الدعاء [ مفهومه - أحكامه - أخطاء تقع فيه ]

نبذة مختصرة

الدعاء : يحتوي هذا الكتاب على المباحث الآتية:
تعريف الدعاء، إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم، نوعا الدعاء والعلاقة بينهما، فضائل الدعاء، شروط الدعاء، آداب الدعاء، أوقات، وأماكن، وأحوال، وأوضاع يستجاب فيها الدعاء، أخطاء في الدعاء، أسباب إجابة الدعاء، مسألة في إجابة الدعاء من عدمها، الحِكَمُ من تأخر إجابة الدعاء، نماذج لأدعية قرآنية، نماذج لأدعية نبوية.

تنزيــل

تفاصيل

الدعاء [ مفهومه - أحكامه - أخطاء تقع فيه ]

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله _صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا _ أما بعد:

فإن الدعاء نعمة كبرى، ومنحة جلى، جاد بها المولى _ تبارك وتعالى _ وامتن بها على عباده، حيث أمرهم بالدعاء، ووعدهم بالإجابة والإثابة.

فشأن الدعاء عظيم، ونفعه عميم، ومكانته عالية في الدين، فما استجلبت النعم بمثله، ولا استدفعت النقم بمثله؛ ذلك أنه يتضمن توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون من سواه، وهذا رأس الأمر، وأصل الدين.

فما أشد حاجة العباد إلى الدعاء، بل ما أعظم ضرورتهم إليه؛ فالمسلم في هذه الدنيا لا يستغني عن الدعاء بحال من الأحوال.

فإن كان راعيًا ولاه الله رعية فما أحوجه إلى الدعاء؛ كي يثبت الله سلطانه، ويعينه على استعمال العدل في رعيته، ويحببه إلى رعيته، ويحبب الرعية إليه.

وإن كان داعيًا إلى الله _ تعالى _ فما أشد حاجته لدعاء ربه، وسؤاله الإعانةَ، والقبول، والتوفيق، والتسديد؛ ليثبت على الحق، ويصبر على عثار الطريق ومشاقه، ولتصيخ له الأسماع، وتَصْغى إليه الأفئدة.

وإن كان مجاهدًا في سبيل الله _ فما أعظم حاجته للدعاء، الذي يطلب به النصر، ويستنزل السكينة والثبات في اللقاء، ويسأل ربه خذلان الأعداء، وإنزال الرعب في قلوبهم، وهزيمتَهم، وتفرق كلمتهم.

وإن كان مريضًا فما أشد فاقته وأعظم حاجته للدعاء؛ ليستشفي به من مرضه، ويسأل به كشف كربته، وأن يمن الله عليه بالشفاء والعافية.

وبالجملة فالمسلمون _ بل ومن في الأرض كلهم جميعًا _ بأمسِّ الحاجة للدعاء، وإخلاصه لرب الأرض والسماء؛ ليصلوا بذلك إلى خيري الدنيا والآخرة.

فإذا كان الدعاء بهذه المنزلة العالية والمكانة الرفيعة _ فأجدر بالعبد أن يتفقه فيه، وأن يلم بشيء من أحكامه _ ولو على سبيل الإجمال _ ؛ حتى يدعو ربه على بصيرة وهدى، بعيدًا عن الخطأ والاعتداء؛ فذلك أرجى لقبول دعائه، وإجابة مسألته.

وما يلي من صفحات إنما هو جمع لما تيسر في هذا الباب من خلال ما جاء في نصوص الشرع المطهر، ومما جاء من أقوال العلماء، وما ورد في بعض الكتب التي تطرقت لهذا الموضوع.

أما اسم الكتاب فهو:

=الدعاء _ مفهومه _ أحكامه _ أخطاء تقع فيه+

ومن خلال الصفحات التالية سيتضح لنا _ إن شاء الله _ ما يلي:

-        تعريف الدعاء.

-        إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم.

-        نوعا الدعاء والعلاقة بينهما.

-        فضائل الدعاء.

-        شروط الدعاء.

-        آداب الدعاء.

-        أوقات، وأماكن، وأحوال، وأوضاع يستجاب فيها الدعاء.

-        أخطاء في الدعاء.

-        أسباب إجابة الدعاء.

-        مسألة في إجابة الدعاء من عدمها.

-        الحِكَمُ من تأخر إجابة الدعاء.

-        نماذج لأدعية قرآنية.

-        نماذج لأدعية نبوية.

فما كان في ذلك من حق فهو محض فضل الله، وما كان فيه من خطأ أو زلل _ فمن الشيطان، ومن النفس الأمارة بالسوء.

وأخيرًا أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يتقبل دعاءنا، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

كما أسأله _ عز وجل _ أن يجزي خير الجزاء من أعان على هذا البحث، وأن يجعله في ميزان حسناته يوم يلقاه، وأخص من هؤلاء سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، الذي تفضل بقراءة هذا الكتاب، ووشاه بتعليقاته الماتعة، أثابه الله،وبارك في عمله وأمد في عمره، وأبقاه ذخرًا للإسلام والمسلمين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

محمد بن إبراهيم الحمد

الزلفي 6/8/1415هـ

_ ص . ب . 460 _ الرمز البريدي 11932

 تعريف الدعاء

أولاً: تعريف الدعاء في اللغة: الدعاء مصدر الفعل دعا، قال ابن منظور:=دعا الرجل دعوًا ودعاءً: ناداه، والاسم الدعوة، ودعوت فلانًا أي صِحْتُ به واستدعيته+.( )

وقال:=دَعَاهُ دُعاءً ودعوى، حكاه سيبويه في المصادر التي آخرها ألف التأنيث+.( )

=والدعاء واحد الأدعية، وأصله دعاو؛ لأنه من دعوت، إلا أن الواو لما جاءت بعد الألف هُمِزَتْ.

وتقول للمرأة: أنتِ تَدْعِينَ، باشمام العين الضمة، والجماعة أَنْتُنَّ تَدعُون مثل الرجال سواء+.( )

ثانيًا: تعريف الدعاء في الشرع: أما في الشرع فقد عرف بعدة تعريفات منها:

1_ هو الرغبة إلى الله _ عز وجل _ .( )

2_ وقال الخطابي ×:=ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه _ عز وجل _ العنايةَ، واستمدادُه إياه المعونة.

وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول، والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله _ عز وجل _ وإضافة الجود والكرم إليه+.( )

3_ وعرفه ابن القيم× بقوله: =هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه+.( )

4_ وعُرِّف بأنه: الابتهال إلى الله _ تعالى _ بالسؤال، والرغبة فيما عنده من الخير، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب، والنجاة من المرهوب.( )

 إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم( )

ترد كلمة الدعاء في القرآن الكريم على عدة إطلاقات، منها:

1_  العبادة: فيطلق الدعاء بمعنى العبادة، ومنه قوله _ تعالى _[قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا]الأنعام، 71، وقوله:[ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك]يونس، 106، وقوله:[فلا تدع مع الله إلهًا آخر]الشعراء، 213، وقوله:[والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر]الفرقان، 68،وقوله:[قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم]الفرقان، 77.

2_  القول: ومن ذلك قوله _ تعالى _:[فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين]الأعراف، 5، وقوله :[فما زالت تلك دعواهم]الأنبياء، 15، وقوله:[دعواهم فيها سبحانك اللهم]يونس، 10.

3_ النداء: ومن ذلك قوله _ تعالى _:[فدعا ربه أني مغلوب فانتصر]القمر، 10، وقوله:[يوم يدعو الداع إلى شيء نكر]القمر، 6، وقوله:[يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده]الإسراء، 52، وقوله:[ولا تسمع الصم الدعاء]الروم، 52، وقوله:[إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ (فاطر:14)]فاطر، 14.

4_ الثناء: ومنه قوله _عز وجل_ :[قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن]الإسراء، 110.

5_ الاستغاثة: ومن ذلك قوله _ سبحانه _ :[ادعوا شهداءكم من ون الله]البقرة، 23، وقوله:[وادعوا من استطعتم من دون الله]يونس، 38.

6_ السؤال بمعنى الاستفهام والاستعلام: ومن ذلك قوله _ تعالى _[ادع لنا ربك يبين لنا ما هي]البقرة، 68، يعني: اسأله، ومن ذلك قوله _ عز وجل _ :[ويوم يقول نادوا شركاءي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم]الكهف، 52.

7_ السؤال بمعنى الطلب: قال _ تعالى _ :[ادعوني استجب لكم]غافر، 60، ومن ذلك قوله:[يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز]الأعراف، 134، وقوله:[يا أيها الساحر ادع لنا ربك]الزخرف، 49، وقوله _ جل شأنه _ :[وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب]غافر، 49، يعني اسألوه، واطلبوا منه.

8_ العذاب: وقد قال بذلك بعض العلماء الذين تحدثوا عن الوجوه والنظائر كالدامغاني، وابن الجوزي ( ) الذين قالا: إن الدعاء يأتي بمعنى العذاب، واستشهدا على ذلك بقوله _ تعالى _ :[كلا إنها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى]المعارج، 15_17.

وهذا الوجه يحتمله المعنى اللغوي؛ حيث أورده أئمة اللغة، واستدلوا بالآية الكريمة التي استدل بها الدامغاني، وابن الجوزي.

قال المبر _ في معنى الآية _ : تدعو : تعذب، وقال النضر بن شميل عن الخليل: قال الأعرابي: دعاك الله، أي عَذَّبك الله، وقال ثعلب: دعاك الله: أي أماتك الله.

وقال محمد بن يزيد: تدعو من أدبر وتولى، أي تعذِّب، وقال بن المنظور: أي تفعل بهم الأفاعيل.( ) .

 دعاء المسألة ودعاء العبادة والعلاقة بينهما

كل دعاء ورد في الكتاب والسنة فإنه يتناول نوعين اثنين، ويندرج تحتهما، وهذان النوعان هما:

1_  دعاء المسألة.           2_  دعاء العبادة.

قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي×:=كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء، والنهي عن دعاء غير الله، والثناء على الداعين _ يتناول دعاء المسألة، ودعاء العبادة.

وهذه قاعدة نافعة؛ فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة _ دعاء المسألة فقط، ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء.

وهذا خطأ جرهم إلى ما هو شر منه؛ فإن الآيات صريحة في شموله لدعاء المسألة، ودعاء العبادة+.( )

تعريف دعاء المسألة: هو أن يطلب الداعي ما ينفعه، وما يكشف ضره.( )

أو هو ما تضمن مسألة، أو طلبًا، كأن يقول الداعي: أعطني، أكرمني، وهكذا...

وهذا النوع على ثلاثة أضرب:

1-سؤال الله ودعاؤه: كمن يقول: اللهم ارحمني واغفر لي، فهذا من العبادة لله.

2_   سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه المسؤول: كأن يطلب من ميت أو غائب أن يطعمه، أو يغيثه، أو أن يشفي مرضه، فهذا شرك أكبر.

3_  سؤال غير الله فيما يقدر عليه المسؤول: كأن يطلب من حيٍّ قادرٍ حاضرٍ أن يطعمه، أو يعينه فهذا جائز.( )

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×:=وقد مضت السُّنَّةُ أن الحيَّ يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه.

وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء+.( )

=ومن هذا قوله _ سبحانه _ في قصة موسى _ عليه السلام _:[فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه]القصص: 15،+. *

تعريف دعاء العبادة: أما دعاء العبادة فهو شامل لجميع القربات الظاهرة والباطنة؛ لأن المتعبد لله طالب وداعٍ بلسان مقاله ولسان حاله ربَّه قبولَ تلك العبادة، والإثابة عليها، فهو العبادة بمعناها الشامل.

ولهذا =لو سألت أي عابد مؤمن: ما قَصْدُك بصلاتك، وصيامك، وحجك، وأدائك لحقوق الله وحق الخلق؟ _ لكان قلب المؤمن ناطقًا قبل أن يجيبك لسانه: بأن قصدي من ذلك رضى ربي، ونيل ثوابه، والسلامة من عقابه؛ ولهذا كانت النية شرطًا لصحة الأعمال وقبولها وإثمارها الثمرة الطيبة في الدنيا والآخرة+.( )

ولهذا فَصَرْفُ دعاء العبادة لغير الله يعد شركًا أكبر؛ لأن من يدعو غير الله إنما يتقرب إليه حتى يجيب دعاءه، ويثيبه على فعله.

=وهكذا دعاء المسألة إلا فيما يوجه للمخلوق الحي، الحاضر، القادر؛ فليس من العبادة؛ لقصة موسى المذكورة في سورة القصص، وهي قوله_سبحانه_:[فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه]القصص: 15، والأدلة في ذلك كثيرة+.*

تلازم نوعي الدعاء: من خلال ما مضى يتبين لنا أن نوعي الدعاء متلازمان؛ ذلك أن الله _ عز وجل _ يُدعى لجلب النفع ودفع الضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاءً دعاء العبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان؛ فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.( )

أمثلة لتلازمهما( ): 1_  قال _ تعالى _:[وقال ربكم ادعوني استجب لكم]غافر: 60، أي أستجب طلبكم، وأتقبل عملكم.

ولهذا قال _ تعالى _:[إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين]غافر: 60، فسمى ذلك عبادة؛ وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب سؤله بلسان المقال، والعابد يطلب من ربه القبول والثواب، ومغفرة الذنوب بلسان الحال.

2_ قال _ تعالى _:[وادعوه مخلصين له الدين]الأعراف: 29.

فَوَضْعُ كلمة =الدِّين+ موضع كلمة =العبادة+ _ وهو كثير في القرآن _

يدل على أن الدعاء هو لب الدين، وروح العبادة.

ومعنى الآية هنا: أخلصوا له إذا طلبتم حوائجكم، وأخلصوا له أعمال البر والطاعة.

قال _ تعالى _:[وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا]الآية،يونس: 12.

يدخل في قوله:=دعانا+ دعاءُ المسألة؛ فإنه لا يزال مُلِحًّا بلسانه، سائلاً دفع ضرورته.

ويدخل في دعاء العبادة؛ فإن قلبه في هذه الحال يكون راجيًا طامعًا، منقطعًا عن غير الله، عالمًا أنه لا يكشف ما به من سوء إلا الله، وهذا دعاء عبادة.

4_ قال _ تعالى _:[ادعوا ربكم تضرعًا وخفية]الأعراف: 55.

فقوله _ تعالى _ =ادعوا+ يدخل فيه الأمران؛ فكما أن من كمال دعاء الطلب كثرةَ التضرع، والإلحاح، وإظهار الفقر والمسكنة، وإخفاء ذلك، وإخلاصه _ فكذلك دعاء العبادة؛ فإن العبادة لا تتم، ولا تكمل إلا بالمداومة عليها، ومقارنة الخشوع، والخضوع، وإخفائها، وإخلاصها لله _ تعالى _.

5_ قال _ تعالى _:[فلا تدع مع الله إلهًا آخر]الشعراء: 213، وقوله:[ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به]المؤمنون: 117، وقوله:[فلا تدع مع الله أحدًا]الجن: 18، _ يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ فكما أن من طلب من غير الله حاجة لا يقدر عليها إلا الله فهو مشرك كافر _ فكذلك من عبد مع الله غيره فهو مشرك كافر.

6_ قال _ تعالى _:[ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها]الأعراف: 180، _ يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

أما دعاء المسألة فإنه يسأل الله _ تعالى _ في كل مطلوب باسم يناسب ذلك المطلوب ويقتضيه، فمن سأل رحمة الله ومغفرته دعاه باسم الغفور الرحيم، ومن سأل الرزق سأله باسم الرزاق، وهكذا...

أما دعاء العبادة فهو التعبد لله _ تعالى _ بأسمائه الحسنى، فيفهم أولاً معنى ذلك الاسم الكريم، ثم يديم استحضاره بقلبه حتى يمتلئ قلبه منه؛ فالأسماء الدالة على العظمة والكبرياء تلأ القلب تعظيمًا وإجلالاً لله _ تعالى _.

والأسماء الدالة على الرحمة، والفضل، والإحسان تملأ القلب طمعًا في فضل الله، ورجاء رَوْحِه ورحمته.

والأسماء الدالة على الود، والحب، والكمال تملأ القلب محبة، وَوُدًّا، وتألُّهًا، وإنابة إلى الله _ تعالى _.

والأسماء الدالة على سعة علمه، ولطيف خُبره _ توجب مراقبة الله، والحياء منه، وهكذا...

وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب هي أكمل الأحوال، وأجل الأوصاف، ولا يزال العبد يجاهد نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية.

 فضائل الدعاء

للدعاء فضائل عظيمة، وثمرات جليلة، وأسرار بديعة منها:

1_  أن الدعاء طاعة لله وامتثال لأمره _عز  وجل_: قال_تعالى_:[وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ](غافر:60)، وقال:[وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]الأعراف:29.

