رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم

نبذة مختصرة

رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرةٌ،محررةٌ، في «رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة» بيَّنت فيها كل ما يحتاجه الحاج في رمي الجمرات في يوم العيد وأيام التشريق، وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة، أو الإجماع، أو من أقوال الصحابة - رضي الله عنهم -.
وقد ذكرت في متن هذه الرسالة القول الصحيح الراجح بدليله، وذكرت في الحواشي المسائل الخلافية، وبيَّنت الراجح منها؛ ليستفيد من ذلك طالب العلم وغيره ... وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث على النحو الآتي:
المبحث الأول: مفهوم رمي الجمرات: لغة واصطلاحًا.
المبحث الثاني: سبب مشروعية رمي الجمرات.
المبحث الثالث: رمي جمرة العقبة وآدابه.
المبحث الرابع: رمي الجمرات أيام التشريق وآدابه».
- قدم له : فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله -، والشيخ العلامة صالح بن محمد اللحيدان - حفظه الله -.

تنزيــل

تفاصيل

رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم

مفهوم، وفوائد، وشروط، وآداب، ومسائل، وحِكَمٌ، وأحكامٌ

تقديم

معالي العلامة الشيخ الدكتور

صالح بن فوزان الفوزان

عضو هيئة كبار العلماء    و        معالي العلامة الشيخ

صالح بن محمد اللحيدان

عضو هيئة كبار العلماء

تأليف الفقير إلى الله تعالى

د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

تقديم معالي العلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:

فقد اطلعت على الكتاب المسمّى: رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة، تأليف الفقير إلى الله تعالى الدكتور: سعيد بن علي بن وهف القحطاني، فوجدته: كتاباً، جيّداً، مفيداً، مدعّماً بالأدلَّة، موثّقاً من المصادر العلمية.

وأرجو الله أن ينفع به، ويثيب مؤلّفه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

كتبه

صالح بن فوزان الفوزان

عضو هيئة كبار العلماء

في 28/7/1429هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم معالي العلامة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان حفظه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، واهتدى بهديه، وبعد. فقد طلب مني الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني أن أطّلع على رسالةٍ كتبها بعنوان: ((رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة ))، وكانت هذه الرسالة طبعت في رمضان في العام الماضي 1429هـ، وعليها تقريظ لفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء، أثنى فيه فضيلته على رسالة الدكتور سعيد، ودعا له، فرأيت الاكتفاء بما كتبه الشيخ صالح وفقه الله، وبارك فيه، لكن الدكتور سعيد ألحّ عليّ، وراجعنى مراراً، وأنا أشكره على حرصه، وكنت قرأت الرسالة قراءة عابرة منذ عدة أشهر، فأعدت مراجعتها، وتأمّلت ما كتبه وفّقه الله عن رمي الجمرات، فرأيته قد أحسن في كتابته، وظهر تحرِّيه واجتهاده في نقوله واستدلاله، وحرصه على نقل ترجيح العلماء الراسخين الذين هم أهل العلم حقاً، رحم الله من مات من العلماء، ووفّق الأحياء للالتزام بالكتاب والسنة، والتقيد بدلالتهما، وما فهمه عنهما الصحابة والتابعون، والقرون التي شهد لها رسول الله بأنهم خير الناس، كما في حديث عمران بن حصين وغيره، ولا شك أن العبادات المؤقتة بوقتٍ وصفةٍ إنما مرجعها فهم الكتاب الكريم، وسنة سيد المرسلين، ومهمة العلماء أن يحسنوا فهم النصوص، والاستدلال بها، والاستنباط منها..

إن العلماء ليس إليهم التشريع، فذلك لله ولرسوله ؛ ولذا فإنه يجب على العلماء التقيد بدلالة النص، وأن لا يخرجوا عن دلالته لا في صفةٍ، ولا بدايةٍ ونهايةٍ، والدكتور سعيد في هذه الرسالة قد أحسن في تَقَيُّدِهِ بفهم الصحابة   في ابتداء الرمي يوم النحر، وأيام التشريق، وفي أمر انتهائه...

إن من المعلوم أن النبي لم يحج بالمسلمين سوى حجة الوداع، وفي حجة الوداع أُخِذَتْ عنه أعمال الحج، وقد أفهم أصحابه بأن يأخذوا عنه؛ فأخذوا، ثم بلَّغوا الناس ما أخذوه حتى صار الواحد من الناس عندما يقرأ ما نُقِلَ عن الصحابة من فعلهم، أو إخبارهم بفعل رسول الله ، أو ما نقلوه من أقواله عليه أفضل الصلاة والتسليم كأنما يُشاهد أو يَسمع أقوال سيد البشر، وأقوال خير الناس بعده.

إنّ على المسلم أن يَتعرَّف أفعال رسول الله في جميع أمور التشريع فيما بينه وبين الله، وما بينه وبين عباد الله، وأن يحسن التقيّد بها.

وما التبس عليه أمره يسأل أهل العلم، وعليه أن يحسن اختيار من يسألهم، وأن يحرص على قراءة ما كُتِبَ من السابقين؛ ليستعين بذلك على فهم ما يقرؤه، لا على أن يجد أقوالاً عن من يدعو إلى التسهيل؛ فإن التسهيل المعتبر هو ما وافق الكتاب والسنة، ولم يخرج عن فهم الصحابة والعلماء الراسخين من سلف هذه الأمة، وقد كثر المتحدثون عن التسهيل، ولو لم يكن عن دليلٍ صريحٍ؛ ولا شك أن النبي قال: ((يسروا ولا تعسروا))؛ وأمرنا بالتيسير، ونهانا عن التعسير، وأخبرنا أننا إنّما بُعثنا مُيسّرين، ولم نُبْعَث معسّرين،، لكن ذلك كله في حدود ما دلّ عليه الكتاب والسنة؛ فإن الدين كَمُلَ في حياة رسول الله ، فلم يبق مجال لتوسعةٍ إلا في حدود ما جاء عن الله ورسوله، وما سوى ذلك فمردود على من قال به؛ لحديث عائشة رَضْيَ اللَّهُ عنْهَا المخرج في الصحيح: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ) وفي لفظ: ((من أحدث في أمرنا...))، وبالتالي فإني أؤيِّد ما ذكره فضيلة الشيخ صالح الفوزان عن هذه الرسالة، وأشكر الدكتور سعيد على ما قام به، وما أشار إليه من انتفاء الحرج في رمي الجمرات بما ظهر من آثار أدوار ما أنشئ من جسور رمي الجمرات، وما حصل من التوسُّعِ في ذلك في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، مما جعل الرمي في غاية اليسر، نسأل الله أن يزيده توفيقاً، ويعينه على حماية العقيدة، ونصرة الشريعة، وأن يشد أزره بإخوانه وأعوانه، وأن تكون مخافة الله والتماس رضاه، أهم الأمور لديهم، وأن يبارك فيهم.

