تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد

نبذة مختصرة

تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد : طبعة متميزة - محققة على عدة نسخ خطية - لكتاب تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، للعلامة الصنعاني - رحمه الله - والذي بين فيه أهمية التوحيد وأنواعه، مع التحذير من الشرك وأنواعه، وبيان بعض البدع والتحذير منها.

تنزيــل

تفاصيل

 تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد

تأليف: الإمام العلامة الشهير الأمير

محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاني

بسم الله الرحمن الرحيم

[قال الإمام العلامة الحَبر الفهَّامة الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى] 1.

الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يُفردوه بتوحيد العبادة كلَّ الإفراد، فلا يتَّخذون له ندًّا، ولا يَدْعون معه أحداً، ولا يتَّكلون إلاَّ عليه، ولا يَفزعون في كلِّ حال إلاَّ إليه، ولا يَدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصَّلون إليه بالشفعاء: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ؟

وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك2 له ربًّا ومعبوداً، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، الذي أمره أن يقول: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ} ، وكفى بالله شهيداً، صلى الله عليه وعلى آله3 والتابعين له في السلامة من العيوب وتطهير القلوب، عن اعتقاد كلِّ شين يشوب4.

__________

1 ما بين القوسين من خ.

2 لفظ: (وحده لا شريك له) من خ.

3 لم يذكر هنا الصلاة على الصحابة مع الصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم والآل، فلعلَّ المراد بآله أهل دينه، فيدخل أهل بيته وأصحابه وغيرهم، وقد ختم الكتاب بالصلاة على النَّبيِّّ صلى الله عليه وسلم والآل والأصحاب.

4 اشتملت خطبة الكتاب على عبارات تدلُّ على موضوع الكتاب، وهو إفراد الله بالعبادة والتحذير من فتنة القبور والمغالاة في أهلها ودعائهم وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، وغير ذلك مِمَّا لا يُطلب إلاَّ من الله، ويُسمَّى اشتمال الخُطب في الكتب أو غيرها على موضوعات الكتب وغيرها براعة الاستهلال.

(1/47)

________________________________________

وبعد:

فهذا (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد) وجب عليَّ تأليفه، وتعيَّن عليَّ ترصيفه؛ لِمَا رأيته وعلمته يقيناً1 من اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام.

وهو الاعتقاد في القبور وفي الأحياء مِمَّن يدَّعي العلم بالمغيَّبات والمكاشفات، وهو من أهل الفجور، لا يَحضر للمسلمين مسجداً، ولا يُرَى لله راكعاً ولا ساجداً، ولا يَعرف السنَّةَ ولا الكتاب، ولا يَهاب البعثَ ولا الحساب.

فوجب عليَّ أن أنكر ما أوجب الله إنكارَه، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره2.

فاعلم أنَّ ههنا أصولاً هي من قواعد الدِّين، ومِن أهم ما تجب معرفته على الموحِّدين:

__________

1 لفظ: (يقينا) من خ.

2 هذا من المؤلِّف بيان سبب تأليفه الكتاب، و"نجد" فيه المراد بها الأماكن المرتفعة، وهو ما يُقابل "تهامة"، وهي الأماكن المنخفضة.

(1/48)

 أهم ما تجب معرفته على الموحِّدين:

 الأصل الأول

أنَّه قد عُلم من ضرورة الدِّين أنَّ كلَّ ما في القرآن فهو حقٌّ لا باطل، وصِدْقٌ لا كذب، وهدى لا ضلالة، وعلمٌ لا جهالة، ويقين لا شك فيه.

فهذا الأصل أصلٌ لا يتمُّ إسلامُ أحد ولا إيمانه إلاَّ بالإقرار به، وهذا مُجمعٌ عليه لا خلاف فيه1.

 الأصل الثاني

أنَّ رسلَ الله وأنبياءه ـ من أوِّلهم إلى آخرهم ـ بُعثوا لدعاء العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة، فكلُّ رسول أوَّل ما يَقرَع به أسماعَ قومِه قوله: {اقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ، {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ} ، {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} ، وهذا هو الذي تضمَّنه قول (لا إله إلاَّ الله) .

فإنَّما دَعَت الرسلُ أمَمَها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرَّد قولها باللسان، ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لِما يُعبد من دونه والبراءة منه، وهذا الأصل لا مرية فيما تضمَّنه، ولا شكَّ فيه، وفي أنَّه لا يتم إيمانُ أحد حتى يعلمه ويحققه2.

__________

1 وكذلك يجب التصديق والعمل بما ثبتت به السنَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّها وحيٌ من الله، كما قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} ، ولدخول السنة في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}

2 وقد تقدَّم في الفصل الثالث من المقدمة ذكر ما جاء عن الرسل من الآيات في ذلك إجمالاً وتفصيلاً، وذكر ما أجابتهم به أممهم من الآيات إجمالاً وتفصيلاً.

(1/49)

________________________________________

 الأصل الثالث

 أنَّ التوحيد قسمان:

 القسم الأول:

توحيد الربوبية والخالقية والرَّازقية ونحوها، ومعناه: أنَّ الله وحده هو الخالق للعالَم، وهو الرَّبُّ لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكاً، بل هم مُقرُّون به، كما سيأتي في الأصل الرابع.

 والقسم الثاني:

توحيد العبادة، ومعناه: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء، ولفظ الشريك يُشعر بالإقرار بالله تعالى.

فالرسل عليهم السلام بُعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل قولهم في خطاب المشركين: [14: 10] 1 {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} ، [35: 3] {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ، ونهيهم عن شرك العبادة، ولذا قال الله تعالى: [16: 36] {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ، أي: قائلين لأمَمهم أنِ اعبدوا الله، فأفاد بقوله: {فِي كُلِّ أُمَّةٍ} أنَّ جميع الأمم لم تُرسل إليهم الرسل وتُبعث2 إلاَّ لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأنَّ الله هو الخالق للعالَم، وأنَّه ربُّ السموات والأرض، فإنَّهم مقرُّون بهذا.

__________

1 الرقم الأول رقم السورة، والثاني الآية في السورة (إسماعيل) .

2 لفظ: (وتبعث) من خ.

(1/50)

________________________________________

ولهذا لم ترد الآيات فيه ـ في الغالب ـ إلاَّ بصيغة استفهام التقرير، نحو: [35: 3] {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} ؟ [16: 7] {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} ؟ [14: 10] {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ؟ [6: 14] {أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ؟ [31: 11] {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} ؟ [46: 4] {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} ؟ استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرُّون.

وبهذا تعرف أنَّ المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان1 ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمَّه، ولم يتخذوا الملائكة شركاءَ لله تعالى، لأجل أنَّهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، وفي خلق أنفسهم؛ بل اتخذوهم لأنَّهم يقرِّبونهم2 إلى الله زلفى، كما قالوه، فهم مقرُّون بالله في نفس كلمات كفرهم، وأنَّهم شفعاء عند الله، قال الله تعالى: [10: 18] {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، فجعل الله تعالى اتِّخاذهم للشفعاء شركاً، ونزَّه نفسَه عنه؛ لأنَّه لا يشفع عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه، فكيف يُثبتون شفعاءَ لهم لَم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئا؟! 3

__________

1 الصنم: ما كان منحوتاً على صورة، والوثن ما كان موضوعاً على غير ذلك، وقد يُسمَّى الصنم وثناً (إسماعيل) .

2 أي: يزعمون أنَّهم يقرِّبونهم (إسماعيل) .

3 وقد تقدَّم في الفصل الثاني من المقدمة بيان أقسام التوحيد بالاستقراء لنصوص الكتاب والسنة، وأنَّ توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، والمعنى أنَّ مَن أقرَّ بالربوبية يلزمه أن يقرَّ بالألوهية، وأنَّ توحيد الألوهية متضمِّنٌ لتوحيد الربوبية، والمعنى أنَّ من عَبَد اللهَ وحده فهو مقرٌّ بأنَّ الله هو الخالق وحده المحيي المميت وحده.

(1/51)

________________________________________

 الأصل الرابع

أنَّ المشركين الذين بعث اللهُ الرسلَ إليهم مقرُّون أنَّ الله خالقُهم [43: 87] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} ، وأنَّه هو الذي خلق السموات والأرض [43: 9] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} ، وأنَّه الرزَّاق الذي يُخرج الحيَّ من الميِّت ويُخرج الميِّتَ من الحي، وأنَّه الذي يُدبِّرُ الأمرَ من السماء إلى الأرض، وأنَّه الذي يَملك السمعَ والأبصار والأفئدة، [10: 31] {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} ، [23: 84 ـ 89] {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} ؟ 1

وهذا فرعونُ مع غلُوِّه في كفره ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله في حقِّه حاكياً عن موسى عليه السلام: [17: 102] {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} ، وقال إبليس: [59: 16] {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} ، وقال: [17: 39] {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} ، وقال: [15: 36] {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي} ، وكلُّ مشرك مُقر بأنَّ الله خالقُه وخالق السموات والأرض وربُّهن2 وربُّ ما فيهنَّ

__________

1 فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك (إسماعيل) .

2 لفظ: (هنَّ) في كلمة (ربهنَّ) ، وفي كلمة (فيهنَّ) من خ، وعبارة المطبوعة (وربهما ورب ما فيهما) (إسماعيل) .

(1/52)

________________________________________

ورازقُهم، ولهذا احتجَّ عليهم الرسل بقولهم: [16: 17] {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} ، وبقولهم: [22: 72] {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} ، والمشركون مقرُّون بذلك ولا ينكرونه.

 الأصل الخامس

أنَّ العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تُستعمل إلاَّ في الخضوع لله؛ لأنَّه مُولي أعظم النِّعم، وكان لذلك حقيقاً بأقصى غاية الخضوع، كما في (الكشاف) 1.

ثمَّ إنَّ رأسَ العبادة وأساسَها التوحيدُ لله الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهي قول (لا إله إلاَّ الله) ، والمراد اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها، لا مجرَّد قولها باللسان.

ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كلِّ معبود دونه، وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنَّهم أهلُ اللسان العربي، فقالوا: [5: 38] {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}

__________

1 في تفسير الآية الكريمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (إسماعيل) .

(1/53)

________________________________________

 فصل إذا عرفتَ هذه الأصول فاعلم أنَّ الله تعالى جعل العبادة له أنواعاً:

اعتقادية: وهي أساسُها، وذلك أن يعتقد أنَّه الربُّ الواحد الأحدُ الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنَّه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلاَّ بإذنه، وأنَّه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك من لوازم الإلَهية.