فالداعي مطيع لله، مستجيب لأمره.

2_ السلامة من الكبر: قال_تعالى_:[وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين]غافر:60.

قال الإمام الشوكاني× في هذه الآية:=والآية الكريمة دلت على أن الدعاء من العبادة؛ فإنه_سبحانه وتعالى_ أمر عباده أن يدعوه، ثم قال:[إن الذين يستكبرون عن عبادتي].

فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة، وأن ترك دعاء الرب _سبحانه_ استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار.

وكيف يستكبر العبد عن دعاء من هو خالق له، ورازقه، وموجده من العدم، وخالق العالم أجمع، ورازقه، ومحييه، ومميته، ومثيبه، ومعاقبه؟!

فلا شك أن هذا الاستكبار طرف من الجنون، وشعبة من كفران النعم+.( )

3_الدعاء عبادة: للآية السابقة، وكما جاء عن النعمان بن بشير÷أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ قال:=الدعاء هو العبادة+.( )

4_الدعاء أكرم شيء على الله: فعن أبي هريرة÷عن النبي_صلى الله عليه وسلم_ أنه قال:=ليس شيء أكرم على الله_عز وجل_ من الدعاء+.( )

قال الشوكاني× في هذا الحديث:=قيل وجه ذلك أنه يدل على قدرة الله_تعالى_ وعجز الداعي.

والأولى أن يقال: أن الدعاء لـمَّا كان هو العبادة، وكان مخَّ العبادة كما تقدم_كان أكرم على الله من هذه الحيثية؛ لأن العبادة هي التي خلق الله _سبحانه_ الخلق لها، كما قال _ تعالى _: [وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون] الذاريات:56.( )

5_ الدعاء محبوب لله_عز وجل_: فعن ابن مسعود÷مرفوعًا: =سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يُسأل+.( )

6_الدعاء سبب لانشراح الصدر: ففيه تفريج الهم، وزوال الغم، وتيسير الأمور، ولقد أحسن من قال:

وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيِّقٌ

                   عليَّ فما ينفكُّ أن يتفرجا

ورُبَّ فتىً ضاقت عليه وجوهُهُ

                   أصاب له في دعوة الله مخرجا( )

7_الدعاء سبب لدفع غضب الله: فمن لم يسألِ الله يغضبْ عليه؛ قال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_:=من لم يسأل الله يغضبْ عليه+.( )

ففي هذا الحديث دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات، وأعظم المفروضات؛ لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه.( )

ولقد أحسن من قال:

لا تسألنَّ بُنَيَّ آدمَ حاجةً

                   وسل الذي أبوابُهُ لا تحجبُ

اللهُ يغضبُ إن تركت سؤالَه

وبنيُّ آدمَ حين يُسألُ يغضبُ                  وبنيُّ آدمَ حين يُسألُ يغضبُ

8_ الدعاء دليل على التوكل على الله: فَسِرُّ التوكل على الله وحقيقتُهُ هو اعتماد القلب على الله وحده.

وأعظم ما يتجلى التوكل حال الدعاء؛ ذلك أن الداعي حال دعائه مستعين بالله، مفوض أمره إليه وحده دون سواه.

ثم إن التوكل لا يتحقق إلا بالقيام بالأسباب المأمور بها، فمن عطَّلها لم يصح توكله، والدعاء من أعظم هذه الأسباب إن لم يكن أعظمها.

9_ الدعاء وسيلة لكبر النفس وعلو الهمة: فبالدعاء تكبر النفس وتشرف، وتعلو الهمة وتتسامى؛ ذلك أن الداعي يأوي إلى ركن شديد، ينزل به حاجاته، ويستعين به في كافة أموره، وبهذا يقطع الطمع مما في أيدي الخلق، فيتخلص من أسرهم، ويتحرر من رقهم، ويسلم من مِنَّتِهم؛ فالمنة تصدع قناة العزة، وتنال نيلها من الهمة.

وبالدعاء يسلم من ذلك كله، فيظل مهيب الجناب، موفور الكرامة، وهذا رأس الفلاح، وأسُّ النجاح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×:=وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته_ قويت عبوديته له، وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له_ فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه+.( )

10_ الدعاء سلامة من العجز، ودليل على الكياسة: فعن أبي هريرة÷أن النبي_صلى الله عليه وسلم_قال:=أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام+.( )

فأضعف الناس رأيًا، وأدناهم همة، وأعماهم بصيرة_من عجز عن الدعاء؛ ذلك أن الدعاء لا يضره أبدًا، بل ينفعه.

11_ ثمرة الدعاء مضمونة _بإذن الله_: فإذا أتى الداعي بشرائط الإجابة فإنه سيحصل على الخير، وسينال نصيبًا وافرًا من ثمرات الدعاء ولا بد.

فعن أبي هريرة÷قال: سمعت رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ يقول: =ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من سوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم+.( )

وعن أبي سعيد الخدري÷عن النبي_صلى الله عليه وسلم_ أنه قال:=ما من مسلم يدعو، ليس بإثم ولا بقطيعة رحم_ إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها+ قال: إذًا نكثر، قال:=الله أكثر+.( )

وعن أبي هريرة_رضي الله عنه_عن النبي_صلى الله عليه وسلم_ قال:=ما منم مسلم ينصب وجهه إلى الله، يسأله مسألة إلا أعطاه إياها، إما عجلها له في الدنيا، وإما ذخرها له في الآخرة ما لم يعجل+.

قالوا: يا رسول الله، وما عَجَلَتُه؟

قال:=يقول: دعوتُ دعوت، ولا أراه يستجاب لي+.( )

ففي ما مضى من الأحاديث دليل على أن دعاء المسلم لا يهمل، بل يعطى ما سأله، إما معجلاً، وإما مؤجلاً، تفضلاً من الله_جل وعلا_.( )

قال ابن حجر×:=كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة؛ فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بعِوَضِهِ+.( )

قال بعضهم في وصف دعوة:

وساريةٍ لم تَسْر في الأرض تبتغي

                   محلاً ولم يَقْطَعْ بها البيد قاطعُ

سرت حيث لم تَسْر الركاب ولم تُنِخْ           لوردٍ ولم يَقْصُرْ لها القيدَ مانعُ

تَحُلُّ وراءَ الليلِ والليلُ ساقطٌ

                   بأرواقه فيه سميرٌ وهاجعُ

تَفَتَّحُ أبواب السماءِ ودونها

                   إذا قرع الأبوابَ مِنْهُنَّ قارعُ

إذا أوفدت لم يَرْدُدِ اللهُ وفدَها

                   على أهلها والله راءٍ وسامعُ

وإني لأرجو الله حتى كأنني

                   أرى بجميل الظنِّ ما اللهُ صانعُ( )

12_  الدعاء سبب لدفع البلاء قبل نزوله: قال_عليه الصلاة والسلام_:=ولا يرد القدر إلا الدعاء+ ( )

قال الشوكاني× عن هذا الحديث:=فيه دليل على أنه_سبحانه_ يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد، وقد وردت بهذا أحاديث كثيرة+.( )

وقال:=والحاصل أن الدعاء من قدر الله_ عزَّ وجلَّ _ فقد يقضي على عبده قضاءً مقيدًا بأن لا يدعوه، فإذا دعاه اندفع عنه+.( )

13_ الدعاء سبب لرفع البلاء بعد نزوله: قال_صلى الله عليه وسلم_:=من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئًا يعطى_ أحبَّ إليه من أن يسأل العافية، إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل؛ فعليكم عباد الله بالدعاء+.( )

ولهذا يجدر بالعبد إذا وجد من نفسه النشاط إلى الدعاء والإقبال عليه أن يستكثر منه؛ فإنه مجاب، وتقضى حاجته بفضل الله، ورحمته، فإنَّ فَتْحَ أبواب الرحمة دليل على إجابة الدعاء.( )

وقال":=لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة+.( )

ومعنى يعتلجان: أن يتصارعان، ويتدافعان.

14_ الدعاء يفتح للعبد باب المناجاة ولذائذها: فقد يقوم العبد لمناجاة ربه، وإنزال حاجاته ببابه _ فَيُفْتَح على قلبه حال السؤال والدعاء من محبة الله، ومعرفته، والذل والخضوع له، والتملق بين يديه _ ما ينسيه حاجته، ويكون ما فتح له من ذلك أحبَّ إليه من حاجته، بحيث يحب أن تدوم له تلك الحال، وتكون آثر عنده من حاجته، ويكون فرحه بها أعظمَ من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاته تلك الحال.( )

قال بعض العُبَّاد:=إنه لتكون لي حاجةٌ إلى الله، فأسأله إياها، فيفتح لي من مناجاته، ومعرفته، والتذلل له، والتملق بين يديه _ ما أحبُّ معه أن يُؤخِّر عني قضاءها، وتدوم لي تلك الحال+.( )

15_ حصول المودة بين المسلمين: فإذا دعا المسلم لأخيه المسلم في ظهر الغيب_ استجيبت دعوته، ودل ذلك على موافقة باطنه لظاهره، وهذا دليل التقوى والصدق والترابط بين المسلمين، فهذا مما يقوي أواصر المحبة، ويثبت دعائمها، قال _ تعالى _:[إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًا]مريم:96، يعني: يَوَدُّن، ويُوَدُّن، يُحِبُّن، ويُحَبُّن، والدعاء _ بلا شك _ من العمل الصالح.

16_ الدعاء من صفات عباد الله المتقين: قال _ جلَّ شأنه _ عن أنبيائه _ عليهم السلام _:[إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين]الأنبياء: 90،

وقال عن عباده الصالحين:[والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم]الحشر:10، إلى غير ذك من الآيات في هذا المعنى.

17_ الدعاء سبب للثبات والنصر على الأعداء: قال _ تعالى _ عن طالوت وجنوده لما برزوا لجالوت وجنوده:[قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين]البقرة:250، فماذا كانت النتيجة؟[فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت]البقرة:251،

18_ الدعاء مَفْزَعُ المظلومين، وملجأ المستضعفين: فالمظلوم _ أو المستضعف _ إذا انقطعت به الأسباب، وأغلقت في وجهه الأبواب، ولم يجد من يرفع عنه مظلمته، ويعينه على من تسلط عليه وظلمه، ثم رفع يديه إلى السماء، وبث إلى الجبار العظيم شكواه _ نصره الله وأعزه، وانتقم له ممن ظلمه ولو بعد حين.

ولهذا دعا نوح _ عليه السلام _ على قومه عندما استضعفوه، وكذَّبوه، وردُّا دعوته.

وكذلك موسى _ عليه السلام _ دعا على فرعون عندما طغى، وتجبر، وتسلط، ورفض الهدى ودين الحق؛ فاستجاب الله لهما، وحاق بالظالمين الخزي في الدنيا، وسوء العذاب في العقبى.

وكذلك الحال بالنسبة لكل من ظُلِم، واستُضْعِف؛ فإنه إن لجأ إلى ربه، وفزع إليه بالدعاء _ أجابه الله، وانتصر له وإن كان فاجرًا.

قال الإمام الشافعي× وما أجمل ما قال:

وربَّ ظلومٍ قد كفيت بحربه

                     فأوقعه المقدور أيَّ وقوعِ

 فما كان لي الإسلامُ إلا تعبدًا

                    وأدعيةً لا تُتَّقى بدروع

 وحسبك أن ينجو الظلومُ وخلفه

                    سهامُ دعاءٍ من قِسيِّ ركوع

مُرَيَّشة بالهدب من كل ساهرٍ

                   منهلة أطرافها بدموع( )

وقال:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه

                    وما تدري بما صنع الدعاءُ

سهام الليل لا تخطي ولكن

                    له أمدٌ وللأمد انقضاءُ ( )

19_ الدعاء دليل على الإيمان بالله، والاعتراف له بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات: فدعاء الإنسان لربه متضمن إيمانه بوجوده، وأنه غني، سميع، بصير، كريم، رحيم، قادر، مستحق للعبادة وحده دون من سواه.

 شروط الدعاء

للدعاء شروط عديدة لا بد من توفرها؛ كي يكون الدعاء مستجابًا مقبولاً عند الله، ومن تلك الشروط ما يلي:

1_  أن يكون الداعي عالمًا بأن الله _ وحده _ هو القادر على إجابة دعائه: فلا يجلب له النفع إلا الله، ولا يكشف عنه السوء إلا هو، قال _ تعالى _ :[أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء]النمل: 62،

وهذا هو التوحيد العلمي الاعتقادي _ توحيد الربوبية _.

2_  ألا يدعو إلا الله: فلا يجوز له أن يسأل إلا الله، أو أن يدعو غيره معه؛ لأن هذا شرك بالله _ عز وجل _، قال _ تعالى _:[وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحد]الجن: 18،

وقال النبي"لابن عباس _ رضي الله عنهما _:=وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله+ ( ).

وهذا هو التوحيد العملي _ توحيد الألوهية _.

3_ أن يتوسل إلى الله بأحد أنواع التوسل المشروعة: لأن هناك توسلاتٍ مشروعةً، وهناك توسلات ممنوعة، سيأتي ذكرها فيما بعد.

ومن التوسلات المشروعة ما يلي:

أ : التوسل باسم من أسماء الله _ عز وجل _ أو صفة من صفاته: كأن يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم _ أن ترحمني، وتغفر لي، أو أن يقول: يا رحمن ارحمني، يا كريم أكرمني، أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، أو برحمتك أستغث.

ودليل هذا النوع قوله _ تعالى _:[ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها]الأعراف:180.

ب_ التوسل إلى الله بصالح الأعمال: كأن يقول المسلم: اللهم إني أسألك بإيماني بك، أو بمحبتي لك، أو باتباعي لرسولك، أو أن يذكر بين يدي دعائه عملاً صالحًا عَمِلَه ثم يتوسل به إلى الله _ تعالى _.

ويدل على ذلك قوله _ تعالى _:[الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار]آل عمران:16، وقوله:[ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا]آل عمران:193.

ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار، فإن كلاًّ منهم توسل إلى الله بعمل صالح فاستجاب الله لهم.

فعن عبدالله بن عمر _ رضي الله عنهما _ أن رسول الله"قال:=بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه _ والله يا هؤلاء _ لا ينجيكم إلا الصدق؛ فليَدْعُ كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه.

فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عَمِلَ لي على فَرَقٍ( ) من أرزٍّ، فذهب وتركه، وأني عَمَدْتُ إلى ذلك الفَرَق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت بقرًا، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعْمَدْ إلى تلك البقر فَسُقْها، فقال لي: إنَّما لي عندك فرق من أرز.

فقلت له:اعمد إلى تلك البقر؛ فإنها من ذلك الفرق، فساقها؛ فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا؛ فانساخت( ) عنهم الصخرة.

فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلةً، فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون( ) من الجوع، وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فَيَسْتَكِنَّا( )؛ لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلوع الفجر؛ فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا؛ فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.

فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عمٍّ من أحب الناس إليَّ، وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت اتق الله، ولا تفض( ) الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ففرج الله عنهم فخرجوا+.( )

جـ_ التوسل إلى الله بدعاء رجل صالح حي حاضر قادر: ويدل على ذلك حديث أنس÷عندما جاء الأعرابي والنبي"يَخْطُب يوم الجمعة، فشكى له ما هم  فيه من الشدة، فدعا النبي"فلم ينزل من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته.( ).

ومن ذلك ما جاء من توسل الصخابة بدعاء العباس( ) ÷.

وتوسل معاوية÷بيزيد بن الأسود الجرشي( )×، وكذلك ما جاء في خبر أويس القرني( )×.

د_ إظهار الافتقار والذلة، والاعتراف بالذنب والتقصير: كأن يقول العبد: اللهم إني عبدك الفقير المقصر على نفسه _ أسألك بأن تغفر لي.

ويدل على ذلك قوله _ تعالى _ عن يونس _ عليه السلام _:[فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين]الأنبياء: 87، وقوله عن موسى _ عليه السلام _:[رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير]القصص: 24.

4_ تجنب الاستعجال: وذلك بألا يستعجل العبد الإجابة إذا دعا، وألا يستبطئ الإجابة إذا تأخرت؛ فإن الاستعجال من الآفات التي تمنع أثر الدعاء.

فعن أبي هريرة÷قال:=يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي+ ( ).

وعنه _ أيضًا _:=لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل.

 قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟

قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت لم أرَ يستجب لي، فيستحسر عن ذلك، ويَدَعُ الدعاء+.( )

قال ابن حجر× :=معنى يستحسر ينقطع.

وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أن يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد، والاستسلام، وإظهار الافتقار+.( )

قال ابن القيم×:=ومن الآفات التي تمنع أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسر، ويدع الدعاء.

وهو بمنزلة من بذر بذرًا، أو غرس غرسًا، فجعل يتعاهده، ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله+.( )

5_ الدعاء بالخير: فحتى يكون الدعاء مقبولاً عند الله _ فلا بد أن يكون في الخير بعيدًا عن الإثم وقطيعة الرحم، قال":=يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم+.( )

6_ حسن الظن بالله _ عز وجل _: فعن أبي هريرة÷قال: قال رسول الله":=ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة+.( )

وعن جابر÷قال: سمعت رسول الله"يقول قبل وفاته بثلاث:=لا يموتن أحدكم إلا وهو يحشن الظن بالله _ عز وجل _+.( )

وقال":=يقول الله _ عز وجل _: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني+.( )

وحسن الظن هو الباعث على العمل، والذي يلزم منه تحري الإجابة عند الدعاء، والقبولِ عند التوبة، والمغفرة عند الاستغفار، والإثابة عند العمل.

وأما ظن المغفرة والإثابة والإجابة مع الإصرار على الذنوب، والتقصير في العمل _ فليس من حسن الظن في شيء، بل هو من الأماني الباطلة، الناشئة عن الجهل والغرور.

قال الإمام الشوكاني× في قوله _ تعالى _ في الحديث القدسي:=أنا عند ظن عبدي بي+:=فيه ترغيب من الله لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه يعاملهم على حسابها؛ فمن ظن به خيرًا أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضلاته، ونثر عليه محاسن كراماته، وسوابغ عطياته.

ومن لم يكن في ظنه هكذا لم يكن الله _ تعالى _ له هكذا.

وهذا هو معنى كونه _ سبحانه وتعالى _ عند ظن عبده؛ فعلى العبد أن يكون حسن الظن بربه في جميع حالاته، ويستعين على تحصيل ذلك باستحضاره ما ورد من الأدلة الدالة على سعة رحمة الله _ سبحانه وتعالى _+.( )

7_ حضور القلب: فينبغي للداعي أن يكون حاضر القلب، متفهمًا لما يقول، مستشعرًا عظمة من يدعوه؛ إذ لا يليق بالعبد الذليل أن يخاطب ربه ومولاه بكلام لا يعيه هذا الداعي، وبِجُمَلٍ قد اعتاد تكرارها دون فهم لفحواها، أو أن تجري على لسانه _ هكذا _ على سبيل العادة.

قال _ عليه الصلاة والسلام _:=واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب لاهٍ+.( )

قال الإمام النووي×:=واعلم أن مقصور الدعاء هو حضور القلب كما سبق بيانه، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر+.( )

8_ الدعاء بما شُرِعَ: فينبغي للداعي أن يدعو ربه بالأدعية المشروعة الواردة في الكتاب والسنة، أو على الأقل ألا يصادم الأدعية المشروعة بالأدعية البدعية، كأن يتوسل بجاه النبي"أو بالأدعية والتوسلات الشركية، كأن يدعو غير الله _ عز وجل _ من الأموات والغائبين وغيرهم.

9_ إطابة المأكل: وهو من شروط إجابة الدعاء، قال _ تعالى _:[إنما يتقبل الله من المتقين]المائدة: 27.

وكما في الحديث الذي رواه مسلم:=إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام فأنى يستجاب لذلك+.( )

10_ تجنب الاعتداء في الدعاء: قال _ تعالى _:[ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين]الأعراف: 55. وسيمر الحديث عن الاعتداء عند الحديث عن الأخطاء في الدعاء _ إن شاء الله تعالى _.

11_  ألا يشغل الدعاء عن أمر واجب، أو فريضة حاضرة: كأن يشتغل بالدعاء عن صلاة حاضرة كصلاة الفجر، أو الظهر، أو العصر، أو نحوها.

أو أن يترك القيام بحق الضيف إذا زاره، ويشتغل بالدعاء.

أو أن يدع خدمة الوالدين إذا احتاج إليه؛ بحجة اشتغاله بالدعاء.

فلا ينبغي الاشتغال بالدعاء عن أمر واجب، أو فريضة حاضرة.

ولعل في قصة جريج العابد ما يشير إلى ذلك؛ ففي الصحيحين عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة÷أنه قال:=كان جريج يتعبد في صومعته، فجاءت أمُّه.

قال حميد: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله _ صلى الله عليه _ أُمَّه حين دعته كيف جعلت كفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها إليه تدعوه، فقالت: يا جريج، إني أُمُّك، كلِّمْني، فصادفته يصلي فقال: اللهم أمي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: اللهم إني هذا جريجٌ وهو ابني وإني كلمته فأبى أن يكلمني؛ اللهم فلا تُمِتْه حتى تريه وجوه المومسات.

قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن، قال: وكان راعي ضأنٍ يأوي إلى دَيْرِه، قال: فخرجت امرأة من القرية، فوقع عليها الراعي، فحملت، فولدت غلامًا، فقيل: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير.

قال: فجاؤوا بفؤوسهم، ومساحيهم، فنادوه، فصادفوه يصلي، فلم يكلمهم.

قال: فأخذوا يهدمون ديره، فلما رأى ذلك نزل إليهم.

فقالوا له: سل هذا، قال فتبسم، ثم مسح راس الصبي، فقال: من أبوك؟

قال: أبي راعي الضأن، فلما سمعوا ذلك منه، قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة.

قال: لا، ولكن أعيدوه ترابًا كما كان، ثم علاه+.( )

وفي رواية لمسلم:=فتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغيٌّ يُتَمَثَّلُ بحسنها، فقالت: إن شئتم لأَفْتِنَنَّه لكم.

قال: فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأَمْكَنَتْه من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه، فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟

قالوا زنيت بهذه البغي، فحملت منك.

فقال: أين الصبي؟

فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلَّى، فلما انصرف أتى الصبيَّ، فطعن في بطنه، وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الراعي+ الحديث.

قال النووي× في شرح هذا الحديث:=قال العلماء: هذا دليل على أنه كان الصواب في حقه إجابتها؛ لأنه كان في صلاة نفل، والاستمرار فيها تطوع لا واجب، وإجابة الأم وبرها واجب، وعقوقها حرام، وكان يمكنه أن يخفف الصلاة ويجيبها ثم يعود إلى صلاته.

فلعله خشي أنها تدعوه إلى مفارقة صومعته، والعود إلى الدنيا ومتعلقاتها وحظوظها، وتضعف عزمه فيما نواه وعاهد عليه+.( )

 آداب الدعاء ( )

كما أن للدعاء شروطًا فكذلك له آداب يجب توفرها؛ كي يكون الدعاء كاملاً.

ومن هذه الآداب ما يلي:

1_  الثناء على الله قبل الدعاءِ، والصلاة على النبي": فعن فضالة بن عبيد قال: بينما رسول الله"قاعدًا إذ دخل رجل، فصلى فقال: اللهم اغفر لي، وارحمني.

فقال رسول الله":=عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، وصلِّ عليِّ ثم ادعه+.

ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي"، فقال له النبي":=أيها المصلي ادع تُجب+.( )

وقال _ عليه الصلاة والسلام _:=كل داعاءٍ محجوب، حتى يصلي على النبي"+.( )

2_  الإقرار بالذنب، والاعتراف بالخطيئة: ولذلك فإن دعاء يونس _ عليه السلام_ من أعظم الأدعية إن لم يكن أعظمها، وما ذلك إلا لأنه ضمنه اعترافه بوحدانية الله _ عز وجل _ وإقراره بالذنب والخطيئة والظلم للنفس، كما قال_تعالى _ عنه:[فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين]الأنبياء: 87.( )

وكذلك الحال بالنسبة للدعاء العظيم المسمى بسيد الاستغفار، والذي يعد أفضل صيغ الاستغفار، ومن أسباب أفضليته أنه تضمن الإقرار بالذنب، والاعتراف بالخطيئة، كما جاء في حديث شداد بن أوس÷عن النبي"قال:=سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

من قالها في النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي _ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح _ فهو من أهل الجنة+.( )

3_ التضرع والخشوع، والرغبة والرهبة: قال_ تعالى _ عن أنبيائه _ عليهم السلام_:[إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين]الأنبياء: 90.

4_ الجزم في الدعاء، والعزم في المسألة: فعن أبي هريرة÷أن رسول الله"_ قال:=لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإنه لا مُسْتَكْرْهَ له+.( )

5_ الإلحاح بالدعاء: فهو من الآداب الجميلة، التي تدل على صدق الرغبة فيما عند الله _ عز وجل _ ثم إن الله يحب الملحين في الدعاء، كما جاء في حديث عائشة _ رضي الله عنهما _.( )

6_ الدعاء في كل الأحوال: وذلك في الشدة والرخاء، وفي المنشط والمكره؛ لحديث أبي هريرة÷قال : قال رسول الله":=من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَب _ فليكثر من الدعاء في الرخاء+.( )

7_ تجنب الدعاء على الأهل، والمال، والنفس: لأن الدعاء يقصد منه جلب النفع ودفع الضر، والدعاء على الأهل، والمال، والنفس _ لا مصلحة وراءه، بل هو ضرر محض على الداعي نفسه؛ فماذا سيجني من فساد أهله، وماله، ونفسه؟

ولهذا قال _ عليه الصلاة والسلام _:=لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم+.( )

8_ الدعاء ثلاثًا: كما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود الطويل، وفيه:=فلما قضى النبي"صلاته _ رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، ثم قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش+.( )

9_ استقبال القبلة: فعن عبدالله بن زيد÷قال:=خرج النبي"إلى هذا المصلى يستسقي، فدعا، واستسقى، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه+.( )

وفي البخاري:=استقبل رسول الله"الكعبة فدعا على قريش+.( )

10_ رفع الأيدي في الدعاء: قال أبو موسى الأشعري ÷:=دعا النبي"ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه+.( )

وقال ابن عمر _ رضي الله عنهما _:=رفع النبي"يديه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد+.( )

وعن سلمان الفارسي÷أن رسول الله"قال:=إن ربكم _ تبارك وتعالى _ حييٌّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردها صفرًا خائبتين+.( )

ورفع اليدين إنما يكون  في الدعاء العام، وما ورد الدليل على مشروعية رفع اليدين فيه، كرفع اليدين في الدعاء عند الصفا والمروة، وفي الاستسقاء يوم الجمعة ونو ذلك، لأن هناك أدعية لا ترفع فيها الأيدي مثل دعاء دخول المنزل، والخروج منه، ودخول الخلاء، والخروج منه.

11_  السواك: ووجه ذلك أن الدعاء عبادة باللسان؛ فتنظيف الفم عند ذلك أدب حسن؛ ولهذا جاءت السنة المتواترة بمشروعية السواك للصلاة، والعلة في ذلك تنظيف المحل الذي يكون الذكر به في الصلاة.( )

12_  أن يقدم بين يدي دعائه عملاً صالحًا: كأن يتصدق، أو يحسن إلى مسكين، أو يصلي ركعتين، أو يصوم، أو غير ذلك؛ ليكون هذا العمل وسيلة إلى الإجابة.

ويدل على ذلك حديث الثلاثة الذي انطبقت عليهم الصخرة في الغار؛ فإن النبي"حكى عنهم أن كل واحد منهم توسل بأعظم أعماله التي عملها لله _ عز وجل _ فاستجاب الله دعاءهم، وارتفعت عنهم الصخرة، وكان ذلك بحكايته"سنة لأمته.

13_ الوضوء: كما في حديث أبي موسى الأشعري÷لما فرغ النبي"من حنين، وفيه قوله:=فدعا بماء، فتوضأ، ثم رفع يديه، فقال: اللهم اغفر لعبيد بن عامر، ورأيت بياض إبطيه+.( )

14_ أن يكون غرض الداعي جميلاً حسنًا: كأن يتوسل الداعي إلى الله فيما أجاب دعوته _ أنه سيترتب على تلك الإجابة عمل صالح، كأن يقول آمين: اللهم ارزقني مالاً؛ لأسلطه على هلكته في الحق، ولأنصر به دين الإسلام، أو: اللهم ارزقني علمًا؛ كي أعلم العباد دين الله، وأنشر الخير بينهم، أو: اللهم ارزقني زوجة؛ لأتعفف بها عن المحارم وهكذا...

ويشير إلى ذلك قوله _ تعالى _ عن موسى _ عليه السلام _ قول:[قال رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرًا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري؛ كي نسبحك كثيرًا، ونذكرك كثيرًا، إنك كنت بنا بصيرًا]طه: 25_35.

فماذا كانت النتيجة؟ لقد أجاب الله سؤله، ومنَّ عليه مرة أخرى.

ويشير إليه _ أيضًا _ حديث ابن عمرو _ رضي الله عنهما _ قال: قال النبي":=إذا جاء الرجل يعود مريضًا _ فليقل: اللهم اشفِ عبدَك فلانًا؛ ينكأْ لك عدوًّا، أو يمشِ لك إلى الصلاة+.( )

15_ الطموح وعلو الهمة: فمن الآداب التي يحسن بالداعي أن يتحلى بها _ أن يكون طموحًا، ذا نفس كبيرة، وهمة عالية، راغبًا فيما عند الله من عظيم الثواب.

ويومىء إلى هذا المعنى _ دعاء نبي الله سليمان _ عليه السلام _ عندما قال _ كما أخبر الله عنه _:[رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب]ص:35،

فنبي الله سليمان _ عليه السلام _ حصل منه ما حصل عندما آلى أن يطوف على نسائه جميعًا؛ لتلد كل واحدة منهن مجاهدًا يجاهد في سبيل الله، ولم يستثنِ _ عليه السلام _ ولم يقل: إن شاء الله.( )

وعندما أدرك ما وقع فيه لم يكتف بأن يسأل الله المغفرة فحسب، ولكنه _ لكبر نفسه، وعلو همته، وعلمه بسعة فضل ربه _ سأله مع ذلك أن يهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده!

فماذا كانت النتيجة؟ لقد استجاب الله دعاءه، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد، ثم قال _ تعالى :[هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب]ص: 39_40.

16_ البكاء حال الدعاء: فعن عبدالله بن عمرو بن العاص _ رضي الله عنهما _ أن رسول الله"تلا قولَ الله _ عز وجل _:[رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس فم تبعني فإنه مني]إبراهيم:36، وقول عيسى:[إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم]المائدة:118، _ فرفع يديه وقال:=اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله _ عز وجل _:=يا جبريل اذهب إلى محمد _ وربك أعلم_ فسله ما يبكيك؟

فأتاه جبريل _ عليه السلام _ فسأله، فأخبره رسول الله"بما قال _ وهو أعلم_.

فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك+.( )

17_ إظهار الداعي الشكوى إلى الله، والافتقار إليه: قال_ تعالى _ عن أيوب _ عليه السلام _:[وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين]الأنبياء: 83، وعن زكريا _ عليه السلام _ دعاءه:[رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين]الأنبياء: 89، وعن يعقوب _ عليه السلام _ قوله:[إنما أشكو بثي وحزني إلى الله]يوسف:86، وعن موسى _ عليه السلام _ دعاءه:[رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير]القصص:24.

قال ابن المبارك×:=قدمت المدينة في عام شديد القحط، فخرج الناس يستسقون، فخرجت معهم، إذ أقبل غلام أسود، عليه قطعتا خيش، قم اتَّزر بإحداهما، وألقى الأخرى على عاتقه، فجلس إلى جنبي، فسمعته يقول: إلهي أخْلَقَتِ الوجوهَ عندك كثرةُ الذنوب، ومساوىء الأعمال، وقد حَبَسْتَ عنا غيث السماء؛ لتؤدب عبادك بذلك، فأسألك يا حليمًا ذا أناة، يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل _ أن تسقيهم الساعةَ الساعةَ، فلم يزل يقول:=الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام، وأقبل المطر من كل جانب+.( )

18_ أن يتخير جوامع الدعاء ومحاسن الكلام: بدلاً من التطويل، والحشو، والتفصيل الذي لا لزوم له؛ فقد كان رسول الله"يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك.( )

قال الخطابي×:=ولْيَتَخَيَّرْ لدعائه، والثناء على ربه أحسن الألفاظ، وأنبلها، وأجمعها للمعاني؛ لأنه مناجاة العبد سَيِّدَ السادات، الذي ليس له مثل، ولا نظير+.( )

19_ أن يبدأ الداعي بنفسه: عن أبيِّ بن كعب÷أن رسول الله"كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه.( )

والبداءة بالنفس حال الدعاء ترد كثيرًا في القرآن، كما في قوله _ تعالى_:[ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان]الحشر: 10.

وهذا ليس بلازم لمن أراد أن يدعو لغيره كما هو وارد في كثير من الأدعية، حيث يدعو الإنسان لغيره دون نفسه.

وقد يقال: إذا أراد الدعاء لنفسه ولغيره فليبدأ بنفسه ثم يُثَنِّي بغيره، وإذا أراد الدعاء لغيره فَحَسْب فلا يلزم أن يبدأ بنفسه، كما مر في دعاء النبي"لعبيد بن عامر ؛ حيث دعا لعبيد دون أن يدعو لنفسه.

