الدعاء وأهميته في الدعوة إلى الله في ضوء القرآن والسنة

نبذة مختصرة

هذا البحث يتناول أهمية الدعاء في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيان أثره في استجابة الدعوة، وما يعود على الداعية من الخير بسببه، وهو على أحوال: إما دعاءٌ لغير المسلمين بالدخول في الإسلام، أو دعاءٌ للمسلمين بالتطهير من الذنوب، أو دعاءٌ لهم بالثبات على الدين، أو دعاءٌ لهم بما يُعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى.

تنزيــل

تفاصيل

 الدعاء وأهميته في الدعوة إلى الله في ضوء القرآن والسنة

إعداد

د. سليمان بن قاسم العيد

جامعة الملك سعود

كلية التربية

قسم الثـقافة الإسلامية

1424هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

 تقديم

        إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:-

       لقد أمر الله (سبحانه وتعالى) عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، وتوعد المتكبرين  بنار جهنم، فقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ([1]). وقال (عليه الصلاة والسلام): ((الدعاء هو العبادة))([2])، فالدعاء مهم في حياة الإنسان كلها، فكم نَفَّسَ الله به من كربة، وكشف به من غمة، ورفع به من بلاء، وكم أعطى به من خير الدنيا والآخرة.

       ومن جانب آخر فإن الدعاء له أهمية كبرى في الدعوة إلى الله، فكم فتح الله به قلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، وكم بدل الله به القلوب، وحول الأحوال.

       ولقد أمر الله (سبحانه وتعالى) نبيه الكريم محمداً (صلى الله عليه وسلم) بقوله: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ([3]) ومن الحكمة في الدعوة استخدام أنجح الوسائل والأساليب في دعوة الناس، والحرص على كافة السبل المؤدية إلى استجابتهم إلى تلك الدعوة، ومن الحكمة في الدعوة لجوء الداعية إلى الله (سبحانه وتعالى) بدعائه للناس إما في الدخول في هذا الدين، أو تطهيرهم مما هم فيه من الذنوب والآثام، أو الدعاء لهم بالثبات وأسبابه، أو الدعاء لهم بما يعينهم على أداء العبادات من أمور الدنيا. وهذا البحث الذي نحن بصدده بعنوان:        

الدعاء وأهميته في الدعوة إلى الله في ضوء القرآن والسنة

 وتعود أهمية الموضوع وأسباب اختياره إلى أمور منها:-

1- إن هداية الناس بيد الله سبحانه وتعالى:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ([4]) فهو مالك القلوب ومصرفها، لذا كان على الداعية أن لا يغفل عن اللجوء إليه (سبحانه وتعالى) لاستجابة الدعوة وصلاح الناس.

2- إن الدعاء هو نهج الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، فدعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذا الصدد كثير([5])، ودعاء إبراهيم (عليه السلام) العظيم لهذه الأمة:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} ([6]). وقد ورد في المسند أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال عن نفسه: (( إني عبدالله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل([7]) في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت))([8]).

3- أمر الله (سبحانه وتعالى) رسوله محمداً (صلى الله عليه وسلم) به ومن ذلك قوله:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}([9]). وهذا دعاء لهم بتطهيرهم من الذنوب.

4- غفلة بعض القائمين بالدعوة عن الدعاء في هذا الجانب، أو الجهل ببعض أحكامه، كحكم الدعاء بالهداية للمشركين، أو حكم الاستغفار لهم، والتفريق بين ما يجوز وما لا يجوز من الأدعية للكفار.

التعريف بمصطلحات البحث

الدعاء: الدُّعَاءُ في اللغة: مصدر الفعل (دَعَا)، ويقال: دعا الرجل دعواً ودعاءً: ناداه. والاسم: الدعوة. ودعيت فلاناً: صِحْتُ به واستَدْعَيْتُه. ودعوت الله له وعليه، والدعوة المرة الواحدة. والدعاء واحد الأدعية، وأصله دُعَاوٌ، لأنه من دعوت، إلا أن الواو لما جاءت بعد الألف همزت([10]).

    أما الدعاء في الاصطلاح، فقد عرفه أهل العلم بتعريفات منها: -

1- قال الخطابي: ((استدعاء العبد ربه (عز وجل) العناية، واستمداده إياه المعونة))([11]).

2- قال ابن القيم: ((طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه))([12]).

الدعوة: للدَّعْوَةُ لغة عدة استعمالات، منها: الدعاء إلى الطعام، يقال كنا في دَعوة فلان ومَدْعَاةِ فلان. والدِّعوة بالكسر في النسب، يقال فلان دَعِيٌّ بين الدِعوة والدَعوى في النسب، هذا كلام أكثر العرب إلا عَدِيَّ الربابِ فإنهم يفتحون الدال في النسب، ويكسرونها في الطعام. وتداعت الحيطان للخراب أي تهادت. وتداعى القوم أي دعا بعضُهم بعضاً. ودعوت فلاناً أي صحت به. ورجل داعية إذا كان يدعو الناس إلى بدعة أو دين، وأدخلت الهاء فيه للمبالغة. ويطلق الداعية على صريخ الخيل في الحروب. والدعوة من دعا إلى الشيء، أي ساقه إليه، وحثه على قصده([13]). ومنه قوله سبحانه:{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ([14] وقوله سبحانه: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} ([15]).  

الدعوة اصطلاحاً: عرفها علي محفوظ بقوله : (( حث الناس على الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ ليفوزوا بسعادة العاجل والآجل ))([16]).

الداعي: اسم فاعل، من دعا يدعو، وتأتي فيه الهاء أحياناً للمبالغة، فيقال عمن عرف بالدعوة (داعية)، والمقصود بهذا المصطلح في البحث هو القائم بالدعوة إلى الله (سبحانه وتعالى)، كما في قوله سبحانه:{وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} ([17]). وقوله: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ([18]) .

المدعو:  اسم مفعول، من دعا يدعو، فهو مدعو، والمقصودبه في هذا البحث هو الإنسان الذي توجه إليه الدعوة، المراد صلاحه في دينه أو دنياه، وهو عام يشمل المسلم وغير المسلم، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ([19]) .

الدارسات السابقة: 

       بعد سؤال بعض المختصين، والتحري والبحث في بعض المكتبات، التي هي مظنة وجود مثل هذا البحث، كمكتبة الملك فهد الوطنية، ومركز الملك فيصل، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ومكتبة الأمير سلمان بجامعة الملك سعود، والمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والتقليب في مئات العناوين المتعلقة بالدعاء أو الدعوة، لم يجد الباحث كتاباً، أو رسالة مستقلة في الموضوع.

حدود البحث: البحث يتناول الدعاء الذي يتوجه به الداعية إلى الله، وذلك من أجل دخول المدعوين في الإسلام، أو تطهير نفوسهم من الذنوب، أو ثباتهم على الدين، أو ما يعينهم على الطاعة من أمور الدنيا.

منهج البحث: المنهج المستخدم في هذا البحث هو المنهج الاستقرائي، وذلك باستقراء نصوص الدعاء المتعلق بالدعوة إلى الله في القرآن والسنة.

إجراءات البحث :

1-                كتابة الآيات بالرسم العثماني وعزوها إلى مواضعها من السور.

2-                تخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية، وإذا كانت في غير الصحيحين أذكر حكم المحدثين عليها قدر الإمكان.

3-                 أكتفي بذكر تفصيلات النشر لمراجع البحث عند كتابتها في قائمة المراجع، وفي حالة عدم وجود شيء من معلومات النشر أشير إلى ذلك بعبارة (بدون ناشر) أما إذا وجد بعضها فأكتفي ببيان ما وجد منها.

تقسيم البحث 

       تم تقسيم البحث إلى تقديم وخمسة مباحث على النحو التالي:-

تقديم

المبحث الأول: الدعاء، ويتفرع إلى:-

                          فضل الدعاء

                          آداب الدعاء

                          موانع الدعاء

                          أدعية مستجابة

المبحث الثاني: الدعاء لغير المسلمين بالدخول في الإسلام

المبحث الثالث: الدعاء للمسلمين بالتطهير من الذنب

المبحث الرابع: الدعاء للمسلمين بالثبات على الدين

المبحث الخامس: الدعاء للمسلمين بما يعين على الطاعة من أمور الدنيا

الخاتمة 

     وأسال الله (سبحانه وتعالى) التوفيق والسداد والنفع، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

الباحث


 المبحث الأول الدعاء

 فضل الدعاء

       إن الدعاء من العبادات الجليلة، التي أمر الله بها (سبحانه وتعالى) عباده المؤمنين، ووعدهم عليه جزيل الثواب، وتوعد من أعرض عنه بالإثم العظيم، وهو سمة للعبودية، ويستدعي به العبد من الله العناية، ويستمد منه المعونة، ويستجلب الرحمة، ويستدفع النقمة، ويُظْهِرُ به  الافتقار والذلة البشرية، متبرئاً من الحول والقوة. وإذا تأملت كتاب الله (سبحانه وتعالى) وجدت فاتحته تضمنت الدعاء، وخاتمته تضمنت الدعاء، ففاتحة الكتاب بدئت بدعاء الثناء:{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ([20] وتلاه دعاء المسألة:{اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}([21]). وختم الكتاب بسورتي المعوذتين: دعاء مسألة متضمناً دعاء ثناء([22]). ومما يدل على فضل هذه العبادة الجليلة ما يلي:-

1- أمر الله (سبحانه وتعالى) بدعائه ووعده بالإجابة، وتوعده من أعرض عن هذه العبادة بالعذاب الأليم، كما في قوله سبحانه:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ([23]).

2- وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) له بأنه هو العبادة، كما في قوله (صلى الله عليه وسلم): ((الدعاء هو العبادة))([24]).

3- أن الدعاء أكرم شيء على الله، كما في حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء))([25]).

4- أنه صلة بين المسلم والمسلم حتى بعد الممات، كما في قوله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}([26]) ولقد ذكر المصطفى (صلى الله عليه وسلم) الأمور التي لا تنقطع عن الميت بعد موته، ومنها الدعاء، فقال: (( أو ولد صالح يدعو له))([27]).

5- الدعاء من العبادات المتاحة للإنسان المسلم في جميع أوقاته ومختلف أحواله، فهو يدعو بالليل والنهار، والسر والجهار، وفي الحضر والأسفار، وفي الصحة والمرض، وفي الشدة والرخاء، ونحو ذلك من مختلف الأحوال.

6- الدعاء هو مفزع الإنسان عند الشدائد، كما أخبر الله (سبحانه وتعالى) عن المشركين أنهم يلجؤون إليه في وقت الشدة، حين قال:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} ([28]).

7- ملازمة الدعاء أخذ بالأسباب لرفع البلاء ودفع الشقاء، كما في قوله (سبحانه وتعالى) عن إبراهيم (عليه السلام): {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً} ([29]). وقال عن زكريا (عليه السلام): قَالَ:{رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً}([30]). وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} ([31]).

8- أثنى الله (سبحانه وتعالى) على بعض عباده لحالهم في الدعاء،حين قال: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}([32]).

9- قلما تخلو عبادة من العبادات من الدعاء.

10- ينال به المؤمن منزلة عمل لم يعمله، كما في قوله (صلى الله عليه وسلم): ((من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه))([33]). 

 آداب الدعاء

        يختلف العلماء في حصر وتعداد آداب الدعاء، ولقد عدها أبو حامد الغزالي عشرة([34])، واعتمد هذا العدد الإمام النووي([35] وهي على النحو التالي:-

الأول : أن يترصد الأزمان الشريفة، كيوم عرفة، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير))([36]).  وآخر ساعة من الجمعة، لحديث جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ((يوم الجمعة ثنتا عشرة- يريد ساعة- لا يوجد مسلم يسأل الله عز وجل شيئاً إلا أتاه الله عز وجل، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر))([37]). والثلث الأخير من الليل، لحديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له))([38]).

الثاني : أن يغتنم الأحوال الشريفة، كحال السجود، لحديث أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء))([39]). ونزول الغيث، والتقاء الجيوش، لحديث سهل بن سعد (رضي الله عنه) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ثنتان لا تردان، أو قلما تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً. قال موسى: وحدثني رزق بن سعيد بن عبدالرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((ووقت المطر))([40]).

 الثالث: الوضوء ورفع اليدين، لحديث أبي موسى (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: ((اللهم اغفر لعبيد أبي عامر([41]))) ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: ((اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس)) فقلت: ولي فاستغفر، فقال: ((اللهم اغفر لعبد الله بن قيس([42]) ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً))([43]). وأما استقبال القبلة فقد ورد عن عبد الله ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: استقبل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) البيت، فدعا على ستة نفر من قريش))([44]). وأورد البخاري في الأدب المفرد حديث أبي هريرة: قدم الطفيل بن عمرو على النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: إن دوساً([45]) عصت، فادع الله عليها. فاستقبل القبلة ورفع يديه، فقال: ((اللهم اهد دوساً))([46]). وقال ابن حجر: والأحاديث في ذلك كثيرة([47]). وفي حديث سلمان (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم): ((إن الله تعالى حيي كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين))([48]). 

الرابع: خفض الصوت بين المخافتة والجهر، لقوله سبحانه وتعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} ([49]). ولما سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوماً يرفعون أصواتهم بالدعاء أنكر عليهم قائلاً: ((اربعوا([50]) على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً))([51]). 

الخامس: أن لا يتكلف السجع، وقد فسر به الاعتداء بالدعاء([52]). ومما يدل على ذلك ما ورد عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: ((حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن. ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك، يعني لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب))([53]).

السادس: التضرع والخشوع والرهبة، لقوله سبحانه وتعالى:{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} ([54]). 

السابع: أن يجزم بالطلب، ويوقن بالإجابة، لحديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء لا مكره له))([55]). قال سفيان بن عيينة (رحمه الله): لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ قال:{قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{79} قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} ([56]). 

الثامن: أن يلح في الدعاء ويكرر ثلاثاً، ولا يستبطئ الإجابة. لحديث ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: في دعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) على قريش، قال: ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: ((اللهم عليك بقريش ثلاث مرات))([57]). وفي شأن عدم الاستعجال ما ورد عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي))([58]).

التاسع: أن يفتتح الدعاء بحمد الله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله (صلى الله عليه وسلم)، فعن فضالة بن عبيد قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قاعداً، إذ دخل رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله، وصل عليَّ، ثم ادعه)). قال ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): ((أيها المصلي، ادع تجب))([59]). 

العاشر: التوبة، ورد المظالم، والإقبال على الله، ومن المظالم ما يكسبه الإنسان من المال الحرام، فهو مانع من قبول دعائه، لما في حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} ([60]) وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ([61])، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك))([62]).

 موانع الإجابة 

        قد تتخلف إجابة الدعاء لأسباب عديدة، منها ما يلي:-

1- أكل الحرام، ودل عليه حديث أبي هريرة (رضي الله عنه): ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً...)). وقد أدرك السلف (رحمهم الله) ذلك، فحرصوا على إطابة مطاعمهم، فقد قيل لسعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه): ((تستجاب دعوتك من بين أصحاب (رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت)). وعن وهب بن منبه قال: ((من سره أن يستجيب الله دعوته فليطيب طعمته))([63]).

2- عدم الجزم فيه، ((لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء، لا مكره له))([64])

3- الاستعجال، وقد دل عليه حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي))([65]). قال الكرماني ما ملخصه: الذي يتصور في الإجابة وعدمها أربع صور، الأولى: عدم العجلة وعدم القول المذكور. الثانية: وجودهما. الثالثة والرابعة: عدم أحدهما، ووجود الآخر. فدل الخبر على أن الإجابة تختص بالصورة الأولى دون الثلاث([66]).

4- غفلة القلب، لما في حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه))([67]). 

5- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في سنن ابن ماجه من حديث عائشة (رضي الله عنها) قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ((مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم))([68]).

6- الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، هذا دعاء بالشر لا بالخير، والأصل في الدعاء أن يكون بالخير للمؤمنين، وبضده لأعداء الدين. وهذا النوع من الدعاء لا يستجيبه الله سبحانه وتعالى، ويدل على ذلك ما ورد من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل قيل يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر([69]) عند ذلك، ويدع الدعاء))([70]). 

         وقد ساق إبراهيم بن أدهم (رحمه الله) جملة من الموانع في إجابة سؤال: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟

        قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول (صلى الله عليه وسلم) فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه، ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس([71]).

 دعوات مستجابة 

1- دعوة الأنبياء، لحديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها([72])، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة))([73]). 

2- دعوة الوالد على ولده. كما في حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده))([74]).

3- دعوة المظلوم، للحديث المذكور.

4- دعوة المسافر، للحديث المذكور.

4- دعوة الصائم عند فطره، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد))([75]).

5- الدعاء بين الأذان والإقامة، لحديث أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة))([76]). قال ابن القيم هذا مشروط بما إذا كان للداعي نفس فعالة وهمة مؤثرة، فيكون حينئذ من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره، إما لضعف في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب، وعدم إقباله على الله وجمعيته([77]) عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جداً، فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً، وإما لحصول المانع من الإجابة، من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها([78]).


 المبحث الثاني الدعاء لغير المسلمين بالدخول في الإسلام

       قال المولى سبحانه وتعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}([79])، فكان الرسل (عليهم الصلاة والسلام) يبعثون إلى قوم كفار لدعوتهم إلى الإسلام، إلى عبادة الله وحده لا شريك له، إذاً فالمهمة الأساسية للدعوة هي دعوة الناس للدخول في هذا الدين، فكانت هذه المهمة تحتاج إلى جهد، ووقت، وصبر، ومصابرة، ولقد أيد الله (سبحانه وتعالى) رسله الكرام بالآيات التي تعينهم على دعوة أقومهم، ومع هذا فلم يؤمن مع كل نبي إلا القلة القليلة من قومه، فكانت دعوة الناس إلى الدخول في الإسلام والخروج مما هم فيه من الأديان من أشق الدعوت.

       لذا فإن الداعية إلى الله سبحانه أمام عناد المدعوين، وإصرارهم على ما هم فيه من الأديان، يشعر أنه قد استنفد ما لديه من جهد، ووسائل، وأساليب، فما عليه إلا أن يلجأ إلى المولى (سبحانه وتعالى) ويتضرع إليه أن يهدي أولئك الأقوام، ويدخلهم في دين الإسلام. وقد دلت سيرة الأنبياء الدعوية، وعلى رأسهم نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) على ذلك في مواقف منها ما يلي: -

دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه)

       عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان له قبل إسلامه نصيب من دعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فعن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب)) فكان أحبهما إلى الله عمر ابن الخطاب([80]).

       فكان الإسلام من نصيب عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، فقد أعز الله به الإسلام، وخرج المسلمون بعد أن كانوا يختفون بإسلامهم في مكة. وفي ذلك يقول ابن مسعود(رضي الله عنه): ((إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه))([81]).

دعوته (صلى الله عليه وسلم) لأم أبي هريرة

       ومن ناحية أخرى، فإن أبا هريرة (رضي الله عنه) بذل كل ما في وسعه لدعوة أمه إلى الإسلام، إلا أنها رغم تلك الجهود لم تسلم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تكلمت في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بكلام أبكى ابنها الداعي لها. عندئذ توجه أبو هريرة (رضي الله عنه) إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يطلب الدعاء لأمه، فكانت دعوته (صلى الله عليه وسلم) مفتاح قلبها لهذا الدين، يروي لنا أبو هريرة (رضي الله عنه) ذلك الحدث فيقول: كنت أدعو أمي إلى الإسلام، وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما أكره، فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة([82]). فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)((اللهم اهد أم أبي هريرة))، فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله (صلى الله عليه وسلم) فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمِعَتْ أمي خشفَ([83]) قدميَّ، فقالت: مكانك يا أبا هريرة. وسمعت خضخضة الماء. قال: فاغْتَسَلَتْ، ولبِسَتْ درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال خيراً.([84])

دعوته (صلى الله عليه وسلم) لدوس 

       ربما اجتهد الدعية، وبذل جهداً كبيراً في دعوة غير المسلم إلى الإسلام، ووجد القلوب أمام دعوته مغلقه، فهنا يجد مفتاحاً للقلوب، وهو اللجوء إلى الله (سبحانه وتعالى) بدعائه لهم بالهدى، فإن القلوب بيدي الله (سبحانه وتعالى) يصرفها حيث يشاء. ومعرفة هذا الأسلوب الدعوي من الأشياء المهمة في الدعوة إلى تعالى.

       نجد إمام الدعاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين امتنعت قبيلة دوس عن الدخول في الإسلام، توجه (صلى الله عليه وسلم) إلى ربه (سبحانه وتعالى) داعياً لهم بالهداية، بدلاً من الدعاء عليهم، كما طُلب منه ذلك، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال:  قدم الطفيل بن عمرو على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله، إن دوساً قد عصت وأبت، فادع الله عليها. فظن الناس أنه يدعو عليهم. فقال: ((اللهم اهد دوساً، وأت بهم))([85]). وفي رواية أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا لهم([86]).

دعوته (صلى الله عليه وسلم) لثقيف 

       ونعرج أيضاً على قبيلة ثقيف([87]) فقد كان لهم نصيب من دعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم بالهدية، فقد دعا لهم بدلاً من الدعاء عليهم، مع ما نال المسلمين من سهامهم آنذاك، فقد اشتكى الصحابة (رضي الله عنهم). فعن جابر (رضي الله عنه) قال: قالوا يا رسول الله أخرقتنا نبال ثقيف([88])، فادع الله عليهم. قال: ((اللهم اهد ثقيفاً))([89]). وجاء في بعض الرويات: ((اللهم أهد ثقيفاً إلى الإسلام، وأت بهم مسلمين)).([90]).

       وقد وفدت ثقيف بعد ذلك في شهر رمضان سنة تسع من الهجرة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسلمين، وقد كتب النبي (صلى الله عليه وسلم) لهم كتاباً، وبعث معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية (اللات)([91]).

الدعاء لأهل الكتاب  

        كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو لليهود بالهداية حيث كانوا يتعاطسون عنده، فعن أبي موسى (رضي الله عنه) قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي (صلى الله عليه وسلم) يرجون أن يقول لهم يرحمكم الله، فيقول: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))([92]). قال المباركفوي: لا يقول لهم يرحمكم الله، لأن الرحمة مختصة بالمؤمنين، بل يدعو لهم بما يصلح لهم من الهداية والتوفيق والإيمان([93]).

       وسئل الإمام أحمد عن الرجل المسلم يقول للنصراني: أكرمك الله، قال: نعم،  يقول أكرمك الله يعني بالإسلام. قال ابن مفلح: ((وأما الدعاء بالهداية ونحوها فهذا جوازه واضح)). وقال أيضاً: ((لو قال لذمي: أرشدك الله وهداك، فحسن)). وقال كذلك: ((ويتوجه فيه الدعاء بالبقاء، وأنه كالدعاء بالهداية، ويشبه هذا أعزك الله))([94]).

دعوة نبي لقومه

       ولقد حكى النبي (صلى الله عليه وسلم) لصحابته (رضي الله عنهم) خبر ذلك النبي الذي يؤذيه قومه وهو يدعو لهم، كما في حديث عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: كأني أنظر إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))([95]). ويحتمل أن يكون هذا النبي هو نوح (عليه السلام)، وإن صح ذلك فإن هذا الدعاء منه كان في بداية الأمر، ثم لما يئس منهم قال :{وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} ([96]) .

الدعاء على المشركين

       لقد علمنا فيما مضى حكم الدعاء للمشركين، وما ورد فيه من النصوص، ولنعلم أيضاً أن الدعاء عليهم جائز، وقد دلت النصوص على ذلك، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعاؤه عليهم أفراداً وجماعات، في مواقف مختلفة، ومن ذلك دعاؤه (صلى الله عليه وسلم) على قريش حين آذوه بسلى الجزور([97])، وفرثها، ودمها، فوضعوه على رأسه، كما دل على ذلك حديث عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش. ثم سمى: اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد))([98]) فاستجاب الله (سبحانه وتعالى) دعاءه عليهم، كما دل على ذلك قول ابن مسعود (رضي الله عنه): ((فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر))([99]).

       وكذلك لما رأى منهم شدة الإعراض عن الدعوة دعا عليهم بالشدة، لما في حديث ابن مسعود (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما رأى من الناس إدباراً قال: ((اللهم سبع كسبع يوسف))([100]). فقد أصابتهم هذه الدعوة أيضاً، كما يقول ابن مسعود (رضي الله عنه): ((فأخذتهم سنة حصت([101]) كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع))([102]).

       وكذلك ما وردت لإشارة إليه من دعاء نوح (عليه السلام) على قومه، حيث قال:{وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً{26} إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً} ([103]) ويتضح من هذا السياق أن سبب الدعاء عليهم هو إضلالهم لعباد الله سبحانه وتعالى، وأنه لن يخرج من أصلابهم إلا الكفار، ولا شك أن هذا من علم الغيب، ولكن الله (سبحانه وتعالى) أطلع عليه نوحاً بما أوحى إليه، قال الطبري: ((قال قتادة : أما والله ما دعا عليهم، حتى أتاه الوحي من السماء،{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} ([104]) فعند ذلك دعا عليهم نبي الله نوح))([105]) . وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ((لما استنفذ الله (سبحانه وتعالى) من في الأصلاب، والأرحام، من المؤمنين، أوحى الله إليهأَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ)([106]) . وقال السعدي : ((وإنما قال نوح ذلك لأنه مع كثرة مخالطته إياهم، ومزاولته لخلاقهم علم بذلك نتيجة أعمالهم، فلهذا استجاب الله دعوته، فأغرقهم أجمعين، ونجى نوحاً ومن معه من المؤمنين))([107]) .

       وكذلك دعا موسى (عليه السلام) على قومه حين قال: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} ([108]). هذا دعاء عليهم بهلاك الأموال أو جعلها غير منتفع بها، لأنهم جعلوا تلك الأموال في سبيل الإضلال، فيَضِلُّون ويُضِلُّون. وكذلك دعا عليهم بقساوة القلوب، جزاء جحدها للحق وإعراضها عن الدعوة([109]).

       كما جاء نهي المولى (سبحانه وتعالى) لنبيه (صلى الله عليه وسلم) مرة أن يدعو على الكفار، كما في حديث سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: (( اللهم العن فلاناً، وفلاناً، وفلاناً، بعد ما يقول سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} ([110])))([111]).

     إذا كان الأمر كذلك فكيف نجمع بين الدعاء لهم والدعاء عليهم، وما الحكمة الدعوية في هذه المسألة ؟

       قال ابن حجر في الفتح: ((إنه صلى الله عليه وسلم كان تارة يدعو عليهم، وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم، ويكثر أذاهم، والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم، ويرجى تألفهم كما في قصة دوس))([112]).

      وقال القسطلاني في إرشاد الساري: ((وأما دعاؤه عليه الصلاة والسلام على بعضهم، فذلك حين لا يرجو، ويخشى ضررهم وشوكتهم))([113]).  

       وقال ابن بطال: ((ذهب أهل التأويل إلى أن هذه الآية: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌناسخة للعن النبي (صلى الله عليه وسلم) المنافقين في الصلاة، والدعاء عليهم، وأنه عوض عن ذلك القنوت في الصبح. وأكثر العلماء على أن الآية ليست منسوخة ولا ناسخة ، وأن الدعاء على المشركين بالهلاك وغيره جائز لدعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) عليهم في الآثار الثابتة))([114]).

       وقال ابن حجر: ((إنما النهي عن ذلك في حق من يرجى تألفهم، ودخولهم في الإسلام. ويحتمل في التوفيق بينهما، أن الجواز حيث يكون في الدعاء ما يقتضي زجرهم عن تماديهم على الكفر، والمنع حيث يقع الدعاء عليهم بالهلاك على كفرهم. والتقييد بالهداية يرشد إلى أن المراد بالمغفرة، في قوله في الحديث الآخر: ((اغفر لقومي فإنهم لا يعملون)) العفو عما جنوه عليه في نفسه، لا محو ذنوبهم كلها، لأن ذنب الكفر لا يمحى، أو المراد بقوله اغفر لهم: اهدهم إلى الإسلام الذي تصح معه المغفرة، أو المعنى: اغفر لهم إن أسلموا والله أعلم))([115]).


 المبحث الثالث الدعاء للمسلمين بالتطهير من الذنب 

       المقصود بالدعاء للمسلمين بالتطهير من الذنب هو ما يقوم به الداعية إلى الله (سبحانه وتعالى) من دعاء يتوجه به إلى مولاه بشأن غفران الذنوب، والتوبة منها، وتطهير النفس لمدعويه.

       ومن المعلوم أن الذنب لا يكاد يخلو منه مؤمن، فضلاً عن غيره، ودل على ذلك ما ورد من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم))([116]).

     وما ورد في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم))([117]). وفي كتابة الذنب على العباد حكمة عظيمة، ففيها تظهر عبادات لله (سبحانه وتعالى) لا تكون بدونها، كالتوبة والإنابة والاستغفار ونحو ذلك، فكلها محبوبات لله سبحانه وتعالى، إضافة إلى ظهور آثار أسماء الله وصفاته المتضمنة لحلمه وعفوه وتجاوزه عن حقه، وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء والصفات، لتعطلت هذه الحكم والفوائد([118]).

      ومن رحمة الله (سبحانه وتعالى) بعباده أن جعل لهم طرقاً يتخلصون فيها من تلك الذنوب والآثام، كالصلاة، لقوله (صلى الله عليه وسلم): ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن))([119]). 

     والوضوء، لقوله (صلى الله عليه وسلم): ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب))([120]).

       والصيام، لقوله (صلى الله عليه وسلم): ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))([121]).

       والحج، لقوله (صلى الله عليه وسلم): ((من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه))([122]).

       والذكر، لقوله (صلى الله عليه وسلم): ((من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر))([123]).

       وغير ذلك من صنوف العبادات. وليس المقام مقام حصر هذه المكفرات وأدلتها وهي مشهورة معروفة، إلا أن ما يهمنا في هذا البحث هو ما يقوم به الداعية إلى الله من دعاء في سبيل تطهير الذنوب، وتكفير السيئات لنفسه، أو لغيره من المدعوين، ويتضح ذلك من النقاط الآتية:-

 أولاً: الدعاء للنفس 

       إن الداعية الحكيم هو الذي مع اجتهاده في دعوة غيره من البشر لا ينسى نفسه من هذا النصيب، وبالأخص ما يتعلق منه بالدعاء بتطهير النفس من ذنوبها، ولقد كان هذا هو دأب الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) كما حكى المولى (سبحانه وتعالى) عنهم. فهذا نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) يأمره ربه بقوله:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} ([124]).

       وهذا إبراهيم (عليهم السلام) يقول:{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} ([125]). قال القرطبي : ((استغفر إبراهيم لوالديه قبل أن يثبت عنده أنهما عدوان لله. قال القشيري: ((ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة، لأن الله ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أمه))([126]) . 

       ونوح (عليه السلام) يقول:{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً} ([127]). قال القرطبي: ((دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين. وقال سعيد بن جبير: أراد بوالديه أباه وجده . وقال الكلبي : كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمنون. وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): لم يكفر لنوح والد فيما بينه وبين آدم (عليه السلام) ))([128]) .

       قال سيد قطب: ((ودعاء نوح النبي لربه أن يغفر له، هو الأدب النبوي الكريم في حضرة الله العلي العظيم، العبد الذي لا ينسى أنه بشر، وأنه يخطئ، وأنه يقصر، مهما يطع ويعبد ، وأنه لا يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله بفضله. ودعاؤه لوالديه، هو بر البنوة بالوالدين المؤمنين - كما نفهم من هذا الدعاء - ولو لم يكونا مؤمنين لروجع فيهما كما روجع في شأن ولده الكافر الذي أغرق مع المغرقين. ودعاؤه الخاص لمن دخل بيته مؤمناً، هو بر المؤمن بالمؤمن ؛ وحب الخير لأخيه كما يحبه لنفسه، وتخصيص الذي يدخل بيته مؤمناً، لأن هذه كانت علامة النجاة ، وحصر المؤمنين الذين سيصحبهم معه في السفينة. ودعاؤه العام بعد ذلك للمؤمنين والمؤمنات، هو بر المؤمن بالمؤمنين كافة في كل زمان ومكان . وشعوره بآصرة القربى على مدار الزمن، واختلاف السكن. وهو السر العجيب في هذه العقيدة التي تربط بين أصحابها على تباعد الزمان والمكان))([129]) .

       ولما عَلَّمَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمَّ سلمة الاستغفار لأبي سلمة أمرها أن تبدأ بنفسها فقال لها: ((قولي: اللهم اغفر لي وله))([130]).

     ولقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) مع ورعه وتقواه وعصمته، يكثر من التوبة والاستغفار لنفسه، فعن عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت: ((كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن))([131]).

     وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة))([132]).

      ومن دعائه في هذا الشأن ما رواه أبو موسى (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يدعو بهذا الدعاء: ((رب اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي، وعمدي، وجهلي، وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير))([133]).

       فإذا كانت هذه حال الأنبياء مع عصمتهم (عليهم الصلاة والسلام)، فللدعاة فيهم أسوة، والدعاة ليسوا معصومين كالأنبياء، فهم معرضون للذنب والخطيئة، فجدير بهم الحرص على سلامة أنفسهم وتطهيرها، مع حرصهم على سلامة الناس في دينهم بما يدعون لهم به من المغفرة والتوبة والتجاوز عن السيئات، فليكن لأنفسهم النصيب الأكبر من هذا الدعاء.    

 ثانياً: الدعاء للأقربين 

       إن مما يهم الداعية في المرتبة الثانية هم الأقربون، على اختلاف فيما بينهم على حسب نوع القرابة. فإذا كان الداعية إلى الله يحرص على دعوة الآخرين وهدايتهم إلى  الطريق المستقيم، ويفعل الأسباب المعينة على استجابتهم لذلك وعلى رأسها الدعاء، فإن الأقربين لابد أن يكون لهم النصيب الوافر منه.

       وهذا نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم) لا يغفل عن الدعاء بالتطهير لأقاربه، ومن ذلك دعاؤه بالتطهير لأهل بيته، فعن عمر بن أبي سلمة (رضي الله عنه) قال: لما نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وسلم): {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} ([134])  في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة، وحسناً، وحسيناً، فجللهم بكساء، وعلي خلف ظهره، فجلله بكساء، ثم قال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)) قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله، قال: ((أنت على مكانك، وأنت على خير))([135]).

        ودعاؤه لعمه العباس وولده، لما ورد عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للعباس: ((إذا كان غداة الإثنين فأتني أنت وولدك، حتى أدعو لك بدعوة ينفعك الله بها وولدك)) فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساء، ثم قال: ((اللهم اغفر للعباس وولده، مغفرة ظاهرة وباطنة، لا تغادر ذنباً، اللهم احفظه في ولده))([136]). والمراد بالمغفرة الظاهرة والباطنة أي ما ظهر من الذنوب، وما بطن منها([137]).

       إذاً فالأقربون من الداعية هم أولى الناس بدعوته لهم بالمغفرة، والرحمة، والتوبة، وتكفير السيئات، والنجاة من المنكرات، وكل ما من شأنه مغفرة الذنب، أو السلامة من الوقوع فيه، ويجتهد في الدعاء لصنوف الأقارب.

فيجتهد بالدعاء لأمه وأبيه.

ولأولاده وبناته.

ولزوجه.

ولأخته وأخيه.

ولعمه وعمته.

ولخاله وخالته.

ولسائر قرابته، وإن بعدوا.

       ولا يمنعن الداعية من ذلك ما قد ينشأ بين الأقارب من خلافات ونحوها، فإن الداعية جدير أن يتجاوز ذلك، ويبتغي وجه الله والدار الآخرة. ولكن لابد من شرط أساس، وهو الإسلام، فإنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة والرحمة لغير المسلم.

       فهذا سيد الدعاة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) نهاه ربه عن الاستغفار للمشركين، كما في قوله تعالى:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ([138]).

       وكان سبب نزول هذه الآية وعد النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمه أبي طالب بالاستغفار، لما في حديث سعيد بن المسيب عن أبيه (رضي الله عنه) أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأبي طالب: يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله.فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبدالمطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فأنزل الله تعالى فيه ما كان للنبي الآية([139]).

       ويعود النهي عن الاستغفار للمشركين لوعيد الله (سبحانه وتعالى) إياهم بعدم المغفرة، لقوله سبحانه وتعالى:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} ([140])، وكأن الاستغفار لهم طلب بأن يخلف الله وعيده([141]).

       ويلحق بالنهي عن الاستغفار للمشركين النهي عن الاستغفار للمنافقين، لقوله سبحانه وتعالى:{سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} ([142]).

       وليس فيما حصل من إبراهيم (عليه السلام) من استغفاره لأبيه قدوة، فقد كان إبراهيم (عليه السلام) يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك، وتبين إبراهيم ذلك، رجع عن الاستغفار له، وتبرأ منه([143] كما قال تعالى:{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} ([144]).

       وإبراهيم (عليه السلام) فيه أسوة حسنة لهذه الأمة، إلا في شأن الاستغفار لأبيه المشرك، كما في قوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} ([145])، أي لكم في إبراهيم (عليه السلام) وقومه أسوة حسنة، تتأسون بها، إلا في استغفار إبراهيم (عليه السلام) لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه([146]).

 ثالثاً: الدعاء للآخرين 

      وبعد الدعاء للنفس والأقارب يأتي الدعاء للآخرين من سائر المؤمنين، فإن فضل الله (سبحانه وتعالى) واسع، ورحمته وسعت كل شيء، فالداعية الحكيم هو الذي يحمل في قلبه الشفقة والخوف على المؤمنين من عذاب الله (سبحانه وتعالى) بسبب ما اقترفوه من الذنوب.

       ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) أكمل الناس في هذا الجانب، فقد وصفه ربه (سبحانه وتعالى) بقوله:{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ([147]). ومن مظاهر رحمته بمدعويه استغفاره لهم، فقد أمره المولى (سبحانه وتعالى) أن يستغفر لهذه الأمة، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}([148]).وقوله سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} ([149]).  

       ومن استغفاره لأمته ما ورد عن أبي بن كعب (رضي الله عنه): أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ  الخلق كلهم، حتى إبراهيم عليه السلام))([150]).

      كما خص النبي (صلى الله عليه وسلم) بالاستغفار بعض الأقوام، كالأنصار مثلاً، فعن زيد بن أرقم (رضي الله عنه) أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ((اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار- وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار-))([151]). وفي رواية ((وأبناء أبناء الأنصار)) من دون شك([152]).

       كما أننا نجد دعاء الرســـول الله (صلى الله عليه وسلم) لغِفَـارٍ([153])،  وأَسْلَم([154] بقوله: ((غفار، غفر الله لها، وأسلم، سالمها الله))([155]). وهذا الدعاء من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه لطيفة جميلة وهي اشتقاق لفظ الدعاء من اسم المدعو له، كأن يقول لأحمد: أَحْمَد اللَّه عَاقِبَتك, وَلِعَلِيٍّ: أعلاك الله. ولخالد: خلدك الله في الجنة، وهكذا ممن يخاطبهم الداعية بدعوته. وهذا لا يختص بالدعاء، بل يأتي مثله في الخبر، ومنه قوله تعالى:{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ([156]).

       وفي سبب اختصاص هاتين القبيلتين بالدعاء قال ابن حجر: ((وإنما اختصت القبيلتان بهذا الدعاء لأن غِفَارًا أسلموا قديماً، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا النبي (صلى الله عليه وسلم))).

       وحينما يقع الذنب من الإنسان، أو يهم به، فإن الداعية إلى الله سبحانه وتعالى لا يترك الفرصة تفوت دون الدعاء له بالتطهير من ذلك الذنب، بالبعد عنه قبل الوقوع، أو بالمغفرة والتوبة بعد الوقوع.

       ويدل على ذلك قصة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع ذلك الفتى الشاب الذي استأذن في الزنا، فعن أبي أمامة (رضي الله عنه) قال: ((إن فتى شاباً أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه. فقال: ادنه. فدنا منه قريباً. قال: فجلس،قال: أتحبه لأمك؟

قال: لا والله جعلني الله فداءك.

قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟

قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك؟

قال ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال أفتحبه لأختك؟

قال: لا والله جعلني الله فداءك.

قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟

قال: لا والله جعلني الله فداءك.

قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال أفتحبه لخالتك؟

قال لا والله جعلني الله فداءك.

قال ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء([157]).

       وهذا الموقف الدعوي الحكيم يجب أن لا يغفل عنه الداعية إلى الله سبحانه وتعالى، فقد جمع النبي (صلى الله عليه وسلم) في دعوته لذلك الشاب بين الحوار العقلي الهادئ، وبين الدعوة الخالصة، المصحوبة باللمسة الحانية، فكانت النتيجة أن تخلص ذلك الشاب من الذنب الذي كاد أن يقع فيه، وليس هذا فحسب، بل إن اللفظ يدل على أنه بعد ذلك ما كان يلتفت إلى شيء من الذنب.

       إذاً ما أحوج شباب هذه الأمة إلى تلك المواقف الدعوية الحكيمة، التي لا تغفل الدعاء لهم من قلب صادق بالخلاص مما هم فيه من الذنوب، أو السلامة مما قد يعرض لهم منه.

       ومع الدعاء للمذنب بالمغفرة والتوبة من ذنبه، فإنه يستحسن أن يُذَكَّر بالدعاء لنفسه بالمغفرة والتوبة، مع دعاء غيره له، كما أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) السارق بالدعاء لنفسه، فعن أبي أمية المخزومي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أتي بلص فاعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ((ما إخالك سرقت؟ قال بلى، مرتين أو ثلاثاً، قال فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اقطعوه ثم جيئوا به، قال فقطعوه ثم جاءوا به، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قل: أستغفر الله وأتوب إليه. قال: أستغفر الله وأتوب إليه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم تب عليه))([158]).

       ومن الأمور المهمة المتعلقة بالمذنب عدم الدعاء عليه، كما في قصة الذي شرب الخمر على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم)، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أُتي برجل قد شرب، قال: ((اضربوه. قال أبو هريرة (رضي الله عنه): فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لا تقولوا هكذا، ولا تعينوا عليه الشيطان))([159]). وفي رواية ((ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه))([160]). وفي رواية أخرى: ((ولكن قولوا: رحمك الله))([161]).

       من هذه الروايات يتجلى موقف الداعية الحكيم بشأن المذنب الذي أقيم عليه الحد، والمتمثل بالنقاط الآتية:-

1- نهي الناس عن الدعاء عليه، وتعليل ذلك بأن هذا الفعل هو إعانة للشيطان عليه. فإن المذنب إذا رأى موقف الناس منه موقف المعادي ربما تأخذه العزة بالإثم فيتمادى في الذنب، وربما زاد عليه. فإن الشيطان يريد ذلك من الإنسان.

2- تعليم الناس ما يقولونه بحق ذلك المذنب، من الدعاء له بالمغفرة والرحمة، وهذا إرغام للشيطان، وإعانة للإنسان المذنب على الإقلاع عن ذنبه، والتوبة منه.

3- الشفقة عليه من الذنوب، وذلك يتمثل بالدعاء له بالمغفرة والرحمة.


 المبحث الرابع الدعاء للمسلمين بالثبات على الدين 

       بعد سعي الداعية إلى الله بدعوة الناس إلى الدخول في الإسلام، واجتهاده بالدعاء لهم بالتطهير مما عندهم من الذنوب، يأتي جانب آخر من جوانب الدعوة، جانب يتعلق بالدعاء، وهو الدعاء لهم بالثبات على الدين، فإن الإنسان مهما بلغ به الصلاح فهو معرض للتغير والتبدل.

       فهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو أكثر الخلق تقىً، وأكملهم ديناً، يكثر من الدعاء بالثبات على الدين، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: ((كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال نعم. إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء))([162]). فإذا كانت هذه هي حاله (صلى الله عليه وسلم) فكيف بعامة الناس، إنهم بحاجة ماسة إلى أن يدعوا لأنفسهم بهذا الدعاء، أو يُدعى لهم به من أهل الخير والصلاح، القائمين بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

       كما يضع الداعية نصب عينيه حديث ابن مسعود (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار))([163]).

       يدل هذا الحديث على أن الأعمال بالخواتيم، فالخوف الخوف من أن يعمل الإنسان بعمل خير ويختم له بخلاف ذلك، فهذا الحديث وأمثاله تجعل الإنسان لا يطمئن على حاله، بل يسعى جاهداً للثبات على الخير والهدى والزيادة منه. وهذا الأمر نفسه هو الذي يجب أن يحرص عليه الداعية ببذل الجهد في فعل الأسباب المعينة على الثبات لمدعويه، ومن تلك الأسباب ما نحن بصدده، وهو الدعاء بالثبات والهدى ونحو ذلك مما من شأنه تحقيق حسن الخاتمة للعبد.

       فعلى سبيل المثال: فإن الداعية لا يغفل نفسه من ذلك، فيكثر من ذلك الدعاء الذي كان يكثر منه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لتثبيت القلب على الدين، وغيره من الأدعية، ومن ذلك قوله: ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك))([164]). في هذا الدعاء يتعوذ المسلم من زوال نعمة الله عنه، ونعم الله كثيرة ، وعلى رأس هذه النعم وأجلها نعمة الإسلام.

 وقوله: ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر))([165]). فصلاح الدين هو الاستقامة عليه، وطلب الزيادة من الخير في الحياة رأسه الزيادة في أمر الدين، وطلب الراحة من الشر يَقْدُمُه النقص في الدين.

       ومن دعاء الراسخين في العلم ما ذكره الله (سبحانه وتعالى) عنهم:{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} ([166]). أي لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم، وهب لنا من لدنك رحمة تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً([167]).

     ومما يدل على أهمية الثبات على الهدى ذلك الدعاء الذي يكرره العبد المؤمن في يومه وليلته مرات عدة في قراءة الفاتحة بصلاته:{اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ([168]). قال: أبو جعفر ابن جرير (رحمه الله): ((والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (أن يكون معنياً به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجره، واتباع منهاج النبي (صلى الله عليه وسلم)، ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم))([169]). وقال ابن كثير: ((فإن قيل: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك، فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار))([170]).

       ولقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو لصحابته بالهدى والثبات، ومن ذلك دعاؤه لعلي (رضي الله عنه) فقال: ((اللهم اهد قلبه وثبت لسانه قال فما شككت بعد في قضاء بين اثنين))([171]).

       ودعاؤه لجرير (رضي الله عنه) حيث قال في حكايته لهذا الدعاء: ((فضرب في صدري، حتى رأيت أثر أصابعه في صدري، وقال: اللهم ثبته، واجعله هادياً مهدياً))([172]). ولو أن الثبات هنا يفهم منه الثبات على الخيل، لأن ذلك هو مقصد السائل كما في سياق الحديث، إلا أن اللفظ يفهم منه العموم، وقد ذكر بعده الدعاء بالهداية.

       ودعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمعاوية فقال: ((اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به))([173]).  

       وكما أن هناك أسباباً للثبات على الدين، كالعلم النافع، كما في قوله (صلى الله عليه وسلم): ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))([174])، فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعا لابن عباس (رضي الله عنهما) بذلك حيث قال: ((اللهم فقهه في الدين))([175]). وفي رواية ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل))([176]).

       فجدير بالداعية أن ينهج نهج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في دعوته في حرصه على الدعاء لصحابته بما من شأنه الثبات على الدين، والزيادة من الهدى، فيقول على سبيل المثال: (اللهم اهدهم)، (اللهم ثبتهم)، (اللهم احفظ لهم دينهم)، (اللهم أحسن خاتمتهم)، (اللهم توفهم وأنت راض عنهم)، ونحو ذلك من الدعوات.

       ثم لا بد من التنبيه هنا إلى أمر مهم، وهو أن دعاء الداعية بالثبات على الدين والزيادة من الهدى لإخوانه المسلمين بظهر الغيب هي دعوة لنفسه، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم) حيث قال: ((دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل))([177]).


 المبحث الخامس الدعاء للمسليمن بما يعين على الطاعة من أمور الدنيا

       إن نفع الدعاة إلى الله للناس ليس مقصوراً على أمور الدين فحسب، بل يتعدى ذلك إلى نفعهم في أمور دنياهم، الذي من شأنه إعانتهم على طاعة ربهم سبحانه وتعالى.

       فالمال على سبيل المثال، يسد به الإنسان حاجته، ويفتح له أبواباً من الخير لا تكون بدونه، كالصدقة، وإطعام الطعام، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من العبادات التي تحتاج إلى مال، فقد شكى بعض صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قلة المال التي منعتهم من بعض وجوه الخير، فقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ((ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون)) الحديث([178]). 

       والصحة التي تكون معها القدرة على القيام ببعض الطاعات، وهي نمة من نعم الله على عبده، لقوله (صلى الله عليه وسلم): ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)). وكذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): ((اغتنم خمساً قبل خمس وذكر منهن ((وصحتك قبل سقمك))([179]).

       وغيرها من خير الدنيا، فجدير بالداعية الحكيم أن لا يغفل عن هذه المسألة، وهي الدعاء للناس بنحو ذلك. فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يبخل على صحابته بذلك، بل كان يدعو لهم كلما كان ذلك مناسباً. وهم (رضي الله عنهم) كانوا كثيراً ما يطلبون منه الدعاء لهم ولذويهم.

       ومن أدعية النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذا الصدد ما يلي:-  


الدعاء لأهل بدر      

       في يوم بدر دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) بالكساء والإشباع لصحابته الكرام، فعن عبد الله بن عمرو (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج يوم بدر في ثلاث مائة وخمسة عشر فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم))  ففتح الله له يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين، واكتسوا وشبعوا([180]).

الدعاء لأهل المدينة 

        كما دعا (صلى الله عليه وسلم) لأهل المدينة بالبركة في صاعم، ومدهم، ومكيالهم: فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، ومدهم، يعني أهل المدينة))([181]). وقال ابن حجر: ((وقد وجد مصداق الدعوة بأن بورك في مدهم وصاعم، بحيث اعتبر قدرهما أكثر فقهاء الأمصار ومقلدوهم إلى اليوم في غالب الكفارات))([182]).

       قال النووي: ((قال القاضي: البركة هنا بمعنى النمو والزيادة، وتكون بمعنى الثبات واللزوم. قال: فقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية، وهي ما تتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزكاة والكفارات، فتكون بمعنى الثبات والبقاء لها، كبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال، حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها، وإلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها، أو تكون الزيادة فيما يكال بها، لاتساع عيشهم وكثرته، بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم، وملكهم من بلاد الخصب والريف، بالشام والعراق ومصر وغيرها، حتى كثر الحمل إلى المدينة، واتسع عيشهم، حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد مدهم وصار هاشمياً، مثل مد النبى (صلى الله عليه وسلم) مرتين أو مرة ونصفاً، وفي هذا كله ظهور إجابة دعوته (صلى الله عليه وسلم) وقبولها، هذا آخر كلام القاضى. والظاهر من هذا كله أن البركة في نفس المكيل، في المدينة بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها والله أعلم))([183]). والدعاء بالبركة في المكيل يكون عوناً للإنسان على وجوه من الخير، كالصدقة والإطعام ونحوه.

       وكما دعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأهل المدينة فإن أبا الأنبياء إبراهيم الخليل (عليه السلام) دعا لأهل مكة بالبركة في اللحم والماء، حينما جاء مرة زائراً يتفقد أهله قال: ((اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يكن لهم يومئذ حبٌ، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه))([184]). ومن بركة هذا الدعاء أن الاعتماد في الأكل على اللحم والماء في مكة لا يضر الإنسان، في حين أنه في غيرها من البقاع يضره، ولا يوافق طبعه، وفي ذلك إعانة على الطاعة، فالحجاج في موسم الحج يتوفر لهم هذان الصنفان من الطعام والشراب، فاللحم من كثرة ذبح النسك في مكة في الموسم، والماء من ذلك المعين المبارك ماء زمزم. 

       وجاء في رواية أخرى دعوة إبراهيم (عليه السلام): ((اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم))([185]) وهذا يعم كل طعام أو شراب، يتناوله المسلمون في مكة، وفيه الخير الكثير من إعانة الناس على أداء نسكهم والتعبد لربهم في ذلك المكان وفي المسجد الحرام.

      وكذلك دعاء إبراهيم (عليه السلام) لذريته بقوله: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} ([186]). قال ابن كثير في تفسير قوله (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون): ((أي ليكون ذلك عوناً لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع، فاجعل لهم ثماراً يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك كما قال:{وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ([187]) وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته، أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها، استجابة لدعاء الخليل عليه السلام))([188]).

الدعاء لعلي (رضي الله عنه)

       وكذلك الدعاء بالشفاء من الرمد لعلي (رضي الله عنه): فعن سهل بن سعد (رضي الله عنه) قال: قال (النبي صلى الله عليه وسلم) يوم خيبر: (( لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى فغدوا كلهم يرجوه. فقال: أين علي؟ فقيل يشتكي عينيه. فبصق في عينيه ودعا له فبرأ، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنـزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم))([189]).

الدعاء لأنس بن مالك (رضي الله عنه)

        ودعاؤه (صلى الله عليه وسلم) لأنس بن مالك بكثرة المال والولد والبركة، فعن أنس قال: قالت أم سليم للنبي (صلى الله عليه وسلم): أنس خادمك قال: ((اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته))([190]).

       ولقد كثر مال أنس (رضي الله عنه) وعياله، وبورك له فيه، فقد حكى أنس (رضي الله عنه) عن ذلك فقال: ((إن مالي لكثير، وإن ولدي، وولد ولدي ليتعادون عليَّ نحو المائة اليوم))([191]).

الدعاء لسعد (رضي الله عنه)  

       ومن أدعية النبي (صلى الله عليه وسلم) لصحابته الكرام مما يعين على الطاعة دعاؤه بالشفاء لسعد، حيث قال: ((اللهم اشف سعداً وأتمم له هجرته))([192]). قال العيني: ((إنما دعا له بإتمام الهجرة لأنه كان مريضاً، وخاف أن يموت في موضع هاجر منه، فاستجاب الله عز وجل دعاء رسوله وشفاه، ومات بعد ذلك بالمدينة))([193]). وعلاقة هذا الدعاء بالإعانة على أمر من أمور الطاعة واضحة من لفظ الحديث، وذلك أن الله (سبحانه وتعالى) شفاه، وخرج من البلد الذي هاجر منه، ولم يمت فيه.

الدعاء لأبي (رضي الله عنه)

       ودعاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأُبَيٍّ بالرزق عند ما طعم عنده فقال: ((اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم))([194]).

الدعاء لأبي أمامة وأصحابه (رضي الله عنهم) 

       وحينما سأله (صلى الله عليه وسلم) بعض صحابته أن يدعو لهم بالشهادة سأل السلامة والمغنم، فعن أبي أمامة (رضي الله عنه) قال: ((أنشأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غزوة فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة. فقال: اللهم سلمهم وغنمهم. قال فسلمنا وغنمنا، قال ثم أنشأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غزواً ثانياً، فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة. فقال: اللهم سلمهم وغنمهم. قال: ثم أنشأ غزواً ثالثاً، فأتيته فقلت: يا رسول الله إني أتيتك مرتين قبل مرتي هذه، فسألتك أن تدعو الله لي بالشهادة، فدعوت الله عز وجل أن يسلمنا ويغنمنا، فسلمنا وغنمنا، يا رسول الله فادع الله لي بالشهادة. فقال: اللهم سلمهم وغنمهم. قال: فسلمنا وغنمنا))([195]).

       يلاحظ في هذا الحديث أن أبا أمامة جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاث مرات يسأله أن يدعو له بالشهادة، إلا أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) دعا له في كل مرة بخلاف مطلوبه، دعا له بالسلامة والمغنم، فحصل له ولأصحابه ما دعا لهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيه. ومن المعلوم أن الشهادة أجرها عظيم، وكل مؤمن يتمناها. ولا شك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا له بما هو خير، ولكن لم تتضح الحكمة في النص من ذلك الدعاء، وقد يكون – والله أعلم- ليطول عمره ويزداد من العلم الصالح، فإنه (رضي الله عنه) عاش مائة وست سنين، حيث كان موته سنة ست وثمانين من الهجرة([196]).

       من يتأمل تلك المواقف النبوية يجد أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يترك فرصة مناسبة دون أن يدعو فيها لأصحابه، إما جماعة، أو فراداً، إما بمبادرة منه، أو بطلب منهم، يدعو بوجوه من الخير الدنيوي، الذي فيه إعانة لهم على طاعة الله سبحانه وتعالى.

       فحري بالدعاة إلى الله (سبحانه وتعالى) أن يدركوا هذا الجانب من الحكمة في الدعوة إلى الله، فهو دليل على إخلاص الداعي، ومحبة الخير للناس، وإدراك لشمولية هذا الدين، فإنه لا يهتم فقط بأمور العبادة، فهو أيضاً جاء بمصالح الناس في الدنيا.

       ومن جانب آخر فإن الدعاء بمثل تلك الأدعية للناس فيه تأليف لقلوبهم، وتقريبهم من الدعاة، فإن النفوس البشرية مفطورة على حب المال والبنين والعافية ونحو ذلك من خير الدنيا، فهي بالتالي تحب من يكون سبباً في حصولها على مثل هذه الأشياء.


 الخاتمة

       الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد البحث والتأمل في بعض النصوص الشرعية المتعلقة بالدعاء للناس من قبل الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، سواء كان ذلك دعاء لغير المسلمين بالدخول في الإسلام، أو دعاء للمسلمين بالتطهير من الذنوب، أو دعاء لهم بالثبات على الدين، أو دعاء لهم بما يعينهم طاعة الله سبحانه وتعالى، تبين لنا مدى حرص إمام الدعاة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) على ذلك كله. وكذلك حرص غيره من الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) على هذا الشأن، وأن الدعاء من الأمور الهامة في الدعوة إلى الله (سبحانه وتعالى) يجب ألا يغفل عنه القائمون بالدعوة، فقد يكون سبباً في إلانة النفوس المستعصية، وفتحاً للقلوب المقفلة.

     كما تبين لنا أيضاً من هذا البحث جواز الدعاء للمشركين بالهداية وما في معناها، ولو كانوا من أشد الناس عداوة للمؤمنين كاليهود. أما الدعاء لهم بغير الهداية وما في معناها فلا يجوز، كالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك، فهذه الأدعية خاصة بالمؤمنين. وأن الدعاء عليهم يكون حينما يشتد أذاهم، وتقسو شوكتهم.

       كما يوصي الباحث من خلال هذا البحث بما يلي:-

1-      لا يغفل الداعية الدعوة بالهداية لمن توجه إليهم الدعوة من المشركين .

2-      أن يحرص الداعية بالدعاء بالتطهير من الذنب لنفسه ثم لأقاربه ثم لإخوانه المؤمنين.

3-      أن يحرص الداعية على الدعاء لنفسه ولغيره بالثبات على الدين، ولقاء الله (سبحانه وتعالى) على أحسن حال .

4-      أن لا يغفل الداعية إلى الله (سبحانه وتعالى) عن نفع الناس في أمور دنياهم، وذلك بالدعاء لهم بما يعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى، من سعة الرزق أو الشفاء، أو البركة في المال والبنون والطعام، ونحو ذلك .

5-      أن يتأمل الدعاية جميع الأساليب الدعوية الحكيمة التي سلكها الدعاة إلى الله (سبحانه وتعالى) في دعوتهم ، كأسلوب الدعاء . 

       وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أحمعين.


 قائمة مراجع البحث

1-             الآحاد والمثاني، ابن أبي عاصم، ط1(دار الراية، الرياض، 1411هـ) .

2-             الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ط1(مؤسسة الرسالة ، بيروت، 1412هـ).

3-             إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ، (دار الندوة الجديدة، بيروت).

4-             الآداب الشرعية، ابن مفلح ، (رئاسة البحوث العلمية والإقتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، 1977م).

5-             الأدب المفرد، البخاري، ترتيب كمال يوسف الحوت، ط2 (عالم الكتب، بيروت، 1405هـ).   

6-             الأذكار، النووي، ط3(مؤسسة الريان، بيروت، 1409هـ).

7-             إرشاد الساري، القسطلاني، ط6(دار الفكر، بيروت، 1403هـ).  

8-             أسد الغابة، ابن الأثير ، (دار إحياء التراث العربي، بيروت) .

9-             الإصابة، ابن حجر، ط1(مطبعة السعادة، مصر، 1328هـ) .

10-       بدائع الفوائد، ابن القيم، (دار الكتاب العربي، بيروت).

11-       البداية والنهاية، ابن كثير، ط4(دار المعارف، بيروت، 1401هـ) .  

12-       بلوغ المرام، الحافظ ابن حجر العسقلاني، (مكتبة الرياض الحديثة، الرياض).

13-       تاج العروس، والزبيدي، ط1(المطبعة الخيرية، مصر، 1306هـ) .

14-       تحفة الأحوذي، المباركفوري .(ط2، مطبعة الفجالة ، مصر، 1387) . تحفة الأحوذي، المباركفوري، (محمد عبدالمحسن الكتبي، المدينة المنورة) .

15-       تصحيح الدعاء، بكر أبو زيد، ط1(دار العاصمة، الرياض، 1419هـ).  

16-       تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ط1(دار الفكر، 1400هـ)  .   

17-       تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي، (الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، 1410هـ).

18-       جامع البيان، الطبري، تحقيق : عبدالله بن عبدالمحسن التركي ، ط1 (دار هجر، ، مصر، 1422). وكذلك طبعة (دار الفكر، بيروت، 1408) .

19-       الجامع الصحيح، البخاري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط1 (المطبعة السلفية، القاهرة، 1400هـ ).

20-       جامع العلوم والحكم، ابن رجب ، ط1(دار الجيل، بيروت، 1417هـ).

21-       الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، (دار الكتب العلمية، 1413هـ).

22-       الجواب الكافي، ابن القيم، (مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، 1392هـ) .

23-       دعاء محمد (صلى الله عليه وسلم)، محمد أحمد وموسى الخطيب، ط1(مركز الكتاب، القاهرة، 1999م) .  

24-       دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، اللحيدان،  ط1(مطابع الحميضي، الرياض، 1420هـ) .

25-       زاد المسير، ابن الجوزي، ط1 (المكتب الإسلامي) .

26-       السنن الكبرى، البيهقي، (دار المعرفة، بيروت)

27-       السنن، ابن ماجه، ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي، (المكتبة الإسلامية، استانبول) .

28-       السنن، أبو داود، إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس، ط1 (دار الحديث، بيروت، 1388هـ).

29-       السنن، الترمذي، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر ، نشر(دار إحياء التراث العربي) .

30-       السنن، الدارمي،  تحقيق حسين سليم أسد ، ط1(دار المغني، الرياض، 1421هـ).

31-       السنن، النسائي، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي، ترقيم أبي غدة، ط2 (مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، 1406هـ)

32-       السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق وضبط مصطفى السقا وغيره ، نشر(دار المعرفة ، بيروت) .

33-       شأن الدعاء، الخطابي، تحيق أحمد يوسف الدقاق، ط3(دار الثقافة العربية، بيروت، 1413هـ) .  

34-       شرح السنة، البغوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ط2(المكتب الإسلامي، بيروت، 1403) .

35-       شرح صحيح البخاري، ابن بطال، ط2(الرشد، الرياض، 1423هـ) .  

36-       شرح صحيح مسلم، النووي ، ط2 (دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1392هـ).

37-       شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، تحقيق الدكتور عبدالله التركي، وشعيب الأرناؤوط، ط4(دار هجر، أبها، 1419هـ) .    

38-       شرح الكرماني على صيح البخاري، الكرماني ، ط2(دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1401هـ) .

39-       الصحاح، الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار ، ط3 (دار العلم للملايين، بيروت ، 1404هـ) .

40-       صحيح الجامع، محمد ناصر الدين الألباني، ط1( المكتب الإسلامي، بيروت، 1388هـ). وكذلك ط3 ، 1408هـ.   

41-       صحيح سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، ط1(لمكتب الإسلامي، بيروت، 1407هـ).   

42-       صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، ط1(لمكتب الإسلامي، بيروت، 1408هـ).

43-       صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، ط1(لمكتب الإسلامي، بيروت، 1409هـ).

44-       صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، نشر (رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، 1400هـ).

45-       عمدة القاري، العيني ، (دار التراث العربي، بيروت) .

46-       عون المعبود، العظيم أبادي ، (بدون ناشر) .

47-       فتح الباري، ابن حجر، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ، تصحيح وتعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، نشر(رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، الرياض) .

48-       في ظلال القرآن، سيد قطب، ط12(دار الشروق، القاهرة، 1406هـ) .    

49-       فيض القدير، المناوي، ط1(المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1356هـ).

50-       القاموس المحيط، الفيروز أبادي، (دار الفكر، بيروت، 1398هـ) .  

51-       لسان العرب ، ابن منظور، (دار صادر، بيروت) .

52-       مجمع الزوائد، الهيثمي ، (دار الفكر، بيروت، 1408هـ).

53-       المدخل إلى علم الدعوة، محمد أبو الفتح البيانوني، ط3(مؤسسة الرسالة ، بيروت، 1415هـ) .

54-       المستدرك، الحاكم، (دار المعرفة، بيروت) .  

55-       المسند ، الإمام أحمد، ط5(المكتب الإسلامي، بيروت، 1405هـ) . وكذلك المسند بتحقيق أحمد شاكر.  

56-       المسند، الطيالسي، (دار المعرفة، بيروت).

57-       مصباح الزجاجة، أحمد بن أبي بكر البوصيري، ط1(دار الجنان، بيروت، 1406هـ) .

58-       المصنف، ابن أبي شيبة، ط2(الدار السلفية، الهند، 1399هـ) .   

59-       المعجم الكبير، الطبراني ، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي .

60-       معجم قبائل العرب، عمر كحالة، ط6(مؤسسة الرسالة، بيروت، 1412هـ)

61-       هداية المرشدين، علي محفوظ، ط5(دار الاعتصام) .



  

إعداد الدكتور/ سليمان بن قاسم العيد

الاستاذ المشارك بقسم الثقافة الإسلامية

كلية التربية – جامعة الملك سعود

ملخص البحث

       هذا البحث يتناول أهمية الدعاء في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيان أثره في استجابة الدعوة ، وما يعود على الداعية من الخير بسببه، وهو على أحوال: إما دعاء لغير المسلمين بالدخول في الإسلام، أو دعاءٌ للمسلمين بالتطهير من الذنوب، أو دعاء لهم بالثبات على الدين، أو دعاء لهم بما يعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى. وتبين من خلال هذا البحث مدى حرص إمام الدعاة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) على ذلك كله. وكذلك حرص غيره من الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) على هذا الشأن، وأن الدعاء من الأمور الهامة في الدعوة إلى الله (سبحانه وتعالى) يجب ألا يغفل عنه القائمون بالدعوة، فقد يكون سبباً في إلانة النفوس المستعصية، وفتحاً للقلوب المقفلة.

     ومما تبين من خلال البحث أيضاً جواز الدعاء للمشركين بالهداية وما في معناها، ولو كانوا من أشد الناس عداوة للمؤمنين كاليهود. أما الدعاء لهم بغير الهداية وما في معناها فلا يجوز، كالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك، فهذه الأدعية خاصة بالمؤمنين. وأن الدعاء عليهم يكون حينما يشتد أذاهم، وتقسو شوكتهم.


Supplication and its importance in the Call for Allah

In light of the Holy Qur’an and Sunnah

Prepared by: Dr. Suleiman Q. Al-Eed

Associate Professor, Department of Islamic Culture

College of Education – King Saud University

 Abstract

This research addresses the importance of Supplication in the Call for Allah, its effect in answering the Call, and the resultant benefit which reflects on the Caller. Supplication is of multiple forms. It might be in favor of non-Muslims to enter in Islam. Or it might be in favor of Muslims to be purified from their sins, to be firm on their religion, or to be supported in their obedience of Allah. This research reveals the of care taken by our prophet Muhammad – peace and blessings of Allah upon him – in all forms of supplication. It also reveals the care of other prophets - peace and blessings of Allah upon them – in this respect. Supplication is an important matter in calling for Allah. it must not be overlooked by persons who are involved in the Call for Allah. It could be reason to ease relentless persons and to unlock blocked hearts.

Also, the research indicates that it is permissible to perform supplication in favor of the polytheists, even if they were fierce enemies to the believers so that they may be directed to the right course. Supplication for other purposes, such as mercy, forgiveness, or the like is not permissible. These supplications apply only to Muslims. Supplication against the polytheists may only be made when the harm caused by them increases and their blades become sharper.




([1])  سورة غافر، الآية 60.  

([2])  رواه أبو داود، السنن، كتاب الصلاة، رقم الحديث  1479. وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود 1/277: صحيح ، وكذلك في صحيح الجامع 1/641. ورواه الترمذي، السنن، كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث 2969. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، واللفظ لهما. وابن ماجه، السنن، كتاب الدعاء، رقم الحديث 3828. والحاكم في المستدرك 1/491، وقال حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([3])  سورة النحل، الآية 125.  

([4])  سورة القصص، الآية 56.  

([5])  انظر أمثلته في داخل البحث.  

([6])  سورة البقرة، الآية 129.  

([7])  أي ملقى على الأرض.  (انظر: الجوهري، الصحاح، 4/1653، مادة [جدل] . وابن منظور، لسان العرب11/104، نفس المادة) .

([8])  مسند الإمام أحمد 4/127. وابن حبان، صحيح ابن حبان 14/313، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي. والحاكم في المستدرك 2/418، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وانظر: الطبري، جامع البيان 1/556. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 2/89. وابن كثير، تفسير القرآن العظيم 1/185.   

([9])  سورة محمد، الآية 19.  

([10])  الجوهري، الصحاح 6/2337، مادة [دعا]. وابن منظور، لسان العرب 14/257،258، نفس المادة.

([11])  شأن الدعاء ص4.  

([12])  بدائع الفوائد 3/2.

([13]) انظر: الجوهري، الصحاح 6 / 2336-2338، مادة [دعا]. وابن منظور، لسان العرب 14/257-262 مادة [دعا]. والفيروز أبادي، القاموس المحيط 4 / 328، مادة [دعا]. والزبيدي، تاج العروس 10/137، مادة [دعا].

([14])  سورة يونس، الآية 25.  

([15])  سورة يوسف، الآية 33.  

([16])  هداية المرشدين ص 17. 

([17])  سورة الأحزاب، الآية 46.  

([18])  سورة الأحقاف، الآية 31. وانظر: البيانوني، المدخل إلى علم الدعوة ص40.  

([19])  سورة سبأ، الآية 28. وانظر: البيانوني، المدخل إلى علم الدعوة ص41.

([20])  سورة الفاتحة، الآية 2.  

([21])  سورة الفاتحة، الآية 6.  

([22])  انظر : بكر أبو زيد، تصحيح الدعاء ص 16.

([23])  سورة غافر، الآية 60.  

([24])  سبق تخريجه. 

([25])  رواه الطيالسي، المسند، رقم الحديث 2585. والإمام أحمد، المسند، 2/362. وقال أحمد شاكر في تحقيقه 16/305 : إسناده صحيح . ورواه الترمذي، السنن، كتاب الدعوات، رقم الحديث  3370، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/138: حسن. ورواه ابن ماجه، السنن، كتاب الدعاء، رقم الحديث 3829.  ورواه الحاكم، المستدرك، 1/490، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

([26])  سورة الحشر، الاية 10.  

([27])  رواه مسلم، كتاب الوصية، رقم الحديث 1631.  

([28])  سورة العنكبوت، الآية 65.  

([29])  سورة مريم، الآية 48.

([30])  سورة مريم، الآية 4. وانظر: بكر أبو زيد، تصحيح الدعاء ص 20.

([31])  سورة الفرقان، الاية 77.

([32])  سورة الأنبياء، الآية 90.

([33])  رواه مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث 1909 .   

([34])  إحياء علوم الدين 1/304.

([35])  كتاب الأذكار ص 420.

([36])  رواه الترمذي، السنن، كتاب الدعوات، رقم الحديث 3585.  وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب من هذا الوجه وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس هو بالقوي عند أهل الحديث. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/184: حسن. وكذلك في صحيح الجامع 1/621.

([37])  رواه أبو داود، كتاب الصلاة، رقم الحديث 1048. والنسائي في سننه، كتاب الجمعة، رقم الحديث 1389. والبيهقي، السنن الكبرى 3/250. وقال الألباني في صحيح سنن أبي دود 1/196: صحيح.   

([38])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجمعة، رقم الحديث 1145.

([39])  رواه مسلم، كتاب الصلاة، رقم الحديث 482.

([40])  رواه أبو داود، كتاب الجهاد، رقم الحديث 2540، واللفظ له. والدارمي، كتاب الصلاة، رقم الحديث 1236. قال الألباني في "صحيح سنن أبي داود" 2/483: صحيح دون "ووقت المطر". 

([41])  هو عُبَيْد بْن سَلِيم بْن حُضَّار الْأَشْعَرِيّ ,  وهو عم أبي موسى، وقال ابن إسحاق: هو ابن عمه، والأول أشهر . (انظر: ابن حجر، الإصابة 4/123. وفتح الباري 8/42) .

([42])  هو أبو موسى الأشعري، عبدالله بن قيس بن سليم بن حُضَّار الأشعري، قدم المدينة بعد فتح خيبر، كان حسن الصوت بالقرآن، قال البغوي: مات سنة اثنتين، وقيل: أربع وأربعين، وهو ابن نيف وستين سنة. (ابن حجر، الإصابة 2/359) .

([43])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، رقم الحديث 4323.

([44])  رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 1794.

([45])  بطن من زهران إحدى قبائل عسير الكبيرة. فيه فخذان: بنو مَنْهَب وبنو فَهْم . (عمر كحالة، معجم قبائل العرب 1/394) .

([46])  الأدب المفرد، رقم الحديث 611. وهو في الصحيحين دون قوله: "ورفع يديه".

([47])  انظر: فتح الباري 11/141-143.

([48])  رواه الإمام أحمد، المسند 5/438. والترمذي، السنن، كتاب الدعوات، رقم الحديث 3556. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، واللفظ له. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/179: صحيح. وكذلك في صحيح الجامع 1/362. ورواه ابن ماجه، السنن، كتاب الدعاء، رقم الحديث 3865.

([49])  سورة الإسراء، الآية 110.

([50])  أي اخفضوا أصواتكم بالذكر والدعاء.

([51])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، رقم الحديث 4205.

([52])  النووي، كتاب الأذكار ص 421.

([53])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، رقم الحديث 6337.

([54])  سورة الأنبياء، الآية 90.

([55])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب التوحيد، رقم الحديث 7477.

([56])  سورة ص، الآيتان 79، 80. والأثر عند النووي في الأذكار ص421.

([57])  رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 1794.

([58])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الدعوات، رقم الحديث 6340.

([59])  رواه أبو داود، السنن، كتاب الصلاة، رقم الحديث 1481. والترمذي، السنن،كتاب الدعوات، رقم الحديث 3476. وقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن، واللفظ له. وقال الألباني في صحيح الجامع، رقم الحديث (3883): صحيح.

([60])  سورة المؤمنون، الآية 51.  

([61])  سورة البقرة، الآية 172.  

([62])  رواه مسلم، كتاب الزكاة، رقم الحديث 1015.

([63])  هذه الآثار وغيرها أوردها ابن رجب في جامع العلوم والحكم 1/156.

([64])  سبق تخريجه.

([65])  سبق تخريجه.

([66])  شرح الكرماني 22/146 . وابن حجر، فتح الباري 11/141.

([67])  رواه الترمذي، السنن،كتاب الدعوات، رقم الحديث 3479. قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/164: حسن. وكذلك في صحيح الجامع 1/108.

([68])  رواه الإمام أحمد في المسند 6/159. والترمذي في السنن، كتاب الفتن، حديث رقم 2169. وابن ماجه في السنن، كتاب الفتن، حديث رقم 4004. وهذا لفظ ابن ماجه. وقال الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" 2/367: حسن  

([69])  هو استفعال من حَسَرَ أي أعيا وتعب. واستحسر إذا أعيا وانقطع عن الشيء، والمراد هنا : انقطع عن الدعاء. (ابن منظور، لسان العرب 4/188، مادة[حسر]، والنووي، شرح صحيح مسلم 17/52).

([70])  رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، رقم الحديث 2735.

([71])  القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 2/311.

([72])  قال ابن حجر : ((استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة، ولا سيما نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط. والجواب: أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة. وقيل معنى قوله لكل نبي دعوة أي أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى. وقيل: لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته، إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب، ومنها ما لا يستجاب)) (فتح الباري 11/96، 97).  

([73])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الدعوات، رقم الحديث 6304.

([74])  رواه أبو داود، السنن، كتاب الصلاة، رقم الحديث 1536. والترمذي، السنن، كتاب البر والصلة، رقم 1905. واللفظ له . وابن ماجه، السنن، كتاب الدعاء، رقم الحديث 3862. ولفظه "ودعوة الوالد لولده". وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/177: حسن. 

([75])  رواه ابن ماجه، السنن، كتاب الصيام، رقم الحديث 1753. جاء في مصباح الزجاجة 1/310 : إسناده صحيح. 

([76])  رواه الإمام أحمد، المسند 3/119 . والترمذي، السنن، كتاب الصلاة، رقم الحديث 212. واللفظ لهما. وقال أبو عيسى: حديث حسن صحيح. والنسائي، السنن، كتاب الصلاة، رقم الحديث 521. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/68: صحيح. وكذلك في صحيح الجامع 1/641.

([77])  الاجتماع.  

([78])  الجواب الكافي ص 8. وانظر: فيض القدير 3/541.

([79])  سورة النحل، الآية 36.

([80])  رواه الإمام أحمد في المسند 2/95. وقال أحمد شاكر في تحقيقه: إسناده صحيح . ورواه الترمذي، السنن، كتاب المناقب، رقم الحديث 3681. وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر.

([81])  ابن هشام السيرة النبوية 1/342.

([82])  وهي أميمة بنت صبيح أو صفيح بن الحارث، اختلف في اسمها، فجاء عن أبي هريرة أنه ابن أميمة ، وترجم الطبراني في النساء ميمونة بنت صبيح . (ابن حجر، الإصابة 4/241).  

([83])  الخشف هو الحسُّ والحركة . (الجوهري، الصحاح 4/1351، مادة [خشف]) .  

([84])  رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث 2491.

([85])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 2937. ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث 2524.

([86])  رواه الإمام أحمد، المسند ، 2/243.

([87])  هم بطن متسع من هوازن من العدنانية، اشتهروا باسم أبيهم، فيقال لهم ثقيف وهم بنو ثقيف، واسمه قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، كانت مواطنهم بالطائف، وكانت ثقيف تعبد بيتاً بالطائف يقال له: اللات . (عمر كحالة، معجم قبائل العرب 1/149) .

([88])  النبال : جمع نبل، وهي السهام، ولعل ذلك في غزوة الطائف. (تحفة الأحوذي 10/442) .

([89])  رواه الإمام أحمد في المسند 3/343. والترمذي، السنن ، كتاب المناقب، رقم الحديث 3942. وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب، واللفظ له.

([90])  انظر: عون المعبود 8/266.

([91])  انظر: ابن هشام السيرة النبوية 2/537-543.

([92])   رواه الترمذي، كتاب الأدب، رقم الحديث 2739. وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/354: صحيح.

([93]) تحفة الأحوذي 8/10.  

([94])  الآداب الشرعية 1/416، 417.

([95])   رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث 3477.

([96])  سورة نوح، الآية 26. وانظر: ابن حجر، فتح الباري 6/521 .  

([97])  وهو الجلد الرقيق الذي يكون فيه ولد الناقة، وينزع عنه ساعة ولادته. (الجوهري، الصحاح 2/612، 6/2381 ، مادة [جزر] و [سلا]) .  

([98])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الصلاة، رقم الحديث 520.

([99])  تتمة الحديث نفسه.

([100])   رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث 1007.

([101])  السنة : القحط والجدب، وحَصَّتْ : استأصلت (انظر: الجوهري، الصحاح، 6/2236، مادة [سنه]، 3/1032، مادة [حصص]. والنووي، شرح صحيح مسلم 17/141).  

([102])   تتمة الحديث السابق.

([103])  سورة نوح، الآيتان 26، 27 .  

([104])  سورة هود، الآية 36.  

([105])  جامع البيان 29/101.  

([106])  جامع لأحكام القرآن 3/1058.  

([107])  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان  7/486.

([108])  سورة يونس، الاية 88.  

([109])  انظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 8/239. والسعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 3/383.

([110])  سورة آل عمران، الآية 128.  

([111])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، رقم الحديث 4070.

([112])  فتح الباري 6/108.

([113])  إرشاد الساري 5/110.

([114])  شرح صحيح البخاري 10/127.  

([115])  فتح الباري 11/196.

([116])  رواه مسلم، كتاب التوبة، رقم الحديث 2749.

([117])  المرجع السابق، كتاب البر والصلة، رقم الحديث 2577.  

([118])  انظر: ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية 1/329. 

([119])  رواه مسلم، كتاب الطهارة، رقم الحديث 233. 

([120])  رواه مسلم، كتاب الطهارة، رقم الحديث 244. 

([121]) رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، رقم الحديث 38.

([122]) المرجع السابق، كتاب الحج، رقم الحديث 1521. 

([123])  المرجع السابق، كتاب الدعوات، رقم الحديث 6405.

([124])  سورة محمد، الآية 19.  

([125])  سورة إبراهيم، الآية 41.  

([126])  الجامع لأحكام القرآن 9/246 .  

([127])  سورة نوح، الآية 28.  

([128])  الجامع لأحكام القرآن 18/202.  وانظر: ابن الجوزي، زاد المسير 8/375 .

([129])  في ظلال القرآن 6/3717.  

([130])  رواه مسلم، كتاب الجنائز، رقم الحديث 919.  

([131])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأذان، رقم الحديث 718.

([132])  المرجع السابق، كتاب الدعوات، رقم الحديث 6307.

([133])  المرجع السابق، رقم الحديث 6398.

([134])  سورة الأحزاب، الآية 33.  

([135])  رواه الإمام أحمد، المسند 6/292. والترمذي، السنن، كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث 3205.واللفظ له.  وقال هذا حديث غريب. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/92: صحيح.

([136])  رواه الترمذي، السنن، كتاب المناقب، رقم الحديث 3762. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/222: حسن.  

([137])  المباركفوري، تحفة الأحوذي 10/267.

([138])  سورة التوبة، الآية 113.

([139])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجنائز، رقم الحديث 1260.

([140])  سورة النساء، الآية 48.  

([141])   انظر: محمد أحمد وموسى الخطيب ، دعاء محمد (صلى الله عليه وسلم) ص72.

([142])  سورة المنافقون، الآية 6.

([143])  ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 2/151. والبداية والنهاية 1/141.

([144])  سورة التوبة، الآية 114.

([145])  سورة الممتحنة، الآية 4.  

([146])  ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 4/349.

([147])  سورة التوبة، الآية 128.  

([148])  سورة محمد، الآية 19.  

([149])  سورة آل عمران، الآية 159.

([150])  رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، رقم الحديث 820.

([151])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب تفسير القرآن، رقم الحديث 4906.  

([152])  رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث 2506.  

([153])  بطن من كنانة من العدنانية، وهم بنو غفار بن مُلَيْل بن ضَمْرَة بن بكر بن عبدمناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. كانوا حول مكة . (عمر كحالة، معجم قبائل العرب 3/890. وانظر: المباركفوري، تحفة الأحوذي 10/441) .

([154])  قبيلة من خزاعة، وهم أسلم بن أفصى، وهو خزاعة بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، منهم سلمة بن الأكوع. وفي مذحج أسلم بن أوس الله بن سعد العشيرة ابن مذحج . وفي بجيلة أسلم بطن هو أسلم بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية . والله أعلم من أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا القول . (انظر: العيني، عمدة القاري 7/26. والمباركفوري، تحفة الأحوذي 10/488 .  وعمر كحالة، معجم قبائل العرب 1/26) .  

([155])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجمعة، رقم الحديث 1006.

([156])  انظر: ابن حجر، فتح الباري 2/493.  والآية من سورة النمل، رقم 44.

([157])  رواه الإمام أحمد، المسند 5/256، واللفظ له. والطبراني، المعجم الكبير 8/162 . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1/129، وقال: رجاله رجال الصحيح.

([158])  رواه الإمام أحمد، المسند 5/293 ، واللفظ له. وأبو داود، السنن، كتاب الحدود، رقم الحديث 4380. وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/847: صحيح . ورواه النسائي، السنن، رقم الحديث 4877. وابن ماجه، السنن، كتاب الحدود، رقم الحديث 2597. وابن أبي عاصم، الآحاد والمثاني، حديث رقم 731. وقال الحافظ في "بلوغ المرام" ص 262: رجاله ثقات.  

([159])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الحدود، رقم الحديث 6777.  

([160])  رواه أبو داود، السنن، كتاب الحدود، رقم الحديث 4477. وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/847 : صحيح .

([161])  رواه الإمام أحمد، المسند 2/299 . وقال أحمد شاكر في تحقيقه 15/142: إسناده صحيح.   

([162])  رواه الإمام أحمد، المسند 4/182. والترمذي، السنن، كتاب القدر، رقم الحديث 2140. واللفظ له. وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/225: صحيح.

([163])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث 3332.

([164])  رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، رقم الحديث 2739.

([165])  المرجع السابق، رقم الحديث 2720.    

([166])  سورة آل عمران، الآية 8.  

([167])  ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 1/349.   

([168])  سورة الفاتحة، الآية 6.  

([169])  جامع البيان 1/171 ، تحقيق : عبدالله بن عبدالمحسن التركي.

([170])  تفسير القرآن العظيم 1/29.

([171])  رواه أو داود، السنن، كتاب الأقضية، رقم الحديث 3582.  ابن ماجه، السنن، كتاب الأحكام، رقم الحديث 2310 واللفظ له. والبيهقي في السنن الكبرى 5/116، رقم الحديث 8714. وابن أبي شيبة في المصنف 6/13. قال الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه": صحيح .

([172])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث 3020.  

([173])  رواه الإمام أحمد، المسند 4/216 . والترمذي، السنن، كتاب المناقب، رقم الحديث 3842. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/236: صحيح.

([174])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب العلم، رقم الحديث 71.

([175])  المرجع السابق، كتاب الوضوء، رقم الحديث 143.  

([176])  رواه الإمام أحمد، المسند 1/266 . وضياء الدين أبو عبدالله المقدسي، الأحاديث المختارة ، حديث رقم235، وقال: وهذه زيادة حسنة. وفي مسند إسحاق بن راهويه 1/230، رقم 32: رجاله ثقات كلهم . 

([177])  رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، رقم الحديث 2723.  

([178])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأذان، رقم الحديث 843.  

([179])  رواه الحاكم، المستدرك 4/306 . وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي .  

([180])  رواه أبو داود، السنن، كتاب الجهاد، رقم الحديث 2747. قال الألباني في "صحيح سنن أبي داود": حسن.  

([181])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب البيوع، رقم الحديث 2130.  

([182])  فتح الباري 11/599.   

([183])  شرح صحيح مسلم، 9/142.  

([184])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث 3364.  

([185])  المرجع السابق، رقم الحديث 3365.  

([186])  سورة إبراهيم، الآية 37.  

([187])  سورة القصص، الآية 57.    

([188])  تفسير القرآن العظيم 2/542.  

([189])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث  3009.

([190])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الدعوات، رقم الحديث 6334.  

([191])  رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث 2481.  

([192])  رواه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المرضى، رقم الحديث 5659.  

([193])  عمدة القاري 21/220 .

([194])  رواه مسلم، كتاب الأشربة، رقم الحديث 2042.  

([195])  رواه الإمام أحمد، المسند 5/248 ، واللفظ له. وابن حبان في صحيحه ، رقم الحديث 3425. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/181وقال : رواه أحمد والطبراني في لكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح .

([196])  انظر: ابن حجر، الإصابة 2/182.

رأيك يهمنا