إتحاف الأمة بفوائد مهمة

نبذة مختصرة

فهذه فوائد متنوعة في العقائد والأخلاق والآداب والعبادات والمعاملات جمعتها لنفسي ولأحبابي من المسلمين والمسلمات.

تنزيــل

تفاصيل

 إتحاف الأمة بفوائد مهمة

جمعها الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ‬ وعلى آله وصحبه أجمعين .

وبعد فهذه فوائد متنوعة في العقائد والأخلاق والآداب والعبادات والمعاملات جمعتها لنفسي ولأحبابي من المسلمين والمسلمات ، وهي مستفادة من كلام الله تعالى وكلام رسوله محمد ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله وغفر لنا ولهم ولوالدينا ولجميع المسلمين وسميتها "إتحاف الأمة بفوائد مهمة".

أسأل الله تعالى أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أو قرأها أو سمعها فعمل بها وأن يجعها خالصة لوجهه الكريم ومن أسباب الفوز لديه بجنات النعيم وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


 فوائد مهمة

 1- الخلق العظيم

الخلق العظيم الذي وصف به الله محمداً ﷺ‬ هو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقاً وحقيقته المبادرة إلى إمتثال ما يحبه الله بطيب نفس وانشراح صدر.

 2- أرجح المكاسب

أرجح المكاسب : التوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به وأخذ المال بسخاوة نفس من غير أن يكون له في القلب مكانة ولكنه يسعى في تحصيله وتنميته لإقامة ما عليه من واجبات ومستحبات وللاستغناء عن الخلق.

 3- أكمل أنواع طلب العلم

وأكمل أنواع طلب العلم أن تكون همة الطالب مصروفة في تلقي العلم الموروث عن النبي ﷺ‬ وفهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه واتباع ذلك وتقديمه على غيره وليعتصم في كل باب من أبواب العلم بحديث عن الرسول ﷺ‬ من الأحاديث الصحيحة الجوامع([1]).

 4- الشكر

وهو مبني على خمس قواعد : خضوع الشاكر للمشكور له، وحبه له، واعترافه بنعمته والثناء عليه بها وأن لا يستعملها فيما يكره.

 5- الحياء

الحياء خلق ناشيء عن حياة القلب ورؤية الآلاء (النعم الغزيرة ) ورؤية التقصير في حقوق ربه، ويثمر اجتناب المحرمات والقيام بالواجبات ولهذا قال ﷺ‬: "الحياء لا يأتي إلا بالخير" متفق عليه.

 6- الجود والبخل

البخل هو منع الحقوق الواجبة ثمرة الشح، والإيثار ثمرة الجود، والجود عشر مراتب: الجود بالنفس، والجود بالراحة، والجود بالعلم، والجود بالمال، والجود بالجاه، والجود بنفع البدن، والجود بالعرض، والجود بالعفو عن جنايات الخلق، والجود بالخلق والبشر والبسطة، والجود بتركه ما في أيدي الناس، وهذا غير الجود بالمال ولكل واحدة من هذه ثمرات جليلة طيبة.

 7- الأدب

الأدب إجتماع خصال الخير في العبد وهو ثلاثة أنواع:

أدب مع الله تعالى بأن يصون قلبه أن يلتفت إلى غيره أو تتعلق إرادته بما يمقته عليه ويصون معاملته أن يشوبها بمعصية.

وأدب مع الرسول ﷺ‬ بكمال الإنقياد وتلقي خبره بالقبول والتسليم والتصديق وأن لا يعارضه بغيره بوجه من الوجوه.

وأدب مع الخلق بمعاملتهم على إختلاف مراتبهم بما يليق بهم ويناسب حالهم.

 8- الأخلاق

الدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان: الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فالصبر يحمله على الإحتمال وكظم الغيظ والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة.

والعفة تحمله على إجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل.

والشجاعة تحمله على عفة النفس وإيثار معاني الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها أمسك عنانها عن النزع والبطش، وحقيقة الشجاعة ملكة يقتدر بها على قهر خصمه.

والعدل يحمله على إعتدال أخلاقه وتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط فمنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة، ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان الجهل والظلم والشهوة والغضب([2]).

وجماع حسن الخلق مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والإستغفار والثناء والزيارة له، وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال، وتعفوا عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض وبعض هذا واجب وبعضه مستحب([3]) .

 9- الصراط المستقيم

القول الجامع في تفسير "الصراط المستقيم" هو الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله وجعله موصلاً لعباده إليه ولا طريق لهم سواه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل به ومعرفة ما بعث الله به رسله والقيام به علماً وعملاً واعتقاداً ودعوةً فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها وقطب رحاها([4]) .

 10- ما أمر الله به أن يوصل

قال تعالى: }وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ{ [سورة الرعد آية: 21] يدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه وحق الله وحق خلقه فيصلون ما بينهم وبين الله بالقيام بحق عبوديته والإجتهاد في تكميلها ظاهراً وباطناً، وأمرنا أن نصل ما بيننا وبين الرسول ﷺ‬ بالإيمان به وتصديقه وتحكيمه في كل شيء واتباعه وتقديم محبته على محبة كل أحد، وأمرنا أن نصل ما بيننا وبين الوالدين ببرهم وبصلة الأرحام والقيام بحق الجيران والأصحاب والعيال والمعاملين وجميع المخالطين بأن نأتي إليهم ما نحب أن يأتوه إلينا، وأن نصل ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمهم ونستحي منهم فهذا كله مما أمر الله به أن يوصل([5]).

 11- قاعدة في الإنابة

الإنابة التي تكرر ذكرها في القرآن أمراً ومدحاً وترغيباً وآثاراً جميلة هي: الرجوع إلى الله وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه وهي تتضمن المحبة والخشية والناس في إنابتهم درجات متفاوتة: فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من         المخالفات والمعاصي والحامل عليها الخوف والعلم. ومنهم المنيب إلى الله في أنواع العبادات فهو ساع بجهده، ومصدرها الرجاء ومطالعة الوعد والثواب، وهؤلاء أبسط نفوساً من الأولين وكل منهما منيب بالأمرين، ولكن يغلب الخوف على الأولين والرجاء على الآخرين.

ومنهم المنيب إليه بالتضرع والدعاء وكثرة الإفتقار وسؤال الحاجات كلها مع قيامهم بالأمر والنهي.

ومنهم المنيب إلى الله عند الشدائد فقط إنابة إضطرار لا إنابة إختيار.

وأعلى أنواع الإنابات: إنابة الروح بجملتها إليه لشدة المحبة الخالصة المغنية لهم عما سوى محبوبهم، وحين أنابت إليه لم يتخلف منهم شيء عن الإنابة فإن الأعضاء كلها رعيتها وأدت وظائفها كاملة فساعة من إنابة هذا أعظم من إنابة سنين من غيره. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء([6]) .

 12- قاعدة شريفة

الناس قسمان: علية وسفلية، فالعلية من عرف الطريق إلى ربه وسلكها قاصداً للوصول إليه، والسفلية من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها، والطريق إلى الله واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلاً لمن سلكه إلى الله. فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه إلى ربه طريق العلم والتعليم قد وفر عليه زمانه مبتغياً به وجه الله فلا يزال عاكفاً على طريق العلم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله تعالى ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه.

ومنهم من يكون سيد عمله الذكر، ومنهم من يكون سيد عمله الصلاة، ومنهم من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدي، ومنهم من يكون طريقه الصوم، ومنهم من يكون طريقه كثرة تلاوة القرآن ومنهم من طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهم من طريقه الحج والإعتمار، ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة ومنهم الجامع الفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عينيه وقد شارك أهل كل عمل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم([7]).

 13- قاعدة نافعة

العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره والأيام والليالي مراحل فلا يزال يطويها حتى ينتهي السفر، فالكيس لا يزال مهتماً بقطع المراحل فيما يقربه من الله ليجد ما قدم محضراً ثم الناس منقسمون إلى أقسام منهم من قطعها متزوداً ما يقربه إلى دار الشقاء من الكفر وأنواع المعاصي ومنهم من قطعوها سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام وهم ثلاثة أقسام : سابقون أدوا الفرائض وأكثروا من النوافل بأنواعها وتركوا المحارم والمكروهات وفضول المباحات، ومقتصدون أدوا الفرائض وتركوا المحارم، ومنهم الظالم لنفسه الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وهم في ذلك متفاوتون تفاوتاً عظيماً([8]) .

 14- أحكام المغالبات

المغالبات ثلاثة أقسام :

الأول: محبوب مرضي لله ورسوله معين على محابه كالسباق بالخيل والإبل والسهام فهذا يشرع مفرداً عن الرهن ويشرع فيه كل ما كان ادعى إلى تحصيله فيشرع فيه بذل الرهن من هذا وحده ومنهما معاً ولم يكن فيه محلل على الصحيح، ومن الأجنبي، وأكل المال به أكل بحق ليس أكلاً بباطل، وليس من القمار والميسر في شيء.

والنوع الثاني: مبغوض مسخوط لله ورسوله موصل إلى ما يكرهه الله ورسوله كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالنرد والشطرنج وما أشبهها، فهذا محرم لوحده ومع الرهان. وأكل المال به ميسر وقمار كيف كان سواء من أحدهما أو من كليهما أو من ثالث، وهذا باتفاق من المسلمين. فأما إن خلا عن الرهان فهذا حرام عند الجمهور.

الثالث: ليس بمحبوب لله ولا مسخوط له بل هو مباح لعدم المضرة الراجحة كالسباق على الأقدام والسباحة وشيل الأحجار والصراع ونحو ذلك فهذا النوع يجوز بلا عوض، وأما مع العوض فلا يحل لأن تجويز أكل المال به ذريعة إلى إشغال النفوس به واتخاذه مكسباً لاسيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس فتشتد رغبتها فيه من الوجهين فأبيح بنفسه لأنه إعانة وإجمام للنفس وراحة لها وحرم أكل المال به لئلا يتخذ صناعة ومتجراً فهذا من حكمة الشريعة ونظرها في المصالح والمفاسد ومقاديرها.

والمسابقة على حفظ القرآن وأخذ الرهان فيه وفي الحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة والإصابة في المسائل، جوزه أصحاب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية وصورة مراهنة الصديق لكفار قريش على صحة ما أخبرهم به([9]) وثبوته ولم يقم دليل على نسخه، وقد أخذ الصديق رهنهم بعد تحريم القمار، والدين قيامه بالحجة والجهاد فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد فهي بالعلم أولى بالجواز وهذا هو القول الراجح([10]) .

 15- كليات الأحكام

النبي ﷺ‬ قد نص على كليات الأحكام ما يحرم من النساء وما يحل، فجميع أقارب الرجل من النساء حرام عليه إلا بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته، وحرم في الأشربة كل ما يسكر وقد حصر المحرمات في قوله تعالى }قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ{ [سورة الأعراف آية 32] فكل ما حرم تحريماً مطلقاً عاماً لا يباح في حال فهو داخل في هذه المذكورات، وجميع الواجبات في قوله: }قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ{ [الآية 29 سورة الأعراف] . فالواجب كله محصور في حق الله وحق عباده، وحق الله على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحقوق عباده العدل، ثم أنه تعالى فصل أنواع الفواحش والبغي وأنواع حقوق العباد في مواضع آخر، ففصل المواريث ومن يستحق الإرث ممن لا يستحقه وما يستحق الوارث بالفرض والتعصيب وبين ما يحل من المناكح وما يحرم وغير ذلك من نصوصه الكلية التي لا يشذ عنها شيء([11]).

 16- علامات صحة القلب

1- كثرة ذكر الله تعالى سراً وجهراً وخدمته في كل حال بلا عجز ولا ملل.

2- إذا فات الإنسان ورده مثل الصلاة مع الجماعة والقراءة وأذكار الصباح والمساء من ليل أو نهار تألم لذلك وتحسر على فواته.

3- شحه بالوقت يمضي ضياعاً بلا علم ولا عمل ولا ذكر كالشحيح ببذل المال.

4- الاهتمام بالله وحده دون سواه.

5- ذهاب الهم في الدنيا وقت الصلاة والاهتمام بها وشدة الخروج منها.

6- الاهتمام بتصحيح الأقوال والأعمال وإخلاص النيات وتخليص النصيحة من غير غش يمازج صفوها والحرص على اتباع الأمر والنهي الشرعي. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم([12]) .

 17- أقسام المشهود عليه

1- ما لا يقبل فيه إلا أربعة شهود عدول يصرحون برؤيتهم له وهو الزنا واللواط.

2- ما لا يقبل فيه إلا ثلاثة رجال وهو من عرف بغني إذا ادعى أنه فقير ليأخذ من الزكاة.

3- ما لا يكفي فيه إلا رجلان عدلان كالحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة.

4- ما يقبل فيه رجلان أو رجل وامرأتان أو شاهد ويمين المدعي وهو المال وما يقصد به المال.

5- ما يقبل فيه شهادة امرأة عدل وهو ما لا يطلع عليه الرجال غالباً من عيوب النساء والرضاع والجراحات التي لا يحضرها إلا النساء.

6- ما يقبل فيه شهادة الكفار كالوصية في السفر إذا تعذر وجود غيرهم([13]).

 18- قسوة القلب([14])

قال ابن القيم رحمه الله:

ما عوقب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله وما خلقت النار إلا لإذابة القلوب القاسية. فإذا قسا القلب قحطت العين.

وقسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة. وكما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فهي المواعظ.

ثم قال رحمه الله:

من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته. لأن القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها.

والقلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها، شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخر لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم من الفوائد، إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ونقي من الفساد رأى العجائب وألهم الحكم.

خراب القلب من الأمن والغفلة وعمارته من الخشية والذكر.

لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة. وقال: إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله. فمتى يصل إلى مقصده.

 19- قال ابن القيم رحمه الله (فائدة جليلة)([15])

إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده... تحمل الله سبحانه حوائجه كلها... وحمل عنه كل ما أهمه..... وفرغ قلبه لمحبته.... ولسانه لذكره.... وجوارحه لخدمته وطاعته.

وإذا أصبح وأمسى والدنيا همه..... حمله الله همومها وغمومها وأنكادها.... ووكله إلى نفسه.... فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق - ولسانه عن ذكره بذكرهم وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم.... فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره.... كالكير ينفخ بطنه.... ويعصر أضلاعه في نفع غيره فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته.... قال تعالى: }وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ{ ([16]). وقال رحمه الله:

كيف يسلم؟: من له زوجة لا ترحمه... وولد لا يعذره... وجار لا يأمنه..... وصاحب لا ينصحه...... وشريك لا ينصفه..... وعدو لا ينام عن معاداته.... ونفس أمارة بالسوء..... ودنيا متزينة، وهوى مرد..... وشهوة غالبة له....... وغضب قاهر وشيطان مزين..... وضعف مستول عليه..... فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها.... وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة ([17]).

وقال: أطلب قلبك في ثلاثة مواطن:

1-                عند سماع القرآن.

2-                وفي مجالس الذكر.

3-                وفي أوقات الخلوة.

فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك([18]).

 20- فائدة في دواء القلب

قال بعض العلماء دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع بالأسحار، ومجالسة الصالحين. قال الشاعر:

دواء قلبك خمس عند قسوته

فدم عليها تفز بالخير والظفر

خلاء بطن، وقرآن تدبره

كذا تضرع باك ساعة السحر

كذا قيامك جنح الليل وأوسطه

وأن تجالس أهل الخير والخبر

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

ومفتاح حياة القلب: تدبر القرآن والتضرع بالأسحار وترك الذنوب التي تميت القلوب.


قال الشاعر:

رأيت الذنوب تميت القلوب

وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب

وخير لنفسك عصيانها

وقد قال النبي ﷺ‬ : "إن العبد إذا أذنب ذنباً كان نكتة سوداء في قلبه فإذا استغفر صقل قلبه، فإن عاد إلى الذنب عاد السواد حتى يسود قلبه فذلك، الران الذي قال الله تعالى: }كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ{ [سورة المطففين آية 14]"، رواه أصحاب السنن وقال الترمذي حسن صحيح.

 21- فائدة نافعة، وقاعدة جامعة

من كتاب روضة المحبين لابن القيم([19])

قال: ما حرم الله على عباده شيئاً إلا عوضهم خيراً منه كما حرم الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه بالاستخارة، وحرم الربا وعوضهم عنه التجارة الرابحة وحرم القمار وأعاضهم عنه المسابقة النافعة، وحرم عليهم الحرير فعوضهم عنه أنواع الملابس الفاخرة، وحرم الزنا واللواط فأعاضهم عنه بالنكاح بالنساء الحسان، وحرم عليهم شرب الخمر وأعاضهم عنه الأشربة اللذيذة المتنوعة وحرم آلات اللهو وعوضهم عنها سماع القرآن وحرم عليهم الخبائث من المطاعم وغيرها وعوضهم عنها الطيبات.

فمن تلمح هذا وتأمله هان عليه ترك الهوى المردي واعتاض عنه بالمنافع المجدي وعرف حكمة الله ورحمته في الأمر والنهي.

 22- فائدة

خمس سنن عن رسول الله ﷺ‬ في إجابة المؤذن:

أحدها: الصلاة عليه ﷺ‬ .

الثانية: أن يقول مثل ما يقول المؤذن([20]).

الثالثة: أن يدعو له ﷺ‬ بالوسيلة والفضيلة والمقام المحمود.

والرابعة: أن يقول رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً([21]).

والخامسة: أن يدعو الله بعد إجابة المؤذن وصلاته على رسوله وسؤاله له الوسيلة فإن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة.

فهذه خمسة وعشرون سنة في اليوم والليلة لا يحافظ عليها إلا السابقون([22]).

 23- قاعدة أحكام النساء على النصف من أحكام الرجال في مواضع

1- الميراث قال تعالى }يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ{ [سورة النساء، آية: 11].

2- الدية فدية المرأة الحرة المسلمة نصف دية الرجل الحر المسلم قال ابن المنذر وابن عبد البر أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل ([23]).

3- العقيقة وهي الذبيحة عن المولود عن الغلام شاتان وعن البنت شاة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ‬ "أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" رواه الترمذي وصححه والمراد التكافؤ في السن مما يجزئ في الأضحية.

4- الشهادة قال الله تعالى: }وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى{ [الآية 282 من سورة البقرة].

5- العتق وهو تحرير الرقبة المملوكة وتخليصها من الرق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ‬ : "أيما امرئ مسلم أعتق امرءًا مسلماً استنقذ الله به بكل عضو منه عضواً منه من النار" متفق عليه وللترمذي وصححه عن أبي أمامة رضي الله عنه: "وأيما امرئ مسلم اعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار" فيعدل عتق امرأتين بعتق رجل في الفكاك من النار كما دل عليه الحديث.

6- عطية الأولاد في الحياة فإن المشروع أن يكون على سبيل الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين.

7- الصلاة فإن المرأة تسقط عنها الصلاة أيام الحيض وأكثر مدة الحيض عند بعض العلماء خمسة عشر يوماً وهي نصف الشهر، والصحيح أنه لا حد لأقل الحيض ولا أكثره كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع من العلماء ([24]).

والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

 24- الكفارات في الشريعة الإسلامية

(فائدة) 1- كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. كما في سورة المائدة آية رقم 89.

2-3- وكفارة الظهار عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.

كما في سورة المجادلة آية 3-4 وهي كفارة الجماع في نهار رمضان.

4- وكفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.

كما في سورة النساء آية 92. وبالله التوفيق.

5- كفارة المجلس:

(سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك) رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم وقال الترمذي حسن صحيح.

 25- قاعدة مهمة

الأحكام الأصولية والفرعية لا تتم إلا بأمرين:

(1)                        وجود الشروط.

(2)                        وانتفاء الموانع.

وهذا أصل كبير مطرد الأحكام يرجع إليه في الأصول والفروع فمن فوائده:

إن كثيراً من نصوص الوعد بالجنة وتحريم النار ونحو ذلك قد ورد في بعض النصوص ترتيبها على أعمال لا تكفي وحدها بل لابد من انضمام الإيمان وأعمال أخرى لها.

وكذلك في نصوص ترتيب دخول النار أو الخلود فيها على أعمال لا تستقل بهذا الحكم بل لابد فيها من وجود شروطها وانتفاء موانعها. وبهذا الأصل يندفع إيرادات تورد على أمثال هذه النصوص.

والجواب الصحيح: أن يقال فيها ما ذكر في النصوص الصحيحة من الوعد والوعيد فهو حق وذلك العمل موجب له ولكن لابد من وجود الشروط كلها وانتفاء الموانع فإن الكتاب والسنة قد دلا دلالة قاطعة على أن من معه إيمان صحيح لا يخلد في النار كما دل الكتاب والسنة أن المشرك محرم عليه دخول الجنة وأجمع على ذلك السلف والأئمة، وأنه قد يجتمع في الشخص الواحد إيمان وكفر وخير وشر وموجبات الثواب وموجبات العقاب وذلك مقتضى النصوص ومقتضى حكمة الله ورحمته وعدله ([25]).

 26- الوسائل إلى أهم المقاصد

قد جعل الله لكل مطلوب طريقاً وسبباً، متى سلكه العبد أوصله بإذن الله ومشيئته إلى ذلك المطلوب، وبهذا يعلم افتقار الإنسان إلى معرفة الأسباب والوقوف عليها، ثم يستعين بالله على سلوكها ليتم له المطلوب فمتى بذل المجهود واستعان بالمعبود وأتى الأمور من أبوابها أفلح وأنجح. والخلل والنقص يأتي من فوات هذه الأمور الثلاثة أو أحدها.

 27- الإيمان بالله حقيقة والتقوى

جعل الله هذين الأمرين سببين وطريقين تنال بهما خيرات الدنيا والآخرة ويعصمان من شرورهما ومن كل مكروه، وكم لهذين الأمرين من الثمرات والفوائد والنتائج الطيبة التي لا تعد ولا تحصى، ومن تدبر الكتاب والسنة رأى الشارع رتب عليهما أموراً كثيرة وخيرات غزيرة ورتب على فقدهما ضد ذلك.

 28- حسن السؤال، وحسن الإصغاء والتفكر

وكثرة التأمل مفاتيح للعلوم كلها. والسعي في طلب الرزق في السبب المناسب لحال العبد مع الاتكال على الله، والثقة به سبب لحصول الرزق وبركته.

 29- الإلحاح في الدعاء

كل وقت مع قوة الرجاء سبب لحصول مطالب الدنيا والآخرة.

 30- الجزاء من جنس العمل

فمن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن شاق شاق الله به، ومن ضار ضار الله به، ومن تفرغ لعيوب الناس تفرغ الناس لعيوبه، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ومن قوي توكله على الله كفاه أمر دينه ودنياه، ومن توكل على نفسه أو على غيره، وكله الله إلى ما توكل عليه وخذله ولم يتم له مطلوبه، ومن نوى الخير والنصيحة للخلق يسر الله أمره وأثابه بالجزاء الجزيل، ومن نوى الشر والغش للخلق تعسرت عليه أموره وجوزي بالعقاب الوبيل.

 31- التواضع وحسن الخلق

تنال بالرغبة في مكارم الأخلاق ومعرفة ما لها من الثمرات الجليلة. ومعرفة النفس ومجاهدتها وتمرينها على ذلك يدرك به كل خلق جميل. كما أن إعجاب الإنسان بنفسه وسكر الرياسة والحمق جالبات لسوء الخلق.


 32- المثابرة على الأعمال والصبر عليها

والثبات وعدم اليأس أسباب لحصول نتائج الأعمال وثمراتها - وضد ذلك سبب للخيبة - وتوطين النفس على الواردات الكريهة سبب لسهولتها وعدم الانزعاج لوقوعها، ومن القواعد الأساسية قول الشاعر:

وقل من جد في أمر تطلبه

واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

 33- تعلق القلب بالله وحده واللهج بذكره

أسباب لزوال الهموم والغموم وانشراح الصدر والحياة الطيبة، والضد بالضد فلا أضيق صدراً وأكثر هماً ممن تعلق قلبه بغير الله، ونسي ذكر الله ولم يقنع بما آتاه الله، والتجربة أكبر شاهد.

 34- حسن النية والإخلاص لله سبب لتيسير الأمور

ونجاح الأعمال وكثرة فوائدها وثمراتها، والضد بالضد.

 35- الدعوة بالحكمة، والتربية بالحكمة والتعلم بالحكمة

سبب النجاح، ومعنى الحكمة وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، وإتيان الأمور من أبوابها وطرقها، ودعوة كل أحد بما يليق به ويناسب حاله. وتعليمه ما يستطيع فهمه ويتحمله ذهنه، وتربيته بالتدريج بالأسهل فالأسهل والتوفيق بيد الله.

 36- بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين

فإن اليقين يبصر العبد في عقائده وأخلاقه وأعماله، والصبر يحمله على السعي والعمل والجد والاجتهاد في الأمور النافعة، وبهما الكمال - والنقص من فقد الصنفين أو أحدهما.

 37- الشكر مقرون بالمزيد وسبب بقاء النعم وبركتها ونموها

وهو الاعتراف بنعم المولى والثناء عليه بها، والاستعانة بها على طاعته، وضد ذلك بضده.

 38- أكبر الأسباب للاهتداء بما جاء به الرسول

من الكتاب والسنة والوصول إلى الحق في جميع الحقائق والمطالب العالية، العلم اليقيني أن النبي ﷺ‬ هو الغاية في العلم والنصح والبيان، فهو أعلم الخلق على الإطلاق وأنصحهم للخلق، وأعظمهم بياناً للحق، ومتى علم المنصف كمال الرسول في هذه الأمور علم أن كل ما جاء به هو الحق، وأن كل ما خالف ذلك فهو باطل بلا ريب، يعلم ذلك بهذا الأصل الكبير الذي لا يسع مؤمناً إلا الاعتراف به، ثم يعرف بطلانه بتصوره والأدلة الدالة على بطلانه، فإنه محال أن يكون الحق في غير ما جاء به الرسول، وهذا يتضح بتتبع ذلك في أصول الدين وفروعه وقد بين أهل العلم ذلك غاية البيان.

 39- أقوى الأسباب للسلامة من كيد الشيطان

وطرقه قوة الإيمان بالله وقوة التوكل على الله، وكثرة ذكر الله، والاستعاذة بالله منه، والابتعاد عن جميع أسباب المعاصي والمبادرة للتوبة النصوح إذا وقع منها شيء.

 40- أسباب صحة الأبدان تدبير الأغذية

بأن لا يأكل مضراً بل يأكل المناسب له بقصد، بغير إسراف وبغير إدخال طعام آخر قبل انهضامه، والحمية عن جميع المؤذيات الداخلية والخارجية، والابتعاد عن أسباب الهم والغم ومعالجة الواقع منها، والابتعاد عن الروائح الخبيثة، وتنظيف البدن من الأوساخ والمسكن العذي والهواء الطري والرياضة.

والسعي في الأسباب الجالبة للحياة وسعة الصدر واستعمال الأدوية عند الضرورة إليها، وأما دوام استعمالها ولو لأقل سبب، فإنه ينفع من جهة ويضر من جهة أخرى، وقد يكون الضرر أكثر، فينبغي أن يجعل الدواء بمنزلة الأمور الضرورية.

ومن أسباب تحكم الآلام ووقوع الأسقام كثرة الأوهام وضعف القلب، كما أن قوة القلب والطمع في فضل الله والتوكل عليه في رفع النازل من البلاء، ودفع ما لم ينزل سبب قوي جداً في الصحة ودفع المؤذيات.

 41- أعظم الأسباب لنيل مغفرة الله ورحمته

الإيمان والتوبة والأعمال الصالحة والإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى الخلق والعفو عن الناس وجماع ذلك كله طاعة الله ورسوله، قال تعالى: }وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{ [آل عمران، آية: 132].

 42- شفاعة النبي ﷺ‬

تنال بكمال الإخلاص لله وبكثرة الصلاة والسلام عليه، وبحسب اتباعه في أقواله وأفعاله وهديه، وبمحبته وتوقيره ﷺ‬ وتقديم طاعته على طاعة كل أحد من الخلق.

 43- أسباب قبول الأعمال كثيرة وكلها ترجع إلى شيئين

الإخلاص لله والاتباع لرسول الله، فكل من كان أقوى إخلاصاً وأحسن اتباعاً كان أعظم قبولاً وأكثر مضاعفة وأجل ثواباً وأجراً.

 44- الصبر والثبات والمشاورة والتوكل

أكبر الأسباب لحصول النصر على الأعداء، لاسيما إذا انضم إلى ذلك القوة المادية والاستعداد بعلوم الحرب وفنونه، كما ذكر الله هذه الأسباب كلها في سورة الأنفال.

 45- الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة

والصدق في المعاملات تقترن به البركة ويقارنه الشرف والاعتبار، وضد ذلك بضده.

 46- الكسل مفتاح الحرمان، والكبر مفتاح كل شر

 47- الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم

والسماحة مفتاح لكل خير وسبب لكثرة الخير والفضائل، وخصوصاً إذا انضم إليها الصبر، فالصبر والسماحة آثارها جليلة وثمراتها جميلة ([26]).

 48- ومن ذلك أن النية أكبر الأسباب

وأنفعها وأقربها لحصول المقاصد النافعة، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ونية المؤمن خير من عمله لأن العمل بدون نية لا يثاب عليه والنية بلا عمل يثاب عليها.

 49- أصول وقواعد وضوابط جامعة نافعة

من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها أن أحكامها الأصولية والفروعية، والعبادات والمعاملات، وأمورها كلها لها أصول وقواعد تضبط أحكامها وتجمع متفرقاتها وتنشر فروعها، وتردها إلى أصولها. فهي مبنية على الحكمة والصلاح، والهدى والرحمة والخير والعدل، ونفي أضداد ذلك، فمن أصولها الجوامع:

1-                  أن الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما مفسدته ومضرته خالصة أو راجحة، لا يشذ عن هذا الأصل الكبير شيء من أحكامها.

2-                  الوسائل لها أحكام المقاصد، ويتفرع على هذا الأصل أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون وطرق الحرام والمكروه تابعة لها، ويتفرع عليها أن توابع العبادات والأعمال حكمها حكمها.

3-                  المشقة تجلب التيسير وجميع رخص الشريعة وتخفيفاتها متفرعة عن هذا الأصل.

4-                  الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة.

5-                  الشريعة مبنية على الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول، فهذان الأصلان شرط لكل عمل ديني، وينبني عليهما أن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، وينبني عليهما أيضاً أن الأصل في العبادات الحظر والمنع، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، ويتفرع أيضاً على ذلك أن الحيل التي تسقط الواجبات والحقوق أو تدخل في المحرمات ممنوعة. لا تحل ولا تنفذ، كما أن الحيل التي يتوصل بها إلى الحقوق ويدفع بها الظلم مباحة بل حسنة.

6-                  التكليف وهو البلوغ والعقل، شرط لوجوب العبادات كلها، والتمييز شرط لصحتها، إلا الحج والعمرة فيصح عمن لم يميز.

7-                  الأحكام الأصولية والفروعية لا تتم إلا بأمرين، وجود شروطها وأركانها، وانتفاء موانعها، وهي مبطلاتها ومفسداتها. ويتفرع على هذا الأصل أن مفسدات العبادات وغيرها ترجع إلى أحد أمرين: إما فقد شرط وركن وواجب، وإلا ارتكاب محظور يخص تلك العبادة وتلك المعاملة.

8-                  العادة والعرف يرجع إليه في كل حكم حكم به الشارع ولم يحده بحد، فإنه يرجع فيه إلى ما يتعارفه الناس بينهم في جميع المعاملات والحقوق وغيرها.

9-                  البينة على المدعي واليمين على من أنكر في جميع الحقوق والأموال والمعاملات وتوابعها.

10-             الأصل بقاء ما كان على ما كان، واليقين لا يزول بالشك في كل شيء من عبادة أو معاملة أو حق من الحقوق.

11-             لابد من التراضي في جميع العقود، سواء كانت معاوضات أو تبرعات.

12-             لابد أن يكون العاقد جائز التصرف.

13-             تنعقد العقود كلها بما دل عليها من قول أو فعل، ويستثنى من ذلك بعض العقود التي لابد فيها من القول.

14-             الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي.

15-             التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد أو يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقاً، أو يقال ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون والعكس بالعكس.

16-             لا ضرر ولا ضرار.

17-             العدل واجب في الحقوق كلها والفضل مستحب.

18-             من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.

19-             تضمن المثليات بمثلها والمتقومات بقيمتها.

20-             يرجع إلى القيمة إذا تعذر المسمى.

21-             جعل المجهول كالمعدوم.

22-             الغرر والميسر ممنوع في المغالبات وفي المعاوضات.

23-             الصلح جائز في كل المعاملات وفي الحقوق إلا إذا تضمن محذوراً من إسقاط واجب أو دخول في محرم.

24-             من سبق إلى المباحات فهو أحق بها.

25-             القرعة مشروعة إذا تعذر معرفة عين المستحق.

26-             قبول قول الأمناء في الذي تحت أيديهم من التصرفات والإتلافات وغيرها إلا ما خالف الحس والعادة.

27-             من وجب عليه أمر من الأمور أو حق من الحقوق ألزم به وأجبر عليه وكان الإجبار والإكراه بحق.

28-             من ترك المأمور جهلاً أو نسياناً لم تبرأ ذمته، ومن فعل المحظور وهو معذور بجهل أو نسيان برئت ذمته وتمت عبادته.

29-             البدل يقوم مقام المبدل ويحل محله، ولكن لا يرجع إليه إلا إذا تعذر الأصل.

30-             يجب تقييد الكلام بملحقاته من وصف أو شرط أو استثناء أو غيرها.

31-             الشركاء في الأملاك والحقوق والمنافع يلزم الممتنع منهم بما يعود على المشترك من الأمور الضرورية والمصارف والتعميرات ونحوها.

32-             الشركاء يشتركون في زيادات الأملاك المشتركة وفي نقصانها بحسب أملاكهم.

33-             الأحكام تتبعض بحسب تباين أسبابها، فيعمل كل سبب في مقتضاه، ولو باين الآخر.

34-             من أدى عن غيره واجباً بنية الرجوع رجع عليه.

35-             الوصف كاف في الأموال المجهول صاحبها.

36-             أسباب الضمان ثلاثة: مباشرة الإتلاف بغير حق أو التسبب لذلك، أو اليد الظالمة.

37-             إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح مصلحة على المرجوح، وإذا تزاحمت المفاسد ارتكب الأخف منها إذا اضطر أو احتيج للتناول، فيرتكب المكروه تفادياً عن الحرام، والمشتبه عن الواضح، وما كان أخف تحريماً على ما عظم تحريمه.

38-             الأصل في الأشياء الطهارة، فلا ينجس منها إلا ما تيقنا نجاسته.

39-             الأصل في الأشياء الحل والإباحة، فلا يحرم منها إلا الخبيثة التي نهى الشارع عنها.

40-             إذا خير الإنسان بين أمور، فإن كان واجباً عليه لمصلحته فهو تخيير تشه واختيار، وإن كان لمصلحة غيره، فهو تخيير اجتهاد في مصلحة الغير.

41-             من سقطت عنه العقوبة لموجب ضوعف عليه الضمان.

42-             من أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه، ومن أتلفه دفعاً لمضرته فلا ضمان عليه.

43-             عند اختلاف المتعاملين في صفة من صفات المعاملة يرجح أقواها وأرجحها دليلاً.

44-             إذا اختلف المتعاملان في شرط أو أجل، أو ادعى أحدهما فساده، فالقول قول من ينفيه حتى يقيم الآخر بينه.

45-             إذا عاد التحريم إلى نفس العبادة أو شرطها فسدت، وإذا عاد إلى أمر خارج صحت مع التحريم.

46-             يجوز تقديم العبادات أو الكفارات على سبب الوجوب، ويجوز تقديمها بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب وتحقيقه.

47-             يجب فعل المأمور به كله، فإن قدر على بعضه وعجز عن بعضه وجب عليه فعل ما قدر عليه، وسقط عنه ما عجز عنه، إلا أن يكون المقدور عليه وسيلة محضة، أو كان بنفسه لا يكون عبادة، فلا يجب فعل ذلك البعض.

48-             إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد تداخلت أفعالهما واكفتي منهما بفعل واحد.

49-             الأصل أن الأثر للعلة الموجودة ولو احتمل وجود غيرها.

50-             الأصل براءة الذمم.

51-             الأصل بقاء ما في الذمم حتى نجزم بزواله.

52-             إذا اشتغلت الذمة بوجوب عبادة أو حق وجب الاحتياط حتى يتيقن البراءة من ذلك الواجب والحق.

53-             استثناء المنافع المعلومة جائز في باب المعاوضات، ويجوز الاستثناء للمنفعة المجهولة في باب التبرعات.

54-             من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد، فإن قبضه لحظ مالكه وإحسانه إليه قبل قوله في الرد.

55-             إذا أدى ما عليه وجب له ما جعل له عليه.

56-             من ملك المنفعة فله المعاوضة عليها، ومن ملك الانتفاع دون المنفعة فليس له المعاوضة إلا بإذن.

57-             من لا يعتبر رضاه في عقد أو فسخ لا يعتبر علمه.

58-             من بيده مال تعذر عليه علم صاحبه تصدق به عن صاحبه بشرط الضمان إذا وجده، أو سلمه للحاكم وبرأ من تبعته.

59-             من له الحق على الغير وكان سبب الحق ظاهراً فله الأخذ من ماله بقدر حقه عند الامتناع أو التعذر، وإن كان السبب خفياً فليس له ذلك.

60-             الواجب بالنذر يلحق بالواجب بالشرع بشروطه.

61-             الفعل الواحد ينبني بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد دون ما زاد على العادة.

62-             الأصل أن الشركاء متساوون في أملاكهم بقدر رؤوسهم حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك.

63-             الحوائج الأصلية ليست بمال.

64-             يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.

65-             الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات معتبرة.

66-             القرائن إذا قويت قد يكون الحكم لها وتقدم على الأصل.

67-             العبرة في المعاملات بما في نفس الأمر.

68-             إذا تبين فساد العقد بطل ما بني عليه، وإن فسخ فسخاً تمت العقود الطارئة قبل الفسخ.

69-             لا عذر لمن أقر ولو ادعى غلطاً أو كذباً.

70-             يقوم الوارث مقام مورثه وينوب عنه في كل ما له وما عليه إلا ما استثني وهو خيار الشرط والشفعة على خلاف قوي في ذلك.

71-             المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً.

72-             ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح.

73-             إذا تضمن العقد ترك واجب أو دخول في محرم حرم ولم يصح وهذه مستخرجة من قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد.

74-             يجب حمل كلام الناطقين في العقود والفسوخ والإقرارات وغيرها على مرادهم مهما أمكن.

فهذه قواعد عظيمة نفعها لأهل العلم كبير لو بسطت وفصلت بعض التفصيل لجاء منها مجلد ضخم، والله أعلم([27]). انتهى من كتاب (الرياض الناضرة؟ والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة) ص130 – 239 للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى.

 50- قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل

ولابد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله عز وجل، فتعتصم به؛ فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية؛ بحول الله وقوته.

فنقول اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة، والخوف والرجاء. وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها، لأنها تراد في الدنيا والآخرة بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: }أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ{ (*) والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده؛ فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبداً لله لا لغيره.

فإن قيل فالعبد في بعض الأحيان؛ قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه، فأي شيء يحرك القلوب؟ قلنا يحركها شيئان:

أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب، لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به، ولهذا أمر الله عز وجل بالذكر الكثير، فقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً{ ([29]).

والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه، قال الله تعالى: }فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{([30] وقال تعالى: }وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ{([31] وقال تعالى: }وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً{([32] وقال تعالى: }وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا{([33]).

فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه، من تسخير السماء والأرض، وما فيها من الأشجار والحيوان، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة، من الإيمان وغيره، فلابد أن يثير ذلك عنده باعثاً، وكذلك الخوف؛ تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب ونحوه؛ وكذلك الرجاء؛ يحركه مطالعة الكرم؛ والحلم؛ والعفو؛ وما ورد في الرجاء والكلام في التوحيد واسع.

وإنما الغرض التنبيه على تضمنه الاستغناء بأدنى إشارة والله -سبحانه وتعالى- أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم([34]).

 51- الإيمان

أ- اسم الإيمان تارة يذكر مفرداً غير مقرون بغيره فيدخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، وتارة يقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح أو بالذين أوتوا العلم، فيكون الإيمان اسما لما في القلب، وما قرن معه اسمًا للشرائع الظاهرة، ثم أن نفي الإيمان عند عدمها دل على أنها واجبة، لأنه لا ينفي إلا لنفي بعض واجباته وأن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة.

ب- ومن لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه من الكفر والفسوق والعصيان لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه فإن من لم يكن مبغضاً لشيء من المحرمات أصلاً لم يكن معه إيمان أصلاً.

ج- والإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات، ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان فلابد أن يكون ترك واجباً أو فعل محرماً فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد.

د- ومن أسباب نور الإيمان وقوته سماع القرآن وتدبره ومعرفة أحوال النبي ﷺ‬ ومعجزاته والنظر في آيات الله والتفكر في ملكوت السموات والأرض والتأمل في أحوال نفس الإنسان، ومثل رؤية أهل الإيمان والنظر في أحوالهم والضرورات التي يحدثها الله للعبد يضطره بها إلى ذكر الله تعالى والاستسلام له واللجأ إليه، وقد يكون هذا سبباً لشيء من الإيمان، وهذا سبباً لشيء آخر، وسبب الإيمان وشعبه تارة من العبد وتارة من غيره، مثل من يقيض له من يدعوه إلى الإيمان ويأمره بالخير وينهاه عن الشر.

 52- (نعم الله العامة والخاصة)

أنعم الله على المكلفين بنعم أصولية وفروعية مشتركة بين البر والفاجر وخص المؤمنين بنعم أخرى بها تمت عليهم النعمة فأوجدهم بعد العدم وخلق لهم الأسماع والأبصار والعقول وجميع ما تتم به العافية وأعطاهم قوتين عظيمتين بها يوجدون أفعالهم ويختار كل منهم ما أراد من الأفعال الحسنة والقبيحة وهما المشيئة والإرادة والقدرة. وباجتماع القوتين تتم الأقوال والأفعال، ثم أنه كمل على جميعهم النعمة بأن مرهم أن يصرفوا مشيئتهم وإرادتهم إلى ما ينفعهم مما يحبه الله ويرضاه وأن يمتنعوا عما يكرهه الله وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب لتفصيل ما يحبه الله مما يكرهه والترغيب في هذا والترهيب من هذا بكل وسيلة وطريق، وأخبرهم بما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب، وأشهدهم نموذجاً من ذلك في دار الدنيا، وكل هذه الأمور وتوابعها اشترك فيها كل أحد فلم يبق لأحد على الله حجة، بل حجته ورحمته وصلت إليهم كلهم، ثم إنه تعالى خص المؤمنين بخصائص من رحمته بها آمنوا واهتدوا وعملوا الصالحات، وهو أنه حبب إليهم الإيمان وزينهم في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثم كلما فعلوا شيئاً من الهداية وقصدوا مراضي ربهم أمدهم بهدايات متنوعة ولطف بهم ويسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وحفظهم ودافع عنهم بإيمانهم السوء والفحشاء فاستقاموا على الصراط المستقيم بمنته ورحمته، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، أفبعد هذا يبقى حجة للمعاند وشغب للمكابر يحتج فيه بالقدر، ولم يبق إلا أن يقول كيف خص المؤمنين بما خصهم به دوننا، فيقال هذا فضله وإحسانه يؤتيه من يشاء، فلم يمنع الكافر والفاجر حقاً له يستحقه، بل منع عنه فضله الذي خص به المؤمنين لكمال حكمته ولعلمه أنه لا يستحق هذا الفضل لإعراضه عن ربه واعتراضه عليه }وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ{ [سورة الأنفال، آية: 23] (طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول ص201).

 53- أولياء الله

وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه المرسلون منهم وأفضل المرسلين أولوا العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله وسلم عليهم، وأفضل أولوا العزم محمد ﷺ‬ خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد والحوض المورود وشفيع الخلائق يوم القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقاً وأولهم بعثاً، ومن حين بعثه الله جعله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه فلا يكون ولياً لله إلا من آمن به وبما جاء به واتبعه ظاهراً وباطناً ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أوليائه بل من خالفه كان من أعدائه وأولياء الشيطان.

ومما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل فقد أحل الله رسوله ﷺ‬ في أعلاها وخصه بذروة سنامها فهو سيد الشاكرين وإمام الصابرين وأعظم المجاهدين وأشرف المتواضعين وأكمل النبيين وأقوى المتوكلين وأعلى العابدين، وهكذا جميع خصال الفضل والخير قد جمعها الله فيه وتبوأ أكملها وأعلاها. أ هـ من كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) لشيخ الإسلام ابن تيمية ص30.

 54- (نية المؤمن خير من عمله)

"نية المؤمن خير من عمله" هذا قاله غير واحد. وبعضهم يرفعه، وبيانه من وجوه:

أحدها: أن النية المجردة عن العمل يثاب عليها، والعمل بلا نية لا يثاب عليه.

الثاني: أن من رأى الخير وعمل مقدوره منه، وعجز عن إكماله. كان له أجر عامله. لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم".

الثالث: أن القلب ملك البدن، والأعضاء جنوده. فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث خبثت، والنية عمل القلب.

الرابع: أن توبة العاجز عن المعصية تصح عند أهل السنة، كتوبة المجبوب من الزنا، وكتوبة الأخرس عن القذف، وأصل التوبة: عزم القلب.

الخامس: أن النية لا يدخلها فساد. فإن أصلها حب الله ورسوله، وإرادة وجه الله، وهذا بنفسه محبوب لله ورسوله، مرضي لله ورسوله، والأعمال الظاهرة يدخلها آفات كثيرة، ولهذا كانت أعمال القلوب المجردة أفضل من أعمال البدن المجردة، كما قيل: قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسمه، والمنافق عكسه. والله أعلم ([35]).

 55- مفاتيح الخير والشر

مفتاح الجنة (لا إله إلا الله) وأسنانه شرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، وقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحاً يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهور، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية المحبة والذكر؛ ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الفلاح التقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده للتفكر فيه، ومفتاح الدخول على الله إسلام القلب وسلامته والإخلاص له في الحب والبغض، والفعل والترك، ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن والتضرع بالأسحار وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده، ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العز طاعة الله ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل.

وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم، ومعرفة مفاتيح أبواب الخير والشر لا يوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عظم حظه وتوفيقه، فإن الله سبحانه جعل لكل خير وشر مفتاحاً وباباً يدخل منه إليه، كما جعل الشرك والكبر والإعراض عما بعث الله به رسوله، والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحاً للنار، وكما جعل الخمر مفتاح كل إثم، وجعل الغناء مفتاح الزنا، وجعل إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب والعشق، وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان، وجعل المعاصي كلها مفتاح الكفر، وجعل الكذب مفتاح النفاق، وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم، وأخذ المال من غير حله، وجعل الإعراض عما جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة، وهذه الأمور لا يصدق بها إلا كل من له بصيرة صحيحة وعقل يعرف به ما في نفسه وما في الوجود من الخير والشر، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعلت مفاتيح له، والله من وراء توفيقه وعدله، له الملك وله الحمد، وله النعمة والفضل، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون([36]).

 56- الأسباب الجالبة لمحبة الله لعبده ومحبة العبد لربه عشرة

1-                  قراءة القرآن بالتدبر لمعانيه وما أريد به.

2-                  التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض كما في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" رواه البخاري.

3-                  دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال فنصيبه من المحبة على قدر هذا.

4-                  إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى.

5-                  مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة وميادينها.

6-                  مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة.

7-                  وهو أعجبها: انكسار القلب بين يديه.

8-                  الخلوة به وقت النزول الإلهي آخر الليل وتلاوة كتابه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

9-                  مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.

10-             مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.

فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة ودخلوا على الحبيب. اهـ من مدارج السالكين جـ 3 ص17 – 18.

 57- الأسباب التي يعتصم بها العبد من الشيطان عشرة هي

1-                  الاستعاذة بالله منه قال تعالى: }وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{ [سورة الأعراف آية: 2].

2-                  قراءة المعوذتين (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس).

3-                  قراءة آية الكرسي (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) الآية: 255 سورة البقرة.

4-                  قراءة سورة البقرة قال ﷺ‬ : "إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" رواه مسلم والنسائي.

5-                  قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) إلى آخر السورة.

6-                  قراءة أول (حم) المؤمن إلى (إليه المصير) الآيات 1 – 2 – 3 من سورة غافر في حديث ضعيف.

7-                  قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة - متفق عليه.

8-                  كثرة ذكر الله تعالى قال ﷺ‬ : "رأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاء ذكر الله فطرد الشيطان عنه" رواه الحافظ أبو موسى المديني وأخرجه الطبراني أيضاً.

9-                  الوضوء مع الصلاة.

10-             إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس.

وليعلم أن الناس أربعة أقسام: أحدها: من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة وهم العلماء بالله وأمره ومكائد عدوه وأمراض القلوب وأدويتها الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولخلقه فهذا في مخالطته الربح كله.

الثاني: من مخالطته كالدواء تحتاج إليه عند المرض فما دمت صحيحاً فلا حاجة لك في خلطته وهم من لا يستغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش والقيام بما أنت محتاج إليه.

الثالث: من مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه وهم من خلطته ضرر ديني أو دنيوي ومتى ابتليت بواحد من هؤلاء فلتعاشره بالمعروف حتى يجعل الله لك مخرجاً ومتى تمكنت من نقله إلى الخير فهي فرصة تغتنم.

الرابع: من في مخالطته الهلاك كله بمنزلة السم وهم أهل البدع والضلالة([37]).

 58- مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

مواطن الصلاة على النبي ﷺ‬ في الصلاة فرضها ونفلها، وصلاة الجنازة ودعاء القنوت، وفي الخطب وإجابة المؤذن والدعاء وعند دخول المسجد والخروج منه وعلى الصفا والمروة وعند ذكره وفي المجالس التي يجتمع فيها وعند الفراغ من التلبية، وإذا خرج إلى السوق أو إلى دعوة، وإذا قام من نوم الليل وعقيب ختم القرآن ويوم الجمعة وعند القيام من المجلس وعند المرور على المساجد ورؤيتها وعند الهم والشدائد وعند كتابة اسمه، وعند إلقاء العلم إلى الناس من تدريس أو قصص أو وعظ ونحوها وعقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه، وعند إلمام الفقر والحاجة أو خوف وقوعه، وعند خطبة الرجل المرأة في النكاح، وعند العطاس وبعد الفراغ من الوضوء، وعند الحاجة تعرض للعبد، وعند طنين الأذن وعقيب الصلاة وعند النوم وعند كل كلام ذي بال، وفي أثناء صلاة العيد وفي الصلاة عند ذكره ([38]).

 59- الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

وأما فوائد الصلاة على النبي ﷺ‬ فكثيرة: امتثال أمر الله وموافقة الله وموافقة ملائكته وتكفير السيئات وزيادة الحسنات ورفعة الدرجات، وكونه سبباً لإجابة الدعاء ولشفاعة محمد ﷺ‬ والقرب منه، ولكفاية الهم والغم وقضاء الحوائج، وسبب لصلاة الله على المصلي وصلاة ملائكته، وهي زكاة للمصلي وطهرة له وسبب للتبشير بالجنة والنجاة من النار، وسبب لرد النبي ﷺ‬ السلام، ولتذكير العبد ما نسيه، ولطيب المجلس، وأن لا يعود على أهله حسرة، ولنفي الفقر والبخل، وللنجاة من نتن المجلس الذي لا يذكر الله فيه ولا رسوله، ولتمام الكلام وبركته ولوفور نور العبد على الصراط، وللخروج من الجفاء، ولإبقاء الثناء الحسن للمصلى عليه بين السماء والأرض، وللبركة في ذات المصلي وعمره وعمله وأسباب مصالحه، ولنيل رحمة الله له، ولدوام محبته ﷺ‬ وزيادتها وتضاعفها ولمحبة الرسول للعبد وسبب لحياة القلب وهدايته وسبب عرض اسم المصلي على النبي ﷺ‬ وسبب لتثبيت القدم على الصراط والجواز عليه ولأداء أقل القليل من حقه، وهي دعاء من العبد، وسؤاله أن يثنى على رسوله ﷺ‬([39]).

 60- (مما ينبغي للمفتي)

ينبغي للمفتي أن يجيب السائل عن غير ما سأله إذا كان يتعلق بسؤاله أو تشتد إليه حاجته وأن يستفصل عما يظن فيه احتمالات، وأن ينبه السائل على موضع الاحتراز وأن يصور له الجواب ويوضحه ويذكر دليله ومأخذه وإذا كان مستغرباً فليقدم أمامه ما يكون مؤذناً به ودليلاً عليه، وله أن يحلف على ثبوت الحكم إذا كان فيه مصلحة وأن يفتي بلفظ النص ما وجد إليه سبيلاً، وإذا سئل فلينبعث من قلبه باعث الإخلاص والافتقار التام إلى ربه أن يلهمه الصواب ويسدده ولا يفتي إلا بعلم ولا يجوز له أن يشهد على الله ورسوله أنه أحل كذا أو حرم كذا، أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على حكمه.

ذكر ابن بطة عن الإمام أحمد أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:

أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.

الثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة.

الثالثة: أن يكون قوياً على ما هو عليه وعلى معرفته.

الرابعة: الكفاية وإلا مضغة الناس.

الخامسة: معرفة الناس. وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل من المفتي بحسبه ([40]).

 61- من الأعمال المشروعة للمسلم في اليوم والليلة

شرع الله للمسلم أعمالاً يومية يتقرب بها إلى ربه وتقوي إيمانه وتكون سبباً في حفظه وسلامته وسبباً في تكفير سيئاته ومضاعفة حسناته ورفع درجاته منها:

1-                  أربعون ركعة كان النبي ﷺ‬ يحافظ عليها في اليوم والليلة ولنا فيه أسوة حسنة على النحو التالي:

سبع عشرة ركعة الفرائض، وعشر ركعات أو اثنتا عشرة ركعة السنن الرواتب، وإحدى عشرة ركعة أو ثلاثة عشرة ركعة صلاة الليل والوتر، ومجموعها أربعون ركعة عدا النوافل المطلقة وصلاة الضحى كما تقدم.

2-                  ملازمة أذكار الصباح والمساء والنوم والانتباه والأكل والشرب والأذكار الواردة بعد السلام من الصلاة، وهي موجودة في كتب الأذكار.

3-                  قراءة ما تيسر من القرآن الكريم وينبغي أن لا ينقص عن قراءة جزء من القرآن يومياً.

4-                  ملازمة التوبة والاستغفار في الليل والنهار قال الله تعالى: }وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{([41]) وقال ﷺ‬ "يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة"([42]).

5-                  ملازمة أذكار الدخول والخروج بالنسبة للمسجد والبيت والحمام التي تطرد الشيطان وفي الحديث: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أبو داود.

6-                  ذكر الله كثيراً بلسانك وقلبك قائماً وقاعداً وعلى جنبك.

قال تعالى: }فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ{ ([43]) }أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ{ ([44]) }وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ{ ([45]) }وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{([46]) }الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ{([47]) وفي الحديث: "ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" ([48]) "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت" ([49]) وقال ﷺ‬ : فيما يرويه عن ربه تعالى: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" ([50]) وقال - عليه الصلاة والسلام: "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله" ([51]).

7-                  مراقبة الله تعالى في السر والعلانية ومحاسبة النفس ومجاهدتها في القول والعمل والفعل والترك، واعلم أيها المسلم أن الله تعالى يراك ويسمعك ويعلم ما يكنه ضميرك فاحذر أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك وقد وكل بك ملائكة حافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعل ويكتبون ما تقول فلا تملي عليهم إلا خيراً.

8-                  دعاء الله وحمده وشكره والثناء عليه }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{ ([52]) }وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ{ ([53]) }وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ{ ([54]) }وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ{ ([55]).

9-                  الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً ([56]).

 62- من جوامع الكلم

جمع النبي ﷺ‬ بين تقوى الله وحسن الخلق ([57])، لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته، وجمع ﷺ‬ بين الاستعاذة من المأثم والمغرم([58]) لأن المأثم يوجب خسارة الآخرة، والمغرم يوجب خسارة الدنيا، وجمع ﷺ‬ في قوله: "فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"([59]) بين مصالح الدنيا والآخرة، فإن من اتقى الله أدرك نعيم الآخرة ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها.

- قول النبي ﷺ‬: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم"([60]) هو فصل الخطاب في جميع المسائل طرداً وعكساً، فكلما كان تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فلابد من افتتاحه بالطهارة.

- قوله ﷺ‬: "خذوا عني مناسككم"([61]) هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإن كان قد فعل فعلاً على وجه الاستحباب فهو مستحب، وإن كان على وجه الوجوب فهو واجب.

- الأحاديث كلها الواردة في وصف صلاته ﷺ‬ تدل على معنى واحد، وهو أنه كان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام، وأن صلاته متوازنة متقاربة إن أطال القيام أطال الركوع والسجود وإن خفف القيام خفف الركوع والسجود.

 63- التخلية قبل التحلية

- قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان، فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها.

- إذا اجتمعت عبادتان، صغرى وكبرى، فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى، كالوضوء مع الغسل والعمرة مع الحج.

- قاعدة: ما أوجبه الشارع أو جعله شرطاً للعبادة أو ركناً فيها أو وقف صحتها عليه هو مقيد بحال القدرة لأنها الحال التي يؤمر فيها، وأما في حال العجز فغير مقدور ولا مأمور، فلا تتوقف صحة العبادة عليه.

 64- الصلح، وصرف الأموال والحنث في الأيمان

- الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً. والحقوق نوعان: حق الله لا مدخل للصلح فيه، كالحدود ونحوها، وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها، والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله، والجائر هو الظلم بعينه، وهو الميل مع أحد المتصالحين بغير نفع للآخر، فالصلح الجائز هو الذي يعتمد فيه رضى الله ورضى الخصمين.

- وصرف الأموال التي أخذت بغير حق في المصالح العامة أولى من إبقائها بأيدي الظلمة وصرفها فيما لا ينفع، إلا إذا أمكن ردها إلى أهلها كان هو الواجب.

- وجميع الأيمان إذا حنث فيها ففيها كفارة يمين سواء كانت بصيغة القسم أو التحريم أو الشرط أو غيرها لقوله تعالى: }قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ{ وروح اليمين ومقصودها هي التي يقصد بها الحث على الشيء أو المنع منه. ويتوسل إلى ذلك باليمين بأي نوع تكون.

 65- هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العشق

هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكن واستحكم. عز على الأطباء دواؤه، وأعيى العليل داؤه.

- وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى، المعرضة عنه، المتعوضة بغيره عنه، فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه، دفع ذلك عنه مرض عشق الصور. ولهذا قال تعالى في حق يوسف: }كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ{ [يوسف: 24] فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته. فصرف المسبب صرف لسببه.

- والمقصود: أن العشق لما كان مرضاً من الأمراض، كان قابلاً للعلاج، وله أنواع من العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيل إلى وصل محبوبه شرعاً وقدراً، فهو علاجه، كما ثبت في "الصحيحين". من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ‬ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".

فدل المحب على علاجين: أصلي، وبدلي. وأمره بالأصلي، وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلاً.

- وإن كان لا سبيل للعاشق إلى وصال معشوقه قدراً أو شرعاً، أو هو ممتنع عليه من الجهتين، وهو الداء العضال، فمن علاجه إشعار نفسه اليأس منه، فإن النفس متى يئست من الشيء، استراحت منه، ولم تلتفت إليه([62]).

- فمن ابتلي ببلاء قلبي أزعجه فأعظم دواء له قوة الالتجاء إلى الله ودوام التضرع والدعاء بأن يتعلم الأدعية المأثورة ويتوخى الدعاء في مظان الإجابة مثل آخر الليل وأوقات الأذان والإقامة وفي سجوده وإدبار الصلوات ويضم إلى ذلك الاستغفار، وليتخذ ورداً من الأذكار طرفي النهار وعند النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف فإنه لابد أن يؤيده الله بروح منه ويكتب الإيمان في قلبه، وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس بباطنه وظاهره فإنها عمود الدين، وليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنه بها يحمل الأثقال ويكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال، ولا يسأم من الدعاء والطلب، فإن العبد يستجاب له ما لم يعجل، وليعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً، ولم ينل أحد شيئاً من عميم الخير إلا بالصبر والله الموفق.

- ومن أراد السلامة من فتن التعلق بالعشق والنظر المحرم فليستعن بالله وليداوم على الصلوات الخمس والدعاء والتضرع وقت السحر وتكون صلاته بحضور قلب وخشوع، وليكثر الدعاء: بيا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك وطاعة رسولك، وليبعد عن مواضع الفتن وليتعوض عنها بالحلال الطيب.

 66- من آثار وعقوبات المعاصي

وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله.

منها حرمان العلم والرزق وحصول الوحشة بين العاصي وبين الله وبينه وبين الخلق وتعسير أموره وظلمة القلب والوجه والقبر ووهن القلب والبدن وحرمان الطاعة ومحق العمر وتولد أمثالها وتضعف إرادة القلب وإنابته إلى الله ويزول عن القلب استقباح الذنوب، وهي سبب لهوان العبد على الله ويلحق ضرره غيره من الآدميين والحيوانات، وتورث الذل وتفسد العقل ويطبع على قلب صاحبها وتدخله تحت لعنة رسول الله ﷺ‬ وتحرمه الدخول في أدعيته لمن فعل أفعالاً كثيرة، وهي سبب لعقوبات البرزخ المتنوعة وتحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن، وتذهب الحياء والغيرة وتعظيم الرب، وتستدعي نسيان الله للعبد، وهناك الهلاك، وتخرج العبد من دائرة الإحسان وتحرمه ثواب المحسنين وتزيل النعم وتحل النقم، وتوجب خوف صاحبها ورعبه، ويصير القلب مريضاً أو ميتاً بعد أن كان صحيحاً، وتعمي البصيرة، ولا يزال العاصي في أسر الشيطان وأسر النفس الأمارة بالسوء، وتسلبه أسماء المدح وتكسبه أسماء الذم وتمحق بركة العلم والعمل والرزق والعمر وكل شيء، وتخون العبد أحوج ما يكون على نفسه، وتباعد عن العبد وليه من الملائكة، وتقرب إليه عداءه الشياطين وتؤثر في القلوب الآثار القبيحة من الرين والطبع والختم والنفاق وسوء الأخلاق كلها. وبالجملة جميع شرور الدنيا والآخرة التي على القلوب والتي على الأبدان العامة والخاصة، أسبابها الذنوب والمعاصي.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين([63]).




([1]) انظر (طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول) مما اختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ص166-167.

([2]) المصدر السابق ص 258-259.

([3]) المصدر السابق 166.

([4]) انظر بدائع الفوائد ج 2 ص 40.

([5]) عدة الصابرين لابن القيم ص 25.

([6]) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم ص 218 - 220.

([7]) طريق الهجرتين وباب السعادتين ص 223 - 227.

([8]) المصدر السابق ص 223 - 226.

([9]) من غلبة الروم للفرس بعد نزول قوله تعالى: }الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ{.

([10]) انظر طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول لابن سعدي ص 287 نقلاً عن كتاب الفروسية لابن القيم وانظر كتاب الفروسية ص 4 و 22 - 23.

([11]) طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول ص 212 مما اختاره الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاواه، ومؤلفات ابن القيم.

([12]) انظر (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ج 1 ص 71 – 72 لابن القيم).

([13]) القواعد والأصول الجامعة لابن سعدي ص 152 .

([14]) من كتاب الفوائد لابن القيم رحمه الله ص 96 – 97 .

([15]) الفوائد ص 83.

([16]) سورة الزخرف آية 36.

([17]) الفوائد ص147.

([18]) الفوائد ص147.

([19]) ص9.

([20]) إلا في الحيعلتين فيقول لا حول ولا قوة إلا بالله.

([21]) من قال حين يسمع النداء (الأذان) "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً غفر الله له ذنبه رواه مسلم وغيره.

([22]) انظر كتاب "جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ﷺ‬ " (ص 258 – 259).

([23]) المغني والشرح الكبير، ج10، ص131.

([24]) انظر القواعد لابن رجب، ص322 القاعدة 148.

([25]) من كتاب القواعد والأصول الجامعة للشيخ عبد الرحمن السعدي ص36 ، 37.

([26]) الرياض الناضرة للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى ص201.

([27]) انظر شرح هذه القواعد في كتاب الشيخ ابن سعدي (القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة).

(*) سورة يونس آية 62.

([29]) سورة الأحزاب آية 41 – 42.

([30]) سورة الأعراف آية 69.

([31]) سورة النحل آية 53.

([32]) سورة لقمان آية 20.

([33]) سورة إبراهيم آية 34 وسورة النحل آية 18.

([34]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 1/95.

([35]) مختصر الفتاوى المصرية لشيخ الإسلام، ابن تيمية ص11.

([36]) انظر كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح للشيخ ابن القيم صفحة 45.

([37]) انظر بدائع الفوائد لابن القيم 2/267.

([38]) انظر جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم ص222.

([39]) انظر جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم ص302.

([40]) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 4/199.

([41]) سورة النور من آية 31.

([42]) رواه مسلم.

([43]) سورة البقرة آية 152.

([44]) سورة الرعد آية 28.

([45]) سورة العنكبوت آية 45.

([46]) سورة الأحزاب آية 35.

([47]) سورة آل عمران آية 191.

([48]) رواه أحمد عن معاذ ورمز السيوطي لصحته.

([49]) متفق عليه.

([50]) رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه.

([51]) رواه الإمام أحمد.

([52]) سورة غافر آية 60

([53]) سورة الإسراء آية 111.

([54]) سورة النمل آية 40.

([55]) سورة إبراهيم آية 7.

([56]) بهجة الناظرين للمؤلف ص 425.

([57]) في الحديث الذي رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

([58]) في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([59]) في الحديث الذي رواه ابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

([60]) رواه أبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه قال الأرنؤوط في جامع الأصول 5/429 حديث صحيح.

([61]) رواه مسلم.

([62]) انظر زاد المعاد في هدي خير العباد ﷺ‬ 4/265 لابن القيم.

([63]) انظر الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم رحمه الله.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا