لأربابها كما يضمن سائر الغاصبين (1) وهو قول الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما - (2). وتبقى مع الإعسار في ذمتهم (3) إلى ميسرة، وقيل: لا يُجْمَع بين القطع والغُرْم (4)، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: يضمنونها مع اليسار فقط دون الإعسار، وهو قول مالك (5). ولا يحلُّ للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جُعْلًا على طلب المحاربين، وإقامة الحدود (6)، وارتجاع أموال الناس (7) منهم، ولا على طلب السارقين، لا لنفسه ولا للجُنْد الذين يرسلهم في طلبهم، بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد في سبيل الله، فيخرج فيه جند المسلمين كما يخرج (8) في غيره من الغزوات التي تسمى: البيكار (9). _________ (1) الأصل: «كما الغاصبون» والمثبت من باقي النسخ. (2) انظر «المغني»: (12/ 487). (3) (ز): «ذممهم». (4) (ف): «لا يجتمع الغرم والقطع». (5) انظر «المغني»: (12/ 454 - 456)، و «فتح القدير»: (5/ 180 - 181)، و «رد المحتار»: (6/ 183)، و «تهذيب المدونة»: (4/ 460) للبراذعي. (6) (ف، ي، ز، ظ، ب): «الحد». (7) (ي): «أموالهم إليهم». (8) (ز): «يخرجون». (9) (ب): «بيكارًا»، وفي هامش (ي): (ظ: البيجار). والبيكار: اصطلاح عسكري أطلق في العصر السلجوقي على الحملات العسكرية المكونة من المماليك والأتراك، ومن مزاياها كونها محدودة العدد مأمونة النتائج. انظر «معجم المصطلحات والألقاب التاريخية» (ص 96).

(الكتاب/117)


ويُنْفَق على المجاهدين في هذا من المال الذي يُنْفَق منه على سائر الغزاة (1)، فإن كان لهم إقطاع أو عطاء يكفيهم (2) وإلا أُعْطوا تمامَ كفايتهم لغزوهم (3) من مال المصالح ومال الصدقات، فإن هذا من سبيل الله. فإن كان على أبناء السبيل المأخوذين زكاة، مثل التجار الذين قد يؤخذون، فأخَذَ الإمامُ زكاةَ أموالهم وأنفقها في سبيل الله تعالى، كنفقة الذين يَطْلبون المحاربين= جاز. ولو كانت لهم شوكة قوية تحتاج إلى تأليف فأعطى الإمامُ من الفيء أو المصالح أو الزكاةِ لبعض رؤسائهم، ليعينه على إحضار الباقين، أو لترك (4) شرِّه فيَضْعُف الباقون (5)، ونحو ذلك= جاز، وكان هؤلاء من المؤلفة قلوبهم، وقد ذكر مثل ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، وهو ظاهرٌ بالكتاب والسنة وأصول الشريعة. ولا يجوز أن يرسل الإمامُ مَن يَضْعُف عن مقاومة الحرامية، ولا مَن يأخذ مالًا من المأخوذين؛ التجار وغيرهم (6) من أبناء السبيل، بل يرسل من _________ (1) في هامش (ي): (ظ: الغزوات). (2) (ي): «فإن كفاهم». (3) بقية النسخ: «كفاية غزوهم». (4) (ف، ظ، ي، ب): «ليترك». (5) (ي): «فيُضْعِف الباقين». (6) (ف): «ونحوهم».

(الكتاب/118)


الجند الأقوياء الأمناء، إلا أن يتعذَّر ذلك فيرسل الأمثَل فالأمثل. فإن كان بعض نُوَّاب السلطان أو رؤساء القرى ونحوهم من يأمر الحرامية في الباطن بالأخذ أو الظاهر (1)، حتى إذا أخذوا شيئًا قاسمهم ودافع عنهم، وأرضى [أ/ق 37] المأخوذين ببعض أموالهم أو لم يُرْضِهم= فهذا أعظم جُرْمًا من مُقَدَّم الحرامية؛ لأن ذلك يمكن دفعُه بدون ما يُدْفع به هذا. والواجب أن يقال فيه ما يقال في الرِّدْء والعون لهم، فإن قَتَلوا قُتِل هو على قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأكثر أهل العلم، وإن أخذوا المال قُطِعَت يدُه ورجله، وإن قَتَلوا وأخَذوا المال قُتِل وصُلِب. وهو على قول طائفة من أهل العلم يُقْطع ويُقْتل ويُصْلَب، وقيل: يُخيَّر بين هذين. [وإن كانوا لم يؤذن لهم لكن لما قدر عليهم قاسمهم الأموال (2) وعطل بعض الحقوق والحدود] (3)، فهذا ليس بمنزلة الذين أذن لهم ابتداء، وإن كان جُرْمه من أعظم الجرائم، فيعاقب بما دون ذلك (4). ومن آوى محاربًا أو سارقًا أو قاتلًا ونحوهم ممن وجب عليه حدٌّ أو حقٌّ لله سبحانه وتعالى أو لآدمي، ومنعه ممن (5) يستوفي منه الواجب بلا _________ (1) بقية النسخ: «بالأخذ في الباطن أو الظاهر». (2) (ظ): «قاتلهم»، و (ف، ي) زيادة: «على». (3) ما بين المعكوفين من بقية النسخ، وقوله «الحدود» ليست في ي. وينظر الفتاوى: (28/ 323). (4) من قوله: «فهذا ليس بمنزلة» إلى هنا من الأصل فقط. (5) (ز): «أن».

(الكتاب/119)


عدوان= فهو شريكه في الجرم (1)، ولقد لعنه الله ورسوله، روى مسلم في «صحيحه» (2) عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لعنَ الله من أحدَث حدثًا أو آوى محدثًا». وإذا ظُفِر بهذا الذي آوى المُحْدِث، فإنه يُطلَب منه إحضاره أو الإعلام به، فإن امتنع عُوقِب بالحبس والضرب مرَّةً بعد مرة حتى يُمَكِّن من ذلك المُحْدِث، كما ذكرنا أنه يُعاقَب الممتنع من أداء المال الواجب (3). فما وجب حضورُه من النفوس والأموال يُعاقب من منعَ حضورَها. ولو كانَ رجلٌ يعلمُ (4) مكان المال المطلوب بحق، أو الرجل المطلوب بحق وهو لم يمنعه، فإنه يجبُ عليه الإعلامُ به، والدلالةُ عليه، ولا يجوز كتمانه، فإن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وذلك واجب، بخلاف ما لو كان النفسُ أو المالُ مطوبًا بباطل، فإنه لا يحلُّ الإعلام به؛ ولأنه من (5) التعاون على الإثم والعدوان، بل يجب الدفع عنه لأن نصر المظلوم واجب. وفي «الصحيحين» (6) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قلت: يا رسول الله، أنصره مظلومًا فكيف _________ (1) (ي، ظ، ل): «الحرام» واستظهر في هامش (ي) أنها الجرم. (2) (1370)، وأخرجه البخاري أيضًا (1870). (3) انظر ما سبق (ص 60 - 62، 114). (4) بقية النسخ: «يعرف». (5) (ي، ب): «من باب». (6) هو في البخاري (2443)، ولم أجده في مسلم، وقد ذكره الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» (2014) في أفراد البخاري.

(الكتاب/120)


أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه». وروى مسلم نحوه عن جابر (1). وفي «الصحيحين» (2) عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القَسَم أو المُقْسِم، وإجابة الدعوى، ونصر المظلوم، [وإفشاء السلام]. ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن لبس الحرير، والقَسِّي، والاستبرق، والديباج. فإن امتنع هذا العالِمُ به من الإعلام بمكانه جاز عقوبته بالحبس وغيره حتى يخبر به؛ لأنه امتنع من حقٍّ وجَبَ (3) عليه لا تدخله النيابة، فعُوقِب كما تقدم، ولا تجوز (4) عقوبته على ذلك إلا إذا عُرِف أنه عالم به. وهذا مُطَّرِدٌ فيما يتولاه الولاة والقضاة وغيرهم في كل من امتنع من (5) واجبٍ من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبةٍ للرجل بحقٍّ وجب على غيره، ولا عقوبةٍ على خيانةِ (6) غيره حتى يدخل في قوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] [أ/ق 38]، وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا لا يجني جانٍ إلا _________ (1) (2584). (2) البخاري (1239) ومسلم (2066). (3) (ي، ز، ظ، ل): «واجب». (4) (ف): «تجب». (5) (ي): «عن». (6) بقية النسخ: «ولا عقوبته على جناية».

(الكتاب/121)


على نفسه» (1). وإنما ذاك مثل أن يُطْلَب بمالٍ قد وجب على غيره، وهو ليس وكيلًا ولا ضامنًا ولا له عنده مال، أو يُعاقَب بجريرة (2) قريبه أو جاره، من غير أن يكون هو قد أذنب لا بترك واجبٍ ولا فعل محرَّم، فهذا الذي لا يحل. فأما هذا فإنما يُعاقَب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد عَلِم مكان الظالم الذي يُطْلَب حضورُه لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنُّصْرَة الواجبة عليه بالكتاب والسنة والإجماع؛ إما محاباةً وحميَّةً لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل المعصية بعضهم لبعض (3)، وإما مُعاداة وبغضًا للمظلوم، وقد قال الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. وإما إعراضًا عن القيام لله، والقيام بالقسط الذي أوجبه الله تعالى، أو جُبْنًا وفشلًا وخذلانًا لدينه، كما يفعله التاركون لنصر دين الله ورسوله وكتابه (4)، الذين إذا قيل لهم: انفروا في سبيل الله اثَّاقلوا إلى الأرض. _________ (1) أخرجه أحمد (16064)، والترمذي (2159)، والنسائي في «الكبرى» (4085)، وابن ماجه (2669)، والبيهقي: (8/ 27)، وغيرهم من حديث عمرو بن الأحوص - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وللحديث شواهد من حديث جماعة من الصحابة. انظر «البدر المنير»: (8/ 472 - 474). (2) (ف): «أو يعاقب الرجل ... »، (ز): «بجريمة». (3) (ف): «ببعض». (4) بقية النسخ: «لنصر الله ورسوله ودينه وكتابه».

(الكتاب/122)


وعلى كل تقدير فهذا الصنف (1) يستحق العقوبة باتفاق العلماء. ومن لم يسلك هذا السبيل (2) عطَّل الحدود، وضَيَّعَ الحقوق، وأكلَ القويُّ الضعيفَ. وهو يشبه من عنده مال الظالم الماطل (3) من عين أو دين، وقد امتنع من تسليمه إلى حاكم (4) عادل يوفي به دينه، أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله أو لأقاربه أو مماليكه أو بهائمه. وكثيرًا ما يجب على الرجل حقٌّ بسبب (5) غيره، كما تجبُ عليه النفقة بسبب حاجة قريبة، وكما تجب الدية على عاقلة القاتل. وهذا الضرب من التعزير عقوبة لمن عُلِمَ أن عنده مالًا أو نفسًا يجب إحضارُه وهو لا يُحْضِره؛ كالقُطَّاع والسُّرَّاق وحُماتهم، أو عُلِم أنه خبير به وهو لا يخبر بمكانه. فأمّا إن امتنع من الإخبار والإحضار؛ لئلا يعتدي (6) عليه الطالب أو يظلمه؛ فهذا محسن، وكثيرًا ما يشتبه أحدهما بالآخر، وتجتمع شبهة وشهوة، والواجب تمييز الحق من الباطل. وهذا يقع كثيرًا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة إذا استجار بهم مستجير (7)، أو كان بينهما قرابة أو صداقة، فإنهم يرون الحَمِيَّة الجاهلية، _________ (1) بقية النسخ: «الضرب». (2) (ز، ظ): «هذه السبل». (3) (ز، ل): «المماطل». (4) الأصل و (ي): «بحاكم» و (ز): «لحاكم»، والمثبت من باقي النسخ. (5) الأصل: «ليست»! (ي): «بسبب من». (6) (ي، ظ، ب، ل): «يتعدى». «والإحضار» ليست في (ف). (7) سقطت من (ز، ب): «مجير».

(الكتاب/123)


والعزة بالإثم، والسمعة عند الأوباش= أنهم ينصرونه ويحمونه ــ وإن كان ظالمًا مُبْطلًا ــ على المُحِقِّ المظلوم، لاسيما إن كان المظلوم رئيسًا يناوؤهم ويناوِؤنه (1)، فيرون أن في تسليم المستجير (2) بهم إلى من يناوؤهم ذلًّا وعجزًا، وهذا ــ على الإطلاق ــ جاهلية محضة، وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا، وقد ذُكِر أنه إنما كان سبب حروبٍ من حروب الأعراب؛ كحرب البسوس، التي كانت من (3) بني بكر وتغلب إلا نحو هذا، وكذا سبب دخول الترك المغول (4) إلى دار الإسلام، واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان= كان سببه نحو هذا. ومن أذلَّ نفسه لله تعالى فقد أعزَّها، ومن بذل الحقَّ من نفسه فقد أكرم نفسه [أ/ق 39]، فإنَّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم. ومن اعتزَّ (5) بالظلم مِن (6) مَنْع الحق وفِعْل الإثم، فقد أذلَّ نفسَه وأهانها، قال الله تعالى: {(9) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10]، وقال تعالى عن المنافقين: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، وقال جل جلاله في صفة هذا الضرب: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ _________ (1) (ي): «ينادّهم»، (ز، ط): «يناديهم ويناويهم». (2) الأصل: «المجير». (3) بقية النسخ: «بين»، (ي): «التي بين». (4) (ي، ب): «المغل». (5) الأصل: «اغتر». (6) الأصل: «ممن» والمثبت من (ي، ظ، ب، ل). وفي (ز): «فقد».

(الكتاب/124)


وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204 - 206]. وإنما الواجب على من استجار به مستجير: إن كان مظلومًا ينصره (1)، ولا يثبت أنه مظلوم بمجرَّد دعواه، فطالما اشتكى الرجل وهو ظالم، بل يكشف خبرَه من خصمه وغيره، فإن كان ظالمًا ردَّه عن الظلم بالرفق إن أمكن، إما من صلحٍ أو حُكْم بالقسط، وإلا فبالقوة. وإن كان كلٌّ منهما ظالمًا مظلومًا؛ كأهل الأهواء من قيسٍ ويَمَن ونحوهم، وأكثر المتداعين من أهل الأمصار والبوادي، أو كانا جميعًا غير ظالمين لشبهة (2) أو تأويل أو غلط وقع فيما بينهما= سعى بينهما بالإصلاح أو الحكم، كما قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10]، وقال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]. وقد روى أبو داود في «السنن» (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل له: أمِنَ العصبية _________ (1) (ف): «أن ينصره». (2) (ي): «متداعين لشبهة». (3) (5119). وأخرجه أحمد (16989)، والبخاري في «الأدب المفرد» (396)، وابن ماجه (3949)، والطبراني (22/ 995) من حديث واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه -. وفي سنده ضعف، وله شاهد من حديث أنس وغيره.

(الكتاب/125)


أن ينصر الرجل قومَه في الحق؟ قال: «لا، ولكن العصبية أن ينصرَ الرجلُ قومَه في الباطل». وقال: «خيرُكم المدافع (1) عن قومه ما لم يأثم» (2). وقال: «مثل الذي ينصرُ قومَه في الباطل كبعيرٍ تردَّى في بئر فهو يجُرُّ بِذَنَبِه» (3). وقال: «من سمعتموه يتعزَّى بعزاء الجاهلية فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه ولا تَكْنوا» (4)، أي: قولوا له: عضّ أيرَ أبيك (5). _________ (1) (ي، ز، ظ، ل): «الدافع». وهي رواية ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»: (1033) من حديث عبد الله المدلجي - رضي الله عنه -. (2) أخرجه أبو داود (5120)، والطبراني في «الأوسط» (6989) من حديث سراقة بن مالك - رضي الله عنه -. وضعفه أبو داود بأيوب بن سويد، وحكم عليه أبو حاتم الرازي بالوضع في «العلل» (2117). (3) أخرجه أبو داود (5118، 5117)، والطيالسي (342)، وأحمد (3726)، والبيهقي: (10/ 234) من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعًا وموقوفًا. وفي سماع عبد الرحمن من أبيه خلاف وإن سمع منه في الجملة. وصححه أحمد شاكر في «شرحه للمسند»: (5/ 274)، والألباني في «صحيح أبي داود». (4) أخرجه أحمد (21256)، والنسائي في «الكبرى» (8813)، وابن حبان «الإحسان» (3153)، والطبراني في «الكبير» (532) وغيرهم، حديث أُبي بن كعب - رضي الله عنه -. صححه ابن حبان، وقال الهيثمي عن إسناد الطبراني: رجاله ثقات. «المجمع»: (3/ 3). (5) الجملة بعد الحديث من الأصل فقط.

(الكتاب/126)


وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسبٍ أو بلدٍ أو جنس، أو مذهب أو طريقة؛ فهو من عزاء الجاهلية. بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أبدعوى الجاهلية وأنا (1) بين أظهركم؟ » (2)، وغضب لذلك غضبًا شديدًا. * * * * _________ (1) في الأصل: «وأنا نبيكم». وليست في شيء من ألفاظ الحديث. (2) أخرجه البخاري (3518)، ومسلم (2584) من حديث جابر - رضي الله عنه -.

(الكتاب/127)


فصل وأما السارق؛ فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 38 - 39]، ولا يجوز بعد ثبوت الحدِّ عليه بالبيِّنة أو الإقرار تأخيرُه لا بحبسٍ، [أ/ق 40] ولا مالٍ يفتدي به، ولا غيره، بل تُقطع يدُه في الأوقات المعظَّمة وغيرها. فإن إقامة الحدود (1) من العبادات كالجهاد في سبيل الله، وينبغي أن يعرف أن إقامة الحدِّ رحمة من الله بعباده، فيكون الوالي شديدًا في إقامة الحدِّ، لا تأخذه رأفةٌ في دين الله فيعطله. ويكون قصده رحمة الخلق بكفِّ الناس عن المنكرات، لا شِفاءَ (2) غيظه وإرادته للعلو على الخلق. بمنزلة الوالد إذا أدَّبَ ولدَه، فإنه لو كفَّ عن تأديب ولده كما تُشِير به الأم ــ رِقَّةً ورأفة ــ لفسدَ الولدُ، وإنما يؤدِّبه رحمةً به وإصلاحًا لحاله، مع أنه يودُّ ويؤثر أن لا يُحْوِجه إلى تأديب. وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه. وبمنزلة قَطْع العضو المستأكل (3)، والحَجْم، وقَطْع العروق بالفصاد، ونحو ذلك. بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يُدخله على نفسه من المشقّة لينال به الراحة. _________ (1) سقطت من الأصل. (2) (ب): «لا لإشفاء»، (ل): «لا لشفاء». (3) كذا في الأصل و (ي، ز)، و (ف، ظ، ب، ل، ط): «المتآكل».

(الكتاب/128)


فلهذا (1) شُرِعت الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها، فإنه متى كان قصدُه صلاحَ الرعية، والنهي عن المنكرات بجلب (2) المنفعة لهم، ودَفْع الضرر (3) عنهم، وابتغى بذلك وجهَ الله تعالى وطاعة أمره= ليَّنَ (4) الله سبحانه وتعالى له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه العقوبة اليسيرة (5)، وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد. وأما إذا كان غرضُه العلوَّ عليهم (6)، وإقامة رياسته ليعظِّموه (7)، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال= انعكس عليه مقصوده. يروى أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قبل أن يلي الخلافة كان نائبًا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد ساسهم سياسةً صالحةً، فقَدِم الحجَّاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب، فسأل أهل المدينة عن عمر: كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه هيبةً، قال: _________ (1) (ي): «فكذلك»، (ز، ظ، ب، ل): «فهكذا». (2) الأصل: «طلب»، ويمكن أن تقرأ في بعض النسخ: «لجلب». (3) بقية النسخ: «المضرة». (4) (ي، ز، ب): «ألان». (5) (ز) فقط: «البشرية» ورجحه الشيخ العثيمين في «شرحه» (ص 272) وقال: (والمعنى: أن الله يكفيه العقوبة البشرية التي تترتب على الحد، بمعنى أن ما في قلوبهم من الإيمان يوجب استقامتهم فيقل الجرم، وحينئذٍ لا يحتاجون إلى عقوبة بشرية) اهـ. ووجه ما في سائر النسخ: أن الله يكفي الوالي ما يوقعه من العقوبات التعزيرية اليسيرة عن العقوبات الشديدة لاستقامة الخلق وصلاحهم. (6) الأصل: «عنهم». (7) (ي): «ليعطوه».

(الكتاب/129)


كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحبُّ إلينا من أهلنا، قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة، قال: هذه هيبته، وهذه محبته، وهذا أدبه، هذا أمر من السماء (1)! وإذا قُطِعت يده حُسِمت، ويستحب (2) أن تعلَّق في عنقه (3)، فإن سرق ثانيًا قُطِعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثًا ورابعًا؛ فيه قولان للصحابة ومَن بعدهم من العلماء: أحدهما: تُقْطَع أربعتُه في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي بكر - رضي الله عنه - ومذهب الشافعي وأحمد في إحدى (4) الروايتين. والثاني: أنه يُحْبس، وهو قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والكوفيين، ومذهب أبي حنيفة (5) وأحمد في روايته الأخرى. وإنما تُقْطَع يده إذا سرق نصابًا، وهو ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم؛ كمالك والشافعي _________ (1) لم أقف عليه. (2) بقية النسخ: «واسْتُحِب». (3) لحديث فضالة بن عبيد قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه. أخرجه عبد الله في زوائد المسند (23946)، وأبو داود (4411)، والترمذي (1447)، والنسائي (4997)، وابن ماجه (2587). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه ابن الملقن في «البدر»: (8/ 675 - 676). وضعفه النسائي وابن العربي وابن القطان في «بيان الوهم»: (3/ 184). (4) الأصل و (ل): «أحد»، والمثبت من بقية النسخ. (5) «ومذهب أبي حنيفة» من الأصل فقط.

(الكتاب/130)


وأحمد. ومنهم من يقول: دينار أو عشرة دراهم. فمن سرق ذلك قُطِع بالاتفاق. وفي «الصحيحين» (1) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَطَع في مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم. وفي لفظ لمسلم (2): قَطَع سارقًا في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم. والمجن التُّرْس. وفي «الصحيحين» (3) عن عائشة - رضي الله عنها -[أ/ق 41] قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تُقطع يد (4) السارق في ربع دينار فصاعدًا». وفي رواية لمسلم (5): «لا تُقطع يدُ السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا». وفي رواية البخاري (6) قال: «اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك». وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثنا عشر درهمًا. ولا يكون السارق سارقًا حتى يأخذ المال من حِرْزٍ، فأما المال الضائع من صاحبه، والثمر الذي يكون في الشجر في الصحراء بلا حافظ (7) والماشية التي لا راعي عندها، ونحو ذلك= فلا قَطْع فيه لكن يُعَزَّر الآخذ، ويضاعف _________ (1) البخاري (6795)، ومسلم (1686). (2) بعد الحديث بال السابق. (3) البخاري (6789)، ومسلم (1684/ا). (4) بقية النسخ: «اليد». (5) (1684/ 2). (6) لم أجده في البخاري، وهو في «مسند أحمد» (24559)، والبيهقي: (8/ 255). (7) (ط): «حائط».

(الكتاب/131)


عليه الغُرم كما جاء به الحديث (1). وقد اختلف أهل العلم في التضعيف، وممن قال به: أحمد وغيره، قال رافع بن خديج: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا قطع في ثَمَرٍ ولا كَثَر» (2). والكَثَر: هو الجُمَّار (3) جُمَّار النخل. رواه أهل السنن. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رجلًا من مُزَينة يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، جئت أسألك عن الضالة من الإبل؟ قال: «معها حِذاؤها وسِقاؤها تأكل الشجَر وتَرِد الماء، فدَعها حتى يأتيها باغيها». قال: الضالة من الغنم؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب تجمعها حتى يأتيها باغيها». قال: الحريسة (4) التي تؤخذ من مراتعها؟ قال: «فيها ثمنها مرتين وضَرْب نكال، وما أُخِذ من عَطَنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المِجَنِّ». قال: يا رسول الله، فالثمار وما أُخِذَ منها من أكمامها؟ قال: «من أخذ بفمه ولم يتخذ خُبنَة (5) فليس عليه شيء، ومن احتمل فعليه ثمنه _________ (1) كما سيذكره المصنف قريبًا. (2) أخرجه أحمد (15842)، وأبو داود (4388)، والترمذي (1449)، والنسائي (4960)، وابن ماجه (2593)، وابن حبان (4466)، والبيهقي: (8/ 262) وغيرهم من حديث رافع بن خديج - رضي الله عنه -، وقد اختلف في وصله وإرساله، والحديث صححه ابن حبان، وقال الطحاوي: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول. وصححه ابن الملقن، وقال ابن عبد الهادي: رجاله رجال الصحيحين. انظر «البدر المنير»: (8/ 657 - 659)، وصححه الألباني في «الإرواء» (2414). (3) «هو الجمار» ليست في (ف). (4) الأصل: «العريبة»! (ز): «فالحرية»! (5) الأصل: «حبة»! (ي، ب): «خبيئة». والخُبْنَة: ما يحمله الإنسان في حضنه أو تحت إبطه.

(الكتاب/132)


مرتين وضربًا ونكالًا (1)، وما أُخِذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يُؤخذ من ذلك ثمن المِجَن، وما لم يبلغ ثمن المجنّ (2) ففيه غرامة مِثْليه وجلداتُ نكال» رواه أهل السنن لكن هذا سياق النسائي (3). وكذلك (4) قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على المُنْتَهِب، ولا على المُخْتَلِس، ولا الخائن قَطْع» (5). فالمنتهب: الذي ينهب الشيءَ والناسُ ينظرون، والمختلس: الذي (6) يجتذب الشيء فيُعلَم به قبل أخذه. فأما الطرَّار وهو البطَّاط الذي يبط _________ (1) (ي): «وضرب نكال»، (ز، ظ، ب): «وضرب ونكال». (2) «وما لم يبلغ ثمن المجنَّ» سقط من (ز). (3) أخرجه أحمد (6683)، وأبو داود (1710)، والترمذي (1289) مختصرًا، وابن ماجه (2596)، والنسائي (4959)، وفي «الكبرى» (7405) من طرق كثيرة عن عمرو بن شعيب به، واللفظ الذي ساقه المصنف أقرب إلى سياق أحمد. قال الترمذي: حديث حسن. وبعض ألفاظه في «الصحيحين». (4) (ف، ي، ظ): «ولذلك». (5) أخرجه أحمد (15112)، وأبو داود (4391)، والترمذي (1448)، والنسائي (4971)، وابن ماجه (2591)، وابن حبان «الإحسان» (4456، 4457) وغيرهم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -. وجمهور النقاد على أن ابن جريج لم يسمع هذا الحديث من أبي الزبير، وأن بينهما واسطة وهو ياسين الزيات وهو ضعيف، لكنه توبع على روايته. قال الترمذي: حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. اهـ، وصححه ابن حبان وابن الملقن. انظر «البدر المنير»: (8/ 660 - 664)، و «نصب الراية»: (3/ 364). (6) (ي، ظ، ب): «كالذي».

(الكتاب/133)


الجيوب والمناديل والأكمام ونحوها؛ فإنه يُقْطَع على الصحيح. فصل وأما الزاني: فإن كان مُحصنًا فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، كما رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزَ بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديين (1)، ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده. وقد اختلف العلماء هل يُجلد قبل الرجم مئة؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره (2). وإن كان غير مُحْصن فإنه يُجلد مئة جلدة بكتاب الله ويُغَرَّب عامًا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3)، وإن كان (4) بعض العلماء لا يرى وجوب التغريب (5). ولا يُقام عليه الحدُّ حتى يشهد عليه أربعة شهداء، أو يشهد على نفسه أربعَ شهادات عند كثير من العلماء أو أكثرهم، ومنهم من يكتفي بشهادته (6) على نفسه مرة واحدة. ولو أقرَّ على نفسه ثم رجع (7)، فمنهم مَن يقول: _________ (1) حديث ماعز رواه البخاري (6824)، ومسلم (1693). وحديث الغامدية أخرجه مسلم (1695)، وحديث رجم اليهوديين أخرجه البخاري (1329)، ومسلم (1699). (2) انظر «المغني»: (12/ 313 - 314). (3) من قوله: (ويغرب ... ) إلى هنا سقط من (ي) وقد وضع الناسخ علامة × لعله إشارة لذلك. والتغريب ثابت في «صحيح مسلم» (1690) من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -. (4) سقطت من الأصل. (5) كأبي حنيفة ومحمد بن الحسن. (6) (ي): «بشهادة واحدة». (7) الأصل: «رفع»! والمثبت من باقي النسخ.

(الكتاب/134)


يسقط عنه الحد، ومنهم من يقول: لا يسقط. والمُحْصَن: من وَطِئ [أ/ق 42] وهو حرٌّ مكلَّف لمن تزوجها (1) نكاحًا صحيحًا في قُبُلِها ولو مرَّة واحدة (2)، فإن وطئ كاملٌ ناقصةً أو بالعكس، ففي إحصان الكامل تنازع بين الفقهاء، ومتى وطئها مرةً صار مُحْصنًا يُرجَم إذا زنى ولو لم يكن حين الزنا متزوجًا (3). [وهل يشترط أن تكون الموطوءة مساوية للواطئ في هذه الصفات؟ على قولين للعلماء. وهل (4) تُحصِن المراهقة البالغ (5) وبالعكس؟ فأما أهل الذمة فإنهم يُحصِنون أيضًا عند أكثر العلماء (6) كالشافعي وأحمد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم يهوديين على باب مسجده، وذلك أول رَجْم (7) في الإسلام] (8). واختلفوا في المرأة إذا وُجِدت حُبلى ولم يكن لها زوج ولا سيِّد، ولم _________ (1) الأصل: «تزوج». (2) بعده في الأصل: (عاقل بالغ في نكاح صحيح امرأة مسلمة في قبلها) وهذه العبارة بمعنى ما سبق في تعريف المحصن. (3) من قوله: «فإن وطئ ... » إلى هنا من الأصل فقط. (4) (ي، ز): «وقيل». (5) (ي): «المميزة البالغة»، (ز): «المميزة للبالغ». (6) (ي، ز): «الفقهاء». (7) (ف): «رَجْم رُجم». (8) ما بين المعكوفين ليس في الأصل وهو ثابت في باقي النسخ. وقد تقدم قريبًا حديث رجم اليهوديين.

(الكتاب/135)


تدَّع (1) شبهَة في الحَبَل، ففيها قولان عند (2) أحمد وغيره؛ قيل (3): لا حدّ عليها لأنه يجوز أن تكون حَبِلَت مكرهةً، أو بتحَمُّل (4)، أو بوطء شبهة. وقيل: بل تُحَد، وهذا المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة، فإن الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها، كاحتمال كذبها وكذب الشهود. وأما التلوُّط، فمن العلماء من يقول: حدُّه حد الزاني (5)، وقد قيل دون ذلك، والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أنه يُقْتَل الاثنان الأعلى والأسفل، سواءٌ كانا محصَنَيْن أو غير محصَنَين (6). فإنَّ أهل السنن رووا عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن وجدتموه يفعل فعل (7) قوم لوط فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به» (8). _________ (1) (ي): «يك»، (ب): «يكن». (2) بقية النسخ: «في مذهب». (3) الأصل: «وقيل». (4) الأصل: «احتملت مكرهة أو تتحمل»، (ل): «تكون مكرهة». وما أثبته من بقية النسخ، والمعنى ما ذكره في «المغني»: (12/ 377) (أن المرأة تحمل من غير وطء، بأن يدخُلَ ماءُ الرجل في فرجها، إما بفعلها أو بفعل غيرها؛ ولهذا تُصُوِّر حمل البكر، فقد وجد ذلك) اهـ. وانظر: «شرح العثيمين» (ص 296). (5) (ف): «الزنا». (6) حكى إجماعهم صاحب «المغني»: (12/ 350) وإنما اختلفوا في صفة القتل. (7) (ي، ز، ظ، ب): «يعمل عمل». (8) أخرجه أحمد (2732)، وأبو داود (4462)، والترمذي (1456)، وابن ماجه (2561)، والدارقطني: (3/ 124)، والحاكم: (4/ 355)، والبيهقي: (8/ 231 - 232) من طرق عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. نقل الحافظ عن النسائي أنه استنكر الحديث، وسئل الترمذيُّ البخاريَّ عن الحديث فقال: «عمرو بن أبي عمرو (الراوي عن عكرمة) صدوق، ولكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع من عكرمة» اهـ. «العلل الكبير» (251). وقد صحح الحاكمُ إسناده.

(الكتاب/136)


وروى أبو داود (1) عن ابن عباس - رضي الله عنه - في البكر (2) يوجد على اللوطية، قال: يُرْجَم. ورُوِي عن (3) علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - نحو ذلك (4). ولم تختلف الصحابةُ في قتله لكن تنوعوا فيه؛ فروي عن الصديق - رضي الله عنه - أنه أمر بتحريقه، وعن غيره: قتله، وعن بعضهم: أنه يُلقَى (5) عليه جدار حتى يموت تحت الهدم، وقيل: يُحبسان في أنتَنِ موضع حتى يموتا، وعن بعضهم: أن يُرفع على أعلى جدار في القرية ويُرمى منه ويُتْبع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط. وهذه رواية عن ابن عباس - رضي الله عنه - والرواية الأخرى قال: يرجم، وعلى هذا أكثر السلف، وهو مذهب أهل المدينة والشام وأكثر فقهاء الحديث كأحمد في أصح روايتيه والشافعي في أحد قوليه (6). _________ (1) (4463). (2) تحرفت في الأصل إلى «المنكر»! (3) من قوله: «ابن عباس ... » إلى هنا ساقط من (ز). (4) أخرجه عبد الرزاق: (7/ 363 - 364)، والبيهقي: (8/ 232). (5) (ظ، ب): «يلقى من شاهق، وعن بعضهم أنه يرفع ... ». والجملة بعده إلى «يموتا» ليست في (ف). (6) انظر آثار الصحابة في هذه المسألة في «مصنف ابن أبي شيبة»: (5/ 496 - 497)، و «مصنف عبد الرزاق»: (7/ 362 - 364). ومن قوله: «وهو مذهب ... » إلى هنا من الأصل فقط.

(الكتاب/137)


قالوا: لأن الله رجم قوم لوط، وشَرعَ رجم الزاني تشبيهًا برجم قوم لوط. ويُرجم الاثنان سواء كانا حرَّيْن أو مملوكَيْن، أو كان أحدهما مملوكَ الآخر (1) إذا كانا بالغَين، فإن كان أحدهما غير بالغٍ عُوقِب بما دون القتل، ولا يُرجم إلا البالغ. فصل وأما حدُّ الشُّرْب؛ فإنه ثابت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإجماع المسلمين، فقد روى أهل «السنن» عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أنه قال: «مَن شَرِب الخمرَ فاجلدوه، ثم إن شربَ فاجلدوه، ثم إن شربَ فاجلدوه (2)، ثم إن شرب في الرابعة فاقتلوه» (3). _________ (1) (ي، ظ، ب، ل): «مملوكًا والآخر حرًّا». (2) «ثم إن شرب فاجلدوه» الثالثة ليست في بقية النسخ. و (ل): «ثم إلى الرابعة إن شرب الرابعة ... ». (3) جاء الحديث من رواية عدد من الصحابة: فقد أخرجه أحمد (16847)، وأبو داود (4482)، والترمذي (1444)، والنسائي في «الكبرى» (5279)، وابن ماجه (5273)، والحاكم: (4/ 372) من حديث معاوية - رضي الله عنه -. وأخرجه أحمد (7762)، وأبو داود (4484)، والنسائي (5662)، وابن ماجه (2572)، والحاكم: (4/ 371)، والبيهقي: (8/ 313) وغيرهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. وسنده ضعيف. وروي أيضًا من حديث ابن عمر، وقبيصة بن ذؤيب، وجابر، والشريد، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو، وجرير، وابن مسعود، وشرحبيل بن أوس، وغطيف. قال الترمذي بعد أن ساق حديث معاوية: (روى الزهري عن قصيبة بن ذؤيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا قال: فرفع القتل وكانت رخصة. والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أوجه كثيرة أنه قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث؛ النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه) اهـ. وللشيخ أحمد شاكر بحث مطول حول قتل شارب الخمر في الرابعة في «شرح المسند»: (9/ 40 - 70).

(الكتاب/138)


وثبت عنه أنه جلد الشارب غير مرة (1) هو وخلفاؤه والمسلمون بعده. والقتل عند أكثر العلماء منسوخ، وقيل: هو محكم، وقد يقال: هو تعزيرٌ يفعله الإمام عند الحاجة. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين. وكان علي - رضي الله عنه - يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين (2). فمن العلماء مَن يقول: يجب ضرب [أ/ق 43] الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب أربعون، والزيادة يفعلها الإمامُ عند الحاجة، إذا أدمن الناسُ الخمرَ أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ونحو ذلك. فأما مع قلة الشاربين وقُرب أمر الشارب فتكفي الأربعون، وهذا أوجه القولين، وهو قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين (3). _________ (1) أخرجه البخاري (6773)، ومسلم (1706) من حديث أنس - رضي الله عنه -. (2) أخرجه مسلم (1707) من حديث علي - رضي الله عنه -. (3) (ي): «أحد القولين». انظر «المغني»: (12/ 498 - 499).

(الكتاب/139)


وقد كان عمر - رضي الله عنه - لمَّا كَثُر الشرب زاد فيه النفي وحلق الرأس، مبالغةً في الزجر عنه (1)، فلو عُزِّرَ الشارب مع الأربعين بقطع خُبْزِه (2) أو عزلِه عن ولايته= كان حسنًا، فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بلغه عن بعض نوَّابه أنه تمثَّل بأبياتٍ في الخمر فعزله (3). والخمرُ التي حرمها الله تعالى ورسوله، وأمرَ النبي بجلد شاربها: كلُّ شراب مسكر من أي أصل كان، سواء كان من الثمار؛ كالعنب والرطب والزبيب (4) والتين، أو الحبوب؛ كالحِنطة والشعير، أو الطلول؛ كالعسل، أو الحيوان، كلبن الخيل. بل لما أنزل الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - تحريم الخمر لم يكن عندهم بالمدينة (5) من خمر العنب شيء (6)؛ لأنه لم يكن بالمدينة (7) _________ (1) أخرجه عبد الرزاق: (9/ 231 - 233) عن عمر وغيره. (2) تحتمل في الأصل: «خبره» وهو كذلك في (ط)، وتحرف النص في (ل). وسيأتي ما يؤيد ما أثبتناه (ص 146). (3) هو النعمان بن عدي - رضي الله عنهما - استعمله عمر على ميسان، وكان يقول الشعر، فقال: ألا هل أتى الحسناء أن خليلَها ... بميسان يُسقى في زُجاج وحَنْتم إذا شئتُ غنتني دهاقينُ قريةٍ ... ورقاصة تجذو على كل منسم إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلِّم لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادُمُنا في الجَوسَقِ المتهدِّم أخرجه ابن سعد في «الطبقات»: (4/ 130 - 131). (4) «والزبيب» من الأصل. (5) في الأصل بعده: (شيء) ولا مكان لها. (6) كما ثبت في البخاري (4616) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -. (7) «من خمر العنب شيء؛ لأنه لم يكن بالمدينة» ساقط من (ي).

(الكتاب/140)


شجر عنب، وإنما (1) كانت تُجْلب من الشام، فكان عامة شرابهم من نبيذ التمر، وقد تواترت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه وأصحابه أنه حرَّم كل مسكر وبيَّن أنه خمر (2). وكانوا يشربون النبيذ الحُلو، وهو أن يُنْبَذ في الماء تمرٌ أو زبيب، أي يُطْرح فيه ــ[والنبذُ: الطرح] (3) ــ ليَحْلوَ الماء، لاسيما كثير من مياه الحجاز، فإن فيه ملوحة، فهذا النبيذ حلال بإجماع المسلمين؛ لأنه لا يُسكِر، كما يحل شرب عصير العنب قبل أن يصير مسكرًا. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهاهم أن ينبذوا (4) هذا النبيذ في أوعية الخشب أو الجرِّ ــ وهو ما يُصنع من التراب ــ أو القرع أو الظروف المُزَفَّتة، وأمرهم أن ينبذوا في الظروف التي تُربط أفواهُها بالأوكية (5)؛ لأن الشدة تدب في النبيذ دبيبًا خفيًّا ولا يشعر الإنسان، فربما شرب الإنسان (6) ما قد دبَّ فيه الشِّدة المُطربة وهو لا يشعر، فإذا كان في سقاء موكئًا انشق الظرفُ إذا غلا فيه النبيذ، فلا يقع الإنسان في محذور، وتلك الأوعية لا تنشق. ورُوِي عنه أنه رخص بعد هذا في الانتباذ في الأوعية، وقال: «كنت قد _________ (1) الأصل: «وربما»! (2) سيذكر المصنف بعض تلك الأحاديث قريبًا. (3) من بقية النسخ. (4) في هامش (ي): «صوابه: ينتبذوا». (5) أخرجه مسلم (18) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. والبخاري (1398)، ومسلم (17) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -. (6) «فربما شرب الإنسان» سقطت من (ي).

(الكتاب/141)


نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا (1) ولا تشربوا مسكرًا» (2). فاختلف الصحابة ومَن بعدهم من العلماء: منهم من لم يبلغه النسخ أو لم يُثْبِته، فنهى عن الانتباذ في الأوعية، ومنهم من اعتقد ثبوته وأنه ناسخ (3)، فرخَّص في الانتباذ في الأوعية، فسمع طائفةٌ من الفقهاء أن بعض الصحابة كانوا يشربون النبيذ، فاعتقدوا أنه المسكر، فرخَّصوا في شرب أنواع من الأشربة التي ليست من العنب والتمر، وترخَّصوا في المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب إذا لم يسكر الشارب. والصواب ما عليه جماهير المسلمين: أن كل مُسكِر خمر يُجلد شاربه، ولو شرب منه قطرةً واحدة لتداوي أو غير تداوي، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الخمر أيُتَداوى بها؟ فقال: «إنها داء وليست بدواء» (4)، و «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرَّمَ عليها» (5). والحدُّ واجب إذا قامت البينة [أ/ق 44] أو اعترف الشارب. _________ (1) (ي، ظ، ب، ل): «ولا تشربوا». (ف): «فاشربوا»! (2) أخرجه مسلم (977) من حديث بريدة - رضي الله عنه -. (3) (ب): «ناسخ منتسخ». (4) أخرجه مسلم (1984) من حديث طارق بن سويد - رضي الله عنه -. (5) أخرجه أبو يعلى (6930)، وابن حبان «الإحسان» (1391)، والبيهقي: (10/ 5)، والطبراني في «الكبير» (23/رقم 749) من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - مرفوعًا. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (5/ 86): (رجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق وقد وثَّقه ابن حبان) اهـ. وصححه المصنف في «الفتاوى»: (21/ 568). وله شواهد من حديث عدد من الصحابة مرفوعًا وموقوفًا.

(الكتاب/142)


فإن وُجِدت منه رائحة الخمر، أو رُئي وهو يتقيَّؤها ونحو ذلك؛ فقد قيل: لا يقام عليه الحد؛ لاحتمال أنه شرب ما ليس بخمرٍ، أو شربها جاهلًا بها أو مكرهًا ونحو ذلك. وقيل: بل يُجلد (1) إذا عَرَف أن ذلك مسكر. وهذا المأثور (2) عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، كعثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، وعليه تدل سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي يصلح عليه الناس، وهو مذهب مالك وأحمد في غالب نصيهما (3) وغيرهما (4). والحشيشة المصنوعة من ورق القِنَّب (5) حرام، يُجلَد صاحبُها (6) كما يُجلَد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخَنُّث ودِياثة وغير ذلك من المفاسد (7). والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة، وكلاهما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وقد توقف بعض الفقهاء المتأخرين في حدِّها، ورأى أنَّ آكلها يعزَّر بما _________ (1) (ي): «يحد». (2) (ل): تحتمل: «المشهور». (ف): «هو المأثور». (3) بقية النسخ: «نصوصه». (4) انظر «المغني»: (12/ 501 - 502)، و «الذخيرة»: (12/ 203 - 204) للقرافي. (5) (ي، ز، ظ، ط، ل): «العنب». والمثبت من الأصل و (ب). والقِنَّب: بكسر القاف وضمها فالتشديد مع الفتح: ضَرْبٌ من الكَتّان وهو الغليظ الذي تُتَّخَذُ منه الحِبَالُ وما أشبهَها. وفي «المصباح» (ص 197): «القنّب: يُؤخذ لِحاه ثمَّ يُفْتَلُ حِبالًا وله لُب يُسَمَّى الشَّهدانِج. وانظر «اللسان»: (1/ 691). (6) (ظ، ب): «آكلها». (7) بقية النسخ: «الفساد».

(الكتاب/143)


دون الحد، حيث ظنها تغير العقل من غير طَرَب، بمنزلة البنج، ولم يجد (1) للعلماء المتقدمين فيها كلامًا. وليس كذلك، بل آكلوها ينتشون (2) عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر، وآكلها تصده (3) عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة إذا أكثر (4) منها، مع ما فيها من المفاسد الأُخر؛ من الدِّياثة، والتخَنُّث، وفساد المزاج والعقل، وغير ذلك. لكن لما كانت جامدة مطعومة ليست شرابًا، تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره؛ فقيل: هي نجسة كالخمرة المشروبة، وهذا (5) هو الاعتبار الصحيح، وقيل: لا، لجمودها، وقيل: يُفَرَّق بين جامدها ومائعها. وبكل حال فهي داخلة فيما حرَّمَ الله ورسولُه من الخمر والمسكر لفظًا أو معنى. قال أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -: يا رسول الله، أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البِتْع ــ وهو من العسل يُنبَذ حتى يشتد ــ، والمِزْر ــ وهو من الذرة والشعير يُنبذ حتى يشتد ــ قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اُعْطِي جوامع الكَلِم بخواتيمه فقال: «كلّ مُسْكِر حرام». متفق عليه في «الصحيحين» (6). وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ مِن الحِنْطةِ خمرًا، _________ (1) (ف): «نجد». (2) (ظ، ز، ب): «ينشون». (3) بقية النسخ: «وتصدهم عن ... ». (4) بقية النسخ: «أكثروا». (5) الأصل: «وهل» والمثبت من النسخ. (6) البخاري (4343)، ومسلم كتاب الأشربة (1733/ 70).

(الكتاب/144)


ومِن الشعير خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن العسل خمرًا، وأنا (1) أنهى عن كل مسكر» رواه أبو داود وغيره (2). ولكن هذا في «الصحيحين» (3) عن عمر موقوفًا عليه: أنه خطب به على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «الخمر ما خامر العقل» (4). وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كلُّ مسكر خمر وكل مسكر حرام». وفي رواية: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواهما مسلم في «صحيحه» (5). وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملءُ الكفِّ منه حرام» (6). قال الترمذي: حديث حسن. _________ (1) (ظ): «وإنما». (2) أخرجه أحمد (18350)، وأبو داود (3677)، والترمذي (1872)، والنسائي في «الكبرى» (6756)، وابن ماجه (3379)، وابن حبان «الإحسان» (5398)، والحاكم: (4/ 148) من طرق عن عامر الشعبي عن النعمان به. قال الترمذي: هذا حديث غريب. ثم ساق الحديث من طريق أبي حيان عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر موقوفًا به ــ كما سيذكره المصنف ــ ثم قال: وهذا أصح من حديث إبراهيم بن مهاجر ــ يعني عن الشعبي عن النعمان ــ. وصحح حديث النعمان ابن حبان، والحاكم وابن الملقن في «البدر»: (8/ 706). (3) البخاري (4619)، ومسلم (3032). (4) من قوله: «لكن هذا ... » إلى هنا سقط من (ف، ظ). (5) (2003/ 74، 75). وقوله: «في صحيحه» من الأصل و (ز). (6) أخرجه أحمد (24423)، وأبو داود (3687)، والترمذي (1866)، وابن حبان «الإحسان» (5383)، والدارقطني: (4/ 250)، وغيرهم. والحديث حسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان. ويشهد له ما بعده.

(الكتاب/145)


وروى (1) أهل السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أنه قال: «ما أسكرَ كثيرُه فقليله حرام» (2). وصححه الحُفَّاظ (3). وعن جابر - رضي الله عنه - أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المِزْر؟ فقال: «أمسكر هو؟ » قال: نعم، [أ/ق 45] فقال: «كلّ مُسكِر حرام، إنّ على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخَبَال (4)»، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عَرَق أهل النار، أو عُصارة أهل النار» رواه مسلم في «صحيحه» (5). وعن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كلّ مُخَمَّر خمر وكل _________ (1) (ي): «رواه». (2) أخرجه أحمد (6674)، والنسائي (5607)، وابن ماجه (3394) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بنحوه. وأخرجه أحمد (14703)، وأبو داود (3673)، والترمذي (1865)، وابن ماجه (3393)، وغيرهم من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - بلفظ: (ما أسكر كثيره فالفرق منه حرام). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث جابر. وله شواهد من حديث ابن عمر، وعائشة ــ السالف ــ، وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهم -. انظر «البدر المنير»: (8/ 701 - 705)، و «نصب الراية»: «4/ 301). (3) الأصل: «الحافظ»! وفي (ف، ي، ز، ب): و «صححته». (4) علق في هامش (ي): (الخبال وزنه سحاب، قاله المجد في «قاموسه». تمت). (5) (2002).

(الكتاب/146)


مسكر حرام» رواه أبو داود (1). والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومستفيضة، جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ــ بما أوتيه من جوامع الكلم ــ كلَّ ما غطى العقل وأسكر، ولم يفرق بين نوع ونوع، ولا تأثير لكونه مأكولًا أو مشروبًا، على أن الخمر قد يُصْطَبَغ (2) بها، وهذه الحشيشة قد تُذاب (3) في الماء وتُشرب، فالخمر يُشرب ويُؤكل، والحشيشة تؤكل وتشرب (4)، وكل ذلك حرام. وإنما لم يتكلم المتقدِّمون في خصوصها؛ لأنه إنما حدث أكلُها من قريب في أواخر المئة السادسة أو قريبًا من ذلك، كما أنه قد أُحْدِثت أشْرِبة مُسكرة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلها داخلة في الكلم الجوامع من الكتاب والسنة. فصل (5) من الحدود التي جاء بها الكتاب والسنة وأجمع عليها المسلمون: حد القذف (6)، فإذا قذف الرجل محصنًا بالزنا أو اللواط، وجبَ عليه الحدُّ ثمانون جلدة. والمحصن هنا هو: الحرّ العفيف، وفي باب حدِّ الزنا: الذي وطئ وطءًا كاملًا في نكاح تامّ. _________ (1) (3680). ومن طريقه البيهقي: (8/ 288). (2) أي: يؤتدم بها. (3) (ف): «تراق». (4) «فالخمر يُشرَب ويُؤكل، والحشيشة: تؤكل وتشرب» سقط من (ي). (5) هذا الفصل ليس في (ف، ظ، ب، ل). (6) انظر: «الإجماع» (ص 70) لابن المنذر.

