الطريق إلي التوبة

نبذة مختصرة

الطريق إلي التوبة : فإن التوبة وظيفة العمر، وبداية العبد ونهايته، وأول منازل العبودية، وأوسطها، وآخرها.
وإن حاجتنا إلى التوبة ماسة، بل إن ضرورتنا إليها ملحَّة؛ فنحن نذنب كثيرًا ونفرط في جنب الله ليلاً ونهارًا؛ فنحتاج إلى ما يصقل القلوب، وينقيها من رين المعاصي والذنوب.
ثم إن كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون؛ فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية.
- هذا الكتاب مختصر لكتاب التوبة وظيفة العمر.

تنزيــل

تفاصيل

الطريق إلي التوبة

 مقدمه

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو الكريم الوهاب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله والأصحاب.

أما بعد:

فإن التوبة وظيفة العمر، وبداية العبد ونهايته، وأول منازل العبودية، وأوسطها، وآخرها.

وإن حاجتنا إلى التوبة ماسة، بل إن ضرورتنا إليها ملحَّة؛ فنحن نذنب كثيرًا ونفرط في جنب الله ليلاً ونهارًا؛ فنحتاج إلى ما يصقل القلوب، وينقيها من رين المعاصي والذنوب.

ثم إن كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون؛ فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية.

ولقد يسر الله أن كتبت في شأن التوبة كتاباً عنوانه: التوبة وظيفة العمر

ولما كان ذلك الكتاب مطوَّلاً تشق قراءته على بعض الناس أشار كثير من الإخوان بأن يختصر، ويُلَخَّص منه نبذةٌ تبين مقاصد الكتاب؛ ليسهل اقتناؤه، وتوزيعه لأكبر عدد ممكن؛ فكان أن اختصر ذلك الكتاب في هذا الكتيب الذي حمل المسمى التالي: الطريق إلى التوبة.

وسيلاحظ القارئ الكريم قلة الحواشي والعزو؛ فمن أراد التفضل والعزو فليراجع الأصل، والله المستعان وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

محمد بن إبراهيم الحمد

الزلفي  24/8/1419هـ

ص.ب: 460

www.toislam.net


 تعريف التوبة

أولاً: التوبة في اللغة: التوبة في اللغة مصدر الفعل تاب، وأصل هذه المادة: التاء، والواو، والباء توب.

وهي تدور حول معاني الرجوع، والعودة، والإنابة، والندم.

ثانياً: التوبة في الشرع: هي ترك الذنب علماً بقبحه، وندماً على فعله، وعزماً على ألا يعود إليه إذا قدر، وتداركاً لما يمكن تداركه من الأعمال، وأداءً لما ضيع من الفرائض؛ إخلاصاً لله، ورجاءً لثوابه، وخوفاً من عقابه، وأن يكون ذلك قبل الغرغرة([1])، وقبل طلوع الشمس من مغربها.


 باب التوبة مفتوح

لقد فتح الله ـ بمنه وكرمه ـ باب التوبة، حيث أمر بها، ووعد بقبولها مهما عظمت الذنوب، قال ـ تعالى ـ: [وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ](الزمر: 54).

وقال: [وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ](الشورى: 25).

وقال: [وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً](النساء: 110).

وقال في شأن النصارى[لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (المائدة: 73).

ثم قال ـ جلت قدرته ـ محرضاً لهم على التوبة: [أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (المائدة: 74).

وقال في حق أصحاب الأخدود الذي حفروا الحفر لتعذيب المؤمنين وتحريقهم بالنار: [إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ] (البروج: 10).

قال الحسن البصري ×: =انظروا إلى هذا الكرم والجود؛ قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة+.

بل إنه ـ عز وجل ـ حذَّر من القنوط من رحمته، فقال: [قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ](الزمر: 53).

قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: =من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله ـ عز وجل ـ+.


 فضائل التوبة وأسرارها

للتوبة فضائل جمة، وأسرار بديعة، وفوائد متعددة، وبركات متنوعة؛ فمن ذلك ما يلي:

1_أن التوبة سبب الفلاح، والفوز بسعادة الدارين:

قـال ـ تعالى ـ: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ](النور: 31).

قال شيـخ الإسـلام ابن تيمية ×: =فالقـلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يتلذذ، ولا يسـر، ولا يطـيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه+.

2_بالتوبة تكفر السيئات: فإذا تاب العبد توبة نصوحاً كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه.

قال ـ تعالى ـ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ](التحريم: 8).

3_بالتوبة تبدل السيئات حسنات: فإذا حسنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات، قال ـ تعالى ـ: [إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً](الفرقان: 70).

وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: =ما رأيت النبي "فَرِحَ بشيء فَرَحَهُ بهذه الآية لما أنزلت، وفرحه بنزول: [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ] (الفتح: 1_2).

4_التوبة سبب للمتاع الحسن، ونزول الأمطار، وزيادة القوة، والإمداد بالأموال والبنين: قال ـ تعالى ـ: [وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ](هود: 3).

وقال ـ تعالى ـ على لسان هود ـ عليه السلام ـ: [وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ] (هود: 52).

وقال على لسان نوح ـ عليه السلام ـ: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً] (نوح: 10_12).

5_أن الله يحب التوبة والتوابين: فعبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها؛ كما أن للتائبين عنـده ـ عـز وجـل ـ محبـة خاصـة، قال ـ تعالى ـ: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ](البقرة: 222).

6_أن الله يفرح بتوبة التائبين: فهو ـ عز وجلّ ـ يفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يُقدَّر كما مثَّله النبي "بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدَّويَّة المهلكة بعدما فقدها، وأيس من أسباب الحياة، قال ": =لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع مكاني، فرجع فنام نومًة، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده+([2]).

ولم يجىء هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة.

ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرًا عظيمًا في حال التائب، وقلبه، ومزيدُ هذا الفرح لا يعبر عنه.

7_التوبة توجب للتائب آثاراً عجيبة من المقامات التي لا تحصل بدون التوبة: فتوجب له المحبة، والرقة واللطف، وشكر الله، وحمده، والرضا عنه؛ فرُتِّب له على ذلك أنواع من النعم لا يهتدي العبد لتفاصيلها، بل لا يزال يتقلب في بركاتها وآثارها ما لم ينقضها أو يفسدها.

ومن ذلك حصول الذل، والانكسـار، والخضـوع لله ـ عز وجل ـ وهذا أحبُّ إلى الله من كثيـر من الأعمـال الظـاهـرة ـ وإن زادت في القدر والكِمِّيَّة على عبودية التوبة ـ فالذل والانكسار روح العبودية، ولبُّها؛ ولأجل هذا كان الله ـ عز وجل ـ عند المنكسرة قلوبُهم، وكان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ لأنه مقام ذلك وانكسار، ولعل هذا هو السر في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسرة في قلب كل واحد منهم؛ فإن لوعة المظلوم تحدث عند كسرة في قلبه، وكذلك المسافر يجد في غربته كسرة في قلبه، وكذلك الصوم؛ فإنه يكسر سَوْرَة النفس السَّبُعِيَّة الحيوانية.


 أخطاء في باب التوبة

هناك أخطاء في باب التوبة يقع فيها كثير من الناس، وذلك ناتج عن الجهل بمفهوم التوبة، أو التفريط وقلة المبالاة، فمن تلك الأخطاء ما يلي:

1_تأجيل التوبة: فمن الناس من يدرك خطأه، ويعلم حرمة ما يقع فيه، ولكنه يؤجل التوبة، ويسوِّف فيها؛ فمنهم من يؤخرها إلى ما بعد التخرج أو الزواج، ومنهم من يؤجلها ريثما تتقدم به السن، إلى غير ذلك من دواعي التأجيل.

فيجب على العبد أن يتوب من الذنب، ومن تأخير التوبة؛ لوجوب ذلك، ولئلا تصير المعاصي راناً على قلبه، وطبعاً لا يقبل المحو، أو أن تعاجله المنية وهو مصر على الذنب.

ثم إن ترك المبادرة للتوبة مدعاة لصعوبتها، وسبب لفعل ذنوب أخرى، قال النبي ": =إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإذا تاب ونزع، واستغفر صقل قلبه منها، وإذا زاد زادت حتى يغلف قلبه؛ فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: [كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] (المطففين: 14)+([3]).

2_الغفلة عن التوبة مما لا يعلمه العبد من ذنوبه: فكثير من الناس لا تخطر بباله هذه التوبة؛ فتراه يتوب من الذنوب التي يعلم أنه قد وقع فيها، ولا يظن بعد ذلك أن عليه ذنوباً غيرها.

وهذا من الأخطاء التي تقع في باب التوبة، والتي قلَّ من يتفطن لها؛ فهناك ذنوب خفية، وهناك ذنوب يجهل العبد أنها ذنوب، ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه، ومما لا يعلم؛ فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكناً من العلم؛ فإنه عاصٍ بترك العلم والعمل؛ فالمعصية في حقه أشد.

ولهذا قال النبي ": =الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل+.

فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله ؟

قال: =أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم+ ([4]).

فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه العبد أنه ذنب، ومما لا يعلمه العبد.

وجاء عن النبي"أنه كان يدعو في صلاته: =اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ إنك أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت+([5]).

وفي الحديث الآخر: =اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسره+ ([6]).

فهذا التعميم، وهذا الشمول؛ لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه، وما لم يعلمه.

3_ترك التوبة؛ مخافة الرجوع للذنوب: فمن الناس من يرغب في التوبة، ولكنه لا يبادر إليها؛ مخافة أن يعاود الذنب مرة أخرى.

وهذا خطأ؛ فعلى العبد أن يتوب إلى الله، فلربما أدركه الأجل وهو لم ينقض توبته.

كما عليه أن يحسن ظنه بربه ـ جل وعلا ـ وأن يستحضر أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه، وأنه ـ تعالى ـ عند ظن عبده به، قال النبي ": =قال الله ـ عز وجل ـ: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني+([7]).

قال النبي "فيما يحكى عن ربه ـ عز وجل ـ قال: =أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ـ تبارك وتعالى ـ أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد، فأذنب، فقال: أيْ ربّ اغفر لي ذنبي، فقال ـ تبارك وتعالى ـ: عبدي أذنب ذنبا ً، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد، فأذنب ذنباً فقال: أي ربِّ اغفر لي، فقال ـ تبارك وتعالى ـ: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربَّـاً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت؛ فقد غفرت لك+.

ومعنى ذلك: ما دمت تُبتلى بالذنب، فتبادر إلى التوبة منه ـ غفرت لك+([8]).

4_ترك التوبة؛ خوفاً من لمز الناس: فمن الناس من تحدثه نفسه بالتوبة، ولزوم الاستقامة، ولكنه يخشى لمز بعض الناس، وعيبهم إياه، ووصمهم له بالتشدد والوسوسة، ونحو ذلك مما يُرمى به بعض من يستقيم على أمر الله، حيث يرميه بعض الجهلة بذلك؛ فيُقْصِرُ عن التوبة؛ خوفاً من اللمز والعيب.

وهذا خطأ فادح؛ إذ كيف يُقَدِّم خوف الناس على خوف رب الناس ؟

ثم إن ما يرمي به إذا هو تاب إنما هو ابتلاء وامتحان؛ ليمتحن أصادق هو أم كاذب؛ فإذا صبر في بداية الأمر هان عليه ما يلقاه، وإن حسنت توبته، واستمر على الاستقامة أجلَّه من يُعَيِّره، وربما اقتدى به.

أضف إلى ذلك أن الإنسان سيذهب إلى قبره وحيداً، وسيحشر إلى ربه فردًا؛ فماذا سينفعه فلان أو فلان ممن يثبطونه ؟

5_ترك التوبة؛ مخافة سقوط المنزلة، وذهاب الجاه والشهرة: فقد يكون لشخص ما ـ منزلة، وحظوة، وجاه، فلا تطاوعه نفسه على إفساد ذلك بالتوبة، كما قال أبو نواس لأبي العتاهية، وقد لامه على تهتكُّه في المعاصي: ولا ريب أن ذلك نقص في ديانة الإنسان، وشجاعته، ومروءته، وعقله.

ثم إن الشهرة والجاه عرض زائل، وينتهي بنهاية الإنسان، بل ربما صارت وبالاً عليه في حياته، وإذا هو قدم على ربه فلن ينفعه إلا ما قدم من صالح عمله.

ثم إنه إذا ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، والعوضُ من الله أنواع مختلفة، وأجلُّ ما يُعَوَّضُ به أن يأنس بالله، وأن يُرزق محبته ـ عز وجل ـ وطمأنينة القلب بذكره.

6_التمادي في الذنوب؛ اعتماداً على سعة رحمه الله: فمن الناس من يسرف في المعاصي، فإذا زجر وليم على ذلك قال: إن الله غفور رحيم، كما قال أحدهم:

وكثَّر ما استطعت من الخطايا

إذا كان القدوم على كريم

ولا ريب أن هذا الصنيع سفه، وجهل، وغرور؛ فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المسيئين، المفرطين المعاندين، المصرين.

ثم إن الله ـ عز وجل ـ مع عفوه، وسعة رحمته ـ شديد العقاب، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

قال ـ تعالى ـ: [نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ](الحجر: 49 ،50).

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي

دَرْكَ الجنان بها وفوز العابد

ونسيت أن الله أخرج آدماً

منها إلى الدنيا بذنب واحد

ثم أين تعظيم الله في قلب هذا المتمادي ؟ وأين محبته والحياء منه ـ عز وجل ـ ؟

فحسن الظن ـ إذاً ـ ورجاء الرحمة والمغفرة إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما على انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى حسن الظن، ورجاء الرحمة والمغفرة.

فحسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حسَّن الظن بعدها؛ فهذا هو حسن الظن، والأول غرور والله المستعان.

7_الاغترار بإمهال الله للمسيئين: فمن الناس من يسرف على نفسه بالمعاصي؛ فإذا نصح عنها، وحُذِّر من عاقبتها قال: ما بالنا نرى أقواماً  قد امتلأت فجاجُ الأرض بمفاسدهم، ومباذلهم، وظلمهم، وقتلهم الأنفس بغير الحق، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأكلهم الربا وقد نهو عنه، ومع ذلك نراهم وقد درَّت عليهم الأرزاق، وأنسئت لهم الآجال، وهم يعيشون في رغد ونعيم بعيد المنال ؟

ولا ريب أن هذا القول لا يصدر إلا من جاهل بالله، وبسننه ـ عز وجل ـ.

ويقال لهذا وأمثاله: رويدك، رويدك؛ فالله ـ عز وجل ـ يعطي الدنيا من أحب، ومن لا يحب؛ وهؤلاء المذكورون مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون؛ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ فما هذا الذي هم فيه من النعيم إلا استدراج، وإمهال، وإملاء من الله ـ عز وجل ـ حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر.

قال النبي": =إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته+ ثم قرأ قوله ـ تعالى ـ [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] (هود: 102)+([9]).

قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: =إذا رأيت الله ـ عز وجل ـ يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ـ فإنما هو استدراج+ ثم تلا قوله ـ عز وجل ـ[فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] (الأنعام: 44،45)+([10]).

قال ابن الجوزي ×: =فكلُّ ظالمٍ معاقبٌ في العاجل على ظلمه قبل الآجـل، وكذلـك كل مذنـب ذنـباً، وهو معنى قوله ـ تعالى ـ: [مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ](النساء: 123).

وربما رأى العاصي سلامة بدنه؛ فظن أن لا عقوبة، وغفلتُه عمّا عوقب به عقوبة+.

وقال =الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي؛ فإن نارها تحت الرماد، وربما تأخرت العقوبة، وربما جاءت مستعجلة+.

وقال: =قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلم، والعاقل من إذا فعل خطيئة بادرها بالتوبة، فكم مغرور بإمهال العصاة لم يمهل+.

يا من غدا في الغي والتيهِ

وغره طول تماديهِ

أملى لك الله فبارزتهُ

ولم تَخَفْ غبَّ معاصيهِ

8_اليأس من رحمة الله: فمن الناس من إذا أسرف على نفسه بالمعاصي، أو تاب مرّة أو أكثر ثم عاد إلى الذنب مرة أخرى ـ أيس من التوبة، وظن أنه ممن كتب عليهم الشقاوة؛ فاستمرّ في الذنوب، وترك التوبة إلى غير رجعة.

وهذا ذنب عظيم، وربما كان أعظم من مجرد الذنب الأول الذي ارتكبه؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون؛ فليجدد التوبة، وليجاهد نفسه في ذات الله.

9_الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي: فهناك من يحتج بالقدر على معاصيه وذنوبه، فيحتج بالقدر على ترك الطاعات، أو فعل المحرمات؛ فإذا قيل له ـ على سبيل المثال ـ: لمَ لا تصلي ؟ قال: ما أراد الله ذلك، وإذا قيل له: متى ستتوب ؟ قال: إذا أراد الله ذلك.

وهذا خطأ وضلال وانحراف؛ ذلك أن الإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجة على ما ترك من الواجبات، أو ما فعل من المحرمات؛ فالاحتجاج بالقدر على هذا النحو مخاصمة لله، واحتجاج من العبد على الرب، وحمل للذنب على الأقدار؛ فلا عذر ـ إذاً ـ لأحد البتة في معصية الله، ومخالفة أمره مع علمه بذلك، وتَمَكُّنه من الفعل أو الترك، ولو كان له عذر لما استحق العقوبة واللوم لا في الدنيا ولا في الأخرى.

ولو كان هذا مقبولاً لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس، وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد، ويحتج بالقدر.

ونفس المحتج بالقدر إذا اعتُدي عليه، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدل على فساده.

وبالجملة فالاحتجاج بالقدر يسوغ عند المصائب لا المعائب؛ فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب.

10_توبة الكذابين: الذي يهجرون الذنوب هجرًا مؤقَّتاً؛ لمرض، أو مناسبة، أو عارض، أو خوف، أو رجاءِ جاه، أو خوفِ سقوطه، أو عدمِ تَمَكُّنٍ؛ فإذا واتتهم الفرصة رجعوا إلى ذنوبهم؛ فهذه توبة الكذابين، وليست بتوبة في الحقيقة.

ولا يدخل في ذلك من تاب فحدثته نفسه بالمعصية، أو أغواه الشيطان بفعلها ثم فعلها، فندم وتاب؛ فهذه توبة صادقة، كما لا يدخل فيها الخطرات ما لم تكن فعلاً مُتَحَقَّقاً.


 مسائل في التوبة

هناك مسائل في التوبة يحسن التنبيه عليها، ومن ذلك ما يلي:

1_التوبة الواجبة، والتوبة المستحبة: فالتوبة الواجبة تكون من فعل المحرمات وترك الواجبات، والمستحبة تكون من فعل المكروهات، وترك المستحبات.

فمن اقتصر على التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين، ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين، ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين: إما الكافرين، وإما الفاسقين.

2_التوبـة النصـوح: هـي الخالصـة، الصادقـة، الناصحـة، الخاليـة من الشوائب، والعلل.

وهي التي تكون من جميع الذنوب؛ فلا تدع ذنبًا إلا تناولته، وهي التي يجمع صاحبها العزم والصدق بكليته عليها؛ فلا يبقى عنده تردد، ولا تلوُّمٌ، ولا انتظار.

وهي التي تقع لمحض خوف الله، وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده.

فمن كانت هذه حاله غفرت ذنوبه كلها، وإذا حسنت توبته بدل الله سيئاته حسنات.

3_التوبة الخاصة من بعض الذنوب: فالواجب على العبد أن يتوب من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها.

فإذا تاب من بعضها مع إصراره على بعضها الآخر قبلت توبته مما تاب منه، ما لم يُصرَّ على ذنب آخر من نوعه.

مثال ذلك أن يتوب من الربا، وهو مصر على السرقة وشرب الخمر، فتقبل توبته من الربا.

أما إذا تاب من نوع من أنواع الربا وهو مصر على نوع آخر منه، أو تاب من نوع وانتقل إلى نوع آخر منه ـ فلا تقبل توبته.

وقد يتصور أن يتوب الإنسان من الكثير من الذنوب دون القليل؛ لأن لكثرة الذنوب تأثيرًا في كثرة العقوبة، وصعوبة التوبة.

وبالجملة فكل ذنب له توبة خـاصـة، وهي فرض مـنه لا تتعلق بالتوبة من غيره؛ فهذه هي التوبة الخاصة.

وحكمها أنها تصح فيما تاب منه؛ شريطة أن يكون التائب باقياً على أصل الإيمان.

وسر المسألة أن التوبة تتبعَّض كالمعصية؛ فيكون تائباً من وجه دون وجه.

ثم إن على العبد إذا وفِّق للتوبة من ذنب من الذنوب أن يسعى للتخلص من الباقي؛ لأن الإصرار على الذنوب يقود إلى ذنوب أخرى؛ فالحسنة تهتف بأختها، والسيئة كذلك.

4_التخلص من الحقوق، والتحلل من المظالم: فالتوبة تكون من حق الله، وحق العباد؛ فحق الله ـ تعالى ـ يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك، بل أضاف إليه الكفارة والقضاء.

أما حق غير الله فيحتاج إلى التحلل من المظالم، فيه وإلى أداء الحقوق إلى مستحقيها، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، قال النبي ": =من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض، فليتحلَّلْه اليوم؛ قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات+([11]).

ولكن من لم يقْدر على الإيصال بعد بذله الوسعَ في ذلك فعفو الله مأمول؛ فإنه يضمن التبعات، ويبدل السيئات حسنات.

ومما يدخل في الحقوق والمظالم التي يجب التحلل منها ما يلي:

أ_الحقوق المالية: فإن كان لدى التائب مظلمة مالية لأحد من الناس فليردها عليه، سواء كانت غصباً، أو سرقة، أو جحداً لأمانة مالية، أو نحو ذلك.

وبعض الناس قد يستحيي من رد تلك المظلمة، وخصوصاً إذا كانت سرقة.

والحل في مثل هذه الحال يسير ـ بحمد الله ـ فإما أن يذهب بنفسه لصاحب الحق، ويخبره بما كان من أمره، ويرد عليه ما أخذ منه.

وإما أن يهاتفه عبر الهاتف ويتفق معه على حل معين، وإما أن يرسل له المبلغ المالي عبر البريد، وإما أن يوسِّط أحداً من الناس في إرسال المال والتحلل من صاحبه.

وإن كان لا يعرف صاحب تلك المظلمة، أو أن يكون قد بحث عنه فلم يجده، ولم يعرف أحداً من أقاربه، أو أن يكون ـ مع ذلك ـ قد نسي مقدار ما أخذ منه، أو أن يكون نسي صاحب المظلمة ـ فلَيُقَدّرْ ما أخذ منه، وليتصدق به عنه؛ فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لأهل الأموال الخيار، بين أن يجيزوا ما فعل، وتكون أجورها لهم، وبين ألا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم، ويكون ثواب تلك الصدقة له؛ إذ لا يبطل الله ـ عز وجل ـ ثوابها، ولا يجمع لأربابها بين العوض والمُعَوَّض، فيغرمه إياها، ويجعل أجرها لهم، وقد غرم من حسناته بقدرها.

بل إن صاحب المال قد يسرُّه وصول ثواب ماله إليه أعظم من سروره بوصوله إليه في الدنيا.

ب_الحقوق في الأبدان: فإن كانت المظلمة من نوع الجراحات في الأبدان فالتوبة منها أن يمكن التائبُ صاحبَ الحقّ من استيفاء حقه، إما بالمال، وإما بالقصاص؛ فإن لم يعرفه، أو لم يتمكن من لقائه فليتصدق، عنه وليدْعُ له.

ج_المظالم في الأعراض: وإذا كانت المظلمة في الأعراض، كأن تكون بقدح في أحد بغيبة، أو قذف، أو نميمة، أو تكون بإفساد لذات البين ـ فليتحلل ممن أساء إليه، وليصلح ما أفسد بقدر الإمكان.

فإن كان إذا أخْبَر مَنْ أساء في حقهم لا يغضبون منه، ولا يزيدون حنقاً عليه، ولا يورثهم ذلك غماً ـ صارحهم، وطلب منهم المسامحة بعبارات عامة مجملة كأن يقول: إني أخطأت في حقك في الماضي، وأسألت في فهمك، فظلمتك بكلام تبين فيما بعد خطؤه، وإنني تبت الآن فسامحني ـ فلا بأس في ذلك؛ فقد يكون المُخْبَرُ رجلاً كريماً يقيل العثرة، ويتجاوز عن الزلة.

وإن كان إذا أخبرهم بما اغتابهم، أو قذفهم به حنقوا عليه، وازدادوا غماً وغيظاً، أو أنه إذا أخبرهم بالعبارات العامة المجملة لم يقنعوا إلا بالتفاصيل التي إذا سمعوها زادوا كراهية لهذا الشخص ـ فإنه حينئذ لا يخبرهم، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المُساء إليه بخير كما ذكره بشر، فيبدل غيبته بمدحه، والثناء عليه بما هو أهله، ويستغفر له بقدر ما اغتابه؛ فهذا هو المتعين في مثل هذه الحالة؛ ذلك أن الإعلام ـ والحالة هذه ـ مفسدة محضة، لا تتضمن مصلحة؛ فإنه لا يزيده إلا أذىً وحنقاً، وغماً، وكان مستريحاً قبل سماعه، فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله، وربما أورثه ضرراً في نفسه وبدنه، وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلاً عن أن يوجبه، ويأمر به.

وربما كان إعلامه به سبباً للعداوة والحرب بينه وبين القائل؛ فلا يصفو له أبدًا، بل يورثه علمه به عداوة وبغضاء مولدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف.

وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب، والتراحم، والتعاطف، والتحابب.

وإذا كانت مظلمة الأعراض متعلقة بالمحارم ثم تاب منها فشأنها شأن الغيبة والنميمة والقذف من جهة الاستتار، وترك الإعلام؛ فتكون توبة الإنسان فيما بينه وبين ربه.

بل إن مصلحة الإخفاء ههنا أكبر؛ لأن مصلحة الإعلام لا تكاد تذكر.

فإذا تاب الإنسان من معاكسة إحدى محارم المسلمين، أو حصل بينهما ما لا يرضي الله من لقاء، أو خلوة، أو نحو ذلك فليستتر بستر الله، لأنه إذا أخبر وَليِّها؛ ليتحلل منه حصل مفسدة كبرى؛ فقد يسعى الولي للتشفي، والانتقام، وقد يتأذى كثيرًا بمجرد علمه، وقد يحصل قتل، وطلاق، وفساد عريض.

أما إذا كان في الإخبار مصلحة، كأن تكون المرأة التي حصل منها ما حصل مستمرة على غيها، ثم تاب من يعاكسها مثلاً ـ فلا بأس بإشعار وليها أو أحد معارفها العقلاء عبر الهاتف أو الرسالة؛ حتى يقف الفساد عند حد.

د_المظالم العامة: فإذا كانت المظلمة عامة، يتضرر منها عموم الناس ـ فالتوبة في حق من يقوم بذلك أوجب؛ لأن ضررها متعدٍّ.

وذلك كحال من كان صحفياً يبث سمومه عبر وسائل الإعلام، أو كان ممثلاً يغري بالرذيلة، ويزري بالفضيلة من خلال تمثيله، أو كان مطرباً يؤدي الأغاني الخليعة الماجنة، أو كان أديباً أو كاتباً ينشر الخنا وما ينافي الفضيلة، أو كان مبتدعاً في دين الله ناشراً لبدعته، أو أيَّـاً كان ممن يستخدم مواهبه وإمكاناته لمحاربة الخير، ونشر الشر بين عامة الناس.

فالواجب على هؤلاء أن يتوبوا إلى الله، وتوبتهم تكون بالندم على ما فات، وإظهار الندم، وإعلان الخطأ، والرجوعِ عنه، والقيام بنشر الخير قدر المستطاع، واستقبال بقية العمر بالإكثار من الطاعات، والحرص على هداية من تسببوا في إغوائهم، وتسخير الموهبة لخدمة الدين.

ومما يلحق بالمظالم العامة التي يجب أن يتاب منها بيع الخمور، والمخدرات، والدخان، وبيع الأفلام الهابطة، والمجلات الخليعة، والكتب الضارة.

ولا يلزم هؤلاء إذا تابوا أن يعلنوا توباتهم؛ فقد لا يترتب على ذلك مصلحة، اللهم إلا إذا كان ذلك من باب أن يقتدي بهم غيرهم؛ فالتوبة في حقهم أن يَدَعوا ما قاموا به، وأن يحرصوا كل الحرص على إصلاح ما أفسدوه، وأن يقبلوا على الله، ويكثروا من الاستغفار وسائر الطاعات.

وبالجملة فكل مظلمة يستطيع الإنسان أن يتحلل منها ـ فليفعل، وما لم يستطع فلا حرج عليه؛ فعفو الله مأمول، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

هـ_توبة القاتل المتعمد: هناك خلاف بين السلف في توبة القاتل؛ فمنهم من قال: لا توبة للقاتل، والجمهور يقولون: إن التوبة تأتي على كل ذنب، فكل ذنب يمكن التوبة منه، وتقبل.

والصواب ـ إن شاء الله ـ رأي الجمهور، وأن القاتل المتعمد له توبة؛ ذلك أنه عليه ـ والحالة هذه ـ ثلاثة حقوق:

1_حق الله. 2_حق القتيل. 3_حق الورثة.

فحق الله يُقضى بالتوبة، وحق الورثة أن يُسَلِّم القاتل نفسه لهم؛ ليأخذوا حقهم إما بالقصاص، أو الدية، أو العفو، وحق المقتول لا يمكن الوفاء به في الدنيا؛ فإن حسنت توبة القاتل، وقدَّم نفسه لأهل المقتول فإن الله يرفع ذلك الحق عنه، ويعوض المقتول يوم القيامة خيرًا من عنده ـ عز وجل ـ.

والتوبة النصوح تهدم ما قبلها، فيعوض هذا عن مظلمته، ولا يعاقب هذا الكمال توبته.

5_توبة المرابي: وتكون بترك ما بقي من الربا، والعزم على عدم العود إليه، والندم على ما مضى من التعامل به.

وأما ما بيد المرابي من المال مما قبضه من التعامل بالربا ـ فقد اختلف أهل العلم في حكمه؛ فمنهم من قال يخرجه، ولا يبقيه في ماله، وممن قال بذلك القرطبي × وعليه فتوى اللجنة الدائمة.

ومنهم من قال: يخرج ما بيده مما قبضه من الربا إن كان عالماً بحكم الله، وأما إن كان قَبَضَه وهو لا يعلم حكم الله ـ فلا يجب عليه إخراجه، وممن قال بذلك القول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ×.

ومنهم من قال: إن للمرابي ما بيده مما قبضه من الربا قبل التوبة؛ فلا يؤمر برد ما قبضه، وإنما يدع ما بقي منه مما لم يقبضه؛ لما في ذلك من التسهيل والترغيب في التوبة.

وممن قال بهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمهما الله ـ.

6_توبة العاجز عن المعصية: فإذا حيل بين العاصي وبين أسباب المعصية، فعجز عنها، بحيث يتعذر وقوعها منه ـ فهل تصح توبته إذا تاب ؟

وذلك كحال السارق إذا قطعت أطرافه الأربعة، وكالزاني إذا جُبَّ، أو عجز عن ممارسة الزنا، وكحال من وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها، كمن يحكم عليه بالسجن المؤبد، أو كمن حكم عليه بالقتل وهو ينتظر موعد التنفيذ، أو كان مريضاً مرضاً تبطل معه الدواعي إلى ما كان يفعله من معاصي، ونحو ذلك مما شاكله وجرى مجراه؛ فهل للواحد من هؤلاء توبة مع أنه قد حيل بينه وبين ما يشتهيه من معاص ؟

والجواب: أن له توبة ـ إن شاء الله ـ فالتوبة ممكنة صحيحة إذا أتى بها على وجهها، ولا يؤاخذ بما يرد على قلبه من وساوس تُزَيّن له المعصية، وتُمنِّيه بالرجوع إليها.

فإذا تحقق ندمُه على الذنب، ولومُه نفسَه عليه فهذه توبة، وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه مع شدة ندمه على الذنب، ولومه نفسَه ؟ ولاسيما ما يتبع ذلك من بكائه، وحزنه، وخوفه، وعزمه الجازم، ونيته أنه لو كان صحيحاً والفعل مقدوراً له لما فعله.

وإذا كان الشارع قد نزَّل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها إذا صحّت نيته ـ فتنزيل العاجز عن المعصية، التارك لها قهراً، مع نيته تَرْكَها اختياراً لو أمكنه منزلةَ التارك المختار ـ أولى.

ويوضح ذلك أن مفسدة الذنب التي يترتب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة، ومن فعله تارة.

ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلاً وعزمًا، والعقوبة تابعة للمفسدة.

وأيضًا فإن هذا تعذر منه الفعل، ولم يتعذر منه التمني والوداد؛ فإذا كان يتمنى ويود لو واقـع الذنب، ومن نيـته: أنه لـو كـان سليماً لباشره ـ فتوبته ـ والحالة هذه ـ تكون بالإقلاع عن هذا الوداد والتمني والحزن على فوته؛ فإن الإصرار مُتَصوَّر في حقه قطعاً، فيُتَصَوَّر في حقه ضده، وهو التوبة، بل هي أولى بالإمكان والتصور من الإصرار.

والفرق بين العاجز والمعاين ومَنْ ورد القيامة ـ أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة.

والتوبة إنما تكون في زمن التكليف، وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف؛ فالأوامر والنواهي لازمة له، والكف متصور منه عن التمني والوداد، والأسفِ على فوته، وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله.

إذا تقرر هذا فإنه يحسن التنبيه على مسألة وهي أن الشيطان ربما وسوس لهذا العاجز التائب، وألقى في قلبه أنه لم يتب إلا لعجزه، وأن توبته كاذبة غير مقبولة، وربما قال له ذلك رفاق السوء.

فالواجب على التائب في مثل هذه الحالة أن يحسن الظن بربه، وأن يستعيذ بالله من وساوس شياطين الجن والإنس، وأن يأتي بالتوبة على وجهها كما ذكر.

7_نقض التوبة: فالعبد إذا تاب من ذنب ثم عاد إليه مرة أخرى يكون ناقضاً للتوبة؛ فيلزمه حينئذ أن يجدد التوبة.

ولا يرجع إليه ـ في هذه الحالة ـ إثم الذنب الذي تاب منه، والعـائـد إليـه إنمـا هــو إثـم الذنب الجديد المسـتـأنف لا الماضي؛ لأن الماضـي قـد ارتفـع بالتوبة، وصـار بمنزلة ما لم يعمله.

وعلى هذا فلا يجوز للتائب إذا ابتلي بالذنب مرة أخرى أن يدع التوبة؛ بحجة أنه نقض توبته.

بل عليه أن يتوب، وأن يرجع إلى ربه، فمعاودة الذنب مبغوض لله من جهة معاودة الذنب، محبوب من جهة التوبة والحسنات السابقة.

8_رجوع الحسنات إلى التائب بعد التوبة: إذا كان للعبد حسنات، ثم عمل بعدها سيئاتٍ استغرقت حسناتِه القديمةَ وأبطلتها، ثم تاب بعد ذلك توبةً نصوحاً ـ عادت إليه حسناته القديمة، ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها.

بل يقال: تُبْتَ على ما أسلفت من خير؛ فالحسنات التي فعلتها في الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره: من عتاق، وصدقة، وصلة، وبر.

قال حكيم بن حزام÷: =قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنث([12]) بها في الجاهلية: من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم؛ فهل فيها من أجر ؟ فقال النبي ": =أسلمتَ على ما أسلفت من خير+([13]). قال ابن حجر × في شرح هذا الحـديث: =لا مانع من أن يضيـف الله إلى حسنـاته في الإسـلام ثـواب ما كان صدر منه في الكفر؛ تَفَضُّلاً، وإحساناً+.

وقال ابن القيم × مبينًا العلة في ذلك: =وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها لم تكن؛ فتلاقت الطاعتان، واجتمعتا، والله أعلم+.

9_هل التوبة تُرجع العبد إلى حاله قبل معصيته ؟: فقد يكون للعبد حال أو مقام مع الله ثم ينزل عنه بسبب ذنب ارتكبه، ثم بعد ذلك يتوب من ذلك الذنب؛ فهل يعود بعد التوبة إلى مثل ما كان أو لا يعود ؟ أو يعود إلى أنقص من رتبته ؟ أو يعود خيراً مما كان ؟

والجواب: أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، ومن من يعود إلى أنقص مما كان؛ فإذا كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة، وأشد حذراً، وأعظم تشميراً، وأعظم ذلاً وخشية وإنابة ـ عاد إلى أرفع مما كان.

وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور، ولم يعد بعد التوبة إليها عاد أنقص مما كان عليه، وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى منزلته؛ فهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ×.

وعلى هذا فإنه ينبغي التفطن لهذه المسألة، خصوصاً من كان له حال ومقام مع الله، وكان ذا خشية، وعلم، وتأله، ومسارعة إلى الخيرات، ثم طاف به طائف من الشيطان، فأزله وأغواه وطوَّح به عن قصد السبيل، فنزل عن رتبته السابقة، وفقد أنسه بالله، ودب إليه الضعف والفتور، وترك ما كان يقوم به من خير ومسارعة.

فهذه مسألة تعتـري كثيراً من الناس، فيستسلمون لها، ويركنون إلى خاطر اليأس، ويرضون بالدون، فيظنون أنهم لا يمكن أن يرجعوا إلى حالتهم السابقة من الخير والقرب من الله.

فعلى من وقعت له تلك الحال ألا يستسلم للشيطان، وألا ييأس من رجوعه إلى ما كان عليه من منزلة، بل عليه أن يجتـهد بالتوبـة النصوح، وأن يشمر عن ساعد الجد؛ لتدارك ما فات بالأعمال الصالحات؛ فلربما عاد إلى مقامه السابق، بل ربما عاد أكمل مما كان عليه، وليس ذلك ببعيد على من كان ذا نفس شريفة، وهمة عالية.

ولا بعدَ في خير وفــي الله مطمــع

ولا يأسَ من رَوْحٍ وفي القلب إيمانُ

10_على كل عضو توبة: فتوبة العين كفها عن النظر إلى الحرام، وتوبة الأذن كفها عن سماع الحرام، وتوبة الرجل كفها عن المشي إلى الحرام، وتوبة اليد كفها عن فعل الحرام، وتوبة القلب تخليصه من كل ما ينافي سلامته من الشرك والحسد، والغل، والحقد، ونحو ذلك، وهكذا

11_فعل معصية من المعاصي لا يسوغ فعل غيرها: فإذا ابتلي العبد بمعصية من المعاصي فإن ذلك لا يسوغ له فعل غيرها؛ بحجة أنه لم يتب بعد، أو لم يستقم استقامة حقة؛ فسماع الحرام لا يسوغ رؤية الحرام، وأكل الربا لا يسوغ شرب الخمر، وهكذا

12_فعل المحرمات لا يسوّغ تـرك الطاعات: فإذا ابتلي العبد ببعض المحرمات كأكل الربا، أو سماع الحرام، أو شـرب الخمر ـ فـإن ذلك لا يسـوغ له تـرك الصـلاة ـ مثلاً ـ لأن الشيطان قد يلقي فـي قلب ذلـك العاصي أنه منافـق؛ إذ كيف يصلي وهو مصر على ارتكاب بعض المعاصي ؟

وما يريد عدو الله من ذلك إلا زيادة الإثم على العاصي، أو إخراجه من دائرة المعصية إلى دائرة الكفر.

ثم إن ترك الأوامر أعظم من ارتكاب المناهي.

قال سهل بن عبد الله ×: =ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأن آدم نهي عن أكل الشجرة فأكل منها، فتاب عليه، وإبليس أُمر أن يسجد لآدم فلم يسجد، فلم يتب عليه+.

قال ابن القيم في كتابه الفوائد معلقاً على كلمة سهل السابقة: =قلت: هذه مسألة عظيمة لها شأن، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي+.

ثم شرع × في ذكر ثلاثة وعشرين وجهاً بيِّن من خلالها صحة القاعدة السابقة.

ثم قال بعد ذلك: =وسر هذه الوجوه أن المأمور به محبوبه، والمنهي عنه مكروهه، ووقوع محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه، وفوات محبوبه أكره إليه من وقوع مكروهه، والله أعلم+.

13_فعل المعاصي لا يسوغ المجاهرة بها أو الدعوة إليها: لأن ذلك أشنع في الجرم، وأبعد عن المعافاة؛ قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: =كل أمتي معافى إلا المجاهرين+([14]).

وقال: =من دلَّ على ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً+([15]).

14_فعل المعاصي لا يسوغ للإنسان بغضَ الطاعةِ وأهلها، وحبَّ المعصيةِ وأهلها: بل على الإنسان أن يجاهد نفسه على حب الطاعةِ، وإن كان مقصرًا فيها ولم يلحق بأهلها، وأن يبغض المعصية وإن كان مُتلبِساً بها؛ فالمرء يحشر مع من أحب، ويؤجر على حبِّ الخير وبغض الشر.

15_إساءة فلان من الناس لا تسوغ للإنسان الإساءة، وإساءة الأمس لا تسوغ إساءة اليوم: فكلٌ مسؤولٌ عن نفسه، وكلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة.

16_فعل المعاصي لا يسوغ الاستهانة بها: فإذا ابتلي العبد بمعصية من المعاصي لم يسغ له أن يستهين بها، ولو كانت صغيرة في نظره؛ فلا يليق به أن ينظر إلى صغر المعصية، ولكن ينظر إلى عظم من عصاه؛ فالاستهانة بالذنوب والمعاصي دليل الجهل، وقلة وقار الله في القلب.

أخرج البخاري عن ابن مسعود ÷: =إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا ـ قال أبو شهاب ـ بيده فوق أنفه ـ+.

والحاصل أنه لا يجوز للمؤمن أن يستهين بذنب مهما صغر؛ فإن امرأة دخلت النار بسبب هرة سجنتها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها؛ إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض([16]).

لا تحقرن من الذنـوب أقلها

إن القليل إلى القليـل كثـير

17_فعل المعاصي لا يسوغ الاستهانة بالطاعات اليسيرة: فلا يليق بالإنسان أن يتهاون بالطاعات اليسيرة؛ بحجة أنه واقع في أمور كبيرة؛ فقد يعمل عملاً يسيراً في نظره؛ كإماطة الأذى عن الطريق، وكصلة الأرحام، أو العطف على المساكين فيكون ذلك سبباً لمغفرة ذنوبه، خصوصاً إذا قام بقلبه الإخلاصُ لله، وصدق الإقبال عليه؛ فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب؛ فتكون صورتها العملية واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض.

ومما يشهد لهذا المعنى ما جاء في حديث البغي التي سقت كلباً.

قال النبي ": =بينما كلب يُطيف برُكيَة([17]) كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها([18]) واستقت له به، فسقته إياه، فغُفر لها به+([19]).

والمقصود أن الذي يبتلى بفعل المعاصي لا يسوغ له ترك الأعمال الصالحة، ولو كانت يسيرة في نظره، فلربما كانت سبباً في ترجيح كفة حسناته.

18_انقلاب الكبيرة صغيرة، وانقلاب الصغيرة كبيرة: فقد يقترن بالكبيرة من الحياء، والخوف، والاستعظام لها ما يُلْحِقُها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة_من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ـ ما يُلْحقُها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره.

19_ارتكاب الذنوب لا يسوغ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله: فكثير من الناس إذا قصَّر في الطاعة، أو وقع في المعصية ـ ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله؛ بحجة أنه مُقصِّر، وأنه يفعل خلاف ما يأمر به، وأنه يخشى أن يدخل في الوعيد الشديد لمن دعا وترك ما يدعو إليه كما في قوله ـ تعالى ـ: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ](البقرة: 44)، وقوله: [كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ](الصف: 3).

وهذا خطأ يجب على المسلم أن يحذره ويتجنبه؛ فترك أحد الواجبين ليس مسوغاً لترك الآخر، والذم الوارد في النصوص إنما هو لترك المعـروف، لا للأمر بالمعروف.

قال ـ تعالى ـ: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] (المائدة: ، 78 79).

فانظر كيف ذمهم الله بترك التناهي عن المنكر مع أنهم مشتركون فيه.

قال سعيد بن جبير ×: =لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ـ ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر+.

وقال الحسن لمُطرّف بن عبد الله: =عظْ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال الحسن: يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول ؟ يود الشيطان أنه قد ظفر منا بهذا؛ فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه أحد عن منكر+.

وعلى هذا فعلى من ابتـلي بمعصيـة، أو قصـر في طاعـة_ألا يدع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله حسب قدرته واستطاعته؛ فلربما اهـتـدى على يده عـاص، أو أسلم كافر، أو تسبب في ذلك؛ فكان له من الأجر مثل ما لهم من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.

بل قد يكون أمره، ونهيه، ودعوته سبباً في هدايته واستقامته بنفسه.

ولا يفهم مما سبـق أنه لا بأس في تـرك المعـروف، وفعـل المنكر للآمر والناهي والداعي.

بل يجب عليه فعل المعروف، وترك المنكر.

وغاية ما في الأمر أن فعل المعروف، وترك المنكر ليس شرطاً للآمر والناهي؛ فلا يقال لمن أمر بالمعروف، ولم يفعله، أو نهى عن المنكر وفعله: لا تأمر ولا تنهَ.

وإنما يقال له: داوم على أمرك ونهيك، واتق الله فيما تأتي وما تذر.

20_من أخفى خبيئة ألبسه الله ثوبها: فالجزاء من جنس العمل، ومن يعمل سـوءاً يجـز به؛ فقـد يخـفى الإنسان ما لا يرضاه الله، فيظـهره الله ـ عز وجل ـ ولو بعد حين، وينطق به الألسنة وإن لم يشاهده الناس.

وإن قلوب الناس لَتَعْرِفُ حـال الشـخص، وتحبـه أو تأبـاه، وتذمـه أو تمدحه وفْقَ ما يتحقق بينه وبين الله؛ فإنه ـ سبحانه ـ يكفيه كلَّ همٍّ ويدفع عنه كل شر.

وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر إلى الله ـ عز وجل ـ إلا انعكس مقصوده، وعاد حامده ذامَّـاً.


 أمور تعين على التوبة

وبعد أن تبين لنا معنى التوبة، وأهميتُها، وفضلُها، وشيءٌ من أحكامها، ومسائلها، وأخطاء الناس في شأنها ـ هذه أمور معينة على التوبة؛ عسى الله أن يذكر بها ناسياً، وينبه بها غافلاً؛ فمن تلك الأمور ما يلي:

1_الإخلاص لله، والإقبال عليه ـ عز وجل ـ: فالإخلاص لله أنفع الأدوية؛ فإذا أخلص الإنسان لربه، وصدق في طلب التوبة أعانه الله عليها، وأمده بألطاف لا تخطر بالبال، وصرف عنه الآفات التي تعترض طريقه، وتصده عن التوبة؛ ذلك أن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله، والإخلاص له لم يكن شيء عنده، أحلى، ولا ألذ، ولا أمتع، ولا أطيب من ذلك.

والإنسان لا يترك محبوباً إلا بمحبوب آخر يكون أحبَّ إليه، أو خوفاً من مكروه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أوبالخوف من الضرر.

قال الله ـ تعالى ـ في حق يوسف: [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] (يوسف: 24).

فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله.

ولهذا تغلب الإنسان نفسُه على اتباع هواها قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له، فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي قلبه ـ انقهر قلبه بغير علاج.

قال ابن تيمية ×: =وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه فأحيا قلبه، واجتذبه إليه؛ فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك+.

بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإن فيه طلباً، وإرادة، وحباً مطلقاً، فيهوى كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مرّ به عطفه، وأمالَهُ؛ فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً.

وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع بغير هدى من الله.

ومن لم يكن خالصاً لله، عبداً له، قد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه+.

2_امتلاء القلب من محبة الله ـ عز وجل ـ: فالمحبة أعظم محركات القلوب؛ فهي الباعث الأول للأفعال والتروك.

وما أُتي من اسْتُذِل واستعبد لغير الله بمثل ما أُتي من باب المحبة؛ فالقلب إذا خلا من محبة الله تناوشته الأخطار، وتسلطت عليه سائر الرغائب والمحبوبات، فشتَّتته، وفرقته، وذهبت به كل مذهب.

فإذا امتلأ القلب من محبة الله ـ بسبب العلوم النافعة والأعمال الصالحة ـ كمل أنسه، وطاب نعيمه، وسلم من التعلق بسائر الشهوات، وهان عليه فعل سائر القربات؛ فمن المتقرر أن في القلب فقراً ذاتياً، وجوعة، وشعثاً، وتَفَرُّقاً.

ولا يغني هذا القلب، ولا يلم شعثه، ولا يسد خلته إلا عبادة الله، ومحبته.

فأجدر بمن يريد الإقبال على الله، والإنابة إليه أن يملأ قلبه من محبة الله؛ ففي ذلك سروره، ونعيمه، وأنسه، وفلاحه؛ فمحبة الله ـ عز وجل ـ أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة، وترك المخالفة أقوى، وإنما تَصْدُر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة؛ فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى جوارحه، وعلامة صدق هذه المحبة شهود هذا المراقبِ، ودوامُه.

وههنا مسألة لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن تلك المحبة لابد أن تقرن بإجلال الله وتعظيمه؛ فذلك يوجب الحياء والطاعة؛ ذلك أن المحبة الخالية عنهما لا تحمل على ترك المعاصي، وإن أوجبت نوعَ أنسٍ واشتياق؛ فما عَمَر القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه.

3_المجاهدة: فهي عظيمة النفع، كثيرة الجدوى؛ معينة على الإقصار عن الشر، دافعة إلى المبادرة إلى الخير؛ ذلك أن النفوس طلعة إلى الشرور، مؤثرة للكسل والبطالة؛ فإذا راضها الإنسان، وجاهدها في ذات الله فليبشر بالخير، والإعانة، والهداية [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ](العنكبوت: 69).

قال ابن المبارك ×: ويقولون: إن سليمان بن عبد

الملك لم يقل بيت شعر قط إلا هذا البيت:

إذا أنت لم تعصِ الهوى قادك الهوى

إلى بعض ما فيه عليك مقال

ولا تعني المجاهدة أن يجاهد المرء نفسه مرة أو مرات، وإنما يجاهدها في ذات الله حتى الممات.

4_قِصَر الأمل، وتذكُّر الآخرة: فإذا تذكر المرء قِصَرَ الدنيا، وسرعة زوالها، وأدرك أنها مزرعة للآخرة، وفرصة لكسب الأعمال الصالحة، وتذكر ما في الجنة من النعيم المقيم، وما في النار من النكال والعذاب الأليم ـ أقصر عن الاسترسال في الشهوات، وانبعث إلى التوبة النصوح وتدارك ما فات بالأعمال الصالحات.

عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: =أخذ رسول الله "بمنكبي، فقال: =كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل+.

وكان ابن عمر يقول: =إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك+([20]).

قال ابن عقيل ×: =ما تصفو الأعمال والأحوال إلا بتقصير الآمال؛ فإن كل من عدَّ ساعته التي هو فيها كمرض الموت ـ حسُنَتْ أعمالُه، فصار عمره كله صافياً+.

5_الاشتغال بما ينفع، وتجنب الوحدة والفراغ: ذلك أن الفراغ يأتي على رأس الأسباب المباشرة للانحراف؛ فالقطاع الكبير من الشباب يعاني من فراغ قاتل يؤدي إلى الانحراف والشذوذ، وإدمان المخدرات، ويقود إلى رفقة السوء، وعصابات الإجرام، ويتسبب في تدهور الأخلاق، وضيعة الآداب؛ فإذا اشتغل الإنسان بما ينفعه في دينه ودنياه قلَّت بطالته، ولم يجد فرصة للفساد والإفساد.

6_البعد عن المثيرات، وما يُذكِّر بالمعصية: فيبتعد عن كل ما يثير دواعي المعصية، ونوازع الشر، ويبتعد عن كل ما يثير شهوته، ويحرك غريزته من مشاهدة للأفلام، وسماع للأغاني الخليعة الماجنة، وقراءة للكتب السيئة، والمجلات الداعرة.

كما عليه أن يقطع صلته بكل ما يذكره بالمعصية من أماكن الخنا؛ فالشيء إذا قطعت أسبابه التي تمده زال واضمحل؛ فالقرب من المثيرات بلاء وشقاء، والبعد عنها جفاء وعزاء؛ فكل بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب؛ فليصبر على مضض الفراق صبر المصاب في بداية المصيبة، ثم إن مر الأيام يُهَوِّن الأمر، خصوصاً إذا كان ذلك مما يثير العشق والغرام.

ومن البعد عن المثيرات أن يبتعد الإنسان عن الفتن؛ لأن البعد عنها نجاة وسلامة، والقرب منها مدعاة للوقوع فيها؛ فمن قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه.

وأحق الأشياء بالضبط والقهر ـ اللسان والعين؛ فإيّاك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل فأتاه ما لم يحتسب.

فَتَبَصَّرْ ولا تَشَمْ كلَّ برق

رُبَّ برقٍ فيه صواعقُ حَيْنٍ([21])

واغضضِ الطرفَ تسترح من غرام

تكتسي فيه ثوب ذلٍّ وشينِ

فبلاء الفتى موافقة النفـ

س وبدءُ الهوى طموح العين

7_مصاحبة الأخيار ومجانبة الأشرار: فمصاحبة الأخيار تحيي القلب، وتعين على الخير، وتبعث على الاقتداء بأهل الصلاح، وتكف الإنسان عن الفساد.

بعكس رفقة السوء؛ فإنها تحسن القبيح، وتقبح الحسن، وتقود الإنسان إلى الاقتداء بأهل السوء؛ فالصاحب ساحب، والطبع استراق.

8_النظر في العواقب: فذلك يوقف الإنسان على حقائق الأشياء، ويريه الأمور كما هي.

وما أُتي أكثر الناس إلا من قبل غفلته وجهله بالعواقب، ولو أوتي حظَّـاً من النظر لما آثر اللذة العاجلة الفانية على اللذات الآجلة الباقية.

قال ابن الجوزي ×: =لو ميز العاقل بين قضاء وطره لحظةً، وانقضاء باقي العمر بالحسرة على قضاء ذلك الوطر ـ لما قرب منه، ولو أعطي الدنيا، غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر وذلك+.

9_استحضار فوائد ترك المعاصي: قال ابن القيم ـ رحمه الله_: =سبحان الله رب العالمين ! لو لم يكن في ترك المعاصي إلا إقامة المروءة، وصون العرض، وحفظ الجاه، وصيانة المال الذي جعل الله قوامًا لمصالح الدنيا والآخرة، ومحبةُ الخلق، وجوازُ القول بينهم، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعزّ النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئة ظلمة المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم، والثناء الحسن في الناس، وكثرة الدعاء له، والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى له في قلوب الناس، وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي أو ظلم، وذبُّهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وسرعة إجابة دعاءه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقرب الملائكة منه، وبعد شياطين الجن والإنس منه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت، بل يفرح به لقدومه على ربه، ولقائه له، ومصيره إليه، وصغرُ الدنيا في قلبه، وكبر الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير، والفوز العظيم فيها، وذوقُ حلاوة الطاعة، ووَجْدُ حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومَنْ حولَه من الملائكة له، وفرح الكاتبين به، ودعاؤهم له، وحصول محبة الله له، وإقباله عليه، وفرحه بتوبته، وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه.

فـهذه بعض آثار تـرك المعاصي فـي الدنيـا، فـإذا مـات تَلَقَّتْه الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة، وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحرّ والعرق، وهو في ظل العرش، فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين، [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] (الجمعة: 4)+.

10_استحضار أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة: فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتاً إضاعتُه حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضاً توفيرُه أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذْهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامة خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذّ وأطيبُ من قضاء الشهوة، وإما أن تُطَرّقَ لِوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلبَ همّاً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علماً ذِكْرُه ألذُّ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدواً وتحزن وليَّـاً، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق.

11_استحضار أضرار الذنوب والمعاصي: فمن أضرارها حرمان العلم والرزق، والوحشةُ التي يجدها العاصي في قلبه، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الناس.

ومنها تعسير الأمور، وظلمة القلب، ووهن البدن، وحرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق بركاته.

ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، وتُقَوِّي في القلب إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ إرادة التوبة من القلب بالكلية، فيستمرئ صاحبها المعصية، وينسلخ من استقباحها.

ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وأن شؤمها لا يقتصر على العاصي، بل يعود على غيره من الناس والدواب.

ومنها أن المعصية تورث الذل، وتفسد العقل، وتدخل العبد تحت اللعنة، وتحرمة من دعوة الرسول "، ودعوة الملائكة، ودعوة المؤمنين.

كما أنها تطفئ نار الغيرة من القلب، وتذهب الحياء، وتضعف في القلب تعظيم الرب، وتستدعي نسيان الله لعبده، وتخْليته بينه ويبن نفسه وشيطانه.

ومنها أن تنزل الرعب في قلب العاصي، وتعمي قلبه، وتسقط منزلته، وتسلبه أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذل والصغار، وتجعله من السفلة بعد أن كان مُهَيّـأً لأن يكـون مـن العِلْية، وتجـرئ علـيه شيـاطين الجـن والإنس إلى غير ذلك من أضرار المعاصي، التي إذا استحضرها العاقل كان حرياً به أن يقلع عنها، ويحذر منها.

12_الدعاء: فهو من أعظم الأسباب، وأنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل.

قال ـ تعالى ـ: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ](غافر: 60).

ومن أعظم ما يُسأل ويدعى به سؤال الله التوبة؛ وذلك بأن يدعو الإنسان ربه أن يمنّ عليه بالتوبة النصوح، مهما كانت حاله.

ولهذا كان من دعاء نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل_عليهما السلام ـ: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] (البقرة: 128).

وكان من دعاء نبينا محمد": =رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم+([22]).

فحري بمن أراد التوبة أن يسأل ربه أن يرزقه إيّاها، وأن يلح عليه بذلك، وأن يتحرى الأوقات، والأحوال، والأوضاع، التي هي مظان الإجابة، كالدعاء في السجود، وفي آخر الليل، وبين الأذان والإقامة، وفي حال اشتداد الإخلاص وإقبال القلب.

كما عليه أن يتجنب موانع الإجابة، وألا يمل الدعاء، وألا يستعجل الإجابة.

فمن كانت هذه حالة كان حريَّـاً بأن يجاب دعاؤه.

13_النظر في حال العصاة: فذلك يُقصر عن التمادي في الذنوب، ويقود العاقل إلى التوبة النصوح؛ فللعصاة نصيب غير منقوص من الذلة، والهوان، والصغار، والضنك، والشدة، والشقاء، والعذاب؛ فالمعصية تورث ذلك ولابد؛ فإن العز كل العزِّ، والسعادة كل السعادة إنما تكون بطاعة الله ـ عز وجل ـ.

قال ـ تعالى ـ:[مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً](فاطر: 10).

أي فليطلبها من الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =من آرد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية+.

وقال ابن الجوزي× في حال من يتطلع ويمد طرفه إلى أرباب الدنيا: =فإياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم؛ فإنك تستطيبه؛ لبعده عنك، ولو قد بلغته كرهته ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف؛ فعليك بالقناعة مهما أمكن؛ ففيها سلامة الدنيا والدين+.

وقال الحسن× في العصاة: =إنهم وإن طقطقت بها البغال، وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه+.

فأهل المعصية يجدون في أنفسهم الذلة، والشقاء، والخوف؛ حتى وإن رآهم الناس بخلاف ذلك، ولو تظاهروا بالسعادة والسرور، ولو كانت الدنيا طوع أيمانهم وشمائلهم؛ فالذل والضنك لا يفارقهم، بل يزيد كلما زادوا بعداً عن ربهم.

قال ابن تيمية ×: =ولهذا تجد القوم الظالمين أعظم الناس فجوراً، وفساداً، وطلباً لما يروحون به عن أنفسهم من مسموع، ومنظور، ومشموم، ومأكول، ومشروب.

ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك.

هذا فيما ينالونه من اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أعظم الناس خوفاً، ولا عيشة لخائف.

وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم، ولا يزال في أسف على ما فاته، وعلى ما أصابه.

أما المؤمن فهو ـ مع مقدرته ـ له من الأعمال الصالحة، والعلوم النافعة ما يوجب طمأنينة قلبه، وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله من الطمأنينة، وقرة العين ما لا يمكن وصفه.

وهو مع عجزه ـ أيضًا ـ له من أنواع الإرادات الصالحة، والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه+.

ولقد عبر كثير من المشاهير سواء من الأغنياء، أو الفنانين، أو الأغنياء ممن ابتعدوا عن الله ـ عن ما يلاقونه من الضنك والشدة، مع أن الناظر في أحوالهم بادي الرأي يظن أن السعادة لا تفارقهم، ولا تتعداهم إلى غيرهم.

14_الصبر والمصابرة خصوصاً في بداية الأمر: فلا ريب أن للشهوات سلطاناً على النفوس، وأن لها استيلاءً وتمكناً في القلوب؛ فتركها عزيز، والخلاص منها شاق عسير، ولكن من اتقى الله كفاه، ومن استعان به أعانه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

وكلما ازدادت الرغبة في المحرم، وتاقت النفس إلى فعله، وكثرت الدواعي إلى الوقوع فيه ـ عظم الأجر في تركه، وتضاعفت المثوبة في مجاهدة النفس على الخلاص منه.

وإنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله، وأما من تركها مخلصاً لله فإنه لا يجد مشقة إلا أول وهلة؛ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؛ فإن صبر على تلك المشقة قليلاً استحالت لذة؛ فمن ذاق طعم الاستقامة فلن يبغي بدلاً، ولا عنها حولاً.

ألا ترى إلى الصبي الذي اعتاد ثدي أمه كيف سكوتُه بذلك الثدي، وكيف حنينه إليه إذا هو فقده، وكيف فرحه به إذا هو وجده.

فكذلك النفس الشهوانية؛ فإذا فطم الصبي انفطم حتى لا يلتف إلى الثدي بعد ذلك؛ لأنه وجد طعم ألوان الأطعمة؛ فلا يَحِنُّ إلى لبن أمه.

وكذلك النفس إذا وجدت لذة العبادة، وذاقت طعم الإيمان، وبرد اليقين، واستشعرت رَوْح قرب الله، وجميل نظره ـ لم تحنَّ إلى تلك الشهوات.

من ذاق طعم نعيم القوم يدريه

ومن داره غدا بالروح يشريه

وكل هذا مجرب محسوس، وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهر من لذات أهل الفجور وذاقها، ولم يذق لذات أهل البر، ولم يخبرها.

15_عرض الحال على من يعين: سواء كان ذلك عالماً، أو داعية، أو خطيباً، أو معلماً أو نحو ذلك؛ فعرض الحال على أمثال أولئك يعين الإنسان على التوبة، والإقبال على الله، حيث يرشدونه إلى الطريق الصحيح، ويوضحون له ما يشكل عليه من مسائل التوبة، ويفتحون أمامه أبوابها.

هذا ما يسره الله، وأعان على إتمامه، فنسأله ـ عز وجل ـ أن يمن علينا وعلى إخواننا المسلمين بالقبول، وبالتوبة النصوح، والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.



([1]) المراد بالغرغرة : حشرجة الروح في الصدر، والمراد بذلك دنو الأجل عندما يرى الإنسان الملائكة، ويبدأ به السياق بالموت.

[2]_رواه البخاري (6308)، ومسلم (2742).

([3]) أخرجه أحمد 2/297، والترمذي (3334)، قال : حديث حسن صحيح ، والحاكم 2/562، وصححه وقال الذهبي على شرط مسلم.

([4]) رواه البخاري في الأدب المفرد (37)، وأبو يعلى (59).

([5]) رواه البخاري (1120)، ومسلم (769).

([6]) رواه مسلم (675).

([7]) رواه مسلم (275).

([8]) رواه مسلم (2758).

([9]) أخرجه البخاري (4686)، ومسلم (2583).

([10]) أخرجه احمد 4/145، ورجاله ثقات.

([11]) أخرجه البخاري.

([12]) أتحنث : أتعبد.

([13]) رواه البخاري (1436), ومسلم (123).

([14]) رواه البخاري (6096)، ومسلم (2990).

([15]) رواه مسلم (2674).

([16]) الحديث رواه مسلم (2242).

([17]) يطيف بركية : أي يدور حول بئر.

([18]) موقها : خفها.

([19]) رواه البخاري (3467)، ومسلم : (2245 ).

([20]) أخرجه البخاري (9416).

([21]) حين : هلاك.

([22]) رواه احمد 2/21، والترمذي (3443)، وصححه.

رأيك يهمنا