وكما أسأل الله سبحانه أن يهيئ لدولتنا كل أسباب الصيانة لهذه الملَّة، وصيانة العقيدة، وحماية المناسك وِفْق ما وصل إلينا من أعمال وأقوال سلفنا، وأن يرينا في دولتنا توالي نعمه عليها في أمر الدين والدنيا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

كتب ذلك عضو هيئة كبار العلماء

صالح بن محمد اللحيدان

14/10/1430هـ

للل

 المقدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

فهذه رسالة مختصرةٌ،محررةٌ، في ((رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة)) بيَّنت فيها كل ما يحتاجه الحاج في رمي الجمرات في يوم العيد وأيام التشريق،وقرنت كل مسألة بدليلها من الكتاب والسنة،أو الإجماع، أومن أقوال الصحابة .

وقد ذكرت في متن هذه الرسالة القول الصحيح الراجح بدليله، وذكرت في الحواشي المسائل الخلافية، وبيَّنت الراجح منها؛ ليستفيد من ذلك طالب العلم وغيره.

وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى.

وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: مفهوم رمي الجمرات: لغة واصطلاحاً.

المبحث الثاني: سبب مشروعية رمي الجمرات.

المبحث الثالث: رمي جمرة العقبة وآدابه.

المبحث الرابع:رمي الجمرات أيام التشريق وآدابه.

والله أسأل أن يجعل هذا العمل القليل نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله على عبده، ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

حرر في ضحى يوم الإثنين 18/7/1429ه‍

 المبحث الأول:مفهوم رمي الجمرات: لغة،واصطلاحاً:

الرمي لغة: هو القذف والدفع.

وهو في الاصطلاح: دفع الحصى الصغار بِقُوَّةٍ إلى موضع الرمي داخل حوض الجمرة.

الجمرات، لغة: الجمرة: الحصاة الصغيرة، وجمعها جمرات، وجمار( ).

قال الإمام ابن الأثير رحمه الله: ((...الجمار: وهي الأحجار الصغار، ومنه سمِّيت جمار الحج للحصى التي يُرمَى بها، وأما موضع الجمار بمنىً فسُمِّيَ جمرة؛ لأنها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنها مجمع الحصى التي يُرمى بها، من الجمرة: وهي اجتماع القبيلة على من نَاوَأها، وقيل: سُمِّيت به من قولهم: أجمر: إذا أسرع( ).

وقال العلامة أحمد الفيُّومي رحمه الله: ((الجمرة هي مجتمع الحصى بمنى، فكلُّ كومةٍ من الحصى جمرة، والجمع: جمرات، وجمرات منى ثلاث ...))( ).

وعلى هذا فاشتقاق الجمرة: من التجمّر: وهو التجمّع؛ لاجتماع الحصى في الموضع الذي يُرمى فيه.

أو سُمِّيت الجمرة من التجمّع لاجتماع الحجاج عندها يرمونها، والعلم عند الله تعالى( ).

الجمرة في الاصطلاح: هي مجتمع الحصى الذي تحت العمود الشاخص الذي يقع وسط الحوض في الجمرة الصغرى،والجمرة الوسطى،ويقع الحوض في جهة جمرة العقبة الغربية الجنوبية( )،فإذا وقع الحصى داخل الحوض تحت العمود الشاخص أجزأَ عند العلماء،وهو الموضع الذي رمى فيه رسول الله .

 المبحث الثاني: سبب مشروعية الرمي وحكمته

وردت أحاديث تدل على أن أوَّل من رمى الجمار إبراهيم الخليل ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، يرفعه إلى النبي قال: ((لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ( ) في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض))، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون))( )، وغير ذلك من الحكم( ).

 المبحث الثالث: رمي جمرة العقبة وآدابه

إذا وصل الحاج إلى منى يوم النحر فالأفضل أن يعمل الآتي:

أولاً: يقطع التلبية عند جمرة العقبة؛ لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن أسامة كان ردف النبي من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: ((لم يزل النبي يلبي حتى رمى جمرة العقبة))( )، وسُمِّيت جمرة العقبة؛ لأنها في عقبة مأزم منى، وخلفها من ناحية الشام وادٍ فيه بايع الأنصار رسول الله بيعة العقبة، وهي ملاصقة للجبل، وبجانبها طريق مع الجبل يسمى العقبة، والعقبة: هي الطريق مع الجبل، ولهذا سميت بالعقبة( ).

ثانياً: يستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويكبر مع كل حصاة، ويتأكد بأن الرمي يقع في الحوض داخل المرمى؛ لحديث عبد الله بن مسعود ، فعن عبد الرحمن بن يزيد: ((أنه حجَّ مع عبد الله بن مسعود ، فرآه يرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات [يُكبِّر مع كل حصاة]، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: ((هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة) وفي رواية: أن عبد الرحمن بن يزيد كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: ((من ها هنا – والذي لا إله غيره – قام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة) وفي لفظ: ((أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة))( ).

وعن جابر عنه عن النبي ، وفيه: ((... ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ...))( ).

ثالثاً: وقت رمي جمرة العقبة، هذه الجمرة الوحيدة التي يستحب للحاج أن يرميها ضُحىً يوم النحر( )، أما بقية الأيام فلا تُرمَى الجمار الثلاث إلا بعد الزوال فعن جابر قال: ((رمى رسول الله يوم النحر ضحىً وأما بعدُ فإذا زالت الشمس))، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري معلقاً: ((رمى النبي يوم النحر ضحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال)) ( )، وجمرة العقبة هي الأخيرة مما يلي مكة( ).

ثم ينحر هديه، أو يذبحه إن كان عليه هدي.

رابعاً: الحلق أو التقصير،والحلق أفضل

إذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصَّره،والحلق أفضل للرجل؛لأن النبي دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة؛ لحديث عبد الله بن عمر

رضي الله عنهما: أن رسول الله قال:((رحم الله المحلقين) قالوا:والمقصرين يا رسول الله،قال:((رحم الله المحلّقين) قالوا:والمقصرين يا رسول الله،قال: ((رحم الله المحلقين)قالوا:والمقصرين يا رسول الله؟قال: ((والمقصرين))( ).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((اللهم اغفر للمحلقين) قالوا : يا رسول الله والمقصرين، قال: ((اللهم اغفر للمحلقين) قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: ((اللهم اغفر للمحلقين) قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: ((والمقصِّرين))( ) .

أما المرأة فليس عليها إلا التقصير تأخذ من كل قرن قدر الأنملة أو أقل.

وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويُسمَّى هذا التحلل الأول( ).

فإذا تحلل التحلل الأول:استحب له أن يتطيب؛لقول عائشة رضي الله عنها: ((كنت أطيب رسول الله لإحرامه حين يحرم،ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) ( ).

ويستحب له أن يتنظف ويلبس أحسن ثيابه.

ثم يطوف طواف الإفاضة، ويسعى إن كان عليه سعيٌ.

ثم يرجع الحاج إلى منى بعد طواف الإفاضة والسعي ممن عليه سعيٌ، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، إن أراد التأخر.

 المبحث الرابع:رمي الجمرات أيام التشريق وآدابه

أولاً:الرمي أيام التشريق واجب من واجبات الحج عند جماهير العلماء، للأدلة الآتية:

الدليل الأول: حديث جابر قال: ((رأيت النبي يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: ((لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه))( ).

الدليل الثاني: رمي النبي في أيام التشريق الجمار الثلاث بعد الزوال، وقد قال: ((خذوا عني مناسككم لعلِّي لا أراكم بعد عامي هذا))( ).

الدليل الثالث: أمر الله تعالى بذكره في أيام التشريق، فقال : وَاذْكُرُوا الله فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى( )،فالحجاج مأمورون بذكر الله في منى،وليس في منى ذكر ينفرد به الحج إلا ذكر الجمار؛لحديث عائشة رضي الله عنها،ترفعه:((إنما جعل الطواف بالبيت،وبين الصفا والمروة،ورمي الجمار لإقامة ذكر الله))( ).

قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: ((اعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب يجبر بدم عند جماهير العلماء، على اختلافٍ بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم أنه ليس بركن؛ لأن الحج يتمّ قبله، ويتحلّل صاحبه التحلّل الأصغر، والأكبر، فيحلُّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام، فحجّه تام إجماعاً قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم، لأن النبي رماها، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم))( )( ) .

وكان شيخنا رحمه الله يفتي كثيراً: أن من ترك رميَ الجمار فعليه دم؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج يجبر بدم لفقراء الحرم بمكة( ) ( ) .

ثانياً: وقت الرمي أيام التشريق: أوله وآخره على النحو الآتي:

1-أول وقت الرمي أيام التشريق: بعد الزوال، ومن رمى قبل الزوال فلا يصح رميه، بل رميه باطل، وتجب عليه الإعادة في أيام التشريق بعد الزوال، فإن انتهت أيام التشريق ولم يعد، فإنه يجب عليه دم، لجبر هذا النقص، للأدلة الآتية:

الدليل الأول: رمى النبي بعد الزوال، قال جابر : ((رمى النبي يوم النحر ضُحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال))، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((رمى رسول الله الجمرة يوم النحر ضُحىً، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس))( ).

فهذا فعل النبي ، وهو قدوتنا وأسوتنا، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِـمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيراً ( ) .

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لحديث جابر: ((المراد بيوم النحر جمرة العقبة؛ فإنه لا يشرع فيه غيرها بالإجماع، وأما أيام التشريق الثلاثة فيرمي كل يوم منها بعد الزوال، وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم، وعندنا يجوز تقديمهُ من نصف ليلة النحر، وأما أيام التشريق فمذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح ... ))( ).

الدليل الثاني: أمرنا النبي أن نأخذ عنه مناسك الحج، فنعمل كما عمل ،فعن جابر ،قال:رأيت النبي يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: ((لتأخذوا مناسككم؛فإني لا أدري لعلِّي لا أحجّ بعد حجَّتي هذه)) هذا لفظ مسلم،ولفظ البيهقي:((خذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا)ولفظ النسائي قال جابر:رأيت رسول الله يرمي الجمرة وهو على بعيره،وهو يقول:((يا أيها الناس خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد عامي هذا))( )،ولفظ ابن ماجه:((...لتأخذ أمتي نسكها فإني لا أدري لعلي لا ألقاها بعد عامي هذا)) ( ).

قال الإمام النووي رحمه الله: ((لتأخذوا مناسككم ...)) فهذه اللام لام الأمر، ومعناه خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي: من الأقوال، والأفعال، والهيئات، هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عني، واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلِّموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله في الصلاة: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))( )، وقوله : ((لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته ، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع، والله أعلم)) ( ) .

الدليل الثالث: حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((كان رسول الله يرمي الجمار إذا زالت الشمس)) ( ).

الدليل الرابع: حديث عائشة رضي الله عنها حين ذكرت أن النبي طاف طواف الإفاضة، قالت: ((...ثم رجع إلى منى فمكث بها لياليَ أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية فيطيل القيام، ويتضرّع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها))( ).

الدليل الخامس: حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فعن وبَرَة قال: ((سألت ابن عمر رضي الله عنهما، متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدتُ عليه المسألة، قال: كُنَّا نتحَيَّن( ) فإذا زالت الشمس رمينا))( ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((قوله: ((متى أرمي الجمار؟)) يعني في غير يوم الأضحى، قوله: ((إذا رمى إمامك فارمه))  يعني الأمير الذي على الحج، وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضرر، فلما أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ، وقد رواه ابن عيينة عن مسعر بهذا الإسناد فقال فيه: ((فقلت له: أرأيت إن أخَّر إمامي)) أي الرمي، فذكر الحديث))( )، وهذا دليل على أن أصحاب النبي كانوا ينتظرون ويترقَّبون زوال الشمس فلا يرمون قبله، ولو كان الرمي جائزاً قبله لم ينتظروا( ) .

الدليل السادس: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فعن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: ((لا تُرمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس))( ).

الدليل السابع: حديث عمر بن الخطاب ، أنه قال: ((لا تُرمى الجمرة حتى يميل النهار))( ) .

الدليل الثامن: حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ))( )، وهذا يدلّ على أن جميع العبادات توقيفية لا يقبل منها إلا ما كان مشروعاً، أو أقره الشرع المطهر( ).

الدليل التاسع: أن الرمي لو كان قبل الزوال في أيام التشريق جائزاً، لفعله النبي ؛ فيه من فعل العبادة في أول وقتها؛ ولما فيه من تطويل الوقت حتى يتسع وقت الدعاء عند الجمرة الأولى والوسطى؛ لأن ابن مسعود ذكر عن النبي أنه دعا بمقدار قراءة سورة البقرة( ).

الدليل العاشر:أن الرمي لو كان قبل الزوال جائزاً؛ لبادر إليه الرسول ؛لما فيه من التَّيسير على أمته،وقد كان يأمر أمته بالتيسير،فيقول:((يسِّروا ولا تُعسِّروا))( ).

و((ما خُيِّر رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً))( ).

وقد كان يقول: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به))( ).

ومعلوم يقيناً أن الحرّ كان شديداً جداً في عام حجة الوداع حتى في وقت الضُّحى بعد ارتفاع الشمس، والدليل على ذلك حديث أم الحصين رضي الله عنها، قالت: ((حججت مع رسول الله حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة: أحدهما يقود راحلته والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول الله من الشمس ... )) وفي لفظ: ((... والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة))( )، وحديث جابر ،وفيه: ((أنه نزل في القبة التي ضُرِبَتْ له بِنَمِرة حتى زالت الشمس...))( ) .

وهذا يدل على شدّة الحرِّ في أول النهار، ومعلوم عند جميع الناس أن وقت زوال الشمس وبعده بقليل يكون أشدَّ حرّاً من أول النهار، وقد بيَّن النبي أن الحكمة من النهي عن الصلاة حتى تزول الشمس هو: أن جهنم حينئذٍ تُسْجَرُ( )، وبعد الزوال يكون الحرُّ في الغالب قد اشتدَّ على الأرض، وقد أمر بالإبراد بصلاة الظهر، في شدّة الحرِّ( ).

فلما كان الرسول يتعمَّد أن يؤخِّر الرمي حتى تزول الشمس مع أنه أشقُّ على الناس دلَّ هذا على أن الرمي قبل الزوال في أيام التشريق لا يجوز ولا يجزئ( ).

الدليل الحادي عشر: أن الرسول بادر بالرمي حين زالت الشمس، فرمى قبل أن يصلّي الظهر، وكأنه يترقَّب زوال الشمس ليرمي ثم ليصلِّي الظهر، ولو كان الرمي جائزاً قبل الزوال لفعله ولو مرة واحدة بياناً للجواز، أو فعله بعض الصحابة، وأقرَّه النبي ( ).

حتى في اليوم الثالث عشر يوم النفر لم يرمِ إلا بعد الزوال، وهو يريد أن يصلّي بالمحصب ((الأبطح)) صلاة الظهر، وهذا يدل دلالة قاطعة أنه لو كان جائزاً لعجّل الرمي قبل الزوال، والله تعالى المستعان.

الدليل الثاني عشر: عمل جميع الصحابة بلا استثناء في حياة النبي وبعد مماته، فكلّهم يرمون في حجهم في أيام التشريق بعد الزوال، وقد حج مع النبي من المدينة خلق كثير، بلغ عددهم كما ذكر العلماء: مائة وثلاثين ألفاً( ).

وقد بيّن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صفة حجة الوداع،أن أعدادهم كثيرة جداً حيث قال: ((مكث النبي تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة: أن رسول الله حاجٌّ فقدم المدينة بشرٌ كثيرٌ كلّهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ...)) إلى أن قال: ((... فصلّى رسول الله في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه: من راكب وما شٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به ...)) ( )، وكل هؤلاء عملوا المناسك مع النبي وقال لهم: ((خذوا عني مناسككم، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا))( )، فأخذوا عنه ذلك وطبَّقوه وعلَّموه من لم يسمع، وبلّغوه مَنْ بعدهم، فلم يرمِ واحدٌ من هؤلاء الصحابة الجمار أيام التشريق إلا بعد الزوال اقتداء بنبيِّهم ، ولم يثبت عن صحابيٍّ واحدٍ أنه أفتى بالرمي قبل الزوال، أو رمى قبل الزوال لا في حياة النبي ، ولا بعد وفاته، وحج الناس في زمن الصحابة ثلاثاً وثمانين حَجةً ولم يرمِ واحد منهم قبل الزوال؛ لمدة أربعٍ وثمانين سنةً، بالعام الذي حج فيه النبي ؛ لأن النبي مات وعمر أنس بن مالك عشرون سنة، وهو آخر من مات من الصحابة، وقد عُمِّر حيث عاش مائة وثلاث سنين، وتوفي على الصحيح سنة ثلاث وتسعين هـ وأرضاه كما قال الإمام النووي والحافظ ابن حجر، والذهبي رحمهم الله تعالى( ).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول:((... والرمي بعد الزوال عند جمهور أهل العلم، والأئمة الأربعة، وخالف بعض التابعين، وهو قول شاذ؛ لقوله : ((خذوا عني مناسككم))، ولو كان هناك رخصة لما أخَّرها رسول الله ، ومعلوم أن الرمي أول النهار فيه سهولة، وفيه سعة، فلو كان جائزاً لبادر إليه رسول الله ، وقد تتبَّعتُ هذا كثيراً وزمناً طويلاً، فلم أجد عن صحابيٍّ واحدٍ ما يدل على الرمي قبل الزوال: لا من قوله، ولا من فعله، والصواب أن الرمي قبل الزوال لا يجزئ، ولو قال به بعض التابعين، ولو قال به أبو حنيفة في يوم النفر،فهو فاسد، ومن ترك ذلك فعليه دم))( ) ( ) .

الثالث عشر: الذي يظهر: أن الثابت عن عطاء: أنه لا يجيز الرمي قبل الزوال، فعن ابن جريج، قال سمعت عطاء يقول: ((لا تُرمى الجمرة حتى تزول الشمس، فعاودته في ذلك فقال ذلك))( )، فقول عطاء الموافق للدليل أولى من غيره.

الرابع عشر: المحققون العلماء الرّبّانيُّون، الراسخون في العلم، العالمون بالله، وبعلم الكتاب والسنة، الذين قال الله فيهم:  إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ( ) كلهم يقولون بعدم جواز الرمي قبل الزوال:

* ومنهم هؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبعة: الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة رخَّص في يوم النفر فقط قبل الزوال، ولكن لا ينفر إلا بعد الزوال( )، ولا دليل معه يرحمه الله: لا من كتاب، ولا سنة، ولا قولٍ لصحابي واحد، وإنما مجرد رأي رآه غفر الله له.

* وتبع هؤلاء الأئمة علماء الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذَّ بقوله، ورأيه، بل المحققون ربما أهملوا القول بالرمي قبل الزوال فلم يذكروا الخلاف؛ لشذوذ هذا القول، إلا عند الحاجة للردّ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما ذكر الرمي بعد الزوال ولم يذكر الخلاف في مجموع الفتاوى ( )، وتلميذه العلامة الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد،فقد ذكر الرمي بعد الزوال،ولم يشر إلى الخلاف لشذوذه ( ).

* قال شيخ الإسلام والمسلمين ابن تيمية رحمه الله: ((الحاج يرمي الجمرات الثلاث أيام منى الثلاثة بعد الزوال، وهذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفاً عن سلف عن نبيها ....))، ثم ذكر الأدلة على ذلك، ومنها: حديث عائشة ، وحديث ابن عباس ، وحديث جابر ، وحديث ابن عمر ( ) ( ).

* وقال العلامة المحقق محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: ((اعلم أن التحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ لثبوت ذلك عن النبي ))، ثم ذكر بعض الأدلة التي ذكرتها سابقاً، ثم قال: ((وبهذه النصوص الثابتة عن النبي تعلم أن قول عطاء، وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي الثابت المعتضد بقوله: ((خذوا عني مناسككم) ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه: محمد وأبو يوسف، ولم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه شيء يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ...))( ).

* وقال العلامة الإمام مفتي المملكة العربية السعودية، ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية في عصره؛ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله رداً على شخص أفتى بجواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق، فردَّ رحمه الله بردٍ مفيدٍ مُدَعَّمٍ بالأدلة من الكتاب والسنة، والإجماع، وهذا ملخَّصٌ لهذا الرد الموفق:

قال رحمه الله ما ملخصه:((الأوقات التي وقَّتها الله ورسوله للعبادات ليس لأحد من العلماء تغييرها، بتقديم أو تأخيرٍ،أو زيادةٍ أو نقصانٍ؛ فإن التوقيت من الدين،ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله []))( ).

ثم قال: ((والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه الأمر، وهو داخل في عموم قوله، : ((خذوا عني مناسككم))، ثم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة على أن الرمي أيام التشريق لا يصح قبل الزوال( ) .

ثم بيَّن رحمه الله: أن: ((الأئمة الأعلام، وجهابذة الإسلام، الذين يحجون على الدوام، ولم يجوِّزوا لأحد حج معهم من الأنام أن يرمي قبل الزوال [ولا فعله أحد منهم بنفسه]، ولم يخالفوا شرع إمام كل إمام)) وإمامهم في عدم تجويز الرمي قبل الزوال، وسيد الأنام وسنته الثابتة من فعله التشريعي، الخارج مخرج الامتثال، والتفسير المقتضي للوجوب، ومن قوله : ((خذوا عني مناسككم))( )، وبعد أن ساق أدلة كثيرة، نقلية وعقلية قال رحمه الله:

((إذا عُلم هذا فإن رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق لا يصح قبل الزوال: بالكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب فقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا( ) .

وأما السنة فرميه بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب، كما في حديث جابر، وحديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث عائشة، وقوله : ((خذوا عني مناسككم))( ) ( ) .

وأما الإجماع فأمرٌ معلوم، وقد نُصَّ عليه في بعض كتب الخلاف، والإجماع، ولا يرد عليه ما ذكره هذا الرجل عن طاوس، وعطاء، وغيرهما، فإن هذا لا يُعدُّ خلافاً أبداً، ولا يعتبر خلافاً عند العلماء؛ لأنه لاحظّ له من النظر بتاتاً،بل هو مصادم للنصوص))( ).

وقال رحمه الله: ((مَن طاوس وما طاوس؟ ومَن عطاء وما عطاء؟ وسنة رسول الله كالشمس في رابعة النهار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما حين ناظر من ناظره في متعة الحج، واحتج مناظره بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر( ).

وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: ((عجبت لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ) .أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعلَّه إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، أفتترك توقيت رسول الله لتوقيتٍ سواه؟ أفتقيس قياساً السُّنَّةُ تأباه، وكل من أهل العلم لا يرضاه؟ )) ( ).

وقال الإمام العلامة شيخنا ابن باز رحمه الله: ((...لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة قبل الزوال: ليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر عند أكثر أهل العلم، وهو الحق الذي لا شكّ فيه؛ لأن النبي إنما رمى بعد الزوال في الأيام الثلاثة المذكورة، وهكذا أصحابه ، وقد قال : ((خذوا عني مناسككم))( )، فالواجب على المسلمين اتباعه في ذلك كما يلزم اتباعه في كل ما شرع الله، وفي ترك كل ما نهى عنه الله ورسوله؛ لقول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا( ) وقوله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِـمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ( ) والآيات في هذا المعنى كثيرة)) ( ) .

وسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز يقول رحمه الله: ((ولا يجوز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وهناك قول شاذ بجواز الرمي قبل الزوال، وقول شاذ آخر أنه يجوز الرمي قبل الزوال يوم النفر، والقول الصواب أن الرمي بعد الزوال، ومن رمى قبل الزوال فعليه دم، ولا بأس بالرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه، والأفضل بعد الزوال إلى الغروب))( ) .

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: (( .. يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال...)) ثم ذكر الأدلة بالتفصيل رحمه الله ( ).

الخامس عشر:رمي الجمرات عبادة توقيفيَّة في كيفيّتها،وفي زمانها،ومكانها،لا يجوز القول فيها بالرأي: والفتوى بغير علم،من القول بالرأي،ومن قال برأيه وترك الدليل، فقد خالف الصواب للأمور الآتية:

الأمر الأول: قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْـحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِالله مَا لَـمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى الله مَا لا تَعْلَمُونَ ( )، والقول على الله تعالى بغير علم: أي بغير دليل من كتاب، أو سنة، سواء كان ذلك في أصول الدين، أو فروعه.

الأمر الثاني: قال الله تعالى: أَمْ لَـهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَـهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله ( ) ، فقد جعل سبحانه من شرَّع للناس شيئاً من الدين لم يشرعه الله شريكاً له في تشريعه، ومن أطاعه في ذلك فهو مشرك بالله تعالى شرك الطاعة.

الأمر الثالث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله يقول: ((إِنَّ الله لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوسًا( ) جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ))، هذا لفظٌ لمسلم، وفي لفظ له: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتَّخذ الناس رؤوساً جُهَّالاً، فَسُئلوا فأفتَوْا بغيرعلم، فَضَلُّوا وأضَلُّوا) ولفظ البخاري: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتَّخذ الناس رؤوساً جُهَّالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا))( ).

الأمر الرابع: ذمّ السلف للرأي المخالف للدليل،والتحذير من القول بالرأي، ومنهم:

1- قال عمر بن الخطاب : ((إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلُّوا وأضَلُّوا)) ( ).

2-قال عروة بن الزبير : ((السنن، السنن، فإن السنن قِوام الدين [أزهد الناس في العالم أهله])) ( ).

3- قال سهل بن حنيف : ((اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أردَّ على رسول الله أمره لرددته، والله ورسوله أعلم))، وفي لفظ له: ((اتهموا رأيكم على دينكم))( )، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:((أي لا تعملوا في أمر الدين بالرّأي المجرَّد الذي لا يستند إلى أصلٍ من الدين))( ).

4- قال الإمام أحمد – رحمه الله -: ((لا تكاد ترى أحداً نظر في هذا الرأي إلا وفي قلبه دغل))( ).

5- قال الأوزاعي – رحمه الله -: ((إذا أراد الله أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط))( ).

وقال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله – بعد أن ساق آثاراً كثيرة في ذم الرأي ما ملخصه: قال أكثر أهل العلم: إن الرأي المذموم المعيب المهجور الذي لا يحل النظر فيه، والاشتغال به: هو الرأي المبتدع، وشبهه من أنواع البدع( ).

وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياساً دون ردّها على أصولها من الكتاب أو من السنة( )، ثم قال:((ومن تدبّر الآثار المرويّة في ذمّ الرأي المرفوعة وآثار الصحابة والتابعين في ذلك علم أنه ما ذكرنا ))( )،فرجَّح – رحمه الله – هذا القول ثم قال: و((ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن رسول الله ثم يردّه، دون ادّعاء نسخ ذلك بأثر أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلاً عن أن يتخذ إماماً ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله من ذلك))( ).

والحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الرأي، بل يُرجع إلى الكتاب والسنة، أو إلى أحدهما، فإن لم يجد فيرجع إلى الإجماع، فإذا لم يجد الأمور الثلاثة رجع إلى أقوال الصحابة ، فإن وجد قولاً لأحدهم ولم يخالفه أحد من الصحابة، ولا عُرِفَ نصٌّ يخالفه، واشتهر هذا القول في زمانهم أخذ به؛ لأنه حجة عند جماهير العلماء، فإذا لم يجد قولاً يحتجّ به من أقوال الصحابة، واحتاج إلى القياس رجع إليه بدون تكلّف، بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسّف في إثبات العلة الجامعة التي هي من أركان القياس،بل إذا لم تكن العلّة الجامعة واضحة،فليتمسّك بالبراءة الأصلية( ).

وما أحسن ما قاله الشافعي – رحمه الله -:

كل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ

                   إلا الحديث وعلمَ الفقه في الدين

العلمُ ما كان فيه حدَّثنا

                   وما سوى ذاك وسواسُ الشياطين

وما أحسن ما قاله القائل:

العلمُ قال الله قال رسوله

                   قال الصحابة ليس خلف فيه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة              بين نصوصٍ وبين رأي فقيه

ولله در القائل:

وليس كل خلاف جاء معتبراً

                   إلا خلافاً له حظ من النظر( )

الأمر الخامس:قول العالم الرباني فيما لا يعلم:الله أعلم نصف العلم.

مما يدل على خشية العالم لله أن يردّ علم ما لا يعلمه إلى الله،أو يقول: لا أدري، وقد ثبت عن الصحابة، والتابعين من هذا الكثير، ومن ذلك ما يأتي:

1- قال عبد الله بن مسعود : ((يا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلْ: اللهُ أعْلَمُ؛ فَإنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِـمَا لاَ يَعْلَمُ: اللهُ أعْلَمُ)). قالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْـمـُتَكَلِّفِين ( ))) ( ).

2- وقال عبد الله بن مسعود أيضاً: ((مَنْ عَلِمَ علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعمل؛ فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم))( ).

3- قال عبد الله بن مسعود أيضاً: ((إن من يُفتي في كل ما يستفتونه لمجنون))( ).

4- سُئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: ((لا أعلم) ثم قال: ((ويل للذي يقول لما لا يعلم: إني أعلم))( ).

5- قال مالك: ((ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري؛ فإنه عسى أن يهيأ له خير))( ).

6- قال ابن وهب، وقال له ابن القاسم: ليس بعد أهل المدينة أحد أعلم بالبيوع من أهل مصر، فقال مالك: ((من أين علموا ذلك؟ قال: منك يا أبا عبد الله، فقال: ما أعلمها أنا، فكيف يعلمونها بي)) ( ).

7- عن مالك رحمه الله قال: ((جُنة العالم لا أدري، فإذا أغفلها أُصيبت مقاتلُه)) ( ).

8- قال الهيثم بن جميل: سمعتُ مالكاً سُئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ((لا أدري)) ( ).

9- قال خالد بن خداش: ((قدمت على مالكٍ بأربعين مسألة، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل)) ( ).

10- عن ابن وهب، عن مالك، سمع عبد الله بن يزيد بن هُرْمُز يقول: ((ينبغي للعالم أن يُورِّث جُلساءه قول: ((لا أدري)) حتى يكون ذلك أصلاً يفزعون إليه)) ( ).

11- وقال ابن وهب:((لو كتبنا عن مالك:لا أدري؛ لملأنا الألواح))( ).

12- عن عقبة بن مسلم أنه قال:((صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهراًً، فكثيراً ما كان يُسأل فيقول : ((لا أدري) ثم يلتفت إليَّ فيقول : ((تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسراً إلى جهنم))( ).

13- قال أبو داود: ((قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم نصف العلم))( ).

وهذا كله يؤكد للمفتي، ومعلِّم الناس الخير أهمية قوله: الله أعلم، أو لا أدري لما لا يعلمه، وأن ذلك من الآداب الجميلة التي تدل على خشية الله .

السادس عشر: أدوار الجسور المتكررة حصل بها اليسر والتيسير:  لا شك أن ما كان يحصل من أضرارٍ في بعض الأوقات عند رمي الجمار، قد زال بحمد الله تعالى، فقد أقيم الدور الثاني بناءً على فتوى مفتي البلاد السعودية في عصره: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، بتاريخ

25/ 6/ 1382هـ( ) ، ثم أمر  خادم الحرمين الشريفين: الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية وفقه الله، بالبدء في إقامة جسورٍ واسعة متكررة فوق الجسر الثاني بعد حج عام 1426هـ، فبدأت الاستفادة بالجسر الأول منها في حج عام 1427هـ، وكُرِّرَت الأدوار الـمتعددة فوق الجمرات في هوائها، فحصل بذلك التيسير ولله الـحــمد، مـــع التنظيم الـجـديد الذي جعل مساراتٍ للحجاج للذهاب والإياب، فزال ما كان

 يُخشى من الضرر، فلا حجة بعد ذلك لمن أفتى بالرمي قبل الزوال، كما أنه

لا حجة له قبل ذلك؛ لمخالفته للنصوص الشرعية.

2- آخر وقت الرمي أيام التشريق الثلاثة:

تقدم: أن أول وقت رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة بعد الزوال، ولا خلاف بين العلماء أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب( )( ).

والأفضل في رمي الجمار أيام التشريق أن تُرْمَى قبل الغروب، وكذلك جمرة العقبة من رماها قبل غروب يوم النحر فقد رماها في وقتٍ لها، وإن كان الأفضل أن تُرمى جمرة العقبة ضحى لغير الضعفة.

أما الرمي بعد غروب الشمس ليلاً فقد أجازه بعض أهل العلم؛ لأن النبي وقَّت ابتداء الرمي بعد الزوال في أيام التشريق ولم يوقِّت انتهاءه، وكذلك جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر للأقوياء، فالأحوط أن يرمي قبل الغروب حتى يخرج من الخلاف، ولكن لو اضطر إلى ذلك ودعت الحاجة إليه فلا بأس أن يرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه إلى آخر الليل قبل فجر اليوم الذي بعده ( )( )،

واستدل على جواز الرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه بأدلة، منها الأدلة الآتية:

الدليل الأول:حديث ابن عباس رضي الله عنهما،قال: كان رسول الله يُسأل أيام منى،فيقول:((لا حرج ) فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: ((لا حرج ) فقال رجل: رميتُ بعدما أمسيتُ؟ قال: ((لا حرج )) [هذا لفظ النسائي] ( )، ولفظ البخاري: كان رسول الله يُسأل يوم النحر بمنى... )) ( ) الحديث، وقد صرَّح النبي أن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل( )، وقد تقدم في رمي جمرة العقبة أن المساء يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدّ الظلام، وقول ابن منظور: ((المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب،وقال بعضهم: إلى نصف الليل )) ( ).

الدليل الثاني: عن نافع عن ابن عمر أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عُبيدٍ نفست بالمزدلفة، فتخلَّفت هي وصفيَّة حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن ترميا الجمرة حين أتتا، ولم يرَ عليهما شيئاً ))( ).

وهذا وإن كان في رمي جمرة العقبة؛ فإن رمي جمرة العقبة وقت الرمي فيه أوسع من وقت الرمي في أيام التشريق، فالرمي فيها بالليل من باب أولى( ).

الدليل الثالث: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي : ((رخَّص للرعاء أن يرموا بالليل )) ( ).

الدليل الرابع:اليوم وقت للرمي،والليل يتبعه في ذلك كليلة النحر تجعل تبعاً ليوم عرفة في حكم الوقوف.

الدليل الخامس: تأمل الواقع، والمشاهدة يدلان على أن الوقت من زوال الشمس إلى الغروب لا يكفي لرمي الأعداد الكثيرة من الحجاج.

الدليل السادس: الرمي في الليل جائز؛ لأنه فعل من أفعال الحج، فجاز فعله بالليل، كالطواف، والسعي، والوقوف بعرفة( ).

ثالثاً: صفة رمي الجمرات أيام التشريق الثلاثة:

يجب الترتيب( ) في رمي الجمار أيام التشريق الثلاثة على النحو الآتي:

1- يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة وهي التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده بالرمي مع كل حصاة، ويكبِّر على إثر كل حصاة، ولا بد أن يقع الحصى في الحوض، فإن لم يقع في الحوض لم يجزِ. ثم يتقدم حتى يُسهل في مكان لا يصيبه الحصى فيه ولا يؤذي الناس، فيستقبل القبلة ويرفع يديه ويدعو طويلاً.

2- يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة، ثم يأخذ ذات الشمال ويتقدَّم حتى يسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً يدعو ويرفع يديه.

3- ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات يكبِّر مع كل حصاة، ثم ينصرف ولا يقف عندها ولا يدعو؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصياتٍ يُكبِّر عى إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يُسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي يفعله))( ).

ثم يرمي الجمرات في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال كما رماها في الأول تماماً. ويفعل عند الأولى والثانية كما فعل في اليوم الأول من أيام التشريق.

وإذا لم يتعجَّل رمى في اليوم الثالث عشر كما رمى في الأول والثاني، ويعمل عند الأولى والثانية كما عمل في اليوم الأول والثاني.

رابعاً:إذا عجز المتمتع والقارن عن الهدي وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله، وهو مخيَّر في صيام الثلاثة إن شاء صامها قبل يوم النحر، وإن شاء صامها في أيام التشريق الثلاثة، لحديث عائشة وابن عمر قالا: ((لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي))( )، والأفضل أن يقدم صيام الأيام الثلاثة عن يوم عرفة؛ ليكون يوم عرفة مفطراً؛ لأن النبي وقف يوم عرفة مفطراً، فعن ميمونة رضي الله عنها: ((أن الناس شكّوا في صيام النبي يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحلابٍ( ) وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون))( )، وفي رواية: ((أن أمَّ الفضل أرسلت إليه بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره فشربه))( ).

خامساً:من عجز عن الرمي كالكبير،والمريض،والصغير،والمرأة الحامل ونحوهم، جاز أن يُوكِّل من يرمي عنه؛ لقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللهَ مَا

اسْتَطَعْتُمْ ( )، وهؤلاء لا يستطيعون مزاحمة الناس عند الجمرات،وزمن الرمي يفوت،ولا يشرع قضاؤه فجاز لهم أن يوكلوا بخلاف غيره من المناسك( ).

أما الأقوياء من الرجال والنساء فلا يجوز لهم التوكيل في الرمي، ويجوز للوكيل أن يرمي عن نفسه ثم عن من وكَّله كل جمرة من الجمار الثلاث في موقفٍ واحدٍ، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات عن نفسه، ثم بسبعٍ عن من وكَّله، وهكذا الثانية والثالثة.

وهكذا الصبي يجوز أن يرمي عنه وليُّه على التفصيل السابق. وقد رُوِي عن جابر قوله: ((حججنا مع رسول الله ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم))( )، والله أعلم( ).

والصواب إن شاء الله تعالى أنه يشترط في الوكيل أن يكون حاجاً ذلك العام؛ لأنَّ الرمي بعض أعمال الحج، فلا يصح إلا مِنْ حاجٍّ؛ لأنه لو رمى غير حاج فَرَمْيُهُ عَبَثٌ ولا ينفعه، وإذا لم يصحّ رميه عن نفسه فلا يصحّ عن غيره.

ويشترط أيضاً أن يرمي الوكيل عن نفسه أولاً، ثم عن من وكَّله، كل جمرة من الجمار الثلاث في موقف واحد على الصحيح( ).

سادساً: من غربت عليه الشمس من اليوم الثاني عشر وهو لم يخرج من منى؛ فإنه يلزمه التأخر ويبيت في منى، ويرمي الجمار الثلاث في اليوم الثالث عشر بعد الزوال؛ لما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: ((من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفرنَّ حتى يرمي الجمار من الغد))( )، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل أن يكون قد ارتحل وركب، ولكن تأخر بسبب زحام السيارات فلا يلزمه التأخر على الصحيح( )( ).

سابعاً: بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر من أيام التشريق بعد الزوال، إن شاء الحاج تعجَّل وطاف طواف الوداع ثم ذهب إلى بلاده، وإن شاء تأخَّر فبات بمنى ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار بعد الزوال في اليوم الثالث عشر، وهذا هو الأفضل؛ لقوله تعالى: فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى( )؛ ولأن النبي أَذِنَ ورخَّص للناس بالتعجُّلِ، ولم يتعجَّل هو، بل بقي حتى رمى الجمرات الثلاث بعد الزوال من اليوم الثالث عشر، ثم نزل بالأبطح، وصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم نهض إلى مكة؛ ليطوف طواف الوداع( ).

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين

رأيك يهمنا