(الكتاب/147)


فصل وأما المعاصي التي ليس فيها حدٌّ مقدَّر ولا كفارة (1)، كالذي يُقَبِّل الصبيَّ والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق (2) من غير حرز، أو (3) شيئًا يسيرًا، أو يخون أمانته، كولاة أموال بيت المال، والوقوف، ومال اليتيم، ونحو ذلك إذا خانوا فيها. وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو يغش في معاملته كالذين يغشون (4) في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفِّف الكيل (5) والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقن شهادة الزور (6)، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزَّى بعزاء الجاهلية، كقوله: يالقيس ياليمن (7)، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من أنواع المحرمات= فهؤلاء يعاقَبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرةِ ذلك الذنب في الناس وقِلَّتِه، فإذا كان كثيرًا زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلًا. _________ (1) ما فيه حد تقدم بعضه، وما فيه الكفارة كالجماع في نهار رمضان، ووطء الحائض. (2) الأصل: «السرق»! (3) كذا في جميع الأصول، وفي المطبوع: «ولو». وما في الأصول أصح، والمعنى: أو شيئًا يسيرًا لم يبلغ النصاب من حرز. (4) (ي): «كالذي يغش». (5) بقية النسخ: «المكيال». (6) «أو يلقن شهادة الزور» سقطت من (ي). (7) «كقوله: يالقيس ياليمن» من الأصل. والجملة بعدها ساقطة من (ي).

(الكتاب/148)


وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور زِيدَ في عُقوبته بخلاف المُقِلِّ من ذلك. وعلى حسب كبر الذنب وصغره، فيُعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم ما لا يُعاقَب (1) من لم يتعرَّض إلا لامرأة واحدة أو صبي واحد (2). وليس لأقلِّ التعزير حدٌّ، بل هو بكل ما (3) فيه إيلام للإنسان من قول وفعل، وتَرْك قولٍ وتَركِ فعل، فقد يُعَزَّر الرجلُ بوعظه وتوبيخه والإغلاظ له، وقد يُعَزَّر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إن كان ذلك هو المصلحة، كما هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه الثلاثةَ الذين خُلِّفوا (4)، وقد يُعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه يُعَزِّرون بذلك، وقد يُعَزَّر بترك استخدامه في جند المسلمين [أ/ق 46] كالجندي المقاتل إذا فرَّ عن الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر، وقَطْعُ خبزِه نوعُ تعزيرٍ له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يُستَعْظم فعزلُه عن الإمارة تعزيرٌ له (5). وقد يُعَزَّر بالحبس، وقد يُعزر بالضرب، وقد يُعزر بتسويد وجهه وإركابه على دابةٍ مقلوبًا، كما قد رُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أمر _________ (1) (ي): «ما يعاقبه»، (ف، ز، ب): «ما لا يعاقبه». (2) (ظ، ب): «للمرأة الواحدة» و (ظ) فقط: «أو للصبي الواحد». (3) (ي): «بفعل ما». (4) (ي): «أصحابه ... تخلفوا يعزرون بذلك». «وأصحابه» ليست في (ف). (5) قوله: «وكذلك ... » إلى هنا ساقط من (ي).

(الكتاب/149)


بذلك (1) في شاهد الزور (2)؛ فإن الكاذب أسودُ الوجه فيسَوَّد (3) وجهُه، وقَلَبَ الحديث فقُلِبَ ركوبُه. وأما أعلاه؛ فقد قيل: لا يُزاد على عشرة أسواط، وقال كثير من العلماء: لا يبلغ به الحدود. ثم هم على قولين؛ منهم من يقول: لا يبلغ به أدنى الحدود؛ لا يبلغ بالحُرِّ أدنى حدود الحر، وهي الأربعون أو الثمانون، ولا يبلغ بالعبد أدنى حدود العبد، وهي العشرون أو الأربعون. وقيل: بل لا يبلغ بكلٍّ منهما حدّ العبد. ومنهم من يقول: لا يبلغ بكلِّ ذنبٍ حدَّ جنسه وإن زاد على حدِّ جنسٍ آخر، فلا يبلغ بآخِذ المال (4) من غير حرز قطع اليد، وإن ضُرِب أكثر من حدِّ القاذف، ولا نفعل (5) بمن فعل ما دون الزنا حدَّ الزاني وإن زاد على حد القاذف (6). كما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أن رجلًا نقش على خاتمه، وأخذ بذلك من بيت المال، فأمر به فضُرب مئة، ثم ضربه في اليوم الثاني مئة، _________ (1) (ظ، ل): «بمثل ذلك». (2) أخرج نحوه عبد الرزاق في «المصنف»: (8/ 326 - 327)، وابن أبي شيبة: (5/ 532). (3) بقية النسخ: «فسود». (4) بقية النسخ: «يبلغ بالسارق». (5) بقية النسخ: «ولا يبلغ». (6) «وإن زاد على حد القاذف» سقط من (ز).

(الكتاب/150)


ثم ضربه في اليوم الثالث مئة (1). وروي عن الخلفاء الراشدين في (2) رجل وامرأة وُجِدا في لحاف: يُضربان مئة (3). ورُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يأتي جارية امرأته: «إن كانت أحلتها له: جلد مئة، وإن لم تكن أحلتها له: رُجِم» (4). وهذا القول أظهر الأقوال (5)، وهذه الأقوال في مذهب أحمد وغيره، _________ (1) ذكره في «المغني»: (12/ 525)، وابن بطال في «شرح البخاري»: (8/ 486) نقلًا عن ابن القصار بصيغة التمريض، وصاحب القصة مع عمر هو معن بن زائدة. لكنَّ معنًا توفي سنة (151) فكيف أدرك عمر؟ ! (2) الأصل: «وفي». (3) روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - أخرجه عبد الرزاق: (7/ 401)، وابن أبي شيبة: (5/ 496). وأخرج أحمد (22780) عن الحسن البصري ــ شك في رفعه ــ نحوه. (4) أخرجه أحمد (18425)، وأبو داود (4458)، والترمذي (1451)، والنسائي (3361)، وابن ماجه (2551)، والبيهقي: (8/ 239)، وغيرهم من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما -. قال الترمذي: حديث النعمان في إسناده اضطراب، سمعت محمدًا ــ أي البخاري ــ يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث إنما رواه عن خالد بن عرفطة. ونقل عنه أيضًا أنه قال: أنا أنفي هذا الحديث. «العلل الكبير»: (2/ 615). وقال النسائي في «السنن الكبرى»: (6/ 448) بعد أن ساق عدة أحاديث في الباب: ليس في هذا الباب شيء صحيح يحتج به. (5) هذه الجملة من الأصل.

(الكتاب/151)


والقولان الآخران (1) في مذهب الشافعي - رضي الله عنه - وغيره. وأما مالك وغيره فحُكِي عنه: أن من الجرائم ما يبلغ به القتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا جسَّ (2) للعدو على المسلمين، فإن أحمد توقف في (3) قتله، وجوَّز مالكٌ وبعضُ الحنبلية كابن عقيل قتلَه، ومَنَعَه أبو حنيفة والشافعي وبعضُ الحنبلية كالقاضي أبي يعلى (4). وجوَّز طائفةٌ من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتلَ الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من المالكية (5)، قالوا: إنما جوَّز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة (6). وكذلك قد قيل في قتل الساحر، فإنَّ أكثر العلماء على أنه يُقتل، وقد روى (7) الترمذي عن جندب موقوفًا ومرفوعًا أن: «حدُّ الساحر ضربة بالسيف» (8). _________ (1) بقية النسخ: «الأولان». (2) بقية النسخ: «تجسس». (3) الأصل: «من». (4) انظر «المغني»: (12/ 523 - 525). (5) بقية النسخ عدا ف: «أصحاب مالك». وانظر كلام مالك في قتل القدرية في «تهذيب المدونة»: (2/ 77)، و «التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل»: (8/ 368). (6) في بعض النسخ زيادة: «وكذلك قيل: المقدورُ عليه من أهل الأهواء كالخوارج والرَّوافض والقدريَّة في إحدى الرِّوايتين عن أحمد، وفي الرِّواية الَّتي لا تُكَفِّرهم إنَّما هو لأَجل الفساد في الأرض لا لأجل الكفر». (7) بقية النسخ: «رُوي» وبعد الحديث: «رواه الترمذي». (8) أخرجه الترمذي (1460)، والطبراني في «الكبير» (1666)، والدارقطني: (3/ 114)، والحاكم: (4/ 360)، والبيهقي: (8/ 136)، كلهم من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه -. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث ... والصحيح عن جندب موقوف. اهـ وقال في «العلل الكبير»: (2/ 624): سألت محمدًا ــ يعني البخاري ــ عن هذا الحديث فقال: هو لا شيء، وإنما رواه إسماعيل بن مسلم، وضعف إسماعيل بن مسلم المكي جدًّا. اهـ.

(الكتاب/152)


وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - قتله، قال بعضهم (1): لأجل الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض، لكنَّ جمهور هؤلاء يرون قتله حدًّا (2). وكذلك أبو حنيفة يُعَزِّر بالقتل فيما تكرر من الجرائم، إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يُقْتل من تكرر منه التلوُّط، أو اغتيال النفوس لأخذ (3) المال، ونحو ذلك. وقد يُستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يُقتل بما رواه مسلم في «صحيحه» (4) عن عرفجة الأشجعي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من أتاكم وأمرُكم على رجلٍ واحدٍ يريد أن يشقَّ عصاكم ويُفرِّق جماعتكم [أ/ق 47] فاقتلوه». وفي رواية: «ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن _________ (1) (ف): «فقال بعض الفقهاء»، (ي، ز، ظ، ل): «الفقهاء»، (ب): «العلماء». (2) الجملة الأخيرة ليست في (ف، ظ). وانظر بعض آثار السلف في قتل الساحر في «مصنف عبدالرزاق»: (10/ 180 - 184)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (5/ 561 - 562). (3) (ي): «لأجل». (4) (1852).

(الكتاب/153)


يفرِّق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا مَن كان» (1). وكذلك قد يقال في أمره بقتل شارب الخمر في الرابعة؛ بدليل ما رواه أحمد في «المسند» عن ديلم الحِمْيَري قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إنا بأرضٍ نعالج بها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من القمح نتقوَّى به على أعمالنا وعلى بَرْد بلادنا، فقال: «هل يُسْكِر؟» قلت: نعم، قال: «فاجتنبوه»، قلت: إن الناس غير تاركيه، قال: «فإن لم يتركوه فاقتلوهم» (2). وهذا لأن المُفسد كالصائل، فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قُتِل. وجِماع ذلك أن العقوبة نوعان: أحدهما: على ذنب ماضٍ جزاء بما كسب نكالًا من الله؛ كجلد الشارب والقاذف (3)، وقطع المحارب والسارق، وكذلك تعزير من سرق دون النصاب من غير حرز، وتعزير الخائن ومُزَوِّر الشهادة والعلامة ونحو ذلك (4). والثاني: العقوبة لتأدية حق واجب أو ترك محرم في المستقبل، كما يُستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب وإلا قُتِل، وكما يُعاقَب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤديها، فالتعزير في هذا الضرب أمْثَل (5) منه _________ (1) (1852/ 59). (2) أخرجه أحمد (18034)، وأبو داود (3683)، والبيهقي: (8/ 292). وغيرهم، وسند أحمد صحيح، انظر تخريج «المسند»: (29/ 568). (3) (ي، ز): «كحد الشرب والقذف». (4) من قوله: «وكذلك تعزير ... » إلى هنا من الأصل فقط. (5) بقية النسخ: «أشد».

(الكتاب/154)


في الضرب الأول؛ ولهذا يجوز أن يُضرَب هذا مرةً بعد مرة حتى يؤدي الصلاة الواجبة عليه (1). والحديث الذي في «الصحيحين» (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يُجلَد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» قد فسَّره طائفةٌ من أهل العلم بأن المراد بـ «حدود الله» بما حُرِّم لحق الله، فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يُراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]، ويقال في الثاني: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]، وأما تسمية العقوبة المُقَدَّرة (3) حدًّا فهو عُرفٌ حادث (4). ومراد الحديث: أن من ضرب لحقِّ (5) نفسه، كضَرْبِ الرجل امرأتَه في النشوز لا يزيدُ على عشر جلدات (6). _________ (1) (ي، ز): «حتى يؤدي الواجب عليه»، (ف، ظ، ب، ل): «حتى يؤدي الصلاة الواجبة أو يؤدي الواجب عليه». (2) البخاري (6848)، ومسلم (1708) من حديث أبي بردة الأنصاري - رضي الله عنه -. (3) (ز): «المعزرة». (4) وقد انتصر لهذا القول ابن القيم كما في «أعلام الموقعين»: (2/ 304 - 305)، وناقشه ابن دقيق العيد كما في «فتح الباري»: (12/ 185)، وانظر «جامع العلوم والحكم»: (2/ 162 - 163)، و «الحدود والتعزيرات عند ابن القيم» (ص 24 - 26) لشيخنا بكر أبو زيد. (5) (ي، ز): «بحق». (6) من قوله: «والحديث الذي في ... » إلى هنا ليس في (ف، ظ، ب، ل).

(الكتاب/155)


فصل والجلد الذي جاءت به الشريعة: هو الجلد المعتدل بالسوط (1)، فإن خيار الأمور أوسطها، قال علي - رضي الله عنه -: ضَربٌ بين ضَرْبَين، وسَوطٌ بين سَوطَين (2). ولا يكون الجلد بالعِصي ولا المقارع، ولا يُكْتفى فيه بالدِّرَّة، بل (3) الدِّرَّة تُستعمل في التعزير. أما الحدود فلابد فيها من الجلد بالسوط، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يؤدِّب بالدِّرَّة فإذا جاءت الحدود دعا بالسوط. ولا تجرَّد ثيابه كلها، بل يُنزع عنه ما يمنع ألم الضرب من الحشايا والفراء ونحو ذلك، ولا يُربط إذا لم يحتج إلى ذلك، ولا يضرب وجهُه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه» (4). ولا يضرب مَقاتِلَه فإن المقصود تأديُبه لا قتلُه. ويُعطَى كلُّ عضوٍ حقَّه (5) من الضرب؛ كالظهر _________ (1) (ف) زيادة: «الوسط». (2) قال الحافظ في «التلخيص»: (4/ 86): لم أره عنه هكذا. لكن أخرج عبد الرزاق: (7/ 369 - 370)، والبيهقي: (8/ 326) عن أبي عثمان النهدي قال: أُتيَ عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - برجل في حد، فأتي بسوط فيه شدة، فقال: أريد ألين من هذا، ثم أتي بسوط فيه لين، فقال: أريد أشد من هذا، فأتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب ... (3) (ي): «فإن». (4) أخرجه البخاري (2560)، ومسلم (2612) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (5) بقية النسخ: «حظه».

(الكتاب/156)


والأكتاف والفخذين ونحو ذلك. فصل العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان: أحدهما: عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد، كما تقدم. والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة [أ/ق 49] كالتي لا يُقدَر عليها إلا بقتال. فأصل هذا هو جهاد الكفار أعداء دين الله (1) ورسوله، فكلّ مَن بلَغَتْه (2) دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى دين الله الذي بعثه به، فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله، حتى لا تكون فتنة ويكون (3) الدين كله لله. وكان الله ــ لما بعث نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأمره بدعوة الخلق إلى دينه ــ لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة فأذن له وللمسلمين بقوله سبحانه وتعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 39 - 41]. ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله سبحانه وتعالى: {كُتِبَ _________ (1) (ف): «أعداء الله». (2) (ي): «تبلغه». (3) (ز): «وحتى يكون».

(الكتاب/157)


عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]. ووكَّد الإيجابَ وعظَّم أمرَ الجهاد في عامة السور المدنية، وذمَّ التاركين له ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]، وقال سبحانه وتعالى: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا} [محمد: 20 - 21]، وهذا كثير في القرآن. وكذلك تعظيمه وتعظيم أهله كقوله (1): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 10 - 13]، وكقوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ _________ (1) بقية النسخ: «كسورة ــ (ب، ل: في سورة) ــ الصف التي يقول فيها».

(الكتاب/158)


وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 19 - 22]، وقوله: {آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ (1)} [المائدة: 54]، وقال سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120 - 121]. فذكر ما يولده عن (2) أعمالهم وما يباشرونه من الأعمال. والأمرُ (3) بالجهاد وذِكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تُحْصر؛ ولهذا كان أفضلَ ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحجِّ والعمرة، ومن الصلاة التطوع والصوم التطوع، كما دل عليه الكتاب والسنة، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذِروةُ سنامه الجهاد» (4). _________ (1) وقع في الأصل و (ب، ي، ظ): «والله ذو الفضل العظيم» وهو سبق قلم. (2) كذا في الأصل و (ز، ل)، و (ي): «تولده أعمالهم»، و (ب): «يؤكده من»، و (ف، ظ): «يولده من». (3) الأصل: «بالأمر». (4) تقدم تخريجه (ص 98).

(الكتاب/159)


وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ في الجنة لمئةِ درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدّها الله للمجاهدين في سبيله» متفق عليه (1). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النار» رواه البخاري (2). وقال: «رباطُ يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجْري عليه رِزقُه، وأمِنَ الفتَّان» رواه مسلم (3). وفي «السنن»: «رِباطُ يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (4). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «عينانِ لا تمسهما النار: عينٌ بكَت مِن خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله» (5). قال الترمذي: حديث حسن. وفي «مسند أحمد» (6): «حرَس ليلةٍ في سبيل الله أفضلُ من ألف ليلة يُقام _________ (1) تقدم تخريجه (ص 98). (2) (907) من حديث أبي عبس عبد الرحمن بن جبر - رضي الله عنه -. (3) (1913) من حديث سلمان - رضي الله عنه -. (4) أخرجه أحمد (470)، والترمذي (1656)، والنسائي (3167) وغيرهم من طرق عن زُهْرة بن معبد عن أبي صالح مولى عثمان عن عثمان بن عفان به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. (5) أخرجه الترمذي (1639)، وابن أبي عاصم في «الجهاد» (146) وغيرهما من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -. والحديث حسَّنه الترمذي، وله شاهد من حديث أنس، وأبي ريحانة، وعثمان بن عفان - رضي الله عنهم -. (6) (433)، وأخرجه ابن ماجه (2766)، وابن أبي عاصم في «الجهاد» (150، 151)، والطبراني في «الكبير» (145)، والحاكم: (2/ 81)، وغيرهم من حديث عثمان - رضي الله عنه -. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقد اختلف في إرساله ورفعه، ورجح الدارقطني في «العلل»: (3/ 36) أن الإرسال هو المحفوظ.

(الكتاب/160)


ليلُها ويُصام نهارُها». وفي «الصحيحين» (1): أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بشيء يعدل الجهاد في سبيل الله، قال: «لا تستطيعه»، قال: فأخْبِرني به، قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر وتقوم لا تفتر؟ » قال: لا، [قال]: «فذلك الذي يعدل (2) الجهاد». وفي «السنن»: أنه قال: «إن لكلِّ أمة سياحة وسياحةُ أمتي الجهاد في سبيل الله» (3). وهذا الباب واسعٌ لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وهو ظاهر عند الاعتبار؛ فإن نَفْع الجهاد عامٌ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ويشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه يشتمل على ما يحبه (4) الله عز وجل، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال _________ (1) تقدم تخريجه (ص 97). (2) الأصل: «لا يعدل»! (3) أخرجه أبو داود (2486)، والطبراني في «الكبير» (7708)، والحاكم: (2/ 73)، والبيهقي: (9/ 161) من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه -. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال النووي: إسناده جيد. انظر «رياض الصالحين» (ص 381)، وضعفه العراقي في «تخريج الإحياء»: (1/ 216 - 217). (4) (ف، ي، ز، ط): «مشتمل من محبة»، (ب، ل): «مشتمل على محبة».

(الكتاب/161)


له، والصبر والزهد، وذِكر الله سبحانه وتعالى، وسائر أنواع الأعمال= على ما لا يشتمل عليه عمل آخر. والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا، إما النصر والظَّفَر، وإما الشهادة والجنة. ثم إن الخلق لابد لهم من محيا وممات، ففيه يستعمل محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما، فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين والدنيا مع قلة منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما (1) من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت [أ/ق 51] فموت الشهيد أيسر من كل مِيْتة، وهي أفضل الميتات (2). وإذا كان أصلُ القتال المشروع ــ وهو الجهاد ــ ومقصودُه: هو أن يكون الدينُ كلُّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمَن منع هذا قُوتِل باتفاق المسلمين. وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة؛ كالنساء والصبيان، والراهب والشيخ الكبير، والأعمى والزَّمِن ونحوهم؛ فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يُقاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع بمجرَّد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالًا للمسلمين، والأول (3) هو الصواب، فإن (4) القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال _________ (1) (ي، ظ): «فيها». (2) (ظ، ل): «خير»، (ب): «أيسر». (ف): «المنيات». (3) (ي) زاد: «أصح ... ». (4) بقية النسخ: «لأن».

(الكتاب/162)


سبحانه وتعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]. وفي «السنن» (1) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه مَرَّ على امرأة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل»، وقال لأحدهم: «الْحَق خالدًا فقل له: لا تقتلوا ذريةً ولا عسيفًا» يعني أجيرًا (2). وفيها عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا (3)، ولا امرأة» (4). وذلك أن الله تعالى أباح مِن قَتْل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال سبحانه وتعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217]، أي: أن القتل وإن كان فيه شرٌّ وفساد، ففي فتنة الكفار من الشرِّ والفساد ما هو أكبر منه. _________ (1) أخرجه أحمد (15992)، وأبو داود (2669)، والنسائي في «الكبرى» (8572)، وابن ماجه (2842)، وابن حبان (4789)، والحاكم: (2/ 122)، والبيهقي: (9/ 91) وغيرهم من حديث رباح بن الربيع. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقد اختلف فيه على المرقع بن صيفي، فقيل: عن جده رباح، وقيل: عن حنظلة بن الربيع، وذكر البخاري وأبو حاتم (العلل 914) أن الأول أصح. (2) (ظ، ب): «والعسيف: الأجير» العبارة ليست في (ف، ي، ز، ل). (3) (ي، ل): «ولا صغيرًا». (4) أخرجه ابن أبي شيبة: (6/ 483)، وأبو داود (2614)، ومن طريقه البيهقي: (9/ 90) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -. وفيه خالد بن الفَزْر، قال ابن معين: ليس بذاك.

(الكتاب/163)


فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله، لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه (1)، ولهذا قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة يُعاقَب بما لا يُعاقَب به الساكت. وجاء في الحديث: «إن الخطيئة إذا أُخفيت (2) لم تضرَّ إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تُنكر ضرَّت العامة» (3). ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قَتْل المقدور عليه (4) منهم، بل إذا أُسِر الرجلُ [منهم] (5) في القتال أو غير القتال، مثل أن تُلقيه السفينةُ إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل به (6) الإمامُ الأصلح؛ من قتله، أو استعباده، أو المنِّ عليه، أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة. وإن كان من الفقهاء مَن يرى المنَّ عليه ومفاداته منسوخًا. فأما أهل الكتاب والمجوس فيُقاتَلون حتى يسلموا أو يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. ومن سواهم؛ فقد اختلف الفقهاء في أخذ الجزية منهم، إلا أن عامَّتهم لا يأخذونها من العرب. وأيُّما طائفة ممتنعة انتسبت إلى الإسلام، وامتنعت من بعض شرائعه _________ (1) (ي): «إلا عليه». (2) (ي، ظ، ب، ل): «خفيت». (3) تقدم تخريجه (ص 96). (4) (ظ، ب، ل): «قتال .. »، (ف): «قتال .. عليهم». (5) من بقية النسخ. (6) بقية النسخ: «فيه».

(الكتاب/164)


الظاهرة المتواترة؛ فإنه يجب جهادُها باتفاق المسلمين، حتى يكون الدين كلُّه لله، كما قاتل أبو بكر الصديق وسائر الصحابة - رضي الله عنهم - مانعي الزكاة، وقد كان قد توقف في قتالهم بعضُ الصحابة ثم اتفقوا، حتى قال عمر بن الخطاب لأبي بكر - رضي الله عنهما -: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس [أ/ق 52] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالَهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله»؟ فقال له أبو بكر - رضي الله عنه -: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها. قال عمر (1): فما هو إلا أن رأيتُ قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعلمتُ أنه الحق (2). وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة أنه أمر بقتال الخوارج، وفي «الصحيحين» (3) عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان حِداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة». وفي رواية لمسلم (4) عن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - _________ (1) من قوله: «القتال، مثل أن تُلْقيه السفينة إلينا ... » إلى هنا ساقط من (ب). (2) أخرجه البخاري (1399)، ومسلم (20) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. وانظر ما سبق في الطائفة الممتنعة (ص 96) وما سيأتي (ص 163 - 164). (3) البخاري (3611)، ومسلم (1066). (4) (1066/ 156).

(الكتاب/165)


يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم (1) بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبونه أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوزُ صلاتُهم (2) تراقِيَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّة، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضِي لهم على لسان نبيهم، لنكلوا عن العمل». وعن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» متفق عليه (3). وفي رواية لمسلم (4): «تكون أمتي فرقتين، فتخرج من بينهما مارِقةٌ تلي قتلَهم أولاهما بالحق». فهؤلاء الذين قتلهم أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - لما خرجت (5) الفُرقة بين أهل العراق والشام، وكانوا يسمون: الحرورية= بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن كلا الطائفتين المفترقتين من أمته، وأن أصحاب علي أولى بالحق، ولم يحرِّض إلا على قتال أولئك المارقين (6) الذين خرجوا من الإسلام، وفارقوا الجماعة، واستحلّوا دماءَ مَن سواهم من المسلمين وأموالهم. وثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يُقاتَل من خرج عن شريعة الإسلام وإن تكلم بالشهادتين. _________ (1) (ظ، ي): «قراؤكم إلى قرائهم»، (ب): «قرائتهم إلى قراءتكم» وهكذا ما بعدها. (2) (ف، ظ، ب): «قراءتهم»، وسقطت من (ل). (3) البخاري (3344)، ومسلم (1064/ 143). (4) (1065/ 151). (5) في سائر النسخ: «حصلت». (6) الأصل: «المارقون» والمثبت من النسخ.