20_ أن يدعو لإخوانه المؤمنين: فهذا من مقتضيات الأخوة، ومن أسباب إجابة الدعوة؛ قال _ تعالى _:[واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات]محمد:19.

وذكر عن نوح _ عليه السلام _ قوله:[رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات]نوح:28.

وقال _ عليه الصلاة والسلام _:=من استغفر للمؤمنين والمؤمنات _ كتب له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة+.( )

ويحسن أن يُخص بالدعاء _ الوالدان، والعلماء، والصالحون، والعبَّاد، ومن في صلاحهم صلاح لأمر المسلمين كأولياء الأمور وغيرهم...

ويحسن به _ أيضًا _ أن يدعو للمستضعفين والمظلومين من المسلمين، وأن يدعو على الظالمين الذين في هلاكهم نصر للإسلام والمسلمين، وراحة للمستضعفين والمظلومين.

21_  خفض الصوت، والإسرار بالدعاء: قال _ تعالى _:[ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين]الأعراف:55.

وعن أبي موسى÷قال: كنا مع النبي"فجعل الناس يجهرون في التكبير، فقال النبي":=أيها الناس، أربعوا على أنفسكم؛ إنكم لا تَدْعِون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم+.( )

هذا ولخفض الصوت والإسرار بالدعاء _ فوائد عديدة، وأسرار بديعة، وقد أشار العلامة ابن القيم× إلى شيء منها، فمن ذلك ما يلي:

أولاً _ أنه أعظم إيمانًُا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع دعاءه الخفي، وليس كالذي قال: إن الله يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا.

ثانيًا _ أنه أعظم في الأدب والتعظيم: ولهذا فإن الملوك لا تُخَطَبُ، ولا تُسْأَل برفع الصوت، وإنما تخفض عندهم الأصوات بمقدار ما يسمعونه، ومن رفع صوته عندهم مقتوه، ولله المثل الأعلى؛ فإذا كان يسمع الكلام الخفي _ فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت.

ثالثًا _ أنه أبلغ في التضرع والخشوع: الذي هو روح الدعاء، ولبه، ومقصوده؛ فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل، ولا يتأتى ذلك مع رفع الصوت، بل مع خفضه.

رابعًا _ أنه أبلغ في الإخلاص.

خامسًا _ أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء؛ فإن رفع الصوت يفرقه، ويشتته.

سادسًا _ أنه دال على قرب صاحبه من الله: وأنه لاقترابه منه، وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه، فيسأله مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد.

وهذا من النكت السرية البديعة جدًا.

سابعًا _ أنه أدعى لدوام الطلب والسؤال؛ فإن اللسان _ والحالة هذه _ لا يمل، والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته؛ فإنه قد يكل لسانه، وتضعف بعض قواه، وهذا نظير من يقرأ أو يكرر رافعًا صوته؛ فإنه لا يطول له ذلك، بخلاف من يخفض صوته.

ثامنًا _ أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع، والمشوشات، والمضعفات؛ فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يَدْر به أحد، فلا يحصل هناك تشويش، ولا غيره.

وإذا جهر به تفطنت له الأرواح الشريرة، والخبيثة من الجن والإنس، فشوشت عليه ولا بد، ومانعته، وعارضته، ولو لم يكن إلا أنَّ تعلقها به يفرق عليه همته، فيضعف أثر الدعاء _ لكفى.

ومن له تجربة يعرف هذا، فإذا أسر الدعاء وأخفاه أمن هذه المفسدة.

تاسعًا _ الأمن من شر الحاسدين؛ ذلك أن أعظمَ النعم نعمةُ الإقبالِ على الله، والتعبد له، والانقطاع إليه، والتبتل إليه، ولكل نعمة حاسد على قدرها دَقَّتْ أو جَلَّتْ.

ولا نعمة أعظم من هذه النعمة؛ فأنْفُسُ الحاسدِينَ المنقطعين متعلقةٌ بها، وليس للمحسود أسلمُ من إخفاء نعمته عن الحاسد، وأن لا يقصد إظهارها له، وكم من صاحب قلب وجَمْعِيَّةٍ وحال مع الله قد تحدث بها، فسلبه إياها الأغيار، فأصبح يقلب كفيه.( )

22_  ألا يتكلف السجع: ذلك أن حال الداعي حال ذلة وضراعة، والتكلف لا يناسب ذلك.

قال بعضهم:=ادع بلسان الذلة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق+.( )

قال الخطابي×:=ويكره في الدعاء السجع، وتكلف صفة الكلام له+.( )

ويوضح ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من نصيحة بن عباس _ رضي الله عنهما _ لأحد أصحابه، ومما قال فيها:=فانظر  السجع من الدعاء فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول الله"وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب+.( )

والسجع هو الكلام المقفى بدون وزن، والمنهي عنه من السجع هو التكلف فيه؛ لأنه ينافي الخشوع والخضوع _ كما مر _.

أما إذا جاء السجع على اللسان سليقة، وفطرة ومطاوعة بلا تكلف _ فلا بأس بذلك؛ لكثرة الأدعية المسجوعة من الكتاب والسنة، والتي مر وسيمر بنا شيء منها.

23_ الإعراب بلا تكلف: فالإعراب عماد الكلام، وجماله، ووشيه؛ فيحسن بالعبد وهو يناجي ربَّه أن يُعْرب عما يقول قدر المستطاع، خصوصًا إذا كان إمامًا يدعو والناس يُؤَمِّنون خلفه، على ألا يَصِلَ ذلك إلى حد التكلف، وألا يجعل همته مصروفة إلى تقويم لسانه؛ لأن ذلك يذهب الخشوع الذي هو لب الدعاء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×:=ينبغي للداعي إذا لم تكن عادته الإعراب ألا يتكلف الإعراب، قال بعض السلف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع.

وهذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء، فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس؛ فإن أصل الدعاء من القلب، واللسان تابع القلب، ومن جعل همته في الدعاء تقويم لسانه أضعف توجه قلبه+.( )

24_ ألا يدعو بانتشار المعاصي: فالمعاصي من الفساد، والله لا يحب الفساد، بل اللائق به أن يدعو بانتشار الخير بين الناس.

25_ اختيار الاسم المناسب، أو الصفة المناسبة حال الدعاء: كأن يقول: يا رحيم ارحمني، يا كريم أكرمني، يا شافي اشفني، رب هب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وهكذا.

26_ ألا يحجر رحمة الله في الدعاء: كأن يقول: اللهم اسق مزرعتي وحدها، أو اللهم أصلح أولادي دون غيرهم، أو ربِّ ارزقني وارحمني دون سواي.

فعن أبي هريرة÷قال:=قام رسول الله"في صلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلَّم النبي"قال للأعرابي: لقد حجَّرتَ واسعًا _ يريد رحمة الله+.( )

27_ التأمين على الدعاء من المستمع:كما في قصة دعاء موسى وهارون _ عليهما السلام _ على فرعون وآله.

قال المفسرون: كان موسى يدعو، وهارون يؤمن.( )

ولهذا قال _ تعالى _:[قد أجيبت دعوتكما]يونس،89.

28_أن يسأل الله كل صغيرة وكبيرة: وهذا الأمر يغفل عنه كثير من الناس، فتراهم لا يلجأون إلى الله ولا يسألونه إلا إذا نزلت بهم عظائمُ الأمور، وشدائدها.

أما ما عدا ذلك فلا يسألونه؛ لظنهم أنه أمر يسير لا داعي لسؤال الله من أجله.

وهذا خطأ؛ فاللائق بالمسلم أن يسأل ربه كل صغيرة؛ فلو لم ييسر الله أكل الطعام _ مثلاً _ لما استطاع الإنسان أكله، ولو لم ييسر لبس النعل لما استطاع الإنسان لبسه.

قال":=سلوا الله كل شيء، حتى الشسع( )، فإن الله _ تعالى _ لو لم ييسره لم ييسر+.( )

فقوله:=حتى الشسع+ إشارة أن ما فوقه أولى وأولى.

 أوقات وأماكن، وأحوال، وأوضاع يستجاب فيها الدعاء ( )

هناك أوقات، وأماكن، وأحوال، وأوضاع _ يستجاب فيها الدعاء منها:

1- ليلة القدر: فعن عائشة _ رضي الله عنها _ قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلةٍ ليلة القدر، ما أقول فيها؟

قال: قولي:=اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا+.( )

2_  الدعاء في جوف الليل ووقت السحر: قال _ تعالى _ في وصف عباده المؤمنين:[وبالأسحار هم يستغفرون]الذاريات:18،

وعن أبي هريرة÷أن رسول الله"قال:=ينزل ربنا _ تبارك وتعالى _ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر  له+.( )

3-دبر الصلوات المكتوبة: عن أبي أمامة الباهلي÷قال: قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟

قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبة+.( )

وأوصى _ عليه الصلاة والسلام _ معاذًا أن يقول في دبر كل صلاة:=اللهم أعِنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك+.( )

هذا وقد اختلف في قوله دبر كل صلاة هل هو قبل السلام أو بعده؟.

قال ابن القيم×:=دُبُرُ الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا _ يعني ابن تيمية _ يرجح أن يكون قبل السلام، فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه، كدبر الحيوان+.( )

قال الشيخ محمد ابن عثيمين×:=الدبر هو آخر كل شيء منه، أو هو ما بعد آخره+.( )

ورجح× أن الدعاء دبر الصلوات المكتوبة أنه قبل السلام.

وقال:=ما ورد من الدعاء مقيدًا بدبر فهو قبل السلام.

وما ورد من الذكر مقيدًا بدبر فهو بعد الصلاة؛ لقوله _ تعالى _:[فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم]النساء:103،( ).

4-بين الأذان والإقامة: عن أنس بن مالك÷قال: قال رسول الله":=الدعاء لا يُرَدُّ بين الأذان والإقامة فادعوا+.( )

5_ عند النداء للصلوات المكتوبة: عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله":=ثنتان لا تردان، أو قلما تردان، الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا+.( )

6_ عند زحف الصفوف والتحامها في المعركة: للحديث السابق.

7_ عند نزول الغيث: فعن سهل بن سعد÷قال: قال رسول الله":=ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر+.( )

8_ ساعة من الليل: قال _ عليه الصلاة والسلام _:=إن في الليل ساعةً لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة _ إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة+.( )

9_ الساعة التي في يوم الجمعة: عن أبي هريرة÷أن رسول الله"ذكر يوم الجمعة فقال:=فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله _ تعالى _ شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقلِّلُها+.( )

وقد اختلف العلماء في تحديد وقتها، فقيل: إنها وقت دخول الخطيب، وقيل: إنها بعد العصر، ورجح هذا القول ابن القيم×.( )

10_ عند شرب ماء زمزم: عن جابر÷عن النبي"قال:=ماء زمزم لما شرب له+.( )

11_  في السجود: قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم_:=أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا من الدعاء+.( )

12_  الدعاء يوم عرفة: قال _ عليه الصلاة والسلام _:=خير الدعاء دعاء يوم عرفة+.( )

13_ دعاء المسلم عقب الوضوء: عن عمر بن الخطاب÷أن النبي"قال:=ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله _ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء+.( )

14_ عند قراءة الفاتحة واستحضار ما يقال فيها: لحديث أبي هريرة÷قال: سمعت النبي"يقول:=قال الله _ تعالى _: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين _ قال الله_تعالى_: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله _ تعالى _: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجَّدَني عبدي، وقال مرَّة فَوَّض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين _ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين _ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل+.( )

15_ عند رفع الرأس من الركوع وقول: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه: فعن رفاعة قال: كنا نصلي وراء النبي"فلما رفع رأسه من الركعة قال:=سمع الله لمن حمده+ قال رجل وراءه:=ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه+ فلما انصرف قال:=من المتكلم+ قال: أنا. قال:=رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول+.( )

16_ عند التأمين في الصلاة: عن أبي هريرة÷أنرسول الله"قال:=إذا أمَّن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه+.( )

17_ بعد الصلاة على النبي"في التشهد الأخير: عن ابن مسعود÷قال: كنت أصلي والنبي"وأبو بكر وعمر، فلما جلست بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي"ثم دعوت لنفسي فقال النبي":=سل تعطه، سل تعطه+.( )

18_ في شهر رمضان: قال":=إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين+.( )

وقال:=لكل مسلم دعوةٌ مستجابة يدعو بها في رمضان+.( )

19_ عند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر: كما في حديث أبي هريرة ÷:=إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر.

وفي آخر الحديث يقول الله _ عز وجل _:=أشهدكم أني قد غفرت لهم++.( )

20_ عند صياح الديكة: لحديث:=إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكًا+.( )

21_  في حالة إقبال القلب واشتداد الإخلاص: كما في قصة أصحاب الغار.( )

22_  الدعاء عند رقة القلب: لحديث:=اغتنموا الدعاء عند الرقة؛ فإنها رحمة+.( )

23_ عند الدعاء بـ:،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين،: قال رسول الله":=دعوة ذي النون إذ دعا به وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له+.( )

وذو النون: هو نبي الله يونس _ عليه السلام _، والنون: الحوت.

قال _ تعالى :[وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين]الأنبياء: 87_88.

قال القرطبي× في تفسير هذه الآية:=وفي الخبر في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه، وينجيه كما أنجاه، وهو قوله:[وكذلك ننجي المؤمنين]+ ( )

وقال ابن كثير× في قوله _ تعالى _:[وكذلك ننجي المؤمنين]:=أي إذا كانوا في الشدائد، ودعونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء؛ فقد جاء الترغيب به في الدعاء به عند سيد الأنبياء+.( )

24_ عند الدعاء حال المصيبة بـ:،إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها،: فعم أم سلمة _ رضي الله عنها _ أنها قالت: سمعت رسول الله"يقول:=ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها+.( )

قال _ تعالى :[ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون]البقرة: 155_157،

قال ابن كثير× في تفسير هذه الآية:=قال عمر ÷: نعم العدلان، ونعمت العلاوة،[أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة] فهذان العدلان.

و[أولئك هم المهتدون]فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحلم، فكذلك هؤلاء، أُعطوا ثيابهم، وزيدوا أيضًا+.( )

25_ في حال دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب: عن أبي الدرداء÷قال: قال رسول الله"=ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل+.( )

26_ دعاء الناس بعد وفاة الميت: عن أم سلمة _ رضي الله عنها _ قالت: دخل رسول الله"على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال:=إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون+.

ثم قال:=اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمي، وافسح له في قبره، ونور له فيه+.( )

27_ دعوة المضطر: فالله _ تبارك وتعالى _ يجيب المضطر إذا دعاه ولو كان مشركًا، فكيف إذا كان مسلمًا عاصيًا مفرطًا في جنب الله؟

بل كيف إذا كان مؤمنًا برًّا تقيًّا؟

قال _ تعالى _:[أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء]النمل: 62.

قال ابن كثير× في تفسير الآية السابقة:=أي من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه؟+.( )

قال البغوي×:=المضطر: المكروب المجهود+.( )

وقال الزمخشري:=المضطر: الذي أحوجه مرض، أو فقر، أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجأ والتضرع إلى الله+.( )

وقال القرطبي×:=ضَمِنَ الله _ تعالى _ إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه.

والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجأ ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده _ سبحانه _ موقع وذِمَّة، وُجِدَ من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر+.( )

28_ دعوة المظلوم: كما في قوله _ عليه الصلاة والسلام _ لمعاذ÷عندما بعثه إلى اليمن:=واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب+.( )

وقوله":=دعوة المظلوم مستجابة وإن كان كان فاجرًا؛ ففجوره على نفسه+.( )

والشواهد على إجابة دعوة المظلوم لا تكاد تحصر، ومنها ما جاء في قصة سعد بن أبي وقاص÷مع أهل الكوفة لما شكوه إلى عمر بن الخطاب ÷.

قال أبو عوانة، وجماعة: حدثنا عبدالملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال:=شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشيِّ لا أخرم منها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين.

فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق.

فبعث رجلاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدًا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرًا، حتى أتوا على مسجد لبني عبسٍ، فقال رجل يقال له أبو سعد: أما إذا نشدتمونا بالله فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية.

فقال سعد: اللهم إن كان كاذبًا فأعم بصره، وأطل عمره، وعَرِّضْهُ للفتن.

قال عبدالملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: كيف أنت؟ قال: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد+.( )

وقال الذهبي×:=يقال إن رجلاً وشى على بسر بن سعيد عند الوليد بن عبدالملك بأنه يعيبكم.

قال: فأحضره وسأله، فقال: لم أَقُلْهُ؛ اللهم إن كنتُ صادقًا فأرني به آية، فاضطرب الرجل فمات+.( )

29_ دعوة الوالد على ولده: لقوله":=ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده+.( )

30_ دعوة المسافر: للحديث السابق.

31_  دعاء الوالد لولده: قال _ عليه الصلاة والسلام _:=ثلاث دعوات لا تُرَدُّ: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر+.( )

32_  دعوة الصائم: للحديث السابق.

33_ دعاء الولد الصالح لوالديه: فعن أبي هريرة÷أن رسول الله"قال:=إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به+.( )

ومن ذلك قصة الثلاثة الذين انحدرت عليهم الصخرة وهم في الغار؛ فإن منهم رجلاً كان بارًا بوالديه، فتوسل بذلك العمل الصالح، فاستجاب الله دعاءه.( )

34_ الدعاء بعد زوال الشمس قبل الظهر: عن عبدالله بن السائب÷أن رسول الله"كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وقال:=إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأُحِبًّ أن يصعد لي فيها عمل صالح+.( )

35_ الدعاء عند الصفا: لما جاء في الحديث الطويل حديث جابر÷في صفة حجة النبي"وفيه:=فبدأ بالصفا فَرَقِيَ حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله، وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا مرات+.( )

36_ الدعاء عند المروة: للحديث السابق وفيه:=ثم نزل إلى المروة، حتى انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صَعِدَتا مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا+.( )

37_ الدعاء عند المشعر الحرام: كما جاء في الحديث السابق وفيه:=ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه، وكبره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا+.( )

38_ الدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى: فقد روى البخاري في صحيحه عن سالم بن عبدالله أن عبدالله بن عمر _ رضي الله عنهما _ كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات ثم يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم فيُسْهِل، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلاً، فيدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلاً، فيدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة في بطن الوادي، ولا يقف عندها، ويقول: هكذا رأيت رسول الله"يفعل.( )

وفي البخاري _ أيضًا _ =أن رسول الله"كان إذا رمى الجمرة التي تلي مسجد منى يرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة، ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف، ثم يأتي الجمرة الثانية، فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فيقف مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة، فيرميها بسبع حصيات يكبر عند كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها+.( )

39_ دعاء الغازي في سبيل الله.

40_ دعاء الحاج.

41_  دعاء المعتمر: ويدل على ما مضى قوله _":=الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر_ وفد الله،دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم+.( )

42_  الدعاء عند المريض: فعن أم سلمة _ رضي الله عنها _ قالت: قال رسول الله":=إذا حضرتم المريض فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون+.

قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت رسول الله"فقلت: إن أبا سلمة قد مات، قال لي:=قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة+. قالت: فقلت، فأعقبني الله من هو خير لي منه محمدًا".( )

43_ الدعاء عند التَّعَارّ من الليل، وقول الدعاء الوارد في ذلك: فعن عبادة بن الصامت÷أن النبي"قال:=من تعَارَّ ( ) من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي _ أو دعا _ استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته+.( )

 أخطاء في الدعاء ( )

هناك أخطاء عديدة تقع في الدعاء، وهذه الأخطاء داخلة في باب الاعتداء في الدعاء.

=فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به _ فهو اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله+.( )

وفيما يلي ذكر لبعض صور الخطأ والاعتداء في الدعاء:

1_  أن يشتمل الدعاء على شيء من التوسلات الشركية: كأن يُدعى غير الله _ تبارك وتعالى _ من بشر، أو حجر، أو شجر، أو جن، أو غير ذلك، فهذا أقبح أنواع الاعتداء في الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة، وصرفه لغير الله شرك، والشرك أعظم ذنب عصى الله به.

2_  أن يشتمل على شيء من التوسلات البدعية: كالتوسل بذات النبي"، أو بجاهه _ عليه الصلاة والسلام _، فهذا التوسل توسل بدعي، والدين مبناه على الاتباع لا الابتداع، والبدعة بريد الكفر.( )

3_تمني الموت وسؤال ذلك: فبعض الناس إذا زاد به البلاء، واشتدت به اللأواء _ تمنى الموت، وسأل الله أن يتوفاه، وهذا خطأ.

فعن قيس قال: أتيت خبابًا وقد اكتوى سبعًا قال:=لولا أن رسول الله"نهانا عن أن ندعو بالموت لدعوت به+.( )

وعن أنس÷قال: قال رسول الله":=لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا للموت _ فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي+.( )

قال الشيخ عبدالرحمن ابن سعدي× في شرحه لهذا الحديث:=هذا نهي عن تمني الموت؛ للضر الذي ينزل بالعبد، من مرض، أو فقر، أو خوف، أو وقوع في شدة أو مهلكة أو نحوها من الأشياء؛ فإن في تمني الموت لذلك مفاسدَ منها: أنه يؤذن بالتسخط والتضجر من الحالة التي أصيب بها، وهو مأمور بالصبر، والقيام بوظيفته، والصبر ينافي ذلك.

ومنها أنه يضعف النفس، ويحدث الخور والكسل، ويوقع في اليأس.

والمطلوب من العبد مقاومة هذه الأمور، والسعي في إضعافها وتخفيفها بحسب اقتداره، وأن يكون معه من قوة القلب وقوة الطمع في زوال ما نزل به.

وذلك موجب لأمرين: اللطف الإلهي لمن أتى بالأسباب المأمور بها، والسعي النافع الذي يوجبه قوة القلب ورجاؤه.

ومنها أن تمني الموت جهل وحمق؛ فإنه لا يدري ما يكون بعد الموت؛ فربما كان كالمستجير من الضر إلى ما هو أفظع منه، من عذاب البرزخ وأهواله.

ومنها أن الموت يقطع على العبد الأعمال الصالحة التي هو بصدد فعلها، والقيامِ بها، وبقية عمر المؤمن لا قيمة له؛ فكيف يتمنى انقطاعَ عملٍ الذَّرَّةُ منه خير من الدنيا وما عليها؟!.

وخصّ من هذا العموم قيامه بالصبر على الضر الذي أصابه؛ فإن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب+.( )

4_ الدعاء بتعجيل العقوبة: كأن يقول الإنسان: اللهم عجل عقوبتي في هذه الدنيا؛ لأدخل الجنة يوم القيامة، وأسلم من عذاب النار! فهذا خطأ، وأولى لهذا ثم أولى له أن يسأل الله السلامة في الدارين.

فعن أنس÷أن رسول الله"عاد رجلاً من المسلمين قد خَفَتَ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله":=هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟

قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا.

فقال رسول الله": سبحان الله، لا تطيقه،أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار؟ فدعا الله له، فشفاه+.( )

5_ الدعاء بما هو مستحيل، أو بما هو ممتنع عقلاً أو عادةً، أو شرعًا: كأن يدعو بأن يخلد في الدنيا، أو أن يعطى النبوة، أو ألا يقيم الله الساعة، أو ألا يمر الناس على الصراط، أو أن يسأل الله أن يحيي الموتى، أو أن يسأل رؤية الله في الدنيا، أو أن ترفع عنه لوازم البشرية، فيستغني عن الطعام والشراب، والنَّفَس، أو أن يطلب الولد دون زواج أو تسَرٍّ، أو يسأل الثمر دون زرع أو حراثة، أو أن يعطى جبلاً من ذهب، أو أن يكون متواجدًا في مكانين في آن واحد، وهكذا دواليك...

6_ الدعاء بأمر قد فرغ منه: وهذا قريب مما قبله، فهذا الدعاء من باب تحصيل الحاصل؛ فالشيء إذا فرغ منه لم يتعلق بالدعاء فيه فائدة.

كمن يسأل الله ألا تهلك هذه الأمة بسنة بعامة، وألا يسلط الله عليها عدوًّا من سوى أنفسها فيستبيح بيضتها، فهذان أمران دعا بهما النبي"وأجيبت دعوته.( )

ومن ذلك أن يدعو ألا يدخل الكفار الجنة إن ماتوا على كفرهم، أو أن يدخلوا النار، أو أن يخلدوا فيها، أو بألا يخلد المؤمن في النار، فالدعاء بمثل هذه الأمور وما شاكلها _ تحصيل حاصل؛ لأنه دعاء بأمور قد فرغ منها.

7_ أن يدعو بما دل الشرع على عدم وقوعه: كأن يدعو على مسلم ألا يدخل الجنة، أو أن يدعو لكافر بدخول الجنة بعد أن مات على الكفر.

8_ الدعاء على الأهل والأموال والنفس: وقد مر بنا الدليل قريبًا على عدم جواز هذا الدعاء.

9_ الدعاء بالإثم: كأن يدعو على شخص أن يكون مدمنًا للخمر، أو أن يميته الله كافرًا، أو أن يبتلى بالزنا أو غير ذلك، أو أن يدعو الله أن ييسر له الفساد والفجور.

10_ الدعاء بقطيعة الرحم: كأن يقول: اللهم فرق بين فلان وأمه، أو أقاربه أو زوجته، أو يقول: اللهم فرق شمل المسلمين، وخالف بين كلمتهم.

11_  الدعاء بانتشار المعاصي: كما تفعل الرافضة؛ فهم يدعون، ويتمنون أن ينتشر الفساد، وتكثر المعاصي في الأرض؛ حتى يخرج المهدي _ بزعمهم _ فيملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا!.

12_  تحجير الرحمة: وقد مر بنا قريبًا، كحال من يقول: اللهم أنزل الغيث على بلادنا فحسب، أو اللهم اشفني وحدي ووفقني، وارزقني وحدي، أو نحو ذلك.

13_ أن يخص الإمام نفسه بالدعاء دون المأمومين إذا كانوا يؤمِّنون وراءه: كأن يقول: اللهم اهدني، وارحمني، وعافني.

قال"كما في حديث ثوبان:=ولا يؤم قومًا فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم+.( )

=والمراد بهذا الحديث إذا كان الدعاء يُؤَمَّنُ عليه كدعاء القنوت، والدعاء في خطبة الجمعة.

أما دعاؤه لنفسه في سجوده، أو في آخر الصلاة قبل أن يسلم _ فلا بأس بأن يخص نفسه؛ لما ثبت عنه"أنه يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، أوله وآخره+ الحديث.*

14_ ترك الأدب في الدعاء: وذلك بأن يدعو بما لا يليق، وبما ينافي الأدب مع الله _ عز وجل _ كأن يقول: اللهم يا خالق الحيَّات، والعقارب، والحمير، ونحو ذلك.

قال الخطابي×:=ولا يحسن أن يقال: يا ربَّ الكلاب، ويا ربَّ القردة والخنازير ونحوها من سفل الحيوان، وحشرات الأرض، وإن كانت جميع المكَوَّنات إليه من جهة الخلق لها، والقدرة عليها شاملة لجميع أصنافها+.( )

ولهذا فاللائق بالعبد حال دعائه لربه أن يتأدب غاية ما يمكنه، وأن يتجنب كل ما ينافي كمال الأدب؛ ذلك أن مقامه بين يدي ربه مقام ذلة وخضوع؛ فلا يليق به إلا كمال الأدب.

قال الخطابي×:=ولو تقدم بعض خدم ملوك أهل الدنيا إلى صاحبه ورئيسه في حاجة يرفعها إليه، أو معونة يطلبها منه _ لَتَخَيَّر له محاسن الكلام، ولَتَخَلَّص إليه بأجود ما يقدر عليه من البيان.

ولئن لم يستعمل هذا المذهب في مخاطبته إياه، ولم يسلك هذه الطريقة فيها معه _ أوشك أن ينبو سمعُه عن كلامه، وألا يحظى بطائل من حاجته عنده.

فما ظنك برب العزة _ سبحانه _ وبمقام عبده الذليل بين يديه، ومن عسى أن يبلغ بجهد بيانه كُنْهَ الثناء عليه؟!.

وهكذا رسوله وصفيه"قد أظهر العجز، والانقطاع دونه، فقال في مناجاته:=وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك+.

فسبحان من جعل عجز العاجزين عن شكره والثناء عليه شكرًا لهم+.( )

15_ الدعاء على وجه التجربة والاختبار لله _ عز وجل _: كأن يقول: سأجرب وأدعو؛ لأرى أيستجاب لي أم لا!.

16_ أن يكون غرض الداعي فاسدًا: كأن يسأل الله أن يرزقه مالاً؛ ليتكثر به ويفتخر على الناس، أو ليستعين به على المعاصي، أو أن يسأل الله ملكًا أو سلطانًا؛ ليحارب من خلاله أولياء الله، ويتسلط عليهم.

17_ أن يعتمد العبد على غيره في الدعاء: فتجد من الناس من لا يدعو الله بنفسه؛ بحجة أنه مذنب، فتجده دائمًا يطلب من العلماء، والعباد، والصالحين أن يدعوا له.

وطلب الإنسان الدعاءَ من غيره _ وإن كان جائزًا في الأصل _ فيه عدة محاذير منها:

أ‌-       أن فيه نوعَ مسألة.

ب‌-     أن ذلك مدعاة لترك الدعاء، والاعتماد على الآخرين.

ت‌-     أن الأصل أن يدعو الإنسان لنفسه.

ث‌-     أن ذلك قد يدخل العجب في نفس الذي طُلب منه الدعاء، فيظن أنه ولي، وأنه حقيق بأن يجاب دعاؤه، فيهلك حينئذٍ.

ولهذا لا ينبغي للعبد أن يدع الدعاء، أو أن يعتمد فيه على غيره؛ بحجة أنه مذنب، وأنه ليس أهلاً لأن يجاب دعاؤه. 

بل عليه أن يكثر من دعاء ربه، وأن يحسن الظن به، وينظر إلى عظيم جوده ورحمته؛ فمهما كان متماديًا بالمعصية فإن رحمة الله تَسَعُهُ؛ فإذا كان جلَّ وعلا _ يجيب دعاء المشركين عند الاضطرار فإن إجابته للمؤمنين _ مع تقصيرهم _ من باب أولى.( )

ولهذا جاء رجل إلى مالك بن دينار× فقال:=أنا أسألك بالله أن تدعو لي؛ فأنا مضطر.

قال: إذًا فاسأله؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه+.( )

وعن عبيدالله بن أبي صالح قال:=دخل عليَّ طاووس يعودني، فقلت له: ادع الله لي يا أبا عبدالرحمن.

فقال: ادع لنفسك؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه+.( )

18_ كثرة اللحن: خصوصًا إذا كان يحيل المعنى، أو كان ناتجًا عن قلة مبالاة، أو كان ناتجًا من إمام يُؤَمِّنُ الناس خلفه.

قال الخطابي×:=ومما يجب أن يراعى في الأدعية الإعراب الذي هو عماد الكلام، وبه يستقيم المعنى، وبعدمه يختل ويفسد.

وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر إن اعتقده صاحبه، كدعاء من دعا، أو قراءة من قرأ[إياك نعبد وإياك نستعين]بتخفيف الياء من إيَّاك؛ فإن الأيا ضياء الشمس، فيصير كأنه يقول: شمسك نعبد، وهذا كفر+.( )

وقال:=وأخبرني أحمد بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال: حدثنا بن المرزبان عن الرَّياسيِّ قال: مَرَّ الأصمعي برجل يقول في دعائه: يا ذو الجلال والإكرام، فقال: ما اسمك؟ قال: ليث، فأنشأ يقول:

ينادي ربَّه باللحن ليثٌ         

                   لذاك إذا دعاه لا يجيب+ ( )

والمقصود أن الإعراب مطلوب حال الدعاء _ كما مر _.

أما إذا كان الإنسان غير قادر على الإعراب فلا شيء عليه؛ إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

19_ قلة الاهتمام باختيار الاسم المناسب أو الصفة المناسبة: فتجد بعض الداعين، أو كثيرًا منهم لا يهتم بهذا الأمر، فمن ذلك قول بعضهم: اللهم ارحمني يا شديد العقاب، أو اللهم عليك بالكفار يا أرحم الراحمين، أو نحو ذلك...

20_ اليأس أو قلة اليقين من إجابة الدعاء: فكثير من الناس إذا أصيب بمرض عضال يغلب على الظن أنه لا يبرأ، وأن المصاب به لا يشفى _ تجده يَدَعُ الدعاء، ويترك اللجوء إلى الله؛ ليأسه، وقلة يقينه بأن الله قادر على تبديل الحال.

وربما ألقى الشيطان في رُعه أن الدعاء لا داعي له في هذه الحالة، ولا فائدة وراءه حيال هذا الأمر، كحال من يصاب بمرض السرطان _ عياذًا بالله _ فتجد تلك الحال تغلب عليه، بل ربما غلبي على أقاربه وذويه، فتراهم يتركون الدعاء لهذا المريض؛ بحجة أن هذه الحالة خطيرة، وأنها تنتهي بالوفاة في الأعم الأغلب؛ لذا لا فائدة من الدعاء لهذا المريض، ولا داعي له _ بزعمهم _!.

