اتحاف الخلق بمعرفة الخالق

نبذة مختصرة

اتحاف الخلق بمعرفة الخالق : في هذه الرسالة ذكر أنواع التوحيد وذكر قواعد في طريقة القرآن في تقرير التوحيد ونفي ضده. وبيان حق الله تعالى على عباده بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وبيان مكانة لا إله إلا الله في الحياة وفضائلها ومعناها ووجوب معرفة الله تعالى وتوحيده بالأدلة وانفراده تعالى بالملك والتصرف وقدرته على كل شيء وبيان مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو وإحاطة علم الله بكل شيء. وذكر شيء من آيات الله ومخلوقاته الدالة على توحيده وعظمته وعلمه وقدرته.
وذكر خلاصة عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة. وذكر توحيد الأنبياء والمرسلين المتضمن تنزيه الخالق عما لا يليق بجلاله وعظمته وشرح أسمائه الحسنى وصفاته العلا وبيان الطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله وبيان حكم الإيمان بالقدر وصفته ومراتبه وأنواع التقادير وذكرت أرقام الآيات القرآنية من سورها من المصحف الشريف.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 اتحاف الخلق بمعرفة الخالق

تأليف الشيخ

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ‬ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد فقد أشار علي من تعينت إجابته بأن ألخص من كتابي (تذكير المسلمين بتوحد رب العالمين) ما يتعلق بمعرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته فأجبته إلى ذلك واخترت من ذلك الكتاب ما يناسب هذا الموضوع المهم من خلال الآيات القرآنية المشتملة على أسماء الله وصفاته مع تفسيرها وذكر ما يستفاد منها وذكر أنواع التوحيد وذكر قواعد في طريقة القرآن في تقرير التوحيد ونفي ضده. وبيان حق الله تعالى على عباده بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وبيان مكانة لا إله إلا الله في الحياة وفضائلها ومعناها ووجوب معرفة الله تعالى وتوحيده بالأدلة وانفراده تعالى بالملك والتصرف وقدرته على كل شيء وبيان مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو وإحاطة علم الله بكل شيء. وذكر شيء من آيات الله ومخلوقاته الدالة على توحيده وعظمته وعلمه وقدرته.

وذكر خلاصة عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة. وذكر توحيد الأنبياء والمرسلين المتضمن تنزيه الخالق عما لا يليق بجلاله وعظمته وشرح أسمائه الحسنى وصفاته العلا وبيان الطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله وبيان حكم الإيمان بالقدر وصفته ومراتبه وأنواع التقادير وذكرت أرقام الآيات القرآنية من سورها من المصحف الشريف.

وأسندت الأحاديث النبوية إلى مخرجيها.

وذكر فيها الأدب مع الله تعالى وبماذا يكون؟

وبيان الأمور التي يستمد منها الأيمان، وفوائد الإيمان وثمراته، والإشارة إلى البراهين العقلية الفطرية على ربوبية الله تعالى وألوهيته ووحدانيته.

وأضيف إلى ذلك من السنة النبوية (باب معرفة الله عز وجل والإيمان به) وباب قول الله تعالى }حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{([1]) وباب قول الله تعالى }وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{([2]) وما يتصل بذلك من أحاديث تفسير هاتين الآيتين الكريمتين مما يدل على عظمة الله تعالى وكبريائه، وهذه الرسالة مستفادة من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم وسميتها (إتحاف الخلق بمعرفة الخالق) سبحانه وتعالى أسأل الله تعالى أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أو قرأها أو سمعها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ومن أسباب الفوز لديه بجنات النعيم وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 مقدمة

تشتمل على صفوة عقيدة أهل السنة

وخلاصتها المستمدة من الكتاب والسنة

وذلك أنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره: فيشهدون أن الله هو الرب الإله المعبود، المتفرد بكل كمال فيعبدونه وحده، مخلصين له الدين.

فيقولون: إن الله هو الخالق البارئ المصور الرزاق المعطي المانع المدبر لجميع الأمور.

وأنه المألوه المعبود الموحد المقصود، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء، الباطن الذي ليس دونه شيء.

وأنه العلي الأعلى بكل معنى واعتبار، علو الذات وعلو القدر، وعلو القهر.

وأنه على العرش استوى، استواء يليق بعظمته وجلاله، ومع علوه المطلق وفوقيته، فعلمه محيط بالظواهر والبواطن والعالم العلوي والسفلي، وهو مع العباد بعلمه، يعلم جميع أحوالهم، وهو القريب المجيب.

وأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، والكل إليه مفتقرون في إيجادهم وإيجاد ما يحتاجون إليه في جميع الأوقات، ولا غنى لأحد عنه طرفة عين، وهو الرءوف الرحيم، الذي ما بالعباد من نعمة دينية ولا دنيوية ولا دفع نقمة إلا من الله، فهو الجالب للنعم، الدافع للنقم.

ومن رحمته أنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا يستعرض حاجات العباد حين يبقى ثلث الليل الآخر. فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يدعوني فاستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر. فهو ينزل كما يشاء، ويفعل كما يريد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

ويعتقدون أنه الحكيم، الذي له الحكمة التامة في شرعه وقدره، فما خلق شيئاً عبثاً، ولا شرع الشرائع إلا للمصالح والحكم.

وأنه التواب العفو الغفور، يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، ويغفر الذنوب العظيمة للتائبين والمستغفرين والمنيبين.

وهو الشكور الذي يشكر القليل من العمل ويزيد الشاكرين من فضله.

ويصفونه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسول الله ﷺ‬.

ومن الصفات الذاتية، كالحياة الكاملة، والسمع والبصر، وكمال القدرة والعظمة والكبرياء، والمجد والجلال والجمال، والحمد المطلق.

ومن صفات الأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته كالرحمة والرضا، والسخط والكلام، وأنه يتكلم بما يشاء كيف يشاء وكلماته لا تنفد، ولا تبيد.

وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود.

وأنه لم يزل ولا يزال موصوفاً بأنه يفعل ما يريد، ويتكلم بما شاء، ويحكم على عباده بأحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية، فهو الحاكم المالك، من سواه مملوك محكوم عليه، فلا خروج للعباد عن ملكه ولا عن حكمه.

ويؤمنون بما جاء به الكتاب وتواترت به السنة: أن المؤمنين يرون ربهم تعالى عيانًا جهرةً، وأن النعيم رؤيته والفوز برضوانه أكبر النعيم واللذة.

وأن من مات على غير الإيمان والتوحيد فهو مخلد في نار جهنم أبداً، وأن أرباب الكبائر إذا ماتوا على غير توبة ولا حصل لهم مكفرٌ لذنوبهم ولا شفاعة فإنهم وإن دخلوا النار لا يخلدون فيها، ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان إلا خرج منها.

وأن الإيمان يشمل عقائد القلوب وأعمالها، وأعمال الجوارح وأقوال اللسان، فمن قام بها على الوجه الأكمل فهو المؤمن حقاً، الذي استحق الثواب وسلم من العقاب، ومن انتقص منها شيئاً نقص من إيمانه بقدر ذلك. ولذلك كان الإيمان يزيد بالطاعة وفعل الخير، وينقص بالمعصية والشر.

ومن أصولهم السعي والجد فيما ينفع من أمور الدين والدنيا مع الاستعانة بالله. فهم حريصون على ما ينفعهم ويستعينون بالله. وكذلك يحققون الإخلاص لله في جميع حركاتهم، ويتبعون رسول الله - ﷺ‬ - في الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول، والنصيحة للمؤمنين واتباع طريقهم([3]).


 التوحيد الذي دعت إليه الرسل

التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد.

فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ‬. وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول "الحديد" و"طه" وآخر "الحشر" وأول "ألم تنزيل السجدة" وأول "آل عمران" وسورة "الإخلاص" بكاملها، وغير ذلك(*).

والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة }قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{ و}قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ{ [آل عمران 64] وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها، وأول سورة "يونس" وأوسطها وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة سورة "الأنعام".

وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن. فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي الخبري. وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا. وما يكرمهم به في الآخرة، وهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما فعل بهم في العقبى من العذاب([4]) فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد([5]).

(قاعدة) يسمى دين الإسلام توحيداً لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلاهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء والمرسلين الذي جاءوا به عند الله، وهي متلازمة كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر فما ذاك إلا لأنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب، وإن شئت قلت: التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات؛ وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة. ذكره شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله([6]).


 فضل التوحيد وفوائده

1- من فضائله أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا الآخرة ودفع عقوبتهما.

2- ومن أجل فوائده أن يمنع الخلود في النار. إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل. وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.

3- ومنها أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة.

4- ومنها أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ‬ من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه.

5- ومن أعظم فضائله أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.

6- ومن فضائله أنه يُسَهِّل على العبد فعل الخيرات وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي لما يخشى من سخطه وعقابه.

7- ومنها أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله من الراشدين.

8- ومنها أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام. فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة.

9- ومن أعظم فضائله أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي.

ويكون مع ذلك متألهاً متعبداً لله لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.

10- ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققاً كاملاً بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيراً، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السموات والأرض.. وعمارها من جميع خلق الله كما في حديث أبي سعيد([7]). وفي حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله التي وزنت تسعة وتسعين سجلاً من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر([8])، وذلك لكمال إخلاص قائلها. وكم ممن يقولها لا تبلغ هذا المبلغ، لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد.

11- ومن فضائل التوحيد أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال.

12- ومنها أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره، وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة والله أعلم(*).


 قاعدة في طريقة القرآن في تقرير التوحيد ونفي ضده

القرآن كله لتقرير التوحيد ونفي ضده. وأكثر الآيات يقرر الله فيها توحيد الإلهية وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له ويخبر أن جميع الرسل إنما أرسلت تدعو قومها إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأن الكتب والرسل، بل الفطر والعقول السليمة كلها اتفقت على هذا الأصل، الذي هو أصل الأصول كلها، وأن من لم يدن بهذا الدين الذي هو إخلاص العبادة والقلب والعمل لله وحده. فعمله باطل }لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ{ [الزمر 65] }وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [الأنعام 88] ويدعو العباد إلى ما تقرر في فطرهم وعقولهم من أن الله المنفرد بالخلق والتدبير والمنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة: هو الذي يسحق العبادة وحده. ولا ينبغي أن يكون شيء منها لغيره. وأن سائر الخلق ليس عندهم أي قدرة على خلق، ولا نفع ولا دفع ضر عن أنفسهم فضلاً عن أن يغنوا عن أحد غيرهم من الله شيئاً.

ويدعوهم أيضاً إلى هذا الأصل بما يتمدح به، ويثني على نفسه الكريمة، من تفرد بصفات العظمة والمجد، والجلال والكمال وأن من له هذا الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه مشارك: أحق من أخلصت له القلوب والأعمال الظاهرة والباطنة.

ويقرر هذا التوحيد بأنه هو الحاكم وحده. فلا يحكم غيره شرعاً ولا جزاء }إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ{ [يوسف 40].

وتارة يقرر هذا بذكر محاسن التوحيد، وأنه الدين الوحيد الواجب شرعاً وعقلاً وفطرة، على جميع العبيد. ويذكر مساوئ الشرك وقبحه، واختلال عقول أصحابه بعد اختلال أديانهم، وتقليب أفئدتهم، وكونهم أضل من الأنعام سبيلا.

وتارة يدعو إليه بذكر ما رتب عليه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة والحياة الطيبة في الدور الثلاث، وما رتب على ضده من العقوبات العاجلة والآجلة، وكيف كانت عواقب المشركين أسوأ العواقب وشرها.

وبالجملة: فكل خير عاجل وآجل، فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شر عاجل وآجل، فإنه من ثمرات الشرك والله أعلم([9]).


 قاعدة ربوبية الله في القرآن على نوعين. عامة، وخاصة.

كثر في القرآن ذكر ربوبية الرب لعباده، ومتعلقاتها، ولوازمها. وهي على نوعين:

ربوبية عامة، يدخل فيها جميع المخلوقات: برها، وفاجرها بل مكلوفها وغير المكلفين، حتى الجمادات. وهو أنه تعالى المتفرد بخلقها ورزقها وتدبيرها، وإعطائها ما تحتاج إليه في بقائها. وحصول منافعها ومقاصدها والمقاصد منها. فهذه التربية لا يخرج عنها أحد.

والنوع الثاني: في ربوبيته لأصفيائه وأوليائه. فيربيهم بالوحي وينزل لهم بغيث العلم ويهديهم إلى الإيمان، ويوفقهم لتكميله ويكملهم بالأخلاق الجميلة، ويدفع عنهم الأخلاق الرذيلة، وييسرهم لليسرى ويجنبهم العسرى، وحقيقتها: التوفيق لكل خير. والحفظ من كل شر، وإنالة المحبوبات العاجلة والآجلة، وصرف المكروهات العاجلة والآجلة.

فحيث أطلقت ربوبيته تعالى. فإن المراد بها المعنى الأول مثل قوله (رَبِّ الْعَالَمِينَ)([10]) }وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ{([11]) ونحو ذلك.

وحيث قيدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم. فإن المراد بها النوع الثاني. وهو متضمن للمعنى الأول وزيادة لهذا تجد أدعية الأنبياء وأتباعهم في القرآن باسم الرب غالباً فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.

فملاحظة هذا المعنى نافعة أعظم النفع للعبد.

ونظير هذا المعنى الجليل: أن الله أخبر في عدة آيات أن الخلق كلهم عباده وعبيده }إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا{([12]) فكلهم مماليكه وليس لهم من الملك والأمر من شيء، لا في أنفسهم ولا في غيرهم. ويخبر في بعض الآيات أن عباده بعض خلقه كقوله }وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا{([13]) ثم ذكر صفاتهم الجليلة كقوله }أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{([14]) وفي قراءة (عباده) وقوله }سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ{([15]) وقوله }وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا{([16]) فالمراد بهذا النوع من قاموا بحقوق عبوديتهم له بصفة ربوبيته، وأخلصوا له الدين على اختلاف طبقاتهم.

فالعبودية الأولى: يدخل فيها البر والفاجر. والعبودية الثانية: صفة الأبرار. ولكن الفرق: أن الربوبية وصف الرب وفعله. والعبودية وصف العبيد وفعلهم([17]).

 قاعدة أعظم الأصول التي يقررها القرآن ويبرهن عليها: توحيد الألوهية والعبادة.

وهذا الأصل العظيم أعظم الأصول على الإطلاق، وأكملها وأفضلها، وأوجبها وألزمها لصلاح الإنسانية. وهو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله وخلق المخلوقات وشرع الشرائع لقيامه وبوجوده يكون الصلاح وبفقده يكون الشر والفساد.

وجميع الآيات القرآنية إما أمر به أو بحق من حقوقه أو نهى عن ضده، أو إقامة حجة عليه، أو بيان جزاء أهله في الدنيا والآخرة. أو بيان الفرق بينهم وبين المشركين، ويقال له: توحيد الإلهية، فإن الإلهية وصفه تعالى الذي ينبغي أن يؤمن به كل بني آدم: ويوقنوا أنه الوصف الملازم له سبحانه، الدال عليها الإسم العظيم. وهو الله. وهو مستلزم جميع صفات الكمال. ويقال له: توحيد العبادة باعتبار وجوب ملازمة وصف العبودية بكل معانيها للعبد بصفته الملازمة له من مقتضيات العبودية للربوبية بإخلاص العبادة لله تعالى وتحقيقها في العبد أن يكون عارفاً بربه مخلصاً له جميع عباداته محققاً ذلك بترك الشرك صغيره وكبيره وباتباع النبي ﷺ‬ ظاهراً وباطناً، والبراءة من كل بدعة وضلالة، والحب في الله والبغض في الله.

وهذا الأصل الذي هو أكبر الأصول وأعظمها قد قرره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في رسائل لا تحصى وبالأخص في كتاب التوحيد. وذكر من تقريره وتفاصيله وتحقيقه، ونفى كل ما يضاده ما لم يوجد في كتاب غيره رحمه الله تعالى([18]).


 أقسام التوحيد

ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:

الأول: توحيد الربوبية، ومقصود ذلك توحيد الله بأفعاله عز وجل، ويشمل الاعتراف بتدبير الله عز وجل في ملكه وتربيته لخلقه وشمولهم بأنواع الرعاية وأنه الخالق الرازق المحيي المميت المدبر القادر العالم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض فالخلق والهداية والنفع والضر والرزق والحياة والموت والشفاء والمرض كلها بيده وحده عز وجل، وهو وحده يعز من يشاء ويذل من يشاء قال تعالى: }وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُّرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ{ [سورة يونس آية 107].

والله هو الغني وكل الناس فقراء محتاجون إليه قال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ{([19]) وهو رب العلمين النافذ أمره }بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ [سورة الملك آية 1].

الثاني: توحيد الألوهية ومقصود ذلك توحيد الله بأفعال العبد، وهو صرف كل أنواع العبادة لله وحده، وعبودية الخلق للخالق عز وجل ووقوفهم عند أمره ونهيه وعدم دعاء المخلوقين أو التوسل بهم أو الذبح لهم من إنس أو جن أو ملائكة أو غيرهم.

ومن أنواع العبادة أيضاً الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والذبح والنذر والدعاء وغير ذلك مما لا يصرف إلا لله عز وجل.

وتوحيد الألوهية هو الذي جاءت به الرسل إلى أممهم تطالبهم بعدم الإشراك بالله، ومن المؤسف أن البعض يتخذ إلهه هواه وهم أصحاب المبادئ الوضعية والمنحرفون في عقيدتهم وعباد القبور من الصوفية والقبوريين وهو الذين يطلبون الغوث وإزالة الشدة والاستعانة بمخلوق ميت مدعين أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، في حين أن الميت ليس له تصرف في ذاته فضلاً عن غيره قال تعالى: }أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ{([20]) وقال تعالى: }قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ{ [سورة الأنعام آية 63، 64].}

{وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى هو القادر وحده على إغاثة الملهوف وعلى دفع الضر وإيصال الخير بخلاف زعم الصوفية والقبوريين الذين يتخبطون في الشرك.

وبهذا يعلم أن من علق عبادته بمخلوق فقد شبهه بالخالق، قال النووي رحمه الله "وأما دخول المشرك النار فهو على عمومه فيدخلها ويخلد فيها ولا فرق فيه بين الكتابي - (اليهودي والنصراني) - وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة" اهـ.

وهكذا فإن التوحيد هو إخلاص العبادة لله عز وجل وإن عبدة القبور الذين يبنون المشاهد عليها ويعظمونها هو ضالون لأن العبادة لا يستحقها نبي ولا ملك ولا غيره.

والله سبحانه وتعالى يقول: }وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ{([21]) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما معناه "فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة لزم أن يكون محباً له".

ويدخل في ذلك لبس الحلقة والتمائم والتعلق بها لجلب نفع أو دفع ضر وتصديق الكهنة والسحرة والمشعوذين، والنذر لغير الله، والاستعاذة بغير الله والاستغاثة بالمخلوقين قال تعالى: }قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.لاَ شَرِيكَ لَهُ{([22]) وقال أيضاً متوعداً: }إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ{([23]) وقال سبحانه: }إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ{ [سورة النساء آية 48، 116].

قال الشيخ صنع الله الحنفي رحمه الله في كتابه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات مستدلين أن ذلك منهم كرامات، وقالوا منهم أبدال ونقباء وأوتاد وأقطاب إلى أن قال: وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيها الأجور قال وهذا كلام فيه تفريط وإفراط بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق ومصادمة الكتاب العزيز المصدق ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة.

وفي التنزيل (4/115 }وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا{ انتهى.

وضابط هذا كما قال أهل العلم: أن كل أمر شرعه الله لعباده وأمرهم به ففعله لله عبادة فإذا صرف من تلك العبادة شيئاً لغير الله فهو شرك مصادم لما بعث الله به رسول من قوله عز وجل: }قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي{([24]).

الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو العلم واليقين بأسماء الله وصفاته حيث يجب تقديسه عز وجل عما لا يليق به لأنه متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص، فكل ما جاء في وصفه تعالى لنفسه في القرآن الكريم نعتقده ونصدق به، وكذلك ما جاءت به الأخبار الصحيحة على لسان رسول الله ﷺ‬ موصوفاً بها بصفات نصدق بها ونرد المتشابه إلى المحكم، ونصفه بما وصف به نفسه عز وجل من غير تكييف أو تشبيه أو تمثيل أو تجسيم أو تعطيل أو تحريف وننزهه عن الشبه والمثل لقوله تعالى}لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{([25]) وقوله تعالى: }قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ- اللهُ الصَّمَدُ- لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ- وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ{([26]) والله أعلم.


بسم الله الرحمن الرحيم

(ما يجب على المسلم معرفته والعمل به)(*)

(أعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل).

(الأولى) العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.

(الثانية) العمل به.

(الثالثة) الدعوة إليه.

(الرابعة) الصبر على الأذى فيه.

والدليل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم }وَالْعَصْرِ- إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ- إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ{([27]). قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم. وقال البخاري رحمه الله تعالى: "(باب): العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ{([28]) فبدأ العلم قبل القول والعمل".


واعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن):

(الأولى): أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: }إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً{([29]).

(الثانية): أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، والدليل قوله تعالى }وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا{([30]).

(الثالثة): أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى: }لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{([31]).

اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين. وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها كما قال تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ{([32] ومعنى يعبدون: يوحدوني. وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة. وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه. والدليل قوله تعالى: }وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا{([33]).

(فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟) فقل: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمداً ﷺ‬.

فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته، وهو معبودي، ليس لي معبود سواه. والدليل قوله تعالى: (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)([34]) وكل من سوى الله عالم وأنا واحد من ذلك العالم.

فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما والدليل قوله تعالى: }وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ{([35]) وقوله تعالى: }إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ{([36]).

والرب هو المعبود. والدليل قوله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ{([37]) قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.


حق الله تعالى(*)

هذا الحق أحق الحقوق وأوجبها وأعظمها لأنه حق الله تعالى الخالق العظيم المالك المدبر لجميع الأمور، حق الملك الحق المبين الحي القيوم الذي قامت به السموات والأرض، خلق كل شيء فقدره تقديراً بحكمة بالغة، حق الله الذي أوجدك من العدم ولم تكن شيئاً مذكوراً. حق الله الذي رباك بالنعم وأنت في بطن أمك في ظلمات ثلاث لا يستطيع أحد من المخلوقين أن يوصل إليك غذاءك ومقومات نموك وحياتك، أدر لك الثديين وهداك النجدين وسخر لك الأبوين أمدك وأعدك... أمدك بالنعم والعقل والفهم وأعدك لقبول ذلك والانتفاع به }وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{([38]) فلو حجب عنك فضله طرفة عين لهلكت ولو منعك رحمته لحظة لما عشت، فإذا كان هذا فضل الله عليك ورحمته بك فإن حقه عليك أعظم الحقوق لأنه حق إيجادك وإعدادك وإمدادك، إنه لا يريد منك رزقاً ولا إطعاماً }لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى{([39]) وإنما يريد منك شيئاً واحداً مصلحته عائدة إليك يريد منك أن تعبده وحده لا شريك له }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ{([40])، ويريد منك أن تكون عبداً له بكل معاني العبودية، كما أنه هو ربك بكل معاني الربوبية عبداً متذللاً له خاضعاً له ممتثلاً لأمره مجتنباً لنهيه مصدقاً بخبره لأنك ترى نعمه عليك سابغة تترى، أفلا تستحي أن تبدل هذه النعم كفراً.

لو كان لأحد من الناس عليك فضل لاستحييت أن تبارزه بالمعصية وتجاهره بالمخالفة فكيف بربك الذي كل فضل عليك فهو من فضله وكل ما يندفع عنك من سوء فمن رحمته }وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ{([41]).

وإن هذا الحق الذي أوجبه الله لنفسه ليسير سهل على من يسر الله له. ذلك بأن الله لم يجعل فيه حرجاً ولا ضيقاً ولا مشقة. قال الله تعالى: }وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ{([42]).

إنه عقيدة مثلى وإيمان بالحق وعمل صالح مثمر، عقيدة قوامها المحبة والتعظيم وثمرتها الإخلاص والمثابرة، خمس صلوات في اليوم والليلة يكفر الله بهن الخطايا ويرفع بهن الدرجات ويصلح بهن القلوب والأحوال يأتي بهن العبد بحسب استطاعته }فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{([43]).

قال النبي ﷺ‬ لعمران بن حصين وكان عمران مريضاً صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب([44]).

زكاة وهي جزء يسير من مالك تدفع في حاجة المسلمين، للفقراء والمساكين وابن السبيل والغارمين وغيرهم من أهل الزكاة([45]).

صيام شهر واحد في السنة }وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ{([46]) ومن لا يستطيع الصيام لعجز دائم يطعم مسكيناً كل يوم.

حج البيت الحرام مرة واحدة في العمر للمستطيع. هذه هي أصول حق الله وما عداها فإنما يجب لعارض كالجهاد في سبيل الله أو لأسباب توجبه كنصر المظلوم.

انظر يا أخي هذا الحق اليسير عملاً، الكثير أجراً إذا قمت فيه كنت سعيداً في الدنيا والآخرة ونجوت من النار ودخلت الجنة }فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ{([47]).

مكانة لا إله إلا الله في الحياة:

إنها كلمة يعلنها المسلمون في أذانهم وإقامتهم وفي خطبهم ومحادثاتهم وهي كلمة قامت بها الأرض والسموات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله رسله ونزل كتبه وشرع شرائعه، ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين وقام سوق الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكفار، فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب وعليها يقع الثواب والعقاب، وعليها نصبت القبلة، وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وهي حق الله على جميع العباد، فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وعنها يسأل الأولون والآخرون.

فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: "ماذا كنتم تعبدون؟! وماذا أجبتم المرسلين؟"، وجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقراراً وعملاً. وجواب الثانية بتحقيق أن محمداً رسول الله معرفة وانقياداً وطاعة([48]).

هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى والعروة الوثقى وهي التي جعلها إبراهيم }كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{([49]).

وهي التي شهد الله بها لنفسه وشهدت بها ملائكته وأولو العلم من خلقه، قال تعالى: }شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{([50]).

وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ولأجلها خلق الخلق كما قال تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ{([51]).

ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: }وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ{([52]).

وقال تعالى: }يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ{([53]).

قال ابن عيينة: ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله، وأن لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا([54])، فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه هدر، ففي الصحيح عن النبي ﷺ‬ قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله"([55]) وهي أول ما يطلب من الكفار عندما يدعون إلى الإسلام فإن النبي ﷺ‬ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" الحديث أخرجاه في الصحيحين([56]).

وبهذا تعلم مكانتها في الدين وأهميتها في الحياة وأنها أول واجب على العباد لأنها الأساس الذي تبنى عليه جميع الأعمال.

فضل لا إله إلا الله:

فلها فضائل عظيمة ولها من الله مكانة، من قالها صادقاً أدخله الله الجنة. ومن قالها كاذباً حقنت دمه وأحرزت ماله في الدنيا وحسابه على الله عز وجل، وهي كلمة وجيزة اللفظ قليلة الحروف خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان. فقد روى ابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري t - عن رسول الله - قال: "قال موسى يا رب علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال يا موسى قل لا إله إلا الله - قال كل عبادك يقولون هذا، قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله"([57]). فالحديث يدل على أن لا إله إلا الله هي أفضل الذكر، وفي حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" رواه أحمد والترمذي([58])، ومما يدل على ثقلها في الميزان أيضاً ما رواه الترمذي وحسنه، والنسائي والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، عن عبد الله بن عمرو: قال النبي ﷺ‬ : "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر ثم يقال أتنكر من هذا شيئاً، فيقول لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة فيهاب الرجل فيقول: لا - فيقال بلى إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة"([59]) ولهذه الكلمة العظيمة فضائل كثيرة ذكر جملة منها الحافظ ابن رجب في رسالته المسماة "كلمة الإخلاص" واستدل لكل فضيلة ومنها: أنها ثمن الجنة، ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة. وهي نجاة من النار، وهي توجب المغفرة، وهي أحسن الحسنات، وهي تمحو الذنوب والخطايا وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب وترجح بصحائف الذنوب، وهي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله عز وجل وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها وهي أفضل ما قاله النبيون، وهي أفضل الذكر، وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفاً وتعدل عتق الرقاب وتكون حرزاً من الشيطان، وهي أمان من وحشة القبر وهول الحشر، وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم. ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لابد أن يخرجوا منها، هذه عناوين الفضائل التي ذكرها ابن رجب في رسالته واستدل لكل واحد منها([60])([61]).


ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية

في فضل من قال لا إله إلا الله([62])

وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها. كما جاءت مقيدة وقالها خالصاً من قلبه مستيقناً بها قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين، فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحاً فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة وما يزن خردلة وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيراً ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها يقولها تقليداً وعادة لم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث "سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته"([63]). وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليداً واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: }إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ{([64]) وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذا الحال مصراً على ذنب أصلاً، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء فإذاً لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان وهذه التوبة وهذا الإخلاص وهذه المحبة وهذا اليقين لا تترك له ذنباً إلا يمحى كما يمحى الليل بالنهار. انتهى كلامه رحمه الله([65]).


بسم الله الرحمن الرحيم

 معنى كلمة التوحيد وتضمنها الكفر بما يعبد من دون الله

سئل العالم العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بأبي بطين رحمه الله عن معنى "لا إله إلا الله" وعمن قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله، وهل من قالها ودعا نبياً أو ولياً هل تنفعه، أو هو مباح الدم والمال ولو قالها؟.

أجاب رحمه الله تعالى وعفا عنه: معنى "لا إله إلا الله" عند جميع أهل اللغة وعلماء التفسير والفقهاء كلهم يفسرون الإله بالمعبود، والتأله بالتعبد.

وأما العبادة فعرفها بعضهم بأنها ما أمر به شرعاً، من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. والمأثور عن السلف تفسير العبادة بالطاعة، فيدخل في ذلك فعل المأمور من واجب ومندوب، وترك المنهي عنه من محرم ومكروه، فمن جعل نوعاً من أنواع العبادة لغير الله كالدعاء والسجود والذبح والنذر وغير ذلك فهو مشرك. و "لا إله إلا الله" متضمنة للكفر بما يعبد من دونه، لأن معنى لا إله إلا الله إثبات العبادة لله وحده والبراءة من كل معبود سواه وهذا معنى الكفر بما يعبد من دونه، لأن معنى الكفر بما يعبد من دونه البراءة منه واعتقاد بطلانه.

وهذا معنى الكفر بالطاغوت في قول الله تعالى: }فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى{([66]) والطاغوت اسم لكل معبود سوى الله كما في قوله: }وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ{([67]) وقول النبي في الحديث الصحيح "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله"([68]) فقوله "وكفر بما يعبد من دون الله" فالظاهر أن هذا زيادة إيضاح، لأن لا إله إلا الله متضمنة الكفر بما يعبد من دون الله. ومن قال لا إله إلا الله ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر كدعاء الموتى والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالنذور والذبائح فهذا مشرك شاء أم أبى، والله لا يغفر أن يشرك به، }إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ{([69]) ومع هذا الفعل مشرك ومن فعله فهو كافر.

ولكن على ما قال الشيخ لا يقال فلان كافر حتى يبين له ما جاء به الرسول ﷺ‬ ، فإن أصر بعد البيان حكم بكفره وحل دمه وماله، وقال تعالى: }وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ{([70]) أي شرك }وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ{ فإذا كان في بلد وثن يعبد من دون الله قوتلوا لأجل الوثن، أي لإزالته وهدمه وترك الشرك، حتى يكون الدين كله لله. والدعاء دين سماه الله ديناً كما في قوله تعالى: }فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ{([71]) أي الدعاء، وقال ﷺ‬ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له"([72]). فمتى كان شيء من العبادة مصروفاً لغير الله فالسيف مسلول على ذلك، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم([73]).


 معنى كلمة التوحيد أيضاً بسم الله الرحمن الرحيم

سأل بعض الإخوان الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين - رحمة الله تعالى علينا وعليه - عن معنى "لا إله إلا الله" وما تنفي وما تثبت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما سألت عنه من معنى "لا إله إلا الله" وما تثبت وما تنفي فأول واجب على الإنسان معرفة معنى هذه الكلمة، قال الله تعالى لنبيهﷺ‬ : }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ{([74]) وقال: }وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ{([75]) أي بلا إله إلا الله }وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، فأفرض الفرائض معرفة معنى هذه الكلمة، ثم التلفظ بمقتضاها. فالإله هو المعبود والتأله التعبد [ومعنى لا إله إلا الله]([76]) لا معبود بحق إلا الله، نفت الإلاهية عمن سوى الله وأثبتتها لله تعالى وحده.

فإذا عرفت أن الإله هو المعبود، والإلاهية هي العبادة، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال، فالإله هو المعبود المطاع، فمن جعل شيئاً من العبادة لغير الله فهو مشرك، وذلك كالسجود والدعاء والذبح والنذر، وكذلك التوكل والخوف والرجاء وغير ذلك من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وإفراد الله سبحانه بالعبادة ونفيها عمن سواه هو حقيقة التوحيد، وهو معنى لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله بصدق ويقين أخرجت من قلبه كل ما سوى الله محبة وتعظيماً وإجلالاً ومهابة وخشية وتوكلاً، فلا يصير في قلبه محبة لما يكرهه الله ولا كراهة لما يحبه، وهذا حقيقة الإخلاص الذي قال فيه ﷺ‬ : "من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة([77]) - أو - حرم الله عليه النار"([78]) قيل للحسن البصري: إن ناساً يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها إلخ،وغالب لا إله إلاالله إنما يقولها تقليداً، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، فلا يعرف الإخلاص فيها، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يصرف عنها عند الموت، وغالب من يفتن في القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث "سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته"([79]) نسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم(*).

 وجوب معرفة الله وتوحيده

الحمد لله المتوحد بصفات العظمة والجلال، المتفرد بالكبرياء والكمال، المولي على خلقه النعم السابغة الجزال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الرسل في كل الخصال، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وأشرف آل.

أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله وابعدوه فإن الله خلقكم لذلك قال تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ{([80]) خلقهم ليعبدوه ويدينوا بعبادته الجامعة لمعرفته والإنابه إليه والتوجه في كل الأمور إليه، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الرب الذي أوجد جميع المخلوقات. وأعدها وأمدها بكل ما تحتاج إليه من كل الجهات. وهي الفقيرة إليه بالذات وكل الصفات، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الملك المالك لجميع الموجودات والعوالم والممالك، الذي له الحكم والحمد في الأولى والآخرة وإليه يرجعون، وإليه تنتهي الأقدار ومنه تبتدي، وإذا أراد شيئاً قال له كن فيكون. خلقهم ليعرفوا أحكامه الشرعية والقدرية والجزائية، ولها يخضعون فيعلموا أن كل شيء بقضاء وقدر، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم هو مولانا وعليه فليتوكل المؤمنون فترضى بالله رباً، وسيداً، ومدبراً، وحاكماً، وبمحمد نبياً رسولاً ومبشراً ومنذراً، وبالإسلام ديناً وطريقاً ومسلكاً، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الله الذي لا إله إلا هو فليس له شريك في ألوهيته كما ليس له شريك في ربوبيته وملكه، فكما أنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور. فهو الإله المعبود المحمود المشكور. وكما أن جميع النعم الظاهرة والباطنة منه لطفاً وإحساناً فهو المستحق لكمال الشكر إخلاصاً ومحبة له وخضوعاً وإذعاناً. وكما أنه الذي لطف بكم وعدلكم وسواكم فليكن وحده معبودكم ومرجوكم ومولاكم، وكما شرع لكم ديناً حنيفاً ميسراً موصلاً للفلاح. فاسلكوا الصراط المستقيم متقربين إليه في الغدو والرواح. فليس لكم رب سواه. ولا معبود إلا الله. ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه. ولا معول في الأمور إلا عليه. فقوموا بعبوديته ظاهراً وباطناً لعلكم تفلحون. واستعينوا به وتوكلوا عليه لعلكم ترحمون. إذا سألتم فلا تسألوا إلا الله وإذا استعنتم فلا تستعينوا بأحد سواه فإن الخلق كلهم فقراء عاجزون. وجميعهم إلى ربهم مضطرون مفتقرون. أعانني الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. ووفقنا لمحبته ومعرفته والقيام بطاعته. ولا حرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما عندما من الإساءة والعصيان. }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{([81]) وصلى الله وسلم على نبينا محمد([82]).

 عقيدة أهل السنة والجماعة

وهي مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني 310 – 386 هـ.

قال رحمه الله تعالى: (باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات):

من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان بأن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له. ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون. يعتبر المفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته }وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ{([83])... العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته([84]) وهو بكل مكان بعلمه خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد }وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{([85]) على العرش استوى وعلى الملك احتوى وله الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة، كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه وتجلى للجبل فصار دكاً من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد، والإيمان بالقدر خيره وشره... حلوه ومره.. وكل ذلك قد قدره الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به - }أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ{([86]) يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه، وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يكون لأحد، عنه غناً، خالقاً لكل شيء ألا هو رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم، ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ‬ فجعله آخر المرسلين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنزل عليه كتابه الحكيم بدينه القويم وهدى به الصراط المستقيم، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون، وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر وجعل من لم يتب من الكبائر صائراً إلى مشيئته }إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ{([87]).

ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته }فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ{([88]) ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ‬ من شفع له من أهل الكبائر من أمته.. وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته.

وأن الله تبارك وتعالى يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابهم.

وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد }فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{([89]) ويؤتون صحائفهم بأعمالهم }فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا{([90]) }وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا{([91]) وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه([92]) من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم. والإيمان([93]) بحوض رسول الله ﷺ‬ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من بدل وغير. وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون بها النقص وبها الزيادة ولا يكمل قول الإيمان إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة([94]) وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة، معذبة إلى يوم الدين، وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون و }يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ{([95]) وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك من علم ربهم، وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه، وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله ﷺ‬ وآمنوا به ثم الذين يلونهم.

وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. ثم علي رضي الله عنهم أجمعين.

وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر([96]) بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب، والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ما أحدثه المحدثون، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليماً كثيراً، انتهى.


 توحيد الله بربوبيته وإلهيته

قال الله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ{ [البقرة: 20 – 22].

يخاطب الله تعالى الناس عموماً مسلمهم وكافرهم وعربهم وعجمهم وذكرهم وأنثاهم آمراً لهم بما خلقهم لأجله وهو عبادته الجامعة لامتثال أمره واجتناب نهيه وتصديق خبره كما قال تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ{([97]). وأوجب عليهم الاستمرار على عبادته حتى الموت فقال: }وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ{([98]).

ثم استدل على وجوب عبادته وحده بأنه ربكم الذي أوجدكم من عدم ورباكم بأصناف النعم وخلق الذين من قبلكم وأنعم عليكم بأنعمه الظاهرة والباطنة فجعل لكم الأرض فراشاً تستقرون عليها وتنتفعون بالأبنية والزراعة والحراثة والتجارة والمشي في سبلها ابتغاء رزقه، وجعل السماء بناء لمسكنكم وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم كالشمس والقمر والنجوم.

}وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً{ والسماء هو كل ما علا فوقك هو سماء ولهذا قال المفسرون: المراد بالسماء هنا السحاب فأنزل منه تعالى ماء }فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ{ كالحبوب والثمار والفواكه والزروع وغيرها }رِزْقًا لَّكُمْ{ به ترتزقون وتعيشون وتفكهون فكما أنه لا خالق ولا رازق إلا الله فلا معبود بحق إلا هو ولا متصرف في الكون سواه }فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا{ أمثالاً ونظراء من المخلوقين فتعبدونهم كما تعبدون الله وتحبونهم كما تحبونه وهم مثلكم مخلوقون مرزقون مدبرون لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا ينفعون ولا يضرون }وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ{ أن الله ليس له شريك ولا نظير لا في الخلق ولا في الرزق ولا في التدبير فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك. وقوله تعالى: }لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ المعنى أنكم إذا عبدتم الله صرتم من المتقين واتقيتم بذلك سخط الله وعذابه لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.

ما يستفاد من هذه الآيات:

1-                  الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه.

2-                  بيان الدليل الباهر على وجوب عبادة الله وحده وبطلان عبادة ما سواه وهو ذكر توحيد الربوبية المتضمن انفراد الله بالخلق والرزق والتدبير.

3-                  أن من عبد الله وحده مخلصاً له الدين فهو من المتقين وحصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه.

4-                  أن جميع الناس مخلوقون لعبادة الله تعالى وتوحيده وإقامة دينه وعنه يقع السؤال وعليه يقع الجزاء وبذلك أرسلت الرسل وأنزلت الكتب.

5-                  وجوب شكر نعم الله بالاعتراف بها باطناً والثناء على الله بها والاستعانة بها على طاعته وابتغاء مرضاته.

6-                  أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق بالأخذ بأسباب الرزق من صناعة وزراعة وتجارة وغير ذلك فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله فقد أخذ بطرف من جعل لله نداً.

فلا تعبد أحداً في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا فإن الله عز وجل قد أتاح لك ما لابد لك منه من غير منة فيه لأحد عليك.

7-                  انفراد الله بالربوبية والإلهية والملك وجميع صفات الكمال.


 الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله

قال الله تعالى: }قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{ آية 136 من سورة البقرة.

هذه الآية الكريمة قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به والإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح هو بهذا الاعتبار يدخل الإسلام وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها فهي من الإيمان وأثر من آثاره فحيث ذكر الإيمان وحده دخل فيه الإسلام وكذلك الإسلام إذا ذكر وحده دخل فيه الإيمان فإذا قرن بينهما كان الإيمان أسما لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلام أسما للأعمال الظاهرة وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة.

فقوله تعالى: }قُولُوا{ أي بألسنتكم متواطئة عليها قلوبكم وهذا هو القول التام المترتب عليه الثواب والجزاء فكما أن النطق باللسان بدون اعتقاد القلب نفاق وكفر فالقول الخالي من العمل عديم التأثير قليل الفائدة وفي قوله }قُولُوا{ إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة إليها لأنها أصل الدين وأساسه وفي قوله }آمَنَّا{ ونحوه مما فيه صدور الفعل منسوباً إلى جميع الأمة إشارة إلى أنه يجب على الأمة الاعتصام بحبل الله جميعاً والحث على الائتلاف حتى يكون داعيهم واحداً وعملهم متحداً وأن المؤمنين كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً وفي ضمنه النهي عن الاختلاف والافتراق والتباغض. }آمَنَّا بِاللهِ{ أي صدقنا بوجوده ووحدانيته وأنه واحد أحد فرد صمت لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد حي لا يموت قيوم لا ينام متصف بكل صفة كمال متنزه عن كل نقص وعيب مستحق لإفراده بالعبادة كلها وعدم الإشراك في شيء منها }وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا{ من القرآن والسنة لقول الله تعالى: }وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ{([99]) فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ‬ من صفات الله وصفات رسله واليوم الآخر والغيوب الماضية والمستقبلة وما تضمناه من الأحكام الشرعية وأحكام الجزاء وغير ذلك. }وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ{ الآية فيه الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء والإيمان بالأنبياء عموماً وخصوصاً ما نص عليه في الآية لشرفهم. }لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ{ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض بل نؤمن بهم كلهم وهذه خاصية المسلمين أنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل رسول أرسله الله بخلاف طوائف الشرك والكفر الذين يفرقون بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض فصاروا كافرين حقاً. }وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{ خاضعون لعظمته منقادون لعبادته بباطننا وظاهرنا مخلصون له العبادة.


ما يستفاد من هذه الآية غير ما تقدم:

1-                  أنه يجوز للإنسان إضافة الإيمان إلى نفسه على وجه التقييد كقوله آمنت بالله بل إن ذلك واجب بخلاف قوله أنا مؤمن فإنه لا يقال إلا على وجه التقييد بالمشيئة كقوله أنا مؤمن إن شاء الله لما في إطلاق الإيمان من تزكية النفس والشهادة لنفسه بالإيمان.

2-                  أن عطية الدين هي العطية الحقيقية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة لم يأمرنا الله أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال بل أمرنا أن نؤمن بما أوتوا من الشرائع والكتب المنزلة.

3-                  أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبلغون عن الله ووسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ دينه ورسالاته.

4-                  أن من كمال ربوبية الله لعباده أن ينزل عليهم الكتب ويرسل إليهم الرسل فلا تقتضي ربوبيته تركهم سدى ولا هملاً.

5-                  اشتملت الآية السابقة على أنواع التوحيد الثلاثة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.

6-                  الإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب السماوية النازلة على الأنبياء.

7-                  أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والجوارح.

8-                  الفرق بين الرسل الصادقين وبين من يدعي النبوة من الكاذبين.

9-                  تعليم الله سبحانه لعباده كيف يقولون وأن القول لا يغني عن العمل.

10-             رحمة الله بعباده وإحسانه إليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة.


 توحيد الله بالأدلة

قال الله تعالى: }وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{([100]).

قال البغوي: سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فأنزل الله هذه الآية وسورة الإخلاص.

قوله تعالى: }وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ{ يخبر تعالى أنه إله واحد أي متوحد متفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله فليس له شريك في ذاته ولا سمي له ولا كفو ولا مثيل ولا نظير ولا خالق ولا مدبر غيره فإذا كان كذلك فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة ولا يشرك به أحد من خلقه لأنه }الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ{ المتصف بالرحمة العظيمة التي لا يماثلها رحمة أحد فقد وسعت كل شيء وعمت كل حي فبرحمته أوجدت المخلوقات وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات وبرحمته اندفع عنها كل نقمة وبرحمته عرف عباده نفسه بصفاته وآلائه وبين لهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب فإذا كان هو المنفرد بجميع أصناف النعم فهو المستحق لجميع أنواع العبادة وأن يفرد بالمحبة والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل والدعاء وغير ذلك من أنواع الطاعات ففي هذه الآية دليل إجمالي على وحدانية الله تعالى ثم ذكر الأدلة التفصيلية فقال: }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ{ أي في ارتفاعها واتساعها وإحكامها وإتقانها وما جعل فيها من الشمس والقمر والنجوم وتنظيمها لمصالح العباد وفي خلق }الأَرْضِ{ مهاداً وفراشاً للخلق يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها والاعتبار بذلك ما يدل على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير وبيان قدرته العظيمة التي بها خلقهم وحكمته التي بها أتقنها وأحسنها ونظمها وعلمه ورحمته التي أودع فيها ما أودع من منافع الخلق ومصالحهم وضروراتهم وحاجاتهم وفي ذلك أبلغ دليل على كماله واستحقاقه أن يفرد بالعبادة لانفراده بالخلق والتدبير والقيام بشئون عباده.

وفي }اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ{ وهو تعاقبهما على الدوام إذا ذهب أحدهما خلفه الآخر وفي اختلافهما في الحر والبرد والتوسط والطول والقصر والتوسط وما ينشأ عن ذلك من الفصول التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم وجميع ما على الأرض من أشجار ونوابت كل ذلك بانتظام وتدبير وتسخير تنبهر له العقول ما يدل على قدرة مصرفها وعلمه وحكمته ورحمته الواسعة ولطفه الشامل مما يوجب أن يؤله ويعبد ويفرد بالمحبة والتعظيم والخوف والرجاء وفي }الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ{ وهي السفن والمراكب ونحوها مما ألهم الله عباده صنعتها وخلق لهم من الآلات ما أقدرهم عليها ثم سخر لها هذا البحر العظيم والرياح التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال والبضائع التي هي من منافع الناس وبها تقوم مصالحهم وتنتظم معائشهم }وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ{ وهو المطر النازل من السحاب }فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا{ فأظهرت من أنواع الأقوات وأصناف النبات ما هو من ضرورات الخلائق التي لا يعيشون بدونها }وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ{ أي نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة وسخرها للناس ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع فمنها ما يأكلون من لحمه ويشربون من دره ومنها ما يركبون ومنها ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم ومنها ما يعتبر به وفي ذلك دليل على قدرته وعظمته ووحدانيته وسلطانه العظيم. وفي }تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ{ باردة وحارة وجنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً وبين ذلك وتارة تثير السحاب وتارة تؤلف بينه وتارة تلقحه وتارة تدره وتارة تمزقه وتزيل ضرره وتارة تكون رحمة وتارة ترسل بالعذاب، وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير فيسوقه الله إلى حيث شاء فيحيي به البلاد والعباد ويروي به التلول والوهاد وينزله على الخلق وقت حاجاتهم إليه فينزله رحمة ولطفاً ويصرفه عناية وعطفاً.

أخبر الله تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة آيات أي أدلة على وحدانيته وإلهيته وعظيم سلطانه ولكنها }لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{ أي لمن لهم عقول يعملونها فيما خلقت له ويتفكرون بها في صنع الله ويستدلون بهذه المخلوقات على قدرة الله ويستعينون بنعمه على طاعته فلله الحمد أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً وله الحمد في السموات والأرض والدنيا والآخرة سبحانه لا نحصي ثناء عليه.

ما يستفاد من هذه الآيات سوى ما تقدم:

1-                  إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى وإلهيته ونفيها عن غيره من المخلوقين وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من آثارها وجود جميع النعم واندفاع جميع النقم.

2-                  مشروعية التفكر في مخلوقات الله ومصنوعاته والاستدلال بها على توحيده وقدرته.

3-                  الدلالة على البعث والجزاء لأن الذي بدأ الخلق سوف يعيده ويجزي كل عامر بعمله }وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ{ 27 من سورة الروم والذي يحيي الأرض بعد موتها بالمطر قادر على إحياء الأموات بعد فنائهم }وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ سورة فصلت آية (39).

4-                  وجوب شكر نعم الله باستعمالها في مرضاته وعدم الاستعانة بها على معاصيه.

5-                  إثبات صفة الرحمة الواسعة لله التي من آثارها أن خلق خلقه ورزقهم من الطيبات وحملهم في البر والبحر وسخر لهم جميع المخلوقات وفضلهم على كثير ممن خلق فاستحق منهم أن يشكروه ويعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وأن يتقوه حق تقاته بطاعته وذكره وشكره وامتثال أمره واجتناب نهيه.

6-                  من آيات ومخلوقاته الله الدالة على قدرته العظيمة ووحدانيته السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن والليل والنهار والرياح والسفن التي تجري في البحر بما ينفع الناس والمطر الذي به حياة الأرض.

7-                  جواز ركوب البحر مطلقاً لتجارة كان أو عبادة كالحج والجهاد.

8-                  انفراد الله بالخلق والإيجاد بما في ذلك إرسال الرياح وإنشاء السحاب وإنزال المطر وإنبات النبات وغير ذلك.

9-                  الرد على الطبائعيين الذي يضيفون مخلوقات الله إلى الطبيعة.


 قرب الله ممن دعاه وأسباب إجابة الدعاء

قال الله تعالى: }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ سورة البقرة آية 186.

هذا جواب سؤال سأل النبي ﷺ‬ بعض أصحابه فقالوا يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ{([101]). لأنه تعالى الرقيب الشهيد المطلع على السر وأخفى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فهو قريب أيضاً من داعيه بالإجابة ولهذا قال }أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ{ والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة والقرب نوعان قرب بعلمه من كل خلقه وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق فمن دعا ربه بقلب حاضر ودعاء مشروع ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء كأكل الحرام ونحوه فإن الله قد وعده بالإجابة وخصوصاً إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية والإيمان الموجب للاستجابة فلهذا قال: }فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{ أي يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والعمل الصالح وقد تكاثرت نصوص الكتاب والسنة في الأمر بالدعاءوالحث عليه والوعد عليه بالإجابة قال الله تعالى: }وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ{([102]).

وقال تعالى: }ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ{([103]) وقال تعالى: }أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ{([104]). وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد t أن النبي ﷺ‬ قال: "ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل دعوته وإما أن يدخرها له في الأخرى وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها قالوا: إذاً نكثر قال: الله أكثر" وعن النعمان بن بشير t عن النبي ﷺ‬ قال: "الدعاء هو العبادة" رواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي وابن ماجه وفي الحديث الآخر: "الدعاء مخ العبادة" رواه الترمذي([105]) أي خالصها وإنما كان كذلك لأمرين أحدهما أنه امتثال لأمر الله حيث قال: }ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{ الثاني: أنه إذا علم أن النفع والضر بيد الله انقطع تعلقه بغير الله.


ما يستفاد من الآية:

1-                  الحث على الدعاء وبيان كرم الكريم سبحانه حيث أمر بالدعاء وتكفل بالإجابة.

2-                  قرب الله من جميع خلقه بالعلم والإحاطة وقربه من داعيه وعابديه بالإجابة والإثابة.

3-                  بيان أسباب إجابة الدعاء وهي الاستجابة لله بامتثال ما أمر واجتناب ما نهى والإيمان به وأكل الحلال الطيب ورفع اليدين إلى السماء.

4-                  أن الإيمان بالله وطاعته سبب لتوفيقه وهدايته.

5-                  التحذير من التعرض لموانع إجابة الدعاء كأكل الحرام وشربه ولبسه والدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو استبطاء الإجابة وترك الإيمان وعدم الاستجابة لله وعمل المعاصي كل هذه الأشياء من موانع الإجابة.

6-                  أن الاستجابة لله والإيمان به سبب لحصول العلم لأن الرشد هو الهدى التام علماً وعملاً.


 إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلا لله في أعظم آية في كتاب الله تعالى

قال الله تعالى: }اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ{ سورة البقرة آية 255.

هذه آية الكرسي ولها شأن عظيم وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ‬ أنها أعظم آية في كتاب الله وأنها تحفظ قارئها من الشياطين والشرور كلها لما احتوت عليه من معاني التوحيد والعظمة وسعة صفات الكمال لله تعالى فأخبر أنه }اللهُ{ الذي له جميع معاني الألوهية وأنه لا يستحق الألوهية غيره فألوهية غيره وعبادة غيره باطلة فلا معبود بحق سواه وأنه }الْحَيُّ{ الذي له جميع معاني الحياة الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم المحيط بكل شيء الكامل من كل وجه، فالحي يتضمن جميع الصفات الذاتية وأنه }الْقَيُّومُ{ الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته وقام بها فأوجدها وأبقاها وأمدها بكل ما تحتاج إليه في بقائها فالقيوم يتضمن جميع صفات الأفعال ولهذا ورد أن اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب }اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{ فإن هذين الاسمين الكريمين يدخل فيهما جميع الكمالات الذاتية والفعلية، ومن كمال حياته وقوميته أنه }لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ{ أي نعاس }وَلاَ نَوْمٌ{ لأنهما إنما يعرضان للمخلوق الذي يعتريه الضعف والعجز والانحلال وينزه عنهما ذو العظمة والكبرياء والكمال. وأخبر أنه مالك لجميع ما في السماوات وما في الأرض فكلهم عبيده ومماليكه لا يخرج أحد منهم عن هذا الوصف اللازم }إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا{([106])، فهو سبحانه المالك لجميع الممالك وهو الذي اتصف بصفات الملك الكامل والتصرف التام النافذ والسلطان والكبرياء. ومن تمام ملكه أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له مماليك لا يقدمون على الشفاعة لأحد حتى يأذن لهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله ولا يرضى إلا عن من قام بتوحيده واتباع رسله فمن لم يتصف بهذا فليس له في الشفاعة نصيب وأسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ‬ من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه. ثم أخبر عن علمه الواسع المحيط وأنه يعلم ما بين أيدي الخلائق من الأمور المستقبلة التي لا نهاية لها وما خلفهم من الأمور الماضية التي لا حد لها وأنه لا تخفى عليه خافية }يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ{ سورة غافر آية 19 وأن الخلق لا يحيط أحد منهم بشيء من علم الله ولا معلوماته إلا بما شاء منهما وهو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية والقدرية وهو جزء يسير جداً بالنسبة إلى علم الله ومعلوماته كما قال أعلم الخلق به وهم الرسل والملائكة }سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا{ آية (32) من سورة البقرة. ثم أخبر عن عظمته وجلاله وأن كرسيه وسع السموات والأرض وأنه قد حفظهما بما فيهما من العوالم بالأسباب والنظامات التي جعلها الله في مخلوقاته ومع ذلك فلا يؤده حفظهما أي لا يثقله لكمال عظمته وقوة اقتداره وسعة حكمته في أحكامه }وَهُوَ الْعَلِيُّ{ بذاته على جميع مخلوقاته وهو العلي بعظمة صفاته، وهو العلي بقهره الذي قهر المخلوقات ودانت له الموجودات وخضعت له الصعاب وذلت له الرقاب وهو }الْعَظِيمُ{ الجامع لصفات العظمة والكبرياء والمجد والبهاء الذي تحبه القلوب وتعظمه الأرواح وهو الكبير المتعال الذي لا أكبر منه ولا أعظم منه سبحانه وتعالى. فآية احتوت على هذه المعاني التي هي أجل المعاني وأفرضها على العباد يحق أن تكون أعظم آيات القرآن ويحق لمن قرأها متدبراً متفهماً أن يمتلئ قلبه من اليقين والعرفان والإيمان وأن يكون محفوظاً بذلك من شرور الشيطان وتسن قراءتها عند النوم وبعد كل صلاة مفروضة.

ما يستفاد من آية الكرسي:

1-        إثبات الألوهية لله تعالى ونفيها عما سواه.

2-        إثبات صفة الحياة لله سبحانه المتضمنة لجميع الصفات الذاتية.

3-        إثبات صفة القيوم لله المتضمنة لجميع صفات الأفعال.

4-        تنزيه الله عن السنة والنوم لأنهما ينافيان كمال حياته وقيوميته.

5-        إثبات سعة ملكه وانفراده بملك السموات والأرض وما فيهن.

6-        إثبات الشفاعة بإذنه لمن رضي قوله وعمله.

7-        إثبات صفة العلم الواسع لله وأنه محيط بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها وأنه سبحانه لا ينسى ولا يغفل ولا يلهيه شأن عن شأن سبحانه وتعالى.

8-        أن الخلق لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بمشيئته ولا يعلمون إلا ما علمهم.

9-        عظمة الكرسي الدالة على عظمة الله تعالى.

10-   بيان قدرة الله وكماله وأنه لا يعجزه شيء.

11-   إثبات علو الله على خلقه بكل أنواع العلو فهو العلي بذاته وقدره وقهره.

12-   إثبات المشيئة لله تعالى.

13-   إثبات عظمة الله وكبريائه.

14-   الرد على المشركين القائلين بأن أصنامهم تشفع لهم.

15-   الرد على من زعم أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها.

16-   إثبات صفات الكمال كلها لله ونفي النقائص كلها عنه تعالى.

17-   أن هذه الآية تحفظ قارءها من الشيطان والشرور.

18-   أنها اشتملت على اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وهو }الْحَيُّ الْقَيُّومُ{.

 أجل شهادة على أجل مشهود عليه

قال الله تعالى: }شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ سورة آل عمران آية 18.

هذه أجل الشهادات على الإطلاق؛ فإنها صدرت من الملك العظيم، ومن ملائكته وأنبيائه وأهل العلم على أجل مشهود عليه؛ وهو توحيد الله وقيامه بالقسط، وذلك يتضمن الشهادة على جميع أحكام الشرع وأحكام الجزاء؛ فإن الدين أصله وقاعدته توحيد الله وانفراده بالعبادة، والاعتراف بانفراده بصفات العظمة والكبرياء والمجد والعز والجلال، وبنعوت الجود والبر والرحمة والإحسان والجمال، وبكماله المطلق الذي لا يحصي أحد من الخلق أن يحيطوا بشيء منه أو يبلغوه أو يصلوا إلى الثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما ينثي عليه عباده.

وأما القسط فهو العدل الكامل والله تعالى هو القائم بالعدل في شرعه وخلقه وجزائه. فإن العبادات الشرعية والمعاملات وتوابعها، والأمر والنهي كله عدل وقسط، لا ظلم فيه بوجه من الوجوه، بل هو في غاية الإحكام والانتظام، وفي غاية الحكمة والجزاء على الأعمال، كله دائر بين فضل الله وإحسانه على الموحدين المؤمنين به، وبين عدله في عقوبة الكافرين والعاصين، فإنه لم يهضمهم شيئاً من حسانتهم، ولم يعذبهم بغير ما كسبوا }وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى{ سورة الأنعام من آية 164 قال تعالى }قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ{ سورة الأنعام من آية 19.

فتوحيد الله ودينه قد ثبت ثبوتاً لا ريب فيه، وهو أعظم الحقائق وأوضحها، وقد شهد الله بذلك بما أقام من الآيات والبراهين والحجج المتنوعة عليه، ومن شهادته تعالى أنه أقام أهل العلم العارفين بهذه الشهادة، فإنهم المرجع للعباد في تحقيق كل حق وإبطال كل باطل، لما خصهم الله به من العلم الصحيح واليقين التام والمعرفة الراسخة.

وهذا من جملة فضائل العلم وأهله، فإن الله جعلهم وسائط بينه وبين عباده يبلغونهم توحيده ودينه وشرائعه الظاهرة والباطنة، وأمر الناس بسؤالهم والرجوع إلى قولهم، وأنهم هم الأئمة المتبوعون، وغيرهم تابع لهم في الدنيا والآخرة. ولهذا لهم الكلمة الرفيعة حتى في الآخرة، لما ذكر تعالى اختصام الخلق واختلافهم، ذكر القول الفصل في ذلك الصادر من أهل العلم }وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{ 56 الروم.

وفي هذا دليل على كمال عدل أهل العلم؛ فإن الله استشهد بهم على عباده، وذلك تعديل منه لهم، وفي هذا من الشرف وعلو المكانة ما لا يخفى([107]).

 انفراد الله بالملك والتصرف وقدرته على كل شيء

قال الله تعالى: }قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ سورة آل عمران آية 26 ، 27.

يأمر الله تعالى نبيه ﷺ‬ أصلاً وغيره تبعاً أن يقول عن ربه معلناً بتفرده بتصريف الأمور وتدبير العالم العلوي والسفلي واستحقاقه باختصاصه بالملك المطلق والتصريف المحكم وأنه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء فالأمر أمر الله والتدبير له فليس له معارض في تدبيره ولا معاون في تقديره، وكما أنه المتصرف بمداولة الأيام بين الناس فهو المتصرف بنفس الزمان يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل أي يدخل هذا على هذا ويحل هذا محل هذا ويزيد في هذا ما ينقص من هذا ليقيم بذلك مصالح خلقه ويخرج الحي من الميت كما يخرج الزرع والأشجار المتنوعة من بذورها والمؤمن من الكافر ويخرج الميت من الحي كما يخرج الحبوب والنوى والزروع والأشجار والبيضة من الطائر فهو الذي يخرج المتضادات بعضها من بعض وقد انقادت له جميع العناصر. وقوله }بِيَدِكَ الْخَيْرُ{ أي الخير كله منك ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر فإنه لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفاً ولا اسماً ولا فعلاً ولكنه يدخل في مفعولاته ويندرج في قضائه وقدره فالخير والشر كله داخل في القضاء والقدر فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه ولكن الشر لا يضاف إلى الله فلا يقال ببلدك الخير والشر بل يقال بيدك الخير كما قال الله وقاله رسوله وقوله }وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ{ أي بغير حد ولا مقدار بالأسباب التي ينال بها رزقه وقد ذكرها الله في غير هذه الآية كقوله تعالى: }وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{ فعلى العباد أن لا يطلبوا الرزق إلا من الله ويسعوا فيه بالأسباب التي يسرها الله وأباحها، وأن يحرصوا على ما ينفعهم ويستعينوا بالله.

روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ‬ قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من سورة آل عمران (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) "([108]).

ما يستفاد من هاتين الآيتين الكريمتين:

1-        فيهما تنبيه على شكر نعمة الله على محمد ﷺ‬ وأمته حيث نقل النبوة من بني إسرائيل إلى هذا النبي الأمي العربي صلوات الله وسلامه عليه ونسخ بشريعته سائر الشرائع وفضل دينه على سائر الأديان وأنزل عليه القرآن خير كتبه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس فلله الحمد والشكر والثناء دائماً وأبداً.

2-        انفراد الله تعالى بالملك والسلطان وتصريف أمور خلقه.

3-        أن خيرات الدنيا والآخرة كلها من الله.

4-        قدرة الله الشاملة لكل شيء.

5-        من آيات الله الليل والنهار واختلافهما في الزيادة والنقصان.

6-        الحكمة في إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل إقامة مصالح الخلق.

7-        قدرة الله على إخراج المتضادات بعضها من بعض.

8-        رزق الله من شاء من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه.

9-        تعليم الله عباده كيف يثنون عليه ويسألونه ويشكرونه.

10-   معرفة نعم الله على عباده والإرشاد إلى شكرها.


 مفاتح الغيب وإحاطة علم الله بكل شيء

قال الله تعالى: }وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{ سورة الأنعام آية 59.

مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله خمس وهي المذكورة في سورة لقمان في قوله تعالى: }إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{ سورة لقمان آية 33 فلا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله قبل تعليمه لمن شاء من خلقه ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله تعالى.

وهذه الآية الكريمة من أعظم الآيات تفصيلاً لعلم الله المحيط بكل شيء وأنه شامل للغيوب كلها التي يطلع منها من شاء من خلقه وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين فضلاً عن غيرهم من العالمين وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات والأشجار والرمال والحصى والتراب. وما في البحار من حيواناتها ومعادنها وصيدها وغير ذلك مما تحويه أرجاؤها ويشتمل عليه ماؤها }وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ{ من أشجار البر والبحر والبلدان والقفار والدنيا والآخرة إلا يعلهما }وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ{ من حبوب الثمار والزروع والبذور التي يبذرها الخلق وبذور النوابت البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات }وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ{ مما تقدم وغيره وهذا عموم بعد خصوص }إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{ وهو اللوح المحفوظ قد حواها واشتمل عليها وهذا مما يبهر عقول العقلاء.

ما يستفاد من هذه الآية الكريمة:

1-                  اختصاص الله تعالى بعلم مفاتح الغيب الخمس المذكورة في الآية الأخرى.

2-                  عظمة الرب العظيم وكماله في أوصافه كلها.

3-                  أن الخلق من أولهم إلى آخرهم لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفات الله لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك.

4-                  الدلالة على علم الله المحيط بجميع الأشياء الظاهرة والباطنة والبارزة والخفية.

5-                  الإيمان باللوح المحفوظ أصل الكتب ومادتها وينبوعها المحيط بجميع الحوادث فتبارك الرب العظيم الواسع العليم الحميد المجيد الشهيد المحيط وجل من إله لا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده.


 من أدلة التوحيد

قال تعالى: }إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ{ الأعراف 5 – 57.

يقول الله تعالى مبيناً أنه الرب المعبود المالك المتصرف وحده لا شريك له }إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ{ وما فيهما من العوالم وأصناف المخلوقات على عظمهما وسعتهما وإحكامهما وإتقانهما وبديع خلقهما }فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ{ أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة فلما قضاهما وأودع فيهما ما أودع من خلقه وأمره }اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ{ استقر وصعد وعلا وارتفع كما فسره بذلك أهل السنة كما يليق بجلاله وعظمته وسلطانه }يُغْشِي اللَّيْلَ{ المظلم }النَّهَارَ{ المضيء فيظلم ما على وجه الأرض ويسكن الآدميون وتأوي المخلوقات إلى مساكنها ويستريحون من التعب الذي حصل لهم في النهار }يَطْلُبُهُ حَثِيثًا{ كلما جاء الليل ذهب النهار وكلما جاء النهار ذهب الليل وهكذا أبدا على الدوام حتى يطوى هذا العالم وينتقل العباد إلى الدار الآخرة }وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ{ أي بتسخيره وتدبيره وما له من أوصاف الكمال، فخلقها وعظمها دال على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وعلمه وأنه الله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له }أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ{ أي له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات فالخلق يتضمن أحكامه الكونية القدرية والأمر يتضمن أحكامه الدينية والشرعية، ثم أحكام الجزاء وذلك يكون في دار البقاء }تَبَارَكَ اللهُ{ عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه فتبارك في نفسه لعظمة أوصافها وكمالها وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير فكل بركة في الكون فمن آثار رحمته }ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً{ أي اسألوه تعالى واعبدوه }تَضَرُّعًا{ إلحاحاً في المسألة واستمراراً في العبادة وتذللاً واستكانة }وَخُفْيَةً{ أي سراً لا جهراً وعلانية يخاف منه الرياء بل خفية وإخلاصاً لله }إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ{ المتجاوزين للحد في الأمور ومن الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل لا تصلح له أو يتنطع في السؤال أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء فكل هذا دخل في الاعتداء المنهي عنه }وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ{ بعمل المعاصي }بَعْدَ إِصْلاَحِهَا{ بالطاعات فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق وهي سبب زوال النعم


وحصول النقم وهلاك الأمم، قال تعالى: }ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ{([109]) كما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق والأعمال والأرزاق وأحوال الدنيا والآخرة }وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا{ أي خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه طمعاً في قبولها وخوفاً من ردها لا دعاء معجب بنفسه معظم لها أو دعاء من هو غافل لاه وساه وهذا من إحسان الدعاء ولهذا قال: }إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ{ في عبادة الله المحسنين إلى عباد الله فكلما كان العبد أكثر إحساناً كان أقرب إلى رحمة ربه وكان ربه قريباً منه برحمته.

ما يستفاد من هذه الآيات الكريمات:

1-        انفراد الله تعالى بالربوبية والخلق والأمر واستحقاقه للعبادة دون سواه.

2-        من أدلة ربوبية الله خلقه للسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن وتسخيره الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم.

3-        أن خلق السماوات والأرض وقع في ستة أيام أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة ليعلم عباده التريث وعدم العجلة في الأمور وإلا فهو قادر على خلقها بلحظة.

4-        الإيمان باستواء الله على عرشه وعلوه على خلقه.

5-        الحث على عبادة الله تعالى بإخلاص، ودعائه بعزم وحزم واجتهاد وذل وخفية ورغبة ورهبة خوفاً وطمعاً.

6-        تحريم الاعتداء في الدعاء ووعيد المعتدين بأن اله لا يحبهم.

7-        النهي عن الإفساد في الأرض بالمعاصي بعد إصلاح الله إياها بالطاعة.

8-        أن المعاصي سبب لكل شر وهلاك وشقاء في الدنيا والآخرة.

9-        أن طاعة الله سبب لكل خير وصلاح وسعادة.

10-   الحث على الإحسان في عبادة الله بإخلاصها وتكميلها والإحسان إلى خلقه بالقول والفعل والعمل والمال والجاه.

11-   إثبات صفة المحبة والرحمة لله سبحانه وتعالى.


 من آيات الله ومخلوقاته

أوجد الله الإنسان وجعله مفطوراً على معرفته ونصب له الأدلة الدالة على توحيده وعظمته وعلمه وقدرته، فمن ذلك:

1-                  خلق الإنسان في أحسن تقويم }وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ{([110]) وقوله تعالى: }لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ{([111]).

2-                  خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهن وما بينهن }وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ{([112]). وقال تعالى: }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ{([113]).

3-                  الليل والنهار والشمس والقمر }وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ{([114]). وقوله تعالى: }إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ{([115]).

4-                  السفن التي تجري في البحر بما ينفع الناس }وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلاَمِ{([116]).

5-                  السحاب والمطر والنبات }اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ{([117]) وقال تعالى: }وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا{([118]).

6-                  تصريف الرياح شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً وحارة وباردة }وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ{([119]).

7-                  الجبال والأودية والأنهار والأشجار.

8-                  إجابة دعوة الداعين وكشف الكرب عن المكروبين }أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ{([120]).

9-                  هداية السائرين في ظلمات البر والبحر }أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ{([121]).

10-             بداية الخلق وإعادته }أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ{([122]).

11-             رزق العباد من السماء والأرض }أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ{([123]).

12-             اختلاف الأصوات واللغات والألوان }وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ{([124]).

13-             النوم الذي يستراح به من التعب }وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ{([125]).

14-             إخراج الحي من الميت والميت من الحي }يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا{([126]).

15-             خلق الأنعام لمنافع العباد من الأكل والشرب والحمل والركوب وغير ذلك }وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَّمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ{([127]).

- }وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ{([128]).

- }وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ{([129]).

فسبحان الخالق الرازق القادر المدبر وله الحمد والشكر والثناء على ذلك وصلى الله على محمد.


 من الفروق بين الخالق والمخلوق(*)

وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة.

1-                  (منها) أن الرب تعالى غني بنفسه عما سواه، ويمتنع أن يكون مفتقراً إلى غيره بوجه من الوجوه، والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية.

2-                  و (منها) أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين فهو الذي يخلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته. وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرون بأن الله هو المنعم على عباده بالإيمان، بخلاف القدرية. والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره.

3-                  و (منها) أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم كما قال قتادة: إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا ينهاهم عما نهاهم عنه بخلاً عليهم، بل أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضر بهم. بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه بخلاً عليه. وهذا أيضاً ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته ويقولون: إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم، ولم ينههم إلا عن شر يضرهم، بخلاف المجبرة الذين يقولون: إنه قد يأمرهم بما يضرهم وينهاهم عما ينفعهم.

4-                  و (منها) أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح، وهو الهادي لعباده، فلا حول ولا قوة إلا به. ولهذا قال أهل الجنة }الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ{([130]) وليس يقدر المخلوق على شيء من ذلك.

5-                  و (منها) أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم تقم العبادة بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمته أيضاً.

6-                  و (منها) أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته، فلن يدخل أحد الجنة بعمله، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج فيها إلى مغفرة الله لها: }وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ{([131]) وقوله ﷺ‬ : "لن يدخل أحد الجنة بعمله"([132]) لا يناقض قوله تعالى: }جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{([133]).

فإن المنفي نفي بباء المقابلة والمعاوضة كما يقال بعث هذا بهذا، وما أثبت أثبت بباء السبب، فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سبباً للجزاء، ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ‬ أنه قال: "لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"([134]) وروي "بمغفرته" ومن هذا أيضاً الحديث في السنن عن النبي ﷺ‬ أنه قال: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم" الحديث([135]).


 وجوب الإيمان بالله وفضله وحقيقته(*)

1- وجوب الإيمان بالله عز وجل:

خلق الله جميع الناس لأجل توحيده وعبادته قال تعالى: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ{([136]) ولذلك فقد هيأ سبحانه كل ما في الكون وسخره لمصلحة الإنسان ومن رحمة الله عز وجل أنه لم يترك الإنسان بلا إرشاد وبيان لطريق الحق ولذا فقد بعث الرسل وأنزل الكتب منذ عهد نوح عليه السلام حتى نبينا محمد ﷺ‬. والعبادة لا تكون إلا على بصيرة والبصيرة لا تكون إلا وفق منهج الله عز وجل الذي رسمه لأنبيائه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين. وإذا فقد الإنسان عنصر الإيمان بالله تعطل استخدامه للعقل وأصبح أقل منزلة من الحيوانات قال تعالى: }وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ{([137]).

من هنا دعا الرسول ﷺ‬ لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمن لم يجب من أهل الكتاب قوتل حتى يؤمن أو يدفع الجزية تنفيذاً لقوله تعالى: }قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ{([138]) وقوله تعالى }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ{([139]) وقوله: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ{([140]) وحديث أبي هريرة t المتفق عليه "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله"([141]). وأما الكفار من غير أهل الكتاب فيدعون إلى الإسلام ومن لم يجب قوتل أو يسلم.

والعلم بلا إله إلا الله المبني على التصديق والعمل جزاؤه الجنة يوم القيامة والسعادة الدائمة لحديث عثمان بن عفان t "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة"([142]).

قال العلماء الإيمان قول وتصديق وعمل. والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والعلم بلا إله إلا الله يعني تصديق القلب بها والعمل بمقتضاها.

2- فضل الشهادتين:

وقد ورد في فضل هاتين الشهادتين أحاديث كثيرة تتضمن الشهادة بالجنة، فمن ذلك حديث عبادة بن الصامت t أن النبي ﷺ‬ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"([143]) وفي رواية "أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" رواه البخاري ومسلم.

وعن عتبان بن مالك t في حديثه الطويل أن رسول الله ﷺ‬ قال: "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" رواه مسلم في صحيحه إلى غير ذلك من النصوص التي تدل على فضل الإتيان بهاتين الكلمتين حيث رتب على ذلك دخول الجنة وفتح أبوابها الثمانية، والتحريم على النار. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ‬ قال: "إن نوحاً عليه السلام قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله" رواه أحمد في مسنده والحاكم وصححه الذهبي.

وروى الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو حديث صاحب البطاقة الذي يدعى يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً - يعني من السيئات - ثم يخرج له بطاقة فيها (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله) فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة رواه الترمذي في سننه وحسنه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم.

وروى ابن حبان والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري t عن رسول الله ﷺ‬ قال: "قال موسى لربه لا إله إلا أنت إنما أريد شيئاً تخصني به قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله"([144]) ومع ذلك لابد من تحقيق هذه الكلمة العظيمة والعمل بمقتضاها لأن هذه أحاديث مطلقة تقيدها الأحاديث الأخرى التي تأمر بالإخلاص والصدق والمحبة وغير ذلك مما سيرد في شروط لا إله إلا الله.

3- حقيقة لا إله إلا الله:

[ومعنى لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا إله واحد وهو الله وحده لا شريك له]([145]) والشهادة معناها الإقرار بالعلم والإخبار والبيان والاعتراف والاعتقاد بالله وبرسالة محمد ﷺ‬ الذي قرن الله الاعتراف به مع هذه الكلمة العظيمة ولذلك يجب التمسك بها مهما كانت النتائج لحديث أنس "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله تعالى، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"([146]) وبقدر الالتزام بكلمة التوحيد ومقتضياتها يكون الالتزام بالحق مع الناس كافة ويكون الإخلاص في جميع الأعمال ويكون التحرر من الأمراض النفسية وتكون الاستقامة في المنهاج مما يعتبر أثراً من آثارها.

وتتغير حياة الإنسان والمجتمع بقدر موقفه من هذه الكلمة العظيمة والعمل بمقتضاها لقوله تعالى: }إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ{([147]).

والإيمان الصحيح كما قال أهل العلم اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح ويزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وأركانه ستة سبق بيانها.

وله بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان.

ويتفاوت الناس في العمل والقول والاعتقاد. والمؤمن الحق من تواطأ قلبه مع لسانه وصدقه العمل.

ومما لا شك فيه أن الذي لا يعمل بمقتضى لا إله إلا الله بصدق وإخلاص لا ينفعه التلفظ بها، فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله الإقرار بأنه لا يستحق العبادة إلا الله، وأن كل معبود سواه باطل قال تعالى: }ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ{ سورة لقمان آية 30.

ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله أن تفرد الله بالعبادة فلا تعبد معه أحداً، فإذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله فقد أعلنت البراءة من كل معبود سوى الله، والتزمت بعبادة الله وحده وفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه([148]).

ولذلك فإن الشرك في عبادة الله وما يتبعه من دعاء الأموات والاستعانة بهم والنذر والذبح لهم، وجعل الوسائط بين المسلم وبين الله يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم يعارض معنى لا إله إلا الله ويقدح في هذه الشهادة المقتضية للعلم والاعتقاد والالتزام.

وشهادة أن محمداً رسول الله هي اعتقاد العبد برسالته ﷺ‬ إلى جميع الثقلين - الإنس والجن - وأنه يجب امتثال أمره واجتناب نهيه، وهذا لا يتأتى إلا بطاعته ومحبته والسير على نهجه وتفضيله على النفس والولد والناس أجمعين.

وشهادة التوحيد أصل دين جميع الرسل كما قال عز وجل: }وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ{ (الأنبياء آية/ 25) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

ليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام وسائر الأنبياء، والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين([149]) والله أعلم.

4- شروط لا إله إلا الله:

لا شك أن كلمة التوحيد هي عنوان الدخول في الإسلام وتعتبر مفتاح الجنة وقد جعلها الله من أسباب النجاة من النار. ولذلك بين الرسول ﷺ‬ تحريم دخول النار على من أتى بالشهادتين فقال ﷺ‬ : "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة"([150])، وغير ذلك من الأحاديث المماثلة المطلقة، ولا شك أن شهادة التوحيد هذه سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، لكن هذا السبب لا يعمل عمله إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه. وهذا قول الحسن البصري ووهب بن منبه رحمهما الله وغيرهما من أهل العلم وقد قيل للحسن البصري رحمه الله أن ناساً يقولون من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة فقال: "من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة" وهو قول حق لأن المنافقين يقولونها وقد أخبر الله عنهم أنهم في الدرك الأسفل من النار.

وقيل لوهب بن منبه أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة قال: بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك([151]). وقد قرن الله تعالى في القرآن دخول الجنة بالأعمال الصالحة فقال تعالى: }وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{(*) كما أن الرسول ﷺ‬ قرن أيضاً: دخول الجنة بالأعمال الصالحة في كثير من الأحاديث فقد قال لرجل سأله عن عمل يدخله الجنة "تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم"([152]) وقال لآخر "تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان"([153]) وكل ما جاء من نصوص مطلقة في دخول الجنة بـ "لا إله إلا الله" فهو محمول على هذه النصوص التي تجمع بين التوحيد وعمل الصالحات.

ومن المعلوم أن المطلق يحمل على المقيد فإذا جاءت نصوص مطلقة وجاءت نصوص أخرى مقيدة متحدة في الحكم فإنه يحمل النص المطلق على المقيد ومن هذه الأحاديث المقيدة استنبط العلماء شروطاً لابد من توافرها مع انتفاء الموانع حتى تكون كلمة لا إله إلا الله مفتاحاً للجنة بالفعل ومؤثرة فيالعمل والسلوك فمن هذه الشروط التي بينها أهل العلم وتسمى شروط لا إله إلا الله:

1-                  العلم المنافي للجهل: فيجب أن تعلم معنى لا إله إلا الله علماً منافياً للجهل بها يعرف به مدلول النفي والإثبات، فهي تنفي الألوهية عن غير الله تعالى وتثبتها له سبحانه فلا معبود بحق إلا الله والدليل قوله تعالى: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ{([154]) وقوله تعالى: }إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ{([155]) وفي الصحيحين([156]) "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" وقد وقع المشركون في مخالفة معناها فقالوا: }أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا{([157]).

2-                  اليقين المنفي للشك: فلا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين بل لابد من أن يكون القلب موقناً بها ومصدقاً ومبتعداً عن الشك والريب والظن وإن لم يحصل ذلك فهذا هو النفاق قال تعالى: }إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{([158]) وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ‬ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" وفي حديث آخر "مستيقناً بها قلبه" وقال القرطبي:([159]) "باب لا يكفي مجرد التلفظ بالشهادتين بل لابد من استيقان القلب إلخ وذكر البخاري عن ابن مسعود قوله: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله".

3-                  القبول المنافي للرد لما اقتضته هذه الكلمة لقوله تعالى: }إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ{([160]) فمن رد دعوة التوحيد ولم يقبلها كبراً وحسداً فهو كافر سواء كان استكباراً أو عناداً أو غير ذلك من أسباب الرفض كحال بعض علماء أهل الكتاب.

4-                  الانقياد المنافي للترك، ويتحقق ذلك بمتابعة سنة رسول الله ﷺ‬ وفعله وتحكيم شرعه ﷺ‬ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"([161]) وهذا هو تمام الانقياد وقال تعالى: }فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{([162]) قال ابن كثير رحمه الله: في تفسيرها (يقسم الله بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ‬ في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً) إلخ، والانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم التعقب لشيء من أحكام الله.

5-                  الصدق المنافي للكذب حيث يجب أن يواطئ القلب اللسان فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم ولكن لم يطابق هذا القول ما في قلوبهم فصار قولهم كذباً ونفاقاً وخداعاً قال تعالى: }وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{([163]).

6-                  وفي الصحيحين "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار" وأما من قالها بلسانه وأنكر مدلولها بقلبه فإنها لا تنجيه.

7-                  قال ابن القيم رحمه الله: (التصديق بلا إله إلا الله يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فالمصدق بها على الحقيقة هو الذي يأتي بذلك كله، ومعلوم أن عصمة المال والدم على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبالقيام بحقها وكذلك النجاة من العذاب على الإطلاق لم تحصل إلا بها)([164]) وقال ابن رجب: أما من قال لا إله إلا الله بلسانه ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللهِ{([165]). اهـ.

8-                  الإخلاص المنافي للرياء: وهو البراءة من الشرك وشوائبه لقوله تعالى: }وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ{(*) وفي صحيح البخاري "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"([166]) أو قال (نفسه) والإخلاص أن تكون العبادة لله وحده دون أن يصرف منها شيء لغيره.

9-                  المحبة المنافية للبعض: وهي أن يحب هذه الكلمة ويحب أهلها العاملين بها ويحب العمل بمقتضاها. وعلامة ذلك تقديم محبتها على محبة غيرها وموالاة أهلها ومعاداة أعدائها وفي الحديث الشريف "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"([167]). والله أعلم([168]).

سورة الإخلاص

بسم الله الرحمن الرحيم

}قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ{

انفراد الله بالوحدانية وجميع وصاف الكمال

وفقر الخلائق إليه وغناه عنهم

ذكر فضلها:

عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ }قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ{ يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ‬ فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال ﷺ‬ : "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" وفي رواية: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة" فشق ذلك عليهم فقالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله فقال: }قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ{ ثلث القرآن" رواه البخاري.

وعن أبي الدرداء أن النبي ﷺ‬ قال: إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجل }قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ{ جزءً من القرآن رواه مسلم. وعن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ‬ فقال: أقرأ عليكم ثلث القرآن فقرأ }قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ{ حتى ختمها. رواه مسلم. قال العلماء: ومعنى كونها ثلث القرآن أن القرآن على ثلاثة أنواع قصص وأحكام وتوحيد، وقل هو الله أحد متضمنة للتوحيد فهي ثلث القرآن.

عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب هذه السورة }قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ{ قال ﷺ‬ : حبك إياها أدخلك الجنة. رواه الترمذي([169]) وقال ﷺ‬: لرجل قال: إني أحب أن أقرأ بها لأنها صفة الرحمن، قال ﷺ‬ : أخبروه أن الله تعالى يحبه([170]) فصارت قراءتها توجب محبة الله لمن أحبها وتوجب دخول الجنة، وسمع النبي ﷺ‬ رجلاً يدعو في صلاته بما تضمنته هذه السورة من الأسماء يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فقال ﷺ‬ : "والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب". رواه أهل السنن وورد الترغيب في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة وفي قراءتها عند دخول المنزل وفي الإكثار من قراءتها مع المعوذتين في الصباح والمساء وعند النوم وبعد الصلوات المكتوبات وأنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها. رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن.


ذكر سبب نزولها

نزلت لما قال: بعض المشركين للنبي ﷺ‬ صف لنا ربك. وقال: بعضهم أنسب لنا ربك([171]) وقيل نزلت لما قالت اليهود: نحن نعبد عزير ابن الله وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله وقال المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر وقال المشركون: نحن نعبد الأوثان([172]) فأنزل الله على رسوله ﷺ‬ : }قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ{ أي قل بلسانك قولاً جازماً به معتقداً له بقلبك عارفاً بمعناه عاملاً بمقتضاه هو الله الواحد في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته الذي له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا الموصوف بصفات الكمال والجلال والجمال والعظمة المتنزه عن صفات النقص فهو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا شبيه ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله لأنه الكامل في جميع أسمائه وصفاته وأفعاله: }اللهُ الصَّمَدُ{ هو السيد المقصود لقضاء الحوائج من جلب المنافع ودفع المضار }يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ{([173]) وهو المرغوب إليه في الرغائب المستعان عند المصائب وتفريج الكروب وهو الصمد الذي لا يأكل ولا يشرب وهو الباقي بعد خلقه الغني عما سواه المحتاج إليه كل من عداه الكامل في جميع صفاته وأفعاله وتلك دالة على أنه المتناهي في الشرف والسؤدد والعلو والعظمة والكمال والكرم والإحسان وهو الذي }لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{ أي لم يكن له ولد ولا والد ولا صاحبة لكمال غناه وفي هذا رد على مشركي العرب حيث قالوا إن الملائكة بنات الله وعلى اليهود القائلين عزير ابن الله وعلى النصارى القائلين المسيح ابن الله فكذبهم الله تعالى ونفى عن نفسه ما قالوا: }وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ{ أي ليس له شبيه أو مثيل أو نظير لا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله تبارك وتعالى: }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{([174])، قيل سميت سورة الإخلاص لأنها أخلصت الخبر عن الله أو لأن قارئها أخلص لله التوحيد.

ما يستفاد من هذه السورة الكريمة:

1-        فضل هذه السورة حيث كانت تعدل ثلث القرآن.

2-        انفراد الله بالألوهية فلا يستحق العبادة غيره.

3-        انفراده تعالى بالربوبية فهو الخالق الرازق المدبر وهو المعبود المالك المتصرف.

4-        انفراده تعالى بالأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا فلا شبيه له فيها.

5-        عظمة الله وكماله وغناه عن خلقه وفقر الخلائق إليه في جميع أحوالهم.

6-        انتفاء الوالد والولد عنه تعالى لكمال غناه.

7-                 الرد على المشركين عباد الأوثان الذين يزعمون أنها تنفع أو تضر.

8-        الرد على من زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى.

9-        الرد على اليهود القائلين إن عزير ابن الله.

10-   الرد على النصارى الزاعمين أن المسيح ابن الله.

11-   انتفاء المثل والشبيه والنظير عن الله تعالى.

12-   أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل.

13-   أن الاشتغال بقراءة هذه السورة يفيد الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن ما سوى الله تعالى.

14-   أنها متضمنة تنزيه الله تعالى وبراءته عن كل ما لا يليق به لأنها على قصرها جامعة لصفات الأحدية والصمدانية وعدم النظير.

15-   شرف علم التوحيد لأن العلم يشرف بشرف المعلوم ويتضع بضعته ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته.

16-   انفراد الله تعالى بملكه وأفعاله لا شريك له في ذلك.

17-   تعليم الله عباده كيف يوحدونه.

18-   الرد على المشبهة الذي يشبهون الله تعالى بخلقه.

19-   الرد على المعطلة الذين ينفون عن الله صفات الكمال.

20-   الرد على الممثلة الذي يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.


 من أصول الإيمان

الرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ‬ نبياً ورسولاً كما في الأحاديث النبوية الآتية:

قال ﷺ‬ :

1-                  "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً" رواه مسلم وأحمد والترمذي.

2-                  "من رضي الله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وجبت له الجنة" رواه مسلم.

3-                  "من قال حين يسمع النداء (الأذان) أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً غفر له ذنبه" رواه مسلم وغيره.

4-                  "من قال حين يمسي وحين يصبح: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ثلاثاً كان حقاً على الله أن يرضيه" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح والطبراني في الكبير.

هذه أحاديث نبوية شريفة صحيحة عن النبي ﷺ‬ في فضل الرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ‬ نبياً. والرضى ناتج عن القلب فلابد مع قولها من اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها، فالرضى بالله رباً يقتضي محبته وخوفه ورجاءه وإخلاص العبادة له وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ومحبة من أطاعه وبغض من عصاه ومحبة ما أمر به وبغض ما نهى عنه.

والرضى بالإسلام ديناً يتضمن العمل به والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه والقيام بأركانه وشرائعه الظاهرة والباطنة القولية والاعتقادية والعملية في العبادات والمعاملات والأخلاق والآداب وتحكيمه في كل شيء.

والرضى بمحمد - ﷺ‬ - نبياً يتضمن الإيمان به ومحبته وطاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع واعتقاد أنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذب بل يطاع ويتبع شرفه الله بالعبودية والرسالة فمن أطاع الله ورسوله وامتثل أمره واجتنب نهيه وصدق خبره وحكم شرعه وطبق تعاليم الإسلام أمراً ونهياً واعتقاداً ودعوة فهو الذي ذاق طعم الإيمان وحلاوته ووجبت له الجنة وغفر له ذنبه وكان حقاً على الله أن يرضيه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وصلى وسلم الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


أسماء الله الحسنى([175])

قال الله تعالى: }وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ سورة الأعراف آية 180 أخبر تعالى أن له أسماء وأنها حسنى دالة على صفات كماله وعظيم جلاله وأمرنا أن نسأله وندعوه بها فَيُدْعى في كل مطلوب بالاسم المقتضي لذلك المطلوب فيقول الداعي مثلاً "اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وتب علي يا تواب وارزقني يا رزاق والطف بي يا لطيف" ونحو ذلك وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ‬ : "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه. ومراتب إحصائها ثلاثة:

1-                  إحصاء ألفاظها وعددها.

2-                  فهم معانيها ومدلولها.

3-                  دعاء الله بها، فيسأل كل مطلوب بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله كقولك "يا عليم علمني ويا رزاق ارزقني ويا غفور اغفر لي" كما تقدم ومثال الأسماء الحسنى "الرحمن - الرحيم - السميع - البصير - العزيز - الحكيم - الحليم - العظيم - العلي - الكبير - الحي - القيوم".

وأركان الإيمان بالأسماء الحسنى ثلاثة "وهي إيماننا بالاسم وبما دل عليه من المعنى وبما تعلق به من الآثار فنؤمن بأنه عليم ذو علم عظيم محيط بكل شيء، قدير ذو قدرة عظيمة ويقدر على كل شيء، رحيم ذو رحمة عظيمة ورحمته وسعت كل شيء وهكذا سائر الأسماء الحسنى.

وإحصاء أسماء الله الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم فإن المعلومات القدرية والشرعية صادرة عن أسماء الله وصفاته ولهذا كانت في غاية الإحكام والصلاح والنفع.

والإلحاد في أسماء الله وصفاته أنواع:

1-        تسمية الأصنام بها كما يفعله المشركون حيث سموا اللات من الإله والعزى من العزيز ومناة من المنان.

2-        تسميته تعالى بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا.

3-        وصفه تعالى بالنقائص كقول اليهود }إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ{ وقولهم إنه استراح وقولهم }يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ{ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

4-        تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها كقول من يقول: في }السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{ سميع بلا سمع بصير بلا بصر.

5-        تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عن قولهم }لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ{([176]).


 صفة الإيمان بالله على وجه التفصيل([177])

أننا نقر ونعترف بقلوبنا وألسنتنا أن الله واجب الوجود واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، متفرد بكل صفة كمال ومجد وعظمة وكبرياء وجلال، وأن له غاية الكمال الذي لا يقدر الخلائق أن يحيطوا بشيء من صفاته، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وأنه العلي الأعلى بكل معنى واعتبار علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، وأنه العليم بكل شيء القدير على كل شيء، السميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات على مقتضى الحاجات، البصير بكل شيء الحكيم في خلقه وشرعه، الحميد في أوصافه وأفعاله، المجيد في عظمته وكبريائه، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء وعم بجوده وبره ومواهبه كل موجود، المالك الملك لجميع الممالك فله تعالى صفة الملك والعالم العلوي والسفلي كلهم مماليك وعبيد لله وله التصرف المطلق، وهو الحي الذي له الحياة الكاملة المتضمنة لجميع أوصافه الذاتية، القيوم الذي قام بنفسه وبغيره، وهو متصف بجميع صفات الأفعال فهو الفعال لما يريد فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن.

ونشهد أن ربنا الخالق البارئ المصور الذي أوجد الكائنات وأتقن صنعها وأحسن نظامها، وأنه الله الذي لا إله إلا هو المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه فلا نخضع ولا نذل ولا نتوجه إلا لله الواحد القهار العزيز الغفار فإياه نعبد وإياه نستعين وله نرجو ونخشى نرجو رحمته ونخشى عدله وعذابه لا رب لنا غيره فنسأله وندعوه ولا إله لنا سواه نؤمله ونرجوه، وهو مولانا في إصلاح ديننا ودنيانا وهو نعم المولى ونعم النصير الدافع عنا جميع السوء والمكاره. فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك.


 شهادة الحق

1-        أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأشهد أن الجنة حق والنار حق وأن الله يبعث من في القبور([178]).

2-        رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً ﷺ‬([179]).

3-        آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره([180]).

4-        لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير([181]).

5-        آمنت بالله وحده وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم.

6-        اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت أنت إلهي لا إله إلا أنت.

اللهم أحينا على هذه الشهادة وأمتنا عليها واحشرنا مع أهلها إنك على كل شيء قدير.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 من أسماء الله الحسنى

قال الله تعالى: }هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ سورة الحشر آية 22 – 24.

هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على كثير من أسماء الله الحسنى التي عليها مدار التوحيد والاعتقاد، فأخبر أنه المألوه الذي لا يستحق العبادة سواه؛ وذلك لكماله العظيم وإحسانه الشامل وتدبيره العام وحكمه الشاملة. فهو الإله الحق وما سواه فعبوديته باطلة لأنه خال من الكمال ومن الأفعال التي فيها النفع والضر، ووصف نفسه بالعلم المحيط بما حضر وغاب وما مضى وما يُسْتقبل وما هو حاضر وما في العالم العلوي وما في العالم السفلي وما ظهر وما بطن، فلا تخفى عليه خافية في مكان من الأمكنة ولا زمان من الأزمنة، ومن كمال علمه وقدرته أنه يعلم ما تنقص الأرض من الأموات وما تفرق من أجزائهم وما استحال من حال إلى حال، أحاط علماً بذلك على وجه التفصيل فلا يعجزه إعادتهم للبعث والجزاء، ووصف نفسه بأنه (الرحمن الرحيم) الذي وسعت رحمته الخليقة بأسرها وملأت الوجود كله، ووصف نفسه بأنه (الملك) وهو الذي له الملك التام المطلق، له صفات الملك التي هي نعوت العظمة والكبرياء والعز والسلطان. وله التصرف المطلق في جميع الممالك الذي لا ينازعه فيه منازع، والموجودات كلها عبيده وملكه ليس لهم من الأمر شيء.

وأخبر أنه (القدوس السلام) أي المقدس المعظم السالم من جميع العيوب والنقائص المنافية لكماله (المؤمن) المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به من الآيات البينات والبراهين القاطعات والحجج الواضحات. الذي له العلم كله ويعلم من أوصافه المقدسة ونعوته العظيمة ما لا يعلمه بشر ولا ملك ويحب نفسه وما هو عليه من الجلال والجمال (العزيز) الذي له العزة كلها، عزة القوة والقدرة، فهو القوي المتين، وعزة القهر والغلبة لكل مخلوق، فكلهم نواصيهم بيده وليس لهم من الأمر شيء، وعزة الامتناع الذي تمنع بعزته عن كل مخلوق فلا يعارض ولا يمانع، وليس له نديد ولا ضديد (الجبار) الذي قهر جميع المخلوقات ودانت له الموجودات واعتلا على الكائنات وجبر بلطفه وإحسانه القلوب المنكسرات (المتكبر) عن النقائص والعيوب، وعن مشابهة أحد من خلقه ومماثلتهم لعظمته وكبريائه (سبحان الله عما يشركون) وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به ولم يقدره حق قدره (هو الله الخالق) لجميع المخلوقات (البارئ) بحكمته ولطفه لجميع البريات (المصور) بحسن خلقه لجميع الموجودات، أعطى كل شيء خلقه ثم هدى كل مخلوق وكل عضو لما خلق له وهيئ له.

فالله تعالى قد تفرد بهذه الأوصاف المتعلقة بخلقه لم يشاركه في ذلك مشارك، وهذا من براهين توحيده، وأن من تفرد بالخلق والبرء والتصوير فهو المستحق للعبودية ونهاية الحب وغاية الخضوع (له الأسماء الحسنى) وقد ورد في الحديث الصحيح «أن لله تسعة وتسعين اسماً؛ مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة» - يعني أحصى ألفاظها وحفظها وعقلها وتعبد لله بها - فهو تعالى الذي له كل اسم حسن؛ وكل صفة جلال وكمال، فيستحق من عباده كل إجلال وتعظيم وحب وخضوع }يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ{ يعني من المكلفين والحيوانات والأشجار والجمادات }وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا{ سورة الإسراء آية 44.

وهو العزيز الحكيم. في خلقه وشرعه([182]).

ما يستفاد من هذه الآيات الكريمات:

1-                  انفراد الله بالألوهية واستحقاقه للعبادة دون سواه.

2-                  علم الله بما غاب وحضر.

3-                  وصف الله بالرحمة العامة الشاملة لجميع المخلوقات في الدنيا والآخرة والرحمة الخاصة بالمؤمنين }وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا{. سورة الأحزاب آية 43.

4-                  انفراد الله بملك السموات والأرض والدنيا والآخرة.

5-                  تنزيه الله عن كل ما لا يليق به من العيوب والنقائص وسلامته منها.

6-                  تصديق الله لأنبيائه ورسله وأنه قد أمن عباده من ظلمه والمؤمنين من عذابه.

7-                  أن الله تعالى مطلع على خلقه رقيب على أعمالهم وشهيد عليها.

8-                  عزة الله وقوته وقدرته وغلبته لكل شيء.

9-                  وصف الله بالكبرياء والعظمة التي لا تنبغي إلا له.

10-             تنزيه الله عن كل ما يصفه به المشركون من الشرك والنقائص.

11-             انفراد الله بالخلق والإيجاد وتصوير المخلوقات على ما أراد.

12-             انفراد الله بالأسماء الحسنى والصفات العلى.

13-             تسبيح جميع المخلوقات لله في السموات والأرض.

14-             حكمة الله البالغة في خلقه ورزقه وتدبيره وتقديره وتكوينه وهدايته وإضلاله.

15-             فضل هذه الآيات الكريمات حيث اشتملت على وصف الله بصفات العظمة والجلال والجمال وتنزيهه عن كل نقص وعيب سبحانه وتعالى.


 عقيدة الفرقة الناجية

اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله - ﷺ‬ - من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في أسماء الله وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفو له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى، وقد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاءت به المرسلون فإنه الصراط المستقيم، وقد دخل في هذا الأصل الكبير جميع ما في الكتاب والسنة من تفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وما ينزه عنه، ودخل في ذلك الإيمان باستوائه على عرشه ونزوله إلى السماء الدنيا ورؤية المؤمنين له في الآخرة كما تواترت بذلك النصوص، وبأنه قريب مجيب، وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأن الله تكلم به حقيقة، ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ‬ مما يكون بعد الموت من أحوال البرزخ فيؤمنون بفتنة القبر وعذابه ونعيمه والبعث بعد الموت والحوض والميزان والصراط والجنة والنار وتفاصيل ذلك، وتؤمن الفرقة الناجية بالقدر خيره وشره والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين:

الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق.

والدرجة الثانية: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن لا يكون في ملكه ما لا يريد والعباد هم الفاعلون لطاعتهم ومعاصيهم والله خالقهم وخالق قدرته وإرادتهم.

ومن أصول الفرقة الناجية أن الدين والإيمان قول وعمل قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، ويقولون: إنه مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ومن أصول السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ‬ ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم ومراتبهم، ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ‬ أمهات المؤمنين ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة وأن لهم من الفضائل والسوابق ما يوجب مغفرة ما صدر منهم - رضي الله عنهم وأرضاهم- ويصدقون بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، ويتبعون آثار رسول الله ﷺ‬ ظاهراً وباطناً ويدعون إلى كل خلق جميل وينهون عن كل خلق رذيل وهم في ذلك كله متبعون للكتاب والسنة فنسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم وأن لا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب([183]).


فصل

ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام يسمعه منه من شاء من خلقه سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة، وسمعه منه جبريل عليه السلام ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه ويأذن لهم فيزورونه قال الله تعالى: }وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا{ (سورة النساء آية 164) وقال سبحانه: }مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ{ (سورة البقرة آية 253) وقال سبحانه: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ{ (سورة الشورى آية 51). ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض متلو بالألسنة محفوظ في الصدور مسموع بالآذان مكتوب في المصاحف فيه محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام وأمر ونهي }لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ{ (سورة فصلت آية 42).. واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه أنه كافر. والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه قال تعالى: }وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ{ (سورة القيامة 22 – 23) وقال تعالى: }كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ{ (سورة المطففين آية 15) يعني الكفار فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى وإلا لم يكن بينهما فرق وقال النبي ﷺ‬ : "إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" حديث صحيح متفق عليه وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.

ومن صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد لا يكون شيء إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن سلطانه ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعونه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته }لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ{ (سورة الأنبياء آية 23) قال الله تعالى: }إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ{ (سورة القمر آية 49) ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله الحجة علينا بإنزال الكتب وبعثة الرسل قال الله تعالى: }رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ{ (سورة النساء: آية 165) ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعة قال الله تعالى: }لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا{ (سورة البقرة آية 286) وقال تعالى: }فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{ (سورة التغابن آية 16) وقال تعالى: }الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ{ (سورة غافر آية 17) فدل على أن للعبد فعلاً كسباً يجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب وهو واقع بقضاء الله وقدره.


(الإيمان)

والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ‬ وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظة لا مناماً فإن قريشاً أنكرته وأكبرته ولم تكن تنكر المنامات، ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل، وعذاب القبر ونعيمه حق وقد استعاذ النبي ﷺ‬ منه وأمر به(*) في كل صلاة، وفتنة القبر حق وسؤال منكر ونكير حق والبعث بعد الموت حق وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور }فَإِذَا هُم مِّنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ{([184]) ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً (غير مختونين) - بهماً - (ليس معهم شيء) فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ‬. ويحاسبهم الله تبارك وتعالى وتنصب الموازين وتنشر الدواوين وتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل.

 توحيد الأنبياء والمرسلين([185])

وهذا هو التوحيد الحقيقي الصحيح، وهو الذي لا يصدق على مسماه سواه، فإنه الاعتراف بتوحيد الباري بكل صفة كمال وجمال وجلال ومجد وحمد وعظمة وكبرياء والعمل بمقتضى هذا من التعظيم الكامل لله والحب التام والخضوع له وإخلاص العمل له فهو نوعان علمي اعتقادي وعملي. وقدم المصنف الاعتقادي لأن التوحيد العملي يتفرع عنه ويقوى بقوته، ولأنه أكبر البراهين على توحيد الألوهية ووجوب إفراد الباري بالعبادة، ولأن معظم الخلاف مع أهل الكلام الباطل في هذا النوع.

وهذا النوع مبني على أصلين عظيمين أحدهما تنزيه الباري، وتقديسه عما لا يليق بجلاله وما ينافي كماله، وحاصل هذا النوع يعود إلى تنزيه الله عن مشاركة أحد من المخلوقين لله في شيء من صفات كماله أو في حق من حقوقه وخصائصه، وإلى حفظ كماله عن أمور ثلاثة: عن تشبيهها بصفات المخلوقين، أو نفيها عن الله، أو نفي بعض معانيها، فيعلم أن له الكمال المطلق الذي لا يمكن التعبير عن عظمته وكنهه، وأن له من ذلك الكمال غايته ومنتهاه وأكمله فهو المنزه عن الشريك والظهير والعوين والشفيع بلا إذنه، وهو الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وهو المنزه عن السنة والنوم والموت والتعب واللغوب، وأن يغيب عن سمعه أو بصره أو علمه شيء، وهو المنزه عن كل ما ينافي كماله وعظمته وجلاله.

 فصل في النوع الثاني وهو الثبوتي المتضمن شرح أسماء الله تعالى وتفسيرها وبيان معناها وهو مما يزيد الإيمان ويعمقه في النفوس المؤمنة

وهذا النوع هو المقصود الأعظم، وما مضى وسيلة وتتميم وحفظ لهذا النوع، فإن جميع ما ينزه الله عنه فإنما ذلك لأجل ثبوت ضده. وهذا النوع مبناه على إثبات جميع صفات الله الموجودة في الكتاب والسنة والأسماء الحسنى ومعانيها على وجهها والتفقه في معرفة معانيها والتحقق بها تصديقاً ومعرفة وتعبداً بها. وكلما قويت هذه الأمور قوي التوحيد في القلب حتى يكون في قلوب العارفين الربانيين أعظم من الجبال الرواسي، وأطيب وأحلى وألذ من كل اللذات.

وذلك بإثبات أنه (العلي الأعلى) بكل وجه واعتبار: علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، فعلو الذات هو أنه مستو على عرشه فوق جميع خلقه، مباين لهم، وهو مع هذا مطلع على أحوالهم، مشاهد لهم، مدبر لأمورهم الظاهرة والباطنة، متكلم بأحكامه القدرية وتدبيراته الكونية وبأحكامه الشرعية. وأما علو القدر فهو أن صفاته كلها صفات كمال، وله من كل وصف ونعت أكمله وغايته. وأما علو القهر فهو قهره تعالى لجميع المخلوقات، فالعالم العلوي والسفلي كلهم خاضعون لعظمته مفتقرون إليه في كل شئونهم.

ومن أسمائه العظيمة (الأول، والآخر، والظاهر، والباطن) وقد فسرها ﷺ‬ تفسيراً كاملاً واضحاً فقال: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"([186]). ففسر كل اسم بكل معناه، ونفى عنه كل ما يضاده، فمهما قدر المقدرون وفرض الفارضون من الأوقات السابقة المتسلسلة إلى غير نهاية فالله قبل ذلك، وكل وقت لاحق مهما قدر وفرض فالله بعد ذلك. ولهذا لا يستحق اسم (واجب الوجود) إلا هو، فمن خصائصه أنه لا يكون إلا موجوداً كاملاً فلا يشاركه في وجوب الوجود أحد، فوجوب وجوده بنعوته الكاملة في جميع الأوقات، وهو الذي أوجد الأوقات وجميع الموجودات، وكلها مستندة في وجودها وبقائها إلى الله، فالأول والآخر يتضمنان إحاطته بجميع الأزمنة وجميع المخلوقات من كل وجه، والظاهر والباطن يقتضيان إحاطته بجميع الأمكنة وأنها تنتهي إلى الله في العلو والقرب، ولا منافاة بين الأمرين في حقه تعالى لأنه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، فهو العلي في دنوه القريب في علوه.

ومن أسمائه الحسنى (الكبير، العظيم، الجليل) وهو الذي له كل عظمة وكبرياء وجلال: ومعاني العظمة نوعان: أحدهما أنه متصف بصفات المجد والعظمة والكبرياء، الثاني أنه يستحق أن يعظم غاية التعظيم، ويخضع العباد لجلاله وكبريائه وإخلاص المحبة والعبودية له. ومن كمال عظمته تنزيهه عن كل صفة نقص، وتقديسه عن أن يماثله أحد من خلقه.

ومن أسمائه (الجليل، الجميل) وما أحسن الجمع بينهما، فإن "الجليل" من له صفات الجلال والكبرياء والعظمة، و "الجميل" من له نعوت الحسن والإحسان، فإنه جميل في ذاته، وجمال المخلوقات بأسرها من آثار جماله، وهو الذي أعطاهم الجمال، فمعطي الجمال أحق بالجمال. وهو جميل في أسمائه لأنها كلها حسنى. وجميل في صفاته إذ كلها صفات كمال. وجميل في أفعاله فلا أحسن منه حكماً ولا وصفاً.

ومن أسمائه العظيمة (الحميد، المجيد) فالحمد كثرة الصفات والخيرات، والمجد عظمة الصفات وسعتها، فهو الحميد لكثرة صفاته الحميدة، المجيد لعظمتها وعظمة ملكه وسلطانه، فهو يقارب الجمع بين الجليل والجميل.

ومن أسمائه الحسنى (السميع، البصير) الذي يسمع جميع الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، فالسر عنده علانية والبعيد عنده قريب، ويرى دبيب النملة السوداء في جوف الصخور في الليالي المظلمة وجريان القوت في أعضائها وعروقها الدقيقة الضئيلة، وسريان المياه في أغصان الأشجار والنبات، ويرى خيانات الأعين، وما هو في أخفى الأمكنة.

ومن أسمائه الحسنى (العليم) الذي أحاط علمه بكل شيء، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. ويعلم الواجبات والممتنعات والجائزات وما في أقطار العالم العلوي والسفلي }وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{ سورة الأنعام آية 59، }يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى{ سورة طه آية 7.

وهو تعالى لم يزل ولا يزال (متكلماً) بكلماته الكونية والشرعية }وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً{ صدقاً في الأخبار وعدلاً في أوامرها ونواهيها }وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{ سورة لقمان آية 27 وكلامه تعالى نوعان: نوع بلا واسطة كما كلم موسى وآدم وحواء ومحمداً ليلة المعراج ويكلم عباده في الآخرة وفي الجنة، ونوع بواسطة أنبيائه ورسله.

ومن أسمائه (القوي، العزيز، المتين، القدير) ومعانيها متقاربة تقتضي كمال قوته وعظمته وكبريائه فلا يملك الخلق نفعه فينفعونه ولا ضره فيضرونه، وكمال اقتداره على جميع الموجودات والمعدومات، وأن جميع العالم طوع قدرته ومشيئته يتصرف فيها بما شاء وكيف يشاء }إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ{ سورة يس آية 82 وقال تعالى: }إِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا{ سورة يونس آية 65 وهي عزة الامتناع والقوة والقهر والغلبة، كلها قد كملت لله الواحد القهار من جميع الوجوه.

ومن أسمائه (الغني) بذاته عن جميع مخلوقاته، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه بوجه من الوجوه فكل المخلوقات مفتقرة إليه في إيجادها وإعدادها وإمدادها في أمور دينها ودنياها في جلب المنافع ودفع المضار، وهو الذي أغناها وأقناها، ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له كفواً أحد، ومن سعة غناه أن جميع الخيرات والعطايا والنعم في الدنيا والآخرة والنعيم المقيم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قطرة من بحر غناه وجوده وكرمه، فهو الغني بذاته المستغني عن جميع مخلوقاته، المغني لعباده بما أدره عليهم من الخيرات وأنزله من البركات.

ومن أسمائه الحسنى (الحكيم) وهو الذي يضع الأمور مواضعها اللائقة بها وله الأحكام الشرعية والأحكام القدرية، وله الحكمة في شرعه والحكمة في قدره، فأحكامه الشرعية هي ما جاءت به الرسل، وهي متعلق رضاه ومحبته ومناط أمره ونهيه، والأحكام الكونية القدرية وهي جميع التدابير جليلها وصغيرها الواقعة في العالم العلوي والعالم السفلي، وقد يجتمع في حق المؤمن الحكمان إذا أطاع الله، وقد ينفرد الحكم القدري في وجود ما وجد من المعاصي والمباحات، ولذلك يقال: من وافق الحكم الشرعي فقد وافق رضى الله تعالى ومحبته، فإن الله يحب المؤمنين والمتقين والصابرين. ومن وافق حكمه القدري فقط فإن كان معصية فله الذم والعقوبة لمخالفته لأمر الله وتجرئه على معاصيه، وإن كان مباحاً فلا له ولا عليه، ولكن قد يفوته من الخير ما هو يصدد فعله. والقضاء صفة لله، والله لا يوصف إلا بكل وصف جميل، والمقضي فعل الإنسان وصنعته وهو ينقسم إلى محمود ومذموم ومباح فلذلك وجب التفصيل في الرضا بالقضا، فالرضا بنفس ما يقدره ويرضاه بقطع النظر عن فعل العبد لازم، والرضا بالمقضي الذي هو فعل العبد فيه تفصيل بحسبه إن كان خيراً تعين الرضاء به وإن كان شراً تعين عدم الرضاء، فأحكام الرب القدرية والشرعية وكذلك أحكام الجزاء كلها متضمن لها اسمه (الحكيم) وهو الذي له الحكم بين عباده الذي لا حاكم إلا هو بالحق والعدل والحمد. وأما الحكمة فهي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها اللائقة بها، وهو تعالى قد أتقن ما صنعه وأحسن ما شرعه، فالمخلوقات كلها والشرائع مشتملات على الحِكَم والغايات الحميدة، كما أنها في نفسها في غاية الإحكام، فمن أجَلِّ الغايات في ذلك أنه خلق الخلق وشرع الأمر ليعرف بأسمائه وصفاته، وليعبد وحده لا شريك له، ويحمد ويشكر ويثنى عليه، ويخلص له الدين، وكذلك ليبتلي عباده أيهم أحسن عملاً، وليجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها، فالحكيم هو الحاكم بين عباده في أقداره وشرائعه وجزائه وكون أحكامه في نفسها جارية على الحكم والحق في أصلها وفرعها وغاياتها وثمراتها وتفصيل هذه الجمل كثير جداً.


فصل

ومن أسمائه (الحليم، الحي، الستار، الصبور، العفو)، وكل هذه الأسماء تتعلق بجرائم العباد وذنوبهم، فإنه تعالى الجواد المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات، فكما أنه الجواد بإعطاء الخيرات ونيل المواهب والهبات والبركات فإنه الجواد بالحلم عن العاصين. والستر على المخالفين، والصبر على المحاربين له ولرسله المبارزين، والعفو عن الذنوب. فالعباد يبارزونه بالعظائم وبما يغضبه، وهو تعالى يسدي إليهم النعم ويصرف عنهم النقم كأنهم لم يعصوه، ويعافيهم ويرزقهم كأنهم لم يزالوا يشكرونه، وكذلك لا يزالون مقيمين على ما يوجب أخذهم بالعقوبات المتنوعة، وهو يمهلهم ليتوبوا، ويذكرهم لينيبوا، والعبد يجاهره بالمخالفات والرب يستحي من فضيحته ويسدل عليه ستره القدري وستره الشرعي }وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ{ سورة فاطر آية 45 هذا مع كمال غناه عنهم، وكمال قدرته عليهم، ونهاية حاجتهم وفقرهم إليه، واضطرارهم إليه في كل لحظة ونفس. وفي الحديث الصحيح "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله يجعلون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم" وفي الصحيحين مرفوعاً "قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك. وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك. أما تكذيبه إياي فقوله إن لي ولداً وأنا الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وأما شتمه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته" هذا وهو تعالى يسمع ما يقولون ويعلم ما تكن صدورهم وما به يتفوهون، وهو يلاطفهم بنعمه، ويتحبب إليهم بكرمه، فيا ويح المعرضين عنه ماذا حرموا من الخيرات، ويا سعادة المنقطعين إليه ماذا ادخر لهم من الألطاف والكرامات، ويا بؤس العاصين ما أقل حياءهم وأعظم شقائهم وأشد جرأتهم.


فصل

ومن أسمائه الحسنى (الشهيد، والرقيب) وهو المطلع على ما في الضمائر وأكنته السرائر ولحظته العيون وما اختفى في خبايا الصدور، فكيف الأقوال والأفعال الظاهرة. ومقام الإحسان الذي هو مقام "المراقبة" التعبد لله بهذين الاسمين الكريمين، وحفظ الخواطر أن تساكن ما لا يحب الاطلاع عليه.

ومن أسمائه (الحفيظ) وهو يتضمن شيئين: حفظه على العباد جميع ما عملوه بعلمه وكتابته وأمره الكرام الكاتبين بحفظه، وحفظه لعباده من جميع المكاره والشرور، وأخص من هذا حفظه لخواص عباده الذين حفظوا وصيته وحفظوه بالغيب بحفظ إيمانهم من النقص والخلل، وحفظهم وحمايتهم من الخطل والزلل، وحفظه عليهم دينهم ودنياهم. قال النبي ﷺ‬ "احفظ الله يحفظك"([187]) أي احفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده لا تتعدها، يحفظك في دينك ودنياك.

ومن أسمائه الحسنى (اللطيف) الذي لطف علمه حتى أدرك الخفايا والخبايا، وما احتوت عليه الصدور، وما في الأراضي من خفايا البذور. ولطف بأوليائه وأصفيائه فيسرهم لليسرى، وجنبهم العسرى، وسهل لهم كل طريق يوصل إلى مرضاته وكرامته، وحفظهم من كل سبب ووسيلة توصل إلى سخطه، من طرق يشعرون بها، ومن طرق لا يشعرون بها. وقدر عليهم أموراً يكرهونها لينيلهم ما يحبون، فلطف بهم في أنفسهم فأجراهم على عوائده الجميلة وصنائعه الكريمة، ولطف لهم في أمور خارجة عنهم لهم فيها كل خير وصلاح ونجاح، فاللطيف مقارب لمعاني الخبير الرؤوف الكريم.

ومن أسمائه (الرفيق) في أفعاله وشرعه. ومن تأمل ما احتوى عليه شرعه من الرفق وشرع الأحكام شيئاً بعد شيء وجريانها على وجه السداد واليسر ومناسبة العباد وما في خلقه من الحكمة إذ خلق الخلق أطواراً، ونقلهم من حالة إلى أخرى لحكم وأسرار لا تحيط بها العقول، وهو تعالى يحب من عباده أهل الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ويسر من جرى على ما يحبه أموره كلها.

والرفق من العبد لا ينافي الحزم، فيكون رفيقاً في أموره متأنياً، ومع ذلك لا يفوت الفرص إذا سنحت، ولا يهملها إذا عرضت.

ومن أسمائه (المجيب) لجميع الداعين، وإجابة خاصة للمضطرين، وأخص من ذلك إجابته للمحبين الخاضعين لعظمته المنكسرة قلوبهم من أجله، فإجابته تعالى عامة للمخلوقات برها وفاجرها، بإعطائهم ما سألوه بلسان المقال، وما احتاجوه بلسان الحال، كما قال تعالى }وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ{ سورة إبراهيم من آية 34، والإجابة المذكورة أسبابها في الكتاب والسنة كإجابته للمضطرين وللمحبين والوالد لولده والمسافر والمريض ونحوهم.

ومن أسمائه (المغيث) وهو المنقذ من الشدائد الفادحة والكروب }قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ{ سورة الأنعام آية 63.

ومن أسمائه الحسنى (الجواد، الكريم، الوهاب) الذي عم بجوده أهل السماء والأرض، فما بالعباد من نعمة فمنه، وهو الذي إذا مسهم الضر فإليه يرجعون، وبه يتضرعون فلا يخلو مخلوق من إحسانه طرفة عين، ولكن يتفاوت العباد في إفاضة الجود عليهم بحسب ما من عليهم من الأساليب المقتضية لجوده وكرمه، وأعظمها تكميل عبودية الله الظاهرة والباطنة، العلمية والعملية، القولية والفعلية، والمالية، وتحقيقها باتباع محمد ﷺ‬ في الحركات والسكنات.


فصل

ومن أسمائه الحسنى (الودود) بمعنى الواد وبمعنى المودود، فهو المحبوب لأنبيائه ورسله وأتباعهم محبة لا يشبهها ولا يماثلها شيء من المحاب، كما أن محبوبه ليس كمثله شيء في كماله، فلا يرون كمالاً لهم ولا صلاحاً ولا فلاحاً إلا بمحبة ربهم، ومحبته في قلوبهم أحلى من كل شيء وألذ من كل شيء وأقوى من كل شيء، وبقوة محبته قاموا بعبوديته الظاهرة والباطنة، وروح العبودية هي المحبة وهو الذي وضع هذه المحبة في قلوبهم فأحبوه، وكل من كانت محبته أكمل كانت عبوديته لله أقوى وأتم يحبون ربهم لذاته، ويحبونه لما قام به من صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال، ويحبونه لما يغذوهم به من نعمه الظاهرة والباطنة، وخصوصاً أكبر النعم وهو نعمة الإسلام الخالص والإيمان الكامل، وهو تعالى يحبهم لكمال إحسانه وسعة بره، بل حبهم لله تعالى محفوف بحبين منه لهم: حب وضعه في قلوبهم فانقادوا له طوعاً واطمأنت به قلوبهم، ثم أحبهم جزاء حبهم، وكمل لهم محبته. والفضل كله منه، والمنة لله أولاً وآخراً، فمن تقرب منه شبراً تقرب الله منه ذراعاً، ومن تقرب منه ذراعاً تقرب منه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة، كما نطق به الصادق المصدوق.

ومن أسمائه الحسنى (الشكور) وهو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل، ولا يضيع أجر من أحسن عملاً، بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة بغير عد ولا حساب. ومن شكره أنه يجزي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وقد يجزي الله العبد على العمل بأنواع من الثواب العاجل قبل الآجل، وليس عليه حق واجب بمقتضى أعمال العباد، وإنما هو الذي أوجب الحق على نفسه كرماً منه وجوداً، والله لا يضيع أجر العاملين إذا أحسنوا في أعمالهم وأخلصوها لله تعالى.

ومن أسمائه الحسنى (الغفور، الغفار، التواب) الذي يغفر ذنوب التائبين الغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى، الرجاع لعباده بالخيرات وحلول البركات ومغفرة الذنوب وستر العيوب. وتوبة العبد محفوفة بتوبتين من ربه: تاب عليه أولاً فأقبل بقلبه على التوبة والإنابة والرجوع، ثم تاب عليه ثانياً بالقبول والجزاء والإحسان.


فصل

ومن أسمائه الحسنى (الصمد) وهو الذي صمدت له المخلوقات بحاجاتها وملماتها الدقيقة والجليلة، وذلك لكمال عظمته وسعة جوده وسلطانه وعظمة صفاته.

ومن أسمائه (القهار، الجبار) وهو القوي العزيز الذي قهر المخلوقات كلها، ودانت له الموجودات بأسرها. ومن لوازم قهره أنه يقتضي أنه كامل الحياة والعلم والقدرة. والجبار بمعنى القهار، وبمعنى أنه يجبر الكسير، ويغني الفقير، ويجبر القلوب المنكسرة من أجله، ويجبر عبده المؤمن بإصلاح حاله، وهو بمعنى العلي الأعلى، وبمعنى المتكبر عن كل نقص وسوء ومثال.

ومن أسمائه (الحسيب) بمعنى الرقيب المحاسب لعباده المتولي جزاءهم بالعدل والفضل، وبمعنى الكافي عبده همومه وغمومه، وأخص من ذلك أنه الحسيب للمتوكلين }وَمَن يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{ أي كافيه أمور دينه ودنياه.

وهو (الرشيد) وهو الذي أقواله رشد، وأفعاله رشد، وهو مرشد الحائرين في الطريق الحسي والضالين في الطريق المعنوي، فيرشد الخلق بما شرعه على ألسنة رسله من الهداية الكاملة، ويرشد عبده المؤمن، إذا خضع له وأخلص عمله أرشده إلى جميع مصالحه، ويسره لليسرى وجنبه العسرى.

ومن أسمائه (الحكم، العدل) الذي إليه الحكم في كل شيء فيحكم تعالى بشرعه، ويبين لعباده جميع الطرق التي يحكم بها بين المتخاصمين، ويفصل بين المتنازعين. من الطرق العادلة الحكيمة، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويحكم فيهم بأحكام القضاء والقدر، فيجري عليهم منها ما تقتضيه حكمته، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها، ويقضي بينهم يوم الجزاء والحساب، فيقضي بينهم بالحق، ويحمده الخلائق على حكمه حتى من قضى عليهم بالعذاب يعترفون له بالعدل وأنه لم يظلمهم مثقال ذرة.


فصل

ومن أسمائه (القدوس والسلام)، وهو المعظم المقدس عن كل عيب، السالم من كل نقص، ومن أن يكون له مثل أو كفو أو نديد أو سمي، وذلك لكماله وكمال أسمائه الحسنى وصفاته العلى.

ومن أسمائه (الفتاح)، وفتحه نوعان: فتح بأحكامه القدرية والشرعية والجزائية، وهو حكمه بين عباده، يشرع الشرائع ويسن لعباده الأحكام والوسائل والطرق التي يهتدون بها إلى جميع منافعهم ومصالحهم، ويحكم بين الرسل وأتباعهم وبين أعدائهم، فيكرم الرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، ويهين أعداءهم ويكون هذا أكبر دليل على أن هؤلاء على الحق وأولئك على الباطل. والنوع الثاني فتحه لعباده الرحمة والبركات، قال تعالى: }مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ{([188]) ويفتح لعبده المؤمن أبواب المعارف وحلاوة الإيمان وسرور اليقين وسهولة الطاعات وتيسير القربات. اللهم افتح علينا فتوحك على العارفين.

ومن أسمائه (الرزاق) لجميع المخلوقات، فما من موجود في العالم العلوي والعالم السفلي إلا متمتع برزقه، مغمور بكرمه. ورزقه نوعان: أحدهما الرزق النافع الذي لا تبعة فيه. وهو موصل للعبد إلى أعلى الغايات، وهو الذي على يد الرسول ﷺ‬ بهدايته وإرشاده. وهو نوعان أيضاً: رزق القلوب بالعلوم النافعة والإيمان الصحيح، فإن القلوب لا تصلح ولا تفلح ولا تشبع حتى يحصل لها العلم بالحقائق النافعة والعقائد الصائبة، ثم التخلق بالأخلاق الجميلة والتنزه عن الأخلاق الرذيلة، وما جاء به الرسول كفيل بالأمر على أكمل وجه، بل لا طريق لها إلا من طريقه. والنوع الثاني أن يغني الله عبده بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه. والأول هو المقصود الأعظم وهذا وسيلة إليه ومعين له، فإذا رزق الله العبد العلم النافع والإيمان الصحيح والرزق الحلال والقناعة بما أعطاه الله منه فقد تمت أموره واستقامت أحواله الدينية والبدنية. وهذا النوع من الرزق هو الذي مدحته النصوص النبوية واشتملت عليه الأدعية النافعة. وأما النوع الثاني وهو إيصال الباري جميع الأقوات التي تتغذى بها المخلوقات برها وفاجرها المكلفون وغيرهم فهذا قد يكون من الحرام كما يكون من الحلال. وهذا فصل النزاع في مسألة هل الحرام يسمى رزقاً أم لا، فإن أريد النوع الأول من الرزق المطلق الذي لا تبعة فيه فلا يدخل فيه الحرام فإن العبد إذا سأل ربه أن يرزقه فلا يريد به إلا الرزق النافع في الدين والبدن وهو النوع الأول، وإن أريد به مطلق الرزق وهو النوع الثاني فهو داخل فيه فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. ومثل هذا يقال في النعمة والرحمة ونحوها.

ومن أسمائه الحسنى (النور) فالنور وصفه العظيم، فأسماؤه حسنى، وصفاته أكمل الصفات، وأفعاله تعالى رحمة وحمد وحكمة، وهو نور السموات والأرض. وبنوره استنارت قلوب المؤمنين، وبنوره استنارت جنات النعيم. وحجابه نور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. والنور الذي هو وصفه من جملة نعوته العظيمة، وأما النور المخلوق فهو نوعان: نور حسي كنور الشمس والقمر والكواكب وسائر المخلوقات المدرك نورها بالأبصار، والثاني نور معنوي وهو نور المعرفة والإيمان والطاعة، فإن لها نوراً في قلوب المؤمنين بحسب ما قام في قلوبهم من حقائق المعرفة ومواجيد الإيمان وحلاوة الطاعة وسرور المحبة. وهذا النور هو الذي يمنع صاحبه من المعاصي ويجذبه إلى الخير ويدعو إلى كمال الإخلاص لله، ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ‬ : "اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً ومن بين يدي نوراً ومن خلفي نوراً وفوقي نوراً وتحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً وزدني نوراً"([189]) وهذا النور الذي يعطيه الله عبده أعظم منة منه عليه، وهو أصل الخير، وهذا النور مهما قوي فإنه مخلوق، فإياك أن تضعف بصيرتك ويقل تمييزك وعلمك فتظن هذا النور نور العيان ومشاهدة القلب لنور الذات المقدسة، وإنما هو نور المعرفة والإيمان، ويبتلى بهذا بعض الصوفية الذين ترد عليهم الواردات القوية فيقع منهم من الشطح والخطل ما ينافي العلم والإيمان، كما أن كثيف الطبع جافي القلب قد تراكمت عليه الظلمات وتوالت عليه الغفلات فلم يكن له من هذا النور حظ ولا نصيب، بل ربما ازدرى من سفاهة عقله وقلة وجده هذه الأحوال وزهد فيها، فمتى مَنَّ الله على العبد بمعرفة صحيحة متلقاة من الكتاب والسنة وتفقه في أسماء الله وصفاته وتعبد الله بها واجتهد أن يحقق مقام الإحسان فيعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه ولهج بذكر الله تعالى استنار قلبه وحصل له من لذة المعرفة وموجد الإيمان أعظم اللذات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.


فصل

ومن أسمائه الحسنى (المقدم، والمؤخر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع) من أسمائه الحسنى ما يؤتى به مفرداً ويؤتى به مقروناً مع غيره وهو أكثر الأسماء الحسنى، فيدل ذلك على أن لله كمالاً من إفراد كل من الاسمين فأكثر، وكمالاً من اجتماعهما أو اجتماعها. ومن أسمائه ما لا يؤتى به إلا مع مقابلة الاسم الآخر لأن الكمال الحقيقي تمامه لا يؤتى به إلا مع مقابلة الاسم الآخر لأن الكمال الحقيقي تمامه وكماله من اجتماعهما، وذلك مثل هذه الأسماء، وهي متعلقة بأفعاله الصادرة عن إرادته النافذة وقدرته الكاملة وحكمته الشاملة، فهو تعالى المقدم في الزمان والمكان والأوصاف الحسية، والمقدم في الفضائل والأوصاف المعنوية، والمؤخر لمن شاء في ذلك، المعطي من شاء من القوة والقوى الحسية والعقل والمعارف والكمالات المتنوعة، المانع لمن يشاء ممن لا يستحق ذلك، وهو تعالى النافع لمن شاء من عباده بالمنافع الدينية والدنيوية، الضار لمن فعل الأسباب التي توجب ذلك، وكل هذا تبع لحكمته وسننه الكونية وللأسباب التي جعلها موصلة إلى مسبباتها، فإن الله تعالى جعل مقاصد للخلق وأموراً محبوبة في الدين والدنيا، وجعل لها أسباباً وطرقاً، وأمر بسلوكها ويسرها لعباده غاية التيسير، فمن سلكها أوصلته إلى المقصود النافع، ومن تركها أو ترك بعضها أو فوت كمالها أو أتاها على وجه ناقص ففاته الكمال المطلوب فلا يلومن إلا نفسه، وليس له حجة على الله، فإن الله أعطاه السمع والبصر والفؤاد والقوة والقدرة وهداه النجدين وبين له الأسباب والمسببات ولم يمنعه طريقاً يوصل إلى خير ديني ولا دنيوي، فتخلفه عن هذه الأمور يوجب أن يكون هو الملوم عليها المذموم على تركها.

واعلم أن صفات الأفعال التي منها هذه الأسماء كلها متعلقة وصادرة عن هذه الصفات الثلاث: القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة التامة وهي كلها قائمة بالله، والله متصف بها، وآثارها ومقتضياتها جميع ما يصدر عنها في الكون كله من التقديم والتأخير والنفع والضر والعطاء والحرمان والخفض والرفع، لا فرق بين محسوسها ومعقولها، ولا بين دينيها ودنيويها. فهذا معنى كونها أوصاف أفعال لا كما ظنه أهل الكلام الباطل أن الفعل هو عين المفعول، وأنه لم يقم بالله منها وصف، فهذا مخالف للعقل والنقل، وقول متناقض في نفسه، فإن الآثار تدل على المؤثر كما أن الوصف يدل على الأثر، فهما شيئان متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، دل الكتاب والسنة والعقل على ذلك، فمن فرق بينهما فأثبت المفعول ونفى الفعل فقوله غير معقول ولا منقول.

واعلم أن الأفعال الاختيارية للباري نوعان: نوع متعلق بذاته المقدسة كالاستواء على العرش والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا والمجيء والإتيان ونحوها، ونوع متعلق بالمخلوقات كالخلق والرزق والعطاء والمنع وأنواع التدابير الكونية والشرعية والله أعلم.


فصل

أسماء الله كلها حسنى، وكلها تدل على الكمال المطلق والحمد المطلق، وكلها مشتقة من أوصافها، فالوصف فيها لا ينافي العلمية، والعلمية لا تنافي الوصف، ودلالتها ثلاثة أنواع: دلالة مطابقة إذا سرنا الاسم بجميع مدلوله، ودلالة تَضَمُّن إذا فسرناه ببعض مدلوله، ودلالة التزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف هذا الاسم عليها. فمثلاً (الرحمن) دلالته على الرحمة والذات ودلالة مطابقة، وعلى أحدهما دلالة تضمن لأنها داخلة في الضمن، ودلالته على الأسماء التي لا توجد الرحمة إلا بثبوتها كالحياة والعلم والإرادة والقدرة ونحوها دلالة التزام، وهذه الأخيرة تحتاج إلى قوة فكر وتأمل، ويتفاوت فيها أهل العلم، فالطريق إلى معرفتها أنك إذا فهمت اللفظ وما يدل عليه من المعنى وفهمته فهماً جيداً ففكر فيما يتوقف عليه ولا يتم بدونه، وهذه القاعدة تنفعك في جميع النصوص الشرعية فدلالاتها الثلاث كلها حجة لأنها معصومة محكمة.

 فصل في بيان حقيقة الإلحاد في أسماء رب العالمين وذكر أقسام الملحدين

وهذا الفصل في نفي الإلحاد في أسماء الله وصفاته من تمام إثبات صفات الكمال وتفرد الرب بنعوت العظمة والجلال، فعلى العبد المؤمن أن يحققها علماً وتعبداً لله بها ونفياً للإلحاد فيها. وحقيقة الإلحاد فيها هو الميل بها عن الاستقامة إما بإثبات المشاركة فيها لأحد من الخلق، كإلحاد المشركين الذين اشتقوا لآلهتهم من صفات الله ما لا يصلح إلا لله، كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكل مشرك تعلق بمخلوق اشتق لمعبوده من خصائص الربوبية والإلهية ما برر له عبادته. وأعظم الخلق إلحاداً طائفة الاتحادية الذين من قولهم أن الرب عين المربوب، فكل اسم ممدوح أو مذموم يطلق على الله عندهم، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وإما نفي صفات الله وإثبات أسماء لا حقيقة لها كما فعل الجهمية ومن تفرع عنهم، وإما بجحدها وإنكارها رأساً إنكاراً لوجود الله كما فعل زنادقة الفلاسفة فهؤلاء الملحدون قد انحرفوا عن الصراط المستقيم ويمموا طرق الجحيم.


 فصل في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف لتوحيد المعطلين

وهذا النوع يسمى توحيد الإلهية وتوحيد العبادة، وهو إفراد الله بالعبادة الظاهرة والباطنة. وحقيقة هذا التوحيد هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والتقرب إلى الله بمعرفة ذلك وفهمه واعتقاده فإنه أصل التوحيد وأساسه، ثم القيام التام بعبودية القلب وهو قوة الإنابة إلى الله بمحبته وخوفه ورجائه وسائر أعمال القلوب، ثم القيام بالصلاة فرضها ونفلها، والزكاة والصدقة والصيام والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله بالقول والفعل، وأداء حقوق الله وحقوق عباده الواجبة والمستحبة، وترك ما يكرهه الله ورسوله من المحرمات والمكروهات، وإخلاص ذلك كله لله تعالى، فكل هذا داخل في عبادة الله وتوحيده، ولا يتم ذلك إلا بتكميلها بالصدق وهو الجد والاجتهاد في إيقاعها على أكمل الوجوه وأحسنها، وأن تكون موافقة لمرضاة الله وما شرعه رسوله، فهذه الثلاث: الإخلاص والمتابعة والصدق من اجتمعت له تم له هذا التوحيد. فإن الإخلاص ينفي الشرك الأكبر الجلي وهو صرف نوع من العبادة لغير الله واتخاذ ند مع الله، وكمال الإخلاص ينفي الشرك الأصغر في الألفاظ ووسائل الشرك، والصدق ينفي الكسل والفتور ونقصان العمل، والمتابعة تنفي البدع القولية الاعتقادية والبدع الفعلية، فبهذا يتحقق التوحيد، وكمال هذا بتكميل محبة الله وتقديمها عن كل محبة، ومحبة ما يحبه الله وكراهة ما يكرهه الله من الأشخاص والأعمال والأزمنة والأمكنة.

وبراهين هذا التوحيد أقوى البراهين: براهينه العلم بتفرد الرب بالربوبية والعظمة والكبرياء والسلطان، وأنه ما بالعباد من نعمة ظاهرة وباطنة إلا منه، وهو الذي يأتي بالحسنات ويدفع السيئات، وهو المنفس لكرب المكروبين وإغاثة المضطرين، وهو الذي يجير ولا يجار عليه }وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ{ سورة الشورى آية 28.

ومن براهينه أن جميع الكتب السماوية وجميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم دعوا إلى توحيده وإخلاص العمل له. وأنه مركوز في عقول جميع العقلاء - التي لم تغيرها العقائد الباطلة - وجوب عبادته وحده لا شريك له، ووجوب حمده وشكره وإخلاص العمل له.

ومن براهينه معرفة أوصاف ما عبد من دونه من جميع المخلوقين، وأنه ليس فيهم من خصائص الإلهية شيء بل هم ناقصون فقراء عاجزون }لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ{ (سورة سبأ آية 22) }وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ{([190]) فنسأل الله الكريم الوهاب أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته وإخلاص الدين له، وأن يكمل لنا توحيده بقوة الإنابة إليه والشوق إلى لقائه والتلذذ بخدمته واللهج بذكره. وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا. ويكره لنا الكفر والفسوق والعصيان ويجعلنا من الراشدين إنه جواد كريم.


 الطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله

قال تعالى: }فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ{ سورة محمد آية 19 - العلم لابد فيه من إقرار القلب ومعرفته بمعنى ما طُلب منه علمه وتمامه أن يعمل بمقتضاه وهذا العلم الذي أمر الله به وهو العلم بتوحيد الله فرض عين على كل إنسان لا يسقط عن أحد كائناً من كان بل كل مضطر إلى ذلك والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله أمور:

أحدها: بل أعظمها: تدبر أسمائه وصفاته وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلاله فإنها توجب بذل الجهد في التأله له والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال.

الثاني: العلم بأنه تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية.

الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة الدينية والدنيوية فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته والتأله له وحده لا شريك له.

الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة ومن عقوبته لأعدائه المشركين به فإن هذا داع إلى العلم بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها.

الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت من دون الله واتخذت آلهة وأنها ناقصة من جميع الوجوه فقيرة بالذات لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا ينصرون من عبدهم ولا ينفعونهم بمثقال ذرة من جلب خير أو دفع شر فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله وبطلان إلهية ما سواه.

السادس: اتفاق كتب الله على ذلك وتواطؤها عليه.

السابع: أن خواص الخلق الذين هم أكمل الخليقة أخلاقاً وعقولاً ورأياً وصواباً وعلماً - وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون - قد شهدوا لله بذلك.

الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدل على التوحيد أعظم دلالة تنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته وبديع حكمته وغرائب خلقه، فهذه الطرق التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله وأبداها في كتابه وأعادها عند تأمل العبد في بعضها لابد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت وقامت أدلة للتوحيد من كل جانب فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد بحيث يكون كالجبال الرواسي لا تزلزله الشبه والخيالات ولا يزداد على تكرار الباطل والشبه إلا نمواً وكمالاً.

هذا وإن نظرت إلى الدليل العظيم والأمر الكبير - وهو تدبر هذا القرآن العظيم والتأمل في آياته - فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد ويحصل به من تفاصيله وجمله ما لا يحصل في غيره([191]).

 الإيمان بالقدر

               ‌أ-  حكمه: واجب وهو أحد أصول الإيمان الستة قال تعالى }إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ{ (سورة القمر آية 49).

            ‌ب-                       صفته: أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشاء الله لم يكن وأن ما أصابك لم يكن ليخطئ وما أخطأك لم يكن ليصيبك.

             ‌ج-                       مراتب القدر أربع:

1-                  علم الله بالأشياء قبل كونها.

2-                  كتابته له قبل خلق السموات والأرض.

3-                  مشيئته لها.

4-                  خلقه لها وإيجاده وتكوينه. جمعها الشاعر بقوله.

علم كتابة مولانا مشيئته

كذاك خلق وإيجاد وتكوين

               ‌د-وأنواع التقادير أربعة:

1-                  التقدير السابق في علم الله وكتابته في اللوح المحفوظ.

2-                  التقدير العمري في بطن الأم للرزق والأجل والعمل والسعادة والشقاوة.

3-                  التقدير الحولي في ليلة القدر يقدر فيها ما يكون في السنة من أقدار.

4-                  التقدير اليومي لكل ما يحدث }كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ{ سورة الرحمن آية 29.

وكل هذه التقادير كتفصيل للقدر السابق وهو لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الخوف والجد والاجتهاد والمواظبة على العمل الصالح(*).


 عقيدة الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي

هذه رسالة كتبها الشيخ الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة 620 هـ رحمه الله إلى أهل حمص.

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلموا رحمكم الله أن ربكم عظيم قدير كبير لا تدرك صفاته بالعقول، ولا يتجاوز فيها ما ورد به المنقول وأنه لا يشبه بمخلوقاته، ولا تشبه صفاتهم بصفاته كما لا تشبه ذواتهم بذاته، ولا يتجاوز في وصفه ما ورد به الخبر الصحيح والأثر الصريح، ولا تفسروه بآرائكم، ولا ترجعوا إلى أهوائكم، واقتصروا في آيات الصفات وأخبارها على مجرد الرواية معتقدين أن الله ليس له شبيه ولا نظير، وقفوا حيث وقف سلفكم، وامتثلوا في ذلك ما أمر به أئمتكم، وخافوا على أنفسكم أن تتكلموا بالله سبحانه بما لم يسبقكم به من يجب قول قوله، فتهلكوا وأنتم لا تعلمون، وتبتدعون وأنتم تحسبون أنكم مهتدون، واعلموا أن دين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه، وأن الطريق المستقيم هي الوسط، وأنه قد هلك في صفات الله تعالى طائفتان: طائفة غلت فشبهت صفاته بصفات خلقه، وحملوا ما سمعوا من صفات الله على ما عقلوه من مخلوقاته، فصاروا إلى التشبيه والتجسيم، فضلوا عن الصراط المستقيم، وطائفة رفضت الأخبار الصحيحة، ورغبت عن مقالة سيد الأولين والآخرين ﷺ‬ ، وتأولت ما لم يمكنها بمقتضى رأيها، وغيرت ما قال الله وقال رسوله بأهوائها، فضلت وأضلت، وأهل الحق سلكوا طريقاً مستقيماً بين الطريقين آمنوا فأمنوا، وأسلموا فسلموا، ولم يتجاوزوا المنقول، ولا حكموا في رد قول الصادق وتفسيره العقول، وقالوا آمنا به، بالمعنى الذي أراد به المتكلم به هو أعلم بمراده، ولم يتجاوزوا لفظه ولا أولوه ولا فسروه، ومتى نازعتهم أنفسهم إلى شيء من ذلك قمعوها بشيئين: أحدهما: أن من مضى من السلف لم يزيدوا على مجرد التلاوة والرواية، ولم يفسروا ولا تأولوا، وهم غير مشكوك في صوابهم وصحة عقائدهم وسدادهم، وقد أُمرنا باتباعهم وأعلمنا أن الحق ما كانوا عليه، فيجب علينا اتباعهم وسلوك طريقهم، ونعلم أن من سلك غير طريقهم أفضى إلى غير دارهم التي هي دار السلام، والثاني أننا علمنا صدق القائل فوجوب علينا الإيمان به ولم يحط علمنا بمراده ومعنى كلامه، فوجب علينا السكوت عما لا نعلمه، وعلمنا أن المتكلم عالم بمعنى كلامه، فنحن نؤمن بذلك المعنى فنقول ما قال ونسكت عما سكت عنه، فلا حرج علينا في الإيمان بقوله لأنه حق ولا في السكوت عما سكت عنه لأنه صواب، واتباع الصادق في حالتي قوله وسكوته هو معنى السنة لأن المراد بالسنة طريقة رسول الله ﷺ‬ فأهل السنة هم الذين اتبعوا رسولهم ﷺ‬ وطريقته، وآمنوا بمقالته، وسكتوا في مواضع سكوته، وأهل البدع هم الذين أحدثوا من عند أنفسهم مقالة لم يتبعوا فيها رسولهم فاحذروا رحمكم الله الزيادة على المنقول، وحمل صفات الله سبحانه على مقتضى المعقول، وعليكم بالحذر على أنفسكم من كلمة ليس فيها خبر صحيح، فإنكم تسئلون عنها، والأمر صعب، والطريق خطر، قد ضل عنه أمم ذوو عقول وافرة وعلوم جمة فاعتصموا بالسنة وعضوا عليها بالنواجذ، ولا تلتفتوا يميناً ولا شمالاً، ولا تميلوا قليلاً ولا كثيراً، ولا تزيدوا على ما قاله الصادق حرفاً واحداً ولا تذكروا من عند أنفسكم معنى زائداً فإنه قد بلغنا عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله أنه بلغه عن أمير أنه يتكلم في التشبيه فقال: يا ابن أخي الأمر لا يزال صغيراً ما لم يصل إليكم وقد بلغني أنك تقول كذا وكذا قال نعم يا أبا سعيد قال يا ابن أخي هلم فلنتكلم في بعض مخلوقات الله تعالى قبل أن نتكلم في الله كم بلغك أن لجبريل جناحاً قال ستمائة جناح قال يا ابن أخي قد أسقطنا عنك خمسمائة جناح وسبعة وتسعين جناحاً صف ثلاثة أجنحة، هذان جناحان في جنبيه فأين الثالث: ففكر الأمير في نفسه فلم يدر أين يجعله فقال: لا أدري فقال: يا ابن أخي إذا كان بعض مخلوقاته قد عجزت عن وصفه فكيف بمن خلقه فقال يا أبا سعيد أنا تائب إلى الله سبحانه أو كما جاءت الحكاية. وهذا تنبيه لذوي الألباب عن العجز عن إدراك وصف رب الأرباب وأبلغ من هذا أن الإنسان يعجز عن إدراك نفسه فإنه لا يدري أين موضع النفس والروح والفرق بينهما وحقيقة النوم ومحله ومتى يجد لذته في حال ذهاب عقله أو قبله أو بعده وأشباه هذا مما يجهله الإنسان من نفسه وهو لا يغيب عنها فكيف يقدر قدر من لم يره ولا له مثل يقاس عليه ولا نظير يستدل به عليه ونسأل الله لنا ولكم السلامة والتوفيق والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم([192]).


 الأدب مع الله عز وجل(*)

1-                  المسلم ينظر إلى ما لله تعالى عليه من منن لا تحصى، ونعم لا تعد اكتنفته من ساعة علوقه نطفة في رحم أمه، وتسايره إلى أن يلقى ربه عز وجل فيشكر الله تعالى عليها بلسانه بحمده والثناء عليه بما هو أهله، وبجوارحه بتسخيرها في طاعته، فيكون هذا أدباً منه مع الله سبحانه وتعالى؛ إذ ليس من الأدب في شيء كفران النعم، وجحود فضل المنعم، والتنكر له ولإحسانه وإنعامه، والله سبحانه يقول: }وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ{([193]) ويقول سبحانه }وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا{([194]) ويقول جل جلاله }فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ{([195]).

2-                  وينظر المسلم إلى علمه تعالى به واطلاعه على جميع أحواله فيمتلئ قلبه منه مهابة ونفسه له وقاراً وتعظيماً، فيخجل من معصيته، ويستحي من مخالفته، والخروج عن طاعته. فيكون هذا أدباً منه مع الله تعالى؛ إذ ليس من الأدب في شيء أن يجاهر العبد سيده بالمعاصي، أو يقابله بالقبائح والرذائل وهو يشهده وينظر إليه. قال تعالى: }مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا{([196]) وقال: }وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ{([197]) وقال: }وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ{([198]).

3-                  وينظر المسلم إليه تعالى وقد قدر عليه، وأخذ بناصيته، وأنه لا مفر له ولا مهرب، ولا منجا، ولا ملجأ منه إلا إليه، فيفر إليه تعالى ويطرح بين يديه، ويفوض أمره إليه، ويتوكل عليه، فيكون هذا أدباً منه مع ربه وخالقه.

إذ ليس من الأدب في شيء الفرار ممن لا مفر منه، ولا الاعتماد على من لا قدرة له، ولا الاتكال على من لا حول ولا قوة له. قال تعالى: }مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا{([199]) وقال عز وجل: }فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ{([200]) وقال: }وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ{([201]).

4-                  وينظر المسلم إلى ألطاف الله تعالى به في جميع أموره، وإلى رحمته له ولسائر خلقه فيطمع في المزيد من ذلك، فيتضرع إليه بخالص الضراعة والدعاء، ويتوسل إليه بطيب القول، وصالح العمل فيكون هذا أدباً من مع الله مولاه إذ ليس من الأدب في شيء اليأس من المزيد من رحمة وسعت كل شيء، ولا القنوط من إحسان قد عم البرايا، وألطاف قد انتظمت الوجود. قال تعالى: }وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ{([202]). وقال: }اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ{([203]). وقال: }وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ{([204]). وقال: }لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ{([205]).

5-                  وينظر المسلم إلى شدة بطش ربه، وإلى قوة انتقامه، وإلى سرعة حسابه فيتقيه بطاعته، ويتوقاه بعدم معصيته فيكون هذا أدباً منه مع الله؛ إذ ليس من الأدب عند ذوي الألباب أن يتعرض بالمعصية والظلم العبد الضعيف العاجز للرب العزيز القادر، والقوي القاهر وهو يقول: }وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن والٍ{([206] ويقول: }إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ{([207] ويقول: }وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ{([208]).

6-                  وينظر المسلم إلى الله عز وجل عند معصيته، والخروج عن طاعته، وكأن وعيده قد تناوله، وعذابه قد حل بساحته، كما ينظر إليه تعالى عند طاعته، واتباع شريعته وكأن وعده قد صدقه له، وكأن حلة رضاه قد خلعها عليه فيكون هذا من المسلم حسن ظن بالله، ومن الأدب حسن الظن بالله؛ إذ ليس من الأدب أن يسيء المرء ظنه بالله فيعصيه ويخرج عن طاعته، ويظن أنه غير مطلع عليه، ولا مؤاخذ له على ذنبه، وهو يقول: }وَلَكِن ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ{([209])، كما أنه ليس من الأدب مع الله أن يتقيه المرء ويعيطه ويظن أنه غير مجازيه بحسن عمله، ولا هو قابل منه طاعته وعبادته، وهو عز وجل يقول: }وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ{([210]) ويقول سبحانه: }مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{([211]) ويقول تعالى: }مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ{([212]).

وخلاصة القول: أن شكر المسلم ربه على نعمه، وحياءه منه تعالى عند الميل على معصيته، وصدق الإنابة إليه، والتوكل عليه ورجاء رحمته، والخوف من نقمته وحسن الظن به في إنجاز وعده، وإنفاذ وعيده فيمن شاء من عباده؛ هو أدبه مع الله، وبقدر تمسكه به ومحافظته عليه تعلو درجته، ويرتفع مقامه وتسمو مكانته، وتعظم كرامته فيصبح من أهل ولاية الله ورعايته، ومحط رحمته ومنزل نعمته.

وهذا أقصى ما يطلبه المسلم ويتمناه طول الحياة.

اللهم ارزقنا ولايتك، ولا تحرمنا رعايتك، واجعلنا لديك من المقربين، يا الله يا رب العالمين.


 الأمور التي يستمد منها الإيمان

وهذا الموضوع عظيم النفع والحاجة بل الضرورة ماسة إلى معرفته والعناية به علماً وعملاً.

والأمور التي يستمد منها الإيمان نوعان مجمل ومفصل:

أما المجمل فهو التفكر والتدبر لآيات الله ومخلوقاته الآيات المتلوة والآيات الكونية والحرص على معرفة الحق والعمل به. وأما التفصيل فالإيمان يحصل ويقوى بأمور كثيرة:

1-                  منها - بل أعظمها - معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى الواردة في الكتاب والسنة والحرص على فهم معانيها والتعبد لله بها ودعاؤه بها.

2-                  تدبر القرآن وتفهمه ومعرفة معانيه وأوامره ونواهيه ثم العمل به ليكون حجة لقارئه وشفيعاً له يوم القيامة.

3-                  معرفة أحاديث النبي محمد ﷺ‬ وما تدعو إليه من علو الإيمان وأعماله كلها من محصلات الإيمان ومقوياته فكلما ازداد العبد معرفة بكتاب الله وسنة رسوله ازداد إيمانه ويقينه وعلت درجته.

4-                  معرفة النبي ﷺ‬ ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية والأوصاف الكاملة ومعرفة سيرته العطرة فإنها تزيد الإيمان وتقويه.

5-                  من أسباب الإيمان ودواعيه التفكر في الكون في خلق السموات والأرض وما فيهن وما بينهن من المخلوقات المتنوعة والنظر في خلق الإنسان وما هو عليه من الصفات قال تعالى: }وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ{ سورة الذاريات آية 21، والنظر إلى فقر المخلوقات إلى الله وغناه عنها والتفكر في نعم الله الظاهرة والباطنة وشكره عليها والشكر مقرون بالمزيد.

6-                  من أسباب الإيمان ودواعيه الإكثار من ذكر الله ودعائه واستغفاره كل وقت وحين فإن الله يذكر من ذكره ويجيب من دعاه ويغفر لمن استغفره وكل ذلك من دواعي الإيمان ومقوياته فإن الذكر يغرس شجرة الإيمان في القلب ويغذيها وينميها.

7-                  من الأسباب الجالبة للإيمان معرفة محاسن الدين الإسلامي فعقائده أصح العقائد وأصدقها وأنفعها وأخلاقه أحمد الأخلاق وأجملها وأعماله وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها.

8-                  ومن أعظم مقويات الإيمان الاجتهاد في التحقق في مقام الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى خلقه بالقول والفعل والمال والجاه وأنواع المنافع والنصح لله ولعباده فإن الدين النصيحة والجزاء من جنس العمل.

9-                  الاتصاف بصفات المؤمنين المذكورة في القرآن كما في أول المؤمنون وآخر الفرقان والمحافظة على أعمال اليوم والليلة من العبادات والطاعات والابتعاد عما يبطلها من المعاصي والمخالفات والمحرمات أو ينقصها من ذلك.

10-             ومن دواعي الإيمان وأسبابه الدعوة إلى الله وإلى دينه والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والتعاون على البر والتقوى وبذلك يكمل العبد نفسه ويكمل غيره.

11-             ومن ذلك توطين النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان من شعب الكفر والنفاق والفسوق والعصيان التي تمنع الإيمان أو تنقصه بالتوبة منها والبعد عنها وحفظ الجوارح عن المحرمات ومقاومة فتن الشهوات فالإنسان الموفق لا يزال يسعى في أمرين أحدهما تحقيق أصول الإيمان وفروعه علماً وعملاً والثاني السعي في دفع ما ينافيها وينقضها أو ينقصها من الفتن الظاهرة والباطنة ويداوي ما قصر فيه بالدعاء والتوبة إلى الله فهو الذي يجيب من دعاه ويتوب على من تاب وهو التواب الرحيم([213]).


 فوائد الإيمان وثمراته

كم في الإيمان الصحيح من الفوائد والثمرات العاجلة والآجلة في القلب والبدن والراحة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة فخيرات الدنيا والآخرة ودفع الشرور كلها من ثمرات الإيمان.

1-                  فمن أعظم فوائد الإيمان وثمراته الاغتباط بولاية الله تعالى الخاصة التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون وأجل ما حصله الموفقون قال تعالى: }أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{([214]) فكل مؤمن تقي فهو لله ولي ولاية خاصة من ثمراتها ما قاله الله عنهم: }اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ{([215]) أي من ظلمات الكفر والجهل والغفلة إلى نور الإيمان والعلم والطاعة والانقياد والتذكر.

2-                  ومن ثمرات الإيمان الفوز برضى الله تعالى ودار كرامته قال تعالى: }وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{([216]).

3-                  ومنها أن الإيمان الكامل يمنع من دخول النار والإيمان الضعيف القليل يمنع من الخلود فيها فمن آمن إيماناً أدى به الواجبات وترك المحرمات لا يدخل النار ولا يخلد فيها من في قلبه شيء من الإيمان كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ‬.

4-                  أن الله يدافع عن المؤمنين جميع المكاره وينجيهم من الشدائد كما قال تعالى: }إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا{([217]).

5-                  أن الإيمان والعمل الصالح يثمر الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة التي هي راحة القلب وطمأنينة النفس والقناعة برزق الله وإدراك لذة العبادة قال تعالى: }مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{([218]).

6-                  أن جميع الأعمال والأقوال إنما تصح وتكمل بحسب ما قام بقلب صاحبها من الإيمان والإخلاص والمحبة لله تعالى ولرسوله ﷺ‬.

7-                  أن صاحب الإيمان يهديه الله إلى صراطه المستقيم يهديه إلى علم الحق والعمل به وإلى تلقي المحاب والمسار بالشكر وتلقي المكاره والمصائب بالصبر والرضا كما قال تعالى }وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ{ قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.

8-                  ومن ثمرات الإيمان ولوازمه من الأعمال الصالحة محبة الله للمؤمن ومحبة المؤمنين له كما قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا{([219]) أي محبة في قلوب الخلق ومن أحبه الله وأحبه المؤمنون حصلت له السعادة والفلاح والفوائد الكثيرة من محبة المؤمنين من الثناء والدعاء له حياً وميتاً وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

9-                  أن الله يرفع درجات المؤمنين في الدنيا والآخرة بإيمانهم الصحيح وعلمهم النافع وعملهم الصالح }يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ{([220]).

10-             حصول البشارة بكرامة الله والأمن التام من جميع الوجوه في الدنيا والآخرة أمنٌ من سخط الله وعقابه وأمنٌ من جميع المكاره والشرور والبشارة الكاملة بكل خير }لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ{([221]) وذلك هو الفوز العظيم. اللهم اجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

11-             حصول الفلاح الذي هو إدراك المطلوب والنجاة من كل مرهوب كما قال تعالى بعد أن ذكر أوصاف المؤمنين }أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{([222]).

12-             من فوائد الإيمان الانتفاع بالمواعظ والتذكير والآيات كما قال تعالى: }وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ{ سورة الذاريات آية 55.

13-             أن الإيمان يحمل صاحبه على الشكر في حالة السراء والصبر في حالة الضراء وكسب الخير في كل أوقاته كما قال النبي ﷺ‬ : "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" رواه مسلم. فيجتمع للمؤمن عند السراء والنعم نعمتان نعمة حصول المحبوب ونعمة التوفيق للشكر وبذلك تتم عليه النعمة وتحصل له الزيادة، ويجتمع له عند الضراء ثلاث نعم نعمة تكفير السيئات ونعمة الحصول مرتبة الصبر ونعمة سهولة الضراء عليه كما تحصل له الرحمة من ربه والهداية: }أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{ سورة البقرة آية 107.

14-             أن الإيمان يقطع الشكوك التي تعرض لكثير من الناس فتضر بدينهم وذلك لأن الباطل يتضح بطلانه بأمور كثيرة أعظمها العلم أنه مناف للحق وكل ما ناقض الحق فهو باطل: }فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ{ سورة يونس آية 32.

15-             أن الإيمان ملجأ المؤمنين في كل ما يلم بهم من سرور وحزن وخوف وأمن وطاعة ومعصية وغير ذلك من الأمور التي لابد لكل واحد منها وذلك من فضل الله عليهم.

16-             أن الإيمان الصحيح يمنع العبد من الوقوع في الموبقات المهلكة حياء من الله وإيماناً باطلاعه عليه وخوفاً من عقابه ورجاء لثوابه فنسأل الله تعالى أن يمن علينا بالإيمان الصادق اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين آمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم([223]).


 فصل في الإشارة إلى البراهين العقلية الفطرية على ربوبية الله وإلهيته

اعلم أن هذه المسألة أعظم المسائل على الإطلاق وأكبرها وأفضلها وأوجبها وأنفعها وأوضحها؛ وعليها اتفق جميع الكتب المنزلة وجميع الرسل، وهي أول وأهم ما دعت إليه الرسل أممهم، وأول ما يدعون قومهم يقولون }اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ{ ويذكرون لهم من أسمائه وأوصافه ونعمه وآلائه وألطافه ما به يعرفون ربهم ويخضعون له ويعبدونه والقرآن العظيم من أوله إلى آخره يبين هذه المسألة، ويذكر لها البراهين المتنوعة، ويصرف لها الآيات، والسنة كذلك.

وليس القصد في هذا الفصل ذكر الأدلة النقلية عليها، فإنها واضحة جلية متقررة عند الخواص والعوام، وهي وحدها كافية وافية بالمقصود معرفة بالله جملة وتفصيلاً، ولكن نريد أن نشير إشارة يسيرة إلى أدلتها وبراهينها العقلية التي يخضع لها كل عاقل منصف، وينكرها كل مستكبر مكابر مباهت، وهذه المسألة أوضح وأظهر من أن يحتج لها وتذكر براهينها، ولكن كلما عرف المؤمن براهينها قويت في قلبه وازداد إيمانه ونمى إيقانه وحمد الله على هذه النعمة التي هي أعظم المنن وأجلها، ولهذا قالت الرسل عليهم السلام لأممهم: }أَفِي اللهِ شَكٌّ{. فاستفهموهم استفهام تقرير وأنه متقرر في قلوب جميع العقلاء، الاعتراف بالله وبربوبيته وتوحيده.

اعلم رحمك الله أنك إذا نظرت إلى هذا العالم العلوي والسفلي وما أودع فيه من المخلوقات المتنوعة، والحوادث المتجددة، فتأمل تأملاً صحيحاً أن الأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة:

1-                  إما أن توجد هذه المخلوقات بنفسها من غير محدث ولا خالق فهذا محال ممتنع يجزم العقل ببطلانه ضرورة، ويعلم يقيناً أن من ظن ذلك فهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل، لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير موجد ولا محدث.

2-                  وإما أن تكون هي المحدثة لنفسها الخالقة لها، فهذا أيضاً محال ممتنع بضرورة العقل، كل عاقل يجزم أن الشيء لا يحدث نفسه، وإذا بطل هذان القسمان عقلاً وفطرة تعين القسم الثالث.

3-                  وهو أن هذه المخلوقات والحوادث لها خالق خلقها ومحدث أحدثها وهو الرب العظيم الخالق لكل شيء، المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها، ولهذا نبه الله على هذا التقسيم العقلي الواضح لكل عقل: }أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ{ سورة الطور آية 35 ، 36، فالمخلوق لابد له من خالق، والأثر لابد له من مؤثر، والمحدث لابد له من محدث، والموجد لابد له من موجد، والمصنوع لابد له من صانع، والمفعول لابد له من فاعل.

هذه قضايا بديهية جلية يشترك في العلم بها جميع العقلاء، وهي أعظم القضايا العقلية. فمن ارتاب فيها أو شك في دلالتها فقد برهن على اختلال عقله وضلاله.

تفكر في نفسك وانظر في مبدء خلقك من نطفة إلى علقة إلى مضغة حتى صرت بشراً كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة. أما يضطرك هذا النظر إلى الاعتراف بالرب القادر على كل شيء، العليم الذي أحاط علمه بكل شيء، الحكيم في كل ما خلقه وصنعه، فلو اجتمع الخلق كلهم على النطفة التي جعلها الله مبدأ خلقك على أن ينقلوها في تلك الأطوار المتنوعة ويحفظوها في ذلك القرار المكين، ويجعلوا لها سمعاً وبصراً وعقلاً وقوى باطنة وظاهرة، وينموها هذه التنمية العجيبة. ويركبوها هذا التركيب المنظم، ويرتبوا الأعضاء هذا الترتيب المحكم، لو اجتمعوا على ذلك فهل في علومهم، وهل في اقتدارهم، وهل في استطاعتهم الوصول إلى ذلك؟ فهذا نظر يوصلك إلى الاعتراف بعظمة الله واقتداره والخضوع له والتصديق بكتبه ورسله، وهو دليل وبرهان عقلي وفطري اضطرت فيه الفطر إلى معرفة ربها وعبوديته.

تأمل في حفظ الله للسموات والأرض وما فيهما من العوالم وفي إبقائها وإمدادها بكل ما تحتاج إليه في بقائها من الأسباب المتنوعة، أما يدلك ذلك على كمال الرب وكمال قوميته وربوبيته؟ وقد نبه تعالى على ذلك بقوله }وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ{ سورة الروم آية 25 ، }إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا{ سورة فاطر آية 41.

تدبر يا أخي في هذا الفلك الدوار، وفي تعاقب الليل والنهار، وفي تصريف الأوقات بفصولها ومنافعها، وفي كمال انتظامها لمصالح الخلق التي لا يمكن إحصاؤها، هل ذلك صدفة الطبيعة؟ وهل هذا حصل اتفاقاً؟ أم الذي خلق ذلك ودبره ذلك التدبير المتقن: هو الذي أحسن كل شيء خلقه، وصنع الله الذي أتقن كل شيء.

وانظر هداك الله إلى أنه أعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق إلى مصالحه وحوائجه وضروراته، حتى البهائم العجم صغيرها وكبيرها قد ألهمها وهداها لكل أمر فيه نفعها، ويسر لها أرزاقها وأقواتها فمن نظر في هدايته العامة، وبثه في كل مخلوق إلهاماً عجيباً يهتدي به إلى منافعه وضروراته، علم بذلك عنايته العظيمة، وعلم أنه الرب لكل مربوب الخالق لكل مخلوق، الذي علم المخلوقات وأعطاها من الأذهان ما يصلحها ويدفع عنها المضار، وذلك برهان عقلي عظيم على وحدانية الله وكماله، ولذلك لما أنكر فرعون رب العالمين وقال: }فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى{ سورة طه آية 49 ، 50 فاستدل عليه بهذا البرهان المشاهد لكل أحد؛ فهل في طبيعة الحيوانات كلها هذه الهداية إلى مصالحها التي لا تحصى أنواعها، وحنوها على أولادها، وقيامها بهم حتى يستقلوا بأنفسهم؟ وهل هذا الحنان والرحمة إلا من أكبر الأدلة على عظمته وسعة رحمته التي وسعت كل شيء؟.

ثم انظر رحمك الله إلى سعة رحمة الله التي ملأت أقطار العالم، وشملت كل مخلوق في كل أحواله، برحمته أوجد المخلوقات، وبرحمته حفظها وأمدها بكل ما تحتاج إليه، وأسبغ عليها النعم الظاهرة والباطنة التي لا يمكن مخلوقاً أن يخلو منها طرفة عين، وهي متنوعة عليه من كل وجه نعم العلم والتعليم لأمور الدين والدنيا، ونعم العافية للأبدان عموماً وللأعضاء كلها على وجه الخصوص، ونعم الأرزاق ونعم الأولاد والأتباع، ونعم الحروث والزروع والثمار، ونعم المواشي وأصناف الأمتعة، ونعم الدور والقصور، ونعم اللذات والحبور النعم التي فيها جلب المنافع كلها، والنعم التي فيها دفع المضار كلها، تدل أكبر دلالة على وحدانية مسديها والمنعم بها، وعلى وجوب شكره والإخلاص له }أَفَمَن يَّخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ{ أفمن منه النعم كلها كمن هو فقير محتاج، مضطر؟ والله أعلم.

ثم انظر أحوال المضطرين الواقعين في المهالك والمشرفين على الأخطار والبائسين من فقرهم المفظع أو مرضهم الموجع، وكيف تضطرهم الضرورات وتلجئهم الحاجات إلى ربهم وإلههم داعين ومفتقرين، وسائلين له مستعطين فيجيب دعواتهم، ويكشف كرباتهم، ويرفع ضروراتهم، أليس في هذا أكبر برهان على وحدانيته وسعة علمه، وشمول رحمته، وكمال عطفه، ودقيق لطفه، }أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ{ سورة النمل آية 62 ، }فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ{ سورة العنكبوت آية 65.

وهذا قد شاهده الخليقة ورأوا بأعينهم من الوقائع ما لا يعد ولا يحصى وهذا يضطرهم إلى الاعتراف بالله وبوحدانيته فانظر إلى حالة المضطرين إذا كربتهم الشدائد كيف تجد قلوبهم متعلقة بالله، وألسنتهم ملحة في سؤاله وأفئدتهم مستشرفة لنواله، لا تلتفت عن الله يمنة ولا يسرة لعلمها الضروري أنه كاشف الشدائد، جالب الخير والفوائد، لا ملجأ منه إلا إليه، ولا معول للخليقة في جميع أمورها إلا عليه، فهل هذه الأمور إلا لأن الخليقة مفطورة على الاعتراف بوحدانية ربها؟ وأنه النافع الضار، وأن ملكوت كل شيء بيديه؟ إلا من فسدت فطرته بالعقائد الفاسدة والإرادات السيئة.

وانظر إلى فقر الخلائق كلهم على الله في كل شيء، فقراء إليه في الخلق والإيجاد، وفقراء إليه في البقاء والرزق والإمداد، وفقراء إليه في جلب المنافع وفي دفع المضار، فهم يسألون الله بلسان المقال، ولسان الحال، }يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ{ فيعطيهم مطالبهم، ويسعفهم في كل مآربهم، إن رغبوا لم يرغبوا إلا إليه، وإن مستهم الضراء لم يلجأوا إلا إليه، فكم كشف الضر والكروب، وكم جبر الكسير ويسر المطلوب، وكم أغاث ملهوفاً، وكم أنقذ هالكاً، ففقرهم إليه في كل الأحوال ظاهر مشاهد، وغناه عنهم في جميع الأمور لا ينكره إلا مكابر جاحد.

ومن براهين وحدانية الباري وربوبيته إجابته للدعوات في جميع الأوقات، فلا يحصي الخلق ما يعطيه السائلين، وما يجيب به أدعية الداعين من بر وفاجر، ومسلم وكافر تحصل المطالب الكثيرة، ولا يعرفون لها شيئاً من الأسباب، سوى الدعاء والطمع في فضل الله، والرجاء لرحمته وهذا برهان مشاهد محسوس، لا ينكره إلا مباهت مكابر، يدعونه في مطالب دينهم فيجيبهم، وفي مطالب دنياهم فيجيبهم }فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا{ (سورة البقرة آية 200 – 202).

ومن براهين وجود الله ووحدانيته وربوبيته ما يجريه الله على أيدي أنبيائه من خوارق الآيات والمعجزات والبراهين القاطعات، وما يكرمهم به في الدنيا وينصرهم، ويجعل لهم العواقب الحميدة، ويخذل أعداءهم ويعذبهم بأصناف العذاب وهذا قد تواتر تواتراً لا يتواتر شيء مثله، وكل أحد يعرف ذلك. وآيات الأنبياء ومعجزاتهم وكرامات الله لهم نقلتها القرون والأجيال وصارت أعظم من برهان الشمس والقمر، وهي كلها براهين على ربوبية من أرسلهم وعظمة سلطانه وكمال قدرته وسعة علمه وحكمته، وما ينكرها إلا كل متكبر جبار.

ون أعظم براهين وحدانيته ما أنزله على أنبيائه عموماً من الكتب والشرائع العظيمة التي فيها صلاح الخلق وبها استقام دينهم وصلحت دنياهم وخصوصاً هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ‬ خاتمهم وإمامهم، وفيه من البراهين والآيات ما لا يعبر عنه المعبرون، ولا يقدر أن يصفه الواصفون وآياته قائمة في جميع الأوقات متحدية للخلق كلهم على اختلاف أصنافهم، وقد تبين عجزهم ووضح غيهم، }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ{ سورة فصلت آية 53، }وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ{ سورة النحل آية 89.

فمن نظر إلى ما احتوى عليه القرآن من الأخبار الصادقة والأحكام العادلة والشرائع المحكمة والصلاح العام وجلب المنافع الدينية والدنيوية ودفع المضار والخير العظيم، اضطر إلى الاعتراف بأنه تنزيل من حكيم حميد، ورب كريم.

وكذلك من نظر إلى ما جاء به الرسول ﷺ‬ من الشرع الكامل والدين القويم والصراط المستقيم في كل شئونه، اضطره بعض ذلك، فكيف بكله؟ إلى الاعتراف بوحدانية الله وأن الذي شرعه هو الرب العظيم الحكيم في شرعه ودينه، كما هو حكيم في خلقه وتقديره.

ومن براهين وحدانية الله أن الفطر والعقول مضطرة إلى معرفتها بباريها والاعتراف بوحدانيته، فإن الخلق مفطورون على جلب المنافع ودفع المضار؛ ومن المعلوم لكل عاقل أن حاجة النفوس إلى خالقها وإلهها أعظم من جميع الحاجات، وضروراتها إليه تفوق كل الضرورات، فهي مضطرة إلى علمها بأنه خالقها وحده، مالكها وحده ومبقيها وحده، وممدها بمنافعها وحده، }فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ{ سورة الروم آية 30، ولم يخرج عن هذه الفطرة إلا من اجتالتهم الشياطين وحولت فطرهم وغيرتها بالعقائد الفاسدة والخيالات الضالة والآراء الخبيثة والنظريات الخاطئة، فلو خلوا وفطرهم لم يميلوا لغير ربهم، منيبين إليه في جلب المنافع ودفع المضار ومنيبين إليه في التأله والانكسار، قال ﷺ‬ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها" (رواه البخاري ومسلم وغيرهما).

ومن براهين وحدانيته وكرمه ما هو مشهور في حوادث لا تعد ولا تحصى، من إكرام الله تعالى للواصلين لأرحامهم، وخلفه العاجل على المحسنين على المضطرين، والمنفقين لأجله على المحتاجين، وتعويضه لهم وفتحه لهم أبواباً وأسباباً وطرقاً بسبب ذلك الإحسان الذي له الموقع الطيب، وقد علم الخالق أن ذلك سببه تلك الأعمال الصالحة والمقدمات الحسنة، ألا يدلك ذلك على أن الله قائم على كل نفس بما كسبت، وأن هذا جزاء معجل وثواب حاضر، نموذج لثواب الآخرة؟ وأفراد ذلك ونوعه لا تدخل تحت الحصر، وهذا أمر لا يمتري فيه أحد قد رأى الناس من هذا عجائب.

ونظير هذا البرهان العقوبات التي يعجلها الله للباغين والظالمين والمجرمين بحسب جرائمهم عقوبات يشاهدها الناس رأي العين ويعلمون ويتيقنون أن ذلك جزاء الجرائم. فمن تأمل وسمع الوقائع وأيام الله في الخلق وعلم ارتباطها بأسبابها الحسنة أو السيئة، علم بذلك وحدانية الله وربوبيته وكمال عدله وسعة فضله، فضلاً عن وجوده ووجوب وجوده، فإن كل ما دل على شيء من أوصافه أو أفعاله فإنه يتضمن إثبات ذاته ووجوب وجوده، وعلم استناد العوامل العلوية والسفلي إليه في إيجادها وإبقائها وحفظها وإمدادها وجميع أحوالها والله أعلم.

واعلم أن طرق معرفة الله واسعة جداً بحسب حاجة الخلق وضرورتهم إليها، وكل يعبر عنها بعبارات إما كلية وإما جزئية بحسب الحال التي تحضره وبحسب الأمور التي تغلب عليه، وإلا فكل ما خطر في القلوب وشاهدته الأبصار وأدركته المشاعر، وكل متحرك وساكن أدلة وبراهين على وحدانية الله.

وفي كـل شـيء لـه آية

تدل عـلى أنه واحد

ولكن الجزيئات تسبق إلى الأذهان وتفهمها القلوب ويحصل بها النفع العاجل لسهولتها وبساطتها وكونها تدرك بالبديهة، فلنذكر أمثلة وحكايات من هذا النوع للمتقدمين ولأهل هذا العصر.

سئل بعضهم بم عرفت ربك؟ فقال: إن البعرة تدل على البعير وآثار السير تدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟.

واجتمع طائفة من الملاحدة ببعض أهل العلم أظنه أبي حنيفة قالوا له: ما الدلالة على وجود الصانع؟ فقال لهم دعوني فخاطري مشغول بأمر غريب قالوا له ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها فقالوا له أمجنون أنت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: إن هذا لا يصدقه عاقل. فقال لهم: صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة وهذا الفلك الدوار السيار يجري، وتحدث هذه الحوادث بغير محدث وتتحرك هذه المتحركات بغير محرك؟ فرجعوا على أنفسهم بالملام.

وقيل لبعضهم: بم عرفت ربك؟ فقال: هذه النطفة التي يلقيها الفحل برحم الأنثى فيطورها الله من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى آخر أطوارها فيكون بشراً سوياً كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، له سمع يسمع به المسموعات، وبصر يبصر به، وعقل يهتدي به إلى مصالحه، ويدان يبطش بهما؛ ورجلان يمشي بهما، وله منافذ يدخل فيها ما يغذي البدن وينفعه، ومنافذ أخر يخرج منها ما يضره، وقد ركب هذا التركيب العجيب الذي لو اجتمعت الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم على إيجاد شخص واحد على هذا الوصف المحكم الغريب لعجزت معارفهم وقدرهم على ذلك، أليس ذلك دليلاً وبرهاناً على وجود الخالق وعظمته وكبريائه قلت: وقد كرر الله هذه الآية في كتابه في أساليب متنوعة.

وقيل لبعضهم بم عرفت ربك؟ فقال: بنقض العزائم، ومعنى ذلك أن العبد يعزم عزماً مصمماً على أمر من الأمور وليس عنده فيه أدنى تردد، ثم بعد ذلك تنتقض همته وعزمه إلى أمر آخر قد يرى فيه مصلحته وما ذاك إلا لأن الله على كل شيء قدير، يصرف القلوب كما يدبر الأبدان وأنه لطيف بعبده فيصرفه عما يضره إلى ما ينفعه، ويدبر قلبه إلى ذلك.

وسئل بعضهم بم عرفت ربك؟ فقال: كنت مكروباً فدعوته ففرج كربتي، وكنت فقيراً فسألته فأغناني، وكنت مريضاً فدعوته فشفاني، وكنت ضالاً عن الهدى فلطف بي وهداني، وليس هذا الأمر لي وحدي فكم له على عباده من أصناف النعم المشاهدة المحسوسة، من هذه الأنواع شيء كثير وهذا يضطر إلى معرفته والاعتراف بربوبيته وتربيته.

وسئل آخر بم يُعرف الله؟ فقال: قد رأينا ورأى الناس في الدنيا مصارع البغاة المجرمين وعواقبهم الوخيمة، كما رأوا حسن عواقبه في المحسنين.

وقيل لآخر بم يُعرف الله؟ فقال: بإيصاله النعم إلى خلقه وقت الحاجة والضرورة إليها، هذا الغيث ينزله وقت الحاجة ويرفعه إذا خيف منه الضرر وهذا الفرج يأتي بعد الشدة، والمطالب بعد الاضطرار إليها، وهذه أعضاء الإنسان وقواه يعطيه الله إياها شيئاً فشيئاً بحسب حاجته إليها. فهل يمكن أن تكون هذه الأمور صدفة بغير اتفاق، أم يعلم بذلك علم اليقين أن الذي أعطاهم إياها وقت الحاجة والضرورة هو الرب المعبود الملك المقصود؟.

قلت ومن هذا الباب ما نحن فيه فإنه لما كانت معرفة الله يضطر إليها العباد ويحتاجونها في كل وقت فوق جميع الحاجات يسرها الله وفتح لعباده طرقها وأوضح لهم أدلتها، وليست حاجتهم إليها من الحوائج العارضة، وإنما هي من الحوائج الملازمة لهم في كل لحظة وساعة، فنسأله أن يمن علينا بعرفته وبالإيمان الكامل إنه جواد كريم.

وقيل لبعضهم بأي شيء يعرف الله؟ فقال: يعرف بأنه علم الإنسان ما لم يعلم، خرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً، فأعطاه آلات العلم ويسر له أسباب العلم، فلم يزل يتعلم أمور دينه حتى صار عالماً ربانياً، ولم يزل يتعلم أمور دنياه حتى صار ماهراً مخترعاً للعجائب، ويسر له كل سبب يوصله إلى ذلك، ومن عجيب الأمر أن اللوح إذا كتب فيه وشغل بشيء من الأشياء لم يسع غيرها، ولم يمكن أن يكتب فيه شيء آخر قبل محو ما كتب فيه أو لا، وقلب الإنسان لا يزال يحفظ من العلوم والمعارف المتنوعة، وكلما توسعت معارفه قويت حافظته واشتدت ذاكرته وتوسعت أفكاره، فهل هذه الأمور في طوق البشر وقدرتهم؟ أم هذا أكبر برهان على عظمة الله ووحدانيته وكماله وسعة رحمته؟.

وقيل لبعضهم بم يعرف الله؟ فقال هذه النواة يغرسها الناس فيأتي منها النخيل والأشجار، وتخرج من الثمار العظيمة ما به ينتفع الخلق، وهذه الحبوب تلقى في الأرض فتخرج أصناف الزروع التي هي مادة أقوات العباد؛ ثم لا تزال تعاد وتغل كل عام أليس هذا أكبر برهان ودليل على وجود الله وقدرته وعنايته ورحمته.

قلت، وقد نبه الله على هذا المعنى الجليل في عدة آيات مثل قوله: }إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى{ سورة الأنعام آية 95 ، }أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ{ سورة الواقعة آية 63 – 64.

وقيل لمن بادر إلى الإيمان بمحمد ﷺ‬ لم فعلت ذلك؟ فقال: رأيته ما أمر بشيء فقال العقل ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به، فاستدل بنور عقله وقوة بصيرته على صدق الرسول بصلاح ما جاء به وموافقته للعقول السليمة وللحكمة.

وقيل لآخر من العارفين: بأي شيء يعرف الله؟ فقال: بذوق حلاوة الطاعات، وهذا استدلال برهاني وجداني يضطر العبد إلى كمال الإيمان واليقين، فإن من وجد حلاوة الإيمان وذاق لذة اليقين، فقد بلغ الذروة العليا من الإيمان والله أعلم.

وقيل لآخر بأي شيء يعرف الله؟ فقال: بانتظام الأسباب ثم بتحويله الأسباب ومنع مسبباتها، وبإيجاده الأشياء بغير أسباب يعقلها الخلق، وهذا صحيح فإنه أجرى الأمور على أسبابها ومسبباتها قدراً وشرعاً حكمة بالغة، ومنع بعض الأسباب من ترتب آثارها عليها، كما في معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وكذلك يوجد كثيراً من الأشياء بغير الأسباب المعهودة، كما أوجد عيسى من أم بلا أب، ويحيى بين أبوين لا يولد لمثلهما وأشياء كثيرة من هذا النوع ليعرف العباد أنه المتصرف التصرف المطلق وأنه كما يتصرف في الأشياء بأسباب مربوطة معلومة، كذلك يتصرف فيها بغير المعهودة، ولذلك كان جمهور هذا النوع من المعجزات والكرامات وهي كلها براهين على وحدانية الله وإلهيته وربوبيته.

وقيل لبعضهم بم يعرف الله؟ قال: من نظر في مواد الرزق وتأمل حالة من لهم موجودات وعقارات وغلات كثيرة ولكنهم قد اتكلوا عليها فضاقت عليهم الأمور وركبتهم الديون وجاءت الأمور على خلاف ما يؤملون، ثم انظر إلى أناس كثير ليس لهم عقارات ولا غلات؛ وإنما عندهم أسباب بسيطة قد بارك الله لهم وبسط لهم الرزق، وذلك بأن قلوبهم على الدوام متطلعة إلى ما عند الله، راجية منه تسهيل الرزق، متوكلين عليه حق التوكل؛ وبذلك يعرف الله، وبذلك يعلم أن الأمر كله لله، كما ننظر إلى القوي من الناس الذي جمع بين القوة والذكاء، وبين السعي الحثيث ورزقه مقتر، ونرى الضعيف البليد الذي ليس عنده من الذكاء والقوة عشر معشار ما عند الأول، والله قد بسط له الرزق ويسر له أمره، وهذه أمور مشاهدة محسوسة تضطر العاقل إلى الاعتراف بوحدانية الله وقيامه على كل نفس بما كسبت.

وقيل لآخر بأي شيء نعرف ربنا؟ فقال: بمداولته الأيام بين العباد في العز والذل، والغنى والفقر بأسباب وبغير أسباب.

وقيل لآخر بأي شيء يعرف الله؟ فقال: بقوله تعالى: }وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا{ سورة هود آية 6 ، فننظر مصداقها بين الخليقة وأن كل أحد قد يسر الله له من أسباب الرزق ما به يعتاش، هذا بتجارته، وهذا بصناعته، وهذا بحراثته، وهذا بخدمته، وهذا بمخلفات من قبله، وهذا بتنميته للمواشي، وهذا بإحسان غيره عليه، وهذا بكد غيره. إلى آخر الأسباب التي قدرها العزيز الحكيم ونوعها العليم الرحيم، فسبحان من وصل رزقه إلى الذرات في مهامه البراري وقعور المظلمات.

قلت: وهذه الأجوبة كلها عن الكليات والجزئيات صحيحة تضطر العقول إلى الاعتراف بربها، وبوحدانيته ويمكن مضاعفتها إلى أضعاف أضعاف كثيرة، فإنك إذا نظرت نظرة عمومية إلى العالم العلوي والسفلي وعظيم هذه المخلوقات وانتظامها العجيب وترتيبها المحكم وما يترتب على ذلك وينتج عنه من مصالح العالم أو المخلوقات، علمت أن لهذا العالم رباً عظيماً وملكاً كبيراً قادراً مقتدراً قد خضعت له الأكوان ودانت له الخليقة، وأخذ بنواصي العباد وعلمت أن هذه النيرات وما يتبعها مدبرات ليس لها من الأمر شيء، وإنما هي عبيد لله مسخرات بتسخيره مدبرات بتدبيره. ثم إذا نظرت لكل مخلوق على حدته وتأملت في ابتداء خلقته وفي بقية صفاته وأحواله وتنقلاته، دلك ذلك على أن لها إلهاً مدبراً ورباً متصرفاً، وأن جميع ما هو عليه من الوجود والصفات ليس من نفسه، ولا من إيجاده، وإنما ذلك خلق رب عظيم وتدبير ملك حكيم.

ثم إذا تأملت في أحوال نفسك، وفي صفات بدنك الظاهرة والباطنة وفي محسوساتك ومعقولاتك علمت بلا ريب أنك مخلوق، عبد فقير إلى ربك في كل أمورك، فقير إليه في الإيجاد، وفقير إليه في الإمداد بالقوى والعقل والأرزاق، وفقير إليه في حفظك وبقائك، وفقير إليه في ابتدائك وانتهائك.

ثم إذا نظرت في خوارق العادات وفي معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء التي لا يحصي عددها العادون، علمت بذلك عظمة الباري، وأنه مقدر الأمور ومسبب الأسباب ورب كل شيء ومليكه، وكذلك إذا نظرت كثرة إجابته للدعاين، وكشفه الضر عن المضطرين، وإغاثته للملهوفين وهي وقائع كثيرة لا حصر لها، اضطرك الأمر إلى الاعتراف بالربوبية والوحدانية.

ثم إذا نظرت إلى أيامه في الناس، وقيامه بالعدل والفضل وتعجيله ثواب المحسنين وعقوبات المجرمين؛ علمت أنها براهين محسوسة وأدلة مشاهدة، تشهد لله بأنه قائم على كل نفس بما كسبت، مجاز كل عامل بعمله.

ثم إذا نظرت في دينه وشرعه وما فيه من الخير العظيم والمصالح الظاهرة والثمرات الجليلة، وأنه مصلح للعقائد مصلح للأخلاق، مصلح للأعمال مصلح للدنيا والدين، محكم الأصول ثابت القواعد، لا يمكن عقلاء الأمم أجمعين أن يأتوا بمثله في إصلاح أحوال البشر ودفع الشرور عنهم، وأنه لم يأت ولن يأتي علم صحيح يناقض شيئاً من أخباره، بل كلها مطابقة للعقول وفيها تفصيلات لا تهتدي إليها العقول إلا بإرشاده وهدايته، وشاهدت أحكامه في العبادات والمعاملات وغيرها، وما فيها من الخير والعدل والصلاح المتنوع؛ وشاهدت كل نفع وإصلاح وجد ويوجد موجودة أصوله وأسسه في هذا الدين، وعلمت أنه عصمة للبشر عن الشرور والمضار عرفت بذلك وحدانية الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه شرع العزيز الحميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وإذا علمت أخباراً كثيرة أخبر بها الله ورسوله، فشاهد الخلق وقوعها جهراً طبق خبر الله وخبر رسوله، دلك ذلك على الاعتراف بالله وعظمته وكمال سلطانه وكبريائه.

فهذه كلها أدلة عقلية ضرورية، وهي براهين قاطعة على وجود الله ووجوبه ووحدانيته؛ وهي في الحقيقة أعظم الحقائق الصحيحة التي تتفق عليها العقول الصحيحة والفطر السليمة، وكلها تنبيهات وإشارات لو بسطت بعض البسط لبلغت مجلدات، والمؤمن يزداد بها إيماناً ويقيناً، وإلا فهو مكتف غاية الاكتفاء ومستغن غاية الاستغناء في هذه المسألة الكبيرة وغيرها بخبر الله ورسوله، ويعتقد بلا ريب أنه لا أصدق من الله قيلاً، ولا أصدق من الله حديثاً، }رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا{ سورة آل عمران من آية 193. }رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ{ سورة آل عمران آية 53.

ولكن العقل مؤيد للشرع ومعترف بكمال الشرع وهدايته وأنه مضطر إلى الشرع ومكتمل بإرشاداته، ومهتد بأنواره، فالعقول لا تستنير ولا تستقيم حق الاستقامة إلا بالدين والشرع، ولهذا يكثر تعالى من قوله: }لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{ ويأمر بالتفكر والتدبر لآياته المسموعة وآياته المشهودة والله أعلم([224]).

فائدة

الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:

أحدهما النظر في مفعولاته.

والثاني التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة. فالنوع الأول كقوله: }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ{ إلى آخرها([225] وقوله: }إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ{([226]) وهو كثير في القرآن. والثاني كقوله: }أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ{([227]) وقوله: }أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ{([228]) وقوله: }كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ{([229])، وهو كثير أيضاً.

فأما المفعولات فإنها دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات، فإن المفعول يدل على فاعل فعله، وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه؛ لاستحالة صدور الفعل الاختياري من معلوم أو موجود لا قدرة له ولا حياة ولا علم ولا إرادة، ثم ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دال على إرادة الفاعل، وأن فعله ليس بالطبع بحيث يكون واحداً غير متكرر، وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى، وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته، وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال على غضبه، وما فيها من الإكرام والتقريب والعناية دال على محبته، وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته، وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثم سوقه إلى تمامه ونهايته دال على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النبات والحيوان وتصرف المياه دليل على إمكان المعاد، وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات، وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها فمفعولاته من أدل شيء على صفاته وصدق ما أخبرت به رسله عنه؛ فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبهة على الاستدلال بالآيات المصنوعات. قال تعالى: }سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ{([230] أي: أن القرآن حق، فأخبر أنه لابد أن يريهم من آياته المشهودة ما يبين لهم أن آياته المتلوة حق، ثم أخبر بكفاية شهادته على صحة خبره بما أقام من الدلائل والبراهين على صدق رسله، فآياته شاهدة بصدقه، وهو شاهد بصدق رسوله بآياته، فهو الشاهد والمشهود له، وهو الدليل والمدلول عليه، فهو الدليل بنفسه على نفسه كما قال بعض العارفين: كيف أطلب الدليل على من هو دليل لي على كل شيء، فأي دليل طلبته عليه فوجوده أظهر منه. ولهذا قال الرسل لقومهم: }أَفِي اللهِ شَكٌّ{([231]) فهو أعرف من كل معروف وأبين من كل دليل. فالأشياء عرفت به في الحقيقة وإن كان عرف بها في النظر والاستدلال بأفعاله وأحكامه عليه([232]).


بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين

 باب معرفة الله عز وجل والإيمان به(*)

عن أبي هريرة t قال قال رسول الله ﷺ‬: "قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" رواه مسلم.

وعن أبي موسى t قال قام فينا رسول الله - ﷺ‬ - بخمس كلمات فقال: "إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه. يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" رواه مسلم.

وعن أبي هريرة t مرفوعاً "يمين الله ملأى([233]) لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض" أخرجاه.

وعن أبي ذر t قال رأى رسول الله - ﷺ‬ - شاتين ينتطحان فقال: "أتدري فيم ينتطحان يا أبا ذر؟ قلت: لا، قال: لكن الله يدري وسيحكم بينهما" رواه أحمد([234]).

وعن أبي هريرة t أن رسول الله - ﷺ‬ - قرأ هذه الآية }إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا{ - إلى قوله }إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا{ ويضع إبهاميه على أذنيه والتي تليها على عينيه. رواه أبو داود وابن حبان وابن أبي حاتم.

وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - ﷺ‬ - قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله. لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله تبارك وتعالى" رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس بن مالك t قال: قال رسول الله ﷺ‬ : "الله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها فقال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" أخرجاه.

وعن أبي موسى t أن رسول الله  ﷺ‬ قال: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه مسلم.

ولهما عن عمر t قال: قَدِمَ عليَّ رسول الله - ﷺ‬ - بسبي هوازن فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبياً في السبي فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته فقال النبي - ﷺ‬ - "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا لا والله.! فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها".

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله - ﷺ‬ - "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي" رواه البخاري.

ولهما عنه أن رسول الله - ﷺ‬ - قال: "جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا وأنزل في الأرض جزءًا واحداً فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" ولمسلم معناه من حديث سلمان وفيه "كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض" وفيه "فإذا كان يوم القيامة كملها بهذه الرحمة".

وعن أنس t قال: قال رسول الله - ﷺ‬ـ "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته" رواه مسلم.

وله عنه مرفوعاً "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها".

وعن أبي ذر t قال: قال رسول الله - ﷺ‬ - "أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد لله([235]) تعالى والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى" رواه الترمذي وقال حديث حسن.

(قوله) لو تعلمون ما علم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً في الصحيحين من حديث أنس.

ولمسلم عن جندب t مرفوعاً "قال رجل والله لا يغفر الله لفلان" فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك».

وله عن أبي هريرة t مرفوعاً "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" وللبخاري عن ابن مسعود t قال: قال رسول الله - ﷺ‬ - "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك".

وعن أبي هريرة t مرفوعاً "إن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له موقها فسقته فغفر لها به" وقال "دخلت النار امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض" قال الزهري لئلا يتكل أحد ولا ييأس أحد أخرجاه.

وعنه مرفوعاً "عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل" رواه أحمد والبخاري.

وعن أبي موسى الأشعري t قال: قال رسول الله ﷺ‬ "وما أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم" رواه البخاري.

وله عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ‬ "إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى يا جبريل([236]) إن الله يحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه([237]) فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض([238])".

وعن جرير بن عبد الله البجلي t قال: كنا جلوساً عند النبي - ﷺ‬ - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" فافعلوا ثم قرأ (فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها). رواه الجماعة وعن أبي هريرة t أن رسول الله - ﷺ‬ - قال: "إن الله تبارك وتعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افتضرته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءلته ولابد له منه" رواه البخاري.

وعنه أن رسول الله - ﷺ‬ - قال: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" متفق عليه.

وعن أبي موسى الأشعري t قال: قال رسول الله - ﷺ‬ - "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" رواه البخاري. (باب) قول الله تعالى (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير).

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ‬ - من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ‬ إذ رمى بنجم فاستنار فقال "ما كنتم تقولون إذا رمي بمثل هذا؟" قالوا كنا نقول ولد الليلة عظيم أو مات عظيم فقال: "إنها لم ترم لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا عز وجل إذا قضى أمراً سبحت حملة العرش حتى يسبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا فيقول الذين يلون حملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال فيستخبر أهل السموات بعضهم بعضاً حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيلقونه إلى أوليائهم فما جاءوا به على وجهه فهو الحق ولكنهم يقذفون ويزيدون" رواه مسلم والترمذي والنسائي.

وعن النواس بن سمعان t قال: قال رسول الله ﷺ‬: "إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفاً من الله عز وجل فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا. أو قال خروا لله سجداً فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل عليه السلام فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يمر جبرائيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول: }قال الحق وهو العلي الكبير{ فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل" رواه ابن جرير وابن خزيمة والطبراني وابن أبي حاتم واللفظ له.

(باب) قول الله تعالى: }وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{.

عن أبي هريرة t قال سمعت رسول الله - ﷺ‬ - يقول: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ رواه البخاري.

وله عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - ﷺ‬ - قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك" وفي رواية عنه: أن رسول الله - ﷺ‬ - قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر }وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{ ورسول الله - ﷺ‬ - يقول هكذا بيده يحركها ويقبل بها ويدبر يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول الله - ﷺ‬ - المنبر حتى قلنا ليخرن به" رواه أحمد ورواه مسلم عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كيف يحكي عن رسول الله - ﷺ‬ - قال: يأخذ الله سمواته وأرضيه بيديه فيقبضهما فيقول أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها فيقول أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله - ﷺ‬ ـ.

وفي الصحيحين عن عمران بن حصين t قال: قال رسول الله - ﷺ‬ - "اقبلوا البشرى يا بني تميم" قالوا قد بشرتنا فأعطنا قال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن قالوا قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر قال كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء قال فأتاني آت فقال يا عمران انحلت ناقتك من عقالها قال فخرجت في أثرها فلا أدري ما كان بعدي([239]).

وعن جبير بن محمد بن مطعم عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ‬ - فقال يا رسول الله جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بك على الله وبالله عليك فقال رسول الله - ﷺ‬ - "ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سمواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالركب" رواه أحمد وأبو داود.

وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله - ﷺ‬ - "قال الله عز وجل كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك - أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" وفي رواية عن ابن عباس - رضي الله عنهما - "وأما شتمه إياي فقوله لي ولد وسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً" رواه البخاري ولهما عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله - ﷺ‬ - "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"([240]).

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.




([1]) سورة سبأ آية 23.

([2]) سورة الزمر آية 67.

([3]) كتاب القول السديد في مقاصد التوحيد لابن سعدي رحمه الله تعالى ص6.

(*) وهذا النوع يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

([4]) عبر بقوله: "وما فعل " بصيغة الماضي - لأن ما توعد الله به أهل الشرك متحقق ثابت بموتهم مشركين. فكأنه وقع فعلاً - وذلك التعبير - بصيغة الماضي الواقع عما سيكون يوم القيامة - كثير في القرآن.

([5]) شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ص29.

([6]) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص33.

([7]) عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ‬ قال: "قال موسى يا رب علمني سيئاً أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى لا إله إلا الله. قال يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن - غيري - والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله" رواه ابن حبان والحاكم وصححه.

([8]) رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم.

(*) كتاب القول السديد في مقاصد التوحيد ص16-19.

([9]) القواعد الحسان لتفسير القرآن ص17، 18 للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله.

([10]) الفاتحة آية 2.

([11]) سورة الأنعام من آية 164.

([12]) سورة مريم آية 93.

([13]) سورة الفرقان آية 63.

([14]) سورة الزمر آية 36.

([15]) سورة الإسراء آية 1.

([16]) سورة البقرة من آية 23.

([17]) المصدر السابق ص111 - 112.

([18]) المصدر السابق ص192.

([19]) سورة فاطر آية 15.

([20]) سورة النمل آية 62.

([21]) سورة البقرة آية 165.

([22]) سورة الأنعام 162 ، 163.

([23]) سورة المائدة آية 72.

([24]) سورة الزمر آية 14.

([25]) سورة الشورى آية 11.

([26]) سورة الإخلاص.

(*) مجموع الرسائل المفيدة المهمة في أصول الدين وفروعه، (منشورات المؤسسة السعيدية ص1-16).

([27]) سورة العصر آية 1-3.

([28]) سورة محمد آية 19.

([29]) سورة المزمل آية 15 ، 16.

([30]) سورة الجن آية 18.

([31]) سورة المجادلة آية 22.

([32]) سورة الذاريات آية 56.

([33]) سورة النساء آية 36.

([34]) الفاتحة آية 1.

([35]) سورة فصلت آية 37.

([36]) سورة الأعراف آية 54.

([37]) سورة البقرة آية 21 – 22.

(*) حقوق دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة للشيخ محمد الصالح العثيمين ص 5 – 9.

([38]) سورة النحل آية 78.

([39]) سورة طه آية 132.

([40]) سورة الذاريات آية 56 – 58.

([41]) سورة النحل آية 53.

([42]) سورة الحج آية 78.

([43]) سورة اتغابن آية 16.

([44]) رواه البخاري وغيره.

([45]) وهي تنفع الفقير ولا تضر الغني.

([46]) سورة البقرة آية 185.

([47]) سورة آل عمران آية 185.

([48]) زاد المعاد لابن القيم (1/2).

([49]) من الآية (28) من سورة الزخرف.

([50]) سورة آل عمران الآية (18) وانظر مجموعة التوحيد (105 ، 167).

([51]) من الآية (56) من سورة الذاريات.

([52]) من الآية (25) من سورة الأنبياء.

([53]) من الآية (2) من سورة النحل.

([54]) كلمة الإخلاص لابن رجب ص52 – 53.

([55]) رواه مسلم في الإيمان برقم (23).

([56]) رواه البخاري (3/255) ومسلم في الإيمان برقم (19).

([57]) رواه الحاكم (1/528) وابن حبان برقم (2324) موارد الظمآن.

([58]) الترمذي في الدعوات رقم (3579).

([59]) رواه الترمذي رقم (2641) في الإيمان والحاكم (1/5 – 6) وغيرهما.

([60]) كلمة الإخلاص لابن رجب 54 – 66.

([61]) معنى لا إله إلا الله ومقتضاها وآثارها في الفرد والمجتمع للدكتور صالح الفوزان ص 10 – 15.

([62]) المصدر السابق ص33 ، 34.

([63]) رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه.

([64]) الآية (23) من سورة الزخرف.

([65]) تيسير العزيز الحميد بشرح كتاب التوحيد ص66 ، 67.

([66]) سورة البقرة من آية 256.

([67]) سورة النحل من آية 36.

([68]) رواه مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن النبي ﷺ‬.

([69]) سورة المائدة آية 72.

([70]) سورة الأنفال من آية 72.

([71]) سورة العنكبوت آية 65.

([72]) رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير كلهم عن ابن عمر وذكره البخاري تعليقاً في الصحيح في الجهاد.

([73]) مجموعة التوحيد ص 396.

([74]) سورة محمد من آية 19.

([75]) سورة الزخرف آية 86.

([76]) بياض بالأصل، وهو معلوم مما تكرر مراراً في المجموعة.

([77]) رواه البزار عن أبي سعيد ورمز السيوطي لصحته.

([78]) متفق عليه من حديث عتبان بن مالك.

([79]) أشار إلى ما في حديث الصحيحين من أن المنافق والمرتاب إذ سئل في القبر: "ما علمك بهذا الرجل؟ يعني النبي ﷺ‬ ، قال: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته".

(*) مجموعة التوحيد ص398.

([80]) سورة الذاريات آية 56.

([81]) سورة البقرة آية 21.

([82]) انظر الفواكه الشهية لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ص24 رحمه الله تعالى.

([83]) سورة البقرة آية 255.

([84]) ذكر الحافظ الذهبي جماعة من السلف أطلقوا هذه العبارة انظر كتاب العلو صفحة 171 ط2 السلفية.

([85]) سورة الأنعام آية 59.

([86]) سورة الملك آية 14.

([87]) سورة النساء آية 14 و 116.

([88]) سورة الزلزلة آية 7.

([89]) سورة المؤمنون آية 102

([90]) سورة الانشقاق آية 7 – 8.

([91]) سورة الانشقاق آية 10 – 12.

([92]) الضمير يعود إلى الصراط أي أن المؤمنين ينجون عليه من نار جهنم.

([93]) الواو للعطف فالجملة معطوفة على قوله بأن الله إله واحد.

([94]) ما لم يستحله يشير إلى الرد على الخوارج الذي يكفرون المسلم بفعل المعصية انظر شرح الطحاوية بتحقيق أحمد شاكر ص 261.

([95]) سورة إبراهيم آية 27.

([96]) شجر: اضطرب واختلف الأمر بينهم.

([97]) سورة الذاريات آية 56.

([98]) سورة الحجر آية 99.

([99]) سورة النساء آية 113.

([100]) سورة البقرة آية 163 – 164.

([101]) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني (انظر تفسير ابن كثير 1/218).

([102]) سورة غافر آية 60.

([103]) سورة الأعراف آية 55.

([104]) سورة النمل آية 62.

([105]) عن أنس وهو حديث ضعيف.

([106]) سورة مريم آية 93.

([107]) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ص 14 – 15 للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى.

([108]) انظر تفسير ابن كثير 1/356.

([109]) سورة الروم آية 41.

([110]) سورة الروم آية 20.

([111]) سورة التين آية 4.

([112]) سورة الشورى آية 29.

([113]) سورة آل عمران آية 190.

([114]) سورة فصلت آية 37.

([115]) سورة يونس آية 6.

([116]) سورة الشورى آية 32.

([117]) سورة الروم آية 48.

([118]) سورة النبأ آية 14 – 16.

([119]) سورة الروم آية 46.

([120]) سورة النمل آية 62.

([121]) سورة النمل آية 63.

([122]) تمام الآية }أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ{ سورة النمل آية 64.

([123]) سورة النمل آية 64.

([124]) سورة الروم آية 22.

([125]) تمام الآية }إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ{ سورة الروم آية 23.

([126]) تمام الآية }وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ{ سورة الروم آية 19.

([127]) سورة النحل آية 5.

([128]) سورة النحل آية 80.

([129]) سورة يس آية 73.

(*) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1/216 ، 217.

([130]) سورة الأعراف آية 43.

([131]) سورة فاطر آية 45.

([132]) رواه البخاري ومسلم.

([133]) سورة الواقعة آية 24.

([134]) رواه البخاري ومسلم.

([135]) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني.

(*) أصول المنهج الإسلامي ص19.

([136]) سورة الذاريات آية 56.

([137]) سورة الأعراف آية 179.

([138]) سورة التوبة آية 29.

([139]) سورة محمد آية 19.

([140]) سورة النساء آية 136.

([141]) الصحيحين.

([142]) صحيح مسلم.

([143]) متفق عليه.

([144]) رواه الحاكم في مستدركه وصححه الترمذي وحسنه.

([145]) تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص53.

([146]) رواه الخمسة إلا أبا داود.

([147]) سورة الرعد آية 11.

([148]) د. صالح الفوزان - الخطب المنبرية.

([149]) مجموع فتاوى ابن تيمية ج 28/32 جمع عبد الرحمن بن قاسم ط الأولى مطبعة الحكومة 1381 هـ.

([150]) قطعة من حديث أخرجه البخاري في اللباس ومسلم في الإيمان.

([151]) رواه البخاري تعليقاً في كتاب الجنائز باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ج 3/109.

(*) سورة آل عمران آية 133 – 134.

([152]) أخرجه البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان.

([153]) أخرجه البخاري في الزكاة ومسلم في الإيمان.

([154]) سورة محمد آية 19.

([155]) سورة الزخرف آية 86.

([156]) والحديث روي في صحيح مسلم.

([157]) سورة ص آية 5.

([158]) سورة الحجرات آية 15.

([159]) فتح المجيد ص36.

([160]) سورة الصافات آية 35 ، 36.

([161]) حديث صحيح رواه النووي في الأربعين وصححه.

([162]) سورة النساء آية 65.

([163]) سورة البقرة الآيات 8 – 10.

([164]) التبيان في أقسام القرآن ص43.

([165]) سورة القصص آية 50.

(*) سورة البينة من آية 5.

([166]) صحيح البخاري في باب العلم.

([167]) رواه البخاري ومسلم.

([168]) الثامن من شروط كلمة التوحيد الكفر بما يعبد من دون الله. قال ﷺ‬ : "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل" رواه مسلم في صحيحه.

([169]) وقال حديث حسن ورواه البخاري في صحيحه تعليقاً.

([170]) رواه البخاري ومسلم.

([171]) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والواحدي في أسباب النزول.

([172]) انظر تفسير ابن كثير 4/570.

([173]) سورة الرحمن آية 29.

([174]) سورة الشورى آية 11.

([175]) انظر بدائع الفوائد لابن القيم ج1 ص 161 – 170 والقواعد الحسان لتفسير القرآن لابن سعدي ص 110.

([176]) سورة الشورى آية 11.

([177]) من رسالة سؤال وجواب في أهم المهمات للشيخ عبد الرحمن السعدي.

([178]) من شهد هذه الشهادة أدخله الله الجنة على ما كان من العمل كما في الحديث المتفق عليه.

([179]) من رضي بذلك ذاق طعم الإيمان وغفر له ذنبه ووجبت له الجنة وكان حقاً على الله أن يرضيه كما في الأحاديث الصحيحة التي رواها مسلم وغيره.

([180]) وهذه أصول الإيمان الستة التي لا ينفع بدونها.

([181]) وهذه كلمة الإخلاص من قالها عن علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وانقياد وقبول لها ولما دلت عليه، وجبت له الجنة وحرمه الله على النار فهذه الكلمة لا يعدلها شيء.

([182]) من كتاب تفسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن للشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ص14 – 15.

([183]) مقتطفات من العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

(*) أي بالاستعاذة من عذاب القبر.

([184]) الأجداث: القبور، وينسلون: يسرعون.

(*) مختارات من لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لشيخ الإسلام موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي المتوفى سنة 620 هـ.

([185]) من توضيح الكافية الشافية (نونية ابن القيم) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله ص 84 – 99.

([186]) رواه أحمد ومسلم وغيرهما.

([187]) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

([188]) سورة فاطر آية 2.

([189]) رواه مسلم.

([190]) سورة الأحقاف آية 5 ، 6.

([191]) من تفسير ابن سعدي جـ 7 ص166 ، 167 ط 1.

(*) انظر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ص 19 – 42 – 50.

([192]) المجموعة العلمية السعودية من درر علماء السلف الصالح حققها وراجع أصولها الشيخ عـبد الله بـن محـمد بـن حميـد رحمـه الله تعالى ص 46 – 48.

(*) منهاج المسلم لأبي بكر الجزائري ص83 – 85.

([193]) سورة النحل من آية 53.

([194]) سورة إبراهيم من آية 34 وسورة النحل آية 18.

([195]) سورة البقرة آية 152.

([196]) سورة نوح آية 13 ، 14.

([197]) سورة النحل آية 19.

([198]) سورة يونس آية 61.

([199]) سورة هود آية 56.

([200]) سورة الذاريات آية 50.

([201]) سورة المائدة آية 23.

([202]) سورة الأعراف من آية 156.

([203]) سورة الشورى من آية 19.

([204]) سورة يوسف من آية 87.

([205]) سورة الزمر من آية 53.

([206]) سورة الرعد من آية 11.

([207]) سورة البروج آية 12.

([208]) سورة آل عمران من آية 4.

([209]) سورة فصلت آية 22 ، 23.

([210]) سورة النور آية 52.

([211]) سورة النحل آية 97.

([212]) سورة الأنعام آية 160.

([213]) انظر رسالة التوضيح والبيان لشجرة الإيمان لابن سعدي.

([214]) سورة يونس آية 62 – 64.

([215]) سورة البقرة آية 257.

([216]) سورة التوبة آية 72.

([217]) سورة الحج آية 38.

([218]) سورة النحل آية 97.

([219]) سورة مريم آية 96.

([220]) سورة المجادلة آية 11.

([221]) سورة يونس آية 64.

([222]) سورة البقرة آية 5.

([223]) انظر المصدر السابق.

([224]) من كتاب الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة. للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى ص 246 – 268.

([225]) سورة البقرة آية 164.

([226]) سورة آل عمران آية 190.

([227]) سورة النساء آية 180 وسورة محمد آية 24.

([228]) سورة المؤمنون آية 68.

([229]) سورة (ص) آية 29.

([230]) سورة فصلت آية 53.

([231]) سورة إبراهيم آية 10.

([232]) الفوائد لابن القيم رحمه الله تعالى ص20.

(*) أصول الإيمان للشيخ العلامة محمد بن سليمان التميمي رحمه الله تعالى ص7 – 16.

([233]) كما ورد لفظ (يمين الله) في هذا الحديث عند مسلم كذلك ورد عند البخاري في باب (وكان عرشه على الماء) من كتاب التوحيد وقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في باب قوله تعالى (لما خلقت بيدي) من فتح الباري أن رواية (يمين الله) يتعقب بها على من فسر اليد في هذا الحديث بالنعمة.

([234]) في حديث أبي ذر من مسنده ومن طريقه أورده ابن كثير في تفسيره عند الآية الكريمة }ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون{.

([235]) في (خ.م) ملك واضع جبهتم ساجد وكذلك في مخطوطة سماحة المفتي.

([236]) في (خ.م) ومخطوطة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله نادى جبريل بدون حرف النداء.

([237]) من قوله "فيحبه جبريل" إلى "فأحبوه" في خ. م.

([238]) وقع هنا في المطبوعة إثر كلمة "ويوضع له القبول في الأرض" وقع إثرها ما نصه "والذي في صحيح البخاري أتم وسياقه بسنده عن أبي هريرة t عن النبي ﷺ‬ قال "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يجب فلاناً فأحبه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض انتهى من صحيح البخاري. وليست هذه العبارة فيما لدينا من مخطوطات هذا الكتاب وإنما فيها بعد قوله "ويوضع له القبول في الأرض" ما نصه "وعن جرير بن عبد الله البجلي كنا جلوساً عند النبي ﷺ‬ إذا نظر إلى القمر ليلة البدر" ولاشك في أن هذا أسلم وأبعد من التشويش الذي حصل بوجود تلك العبارة.

([239]) في (خ. م) ما قال بعدي.

([240]) المصدر السابق ص7 – 16.

رأيك يهمنا