(الكتاب/166)


وقد اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة، لو تركت السنة الراتبة كركعتي الفجر هل يجوز قتالها؟ على قولين. فأما الواجبات والمحرمات الظاهرة المستفيضة، فيُقاتَل عليها بالاتفاق، حتى يلتزموا أن يقيموا الصلوات المكتوبات (1)، ويؤدوا الزكاة، ويصوموا شهر رمضان، ويحجوا البيت، ويلتزموا ترك المحرمات؛ من نكاح المحرمات (2)، وأكل الخبائث، والاعتداء على المسلمين في النفوس والأموال، ونحو ذلك. وقتال هؤلاء واجب ابتداءً بعد بلوغ دعوة النبي [أ/ق 53]- صلى الله عليه وسلم - إليهم بما يُقاتَلون عليه، فأما إذا بدؤوا المسلمين فيتأكد قتالهم، كما ذكرناه في قتال الممتنعين من المعتدين قطاع الطريق وأبلغ (3). الجهاد (4) الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع، كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم= يجب ابتداءً ودفعًا؛ فإذا كان ابتداء فهو فرض على الكفاية إذا قام به من يكفيه سقط الفرض عن الباقين، وكان الفضل لمن قام به، كما قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (5) [النساء: 95]. _________ (1) (ظ، ب، ل) زيادة: «الظاهرة». (2) «من نكاح المحرمات» ليست في (ز، ب). (3) انظر ما سبق (ص 99 وما بعدها). (4) (ف، ظ، ز، ب، ل): «والجهاد». (5) الآية بتمامها في (ظ، ب).

(الكتاب/167)


فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين، فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72]، وكما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن. وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة، والمشي والركوب، كما كان المسلمون (1) لما قَصَدَهم العدوُّ عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحدٍ، كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذمَّ الذين يستأذون النبي - صلى الله عليه وسلم -: {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13]. فهذا دَفْعٌ عن الدين والحُرمة والأنفس، وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه لإرهاب (2) العدوّ، كغزاة تبوك ونحوها، فهذا النوع من العقوبة هو للطوائف (3) الممتنعة. فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم، فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس، وغيرها من أداء الأمانات والوفاء بالعهود في المعاملات وغير ذلك. فمن كان لا يصلي من جميع الناس: رجالهم ونسائهم، فإنه يؤمر _________ (1) (ي): «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون». (2) (ف، ي، ز، ظ): «ولإرهاب»، (ب): «وإرهاب». (3) (ز): «للطرائق».

(الكتاب/168)


بالصلاة، فإن امتنع عُوقِب حتى يصلي بإجماع العلماء. وأكثرهم (1) يوجبون قتله إذا لم يصل، فيُستتاب فإن صلى وإلا قُتِل. وهل يُقتل كافرًا أو مرتدًا أو فاسقًا؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره، والمنقول عن أكثر السلف يقتضي كفره، وهذا مع الإقرار بالوجوب، فأما من جَحَدَ (2) الوجوب فهو كافر بالاتفاق. بل يجب على الأولياء أن يأمروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضربوه عليها لعشر، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مُروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على (3) تركها لعشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» (4). وكذلك ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارة الواجبة ونحوها. _________ (1) بقية النسخ: «ثم إن أكثرهم». (2) (ز، ل): «مع». (ف): «مع جحود». (3) بقية النسخ: «عليها». (4) أخرجه أبو داود (495)، والترمذي (407)، وابن خزيمة (1002)، والدارقطني: (3/ 230)، والحاكم: (1/ 258)، والبيهقي في «الكبرى»: (2/ 14) من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال عبد الحق في «الوسطى»: هذا الحديث أصح ما في الباب. وصححه ابن الملقن، لكن عبد الملك ضعفه ابن معين وابن حبان وغيرهما، ووثقه العجلي وأخرج له مسلم متابعةً. والحديث أخرجه أبو داود (496)، والحاكم: (1/ 197) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. انظر «الإمام»: (3/ 535) لابن دقيق العيد، و «البدر المنير»: (3/ 238) لابن الملقن.

(الكتاب/169)


ومن تمام ذلك: تعاهُد مساجد المسلمين وأئمتهم، وأمرهم بأن يصلوا بهم صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري (1). وصلى مرة بأصحابه على طرف المنبر فقال: «إنما فعلت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي» (2). وعلى إمام الناس في الصلاة وغيرها أن ينظر لهم، فلا يُفَوِّتهم ما يتعلق بفعله من كمال دينهم، بل على إمام الصلاة أن يصلي بهم صلاة كاملة، ولا يقتصر على ما يجوز لمنفردٍ [أ/ق 54] الاقتصارُ (3) عليه من قدر الإجزاء إلا لعذر. وكذلك على إمامهم في الحج، وكذلك أميرهم في الحرب. ألا ترى أن الوكيل والوليَّ في البيع والشراء عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله، وهو في مالِ نفسِه يفوِّت نفسَه ما شاء، فأمرُ الدين أهمّ، وقد ذكر الفقهاء هذا المعنى. ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس؛ صلح للطائفتين دينُهم ودنياهم، وإلا اضطربت الأمور عليهم. ومِلاك ذلك كله: حسن النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه. فإن الإخلاصَ والتوكلَ جِماعُ (4) صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ _________ (1) (631) من حديث مالك بن الحويرث - رضي الله عنه -. وهو في مسلم (674) بدون هذا اللفظ. (2) أخرجه البخاري (917)، ومسلم (544) من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه -. (3) سقطت من (ظ). (4) الأصل: «جماع في».

(الكتاب/170)


نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، فإن هاتين الكلمتين قد قيل: إنهما (1) تجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مرةً في بعض مغازيه فقال: «يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين» فجعلت الرؤوس تندر (2) عن كواهلها (3). وقد ذكر ذلك في غير موضع من كتابه كقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} (4) [هود: 123]، وقوله تعالى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذبح أضحيته يقول: «اللهم منك ولك» (5). _________ (1) (ظ، ب): «فقد قيل إن هاتين الكلمتين يجمعان». (2) الأصل: «تبدر». (3) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (8159)، و «الدعاء» (1033)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (334) من حديث أنس عن أبي طلحة ولفظه: «قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاة فلقي العدو فسمعته يقول: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، قال: فلقد رأيت الرجال تُصرَع تضربها الملائكة من بين يديها ومن خلفها». قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي طلحة إلا بهذا الإسناد تفرد به أبو الربيع، وسمعت موسى بن هارون يقول: سألت عثمان بن طالوت عن حنبل فقال: زعموا أنه رجل من بني قريع، وسألته عن عبد السلام بن هاشم فقال: شيخ بصري، فقلت له: كان ثقة؟ قال: ما أعلم إلا خيرًا. اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع»: (5/ 592): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد السلام بن هاشم وهو ضعيف. واللفظ الذي ساقه المؤلف لم أجده، وقد ساقه المؤلف باللفظ الذي ذكرناه في كتابه «الكلم الطيب» (ص 30). (4) سقطت الآية من (ز). (5) أخرجه أحمد (15022)، وأبو داود (2795)، وابن ماجه (3121)، والدارمي (1989)، وابن خزيمة (2899)، والحاكم: (1/ 467)، والبيهقي: (9/ 287) وغيرهم من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -. والحديث صححه ابن خزيمة، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وصححه الألباني في «الإرواء» (1152).

(الكتاب/171)


وأعظمُ عونٍ لولي الأمر خاصة ولغيره عامة ثلاثة أمور: أحدها: الإخلاص (1) لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره، وأصلُ ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن. والثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة. والثالث: الصبر على أذى (2) الخلق وغيره من النوائب؛ ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرًا، كقوله في موضعَين: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45، 153]، وكقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 114 - 115]، وقوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130]، وكذلك في سورة ق: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39]، وقال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 97 - 98]. وأما قِرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدًّا، فالقيام (3) بالصلاة _________ (1) (ظ، ب): «إخلاص العمل». (2) (ف، ظ، ب، ل): «الأذى من». (3) (ف، ي، ز، ظ، ل): «فبالقيام».

(الكتاب/172)


والزكاة والصبر يُصْلِح حالَ الراعي والرعية، إذا عرف الإنسانُ ما دخل (1) في هذه الأسماء الجامعة، مثلما يدخل في اسم (2) الصلاة؛ من ذكر الله تعالى، ودعائه، وتلاوة كتابه، وإخلاص الدين له، والتوكل عليه. وفي الزكاة؛ الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع، من نصر المظلوم، وإغاثة (3) الملهوف، وقضاء حاجة المحتاج. ففي «الصحيحين» (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كلُّ معروفٍ صدقة». ويدخل فيه كل إحسان ولو ببسط الوجه والكلمة الطيبة، ففي «الصحيحين» (5) عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربُّه ليس بينه وبينَه حاجب ولا ترجمان، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا شيئًا قدَّمَه، وينظر أشأم [أ/ق 55] منه فلا يرى إلا شيئًا قدَّمَه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشقِّ تمرة فليفعل، فإن لم يستطع (6) فبكلمة طيبة». وفي «السنن» قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك _________ (1) بقية النسخ: «يدخل». (2) من الأصل. (3) (ز، ل): «وإعانة». (4) البخاري (6021) من حديث جابر بن عبد الله، ومسلم (1005) من حديث حذيفة - رضي الله عنهما -. ووقع في (ي): «الصحيح». (5) البخاري (1413)، ومسلم (1016). (6) بقية النسخ: «يجد».

(الكتاب/173)


ووجهك إليه مُنْبَسط، ولو أن تُفْرغ من دلوك في إناء المُسْتسقي (1)» (2). وقال (3) - صلى الله عليه وسلم -: «إن أثقل (4) ما يوضع في الميزان الخُلُق الحَسَن» (5). ورُوي عنه أنه قال [لأم] (6) سلمة: «يا أم سلمة ذهبَ حُسْن الخلق بخير الدنيا والآخرة» (7). وفي الصبر: احتمال الأذى، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، ومخالفة _________ (1) (ي، ل): «المستقي». (2) أخرجه أحمد (20632، 20633)، والنسائي في «الكبرى» (9611 وغيره)، وأبو داود الطيالسي (1304)، والبخاري في «الأدب المفرد» (1182)، وابن حبان (521، 522)، وغيرهم من حديث جابر بن سليم الهُجَيمي أبو جُرَي - رضي الله عنه - به. بلفظ أتم وسياقات متعددة. وهو حديث صحيح. (3) بقية النسخ: «وفي السنن عن ... ». (4) (ب، ظ): «أفضل». وهو كذلك في رواية لأحمد. (5) أخرجه أحمد (27496)، وأبو داود (4799)، والترمذي (2002)، والبخاري في «الأدب المفرد» (270)، وابن حبان (481)، وغيرهم من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حسن صحيح. وانظر في الكلام على اختلاف أسانيده «علل الدارقطني»: (6/ 221 - 223). (6) سقطت من الأصل. (7) أخرجه الطبراني في «الكبير»: (23/رقم 870)، و «الأوسط» (3165) من حديث أم سلمة - رضي الله عنها -. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (7/ 119): وفيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي. وقد روي من حديث أم حبيبة أخرجه عبد بن حُمَيد «المنتخب» (1212)، والعقيلي في «الضعفاء»: (2/ 171)، وابن عدي في «الكامل»: (5/ 348)، وغيرهم، قال ابن عدي: منكر. وفي سنده سنان بن هارون البرجمي قال العقيلي: حديثه غير محفوظ.

(الكتاب/174)


الهوى، وترك الأشَرِ والبَطَر، فإنَّ الصبرَ على السرَّاء أشد من الصبر على الضرَّاء (1)، كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 9 - 11]، وقال لنبيه (2) - صلى الله عليه وسلم -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 - 134]، وقال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 34 - 36]، وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40]. قال الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد من بطنان العرش، ألا ليقم من وقع (3) أجره على الله، ولا يقوم إلا من عفا وأصلح (4). _________ (1) من قوله: «فإن الصبر ... » إلى هنا من الأصل فقط. (2) من سائر النسخ. (3) (ف، ي، ل): «وجب»، وسقطت من (ز، ب). (4) لم أجده بهذا اللفظ عن الحسن، لكن أخرج البيهقي في «الشعب» (7050)، والخطيب في «تاريخ بغداد»: (6/ 145) عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ألا ليقومن العافون من الخلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلا من عفا».

(الكتاب/175)


وليس حُسْن النية للرعية والإحسان إليهم أن يفعلَ ما يهوونه ويترك ما يكرهونه، فقد قال الله تعالى: {(70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71]، وقال تعالى للصحابة: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7]. وإنما الإحسان إليهم فِعل ما ينفعهم في الدين والدنيا، ولو كرهه من كرهه، لكن ينبغي له أن يرفق بهم فيما يكرهونه، ففي «الصحيح» (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه». وقال: «إن الله رفيق يحبُّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» (2). وكان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يقول: والله إني أريد أن أخرج لهم المُرَّةَ من الحق فأخاف أن ينفروا عنها، فأصبر حتى تجيء الحلوةُ من الدنيا، فأخرجها معها، فإذا نفروا لهذه سكنوا لهذه (3). وهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه طالب حاجة لم يردّه ــ وكان محتاجًا ــ إلا بها أو بميسورٍ من القول (4). _________ (1) أخرجه مسلم (1594) من حديث عائشة - رضي الله عنها -. ووقع في بقية النسخ: «الصحيحين». وليس في البخاري. (2) أخرجه مسلم (2593) من حديث عائشة - رضي الله عنها -. (3) ذكره ابن قتيبة في «عيون الأخبار»: (1/ 9). (4) انظر «تفسير الطبري»: (14/ 569 - 572).

(الكتاب/176)


وسأله مرةً بعضُ أقاربه أن يوليه على الصدقات ويرزقه منها فقال: «إن الصدقة لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد» (1). فمنعهم إياها وعوَّضهم من الفيء. وتحاكم إليه عليٌّ وزيدٌ وجعفر [أ/ق 56]- رضي الله عنهم - في ابنة حمزة، فلم يقض بها لواحد منهم ولكن قضى بها (2) لخالتها، ثم إنه طيَّب قلبَ كلِّ واحد منهم بكلمة حسنة، فقال لعلي: «أنت منِّي وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهتَ خَلقي وخُلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (3). فهكذا ينبغي لوليِّ الأمر في قَسْمِه وحكمه، فإن الناس دائمًا (4) يسألون وليَّ الأمر ما لا يصلح بَذْله من الولايات، والأموال (5)، والمنافع، والجور، والشافعة في الحدود، وغير ذلك؛ فيعوِّضهم من جهةٍ أخرى إن أمكن، أو يردهم بميسورٍ من القول ما لم يحتج إلى الإغلاظ، فإنَّ ردَّ السائل يؤلمُه، خصوصًا من يُحتاج إلى تأليفه، وقد قال تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 10]، وقال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا _________ (1) أخرجه مسلم (1072). ومن سأل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - هو ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب - رضي الله عنهما -. (2) «لواحد منهم ولكن قضى بها» سقطت من (ز). (3) أخرجه البخاري (2699)، وأصله في مسلم (1783) مختصرًا دون الشاهد الذي ذكره المصنف. (4) تحرفت في الأصل، وليست في (ي). (5) من بقية النسخ.

(الكتاب/177)


تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} (1) [الإسراء: 26 - 28]. وإذا حكم على شخص (2) فإنه قد يتأذَّى، فإذا طيَّب نفسَه بما يصلح من القولِ والعمل؛ كان ذلك تمامَ (3) السياسة، وهو نظيرُ ما يعطيه الطبيبُ للمريض من الطِّيْب (4) الذي يُسَوِّغ الدواءَ الكريه، وقد قال الله تعالى لموسى - صلى الله عليه وسلم - لما أرسله إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذٍ وأبي موسى ــ لما بعثهما إلى اليمن ــ: «يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتَطاوعا ولا تختلفا» (5). وبال مرةً أعرابيٌّ في المسجد فقام أصحابه إليه، فقال: «لا تُزْرِمُوه» أي لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بدلو من ماء فصُبَّ عليه، وقال: «إنما بُعِثتم مُيَسِّرين ولم تُبعَثوا مُعَسِّرين» (6). والحديثان في «الصحيحين». _________ (1) الآية الثانية ليست في (ي، ظ، ل). (2) «وإذا حكم على شخص» تكررت في الأصل. (3) (ظ، ب): «من تمام». (4) (ي، ظ، ب، ل، ط): «الطب». (5) أخرجه البخاري (3038)، ومسلم (1733). (6) أخرجه البخاري (220)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وأخرجه البخاري (6025)، ومسلم (284) من حديث أنس - رضي الله عنه - وليس فيه قوله: (إنما بعثتم ميسرين ... ). والجملة الأخيرة ليست في (ف).

(الكتاب/178)


وهذا يحتاج إليه الرجل في سياسة نفسه وأهل بيته ورعيته، فإنَّ النفوس لا تقبل (1) الحقَّ إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها، فتكون تلك الحظوظ عبادة لله وطاعة له مع النية الصالحة، ألا ترى أن الأكل والشرب واللباس واجب على الإنسان؟ حتى لو اضطر إلى الميتة وجبَ عليه الأكل عند عامة العلماء، فإن لم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن العبادات لا تؤدَّى إلا بهذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولهذا كانت نفقةُ الإنسان على نفسه وأهله مقدَّمة على غيره، ففي «السنن» عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تصدقوا»، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: «تصدق به على نفسك»، قال: عندي آخر: قال: «تصدق به على زوجتك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على ولدك» (2)، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على خادمك»، قال: عندي آخر، قال: «أنت أبصر به» (3). وفي «صحيح مسلم» (4) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله _________ (1) (ي): «تبذل». (2) (قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على زوجتك») ليست في الأصل و (ز)، وما يتعلق بالولد تكرر في (ظ). (3) أخرجه أحمد (7417)، وأبو داود (1691)، والنسائي (2535)، والبخاري في «الأدب المفرد» (197)، وابن حبان (4235)، والحاكم: (1/ 415). والحديث صححه ابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (895). (4) (995). وسقطت من (ف) جملة «ودينار أنفقته في رقبة ... على مسكين».

(الكتاب/179)


- صلى الله عليه وسلم -: «دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفقتَه في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمُها أجرًا الذي أنفقته على أهلك». وفي «صحيح مسلم» (1) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا ابن آدم إنك إن تُنفقِ الفضلَ خيرٌ لك، وإن تمسكه شرّ لك، ولا تلام على كَفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العُليا خير من اليد السفلى». وهذا تأويل قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا [أ/ ق 57] يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ} [البقرة: 219]، أي: الفضل، وذلك لأن نفقةَ الرجل على نفسه وأهله فرضُ عين، بخلاف النفقة في الغزو وفي (2) المساكين، فإنه في الأصل إما فرضٌ على الكفاية، وإما مستحبٌّ. وإن كان قد يصير مُتعينًا إذا لم يقم غيره به (3)، فإن إطعام الجائع واجب، ولهذا جاء في الحديث: «لو صَدَق السائلُ لما أفلحَ من ردَّه» (4) ذكره الإمام أحمد، وذكر أنه إذا عُلِم صدقه وجبَ إطعامُه (5). _________ (1) (1036). وأخرجه البخاري (1472)، ومسلم (1035) من حديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه - ووقع في الأصل: « ... الفضل أحب إليك»، وليس في شيء من روايات الحديث. (2) (ز، ظ، ب): «و»، (ل): «أو». وسقطت من الأصل. (3) من بقية النسخ. (4) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد»: (5/ 296 - 297) من طريق مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده به مرفوعًا. وقال: هذا حديث منكر لا أصل له في حديث مالك ولا يصح عنه. اهـ. وعده علي بن المديني في خمسة أحاديث تروى ولا أصل لها، انظر «بدائع الفوائد»: (3/ 1151)، و «المقاصد الحسنة» (ص 344). (5) ذكره ابن هانئ في «مسائله»: (2/ 177) في قصةٍ للإمام مع أحد السُّؤال.

(الكتاب/180)


وقد روى أبو حاتم البُستي (1) في «صحيحه» (2) حديث أبي ذر (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الحديث الطويل الذي فيه أنواع من العلم والحكمة، وفيه: «أنه كان في حكمة آل (4) داود: حقٌّ على العاقل أن تكون [له أربع] (5) ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بأصحابه الذين يخبرونه بعيوبه، ويحدثونه عن ذات نفسه، وساعة يخلو فيها بلذته (6) فيما _________ (1) ليست في الأصل. (2) (361) في حديث طويل. وأخرجه ابن حبان في «المجروحين»: (2/ 130)، وأبو نعيم في «الحلية»: (1/ 166 - 167)، وغيرهم من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ... الحديث بطوله. وإبراهيم هذا قال أبو حاتم وأبو زرعة: كذاب. «الجرح والتعديل»: (2/ 143)، لكن ذكره ابن حبان في «الثقات»: (8/ 79)، وتعقبه الذهبي في «الميزان»: (1/ 72 - 73). وأفرط ابن الجوزي فذكره في «الموضوعات»، وتعقبه ابن حجر، والسيوطي كما في «الكافِ الشاف»: (4/ 114)، و «الدر المنثور»: (2/ 436). وللحديث طرق أخرى، لكن قال ابن رجب في «فتح الباري»: (3/ 273): «وقد روي من وجوه متعددة عن أبي ذر، وكلها لا تخلو من مقال». وذكر المصنف في «الفتاوى»: (7/ 409) ما يقتضي أن هذا الحديث لم يثبت عند أحمد ابن حنبل ومحمد بن نصر. (3) الأصل: «أبي داود أبي ذر» وهو سهو! (4) (آل) ليست في (ظ، ب، ل). وقول المصنف «حكمة آل داود» ليس في رواية أبي ذر للحديث، وإنما جاءت في أثر وهب بن منبه ــ وهو نفس سياق المصنف ــ الذي أخرجه عبد الرزاق: (11/ 22)، والبيهقي في «الشعب» (4352). (5) سقطت من الأصل. (6) (ي): «بلذة نفسه».

(الكتاب/181)


يَحِل ويَجْمُل، فإنَّ (1) في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وينبغي للعاقل أن يكون عارفًا بزمانه، حافظًا للسانه، مقبلًا على شأنه» (2). فبيَّن أنه لابدَّ من اللذات المباحة الجميلة، فإنها تُعِين على تلك الأمور. ولهذا ذكر الفقهاء أن العدالة هي: الصلاح في الدين، والمروءة. وفسَّروا المروءة باستعمال ما يجمِّله ويزيِّنه، وتجنب ما يُدَنِّسه ويُشِينُه (3). وكان أبو الدرداء يقول: إني لأستجمُّ نفسي بالشيء من الباطل لأستعين به على الحق (4). والله سبحانه وتعالى إنما خلق الشهوات في الأصل واللذات لتمام مصلحة الخلق، فإنه بذلك (5) يجتلبون ما ينفعهم، كما خلق الغضب ليدفعون به ما يضرهم. وحرَّم منها (6) ما يضر تناوله، وذمَّ من اقتصر عليها، واشتغل بها عن مصلحة دينه، ومن أسرف فيها في النوع أو القَدْر، كما قال تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، وقال: {إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)} [الفرقان: 67]، وقال: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ _________ (1) الأصل زيادة «كان» ولا معنى لها. (2) من قوله: «وينبغي ... ».إلى هنا من الأصل فقط، وهو في رواية ابن حبان وأبي نعيم. (3) انظر «الفتاوى»: (15/ 356)، و «الاستقامة»: (1/ 364) كلاهما للمصنف. (4) أخرجه البسوي في «المعرفة والتاريخ»: (3/ 199)، وابن عساكر في «تاريخه»: (46/ 501). (5) بعده في (ي): «تتم مصلحة الخلق ويجتلبون ... ». (6) (ي، ز): «من الشهوات».

(الكتاب/182)


كَفُورًا} [الإسراء: 26 - 27]. حتى حَجَرَت الشريعة عند الجمهور على المبذِّر الذي يصرف المال فيما لا ينفعه. وذمَّ (1) أيضًا من ترك ما يحتاج إليه منها، حتى قال تعالى: {(86) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ} [المائدة: 87]. وفي «الصحيحين» (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما بلغه عن أصحابه أنه قال بعضهم: أمَّا أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني». ونهى أمَّته عن الوِصال في الصيام، وقال: «من صامَ الدَّهرَ فلا صام ولا أفطر» (3). وقال: «أفضلُ الصيامِ صيامُ داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفِرُّ إذا لاقى» (4). وذمَّ الرهبانية التي في ترك النساء واللحم، كما يقوله الجهال في مدح بعض الناس: ما نكح ولا ذبح (5). فإن مَدْح مثل هذا من الرهبانية التي _________ (1) كتب ناسخ الأصل كلمة مغايرة ثم أصلحها. (2) البخاري (5063)، ومسلم (1401) من حديث أنس - رضي الله عنه -. (3) أخرجه مسلم (1162) من حديث أبي قتادة - رضي الله عنه -. (4) أخرجه البخاري (1977)، ومسلم (1159/ 189) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -، وقوله: «ولا يفرّ إذا لاقى» غير محررة في الأصل. (5) تكلم المصنف على هذا النوع من الزهد في «مجموع الفتاوى»: (10/ 510 - 511، 620 - 624).

(الكتاب/183)


ابتدعها النصارى ليست من دين الإسلام، بل قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن لكلِّ أمةٍ رهبانية ورهبانية أمتي [أ/ق 58] الجهاد في سبيل الله» (1) (2). وجعل من استعان بالمباح الجميل على الحق من (3) الأعمال الصالحة؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «في بُضْع أحدكم صدقة»، قالوا: أيأتي أحَدُنا شهوتَه ويكون له أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أما كان يكون عليه وِزْر؟ » قالوا: بلى، وقال: «فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال» (4). وروى أحمد في «مسنده» وابن خزيمة في «صحيحه» عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله يحبُّ أن تُؤتى رُخَصُه كما يكره أن تُؤتى معصيته» (5) (6). _________ (1) بهذا اللفظ أخرجه سعيد بن منصور (2309). وتقدم (ص 157) بلفظ: «لكل أمة سياحة ... ». (2) من قوله: «واشتغل بها ... » إلى هنا من الأصل فقط. (3) العبارة في الأصل: «وجعل لمن ... »، وفي بقية النسخ: «فأما من استعان بالمباح الجميل فهذا من ... ». (4) أخرجه مسلم (1006) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -. (5) أخرجه أحمد (5866)، وابن خزيمة (2024)، وابن حبان (2742)، والبيهقي: (3/ 140) من حديث ابن عمر. وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وأخرجه ابن حبان 354) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - وسنده صحيح. بلفظ: ( ... كما يحب أن تؤتى عزائمه). (6) من قوله: «وروى أحمد ... » إلى هنا من الأصل فقط.

(الكتاب/184)


وفي «الصحيحين» (1) عن سعد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إنك لم تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله، إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها في (2) في امرأتك». والنصوص (3) في هذا كثيرة، فالمؤمن إذا كانت له نية أثيب على عامة (4) أفعاله، وكانت المباحات من صالح أعمالِه لصلاح قلبه ونيته، والمنافقُ لفسادِ قلبه ونيته يُعاقَب على ما يُظهره من صُوَر العبادات رياءً (5)، فإن في (6) «الصحيحين» (7) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا إنّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب». فصل وكما أن العقوبات شُرِعَت داعيةً إلى فعل الواجبات (8)، وترك المحرمات، فقد شُرِع أيضًا كلُّ ما يعين على ذلك، فينبغي تيسير طريق الخير _________ (1) البخاري (56)، ومسلم (1628)، ووقع في (ي): «الصحيح»، وفي (ي، ز): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد. (2) (ي، ز): «ترفعها إلى». (3) بقية النسخ: «والآثار». (4) (ل): «صلحت عامة». (5) ليست في (ي). (6) (ل): «في الحديث الصحيح». (ي، ز): «في الصحيح». (7) البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير. (8) (ي): «الفعل الواجب».

(الكتاب/185)


والطاعة، والإعانة عليه والترغيب فيه (1) بكل ممكن، مثل أن يبذل لولده أو أهله أو رعيته ما يُرَغِّبهم في العمل الصالح من مال أو ثناء أو غيره. فإن الله تعالى بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بشيرًا ونذيرًا، وكان يؤلف الناس بالنفع والمال على الإسلام وشرائعه، ويثني على من أحسن فيه، كما أثنى على غير واحد من أصحابه، ويدعو أيضًا لمن أتى بما يستحق الدعاء، كما قال الله تعالى له: {(102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، ولهذا قال الفقهاء: ينبغي للإمام إذا قبض الصدقة أن يدعو لمن أعطاها، مثل أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا (2). وكذلك أيضًا ذكر فضائل الأعمال الصالحة وثوابها ومنفعتها في الدنيا والآخرة، فإن الكتاب والسنة مملوءة من ذلك، وهذا أنفع في الحقيقة لمن استجاب له (3) من الرهبة بالعقوبة الدنيوية فقط، وإنما (4) يُصار إلى العقوبة الدنيوية إذا ظلمَ الخلقُ بالنكولِ عن هذه الطريقة، كما قال الله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46]. _________ (1) الأصل: «عليه»، وسقطت «بكل» من (ب). (2) انظر «الأم»: (2/ 153، 205) للشافعي، و «تفسير البغوي»: (2/ 322). وقد ثبت في البخاري (1497)، ومسلم (1077) من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلِّ عليهم، فأتاه أبي أبو أوفى بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى. (3) الأصل: «به»، ولعل الصواب ما أثبت. (4) الأصل: «وإذا»، ولعل الصواب ما أثبت.

(الكتاب/186)


ولأجل الرغبة في مصالح الدين (1) شُرِعت المسابقة بالخيل والإبل، والمناضلة بالسهام، وأخذ السَّبَق فيها (2)؛ لما فيه من الترغيب في إعداد القوة، ورباط الخيل للجهاد في سبيل الله تعالى، حتى قال (3) النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أهل السنن: «لا سبَق إلا في خفٍّ أو حافرٍ أو نصلٍ» (4)، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسبِّق بين الخيل (5) هو وخلفاؤه الراشدون، ويخرجون الأسباق من بيت المال للسابقين، وكذلك إعطاء المؤلفة قلوبهم. وقد رُوي: «أنَّ الرجلَ كان يُسلِم أول النهار رغبة [أ/ق 59] في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس» (6). وكذلك شَرَع في الشرِّ والمعصية حَسْمَ مادته (7)، وسدَّ ذريعته، ودفعَ ما يفضي إليه إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، مثل (8) ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - _________ (1) من قوله: «فإن الله تعالى بعث ... » إلى هنا من الأصل فقط. وتبدأ العبارة في بقية النسخ بقوله: «ولهذا شرعت ... ». (2) (ف): «الجعل عليها». (3) الحديث من الأصل فقط. (4) أخرجه أبو داود (2574)، والترمذي (1700)، والنسائي (3585)، وابن ماجه (2878)، وابن حبان (4690)، والبيهقي: (10/ 16) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حديث حسن، وصححه ابن حبان، وابن القطان، وابن دقيق العيد. انظر «البدر المنير»: (9/ 418 - 422). (5) أخرجه البخاري (420)، ومسلم (1870). (6) هذا من قول أنس - رضي الله عنه - أخرجه مسلم عقب حديث (2312). (7) العبارة في بقية النسخ: «وكذلك الشر والمعصية ينبغي حسم ... ». (8) بقية النسخ: «مثال ذلك».

(الكتاب/187)


فقال: «لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ فإن ثالثهما الشيطان» (1). وقال: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومين إلا ومعها زوج أو ذو محرم» (2). فنهى عن الخلوة بالأجنبية والسفر بها؛ لأنه ذريعة إلى الشر. ورُوي عن الشعبي أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - كان فيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلَسَه خلفَ ظهره، وقال: «إنما كانت خطيئة داود النظر» (3). وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعسُّ (4) بالمدينة فسمع امرأةً تغنِّي (5) بأبيات وتقول فيها: هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربُها ... أم من سبيلٍ إلى نصر بن حجاج ففتش عليه (6) فوجده شابًّا حسنًا، فحلق رأسَه فازداد جمالًا، فنفاه إلى _________ (1) أخرجه البخاري (1862)، ومسلم (1341) من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -. (2) أخرجه البخاري (1188)، ومسلم (827) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. (3) رواه ابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص 90 - 91)، والديلمي في «مسنده» عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن الحسن عن سمرة الحديث. قال المصنف في «الفتاوى»: (15/ 377): حديث منكر، وقال ابن الصلاح: لا أصل له، وقال الزركشي: هذا حديث منكر، فيه ضعفاء ومجاهيل وانقطاع. انظر «تذكرة الموضوعات» (ص 182). (4) (ي، ز): «وعمر ... لما كان يعس ... »، (ظ، ب): «أنه كان ... ». (5) (ف، ظ، ز): «تتغنى». (6) بقية النسخ: «فدعا به ... ». والأصل: «ففتش ... فوجد».

(الكتاب/188)


البصرة لئلا يَفْتِن النساء (1). ورُوي عنه: أنه بلغه أن رجلًا يجلس إليه الصبيان فنهى عن مجالسته. وهذا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى المخنث الذي كان يدخل على أزواجه (2)، وأمر بنفي المخنثين من المدينة (3)، وأذن أن يدخلوا يوم الجمعة ليسألوا الناس عما يبتاعون (4) به، ونص على اتباع هذه السنة الفقهاء كالشافعي وأحمد (5)، وقالوا: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نَفْي الزاني ونَفْي المُخَنَّث، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - لعن المخنثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء، والمتشبهين من الرجال _________ (1) أخرجه قصة نصر بن حجاج ابنُ سعد في «الطبقات»: (3/ 285)، والخرائطي في «اعتلال القلوب» (ص 337 و 339) وسندها صحيح كما قال الحافظ في «الإصابة»: (3/ 579). ووقع في باقي النسخ: «تفتتن النساء به ــ به النساء ــ». (2) خبره في البخاري (4324)، ومسلم (2180) وفيهما النهي عن دخوله على النساء، وأما خبر نفيه فقد أخرجه المستغفري من مرسل ابن المنكدر، ذكره الحافظ في «الفتح»: (9/ 246). (3) قيل إنهم ثلاثة وقيل أكثر من ذلك، انظر «الفتاوى»: (15/ 308 - 309)، و «فتح الباري»: (9/ 246). (4) الأصل: «يتبعون» ولعله ما أثبت. (5) قال الشافعي في «الأم»: (7/ 369 - 370): «يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا أنه نفى مخنثين كانا بالمدينة يقال لأحدهما: هيت وللآخر ماتع، ويحفظ في أحدهما أنه نفاه إلى الحِمى، وأنه كان في ذلك المنزل حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحياة أبي بكر وحياة عمر، وأنه شكا الضيق فأذن له بعض الأئمة أن يدخل المدينة في الجمعة يومًا يتسوق ثم ينصرف، وقد رأيت أصحابنا يعرفون هذا ويقولون به حتى لا أحفظ عن أحد منهم أنه خالف فيه» اهـ.

(الكتاب/189)


بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، [وجلّ] (1) هذه الأحاديث في الصحيح. فلم يكتف باللعنة حتى نفاه؛ لأن فيه مضرة على النساء وعلى الرجال (2). فإذا كان من الصبيان من تخاف (3) فتنته على الرجال أو النساء، مُنِعَ وليُّه من إظهاره لغير حاجة، أو تحسينه (4) لاسيما تبريجه (5) وتجريده في الحمامات، وإحضاره مجالس اللهو والأغاني، فإن هذا مما ينبغي التعزيرُ عليه. وكذلك من ظهر منه الفجور يُمْنَع من تملُّك الغلمان المُرْدان الصِّباح (6)، ويُفرَّق بينهما وإن لم يُقر أو يعمد (7) فيه بفجوره، فإن ما كان مقصوده إلى دفع المنكر لا عقوبة فاعله فيُكتفى فيه بالدلالة، حتى اتفق (8) _________ (1) في الأصل: «وعلى» تصحيف. (2) من قوله: «وهذا لأن النبي ... » إلى هنا من الأصل فقط. وانظر تفصيل ضرر المخنث على الرجال والنساء في «الفتاوى»: (15/ 310 - 311). وما أشار إليه المصنف من الأحاديث انظرها في البخاري (5885 و 5886 و 6834). (3) الأصل: «يخلق» وهو تحريف. (4) (ي): «أو يحتبسه». (5) (ط): «بترييحه»، وأقرب ما تكون في النسخ ما أثبته. وفي «القاموس»: التبريح: إظهار الزينة. وزاد في (ي) بعدها: «وتزيينه». (6) (ظ) زيادة: «الوجوه». (7) كذا قرأتها، وتحتمل غير ذلك. (8) من قوله: «وإن لم يقر ... » إلى هنا من الأصل فقط. وبقية النسخ: «فإن الفقهاء متفقون».

(الكتاب/190)


الفقهاء على أنه لو شهد شاهد به عند الحاكم، وكان قد استفاض عنه نوع من أنواع الفسوق القادحة في الشهادة، فإنه لا يجوز قبول شهادته، بل يجرحه الجارح عند الحاكم بذلك بناءً على الاستفاضة وإن لم يره، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال: «وجبت وجبت»، ومُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شرًّا فقال: «وجبت وجبت» (1)، فسألوه عن ذلك فقال: «هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرًا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض» (2). مع أنه كان في زمانه امرأة تفعل (3) الفجور، فقال: «لو كنتُ راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتُ هذه». هكذا في الحديث الصحيح (4). فبين أن الحدود لا تُقام إلا بالبينة. وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك، فتكون [بـ]ـالمظنة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْرٍ (5) على أخيه [أ/ق 60] ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» (6). وعنه أنه _________ (1) من قوله: «ومر عليه بجنازة ... » إلى هنا ساقط من (ز). (2) أخرجه البخاري (1367)، ومسلم (949) من حديث أنس - رضي الله عنه -. (3) كذا في الأصل، وفي (ف، ي، ز، ظ، ل): «تعلن»، (ب): «تعال». (4) «هكذا في الحديث الصحيح» من الأصل. والحديث في البخاري (5310)، ومسلم (1497) عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. (5) تحرفت في الأصل إلى: «عز». (6) أخرجه أحمد (6698، 6899)، وأبو داود (3600)، والدارقطني: (4/ 243)، والبيهقي: (10/ 200) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال ابن كثير في «إرشاد الفقيه»: (2/ 420): إسناده جيد. وقال ابن حجر في «التلخيص»: (4/ 218): سنده قوي. وله شاهد من حديث عائشة الآتي، وابن عمر - رضي الله عنهم -. انظر «البدر المنير»: (9/ 624 - 630).

(الكتاب/191)


قال: «لا تجوز شهادة ظنين ــ أي متهم ــ في ولاء أو قرابة» (1) (2). والاستفاضة (3) كافية في ذلك وما هو دون الاستفاضة، حتى إنه يُستدل على الرجل بأقرانه، كما قال ابن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم (4). وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدُكم من يُخالِل» (5). فإن المقصود من (6) هذا دفع شره، مثل الاحتراز من العدو. وقد قال عمر _________ (1) قطعة من حديث أخرجه الترمذي (2298)، والدارقطني: (4/ 244) بدون هذا اللفظ، والبيهقي: (10/ 155) من حديث عائشة - رضي الله عنها -. قال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي، ويزيد يضعف في الحديث، ولا يعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه ... ولا يصح عندي من قبل إسناده) اهـ. وقال أبو زرعة الرازي في «العلل» (1428): منكر ولم يقرأ علينا. اهـ وضعَّفه أكثر الحفاظ. انظر «البدر المنير»: (9/ 627 - 628). (2) من قوله: «فتكون المظنة ... » إلى هنا من الأصل. (3) العبارة في بقية النسخ: «فلا يحتاج إلى المعاينة بل الاستفاضة ... ». (4) أخرجه الطبراني في «الكبير» (8919). (5) أخرجه أحمد (8028)، وأبو داود (4833)، والترمذي (2378) وغيرهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حسن غريب، وصححه النووي في «الرياض» (ص 144)، وحسَّنه السيوطي في «اللآلئ المصنوعة»، وصححه الألباني في «الصحيحة» (927). (6) من قوله: «وذلك لأن النبي ... » إلى هنا من الأصل. وتبدأ العبارة في باقي النسخ: «فهذا لدفع شره ... ».

(الكتاب/192)


- رضي الله عنه -: احترسوا من الناس بسوء الظن (1). ولا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن به (2). لهذا ينبغي للوالي والعالم أن يكون خبيرًا بالشر وأسبابه وعلاماته، مثل الخبرة بالكفر والفسوق وأحوال العدو في دينهم ودنياهم؛ ليحترس من شرِّ ذلك (3). وكان من أعظم المصالح: إزجاء العيون ــ الذين هم الجواسيس ــ إلى العدو، والمعرفة بطريق الكفر، كما قد ورد عن بعض السلف أنه قال: إنما تُنقض عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية (4). وهذا لأن من لا يعرف الأمراض وأسبابها قد يغتر بالعافية، ولا يحترز من أسباب المرض أو ذاته، و [من] عرف سببه وعلامته فإنه يصلح _________ (1) أخرجه الخطابي في «العزلة» (ص 168). وقد روي موقوفًا على مطرف بن عبد الله، ومرفوعًا من حديث أنس. انظر «المقاصد» (ص 23)، و «الضعيفة» (156). (2) العبارة في (ي، ز): «فهذا أمر عمر مع أنه لا تجوز عقوبة الحاكم بسوء الظن به». وهي ساقطة من (ب)، وفي (ل): «ولا تجوز عقوبة المسلم بسوء». (3) ولمزيد بيان لهذه المسألة انظر «الفوائد» (ص 201 - 205) لابن القيم. (4) لم أعثر عليه، وقد ذكره المصنف في عدد من كتبه منسوبًا إلى عمر، وكذا تلميذه ابن القيم. لكن أخرج معناه ابن أبي شيبة: (6/ 410)، وابن سعد: (6/ 129)، والحاكم: (4/ 475)، وأبو نعيم في «الحلية»: (7/ 243) عن عمر بن الخطاب قال: قد علمتُ وربِّ الكعبة متى تهلك العرب. فقام إليه رجلٌ من المسلمين فقال: متى يهلكون يا أمير المؤمنين؟ قال: حين يسوس أمرَهم من لم يعالج أمر الجاهلية ولم يصحب الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

(الكتاب/193)


للطبيب (1). والولاة والعلماء أطبَّاءُ الخلق، كما كتب سلمان إلى أبي الدرداء لما تولي القضاء: بلغني أنك قعدت طبيبًا فإياك أن تقتل مسلمًا (2). وكان عمر - رضي الله عنه - يقول: لست بخبٍّ ولا يخدعني الخب (3). وقالوا: كان عمر أورع من أن يَخْدع، وأعقل من أن يُخْدع (4). وسلامة القلب المحمودة: هي سلامته من الأمراض، كالشبهات والأخلاق الردية؛ من النفاق والغِلّ والحسد والبخل والجُبْن وشهوة الزِّنا والكِبر ونحو ذلك. فأما الجهلُ بالحقائق فليس في نفسه محمودًا؛ إذ العلم صفة كمال، وما ينتفع به إما واجب وإما مستحب. والسياسةُ بالرأي والخبرة أعظم من السياسة بالشجاعة والقوة (5) وأنفع. وبذلك يرفع الله الدرجات، كما قال في خبر يوسف عليه السلام: _________ (1) كذا في الأصل. (2) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 154). (3) ذكره الماوردي في «أدب الدنيا والدين» (ص 14) غير مسند، ووجدته عن إياس بن معاوية أخرجه ابن عساكر في «تاريخه»: (10/ 19)، والمزي في «تهذيب الكمال»: (1/ 304). (4) القائل هو المغيرة بن شعبة، ذكره عنه أحمد في «فضائل الصحابة»: (1/ 438)، وابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» (ص 240). (5) الأصل: «للقوة».

(الكتاب/194)


{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]، وقال في ذي القرنين: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف: 84]، قالوا: علمًا (1). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحربُ خَدْعَة» (2). ومن حكمة الشعر عن أبي الطيب (3): الرأيُ قبل شجاعةِ الشُّجعان ... هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس مَرَّةً ... بلغت من العلياءِ كلَّ مكان لكن لابدَّ للوالي من التغافل عن العقوبة على ما يعمله الناس من الذنوب التي لا تضرُّ إلا صاحبَها، كما روى معاوية - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الوالي إذا ابتغى الريبة في الناس إلا كاد يفسدهم» (4). _________ (1) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - كما في «الدر المنثور»: (4/ 445). (2) أخرجه البخاري (3029)، ومسلم (1740) من حديث أبي هريرة. وأخرجه البخاري (3030)، ومسلم (1739) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنهم -. (3) «ديوانه» (ص 265). ووقع في الأصل: «لعبد مرة بلغا ... ». (4) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (249)، وأبو داود (4888)، وابن حبان (5760)، والطبراني في «الكبير»: (19/رقم 890) وغيرهم. وله شاهد من حديث المقدام بن الأسود وأبي أمامة، أخرجه أحمد (23815)، وأبو داود (4889)، والحاكم: (4/ 378)، وغيرهم. ولفظ الحديث في الأصل: «إلا كان» وقبلها بياض بقدر كلمة، ولعل الصواب ما أثبت بدليل أن في بعض ألفاظ الحديث: « ... في الناس أفسَدتهم أو كدْت تُفْسدهم». فلعل ما في الأصل مصحَّف منه.

(الكتاب/195)


قال الحسن (1): كلمةٌ سمعها معاويةُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - نفعه الله بها. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء فليَسْتَتِر بستر الله، فإنه من يُبْدِ لنا صَفْحَتَه نُقِمْ عليه كتابَ الله» (2). ولا ينبغي له أن يُظْهِر للناس أنه يعرف ما أخفوه من سيئاتهم إذا لم يُعاقِب عليه، فإنَّ ذلك يغير قلوبَهم ويحرِّك الفتنةَ بلا فائدة. فصلٌ حقوق الله: اسمٌ جامع لكل ما فيه منفعة عامة لا تختصُّ بمعين، أو دَفْع مضرة عامة بما يتعلق بالدين أو الدنيا، كالنظر في المساجد وأئمتها ومؤذنيها، والوقوف والطرقات والضِّياع، وإحياء السنن النبوية، وإماتة [أ/ق 61] البدع المُضِلَّة، وتقديم (3) من ينتفع به في ذلك وغيره من خيار الناس، وأهل الدين والعلم، والبر والتقوى من كل صِنف من أصناف الناس، ومجانبة ذوي الإثم والعدوان، وأهل الحيلة والخديعة، والكذب والإدْهان، وغير ذلك من المصالح العامة. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتولى بنفسه عامة ذلك، ويستنيب فيما بَعُدَ عنه، ويوكِّل في بعض الأمور لمن حضر عنده. _________ (1) الذي في المصادر نسبة هذا القول لأبي الدرداء - رضي الله عنه -. (2) أخرجه مالك في «الموطأ» (2386)، ومن طريقه الشافعي في «الأم»: (7/ 349، 367 - 368)، والبيهقي: (8/ 326) من مرسل زيد بن أسلم. قال الشافعي: «هذا حديث منقطع، ليس مما يثبت به هو نفسه حجة». وأخرجه الحاكم: (4/ 244) بنحوه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وقال: صحيح على شرط الشيخين. (3) الأصل: «وتقدم».

(الكتاب/196)


وكان المسلمون يتعاونون على ذلك، وكان خلفاؤه قريبًا من ذلك، وكانوا يستخلفون في مصرهم قاضيًا فيما يتفق حكمهم فيه، فإذا نزل بالقاضي ما فيه إشكال يراجع الخليفة، كما كان زيدٌ يراجع عمر في مسائل الجد والطلاق وغير ذلك (1). وأما بعد الخلفاء؛ فتنوعت العادات في ذلك في الأعصار والأمصار بحسب قلة الحاجة وكثرتها، وبحسب قدرة الوالي الكبير وعجزه، وقيامه بالأمر وإعراضه وأسباب أخر، فصار بعض هذه الأمور يتولاها والي الحرب الذي هو صاحب الشرطة. وكان صاحب الشرطة مثل المنفذ لأمر الولي الكبير الذي يقال له: «نائب السلطان». قال أنس بن مالك: كان [قيس بن] سعد من النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير (2). وبعضها يتولَّاها المحتَسِب الذي وَليَ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، وولايته قد تدخل في ولاية القاضي. وبعضها يتولاها القاضي. وأيُّ شيء من الولايات عُمِل فيه بطاعة الله ورسوله كانت ولايةً شرعية، وأيُّ شيء عُمِل فيها بخلاف ذلك، أو تُرِك فيها ما يجب لم تكن شرعية، لكن لما كان القاضي أقرب إلى العلم وأهله (3) [و] أكثر معرفة بالشريعة= صار كثيرٌ من الناس يظن أنه ليس من الولايات ما يجب أو يقع فيها حكم الشرع _________ (1) كما أخرجه الحاكم: (4/ 339)، والبيهقي: (6/ 247). (2) أخرجه البخاري (7155). (3) الأصل: «وأهلها».

(الكتاب/197)


إلا هي، وصاروا يفهمون أن الشرع ما حَكَم به القاضي، وربما فرُّوا من هذا الشرع؛ إما خروجًا منهم عن الحق، أو لتقصير يقع من بعض القضاة، وليس الأمر كذلك، بل الشرع اسم لما بعث الله تعالى به رسولَه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والحكمة، وحُكْمُه لازمٌ جميعَ الخلق. فعلى كل والٍ أن يتبع هذا الشرع، وكثيرًا ما يوافقه النائب والوالي والمحتسب، كما أنه كثيرًا ما يخالفه بعض القضاة؛ إما لعدم معرفته، أو لغرض مذموم، أو لتقليد عالم أو غير ذلك، فإن الموافق له من غير القضاة قد يوافقه لظهور الحق الذي اتفقت عليه العقول أو الأديان أو شريعتنا، أو لمعرفته بذلك من الكتاب والسنة، أو لصحة رأيه، أو لتقليد مُصيب في ذلك، أو هو اتفاقًا من غير سلوك طريقٍ صحيح، لكنَّ موافقة الشرع في القضاء أكثر من موافقته في غيره من الولايات. وقد رؤي من الولاة من هو خير من أكثر القضاة، ورؤي من القضاة من هو شرٌّ من فُسَّاق الولاة. وعموم هذه الولايات وخصوصها هو بحسب ما يمكن من المولي، فإن المقصود هو أمانة الدين في جميع الأشياء، ولا يتم ذلك إلا بالاجتماع والسلطان، فإذا جُعِل سلطانٌ يقام به الدين على الوجه المشروع، كان ذلك مقصود الولاية. وقد ذكر طوائف من الفقهاء أن ولاية القضاء المطلقة تقتضي عدة أنواع، واختلفوا في أشياء، وهذا بحسب مقتضى لفظ الولاية وعُرْفها، فإن ذلك يختلف [باختلاف] معاني [أ/ق 62] العُرف حتى قالوا: ذلك يقتضي هذا، فإن موجبات العقود كلها تُتَلَقَّى من اللفظ أو العرف إذا لم يكن الشرع قد جعل لها حدًّا.

(الكتاب/198)


وكل ما كان من باب الوكالات والولايات التي تُستفاد بالشرط لا بالشرع، كالوصية، والقضاء، وأمارة الحرب، وولاية الأمصار، ونحو ذلك، فإن عمومَها وخصوصَها يُستفادُ من المولى لفظًا وعرفًا (1) على ما يثبت بالشرع، كولاية (2) الأب على ابنه، فإن عموم ذلك يستفاد بنفس الشرع (3). * * * * _________ (1) انظر «الطرق الحكمية»: (2/ 626). (2) كذا العبارة في الأصل، ولعل في الكلام سقطًا. (3) من قوله (ص 188): «لهذا ينبغي للوالي ... » إلى هنا من الأصل فقط.

(الكتاب/199)


فصل وأما الحقوق والحدود التي لآدميٍّ معين (1): فمنها: الدماء (2)، قال الله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 151 - 153]. وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} إلى قوله (3): {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 92 - 93]. وقال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا _________ (1) وهذا هو القسم الثاني من أقسام الحدود والحقوق، وتقدم الأول (ص 83). (2) بقية النسخ: «النفوس». (3) في الأصل: «إلى قوله: (وساءت مصيرًا)» وهذه نهاية آية (97) ولا علاقة لها بكلام المؤلف.

(الكتاب/200)


بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]. وفي الحديث (1) الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (2). وقد قال العلماء: أكبر الكبائر بعد الكفر: قتل النفس التي حرم الله بغير الحق (3). والقتل ثلاثة أنواع: أحدها: العمد المحض، وهو أن يقصد (4) من يعلمه معصومًا بما يقتل غالبًا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسِّنْدان (5) وكُوذين القَصَّار (6)، أو بقَطْع النَّفَس عنه، كالتغريق والخَنْق، أو بغير ذلك كالحريق والإلقاء من مكانٍ شاهقٍ، وإمساك الخِصْيتين حتى تخرج الروح، وبسَقْي السموم القتالة (7)، ونحو ذلك من الأفعال. _________ (1) (ف، ي، ز، ب): «وفي الصحيح». (2) أخرجه البخاري (6533)، ومسلم (1678) عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -. (3) هذه الفقرة من الأصل. (4) (ي): «يقتل». (5) قال البعلي في «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص 434): «السندان لم أره في شيء من كتب اللغة، فالظاهر أنه مولّد، وهو عبارة عن الآلة المعروفة من الحديد الثقيل يعمل عليها الحداد صناعته». (6) قال في «المطلع» (ص 434): «وأما الكوذين فلفظ مولد أيضًا، وهو عند أهل زماننا عبارة عن الخشبة الثقيلة التي يدق بها الدقاق الثياب». (7) النص في (ف، ي، ظ، ز، ب، ل): «أو بغير ذلك كالتحريق والتغريق والإلقاء من مكان شاهق والخنق وإمساك الخصيتين حتى تخرج الروح، وغمّ الوجه حتى يموت، وسقي السموم».

(الكتاب/201)


فهذا إذا فعله القاتلُ وهو بالغ عاقل، والمقتولُ معصومٌ مكافئ له= وجب فيه القَوَد، وهو أن يُمَكَّن أولياءُ المقتول من القاتل، فإن أحبوا قَتَلوا، وإن أحبوا أخذو الدية، وإن أحبوا عفوا. وهل لهم أن يعفوا عن الدية بغير رضى القاتل؟ فيه خلاف مشهور بين الفقهاء، وليس لهم أن يقتلوا غير القاتل (1) لا من قبيلته ولا من غيرهم، قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33]، قالوا في التفسير: لا يقتل غير قاتله (2). وعن أبي شريح الخُزَاعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أُصيب بدم أو خبل ــ والخبل الجراح ــ فهو بالخيار بين إحدى ثلاث ــ فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ــ: أن يَقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية، فمن فعل شيئًا من ذلك فعاد، فإن له نار جهنم خالدًا [أ/ق 63] مخلدًا فيها أبدًا» (3). رواه أهل _________ (1) بقية النسخ: «قاتله». (2) جاء ذلك عن ابن عباس وغيره، انظر «الدر المنثور»: (4/ 327). وهذه الفقرة موجودة في النسخ لكن مع زيادة واختلاف في الأصل. (3) أخرجه أحمد (16375)، وأبو داود (4496)، وابن ماجه (2623)، والدارقطني: (3/ 96)، والبيهقي: (8/ 52) وغيرهم. وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه كلام وإن كان قد صرح بالتحديث. وفيه أيضًا سفيان بن أبي العوجاء، قال البخاري: في حديثه اضطراب، ليس حديثه بالقائم. وانظر «إرشاد الفقيه»: (2/ 260) لابن كثير.

(الكتاب/202)


«السنن». قال الترمذي: حديث حسن صحيح (1). فمن قَتَل بعد العفو أو أَخْذ الدِّية، فهو أعظم جُرمًا ممن قَتَل ابتداء، حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدًّا، ولا يكون امره إلى أولياء المقتول، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 178 - 179]. قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يُؤثروا أن يقتلوا القاتل وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرًا (2) من أصحاب القاتل، كسيد القبيلة، ومُقَدَّم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويتعدَّى (3) هؤلاء في الاستيفاء، كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكما يفعله أهل الجاهلية (4) الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات، من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيمًا أشرف من المقتول، فيفضي ذلك إلى أن (5) أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما _________ (1) لم أجد قول الترمذي. وهو إنما ذكره في «الجامع» بعد (1406) (ق/102 - نسخة الكروخي) بدون إسناد ببعض لفظه، ولم يتكلم عليه بشيء. (2) (ي): «كبيرًا». (3) (ي، ظ، ب): «ويعتدي»، (ف، ل): «وتعدى». (4) «وكما يفعله أهل الجاهلية» سقط من (ي، ز، ظ، ب، ط). (5) «أن» من بقية النسخ، و «إلى» ليست في (ي).

(الكتاب/203)


حالف هؤلاء قومًا واستعانوا بهم وهؤلاء قومًا، فيُفْضِي إلى الفتن والعداوات العظيمة. وسبب ذلك: خروجُهم عن سَنَنِ العدل الذي هو القصاص في القتلى، فكتب الله علينا القصاص ــ وهو المساواة والمعادلة (1) ــ وأخبر أن فيه حياةً بحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين. وأيضًا: فإذا عَلِم من يريد القتلَ أنه يُقتل كفَّ عن القتل، وقد رُوي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو (2) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم (3)، وهم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا يُقتَل مسلم بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده» (4) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن. فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن المسلمين تتكافأ دماؤهم ــ أي تتساوى وتتعادل ــ ولا يُفَضَّل عربيٌّ على عجميّ، ولا قرشيّ أو هاشميّ على غيره من المسلمين، ولا حرٌّ أصليّ على مولًى عتيق، ولا عالم أو أمير على أميٍّ أو مأمور (5)، كما قضى أنهم يتساوون في الأموال في مثل المواريث، فإن البنين يتساوون في إرثهم من أُمِّهم وإن تفاضلوا في الدين والدنيا. _________ (1) (ي، ل) زيادة: «في القتل»، (ز، ظ، ب): «في القتلى». (2) في بقية النسخ: «وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده». ووقع في الأصل: «عمر». (3) (ظ، ب): «وأموالهم». (4) تقدم تخريجه (ص 101). (5) (ي) سقطت: «على أمي»، وسقطت جملة: «من المسلمين ... » إلى هنا من (ب).

(الكتاب/204)


وهذا الذي قضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العدل بين المسلمين في النفوس والأموال (1) متفق عليه بين المسلمين، بخلاف ما عليه أهل الجاهلية وحُكَّام اليهود، فإنه كان بقرب مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - صنفان من اليهود: قُرَيظة والنَّضير، وكان النضير تُفَضَّل (2) على قريظة في الدماء، فتحاكموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وفي حدِّ الزَّاني، فإنهم كانوا قد غيروه من الرجم إلى التحميم، فقالوا: إن حَكَم بينكم (3) بذلك كانت لكم حجة، وإلا فأنتم قد تركتم حكم التوراة، فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ [أ/ ق 64] هُمُ الظَّالِمُونَ} (4) [المائدة: 41 - 45]. بيَّن سبحانه وتعالى أنه سوَّى بين نفوسهم ولم يفضِّل نفسًا على أخرى كما كانوا يفعلونه. إلى قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} إلى قوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 48 - 50]. فحَكَم الله في دماء _________ (1) من قوله: «كما قضى ... » إلى هنا من الأصل فقط. ولأجل الاختصار الواقع في بقية النسخ عُدّل النص إلى: «وهذا متفق عليه ... ». (2) (ز): «تتفضل». (3) (ز، ب): «نبيكم». (4) أخرجه مسلم (1700) من حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه -. وفي النسخ اختلاف فيما أثبتته من الآيات وما اختصرته، وهذا سياق الأصل. وكذلك الفقرة التي بعدها.

(الكتاب/205)


المسلمين أنها (1) سواء، خلاف ما عليه أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس في البوادي والحواضر إنما هو (2) البغي وترك العدل، فإن إحدى الطائفتين تصيب من (3) الأخرى دمًا أو مالًا، أو تعلوا عليها بالباطل فلا تنصفها، ولا تقتصر الأخرى على (4) استيفاء الحق. والواجب في كتاب الله تعالى الحكم بين (5) الناس في الدماء والأموال وغيرها بالقسط الذي أمر الله تعالى به، ومحو (6) ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية. وإذا أصلح مصلحٌ (7) بينهم فيصلح بالعدل، كما قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 - 10]. وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول، فإنه أفضل لهم، كما قال تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45]. _________ (1) بقية النسخ: «أنها كلها». (2) (ف، ز، ب، ل): «هي ــ زاد في (ب): من ــ». (3) (ف): «قد تصيب .. »، (ف، ي، ز، ب، ل): «بعضها من ــ (ز): في ــ». (4) في الأصل: «ولا تقتضي الأخرى في ... »، والمثبت من باقي النسخ. (5) الأصل: «من»! (6) الأصل: «وتجر»! (7) الأصل: «يصلح».

(الكتاب/206)


قال أنس: ما رُفِعَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرٌ فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو. رواه أبو داود وغيره (1). وروى مسلم في «صحيحه» (2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعَه الله». وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ هو في المسلم الحر مع المسلم الحر، فأما الذِّمي؛ فجمهور العلماء على أنه ليس بكفْء للمسلم، كما أن المستأمن الذي يقدم من بلاد (3) الكفار رسولًا أو تاجرًا ونحو ذلك ليس بكفء له وفاقًا. ومنهم من يقول: بل هو كفء له. وكذلك النزاع في قتل الحر بالعبد. ولا تعتبر المكافأة في العدد عند جماهير العلماء، بل لو قتلَ عددٌ واحدًا قُتِلوا به، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقَدْتُهم به (4). وكذلك قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في الذين شهدوا على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم رجعوا عن الشهادة، فقال: لو أعلم أنكم _________ (1) أخرجه أحمد (13220)، وأبو داود (4497)، والنسائي (4783)، وابن ماجه (2692)، والبيهقي: (8/ 54). وإسناده حسن. (2) (2588). (3) من بقية النسخ. (4) أخرجه مالك في «الموطأ» (2552)، وعبد الرزاق: (9/ 476)، والبيهقي: (8/ 40) وغيرهم عن سعيد بن المسيب عن عمر. وسنده صحيح. وأخرجه البخاري (6896) من طريق نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -.

(الكتاب/207)


تعمدتم لقطعتكما (1). وكذلك يُقتل الذكر بالأنثى عند الجماهير، كما قَتَل النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجلَ اليهودي بالمرأة قصاصًا (2). والنوع الثاني: الخطأ الذي يشبه (3) العمد، قال عليه السلام: «ألا إن في قتل الخطأ شِبْه (4) العمد ما كان بالسوط والعصا: مئة من الإبل، منها أربعون خَلِفَة في بطونها أولادُها» (5). فسماه: شِبه العمد؛ لأنه قصد العدوان عليه بالجناية (6) لكنها لا تقتل غالبًا، فقد تعمَّد العدوان ولم يتعمد ما يقتل. وهذا لا قَود فيه عند الجمهور كما ذكر - صلى الله عليه وسلم -. وهل هي على القاتل أو على عاقلته؟ فيه نزاع بين الفقهاء في مذهب أحمد وغيره. والنوع (7) الثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه، مثل أن يكون _________ (1) علقه البخاري في الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب ... ؟ ووصله البيهقي: (10/ 251). ووقع في الأصل: «لقطعت». (2) أخرجه البخاري (6876)، ومسلم (1672) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -. ومن قوله: «ولا تعتبر المكافأة ... » إلى هنا من الأصل. (3) رسمها في الأصل: «سببه»! (4) (ي): «يشبه»، (ظ، ب، ل): «شبيه». (5) أخرجه أحمد (6533)، وأبو داود (4547)، والنسائي (4791)، وابن ماجه (2627)، وابن حبان (6011)، والبيهقي: (8/ 45) وغيرهم. والحديث صححه ابن حبان وابن القطان، انظر «التخليص»: (4/ 19). (6) (ف، ب، ل، ط): «بالضرب». (7) من قوله: «وهذا لا قود ... » إلى هنا من الأصل فقط.

(الكتاب/208)


[أ/ق 65] يرمي صيدًا أو هدفًا فيصيب به إنسانًا بغير علمه ولا قصده، فهذا ليس فيه قود وإنما فيه الدية على عاقلة القاتل، وفيه الكفَّارة في ماله، وفي هذه الأبواب مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم (1). فصل والقصاص في الجراح ــ أيضًا ــ ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة، فإذا قطعَ يدَه اليمنى من مِفصل فله أن يقطع يده كذلك، وإذا قلع سنه فله أن يقلع سنه، وإذا شُجَّ في رأسه أو وجهه فأوضحَ العظمَ فله أن يشجَّه كذلك، فأما إذا لم يمكن المساواة، مثل أن يكسِر له عظمًا باطنًا أو شجَّه دون المُوضِحَة، فلا يُشْرع (2) القصاص، بل تجب الدية المحدودة [أو الأرْش = بـ] ما (3) جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فكل عضو أو منفعة ليس في الإنسان فيه إلا واحد؛ ففيه دية كاملة، كاللسان، والأنف، والذَّكَر، والكلام والعقل. وكلُّ ما في الإنسان منه اثنان ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها، كالعينين ونظرهما، والأذنين والسمع، واليدين، والرِّجلين. وما في الإنسان فيه ثلاثة؛ ففي أحدها ثلث الدية، كجانبي الأنف، والحائل بينهما. وما فيه منه أربعة؛ ففي أحدها ربع الدية، كالأجفان الأربعة. _________ (1) العبارة في بقية النسخ: «الدية والكفَّارة، وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم». (2) (ي): «يسوغ». (3) «أو الأرش» من باقي النسخ. والباء لاستقامة النص.

(الكتاب/209)


وما فيه أكثر من ذلك كالأصابع العشرة؛ في كل أصبع عُشْر الدية، وفي كلِّ سنٍّ نصف عُشر الدية. وإذا شج رأسه أو وجهه حتى ظهرَ العظمُ ووضَح؛ ففيه نصف عشر الدية، وإن كانت الشَّجَّة دون ذلك مثل أن تبضع (1) اللحم، فإنه يُقوَّم المجروح كأنه عبد وهو سليم، ثم يُقوَّم وهو مجروح قد اندملَ جُرْحُه، فما نقصت قيمته أُعطي الجناية من ديته (2). وأما القصاص في الضرب بيده أو بعصاه أو سوطه، مثل أن يلطمه (3)، أو يلكمه، أو يضربه بعصًى، ونحو ذلك؛ فقد قال طائفة من العلماء: لا قصاص فيه بل فيه تعزير؛ لأنه لا يمكن المساواة فيه. وقال آخر: بل فيه القصاص، وهذا هو (4) المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين: أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء، وبذلك جاءت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الصواب. قال أبو فراس: خَطَبَ عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - فذكر حديثًا قال فيه: ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم (5) إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم (6)، فمن فُعِل به سوى _________ (1) الأصل: «يضع»، ولعلها ما أثبت من الباضعة وهي نوع من الشجاج التي تبضع اللحم، أي: تشقه، وليس فيها مقدّر. انظر «المطلع» (ص 448). (2) من قوله: «ما جاء عن النبي ... » إلى هنا من الأصل فقط. (3) «مثل أن يلطمه» سقطت من (ظ). (4) «وقال آخرون: بل فيه القصاص، وهذا» من الأصل. (5) (ي): «أرسلتهم». (6) (ظ): «أمر دينكم»، وبقية النسخ: «وسنتكم».

(الكتاب/210)


ذلك فليرفعه إليَّ، فوالذي نفسي بيده إذًا لأُقِصَّنَّه منه. فوثب عَمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدَّب رعيَّتَه أئنك لمُقِصّه (1) منه؟ قال: إي والذي نفس محمد بيده إذًا لأُقِصّنه منه، أنَّى لا أُقِصُّه منه وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقِصّ من نفسه؟! ألا لا تضربوا المسلمين فتُذِلُّوهم، ولا تمنعوهم حقوقَهم فتكفروهم. رواه أحمد وغيره (2). ومعنى هذا إذا ضرب المتولي رعيتَه ضربًا مُبَرِّحًا غير جائز، فأما الضرب المشروع فلا قصاص فيه بالإجماع، وهو واجب أو مستحب أو جائز. فصل والقصاص في الأعراض مشروع أيضًا [أ/ق 66] وهو أن الرجل إذا لعن رجلًا أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك، وكذلك إذا شتمه شتيمة لا كذب فيها، والعفو أفضل، قال الله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى: 40 - 42]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْتَبَّان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يَعتَد (3) _________ (1) (ي): «أياتيك لتقصه»، (ب): «أياتيك تقصه»، (ز): «لمقتصه»، (ب): «تقضه»، (ل): «المقتص». (2) تقدم تخريجه (ص 31). (3) (ي، ب): «يتعدى».

(الكتاب/211)


المظلوم» (1) ــ ويسمى هذا: الانتصار ــ. والشتيمةُ التي لا كذب فيها: مثل الإخبار عنه بما فيه من القبائح، أو تسميته بالكلب أو الحمار ونحو ذلك على وجه الإهانة (2). فأما إن افترى عليه لم يحل له أن يفتري عليه، ولو كفَّرَه أو فَسَّقه بغير حق لم يحل له أن يكفِّره أو يفسِّقَه بغير حق، ولو لعن أباه أو قبيلته أو أهل بلده ونحو ذلك، لم يحل أن يعتدي (3) على أولئك إذا لم يعينوه على ظلمه (4)، فإنهم لم يظلموه، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. فكيف يجوز للمسلم أن يتعدَّى على مسلم لِبُغضه إياه بغضًا جائزًا أو غير جائز؟ ! وجِماع ذلك: أن كل ما كان من الكلام في عرضه محرمًا لحقه ما لم يلحقه من الأذى جاز الاقتصاص منه مثله (5)، كالدعاء عليه مثل ما دعا عليه من لعنٍ وغيره، وكالإهانة في الكلام، وكإظهار (6) مساوئه في وجهه وهو _________ (1) أخرجه مسلم (2587) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) «على وجه الإهانة» من الأصل. (3) (ي، ز، ظ، ب): «يتعدى». (4) «إذا لم يعينوه على ظلمه» من الأصل. (5) العبارة في الأصل: «محرمًا بحقه ... عنه مثله ... » ولعل الصواب ما أثبت. (6) الأصل: «وكالجهار»!

(الكتاب/212)


الهمز، أو في مغيبه وهو الغيبة. ولا يجوز الاعتداء عليه بأن يسب أكثر مما يسبه (1)، أو أشد مما سبه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتدِ المظلوم» (2)، فعُلِمَ أن المكافئ لا إثم عليه إذا إذا اعتدى. وأما ما كان من الكلام محرَّمًا لحقِّ الله، بحيث يحرم ولو لم يكن فيه إيذاء له، كالكذب عليه بالقذف والتكفير والفسق وغير ذلك؛ فهذا لا يجوز المقابلة بمثله، لكن يُعزَّر على ذلك، بمنزلة ما ليس فيه قصاص من الجوارح. وقد اختلف العلماء هل يجوز الصلح على ذلك بمال؟ على قولين. ونظير هذا: ما لو مثَّل بغيره في القتل، مثل أن يحرقه أو يقطع يديه ورجليه، فهل يُفْعَل به كما فعل أو لا قَوَد إلا السيف؟ فيه قولان مشهوران للفقهاء؛ أشبههما بالكتاب والسنة والعدل: أنه يُفْعَل به كما فعل ما لم يكن الفعل محرَّمًا في نفسه، كتجريع الخمر، والتلوُّط به، ونحو ذلك (3). _________ (1) الأصل: «أن ينسب أكثر مما نسبه»! (2) تقدم قريبًا. (3) من قوله: «فكيف يجوز للمسلم ... » إلى هنا من الأصل، وقد اختُصِر في بقية النسخ إلى الآتي: (فأمر الله [لا: ز] المسلمين ألا يحملهم بغضهم للكفار على ألا يعدلوا وقال: (اعدلوا هو أقرب للتقوى)، فإن كان العدوان عليه في العرض محرمًا لحقه بما [ز: مما. ف: لما] يلحقه من الأذى جاز القصاص فيه [ي: الاقتصاص منه] بمثله، كالدعاء عليه بمثل ما دعا. وأما إذا كان محرمًا لحق الله تعالى كالكذب لم يجز بحال، وهكذا قال كثير [ظ: أكثر] من الفقهاء: إنه إذا قتله بتحريق أو تغريق أو خنق أو نحو ذلك، فإنه يفعل به كما فعل ما لم يكن الفعل محرمًا [ف: في نفسه] كتجريع الخمر والتلوط به ومنهم من قال: لا قود عليه [لا: ظ] إلا بالسيف. والأول أشبه بالكتاب والسنة والعدل).

(الكتاب/213)


فصل وإذا كانت المَظْلَمة في العِرْض مما لا قصاص [فيه] (1) كالقذف وغيره؛ فيه العقوبة بالحدّ في القذف، وبالتعزير في غيره. أما حدُّ (2) القذف؛ فإنه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4 - 5] (3). (4) وهذا الحد ــ حد القذف ــ مُسْتحقه المقذوف، فلا يُستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء، فإن عفا عنه سقط عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه؛ لأنَّ المُغَلَّب فيه حق الآدمي، كالقصاص والأموال. _________ (1) زيادة لازمة لاستقامة السياق. (2) انظر ما سبق (ص 144). والعبارة في بقية النسخ: «وإذا كانت الفرية ونحوها لا قصاص فيها، ففيها العقوبة بغير ذلك، فمنه حد القذف [ظ: القاذف للقذف] الثابت ... ». (3) بعده في باقي النسخ عبارة: «فإذا رمى الحرُّ محصنًا بالزنا أو التلوُّط فعليه حد [ظ: جلد] القذف، وهو ثمانون جلدة، وإن رماه بغير ذلك عُوقِب تعزيرًا» وما في صدر الفصل هو معنى هذه العبارة. (4) من هنا إلى أخر الفصل يزيد الأصل على بقية النسخ بجمل وعبارات وأسطر، لم أشر إليها في كل موضع حتى لا تثقل النص، واكتفاءً بهذا الإجمال.

(الكتاب/214)


وقيل: لا يسقط تغليبًا لحق الله تعالى [أ/ق 67] لعدم المماثلة كسائر الحدود، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية (1). وإنما يجب حدُّ القذف إذا كان المقذوف محصنًا؛ وهو المسلم، الحر، العفيف، وأما المشهور بالفجور فلا حدَّ على قاذفه، وكذلك الكافر والرقيق (2)، لكن يُعَزَّر القاذف. وهذا في غير الزوج، إذ لا حاجة به إلى القذف وإن كان صادقًا؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]. أما (3) الزوج فإنه يجوز له أن يقذف المرأة إذا زنت ولم تحبل من الزنا، فإن حَبِلَت منه وولدت، فعليه أن يقذفها وينفي ولدَها، لئلا يلتحق به من ليس منه، ويصير ذا رحم لأقاربه ومَحْرَمًا لنسائه. فإذا قذفها فإما أن تقرَّ هي بالزنا وإما أن تنكر، فإن أنكرت فله أن يلاعنها، كما ذَكر الله في الكتاب، وذُكِر في السنة. ولو كان القاذف عبدًا فعليه نصف حدِّ الحر، وكذلك في جلد (4) الزنا والشرب؛ لأن الله تعالى قال في الإماء: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، وإذا كان الواجب القتل أو القطع لليد؛ فإنه لا يُنَصَّف. _________ (1) انظر «كتاب التمام»: (2/ 181) لابن أبي يعلى، و «المغني»: (12/ 386). (2) (ي، ب): «والزنديق»! (3) بقية النسخ: «إلا». (4) (ظ): «حد».

(الكتاب/215)


فصل (1) ومن الحقوق: الأبضاع، فالواجب الحُكم بين الزوجين بما أمر الله تعالى به من إمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإحسان، وعليها طاعته وحِفظ الغيب في نفسها وماله كما أمر الله تعالى. ويجب على كلٍّ من الزوجين أن يؤدِّي إلى الآخر حقوقَه بطِيب نفسٍ وانشراح صدرٍ. (2) فأما المرأة؛ فلها عليه حقٌّ في ماله، ولها حقٌّ في بدنه، فأما المال؛ فالصداق والنفقة بالمعروف. فإن كان الصداق حالًّا ــ وهو الذي يسمى: _________ (1) ملخص الفصل كما في بقية النسخ ــ وضعنا الفروق المهمة بين الأقواس ــ: «فإن للمرأة على الرجل حقًّا في ماله وهو الصداق والنفقة بالمعروف، وحقًّا في بدنه وهو العشرة والمتعة، بحيث لو آلى منها استحقت الفرقة بإجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوبًا أو عنينًا لا يمكنه جماعها فلها الفرقة. ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء. وقد قيل: إنه لا يجب اكتفاء بالباعث الطبعي [ظ: الطبيعي]، والصواب أنه واجب كما دل عليه الكتاب والسنة والأصول، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو لما رآه يكثر الصوم والصلاة: «إن لزوجك عليك حقًّا». ثم قيل: يجب عليه وطؤها كل أربعة أشهر مرة، وقيل: يجب وطؤها بالمعروف على قدر قوته وحاجته كما تجب النفقة بالمعروف كذلك وهذا أشبه. وللرجل عليها أن يتمتع بها متى شاء ما لم يضرّ بها أو يشغلها عن واجب، فيجب عليها أن تمكنه كذلك [ي: من ذلك]. ولا تخرج من منزله إلا بإذنه أو بإذن الشارع. واختلف الفقهاء هل عليها خدمة المنزل كالفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك؟ فقيل: يجب عليها، وقيل: لا يجب، وقيل: يجب الخفيف منه [ب: ونحو ذلك]». (2) من هنا إلى آخر الفصل (ص 216) من الأصل فقط.

(الكتاب/216)


المقدَّم ــ فتستحق مطالبته به قبل الدخول. وأما المؤجَّل إلى أجل مسمى ــ وهو الذي تسميه الناس: المؤخر ــ قد جرت عادةُ البواهل (1) هذا الزمان بأن يتزوجوا المرأة على مهرٍ مقدَّم ومهرٍ مؤخَّر، ويَشْتِرطا على ذلك قبل العقد عند الخِطبة غالبًا، ثم إذا عقدوا النكاح سمَّوا الجميعَ وأطلقوا، ولم يتعرضوا للفظ مقدَّم ولا مؤخَّر. والشرطُ المتقدم على العقود بمنزلة المقارن (2) عند عامة السلف، وهو المشهور من قول مالك وأحمد وغيرها، وعليه يدل الكتاب والسنة. وإذا تزوجها على مقدَّم ومؤخَّر ولم يسمِّ أجلًا، فقد اختلف الفقهاء في صفحة هذه التسمية، وأكثر السلف على صحَّتها؛ لأن ما يقابلها من المنفعة ليس بمؤجَّل إلى أجل مسمى، بخلاف المنفعة في الإجارة. ثم تنازعوا متى يحل المؤجَّل؟ فقال كثير منهم ــ أو أكثرهم ــ: يحل إذا تفرقا بموت أو طلاق ونحوه، وهذا مذهب أحمد وغيره. وعلى هذا فلا يستحق عامة نساء هذه الأزمان مطالبة الزوج بالمؤخَّر من الصداق حتى يتفارقا، وهذا هو الصواب؛ فإن الرجل لم يدخل على أنه حالٌّ عليه بمنزلة المقدَّم، وبمنزلة ما يحل من الأيمان والأجور، ولا المرأةُ ــ أيضًا ــ دخلت على أنها تتقاضى ما كان لها حالًّا من المقدَّم والثمن والأجرة، وإنما تتقاضاه حالِّيًّا عند مضارَّة الرجل لغرضٍ فاسدٍ يريد أن يفعله، أو لتخليه إلى طلاقها، _________ (1) جمع باهل، وهي المرأة إذا خلت من الزوج وليس لها ولد. «المعجم الوسيط»: (1/ 74). (2) الأصل: «القارن».

(الكتاب/217)


أو إلى منعه (1) من نفسها، أو أن تذهب حيث شاءت. وأكثر الضرار الحاصل من [أ/ق 68] النكاح من جهة تكثُّر المرأة من المطالبة بالمؤخَّر من الصداق. ومن تأمل أحوالَ الناس علم ما في ذلك من الفساد الذي لا تأتي به سياسةُ عاقل فضلًا عن شريعة الإسلام، حتى تنكره العامة بطباعها، لا سيما إذا أُضِيف إلى ذلك قبول قولها في عدم قبض النفقة مع عدمها سكنها في منزله خمسين سنة، وليس لها جهة معلومة إلا هو، ونحو ذلك من الأحكام التي قد زلَّ بعضُ العلماء فحَصَل منهم من تلك المزلَّة من الشر ما ينافي الشريعة. وأما النفقة فهي (2) بالمعروف في ذلك المكان في ذلك الزمان، وهي عند جمهور الفقهاء كأبي حنيفة ومالك وأحمد ليست مقدَّرةً بالشرع قدرًا [و] لا حدًّا (3)، بل هي معلومة بعرف، تزيد وتنقص بحسب حال الزوج، وفي اعتبارها بحال المرأة خلافٌ في مذهب أحمد وغيره. وهل يجب تمليك المرأة ذلك ــ وهو الذي يسمى: الأكل ــ كالفرض أم يكفي تمكينها من الأكل في المنزل كما جرت به أعراف (4) الناس وعادتهم قديمًا وحديثًا؟ فيه قولان للفقهاء، والثاني أشْبَهُهما بالكتاب والسنة، فإنه لم يُعْرَف على عهد السلف امرأة كانت تأكل بالفرض، وهذا هو المعروف الذي _________ (1) الأصل: «تتبعه» تحريف. (2) الأصل: «فهو» وكذا الضمير بعده. (3) الأصل: «قدرًا لا حدًّا»، والصواب ما أثبت، وانظر «الفتاوى»: (34/ 83 - 85)، و «زاد المعاد»: (6/ 79 وما بعدها). (4) الأصل: «عرف».

(الكتاب/218)


أمر الله به (1). واختلفوا ــ أيضًا ــ هل وجبت النفقة على وجه الصِّلة (2) كنفقة الأقارب، أم على وجه المعاوضة كالصداق والأجرة؟ على قولين، فالأول قول أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. والثاني هو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه. وبنوا على ذلك أنها على القول الأول تسقط بمضيّ الزمان إذا لم يفرضها حاكم، ولا تستحق فسخ العقد بإعسار (3) الزوج. وعلى الثاني لا تسقط بمضيِّ الزمان كالأجرة، وتستحق الفسخ بعجزه عنها، كعجزه عن الوطء، وكذلك بامتناعها منه في الصحيح. وأما حقها في بدنه فشيئان: العِشرة والمتعة، بحيث لو كان عاجزًا عن الوطء، لكونه مجبوبًا استحقت الفسخ عند العلماء قاطبة، وكذلك لو كان عِنِّينًا على خلافٍ شاذٍّ فيه. ولو آلى منها ــ وهو أن يحلف بالله أنه لا يطؤها مطلقًا أو مدةً تكون أكثر من أربعة أشهر ــ فإنها تستحق الفُرقة باتفاق المسلمين، كما دل عليه القرآن العظيم في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227] لكنَّ أكثرهم يقولون: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يُمَكِّن وإما أن يطلق، ومنهم _________ (1) انظر «الفتاوى»: (34/ 88 - 89). (2) الأصل: «العلم». وانظر «الفتاوى» (34/ 78). (3) الأصل: «النفقة باعتبار» وهو تحريف.

(الكتاب/219)


من يقول: بل يقع الطلاق بِمُضيِّ أربعة أشهر إذا لم يفئ منها. والعِشرة التي هي القَسم ابتداء، والمتعة التي هي الوطء= واجب عليه كما دل عليه الكتاب والسنة والأصول، بل هو مقصود النكاح، واقتضاء الطبع لا ينافي الوجوب، كما لا ينافي وجوب الأكل والشرب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عَمرو (1) - رضي الله عنهما - لما رآه يسرد الصوم: «إن لزوجكَ عليكَ حقًّا» (2)، ولولا استحقاق الوطء لما ملكت فسخ النكاح بعجزه على الوطء، وامتناعه بالدين. ثم قد قيل: الواجب مرة في كل أربعة أشهر؛ لأنها مدة التربُّص في الإيلاء. وقيل: يجب وطؤها بالمعروف على قدر قُوَّته وحاجتها، كما تجب النفقة بالمعروف كذلك، وكما أن الواجب له يستحقه بالمعروف على [أ/ق 69] قدر قوتها وحاجته. والحاكم يقدِّر ما تستحقه من الوطء عند التنازع، كما يقدر ما يستحقه هو، وكما يقدر النفقة ومهر المثل، وكلا القولين في مذهب أحمد وغيره. والثاني أشبه بالكتاب والسنة والأصول ومصلحة الخلق، ولا تُقْضى حاجة الناس ويزول الضرر إلا به. وأما حق الرجل عليها؛ فقد روى مسلم في «صحيحه» (3) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا الله في النساء فإنهنَّ عوانٍ عندكم، وأنكم (4) أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، ولكم أن لا يوطِئنَ _________ (1) الأصل: «عمر» خطأ. (2) أخرجه البخاري (1974)، ومسلم (1159). (3) (1218) من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -. (4) الأصل: «وأنهن».

(الكتاب/220)


فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلنَ ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهنَّ عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من امرأةٍ يدعوها زوجُها إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى تصبح» أخرجاه في «الصحيحين» (1). وقال: «لو كنتُ آمرًا أحدًا بالسُّجود لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها» (2). وروى أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قدم معاذ الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها، فرأى في نفسه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يُعَظَّم، فلما قدم قال: يا رسول الله، رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها، فرأيتُ في نفسي أنك أحق أن تعظَّم، فقال: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا تؤدِّي المرأةُ حقَّ الله تعالى كلَّه حتى تؤدِّي حقَّ زوجها كله، ولو سألها نفسَها على ظهر قَتَبٍ لأعطته إيَّاه» (3). وهذا متفق عليه بين الفقهاء: أن له أن يستمتع بها متى ما شاء ما لم يضرّ _________ (1) البخاري (5194)، ومسلم (1436) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (2) أخرجه الترمذي (1159)، وابن حبان (4162)، والبيهقي: (7/ 291) قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وصححه ابن حبان. وله شاهد من حديث عائشة، وأنس، وقيس بن سعد، ومعاذ، وابن أبي أوفى ــ وهو الآتي ــ - رضي الله عنهم -. (3) أخرجه أحمد (19403)، وابن ماجه (1853)، وابن حبان (4171)، والبيهقي: (7/ 292). وانظر ما قبله.

(الكتاب/221)


بها أو يشغَلْها عن فرض، فعليها أن تُمكِّنه. كذلك ولا تخرج من منزله إلا بإذنه أو إذن الشارع، فإنها عانية عنده، والعاني: الأسير. وينبغي له إذا استأذنته أن تخرج إلى الصلاة أن لا يمنعها إذا لم يكن فيه مفسدة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ» (1). وكذلك لا يمنعها عيادة (2) مرضى أهلها وتعزيتهم. وهل له حق في بدنها من الخدمة، مثل الفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك؟ اختلف الفقهاء فيه، فقيل: يجب عليها، وقيل: لا يجب، وقيل: يجب الخفيف منه، كالذي اقتضاه العُرف، وهو يختلف باختلاف عادات الناس. * * * * _________ (1) أخرجه البخاري (900)، ومسلم (442) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -. (2) الأصل: «إعادة».

(الكتاب/222)


فصل (1) _________ (1) ملخص الفصل كما في بقية النسخ: (وقد تنازع المسلمون في مسائل من ذلك، وكذلك في المعاملات من البياعات [ظ: المبايعات، ب: المبيعات] والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض، فإن العدل فيها هو قوام العالمين لا تصلح الدنيا والآخرة [لا: ز] إلا به. فمن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه كل أحد بعقله، كوجوب تسليم الثمن على المشتري وتسليم المبيع على البائع للمشتري وتحريم تطفيف المكيال والميزان ووجوب الصدق والبيان وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد. ومنها ما هو خفي حتى جاءت به الشرائع أو شريعتنا أهل الإسلام فإن جمهور [ظ: عامة] ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم دقه وجله، مثل أكل المال بالباطل وجنسه من الربا والميسر وأنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل: بيع الغرر وبيع حَبَل الحبلة وبيع الطير في الهواء والسمك في الماء والبيع إلى أجل غير مسمى وبيع المصراة وبيع المدلس والملامسة والمنابذة والمزابنة والمحاقلة والنجش وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وما نهى عنه من أنواع المشاركات الفاسدة كالمخابرة بزرع بقعة بعينها من الأرض. ومن ذلك ما قد تنازع فيه المسلمون لخفائه واشتباهه، فقد يرى هذا العقد والقبض صحيحًا عدلًا وإن كان غيره يرى فيه جورًا يوجب فساده، وقد قال الله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]. والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دل الكتاب والسنة على شرعه، إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرّمه الله بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دون الله ما لم يحرمه الله، وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، اللهم وفقنا لأن نجعل الحلال ما حللته والحرام ما حرمته والدين ما شرعته).

(الكتاب/223)


وأما الحكم في (1) الأموال؛ فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله، مثل قَسْم المواريث بين الورثة على ما جاء به الكتاب والسنة. (2) قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقه، ولا وصية لوارث» (3) ولما ذكر الله الفرائض ــ فرائض عمود النسب من الأصول والفروع وفرائض الأطراف من الزوجين والكلالة ــ قال سبحانه وتعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 13 - 14]. _________ (1) «الحكم في» من الأصل. (2) من هنا إلى آخر الفصل (ص 226) من الأصل فقط. (3) هذا الحديث روي من طريق جماعة من الصحابة، منها حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أخرجه أحمد (22294)، وأبو داود (2862)، والترمذي (2120)، وابن ماجه (2713)، والدارقطني: (3/ 40)، والبيهقي: (6/ 212) وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (وفي التحفة والبدر: حسن فقط). قال ابن الملقن في «البدر المنير»: (7/ 264 - 269): وهو كما قال؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم، وهو حمصي من أهل الشام. وحَسَّنه الحافظ في «التلخيص»: (3/ 106).

(الكتاب/224)


فيُمْنَع المريض أن يخص بعضَ الورثة بعطيَّة أو وصية، أو يحتال على ذلك، أو يَشهدوا على إقرار قد [أ/ق 70] لُقِّنوه أو عَرَفوا بطلانه، ولذلك تورَّث النساء والصِّغار بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، وما قد عاد إليه كثير من الأعراب، ويسوَّى بين من سوَّى الله بينه وبين ولد الحرَّة والأمة. وقد تنازع الصحابة ومن بعدهم في بعض مسائل الفرائض، كالجد مع الإخوة والمشرَّكة والعمريتين وغير ذلك. وكذلك العلم بالعدل [في] (1) المعاملات؛ من البِياعات (2) والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا، ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض، فإنَّ العدلَ فيها هو قِوام العالمين لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به. فمن العدل فيها ما هو ظاهرٌ يعرفه كلُّ أحد بعقله، وهو من المعروف الذي قال الله تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [الأعراف: 157]، كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع، وتحريم تطفيف المكاييل والموازين، ووجوب الصِّدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد (3). ومنها ما هو خفيٌّ على العقول حتى جاءت به الشرائع وشريعتنا أهل الإسلام، فإن جمهور ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات تعود إلى _________ (1) الأصل: «و». (2) البياعات: الأشياء التي يُتبايع بها في التجارة. انظر «اللسان»: (8/ 23). (3) الأصل: «الحد» وهو تحريف. وانظر «الفتاوى»: (30/ 350).

(الكتاب/225)


تحقيق العدل والنهي عن الظلم دِقِّه وجلِّه، مثل أكل المال بالباطل الذي حرَّمه القرآن، وذَكَر جِنْسَيه: الربا والميسر، ومثل أنواع الربا (1) والميسر التي نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ مثل بيع الغَرَر، وبيع حَبَل الحَبَلة، وبيع الطير في الهواء، والسَّمك في الماء، والبيع إلى أجل غير مسمى، وبيع المصرَّاة، وبيع المدلَّس، وبيع الملامسة، والمنابذة، والمزابنة، والمحاقلة، والنَّجَش، وبيع الثَّمَر قبل بُدُوِّ صلاحه، وغير ذلك، وهي نحو أربعين نوعًا من البيع. وما نهى عنه من أنواع المشاركات الفاسدة؛ كالمخابرة بزرع بقعة من الأرض، ومن ذلك ما قد تنازع فيه المسلمون لخفائه (2) أو اشتباهه. وقد يرى أحدُهما أنَّ العقد والقَبْض عدلٌ لا جورَ فيه، فيكون صحيحًا، وإن كان الآخر يظن أنه مشتمل على جَور يكون به فاسدًا. وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]. والأصل في هذا: أنه لا يُحَرَّم على الناس في المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دلَّ الكتابُ والسنةُ على تحريمه، كما لا يُشْرَع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا ما دلَّ الكتاب أو السنة على شرعه؛ إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حَرَّمه الله، بخلاف الذين ذمَّهم الله، حيث حرَّموا من دون الله ما لم يحرمه وأشركوا بالله ما لم ينزلِّ به سلطانًا، وشرعوا من الدين _________ (1) الأصل: «الزنا». (2) تحرفت في الأصل إلى: «لحقانه»!

(الكتاب/226)


ما لم يأذن به الله. اللهم فوفّقنا لأن نجل الحلال ما حللته، والحرام ما حرَّمته، والدين ما شَرَعْته. وعلى ولي الأمر أن يتقدم بالنهي عن المعاملات المحرَّمة وعقوبة فاعليها مثل الغِش، فقد روى مسلم في «صحيحه» (1) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على صُبْرة طعام فأدخل يدَه فيها فنالت (2) أصابعه [أ/ق 71] بللًا فقال: «ما هذا يا صاحبَ الطعام؟!» قال: أصابته السماءُ يا رسول الله، قال: «أفلا جعلتَه فوقَ الطعام حتى يراه الناسُ، من غشَّ فليسَ منِّي» وفي رواية (3): «من غَشَّنا فليسَ مِنَّا». والغِشُّ: اسم جامع لكل من أظهر من المبيع خلافَ باطنه، مثل الذين يحسِّنون ظاهر الأطعمة من الثمار والحبوب ونحوها، ويجعلون الرديء في باطنها، ويفعلون مثل ذلك في الحيوان؛ كتصرية الإبل والغنم، وهو أن يجمع اللبن في ضرعها يومين أو ثلاثة ثم يبيعها، فيظن المشتري أنها تحلب كلَّ يوم بقدر ما في الضرع، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعدُ فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر» أخرجاه في «الصحيحين» (4). ومثال ذلك: تحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها وتجعيده. _________ (1) (102). (2) تحرفت في الأصل إلى: «فسالت»! (3) أخرجها مسلم (101) من حديث أبي هريرة أيضًا بلفظ: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشَّنا فليس منا». (4) البخاري (2148)، ومسلم (1515/ 11) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(الكتاب/227)


وكذلك الغش في الصناعات، كمن يصنع للناس بالأجرة، أو من (1) يصنع لنفسه ثم يبيع الناس؛ من النساجين، والطباخين، والخبازين، والشوَّائين، والطحَّانين، والمناديين، والسَّماسرة= فإنّ الغشّ يكثر في هؤلاء، وهو من الخيانة وعدم النصيحة. وفي «الصحيح» (2) عن جرير بن عبد الله قال: بايعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - على النُّصْحِ لكلِّ مسلم. وفي «الصحيحين» (3) عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صَدَقا وبيَّنا بُورِكَ في بيعهما وإن كَذَبا وكتما مُحِقت بركة بيعِهما». ومن أعظم الغش: الغش في جنس الأثمان؛ من الدراهم والدنانير والمصوغ منهما، فلا يمكن أحدًا أن يضرب الدراهم والدنانير [إلا] بأمر السلطان خوفًا من الغش، ولا يجوز لذي سلطان أن يكسر سكة المسلمين ليربح فيها، أو لأجل كتابة اسم، فقد روى أبو داود في «سننه» (4) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - _________ (1) العبارة في الأصل: «أما من ... أو لمن» والصواب ما أثبت. (2) أخرجه البخاري (57)، ومسلم (56). (3) البخاري (2079)، ومسلم (1532). (4) (3449). وأخرجه أحمد (15457)، وابن ماجه (2263)، والحاكم: (2/ 31)، والبيهقي: (6/ 33)، والعقيلي في «الضعفاء»: (4/ 125) وغيرهم من حديث عبد الله المزني. تفرد به محمد بن فضاء الأزدي عن أبيه، وقد ضعفه ابن معين والنسائي، وقال العقيلي: لا يُتابع على حديثه، وقال ابن حبان: منكر الرواية، حدَّث بدون عشرة أحاديث كلها مناكير، لا يتابع على شيء منها فبطل الاحتجاج به. وأبوه مجهول. انظر «تهذيب الكمال»: (6/ 474 - 475).

(الكتاب/228)


نهى عن كَسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس. وقال بعض السلف: كسر سكة المسلمين من الفساد في الأرض. وقد قيل: إنه مما عابه الله عز وجل على قوم شعيب حيث قال: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85]. نعم يجوز كسر السِّكة المغشوشة، فإن الناس إذا مُكِّنوا من ذلك لم يتبين مقدار الغش. وقد روى الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه نهى عن شَوْب اللبن بالماء للبيع (1). يعني أنه يجوز أن يُشاب اللبن للشرب، فأما البيع فلا يجوز وإن علم المشتري أنه مشوب؛ لأنه لا يتبين مقدار الشَّوْب. ومن أعظم أنواع الغش: الكيمياء (2)، وهو عمل ما يشبه الذهب والفضة، وكذلك يعمل ما يشبه الجواهر والطِّيب من المِسك والزعفران والعنبر وغير ذلك. ومعنى الكيمياء: الشَّبَه. فإن ذلك كله محرم، إذ لا يكون المصنوع مثل المخلوق قط، وإنما غايته أن يُشَبَّه به في الظاهر وفي بعض صفاته. _________ (1) أخرجه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان»: (2/ 116) عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعًا. (2) انظر في الكلام عليها مطولًا: «مجموع الفتاوى»: (29/ 368 - 391). ولابن القيم رسالة مفردة في بطلان صناعة الكيمياء وذلك من أربعين وجهًا، ذكرها في كتابه «مفتاح دار السعادة»: (2/ 93)، وقد نُمي إلينا خبر وجودها.

(الكتاب/229)


ولم يخلق الله شيئًا وجعلَ للخلق سبيلًا أن يخلقوا كخلقه ولا أقدرهم [أ/ق 72] على [أن] ينقلوا نوعًا من أنواع خلقه إلى نوع آخر، وإنما صنَعَ الناسُ الزجاجَ، لأن الله لم يخلق زجاجًا كما خلقَ ذهبًا وفضة. وقد اتفق عقلاء بني آدم على أن غاية الكيمياء الزَّغَل الجيد الذي لا ينكشف إلا بعد مدة طويلة، ولا يتعلَّق بها إلا أحد رجلين: قليل العقل يعتقد صحَّتها، أو قليل الدين يستحل إنفاق المغشوش. وما يُذكر فيها من الحكايات الصحيحة غايته المغشوش الجيد الذي يروج على خلقٍ من النقَّاد، فالإنكارُ على هذا الضرب وعقوبتهم من أعظم الواجبات. وأكثر ما فسَدَ حالُ كثير من الناس من هذا الوجه، ولهذا لم يذكر الفقهاء ما يجب في الكيمياء كما يجب في المعدن والركاز، إذ كان للركاز حقيقة، وهي الكنوز العادية التي تسمى المطالب، وليس للكيمياء حقيقة. ومن ادعى على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو على موسى ــ عليه السلام ــ أنه كان يَعْملها أو يُعَلِّمها فقد كذب وافترى. وجابر بن حيَّان الذي تُعْزَى (1) إليه مصنفاتها مجهولٌ كثير التخليط والتناقض (2). _________ (1) الأصل: «بعدي»! (2) وقال المصنف أيضًا في «مجموع الفتاوى»: (29/ 374): «وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية، فمجهول لا يعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم ولا بين أهل الدين» اهـ. وقال عنه القفطي: الصوفي الكوفي كان متقدمًا في العلوم الطبيعية بارعًا منها في صناعة الكيمياء وله فيها تآليف كثيرة ومصنفات مشهورة، وكان مع هذا مشرفًا على كثير من علوم الفلسفة ومتقلدًا للعلم المعروف بعلم الباطن. وقال ابن خلدون وهو يتكلم عن علم السحر والطِّلَّسمات: «ثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة، فتصفح كتب القوم واستخرج الصناعة، وغاص في زبدتها واستخرجها ووضع فيها عدة من التآليف. وأكثر الكلام فيها وفي صناعة السيمياء، لأنها من توابعها ... ». «مقدمة ابن خلدون»: (1/ 303). وانظر ترجمته ــ على شُحِّها ــ في: «إخبار العلماء بأخبار الحكماء»: (1/ 209)، و «وفيات الأعيان»: (1/ 327)، و «الوافي بالوفيات»: (11/ 34)، و «فوات الوفيات»: (1/ 275)، و «كشف الظنون»: (2/ 1529 - 1530)، و «الأعلام»: (2/ 103) للزركلي.

(الكتاب/230)


والكيمياء من جنس السيمياء، وهو السحر الذي يُخَيِّل الشيَّ بخلاف ما هو عليه، كما حكى الله تعالى عن سَحَرة قوم فرعون أنهم قالوا لموسى: {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 65]. فيقال (1): إنهم تحيلوا على ذلك بزئبق وضعوه فيها، فلما حمي الحرُّ تحرَّك الزئبق بها. وهو نظير ما يفعله رهبان النصارى من المخاريق والمصعون (2)، ممن (3) ينسب إلى الصلاح بلا حقيقة. وكل هذا من نوع الكذب والنفاق والغش والخديعة والمكر، وكل هؤلاء يستحق العقوبة البالغة؛ لما فيهم من الضرر على أنفسهم وعلى الناس في دينهم ودنياهم. فأما معرفة هذه الأشياء بلا غشٍّ (4) لأحد لكن لمعارضة المُبْطِل وكشف (5) غِشِّه وتدليسِه= فإنه قد ينتفع بذلك، إذ لولا معرفة ذلك عند أهل _________ (1) الأصل: «فقال». (2) كذا في الأصل! و «المخاريق» تصحفت إلى «البحاريق». (3) مشتبهة في الأصل. (4) رسمها في الأصل: «عسر»! (5) الأصل: «وكيف» ولعلها ما أثبت.

(الكتاب/231)


الحق لنفق (1) الباطل عند كثير ممن لا يعرفها. نعم قد يخرق العادة لمن شاء من عباده بمعجزات الأنبياء وبكرامات الصالحين، ولكن ذلك لا يقف على الأسباب التي يتعاطاها أهل الغش من الكيمياوية والسَّحَرة، بل قد يقلب الله الباذنجان والحصى ذهبًا وفضةً لمن شاء، مع أن عامة هؤلاء ينفقون منها ولو قلبها الله لهم. ومما يتعين أيضًا على ولي الأمر: النظر في ولاة الحِسْبة وما يدخلون لله (2) من أسعار المسلمين ومداهنة باعة الدقيق وغيره لما ينالهم من السُّحْت، فإن مضرة هذا عامة، وإن لم يكن ناظر الحِسْبة ممن يخشى الله ويوثق بأمانته، وإلا فما يُبْذَل له من المال يزلزل أمثاله، فإن هؤلاء الذين يبخسون الناسَ أشياءَهم ويعثون في الأرض مفسدين، فجعلهم غرض عظيم فيما يحصلونه من المال الخبيث، فيبذلون فيه عظيمًا، وهو قليل من كثير، فقد قال سلفهم قديمًا لشعيب - صلى الله عليه وسلم -: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]. مع أن هذه الأشياء هي من الحقوق العامة التي يجب القيام بها ابتداءً كأمر حقوق الله ليست حقًّا لآدمي معيَّن [أ/ق 73] لكن كثيرًا ما يقع الشكوى فيها من المعينين، فهي داخلة في الحكم بين الناس في الأموال والقضاء، والحكم فيها كأمثالها، والله أعلم. * * * * _________ (1) رسمها في الأصل: «يتفرق» بلا نقط في الحرفين الأولين، ولعل الصواب ما أثبت. (2) كذا في الأصل. وهذه الفقرة برمتها السياقُ فيها قلق.

(الكتاب/232)


فصل لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله أمر بها نبيه، قال سبحانه وتعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (1) [آل عمران: 159]. وقد رُوِي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لم يكن أحدٌ أكثر مشاورةً لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2). وقد قيل: إن الله تعالى أمر بها نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - لتاليفِ قلوبِ أصحابِه، وليقتدي به من بعده، وليَسْتَخْرج (3) منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحروب والأمور الحربية (4) وغير ذلك؛ فغيره - صلى الله عليه وسلم - أولى بالمشاورة. وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بذلك، فقال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (5) [الشورى: 38]. وإذا استشارَهم، فإن بيَّن له بعضهم ما يجبُ اتباعُه من كتاب الله وسنة رسوله، أو إجماع المسلمين؛ فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحدٍ في خلاف ذلك، وإن كان عظيمًا في الدين أو _________ (1) الآية في بقية النسخ إلى: «وشاورهم في الأمر». (2) أخرجه ابن حبان (4872)، والبيهقي: (7/ 45، 10/ 109) في حديث قصة الحديبية الطويل، من طريق معمر عن الزهري: كان أبو هريرة يقول به. (3) الأصل: «والمقتدي [ز: ليقتدي] به من بعده والمستخرج [ي: يستخرج]». (4) كذا في الأصل و (ب، ل)، و (ف، ي، ز، ظ، ط): «الجزئية»، وكتب في هامش (ي): «ظ: التجربية». (5) في بقية النسخ سيقت الآية من قوله: «وما عند الله خير وأبقى ... » إلى «ينفقون».

(الكتاب/233)


الدنيا، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]. وإن كان أمرًا قد تنازع فيه المسلمون؛ فينبغي أن يستخرج من كل واحدٍ منهم رأيَه ووجْهَ رأيِه، فأيُّ الآراء كان أشبهَ بكتاب الله وسنة رسوله عُمِلَ به، كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (1). وأولو الأمر صنفان؛ الأمراء والعلماء (2)، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فأكثر ما يُخافُ على الناس ضررهما، وكان السلفُ يحذِّرون فتنتهما: فتنة المبتدع في دينه، والفاجر في دنياه، صاحب هوًى قد أعماه هواه، وصاحب دنيا قد أغوته دنياه، فتنة الذين استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، وفتنة الذين خاضوا كما خاض الذين من قبلهم. وكانوا يقولون: من نجا من فتنة أهل البدع، وفتنة ذي السلطان نجا (3). فعلى كلٍّ منهما أن يتحرَّى بما (4) يقوله ويفعله طاعةَ الله ورسوله، واتباعَ كتاب الله وسنة رسوله (5)، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل _________ (1) من قوله «ذلك خير ... » إلى هنا ساقط من (ظ). (2) (ي): «الفقهاء». (3) من قوله: «فأكثر ما يخاف ... » إلى هنا من الأصل فقط. (4) (ي): «فيما». (5) «وسنة رسوله» من الأصل.

(الكتاب/234)


عليه الكتاب والسنة= كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده، أو غير ذلك؛ فله أن يقلد من يرتضي علمَه ودينَه، هذا أقوى الأقوال. وقد قيل: ليس له التقليد بكل حال (1)، وقيل: له التقليد بكل حال، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره. وكذلك ما يُشْتَرط في القضاة والولاة من الشروط، يجب فعله بحسب الإمكان، بل وسائر شروط (2) العبادات؛ من الصلاة والجهاد وغير ذلك، كلُ ذلك واجب مع القدرة، فأمَّا مع العجز فإن الله لا يكلف [أ/ق 74] نفسًا إلا وسعها؛ ولهذا أمرَ الله المصلي أن يتطهَّر بالماء، فإن عدمه أو خاف الضرر باستعماله لشدة البرد أو لجروح به (3) أو غير ذلك= تيمم الصعيدَ (4) الطيب؛ فمسح بوجهه ويديه منه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب» (5). فقد أوجب الله تعالى الصلاة في الوقت على أيِّ حالٍ أمكن، كما قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 238 - 239]. _________ (1) (ف، ي، ب): «بحال»، وجملة: «وقيل له التقليد بكل حال» سقطت من (ز). (2) ليست في (ظ، ب، ل، ط). (3) (ي، ظ، ب): «لجراحه»، (ف، ب، ط): «جراحة»، ومطموسة في (ز). (4) (ي، ظ، ب): «بالصعيد»، (ل، ط): «صعيدًا طيبًا». (5) أخرجه البخاري (1117).

(الكتاب/235)


فأوجب الله الصلاة على الآمن والخائف، والصحيح والمريض، والغني والفقير، والمقيم والمسافر، وخففها على المسافر والخائف (1) والمريض والفقير الذي لا يجد طهورًا أو لا يجد مَيْسَرة (2)، كما جاء به الكتاب والسنة. وأسقط ما يعجز عنه العبد من واجباتها، من الطهارة، واستقبال الكعبة، وقراءة الفاتحة، وتكميل الركوع والسجود والقيام (3). فلو انكسرت سفينة بقوم، أو سلبهم المحاربون ثيابهم؛ صلوا عراةً (4) بحسب أحوالهم، وكان (5) إمامُهم وسطهم؛ لئلا يرى الباقون عورته. ولو اشتبهت (6) القبلة اجتهدوا في الاستدلال عليها (7)، فلو عَمِيَت الدلائلُ صلوا كيف أمكنهم، كما قد رُوي أنهم فعلوا ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (8). _________ (1) من قوله: «والصحيح ... » إلى هنا سقط من (ي). (2) «والفقير الذي لا يجد طهورًا أو لا يجد ميسرة» من الأصل. (3) العبارة في باقي النسخ: «وكذلك أوجب فيها واجبات من الطهارة والستارة واستقبال القبلة [ف: الكعبة]، وأسقط ما يعجز عنه العبد من ذلك». (4) (ي): «عرايا». (5) (ي، ز): «وقام». (6) (ي، ز): «اشتبهت عليهم». (7) (ي): «إليها»، وليست في (ف، ب، ل). (8) وذلك من حديث عامر بن ربيعة قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. أخرجه الترمذي (345)، وابن ماجه (1020)، والدارقطني: (1/ 272)، والبيهقي: (2/ 11) وغيرهم. قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعّف في الحديث. اهـ.

(الكتاب/236)


وكذلك لو حُبِس بمكان ضَيِّق، أو كان حال [مساورة العدو] (1) وغير ذلك (2)، فهكذا الجهاد والولايات وسائر أمور الدين، وذلك كله في قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (3). كما أن الله تعالى لما حرَّم المطاعم الخبيثة قال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، وقال تعالى: {جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ} [الحج: 78]، وقال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، فلم يوجب ما لا يُستطاع، ولم يحرِّم ما يُضْطَر إليه إذا كانت الضرورة بغير معصية من العبد. فصل ولاية (4) أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا تمام (5) للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم _________ (1) في الأصل: «مسارة العدد»! والأصح ما أثبت. (2) من قوله: «وكذلك لو ... » إلى هنا من الأصل. (3) أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (4) العبارة في بقية النسخ: «يجب أن يعرف أن ولاية ... ». (5) بقية النسخ: «قيام».

(الكتاب/237)


إلى بعض تعاونًا وتناصرًا؛ يتعاونون على جلب المنفعة، ويتناصرون لدفع المضرة، إذ الواحد منهم لا يقدر وحده على جلب جميع منافعه، ودفع جميع مضارِّه (1). ولابد (2) لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا خرج ثلاثةٌ في سفر فليؤمِّروا (3) أحدهم» رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة (4). وروى الإمام أحمد في «المسند» (5) عن ابن عَمرو (6) - رضي الله عنهما - (7) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحلُّ لثلاثة يكونوا بفلاةٍ من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدَهم». فأوجب - صلى الله عليه وسلم - تأميرَ الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع التي هي أكثر وأدْوَم، ولأن الله تعالى أوجب (8) الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، ولا يتمُّ ذلك إلا بقوَّة وإمارة، _________ (1) من قوله: «تعاونًا وتناصرًا ... » إلى هنا من الأصل. (2) تحرفت في الأصل: «ولأنه»! (3) (ي): «فأمروا» وعلق بالهامش: «لفظه في سنن أبي داود: فليؤمروا». (4) (2608، 2609). قال النووي في «رياض الصالحين» (ص 299): إسناده حسن. وكذا الألباني في «الصحيحة» (1322). (5) (6647) وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف. (6) في الأصل و (ي، ظ): «عمر» خطأ. (7) من أول الفقرة إلى هنا ساقط من (ظ). (8) (ف) بدلا من «التي هي ... أوجب» = «وجوب». وقوله: «بذلك على سائر أنواع» تكرر في (ب)، و «التي هي أكثر وأدوم» من الأصل، وما بعدها في (ظ): «ويدل على ذلك أن واجب».

(الكتاب/238)


وكذلك سائر ما أوجب [أ/ق 75] من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجُمَع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود= لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا رُوي: «إن السلطانَ ظلُّ الله في الأرض» (1)، ويقال: «ستونَ سنة من إمامٍ جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان» (2). والتجربة تبيِّن ذلك، فإن الوقت والمكان الذي يعدم فيه السلطان بموت أو قتل، ولم يقم غيره، أو تجري فيه فتنة بين طائفتين، أو يخرج أهله على حكم سلطان، كبعض أهل البوادي والقرى= يجري فيها من الفساد في الدين والدنيا، ويفقد فيه من مصالح الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا الله. ولهذا كان السلف ــ كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم ــ يُعَظِّمون قدرَ نعمة الله به، ويرون الدعاء له ومناصحته من أعظم ما يتقرَّبون به إلى الله تعالى، مع عدم الطمع في ماله ورئاسته، ولا لخشية منه، ولا لمعاونته على الإثم والعدوان (3). _________ (1) أخرجه العُقيلي في «الضعفاء»: (3/ 353 - 354)، وأبو نعيم في «فضيلة العادلين ــ مع تخريجه» (32) , والبيهقي: (8/ 162) من حديث أنس - رضي الله عنه -. قال العقيلي: حديث منكر. وقال الأزدي: غير محفوظ. وللحديث روايات عن عدد من الصحابة وكلها ضعيفة. (2) نسبه المصنف لبعض العقلاء في «الفتاوى»: (20/ 54، 30/ 136). (3) من قوله: «فإن الوقت والمكان ... » إلى هنا من الأصل فقط. وانظر بعض آثار السلف في ذلك: «السنة» (14)، و «فضيلة العادلين» (48)، و «الحلية»: (8/ 91)، و «جامع بيان العلم»: (1/ 644 - 647)، و «الفتاوى»: (18/ 391).

(الكتاب/239)


(1) وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولَّاه أمركم» (2). وقال: «ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومناصحةُ ولاة الأمر، ولزومُ جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تُحيط من ورائهم (3)» (4). وهذان حديثان حسنان (5). وفي «الصحيح» (6) عنه أنه قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة (7)»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة _________ (1) قبله في باقي النسخ ــ وهو اختصار لما سلف في الأصل ــ: «ولهذا كان السلف ــ كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما ــ يقولون: لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان». (2) (ي، ز) زيادة: «رواه مسلم» وهو فيه (1715) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (3) الجملة الأخيرة من بقية النسخ. (4) أخرجه أحمد (21590)، وأبو داود (3660)، والترمذي (2656)، وابن ماجه (230)، وابن حبان «الإحسان» (680)، وغيرهم، كلهم من حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -. قال الترمذي: حديث حسن. وصححه ابن حبان. وله شاهد من حديث أنس أخرجه أحمد (13350)، وابن ماجه (236). (5) هذه الجملة مكانها في (ي، ز): «رواه أهل السنن»، وهي في (ظ) بالإفراد: «هذا حديث حسن». وقد رأيتَ أنَّ أحدهما في مسلم. (6) أخرجه مسلم (55) من حديث تميم الداري - رضي الله عنه -. (7) جملة «الدين النصيحة» في (ظ) مرة واحدة.

(الكتاب/240)


المسلمين وعامتهم». وإن كان أكثر من يدخل فيها لا يقصد العبادة ... (1) والتقرب، بل لما في النفوس من حب الشرف والعلو. فكما أن أكثر من يأكل ويشرب وينكح لا يقصد العبادة المحضة ــ وهو من الواجبات ــ. بل من أكثر من يؤدي الأمانات الظاهرة، كقضاء دين الناس، وما عنده من أموال المضاربات والشركات إنما يقصد بها قيام حُرمته وجاهه عندهم ــ وهي من الواجبات ــ فنظيره كثير (2). فالواجب اتخاذ الإمارة (3) دينًا وقُربة يتقرب بها بالعمل الصالح فيها (4) إلى الله تعالى، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما فسدَ فيها حالُ أكثر الناس لابتغاء الرئاسة أو المال بها فقط. وقد روى كعب بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما ذئبان جائعان أُرْسِلا في غَنَم (5) بأفسد [لها] من حرص المرء على المال والشرف لدينه» (6). قال _________ (1) هنا كلمة رسمها في الأصل: «بالك»! (2) الأصل: «أما يقصد ... »، والجملة في الأصل غير محررة. (3) الأصل: «الأمانة»، والتصحيح من بقية النسخ. (4) «بالعمل الصالح فيها» من الأصل. (5) (ي): «زريبة غنم». (6) أخرجه أحمد (15784)، والترمذي (2376)، والنسائي في «الكبرى» (11796)، والدارمي (2772)، وابن حبان (3228)، والبيهقي في «الشعب» (7983) من حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه -. وصححه الترمذي وابن حبان. وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة، وعاصم بن عدي، وابن عباس، وابن عمر، وجابر. ولابن رجب الحنبلي رسالة في شرح هذا الحديث انظرها في «مجموع رسائله»: (1/ 63 - 96).

(الكتاب/241)


الترمذي: حديث حسن صحيح. فأخبر أنَّ حرص المرء على المال والرئاسة يُفسد دينه، مثل أو أكثر من إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. وقد أخبر الله تعالى عن الذي يؤتَى كتابه بشماله أنه يقول: {يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} (1) [الحاقة: 25 - 29]. وقال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} [غافر: 21]، وقال تعالى: {الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا [أ/ق 76] يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)} [القصص: 83]. فالناس أربعة أقسام: قومٌ يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله تعالى، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه (2)، وهؤلاء _________ (1) بعده في بقية الأصول: «وغاية مريد الرياسة أن يكون كفرعون، وجامع المال أن يكون كقارون، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه حال فرعون وقارون»، ثم ذكر الآيتين الأخيرتين فقط. (2) ليست في (ب).

(الكتاب/242)


شر الخلق، قال الله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4]. وروى مسلم في «صحيحه» (1) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخلُ الجنةَ من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كِبر، ولا يدخل النارَ من في قلبه ذرة من إيمان»، فقال رجل: يا رسول الله، إني أحبُّ أن يكون ثوبي حسنًا ونعلي حسنًا أفَمِن الكِبْر ذاك؟ قال: «لا (2)، الكِبْر بَطَرُ الحق وغَمطُ الناس». فبَطَر الحق: جَحْده (3)، وغَمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم. فهذه حال من يريد العلو في الأرض والفساد. والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا علو، كالسُّرَّاق والمجرمين من سَفِلَة الناس ونحوهم. والثالث: يريدون العلوَّ بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس، وهو أكثر في المتعلقة بنوعٍ من العلم أو نوع من الورع (4). وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا _________ (1) أخرجه مسلم (91) دون قوله «ولا يدخل النار ... » وهي في «المسند» و «السنن». (2) بعده في (ي، ز): «إن الله جميل يحب الجمال ... ». (3) (ف، ي، ظ، ب، ل) زيادة: «ودفعه». (4) من «وهو أكثر ... » إلى هنا من الأصل.

(الكتاب/243)


فسادًا، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم، كما قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، وقال تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35]، وقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]. فكم ممن يريد العلوَّ ولا يزيده ذلك إلا سفولًا (1)، وكم ممن جعل (2) من الأعْلَين (3) وهو لا يريد العلوّ ولا الفساد، وذلك لأن [إرادة العلو على الخلق ظلم (4)؛ لأن الناس من جنس واحد] (5) فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلمٌ له. ثم مع أنه ظلم فالناس يبغضون (6) من يكون كذلك (7) ويعادونه؛ لأن العادل منهم ما يحب أن يكون مقهورًا لنظيره، وغير (8) العادل منهم يُؤثِر أن يكون هو القاهر. فمريدُ العلوِّ فسد عليه دينُه ودنياه بظلم الناس ومعاداتهم لذلك، فيحتاج لذلك إلى أعوانه يدفعون أعداءه، والأعوان في الحقيقة أعداء له، إنما يعينونه لما ينالونه من أهوائهم، فلهذا كان من طلبَ الرياسة إليه أحمقَ جاهلًا، وإنما _________ (1) (ي، ظ، ب، ل): «سفالًا». (2) الأصل: «يبخل»! (3) (ب): «العالمين»! و (ظ): «العالين». (4) سقطت من (ز) وعلق أحد المطالعين بما يشير إلى ذلك. (5) ما بين المعكوفين ليس في الأصل وهو في سائر النسخ. (6) الأصل: «يبغون»! (7) (ظ، ب): «يبغضون منه ذلك». (8) الأصل: «فهو»!

(الكتاب/244)


المطلوب منها ما يدفع به الإنسان عنه الضرر في دينه ودنياه، وهو في الحقيقة دفع علوِّ غيره عنه بالباطل، لا إرادة منه علوًّا على غيره ... (1) إلا يسمى إلا برياسة. وأما من دخل فيه ديانةً كما يدخل الرجل في الجهاد باذلًا نفسَه ومالَه، فهذا هو الذي يعد اعتقاده ... (2) أدفع ما فيها من الفتنة في الدين إلا من عصم الله، والمضرَّة في الدنيا إلا لمن أيَّده الله تعالى (3). ولا بد (4) ــ في العقل والدين ــ من أن يكون بعضهم فوق بعض، كما قد بيناه (5)، كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165]، وقال تعالى: [أ/ق 77] {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32]، فلذلك جاءت الشريعة بجعل (6) السلطان والمال في سبيل الله تعالى عونًا على دين الله (7). فإذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإقامة دينه، وإنفاق ذلك في سبيله= كان ذلك صلاح الدين والدنيا، وإن انفرد السلطان _________ (1) بياض في الأصل بمقدار كلمة. (2) كلمة في الأصل رسمها: المابه! ! (3) من قوله: «فمريد العلو ... » إلى هنا من الأصل. (4) بقية النسخ: «ثم إنه مع هذا لابد لهم». (5) بقية النسخ: «كما قدمناه». (6) (ف، ي، ز، ظ، ل): «بصرف»، (ب): «بتقرب». (7) «عونًا على دين» من الأصل.

(الكتاب/245)


[عن الدين] (1) أو الدين عن السلطان فسدت أحوال الناس في الأموال. وإنما يتميَّز أهلُ طاعة الله عن أهل معصية الله بالنية والعمل الصالح، كما جاء في «الصحيح» (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّ الله لا ينظرُ إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (3). ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، وصاروا بمعزلٍ عن حقيقة الإيمان [في ولايتهم= رأى كثيرٌ من الناس أنَّ الإمارات (4) تنافي الإيمان (5)] (6) وكمال الدين. ثم منهم من غلَّب الدينَ وأعرضَ عما لا يتمُّ الدينُ إلا به من ذلك، ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك فأخذه معرِضًا عن الدين؛ لاعتقاده أنه مناف (7) لذلك، وصار الدينُ عنده (8) في محلِّ الرحمة والذل، لا في محلِّ العلوِّ والعزِّ. وكذلك لما غلبَ على كثير من أهل الديّانين (9) العجزُ عن تكميل _________ (1) ما بينهما سقط من الأصل. (2) أخرجه مسلم (2564) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (3) الأصل: «وأموالكم»! (4) (ظ): «الإمارة». (5) (ي): «حقيقة الإيمان». (6) ما بين المعكوفين ليس في الأصل و (ف، ز). (7) الأصل: «صاق»!! (8) من بقية النسخ. (9) (ي، ز): «الديانيين»، (ط): «الدين». والديَّان هو الحاكم أو الرئيس الديني. «تاج العروس»: (18/ 217).

(الكتاب/246)


الدين، والجَزَعُ لِما قد يصيبهم في إقامته من البلاء= استضعفَ طريقَهم واستذلَّها مَن رأى (1) أنه لا تقوم مصلحتُه ومصلحة غيره بها (2). وهذان السبيلان الفاسدان: سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين= هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الأول للضالين النصارى، والثانية للمغضوب عليهم اليهود (3). وأما (4) الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هي سبيل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وسبيل خلفائه وأصحابه، ومَن سلك سبيلهم، وهم: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]. فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه، فمن ولي ولايةً قصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات، واجتنب ما يمكنه من (5) المحرمات= لم يؤاخذ _________ (1) (ي، ظ، ب): «يرى». (2) (ظ): «إلا بها». (3) (ي): «فالأول المغضوب عليهم لليهود، والثاني الضالين للنصارى». وفي بعض النسخ خلاف ذلك. (4) بقية النسخ: «وإنما». (5) «الواجبات، واجتنب ما يمكنه من» سقط من (ز).

(الكتاب/247)


بما يعجز عنه. فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار، ومن كان عاجزًا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد، ففَعَل ما يقدر عليه (1) بقلبه، والدعاء للأمة، ومحبّة الخير وأهله (2)، وفعَل ما يقدرُ عليه من الواجبات= لم يُكَلَّف بما يعجز عنه، فإنَّ قِوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر، كما ذكر الله تعالى. فعلى كلّ أحدٍ الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله، ويطلب ما عنده مستعينًا بالله في ذلك. ثم الدنيا تخدم الدين، كما قال معاذ بن جبل: ابن آدم أنت محتاجٌ إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحْوَج، فإن بدأتَ بنصيبك من الآخرة مَرَّ بنصيبك مِن الدنيا فانتظَمْتَه انتظامًا، وإن بدأتَ بنصيبك من الدنيا فاتَك نصيبُك من الآخرة، وأنتَ مِن الدنيا على خطر (3). ودليل ذلك: ما رواه الترمذي (4) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أصبح والآخرة أكبر هَمِّه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن أصبح والدنيا أكبر هَمِّه فرَّق الله عليه ضيعته وجعل فقره بين _________ (1) في بقية النسخ زيادة: «من النصيحة». (2) (ي): «ومحبته للخير وأهله»، (ظ، ب): «ومحبة الدين وأهله»، (ف، ل): «ومحبة أهله». (3) أخرجه ابن أبي شيبة: (7/ 125 - 126)، والطبراني في «الكبير»: (20/رقم 49)، وأبو نعيم في «الحلية»: (1/ 234). قال الهيثمي في «المجمع»: (4/ 224): رجاله رجال الصحيح، غير أني لم أجد لابن سيرين سماعًا من معاذ. (4) (2465). وأخرجه وكيع في «الزهد» (359)، والحارث بن أبي أسامة في «مسنده - زوائده» (1092) من حديث أنس - رضي الله عنه -. وللحديث شواهد كثيرة. انظر تخريجه في «الزهد» لوكيع.

(الكتاب/248)


عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِب له». وأصل ذلك كما (1) قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58]. فنسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا، وجميع المسلمين، لما يحبه لنا ويرضاه من القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (2). * * * جاء في آخر الأصل: نقلت من نسخة نقلت جُلّها بخط المصنف نفع الله به. وكان الفراغ من نسخها بكرة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، والحمد لله وحده. * * * * _________ (1) من قوله: «معاذ بن جبل ... » إلى هنا ليس في (ي). (2) خاتمة (ي): «والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا، وهو حسبنا ونعم الوكيل»، وخاتمة (ظ): « ... إلا بالله العلي العظيم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد النبيين والمرسلين ... الخلائق أجمعين محمد وعلى آله وصحبه وذريته أجمعين». و (ب): «والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم، غفر الله لكاتبه ولقارئه ... ولجميع المسلمين». و (ل): «وهذا آخر ما تيسر من السياسة الشرعية. تمت. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا».

(الكتاب/249)


التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا