ثلاث رسائل للشيخ السعدي

نبذة مختصرة

يحتوي هذا الكتاب على ثلاث رسائل، وهي:
الأولى: حكم إجزاء سُبع البدنة والبقرة عن الشاة في الإهداء وغيره.
الثانية: نبذة من آداب المعلمين والمتعلمين.
الثالثة: نبذة مختصرة إجمالية عن الإسلام والإشارة إلى مهمات محاسنه.

تنزيــل

تفاصيل

 ثلاث رسائل للشيخ السعدي

ثلاث رسائل

الأولى: في إجزاء سُبع البدنة والبقرة عن الشاة

في الإهداء وغيره

الثانية: في آداب المعلم والمتعلم

الثالثة: في محاسن الإسلام

تأليف

العلامة الشيخ

عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي رحمه الله

اعتنى به

محمد بن سليمان العبد العزيز آل بسام

المدرس في المسجد الحرام سابقاً


بسم الله الرحمن الرحيم


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله.

أما بعد:

فهذه ثلاث رسائل من تأليف شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي إحداها إجزاء سُبع البدنة والبقرة عن الشاة في كل الأحوال والثانية حكم آداب العالم والمتعلم وما يجب عليهما وما يستحب لهما.

والثالثة بيّن فيها محاسن الإسلام وما فيه من الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

فجزاه الله خير الجزاء ورفع درجاته في أعلى عليين وجمعنا به ووالدينا ومن نحب في الدار الآخرة بمنه وفضله إنه الكريم المتفضل المنان. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم قال ذلك وكتبه الفقير إلى ربه محمد بن سليمان العبد العزيز البسام المدرس في المسجد الحرام سابقاً.



 حكم إجزاء سُبع البدنة والبقرة عن الشاة في الإهداء وغيره

تأليف

العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي رحمه الله

اعتنى به

محمد بن سليمان العبد العزيز آل بسام

المدرس في المسجد الحرام سابقاً



صورة الصفحة الأولى من مخطوطة حكم إجزاء سبع البدنة والبقرة عن الشاة في الإهداء وغيره


صورة الصفحة الأخيرة من مخطوطة حكم إجزاء سبع البدنة والبقرة عن الشاة في الإهداء وغيره


بسم الله الرحمن الرحيم

لدعاء الحاجة في كثير من الأوقات لهذه المسألة كتبنا فيها ما يلي:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد، فقد كثر سؤال الناس عن إجزاء البدنة والبقرة عن سبع شياه، وهل تقوم مقام السبع في كل شيء من إجزاء وإهداء، أم تقوم مقام السبع في الإجزاء دون الإهداء؟

فأجبت مستعيناً بالله راجياً منه الهداية الظاهرة والباطنة.

قد ثبت في الصحيح من حديث جابر وغيره أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل البدنة والبقرة عن سبعة ([1]) ، كما ثبت عنه أنه لا يجزي في الأضاحي إلا جذع من الضأن أو ثني المعز ([2])، ففهم أهل العلم من هذا أن جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم البدنة عن سبعة يعني أنها تجزي عن سبعة أشخاص، وأنها تنوب مناب سبع شياه. كما أن سبع الشياه تنوب مناب البدنة والبقرة، ولم يزل هذا هو الموجود في أذهان أهل العلم، ولم يذكروا إلا خلافاً لإسحاق بن راهويه وغيره، بأن البدنة تجزي عن عشر شياه.

ومقتضى هذا أن كل سُبْعٍ منها قائم مقام الشاة في الإجزاء والإهداء، فكما تجزي الشاة عن واحد فيجزي سبع البدنة عن واحد، وكما يجوز إهداء الشاة في الثواب لأكثر من واحد فكذلك سُبع البدنة. وكما أن المفهوم من كلام الشارع فهو الذي تقتضيه المعاني الشرعية، والحكمة التي جعل الشارع البدنة عن سبعة لكثرة ثمنها وكبر جسمها وكثرة لحمها ونفعها، وهذه الحكمة تسبق إلى ذهن كل من سمع كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم، لا يشك فيه ولا يمتري.

وأهل العلم ما زالوا على هذا المفهوم من كلام الشارع، ولذلك لما ذكر المجد في المنتقى حديث جابر وحديث ابن عباس وغيرهما في ذلك ترجم عليه، فقال: باب إجزاء البدنة والبقرة عن سبع شياه ([3]) وكذلك غيره. وأيضاً فإجزاء البدنة والبقرة عن سبع إنما معناه أنها سبع أضاحي كما جعلها النبي صلّى الله عليه وسلّم، ليس معناه أن كل واحدة من أضاحيها لا يجوز إهداؤه لأكثر من واحد، فهذه مسألة وتلك مسألة أخرى، فإن الأخيرة هي مسألة إهداء القُرب، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة المتكاثرة جواز إهداء القرب، وقد قررها ابن القيم في كتاب الروح ([4]). وذكر أدلة كثيرة جداً على جواز إهداء القرب ووصول ثوابها للأحياء والأموات، وهو مذهب الإمام أحمد الذي لا يختلف مذهبه فيه.

والمقصود أنه يجب التفريق بين المسألتين وأن لا يجعل عدم إجزاء البدنة عن غير سبع أضاحي منقولاً إلى تلك المسألة، ويسد باب فضل الله وكرمه من غير مانع ولا دليل.

وأيضاً صاحب هذا القول يتناقض، فإنه يجوّز إهداء الشاة الواحدة لأكثر من سبعة، ولا يجوّز إهداء جملة البدنة لأكثر من سبعة، ومع تناقض هذا القائل فليس عنده حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف في ذلك ولا قول واحد من الصحابة، بل ولا قول واحد من أصحاب الإمام أحمد، وإنما نصوصهم على خلاف ذلك كما سنذكرها إن شاء الله تعالى.

وقد قال ابن أبي عمر في الشرح الكبير ولا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة أو بدنة أو بقرة يضحي بها، نص عليه أحمد، وبه قال مالك والليث والأوزاعي وإسحاق إلى آخر كلامه ([5])، فصرح أن البدنة والبقرة قابلة لإهدائها لأكثر من سبعة كالشاة.

والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين ([6]) على سعة اطلاعه على كلام الأصحاب، لمَّا سئل عن إهداء سبع البدنة أو سبع البقرة لأكثر من واحد أجاب بأنه لم ير فيها ما يدل على المنع ولا على الجواز، وإن كان بعض الذين أدركنا يفعلون ذلك، هذا نص فتواه ([7])، فلو كان عنده


من كلام أحد من الأصحاب ما يدل على المنع لذكره، ولو فهم ما فهمه بعض المتأخرين من قول الأصحاب، وتجزي البدنة والبقرة عن سبعة أنه سبعة أشخاص حتى في إهداء أجرها لذكر ذلك، فدل على أن الإفتاء بالمنع من جواز إهداء سبع البدنة حادث لم يعرفه الشيخ رحمه الله.

وقد حرصت على البحث في هذه المسألة وراجعت ما تيسر لي مراجعته من كتب الأصحاب فلم أر أحداً منهم صرَّح بالمنع، بل ولا هو ظاهر من عبارته، بل الذي رأيته من كلامهم في عدة مواضع التصريح بهذه المسألة، وأنها هي المذهب قولاً واحداً، وهاك نقل كلامهم الدال على ما ذكرته ليتضح لك ويتبين لك الصواب.

قال في المنتهى وشرحه، والإقناع وشرحه، وما قبلها وما بعدها من كتب الأصحاب في آخر جزاء الصيد: «وتجزي البدنة والبقرة عن سبع شياه كعكسه كما تجزي سبع الشياه عن البدنة والبقرة»، فانظر رحمك الله هذه العبارة وأنها تدل دلالة لا تقبل الاشتباه أن البدنة جميعها تجزي عن سبع شياه، فإذا كانت سُبعُ الشياه قد تقرر أنه يجوز إهداؤها لأكثر من سبعة أشخاص فالبدنة والبقرة كذلك، وكما أن هذه العبارات تدل على جملة البدنة والبقرة فإنها تدل على سُبعهما من باب أولى وأحرى، وأن سُبع كل منهما قائم مقام الشاة في كل شيء، ومن ذلك إذا أهدى الشاة لأكثر من واحد فإنها تجزي فكذا سُبع البدنة، ولو كان لا يجزي لاستثنوه من هذا العموم كما قالوا مريدين التعميم، ولو في جزاء الصيد إشارة لما في جزاء الصيد من الخلاف، بل قد


ورد حديث بهذا اللفظ ترجم عليه في المنتقى ([8])، فقال: باب إن البدنة والبقرة عن سبع شياه وبالعكس، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتاه رجل فقال: إن عليَّ بدنة وأنا موسر لها ولا أجدها فأشتريها، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يبتاع سبع شياه فيذبحهن، رواه أحمد وابن ماجه، ثم ذكر على هذه الترجمة حديث جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرنا أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة، متفق عليه ([9])، وفي رواية في الحج والعمرة.

والمقصود أن كلامهم في هذا الموضع في المختصرات والمطولات متفق على هذا المعنى وأن البدنة تجزي عن سبع شياه، في كل حال، فمن ادعى استثناء شيء فعليه الدليل وأنّى له ذلك.

الموضع الثاني:

قالوا في كتبهم المختصرة والمطولة؛ الإقناع ([10]) والمنتهى ([11]) والمقنع ([12]) وشروحها ومختصراتها وتوابعها في آخر الجنائز: وأي قربة فعلها المسلم وأهداها أو بعضها كنصفها أو ثلثها أو ربعها لمسلم حي أو ميت نفعه ذلك، ومثَّلوا بالصلاة والصيام والصدقة والحج والأضحية، فمنهم من صرح بالأضحية في هذا المقام كصاحب الإقناع ([13])، ومنهم من عمَّم الحكم بجميع القرب، وهذا نص صريح منهم أن من أهدى أضحية سواء كانت من الغنم أو من الإبل أو من البقر، أو أهدى بعضها كالنصف والثلث والربع وأقل من ذلك أنه يصل إلى المهدى إليه، وينتفع به.

فلو قال في حياته: هذه أضحية عني وعن والدي وذبحها من الغنم أو من البُدن فحكمها واحد، وكذلك لو أهداها بعد وفاته وجعل في وصيته أضحية له ولوالديه أو غيرهما جاز ذلك، ووصل إليهم الثواب، ومن قال إن أضحية الشاة تصل إليهم وأضحية البدنة وهي السُّبع منها أو من البقرة لا يصل، فقد أتى بشيء من عنده وخالف نص الأصحاب كما خالف دليل السُّنّة لغير مستند شرعي، إلا أن يدعي أن الأضحية في هذا المقام لا تطلق إلا على الشاة، وأما سُبع البدنة وسُبع البقرة فلا يسمى اضحية، وهذا مخالف للنص والإجماع.

وهذا يبين لك أن مرادهم بقولهم في باب الأضحية والهدي، وتجزي البدنة والبقرة عن سبعة أنها تكون سَبع أضاحي، ليس مرادهم أن سُبع البدنة والبقرة في باب الإهداء والإحسان لا يهدى لأكثر من واحد، لأنه لو كان هذا مرادهم لتناقض كلامهم، ولكنه ولله الحمد متفق على المراد في الموضعين، ففي باب الأضاحي والهدي، يقال: إن البدنة والبقرة عن سبعة وسبع أضاحي لا أكثر كما دل عليه النص وفي باب الإهداء يجوز إهداء سبعها لأكثر من واحد، كما تهدى الشاة لأكثر من واحد، مع أنها أضحية واحدة لا تجزي إلا عن أضحية واحدة، فالواجب الفرق بين البابين وأن لا يخلط أحدهما بالآخر فيختلط الأمر على صاحبه.


يوضح هذا أنه لو أهدى صلاة واحدة أو صيام يوم واحد أو صدقة بدرهم واحد أو ثوب واحد ونحوه لأكثر من واحد لوصل إليه، فما بال الأضحية لا تصل إلا إذا كانت من الغنم؟ فمن نظر إلى كلامهم في هذا الموضع جزم بلا امتراء أن الطريق واحد في الأضاحي كلها سواء شاة أو سُبع بدنة أو سُبع بقرة.

الموضع الثالث:

في قولهم في الكتب المختصرة والمطولة في الدماء الواجبة، والدم الواجب شاة أو جذع ضأن أو ثني معز أو سُبع بدنة أو سبع بقرة، فهذا أيضاً نص صريح أن من وجب عليه دم سواء كان لواحد كنفسه وأبيه مثلاً أو لعدد كوصية واجبة فيها اضحية واحدة لعدة أشخاص أنه يجزي فيها أحد الأمور الثلاثة، وهذا واضح ولله الحمد.