فهذا خطأ في باب الدعاء، وجهل بالله، وما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه.

فيا سبحانه الله! أما علم أولئك أن الله على كل شيء قدير؟ وأن أزمَّة الأمور بيده _ تبارك وتعالى _ وأنه يقول للشيء كن فيكون؟ وأن الذي كتب الضر قادر على كشفه؟

بل ما علموا أن الدعاء _ بحد ذاته _ عبادة عظمى؟ وأن انتظار الفرج من أجل العبادات؟ وأن الافتقار إلى الله واللجوء إليه عين الفلاح ورأس العز؟.

بل ما علموا أن الله قد يشفيه؟، أو يخفف عنه بعض ما يعانيه؟، أو يرزقه _ بفضل ذلك الدعاء _ من الثبات والطمأنينة والرضا ما لا يجده لو كان سليمًا معافى؟.

وكذلك الحال بالنسبة لبعض من يبتلى بالعقم، أو تأخر الإنجاب عنه، فمنهم من يرغب عن دعاء الله، وسؤاله الذرية الصالحة؛ بحجة أن الأمر قد كتب وقدر، فلا داعي للدعاء في ذلك الأمر، إذ لا فائدة من وراءه بزعمه!.

فهذا الكلام لا ينبغي أن يصدر من مسلم؛ فالله _ عزَّ وجل _ هو الذي قدر العقمَ وتَأَخُّرَ الإنجاب، وهو القادر على أن يمد الإنسان بالأولاد؛ فالأمر أمره، والقدر قدره، والكون كله ملك له؛ فكيف تيأس _ أيها المسلم _ من روح الله، أو تقنط من رحمته؟ فهذا زكريا _ عليه السلام _ عندما قال:[رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء]آل عمران: 38، _ أجاب الله دعاءه،[فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين]آل عمران: 39.

كل ذلك مع أن زكريا قد بلغ من الكبر عتيًّا، وأن امرأته كانت عاقرًا!.

وقل مثل ذلك في شأن بعض الوالدين الذين يَدَعُون الدعاء لأولادهم؛ يأسًا من صلاحهم، وذلك إذا رأوا منهم تمردًا وتماديًا في الغواية والضلال.

فتجد هذا الوالد يقول: أنا يئست من صلاح ولدي، وتركت الدعاء له!

سبحان الله! أتيئس من روح الله؟ أم تحجر رحمة الله؟ أما علمت أن دعاء الوالد مستجاب، وأن الدعوة الصالحة قد تدركه ولو بعد حين، إما أن يكون ذلك في حياتك فترى صلاحه واستقامته، أو بعد مماتك وفراقك الدنيا، فتسعد ببركة دعائه.

ثم ماذا يضيرك من الدعاء؟

ثم إن الولد ولدك مهما كان، والعرب تقول:=أنفك منك وإن ذَنَّ ( )، وعيص( ) منك وإن كان أشَبًا( )+.( )

وكذلك الحال بالنسبة لبعض المسلمين؛ فما أن يشاهد ما عليه المسلمون من التمزق، والتخلف والتفرق _ إلا ويدِب اليأس إلى قلبه، وإذا قيل له: ادع للمسلمين بأن يصلح الله أحوالهم، هز عطفيه، وأومأ برأسه موحيًا بأن لا أمل في الإصلاح؛ فلا داعي _ إذًا _ للدعاء.

كل ذلك خطأ، ومنافٍ للثقة بالله _ عز وجل  _ والتصديق بوعده الصادق الذي لا يختلف.

21_  أن يفصل الداعي تفصيلاً لا لزوم له: كما يقول بعض الناس: اللهم اغفر لآبائنا، وأمهاتنا، وأجدادنا، وجداتنا، وأخوالنا، وخالاتنا، وأعمامنا، وعماتنا، ثم يمضي في تعداد أقاربه، وينتقل بعد ذلك إلى الدعاء لجيرانه، وزملائه، وهكذا يستغرق وقتًا ليس باليسير في هذه التفاصيل.

وكان يغنيه أن يقول: اللهم اغفر لنا، ولإخواننا وأحبابنا، وأقاربنا، أو اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، ورحمةُ الله واسعة.

أما إذا لم يصل التفصيل إلى مبالغة وتطويل _ فلا بأس به؛ فقد ورد في السنة ما يدل على ذلك.

22_  دعاء الله بأسماء لم ترد في الكتاب والسنة: كقول بعض الناس: يا سلطان، يا غفران، يا سبحلن، يا برهان، ونحوها؛ فإنها ليست من أسماء الله _ تعالى _.

قال الخطابي×:=ومما يسمع على ألسنة العامة وكثير من القُصَّاص قولهم: يا سبحان، يا برهان، يا غفران، يا سلطان، وما أشبه ذلك.

وهذه الكلمات _ وإن كان يتوجه بعضها في العربية على إضمار النسبة بذي _ فإنه مستهجن، مهجور؛ لأنه لا قدوة فيه+.( )

وكذلك قول بعضهم: يا ربَّ القرآن.

قال الخطابي×:=وأول من أنكر ابن عباس× فإنه سمع رجلاً يقول عند الكعبة: يا ربَّ القرآن فقال: مَهْ! إن القرآن لا ربَّ له؛ إن كل مربوب مخلوق+.( )

23_ المبالغة في رفع الصوت: وهذا الأمر قد انتشر في زماننا هذا بخاصة، لوجود مكبرات الصوت، فربما سمعت الداعي إمامًا في شرق المدينة وأنت في غربها.

وهذا خطأ؛ إذ لا داعي للتزيد في رفع الصوت؛ فإنه اعتداء، وباب من أبواب الرياء؛ فالأولى بالداعي إذا كان إمامًا أن يرفع صوته بقدر ما يسمعه المصلون إذا كانوا يؤمنون وراءه.

أما إذا كان الداعي وحده _ فليكن دعاؤه سِرًّا.

24_ الدعاء بـ: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه: فهذا الدعاء يكثر على الألسنة، وهو خطأ؛ ذلك لأنه شُرِع لنا أن نسأل الله رد القضاء، وكل ما يصيب الإنسان من بلاء فهو من القضاء، فهل يستسلم الإنسان لذلك ويدع الدعاء، أم ينازع قدر الله بقدر الله؟.

بل إن الله _ عز وجل _ أمرنا بذلك كما في قوله _ تعالى :[قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق]الفلق: 1_2.

فالله _ عز وجل _ أمرنا في هذه السورة أن نستعيذ به من شرِّ ما خلق، وشرُّ ما خلق داخل في القضاء.

وكذلك في قوله _ تعالى :[قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس]الآيات،الناس: 1_ آخر السورة.

وكما في الدعاء المشهور:=وقني شر ما قضيت+؛ ولهذا بوب البخاري في صحيحه بابًا قال فيه:=باب من تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء+، وقوله_تعالى_ :[قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق]الفلق: 1_2.

ثم ساق قول النبي":=تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء+.( )

25_ تعليق الدعاء على المشيئة: كأن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت؛ فهذا مناف للجزم بالدعاء، ودليل على قلة الرغبة، وقد مر بنا الدليل على ذلك قريبًا.

26_ الإدلال على الله وترك التضرع: كمن يدعو دعاء المستغني بما عنده، المُدِلِّ على ربه؛ فلا يدعو دعاء الخاشع المتضرع، المتذلل.

فهذا ضرب من ضروب الكبر، وباب من أبواب الاعتداء.

27_ تصنع البكاء ورفع الصوت بذلك: كحال من يرفع صوته بالبكاء أثناء دعاء القنوت في شهر رمضان، فهذا خطأ، ومناف للإخلاص، ومدعاة للرياء، ومخالف لهدي النبي"وأصحابه _ رضي الله عنهم _.

فالبكاء المطلوب هو ما كان عن خشوع، وإخبات وتأثر بعيدًا عن رفع الصوت بذلك، إلا من غُلِب على نفسه، ولم يستطع أن يتمالك زمام أمره _ فإنه لا حرج عليه؛ فالله _ عز وجل _ لا يؤاخذه بذلك.

28_ تركُ الإمامِ رفعَ يديه إذا استسقى في خطبة الجمعة: فبعض الأئمة إذا استسقى أثناء خطبة الجمعة _ لا يرفع يديه، وهذا خلاف السنة؛ فالسنة أن يرفع الإمام يديه إذا استسقى في خطبة الجمعة كما جاء ذلك في حديث الأعرابي الذي جاء والنبي"يخطب يوم الجمعة، فشكا لهم ما هم فيه من الشدة. وقد جاء في الحديث:=فرفع رسول الله"يديه، فقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا+.( )

29_ الإطالة بالدعاء حال القنوت، والدعاء بما لا يناسب المقصود فيه: فالقنوت يشرع عند النوازل للدعاء لقوم وللدعاء على آخرين.( )

وهناك من الأئمة من يطيل في دعاء القنوت حال النوازل إطالة مفرطة، ويدعو بما خطر له من الأدعية، وربما بلغ ببعضهم أن يجعل دعاء القنوت ضعف مدة الصلاة ثلاث مرات أو أكثر.

وهذا خطأ، وخلاف السنة؛ فالسنة أن يقتصد بالدعاء، وأن يدعو بما يناسب تلك النازلة؛ فذلك هو السنة، وذلك أجمع للقلب، وأبعد عن المشقة على المأمومين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×:=وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمى من يدعو لهم من المؤمنين، ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين _ كان ذلك حسنًا+.( )

وقال:=فالسنة أن يقنت عند النازلة ويدعو فيها بما يناسب أولئك القوم المحاربين+.( )

ولهذا جاء في الصحيحين عن أبي هريرة÷قال: كان رسول الله"يقول _ حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر، ويرفع رأسه:=سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد+، ثم يقول وهو قائم:=اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسنيِّ يوسف، اللهم العن لحيان، ورِعْلان، وذكوان+.( )

 أسباب إجابة الدعاء

لإجابة الدعاء أسباب عديدة، وقد مر بنا شيء منها عند الحديث عن شروط الدعاء وآدابه، ومن تلك الأسباب الجالبة لإجابة الدعاء ما يلي:

1_  الإخلاص لله _ عز وجل _ حال الدعاء: فهو السبب الأعظم لإجابة الدعاء، فكلما اشتد الإخلاص وقوي كلما كانت الإجابة أولى وأحرى، ولا أدل على ذلك من دعاء نبي الله ذي النون _ عليه السلام _ وهو في بطن الحوت، ودعاء أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة.

قال ابن عقيل×:=يقال: لا يستجاب الدعاء بسرعة إلا لمخلص أو مظلوم+.( )

فالإخلاص هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة.

قال _ عز وجل _:[وادعوه مخلصين له الدين]الأعراف: 29.

فمن دعا ربه غير مخلص له فهو حقيق بأن لا يجاب إلا أن يتفضل الله عليه وهو ذو الفضل العظيم.

 2-قوة الرجاء، وشدة التحري في انتظار الفرج: فكلما قوي الرجاء، واشتدت الحاجة، وتطلعت النفوس للإجابة، وبلغ بها انتظار الفرج ذروته _ كلما جاء الفرج، وأقبل اليسر، وزالت الغموم، وانجابت الهموم؛ فإن مع العسر يسرًا، وإن مع الشدة فرجًا.

فهذا نبي الله يعقوب _ عليه السلام _ قال أول ما صنع أبناؤه بأخيهم يوسف _ عليه السلام _ ما صنعوا:[بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون]يوسف: 18،

وعندما فقد بنيامين أخا يوسف، وفقد ابنه الأكبر الذي قال[لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين]يوسف: 80، _ قال:[بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم]يوسف: 83.

وعندما اشتد به البلاء، وبلغ به الكرب المنتهى، وعوتب على تذكر يوسف _ عليه السلام _ وطُلِبَ منه أن يسلو عنه، ويترك ما هو فيه _ قال:[إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون]يوسف: 86،

وعندما عظم بلاؤه، واشتد رجاؤه قال:[يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله؛ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون]يوسف: 87.

فماذا كانت النتيجة؟ لقد أجاب الله دعاء عبده، وكان عند حسن ظنه به؛ فلقد عجل فرجه، ونفس كربته، وأفرح قلبه، وجمعه بأحبته، وفلذات كبده، هذا في الدنيا، وإن له في الآخرة للحسنى.

قال الشيخ عبدالرحمن ابن سعدي× معلقًا على تلك القصة:=وفي هذا دليل على أن أصفياء الله إذا نزلت بهم الكوارث والمصيبات _ قابلوها في أول الأمر بالصبر، والاستعانة بالمولى، وعندما ينتهي، وتبلغ الشدة منتهاها _ يقابلونها بالصبر، والطمع في الفرج والرجاء، فيوفقهم الله للقيام بعبوديته في الحالتين.

ثم إذا كشف عنهم البلاء قابلوا ذلك بالشكر والثناء على الله، وزيادة المعرفة بلطفه+.( )

3_ التوبة ورد المظالم: كما قال _ تعالى :[فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، يرسل السماء عليكم مدرارًا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا]نوح: 1012،

=قيل لسفيان: لو دعوت الله؟ قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء+.( )

4_ السلامة من الغفلة: وذلك بحضور القلب وخشوعه، واستحضاره لمعاني الدعاء، فذلك من أعظم أسباب الإجابة.

أما استيلاء الغفلة، واستحكام الشهوة فمن أعظم موانع الإجابة.

قال يحيى بن معاذ×:=من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يردَّه+.( )

قال ابن القيم× تعليقًا على ذلك:=قلت: إذا اجتمع عليه قلبه، وصدقت ضرورته وفاقته، وقوي رجاؤه _ لا يكاد يرد دعاؤه+.( )

5-اغتنام الفرص: وذلك بتحري أوقات الإجابة، والمبادرة لاغتنام الأحوال، والأوضاع، والأماكن التي هي مظان إجابة الدعاء.

6_ كثرة الأعمال الصالحة: فالأعمال الصالحة سبب عظيم لرفع الدعاء وتقبله؛ فالدعاء من الكلمِ الطيب، والكلمُ الطيب يصعد إلى الله، ويحتاج إلى عمل صالح يرفعه.

قال _ تعالى _:[إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه]فاطر: 10.

وكما في قصة أصحاب الغار؛ فإن أعمالهم الصالحة شفعت لهم، وكانت سببًا في إجابة دعائهم.

قال وهب بن منبه×:=مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر.

وعنه قال: العمل الصالح يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله _ تعالى _:[إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه]فاطر: 10+.( )

7_ التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض: وهذا أعظم أسباب إجابة الدعاء، ويشير إلى ذلك حديث الولي، وفيه:=ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه+.( )

8_ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فهذا من أعظم أسباب إجابة الدعاء؛ لأنه من أعظم الأعمال الصالحة، ولأن تركه موجب لرد الدعاء وعدم الإجابة؛ فعن حذيفة بن اليمان÷عن النبي"قال:=والذي نفسي بيده لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيُوشِكَنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، فَتَدْعُونه فلا يستجاب لكم+.( )

وجاء في الحديث عن أبي هريرة÷عن النبي"أنه قال:=لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيُسَلِّطَنَّ الله عليكم شراركم فيدعو خياركم، فلا يستجاب لهم+.( )

9_ بر الوالدين: وقد مر بنا قصة أصحاب الغار وأن فيهم رجلاً كان بارًّا بوالديه، وكذلك دعاء الولد البار لوالديه.

هذه بعض أسباب إجابة الدعاء، وبالجملة فالإتيان بشرائط الدعاء، وآدابه، وتجنب ما يخالف ذلك كفيل _ بإذن الله _ بإجابة الدعاء.

وكذلك عكس هذه الأمور يعد من أسباب رد الدعاء؛ فاستبطاء الإجابة، وأكل الحرام، والاعتداء في الدعاء، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثرة الذنوب والمعاصي وغيرها _ كل ذلك من موانع إجابة الدعاء.

قال ابن القيم×:=والأدعية والتعويذات بمنزلة السلاح، والسلاحُ بضاربه، لا بحَدِّه فقط؛ فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعدًا قويًّا، والمانع مفقودًا _ حصلت النكاية في العدو.

ومتى تخلَّف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير.

فإن كان في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثمَّ مانعٌ من الإجابة _ لم يحصل الأثر+.( )

 مسألة في إجابة الدعاء من عدمها

مما ينبغي أن يُعلم أن استجابة الدعاء _ في الأصل _ دليل على صلاح المرء، وتقواه.

ولكنها لا تدل أحيانًا على ذلك؛ فقد تكون استدراجًا، أو لحكمة كما قال _ تعالى :[أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدًا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا، كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مًّا، ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا]مريم: 77 _ 80،

وَمِنْ قَبْلُ استجاب الله _ تعالى _ دعاء الشيطان، قال _ تعالى _ في حقه:[قال ربِّ أنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين]الحجر: 36 _38.

فكونه _ عز وجل _ أجاب إبليس سؤله، وأنظره إلى يوم القيامة _ ليس ذلك إكرامًا لإبليس، بل إهانة له؛ ليزداد إثمًا فتعظم عقوبته، ويتضاعف شقاؤه وعذابه، إضافة إلى ذلك فإن الله _ عز وجل _ جعله مَحكًّا يتميز به الخبيث من الطيب، وما دام أن الخلق مستمر إلى يوم القيامة _ فإن هذا يقتضي بقاءه ببقاء خلق البشر والله أعلم.( )

كذلك عد استجابة الدعاء لا تدل على فساد الداعي في كل الأحوال؛ فهناك سؤال منعه الله نبينا محمدًا"قال _ عليه الصلاة والسلام _:=سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها+.( )

فالله _ عز وجل _ منع نبيه محمدًا"الدعوة الثالثة، وليس ذلك دليلاً على أن الرسول"لا مكانة له عند ربه، أو أنه غير مستجاب الدعوة، بل هو سيد البشر، ودعاؤه مستجاب، ولكن الله _ عز وجل _ منعه تلك الدعوة لحكم عظيمة؛ منها أن يُعْلَمَ أن الرسول"بشر، ليس له من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، بيده الضر والنفع، والعطاء والنفع.

ومنها أن هذه الأمة تعصي، والله _ عز وجل _ يقول:[ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا]النساء: 123.

فإذا عصيت عوقبت؛ لتؤوب إلى رشدها، وتنيب إلى ربها، فتستقيم أحوالها، وتصلح أمورها، فتسعد، وتفلح.

وهذا من رحمة الله بها؛ إذ يُؤَدِّبها بهذه العقوبات.

ثم إن من رحمته بها أنه _ عز وجل _ لا يعاقبها عقوبة استئصال، بحيث تستأصل جميعها، كما حصل ذلك للأمم السابقة كعاد وثمود.

هذا وستتضح بعض الحكم من تأخر إجابة الدعاء أو عدمها في المبحث التالي زيادة على ما مضى.

 الحِكَمُ من تأخر إجابة الدعاء ( )

من البلاء على المؤمن أن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء، ويبالغ فيه، وتطول المدة، فلا يرى أثرًا للإجابة.

ومن هنا يجد الشيطان فرصته، فيبدأ بالوسوسة له، وإساءة ظنه بربه، وإيقاعه بالاعتراض على حكمته.

فينبغي لمن وقعت له هذه الحال ألا يختلج في قلبه شيء مما يلقيه الشيطان؛ ذلك أن تأخر الإجابة مع المبالغة في الدعاء يحمل في طياته حكمًا باهرةً، وأسرارًا بديعة، لو تدبرها الداعي لما دار في خَلَدِه تضجر من تأخر الإجابة.

وفيما يلي ذكر لبعض تلك الحكم والأسرار، والتي يجمل بالداعي أن يتدبرها، ويحسن به أن يستحضرها.

1_  أن تأخر الإجابة من البلاء الذي يحتاج إلى صبر: فتأخر الإجابة من الابتلاء، كما أن سرعة الإجابة من الابتلاء.

قال _ تعالى _:[ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون]الأنبياء: 35.

فالابتلاء بالخير يحتاج إلى شكر، والابتلاء بالشر يحتاج إلى صبر؛ فإياك أن تستطيل زمان البلاء، وتَضْجَرَ من كثرة الدعاء؛ فإنك ممتحن بالبلاء، مُتَعَبَّدٌ بالصبر والدعاء.

فلا تيأسن من روح الله وإن طال البلاء؛ فإن الله _ عز وجل _ يبتليك؛ ليبلو أخبارك، وهل الابتلاء إلا الإعراض وعكس المقاصد؟

قال عمر بن عبدالعزيز×:=أصبحت ومالي سرور إلا في انتظار مواقع القدر؛ إن تكن السراء فعندي الشكر، وإن تكن الضراء فعندي الصبر+.( )

2_  أن الله _ عز وجل _ هو مالك الملك: فله التصرف المطلق بالعطاء والمنع، فلا راد لفضله، ولا معقب لحكمه، ولا اعتراض على عطائه ومَنْعِه؛ إن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل.

قال ابن ناصر الدين الدمشقي×:=فإنه ليس لأحد مفر عن أمر الله وقضائه، ولا محيد له عن حكمه النافذ وابتلائه، إنَّا لله ملكه وعبيده، يتصرف فينا كما يشاؤه وما يريده+.( )

3_ أنه لا حق للمخلوق على الخالق: فالمخلوق مربوب، مملوك، مقهور، مُدَبَّر، والخالق ربٌّ، قاهر، مُدَبِّر.

والمملوك العاقل مطالب بأداء حق المالك، ويعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى؛ فكيف يُقَصِّر المملوك ثم يطلب حقه كاملاً مع أنه لا حق له أصلاً؟!

قال ابن القيم×:=فمن أنفع ما للقلب النظرُ في حق الله على العباد؛ فإن ذلك يورث مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل، والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله، ومغفرته، ورحمته؛ فإن حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر ولا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.

فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.

فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله _ تعالى _ وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ومغفرته+.( )

ثم قال×:=وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك؛ ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم.

ومن ههنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره.

وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه+.( )

4_ أن الله _ عز وجل _ له الحكمة البالغة: فلا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة، وقد ترى الشيء مصلحة ظاهرة، ولكن الحكمة لا تقتضيه؛ فقد يخفى في الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر يقصد بها المصلحة؛ فلعل هذا من ذاك.

ثم إن الله _ عز وجل _ له الحكمة البالغة، فأسماؤه الحسنى وأفعاله تمنع نسبة الظلم إليه، وتقتضي ألا يفعل إلا ما هو مطابق للحكمة، موافق لها؛ فتأخر الإجابة قد يكون عين المصلحة للداعي كما سيأتي بيانه في الفقرات التالية.

5_ قد يكون في تحقق المطلوب زيادة في الشر: فربما تحقق للداعي مطلوبه، وأجيب له سؤله، فكان ذلك سببًا في زيادة إثم، أو تأخر عن مرتبة، أو كان ذلك حملاً على الأشر والبطر؛ فكان التأخير أو المنع أصلح.

=وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسِرْتَ، وإن أسرت تَنَصَّرْتَ+.( )

قال ابن القيم×:=فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع، ونعمة وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية.

ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل، وكان ملائمًا لطبعه.

ولو رزق من المعرفة حَظًّا وافرًا لعدَّ المنع نعمة، والبلاء رحمة، وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية، وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى، وكان في حال القلة أعظم شكرًا من حال الكثرة+.( )

6_ أن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه: وهذا سر بديع يحسن بالعبد أن يتفطن له حال دعائه لربه؛ ذلك أن الله _ عز وجل _ أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، فهو أعلم بمصالح عباده منهم، وأرحم بهم من أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.

وإذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من ألا ينزل بهم؛ نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم.

ولو مُكِّنُوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علمًا، وإرادةً، وعملاً.

لكنه _ عز وجل _ تولى تدبير أمورهم بموجب علمه، وعدله، وحكمته، ورحمته أَحَبُّوا أم كرهوا.

فإذا سلَّم العبد لله، وأيقن بأن الملك ملكه، والأمر أمره، وأنه أرحم به من نفسه _ طاب قلبه، قضيت حاجته أو لم تُقضَ.

وإذا فوض العبد ربه، ورضي بما يختاره له _ أَمَدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه، والعزيمة، والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.

وهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى.

ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به.

ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطفُ عليه، واللطف فيه، فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يُهَوِّن عليه ما قدر له.

قال سفيان الثوري×:=منعه عطاء؛ وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم، وإنما نظر في خير العبد فمنعه اختيارًا وحسن نظر+.( )

7_ أن الإنسان لا يعلم عاقبة أمره: فربما يطلب ما لا يَحْمد عاقبته، وربما كان فيه ضرره، كمثل طفل محموم يطلب الحلوى وهي لا تناسبه.

والمدبر للإنسان أعلم بمصالحه، وعاقبةِ أمره، كيف وقد قال:[وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم]البقرة :216،؟.

ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يقضيه عليه؛ لما يرجوه من حسن العاقبة.

ومن أسرارها ألا يقترح على ربه، ولا يسأله ما ليس له به علم؛ فلعل فيه مضرَّتَه وهو لا يعلم؛ فلا يختار على ربه، بل يسأله حسن العاقبة فيما يختار له؛ فلا أنفع له من ذلك.

=ولهذا من لطف الله _ تعالى _ لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية، التي يظن بها إدراك بغيته، فيعلم الله أنها تضره، وتصده عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يدْرِ أن ربه قد لطف به؛ حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار+.( )

8_ الدخول في زمرة المحبوبين لله _ عز وجل _: فالذين يدعون ربهم، ويبتلون بتأخر الإجابة عنهم _ يدخلون في زمرة المحبوبين، المُشَرَّفِين بمحبة رب العالمين؛ فهو _ سبحانه _ إذا أحب قومًا ابتلاهم.( )

وقد جاء في السنة ما يشير إلى أن الابتلاء دليل على محبة الله للعبد؛ حيث قال _ عليه الصلاة والسلام _:=إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط+.( )

9_ أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والعكس بالعكس: فإذا صحت معرفة العبد بربه علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به، والتي منها تأخر إجابة الدعاء _ أنها تحمل في طياتها ضروبًا من المصالح والمنافع لا يحصيها علمه، ولا تحيط بها فكرته.

بل إن مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب؛ فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها.

قال _ تعالى _:[فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا]النساء: 19.

وقال:[وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون]البقرة: 216.

فإذا علم العبد أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، وأن المحبوب قد يأتي بالمكروه _ لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ فإن الله يعلم ما لا يعلمه العبد.

وما أجمل قول من قال:

كم نعمةٍ لا تستقلُّ بشكرها

                   لله في طيِّ المكاره كامنه( )

ومن قال:

تجري الأمور على حكم القضاء وفي

                   طيِّ الحوادث محبوب ومكروه

وربما سرني ما كنت أحذره

                   وربما ساءني ما كنت أرجوه( )

قال سفيان بن عيينه×:=ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه+.( )

وقال ابن ناصر الدين الدمشقي×:

إذا اشتدت البلوى تحَفَّفْ بالرضا

                   عن الله قد فاز الرَّضيُّ المراقبُ

وكم نعمةٍ مقرونة ببلية

                   على الناس تخفى والبلايا مواهب ( )

10_ تأخر الإجابة سبب لتفقد العبد لنفسه: فقد يكون امتناع الإجابة لآفة في الداعي؛ فربما كان في مطعومه شبهة، أو في قلبه وقت الدعاء غفلة، أو كان متلبسًا بذنوب مانعة.

وتأخر الإجابة قد يبعث الداعي إلى تفقد نفسه، والنظر في حاله مع ربه، فيحصل له من جراء ذلك المحاسبةُ، والتوبةُ، والأوبةُ.

ولو عجلت له دعوته لربما غفل عن نفسه، فظن أنه على خير وهدى، فأهلكه العجب، وفاتته هذه الفائدة.

11_  قد تكون الدعوة مستجابة دون علم الداعي: فقد مر بنا عند الحديث عن فضائل الدعاء أن ثمرة الدعاء مضمونة إذا أتى الإنسان بأسباب الإجابة، وسلممن موانعها؛ فالداعي لا يخلو من أن يستجاب له دعاؤه فيرى أثره في الدنيا، أو لا يستجاب له لوجود أحد الموانع، فلا يرى أثرًا لدعائه في الدنيا، أو أن يستجاب له ولكن لا يرى أثرًا للإجابة في الدنيا وإنما يؤخر له من الأجر مثل دعوته يوم القيامة، أو أن يستجاب له الدعاء فلا يرى أثرًا للإجابة، ولكن يصرف الله عنه من السوء مثل دعوته وهو لا يعلم.( )

إذا تقرر هذا فكيف يستبطئ الداعي الإجابة طالما أن الثمرة مضمونة؟ ولماذا لا يحسن العبد ظنه بربه ويقول: لعله استجيب لي من حيث لا أعلم؟.

12_  قد يكون الدعاء ضعيفًا فلا يقاوم البلاء: قال ابن القيم×:=وله( ) مع البلاء ثلاث مقامات:

أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.

الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفًا.

الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه+.( )

13_ قد يكون الإنسان سد طريق الإجابة بالمعاصي: فلو فتحها بالتقوى لحصل على مراده؛ فكيف يستبطئ الإجابة وقد سد طريقها بالمعاصي؟.

أما علم أن التقوى سبب الراحة، وأنها مفتاح كل خير؟

أما سمع قوله _ تعالى _:[ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لم يحتسب] التحريم : 2_3،

وقوله _ تعالى _:[ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا]التحريم :4،؟.

أَوَ ما فهم أن العكس بالعكس؟.

14_ ظهورآثار أسماء الله _ تعالى _: فمن أسماء الله _ عز وجل _ المعطي، المانع، الحكم، العدل، الكريم، العليم، البر، الرحيم، المالك، الحكيم.

وهذه الأسماء تستدعي متعلقات تظهر فيها أحكامها، ومقتضياتها، وآثارها؛ فتأخر الإجابة من أسباب ظهور تلك الآثار، والمقتضيات والأحكام.

فقد يمنع _ عز وجل _ أحدًا من الناس؛ لحكمته، وعدله، وعلمه.

وقد يعطي برحمته _ عز وجل _، وحكمته، وبره، وعلمه.

15_ تكميل مراتب العبودية للأولياء: فالله _ عز وجل _ يحب أولياءه، ويريد أن يكمل لهم مراتب العبودية، فيبتليهم بأنواع من البلاء، ومنها تأخر إجابة الدعاء؛ كي يتَرَقَّوا في مدارج الكمال ومراتب العبودية؛ =فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله، وعلت درجته+.( )

فأنفع الأشياء للعبد على الإطلاق طاعته لربه بظاهره وباطنه، وأضر الأشياء عليه معصيته لربه بظاهره وباطنه.

فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصًا له _ فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرًا له.

وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته _ فكل ما هو فيه من محبوبٍ شرٌّ له.

فإذا تدبر العبد ذلك تشاغل بما هو أنفع له من حصول ما فاته.

هذا ومن تلك العبوديات التي تحصل من جراء تأخر إجابة الدعاء ما يلي:

أ_ انتظار الفرج: فانتظار الفرج من أجل العبوديات وأعظمها، فكلما اشتد انتظار الفرج كلما ازدادت ثقة العبد بربه، فيزداد بذلك قربًا من الله، وأُنْسًا به _عز وجل _.

ولو عجلت له الإجابة لربما فاتته هذه العبودية.

قال ابن القيم×:=انتظار روح الفرج يعني راحته، ونسيمه، ولذته؛ فإن انتظاره، ومطالعته، وترقبه يخفف حمل المشقة ولاسيما عند قوة الرجاء، أو القطع بالفرج؛ فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته _ ما هو من خفي الألطاف، وما هو فرج معجل+.( )

ب_ حصول الاضطرار والافتقار إلى الله: فهذا لب العبادة ومقصودها الأعظم؛ فالافتقار إلى الله دون سواه هو عين الغنى، والتذللُ له _ عز وجل _ هو العز الذي لا يدانيه عز.

ثم إن حاجة الإنسان بل ضرورته إلى الافتقار والاضطرار إلى الله _ لا تدانيها حاجة أو ضرورة.

ولو أجيب دعاؤه مباشرة لربما أصابه التيه بالنفس، والإدلال على الله بالعمل، ولربما شعر بالغنى عن الله _ تبارك وتعالى _.

وبذلك يخرج العبد عن وصفه الذي لا ينفك عنه، والذي فيه جماله وكماله ألا وهو افتقاره إلى ربه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×:=والعبد هو فقير دائمًا إلى الله من كل وجه؛ من جهة أنه معبوده، وأنه مستعانه، فلا يأتي بالنعم إلا هو، ولا يَصْلُح حال العبد إلا بعبادته.

وهو مذنب _ أيضًا _ لا بد له من الذنوب فهو دائمًا فقير مذنب؛ فيحتاج دائمًا إلى الغفور الرحيم؛ الغفور الذي يغفر ذنوبه، والرحيم الذي يرحمه فينعم عليه، ويحسن إليه؛ فهو دائمًا بين إنعام ربه وذنوب نفسه+.( )

جـ_ حصول عبودية الرضا:=فالرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وبستان العارفين+.( )

فمن رضي عن الله وبالله رضي الله عنه وأرضاه؛ فالمؤمن حين تنزل به النازلة يدعو ربه، ويبالغ في ذلك، فلا يرى أثرًا للإجابة، فإذا قارب اليأس نُظِرَ حينئذٍ في قلبه، فإن كان راضيًا بالأقدار، غير قنوط من فضل الله فالغالب تعجيل الإجابة؛ فهناك يصلح الإيمان، ويهزم الشيطان، وتتبين مقادير الرجال.

وقد أشير إلى هذا في قوله _ تعالى _:[حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب]البقرة: 214.

وكذلك جرى ليعقوب _ عليه السلام _ مع أولاده كما مر قريبًا.

أما الاعتراض وقلة الرضا عن الله فخروج عن صفة العبودية.

قال بعضهم:=ارض عن الله في جميع ما يفعله بك؛ فإنه ما منعك إلا ليعطيك، ولا ابتلاك إلا ليعافيك، ولا أمرضك إلا ليشفيك، ولا أماتك إلا ليحييك؛ فإياك أن تفارق الرضا عنه طرفة عين، فتسقط من عينه+.( )

قال ابن ناصر الدين الدمشقي×:

 يجري القضاءُ وفيه الخير نافلة

                    لمؤمن واثق بالله لا لاهي

 إن جاءه فرح أو نابه ترح

                    في الحالتين يقول الحمد لله( )

د_ الانكسار بين يدي جبار السماوات والأرض: فالله _ عز وجل _ يحب المنكسرين بين يديه، فيدنيهم، ويقرب منهم، بل هو _ عز وجل _ عند المنكسرة قلوبهم.

ذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى _ عليه السلام _:=يا رب، أين أبغيك؟

قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك انهدموا+.( )

فربما كان تأخر الإجابة سببًا لإطالة الوقوف على باب الله، وانكسار العبد بين يديه، وكثرة اللجأ إليه، والاعتصام به.

بدليل أنه لولا هذه النازلة لم يُرَ على باب اللجأ والمسكنة؛ فالله _ عز وجل _ علم من الخلق اشتغالهم بالبر عنه، فابتلاهم من خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به.

فهذا من النعم في طي البلاء، وإنما البلاء المحض ما يشغلك عن ربك، وأما ما يقيمك بين يديه _ عز وجل _ ففيه جمالك، وكمالك، وعزك، وفلاحك.

هـ_ التمتع بطول المناجاة: فقد مرَّ بنا عند الحديث عن فضائل الدعاء أن العبد قد يقوم لمناجاة ربه، وإنزال حاجاته ببابه، فيُفتح على قلبه حال السؤال والدعاء من محبة الله، ومعرفته، والخضوع له، والتذلل بين يديه _ ما ينسيه حاجته، فيكون ما فتح له من ذلك أحبَّ إليه من قضاء حاجته التي سألها، فيحب أن تدوم له تلك الحال، وتكون عنده آثر من حاجته، ويكون فرحه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاتته تلك الحال.

وعلى هذا فكلما تأخرت الإجابة كلما طالت المناجاة، وحصلت اللذة، وزاد القرب.

ولو عجلت الإجابة لربما فاتت تلك الثمرة.

قال سفيان الثوري×:=لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثر من تَضَرُّعه إليه فيها+.( )

و_ مجاهدة الشيطان ومراغمته: فالشيطان عدو مبين للإنسان، يتربص به الدوائر، ويسعى في إضلاله وصدِّه عن صراط الله المستقيم، فإذا صادف منه غرة أصابه من خلالها.

فالعبد إذا دعا ربه، وتأخر وقت الإجابة _ بدأ الشيطان يجول في خاطره؛ ليسيء ظنه بربه، وصار يُلقي في رُعِه أن لا فائدة من دعائه.

فإذا جاهده العبد، وراغمه، وأغاظه بكثرة الدعاء، وإحسان الظن بالله _ حصل على أجر عظيم؛ فمجاهدة الشيطان ومراغمته من أجل العبوديات.

ولو لم يأت العبد من تأخر الإجابة إلا هذه الفائدة _ لكان حريًا به ألا ينزعج من تأخرها.

هذه بعض الحكم المتلمسة من جراء تأخر الدعاء، والتي يجدر بالعبد أن يستحضرها إذا دعا وتأخرت إجابة الدعاء.

 أحاديث ضعيفة وموضوعة في الدعاء

هناك أحاديث في الدعاء، تروج بين الناس، وتشتهر على الألسن، ويحرص أهل الأهواء والبدع على نشرها وبثها، فالذي يجب على المسلم ألا ينسب للرسول"إلا ما قد ثبت عنه، أما أن ينسب له كل ما سمع، أو كل ما راق له من المعاني الجميلة التي تحتويها بعض الأحاديث _ فهذا لا يجوز.( )

ومن الأحاديث الرائجة في هذا الشأن ما يلي:

1_  إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور، أو فاستعينوا بأهل القبور: قال شيخ الإسلام ابن تيمية× عن هذا الحديث:=فهذا الحديث كذب مفترى على النبي"بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة+.( )

قال سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز× عن هذا الحديث:=وهذا الكلام دعوة إلى الشرك بالله _ عز وجل _ فإن الاستعانة بأصحاب القبور، والاستغاثة بهم من أعظم أنواع الشرك بإجماع أهل العلم والإيمان.

وبذلك يُعلم أن هذا الحديث من وضع عباد القبور، قبح الله واضعه، وعامله بما يستحق+. *

2_  إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم، أو توسلوا بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية×:=وروى بعض الجهال عن النبي"أنه قال:=إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم+ وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث+.( )

وقال الشيخ الألباني×:=لا أصل له+.( )

وقال:=ومما لا شك فيه أن جاهه"ومقامه عند الله عظيم؛ فقد وصف الله _ تعالى _ موسى بقوله[وكان عند الله وجيهًا]الأحزاب : 69.

ومن المعلوم أن نبينا محمدًا"أفضل من موسى، فهو _ بلا شك _ أوجه منه عند ربه _ سبحانه وتعالى _ ولكن هذا شيء، والتوسل بجاهه"شيء آخر، فلا يليق الخلط بينهما كما يفعل البعض؛ إذ أن التوسل بجاهه"يَقْصُد به من يفعله أنه أرجى لقبول دعائه، وهذا أمر لا يمكن معرفته بالعقل؛ إذ أنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل في إدراكها؛ فلا بد فيه من النقل الصحيح الذي تقوم به الحجة، وهذا مما لا سبيل إليه البتة؛ فإن الأحاديث الواردة في التوسل به"تنقسم إلى قسمين: صحيح، وضعيف، أما الصحيح فلا دليل فيه البتة على المدعي مثل توسلهم به"في الاستسقاء، وتوسل الأعمى به"، فإنه توسلٌ بدعائه"لا بجاهه ولا بذاته"، ولما كان التوسل بدعائه"بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن كان بالتالي التوسل به"بعد وفاته غير ممكن وغير جائز.

ومما يدلك على هذا أن الصحابة _ رضي الله عنهم _ لما استسقوا في زمن عمر توسلوا بعمه"العباس، ولم يتوسلوا به"، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع، وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه"؛ ولذلك توسلوا بعده"بدعاء عمه؛ لأنه ممكن ومشروع+.( )

3_ حسبي من سؤالي علمه بحالي: قال الألباني:=لا أصل له. أورده بعضهم من قول إبراهيم _ عليه الصلاة والسلام _ وهو من الإسرائيليات، ولا أصل له في المرفوع+.( )

وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء مشيرًا لضعفه فقال:=وروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال _ حين أوثقوه؛ ليلقوه في النار _: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، واستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم، لك حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا، قال جبريل: اسأل ربَّك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي+.( )

=وقد أخذ هذا المعنى بعضُ من صنف في الحكمة على الطرقة الصوفية فقال: سؤالك منه _ يعني الله تعالى _ اتهامٌ له+.( ).

قال الشيخ الألباني _ تعليقًا على هذا الكلام:=وهذه ضلالة كبرى! فهل كان الأنبياء _ صلوات الله عليهم _ متهمين لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟+.( )

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:=وأما قوله حسبي من سؤالي علمه بحالي _ فكلام باطل، خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله، ومسألتهم إياه، وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة+.( )

4_ لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب، لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك _ رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليَّ، ادعني بحقه، فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك.

هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك 2/615، من طريق أبي الحارث عبدالله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، نبأنا عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعًا.

وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبدالرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب+.

فتعقبه الذهبي بقوله:=بل موضوع، وعبدالرحمن واهٍ، وعبدالله بن مسلم الفهري لا أدري ما هو+.

قال الألباني:=قلت: والفهري هذا أورده في (ميزان الاعتدال) لهذا الحديث وقال: خبر باطل، رواه البيهقي في دلائل النبوة.

وقال البيهقي:=تفرد به عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف+.

وأقره ابن كثير في (تاريخه 2/323) ووافقه الحافظ بن حجر في (اللسان) أصله (الميزان) على قوله (خبر باطل) ( )

ثم قال الألباني× بعد أن ساق جملة من أقوال العلماء عن هذا الحديث:=وجملة القول أن الحديث لا أصل له عنه"، فلا جرم أن حكم عليه بالبطلان الحافظان الجليلان الذهبي والعسقلاني كما تقدم به النقل عنهما+.( )

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث:=ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه؛ فإنه قد قال في كتاب (المدخل على معرفة الصحيح من السقيم): عبدالرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.

قلت: قلت: وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا ضعفه أحمد بن حنبل، وأبوزرعة، وأبوحاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم+.( )

5_ الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض: رواه الحاكم في المستدرك من حديث علي 1/669، وقال هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 10/150 رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك.

وقال الألباني في الضعيفة (179): موضوع.

6_ إن الرزق لا تنقصه المعصية ولا تزيده الحسنة، وترك الدعاء معصية: قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/75 رواه الطبراني في الصغير، وفيه عطية العوفي وهو ضعيف.

وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية 2/589 (966): قال بن عدي: هذا حديث بهذا الإسناد باطل، ليس يرويه من مسعر غير إسماعيل، وكان يحدث عن الثقات بالبواطيل.

وقال الدارقطني: كذاب متروك. أ.هـ

وقال الألباني في الضعيفة (181): (موضوع).

وقال:=ثم إن مما يدل على بطلان الحديث قوله":=من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره _ فليصل رحمه+ رواه الشيخان وغيرهما.

فهذا يدل على أن الحسنة سبب في زيادة الرزق كما أنها سبب في إطالة العمر+.

7_ الدعاء مخ العبادة: رواه الترمذي من حديث أنس (3371)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن هليعة.

وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (3611)، وفي مشكاة المصابيح (2231).

 نماذج لأدعية قرآنية

1-[ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين]الأعراف: 23.

2-[رب إنِّي أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين]هود: 47.

3-[ربِّ أنزلني منزلاً مباركًا وأنت خير المنزلين]المؤمنون: 29.

4-[ربنا تقبل منّا إنك أنت السميع العليم]البقرة: 127.[وتب علينا إنك أنت التوَّاب الرحيم]البقرة: 128.

5-[رب اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات]نوح: 28.

6-[رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذرِّتَّي ربنا وتقبل دعاء]إبراهيم: 40.

7-[رب هب لي من لدنك ذريَّة طيِّبة إنَّك سميع الدعاء]آل عمران: 38.

8-[لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين]الأنبياء : 87.

9-[رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري]طه: 25_26.

10-[رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي]القصص: 16.

11-[ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين]البقرة: 250.

12-[ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار]البقرة:201.

13-[ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب]آل عمران: 8.

14-[ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم]الحشر: 10.

15-[ربنا هب لنا من أزواجنا وذرِّيَّتنا قرَّة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا]الفرقان: 74.

16-[رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون]المؤمنون: 97_98.

17-[رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والديَّ وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين]النمل: 19.

18-[رب زدني علمًا]طه: 114.

19-[رب نجني من القوم الظالمين]القصص: 21.

20-[رب هب لي حكمًا وألحقني بالصالحين]الشعراء: 83.

21-[ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا]الكهف: 15.

22-[ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا]الفرقان: 65.

23-[ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين]آل عمران: 147.

24-[ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين]يونس: 85_86.

25-[ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين]الأعراف: 47.

26-[ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين]البقرة: 286.

27-[ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير]التحريم: 8.

 نماذج لأدعية نبوية

1-كان أكثر دعاء النبي":=اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار+.( )

2-=اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى+.( )

3-=اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك+.( )

4-=اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والهرم، والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات+.( )

5-=اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر+.( )

6-=اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل+.( )

7-=اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك+.( )

8-=يا مقلِّب القلوب ثبت قلبي على دينك+.( )

9-=اللهم عافني من شرِّ سمعي، وبصري، ولساني، وقلبي، وشرِّ منيِّي+ قال وكيع:،منيِّي يعني الزنا والفجور.( )

10-=ربِّ _ وفي الرواية الأخرى (اللهم) _: أعني ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، ويسر لي الهدى، وانصرني على من بغى علي، ربِّ اجعلني شكَّارًا لك، ذكَّارًا راهبًا لك، مطواعًا لك، مخبتًا لك، أوَّاهًا منيبًا، تقبَّل توبتي واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبِّت حجتي، واهدِ قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي+.( )

11-=اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل والجبن والبخل، وضلع الدَّين، وغلبة الرجال+.( )

12-=اللهم اغفر لي ما قدَّمْتُ، وما أخرتُ، وما أسررتُ، وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي؛ إنَّك أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت+.( )

13-=اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأهواء، والأعمال، والأدواء+.( )

14-=اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك+.( )

15-=اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا+.( )

16-=اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلاً+.( )

 الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد ففي خاتمة البحث هذا إجمال لأهم ما اشتمل عليه.

1_  شأن الدعاء عظيم، ونفعه عميم، ومكانته عالية في الدين.

2_  الدعاء هو الرغبة إلى الله _ عز وجل _ أو هو الابتهال إلى الله _ تعالى _ بالسؤال، والرغبة فيما عنده من الخير، والتضرع إليه في تحقيق المطلوب والنجاة من المرهوب.

3_ ترد كلمة الدعاء في القرآن الكريم على عدة إطلاقات، منها العبادة، والقول، والنداء، والثناء، والاستغاثة، والسؤال بمعنى الاستفهام، والسؤال بمعنى الطلب، ومن إطلاقاته _ أيضًا _ العذاب.

4_ كل دعاء ورد في الكتاب والسنة فإنه يتناول نوعي الدعاء:

أ_ دعاء المسألة.               ب_ دعاء العبادة.

5_ دعاء المسألة هو أن يطلب الداعي ما ينفعه، وما يكشف ضره.

       أو هو ما تضمن مسألة، أو طلبًا، كأن يقول الداعي: اللهم أكرمني، واهدني، وهكذا...

6_ دعاء العبادة شامل لجميع القربات الظاهرة والباطنة.

7_ دعاء المسألة ودعاء العبادة متلازمان؛ فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.

8_ ذكر في البحث أمثلة لتلازم دعاء العبادة ودعاء المسألة.

9_ للدعاء فضائل عظيمة، وثمرات جليلة، وأسرار بديعة.

10_ للدعاء شروط عديدة لا بد من توافرها؛ كي يكون الدعاء مستجابًا مقبولاً.

11_  للدعاء آداب يحسن الإتيان بها؛ كي يكون الدعاء كاملاً.

12_  هناك أوقات، وأماكن، وأحوال، وأوضاع _ يستجاب فيها الدعاء.

13_ هناك أخطاء يقع فيها كثير من الناس في باب الدعاء، وقد وَرَد ذكرٌ لشيء من تلك الأخطاء.

14_ ورد في البحث ذكر لبعض الأسباب الجالبة لإجابة الدعاء.

15_ الإتيان بشرائط الدعاء، وآدابه، وتجنب ما يخالف ذلك كفيل _ بإذن الله_ بإجابة الدعاء، والعكس بالعكس.

16_ إجابة الدعاء _ في الأصل _ دليل على صلاح المرء وتقواه، وقد لا تدل على ذلك أحيانًا؛ فقد تكون استدراجًا أو لحكمة.

17_ عدم استجابة الدعاء لا تدل على فساد الداعي في كل الأحوال.

18_ تأخر إجابة الدعاء مع المبالغة فيه والإتيان بالأسباب الموجبة للإجابة، وتجنب موانعها _ يحمل في طياته حكمًا باهرةً، وأسرارًا بديعةً عظيمةً، يجمل بمن تأخرت عنه الإجابة أن يتدبرها، ويستحضرها، وقد ذكر في البحث عدد منها.

19_ هناك أحاديث في الدعاء، تروج بين الناس، وتشتهر على الألسنة، وقد ورد في البحث ذكر شيء منها، مع بيان أقوال العلماء فيها.

20_ ورد في البحث ذكر لنماذج من الأدعية القرآنية والنبوية.

هذا ملخص لأهم ما ورد في البحث، فأسأل الله _ تبارك وتعالى _ أن ينفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.

كما آمل من القارئ الكريم أن يمد كاتب هذه الصفحات بملحوظاته.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا