منزلة الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

نبذة مختصرة

منزلة الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: قال المُصنِّف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «منزلة الزكاة في الإسلام» بيَّنت فيها بإيجاز: مفهوم الزكاة: لغة، وشرعًا، وأنواعها، ومكانة الزكاة في الإسلام، وعِظم شأنها، وفوائدها، وحِكَمها، وحُكْمَها في الإسلام، وشروط وجوبها، وأحكام زكاة الدين، وأنواعه، وختمت ذلك بمسائل مهمة في الزكاة».

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 منزلة الزكاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

مفهوم, ومنزلة, وحِكَمٌ, وأحكام، وفوائد, وشروط, ومسائل

تأليف الفقير إلى الله تعالى

د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:

فهذه رسالة مختصرة في ((منزلة الزكاة في الإسلام )) بيَّنت فيها بإيجاز: مفهوم الزكاة: لغة، وشرعاً، وأنواعها، ومكانة الزكاة في الإسلام، وعِظم شأنها، وفوائدها، وحِكَمها، وحُكْمَها في الإسلام، وشروط وجوبها، وأحكام زكاة الدين، وأنواعه، وختمت ذلك بمسائل مهمة في الزكاة.

وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رفع الله درجاته، ونوَّر ضريحه، ورحمه رحمة واسعة.

واللهَ أسأل أن يجعل هذه الرسالة مباركة، خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفعني بها في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع بها كلَّ من اطّلع عليها، أو قرأها، أو نشرها، أو أعان على الاستفادة منها؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

المؤلف: أبو عبد الرحمن

حرر ليلة الإثنين 7/3/1425هـ

 المبحث الأول: مفهوم الزكاة: لغة، وشرعاً

الزكاة لغة: أصل الزكاة في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث( ).

والزكاة لغة أيضاً: النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد( )، وجمع الزكاة: زكوات( ).

والزكاة أيضاً: الصلاح، قال الله تعالى: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَـهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ( ). قيل: صلاحاً، وقيل: خيراً منه عملاً صالحاً. وقال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ

أَبَداً( ). أي ما صلح منكم، وَلَكِنَّ الله يُزَكِّي مَنْ يَشَاء ( ). أي يصلح من يشاء، وقيل لما يُخرج من المال للمساكين ونحوهم: ((زكاةٌ))؛ لأنه تطهير للمال, وتثمير له, وإصلاح, ونماء بالإخلاف من الله تعالى, فالزكاة طهرة للأموال, وزكاة الفطر طهرة للأبدان( ).

والزكاة أنواع ثلاثة على النحو الآتي:

النوع الأول: زكاة النفس، قال الله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْـهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ( ).

وتزكية النفس: تطهيرها من الشرك، والكفر، والنفاق، والذنوب والمعاصي، والأخلاق الذميمة.

النوع الثاني: زكاة البدن، وهي صدقة الفطر من شهر رمضان المبارك، وقد فرضها رسول الله   على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين، طهرة للصائم من اللغو والرفث: صاعاً من طعام، أو من برٍّ، أو تمر, أو شعير، أو أقط أو زبيب( ).

النوع الثالث: زكاة الأموال وهي ركن من أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة، وهي طهرة للأموال، والأنفس، وبركة في الأموال والأنفس( ).

والزكاة أيضاً تأتي بمعنى المدح، يقال: زكَّى نفسه إذا مدحها ووصفها وأثنى عليها,قال الله تعالى:فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ( ).

ويقال: زكَّى القاضي الشهود إذا مدحهم وعدَّلهم( ).

والخلاصة أن أصل مادة:((زكا)) الزيادة والنماء،وكل شيء زاد فقد زكا.

ولما كان الزرع لا ينمو إلا إذا خلص من الدغل كانت لفظة الزكاة تدل على الطهارة أيضاً.

وإذا وصف الأشخاص بالزكاة – بمعنى الصلاح – فذلك يرجع إلى زيادة الخير فيهم( ).

فالزكاة لغة: النماء والزيادة، والطهارة، والبركة( ).

الزكاة شرعاً: حقٌّ يجب في المال( ).

وقيل:حقٌّ واجب في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص( ).

وقيل: إنفاق جزء معلوم من المال النامي إذا بلغ نصاباً في مصارف مخصوصة( ).

وقيل: حصة من المال ونحوه يوجب الشرع بذلها للفقراء ونحوهم بشروط خاصة( ).

وقيل: عبارة عن إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالك مخصوص( ).

وقيل:نصيب مقدر شرعاً في مال معين يصرف لطائفة مخصوصة( ).

وقيل: التعبد لله تعالى بإخراج جزء واجب شرعاً، في مال معين، لطائفة أو جهة مخصوصة( ).

وقيل: حق يجب في أموال مخصوصة، على وجه مخصوص، ويعتبر في وجوبه الحول والنصاب( ).

وقيل: تمليك جزء من مال معين شرعاً من يستحقه من مسلم بشرط قطع المنفعة عن ذلك المال من كل وجه لله تعالى( ).

قال الإمام الشوكاني رحمه الله: ((الزكاة في اللغة: النماء، يقال: زكى الزرع إذا نما، وترد أيضاً بمعنى التطهير، وترد شرعاً باعتبارين معاً، أما بالأول؛ فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر يكثر بسببها، أو بمعنى أن تعلقها بالأموال ذات النماء: كالتجارة، والزراعة، وأما الثاني؛ فلأنها طهرة النفس من رذيلة البخل، وطهرة من الذنوب))( ).

وقيل: الزكاة شرعاً: حق واجب، في مال مخصوص لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص( ).

والتعريف الذي يشمل التعريفات المتقدمة كلها: أن يقال: الزكاة شرعاً: ((التعبد لله تعالى بإخراج حق واجب مخصوص شرعاً، من مال مخصوص، في وقت مخصوص، لطائفة مخصوصة، بشروط مخصوصة)). والله أعلم.

والزكاة الشرعية قد تسمى صدقة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( ). وقال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَـهُمْ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ( ). وقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْـمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْـمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ). وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله لما بعث معاذاً إلى اليمن بيَّن له فقال: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم))( ). وفي حديث جابر وأبي سعيد رضي الله عنهما عن النبي : ((ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة))( ).

والصدقة: هي العطية التي يُبتغى بها الثواب عند الله تعالى( ).

قال العلامة الراغب الأصفهاني – رحمه الله تعالى : ((الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب، وقد يسمى الواجب صدقة إذا تحرَّى صاحبها الصدق في فعله))( ).

فتبين بذلك أن لفظ الصدقة نوعان:

النوع الأول: صدقة تطلق على صدقة التطوع.

النوع الثاني: صدقة تطلق على صدقة الفرض، التي هي الزكاة( ).

والعطية: هي ما أعطاه الإنسان من ماله لغيره، سواء كان يريد بذلك وجه الله تعالى، أو يريد به التودد، أو غير ذلك، فهي أعم من الزكاة، والصدقة، والهبة، ونحو ذلك( ).

 المبحث الثاني: منزلة الزكاة في الإسلام

الزكاة فريضة عظيمة ومنزلتها من أعظم الأمور؛ لما يأتي:

1 – الزكاة: الركن الثالث من أركان الإسلام، فهي أحد مباني الإسلام؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)). وفي لفظ لمسلم: ((بني الإسلام على خمس: على أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان))( ).

2 – الزكاة: قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، فقد جمع الله بينها وبين الصلاة في مواضع كثيرة في كتابه الكريم، وهذا يدل على عظم مكانتها عند الله ، وعظم شأنها، قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( ).

وقال تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ( ).

وقال سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ).

وقال أثناء بيانه لخصال البر وصفات المتقين: وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالـمُْوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا( ).

وقال تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَـهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ).

وقال جل وعلا: أَلـَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَـهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ( ).

وقال تعالى أثناء بيانه لصفات الراسخين في العلم والمؤمنين: وَالـْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْـمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْـمُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً( ).

وقال سبحانه: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ( ).

وقال :الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ( ).

وقال تبارك وتعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ( ).

وقال جل وعلا: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ( ).

وقال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ( ).

وقال سبحانه أثناء ذكره لصفات المؤمنين: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ( ).

وقال سبحانه في قول عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ( ).

وقال في مدح إسماعيل عليه الصلاة والسلام: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ( ).

وقال تبارك وتعالى في سورة الأنبياء: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْـخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ( ).

وقال جل وعلا: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْـمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ( ).

وقال تعالى: النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِالله هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْـمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( ).

وقال سبحانه: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ( ).

وقال : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( ).

وقال : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( ).

وقال تبارك وتعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( ).

وقال جل وعلا: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ ( ).

وقال تعالى: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ( ).

وقال سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً ( ).

وقال : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( ).

وهذه الآيات السابقة قرنت بين الصلاة والزكاة ستًّا وعشرين مرة، كل مرة منها في آية واحدة، وتمام السابعة والعشرين مرة جاءت في سياق واحد مع الصلاة، وإن لم تكن معها في آية واحدة، هي قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْـمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ( ).

وذكرت الزكاة منفردة عن الصلاة في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم هي قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ( ).

وقوله تعالى: وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ الله وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُضْعِفُونَ ( ).

وقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( ).

فهذه ثلاثون مرة ذكرت فيها الزكاة في القرآن الكريم( ).

وقد جاءت كلمة الصدقة والصدقات في القرآن الكريم اثنتا

عشرة مرة( ) منها قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ

وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ( ).

وقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْـمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْـمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ( ).

وقد جاءت الزكاة في القرآن بألفاظ غير ألفاظ الزكاة والصدقة كقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِـهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْـمَحْرُومِ( ).

وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ( ).

وقوله تعالى: وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْـمِسْكِينِ ( ).

وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على أهمية الزكاة وعظم منزلتها في الإسلام.

3 – اعتنت سنة النبي بالزكاة عناية دقيقة فائقة، وهذا يدل على علو شأن الزكاة ومنزلتها العظيمة في الإسلام، فقد جاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في العناية بالزكاة، والأمر بإخراجها, وبيان وجوبها، وإثم تاركها, وقتال من منعها، وبيان أصناف الأموال الزكوية: من بهيمة الأنعام، والذهب والفضة، وعروض التجارة، والخارج من الأرض: كالثمار، والحبوب وغير ذلك: كالمعدن والركاز، وأوضحت النصب ومقاديرها، وبينت السنة أحكام الزكاة بالتفصيل، وكذلك اعتنت السنة المطهرة ببيان أصناف أهل الزكاة الثمانية، وقد ذكر الإمام ابن الأثير أكثر من مائة وعشرة أحاديث في الزكاة( )، وهي أكثر من ذلك في المصنفات الحديثية، وهذا كله يدل على عظم شأن الزكاة وعلو منزلتها في الإسلام.

4 – لعظم شأن الزكاة ذكرها الله تعالى في شرائع من كان قبلنا، فقال حينما تكلم عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْـخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ( ). وقال : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ( ). وغير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها آنفاً، منها قوله تعالى في قول عيسى: وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا( ).

5 –  مدح الله القائمين بها في آيات كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا*وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا( ).

وقال : رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ( ). وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

6 – ذم الله تعالى التاركين لها، فقال : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ( ).

7 – تارك إطعام المساكين من المجرمين؛ لقول الله تعالى: كلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ*إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ*فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ*عَنِ الـْمُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لـَمْ نَكُ مِنَ الْـمُصَلِّينَ* وَلَـمْ نَكُ نُطْعِمُ الْـمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْـخَـائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين( ).

8 – أداء الزكاة من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار، وقد ذكرتُ أدلة ذلك في فوائد الزكاة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

9- لعظم مكانة الزكاة شرعها الله تعالى زكاة مطلقة بدون أنصباء مُحدَّدة منذ العهد المكي ورغب فيها؛ لقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْـمُسْرِفِينَ( ).

وذم الله تعالى من لم يحض على طعام المسكين، فبين أن عدم الحض على طعام المسكين من أسباب العذاب، فقال تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْـجَحِيمَ صَلُّوهُ*ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ*إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ* وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الـْمِسْكِينِ( ).

وقال تعالى: كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْـمِسْكِينِ( ).

وبيَّن أن من أسباب دخول الجنة العناية بالسائل والمحروم، فقال تعالى في أوصاف أهل الجنة: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ* كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ* وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَفِي أَمْوَالِـهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالـْمَحْرُومِ( ).

وبيَّن تعالى أن من صفات المؤمنين أن في أموالهم حقًّا معلوماً للسائل والمحروم، فقال سبحانه: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْـخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْـمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِـهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ( ).

وفي سورة الروم يأمر تعالى بأداء حق القريب والمسكين، وابن السبيل: فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْـمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ( ).

وقال تعالى في سورة النمل وهي مكية: طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ* هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ( ).

وقال سبحانه في مطلع سورة لقمان: الم* تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْـحَكِيمِ* هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ*الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ( ).

وغير ذلك من الآيات في العهد المكي( ).

والزكاة في العهد المكي زكاة مطلقة من القيود والشروط, والحدود, والأنصباء.

أما الزكاة التي فرضت في المدينة: فهي الزكاة ذات النصب والمقادير الخاصة، والشروط، قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى – عند تفسير قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا( ). ((أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا دليل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة، والله أعلم))( ). فالصواب أن الزكاة فرضت في أصح أقوال أهل العلم بمكة، ولكن تقدير الأنصبة والأموال الزكوية وأهل الزكاة نزلت بالمدينة( ).

10 – لعظم شأن الزكاة في الإسلام اعتنى الله بها, ففرضت في السنة الثانية للهجرة: الزكاة ذات النصب والمقادير، في المدينة، وبين أصناف أهل الزكاة، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير سورة المؤمنين عند قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ( ). ((الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً بمكة))( ). كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ( )( ).

11 – ويدل على علوِّ منزلة الزكاة أن من منعها يقاتل؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))( ). ولحديث أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله   واستُخلفَ أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه, وحسابه على الله تعالى)). فقال أبو بكر: والله! لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله   لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله! ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق)). وفي صحيح البخاري: أن أبا بكر قال: ((والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله   لقاتلتهم على منعها))( ).

12 – ومما يؤكد عظم منزلة الزكاة في الإسلام أن من جحد وجوبها كفر: إن كان مسلماً ناشئاً ببلاد الإسلام بين أهله فإنه يكون مرتدًّا تجري عليه أحكام المرتد, ويستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل؛ لأن أدلة وجوب الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا تكاد تخفى على من هذه حاله، فإذا جحدها لا يكون إلا لتكذيبه: الكتاب والسنة، وكفره بهما، أما من كان جاهلاً: إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار، فإنه يُعرَّف وجوبها, ولا يحكم بكفره حتى يعلم ثم يجحد وجوبها( ).

قال شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: ((... في حكم تارك الزكاة تفصيل، فإن كان تركها جحداً لوجوبها مع توافر شروط وجوبها عليه كفر بذلك إجماعاً, ولو زكَّى مادام جاحداً لوجوبها, أما إن تركها بخلاً أو تكاسلاً؛ فإنه يعتبر بذلك فاسقاً، قد ارتكب كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب))( ).

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - ((... من أنكر وجوبها فقد كفر إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، أو ناشىء في بادية بعيدة عن العلم وأهله فيعذر، ولكنه يعلَّم، وإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتدًّا، وأما من منعها بخلاً وتهاوناً ففيه خلاف بين أهل العلم:

فمنهم من قال: إنه يكفر، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد( ).

ومنهم من قال: إنه لا يكفر، وهذا هو الصحيح، ولكنه قد أتى كبيرة عظيمة، والدليل على أنه لا يكفر حديث أبي هريرة ، وفيه: أن النبي   ذكر عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة، ثم قال: ((... حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار))( ). وإذا كان يمكن أن يرى له سبيلاً إلى الجنة؛ فإنه ليس بكافر؛ لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة، ولكن على مانعها من الإثم العظيم ما ذكره الله تعالى...)) ( )( ).

13 – ولعظيم منزلة الزكاة جاءت النصوص من الكتاب والسنة في بيان عقوبة تاركها، مما تقشعر منه الجلود المسلمة، وتدمع له العيون المؤمنة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ( ).

وقال الله : وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لـَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لـَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيُرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار)) قيل: يا رسول الله: فالإبل؟ قال: ((ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها, إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاعٍ قرقر( ) أوفر ما كانت, لا يُفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها، وتعضُّه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رُدَّ عليه أخراها( ) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار)) قيل: يا رسول الله! فالبقر والغنم؟ قال: ((ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قرقر, لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاءُ( )، ولا جلحاءُ( ), ولا عضباءُ( ), تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها, كلما مرت عليه أولاها رُدّ عليه أخراها( ) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, حتى يُقضى بين العباد, فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار))( ).

وعن جابر بن عبدالله نحو حديث أبي هريرة السابق, وفيه: ((... ولا صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعاً أقرع, يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفرُّ منه, ويقال: هذا مالك الذي كنت تبخل به، فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه، فجعل يقضمها كما يقضم الفحل))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع( )، له زبيبتان( ) يطوقه يوم القيامة, ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالك, أنا كنزك)) ثم تلا هذه الآية: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لـَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لـَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( ). وفي لفظ: ((يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع, يفرُّ منه صاحبه ويطلبه, ويقول: أنا كنزك, قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه))( ).

وعن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي   وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: ((هم الأخسرون وربِّ الكعبة)) قال: فجئت حتى جلست فلم أتقارَّ( ) أن قمت, فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم؟ قال: ((هم الأكثرون أموالاً، إلا من قال: هكذا، وهكذا, وهكذا – من بين يديه, ومن خلفه, وعن يمينه, وعن شماله – وقليل ما هم, ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها, كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يُقضى بين الناس))( ).

14 – تعزير الإمام لمن تهاون بأداء الزكاة يدل على عِظَم منزلتها في الإسلام؛ لحديث معاوية بن حيدة , قال: سمعت رسول الله   يقول: ((في كل إبل سائمة: في كل أربعين ابنة لبون, لا تفرَّقُ إبلٌ عن حسابها

 ( ), من أعطاها مؤتجراً بها فله أجرها, ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله, عزمة( ) من عزمات ربنا , ليس لآل محمد منها شيء)). وفي لفظ النسائي: ((من أعطاها مؤتجراً( ) فله أجرها, ومن أبى فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا, لا يحل لآل محمد   منها شيء))( ).

فقوله : ((فإنا آخذوها)) استدل به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهراً( ).

واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أخذ نصف المال عقاباً لمانع الزكاة:

فمنهم من قال: يؤخذ نصف ماله مع أخذ الزكاة.

ومنهم من قال: يجعل ماله نصفين, ثم تؤخذ الزكاة من خير الشطرين.

ومنهم من قال: لا يعاقب بالمال, وإنما يعاقبه الإمام بما يراه, وهذا قول الجمهور( ).

 المبحث الثالث: فوائد الزكاة وحِكَمها

للزكاة فوائد عظيمة، وحِكمٌ كثيرة، منها ما يأتي:

1 – إتمام إسلام العبد؛ لأنها أحد أركان الإسلام، فإذا أدى العبد الزكاة المفروضة تم إسلامه وكمل، وهذا غاية عظيمة لكل مسلم, فكل مسلم مؤمن يسعى لإكمال دينه( ).

2 – حصول طاعة الله بتنفيذ أمره: رجاء ثوابه وخشية عذابه، وابتغاء رضوانه.

3 – تثبيت أواصر المحبة بين الغني والفقير؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.

4 – تطهير النفس وتزكيتها، والبعد بها عن خُلُق الشح والبخل، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا( ).

5 – تعويد المسلم على صفة الجود، والكرم، والعطف على ذوي الحاجات؛ والرحمة للفقراء.

6 – حفظ النفس عن الشح، قال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ( ).

7 – استجلاب البركة والزيادة والخلف من الله تعالى، كما قال : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( )؛ ولقول الله تعالى في الحديث القدسي عن أبي هريرة عن النبي   أنه قال: ((قال الله: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك))( ).

وعن أبي هريرة عن رسول الله   قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً))( )( ).

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قال رسول الله : ((انفحي أو انضحي، أو أنفقي( ) ولا تحصي فيحصي الله عليك( )، ولا توعي فيوعي الله عليك))( )، وفي لفظ البخاري: ((لا توكي فيوكي الله عليك))( ).

8 – برهان على صدق إسلام مخرجها؛ لحديث أبي مالك الأشعري ، وفيه: ((والصدقة برهان....)) ( ).

9 – تشرح الصدر، فالمسلم إذا أحسن إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال، وأنواع الإحسان انشرح صدره؛ فالكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي لا يحسن أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأكثرهم همًّا وغمًّا، لكن لا بد من العطاء بطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده( ).

10 – تُلحق المسلم بالمؤمن الكامل؛ لحديث أنس عن النبي   قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه – أو قال – لجاره ما يحب لنفسه))( ).

فكما أن المسلم يحب أن يبذل له المال الذي يسد به حاجته، فهو يحب أن يحصل لأخيه مثل ذلك، فيكون بذلك كامل الإيمان.

11 – من أسباب دخول الجنة؛ لحديث أبي مالك الأشعري عن رسول الله   قال: ((إن في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام))( ).

12 – تجعل المجتمع المسلم كالأسرة الواحدة، يرحم القوي القادر الضعيف العاجز، والغني يحسن إلى المعسر، فيشعر صاحب المال بوجوب الإحسان عليه كما أحسن الله إليه، قال الله تعالى: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ( ). فتصبح الأمة الإسلامية كأنها عائلة واحدة.

13 – تطفئ حرارة ثورة الفقراء؛لأن الفقير قد يغضب، لما يرى من تنعم الأغنياء،فإذا جاد الأغنياء على الفقراء كسروا ثورتهم وهدؤوا غضبهم.

14 – تمنع الجرائم المالية مثل: السرقات، والنهب، وما أشبه ذلك؛ لاستغناء الفقراء عن هذه الجرائم بإعطائهم الزكاة أو بالصدقة والإحسان إليهم.

15 – النجاة من حرِّ يوم القيامة؛ لحديث عقبة ابن عامر عن النبي   قال: ((كلُّ امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس)) أو قال: ((يحكم بين الناس))( ). وفي لفظ: ((إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته))( ). قال يزيد – أحد رواة الحديث: ((وكان أبو الخير – راوي الحديث عن عقبة – لا يخطئُه يومٌ إلا تصدق فيه بشيء، ولو كعكة، أو بصلة أو كذا))( ).

وقال النبي في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها, حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))( ).

16 – تعين المسلم على معرفة حدود الله والفقه في دينه تعالى؛ لأن المسلم لا يؤدي زكاته إلا بعد أن يعرف أحكامها، وأموالها، وأنصابها، ومستحقها، وإثم من منعها، وفضل من أداها، وغير ذلك مما تدعو الحاجة إليه.

17 – سبب لنزول الخيرات ودفع العقوبات؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما, وفيه: ((ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يمطروا...)) ( ).

18 – تطفئ الخطايا وتكفرها؛ لحديث معاذ , وفيه: ((والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار))( )( ).

19 – أداء الزكاة من شكر النعم، وشكر النعم سبب لزيادتها؛ لقول الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ( ).

20 – مضاعفة الأجر عند الله تعالى؛ لقول الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالـَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضَاعِفُ لـِمَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( ).

21 – وقاية صاحب المال من العذاب به؛ فإن الذي لا يؤدي زكاة ماله يعذب بماله في الآخرة، قال الله تعالى:  وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ( ).

22 – الزكاة تُحصِّن المال, ويحفظه الله تعالى بها( ).

23 – ذهاب شر المال ووباله؛ لحديث جابر قال رجل من القوم: يا رسول الله! أرأيت لو أدَّى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله : ((من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره))( )، ولفظ الحاكم:((إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره))( ).

24 – تطهير المال؛ لأن الزكاة تطهيرٌ للمال؛ لقول النبي : ((... إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس...)) ( )( ).

25 – وقاية المال من الفساد؛ لأن الزكاة ما خالطت مالاً إلا أفسدته( ). قيل في ذلك: لأن الحرام يهلك الحلال، وقيل: إذا أخذ الغني الزكاة أهلكت ماله؛ لأن الزكاة للفقراء( ).

26 – استعانة الفقير بما يأخذ من الزكاة على طاعة الله، ولولا ذلك لاشتغل قلبه بالهموم شغلاً يمنعه من العبادة، بل ربما يوقعه ذلك في شك من ضمان الله تعالى الرزق له ولكل مخلوق، والزكاة تزكي الفقراء والمساكين بسد حاجاتهم، وإغنائهم عن ذل السؤال، والتطلع إلى ما في أيدي الخلق.

27 – ترغيب الفقير في فعل الخيرات والإحسان إلى من دونه؛ لما يرى من إحسان الغني إليه.

28 – تحقيق أهم عناصر التمكين في الأرض والنصر على الأعداء، قال الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْـمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْـمُنْكَرِ وَلِله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ( ).

29 – يزيد الله تعالى من أدى الزكاة طيبة بها نفسه هُدىً وإيماناً، قال الله تعالى: وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً( ). وقال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ( ).

وقال في طاعة النبي   في الأمر والابتعاد عن النهي، ومن ذلك طاعته   في الزكاة: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ( ).

30 – شهد الله تعالى للمنفقين بالهدى والفلاح، قال الله : ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ*أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ( ). فأداء الزكاة من أعظم صفات أهل التقوى الذين ينتفعون بالقرآن.

31 – أداء الزكاة والصدقة من أعظم قضاء الحوائج وتفريج الكربات والستر في الدنيا ويوم القيامة؛ لما فيها من قضاء حاجات المحتاجين، وتفريج كربات المكروبين، والستر على المعسرين؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه...))( )؛ ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما, وفيه: ((ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة))( ).

32 – أداء الزكاة أو الصدقة إلى الضعفاء الفقراء من أسباب النصر والرزق؛لحديث سعد عن النبي   أنه قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟)) ( )؛ ولحديث أنس بن مالك ، قال: كان أخوان على عهد النبي ، فكان أحدهما يأتي النبي ، والآخر يحترف, فشكى المحترف أخاه إلى النبي , فقال: ((لعلك تُرزق به))( ).

33 – المتصدق ابتغاء مرضاة الله تعالى يفوز بثناء الله تعالى, وما وعد به المتصدقين من الأجر العظيم، وانتفاء الخوف والحزن، قال الله :

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَـهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ).

34 – من أعظم أسباب رحمة الله تعالى للعبد في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ( ).

وقال الله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ( ). وقال النبي : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))( ). وقال : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))( ). وقال : ((لا تنزع الرحمة إلا من شقي))( ). وقال : ((إن أبعد الناس من الله القلب القاسي))( ).

35 – وعد الله تعالى المؤمنين المتصدقين بالجنة وما فيها من النعيم المقيم، والرضوان العظيم، قال الله تعالى: وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ*وَعَدَ الله الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ الله أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ). ووعد الله بالفلاح والفردوس لمن قام بأداء الزكاة مع الصفات الجميلة الأخرى, قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ( ). إلى قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ).

36-أداء الزكاة من أعظم أنواع الإحسان, وقد أخبر الله تعالى عن نفسه بما يرغب كل من عرف فضل الإحسان بالإحسان؛ لعظم شأنه عند الله ، قال الله تعالى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الـْمُحْسِنِينَ( ). وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الـْمُتَصَدِّقِينَ( ). وقال : إِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْـمُحْسِنِينَ ( ).

37- في إعطاء العاملين على الزكاة منها- إذا لم يكن لهم مرتب أو أجرة من بيت المال- كفاية لهم ولأسرهم مدة قيامهم بجبايتها من الناس وصرفها  لمستحقيها، وفي إعطائهم منها : إعانة لهم على الخير وتشجيعهم على الاستمرار على هذا العمل؛ ليعينوا إخوانهم الأغنياء على إخراج الزكاة الواجبة عليهم، ويعينوا إخوانهم الفقراء في إيصالهم ما فرض الله لهم، وتحصيل حقوقهم دون أن تتطلع نفوس العاملين عليها إلى الخيانة فيها وسوء التصرف فيها.

38- في إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم: ترغيبهم في الإسلام، وتحبيبه إليهم، وتقوية ما في قلوبهم من الإيمان، أو كف شرهم عن المسلمين، وإيصال الدعوة إلى من لديهم من المستضعفين.

39- في إعطاء الغارمين الزكاة نوع من التخفيف عنهم من همِّ الديون بالليل وتحريرهم من ذلها بالنهار؛ فإن الدين همٌّ على المؤمن بالليل وذلٌّ بالنهار.

40- تجهيز المقاتلين في سبيل الله تعالى، وإعداد ما يلزم من العدد والعتاد، لقتال أعداء الإسلام، ونشر الإسلام بين الأمم والدفاع عن الإسلام وديار المسلمين، وكف الظلم، ودفع العدوان، وقطع دابر الكافرين حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ( ). فتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

41- مساعدة المسلم المسافر إذا انقطع من النفقة في طريقه لنفاد نفقته أو سرقة أو ضياع، ولم يجد ما يكفيه لمؤنة سفره، ففي إعطائه الزكاة إحسان إليه، ومواساة له في حال غربته، فيعطى من الزكاة ما يسد حاجته حتى يعود إلى بلاده( ).

42- في إعطاء الزكاة في تحرير الرقاب تحرير للرقيق الذي أذله الرق، فيكون بأخذه للزكاة أو إعتاقه منها حرًّا عبداً لله ، يقوم بعبادة الله ، وهو على كمال في الحرية من ملك العباد وتفريغه لعبادة رب العباد.

43- يترتب على أداء الزكاة الأجر العظيم، قال الله تعالى: يَمْحَقُ الله الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ( ).

وقال : وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ الله وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُضْعِفُونَ ( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب, ولا يقبل الله إلا الطيب))، [وفي لفظ ((فإن الله يتقبَّلُها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوَّه( ), حتى تكون مثل الجبل])) ( ).

 المبحث الرابع: حكم الزكاة في الإسلام

الزكاة: واجبة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على كل مسلم، حر، مالك لنصابٍ، مستقرٍّ، مضى عليه الحول في غير المعشر( ).

أما الكتاب، فلقول الله تعالى: وَآَتُوا الزَّكَاةَ( ). وفي آيات كثيرة أمر الله فيها بأداء الزكاة.

وأما السنة ؛ فلحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي بعث معاذاً إلى اليمن فقال:((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). وفي لفظ:((إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله , فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم...)) ( ).

وأما الإجماع: فأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوب الزكاة إذا اكتملت الشروط، واتفق الصحابة على قتال مانعيها( ).

 المبحث الخامس:شروط وجوب الزكاة خمسة على النحو الآتي:

الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر، فلا تؤخذ الزكاة من الكافر ولا تقبل منه، سواء كان كافراً أصليًّا أو مرتدًّا؛ لأن الزكاة من فروع الإسلام، قال الله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ( ).

ومما يدل على أن الإسلام شرط لوجوب الزكاة قول النبي   لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن: ((إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...))( ). فجعل الإسلام شرطاً لوجوب الزكاة( ).

والزكاة طهرة للمسلم، قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ( ). أما الكافر فهو نجس لا يطهر إلا بالدخول في الإسلام( ).

والكافر لا تقبل منه الزكاة، ولا تؤخذ منه، ويحاسب عليها يوم القيامة، قال الله تعالى عن المجرمين: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لـَمْ نَكُ مِنَ الْـمُصَلِّينَ*وَلَـمْ نَكُ نُطْعِمُ الْـمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْـخَائِضِينَ( ).

فلولا أنهم عوقبوا على ترك الصلاة وإطعام المسكين ما ذكروا ذلك سبباً في دخولهم النار( )

وهذا يدل على أن الكفار يعاقبون ويعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام( ).

الشرط الثاني: الحرية, وضدها الرق, فلا تجب الزكاة على رقيق – وهو العبد المملوك؛ لأنه لا يملك شيئاً؛ لأن المال الذي بيده لسيده؛ لحديث عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله   يقول: ((من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبَّر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع, ومن ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع))( ). ولا تجب على مكاتب؛ لأنه عبد؛ ولأن ملكه غير تام, فهو كالعبد؛ لحديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي قال: ((المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم))( )( ).

الشرط الثالث: مِلْكُ نصاب؛ لحديث أبي سعيد الخدري عن النبي   قال:((ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة، ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ صدقة))( ). فإذا ملك المسلم نصاباً اعتبر من الأغنياء؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي   قال لمعاذ حينما بعثه إلى اليمن:((... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...)) ( ). وملك النصاب يختلف باختلاف الأموال، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فلا زكاة عليه حتى يبلغ ماله النصاب الذي قدره الشرع، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك عند الكلام عن أصناف الأموال الزكوية( ).

الشرط الرابع: استقرار الملك، بأن يكون المالك للشيء يملكه مِلكاً مستقرًّا( )، ويعبر عن هذا الشرط أيضاً: بــ((تمام الملك))( ) أو ((الملك التام))( )، ومعنى تمام الملك: أن لا يتعلق به حق غيره بحيث يكون له التصرف فيه( ).

فلا زكاة على السيد في دين الكتابة، لعدم استقراره؛ ولنقصان الملك فيه( )، فإن السيد إذا باع مملوكه بدراهم على نفسه وبقيت عند مملوكه المكاتب سنة فلا زكاة فيها؛ لأن العبد يملك تعجيز نفسه فيقول: لا أستطيع أن أوفي. وإذا كان لا يستطيع أن يؤدي ما عليه فإنه يسقط عنه المال الذي اشترى نفسه به، فيكون الدين حينئذ غير مستقر( ).

ولا زكاة في الوقف على غير معين، كالوقوف على فقراء، أو على المساجد، أو المجاهدين، أو المدارس أو غير ذلك من وجوه البر( ). أما الوقف على معين ففيه الزكاة، كعلى بني فلان( ) ( ).

وكذلك الحبوب والثمار إذا بدا صلاحها وجبت فيها الزكاة، ولكن لا يستقر الوجوب إلا بالتمكن منها, فما دامت على رؤوس الشجر أو على رؤوس الزرع فإنه لا يتمكن منها تمكناً تامًّا حتى يحصد الزرع ويؤويه إلى الجرين، وحتى يجذ النخل، فلو أصابت الزرع أو النخل آفة قبل الحصاد والجذاذ وتلف المحصول من غير تفريط من صاحبه فإنه لا تجب عليه الزكاة؛ لأن ملكه لم يستقر عليه بعد( )  والله تعالى أعلم( ).

الشرط الخامس: مضي الحول في غير المعشر؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))( )؛ ولحديث علي وفيه: ((وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول))( )، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : ((من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه))( ). والمعنى أنه لا زكاة في مال حتى يمر عليه اثنا عشر شهراً من حين تملكه( ).   والحول يشترط لوجوب الزكاة في ثلاثة أموال: السائمة من بهيمة الأنعام، والأثمان: من الذهب والفضة، وقيم عروض التجارة( ).

ويستثنى أشياء لا يشترط لها تمام الحول, وهي على النحو الآتي:

الأول: المعشر، وهو الأموال التي يجب فيها العشر أو نصفه، وهي الحبوب والثمار؛ لأن الخارج من الأرض تجب الزكاة فيه عند حصاده, ولو لم تمر عليه سنة؛ لقول الله تعالى: وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ( ).

الثاني: نتاج السائمة أي أولادها؛ لأن حول أولاد السائمة –من بهيمة الأنعام- حول أمهاتها, فتزكى مع أمهاتها إن كانت الأمهات بلغت نصاباً، وإن كانت الأمهات لم تبلغ نصاباً, فبداية الحول من كمال النصاب بالنتاج، ومثال ذلك رجل عنده أربعون شاة فولدت كل واحدة ثلاثة إلا واحدة ولدت أربعة فأصبحت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، مع أن النتاج لم يحل عليه الحول؛ ولكنه تبع الأصل.

الثالث: ربح التجارة حوله حول رأس المال، فلو ملك نصاباً من النقود واتجر به وربح فإنه يزكي الجميع: رأس المال والربح حتى لو لم يربح هذا الربح، إلا في آخر السنة، فإنه يزكيه مع رأس المال.

أما إذا كان رأس المال دون النصاب ثم ربح فإن بداية الحول من كمال النصاب( ).

الرابع: الركاز، وهو ما يوجد من دفن الجاهلية؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً وفيه: ((... وفي الركاز الخمس))( )، فبمجرد وجوده ففيه الخمس؛ ولأن وجوده يشبه الثمار والحبوب الخارجة من الأرض، تجب الزكاة فيها من حين الحصول عليها عند الحصاد( ).

الخامس: المعدن، وهو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة: كالحديد، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والسُّبَح، والكحل، والزاج- الكبريتات- والقار، والنفط، وغير ذلك مما يسمى معدناً, فإذا وجد الإنسان معدناً يبلغ نصاباً, فيجب أداء زكاته فوراً من حين العثور عليه, ولا يعتبر له الحول؛ لأنه كالزروع والثمار، والركاز، ولا تخرج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته، والمعدن أشبه بالثمار من غيرها، وزكاته ربع العشر( )( ). قال الإمام الخرقي رحمه الله:((وإذا أخرج من المعادن من الذهب عشرين مثقالاً أو من الورق مائتي درهم، أو قيمة ذلك من الزئبق، والرصاص، والصُّفر أو غير ذلك مما يستخرج من الأرض فعليه الزكاة من وقته))( ). والله تعالى أعلم( ).

وينقطع الحول بأمور على النحو الآتي:

الأول: إذا نقص النصاب أثناء الحول قبل تمامه انقطع الحول ومثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة وقبل تمام الحول نقصت واحدة فلا زكاة في الباقي؛ لقوله : ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))( )؛ ولأن وجود النصاب في جميع الحول شرط لوجوب الزكاة.

الثاني: إذا باع النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فراراً من الزكاة انقطع الحول، إلا في عروض التجارة، ومثال ذلك: رجل يملك أربعين شاة سائمة وقبل تمام الحول باعها بدراهم لا فراراً من الزكاة، وهذه الأغنام لا يقصد بها عروض التجارة، ففي هذه الحالة ينقطع الحول.

الثالث: إذا أبدل النصاب بغير جنسه أثناء الحول لا فراراً من الزكاة انقطع الحول، مثال ذلك: رجل عنده أربعون من الغنم أبدلها ببقر، أو أبدلها بإبل، فإن الحول ينقطع, ويبدأ من أول الحول في البقر أو الإبل.

ولا شك أن هذا يدخل في بيع النصاب؛ لأن تعريف البيع ينطبق عليه؛ فإن البيع هو مبادلة مال ولو في الذمة بمثل أحدهما.

أما إذا باعه أو أبدله بجنسه؛ فإن الحول لا ينقطع، مثال ذلك: رجل باع ذهباً بذهب، أو فضة بفضة أو غير ذلك من جنسه، أو أبدل أربعين شاة بأربعين شاة، فإن الحول لا ينقطع؛ لأنه أبدله بجنسه، أما إذا فعل شيئاً من ذلك فراراً من الزكاة، فإن الحول لا ينقطع( ).

قال الإمام الخرقي-رحمه الله تعالى-:((وإذا باع ماشية قبل الحول بمثلها زكَّاها إذا تم حول من وقت مِلكِهِ الأول))( ).

قال الإمام ابن قدامة-رحمه الله-:((وجملته أنه إذا باع نصاباً للزكاة مما يعتبر فيه الحول بجنسه: كالإبل بالإبل، أو البقر بالبقر، أو الغنم بالغنم، أو الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، لم ينقطع الحول, وبنى حول الثاني على حول الأول، وبهذا قال مالك( )... ووافقنا أبو حنيفة في الأثمان( )... قال أحمد بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يكون عنده غنم سائمة, فيبيعها بضعفها من الغنم: أعليه أن يزكيها كلها أم يعطي زكاة الأصل؟ قال: بل يزكيها كلها، على حديث عمر في السخلة يروح بها الراعي( )؛ لأن نماءها معها قلت: فإن كانت للتجارة، قال يزكيها كلها على حديث حماس( ). فأما إن باع النصاب بدون النصاب انقطع الحول، وإن كان عنده مئتان فباعها بمائة فعليه زكاة مئة واحدة))( )

قال الخرقي رحمه الله: ((... وكذلك إن أبدل عشرين ديناراً بمائتي درهم أو مائتي درهم بعشرين ديناراً لم تبطل الزكاة بانتقالها( ))), قال ابن قدامة رحمه الله: ((وجملة ذلك أنه متى أبدل نصاباً من غير جنسه انقطع حول الزكاة واستأنف حولاً( ) إلا الذهب بالفضة أو عروض التجارة؛ لكون الذهب والفضة كالمال الواحد, إذ هما أروش الجنايات, وقيم المتلفات, ويضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة, وكذلك إذا اشترى عرضاً للتجارة بنصاب من الأثمان( ), أو باع عرضاً بنصاب لم ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تجب في قيمة العروض لا في نفسها, والقيمة هي الأثمان( ) فكانا جنساً واحداً, وإذا قلنا: إن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى صاحبه لم يُبْنَ حول أحدهما على حول الآخر؛ لأنهما مالان لا يضم أحدهما إلى الآخر؛ فلم يُبنَ حولُه على حولِه: كالجنسين من الماشية( ), وأما عروض التجارة؛ فإن حولها يُبنى على حول الأثمان بكل حال))( ) ، والله تعالى أعلم( ).

أما حول عروض التجارة فلا ينقطع الحول بالمبادلة أو البيع, إذا اشترى عرضاً لتجارة بنقد أو باعه به بنى على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في قيم العروض, وهي من جنس النقد, وحتى الإبل والبقر والغنم إذا قصد بها التجارة: فإنه يزكيها زكاة العروض, ولا ينقطع الحول إذا كانت من عروض التجارة, سواء باعها بجنسها أو غير جنسها, إذا كانت من عروض التجارة( ).

قال الإمام البغوي رحمه الله: ((أما حول عروض التجارة فلا ينقطع بالمبادلة؛ لأن زكاة التجارة تجب في القيمة, والقيمة باقية في ملكه وقت المبادلة؛ لأن ملكه لا يزول عن أحدهما إلا ويملك الآخر))( ). وإذا حصل ربح في التجارة فحول الربح يبنى على حول الأصل, وكذا إذا ارتفع سعر التجارة فإن الزكاة تجب في جميع القيمة, وإن نقص سعر التجارة زكى القيمة الحاضرة( ).

 المبحث السادس: زكاة الدين على النحو الآتي

          1 – الصواب من أقوال أهل العلم أن الدين الذي ينقص النصاب لا يمنع الزكاة, ومثاله: رجل يملك عشرة آلاف ريال حال عليها الحول, وعليه دينٌ يبلغ خمسة آلاف ريال, فعليه زكاة العشرة إلا أن يقضي الدين قبل أن يحول عليه الحول, فليس عليه زكاة إلا في الباقي بعد الدين, وكذلك لو كان عليه دين يستغرق النصاب أو يزيد عليه فعليه زكاة المال الذي يحول عليه الحول وهو عنده, ومثال ذلك: رجل عليه دين ثلاثون ألفاً وعنده خمسة وعشرون ألفاً دار عليها الحول, إنه يزكي كل ما دار عليه الحول، وإن كان صادقاً فليقضِ الدين قبل أن يحول الحول؛ لأن النبي كان يأمر عماله بأخذ الزكاة ممن عليه زكاة, ولم يأمرهم أن يسألوهم:

هل عليهم دين أم لا؟ ولو كان الدين يمنع الزكاة؛ لأمر النبي عماله أن يستفسروا من أهل الزكاة: هل عليهم دين؟ ( ), وهو قول ربيعة, وحماد بن أبي سليمان, والشافعي في جديد قوليه؛ لأن المالك حر مسلم, ملك نصاباً حولاً  فوجبت عليه الزكاة كمن لا دين عليه( ).والله تعالى أعلم( ).

2 – زكاة الدين على نوعين:

النوع الأول: دينٌ على مليء مُعترفٍ به باذلٍ له, فعلى صاحبه زكاته كل سنة, كلما حال عليه الحول, كأنه عنده وهو عند المدين كالأمانات, واختار هذا القول شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله( ), وهو قول عثمان, وابن عمر, وجابر , وطاوس, والنخعي, وجابر بن زيد, والحسن, وميمون ابن مهران, والزهري, وقتادة, وحماد بن أبي سليمان, والشافعي, وإسحاق, وأبي عبيد, قالوا: عليه إخراج الزكاة في الحال, وإن لم يقبضه؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه, فلزمه إخراج زكاته كالوديعة( ), وهذا هو الراجح إن شاءالله تعالى( ).

النوع الثاني: أن يكون الدين على معسر, أو جاحد, أو مماطل, فالصحيح من أقوال العلماء أنه لا يلزم صاحب الدين أداء الزكاة عنه حتى يقبضه من هذا المعسر أو المماطل, فإذا قبضه استقبل به حولاً جديداً, فإذا حال الحول زكاه, ولا تلزمه زكاته إذا قبضه إلا بعد حول كامل على الصحيح، ولو زكاه بعد قبضه عن سنة واحدة كان أحسن وفيه احتياط, لكن لا يلزمه ذلك, وهذا اختيار شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز رحمه الله تعالى( )، والله تعالى أعلم.

3 – حكم إسقاط الدين من الزكاة:

لا يجوز إسقاط الدين من الزكاة؛ لأن الواجب إنظار المعسر, حتى يسهل الله له القضاء؛ ولأن الزكاة إيتاء وإعطاء, وبذل للمال لمستحقه وليست إبراء من الديون, وإسقاط الدين عن المعسر ليس إيتاء ولا إعطاء, وإنما هو إبراء؛ ولأنه يقصد من ذلك وقاية المال لا مواساة الفقراء( ).

 المبحث السابع: مسائل مهمة في الزكاة

المسألة الأولى: تجب الزكاة في عين المال( ) ولها تعلق بالذمة: كالذهب, والفضة, والإبل, والبقر, والغنم السائمة, والحبوب, والثمار بخلاف عروض التجارة تجب في ذمة المزكي, والدليل على وجوبها في عين المال؛ قول النبي : ((... وفي الغنم في كل أربعين شاة...))( ), وقوله في زكاة الحبوب والثمار: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر))( ). وقوله في زكاة الإبل: ((... فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى...))( ). وقوله في زكاة البقر: ((... وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة))( ). وقوله في زكاة الذهب والفضة: ((... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء – يعني في الذهب – حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار...)) ( ).

وهذا معنى كون الزكاة تجب في عين المال: أي يجب إخراج الزكاة من نفس المال؛ لكن لها تعلق بالذمة: يعني لو تلف المال بعد وجوب الزكاة فيه وهذا المال مستقر في ملكه فإن تلفه لا يسقط عنه الزكاة؛ لأنها صارت ديناً في ذمته؛ لأنه عندما تم الحول كان عليه أن يبادر بإخراجها ولكنه تأخر.

أما عروض التجارة فتجب زكاتها في الذمة( ).

المسألة الثانية: لا يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء؛ لقول النبي : ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))( ). فمفهوم الحديث وجوب الزكاة عند تمام الحول؛ ولأن هذه عبادة فلا يشترط لوجوبها إمكان الأداء، كسائر العبادات؛ فالصوم يجب على الحائض، والمريض العاجز عن أدائه، والصلاة تجب على المغمى عليه، والنائم، والحج يجب على من أيسر في وقت لا يتمكن من الحج فيه، أو منعه من المضي مانع( )، فتجب الزكاة في المال الغائب وفي الدين، فكون المالك ليس متمكناً من إخراج الزكاة؛ لغيبة ماله أو كونه ديناً لا يسوغ ذلك إسقاط الزكاة عنه( ).

المسألة الثالثة: لا يعتبر في وجوب الزكاة بقاء المال، فالزكاة لا تسقط بتلف المال على الصحيح إذا تعدى أو فرط, أما إذا لم يتعدَّ ولم يفرط فإنها تسقط بتلف المال على الصحيح، ومعنى التفريط: أن يتمكن من إخراجها فلا يخرجها, وإن لم يتمكن من إخراجها فليس بمفرط, سواء كان ذلك لعدم المستحق؛ أو لبعد المال عنه؛ أو لكون الفرض لا يوجد في المال, ويحتاج إلى شرائه فلم يجد ما يشتري به، أو كان في طلب الشراء، أو نحو ذلك( )، والله تعالى أعلم( ).

المسألة الرابعة: الزكاة كالدين في التركة، فلا تسقط بموت صاحب المال، وتخرج من ماله وإن لم يوصِ بها؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة جاءت إلى النبي فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنتِ قاضيته؟)) قالت: نعم. قال: ((اقضوا الله، فالله أحقُّ بالوفاء))( ). وفي لفظ: ((فاقضوا الله الذي له, فإن الله أحق بالوفاء))( ). وفي رواية: أن رجلاً قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال: ((فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء))( ).

وإذا وجبت الزكاة على الميت وعليه دين برهن وضاق المال قُدِّم الدين برهن، فإن كان عليه  دين بدون رهن وضاق المال قسم المال بالحصص بين دين الله ودين الآدمي على القول الراجح( )، والله أعلم( ).

المسألة الخامسة: تجب الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه والتمكن منه؛ لأن الأمر بالزكاة يقتضي الفور؛ ولذلك يستحق المؤخِّرُ للامتثال العقابَ، ولو أن رجلاً أمر مملوكه أن يسقيه فتأخر ولم يستجب على الفور استحق العقوبة، ولله المثل الأعلى؛ ولأن التأخير ينافي الوجوب؛ لكون الواجب ما يستحق العقاب صاحبه على تركه؛ ولأن الزكاة وجبت لحاجة الفقراء ونحوهم وهي ناجزة فيجب أن يكون الوجوب ناجزاً، فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحقُّ بها من ذوي القرابة، أو ذوي الحاجة الشديدة جاز إذا كان وقتاً يسيراً وإن كان كثيراً لم يجز، لكن لو عجلها إليهم قبل نهاية الحول جاز، فإن أخرج الزكاة فلم يدفعها إلى الفقير حتى ضاعت لم تسقط عنه الزكاة؛ لأن الزكاة حق متعين على رب المال تلف قبل وصوله إلى مستحقه فلم يبرأ منه بذلك كدين الآدمي( )( ).

المسألة السادسة: شروط صحة الزكاة: النية والمتابعة:

1 – النية: لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية، والنية نيتان:

أ – نية المعمول له وهو الله تعالى،وهي نية الإخلاص لله تعالى،بحيث يقصد بذلك وجه الله تعالى،قال الله تعالى:وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( ).

وقال النبي : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))( ).

ب – نية العمل وهي تمييز العبادات بعضها عن بعض، ومن العبادات العظيمة أداء الزكاة، فتجب النية في أداء الزكاة؛ للحديث السابق؛ لأن الزكاة عمل؛ ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل فافتقرت إلى النية، كالصلاة، والنية في أداء الزكاة: أن يعتقد أنها زكاته أو زكاة من يخرج عنه: كالصبي والمجنون، ومحلها القلب؛ لأن محل العبادات كلها القلب( ).

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ((النية في إخراج الزكاة على أربعة أقسام:

الأول: أن تكون شرطاً من المالك فقط، وذلك فيما إذا فرقها مالكها المكلف بنفسه.

الثاني: أن تكون شرطاً من غيره فقط وذلك فيما إذا كان المالك غير مكلف، فينوي إخراجها وليه في ماله.

الثالث: أن تكون شرطاً من المالك ومن غيره، وذلك فيما إذا وَكَّل في إخراجها وبعد الزمن فتشترط من الوكيل أيضاً عند دفعها للفقير.

الرابع: أن لا تشترط النية أصلاً وذلك في ثلاث صور.

الأولى: إذا تعذَّر الوصول إلى المالك بحبس أو غيره فأخذها الإمام أو الساعي، وتجزئ ظاهراً وباطناً.

الثانية: إذا امتنع المالك من أدائها فأخذها الإمام أو الساعي قهراً، فتجزئ ظاهراً لا باطناً.

الثالثة: إذا غيّب ماله فأخذها الإمام أو الساعي بعد العثور عليه، وتجزئ ظاهراً لا باطناً))( ).

2 – المتابعة للنبي ؛ لأن العبادات توقيفية؛ لقول النبي : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))( ). وفي رواية: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))( )( ).

المسألة السابعة: وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون، فلا يشترط البلوغ والعقل في وجوب الزكاة على الصحيح، فإذا تمت الشروط لوجوب الزكاة: من الإسلام، والحرية، وملك نصاب، واستقراره، ومضي الحول وجبت الزكاة في المال، ومنه مال الصبي والمجنون؛ لأن البلوغ والعقل ليسا من شروط وجوب الزكاة، فلا يشترط البلوغ ولا العقل؛ لعموم الأدلة في وجوب الزكاة كقوله تعالى:خُذْ مِنْ أَمْوَالِـهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ( )؛ وقوله : ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة, تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم...)) ( ).

وقد جاءت الروايات عن خمسة من أصحاب النبي أنهم كانوا يزكون مال اليتيم، وهم: عمر بن الخطاب ( )، وعلي بن أبي طالب ( )، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما( )، وجابر ( )، وعائشة رضي الله عنها( ).

والصواب إن شاء الله تعالى وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون يخرجها الوكيل، وينوي بها الزكاة عنهم من أموالهم( ).

وأما صدقة التطوع فلا يجوز التصدق من مال اليتيم والمجنون؛ لأن الصدقة محض تبرع لا تنشغل الذمة بتركها, أما الزكاة فهي فريضة تنشغل الذمة بتركها( ).

المسألة الثامنة: المال المستفاد – بغير ربح التجارة أو نتاج السائمة – لا يضم إلى ما عند المالك من المال، وإنما يكون له حولاً جديداً يبدأ من وقت ما ملكه، مثال ذلك: المال الحاصل بالإرث، والهبة، والهدية، وصداق المرأة، ونحو ذلك، وإذا كان عنده مال لم يبلغ نصاباً فاستفاد مالاً جديداً من جنسه كمل به النصاب؛ فإن الحول يبدأ من وقت اكتمال النصاب، ومن ذلك إذا مات المالك في أثناء الحول وانتقل المال إلى الورثة، فإن الوارث لا يبني على حول المالك الذي مات بل يستأنف حولاً جديداً يبدأ به من حين انتقل إليه الملك( )؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول))( ).

المسألة التاسعة: جواز تقديم الزكاة إذا وُجد سبب وجوبها وهو النصاب الكامل؛ لحديث علي : أن العباس سأل النبي في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخص له في ذلك، فأذن له في ذلك( ). ولفظ أبي عبيد في الأموال عن علي : ((أن النبي تعجَّل من العباس صدقته سنتين))( ). فجاز؛ لأنه تعجيل لمالٍ وجد سبب وجوبه قبل وجوبه، كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح قبل الزهوق، ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب( )، وإن تلف النصاب الذي عجل زكاته وقعت الزكاة نفلاً( )، فإن حال الحول, وقد زاد النصاب نصاباً آخر بالتوالد لزمه زكاة النصاب الثاني، وإن كان قدم الزكاة سنتين فحال الحول الثاني وقد زاد المال نصاباً أو أكثر, وحال على هذه الزيادة حول فإن عليه زكاة المال الزائد, الذي حال عليه الحول على حسب الأدلة في ذلك( )( ).

المسألة العاشرة: كل شيء ليس لعروض التجارة لا زكاة فيه: كالعمارات المعدة للسكن، والعقارات التي ليست للبيع، والسيارات الخاصة، والمكائن، وكل ما يستعمله الإنسان ولا ينوي به التجارة، كحاجاته الأصلية: كالثياب وغيرها، ما عدا الذهب والفضة؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة)). وفي لفظ: ((ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه))( ).

المسألة الحادية عشرة: الأموال التي تجب فيها الزكاة:

الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف: السّـائمة من بَهِيمة الأنعام، والخارج من الأرض: من الحبوب والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة، وسأفرد كل صنف من هذه الأصناف في رسالة مستقلة إن شاء الله تعالى؛ ولكن رأيت أن من المناسب أن أذكر هذه الأصناف بإيجاز واختصار؛ لتكون الفائدة عاجلة إن شاء الله تعالى ملحقة بمنزلة الزكاة في الإسلام؛ ليستفيد منها المحتاج إلى سرعة أداء الزكاة في وقتها، أما التفصيل بالأدلة من الكتاب والسنة، وبيان بعض المسائل المهمة فتؤجل مع الرسائل المذكورة آنفاً إن شاء الله تعالى:

وهذه الأصناف بإيجاز واختصار على النحو الآتي:

الصنف الأول: زكاة السائمة( )

من بـهيمة( ) الأنعام( ): الإبل، والبقر، والغنم:

تجب الزكاة في بهيمة الأنعام بشروط أربعة:

الشرط الأول: أن تتخذ للدرِّ والنسل، والتسمين، لا للعمل؛ فإن الإبل المعدَّة للعمل والركوب، والسقي، وبقر الحرث والسقي لا زكاة فيها عند جمهور العلماء( ).

الشرط الثاني: السوم أكثر الحول، ومعنى السائمة: الراعية، أما المعلوفة وهي التي يعلفها صاحبها وينفق عليها، ولا ترعى أكثر الحول فلا زكاة فيها عند جمهور أهل العلم( )؛ لحديث علي مرفوعاً، وفيه: ((... وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة، وليس على العوامل شيء... ))( ) وأما السائمة أكثر الحول ففيها الزكاة؛ لحديث أنس ، وفيه: ((... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة... ))( )؛ ولحديث بـهز ابن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله قال: (( في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون... ))( ) أما السائمة التي أعدها مالكها للتجارة فزكاتـها زكاة عروض التجارة.

الشرط الثالث: أن يحول عليها الحول عند مالكها حولاً كاملاً.

الشرط الرابع:أن تبلغ النصاب الشرعي،وأما ما دون النصاب من الأعداد اليسيرة فلا زكاة فيها،ونصاب بـهيمة الأنعام بالتفصيل على النحو الآتي:

أولاً: نصاب الإبل لا زكاة فيها حتى تبلغ خمس ذود، وهذا أقل نصاب الإبل، وتفصيل ذلك في حديث أنس : أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين:(( بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله على المسلمين، والتي أمر الله بِها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم( ) من كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين ففيها بنت مخاض( ) أنثى، فإذا بلغت ستّاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى( )، فإذا بلغت ستّاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل( ) فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة( )، فإذا بلغت- يعني ستّاً وسبعين- إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.

ثانياً: نصاب زكاة البقر؛ لا زكاة فيها حتى تبلغ ثلاثين، وهذا أقل نصاب البقر، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، ثم في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.

ثالثاً: نصاب زكاة الغنم، لا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة، وهو أقل نصاب الغنم، فإذا بلغت عشرين ومائةٍ: شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين: شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاثٌ، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة.

ويوضح ذلك الجدول الآتي( ):

زكاة السائمة( ) من بـهيمة الأنعام

البقـر              الإبـل              الغنـم

زكاته     المقـدار             زكاتـه     المقـدار             زكاته     المقـدار

          إلى       من                          إلى       من                          إلى       من

تبيع أو تبيعة      39      30               شاة      9        5                 شاة      120    40

                                      شاتان   14      10                                 

مُسنَّة    59      40               ثلاث شياه        19      15               شاتان   200    121

                                      أربع شياه         24      20                                 

تبيعتان   69      60               بنت مخاض       35      25               ثلاث شياه        300    201

                                      بنت لبون         45      36               ثم في كل 100 شاة

ثم في كل 30 تبيع

وفي كل 40 مُسنَّة          حقـة     60      46               لا يؤخذ في الصدقة: تَيس، ولا هَرمة، ولا معيبة، ولا شِرار المال.

لا يؤخذ في الصدقة: الهزيلة، ولا المخاض، ولا الأكولة، ولا خيار المال.

                   جذعة   75      61              

التبيع أو التبيعة: ما لها سـنة.

المُسـنَّة: ما لها سـنتان.                بنتا لبون 90      76              

                   حقتان   120    91              

                   ثلاث بنات لبون 129    121            

                   •        ثم في كل أربعين بنت لبون.

•        وفي كل خمسين حقة.               

•        بنت مخاض: بنت سنة، وسميت بذلك؛ لأن أمها حامل.

•        بنت لبون: ما لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأن أمها ذات لبن.

•        حـقـة: ما لها ثلاث سنين، وسميت بذلك؛ لأنها استحقت الركوب.

•        جذعـة: ما لها أربع سنين.

ولاشك أن بهيمة الأنعام تتخذ على أقسام أربعة:

القسم الأول: أن تكون عروض تجارة، فهذه تُزكَّى زكاة العروض، فقد تجب الزكاة في شاة واحدة، أو في بعير واحد، أو بقرة واحدة؛ لأن المعتبر في زكاة العروض القيمة، فإذا كان هذا هو المعتبر فما بلغ نصابه بالقيمة ففيه الزكاة؛ سواء كانت سائمة أو معلوفة، مؤجرة كانت أو مركوبة للانتفاع.

القسم الثاني: أن تكون متخذة للدّرّ والنّسل، لكنها تعلف، فهذه ليست فيها زكاة إطلاقاً ولو بلغت ما بلغت؛ لأنها ليست من عروض التجارة ولا من السوائم.

القسم الثالث: السوائم التي تسوم – أي ترعى. وقد اتخذها صاحبها لحلبها، وسمنها، والنسل، ولا يمنع من كونها معدة لذلك أن يبيع ما زاد على حاجته من أولادها؛ لأن هؤلاء الأولاد كثمر النخل.

القسم الرابع: العوامل، وهذه ليس فيها زكاة؛ وإنما الزكاة فيما يحصل من أجرتها إذا تم على الأجرة الحول( ).

الصنف الثاني:زكاة الخارج من الأرض:الحبوب، والثمار تجب الزكاة في كل مكيل مدّخر: من الحبوب: كالقمح، والشعير، ومن الثمار: كالتمر، والزبيب، وغير ذلك من أنواع الحبوب والثمار مما يُكال ويُدّخر، ويكون الوجوب في ذلك بشرطين:

الشرط الأول: أن تبلغ الحبوب أو الثمار نصاباً، وقدره بعد تصفية الحب، وجفاف الثمر خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً، وخمسة أوسق تساوي ثلاثمائة صاع، بصاع النبي   ، وصاع النبي : أربع حفنات بيدي الرجل المعتدل الخلقة، إذا كانت يداه مملوءتين.

الشرط الثاني: أن يكون مالكاً للنصاب وقت وجوب الزكاة، ووقت الوجوب في الحب إذا اشتدَّ، وفي الثمر إذا بدا صلاحها، وصلاح الثمر: أن يحمرَّ أو يصفرَّ، فإذا باعه صاحبه بعد ذلك، فزكاته عليه لا على المشتري.

والواجب في ذلك على نوعين:

النوع الأول: إذا كانت النخل والزرع تسقى بلا كلفة: كالأمطار، والأنهار، والعيون الجارية، ونحو ذلك، ففيها العشر كاملاً.

النوع الثاني: أما إذا كانت تسقى بمؤنة وكلفة: كالسواني، والمكائن الرافعة للماء، والنضح، ونحو ذلك، فإن الواجب فيها نصف العشر كما صح الحديث بذلك عن رسول الله .

الصنف الثالث: زكاة الأثمان: الذهب والفضة، والأوراق النقدية: كالريالات والدراهم، والدولارات، والليرات، وغير ذلك من الأوراق النقدية، كلّ هذه العملات في حكم الذهب والفضة، فإذا بلغت قيمتها نصاب الذهب أو الفضة وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة، ويلحق على الصحيح بالنقود حلي النساء من الذهب والفضة، خاصة إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول؛ فإنّ فيها الزكاة في أصحِّ قولي العلماء؛ لأدلةٍ كثيرةٍ سأذكرها إن شاء الله تعالى في رسالة: ((زكاة الأثمان)). ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، ومقداره من الجنيهات السعودية: أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه، وبالغرامات اثنان وتسعون غراماً، وما زاد فبحسابه.

ونصاب الفضّة مائتا درهم، وهي مائة وأربعون مثقالاً، ومقداره بالدراهم العربية ستة وخمسون ريالاً سعوديّاً فضيّاً، والواجب في الذهب والفضة والأوراق النقدية ربع العشر، 2.5% بشرط بلوغ النصاب ومضيّ الحول مع الشروط المتقدمة.

والربح تابع للأصل يزكَّى معه، ولا يحتاج إلى حول جديد، كما أن نتاج السائمة تابع للأصل لا يحتاج إلى حول جديد إذا كان أصله نصاباً.

الصنف الرابع: زكاة عروض التجارة: عروض التجارة: هي ما أُعِدَّ للبيع والشراء؛ لأجل الربح: من عقار، وحيوان، وطعام، وشراب، وآلات، وكل ما أعد للبيع والشراء من السلع، تجب فيها الزكاة إذا اكتملت الشروط، كمضيّ الحول، وأن تبلغ قيمتها نصاباً، وأن تكون بنيّة التجارة تُقوَّم كل سنة إذا تمّ الحول، ويخرج رُبع عشر قيمتها، سواء كانت قيمتها مثل ثمنها أو أكثر أو أقل( ).

وهناك أنواع أخرى فيها خلاف كالعسل وسأذكره إن شاء الله تعالى.

مصارف الزكاة: أهل الزكاة ثمانية على النحو الآتي:

1- الفقير: هو من لا يجد شيئاً من الكفاية مطلقاً، أو يجد بعض الكفاية دون نصفها من كسب وغيره، فتُكَمِّلُ له كفايته من النفقة، فيعطى من الزكاة ما يكفيه حولاً كاملاً.

2- المسكين: وهو من يجد أكثر الكفاية أو نصفها: من كسب أو غيره، فتُكمّل له كفايته من النفقة، فيُعطى من الزكاة ما يكفيه حولاً كاملاً.

هذا إذا جمع بين لفظ الفقير ولفظ المسكين كما في آية مصارف الزكاة، أما إذا أطلق لفظ أحدهما ولم يذكر الآخر دخل أحدهما في الآخر: فالفقير هو المسكين، والمسكين هو الفقير، ولهذا يقال: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، مثل لفظ الإسلام ولفظ الإيمان.

3 – العامل عليها: وهو الجابي، والحافظ، والكاتب والقاسم، فيُعطى بقدر أجرته من الزكاة حتى لو كان غنيّاً، إلا إذا كان له مرتب من بيت مال المسلمين، فلا يُعطى من الزكاة؛ لأنه إنما أُعطي من الزكاة بقدر أجرته، وقد حصل له ذلك.

4 – المؤلَّف: وهو السيد المُطاع في عشيرته، ممن يُرجى إسلامه، أو يُخشى شرّه، أو يُرجى بعطيته قوة إيمانه، فيُعطى من الزكاة ما يحصل به التأليف؛ لترغيبه في الإسلام، أو كفّ شرّه، أو قوّة إيمانه.

5 – المُكاتب: يُعطى من الزكاة ما يقضي دينه، ويفك منها الأسير المسلم، ويجوز العتق منها لعموم الآية.

6 – الغارم: وهو من تدين للإصلاح بين الناس ولو كان غنيّاً، أو تدين لنفسه وأعسر فلم يستطع القضاء، فيُعطى ما يقضي به دينه.

7 – الغازي في سبيل الله: الذي ليس له مرتب ولو كان غنيّاً؛ لأنه لحاجة المسلمين وهو متطوّع، أما الغزاة الذين لهم ديوان فلا يُعطون من الزكاة، فيُعطى الغازي المذكور ما يحتاج إليه في غزوه.

8 – ابن السبيل: وهو الغريب المنقطع المسافر لغير بلده، فيُعطى ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيّاً في بلده، إذا لم يجد من يقرضه.

أصناف الذين لا يصح دفع الزكاة إليهم على النحو الآتي:

1 ــ آل النبي محمد ، وهم بنو هاشم؛ لأن الزكاة محرّمة عليهم؛ لأنها أوساخ الناس.

2- الأغنياء بمال أو كسب.

3- الكفار إلا المؤلفة قلوبهم؛ سواء كان الكافر أصليّاً أو مرتدّاً.

4- الرقيق المملوك؛ لأن نفقته على سيده.

5- من تلزم نفقته: كالزوجة، ووالديه، وإن علوا، وأولاده وإن نزلوا الوارث منهم وغيره.

6- الفاسق والمبتدع الذين يصرفونها في المعاصي؛ لأن من أظهر بدعةً أو فجوراً يستحقّ العقوبة بالهجر وغيره والاستتابة، فكيف يُعان على ذلك، فينبغي للإنسان أن يتحرّى بزكاته المستحقين من أهل الدين المتّبعين للشريعة.

7- جهات الخير من غير الأصناف الثمانية: كبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وتجهيز الأموات، ودور تحفيظ القرآن الكريم، وغير ذلك من الجهات الخيرية.

والزكاة حقّ الله، لا تجوز المحاباة فيها لمن لا يستحقّها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً، أو يدفع شرًّا، ولا أن يقي بها ماله، أو يدفع بها عنه مذمّة، بل يجب دفعها لهم؛ لكونهم من أهلها( ).

والله أسأل التوفيق والقبول، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا، وإمامنا، وأسوتنا محمد بن عبد الل،ه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

تمت بحمد الله تعالى الرسالة الأولى،

ويليها الرسالة الثانية: ((زكاة بهيمة الأنعام))

رأيك يهمنا