الموضع الرابع:

 كلامهم في الوقف والوصايا:

فإنهم صرَّحوا بوجوب اتباع لفظ الموصي، فإذا قال الموصي في وصيته: يخرج منها أضحية لوالدي ووالديهم مَثَلاً، نظرنا عند تنفيذ هذه الوصية ما يسمى أضحية شرعية فنجده واحداً من ثلاثة أشياء: شاة أو سُبع بدنة أو سبع بقرة، فإذا نفذنا هذه الوصية بحسب إطلاق الشارع وبحسب العرف الجاري؛ وهو أن كلًّا منها أضحية كنا منفذين لهذه الوصية، وخرجنا من التبعة.

فأما أن نقول: إن نفذناها بشاة خرجنا من التبعة، وإن نفذناها بسُبع بدنة أو بقرة لم نخرج من التبعة، فهو تحكم بلا دليل.

والمقصود أنه لا يوجد حديث صحيح ولا ضعيف ولا قول صاحب من الصحابة ولا قول أحد من الأصحاب ولا دليل يجب المصير إليه يمنع من وصول سُبع البدنة أو البقرة لأكثر من واحد، ويصل إذا كان من شاة. بل الأدلة المذكورة على خلاف ذلك، كما ذكرناها، وليس إفتاء بعض المتأخرين استناداً على العبارة التي ذكرناها، وأجبنا عنها يوجب إهدار شيء مما تقدم، لكن حسب المفتي بذلك أن يكون معذوراً حيث ظن أن هذا هو الشرع، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً واجتهد في إصابة الصواب.

وأما أن قوله يجعل رادًّا لما ذكرنا من الأدلة فحاشا وكلا، وليس عذره عذراً لمن وقف على أدلة المسألة وظهرت له مئآخذها، فالواجب على العبد أن يتبع الدليل حيث كان، ومع من كان، كما عليه أن يحترم أهل العلم والدين بحسب مقاماتهم في الدين.

فنسأل الله تعالى أن يوفقنا وجميع إخواننا المسلمين، إنه رؤوف رحيم، وصلى الله على محمد وسلم.

قال ذلك وكتبه الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي سنة 1359، ونقلته من خطه رحمه الله وأنا الفقير إلى المولى جل وعلا محمد بن سليمان بن عبد العزيز آل بسام في 27 القعدة عام 1412.

* * *


 فائدة تشتمل على نبذة من آداب المعلمين والمتعلمين

تأليف

العلامة الشيخ

عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي رحمه الله

اعتنى به

محمد بن سليمان العبد العزيز آل بسام

المدرس في المسجد الحرام سابقاً



صورة الصفحة الأولى من مخطوطة فائدة تشتمل على نبذة من آداب المعلمين والمتعلمين


صورة الصفحة الأخيرة من مخطوطة فائدة تشتمل على نبذة من آداب المعلمين والمتعلمين


يتعين على أهل العلم من المعلمين والمتعلمين أن يجعلوا أساس أمرهم، الذي يبنون عليه حركاتهم وسكناتهم الإخلاص الكامل والتقرب إلى الله بهذه العبادة، التي هي أجل العبادات وأكملها وأنفعها وأعمها، ويتفقدوا هذا الأصل الجليل في كل دقيق من أمرهم وجليل.

فإن درسوا أو دارسوا، أو بحثوا أو ناظروا، أو أسمعوا أو استمعوا، أو كتبوا أو حفظوا، أو كرروا دروسهم الخاصة، أو راجعوا عليها أو على غيرها الكتب الأخرى، أو جلسوا مجلس علم، أو نقلوا أقدامهم لمجالس العلم، أو اشتروا كتباً أو ما يعين على العلم، كان الإخلاص لله واحتساب أجره وثوابه ملازماً لهم، ليصير اشتغالهم كله قربة وطاعة وسيراً إلى الله وإلى كرامته، وليتحققوا بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة» ([14]).

فكل طريق حسي أو معنوي يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله فإنه داخل في هذا.

ثم بعد هذا يتعين البداءة بالأهم فالأهم من العلوم الشرعية وما يعين عليها من علوم العربية، وتفصيل هذه الجملة معروف، وينبغي أن يسلك أقرب طريق يوصل إلى المطلوب الذي قصده، وأن ينتقي من مصنفات الفن الذي يشتغل فيه أحسنها وأوضحها وأكثرها فائدة، ويجعل جل همه واشتغاله بذلك الكتاب حفظاً عند الإمكان، أو دراسة تكرير، بحيث تكون المعاني معقولة له محفوظة، ثم لا يزال يكرر ما مر عليه ويعيده.

وعلى المعلم أن ينظر إلى ذهن المتعلم وقوة استعداده أو ضعفه، فلا يدعه يشتغل بكتاب لا يناسب حاله؛ فإن هذا من عدم النصح، فإن القليل الذي يفهمه ويعقله خير من الكثير الذي هو عرضة لعدم الفهم والنسيان، وكذلك يلقي إليه من التوضيح والتقرير لدرسه بقدر ما يتبع فهمه لإدراكه، ولا يخلط المسائل بعضها ببعض، ولا ينتقل من نوع من أنواع المسائل إلى نوع آخر حتى يتصور ويحقق السابق، فإنه دَرَكٌ للسابق وليتوفر فهمه على اللاحق.

فأما إذا أدخل المسائل بعضها ببعض قبل فهم المتعلم فإنه سبب لإضاعة الأول وعدم فهم اللاحق، ثم تتزاحم عليه المسائل التي لم يحققها فَيَمَلُّها ويضيق عطنه عن العود إليها، فلا ينبغي أن يهمل هذا الأمر.

وعلى المعلم النصح للمتعلم بكل ما يقدر عليه من التعليم والصبر على عدم إدراكه، وعلى عدم أدبه وجفائه، مع شدة حرصه على ما يقوّمه ويحسن أدبه، لأن المتعلم له حق على المعلم حيث أقبل على العلم الذي ينفعه وينفع الناس، وحيث توجه للمتعلم ([15]) دون غيره، وحيث كان ما يحمله من العلم هو عين بضاعة المعلم يحفظها وينميها، ويطلب بها المكاسب الرابحة، فهو الولد الحقيقي للمعلم الوارث له، قال تعالى: {{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}} [مريم: 5 ـ 6] .

والمراد وراثة العلم والحكمة، فالمعلم مثاب مأجور على نفس تعليمه، سواء فهم أو لم يفهم، فإذا فهم ما علمه وانتفع به بنفسه ونفع غيره كان أجراً جارياً للمعلم ما دام ذلك النفع متسلسلاً متصلاً، وهذه تجارة بمثلها يتنافس الموفقون، فعلى المعلم أن يسعى سعياً شديداً في إيجاد هذه التجارة وتنميتها، فهي من عمله وآثار عمله، قال تعالى: {{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}} [يس: 12] ، فما قدموا: ما باشروا عمله، وآثارهم: ما ترتب على أعمالهم من المصالح والمنافع أو ضدها.

وليرغب المتعلمَ بكل طريق ولا يُملَّه باشتغاله بما يعسر على فهمه من أنواع العلوم ومفرداتها.

وعلى المتعلم أن يوقر معلمه ويتأدب معه حسب ما يقدر عليه لما له من الحق العام والخاص:

أما العام فإن معلم الخير قد استعد لنفع الخلق بتعليمه وفتواه، فحقه على الناس حق المحسنين، ولا إحسان أعظم وأنفع من إحسان من يرشد الناس لأمر دينهم، ويعلمهم ما جهلوا وينبههم لما عنه غفلوا، ويحصل بسبب ذلك من الخير، وانقماع الشر ونشر الدين والمعارف النافعة، ما هو أنفع شيء للموجودين ومن أتى من بعدهم من ذريتهم وغيرهم.

فلولا العلم كان الناس كالبهائم في ظلمة يتخبطون، وفي غيهم يعمهون، فهو النور الذي يهتدى به في الظلمات، والحياة للقلوب والأرواح والدين والدنيا.

والبلد الذي ليس فيه من يبين للناس أمر دينهم ويرشدهم لما ينتابهم مما هم مضطرون إليه، لا خير في الإقامة فيه. فمن كان هذا إحسانه وأثره كيف لا يجب على كل مسلم محبته وتوقيره والقيام بحقوقه؟

وأما حقه الخاص على المتعلم فَلِمَا بذله من تعليمه، والحرص على ما يرشده ويوصله إلى أعلى الدرجات، فليس نفع الآباء والأمهات نظيراً لنفع المعلمين والمربين للناس، بصغار العلم قبل كباره، الباذلين نفائس أوقاتهم وصفوة أفكارهم في تفهيم المسترشدين بكل طريق ووسيلة يقدرون عليها، وإذا كان من أحسن إلى الإنسان بهديَّة مالية ينتفع بها، ثم تذهب وتزول، له حق كبير على المحسن إليه، فما الظن بهدايا العلم النافع الكثيرة المتنوعة؛ الباقي نفعها ما دام العبد حياً وبعد مماته المتسلسل بحسب حال تلك الهدايا، فحينئذٍ يعرف حقه ويوقره ويحسن الأدب معه.

ولا يخرج عن إشارته وإرشاده، وليجلس بين يديه متأدباً ويظهر غاية حاجته إلى علمه، ويدعو له حاضراً وغائباً، وإذا أتحفه بفائدة وتوضيح لعلم فلا يظهر له أنه قد عرفه قبل ذلك وإن كان عارفاً له، بل يصغي إليه إصغاء المتطلب بشدة إلى الفائدة، هذا فيما يعرفه؟! فكيف بما لا يعرفه؟ ولهذا كان هذا الأدب مستحسناً مع كل أحد في العلوم والمخاطبات في الأمور الدينية والدنيوية.

وإذا أخطأ المعلم في شيء فلينبهه برفق ولطف بحسب المقام، ولا يقول له أخطأت أو ليس الأمر كما تقول، بل يأتي بعبارة لطيفة يدرك بها المعلم خطأه من دون أن يتشوش قلبه، فإن هذا من الحقوق اللازمة، وهو أدعى للوصول إلى الصواب، فإن الرد الذي يصحبه سوء الأدب وانزعاج القلب يمنع من تصور الصواب ومن قصده.

وكما أن هذا لازم على المتعلم، فعلى المعلم إذا أخطأ أن يرجع إلى الحق، ولا يمنعه قولٌ قاله ثم رأى الحق في خلافه من مراجعة الحق والرجوع إليه، فإن هذا علامة الإنصاف والتواضع للحق، فالواجب اتباع الصواب سواء جاء على يد الصغير أو الكبير.

ومن نعمة الله على المعلم أن يجد من تلاميذه من ينبهه على خطائه ويرشده إلى الصواب، ويزول استمراره على جهله، فهذا يحتاج إلى شكر الله ثم إلى شكر من أجرى الله الهدي على يديه متعلماً أو غيره.

ومن أعظم ما يجب على المعلمين أن يقولوا لما لا يعلمونه: الله ورسوله أعلم، وليس هذا بناقص لأقدارهم، بل هذا مما يزيد قدرهم، ويستدل به على دينهم وتحرّيهم للصواب.

وفي توقفه عما لا يعلم فوائد كثيرة.

منها: أن هذا هو الواجب عليه.

ومنها: أنه إذا توقّف وقال: لا أعلم، فما أسرع ما يأتيه علم، ذلك إما من مراجعته أو مراجعة غيره، فإن المتعلم إذا رأى معلمه توقف جدَّ واجتهد في تحصيل علمها وإتحاف المعلم بها، فما أحسن هذا الأثر.

ومنها: أنه إذا توقف عما لا يعرف كان دليلاً على ثقته وإتقانه فيما يجزم به من المسائل، كما أن من عرف منه الإقدام على الكلام فيما لا يعلم كان ذلك داعياً للريب في كل ما يتكلم به، حتى في الأمور الواضحة.

ومنها: أن المعلم إذا رأى منه المتعلمون توقفه عما لا يعلم كان ذلك تعليماً لهم وإرشاداً إلى هذه الطريقة الحسنة، والاقتداء بالأحوال والأعمال أبلغ من الاقتداء بالأقوال.

ومما يعين على هذا المطلوب أن يفتح المعلم للمتعلمين باب المناظرة في المسائل والاحتجاج عليها، وأن يكون القصد واحد وهو اتباع ما رجحته الحجة والأدلة، فإنه إذا جعل هذا الأمر نصب عينيه وأعينهم تنورت الأفكار، وعرفت المئآخذ والبراهين واتبعت الحقائق، وكان القصد الأصلي وتوابعه معرفة الحق واتباعه.

والحذر الحذر من التعصب للأقوال والقائلين؛ وهو أن يجعل القصد من المناظرة نصر القول الذي قاله ([16]) أو قاله من يعظمه، فإن التعصب مُذْهِبٌ للإخلاص مزيل لبهجة العلم، مُعْمٍ للحقائِق، فاتح لأبواب الخصام والحقد. كما أن الإنصاف هو زينة العلم، وعنوان الإخلاص والنصح والفلاح.

وليحذر مِنْ طلب العلم للأغراض الفاسدة والمقاصد السيئة؛ من المباهاة والمماراة والرياء والسمعة ([17])، أو أن يكون له وسيلة إلى الأغراض الدنيوية والرئاسة، فليست هذه حال أهل العلم الذين هم أهله في الحقيقة، ومن طلب العلم واستعمله في أغراضه السيئة أو رياء أو سمعة فليس له في الآخرة من خلاق.

ومن أعظم ما يتعين على أهل العلم الاتصاف بما يدعو إليه العلم من الأخلاق والأعمال والتعليم، فهم أحق الناس بالاتصاف بالأخلاق الجميلة والتخلي من كل خلق رذيل، وهم أولى الناس بالقيام بالواجبات الظاهرة والباطنة وترك المحرمات، لما تميزوا به من العلم والمعارف، التي لم تحصل لغيرهم، ولأنهم قدوة الناس في أمورهم ولأنه يتطرق إليهم من الاعتراض والقوادح عندما يتركون ما يدعو إليه العلم أعظم مما يتطرق إلى غيرهم.

وأيضاً فكان السلف يستعينون بالعمل على العلم ([18])؛ فإن عمل به استقر ودام ونمى وكثرت بركته، وإن ترك العمل به ذهب أو عدمت بركته، فروح العلم وحياته وقوامه إنما هو بالقيام به عملاً وتخلقاً وتعليماً ونصحاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وينبغي سلوك الطريق النافع عند البحث تعلماً وتعليماً، فإذا شرع المعلم في مسألة وضَّحها وأوصلها إلى إفهام المتعلمين بكل ما يقدر عليه من التعبير وضرب الأمثال والتصوير والتحرير، ثم لا ينتقل منها إلى غيرها قبل تحققها وتفهيمها للمتعلمين، ولا يدع المتعلمين يخرجون من الموضوع الذي لم يتم تقريره إلى موضوع آخر حتى يُحْكِمُوه ويفهموه، فإن الخروج من الموضوع إلى غيره قبل الانتهاء منه يشوش الذهن ويحرم الفائدة ويخلط المسائل بعضها ببعض.

وينبغي تعاهد محفوظات المتعلمين ومعلوماتهم بالإعادة والامتحان والحث على المذاكرة والمراجعة وتكرار الدرس، فإن التعلم بمنزلة الغرس للأشجار، والدرس والمذاكرة والإعادة بمنزلة السقي لها وإزالة الأشياء المضرة لتنمو وتزداد على الدوام.

وكما أن على المتعلم توقير معلمه والأدب معه، فكذلك أقرانه في التعلم معه عليه توقيرهم واحترامهم. فالصحبة في طلب العلم تجمع حقوقاً كثيرة؛ لأن لهم حق الأخوّة والصحبة، وحق الاحترام لما قاموا به من الاشتغال بما ينفعهم وينفع الناس وهو الانتماء إلى معلمهم، وأنهم بمنزلة أولاده، وحق لنفع بعضهم بعضاً.

ولهذا ينبغي أن لا يدع ممكناً يقدر عليه من نفع من يقدر على نفعه منهم من تعليمه ما يجهل، والبحث معه للتعاون على الخير وإرشاده لما فيه نفعه، وينبغي أن يكون اجتماعهم في كل وقت غنيمة يتعلم فيه القاصر ممن هو أعلا منه، ويعلم العارف غير العارف، ويتطارحون المسائل النافعة، وليجعلوا همهم مقصوراً على ما هم بصدده، وليحذروا من الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم، فإنه إثم حاضر.

والمعصية من أهل العلم أعظم من غيرهم، لأن الحجة عليهم أقوم، ولأن غيرهم يقتدي بهم، ومن كان طبعه الشر من غيرهم جعلهم حجة له، ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره.

واعلم أن القناعة باليسير من الرزق والاقتصاد في أمر المعيشة مطلوب من كل أحد، لا سيما المشتغلون بالعلم، فإنه كالمتعين عليهم، لأن العلم وظيفة العمر كله أو معظمه، فمتى زاحمته الأشغال الدنيوية والضروريات حصل النقص بسبب ذلك، والاقتصاد والقناعة من أكبر العوامل لخصر ([19]) الأشغال الدنيوية وإقبال المتعلم على ما هو بصدده.

ومن آداب العالم والمتعلم النصح وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان، حتى لو تعلم الإنسان مسألة وبثها كان ذلك من بركة العلم، ولأن ثمرات العلم أن يأخذه الناس عنك، فمن شح بعلمه مات علمه بموته، وربما نسيه وهو حي، كما أن من بث علمه كان له حياة ثانية وحفظاً لما علمه وجازاه الله بحسب عمله.

ومن أهم ما يتعين السعي في جمع كلمتهم وتأليف القلوب على ذلك، وحسم أسباب الشر والعداوة والبغضاء بينهم، وأن يجعلوا هذا الأمر نصب أعينهم وغاية يسعون إليها بكل طريق، لأن المطلوب واحد والقصد واحد، والمصلحة مشتركة، فيحققون هذا الأمر بمحبة كل من كان من أهل العلم ومن له قدم فيه أو اشتغال أو نفع، ولا يدعون الأغراض الفاسدة تملكهم وتمنعهم من هذا المطلوب الجليل، فيحب بعضهم بعضاً، ويذب بعضهم عن بعض، ويبذلون النصيحة لمن رأوه منحرفاً عن الآخر، ويبرهنون على أن الأمور الجزئية التي تدعو إلى ضد المحبة والائتلاف لا تقدم على الأصول الكلية التي فيها جمع الكلمة.

ولا يدعون أعداء العلم من العوام وغيرهم يتمكنون من إفساد ذات بينهم وتفريق كلمتهم، فإن في تحقيق هذا المقصد الجليل والقيام به من المنافع والمصالح ما لا يحصى، ولو لم يكن فيه إلا أن هذا هو الدين الذي حث الشارع عليه بكل طريق.

وأعظم من يلزمه القيام به أهله، ولأنه من أعظم الأدلة على النصح والإخلاص الذين هما قطب الدين وروحه، وإن بهذا الوصف يتصف العبد بأنه من أهل العلم الذين هم أهله الذين ورد في الكتاب والسنة من مدحهم والثناء عليهم ما لا يتسع هذا الموضع لذكره.

وفيه من تكثير العلم وتوسعة الوصول إليه وتنوع طرقه ما هو مشاهد، فإن أهل العلم إذا كانت طريقتهم واحدة تمكن أن يتعلم بعضهم من بعض، ويعلم بعضهم بعضاً، وإذا كانت كل طائفة منهم منزوية عن الأخرى منحرفة عنها انقطعت الفائدة وحل محلها ضدها، وحصل التعصب والبغض والتفتيش عن عيوب الطائفة الأخرى وأغلاطها، وكل هذا مناف للدين والعقل، ولما يتعين على أهل العلم ولما كان عليه السلف الصالح.

فالموفق تجده ناصحاً لله بتوحيده والقيام بعبوديته ظاهراً وباطناً، بإخلاص واحتساب وتكميل لها بحسب وُسْعِه، ناصحاً لكتاب الله بالإيمان بما اشتمل عليه، والإقبال على تعلمه وتعلم ما يتعلق به ويتفرع عنه من علوم الشريعة كلها، ناصحاً لرسوله بالإيمان بكل ما جاء به من أصول الدين وفروعه وتقديم محبته على كل محبة بعد محبة الله تعالى، وتحقيق متابعته في شرائع الدين الظاهرة والباطنة، ناصحاً لأئمة المسلمين من ولاتهم وعلمائهم ورؤسائهم في محبة الخير لهم والسعي في إعانتهم عليه قولاً وفعلاً، ومحبة اجتماع الرعية على طاعتهم وعدم مخالفتهم الضارة، ناصحاً لعامة المسلمين، يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويصدق ظاهره باطنه، وأقواله أفعاله، ويدعو إلى هذا الأصل القويم والصراط المستقيم.

فنسأل الله الكريم أن يرزقنا حبه وحب من يحبه، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبه، ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.

وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

قال ذلك وكتبه الفقير إلى ربه عبد الرحمن الناصر بن سعدي، ونقله من خط المؤلف الفقير إلى مولاه محمد بن سليمان بن عبد العزيز آل بسام.

بتاريخ 1/ذي الحجة عام 1412هـ.

* * *



 نبذة مختصرة إجمالية عن الإسلام والإشارة إلى مهمات محاسنه

تأليف

العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي رحمه الله

اعتنى به

محمد بن سليمان العبد العزيز آل بسام

المدرس في المسجد الحرام سابقاً



صورة الصفحة الأولى من مخطوطة نبذة مختصرة إجمالية عن الإسلام والإشارة إلى مهمات محاسنه


صورة الصفحة الأخيرة من مخطوطة نبذة مختصرة إجمالية عن الإسلام والإشارة إلى مهمات محاسنه


الإسلام الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد باعتقاد كماله، الذي لا غاية فوقه في الكمال الذي متعلقه ما جاءت به الرسل من صفات المولى، وإثبات الصفات على الوجه اللائق بعظمة الله وكماله المطلق، والعلم اليقيني بأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الكائنات؛ دقيقها وجليلها علويها وسفليها، وأنه لا يأتي بالخير إلا هو ولا يدفع الشر إلا هو، وأن النعم كلها من الله لا فرق بين الدينية والدنيوية، ولا بين ما حصل بسبب أو بغير سبب من العبد، فإن الأسباب كلها بيد الله.

ثم امتلإ القلب من تعظيم الله والإنابة إليه في كل الأمور، والتأله والتعبد لله بما شرعه على ألسنة رسله، وطاعته وطاعة رسله خصوصاً محمداً صلّى الله عليه وسلّم، الذي نحن مأمورون بالإيمان به وبما جاء به جملة وتفصيلاً، معرفة واعتقاداً وعملاً.

هذا هو حقيقة دين الإسلام ومجمله، والعقائد والشرائع الظاهرة والباطنة المشروعة على لسان رسوله تفصيل لهذا الأصل، فهو دين الله الذي ليس له دين يدان به سواه: {{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}} [آل عمران: 85] ، وهو الذي عليه جميع الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم إلى يوم الدين، وقرره على لسان نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم، فأثبت ما جاءت به الرسل من الحق وهيمن على جميع الكتب السابقة؛ بإثبات جميع ما فيها من الحق، ورد ما زيد فيها أو نقص أو حُرِّف، ثم أكمل الله له الدين وأتم عليه وعلى أمته النعمة ورضي لهم الإسلام ديناً.

وهو الدين المشتمل على الإيمان بجميع الرسل وما أوتوه من عند الله من عقائد وشرائع عامة، قال تعالى: {{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ}} [البقرة: 136] ، إلى آخرها، فهو كما ترى قد تضمن جميع الإيمان بكل رسول أرسله الله، وبكل كتاب أنزله الله، وبكل حق كان ويكون إلى أن تقوم الساعة، فلم يبق دين حق إلا دخل فيه واشتمل عليه.

ومن براهينه أنه يأمر بالإيمان بكل حق وصدق وبر وعدل وصواب، وبكل خير وصلاح وإصلاح وهدي ورشاد وإحسان وخلق جميل، وينهى عما يضاد ذلك، وأن جميع محاسن ما عليه الأمم قديماً وحديثاً قد دعا إليها وأرشد لها وبيّنها بأحسن عبارة وأوضحها وقرب طريقها، وأن كل قبيح وشر قديماً وحديثاً قد نهى عنه، وحذر وأرشد إلى الطرق المبعدة عنه.

ومن أعظم محاسنه أنه مبني على التوحيد الخالص، والدين الخالص في الاعتقاد والأقوال والأفعال؛ فمن آثار هذا التوحيد إخلاص العمل الظاهر والباطن لله في حقوق الله وحقوق خلقه، والاعتماد الكامل على الله في جلب المنافع ودفع المضار، لعلم الموحِّد أنه المتفرد بالنفع والضر والعطاء والمنع، وأن الخلق كلهم أعجز وأقل من أن يعارضوا إرادة الله ومشيئته.

ومن آثار هذا التوحيد نبذ الشرك والغلو في المخلوقين، وأن لا يرفع المخلوق فوق منزلته التي أنزله الله بها، ولا يُعْطَى من خصائص الربوبية والإلهية شيئاً، لعلم الموحد أنه لا مألوه ولا معبود بحق إلا الله، وأن الشرك بالله هو أظلم الظلم وأقبح القبيح.

ثم من محاسن هذا الدين ما يتبع هذا الأصل الجليل من الأوامر الجميلة الكفيلة بصلاح الدين والدنيا والأحوال كلها؛ كالأمر بالصلاة والزكاة والصدقة وأنواع البذل في المشاريع الخيرية، والصيام والحج والعمرة والجهاد لمن عارض الحق ومنع الدعوة إلى الدين الحق، والأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر.

وبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى المماليك والجيران والأصحاب وعموم الخلق من بذل العلم والمال والجاه، وطلب العلوم النافعة المتنوعة، والعفو عن الناس، وإجابة الدعوة وعيادة المريض وتشييع الجنازة.

والسلام والتحية، وردها بمثلها أو أحسن منها، وتشميت العاطس وإجابته، ومحبة الله وخوفه ورجاؤه والإنابة إليه في جميع النوائب، والفزع إليه في كل المهمات، والتوكل عليه.

والعمل بالأسباب النافعة والصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله المؤلمة ابتغاء وجهه، والشكر لله على نعمه، وشكر من أحسن إليك من الخلق، ومحبة ما يحبه الله ورسوله.

والحياء والعفة عن القبائح كلها، والعدل في الأحكام وفي جميع المعاملات والحقوق، وحسن الوفاء والاستيفاء، والوفاء بالعقود والعهود والأمانات كلها، والصدق وترك الغضب والحقد والحسد، والحث على التواضع وعدم التكبر على الحق وعلى الخلق، وترك العجب والخُيلاء، ونهي النفس عن الهوى.

والرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، وحسن الظن بالله والإكثار من ذكره آناء الليل والنهار، والتفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه؛ في آياته المسموعة وآياته المشهودة، والاستدلال به على مدلوله والعمل بمدلوله.

وسن كل سنة حسنة والتحذير من ضدها، والتوبة من جميع المعاصي، والخروج من المظالم ونصر المظلومين وقمع الظالمين، وغير ذلك من الشرائع الظاهرة والباطنة، التي بمجرد ما يتصورها صاحب اللب يجزم جزماً لا ريب فيه أن الدين المشتمل عليها هو الدين الحق، وأن كل ما عارضه فهو باطل، وأنه هو الدين الصالح لكل زمان ومكان، وأنه لم يدخل ولن يدخل على الخلق نقص ولا ضرر في دينهم ولا دنياهم إلا من تضييع هذا الدين، الذي كفل كفالة صارمة أن من قام به استقامت أموره وصلحت أحواله، وأنه هو الدين الذي يصلح العقول والقلوب والأخلاق والآداب والتربية النافعة، ويحفظ من الانهيار إلى الدمار والشقاء، والواقع أكبر شاهد على هذا.

وما من صلاح تسرب إلى أي أمة من الأمم إلا وأصله ومنبعه هذا الدين القويم، وإذا أردت أن تعرف مقداره فزنه بالميزان الصحيح والعقل الرجيح بكل دين خالفه؛ تجد أنه لا نسبة بينها وبينه بوجه من الوجوه.

ويكفي في هذا المقام أن تعرف أن الدين الإسلامي مشتمل على أخبار وشرائع، وأن أخباره كلها ليس منها خبر واحد صحيح قد أتى بما يخالف المعقولات والمحسوسات، ومن ادعى خلاف هذا تبين فساد قوله بأدنى تأمل، بل أخباره نوعان؛ نوع يشهد العقل بصحتها ومطابقها للحق، ونوع لا يهتدي العقل إلى تفصيلها، بل يحار فيها وليس عنده ما يبطلها ويقدح فيها.

وقد أظهر الباري تعالى في هذه الأزمنة المتأخرة من آياته الكونية ومن العلوم الكونية والاختراعات الباهرة ما هو من أكبر الأدلة على ما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، فلقد كان الكفار الملحدون ينكرون ما أخبر الله به ورسوله من الأمور التي يستبعدونها على قُدَر المخلوقين؛ فأنكروا البعث بعدما كانوا تراباً ورفاتاً واستبعدوا الإسراء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة، واستبعدوا تنادي أهل الجنة وأهل النار مع البعد السحيق، واستبعدوا كثيراً من أمور الغيب استناداً على مجرد عقولهم الفاسدة، ولم يزل الملحدون يستبعدون وينكرون كل ما لم يشاهدوه، فأراهم الله في هذه الأوقات ما يكذبهم وينقض استبعاداتهم مما شاهدوه في الآفاق وفي أنفسهم ([20]).

فإذا كان المخلوق الناقص من كل وجه ضعيف العلم ضعيف الإرادة ضعيف القدرة ضعيف العمل قد علمه الله ما لم يكن يعلم من علوم الطبيعة والمادة، حتى تمكن الناس من الطيران في الهواء والغوص في لجج البحار، والتخاطب من مشارق الأرض ومغاربها، وغير ذلك من المخترعات الحديثة، فكيف بمن هو على كل شيء قدير الذي انقادت لقدرته عناصر العالم العلوي والسفلي ونفذت مشيئته في جميع الكائنات، وأحاط عمله بكل شيء، وأظهر البراهين القاطعة والأدلة الواضحة على صدق ما أخبر به، وأخبرت به رسله من أدلة عقلية ونقلية وفطرية وكونية؟ فبعداً للمكذبين {{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ *يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *}} [الجاثية: 7 ـ 8] .

وكذلك الشرائع والأوامر والنواهي كلها على وفق الميزان الصحيح، لأنها تضمنت الأمر بكل خير نافع والنهي عن كل شر ضار، فما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به، ولا أخبر بشيء فجاء على خلاف المحسوس المعقول.

وما من علم صحيح يوجد في أي أمة كانت إلا وقد دعا إليه وأرشد، ونبه الخلق على سلوك طريقه، وما من عمل صالح نافع إلا وقد أمر به وأرشد إليه، وكلما ازدادت الجماعات أو الأفراد في القيام به علت درجتهم وارتقوا في درج الكمال.

ولقد خضعت أرباب العقول لهدايته وشرائعه وإصلاحه الكامل، ولقد حاول أعداؤه الانتقاد على بعض أفراد الشرائع لفرط العداوة والهوى والتعصب، فبيّن بالبراهين الواضحة بطلان انتقاداتهم، وأن الشرع مطلقاً من دون قيد وشرط قد مشى على الصراط المستقيم أصولاً وفروعاً، وأن كل أمر خلصت مصلحته أو كانت مصلحته أرجح من مضرته فقد أمر به، وما خلصت مفسدته أو كانت المفسدة راجحة على المصلحة إلا وقد نهى عنه. واعتبر هذا الأصل في العبادات والمعاملات والجنايات وغيرها تجدها شاهدة لهذا الأصل الشرعي المؤيد بالبراهين.

ومن محاسن هذا الدين ما أمر به من أداء الحقوق للأهل والأولاد والمماليك، وحقوق الراعي والرعية بعضهم لبعض، فكلها مطابقة للعدل والصلاح والإصلاح، وقد نبهنا على بعض هذا الحكم في كتابنا السؤال والجواب ([21]).

وكذلك المواريث وتفاصيلها الجميلة والمعاملات الواسعة بين الناس كلها مبنية على العدل والمصلحة وتمام الانتظام المشتمل على مصالح المعاش والمعاد.

ومن محاسنه ما شرعه من الحدود على الجرائم وتنوعها وصفاتها بحسب الجرائم، لما يحصل بها من تمام الردع والزجر على أكمل وجه وأعدله.

ومن أجَلّ محاسن هذا الدين أنه أحلّ كل طيب من المئآكل والمشارب والملابس والمناكح والأقوال والأفعال، وحرم كل خبيث منها، وأنه ما من طريق محرم يتوهم المتوهم أن الحاجة أو الضرورة تدعو إليه إلا وفي الطريق المباح غنية عنه وفسحة معما اشتمل عليه المباح من المنفعة والخير.

وبالجملة فقد بعث الله محمداً بالهدى ودين الحق، فكل علم نافع وعمل صالح فقد دعا إليه وجاء به، وظهر ذلك في أخلاقه الكريمة وأخلاق أمته القائمين بدينه، فكان في أخلاقه الجميلة المتنوعة وأخلاق أمته القائمين بما جاء به علماً وعملاً، وآثار هذا الدين في علومهم وأخلاقهم وتربيتهم العالية وما فاقوا به الأولين والآخرين أكبر شاهد ودليل على كمال دينهم، الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه.

وما حصل النقص على المسلمين إلا بتركهم لبعض دينهم؛ فحيث كان قيامهم بالدين تاماً كانت أحوالهم كلها مستقيمة، وحيث ضعف قيامهم به حصل النقض بحسب ذلك، فهذا برهان على أن الصلاح يدور مع دين الإسلام وجوداً وَعدماً.

فأصل الصلاح وفرعه وقيامه وتمامه بسلوك دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم والحق المبين، وما سواه من كل دين يعارضه فهو منبع الشر والفساد والإفساد للعقائد والأخلاق والأعمال والدين والدنيا وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ولو لم يكن من محاسن هذا الدين الإسلام إلا هذا القرآن العظيم، الذي هو روحه وأساسه ومنبعه، الذي احتوى على ما لم يحتو عليه كتاب طرق العالم منذ أنشأ الله العالم؛ حيث احتوى على كل علم نافع ومعارف صحيحة، وأخبار صادقة، وعقائد جليلة، وأحكام جميلة، وأخلاق حميدة، وصلاح وإصلاح للدين والدنيا جميعاً، وبلاغة عالية وغيوب صادقة، مطابقة وإحقاق لكل حقّ وإبطال لكل باطل، لكفى به شرفاً وفضلاً وعلوّاً وارتفاعاً.

وهو الكتاب الذي لو جعلته جميع الأمم أمامها لقادها إلى كل سعادة وفلاح، ولمنعها من كل انهيار وشقاء، وليس هذا مجرد دعوى ومبالغة بل هو أقل ما يقال عن القرآن، ومن عنده أدنى فهم([22])[23] وإنصاف اعترف بذلك بلا ريب، لأنه مشتمل على جميع وجوه الإعجاز الذي هو آيات بينات وبراهين ساطعات من جهة لفظه وحسنه وبلاغته وأسلوبه العجيب، بحيث لا يقاربه أي كلام كان.

ومن جهة ما فيه من علوم الغيب التي وقعت مطابقة للواقع في زمان النبوّة وبعده لا تزال تظهر حيناً بعد حين، ومن جهة اتفاق معانيه وعدم الاختلاف، فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.

ومن جهة ما اشتمل عليه من العلوم الراقية الشرعية والتشريعية والكونية. ومن جهة عجز الخلق عن معارضته ومناقضته وإبداء خلاف ما أخبر به مع التحدي التام للأولين والآخرين، فلا تعارض ألفاظه ولا معانيه.

من جهة تحقيقه لأمور كانت مجهولة للخلق من المسائل العلمية والتاريخية التي لم تكن موجودة في زمن البعثة كما قرر ذلك حكماء هذه الأمة في الأزمنة الأخيرة، فهو أكبر دليل وبرهان على نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأن الدين الذي استمد منه هو دين الله حقاً الذي شرعه لعباده وجعله موصلاً إلى سعادة الدنيا والآخرة وبالله التوفيق.

قال ذلك وكتبه الفقير إلى الله من جميع الوجوه عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ونقله من خط المؤلف الفقير إلى مولاه محمد بن سليمان بن عبد العزيز آل بسام بتاريخ 3/الحج/1412هـ.

تمت مراجعة حسب الإمكان بيد كاتبه محمد بن سليمان البسام وابنه منصور.



[1]- رواه مسلم (4/87، 88)، والترمذي (365)، ونيل الأوطار (5/186).

[2]- المقنع (338).

[3]- المنتقى (294).

[4]- الروح (172).

[5]- الشرح الكبير (343).

[6]- ولد 1194، وتوفي 1282، انظر إلى السحب الوابلة (626)، وعلماء نجد (2/567).

[7]- فتاوى أبا بطين (218).

[8]- المنتقى (294).

[9]- البخاري (3/432)، مسلم (2/882).

[10]- الإقناع (374).

[11]- المنتهى (260).

[12]- المقنع (257).

[13]- الإقناع (52).

[14]- مسلم (4/2074).

[15]- كذا وجدتها ولعله له أو للمعلم.

[16]- انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (ج2).

[17]- ابن ماجه من طلب العلم يباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء إلى آخره.

[18]- كذا بالأصل. قلت ولعله بالعلم على العلم.

[19]- كذا في المخطوطة ولو قال لاختصار لكان أوضح.

[20]- دليل ذلك: {{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *}} [فصلت: 53].

[21]- سؤال وجواب في أهم المهمات ص(18)، مطبعة دمشق 1372هـ.

[22]- كذا ولعله أدنى علم.

رأيك يهمنا