التذكرة بأسباب المغفرة

نبذة مختصرة

في هذه الرسالة بيان بعض أسباب المغفرة.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 التذكرة بأسباب المغفرة

جمع وتحقيق

الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله الذي يتوب على من تاب إليه ويغفر لمن استغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

أمر بالتوبة والاستغفار ووعد بقبولهما وهو لا يخلف الميعاد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام التائبين والمستغفرين وقدوتهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن سلك طريقهم في العلم والعمل والتوبة والاستغفار إلى يوم الدين.

أما بعد فإن للذنوب والمعاصي خطرًا عظيمًا وعواقب وخيمة في الدنيا وفي القبر ويوم القيامة. ولا ينجي منها إلا الإيمان الصادق والعمل الصالح الخالص لله الموافق لسنة رسوله ﷺ‬ ـ والتوبة النصوح بترك المعاصي والندم على ما حصل منها والعزم على عدم العودة إليها في المستقبل والإكثار من الاستغفار في الليل والنهار لقول الله تعالى }وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى{ أي استمر على ذلك ثم الإكثار من الذكر لله والدعاء فإن الله تعالى يذكره ويجيب من دعاه ويغفر لمن استغفره ويتوب على من تاب إليه وهو التواب الرحيم، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. وقد قال الله تعالى }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا{ [سورة النساء آية 110]، وقال تعالى عن نبيه ورسوله موسى عليه السلام }قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [سورة القصص آية 16].

وأخبر تعالى أن الملائكة عليهم السلام يستغفرون للمؤمنين التائبين المتبعين طريق الحق وهو العلم النافع والعمل الصالح فقال تعالى عنهم }الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ{ [سورة غافر آية 7] وقال تعالى: }وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [سورة الأنفال آية 33] وقال النبي ﷺ‬: "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه مسلم وقال ﷺ‬ والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم" رواه مسلم.

فينبغي للمسلم الراجي رحمة ربه الخائف من عذابه أن يلازم التوبة والاستغفار في آناء الليل والنهار لعل الله أن يتوب عليه ويغفر له ويرحمه. وبناء على محبة الخير لإخواني المسلمين وعلى وجوب التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق، فقد جمعت في هذه الرسالة ما تيسر من أسباب المغفرة وسميتها "التذكرة بأسباب المغفرة" والذكرى تنفع المؤمنين. وهي مستفادة من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم أسأل الله تعالى أن ينفع بها وأن يغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين برحمته وهو أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المؤلف في 11/6/1411هـ

 1- من أسباب المغفرة

قال تعالى: }وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى{ [سورة طه آية 82].

ذكر الله في هذه الآية للمغفرة أربعة أسباب:

1- التوبة النصوح في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات قال الله تعالى: }وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ [سورة النور آية 31] فإذا تبتم أفلحتم ونجحتم وسعدتم في الدنيا والآخرة وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ{ [سورة التحريم آية 8] وتكفير السيئات ودخول الجنات المشتملة على ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين حاصل لمن تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً صادقة بأن يفعل التائب الواجبات ويترك المحرمات ويندم على ما فات من ذنوب وسيئات ويعزم أن لا يعود إليها في المستقبل فإنها تكفر سيئاته ويدخل الجنة برحمة الله تعالى بسبب توبته النصوح وقال تعالى: }وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ{ [سورة الأعراف آية 153] وقال تعالى: }وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ{ [سورة الشورى آية 25] والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة.

2- ومن أعظم أسباب المغفرة الإيمان الصادق بالله تعالى وأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه، والإيمان بملائكة الله الكرام البررة وأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والإيمان بكتب الله المنزلة على رسله لهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور وفي مقدمتها القرآن الكريم أفضل الكتب السماوية }وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ{ [سورة فصلت آية 42] وقال تعالى: }وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ{ [سورة النحل آية 89] وقال تعالى: }قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{ [سورة المائدة آية 15-16] وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ{ [سورة يونس آية 57].

والإيمان برسل الله عليهم الصلاة والسلام جملة وتفصيلاً وفي مقدمتهم خاتمهم محمد ﷺ‬ الذي أرسله الله رحمة للعالمين وجعل أمته خير الأمم وكتابه القرآن خير الكتب وشريعته أفضل الشرائع وأسمحها، وأسماها وأكمل الله له ولأمته دينهم ورضيه منهم وأتم عليهم به النعمة فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك.

والإيمان بالبعث بعد الموت والجزاء والحساب والثواب والعقاب والحوض والميزان والصراط والجنة والنار وأنهما دار ثواب للمحسنين وعقاب للمسيئين. والإيمان بالقدر خيره وشره وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه قال عليه الصلاة والسلام: "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه" رواه مسلم.

3- ومن أعظم أسباب المغفرة: العمل الصالح ـ الخالص لله الموافق لسنة رسول الله ﷺ‬ من صلاة وصدقة وصوم وحج وتلاوة وقرآن وذكر لله ودعاء واستغفار وأمر بمعروف ونهي عن منكر وجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس وبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران قال الله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [سورة لقمان آية 8-9] وقال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً{ [سورة الكهف آية 107-108] وفي القرآن ما يزيد على خمسين آية يقرن الله ب\فيها الإيمان بالعمل الصالح ويرتب عليهما سعادة الدنيا والآخرة والسلامة من شقاوة الدنيا والآخرة.

4- والاستمرار على الإيمان الصادق والعمل الصالح والتوبة النصوح مدى الحياة حتى الممات قال الله تعالى: }وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ{ [سورة الحجر آية 99] أي حتى تموت وقال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [سورة الأحقاف آية 13-14].

وطلب رجل من النبي ﷺ‬ وصية جامعة لأبواب الخير فقال: " يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم" وفي رواية: "قل ربي الله ثم استقم" رواه مسلم.

والاستقامة هي لزوم طاعة الله تعالى وتشمل فعل جميع الواجبات وترك المحرمات قال ﷺ‬: "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" رواه أحمد وغيره ورمز السيوطي لصحته.

فأسباب المغفرة كلها منحصرة في هذه الأسباب الأربعة: الإيمان الصادق والعمل الصالح والتوبة النصوح والاستقامة على ذلك فإن التوبة تجب ما قبلها والإيمان والإسلام يهدم ما قبله والعمل الصالح الذي هو الحسنات يذهب السيئات، وسلوك طرق الهداية من تعلم علم وتعليمه والدعوة إليه والعمل به والصبر عليه كلها مكفرات للذنوب وموجبات للمغفرة والرحمة والرضوان وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم([1]).


 أسباب العذاب

قال الله تعالى: }إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى{ [سورة طه آية 14-16] وقال تعالى في حق بعض الكفار }فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى{ [سورة القيامة آية 31-32] فأسباب العذاب منحصرة في هذين السببين وهما تكذيب القلب بخبر الله ورسوله وإعراض البدن عن طاعة الله ورسوله }فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [سورة النور آية 63].

اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعزيمة على الرشد والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


تنبيه

كثير من الجهال اعتمدوا على مغفرة الله ورحمته وكرمه فضيعوا أمره ونهيه ونسوا أنه شديد العقاب وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

وأعظم الخلق غروراً من اغتر بالدنيا وعاجلها فآثرها على الآخرة ورضي بها بديلاً من الآخرة وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله.

وينبغي أن يعلم أن من رجاء شيئاً استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:

أحدها: محبة ما يرجوه.

الثاني: خوفه من فواته.

الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان.

وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني([2]).

فحسن الظن بالله إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة كما قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ [سورة البقرة آية 218] فانظر كيف قدموا أما الرجاء الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله. وقال تعالى: }إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ{ [سورة الأعراف آية 56] أي المحسنين في عبادة الله المحسنين إلى عباد الله ولم يقل إن رحمة الله قريب من العصاة والفسقة والملحدين وقال تعالى: }وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ{ [سورة الأعراف آية 156-157] فهؤلاء المؤمنون المتقون لله بطاعته وترك معصيته المتبعون لرسوله ـ محمد ﷺ‬ ـ هم أهل رحمة الله. اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وأصلح لنا شأننا كله لا إله إلا أنت واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم ـ وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 2- من أسباب المغفرة

عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

في هذا الحديث بشارة عظيمة، وحلم وكرم عظيم، وما لا يحصى من أنواع الفضل والإحسان والرأفة والرحمة والامتنان "قوله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك" يعني غفرت لك على عظم ذنوبك وكثرة خطاياك. وفي الصحيح عن النبي ﷺ‬ قال: "إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء". وفي صحيح الحاكم عن جابر: "إن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ‬ وهو يقول: واذنوباه مرتين أو ثلاثا. فقال له النبي ﷺ‬: قل اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي فقالها، ثم قال له عد فعاند، ثم قال له عد فعاد، فقال له قم قد غفر الله لك" وقد قال تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ [سورة آل عمرانٍ، آية: 135] وقال عز وجل: }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا{ [سورة النساء، آية:110] وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة. وعن أبي هريرة مرفوعاً. "بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء وإلى النجوم فقال: إني لأعلم أن لك رباً خالقاً اللهم اغفر لي فغفر له" رواه ابن أبي الدنيا. وعن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" رواه البخاري. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ‬ في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" أخرجه الأربعة. وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ‬ قال: "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب". قال قتادة: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار. وفي الدعاء المأثور: "اللهم إني أسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب". قال بعضهم:

أستغفـر الله ممـا يـعلم الله

إن الشقي لمـن لا يـرحم الله

ما أحلم الله عمـن لا يراقبـه

كل مسيء ولكـن يحلـم الله

فاستغفر الله مما كان من زلل

طوبى لمن كف عمـا يكره الله

طوبى لمن حسنت منه سريرته

طوبى لمن ينتهي عما نهى الله

قوله تعالى: "يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة" قراب: الأرض ملؤها أو ما يقارب ملأها. قال الله تعالى }إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{ [سورة النساء، آية 116،48] وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما: "أن النبي ﷺ‬ قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ‬ يده ثم قال: الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجنة عليها، وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم".

وقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة:

أحدها: الدعاء مع الرجاء: فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال تعالى: }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{ [سورة غافر، آية: 60] وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ‬ قال: "إن الدعاء هو العبادة" ثم تلا هذه الآية. وفي حديث آخر خرجه الطبراني مرفوعاً: "من أعطي الدعاء أعطي الإجابة لأن الله تعالى يقول }ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{" وفي حديث آخر: "ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة" لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه. وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه وآدابه، ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ‬ قال"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة وإن الله تعالى لا يقبل دعاء قلب غافل لاه"، وفي المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ‬ قال: "إن هذه القلوب أوعية فبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من ظهر قلب غافل". ولهذا نهي العبد أن يقول في دعائه: اللهم اغفر لي إن شئت. ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له، ونهي أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء مادام العبد يلح في الدعاء ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء فهو قريب من الإجابة.

السبب الثاني للمغفرة الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء وهو السحاب، وقيل ما انتهى إليه البصر منها، وفي الرواية الأخرى "لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم" والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها، وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار، فتارة يؤمر به كقوله تعالى: }وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ [سورة المزمل، آية: 20] وقوله: }وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا{ [سورة هود، آية: 3] وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: }وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ{ [سورة آل عمران، آية: 17] وقوله تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللهُ{ [سورة آل عمران، آية: 135] وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا{ [سورة النساء، آية: 110] وكثيراً ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح. وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه، فقد قيل إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة، وقيل إن نصوص الاستغفار كلها المفردة. مطلقة تقيد بما ذكر في آية آل عمران من عدم الإصرار، فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يصر على فعله فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد، ومجرد قول القائل اللهم اغفر لي طلب منه للمغفرة ودعائها فيكون حكمه حكم سائر الدعاء فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه لاسيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنوب أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات.

السبب الثالث: من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال الله تعالى: }إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{ [سورة النساء، آية 48 و116] فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض، وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر له وإن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة([3]).


 3- الأسباب التي تزول بها عقوبات الذنوب

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب:

1- أحدها: التوبة: وهذا متفق عليه بين المسلمين قال تعالى: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [سورة الزمر آية 53] وقال تعالى: }أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{ [سورة التوبة آية 104] وقال تعالى: }وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ{ [سورة الشورى آية 25] وأمثال ذلك...

2- السبب الثاني الاستغفار: كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ‬ أنه قال: "أذنب عبد ذنباً فقال: أي رب أذنبت ذنباً فاغفر لي فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً فقال: أي رب أذنبت ذنباً آخر فاغفر لي، فقال ربه: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء قال ذلك في الثالثة أو في الرابعة" وفي صحيح مسلم عنه أنه قال: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"(*).

3- السبب الثالث: الحسنات الماحية كما قال تعالى: }وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ{ [سورة هود آية 114]، وقال ﷺ‬: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"([4]) وقال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"([5]) وقال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"([6]) وقال: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"([7]) وقال: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"([8]) وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح وقال: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"([9]) "والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"([10])..

4- السبب الرابع الدافع للعقاب: دعاء المؤمنين للمؤمن مثل صلاتهم على جنازته فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ‬ أنه قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون إلا شفعوا فيه" وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" رواهما مسلم وهذا دعاء له بعد الموت فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر وكفرت عنه الصغائر فإن ذلك مغفور له فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت..

السبب الخامس:

5- ما يعمل للميت من أعمال البر كالصدقة ونحوها فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة وكذلك العتق والحج بل قد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" وثبت مثل ذلك في الصحيح في صوم النذر من وجوه أخرى، ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله تعالى: }وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى{([11]) لوجهين: أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه كدعاء الملائكة واستغفارهم له، ودعاء المؤمنين واستغفارهم، وكدعاء المصلين للميت ولمن زاروا قبره من المؤمنين..

الثاني: أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه وهذا حق فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به كما أنه دائما يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم. وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب يفعلها العباد ليثبت أولئك على تلك الأسباب فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ‬ أنه قال: "ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل"([12]) وكما ثبت عنه ﷺ‬ في الصحيح أنه قال: "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد"([13]) فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه له ويرحم الميت أيضاً بدعاء هذا الحي له..

6- السبب السادس: شفاعة النبي ﷺ‬ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة كما قد تواتر عنه أحاديث الشفاعة مثل قوله ﷺ‬ في الحديث الصحيح: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"([14]) وقوله ﷺ‬ "خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة"([15]) لأنها أعم وأكثر أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخاطئين".

7- السبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا: كما في الصحيحين عنه ﷺ‬ أنه قال: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".

8- السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما يكفر به الخطايا.

9- السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها..

10- السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد(*).


 4- أسباب المغفرة في رمضان

شهر رمضان تكثر فيه أسباب المغفرة والغفران فمن أسباب المغفرة فيه:

1-                  صيامه: قال ﷺ‬: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.

2-                  وقيامه بصلاة التراويح والتهجد قال ﷺ‬: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.

3-                  وقيام ليلة القدر وهي في العشر الأواخر من رمضان وهي الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن فيها يفرق كل أمر حكيم. قال ﷺ‬: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.

4-                  وتفطير الصوام قال ﷺ‬: "ومن فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار" رواه ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما.

5-                  والتخفيف عن المملوك والخدم قال ﷺ‬: "ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار".

6-                  وذكر الله تعالى وفي حديث مرفوع: "ذاكر الله في رمضان مغفور له وسائل الله فيه لا يخيب" رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان.

7-                  والاستغفار: طلب المغفرة والدعاء في حال الصيام وعند الفطر وعند السحور ودعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره، وقد أمر الله بالدعاء وتكفل بالإجابة قال تعالى: }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{ سورة غافر من آية (60) وفي الحديث: "ثلاثة لا ترد دعوتهم». وذكر منهم: «الصائم حتى يفطر» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه. وفي الحديث: "إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» رواه ابن ماجه.

فينبغي للمسلم أن يكثر من الذكر والدعاء والاستغفار في جميع الأوقات وخصوصاً في رمضان في حال الصيام وعند الإفطار وعند السحور وقت النزول الإلهي آخر الليل قال ﷺ‬: "ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" رواه مسلم.

8-                  ومن أسباب المغفرة: استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا كما في حديث أبي هريرة المتقدم رواه أحمد.

لما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته فيه المغفرة محروماً غاية الحرمان، متى يغفر لمن لم يغفر له في هذا الشهر؟ متى يقبل من رد في ليلة القدر؟ متى يصلح من لا يصلح في رمضان؟


 5- الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة

كما جاء في الكتاب الذي ألفه الإمام أحمد بن حجر العسقلاني صاحب كتاب "فتح الباري" بشرح صحيح البخاري بهذا العنوان وهي:

1-                  إسباغ الوضوء وخصوصاً على المكاره وفي شدة البرد. رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأبو بكر أحمد بن علي المروزي شيخ النسائي والبزار في مسنده واصله في الصحيحين ولكن ليس فيه "وما تأخر".

2-                  قول "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ‬ نبياً" بعد الأذان رواه أبو عوانة الاسفرائيني في مستخرجه الصحيح على مسلم، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وليس عندهم "وما تأخر".

3-                   صلاة التسبيح بأن يصلي أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغ من القراءة في أول ركعة يقول وهو قائم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة ثم يقولها في الركوع عشرا وفي الرفع من الركوع عشرا وفي كل سجدة عشرا وبين السجدتين عشرا وهكذا في بقية الركعات فذلك خمس وسبعون في كل ركعة وفي مجموع الركعات ثلاثمائة تسبيحة "رواه أبو داود والترمذي وأورده ابن خزيمة وله شواهد"([16]).

4-                                     قول "آمين" خلف الإمام وموافقة الملائكة فيه. رواه ابن وهب في مصنفه وأخرجه مسلم وابن ماجه بدون ذكر "وما تأخر".

5-                  صلاة الضحى إيماناً واحتساباً وفيه حديث ضعيف رواه آدم بن إياس في كتاب الثواب.

6-                  قراءة سورة الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين بعد الجمعة ثلاث مرات ورد فيه حديث ضعيف الإسناد رواه أبو الأسعد القشيري وابن أبي شيبة في مصنفه.

7/8/9- صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً. رواه أحمد والنسائي ورواه مسلم وغيره بدون ذكر "وما تأخر".

10-             صيام يوم عرفة (9) ذي الحجة لغير الحاج رواه مسلم وغيره بلفظ "يكفر السنة الماضية والمستقبلة".

11-             الإهلال بالحج من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام. رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان ورواه البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه "وما تأخر".

12-             الحج المبرور الخالص لله الموافق للسنة ولم يرتكب الحاج فيه معصية "رواه أبو نعيم في الحلية وأبو عبد الله بن منده في أماليه وأحمد بن منيع في مسنده وأبو يعلى في مسنده الكبير.

13-             قراءة آخر سورة الحشر آية 22-24 رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره.

14-             قول "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" مائة مرة رواه أبو عبد الله محمد بن حيان في فوائد الأصفهانيين.

15-             تعليم الولد القرآن "رواه أبو بكر بن لال في كتاب مكارم الأخلاق".

16-             قيادة الأعمى أربعين خطوة. أخرجه أبو عبد الله بن منده في أماليه وقال غريب وقال الإمام أحمد وابن معين وأبو داود رواته ثقات.

17-             السعي في قضاء حاجة المسلم قضيت أو لم تقض أخرجه أبو أحمد عبد الله بن محمد والمفسر الناصح.

18-             المصافحة عند اللقاء والصلاة على النبي ﷺ‬ أخرجه الحسن بن سفيان وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما وابن حبان.

19-             أن يقول بعد الأكل: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة رواه أبو داود في السنن وإسناده حسن.

20-             التعمير في الإسلام تسعين سنة رواه جماعة من المحدثين عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وهو مشهور وله شواهد. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع فلله الحمد والشكر والثناء لا نحصى ثناء عليه([17]).



([1])  انظر تفسير ابن سعدي ج5 صفحة 88 ط1.

([2])  انظر الجواب الكافي لابن القيم ص 22-40.

([3])  انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص341.

(*)  وقال تعالى }وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا{ النساء آية 110.

([4])  رواه أحمد ومسلم والترمذي بإسناد صحيح.

([5])  رواه أحمد والبخاري ومسلم.

([6])  رواه البخاري ومسلم.

([7])  متفق عليه.

([8])  متفق عليه.

([9])  رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

([10]) رواه ابن ماجه عن أنس ورمز السيوطي لحسنه.

([11]) سورة النجم آية 39.

([12]) رواه مسلم.

([13]) رواه البخاري.

([14]) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم.

([15]) رواه أحمد في مسنده عن أبي موسى بلفظ: «أتاني آت من ربي فخيرني في أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً» قال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات وقال المنذري رواه الطبراني بأسانيد أحدها جيد وابن حبان في صحيحه بنحوه.

(*)  من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج7 ص487-501 باختصار.

([16]) يقوى بعضها بعضاً قال الحافظ ابن حجر في أجوبته عن أحاديث المصابيح والحق أنه في درجة الحسن لكثرة طرقه وقال المنذري وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة وصححه جماعة منهم أبو بكر الآجري وأبو محمد عبد الرحيم المصري وأبو الحسن المقدسي رحمهم الله تعالى وصححه الحاكم.

([17]) انظر هذه الخصال في مجموعة الرسائل المنيرة ج1 ص257 – 266.

رأيك يهمنا