ومنها لفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فمَن اعتقد ما ذكر ولَم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله، وكان كإبليس، فإنَّه يعتقد التوحيدَ، بل ويُقرُّ به كما أسلفناه عنه، إلاَّ أنَّه لم يَمتثل أمرَ الله بالسجود1 فكفر، ومَن نطق بها2 ولَم يعتقد حقن ماله ودمه وحسابه على الله، وحكمُه حكم المنافقين.

وبدنية: كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، ومنها الصوم وأفعال الحج والطواف.

ومالية: كإخراج جزء من المال امتثالاً لِمَا أمر الله تعالى به، وأنواع الواجبات والمندوبات في الأموال والأبدان والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها.

وإذا تقرَّرت هذه الأمور، فاعلم أنَّ الله تعالى بعث الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام مِن أولهم إلى آخرهم يَدعون العبادَ إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لاَ إلى إثبات أنَّه خَلَقَهم ونحوه، إذ هم مقرُّون بذلك، كما

__________

1 لفظ: (بالسجود) من خ.

2 لفظ: (بها) من خ.

(1/54)

________________________________________

قرَّرناه وكرَّرناه، ولذا قالوا [7: 69] {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} ، أي: لنفردَه بالعبادة ونخصَّه بها من دون آلهتنا، فلم ينكروا إلاَّ طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا إنَّه لا يُعبد، بل أقرُّوا بأنَّه يُعبد، وأنكروا كونه يُفردُ بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا معه أنداداً، كما قال تعالى: [2: 22] {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، أي: وأنتم تعلمون أنَّه لا ندَّ له، وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: "لبيك لا شريك لك إلاَّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"، وكان يَسمعهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند قولهم "لا شريك لك" فيقول: "قد قد"1 أي2: أفردوه جلَّ جلاله لو تركوا قولهم: "إلاَّ شريكا هو لك"، فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به تعالى.

كما قال تعالى: [6: 22] {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} ، [7: 195] {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ} ، فنفسُ اتخاذ الشركاء إقرارٌ بالله تعالى، ولم يعبدوا الأندادَ بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنَّحر لهم؛ إلاَّ لاعتقادهم أنَّها تقرِّبهم إلى الله زلفى وتشفع لهم لديه3.

فأرسل اللهُ الرسلَ تأمرهم4 بترك عبادة كلِّ ما سواه، وتبيِّنُ أنَّ هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطلٌ، وأنَّ التقرب إليهم باطل، وأنَّ

__________

1 أخرجه مسلم (1185) .

(قد) الثانية، ولفظ (أي) من خ، وقد حصل خلل في المطبوعة بسقوطهما (إسماعيل) .

3 إشارة إلى قوله تعالى في سورة يونس: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} ، وقوله في سورة الزمر: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}

4 لفظ: (هم) في (تأمرهم) من خ.

(1/55)

________________________________________

ذلك لا يكون إلاَّ لله وحده، وهذا هو توحيد العبادة، وقد كانوا مقرِّين

ـ كما عرفتَ في الأصل الرابع ـ بتوحيد الربوبية، وهو أنَّ الله هو الخالق وحده والرازق وحده.

ومِن هذا تعرف أنَّ التوحيد الذي دعتهم إليه الرسلُ مِن أولهم وهو نوح عليه السلام1، إلى آخرهم وهو محمد بن عبد الله (2) صلى الله عليه وسلم، هو توحيد العبادة، ولذا تقول لهم الرسل: {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ} ، {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}

وقد كان المشركون منهم مَن يعبدُ الملائكةَ ويناديهم عند الشدائد، ومنهم مَن يعبد أحجاراً ويهتف بها عند الشدائد، وهي في الأصل صوَرُ رجال صالحين كانوا يُحبُّونهم ويعتقدون فيهم، فلمَّا هلكوا صوَّروا صوَرَهم تسليًّا بها، فلمَّا طال عليهم الأمَد عبدوهم، ثم زاد الأمد طولاً فعبدوا الأحجار، ومنهم مَن يعبد المسيح، ومنهم من يعبد الكواكبَ، ويهتف بها عند الشدائد، فبعث اللهُ محمداً صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى عبادة الله56

__________

1 قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} ، وفي حديث الشفاعة يقول أهل الموقف: "يا نوح، أنت أوَّل رسول إلى أهل الأرض، وسمَّاك الله عبداً شكوراً" رواه البخاري (3340) ، وقد قال الله عزَّ وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ، فعموم هذه الآية يدلُّ على أنَّ من قبل نوح أُرسل فيهم رسل، وأوَّلهم آدم، ويُجمع بين ذلك بأنَّ الناس قبل نوح كانوا على الفطرة، وما جاءت به الرسلُ مطابق للفطرة، وأمَّا نوح فقد أُرسل بعد أن وُجد الشرك وخرج الناس عن الفطرة، فتكون أوَّليته بهذا الاعتبار، وانظر أضواء البيان لشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنيقطي، عند قول الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} .

2 قوله: (ابن عبد الله) من خ.

(1/56)

________________________________________

وحده، بأن يُفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية، بربوبيته للسَّموات والأرض، وأن يفردوه بمعنى ومُؤدى كلمة (لا إله إلاَّ الله) ، معتقدين لمعناها، عاملين بمقتضاها، وأن لا يدعوا مع الله أحداً، وقال تعالى: [13: 14] {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ}

وقال تعالى: [5: 22] {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، أي: من شرط الصدق في الإيمان بالله أن لا يتوكلوا إلاَّ عليه، وأن يُفردوه بالتوكُّلِ كما يَجب أن يُفردوه بالدعاء والاستغفار، وأمر الله عبادَه أن يقولوا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، ولا يَصْدُق قائلُ هذا إلاَّ إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلاَّ كان كاذباً مَنهيًّا عن أن يقولَ هذه الكلمة1؛ إذ معناها: نخصُّك بالعبادة ونفردُك بها دون كلِّ أحد، وهو معنى قوله: [29: 56] {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} ، [2: 41] {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} ؛ لما2 عُرف مِن علم البيان أنَّ تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلاَّ الله ولا تعبدوا غيرَه، ولا تتَّقوا إلاَّ الله ولا تتقوا3 غيرَه، كما في (الكشاف) .

فإفرادُ الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتِمُّ إلاَّ بأن يكونَ الدعاءُ كلُّه له، والنداءُ في الشدائد والرخاء لا يكون إلاَّ لله وحده، والاستغاثة والاستعانةُ بالله وحده، واللّجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذلُّلاً لله تعالى، والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كلُّه لا يكون إلاَّ لله عز وجل.

__________

1 تعبير المصنف بهذا فيه نظر؛ لأنَّه لا يُنهى عن قوله هذه الكلمة، وإنَّما يُنهى أن يضاف إليها عبادة غير الله معه.

(لما) باللام هو لفظ خ، ووقع في المطبوعة (كما) بالكاف (إسماعيل) .

3 قوله: (إلاَّ الله ولا تتقوا) من خ.

(1/57)

________________________________________

ومَن فعل شيئاً مِن ذلك لمخلوق حيٍّ أو ميت أو جماد أو غيره، فقد أشرك في العبادة، وصار مَن تُفعل له هذه الأمور إلَهاً لعابديه، سواءٌ كان مَلَكاً أو نبيًّا أو وليًّا أو شجراً أو قبراً أو جنيًّا أو حيًّا أو ميتاً، وصار العابدُ بهذه العبادة أو بأيِّ نوع منها عابداً لذلك المخلوق مشركاً بالله، وإن أقَرَّ بالله وعَبَدَه، فإنَّ إقرارَ المشركين بالله وتقرُّبَهم إليه لَم يُخرجهم عن الشركِ، وعن وجوب سَفك دمائِهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملاً شورك فيه غيرُه، ولا يؤمن به مَن عَبَدَ معه غيرَه.

   وأنَّ عبادتَهم هي اعتقادُهم فيهم أنَّهم يَضرُّون وينفعون، وأنَّهم يقرِّبُونهم إلى الله زلفى، وأنَّهم يَشفعون لهم عند الله تعالى، فنَحَروا لهم النَّحائِر، وطافُوا بهم ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذلِّلين متواضعين في خدمتهم وسجدوا لهم، ومع هذا كلِّه فهم مقرُّون لله بالربوبية وأنَّه الخالقُ، ولكنَّهم لَمَّا أشركوا في عبادته، جعلهم مشركين ولَم يَعْتَد بإقرارهم هذا؛ لأنَّه نافاه فعلُهم، فلم ينفعهم الإقرارُ بتوحيد الربوبية، فمِن شأن مَن أقرَّ لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يُفردَه بتوحيد العبادة، فإذا لَم يفعل ذلك فالإقرارُ باطل.

وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: [26: 97، 98] {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، مع أنَّهم لم يُسَوُّوهم به من كلِّ وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنَّهم علموا وهم في قَعْرِ جهنَّم أنَّ خلطَهم الإقرار بذرَّة من ذرَّات الإشراك في توحيد العبادة

(1/58)

________________________________________

صيَّرهم كمَن سَوَّى بين الأصنام وبين رب الأنام.

قال الله تعالى: [12: 106] {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} أي: ما يُقرُّ أكثرُهم في إقراره بالله وبأنَّه خلَقَهم وخلَق السموات والأرض إلاَّ وهو مشركٌ بعبادة الأوثان.

بل سمَّى الله الرياء في الطاعات شركاً، مع أنَّ فاعلَ الطاعة ما قصد بها إلاَّ الله تعالى، وإنَّما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عَبَدَ اللهَ لا غيرَه، لكنَّه خَلَطَ عبادتَه بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة وسمَّاها شركاً، كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَملَ عملاً أشركَ فيه معي غيري تركتُه وشركَه" 1، بل سمَّى الله التسميةَ بعبد الحارث شركاً، كما قال تعالى: [7: 159] {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، فإنَّه أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سَمرة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لَمَّا حملت حواء ـ وكان لا يعيش لها ولد ـ طاف بها إبليس، وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسمِّيه عبد الحارث، فسمَّته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله الآيات2، وسمَّى هذه التسمية شركاً، وكان إبليس تسمى بالحارث"، والقصة في الدر المنثور وغيره3.

__________

1 صحيح مسلم (2985) .

2 وهي قوله تعالى في سورة الأعراف: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ... إلخ، (الأعراف ـ 160) (إسماعيل) .

3 جزم ابن القيم في روضة المحبِّين (ص:289) طبعة مطبعة السعادة بمصر، بأنَّ المراد باللذين جعلاَ له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولاد آدم وحواء، قال: ولا يُلتفت إلى غير ذلك مِمَّا قيل أنَّ آدم وحواء كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما إبليس فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث، ففعلاَ، فإنَّ الله سبحانه اجتباه وهداه فلم يكن ليشرك به بعد ذلك، وقد سلك هذا المسلك الحافظ ابن كثير في تفسيره، وأطال الكلام في تعليل الروايات الواردة في أنَّ المراد بقوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} آدم وحواء. (إسماعيل) ، وانظر: السلسلة الضعيفة (342) .

والقول الآخر أنَّ ضمائر التثنية تعود إلى آدم وحواء، وأنَّ ما حصل منهما في التسمية فقط، لا في الطاعة والعبادة، وهو اختيار ابن جرير، قال في تفسيره (13/315 ـ تحقيق محمود شاكر) : "وأولى القولين بالصواب قول من قال: عنى بقوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ} في الاسم لا في العبادة، وأنَّ المعنيَّ بذلك آدم وحواء؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك"، وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائل كتاب التوحيد في باب قوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} .

(1/59)

________________________________________

 فصل قد عرفتَ مِن هذا كلِّه أنَّ مَن اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو مَلَكٍ أو جنيٍّ أو حيٍّ أو ميت أنَّه ينفع أو يضر، أو أنَّه يقرِّب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى، إلاَّ ما ورد في حديث فيه مقال في حقِّ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم (1)

__________

1 هو على كلِّ تقدير من قبيل التوسل بالدعاء كما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، قال: "حديث الأعمى الذي رواه الترمذي والنسائي هو من القسم الثاني ـ من التوسل بدعائه ـ فإنَّ الأعمى قد طلب من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بأن يردَّ الله عليه بصره، فقال له: إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك، فقال: بل ادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويقول: اللهم إنِّي أسألك بنبيِّك نبيِّ الرحمة، يا محمد! يا رسول الله! إنِّي أتوجَّه بك إلى ربِّي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهمَّ فشفعه فيَّ) ، فهذا التوسل بدعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم وشفاعته، ودعا له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ولهذا قال: (فشفعه في) ، فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه، وهو دعاؤه" (إسماعيل) .

(1/60)

________________________________________

أو نحو ذلك، فإنَّه قد أشرك مع الله غيره1، واعتقد ما لا يَحلُّ اعتقادُه، كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلاً عمَّن ينذر بماله وولده لميِّت أو حي، أو يطلبُ من ذلك الميت ما لا يُطلب إلاَّ من الله تعالى من الحاجات، من عافية مريضِه أو قدوم غائبه أو نيله لأيِّ مطلب من المطالب، فإنَّ هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عُبَّادُ الأصنام.

والنَّذرُ بالمال للميت ونحوه، والنَّحر على القبر والتوسل به وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنَّما كانوا يفعلونه لِمَا يسمُّونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لِمَا يسمُّونه وليًّا وقبراً ومَشهداً، والأسماء لا أثر لها ولا تغيِّر المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإنَّ مَن شرب الخمرَ وسمَّاها ماء، ما شربَ إلاَّ خَمراً، وعقابُه عقابُ شارب الخمر، ولعلَّه يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية.

وقد ثبت في الأحاديث أنَّه يأتي قومٌ يشربون الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها2، وصدق صلى الله عليه وسلم، فإنَّه قد أتى طوائفُ من الفَسَقَة يشربون الخمر ويسمونها نبيذاً.

__________

1 التوسل الذي هو شرك أن يجعل المتوسل به واسطةً بينه وبين الله، يدعوه ويطلب منه الشفاعة، أمَّا إذا سأل الله بجاه فلان مثلاً، فإنَّه بدعة وليس بشرك، وإذا توسَّل إلى الله عزَّ وجلَّ بدعاء الداعي فإنَّه سائغ؛ لثبوت ذلك عن عمر في صحيح البخاري (1010) قال: "اللَّهمَّ إنَّا كنَّا نتوسَّل إليك بنبيِّنا فتسقينا، وإنَّا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقنا"، وقد توسَّلوا بدعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم في حياته، ولم يطلبوا منه دعاء بعد موته، بل طلبوا من العباس أن يدعو، وتوسَّلوا بدعائه، ويدلُّ له أيضاً توسُّل الأعمى بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يردَّ إليه بصره، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة والطبراني والحاكم، انظر: التعليق على المسند (17240) ، وكتاب التوسل للألباني (ص:67) .

2 انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (89) ، (90) ، (415) .

(1/61)

________________________________________

وأوَّلُ مَن سَمَّى ما فيه غضب الله وعِصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنَّه قال لأبي البَشَر آدم عليه السلام: [20: 120] {يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} ، فسَمَّى الشجرةَ التي نهى اللهُ تعالى آدمَ عن قُربانها شجرةَ الخُلد، جذباً لطبعه إليها، وهَزًّا لنشاطه إلى قُرْبانها، وتدليساً عليه بالاسم الذي اخترعه لها، كما يُسَمِّي إخوانُه المقلِّدون له الحشيشةَ بلُقْمَة الراحة، وكما يُسَمِّي الظَّلَمَةُ ما يَقبضونه من أموال عباد الله ظلماً وعدواناً أَدَباً، فيقولون أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب.

كما يحرِّفونه في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة، وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين.

وكلُّ ذلك اسمه عند الله ظلمٌ وعدوان، كما يعرِفه مَن شمَّ رائحةَ الكتاب والسنة، وكلُّ ذلك مأخوذٌ عن إبليس حيث سَمَّى الشجرةَ المنهيّ عنها شجرةَ الخلد.

وكذلك تسمِيةُ القبرِ مَشهداً، ومَن يعتقدون فيه وليًّا، لا تخرجه عن اسم الصَّنم والوثن؛ إذ هم مُعاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويَستلمونهم1 استلامَهم لأركان البيت، ويُخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، مِن قولهم: على الله وعليك، ويَهتفون بأسمائِهم عند الشدائد ونحوها.

وكلُّ قوم لهم رَجل ينادونه.

فأهلُ العراق والهند يَدعون عبد القادر الجيلي.

__________

1 كذا، ولعله (ويستلمونها) .

(1/62)

________________________________________

وأهل التهائم لهم في كلِّ بلد ميتٌ يهتفون باسمه، يقولون: يا زيلعي! يا ابن العجيل!

وأهلُ مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس!

وأهل مصر: يا رفاعي! يا بدوي! والسادة البكرية!

وأهلُ الجبال: يا أبا طير!

وأهل اليمن: يا ابن علوان!

وفي كلِّ قرية أمواتٌ يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهذا هو بعينه فعلُ المشركين في الأصنام، كما قلنا في الأبيات النجدية1:

أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود، بئس ذلك من وُدِّ

وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصَّمد الفرد

وكم نحروا في سوحها من نحيرة ... أهلَّت لغير الله جهراً على عمد

وكم طائف حول القبور مقبِّلاً ... ويستلم الأركان منهنَّ باليد

فإن قال: إنَّما نحرتُ لله وذكرتُ اسمَ الله عليه.

فقل: إن كان النَّحرُ لله فلأيِّ شيء قَرَّبت ما تنحرُه مِن باب مَشهد مَن تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟

إن قال: نعم!

فقل له: هذا النَّحر لغير الله، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لَم تُرد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟

__________

1 من قصيدة مدح بها المؤلف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وأشاد فيها بدعوته (إسماعيل) .

(1/63)

________________________________________

أنتَ تعلمُ يقيناً أنَّك ما أردت ذلك أصلاً، ولا أردت إلاَّ الأول، ولا خرجتَ من بيتك إلاَّ قصداً له، ثم كذلك دعاؤهم له.

فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب.

وقد يعتقدون في بعض فَسقة الأحياء، وينادونه في الشِّدَّة والرَّخاء، وهو عاكفٌ على القبائح والفضائح، لا يحضر حيث أمرَ الله عبادَه المؤمنين بالحضور هناك، ولا يَحضر جمعة ولا جماعة، ولا يعود مريضاً ولا يشيِّع جنازة، ولا يكتسب حلالاً، ويضُمُّ إلى ذلك دعوى علم الغيب1، ويجلب إليه إبليس جماعة قد عَشَّشَ في قلوبهم وباض فيها وفرَّخ، يصدِّقون بهتانه، ويعظِّمون شأنه، ويَجعلون هذا ندًّا لربِّ العالمين ومِثلاً.

فيا للعقول أين ذهبت؟ ويا للشرائع كيف جهلت؟ [7: 154] {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} .

فإن قلتَ: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟

قلتُ: نعم! قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم2 في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم.

فإن قلتَ: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندًّا، والالتجاءُ إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركاً!

__________

(دعوى علم الغيب) ، وهو لفظ خ، ووقع في المطبوعة: (دعوى التوكل وعلم الغيب) (إسماعيل) .

2 لفظ (عليهم) من خ.

(1/64)

________________________________________

قلتُ: نعم! {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} ، لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك، فإنَّ تعظيمَهم الأولياء ونحرَهم النحائر لهم شركٌ، والله تعالى يقول: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أي: لا لغيره، كما يفيدُه تقديم الظرف1، ويقول تعالى: [72: 18] {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}

وقد عرفتَ بما قدَّمناه قريباً أنَّه صلى الله عليه وسلم قد سمَّى الرياءَ شركاً، فكيف بما ذكرناه؟!

فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعَلَه المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشركُ بالله شيئاً، لأنَّ فعلَهم أَكْذبَ قولَهم.

فإن قلتَ: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.

قلتُ: قد صرَّح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدة أنَّ مَن تكلَّم بكلمة الكفر يَكفر وإن لَم يقصد معناها2، وهذا دالٌّ على أنَّهم لا

__________

1 الذي في الآية جار ومجرور، وليس بظرف، وهو متعلق بـ {فَصَلِّ} قبلها، وقد حذف الجار والمجرور المتعلق بـ {وَانْحَرْ} ، وهو ما بعدها، أي: فصلِّ لربِّك وانحر له، وهو مثل قوله تعالى: {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} ، أي: منه، والمثال المطابق لما ذكره المصنف من تقديم الجار والمجرور قوله: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} ، أي: لا إلى غيره، وقوله: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، أي: لا على غيره.

2 هذا ليس على إطلاقه؛ فقد يحصل مثل ذلك عن إكراه أو سبق لسان بدون قصد للفرح الشديد مثلاً، كالذي وجد ناقته بعد أن يئس منها، وقال: "اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك" رواه مسلم (2747) ، وقد مرَّ تفصيل القول في هذه المسألة في الفصل الخامس من المقدمة.

(1/65)

________________________________________

يعرفون حقيقةَ الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصليَّا، فإنَّ الله تعالى فَرَضَ على عباده إفرادَه بالعبادة {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ} ، وإخلاصها له [98: 5] {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، ومَن نادى الله ليلاً ونهاراً وسرًّا وجهاراً وخوفاً وطمعاً، ثمَّ نادى معه غيرَه فقد أشرك في العبادة، فإنَّ الدعاءَ من العبادة، وقد سمَّاه الله تعالى عبادةً في قوله تعالى: [40: 60] {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} بعد قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

فإن قلتَ: فإذا كانوا مشركين وجَب جهادُهم، والسلوك فيهم ما سلَكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في المشركين.

قلتُ: إلى هذا ذهب طائفةٌ من أئمَّة العلم1، فقالوا: يَجب أوَّلاً دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانةُ أنَّ ما يعتقدونه ينفعُ ويَضر، لا يغني عنهم من الله شيئاً وأنَّهم أمثالهم2، وأنَّ هذا الاعتقاد منهم فيه شركٌ لا يتم الإيمانُ بما جاءت به الرسلُ إلاَّ بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقاداً وعملاً لله وحده.

وهذا واجبٌ على العلماء، أي: بيان أنَّ ذلك الاعتقاد الذي تفرَّعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شركٌ محرَّم، وأنَّه عينُ ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، فإذا أبان العلماءُ ذلك للأئمَّة والملوك،

__________

1 يوهم هذا وجود طائفة أخرى من أئمَّة العلم لا ترى ما تراه هذه الطائفة منهم، وهو خلاف الحق، والمسألة مسألة نصوص الوحي لا مسألة خلاف (إسماعيل) .

2 إشارة إلى قوله تعالى {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً} ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} .

(1/66)

________________________________________

وَجَبَ على الأئمة والملوك بعثُ دعاة إلى الناس يَدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله، فمَن رجع وأقرَّ حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومَن أصَرَّ فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله صلى الله عليه وسلم من المشركين (1) .

فإن قلتَ: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنَّه قد صَحَّ أنَّ العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثمَّ بنوح، ثمَّ بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد اعتذار كلِّ واحد من الأنبياء (2) ، فهذا دليلٌ على أنَّ الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر.

قلتُ: هذا تلبيس، فإنَّ الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا يُنكرُها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: [28: 15] {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} ، وإنَّما الكلام في استغاثة القبوريِّين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أموراً لا يقدر عليها إلاَّ الله تعالى، مِن عافية المريض وغيرها، بل أعجَبُ من هذا أنَّ القبوريِّين وغيرهم من الأحياء مِن أتباع مَن يعتقدون فيه، قد يَجعلون له حصَّة مِن الولد إن عاش، ويشترون منه الحمل في بطن أمِّه ليعيش لهم3، ويأتون بمنكرات ما بَلَغ إليها المشركون الأولون.

ولقد أخبرني بعضُ مَن يتولى قَبض ما ينذر القبوريُّون لبعض أهل القبور: أنَّه جاءه إنسانٌ بدراهم وحِلية نسائية، وقال هذه لسيِّده فلان ـ يريد صاحب القبر ـ نصف مهر ابنتي؛ لأنِّي زوجتها وكنتُ مَلكت

__________

1 هذا يفيد أنَّ المصنف يرى أنَّه لا بدَّ من إقامة الحجة، وأنَّهم قبل ذلك معذورون لجهلهم.

2 رواه البخاري (3340) .

3 لفظ (لهم) من خ.

(1/67)

________________________________________

نصفَ مهرها1 فلاناً ـ يريد صاحب القبر.

وهذه النذور بالأموال وجَعْلُ قِسط منها للقبر كما يجعلون شيئاً مِن الزرع يسمُّونه (تلما) في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيءٌ ما بلغ إليه عُبَّادُ الأصنام، وهو داخلٌ تحت قول الله تعالى: [16: 56] {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} بلا شكٍّ ولا ريب.

نعم! استغاثةُ العِباد يوم القيامة وطَلبهم من الأنبياء إنَّما2 يدعون الله تعالى ليفصِلَ بين العباد بالحساب حتَّى يُريحَهم من هَوْل الموقف، وهذا لا شكَّ في جوازه، أعنِي طلبَ دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قد قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لَمَّا خَرَج معتمراً: "لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك"3.

وأَمَرَنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم في قوله تعالى: [59: 10] {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ} ، وقد قالت أم سُليم رضي الله عنها: "يا رسولَ الله! خادمُك أنس، ادعُ الله له"4.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاءَ منه صلى الله عليه وسلم وهو حي، وهذا أمرٌ متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريِّين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يَملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرًّا، ولا

__________

1 لفظ (مهرها) من خ.

2 كذا، ولعله (أن يدعوا الله) .

3 رواه أبو داود (1498) وغيره، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر ابن الخطاب، وهو ضعيف كما في التقريب، ويُغني عنه حديث إرشاد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى طلب الدعاء من أُويس القرني، رواه مسلم (2542) .

4 رواه البخاري (1982) ومسلم (2480) .

(1/68)

________________________________________

موتاً ولا حياةً ولا نشوراً أن يشفوا مرضاهم، ويردُّوا غائبَهم، وينفِّسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعَهم، ويُدِرُّوا ضروعَ مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحدٌ إلاَّ الله تعالى.

هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: [7: 197] {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} ، [7: 194] {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} ، فكيف يطلب الإنسانُ من الجماد أو من حي ـ الجماد خير منه ـ لأنَّه لا تكليفَ عليه، وهذا يبيِّن ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: [6: 136] {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} الآية، وقال: [16: 59] {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ}

فهؤلاء القبوريُّون والمعتقدون في جُهَّال الأحياء وضُلاَّلهم سَلَكوا مَسالكَ المشركين حَذو القُذَّة بالقُذَّة1، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يُعتقد إلاَّ في الله، وجعلوا لهم جُزءاً من المال، وقَصدوا قبورَهم من ديارهم البعيدة للزيارة2، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقرباً إليهم.

وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك، ولا أدري هل فيهم من يَسجد لهم؟ لا أستبعدُ أنَّ فيهم مَن يفعلُ ذلك، بل أخبرني مَن أثق به أنَّه رأى من يَسجُدُ على عَتَبَةِ باب مَشهد الوليِّ الذي يقصده تعظيماً له

__________

1 القُذَّة: بضم القاف، ريش السهم، والمراد نهجوا نهجهم (إسماعيل) .

2 مجرَّد شدّ الرَّحل للزيارة ليس بشرك، بل هو من وسائله.

(1/69)

________________________________________

وعبادة، ويُقسمون بأسمائهم، بل إذا حَلف مَن عليه حقٌّ باسم الله تعالى لَم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم وليٍّ من أوليائهم قبلوه وصدَّقوه، وهكذا كان عُبَّاد الأصنام [39: 45] {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}

وفي الحديث الصحيح: "مَن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" 1، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يحلف باللاَّت فأمره أن يقول: "لا إله إلاَّ الله"2، وهذا يدلُّ على أنَّه ارتدَّ بالحلف بالصَّنَم، فأمره أن يُجدِّد إسلامه، فإنَّه قد كَفَر بذلك، كما قرَّرناه في سبل السلام شرح بلوغ المرام، وفي منحة الغفار3.

فإن قلتَ: لا سواء، لأنَّ هؤلاء قد قالوا (لا إله إلاَّ الله) ، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها"4.

__________

1 رواه البخاري (2679) ومسلم (1646) .

2 حديث "من حلف فقال في حلفه: واللاَّت والعزى، فليقل: لا إله إلاَّ الله" أخرجه البخاري (4860) ومسلم (1647) .

3 ما قرَّره الصنعاني في هذا الحديث خلاف صنيع البخاري في باب (من حلف بملة سوى ملَّة الإسلام) من صحيحه، فقد قال فيه: "وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: من حلف باللاَّت والعزى فليقل: لا إله إلاَّ الله، ولم ينسبه إلى الكفر"، ومعلوم أنَّ ما يقع من الصحابة في ذلك ليس على سبيل القصد، وإنَّما هو من سبق اللسان، فأَمْره من وقع منهم في ذلك بقول: (لا إله إلاَّ الله) من باب الكفارة لا من باب تجديد الإسلام (إسماعيل) .

وحصول ذلك من الصحابة لَمَّا كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وكلام المصنف في سبل السلام أورده في شرح الحديث الأول من أحاديث كتاب الأيمان والنذور.

4 رواه البخاري (25) ومسلم (22) .

(1/70)

________________________________________

وقال لأسامة بن زيد: "لِمَ قَتلتَه بعدما قال لا إله إلاَّ الله؟ " 1، وهؤلاء يُصَلُّون ويصومون ويزكُّون ويَحجُّون بخلاف المشركين.

قلتُ: قال صلى الله عليه وسلم: "إلاَّ بحقها"، وحقُّها: إفرادُ الإلهية والعبودية لله تعالى.

والقبوريُّون لَم يُفردوا الإلهيةَ والعبادة، فلم تنفعهم كلمةُ الشهادة، فإنَّها لا تنفع إلاَّ مع التزام معناها، كما لَم ينفع اليهود قولُها لإنكارهم بعض الأنبياء.

وكذلك مَن جعل غير مَن أرسله الله نبيًّا، لم تنفعه كلمةُ الشهادة، ألاَ تَرَى أن بني حَنِيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، ويُصَلُّون، ولكنَّهم قالوا: إنَّ مُسيلمة نبيٌّ، فقاتلهم الصحابةُ وسَبَوْهُم، فكيف بمن يَجعل للوليِّ خاصَّةَ الإلهية ويُناديه للمهمَّات؟!

وهذا أميرُ المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه حرَّق أصحابَ عبد الله ابن سبأ، وكانوا يقولون نشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، ولكنَّهم غَلَوا في علي رضي الله عنه، واعتقدوا فيه ما يَعتقد القبوريُّون وأشباهُهم، فعاقَبَهم عقوبةً لَم يُعاقب بها أحداً من العصاة، فإنَّه حَفر لهم الحفائرَ، وأجَّجَ لهم ناراً، وألقاهم فيها وقال:

لَمَّا رأيتُ الأمرَ أمراً منكراً ... أجَّجتُ ناري ودَعَوتُ قُنْبرَا

وقال الشاعر في عصره:

لِتَرْم بي المنيَّة حيث شاءت ... إذا لَم ترم بي في الحُفرتَين

إذا ما أجَّجوا فيهنَّ ناراً ... رأيت الموت نقداً غير دَيْن

__________

1 رواه البخاري (4269) ومسلم (158) .

(1/71)

________________________________________

والقصَّة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير1.

 وقد وقع إجماعُ الأمَّة على أنَّ مَن أنكر البعثَ كَفَر وقُتِل، ولو قال لا إله إلاَّ الله، فكيف بمن يجعل لله ندًّا؟!

فإن قلتَ: قد أنكر صلى الله عليه وسلم على أسامة قتلَه لِمَن قال (لا إله إلاَّ الله) ، كما هو معروف في كتب الحديث والسير.

قلتُ: لا شكَّ أنَّ مَن قال: (لا إله إلاَّ الله) من الكفار حَقَنَ دمَه ومالَه حتى يتبيَّن منه ما يُخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصَّة محلم بن جثامة [4: 94] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} الآية2، فأمرهم الله تعالى بالتثبُّت في شأن مَن قال كلمةَ التوحيد، فإن تبيَّن التزامُه لمعناها كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن تبيَّن خلافُه لَم يحقن دمه وماله بمجرد التلفظ.

وهكذا كلُّ مَن أظهر التوحيد وجب الكَفُّ عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، فإذا تبيَّن لَم تنفعه هذه الكلمةُ بمجردها، ولذلك لَم تنفع اليهود ولا نفعت الخوارج مع ما انضمَّ إليها من العبادة التي يحتقر الصحابةُ عبادتَهم إلى جنبها، بل أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقال: "لئن أدركتُهم لأقتلَنَّهم قتل عاد" 3، وذلك لَمَّا خالفوا بعضَ الشريعة وكانوا شرَّ

__________

1 قصة تحريق علي السبائيةَ هي في الفتح (12/270) ، ذكرها وقال: "وهذا سند حسن"، وهي في شرح حديث (6922) من صحيح البخاري، والبيتان ذكرهما في الفتح (6/151) في شرح حديث (3017) .

2 القصة في سبب نزول الآية في الصحيحين: البخاري (4591) ومسلم (3025) ، دون تسمية القاتل، وفي مسند الإمام أحمد (23881) وغيره تسمية القاتل محلم بن جثامة، وفي إسنادها القعقاع بن عبد الله، وفيه مقال.

3 رواه البخاري (3344) ومسلم (1064) .

(1/72)

________________________________________

القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث1.

فثبت أنَّ مجرَّدَ قول كلمة التوحيد غيرُ مانع من ثبوت شرك مَن قالَها؛ لارتكابه ما يُخالفها من عبادة غير الله.

فإن قلتَ: القبوريُّون وغيرُهم مِن الذين يَعتقدون في فَسَقَة الناس وجُهالِهم من الأحياء يقولون نحن لا نعبد هؤلاء، ولا نعبد إلاَّ الله وحده، ولا نصلي لهم، ولا نصوم ولا نحجُّ.

قلتُ: هذا جهلٌ بمعنى العبادة، فإنَّها ليست منحصرةً في ما ذكرتَ، بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك، بل يسمُّونه معتقداً، ويصنعون له ما سمعتَه مِمَّا تفرَّع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة بهم والاستعانة والحلف والنذر، وغير ذلك.

وقد ذكر العلماءُ أن من تَزَيَّا بزيِّ الكفَّار صار كافراً2، ومَن تكلَّم

__________

1 رواه الترمذي (3000) وابن ماجه (176) ، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".

2 هذا فيما إذا تزيَّا عالماً قاصداً بزيِّهم الذي هو من خصائصهم، كألبسة رهبانهم، وكشدِّ الزنار في أوساطهم، أمَّا إذا نشأ مسلم على ارتداء لباس الكفار (اللباس الإفرنجي) حتى كأنَّه لا يعرف غيرَه فلا يكون له هذا الحكم، وقد روى البيهقي في مناقب الشافعي (ص:474) بإسناده إلى الحميدي قال: "سأل رجلٌ الشافعيَّ بمصر عن مسألة فأفتاه، وقال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كذا، فقال الرجلُ: أتقول بهذا؟! قال: أرأيتَ في وسطي زناراً؟! أتراني خرجتُ من الكنيسة؟! أقول: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وتقول لي: أتقول بهذا؟! أروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول به؟! ".

ومع هذا فإنَّ على المسلمين الذين ابتُلوا بالنشأة على هذا اللباس أن يعملوا على تعديل لباسهم بما يُغاير لباس الكفار، كتوسيع الألبسة، واللاَّئق بهم بل المتعيَّن عليهم أن يصيروا إلى التزيِّي بزيِّ المسلمين.

(1/73)

________________________________________

بكلمة الكفر صار كافراً1، فكيف بمن بَلَغَ هذه الرتبةَ اعتقاداً وقولاً وفعلاً.

فإن قلتَ: هذه النذورُ والنحائرُ ما حكمها؟

قلتُ: قد عَلِمَ كلُّ عاقل أنَّ الأموالَ عزيزةٌ عند أهلها، يَسعون في جَمعها ولو بارتكاب كلِّ معصية، ويَقطعون الفيافِيَ مِن أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذلُ أحدٌ مِن ماله شيئاً إلاَّ معتقداً لِجلب نفعٍ أكثرَ منه أو دفع ضرٍّ، فالنَّاذرُ للقبر ما أخرَج مالَه إلاَّ لذلك، وهذا اعتقادٌ باطل، ولو عرَفَ النَّاذرُ بطلانَ ما أراده ما أخرَجَ درهماً، فإنَّ الأموالَ عزيزةٌ عند أهلها، قال تعالى: [47: 36 ـ 37] {وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ}

فالواجبُ تعريفُ مَن أخرج النذرَ بأنَّه إضاعةٌ لِمالِه، وأنَّه لا ينفعه ما يُخرجه ولا يدفع عنه ضرراً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ النَّذرَ لا يأتي بخير، وإنَّما يُستخرَج به من البخيل"2، ويجب رده إليه.

وأمَّا القابض للنَّذر فإنَّه حرامٌ عليه قبضه؛ لأنَّه أكْلٌ لِمال الناذر بالباطل، لا في مقابلة شيء، وقد قال تعالى: [2: 188] {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ، ولأنَّه تقريرٌ للناذر على شِركه وقُبحِ اعتقاده ورضاه بذلك، ولا يخفى حكمُ الراضي بالشرك، [4: 48] {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الآية، فهو مثل حُلوان الكاهن ومَهر البغي، ولأنَّه تدليسٌ على الناذر، وإيهامٌ له أنَّ الوليَّ ينفعه ويضره.

__________

1 انظر: الفصل الخامس من المقدمة، والتعليق (ص: 65، 70) .

2 رواه البخاري (6608) ومسلم (1639) .

(1/74)

________________________________________

فأيُّ تقرير لِمنكر أعظم مِن قبض النذر على الميت؟ وأيُّ تدليس أعظم؟ وأيُّ رضا بالمعصية العظمى أبلغ من هذا؟ وأيُّ تصيير لمنكر معروفاً أعجب مِن هذا؟ وما كانت النذورُ للأصنام والأوثان إلاَّ على هذا الأسلوب، يعتقدُ النَّاذرُ جلبَ النفع في الصنم ودفع الضرر، فينذرُ له جَزوراً من ماله، ويقاسمه في غلاَّت أطيانه، ويأتي به إلى سَدَنة الأصنام فيقبضونه منه، ويوهمونه حقيَّة عقيدته، وكذلك يأتي بنحيرته فينحرُها بباب بيت الصنم.

وهذه الأفعال هي التي بعث اللهُ الرسلَ لإزالتها ومَحوِها وإتلافها والنهي عنها.

فإن قلتَ: إنَّ الناذر قد يُدركُ النفعَ ودفع الضرر بسبب إخراجه للنذر وبذله!

قلتُ: كذلك الأصنام، قد يدرك منها ما هو أبلغُ من هذا، وهو الخطاب من جَوفها والإخبار ببعض ما يكتمه الإنسان، فإن كان هذا دليلاً على حقيَّة القبور وصحة الاعتقاد فيها؛ فليكن دليلاً على حقيَّة الأصنام، وهذا هدمٌ للإسلام وتشييدٌ لأركان الأصنام.

والتحقيقُ: أنَّ لإبليسَ وجنوده من الجنِّ والإنس أعظمَ العناية في إضلال العباد، وقد مكَّن اللهُ إبليس من الدخول في الأبدان والوسوسة في الصدور والتقام القلب بخرطومه، وكذلك يدخل أجوافَ الأصنام ويُلقي الكلامَ في أسماع الأقوام، ومثله يَصنعه في عقائد القبوريِّين1،

__________

1 في طبعة رئاسة الإفتاء: (أهل القبوريِّين) ، بزيادة: (أهل) ، وفي طبعة المكتب الإسلامي (1397هـ) تحقيق الشيخ إسماعيل الأنصاري بحذفها، وهو الصواب.

(1/75)

________________________________________

فإنَّ الله تعالى قد أذن له أن يُجلب بخيلِه ورَجِلِه على بني آدم وأن يشاركهم في الأموال والأولاد.

وثبت في الأحاديث: أنَّ الشيطانَ يستَرق السمعَ بالأمر الذي يُحدثه الله، فيُلقيه إلى الكُهَّان، وهم الذين يُخبرون بالمغيَّبات ويزيدون فيما يلقيه الشيطان من عند أنفسهم مائة كذبة1.

ويقصدُ شياطينُ الجنِّ شياطينَ الإنس مِن سَدَنة القبور وغيرهم فيقولون: إنَّ الوليَّ فَعَل وفعل، يُرغِّبونهم فيه ويحذِّرونهم منه، وترى العامة ملوكَ الأقطار وولاةَ الأمصار مُعزِّزين لذلك ويُوَلُّون العمالَ لقبض النذور، وقد يتَولاَّها مَن يُحسنون فيه الظنَّ مِن عالم أو قاضٍ أو مُفت أو شيخ صوفي، فيتِمُّ التدليسُ لإبليس، وتقرُّ عينُه بهذا التلبيس.

فإن قلتَ: هذا أمرٌ عَمَّ البلادَ، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبَّق الأرض شرقاً وغرباً، ويَمناً وشاماً، وجنوباً وعَدَناً، بحيث لا تجدُ بلدةً من بلاد الإسلام إلاَّ وفيها قبور ومشاهد وأحياء، يعتقدون فيها ويعظِّمونها وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويُسرجونها ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويُلبسونها الثياب، ويصنعون كلَّ أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلُّل والافتقار إليها.

بل هذه مساجد المسلمين غالبُها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مَشهد يقصده المصلُّون في أوقات الصلاة، يَصنعون فيه ما ذكِر أو بعض ما ذكر، ولا يَسَعُ عقلُ عاقل أنَّ هذا منكرٌ يبلُغُ إلى ما ذكرتَ مِن

__________

1 رواه البخاري (5762) ومسلم (2228) .

(1/76)

________________________________________

الشناعة، ويَسكتُ عليه علماءُ الإسلام الذين ثبَتت لهم الوَطأة في جميع جهات الدنيا.

قلتُ: إن أردتَ العدلَ والإنصافَ، وتركتَ متابعة الأسلاف، وعرفتَ أنَّ الحقَّ ما قام عليه الدليلُ، لا ما اتَّفق عليه العوالِم جيلاً بعد جيل، وقَبيلاً بعد قبيل، فاعلم أنَّ هذه الأمور التي ندَندِنُ حولَ إنكارِها، ونسعى في هَدم منارها، صادرةٌ عن العامة الذين إسلامهم تقليدُ الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دبير وقبيل1، ينشأ الواحدُ فيهم فيجِدُ أهلَ قريته وأصحاب بلدته يُلَقِّنُونه في الطفولية أن يَهتِفَ باسم مَن يعتقدون فيه، ويراهم يَنذرون عليه، ويعظِّمونه، ويرحلون به إلى مَحلِّ قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفاً على قبره، فيَنشأ وقد قَرَّ في قلبه عظمةُ ما يعظِّمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده مَن يعتقدونه.

فنشأ على هذا الصغير، وشاخَ عليه الكبيرُ، ولا يسمعون مِن أحد عليهم من نكير، بل تَرَى مِمَّن يتَّسِم بالعلمِ، ويَدَّعِي الفضلَ، وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس، أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة، معظِّماً لِمَا يعظِّمونه، مُكرماً لِما يكرمونه، قابضاً للنذور، آكلاً ما يُنحر على القبور، فيَظنُّ العامَّة أنَّ هذا دينُ الإسلام، وأنَّه رأسُ الدِّين والسَّنَام2.

ولا يَخفى على أحد يتأهَّل للنظر، ويعرفُ بارِقَةً مِن عِلم الكتاب

__________

1 لفظ (دبير وقبيل) من خ (إسماعيل) ، وفي طبعة المكتب الإسلامي (1397هـ) ، وطبعات أخرى: (دنيٍّ ومثيل) .

2 من أعظم المصائب أن يكون بعض المنتسبين إلى العلم واقعاً في هذه الأمور الخطيرة التي ذكرها المصنف، فيكونون بذلك قدوة سيِّئة للعامة.

(1/77)

________________________________________

والسنة والأثر، أنَّ سكوتَ العالِم أو العالم1 على وقوع مُنكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر.

ولنضْرِبْ لك مثلاً مِن ذلك؛ وهي هذه المكُوسُ المسمَّاة بالمجابي، المعلوم مِن ضَرورة الدِّين تَحريمُها، قد مَلأَت الدِّيارَ والبقاع، وصارت أمراً مأنوساً، لا يلج إنكارُها إلى سَمع مِن الأسماع، وقد امتدَّت أيدي المكَّاسين في أشرف البقاع، في مكة أمِّ القرى، يَقبضون مِن القاصدين لأداء فَريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كلَّ فِعل حرام، وسُكَّانها مِن فُضلاء الأنام، والعلماءُ والحكَّامُ ساكتون على الإنكار، مُعرضون عن الإيراد والإصدار، أَفيَكون السكوتُ من العلماء، بل من العالم2 دليلاً على حِلِّ أخذها وإحرازها؟ هذا لا يقولُه مَن له أدنى إدراك.

بل أضرب لك مثلا آخر؛ هذا حَرَمُ الله الذي هو أفضلُ بقاع الدنيا بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدَث فيه بعضُ ملوك الشراكسة الجهلة الضُّلال هذه المقامات الأربعة، التي فرَّقت عبادات العِباد، واشتملت على ما لا يُحصيه إلاَّ الله عز وجل من الفساد، وفرَّقت عبادات المسلمين، وصيَّرتهم كالمِلَلِ المختلفة في الدِّين، بدعةٌ قرَّت بها عينُ إبليس اللعين، وصيَّرت المسلمين ضحكةَ الشياطين، وقد سكتَ الناسُ عليها، ووفَد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها3، وشاهدها كلُّ ذي عينين، وسَمع بها كلُّ ذي أذنين.

__________

1 لفظ (أو العالم) من خ.

2 قوله: (من العلماء بل من العالم) من خ.

3 مراد المصنف بالأبدال العلماء الذين يُظهر الله بهم الدِّين وينصر بهم الملَّة، ومن ذهب منهم أبدله الله بمن يقوم مقامه في ذلك، ومراده بالأقطاب العلماء الذين يُلقَّب الواحد منهم قطب الدِّين، ومن أمثلة ذلك قطب الدين الحنفي الذي ذكره الشيخ إسماعيل الأنصاري هنا ممثِّلاً بكلامه لإنكار العلماء إحداث هذه المقامات الأربعة.

(1/78)

________________________________________

أفهذا السكوت دليلٌ على جوازها؟ هذا لا يقولُه مَن له إلْمَامٌ بشيء من المعارف1، كذلك سكوتُهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريِّين.

__________

1 مقتضى هذا أنَّ العلماء لم يستنكروا هذا، وهو خلاف الواقع، فقد قال العلامة قطب الدين الحنفي في (الإعلام بأعلام بيت الله الحرام) : "إنَّ تعدُّد المقامات في مسجد واحد لاستقلال كلِّ مذهب بإمام ما أجازه كثيرٌ من العلماء، وإنَّ تعدُّدَ المقامات في وقت حدوثه أنكره العلماء غاية الإنكار، ولهم في ذلك رسالات متعدِّدة باقية بأيدي الناس الآن، وإنَّ علماء مصر أفتوا بعدم جواز ذلك، وخطَّأوا مَن قال بجوازه". اهـ.

وأمَّا إنكار المؤلف لهذا الصنيع فلا شكَّ في وجاهته، وقد برئت به ذمته، كما برئت ذمَّة من سبقه من العلماء، وقد حصل بفضل الله ما تمنَّوه بعد استيلاء الحكومة السعودية ـ حفظها الله ـ على الحرمين، فقد أزالت هذه المقامات، وجمعت المسلمين على إمام واحد في الصلاة، وفي هذا تنبيه على أنَّ ما يسجله الدعاة من الحقِّ إن لم ينتفع به معاصروهم فسينتفع به مَن وفَّقه الله مِمَّن يأتي بعدهم، والله المستعان (إسماعيل) .

من أعظم حسنات الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ أنَّه منذ بدء ولايته قضى على هذا التفرُّق في الصلاة حول الكعبة، وجمع الناسَ على إمام واحد يُصلِّي بهم مجتمعين غير متفرِّقين، وقد سمعت من الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله ـ وهو مِمَّن أدرك ذلك الوقت ـ يذكر أنَّ واحداً مِمَّن آلمهم ذلك التفرُّق تحدَّث مع واحد من المتعصِّبين لذلك التفرق، فكان جواب ذلكم المتعصِّب أن قال: الدليل على أنَّكم لستم على حق أنَّه ليس لكم مقام حول الكعبة، فكان جواب المنكِر لذلك التفرُّق: يكفي المسلمين جميعاً مقام إبراهيم، ولا يحتاجون إلى مقامات أخرى!!

وقال أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في كتابه (التعليق المغني على سنن الدارقطني) (4/226) : "ومنها ـ يعني البدع ـ تكرار الجماعات بأئمة متعدِّدة، كما يُصنع الآن في الحرم الشريف، فيقولون: هذا المصلى للشافعي، وهذا للحنفي، وهذا للمالكي، وهذا للحنبلي، ويَسعون في تفريق الجماعة، قال القاضي الشوكاني في إرشاد السائل إلى دليل المسائل: وإنَّ من أعظمها خطراً وأشدِّها على الإسلام ما يقع الآن في الحرم الشريف من تفريق الجماعة، ووقوف كلِّ طائفة في مقام من هذه المقامات، كأنَّهم أهل أديان مختلفة، وشرائع غير مؤتلفة، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون"، ثم ذكر نقولاً أخرى في إنكار ذلك عن علماء متقدِّمين ومتأخرين.

(1/79)

________________________________________

فإن قلتَ: يَلزمُ مِن هذا أنَّ الأمَّة قد اجتمعت على ضلالة، حيث سكتت عن إنكارِها لأعظم جهالة.

قلتُ: حقيقةُ الإجماع اتفاقُ مجتهدي أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر بعد عصره، وفقهاءُ المذاهب الأربعة يُحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة1، وإن كان هذا قولاً باطلاً وكلاماً لا يقوله إلاَّ مَن كان للحقائق جاهلاً، فعلى زعمهم لا إجماع أبداً مِن بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال؛ فإنَّ هذا الابتداعَ والفتنةَ بالقبور لم يكن على عهد أئمَّة المذاهب الأربعة، وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال.

فإنَّ الأمَّة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كلِّ أرض وتحت كلِّ نجم، فعلماؤُها المحقِّقون لا ينحصرون، ولا يَتِمُّ لأحد معرفة أحوالهم، فمَن ادَّعى الإجماعَ بعد انتشار الدِّين وكثرة علماء المسلمين فإنَّها دعوى كاذبة، كما قاله أئمَّة التحقيق2.

__________

1 إحالة الاجتهاد من بعد الأئمة الأربعة ليس إلاَّ قول بعض المنتسبين إلى هذه المذاهب من المتأخرين، وقد اعتبر السيوطي ذلك القول منهم جهلاً، وألَّف في الردِّ عليه كتاب (الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أنَّ الاجتهاد في كلِّ عصر فرض) ، وقد سرد نصوصَ فقهاء المذاهب الأربعة المعتبرين على خلاف ما ذكره الصنعاني هنا (إسماعيل) .

2 إذا كان مراد المصنف نفي الإجماع مطلقاً ففيه نظر؛ فإنَّه هو نفسه ينقل في سبل السلام إجماع العلماء ولا يعترض عليه، كما في شرحه لحديث أبي أمامة (1/24) : "إنَّ الماء لا ينجسه شيء إلاَّ ما غلب على ريحه وطعمه ولونه"، بل إنَّه يحكي الإجماع كما في شرح حديث علي بن طلق: "إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، وليتوضَّأ وليُعد الصلاة"، قال في شرحه (1/202) : "والحديث دليل على أنَّ الفساء ناقض للوضوء، وهو مجمع عليه".

(1/80)

________________________________________

 لو فُرض أنَّهم عَلِمُوا بالمنكر وما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره، لَمَا دلَّ سكوتُهم على جوازه؛ فإنَّه قد عُلِم من قواعد الشريعة أنَّ وظائفَ الإنكار ثلاثةٌ:

 أوَّلها: الإنكارُ باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته.

 ثانيها: الإنكارُ باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد.

 ثالثها: الإنكارُ بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان.

فإن انتفى أحدُها لم ينتفِ الآخر، ومثاله: مُرورُ فرد من أفراد علماء الدِّين بأحد المكَّاسين وهو يأخذ أموالَ المظلومين، فهذا الفردُ مِن علماء الدِّين لا يستطيع التغييرَ على هذا الذي يأخذ أموالَ المساكين باليد ولا باللسان؛ لأنَّه إنَّما يكون سخريةً لأهل العصيان، فانتفى شرطُ الإنكار بالوظيفتين، ولَم يبق إلاَّ الإنكارُ بالقلب الذي هو أضعفُ الإيمان، فيجب على مَن رأى ذلك العالِمَ ساكتاً عن الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبَّار، أن يعتقدَ أنَّه تعذَّر عليه الإنكارُ باليد واللسان، وأنَّه قد أنكر بقلبه.

فإنَّ حُسنَ الظنِّ بالمسلمين أهلِ الدِّين واجبٌ، والتأويل لهم ما أمْكَنَ ضَربَةُ لازب، فالداخلون إلى الحَرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرَّقت شملَ1 الدِّين، وشتَّتَت صلوات المسلمين معذورون عن الإنكار إلاَّ بالقلب، كالمارِّين على المكَّاسين وعلى القبوريِّين.

ومِن هنا يُعلم اختلال ما استمرَّ عند أئمَّة الاستدلال مِن قولهم في

__________

1 لفظ (شمل) من خ، ووقع بدله في المطبوعة (كلمةَ) (إسماعيل) .

(1/81)

________________________________________

بعض ما يستدلُّون عليه بالإجماع1: إنَّه وقع ولَم يُنكر، فكان إجماعاً.

ووجهُ اختلالِه أنَّ قولَهم: (ولَم يُنكَر) رجمٌ بالغيب؛ فإنَّه قد يكون أنكرته قلوبٌ كثيرة تعذَّر عليها الإنكارُ باليد واللسان، وأنت تشاهد في زمانك أنَّه كم مِن أمر يَقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك، وأنت مُنكرٌ له بقلبك، ويقول الجاهلُ إذا رآك تشاهده: سكت فلانٌ عن الإنكار، يقوله إما لائماً أو مُتَأسِّياً بسكوته، فالسكوتُ لا يستدلُّ به عارف، وكذا يُعلم اختلالُ قولهم في الاستدلال: (فعلَ فلان كذا، وسكت الباقون فكان إجماعاً) ، مُختلاًّ من جهتين:

الأولى: دعوى أنَّ سكوتَ الباقين تقريرٌ لفعل فلان؛ لِمَا عرفتَ مِن عدم دلالة السكوت على التقرير.

الثانية: قولهم: (فكان إجماعاً) ؛ فإنَّ الإجماعَ اتفاقُ مجتهدي (2) أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم، والساكتُ لا يُنسب إليه وِفاق ولا خلاف، حتَّى يُعْرِبَ عنه لسانُه.

قال بعض الملوك ـ وقد أثنى الحاضرون على شخص من عمَّاله وفيهم رجل ساكت ـ ما لَك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلَّمتُ خالفتهم.

فما كلُّ سكوت رضًى؛ فإنَّ هذه منكراتٌ أسَّسَها مَن بيده السيفُ والسِّنان، ودماءُ العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلمه، فكيف يَقوى فردٌ من الأفراد على دفعه عمَّا أراد؟

__________

1 قوله (بالإجماع) من خ.

2 لفظ (مجتهدي) من خ.

(1/82)

________________________________________

فإنَّ هذه القِبابَ والمشاهدَ التي صارت أعظمَ ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبرَ وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالبُ، بل كلُّ مَن يَعمُرُها هم الملوكُ والسلاطينُ والرؤساء والولاةُ، إمَّا على قريب لهم أو على مَن يُحسنون الظنَّ فيه، مِن فاضل أو عالِم أو صوفيٍّ أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزورُه الناسُ الذين يعرفونه زيارة الأموات، مِن دون توسُّل به ولا هَتف باسمه، بل يَدْعون له ويستغفرون، حتَّى ينقرِضَ مَن يَعرفه أو أكثرُهم، فيأتي مَن بعدهم فيجد قبراً قد شيد عليه البناءُ، وسُرِجَت عليه الشموعُ، وفُرِشَ بالفراش الفاخر، وأُرْخِيَت عليه الستورُ، وأُلْقِيَت عليه الأورادُ والزهور، فيعتقد أنَّ ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السَّدَنة يكذبون على الميِّت بأنَّه فعلَ وفعل، وأنزل بفلان الضَّرَرَ، وبفلان النفع، حتى يَغرسُوا في جِبلَّتِه كلَّ باطل، ولهذا الأمر ثبت في الأحاديث النبوية اللَّعنُ على مَن أَسْرَجَ على القبور، وكتب عليها وبنى عليها1، وأحاديثُ ذلك واسعةٌ معروفة، فإنَّ ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعةٌ إلى مفسدة عظيمة.

__________

1 النهي عن البناء على القبور ثبت في صحيح مسلم (970) ، والنهي عن الكتابة رواه أبو داود (3226) والترمذي (1052) والنسائي (2027) وابن ماجه (1563) والحاكم (1/370) عن جابر رضي الله عنه وفي بعضها: عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، وروايته عن جابر مرسلة، وفي بعضها: عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، وفي جميعها عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وقد صححه الحاكم والذهبي والألباني. انظر: أحكام الجنائز وبدعها (ص:204) .

وليس في البناء والكتابة ذكر اللَّعن، وأمَّا إسراج القبور فقد ورد فيه اللَّعن عند أبي داود وغيره من رواية أبي صالح باذان، عن ابن عباس، وأبو صالح ضعيف، ويدلُّ لتحريمه قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: وكلُّ بدعة ضلالة" رواه مسلم، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (225) .

(1/83)

________________________________________

فإن قلتَ: هذا قبرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عُمّرت عليه قُبَّة عظيمةٌ أُنفقت فيها الأموال.

قلتُ: هذا جهلٌ عظيم بحقيقة الحال، فإنَّ هذه القبَّة ليس بناؤها منه صلى الله عليه وسلم، ولا من أصحابه، ولا مِن تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا مِن علماء أمَّته وأئمَّة مِلَّتِه، بل هذه القبَّة المعمولةُ على قبره صلى الله عليه وسلم مِن أبنية بعض مُلوك مصر المتأخرين، وهو قَلاَوُون الصالحي المعروف بالملك المنصور، في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ذكره في (تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة) (1) ، فهذه أمورٌ دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخرُ الأول.

وهذا آخرُ ما أردناه مِمَّا أوردناه لَمَّا عمَّت البلوى، واتُّبعت الأهواء وأعرض العلماء عن النكير، الذي يجب عليهم، ومالوا إلى ما مالت العامَّة إليه، وصارَ المنكرُ معروفاً والمعروف منكراً، ولَم نجد من الأعيان ناهياً عن ذلك ولا زاجراً (2) .

فإن قلتَ: قد يتَّفق للأحياء أو للأموات اتصالُ جماعة بهم، يفعلون

__________

1 للعلامة زين الدين أبي بكر بن الحسين بن عمر أبي الفخر المراغي المتوفى سنة (816هـ) ، والمشهور أنَّ اسمه كنيته، وقيل: اسمه عبد الله، وله ترجمة طويلة في الضوء اللامع للمؤرِّخ الناقد السخاوي (إسماعيل) .

2 لعلَّه يريد بالنفي البلاد اليمنية، وقد أثنى في أبياته التي ذكر بعضها فيما مضى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ في إنكار البناء على القبور والغلوِّ في أصحابها، وكثير من العلماء في مختلف العصور يُنكرون ذلك في مؤلفاتهم، ومن ذلك قول ابن كثير في البداية والنهاية (في حوادث سنة 208هـ) : "وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام".

(1/84)

________________________________________

خَوَارقَ من الأفعال يتَسمّون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور؟ فإنَّها مِمَّا جُبلَت القلوب إلى الاعتقاد بها.

قلتُ: أما المتسمُّون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم، ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها عن لفظها العربي، فهم مِن أجناد إبليس اللعين، ومِن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم الشياطين حُلَل التلبيس والتزيين، فإنَّ إطلاقَ لفظ الجلالة منفرداً عن إخبار عنها بقولهم (الله الله) ليس بكلام ولا توحيد، وإنَّما هو تلاعبٌ بهذا اللفظ الشريف (1) ، بإخراجه عن لفظه العربيِّ، ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني، ولو أنَّ رجلاً عظيماً صالحاً يُسَمَّى بزيد وصار جماعةٌ يقولون (زيد زيد) لَعَدَّ ذلك استهزاءً وإهانةً وسُخرية، ولا سيما إذا زادوا إلى ذلك تحريفَ اللفظ.

ثم انظر هل أتى في لفظةٍ من الكتاب والسنة ذكرُ الجلالة بانفرادها

__________

1 حاول بعض المتأخرين الاستدلال لهذا الصنيع بقول الله تعالى {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} إلى قوله: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} ، وقال: "معنى قوله {قُلِ اللَّهُ} لا يكون خطابك لهم إلاَّ هذه الكلمة: كلمة (الله) ، وقد ردََّ عليه الحافظ ابن كثير في تفسيره بقوله: "وهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمراً بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يُفيد في لغة العرب إفادة يحسن السكوت عليها" (إسماعيل) .

والكلام هو المفيد، كما قال ابن مالك:

"كلامنا لفظ مفيد كاستقم"، والتقدير في الآية: قل الله أنزله، وحُذف لدلالة السياق عليه، قال ابن مالك في الألفية:

وحذف ما يُعلم جائز كما تقول زيد بعد من عندكما

وفي جواب كيف زيد قل دنف فزيد استُغني عنه إذ عُرف.

(1/85)

________________________________________

سحيق.

ثم قد يُضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماءَ جماعة من الموتى، مثل (ابن علوان) و (أحمد بن الحسين) و (عبد القادر) و (العيدروس) ، بل قد انتهى الحالُ إلى أنَّهم يفرُّون إلى أهل القبور من الظلم والجور، كعلي رومان وعلي الأحمر، وأشباههما، وقد صان الله سبحانه وتعالى رسولَه صلى الله عليه وسلم وأهل الكساء وأعيانَ الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهلة الضُّلاَّل، فيجمعون أنواعاً من الجهل والشرك والكفر.

فإن قلتَ: إنَّه قد يتفق مِن هؤلاء الذين يلوكون لفظ الجلالة، ويضيفون إليها عمل أهل الخلاعة والبطالة، خوارق عادات وأمور1 تُظنُّ كرامات، كطعن أنفسهم بالآلات الحادة، وحملهم لِمثل الحَنَش والحيَّة والعقرب، وأكلهم النَّار، ومسِّهم إياها بالأيدي، وتقلُّبهم فيها بالأجسام.

قلتُ: هذه أحوالٌ شيطانيَّة، وإنَّك لَمُلَبَّسٌ عليك أن ظننتَها كرامات للأموات، أو حسنات للأحياء؛ لَمَّا هَتفَ هذا الضال بأسمائهم، وجعلهم أنداداً وشركاءَ لله تعالى في الخلق والأمر، فهؤلاء الموتى أنت تفرض أنَّهم أولياء الله تعالى.

__________

1 في الأصل المطبوع: (وأموراً) ، والصواب ما أثبته، وفي طبعة المكتب الإسلامي زيادة لفظ: (عمل) في جملة: (ويضيفون إليها عمل أهل الخلاعة ... ) .

(1/86)

________________________________________

فهل يَرضَى وليُّ الله أن يجعلَه المجذوبُ أو السالكُ شريكاً له تعالى وندًّا؟ إن زعمتَ ذلك فقد جئت شيئاً إدًّا، وصيَّرتَ هؤلاء الأموات مشركين، وأخرجتهم ـ وحاشاهم عن ذلك ـ عن دائرة الإسلام والدِّين، حيث جعلتهم أنداداً لله، راضين فرحين، وزعمتَ أنَّ هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضُّلاَّل المشركين، التابعين لكلِّ باطل، المنغمسين في بحار الرذائل، الذين لا يَسجدون لله سجدة، ولا يذكرون الله وحده.

فإن زعمتَ هذا، فقد أثبتَّ الكرامات للمشركين الكافرين وللمجانين، وهدمتَ بذلك ضوابطَ الإسلام وقواعد الدِّين المبين والشرع المتين.

وإذا عرفتَ بطلان هَذين الأمرين علمتَ أنَّ هذه أحوالٌ شيطانيةٌ، وأفعالٌ طاغوتيَّةٌ، وأعمالٌ إبليسيَّة، يفعلها الشياطين لإخوانهم مِن هؤلاء الضالِّين، معاونةً من الفريقين على إغواءِ العباد.

وقد ثبتَ في الأحاديث أنَّ الشياطينَ والجانَّ يتشكَّلون بأشكال الحيَّة والثعبان1، وهذا أمرٌ مقطوعٌ بوقوعه، فهم الثعابين التي يُشاهدها الإنسانُ في أيدي المجاذيب، وقد يكون ذلك مِن باب السِّحر2 وهو أنواع، وتعلُّمُه ليس بالعسير، بل بابُه الأعظمُ هو الكفرُ بالله وإهانةُ ما عظَّمه الله، مِن جعل مُصحَف في كَنيف ونحوه.

فلا يَغتَرَّ مَن يشاهدُ ما يَعظُمُ في عينيه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها خوارق، فإنَّ للسِّحرِ تأثيراً عظيماً في الأفعال، وهكذا الذين

__________

1 كما في صحيح مسلم (2236) .

2 وقد تكون حيَّات وثعابين حقيقية خُلعت أنيابها وأُزيل مكان السُّمِّ منها.

(1/87)

________________________________________

يقلبون الأعيانَ بالأسحار وغيرها، وقد ملأَ سَحَرَةُ فرعون الوادي بالثعابين والحيات، حتى أَوْجَسَ في نفسه خِيفَةً موسى عليه السلام، وقد وصفه اللهُ بأنَّه سِحرٌ عظيمٌ، والسِّحرُ يَفعَلُ أعظمَ من هذا؛ فإنَّه قد ذكرَ ابنُ بَطوطة وغيرُه أنَّه شاهد في بلاد الهند قوماً توقَدُ لهم النارُ العظيمةُ، فيلبسون الثيابَ الرقيقة، ويخوضون في تلك النار، ويخرجون وثيابُهم كأنَّها لَم يَمسَّها شيءٌ.

بل ذكر أنَّه رأى إنساناً عند بعض ملوك الهند أتى بوَلَدَيْن معه، ثم قَطَعَهُما عضواً عضواً، ثمَّ رَمَى بكلِّ عُضوٍ إلى جهة فِرَقاً، حتى لَم يرَ أحدٌ شيئاً من تلك الأعضاء، ثمَّ صاح وبكى، فلم يَشعر الحاضرون إلاَّ وقد نزل كلُّ عضوٍ على انفراده، وانضمَّ إلى الآخر، حتى قام كلُّ واحد منهما على عادته حيًّا سَوِيًّا، ذكر هذا في رحلته، وهي رحلة بَسيطة وقد اختُصِرَت، طالعتُها بمكة عام ست وثلاثين ومائة وألف، وأملاها علينا العلامةُ مفتي الحنفية في المدينة، السيد محمد بن أسعد رحمه الله.

وفي الأغاني لأبي الفَرَج الأصفهاني1 بسنده: أنَّ ساحراً كان عند الوليد بن عقبة، فجعل يَدخُلُ في جَوف بقرة ويخرج، فرآه جندب رضي الله عنه،

__________

1 هو علي بن الحسين الأصبهاني الأموي، صاحب كتاب الأغاني، شيعي، وهذا نادر في أموي، كذا ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال، ثم قال: "وكان إليه المنتهى في معرفة الأخبار وأيَّام الناس والشعر والغناء والمحاضرات، يأتي بأعاجيب بحدَّثنا وأخبرنا، وكان طلبه في حدود الثلاثمائة، فكتب ما لا يوصف كثرة حتى لقد اتُّهم، والظاهر أنَّه صدوق، وقد قال أبو الفتح بن أبي الفوارس: خلط قبل موته"، وأطال الذهبي ترجمته (إسماعيل) .

في طبعة رئاسة الإفتاء: (حدَّثنا وأخبرنا) ، وما أثبته من طبعة المكتب الإسلامي.

(1/88)

________________________________________

فذهب إلى بيته فاشتمل على سيفه، فلما دخل الساحرُ في البقرة، قال جندب: أتأتون السِّحر وأنتم تبصرون، ثمَّ ضرب وسط البقرة، فقطعها، وقطع الساحرَ معها، فانذعر الناسُ، فحَبَسَه الوليدُ، وكتب بذلك إلى عثمان رضي الله عنه، وكان على السجن رجل نصراني، فلمَّا رأى جندباً يقوم الليلَ ويصبحُ صائماً، قال النصراني: والله إنَّ قوماً هذا شرُّهم لَقَوْمُ صِدق، فوَكَّلَ بالسِّجن رجلاً، ودخل الكوفةَ فسأل عن أفضل أهلها، فقالوا: الأشعث بنُ قيس، فاستضافه فرأى أبا محمد يعني الأشعث ينام الليلَ ويصبح فيدعو بغدائه، فخرج مِن عنده وسأل: أيُّ أهل الكوفة أفضل؟ فقالوا: جَرير بن عبد الله، فوجده ينام، ثم يصبح فيدعو بغدائه. فاستقبل القبلةَ فقال: رَبِّي رَبُّ جُندُب، وديني دينُ جندب، وأَسْلَمَ.

وأخرجها البيهقي1 في السنن الكبرى بمغايرة في القصة، فذكر بسنده إلى أبي الأسود2: "أنَّ الوليد بنَ عقبة كان في العراق يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب رأسَ الرجل ثم يصيح به، فيقوم صارخاً، فيَرُدُّ إليه رأسَه، فقال الناس: سبحان الله! يُحيي الموتى! ورآه رجلٌ من صالحي المهاجرين، فلمَّا كان مِن الغَدِ اشتمل على سيفه، فذهب يلعب لعبَه ذلك، فاخترط الرَّجل سيفَه فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقاً

__________

1 هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الحافظ، بلغت تصانيفه ألف جزء، وقد نفع الله المسلمين بها شرقاً وغرباً، لإمامة الرجل ودينه وفضله وإتقانه، توفي في عاشر جمادى الأولى بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. اهـ ملخصاً من خبر من غبر للحافظ الذهبي. (إسماعيل) .

2 وهو: "أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نضر، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي الأسود. (إسماعيل) .

وانظر: السلسلة الضعيفة للألباني (1/642) .

(1/89)

________________________________________

فليحي نفسَه! فأمر به الوليد ديناراً صاحبَ السجن فسجَنَه"1.

بل أعجبُ من هذا ما أخرجه الحافظ البيهقي بإسناده في قصة طويلة، وفيها: "أنَّ امرأةً تعلَّمت السِّحرَ مِن المَلَكَيْن ببابل هاروت وماروت، وأنَّها أخذت قمحاً، فقالت له بعد أن ألقته: [اطلع، فطلع، فقالت: أحقل، فأحقل، ثمَّ تركته، ثم قالت إيبَس، فيبس، ثم قالت له: اطحن، فأطحن] ، ثمَّ قالت له: اختبز فاختبز، وكانت لا تريد شيئا إلاَّ كان"2.

والأحوال الشيطانيةُ لا تنحصر، وكفى بما يأتي به الدَّجَّال، والمعيار اتِّباع الكتاب والسنة ومخالفتهما3.

__________

1 كذا في الأصل، وعبارة البيهقي ج8 ص 136: "وأمر به الوليد ديناراً صاحب السجن، وكان رجلاً صالحاً، فسجنه فأعجبه نحو الرجل، قال: أفتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم! قال: فاخرج! لا يسألني الله عنك أبداً" اهـ (إسماعيل) .

2 روى البيهقي تلك القصة الطويلة المشار إليها في باب (قبول توبة الساحر وحقن دمه) من السنن الكبرى (إسماعيل) .

وأورد ابن كثير في تفسيره عند قول الله عزَّ وجل: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} الآية القصة مطولة إسناداً ومتناً عند ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال: "فهذا إسناد جيد إلى عائشة رضي الله عنها".

3 هذه كلمة جميلة ختم بها المصنف كتابه، وهي مسك الختام؛ فالحق والهدى ما جاء في الكتاب والسنة، والباطل والضلال ما كان بخلافهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المنطقيين (ص:515 ـ 516) : "وقال غيرُ واحد من الشيوخ والعلماء: لو رأيتم الرجلَ يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي"، وقال ابن كثير في تفسيره (1/362 ط مكتبة أولاد الشيخ) عند قوله تعالى من سورة البقرة: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} : "وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي: قصَّر الليث رحمه الله، بل إذا رأيتم الرجل بمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة".

(1/90)

________________________________________

انتهى ما أوردناه ولله الحمد أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً1، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، كلَّما ذكره الذاكرون، وغَفَلَ عن ذكره الغافلون.

جاء في آخر طبعة رئاسة الإفتاء:

تم الكتاب والحمد لله.

وقد قوبل على نسخة خطية ضمن مجموعة تحتوي على كتب قيمة، وهي من مكتبة سماحة مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، والنسخة المذكورة محفوظة في مكتبة الرياض السعودية برقم 307/ 86.

وقد قام بتلك المقابلة وبالتصحيح والتعليق إسماعيل بن محمد الأنصاري، وإلى المخطوطة المذكورة يرمز في بعض تعليقاته بحرف (خ) .

__________

1 لفظ (وظاهراً وباطناً) من خ.

رأيك يهمنا