إتحاف أهل الإيمان بما يعصم من فتن هذا الزمان

نبذة مختصرة

في هذه الرسالة بعض الأسباب التي تعصم من الفتن.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

إتحاف أهل الإيمان بما يعصم من فتن هذا الزمان

تأليف الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين


 بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمـة

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فقد أخبر النبي ﷺ‬ بوقوع الفتن المتنوع في آخر الزمان ومن أخطرها قتال المسلمين بعضهم بعضاً وقد حرم الله دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ومن أخطر هذه الفتن وأضرها على المسلمين فتنة النساء بسبب التبرج والسفور والاختلاط بين الرجال والنساء سواء في مجالات الدراسة أو في العمل في مجال الوظيفة أو في مجالات النزهه أو في الأسواق أو غير ذلك من أنواع الاختلاط الذي يثير الفتنة ويسبب الفواحش. وفتن الشهوات والشبهات التي بسببها افترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة ناجية وهي المتمسكة بكتاب الله تعالى وبسنة نبيه ﷺ‬ علماً وعملاً واعتقاداً ودعوة مثل ما كان عليه رسول الله ﷺ‬ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وفتنة المال في جمعه وصرفه ومن أواخر الفتن وأضرها فتنة المسيح الدجال حيث يأمر السماء فتمطر بإذن الله ويأمر الأرض فتنبت بإذن الله ومما يعصم من الدجال أربعة أشياء كما قال ابن كثير في النهاية([1]).

1- الاستعاذة بالله منه كما شرع ذلك في كل صلاة بعد التشهد قال عليه الصلاة والسلام «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول «أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال» متفق عليه وهذا الدعاء يتضمن الاستعاذة بالله من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن.

2- و مما يعصم من الدجَّال حفظ عشر آيات من سورة الكهف وقراءتها عليه.

3- الابتعاد منه وعدم القدوم عليه.

4- و مما يعصم من الدجال السكنى في مكة المقدسه والمدينة النبوية حيث يكون عليهما حرس من الملائكة فلا يدخلهما الدجال.

أيها القارئ الكريم والذي أخبر بوقوع الفتن أرشد إلى ما يعصم منها وفي مقدمة ذلك العمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ‬ كما قال عليه الصلاة والسلام «وإني تارك فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه» رواه الحاكم وصححه، ومما يعصم من الفتن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو سفينة النجاة، ومن ذلك الدعاء بأن يجنبك الله مضلات الفتن فلا يستعاذ من الفتن عموماً لأن منها الأموال والأولاد }أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ{ [سورة التغابن آية 5] ولا بد للإنسان منها. ومما يعصم من الفتن الإيمان الصادق والعمل الصالح الخالص لله الموافق لسنة نبيه ﷺ‬ اللذان وعد من قام بهما بالحياة الطيبة وهي راحة القلب وطمأنينة النفس والقناعة برزق الله وادراك لذة العبادة ويستلزم ذلك الوقاية من الفتن، ومما يعصم من الفتن التوبة إلى الله تعالى في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات والاستغفار – طلب المغفرة من الله تعالى، ومما يعصم من الفتن لزوم تقوى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وذكر الله كثيراً فهو تعالى يذكر من ذكره، والتوكل والاعتماد عليه سبحانه وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار }وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{ [سورة الطلاق آية 3] أي من يعتمد على الله وحده فهو كافيه أمور دينه ودنياه وآخرته.

وقد جمت في هذه الرسالة ما تيسر جمعه على طريقة الاختصار مما يتعلق بالفتن وأشراط الساعة، والتعوذ من الفتن ومن إدراك زمانها، وبيان فضل من جنب الفتن وأنه يعتبر سعيداً، وفضل العبادة في زمن الفتن، والتحذير من الفتن عموماً والفتن المعاصرة خصوصاً، والتحذير من فتنة النساء التى ما ترك الرسول ﷺ‬ أضر على الرجال منها، والخوف من فتنة المال والتحذير منها، وبيان غربة الإسلام حيث إنه بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، وقد عاد غريباً في كثير من الأقطار والدول التى تحكم بغير ما أنزل الله ولا تقيم حدود الله على المجرمين ولا يؤمر فيها بالمعروف ولا ينهى عن المنكر وتعمل فيها الفواحش وتشرب المسكرات من غير نكير فالمتمسك فيها بدينه غريباً فالله المستعان.

كما ذكر في هذه الرسالة شيء من نواقض الإسلام التى من أعظمها الشرك بالله في القول أو الاعتقاد أو العمل كدعاء غير الله والذبح لغيره أو التوكل على غيره في جلب نفع أو دفع ضر أو حصول نصر أو شفاء مريض أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله وحده، ومن ذلك تكذيب الرسول أو بغضه أو بغض شيء مما جاء به أو الاستهزاء بسنته أو بمن يتمسك بها ومن ذلك السحر والشعوذة والإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه ولا يعمل به، ومن ذلك ترك الصلاة والحكم بغير ما أنزل الله، كما ذكر جواز الدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين، وقد أشير في هذه المقدمه إلى ما يعصم من الفتن إجمالاً وذُكِرَت في آخر الرسالة بالتفصيل. كما ذكر فيها ما جاء في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه، وما جاء في المجددين للدين على رأس كل مائة سنة كالأئمة الأربعة وشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأئمة العلم والعمل والدين قبل هؤلاء وبعدهم، وختمت هذه الرسالة بأدعية جامعة نافعة تعصم من الفتن لا غنى للمسلم عنها، وهذه الرسالة مستفادة من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم وقد نسبت كل قول إلى قائله وذكرت المراجع والفهرس في آخرها أسأل الله تعالى أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أو قرأها أو سمعها فعمل بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ومن أسباب الفوز لديه بجنات النعيم وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المؤلف في 1 / 6 / 1411هـ


 (معنى الفتنة)

قال أهل العلم: الفتنة هي المحنة والعذاب والشدة، وكل مكروه، كالكفر والإثم، والفضيحة والفجور والمصيبة، وغيرها من المكاره، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمره سبحانه وتعالى فهي مذمومة، وقد ذم الله تعالى الإنسان بإيقاع الفتنة، كقوله تعالى: }وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ{([2]) وقوله تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ{([3]) (*).

قال الراغب: أصل الفتن – بفتح الفاء وتاء ساكنة – إدخال الذهب في النار، لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار وقال الحافظ: ويطلق على العذاب. كقوله تعالى: }ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ{([4]) وعلى ما يحصل عنه العذاب كقوله تعالى: }أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا{([5]) وعلى الاختبار كقوله تعالى }وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا{([6]) وفيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وفي الشدة أظهر معنى، وأكثر استعمالاً، قال تعالى: }وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً{([7]) ومنه قوله تعالى: }وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ{([8]) أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك. وقال غيره: أصل الفتنة: الاختبار ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه، كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك([9]).

· · · ·


 (كتاب الفتن وأشراط الساعة (*))

 (1) باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج

1- ([10]حديث زينب ابنة جحش رضي الله عنها، أن النبي ﷺ‬ دخل عليها فزعاً يقول: «لا إله إلا الله ! ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلق بإصبعه الإبهام والتى تليها. قالت زينب ابنة جحش فقلت: يا رسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم. إذا كثر الخبث» أخرجه البخاري في: 60 – كتاب الانبياء: 7 – باب قصة يأجوج ومأجوج.

2- ([11])حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ‬، قال: «فتح الله من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وعقد بيده تسعين.

 أخرجه البخاري في: 60 – كتاب الأنبياء: 7 – باب قصة يأجوج ومأجوج.

 (2) باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت

3- ([12]) حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ‬: «يعزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأولهم وآخرهم» قالت: قلت يا رسول الله ! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم».

أخرجه البخاري في: 34- كتاب البيوع: 49- باب ما ذكر في الأسواق.

 (3) باب نزول الفتن كمواقع القطر

4- ([13]) حديث أسامة رضي الله عنه، قال: أشرف النبي ﷺ‬ على أُطمٍ من آطام المدينة، فقال: «هل ترون ما أرى؟ إنى لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر».

أخرجه البخاري في: 29 – كتاب فضائل المدينة: 8 – باب آطام المدينة.

5- ([14]) حديث أبى هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ‬: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من الساعى، ومن يشرف لها تستشرفه،و من وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به».

 أخرجه البخاري في: 61 – كتابِ المناقب: 25 – باب علامات النبوة في الإسلام.

 (4) باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما

6- ([15]) حديث أبي بكرة، عن الأحنف بن قيس، قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقينى أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل.

قال: ارجع فإنى سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار» فقلت: يا رسول الله ! هذا القاتل. فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه».

 أخرجه البخاري في: (2) كتاب الإيمان (22) باب المعاصي من أمر الجاهلية.

7- ([16]) حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان فيكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة». أخرجه البخاري في: 61 – كتاب المناقب: 25 – باب علامات النبوة في الإسلام.

 (5) باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة

8- ([17]) حديث حذيفة رضى الله عنه قال: لقد خطبنا النبي ﷺ‬ خطبة ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله؛ إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه.

أخرجه البخاري: 82 – كتاب القدر: 4 – باب وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

 (6) باب في الفتنة التى تموج كموج البحر

9- ([18]) حديث حذيفة، قال: كنا جلوساً عند عمر رضي الله عنه، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ‬، في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله. قال: إنك عليه (أو عليها) لجرئ. قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد. ولكن الفتنة التى تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس، يا أمير المؤمنين ! إن بينك وبينها باباً مغلقاً: قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر. قال: إذاً لا يغلق أبداً.

قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم. كما أن دون الغد الليلة. إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبْنَا أن نسأل حذيفة. فأمرنا مسروقاً، فسأله. فقال: الباب عمر. أخرجه البخاري: 9 – كتاب مواقيت الصلاة: 4 – باب الصلاة كفارة:

 (7) باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من الذهب

10-       ([19]) حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ‬: «يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً»

أخرجه البخاري في: 92 – كتاب الفتن: 24 – باب خروج النار.

 (8) باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز

11-       ([20]حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ‬ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى».

أخرجه البخاري في: 92 – كتاب الفتن: 24 – باب خروج النار.

 (9) باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان

12-   ([21]) حديث ابن عمر رضى الله عنهما، أنه سمع رسول الله ﷺ‬، وهو مستقبل المشرق، يقول: «ألا إن الفتنة ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان».

أخرجه البخاري في: 92 – كتاب الفتن: 16 – باب قول النبي ﷺ‬ الفتنة من قبل المشرق

 (10) باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة

13-                   ([22]) حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ‬ قال: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذى الخلصة»، وذو الخلصة طاغية دوس التى كانوا يعبدون في الجاهلية.

أخرجه البخاري في: 92 – كتاب الفتن: 23 – تغيير الزمان حتى يعبدوا الأوثان.

 (11) باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء

14-                   ([23]) حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ‬ قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه!». أخرجه البخاري في: 92 – كتاب الفتن: 22 – باب لا تقوم الساعة حتى يُغْبَط أهل القبور.

15-   ([24]) حديث أبي هريرة t، عن النبي ﷺ‬ قال: «يُخَرِّب الكعبة ذو السُّوَيْقتين من الحبشة». أخرجه البخاري في: 25 – كتاب الحج. 47 - باب قول الله تعالى – جعل الله الكعبة البيت الحرام.

16-   ([25]) حديث أبي هريرة t، عن النبي ﷺ‬ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه». أخرجه البخاري في: 61 – كتاب المناقب: 7 – باب ذكر قحطان.

17-   ([26]) حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ‬، قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة». أخرجه البخاري في: 56 - كتاب الجهاد: 96 – باب قتال الذين ينتعلون الشعر.

18-   ([27]) حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ‬: «يُهْلك الناس هذا الحيُ من قريش» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «لو أن الناس اعتزلوهم». أخرجه البخاري في 61- كتاب المناقب 25 – باب علامات النبوة في الإسلام.

19-   ([28]) حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ‬ قال: «إذا هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده وقيصر ليهلكن، ثم لا يكون قيصر بعده. ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله». أخرجه البخاري في: 56 – كتاب الجهاد: 157 – باب الحرب خدعة.

20-   (حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ‬: «إذا هلك كسرى فلا كسرى فلا كسرى بعده. وإذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده. والذي نفسي بيده ! لتنفقن كنوزهما في سبيل الله».

أخرجه البخاري في: 57- كتاب فرض الخمس: 8 – باب قول النبي ﷺ‬ أحلت لكم الغنائم.

21-       ([29]) حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنه. قال: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، ثم يقول الحجر: يا مسلم ! هذا يهودي ورائي فأقتله».

أخرجه البخاري في: 61- كتاب المناقب: 25 – باب علامات النبوة في الإسلام.

22-       ([30]) حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ‬ قال: «لا تقوم الساعة حتى يبعث الله دجالون كذابون قريباً من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله». أخرجه البخاري في: 61 – كتاب المناقب: 25 – باب علامات النبوة في الإسلام.

 (12) باب ذكر ابن صياد

23-   ([31]) حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما. قال: إن عمر انطلق في رهط من أصحاب النبي ﷺ‬، مع النبي ﷺ‬، قِبَل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الغلمان، عند أُطم بني مغالة، وقد قارب يؤمئذ ابن صياد يحتلم. فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ‬، ظهره بيده. ثم قال النبي ﷺ‬: «أتشهد أني رسول الله ﷺ‬؟» فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين فقال ابن صياد للنبي ﷺ‬: أتشهد أنى رسول الله قال له النبي ﷺ‬: «آمنت بالله ورسله» قال النبي ﷺ‬: «ماذا ترى» قال ابن صياد: (يأتيني صادق وكاذب)، قال النبي ﷺ‬: «خُلِطَ عليك الأمر». قال النبي ﷺ‬: «إني قد خبأت لك خبيئاً» قال ابن صياد: هو الدخ. قال النبي ﷺ‬: «اخسأ فلن تعدو قدرك» قال عمر: يا رسول الله ! ائذن لي فيه أضرب عنقه قال النبي ﷺ‬: «إن يكنه، فلن تسلط عليه وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله».

أخرجه البخاري في: 56 – كتاب الجهاد: 178 – باب كيف يعرض الإسلام على الصبى.

24-   ([32]) حديث ابن عمر ! قال: انطلق النبي ﷺ‬، وأبي بن كعب، يأتيان النخل الذي فيه ابن صياد. حتى إذا دخل النخل، طفق النبي ﷺ‬ يتقى بجذوع النخل، وهو يختل ابن صياد، أن يسمع من ابن صياد شيئاً قبل أن يراه. وابن صياد مضطجع على فراشه، في قطيفة له، فيها رمزة. فرأت أم صياد النبي ﷺ‬، وهو يتقي بجذوع النخل. فقالت لابن صياد: أي صاف (وهو اسمه) فثار ابن صياد. فقال النبي ﷺ‬: «لو تركتهُ بينَّ».

أخرجه البخاريُّ في: 56 – كتاب الجهاد: 178 – باب كيف يعرض الإسلام على الصبى.

25-       ([33]) حديث ابن عمر. قال: ثم قام النبي ﷺ‬، في الناس. فأثنى على الله بما هو أهله. ثم ذكر الدجال، فقال: «إني أنذركموه، وما من نبيٍّ إلا قد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه. ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور».

أخرجه البخاري في: 56 – كتاب الجهاد: 178 – باب كيف يعرض الإسلام على الصبى.

 (13) باب ذكر الدجال وصفته وما معه

26-       ([34]) حديث عبد الله بن عمر. قال: ذكر النبي ﷺ‬ يوماً، بين ظهري الناس، المسيح الدجال فقال: «إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية». أخرجه البخاري في: 60 – كتاب الأنبياء: 48 – باب واذكر في الكتاب مريم.

27-       ([35]) حديث أنس رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ‬: «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب. ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور. وإن بين عينيه مكتوب كافر». أخرجه البخاري في: 92 – كتاب الفتن: 26 – باب ذكر الدجال.

28-       ([36]) حديث حذيفة قال عقبة بن عمرو لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ‬؟ قال: إني سمعته يقول: «إن مع الدجال، إذا خرج، ماء وناراً. فأما الذى يرى الناس أنها النار، فماء بارد. وأما الذي يرى الناس أنه ماء بارد فنار تحرق. فمن أدرك منكم، فليقع في الذي يرى أنها نار، فإنه عذب بارد». أخرجه البخاري في: 60 – كتاب الأنبياء: 50 – باب ما ذكر عن بنى إسرائيل.

29-           ([37]) حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ‬: «ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال، ما حدَّث به نبى قومه؟ إنه أعور. وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار. فالتى يقول إنها الجنة، هي النار وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه».

أخرجه البخاري في: 60 – كتاب الأنبياء: 3 – باب قول الله عز وجل – ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه.

 (14) باب في صفة الدجال وتحريم المدينة عليه و قتله المؤمن وإحيائه

30-       ([38]) حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول الله ﷺ‬، حديثاً طويلاً عن الدجال. فكان فيما حدثنا به أن قال: «يأتى الدجال، وهو مُحَرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة، بعض السباخ التى بالمدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس. فيقول: أشهد أنك الدجال الذى حدثنا عنك رسول الله ﷺ‬، حديثه. فيقول الدجال: أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تَشُكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا. فيقتله ثم يحييه. فيقول، حين يحييه: والله ! ما كنتُ قط أشدَّ بصيرة منى اليوم. فيقول الدجال أقتله، فلا أسلط عليه».

أخرجه البخاري في: 29 - كتاب فضائل المدينة: 9 - باب لا يدخل الدجال المدينة.

 (15) باب في الدجال وهو أهون على الله عز وجل

31-   ([39]) حديث المغيرة بن شعبة. قال: ما سأل أحد النبي ﷺ‬، عن الدجال، ما سألته. وإنه قال لى: «ما يضرك منه؟» قلت: لأنهم يقولون إن معه جبل خبر ونهر ماء. قال: «هو أهون على الله من ذلك».

أخرجه البخاري في: 92 - كتاب الفتن: 26 - باب ذكر الدجال.

 (16) باب في خروج الدجال، ومكثه في الأرض

32-   ([40]) حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ‬، قال: «ليس من بلد إلا سيطؤُهُ الدجال، إلا مكة والمدينة. ليس له من نقابها نقب، إلا عليه الملائكة صافِّين يحرسونها. ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر ومنافق».

أخرجه البخاري في: 29 - كتاب فضائل المدينة: 9 – باب لا يدخل الدجال المدينة.

 (17) باب قرب الساعة

33-   حديث ابن مسعود قال سمعت النبي ﷺ‬، يقول: «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء».

أخرجه البخاري في: 92 – كتاب الفتن: 5 – باب ظهور الفتن.

34-   ([41]) حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله ﷺ‬ قال بإصبعيه هكذا، بالوسطى والتى تلى الإبهام «بعثت والساعة كهاتين».

أخرجه البخاري في: 65 – كتاب التفسير: 79 – باب سورة والنازعات.

35-   حديث أنس، عن النبي ﷺ‬، قال: «بعثت والساعة كهاتين».

أخرجه البخاري في: 81 – كتاب الرقاق: 39 – باب قول النبي ﷺ‬ بعثت أنا والساعة كهاتين.

 (18) باب ما بين النفختين

36-                   ([42]) حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ‬: «ما بين النفختين أربعون» قال: أربعون يوماً؟ قال: أبيت. قال: أربعون شهراً؟ قال: أبيت. قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: «ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظماً واحداً، وهو عَجْبُ الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة»(1[43]).

37-   أخرجه البخاري في: 65 – كتاب التفسير: 78 – باب سورة عم يتساءلون.

 التعوذ من الفتن ومن إدراك زمانها

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي ﷺ‬ قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» رواه مسلم في حديث طويل.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» رواه ابن أبي شيبة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ‬ كان يتعوذ في دبر صلاته من أربع يقول: «أعوذ بالله من عذاب القبر وأعوذ بالله من عذاب النار وأعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأعوذ بالله من فتنة الأعور الكذاب» رواه الإمام أحمد.

وعن عصمة بن قيس صاحب رسول الله ﷺ‬ أنه كان يعوذ في صلاته من فتنة المغرب رواه البخاري في التاريخ الكبير والطبراني وابن عبد البر وغيرهم. وفي رواية للطبراني عنه رضي الله عنه أنه كان يعوذ من فتنة المشرق قيل له فكيف فتنة المغرب قال تلك أعظم وأعظم. قال الهيثمي رجاله ثقات. ورواه نعيم بن حماد في الفتن بنحوه وقال في آخره تلك أعظم وأطم، وقد ذكره ابن عبد البر في الإستيعاب بنحوه. وهذا الأثر له حكم المرفوع لأنه إخبار عن أمر غيبي فلا يقال إلا عن توقيف.

وعن زيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة عن أبي الرباب وصاحب له أنهما سمعا أبا ذر رضي الله عنه يدعو يتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها قال فسألناه مم تعوذت وفيم دعوت قال: تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني ويوم العورة أن أدركه فقلنا: وما ذاك فقال أما يوم البلاء فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضاً وأما يوم العورة فإن نساء من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقاً اشتريت على عظم ساقها فدعوت الله ألا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه قال: فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق. رواه ابن أبي شيبة وابن عبد البر في الإستيعاب من طريقه.

وقد وقع في زماننا من المقلِّدات لنساء الإفرنج والمتشبهات بهن ما هو أعظم وأفحش من يوم العورة الذي كان أبو ذر رضي الله عنه يتعوذ من إدراكه فكان هؤلاء النسوة الضائعات على الحقيقة يمشين في الاسواق ويحضرن في مجامع الرجال ومعارضهم ومؤسساتهم شبه عاريات قد كشفن عن رؤوسهن ووجوههن ورقابهن ونحورهن وأيديهن إلى المناكب أو قريب منها وعن سوقهن وبعض أفخاذهن وقد طلين وجوههن بالمسحوق وصبغن شفاههن بالصبغ الأحمر وتصنعن غاية التصنع للرجال الأجانب ومشين بينهم متبخترات مائلات مميلات يفتن من أراد الله بهم الفتنة. فهذه هي أيام العورة على الحقيقة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ‬: «تعوذوا بالله من رأس السبعين ومن إمارة الصبيان» رواه الإمام أحمد والبزار قال الهيثمي ورجال أحمد رجال الصحيح غير كامل بن العلاء وهو ثقة.

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «اللهم لا يدركني زمان أو لا تدركوا زماناً لا يتبع فيه العليم ولا يستحيا فيه من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب» رواه الإمام أحمد.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «اللهم لا يدركني زمان أو لا أدرك زمان قوم لا يتبعون العليم ولا يستحيون من الحليم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب» رواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه([44]).

 فضل من جنب الفتن

عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال ايم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «إن السعيد لن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها» رواه أبو داود وإسناده صحيح.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: «حبذا موتاً على الإسلام قبل الفتن» رواه نعيم بن حماد في الفتن.

قال الخطابي (واها) كلمة معناها التلهف وقد توضع أيضاً موضع الإعجاب بالشيء. وكذا قال ابن الأثير وابن منظور([45]).

 فضل العبادة في زمن الفتن

عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي» رواه أبو داود الطيالسي ومسلم والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. ورواه الإمام أحمد ولفظه قال: «العمل في الهرج والفتنة كالهجرة إلي».

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم شبيهاً بحال الجاهلية فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله ﷺ‬ مؤمناً به متبعاً لإوامره مجتنباً لنواهيه انتهى([46]).


بسم الله الرحمن الرحيم

 التحذير من الفتن

الحمد لله رب العالمين، يبتلي عباده بالخير والشر ليتميز الصابر الشاكر من المنافق والكافر. أحمده وحمدي له من نعمه. وأشكره على جزيل منه وكرمه. وأشهد أن لا إله إلا الله. له الخلق والأمر – وإليه المصير يوم الحشر. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أخبر عن وقوع الفتن وبين أن النجاة منها تكون بالاعتصام بالكتاب والسنة – صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله واعلموا أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان وميدان جهاد ومصابرة. وما زال الصراع مستمراً بين الحق والباطل منذ هبط آدم عليه السلام إلى الأرض وسيستمر إلى ما شاء الله – فالباطل يحمله الشيطان وجنوده من شياطين الانس والجن مستخدمين لترويجه كل وسائل الدعاية والمغريات كما قال الله تعالى: }وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا{([47]) فهو يدعو إلى الباطل بأنواع المكر والحيل والخداع }يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير{([48]) يحسِّن القبيح. ويُقَبِّح الحسن. ويخدع به أكثر الخلق لنيل حظوظ عاجلة. وشهوة حاضرة مع الغفلة عن المصير والنهاية – أما الحق فيحمله الرسل وأتباعهم من العلماء والمصلحين يوضحونه للناس ويبصرونهم به ويكشفون عنه الشُّبهَ ويجاهدون في سبيله فيهتدي على أيديهم من شاء الله هدايته من ذوي البصائر النافذة والعقول الراجحة، الذين يميزون بين الضار والنافع وينظرون في عواقب الأمور. ويصبرون على مجاهدة الهوى والنفس والشيطان ومجاهدة الكفار والمنافقين فيتقربون إلى الله بالجهاد في سبيله والثبات على دينه عند تلاطم أمواج الفتن. واشتداد أذى الكفار: }ذَلك وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ{([49]).

عباد الله: إننا اليوم في معترك فتن عظيمة. فتن كقطع الليل المظلم فتن متنوعة. فالمال فتنة وقد فاض اليوم بأيدي الناس. والأولاد فتنة وقد استعصى أمرهم على كثير من أولياء أمورهم. ومخالطة الأشرار من الكفار والمنافقين فتنة. وقد امتلأت بهم بلاد المسلمين، والنساء فتنة وقد عظم خطرهن اليوم واستفحل أمرهن – والدعاية إلى الباطل والتنفير من الحق فتنة. وقد تعاظم اليوم خطرها وتطاير شررها وتنوعت أساليبها -لقد أصبح العالم كله من أقصاه إلى أقصاه كبلد واحد بسبب تطور وسائل النقل ووسائل الإعلام - فما يقال أو يفعل في أقصى الأرض من كذب وفجور وعتو ونفور يصل إلى أقصاها بواسطة الإذاعة المسموعة في الراديو والإذاعة المرئية في التلفزيون بأسرع وقت وأقرب طريق وأخدع أسلوب – لقد أصبح صوت الباطل في هذه الأجهزة واضحاً وجهورياً. وصوت الحق فيها خافتاً وخفياً. فغالب الإذاعات العالمية لا يسمع فيها صوت الحق أبداً وإنما ديدنها الهدم والتخريب والتحريش والتشويش وترويج الباطل وتشويه الحق. والقليل من هذه الإذاعات إذا جعلت في برامجها سهماً ضئيلاً من الحق سلطت عليه الباطل حتى يغطيه ويمحو أثره، فالقرآن والحديث الديني يأتي بعدهما المزمار والأغنية والتمثيليات التي تُسْتَخدَمُ للسخرية بالمسلمين وتَنَقُّص أحكام الدين. فتسمع فيها التنفير مما أباح الله من تعدد الزوجات. والتنفير من تزويج كبار السن. وتنفير الزوجات من أمهات أزواجهن. وقد تشتمل على ترويج الخلاعة والمجون. وغالب برامج هذه الإذاعات أغاني خليعة وحكايات فارغة. ومع الأسف فقد غزت كل بيت إلا ما شاء الله – وأقبل على استماعها الكبار والصغار. آناء الليل وآناء النهار لا سيما من لا يميزون بين الحق والباطل والنافع من الضار.

وإلى جانب الإعلام بالآلة – الإعلام المكتوب في الجرائد والمجلات التي قل من بينها جريدة أو مجلة توجه توجيهاً سليماً. بل غالبها إنما يشتمل على صور خليعة ومقالات منحرفة. وقد التقى الماء علينا منها من الداخل والخارج يومية وأسبوعية وشهرية وأقبل عليها الناس ينظرون فيها ويقرأونها ويلتهمون مضامينها بكل ما فيها من سموم قاتلة. وأعرضوا عن قراءة كتاب الله ومطالعة الكتب النافعة. وإلى جانب هذه المجلات والجرائد الكتب المنحرفة التي تقذف بها المطابع وهي تحمل أفكاراً هدامة ونِحَلاً ضالة وعقائد فاسدة وفتاوى خاطئة وقد أصبحت هذه الكتب الفاسدة تصل إلى أيدي الناس بسهولة فيأخذونها بقوة ويقرأونها بلهف وهم لا يميزون بين الحق والباطل والصحيح من الزيف. بل يزعمون أنها أحسن من كتب السلف الصالح التي ألفها علماء الإسلام وهداة الأنام فيقولون عن هذه الكتب النافعة أنها كتب قديمة ويسمونها الكتب الصفراء للتنفير منها. أما تلك التي بأيديهم فيقولون: إنها كتب عصرية من إنتاج المفكرين وآراء المثقفين ولو كانوا }لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ{([50]).

عباد الله: وإذا انتقلنا إلى التعليم وجدناه أسوأ حالاً من الإعلام. فقد انتقل التعليم من المساجد إلى المدارس النظامية من دور الحضانة إلى المرحلة الجامعية وانتقل من تعليم الدين إلى تعليم الدنيا فقط أو تعليم لا ينفع لا في دين ولا في دنيا حتى نشأ جيل من أولاد المسلمين يجهلون دينهم تماماً. حتى أنك تجد المتخرج من الجامعة لا يحسن قراءة آية من كتاب الله على الوجه الصحيح. حصص الدروس الدينية قليلة والكتب المقررة غير كافية والمدرسون في الغالب معلوماتهم عن الدين قليلة ولا يحسنون تفهيم الطلاب وفيهم من هو فاسد في أخلاقه لا يبالي بدينه فيكون قدوة سيئة لطلابه، بل بلغ التهاون بالعلوم الدينية أن لا تعطى الأهمية في الامتحانات فينجح فيها الطلاب وهم لا يعرفونها. حتى اعتادوا عدم الاهتمام بها.

عباد الله: هذه حالة المسلمين اليوم في أقطار الأرض إعلام فاسد وتعليم فارغ من العلوم النافعة. وأنا لا أعني بذلك بلاداً معينة. بل أقول أن هذه حالة غالب المسلمين في كل بقاع الأرض اليوم. وإن كان التنكر للإسلام يشتد في بعض البلاد أشد من البعض الاخر – حتى أصبح الإسلام غريباً بين أهله مجهولاً في أوطانه. لم يبق منه إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه. إنها فتن ولا مخرج منها إلا بالرجوع إلى كتاب الله الذي }لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ{([51]). قال الله تعالى: }قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى{([52])([53]).


بسم الله الرحمن الرحيم

 التحذير من الفتن المعاصرة

الحمد لله رب العالمين. حذرنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم السر والعلن، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أمر عند ظهور الفتن بالاعتصام بالكتاب والسنن صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله واعلموا أن الإنسان حينما يقع في خطر من الأخطار إما أن يفكر في أسباب النجاة ويأخذ بها فينجو. وإما أن يستسلم ويترك الأسباب التي بها نجاته فيهلك وإننا يا عباد الله في هذا الزمان قد وقعنا في أخطار كثيرة. وأحاطت بنا فتن وشرور مستطيرة.

وقد أخبرنا نبينا - ﷺ‬ عن وقوع الفتن في آخر الزمان وبين لنا أسباب النجاة منها.

فعن أمير المؤمنين: على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ‬ - يقول: «ألا إنها ستكون فتن فقلت ما المخرج منها يا رسول الله قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم. وخبر ما بعدكم. وحكم بينكم. وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله. ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله. هو حبل الله المتين. وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم»، رواه الإمام أحمد والترمذي([54]).

وقال - ﷺ‬: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا. كتاب الله وسنتي»([55]) ففي كتاب الله وسنة رسول الله النجاة من الفتن والهدى من الضلالة. وفي الإعراض عنهما الهلاك والغواية.

وقد قال الله تعالى: }فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى{([56]).

عباد الله لقد أصبحنا في فتن عظيمة فلننتبه لأنفسنا ولنأخذ حذرنا. ومن هذه الفتن – فتنة المال. عن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «إن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه.

وقال ﷺ‬: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنهما.

فالمال فتنة من أنواع كثيرة. منا الإنشغال بجمعه وتنميته. ومنها المكاثرة فيه بحيث لا يقف الإنسان عند حد فهو يطلب المزيد دائماً. ومنها قلة التحرز من المكاسب المحرمة التي يحمله عليها حب المال ومجاراة الناس والجهل بما يحل ويحرم من المكاسب. ومنها منع الحقوق الواجبة في المال من الزكاة وحقوق الأقارب وغيرها. وقد فاض المال في هذا الزمان مصداقاً لما أخبر به النبي ﷺ‬ في قوله: «(إن من أشراط الساعة أن يفشوا المال ويكثر وتفشو التجارة)» رواه النسائي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام» رواه الإمام أحمد والبخاري...

عباد الله: ومن الفتن التي وقعت في هذا الزمان ما تجلبه إلينا وسائل الإعلام من إذاعات وتلفاز وصحف ومجلات من شرور كثيرة مقالات مزيفة وخطب مضللة. وصور نساء فاتنات ثابتة ومتحركة. وأغاني مثيرة. ومزامير ملهبة، وتمثيليات مغرضة يقصد بها تزيين الفاحشة، وتعليم السرقة والتدريب على الجريمة، كل هذا وأكثر منه يعرض في وسائل الإعلام الداخلية والخارجية ومن الناس من لا يكفيه هذا على كثرته فيذهب يشترى الفيديو بأفلامه المدمرة وينصبه في بيته بين نسائه وأولاده ليكمل به ما نقص من الشر في وسائل الإعلام، ويمتد شره إلى جيرانه فيغري نساءهم وأطفالهم على الاقتداء به.

لقد أصبح كثير من البيوت خالياً من ذكر الله والصلوات. مسرحاً للفتن والضلالات. حل فيه الشيطان. وتجنبته ملائكة الرحمن، وعلاوة على ذلك أخذت بعض الجهات تعلن للشباب تدعوهم لحضور السهرات والمشاركة في المسرحيات والفنون الشعبية والموسيقى.. إنها فتن عظيمة وأخطار مخيفة فاحذروا منها يا عباد الله واحفظوا أولادكم – واستعينوا بالله واصبروا... ومن الفتن المخيفة في هذا الزمان فتنة النساء التي حذر منها رسول الله ﷺ‬ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ‬ «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» رواه الإمام أحمد والشيخان وابن ماجة. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: «إن الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني اسرائيل كانت في النساء» رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ‬: «صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر بضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات – رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»، رواه الإمام أحمد ومسلم...

عباد الله: لقد عظمت الفتنة بالنساء في هذا الزمان. لقد تبرجن في الأسواق وعرضن أجسامهن أمام الرجال. لابسات أفخر الثياب ومتطيبات بأذكى الأطياب. ومشين بملابس ضيقة تبرز أحجام أعضائهن. ووضعن على وجوههن أغطية شفافة من باب المخادعة. وكثير منهن يكشفن عن وجوههن وأذرعهن أمام أصحاب معارض القماش والصاغة. ومنهن من يذهب إلى محلات التجميل ليلة الزفاف. وربما يتولى تجميلها الرجال. ومنهن من تذهب إلى دكاكين تفصيل الثياب لتأخذ المقاس الذي يناسبها والتفصيل الذي يلائم ذوقها ويتولى ذلك معها رجل أجنبي. ومنهن من تركب مع سائق أجنبي في سيارة أجرة أو خصوصية وتذهب معه وحدها. ومنهن من تذهب إلى الطبيب في العيادة أو المستوصف بدون محرم فيخلوا بها الطبيب – إلى غير ذلك من أنواع الفتن. وأخريات يكلمن عمال الإذاعة يطلبن أشرطة الأغاني. ويتبادلن هذه الأشرط فيما بينهن. والداهية العظمى – ما نقرؤه في بعض الصحف من مطالبة ملحة لعمل المرأة مع الرجل في المكاتب والمتاجر وغيرها أسوة بنساء الدول الكافرة، الدول التي لا تقيم للفضيلة وزناً. ولا تحسب للأخلاق حساباً – وإلا فماذا يريدون؟ إن المرأة في المجتمع الإسلامي منذ ظهور الإسلام تعمل عملها اللائق بها والذي لا يقوم به غيرها – فهي الأم المربية. وهي الحامل والمرضع والقائمة بأعمال البيت.

و من الفتن استقدام بعض الناس مربيات أو خادمات أجنبيات وقد لا يكون معهن محارم وفي ذلك مخاطر كثيرة منها خشية الوقوع في الفاحشة فقد تكون امرأة جميلة أو تتجمل وتتبرج فيزينها الشيطان في نظر الرجل وقد تمكن منها في بيته وفي الحديث: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)([57])، ومنها أنها قد تكون فاسدة الأخلاق لا تبالي بعرضها أو تكون كافرة فتفسد من تختلط بهن من النساء والأطفال وقد ذكر في هذا قصص يطول شرحها – فالواجب على المسلم أن يتقي الله ويتبعد عن استقدام تلك النساء استبراء لدينه وعرضه ولا يغتر بمن يفعله من ذوي الترف وعدم المبالاة.

عباد الله: إن الفتن كثيرة وإن دعاة الشر يعملون بدون فتور لترويج هذه الفتن فاحذروا يا عباد الله وتمسكوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم واصبروا إن الله مع الصابرين.

عباد الله: ومن الفتن العظيمة تقارب الأقطار والديار بواسطة المخترعات العصرية من وسائل الإعلام ووسائل المواصلات التي تقرب البعيد. وتنقل الأصوات والصور والأشخاص حتى صار العالم بأسره كالبلد الواحد - ما يحدث في طرفه يصل إلى طرفه الآخر بسرعة ووضوح. فنتج عن ذلك اختلاط المسلم بالكافر والبر بالفاجر. ونقل الأفكار الهدَّامة والعقائد الزائفة والأخلاق السيئة إلى مجتمع المسلمين حتى أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً والسنة بدعة. والبدعة سنة وصار الرواج للشر. وقل الخير. وأصبح المتمسك بدينه غريباً حتى في بلاد الإسلام.

عباد الله: وإن ما بعد هذه الفتن أشد منها وأخطر. فهناك فتنة الدجال شر غائب ينتظر. وهناك الساعة }وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ{([58]) فاتقوا الله عباد الله وخذوا حذركم. وأكثروا من الدعاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (تكون فتن لا ينجي منها إلا دعاء كدعاء الغرق) رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة ورواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه....

قال الله تعالى: }الـم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{([59])([60]).

بسم الله الرحمن الرحيم

 (فتنة النسـاء)([61])

عن أسامة بن زيد بن حارثة وسعيد بن عمرو رضي الله عنهما أنهما حدثا عن رسول الله ﷺ‬ أنه قال: ما تركت بعدي، فتنة أضر على الرجال من النساء رواه أحمد (5 / 200) والشيخان كما في اللؤلؤ والمرجان (1744) والترمذي (2780).

قال المباركفوري: لأن طباع كثير تميل اليهن، وتقع في الحرام لأجلهن وتسعى للقتال والعداوة بسببهن، وأقل ذلك أن ترغبه في الدنيا، وأي فساد أضر من هذا؟. وإنما قال: (بعدي) لأن كونهن فتنة أضرّ، ظهر بعده اهـ. قال الحافظ: في الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد لذلك قوله تعالى: }زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ{([62]) الآية، فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن بقية الأنواع، إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك، وقال: قال بعض الحكماء: النساء شر كلهن، وأشر ما فيهن عدم الإستغناء عنهن، ومع أنها ناقصة العقل والدين، تحمل الرجل على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين، كشغله عن طلب أمور الدين، وحمله على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشد الفساد.اهـ (تحفة الأخوذي 3/123) وفتح الباري (9/138). وقال القسطلاني وتحقيق كون الفتنة بهن أشد، أن الرجل يحب الولد لأجل المرأة، وكذا يحب الولد الذي أمه في عصمته ويرجحه على الولد الذي فارق أمه بطلاق أو وفاة غالباً، وقد قال مجاهد في قوله تعالى: }إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ{([63]) قال: تحمل الرجل على قطيعة الرحم، فلا يستطيع مع حبه إلا الطاعة. اهـ. (إرشاد الساري (8/25).

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. رواه أحمد (3/22) ومسلم في صحيحه (8/89).

قال النووي رحمه الله: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء): اجتنبوا الافتنان بها، وبالنساء، وتدخل في النساء الزوجات وغيرهن، وأكثرهن فتنة الزوجات، لدوام فتنتهن، وابتلاء أكثر الناس بهن، ومعنى (الدنيا خضرة حلوة): يحتمل أن المراد به شيئان: أحدهما حسنها للنفوس ونضارتها، ولذتها، كالفاكهة الخضراء الحلوة، فإن النفوس تطلبها طلباً حثيثاً، فكذا الدنيا، والثاني: سرعة فنائها، كالشيء الأخضر في هذين الوصفين، ومعنى (مستخلفكم فيها): جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم. اهـ.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس([64])، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا»([65]). رواه أحمد (2/355 – 356 – 440) ومسلم (6/168 – 8/155).

قلت: وقد تحققت نبوءة الرسول ﷺ‬ بظهور هذا الصنف من الناس، ألا وهو النساء الكاسيات العاريات، وقد قيل في معنى الحديث معان كثيرة، أقربها إلى الحق هو من قال: بأن (كاسيات عاريات): أنهن يلبسن ثياباً رقيقة تصف لون الجسد، أو ثياباً قصيرة، فهن كاسيات في الأسم، عاريات في الحقيقة، ومعنى (مائلات) أي يمشين مائلات متبخترات، وقيل يمشين مشية البغايا اللواتي يمشين مائلات، لإغواء الرجال بهن، وقيل (مميلات) أي يَدْعُنَّ غيرهن من النساء مقلدات بالمشي كمشيتهن، وقيل: أي يملن الرجال إليهن، بهيئتهن هذه، فيميل إليهن ضعاف النفوس. ومعنى (على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) أي بما يعملن بشعورهن من لفها، وتكويرها إلى أعلى فهي تشبه أسنمة الإبل المائلة، قال ابن دريد: ناقة ميلاء، إذا مال سنامها إلى أحد شقيها.

و أخيراً اعلم رحمك الله أن هذه الفتنة التى أخبر عنها النبي ﷺ‬ موجود في هذا الزمان، وغيرها من الفتن، التي حذر منها الرسول الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، فينبغي تعليم هؤلاء النساء، ما لهن وما عليهن من الحقوق التى جاء بها الدين الإسلامي الحنيف لأن دور المرأة في بناء المجتمع مهم جداً، فهي تساعد على بناء هذا المجتمع، لا على هدمه، بما تظهره من تصرفات، وأفعال تؤدي به إلى الهلاك، والدمار، وعليها القيام بما يلتزم عليها من حقوق تجاه الله، وتجاه الزوج والأولاد والمجتمع، وقد بين الرسول ﷺ‬ ما أدى إلى هلاك بني إسرائيل وزعزعة كيانهم، وأن أول هذا الهلاك بدأ، بفتنة النساء، وسكوت الرجال عليها، ومن أمثلة ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم»([66]) - أي القصة من الشعر تضعها المرأة على شعرها إضافة عليه، لتبدي زينتها للرجال.

وقال عليه الصلاة والسلام: «إن أول ما أهلك بني إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب أو الصيغ ما تكلف امرأة الغني...» الحديث([67]). فاحذر رحمك الله من ذلك، وأمر نساءك بطاعة الله عز وجل، امتثالاً لأمر الله القائل: }قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ{([68]).


بسم الله الرحمن الرحيم

 (التحذير من فتنة النساء)

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد قال الله تعالى: }وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى{ سورة الأحزاب، آية 33. أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة لأنه أسلم وأحفظ لكنَّ. وعنه ﷺ‬ أنه قال: «إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان»([69]) رواه البزار والترمذي (تفسير ابن كثير 3/481) وقوله تعالى: }وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى{ أي لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات كعادة أهل الجاهلية الأولى الذين لا علم عندهم ولا دين.

1-    وقال عليه الصلاة والسلام: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» متفق عليه.

2-    وقال ﷺ‬: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» رواه مسلم. فالنساء فتنة يفتتن بالرجال ويفتتنون بهن.

3-    وقال رسول الله ﷺ‬: «صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريت مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» رواه مسلم في صحيحه وهذا تحذير شديد من التبرج والسفور ولبس الرقيق والقصير من الثياب وتحذير شديد من ظلم الناس والتعدي عليهم ووعيد لمن فعل ذلك بحرمان الجنة نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

وهذه الأدلة الدالة على تحريم التبرج والسفور وإظهار الزينة ووجوب القرار في البيوت تدل على تحريم قيادة السيارة للنساء لأن من لازمها التبرج والسفور وإظهار الزينة والخروج من البيوت بين الحين والآخر ومن لازم ذلك اختلاط الرجال بالنساء والنساء بالرجال ومن لازم ذلك حصول الفواحش والزنا وحصول العقوبات في الدنيا والآخرة نسأل الله العافية والسلامة.

وقد صدر فتوى بتحريم قياد المرأة للسيارة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في مجموع فتاوى سماحته 3/351 مؤيدة بالأدلة من الكتاب والسنة([70]).

وقال ابن القيم رحمه الله ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفاً والقصة مشهورة في كتب التفاسير. فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات. ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية -قبل الدين- لكانوا أشد شيء منعاً لذلك.

قال عبد الله بن مسعود «إذا ظهر الربا والزنا في قرية أذن الله بهلاكها» رواه أبو يعلى بإسناد جيد. اهـ. من الطرق الحكمية في السياسية الشرعية لابن القيم رحمه الله ص 280 وإن قيل أن في قيادة النساء للسيارات مصلحة نسبية فإن فيها مفاسد عديدة تفهم مما تقدم.

ودرءُ المفاسد مقدم على جلب المصالح في الشريعة الإسلامية كما في هذه القاعدة المشهورة. وقد قال الله عز وجل: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{([71] وقال تعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ{ وقال تعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا{ وقال تعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا{ سورة الطلاق، آية 2 – 5. فليلزم المسلم والمسلمة تقوى الله تعالى في جميع مجالات الحياة حتى يحصل له ما يريده ويندفع عنه شر ما يكره.

أسأل الله تعالى أن يوفقنا وسائر إخواننا المسلمين وأخواتنا المسلمات لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا واياهم هداة مهتدين آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 الخوف من فتنة المال([72])

قال ابن رجب في لطائف المعارف:

أخرجا في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض قيل ما بركات الأرض قال: زهرة الدنيا فقال له رجل هل يأتي الخير بالشر فصمت رسول الله ﷺ‬ حتى ظننت أنه سينزل عليه ثم جعل يمسح عن جبينه قال أين السائل قال: أنا قال: لا يأتي الخير إلا بالخير إن هذا المال خضرة حلوة وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت ثم عادت فأكلت وإن هذا المال خضرة حلوة من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع).

كان النبي ﷺ‬ يتخوف على أمته من فتح الدنيا عليهم فيخاف عليهم الإفتتان بها ففي الصحيحين عن عمرو بن عوف أن النبي ﷺ‬ قال للأنصار لما جاءه مال من البحرين (أبشروا وأملوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) وكان آخر خطبة خطبها على المنبر حذر فيها من زهرة الدنيا ففي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ‬ صعد المنبر فقال (إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدى ولكنى أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم) قال عقبة: كان آخر ما رأيت من رسول الله ﷺ‬ على المنبر، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ‬ قال: «إذا افتتحت عليكم خزائن فارس والروم» أي قوم أنتم فقال عبد الرحمن بن عوف نقول: كما أمرنا الله عز وجل فقال رسول الله ﷺ‬: «أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون» وفي المسند عن عمر عن النبي ﷺ‬ قال (لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العدواة والبغضاء إلى يوم القيامة) قال عمر وأنا أشفق من ذلك، وفيه أيضاً عن أبي ذر أن أعرابياً قال: يا رسول الله أكلتنا الضبع يعنى السنة والجدب فقال النبي ﷺ‬: (غير ذلك أخوف منى عليكم حين تصب عليكم الدنيا صباً فليت أمتى لا يلبسون الذهب وفي رواية الديباج) وفيه أيضاً عن أبي هريرة عن النبي ﷺ‬ قال: «ما أخشى عليكم الفقر ولكني أخشى عليكم التكاثر»، ويروى من حديث عوف بن مالك وأبي الدرداء عن النبي ﷺ‬ قال: (الفقر تخافون والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صباً حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي) وفي رواية عوف (فإن الله فاتح عليكم فارس والروم) وفي المعنى أحاديث أخر، وفي الترمذي أنه ﷺ‬ قال: «لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال» فقوله ﷺ‬ في حديث أبي سعيد: «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض» ثم فسره بزهرة الدنيا ومراده ما يفتح على أمته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم التي تخرج منها زروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم وغير ذلك مما يخرج من بركات الرض، وهذا من أعظ المعجزات وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارس والروم وأموالهم وديارهم ووقع على ما أخبر به، ولكنه لما سمى ذلك بركات الأرض وأخبر أنه أخوف ما يخافه عليهم أشكل ذلك على بعض من سمعه حيث سماه بركة. ثم خاف منه أشد الخوف فإن البركة إنما هي خير ورحمة وقد سمى الله تعالى المال خيراً في مواضع كثيرة من القرآن فقال تعالى: }وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ{([73]).

وقال: }إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ{([74]) وقال تعالى عن سليمان عليه السلام }إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي{([75]) فلما سأله السائل هل يأتي الخير بالشر صمت النبي ﷺ‬ حتى ظنوا أنه أوحي إليه والظاهر أن الأمر كان كذلك ويدل عليه أنه ورد في رواية لمسلم في هذا الحديث فأفاق يمسح عنه الرُّحَضاء وهو العرق وكان النبي ﷺ‬ إذا أوحي إليه يتحدر منه مثل الجمَّان من العرق من شدة الوحي وثقله عليه، وفي هذا دليل على أنه ﷺ‬ كان إذا سئل عن شىء لم يكن أوحي إليه فيه شيء انتظر الوحي فيه ولم يتكلم فيه بشيء حتى يوحى إليه فيه فلما نزل عليه جواب ما سئل عنه قال: أين السائل قال ها أنا فقال النبي ﷺ‬: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير» وفي رواية لمسلم فقال أو خير هو وفي ذلك دليل على أن المال ليس بخير على الإطلاق، بل منه خير ومنه شر، ثم ضرب مثل المال ومثل من يأخذه بحقه ويصرفه في حقه ومن يأخذه من غير حقه ويصرفه في غير حقه، فالمال في حق الأول خير وفي حق الثاني شر، فتبين بهذا أن المال ليس بخير مطلق بل هو خير مقيد، فإن استعان به المؤمن على ما ينفعه في آخرته كان خيراً له وإلا كان شراً له، فأما المال فقال أنه خضرة حلوة وقد وصف المال والدنيا بهذا الوصف في أحاديث كثيرة ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام أنه سأل النبي ﷺ‬ فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فقال له النبي ﷺ‬ (يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع).

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال (إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، واستخلافهم فيها هو ما أورثهم الله منها مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارس والروم وحذرهم من فتنة الدنيا وفتنة النساء خصوصاً فإن النساء أول ما ذكره الله من شهوات الدنيا ومتاعها في قوله تعالى: }زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{([76]) وفي المسند والترمذي عن خولة بنت قيس عن النبي ﷺ‬ قال: (إن هذا المال خضرة حلوة فمن أصابه بحقه بورك له فيه ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار) وفي المسند، أيضاً عن خولة بنت ثامر الأنصارية عن النبي ﷺ‬ (إن الدنيا خضرة حلوة وإن رجالاً سيخوضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة) وخرج البخاري من قوله (إن رجالاً) إلى آخره، وفي المسند أيضاً عن عائشة عن النبي ﷺ‬ قال (إن هذه الدنيا خضرة حلوة فمن آتيناه منها شيئاً بطيب نفس أو طيب طعمة ولا إسراف بورك له فيه ومن آتيناه منها شيئاً بغير طيب نفس منا وغير طيب طعمة وإسراف منه لم يبارك له فيه) وفي المعنى أحاديث أخر، قوله ﷺ‬ «إن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر» مَثلٌ آخر ضربه ﷺ‬ لزهرة الدنيا وبهجة منظرها وطيب نعيمها وحلاوته في النفوس فمثَلُه كمثل نبات الربيع وهو المرعى الخضر الذي ينبت في زمان الربيع فإنه يعجب الدواب التي ترعى فيه وتستطيبه وتكثر من الأكل منه أكثر من قدر حاجتها لاستحلائها له فإما أن يقتلها فتهلك وتموت حبطاً (و الحبط انتفاخ البطن) من كثرة الأكل أو يقارب قتلها ويلمُّ به فتمرض منه مرضاً مخوفاً مقارباً للموت، فهذا مَثَلٌ من يأخذ من الدنيا بشره وجوع نفس من حيث لاحت له لا بقليل يقنع ولا بكثير يشبع ولا يحلل ولا يحرم بل الحلال عنده ماحل بيده وقدر عليه والحرام عنده ما منع منه وعجز عنه فهذا هو المتخوض في مال الله ورسوله فيما شاءت نفسه وليس له إلا النار يوم القيامة كما في حديث خولة المتقدم، والمراد بمال الله ومال رسوله الأموال التي يجب على ولاة الأمور حفظها وصرفها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم ويتبع ذلك مال الخراج والجزية وكذا أموال الصدقات التي تصرف للفقراء والمساكين كمال الزكاة والوقف ونحو ذلك، وفي هذا تنبيه على أن من تخوض من الدنيا في الأموال المحرم أكلها كمال الربا ومال الأيتام الذي من أكله أكل ناراً والمغصوب والسرقة والغش في البيوع والخداع والمكر وجحد الأمانات والدعاوي الباطلة ونحوها من الحيل المحرمة أولى أن يتخوض صاحبها في نار جهنم غداً فكل هذه الأموال وما أشبهها يتوسع بها أهلها في الدنيا ويتلذذون بها ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمراً من جمر جهنم في بطونهم فما تفى لذتها بتبعتها كما قيل:

تفنى اللذاذة ممن نال لذتهـا       من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبتها    لا خير في لذة من بعدها النار

فلهذا شبه النبي ﷺ‬ من يأخذ الدنيا بغير حقها ويضعها في غير حقها بالبهائم الراعية من خضراء الربيع حتى تنتفخ بطونها من أكله فإما أن يقتلها وإما أن يقارب قتلها فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقها ووضعها في غير وجهها إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه وهو من مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاح حال فيستحق النار بعمله قال الله تعالى: }وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ{([77]) وهذا هو الميت حقيقة فإن الميت من مات قلبه كما قيل:

ليس من مات فاستـــراح بميت  إنما الميت ميت الأحيــاء

وإما أن يقارب موته ثم يعافى وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب قبل موته وقد قال علي رضي الله عنه في كلامه المشهور في أقسام حملة العلم (أو منهوم باللذات سلس القيادة للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والإدخار وليسوا من رعاة الدين أقرب شبها بهم الأنعام السارحة) وفي الأبيات المشهورة التي كان عمر بن عبد العزيز ينشدها كثيراً:

نهارك يا مغــرور سهو وغفـلة          

وليلك نــوم والــردى لك لازم

وتتعب فيما سوف تكــره غبـه         

كذلك في الدنيــا تعيــش البهائم

و أما استثناؤه ﷺ‬ من ذلك آكلة الخضر فمراده بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقها مقدار حاجته فإذا نفذ واحتاج عاد إلى الأخذ منها قدر الحاجة بحقه وآكلة الخضر دويبة تأكل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل ثم تصرفه عنها فتستقبل عين الشمس فتصرف بذلك ما في بطنها وتخرج منه ما يؤذيها من الفضلات، وقد قيل إن الخضر ليس من نبات الربيع عند العرب إنما هو من كلاء الصيف بعد يبس العشب وهيجه واصفراره والماشية من الإبل لا تستكثر منه بل تأخذ منه قليلاً قليلاً ولا تحبط بطونها منه فهذا مَثَلُ المؤمن المقتصد من الدنيا يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها قدر بلغته وحاجته ويجتزي من متاعها بأدونه وأخشنه ثم لا يعود إلى الأخذ ضرراً ولا مرضاً ولا هلاكاً بل يكون ذلك بلاغاً له ويتبلغ به مدة حياته ويعينه على التزود لآخرته، وفي هذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته وقنع بذلك كما قال ﷺ‬ «قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً فقنع به»([78]) وقال ﷺ‬ «خير الرزق ما يكفي»([79]) وقال: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً»([80]) شعر:

خذ من الــرزق ما كفا  ومن العيش مـا صفـا

كل هـذا سينقضــى    كسراج إذا انطفـــا

ثم قال ﷺ‬ إن هذا المال خضرة حلوة فإعاده مرة ثانية تحذيراً من الاغترار به فخضرته بهجة منظره وحلاوته طيب طعمه فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه ولكن لو فكرت في عواقبه لهربت منه (*) الدنيا في الحال حلوة خضرة وفي المآل مرة كدرة نعمت المرضعة وبئست الفاطمة والله أعلم وصلى الله على محمد.

* * * *


بسم الله الرحمن الرحيم

 التحذير من فتنة المال(*)

الحمد لله الذي خَوَّل عباده من الأموال ما به تقوم مصالح دينهم ودنياهم. وجعل لتحصيلها وتصريفها طرقاً شرعها لهم وبينها لهم وهداهم. وأشهد أن لا إلا له إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين ومولاهم. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكرم الخلق وأزكاهم. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى واعلموا أن هذه الأموال التي بين أيديكم جعلها الله فتنة لكم ليتبين المحسن من المسئ والمفسد من المصلح قال تعالى: }إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{([81]) وقال تعالى: }وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ{([82]).

ففي هذه الأموال فتنة لكم في تحصيلها وفتنة في تمويلها وفتنة في إنفاقها. فأما الفتنة في تحصيلها: فإن الله تعالى شرع لتحصيلها طرقاً معينة مبنية على العدل بين الناس بحيث يكسبها الإنسان من وجه طيب ليس فيه ظلم ولا عدوان. فمن الناس من اتقى الله تعالى وأجمل في طلبها فاكتسبها من طرائق حلال فكانت بركة عليه إذا أنفق. ومقبولة منه إذا تصدق. وأجراً إذا خلَّفها لورثته. فهو غانم دنيا وآخرة. ومن الناس من لم يتق الله ولم يجمل في طلب المال فصار يكتسبه من أي طريق أتيح له من حلال أو حرام. من عدل أو ظلم. لا يبالي بما اكتسب فالحلال عنده ما حل بيده بأي سبب. فهذا قد صار ماله وبالا عليه إن أمسكه لم يبارك له فيه وإن تصدق به لم يقبل منه وإن خلَّفه بعده كان زاداً له إلى النار. لغيره غنمه وعليه إثمه وغرمه فهذه فتنة المال في تحصيله.

وأما فتنته في تمويله: فمن الناس من كان المال أكبر همه وشغل قلبه إن قام فهو يفكر فيه وإن قعد فهو يفكر فيه. وإن نام كانت أحلامه فيه فالمال هم قلبه وبصر عينه وسمع أذنه. وشغل فكره يقظة ومناماً وحتى في العبادة فهو يفكر في ماله في صلاته وفي قراءته وفي ذكره كأنما خلق للمال وحده. فهو النهم الذي لا يشبع. والمفتون الذي لا يقلع. ومع هذا الحرص الشديد والتعب الشاق فلن يأتيه من الرزق إلا ما كتب له. ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها. ومن الناس من عرف للمال حقه. ونزله منزلته فلم يكن أكبر همه. ولا مبلغ علمه. وجعل المال في يده لا في قلبه. فلم يشغله عن ذكر الله ولا عن الصلاة والقيام بشرائع الدين وفروضه فهو من الذين }لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ{([83]) وجعل المال وسيلة يتوسل بها إلى فعل الخيرات ونفع القرابات. وإعانة ذوي الحاجات. فهو قد استخدام المال ولم يستخدمه المال. وعبد ربه ولم يعبد المال. قد اكتسب المال من حله وأنفقه في وجوهه وسلم من أذاه.

و أما الفتنة في إنفاق المال: فإن أصحاب الأموال منهم البخيل الذي منع حق الله وحق عباده في ماله فلم يؤد الزكاة ولم ينفق على من يلزمه الإنفاق عليه من الأهل والمماليك والقرابات. ومن أصحاب الأموال من هو مسرف مفرط يبذر ماله وينفقه في غير وجهه وفيما لا يحمد عليه شرعاً ولا عرفاً فكان من اخوان الشياطين ومن }وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ{([84]) ومن الذين يتخوضون في مال الله بغير حق فتكون لهم النار يوم القيامة. كما في الحديث الصحيح([85]).

فلا ينجو من شر المال إلا من اتقى الله فى طلبه واتقى الله فى انفاقه؛ الذين كسبوه من حله وإذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا. قد بذلوا الواجبات وكملوها بالمستحبات. وتحلوا بالكرم والسخاء والجود قد أحبهم الله وأحبهم الناس. فهؤلاء من عباد الرحمن }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{([86]).

أيها المسلمون: إنكم لن تبقوا للمال ولن يبقى لكم إنما هو عارية بين أيديكم وأنتم سائرون فى طريقكم إلى الآخرة. فقد خرجتم إلى الدنيا بلا مال وستخرجون منها بلا مال وإنما تبقى لكم أعمالكم. فلا تشتغلوا بما يفنى عما يبقى. ولا تغرنكم الحياة الدنيا.

أيها المسلمون: قد لعب الشيطان بأفكار كثير من الناس فتجرؤا على أخذ المال من وجوه محرمة وطرق خبيثة – فأخذوا الرشوة فى وظائفهم. وخانوا أمانتهم بشتى الوسائل وغلَّوا الأموال العامة. وغشوا فى بيعتهم وشرائهم وكذبوا فى معاملتهم ودنسوا البيع والشراء وشوهوا التجارة وجعلوا كثيراً من أسواق المسلمين مجالاً للاعتداء والمخادعات والاحتيال واصطياد إخوانهم المسلمين الآمنين الذين يحسنون بهم الظن ويعاملونهم باسم الإسلام وفى حكم الدين الذى جعل }كل المسلم على المسلم حراماً ماله ودمه وعرضه{([87]).

أيها المسلمون لقد تبرأ النبي ﷺ‬ ممن يغش المسلمين حيث قال: }من غش فليس منا{ إن من غش فليس من المسلمين لأن المسلم حقيقة من يعامل إخوانه بصدق وصراحة كما يجب أن يعاملوه بالصدق والصراحة. فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. فإذا كان أحد لا يرضى أن يخدعه أحد فكيف يخدع إخوانه.

أيها المسلمون إن الظلم ظلمات يوم القيامة وأنتم تعلمون مصير الظلمة. والظلم فى الأموال ليس مقصوراً على الاغتصاب والسرقة وقطع الطريق والنهب والسلب. بل إن من أشد الظلم ما أخذ بطريق المعاملات المحرمة وتحت شعار البيع والشراء مما تشوبه الخديعة والكذب والغش والتدليس والأيمان الفاجرة. يقول ﷺ‬ }البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما{([88]). إن بيع المسلم لأخيه المسلم يجب أن يكون على مستوى عال من الصدق والصراحة والنزاهة لا وكس فيه ولا شطط ولا كذب ولا خديعة بيع المسلم للمسلم على ما جاء به الإسلام.

وأخيراً اسمعوا يا أصحاب الأ موال هذه القصة العظيمة لعلكم تتعظون بها.. روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ‬ يقول: «إن ثلاثة من بني اسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فإراد الله أن يبتليهم. فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال أى شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به. قال: فمسحه فذهب عنه قذره فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً قال: أى المال أحب إليك قال الإبل أو البقر – فأعطي ناقة عُشَراء وقال: بارك الله لك فيها – قال فأتى الأقرع، فقال أي شيء أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به فمسحه فذهب عنه وأعطي شعراً حسناً فقال أي المال أحب إليك قال البقر أو الإبل فأعطي بقرة حاملاً – قال بارك الله لك فيها فأتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك – قال أن يرد الله علي بصري فأبصر به الناس فمسحه فرد الله عليه بصره. قال فأي المال أحب إليك. قال الغنم فأعطي شاة والداً. فانتج هذان. وولَّد هذا – فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم قال ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة فقال: كأني أعرفك. ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأعطاك الله عز وجل المال. فقال: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. فقال: ان كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت – وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا. ورد عليه ما رد عليه هذا. فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت قال وأتى الأعمي في صورته. فقال رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري – فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال أمسك عليك مالك. فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك»([89]).

فتأملوا يا عباد الله ما حصل لهؤلاء الثلاثة من الابتلاء وما انتهت به قصتهم من حسن عاقبة من اعترف بنعمة الله عليه وشكرها وبذل ماله في طاعة الله. وعقوبة من جحد نعمة الله عليه وكفرها ومنع الحق الواجب... قال الله تعالى: }إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{([90])... ألخ السورة.


1 – غربـة الإسـلام

الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

خرَّج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء» وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره وهي – قيل يا رسول الله: ومن الغرباء؟ قال: النُّزَّاع من القبائل. وخرجه أبو بكر الآجُريِّ وعنده – قيل ومن هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، وخرجه غيره وعنده قال «الذين يفرون بدينهم من الفتن». وخرجه الترمذي من حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ‬ - «إن الدين بدأ غريباً وسيرجع غريباً فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي» وخرجه الطبراني من حديث جابر عن النبي ﷺ‬ وفي حديثه قيل ومن هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون حين فساد الناس» وخرجه أيضاً من حديث شريك بن سعد بنحوه. وخرجه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ‬ - وفي حديثه «فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس» وخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ‬ - قال: «طوبى للغرباء» قلنا: ومن الغرباء؟ قال «قوم قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يعطيهم» وروي عن عبد الله بن عمر مرفوعاً وموقوفاً في الحديث قيل ومن الغرباء؟ قال: «الفرَّارون بدينهم يبعثهم الله تعالى مع عيسى ابن مريم عليه السلام». (شرح) قوله: «بدأ الإسلام غريباً» يريد به أن الناس كانوا قبل مبعثه على ضلالة عامة كما قال النبي ﷺ‬ - في حديث عياض بن حمار الذي خرجه مسلم «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب فلما بُعِثَ النبي ﷺ‬ - ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة وكان المستجيب له خائفاً من عشيرته وقبيلته يؤذي غاية الأذى وينال منه وهو صابر على ذلك في الله عز وجل.

و كان المسلمون إذ ذاك مستضعفين يشردون كل مشرد ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية كما هاجروا إلى الحبشة مرتين ثم هاجروا إلى المدينة، وكان منهم من يعذب في الله ومنهم من يقتل. فكان الداخلون في الإسلام حينئذٍ غرباء، ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعزَّ، وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجاً، وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وتوفي رسول الله ﷺ‬ - والأمر على ذلك. وأهل الإسلام على غاية من الإستقامة في دينهم، وهم متعاضدون متناصرون وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ثم عمل الشيطان مكائده على المسلمين وألقى بأسهم بينهم وأفشى فيهم (فتنة الشبهات والشهوات) ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئاً فشيئاً حتى استحكمت مكيدة الشيطان، وأطاعه أكثر الخلق، فمنهم من دخل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما وكل ذلك مما أخبر النبي ﷺ‬ - بوقوعه، فأما فتنة الشبهات فقد روي عن النبي ﷺ‬ - من غير وجه أن أمته ستفترق على أزيد من سبعين فرقة على اختلاف الروايات في عدد الزيادات على السبعين وأن جميع تلك الفرق في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كانت على ما هو عليه وأصحابه ﷺ‬ - وأما فتنة الشهوات ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ‬ قال: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن بن عوف نقول كما أمرنا الله قال «أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون» وفي صحيح البخاري عن عمرو بن عوف عن النبي ﷺ‬ - قال: «و الله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم ان تُبْسط عليكم الدنيا كما بُسَطَتْ على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ‬ - معناه أيضاً. ولما فتحت كنوز كسرى على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكى فقال: إن هذا لم يفتح على قوم قط إلا جعل الله بأسهم بينهم أو كما قال. وكان النبي ﷺ‬ - يخشى على أمته هاتين الفتنتين كما في مسند الإمام أحمد عن أبي برزة عن النبي ﷺ‬ - قال: «إنما أخشى عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن – وفي رواية – ومضلات الهوى». فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخواناً متحابين متواصلين. فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق ففتنوا بالدنيا وزهوتها وصارت غاية قصدهم، لها يطلبون، وبها يرضون ولها يغضبون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فقطعوا لذلك أرحامهم وسفكوا دماءهم وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك، وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعاً وكَفَّر بعضهم بعضاً، وأصبحوا أعداء وفرقاً وأحزاباً بعد أن كانوا إخواناً قلوبهم على قلب رجل واحد فلم ينج من هذه الفرق كلها إلا الفرقة الواحدة الناجية وهم المذكورون في قوله ﷺ‬ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» رواه البخاري ومسلم.

وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث الذين يصلحون إذا فسد الناس، وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن،و هم النُّزَّاع من القبائل لأنهم قَلَّوا فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحد كما كان الداخلون في الإسلام في أول الأمر كذلك. وبهذا فسر الأئمة هذا الحديث. ولهذا جاء في أحاديث متعددة مدح المتمسك بدينه في آخر الزمان وأنه كالقابض على الجمر وأن للعامل منهم أجر خمسين ممن قبلهم لأنهم لا يجدون أعواناً في الخير.

و هؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما من يصلح نفسه عند فساد الناس والثاني من يصلح ما أفسد الناس من السنة وهو أعلى القسمين وهو أفضلهما. والله الهادي إلى سواء السبيل وصلى الله على محمد. اهـ كتاب (كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة)

    للشيخ عبد الرحمن بن رجب


2 – غربـة الإسـلام

لا إشكال في أن الإسلام اليوم غريب في أكثر الأقطار التي تنتسب للإسلام ويكاد أن يكون غريباً في البقية الباقية من بلاد المسلمين، وليس من قلة في عدد المنتسبين للإسلام، ولكن ذلك من قلة الذين يصدق عليهم أن يسموا مسلمين حقيقة، ويوضح ذلك: أن كثيراً ممن ينتسبون للإسلام يشركون بالله في كثير من أنواع العبادة مثل: الدعاء والذبح والنذر. فهم يدعون الأموات ويطلبون منهم حوائجهم أو رد غائبهم أو شفاء مرضاهم ويجعلونهم وسائط بينهم وبين الله، ويذبحون لغير الله كذبحهم للقبور وللجن، وينذرون لغير الله إلى غير ذلك من أنواع الشرك الأكبر وقد قال الله تعالى: }إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ{ سورة النساء، آية (48 و116).

ومن المنتسبين للإسلام من استهزؤوا بكثير مما جاء به الرسول ﷺ‬ وأمر به وسخروا بمن يتأسى به ويطيع أمره والله سبحانه وتعالى يقول في حق المستهزئين }قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ{ سورة التوبة، آية (65 – 66). ومن ذلك استهزاؤهم بالدعاة إلى الله وبالمتمسكين بدينه واحتقارهم لهم ووصفهم إياهم بالرجعية والتخلف، ومنه استهزاؤهم بعمود الدين (الصلاة) وبالمصلين – عياذا بالله – ومنه: استهزاؤهم باللحى وبمن يعفيها من المؤمنين، وبالحجاب والمتحجبات.. إلى غير ذلك بل ربما تجرأ البعض فسب الدين.

نعوذ بالله من ذلك كله – ومنهم من أعرض عن دين الله.. فلم يتعلمه ولم يعمل به ولم يُعَلْمه أهله وأبناءه ولم يرد لهم العمل به وقد قال الله تعالى في حق المعرضين عن دينه: }وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ{ سورة السجدة، آية 22. وقال تعالى: }وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى{ سورة طه آية (124 – 126). وتحاكم بعضهم إلى القوانين الوضعية المخالفة للكتاب والسنة واعتقدوا أنها أكمل من هدي محمد ﷺ‬ - والله سبحانه وتعالى يقول: }وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ{ سورة المائدة، آية 44. ويقول عز وجل: }أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ{ سورة المائدة، آية 50. وقال تعالى: }فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{ سورة النساء آية 65.

والكراهة والغضب يظهران على وجوه كثير من أولئك المنتسبين للإسلام عندما يُدْعون إلى الله وعندما تتلى عليهم آياته والله سبحانه وتعالى يقول: }وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{ سورة الحج، آية 72. وترك كثيرون عمداً العمل بما دلت عليه آيات الله وأحاديث رسوله ﷺ‬ - بل جادلوا في ذلك وقد قال الله تعالى: }مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ{ سورة غافر، آية 4. وكره كثير من أولئك المنتسبين للإسلام إقامة الدين والاجتماع عليه، وأبغضوا أهله العاملين به الداعين إليه وآذوهم. ومن المعلوم أنه لا يكره إقامة الدين والاجتماع عليه إلا مشرك كافر كما قال الله تعالى: }شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ{ سورة الشورى، آية 13. وركن كثير من أولئك المنتسبين للإسلام إلى الكفار وتولوهم وتشبهوا بهم في كثير من أفعالهم وأقوالهم وقد قال الله تعالى: }وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ{ سورة المائدة، آية 51. وقال سبحانه: }فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا{ سورة هود، آية 113. وقال النبي ﷺ‬ - «من تشبه بقوم فهو منهم»([91]). وترك كثير من أولئك المنتسبين للإسلام الصلاة وضيعوها عمداً وعناداً. وقد قال الله تعالى: }وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ{ سورة مريم، آية 59. وأخبر سبحانه عن المجرمين حينما يقول لهم المؤمنون: «ما سلككم في سقر»؟ بأنهم يقولون: «لم نك من المصلين» وقال النبي ﷺ‬ - في الحديث الذي رواه مسلم وغيره «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة». وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» هذه بعض من نواقض الإسلام التي ارتكبها كثير من أولئك المنتسبين للإسلام ومع هذا: فقد تفشت بينهم الفواحش، وأمعن الكثيرون في الشر والانحلال من دين الله باسم الحرية والتقدم، ووصفوا بالرجعية والجمود كل مؤمن يناديهم إلى ما فيه نجاتهم من عذاب الله. هذه من فعال تلك الكثرة التي تدَّعي الإسلام وتظهر الغضب لو وصفت بالكفر، أما من جاهروا بالكفر وانسلخوا من الإسلام علناً والعياذ بالله كمن اعتنق المبادئ الإلحادية الهدامة كالشيوعية وغيرها من مذاهب الإلحاد والكفر.. هؤلاء المنحرفون الضالون وكل من ظهرت ردته عن دين الله جزاؤهم في الدنيا: ما قاله النبي ﷺ‬ - «من بدل دينه فاقتلوه»([92]) أما في الآخرة فقد أعد الله لهم من العذاب المهين ما تقشعر لذكره جلود الذين يخشون ربهم فان تابوا ورجعوا إلى ربهم وندموا على ردتهم واستغفروا الله وأدوا فرائضه واجتنبوا محارمه ورضوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ‬ - نبياً رسولاً وآمنوا بجميع الرسل والكتب السماوية وكفروا بمذاهب الكفر كلها فعسى الله أن يقبل توبتهم ويغفر لهم. وإلا فسيجدون عاقبة مكرهم وتكبرهم وجحودهم.

نسأل الله مقلب القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ا هـ. من كتاب (الإرشاد إلى طريق النجاة)

للشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر


 (جواز الدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين)([93])

خرج الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ان رسول الله ﷺ‬ قال: «اللهم إني أسالك فعل الخيرات. وترك المنكرات وحب المساكين. وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في ثوم فتوفني غير مفتون وأسألك حُبَّك وحُبَّ من يحبك وحب عمل يقربنى إلى حبك، وقال رسول الله ﷺ‬ إنها حق فادرسوها وتعلموها» وخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح قال: وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا؟ فقال: هذا حديث حسن صحيح([94]).

قوله ﷺ‬: «و إذا أردت بقوم فتنةً فاقبضني إليك غير مفتون»: المقصود من هذا الدعاء سلامة العبد من فتن الدنيا مدة حياته، فإن قَدَّر الله – عز وجل – على عباده فتنة قبض عبده إليه قبل وقوعها، وهذا من أهم الأدعية فإن المؤمن إذا عاش سليماً من الفتن ثم قبضه الله تعالى إليه قبل وقوعها وحصول الناس فيها كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبي ﷺ‬ - أصحابه أن يتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن»([95]). وفي حديث آخر: «و جَنِّبنا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن»([96]). وكان يخص بعض الفتن العظيمة بالذكر، فكان يتعوذ بالله في صلاته من أربع، ويأمر بالتعوذ منها: «أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال»([97]).

ففتنة المحيا تدخل فيها فتن الدين والدنيا كلها، كالكفر والبدع والفسوق والعصيان. وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة وفتنة الملكين في القبر، فإن الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريباً من فتنة الدجال([98]). ثم خص فتنة الدجال بالذكر لعظم موقعها، فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن.

وفي حديث معاوية عن النبي ﷺ‬ - أنه قال: «إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة»([99]). وأخبر النبي ﷺ‬ - عن الفتن التي كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا([100]).

و كان أول هذه الفتن ما حدث بعد عمر – رضي الله عنه، ونشأ من تلك قتل عثمان – رضي الله عنه، وما ترتب عليه من إراقِة الدماء وتفرق القلوب وظهور فتن الدين كبدع الخوارج المارقين من الدين وإظهارهم ما أظَهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتن التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة المشهور حين سأله عنها عمر([101])، وكان حذيفة – رضي الله عنه – من أكثر الناس سؤالاً للنبي ﷺ‬ - عن الفتن خوفاً من الوقوع فيها([102]). ولما حضره الموت قال: حبيب جاء على فاقةً، لا أفلح من ندم ! الحمد لله الذي سبق([103]) بي الفتنة ! قادتها وعلوجها([104]). وكان موته قبل قتل عثمان رضي الله عنه بنحوٍ من أربعين يوماً، وقيل: بل مات بعد قتل عثمان. وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائماً، فأتاه آتٍ في منامه فقال له: قم ! فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات بعد قليل.

وقد روي عن النبي ﷺ‬ - أنه قال لرجل: «إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان فإن استطعت أن تموت فمت»([105])، وهذا إشارة إلى هذه الفتن التي وقعت بمقتل عثمان – رضي الله عنه.

والدعاءُ بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابةُ والصالحون بعدهم، ولما حج عمر – رضي الله عنه – آخر حجةٍ حجها استلقى بالأبطح([106]) ثم رفع يديه وقال: اللهم إنه قد كبرت سني، ورق عظمي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفتون. ثم رجع إلى المدينة فما انسلخ الشهر حتى قتل – رضي الله عنه([107]).

ودعا علي t ربه أن يريحه من رعيته حيث سئم منهم فقتل عن قريب، ودعت زينب بنت جحش لما جاءها عطاءُ عمر من المال فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاءُ لعمر بعدها. فماتت قبل العطاء الثاني([108]). ولما ضجر عمر بن عبد العزيز من رعيته – حيث ثقل عليهم قيامه فيهم بالحق – طلب من رجل كان معروفاً بإجابة الدعوة أن يدعو له بالموت، فدعا له ولنفسه بالموت فماتا. ودعي طائفة من السلف الصالح إلى ولاية القضاء، فاستمهلوا ثلاثة أيام فدعوا الله لأنفسهم بالموت فماتوا.

واطُّلع على حال بعض الصالحين ومعاملاته التي كانت سراً بينه وبين ربه، فدعا الله أن يقبضه إليه خوفاً من فتنة الاشتهار فمات. فإن الشهرة بالخير فتنة كما جاء في الحديث: «كفى بالمرء فتنةً أن يشار إليه بالأصابع، فإنها فتنة»([109]).

وكان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيراً فسئل عن ذلك، فقال: ما يدريني ! لعلي أدخل في بدعةٍ، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة، أكون قد مت فسبقت هذا.

واعلم أن الإنسان لا يخلو من فتنة، قال ابن مسعود: لا يقل أحدكم: أعوذ بالله من الفتن، ولكن ليقل: أعوذ بالله من مضلات الفتن. ثم تلا قوله تعالى: }إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ{ [التغابن: 15]([110]). يشير إلى أنه لا يستعاذ من المال والولد وهما فتنة، وفي المسند أن النبي ﷺ‬ - أمر أم سلمة أن تقول: «اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أبقيتني»([111]).

وقد جعل النبي ﷺ‬ - النساء والأموال فتنةً، ففي الصحيح عنه ﷺ‬ - قال: «ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء»([112]). وفيه أيضاً أنه ﷺ‬ قال: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم»([113]).

وفي صحيح مسلم عنه ﷺ‬ قال: «اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»([114]).

وفي الترمذي أنه ﷺ‬ قال: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال»([115]).

وقد قال الله – عز وجل: }وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا{ [الفرقان: آية 20]، فالرجل فتنة للمرأة، والمرأة فتنة للرجل، والغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، والفاجر فتنة للبَر، والبَر فتنة للفاجر، والكافر فتنة للمؤمن، والمؤمن فتنة للكافر كما قال تعالى: }وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ{ [سورة الأنعام: آية 53]، وقال – عز وجل }وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً{ [الأنبياء: 35]، فجعل كل ما يصيب الإنسان من شر أو خيرٍ فتنةً، يعني أنه محنة يمتحن بها، فإن أصيب بخير امتحن([116]) به شكره، وإن أصيب بشرٍ([117]) امتحن([118]) به صبرهُ. وفتنة السراء أشد من فتنة الضراء، قال عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه -: بلينا بفتنة الضراء فصبرنا، وبلينا بفتنة السراء فلم نصبر([119]). وقال بعضهم: فتنة الضراء يصبر عليها البر والفاجر، ولا يصبر على فتنة السراء إلا صِدِّيق.

ولما ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء صبر ولم يجزعْ، وقال: كانت زيادةً في إيماني. فلما ابتلي بفتنة السراء جزع وتمنى الموت صباحاً ومساءً، وخشي أن يكون نقصاً في دينه. ثم إن المؤمن لا بد أن يفتن بشيء من الفتن المؤلمةالشاقة عليه ليمتحن إيمانه كما قال الله تعالى: }الـم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ{ [العنكبوت: 1 – 3]، ولكن الله يلطف بعباده المؤمنين في هذه الفتن، ويُصبِّرهم عليها، ويثيبهم فيها، ولا يلقيهم في فتنةٍ مهلكةٍ مضلةٍ تذهب بدينهم، بل تمر عليهم الفتن وهم منها في عافيةٍ.

و أخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر مرفوعاً: «إن لله ضنائن»([120]) من عباده يغذوهم في رحمته، ويحييهم في عافيةٍ، ويتوفاهم إلى جنته، أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم، وهم منها في عافيةٍ»([121]).

و الفتن الصغار التي يبتلى بها المرء في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة كذا([122]) جاء في حديث حذيفة([123])، وروي عنه أنه سأل النبي ﷺ‬ - قال – إن في لساني ذرباً، وإن عامة ذلك على أهلي فقال له: «أين أنت من الاستغفار»([124]).

وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهي التي يستعاذُ منها، ويسأل الموت قبلها، فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه الله تعالى وحماه، وفي المسند عن محمود بن لبيد عن النبي ﷺ‬ قال: «اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتن، ويكره قلة المال: وقلة المال أقل للحساب»([125]).

(ما يعصم من الفتن)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن الذي أخبر بوقوع الفتن في آخر الزمان أرشد إلى ما يعصم منها. أجملها فيما يلي:

1- الإيمان الصادق والعمل الصالح الخالص لله الموافق للسنة قال الله تعالى: }مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [سورة النحل: آية 97] والحياة الطيبة راحة القلب وطمأنينة النفس والقناعة برزق الله وإدراك لذة العبادة، والحياة الطيبة تستلزم السلامة من الفتن. والإيمان الصحيح ما حصل في القلب وصدقه العمل، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وله شعب تزيد على السبعين. وقرن الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية في القرآن الكريم لأنهما متلازمان فلا ينفع الإيمان بدون عمل صالح ولا ينفع العمل بدون إيمان وعقيدة صحيحة. وقال تعالى: }أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [سورة يونس آية 62 – 64] وأولياء الله هم المؤمنون المتقون فكل مؤمن تقي فهو لله ولي وقد نفى عنهم الخوف فيما يستقبلونه والحزن على ما خلَّفو، وبشرهم بالفوز والسعادة في الدنيا والآخرة وذلك يتضمن السلامة والعصمة من الفتن فهنيئاً لهم بذلك نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم منه وكرمه وتوفيقه.

ومن ثمرات الإيمان أن الله يدافع عن الذين آمنوا جميع المكاره وينجيهم من الشدائد قال تعالى: }إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا{ [سورة الحج: آية 38] وذلك يتضمن وقايتهم من الفتن.

ومن ثمرات الإيمان حصول البشارة بكرامة الله والأمن التام من جميع الوجوه قال تعالى: }الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ{ [سورة الأنعام آية 82] فالذين وحدوا الله ولم يخلطوا توحيدهم بشرك هم الآمنون المهتدون في الدنيا والآخرة. وذلك يتضمن الأمن من الفتن فالمؤمن الصادق في إيمانه له الأمن التام في الدنيا من الفتن وفي الآخرة من العذاب، أمن من سخط الله وعقابه، وأمن من جميع المكاره والشرور، وله البشارة الكاملة بكل خير وقال تعالى: }يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ{ [سورة إبراهيم 27] يعنى يثبتهم في الدنيا على الإيمان والعمل الصالح وذلك يتضمن عصمتهم من الفتن المضله ويثبتهم في القبر حينما يسأل الواحد منهم من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول المؤمن ربي الله والإسلام ديني ومحمد نبي كما جاء في التفسير والأحاديث الصحيحه.

نسأل الله تعالى أن يثبتنا وسائر إخواننا المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه.

2- مما يعصم من الفتن لزوم تقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وفعل ما أوجب وترك ما حرم قال تعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ{ [سورة الطلاق آية 2 – 3] فوعد من أطاعه واتقاه بالخروج من كل شدة وضيق وبالرزق من حيث لا يخطر على باله ولا يدور في حسبانه وذلك يتضمن الخروج من الأزمات والفتن والشدائد وقال تعالى: }وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا{ أي ييسر له أمره فالمؤمن التقي ييسر الله له اموره وييسره لليسرى ويجنبه العسرى ويسهل عليه الصعاب ويجعل له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسنة.

وقال تعالى: }وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ [سورة البقرة: آية 189] والفلاح أجمع كلمة قالتها العرب وذلك يتضمن حصول المطلوب والنجاة من المرهوب والسلامة من الفتن لمن اتقى الله تعالى حق تقاته بأن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.

والتقوى وصية الله للأولين والآخرين ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وهي تتضمن سعادة الدنيا والآخرة كما تقدم.

3- مما يعصم من الفتن ذكر الله كثيراً قال الله تعالى: }فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ{ [سورة البقرة آية 152] قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي اذكركم بمعونتي، وقال سعيد بن جبير، اذكروني بطاعتي اذكركم بمغفرتي، وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدة والبلاء([126]) والآية تشمل ما ذكر كما تشمل ذكره تعالى بالقلب واللسان وتتضمن وقايته لمن يذكره من الفتن والمحن والشدائد لقوله تعالى: }فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{ [سورة الصافات: آية 143 – 144].

وقال النبي ﷺ‬ «يقول الله تعالى أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره البخاري تعليقاً وقال ﷺ‬ «يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني» رواه البخاري ومسلم ومن كان الله معه فلا خوف عليه والحديث دليل على فضل الذكر وأن الله مع من ذكره برحمته ولطفه وأعانته والرضاء بحاله وهذه معية خاصة كما قال تعالى: }إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ{ [سورة النحل آية 128] وذلك يتضمن العصمة من الفتن.

4- مما يعصم من الفتن التوبة والاستغفار قال الله تعالى: }وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ [النور آية 31] والفلاح كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب وقال تعالى: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ{ [سورة هود آية 3] دلت الآية على أن التوبة والاستغفار من أسباب المتاع الحسن في هذه الحياة وجزاء كل محسن بإحسانه وذلك يتضمن حصول المحبوب والنجاة من المكروه والسلامة من الفتن. وقال تعالى: }وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ{ [الأنفال: آية 33] دلت الآية على أن الاستغفار يمنع العذاب وحصول الفتن لأنها من أنواع العذاب، وفي الحديث: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وقال الحاكم صحيح الإسناد.

 وفيه الحث على الإكثار من الاستغفار وملازمته وإنه مما يعصم من الفتن.

5- مما يعصم من الفتن الدعاء فقد أمر الله تعالى بالدعاء وتكفل بالإجابة وهو سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد قال تعالى: }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{ [سورة غافر آية 60] ومن ذلك دعا الأبويين عليهما السلام حيث قالا: }قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ [سورة الأعراف آية 23] ومن ذلك دعوة يونس عليه السلام إذ دعا بها وهو في بطن الحوت }لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين{. قال عليه الصلاة والسلام «ما دعاء بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له» رواه أحمد والترمذي والنسائي والبيهقى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الترمذي. ومن ذلك دعاء الكرب «لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم» رواه البخاري ومسلم.

6- مما يعصم من الفتن التعوذ بالله منها قال النبي ﷺ‬ «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» رواه مسلم. وقال ﷺ‬ رأيت ربي في أحسن صورة يعني في المنام – إلى أن قال يا محمد إذا صليت فقل «اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

 وقال عليه الصلاة والسلام «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال» متفق عليه ومن أعاذه الله من هذه الأربع فقد أعاذه من كل سوء لأن هذه هي أصول الفتن نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا إن يعيذنا وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

7- مما يعصم من الفتن التوكل على الله والاعتماد عليه وحده في جلب المنافع ودفع المضار كما قال تعالى: }وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{ [سورة الطلاق آية 3] أي كافية ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه. وعن ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار وقالها محمد ﷺ‬ حين قالوا له «إن الناس قد جعلوكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل» رواه البخاري والنسائي وفيه فضل هذه الكلمة العظيمة وأنها قول الخليلين عليهما الصلاة والسلام في الشدائد «حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا».

8- مما يعصم من الفتن الأمر بالمعروف – الذي أمر الله به ورسوله والنهي عن المنكر الذي نها الله عنه ورسوله لقول الله تعالى: }فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ{ [سورة الأعراف من آية 165] وهكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر سفينة النجاة من ركبها نجا وسلم ومن تخلف عنها هلك كما ضرب الرسول ﷺ‬ المثل لذلك في قوله: «مثل القائم بحدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فكان بعضهم في أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقو من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجو ونجو جميعاً» رواه البخاري والقائم في حدود الله معناه المنكر لها القائم في دفعها وإزالتها والمراد بالحدود ما نها الله عنه ومعنى «استهموا» اقترعوا وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ{ [سورة المائدة آية 105]،و إني سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «إن الناس إذا رأو الظالم فلم يأخذو على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.

9- و من أهم وأعظم ما يعصم من الفتن التمسك بالكتاب العزيز والسنة المطهرة علماً وعملاً واعتقاداً ودعوة قال الله تعالى: }وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ{ [سورة الأعراف آية 170]. ومن الأجر المعد للصالحين المصلحين الوقاية من الفتن. وقال تعالى: }قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{ [سورة المائدة آية (15 – 16)] فوصف القرآن الكريم بأنه نور يستضاء به في ظلمات الجهل حيث إنه يبين الهدى من الضلال، والضار من النافع، والحلال من الحرام، وأنه تعالى يهدي بهذا الكتاب من اتبع رضوانه فعمل بطاعته وترك معصيته – (سبل السلام) أي الطرق الموصلة إلى السلام الديني والدنيوي الحسي والمعنوي ويخرجهم بهذا الكتاب من ظلمات الشرك والكفر والجهل إلى نور التوحيد والإيمان والعلم، ويهديهم إلى صراط مستقيم وهو معرفة الحق والعمل به. وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ{ [سورة يونس آية 57] فوصف القرآن الكريم بأربعة أوصاف وهي أنه موعظة لنا من ربنا لما تضمنه من نصوص الوعد والوعيد والثواب لمن أطاع الله والعقاب لمن عصاه وأنه شفاء لما في الصدور من أمراض الشبهات والشهوات وهدى لمن أراد الله هدايته ورحمة للمؤمنين يرحمهم الله بسبب تلاوته وتدبره والعمل به.

 ومن لازم ما تقدم من أوصاف القرآن الكريم أن يُعْصَمَ من الفتن من عمل به واتبعه وحكمه ونفذ ما فيه من أوامر ونواهي.

وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ‬ خطب الناس في حجة الوداع فقال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنة نبيه» - الحديث. رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد احتج البخاري بعكرمة، واحتج مسلم بأبي أويس، وله أصل في الصحيح (الترغيب والترهيب للمنذري 1/44).

وعن أبي شريح الخزاعي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ‬ فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قالوا بلى. قال إن هذا القرآن طرفه بيدِ الله، وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبداً. رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد.

وقال تعالى: }فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى{ [سورة طه آية123] قال ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة([127]) وذلك يستلزم عصمته من الفتن.


 (ما جاء في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة)

عن المغيرة بن شبعة رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: «لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» رواه الإمام أحمد والشيخان.

وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» رواه الإمام أحمد والشيخان. وزاد أحمد والبخاري قال عمير بن هانئ فقال مالك بن يخامر قال معاذ وهم بالشام فقال معاوية هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم بالشام.

و عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ‬ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبرقاني في صحيحه وقال الترمذي هذا حديث صحيح.

و عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما عن النبي ﷺ‬ قال: «لن يبرح هذا الدين قائماً عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» رواه أحمد ومسلم.

و عن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ‬ «لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

و عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» رواه أبو داود الطيالسي والطبراني في الصغير والكبير والحاكم في مستدركه قال الهيثمي ورجال الكبير رجال الصحيح وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «لا تزال طائفة من أمتي قَوَّامة على أمر الله لا يضرها من خالفها» رواه ابن ماجه وإسناده جيد. ورواه البزار بنحوه قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح غير زهير بن محمد بن قمير وهو ثقة. ورواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه ولفظهما قال: «لا يزال على هذا الأمر عصابة على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم على ذلك».

وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ‬ «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.

و عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة» رواه الإمام أحمد ومسلم.

والمراد بالطائفة المذكورة في هذه الاحاديث أهل السنة والجماعة وجزم البخاري أنهم أهل العلم في كتاب الاعتصام من صحيحه([128]).


 (ما جاء في المجددين للدين)

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ‬ أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». رواه أبو داود والحاكم في مستدركه.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في كتاب النهاية وقد ادَّعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر والله أعلم أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين إلى غير ذلك من الأصناف.

ومن أعظم المجددين بركة في آخر هذه الأمة شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وأصحابه في آخر القرن السابع من الهجرة وأول القرن الثامن.

ومن أعظم المجددين بركة في آخر هذه الأمة أيضاً شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده وغيرهم من علماء نجد الاعلام في آخر القرن الثاني عشر من الهجرة والقرن الثالث عشر والرابع عشر. وقد جعل الله تعالى في دعوة هذا الشيخ بركة عظيمة وأيدها بالجهابذة المحققين يجادلون من عارضها بالحجة والبرهان وأيدها بالأبطال الشجعان يجالدون من عاندها بالسيف والسنان. فأصبح الإسلام ظاهراً عزيزاً بعد طول اغترابه. وصارت الطائفة المنصورة دولة عظيمة ذات شوكة قوية وبأس شديد بعدما كانوا قليلاً مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم الله وأيدهم بنصره ورزقهم من الطيبات لعلهم يشكرون. فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين. حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله([129]).

 (أدعية جامعة نافعة لا يستغنى عنها)

قال الله تعالى: }وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ{ وقال ﷺ‬: «الدعاء هو العبادة» رواه أصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلياء أن تعز الإسلام والمسلمين وأن تذل الشرك والمشركين وأن تدمر أعداء الدين اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.

اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت.

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الأخرة.

اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.

اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم ارحم في الدنيا غربتي وارحم في القبر وحشتي وارحم في الآخرة وقوفي بين يديك.

اللهم اعتق رقبتي من النار وأوسع لي من الرزق الحلال واصرف عني فسقة الجن والإنس.

اللهم إني أسألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه وظاهره وباطنه وأوله وآخره وعلانيته وسره اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.

اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعزيمة على الرشد والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم والفوز بالجنة والنجاة من النار يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والأكرام.

اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم صلى على محمد وعلى آله وصحبه.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

ربنا فاعفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.

ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار.

ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشداً.

ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عدابها كان غراماً.

اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك.

اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وشماتة الأعداء.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير والموت راحة لي من كل شر. اللهم صلى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري وتلهمني بها رشدي وتعصمني بها من كل سوء.

اللهم طهر قلبي من النفاق ولساني من الكذب وعملي من الرياء وعيني من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم صلى على محمد وعلى آله وصحبه.

اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحون وأعوذ بك من شر ما استعاذ بك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ‬ وعبادك الصالحون. رب قني عذابك يوم تبعث عبادك.

اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري، رب اغفر خطيئتي يوم الدين.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.

رب أوزعني أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه واصلح لي في ذريتى إني تبت إليك وإني من المسلمين. وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولاتحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. آمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ملاحظة:

ينبغي للمسلم أن يلازم هذا الدعاء دائماً وخصوصاً في الزمان الفاضل والمكان الفاضل كرمضان والحج وعشر ذي الحجة، وليلة القدر وآخر الليل وفي الحرمين الشريفين، وبين الآذان والإقامة وفي السجود ويوم عرفة، ويوم الجمعة. ويكرر الدعاء ثلاث مرات، ويفتتح الدعاء بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ويختمه بذلك.



(1) انظر النهاية لابن كثير 1/125 ذكر ما يعصم من الدجال

(1) سورة البقرة من آية 191.

(2) سورة البروج آية 10.

(*) كتاب الإذاعة لصديق القنوجي ص 11.

(3) سورة الذاريات آية 14.

(4) سورة التوبة من آية 49.

(5) سورة طه آية 40.

(6) سورة الأنبياء آية 35.

(1) سورة الإسراء آية 73.

(2) فتح الباري لابن حجر 13 / 3.

* اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم 3/300 – 315.ما كأم

2 – فزعاً: أي خائفاً. (ويل للعرب من شر قد اقترب): خص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم. والمراد بالشر ما وقع بعده من قتل عثمان. ثم توالت الفتن حتى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة. قال القرطبي ويحتمل أن يكون المراد بالشر ما أشار إليه في حديث أم سلمة «ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا أنزل من الخزائن» فأشار بذلك إلى الفتوح التى فتحت بعده، فكثرت الأموال في أيديهم، فوقع التنافس الذى يجر الفتن. وكذا التنافس على الإمرة؛ فإن معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بنى أمية وغيرهم حتى أفضى ذلك إلى قتله، وترتب على قتله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمر (فُتحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج): المراد بالردم السد الذى بناه ذو القرنين (و حلق بأصبعه الإبهام والتي تليها): أي جعلهما مثل الحقلة. (أنهلك وفينا الصالحون) كأنها أخذت ذلك من قوله تعالى – }وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم{ قال نعم إذا كثر الخبث: فسروه بالزنا أو بأولاد الزنا، وبالفسوق والفجور. وهو أولى لأنه قابله بالصلاح. قال النووى (ومعنى الحديث إن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون).

3- (يغزو جيش الكعبة) لتخريبها. (ببيداء من الأرض): البيداء مكان معروف بين مكة والمدينة. (وفيهم أسواقهم): المعنى أهل أسواقهم، أو السوقة منهم. (ومن ليس منهم): أي من أهل القتال كالباعة. (ثم يبعثون على نياتهم): فيعامَل كل أحد عند الحساب بحسب قصده. قال النووي (وفي هذا الحديث من الفقه التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين. لئلا يناله ما يعاقبون به).

4- أشرف: نظر من مكان مرتفع. (أطُم من آطام المدينة): الأطم القصر والحصن. ومواقع: أي مواضع سقوط (خلال بيوتكم): أي نواحيها. كمواقع القطر: التشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم، أي أنها كثيرة، وتعم الناس لا تختص بها طائفة. وهذا إشارة إلى الحروب الجارية بينهم كوقعة الجمل وصفين والحرة ومقتل عثمان ومقتل الحسين رضي الله عنهما وغير ذلك وفيه معجزة ظاهرة له ﷺ‬.

5- (ستكون فتن): جمع فتنة. والمراد الإختلاف الواقع بين أهل الإسلام بسبب افتراقهم على الإمام، ولا يكون المحق فيها معلوماً. بخلاف زمان علىّ ومعاوية.

     (القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشى والماشى فيها خير من الساعى): قال النووي معناه بيان عظم خطرها، والحث على تجنبها، والهرب منها، وفي التسبب في شيء منها. وأن سببها وشرها وفتنتها تكون على حسب التعلق بها. قال الحافظ في الفتح (و حكى ابن التين عن الداودى أن الظاهر أن المراد من يكون مباشراً لها في الأحوال كلها. يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض. فأعلاهم في ذلك الساعى فيها بحيث يكون سبباً لإثارتها، ثم من يكون قائماً بأسبابها وهو الماشى: ثم من يكون مباشراً لها وهو القائم. ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد. ثم من يكون متجنباً لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان. ثم من لا يقع منه شيء من ذلك ولكنه راض وهو النائم. والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شراً ممن فوقه على التفصيل المذكور). (و من يشرف لها): هو من الإشراف للشيء، وهو الانتصاب والتطلع إليه والتعرض له. وقيل هو من الإشراف بمعنى الإشفاء على الهلاك، ومنه أشفى المريض على الموت وأشرف (تستشرفه): تقلبه وتصرعه. وقيل إنه من استشرفت الشيء إذا علوته. يريد أن من انتصب لها انتصبت له وصرعته (و من وجد ملجأ): أي عاصماً، أو موضعاً يلتجىء إليه ويعتزل فيه (أو معاذاً): هو بمعنى: الملجأ (فليعذ به): أي ليعتزل فيه، ليسلم من شر الفتنة. قال النووى (و هذا الحديث مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال. وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة، فقالت طائفة لا يقاتل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله فلا يجوز له المدافعة عن نفسه. لأن الطالب متأول. وهذا مذهب أبي بكرة الصحابى رضي الله عنه، وغيره وقال ابن عمر، وعمران بن حصين رضي الله عنهم، وغيرهما: لا يدخل فيها، لكن إن قُصِدَ دفع عن نفسه. فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام. وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحق في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى – فقاتلوا التى تبغى – الآية. وهذا هو الصحيح. وتأولو الحديث على من لم يظهر له الحق، أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغى والمبطلون)

6 – (لأنصر هذا الرجل): هو علي بن أبي طالب. (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) فضرب كل واحد منهما الأخر: (فالقاتل والمقتول في النار): أما كون القاتل والمقتول من أهل النار فمحمول على من لا تأويل له، ويكون قتالهما عصبية ونحوها. ثم كونه في النار معناه مستحق لها. وقد يجازى بذلك، وقد يعفو الله عنه. هذا مذهب أهل الحق. قال الإمام النووي (واعلم أن الدماء التى جرت بين الصحابة رضي الله عنهم، ليست بداخلة في هذا الوعيد. ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا. بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفة باغٍ. فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله. وكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ، لأنه لاجتهاد. والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه وكان على رضى الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) مفهومه أن من عزم على المعصية بقلبه، ووطن نفسه عليها، أثم في اعتقاده وعزمه.ما كأم

7 – (فئتان) تثنية فئة وهى الجماعة. (دعواهما واحدة) لأن كلا منهما يتسمى بالإسلام، أو يدَّعي أنه محق. وقد كان عليٌّ الإمام والأفضل يؤمئذ بالاتفاق. وقد بايعه أهل الحل والعقد بعد عثمان. ومخالفه مخطئ معذور بالاجتهاد. قال الإمام النووى (هذا من المعجزات، وقد جرى هذا في العصر الأول).ما كأم

8 – (إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرف) تقديره أنه يرى الشيء الذي قد نسيه فإذا رآه عرفه. (ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه معرفه) تقديره أي الذي كان غاب عنه فنسي صورته ثم إذا رآه عرفه.

9 – (في الفتنة) هي في الأصل الأختبار والامتحان. (عليه) أي على النبي ﷺ‬. أو عليها: على المقاله. (لجريء) بوزن فعيل، من الجرأة، أي جسور مقدام قاله على جهة الإنكار والشك من حذيفة، أو من غيره من الرواة. (فتنة الرجل في أهله) بأن يأتى من أجلهم بما لا يحل من القول أو الفعل. (و ماله) بأن يأخذه من غير مأخذ ويصرفه في غير مصرفه. (وولده) بفرط المحبة والشغل به عن كثير من الخيرات، أو التوغل في الإكتساب من أجلهم من غير اتقاء المحرمات. (و جاره) بأن يتمنى مثل حاله، إن كان متسعاً، مع الزوال. والأمر: بالمعروف. والنهي: عن المنكر. (تموج كما يموج البحر) أي تضطرب كإضطرابه (إن بينك وبينها باباً مغلقاً) أي لا يخرج شيء من الفتن في حياتك إذاً لا يغلق أي أبدا). فإن الإغلاق إنما يكون في الصحيح، وأما الكسر فهو هتك لا يجبر. ولذلك انخرق عليهم بقتل عثمان رضي الله عنه من الفتن ما لا يغلق إلى يوم القياة.

      (إن دون الغد الليلة) أي إن الليلة أقرب من الغد. قيل وإنما علمه عمر رضي الله عنه لأنه عليه الصلاة والسلام كان على حراء، هو والعمران وعثمان رضي الله عنهم فاهتز. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما عليك نبي وصديق وشهيدان». (الأغاليط) جمع أغلوطة، أفعولة من الغلط. كالأحدوثة والأعجوبة.

10 – (يوشك) أي يقرب. (يحسر) أي ينكشف لذهاب مائه. (فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً) وإنما نهى عن الأخذ منه، لما ينشأ، عن الأخذ، من الفتنة والقتال عليه.

11 – (تخرج نار من أرض الحجاز) أي تنفجر من أرض الحجاز. (تضيء أعناق الإبل) أي تجعل النار على أعناق الإبل ضوءاً. (ببصرى) مدينة معروفة بالشام، وهي مدينة (حوران) بينها وبين مدينة دمشق نحو ثلاث مراحل.

12 – إنما أشار عليه الصلاة والسلام إلى المشرق لأن أهله يؤمئذ أهل كفر. فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية. وكذا وقع. فكان وقعة الجمل، ووقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق. وكان أصل ذلك كله قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وهذا معلم من أعلام نبوته ﷺ‬ وشرّف وكرّم.

13 – (تضطرب) تتحرك. (أليات) جمع ألية وهى (العجيزة). (دوس) قبيلة أبي هريرة المشهورة، أي لا تقوم الساعة حتى تتحرك أعجاز نساء دوس من الطواف حول ذي الخلصة. أي يكفرن ويرجعن إلى عبادة الأصنام. وذو الخلصة طاغية دوس: أي ذو الخلصة فيها طاغية دوس أي صنمها. قال ابن بطال (و هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع الأرض حتى لا يبقى منه شيء. لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريباً كما بدأ).

14 – (ياليتني مكانه) أي كنت ميتاً وذلك عند ظهور الفتن وخوف ذهاب الدين لغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصى. أو لما يقع لبعضهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه.

15 – (ذو السويقتين) تثنية سويقة، مصغر الساق. ألحق بها التاء في التصغير لأن الساق مؤنثة، والتصغير للتحقير. وفي سيقان الحبشة دقة فلذا صغرها. (من الحبشة) (من) للتبعيض، أي يخربها ضعيف من هذه الطائفة. والحبشة نوع من السودان.

16 – (يسوق الناس بعصاه) هو كناية عن الملك. شبهه بالراعي وشبه الناس بالغنم. ونكتة التشبيه التصرف الذي يملكه الراعي في الغنم.

17 – (نعالهم الشعر) أي متخذة منه. (المجان) التروس. (المطرقة) التى يطرق بعضها على بعض كالنعل المطروقة المخصوفة إذا طرق بعضها فوق بعض.

18 – (هذا الحي من قريش) وهم الأحداث منهم، لا كلهم. بسبب طلبهم الملك، والحرب لأجله. (لو أن الناس اعتزلوهم) بأن لا يداخلوهم، ولا يقاتلوا معهم، ويفروا بدينهم من الفتن لكان خيراً لهم. قال النووى (و هذا الحديث من المعجزات).

19، 20 – (هلك) أي مات. (كسرى) معرب خسرو، أي واسع الملك، وهو اسم لكل من ملك الفرس. (ثم لا يكون كسرى بعده) بالعراق. (ثم لا يكون قيصر بعده) بالشام. (كنوزهما) أي مالهما المدفون، وكل ما يجمع ويدخر. قال الإمام النووي (قال الشافعي وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام. كما كان في زمنه ﷺ‬ فأعلمنا ﷺ‬ بانقطاع ملكهما في هذين الإقليمين. فكان كما قال ﷺ‬ فأما كسرى فانقطع ملكه وزال بالكلية من جميع الأرض وتمزق ملكه كل ممزق واضمحل بدعوة رسول الله ﷺ‬. وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقاصى بلاده، فافتتح المسلمون بلادهما، واستقرت للمسلمين ولله الحمد. وأنفق المسلمون كنوزهما في سبيل الله كما أخبر صلى الله عليه وسلم. وهذه معجزات ظاهرة).

21 – (تقاتلكم اليهود) الخطاب للحاضرين، والمراد من يأتى بعدهم بدهر طويل. (يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله) فيه ظهور الآيات قرب الساعة من كلام الجماد. ويحتمل المجاز بأن يكون المراد أنهم لا يفيدهم الاختباء. والأول أولى.

22 – (يبعث) يخرج ويظهر. (دجالون كذابون) يقال دجل فلان الحق بباطله أي غطاه. ويطلق على الكذب أيضاً. وحينئذ فيكون قوله (كذابون) تأكيداً. وقد وجد من هؤلاء خلق كثيرون في الأعصار، وأهلكهم الله تعالى، وقلع أثارهم. وكذلك يفعل بمن بقى منهم.

23 – (قبل ابن صياد) أي جهته. وكان غلاماً من اليهود. وكان يتكهن أحياناً فيصدق ويكذب فشاع حديثه. وتحدث أنه الدجال وأشكل أمره. فأراد النبي – أن يختبر حاله، إذ لم ينزل في أمره وحى. (أطم بنى مغالة) الأطم هو الحصن، وجمعه آطام. وبنو مغالة كل ما كان على يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد رسول الله ﷺ‬. (رسول الأميين) أي العرب. (آمنت بالله ورسله) قال الكرماني (فإن قلت كيف طابق قوله آمنت بالله ورسله جواب الاستفهام؟ وأجاب بأنه لما أراد أن يظهر للقوم حاله أرخى العنان حتى يبينه عند المغتربه، فلهذا قال آخراً "اخسأ" وقيل يحتمل أنه أراد باستنطاقه إظهار كذبه المنافي لدعوى النبوة. ولما كان ذلك هو المراد أجاب بجواب منصف، فقال " آمنت بالله ورسله ". (خلط عليك الأمر) أي خلط عليك الحق والباطل على عادة الكهان. (إني قد خبأت لك خبيئاً) أي أضمرت لك في نفسى شيئاً قال ابن صياد هو الدخ: في الترمذي أن النبي ﷺ‬ خبأ له (يوم تأتى السماء بدخان مبين) فأدرك ابن صياد البعض على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين، من غير وقوف على تمام البيان. (اخسأ) كلمة زجر واستهانة. أي اسكت متباعداً ذليلاً. (فلن تعدو قدرك) أي لن تتجاوز القدر الذي يدركه الكهان من الاهتداء إلى بعض الشىء، ولا يتجاوزون منه إلى النبوة. (إن يكنه) أي إن يكن ابن صياد الدجال فلن تسلط عليه: لأن عيسى هو الذى يقتله (و إن لم يكنه فلا خير لك في قتله) قال الخطابي (و إنما لم يأذن النبي ﷺ‬ في قتله، مع ادعائه النبوة بحضرته، لأنه كان غير بالغ، أو لأنه كان من جملة أهل المهادنة) ولم يصرح ابن صياد بدعوى النبوة، وإنما أوهم أنه يدعى الرسالة. ولا يلزم من دعواها دعوى النبوة. قال الله تعالى: }ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين{ سورة مريم آية 83.

24 – (طفق) أي جعل. (يتقي) أي يستتر. (بجذوع النخل) أي أصولها. (يختل) أي يسمع في خفية. أي يخدع ابن صياد ويستغفله ليسمع شيئاً من كلامه، ويعلم هو والصحابة حاله في أنه كاهن أم ساحر ونحوهما.

     (قطيفة) كساء له خمل. (رمزة) صوت خفي لا يكاد يفهم أو لا يفهم. (فثار ابن صياد) أي نهض من مضجعه مسرعاً. (لو تركته) أمه ولم تعلمه (بين) أظهر لنا من حاله ما نطلع به على حقيقة حاله.

25 – (لقد أنذره نوح قومه) هذا الإنذار لعظم فتنته وشدة أمرها. وخص نوحاً بالذكر لأنه أبو البشر الثاني، أو أنه أول مشرّع.

26 – (بين ظهرى الناس) أي جالساً في وسط الناس مستظهراً لا مستخفياً. (المسيح الدجال) فعَّال من أبنية المبالغة. وأصل الدجل الخلط، يقال دجل إذا خلط وموّه. والدجال هو الذي يظهر آخر الزمان ويدَّعي الإلهية. (طافية) أي بارزة، وهي التي خرجت عن نظائرها في النتوّ من العنقود.

27 – (إنه أعور) إنما اقتصر على وصف الدجال بالعور، مع أن أدلة الحدوث كثيرة ظاهرة، لأن العور أثر محسوس يدركه كل أحد. فدعواه الربوبية مع نقص خلقته عَلمَ كذبه. لأن الإله يتعالى عن النقص. وإن بين عينيه مكتوب كافر: (بين عينيه مكتوب) جملة هي الخبر. و(كافر) خبر مبتدأ محذوف. أي بين عينيه شيء مكتوب، وذلك الشيء هو كلمة (كافر).

(28، 29) قال الإمام النووى (قال القاضي: هذه الأحاديث في قصة الدجال حجة في مذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدروات الله تعالى. من إحياء الميت الذى يقتله. ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه واتباع كنوز الأرض له. وأمره السماء أن تمطر فتمطر. والأرض أن تنبت فتنبت. فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته. ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره، ويقتله عيسى ﷺ‬. ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار).

30 – (نقاب المدينة) طرقها وفجاجها، وهو جمع نقب، وهو الطريق بين الجبلين. (السباخ) جمع سبخة، وهي الأرض تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت شيئاً والمعنى أنه ينزل خارج المدينة على أرض سبخة من سباخها. أرأيت: أي أخبرنى. (فيقولون) أي اليهود ومن يصدقه من أهل الشقاوة أو العموم، يقولون ذلك خوفًا منه لا تصديقًا له. أشد بصيرة منى اليوم: لأن النبي ﷺ‬ أخبر بأن علامة الدجال أنه يحيي المقتول. فزادت بصيرته بتلك العلامة. (أقتله فلا أسلط عليه) أي على قتله؛ لأن الله يعجزه بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره. وحينئذ يبطل أمره.

31 – (جبل خبز) أي معه من الخبز قدر الجبل. (هو أهون على الله من ذلك) أي من أن يجعل شيئاً من ذلك آية على صدقه، لا سيما وقد جعل الله فيه آية ظاهرة في كذبه وكفره، يقرؤها من قرأ ومن لم يقرأ زيادة من شواهد كذبه، من حدثه ونقصه بالعور. وليس المراد ظاهره، وأنه لا يجعل على يديه شيئاً على ذلك. بل هو على التأويل المذكور. وقال الإمام النووى (قال القاضي: معناه هو أهون على الله من أن يجعل ما خلقه الله على يده مضلاً للمؤمنين ومشككاً لقلوبهم. بل إنما جعله له ليزداد الذين آمنوا إيماناً، ويثبت الحجة على الكافرين والمافقين ونحوهم. وليس معناه أنه ليس معه شيء من ذلك).

32 – (إلا سيطؤه) سيدخله. (نقابها) أي نقاب المدينة. وهي طرقها وفجاجها. (ترجف) أي تزلزل. بأهلها: يحتمل أن تكون (الباء) سببية، أي تزلزل وتضطرب بسبب أهلها لتنفض إلى الدجال الكافر والمنافق. ويحتمل أن تكون حالاً أي ترجف متلبسة بأهلها وقال المظهرى: ترجف المدينة بأهلها أي تحركهم وتلقي ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالص. فعلى هذا، فالباء صلة الفعل. فيخرج الله في الثالثة منها. كل كافر ومنافق: ويبقى بها المؤمن الخالص، فلا يسلط عليه الدجال.

34 – (و الساعة) أي يوم القيامة، مفعول معه.

36 – (ما بين النفختين) نفخة الإماتة ونفخة البعث. (أبيت) أي امتنعت من الإخبار بما لا أعلم. (فينبتون) أي الأموات، (ليس من الإنسان) أي غير الأنبياء. (عجب الذنب) هو عظم لطيف في رأس العصعص، بين الأليتين.

(1) المصدر السابق 3/300-315.

(1) إتحاف الجماعة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة 1/15 – 16.

(2) المصدر السابق 1/64.

(1) المصدر السابق 1/74

(1) سورة الاسراء آية 64.

(2) سورة فاطر آية 6.

(1) سورة محمد آية 4.

(1) سورة المائدة آية 104.

(1) سورة فصلت آية 42.

(2) سورة طه آية 123 – 127.

(3) خطب الدكتور صالح الفوزان 1/357.

(1) قال الترمذي هذا حديث إسناده مجهول وفي الحارث مقال.

(1) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.

(2) سورة طه آية 123 – 126.

(1) رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه.

(1) سورة القمر آية 46.

(1) سورة العنكوت آية 1 – 2.

(2) المصدر السابق 1/397.

([61]) رسالة الفتن لجزاع الشمري ص 14.

(4) سورة آل عمران آية 14.

(1) سورة التغابن من آية 14.

(1) هذا الصنف هم الشرطة الذين لدى الأمراء والسلاطين الظلمة.

(2) اختلفت الروايات في تحديد هذه المسيرة، ففي رواية أنها أربعون عاماً، وفي أخرى سبعون عاماً، وفي آخر مائة عام، وفي رواية خمسمائة عام، وأخرى ألف عام، ذكر ذلك الحافظ في الفتح (12/259 – 260) وذلك للجمع بين هذه الروايات، ونقل فيه قول شيخه في الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، بتفاوت منازلهم ودرجاتهم. ونقل كلام ابن العربي: ريح الجنة لا يدرك بطبيعة ولا عادة، وإنما يدرك بما يخلق الله من إدراكه، فتارة يدركه من شاء الله من مسيرة سبعين، وتارة من خمسمائة. اهـ.

(1) رواه الشيخان (1378) من حديث حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج يقول ذلك.

(2) رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد ص (320) وقال العلامة الشيخ الألباني: صحيح على شرط مسلم (السلسة 591).

(1) سورة التحريم آية 6.

(1) استشرفها الشيطان انتصب لها يزين لها الفواحش ويحسنها لها.

(1) قال فيها ومعلوم أنها تؤدي إلى مفاسد لا تخفى على الداعين إليها. منها الخلوة المحرمة بالمرأة، ومنها السفور، ومنها الاختلاط بالرجال بدون حذر، ومنها ارتكاب المحظور الذي من أجله حرمت هذه الأمور والشرع المطهر منع الوسائل المؤدية إلى المحرم واعتبرها محرمة. وقد أمر الله عز وجل وعلا نساء النبي ونساء المؤمنين بالاستقرار في البيوت. والحجاب وتجنب إظهار الزينة لغير محارمهن لما يؤدي إليه ذلك كله من الاباحية التي تقضي على المجتمع.

(1) سورة النساء من آية 34.

(1) من كتاب لطائف المعارف لابن رجب ص 318 – 323.

(1) سورة العاديات آية 8.

(2) سورة البقرة آية 180.

(3) سورة (ص) 32.

(1) سورة آل عمران آية 14.

(1) سورة محمد آية 12.

(1) رواه مسلم وغيره بلفظ «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه».

(2) رواه أحمد وابن حبان وصححه.

(3) رواه البخاري ومسلم.

(*) المصدر السابق ص 318 – 323.

(*) خطب الدكتور صالح الفوزان 1/392.

(1) سورة التغابن آية 16.

(2) سورة الأنعام من آية 165.

 (1) سورة النور آية 37.

 (2) سورة النساء آية 38.

 (3) الذي رواه البخاري.

 (4) سورة الفرقان آية 67.

(1) رواه مسلم.

(2) رواه مسلم.

 (1) متفق عليه.

 (2) سورة التغابن آية 15 - 16.

(1) رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان.

(1) رواه أحمد والبخاري وأهل السنن.

 (1) من كتاب (اختيار الأوْلى في شرح حديث اختصام الملاء الأعلى) للشيخ الإمام الحافظ المفسر المحدث الفقيه عبد الرحمن بن أحمد بن رجب 736 – 795 رحمه الله بتحقيق جاسم الفهيد الدوسرى أثابه الله ص 118 – 124.

 (2) هذا الدعاء مقتطع من الحديث الطويل في رؤيا النبي ﷺ‬ لربه عز وجل في المنام في ذكر الكفارات والدرجات الذي شرحه المؤلف.

 (3) أخرج مسلم (4/2199 – 2200) عن زيد بن ثابت حديثاً طويلاً، وفيه: قال النبي ﷺ‬: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» قالوا: نعوذ بالله... الحديث.

 (4) قطعه من حديث أخرجه أبو داود (969) وابن حبان (2429) والحاكم (1/265) وصححه على شرط مسلم وسكت عليه الذهبي عن ابن مسعود، وفيه شريك القاضي وقد ساء حفظه، وباقي رجاله ثقات، ولكنه لم ينفرد به فقد تابعه ابن جريج عند الحاكم (1/265) لكنه لم يصرح بالتحديث وهو مدلس.

 (5) أخرجه البخاري (2/317) ومسلم (1/412) عن عائشة، وأخرجه مسلم 01/412- 413) عن ابن عباس وعن أبي هريرة بألفاظ عدة.

 (1) أخرج البخاري (1/182 ومسلم 2/624) من حديث أسماء عن النبي ﷺ‬ في خطبة الكسوف أنه قال: «... فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال....» الحديث.

(1) أخرجه ابن المبارك في الزهد (596) ومن طريقه أحمد (4 / 94) والطبراني في الكبير (19 / 368) – وابن ماجه (4035) وأبو نعيم في الحلية (5 / 162) والخطيب في التاريخ (1 / 274 – 275) والمزي في تهذيب الكمال (3 / 1622) عن معاوية بن أبي سفيان، وفيه أبو عبد ربه الزاهد لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الذهبي في الكاشف (3 / 355): «صدوق». وقال الحافظ: مقبول. وقال البوصيري في الزوائد: «إسناده صحيح ورجاله ثقات».

(2) أخرجه مسلم (1 /110) عن أبي هريرة مرفوعاً: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم...» الحديث.

(3) أخرجه البخاري (13 / 48) ومسلم (1 / 128) عن حذيفة.

(4) أخرجه البخاري (13 / 35) ومسلم (3 / 1475) عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ‬ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.

(1) في (ط): (سبقت) وهو تحريف.

(2) العلوج جمع علج وهو الرجل من كفار العجم. (اللسان: 2 / 326) والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية (1 / 282) عن الحسن، وهو لم يدرك حذيفة.

(3) أخرجه العقيلي في الضعفاء (2/165 – 166) وابن حبان في المجروحين (1/345) وابن عدي في الكامل (3/1175) وأبو نعيم في الحلية (8/280) عن سهل بن أبي حثمة – وفي الحلية: (خيثمة) وهو تصحيف، وإسناده واه، فيه سلم (في الحلية: سالم وهو تحريف) بن ميمون الخواص، قال ابن حبان: غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ الحديث وإتقانه، فربما ذكر الشيء بعد الشيء ويقلبه توهماً لا تعمداً فبطل الاحتجاج بما يروي إذا لم يوافق الثقات. اهـ وقال ابن عدي: ينفرد بمتون بأسانيد مقلوبة. وقال العقيلي: حدَّث بمناكير لا يتابع عليها. وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، وروي عن أبي خالد الأحمر حديثاً منكراً شبه الموضوع. اهـ قلت: يشير إلى هذا الحديث فإنه من روايته عن أبي خالد (الجرح والتعديل: 4/268، اللسان: 3/66).

 (2) موضع بمكة. (معجم ما استعجم للبكري: 1/97).

 (3) أخرجه مالك (2/824) وابن أبي الدنيا في (مجابي الدعوة) (24) وأبو نعيم في الحلية (1/54) عن سعيد بن المسيب بنحوه، وسعيد روايته عن عمر مرسلة (جامع التحصيل ص 223).

 (4) أخرجه ابن سعد في الطبقات (3/300 – 301 و8/109 – 110) وابن أبي الدنيا (45) وأبو نعيم (2/54) عن برزة بنت رافع، ولم أقف على ترجمتها.

(1) أخرج الطبراني في الكبير (8/210، 228) والعقيلي في الضعفاء (4/7) – ومن طريقه ابن الجوزي في العلل (1380) – وأبو نعيم في الحلية (5/247) والبيهقي في الشعب (2/449) عن عمران بن حصين مرفوعاً: «كفى بالمرء إثماً أن يشار إليه بالأصابع». قالوا: يا رسول الله وإن كان خيراً؟ !. قال: «و إن كان خيراً فهي مزلة – إلا من رحمه الله، وإن كان شراً فهو شر». وإسناده واه فيه كثير بن مرواه المقدسي متفق على ضعفه، وكذبه ابن معين (اللسان: 4/483– 484).

     و قال ابن الجوزي: لا يصح وضعفه العراقي في تخريج الاحياء (3/276) والمناوي في التيسير (2/207): وأخرجه البيهقي (2/499) من حديث أنس مرفوعاً (حسب امرئ من الشر – إلا من عصمه الله – أن يشير إليه الناس بالأصابع في دينه ودنياه).

     قال المناوي في الفيض (3/197) «وفيه يوسف بن يعقوب، فإن كان النيسابوري فقد قال أبو علي الحافظ: ما رأيت بنيسابور من يكذب غيره، وإن كان القاضي باليمن فمجهول وابن لهيعة وسبق ضعفه». اهـ.

     وأخرجه البيهقي من طريق عطاء الخراساني عن أبي هريرة بهذا اللفظ، وفيه كلثوم بن محمد ابن أبي سدرة، قال أبو حاتم: يتكلمون فيه. (اللسان: 4/489) وعطاء لم يسمع من أبي هريرة فهو منقطع جامع التحصل ص 290 – 291 وأخرجه الطبراني في الأوسط (مجمع البحرين ص 496) من طريق آخر عن أبي هريرة، وقال الهيثمي (10/197): «و فيه عبد العزيز بن حصين وهو ضعيف» ا هـ - وأشار البيهقي إلى هذا الطريق وقال هذا إسناد ضعيف، والحديث ضعفه العراقي في تخريج الإحياء (3/275). قلت: وفيه عنعنة الحسن.

 (2) أخرجه الطبراني في الكبير (9/212 – 213)، قال الهيثمي (7/220): «إسناده منقطع، وفيه المسعودي وقد اختلط». ا هـ قلت: الانقطاع بين القاسم بن عبد الرحمن وجده ابن مسعود، وزاد السيوطي نسبة الأثر في الدر المنثور (6/228) لابن المنذر.

 (3) قطعة من حديث أخرجه أحمد (6/301 – 302) عن أم سلمة، وفيه شهر ابن حوشب ليِّن، وقال الهيثمي (7/211): «و فيه شهر وقد وثق وفيه ضعف». وقال في موضع آخر (10 / 176): «إسناده حسن».

 (1) أخرجه البخاري (9/137) ومسلم (4/2097) عن أسامة بن زيد.

 (2) أخرجه البخاري (6/257 – 258) ومسلم (4/2273 – 22749) عن عمرو بن عوف.

(1) أخرجه مسلم (4/2098) عن ابي سعيد الخدري.

(2) أخرجه أحمد (4/160) والبخاري في التاريخ (7/222) والترمذي (2336) وقال: حسن صحيح غريب. والنسائي في الكبرى – كما في تحفة الأشراف (8/309) - والطبراني في الكبير (19 / 179) وابن حبان (2470) والحاكم (4 / 218) وصححه وسكت عليه الذهبي والمزي في التهذيب (3 /1147) عن كعب بن عياض بسند صحيح، وصححه ابن عبد البر – كما في الفيض (2/ 507).

(3) في (ط) (استحق).

([117]) في (ط): (استحق).

(5) في (ط) (بسوء).

(1) أخرجه ابن المبارك في الزهد (519) والترمذي (2464) وحسنه، وأبو نعيم في الحلية (1/100)، وسنده جيد.

(2) أي: خصائص، وأحدهم ضنينة من الضن وهو ما تختصه لنفسك (النهاية: 3/104).

(3) أخرجه الطبراني في الكبير (12/385) والأوسط (مجمع البحرين: 495) والعقيلي (4 / 152) وأبو نعيم في الحلية (1/6) عن ابن عمر، وسنده ضعيف، فيه مسلم بن عبد الله، قال العقيلي: «مجهول بالنقل وحديثه غير محفوظ». وقال: «و الرواية في هذا الباب فيها لين». وقال الذهبي في الميزان (4 / 105): «لا يعرف، والخبر منكر» وقال الهيثمي (10/266): «و فيه مسلم بن عبد الله الحمصي، ولم أعرفه وقد جهله الذهبي، وبقية رجاله وثقوا». اهـ.

 (3) في (ط): (لذا) وهو تحريف.

 (4) تقدم تخريجه.

 (5) أخرجه الطيالسي (427) وأحمد (5/394، 396، 397، 402) والدارمي (2/302)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (448 – 453) وابن ماجة (3817) وابن السني في عمل اليوم والليلة (362) والحاكم (1/5109 وأبو نعيم في الحلية (1/276) عن حذيفة، وفيه أبو المغيرة عبيد ابن المغيرة – وقيل غير ذلك – وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب، وقال الذهبي في الميزان (4/576): «لا يعرف».

     وقد وقع في إسناد الحديث اضطراب كبير بيَّنه المزي في تحفة الأشراف (3/50 – 51) وقال البوصيري في زوائده: «في إسناده أبو المغيرة البجلي مضطرب الحديث عن حذيف، قاله الذهبي في الكاشف». اهـ.

     والذرب هو حدة اللسان وسلاطته. (النهاية 2/156).

(1) أخرجه أحمد (5/427، 428) والبغوي في شرح السنة (14 / 267) عن محمود بن لبيد، وسنده حسن، فيه عمرو بن أبي عمرو تكلم فيه، وقال الذهبي في الميزان (3/282): «حديثه صالح حسن منحطِّ عن الدرجة العليا من الصحيح». اهـ.

     وقال المنذري (4/151) – وتبعه الهيثمي (10 / 257): «رواه أحمد بإسنادين، رواة أحدهما محتج بهم في الصحيح». اهـ

(1) انظر تفسير البغوي 1/128.

 (1) انظر تفسير ابن كثير 3/168.

 (1) إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة 1/268.

 (1) المصدر السابق 1/275.

رأيك يهمنا