التوكل على الله وأثره في حياة المسلم

نبذة مختصرة

التوكل على الله وأثره في حياة المسلم : أخي المسلم اعلم أن التوكل على الله والاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضار وحصول الأرزاق وحصول النصر على الأعداء وشفاء المرضى وغير ذلك من أهم المهمات وأوجب الواجبات، ومن صفات المؤمنين، ومن شروط الإيمان، ومن أسباب قوة القلب ونشاطه، وطمأنينة النفس وسكينتها وراحتها، ومن أسباب الرزق، ويورث الثقة بالله وكفايته لعبده، وهو من أهم عناصر عقيدة المسلم الصحيحة في الله تعالى.
كما يأتي في هذه الرسالة من نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، كما أن التوكل والاعتماد على غير الله تعالى في جلب نفع أو دفع ضر أو حصول نصر أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى شرك بالله تعالى ينافي عقيدة التوحيد، لذا فقد جمعت في هذه الرسالة ما تيسر لي جمعه في هذا الموضوع.

تنزيــل

تفاصيل

التوكل على الله وأثره في حياة المسلم

جمع الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبعد:

أخي المسلم اعلم أن التوكل على الله والاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضار وحصول الأرزاق وحصول النصر على الأعداء وشفاء المرضى وغير ذلك من أهم المهمات وأوجب الواجبات، ومن صفات المؤمنين، ومن شروط الإيمان، ومن أسباب قوة القلب ونشاطه، وطمأنينة النفس وسكينتها وراحتها، ومن أسباب الرزق، ويورث الثقة بالله وكفايته لعبده، وهو من أهم عناصر عقيدة المسلم الصحيحة في الله تعالى.

كما يأتي في هذه الرسالة من نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة، كما أن التوكل والاعتماد على غير الله تعالى في جلب نفع أو دفع ضر أو حصول نصر أو غير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى شرك بالله تعالى ينافي عقيدة التوحيد، لذا فقد جمعت في هذه الرسالة ما تيسر لي جمعه في هذا الموضوع، وهي مستفادة من كلام الله تعالى، وكلام رسول الله ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم، أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أنو قرأها أو سمعها وأن يوفقنا وجميع المسلمين إلى التوكل والاعتماد عليه في أمور ديننا ودنيانا وآخرتنا وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

المؤلف


 باب في اليقين والتوكل

قال الله تعالى: ]وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا[ [الأحزاب: 22].

وقال تعالى: ]الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ[ [آل عمران: 173، 174].

وقال تعالى: ]وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ[ [الفرقان: 58].

وقال تعالى: ]وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[ [إبراهيم: 11].

وقال تعالى: ]فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ[ [آل عمران: 159].

والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة، وقال تعالى: ]وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ [الطلاق: 3].

أي كافيه، وقال تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ [الأنفال: 2].

والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة.

وأما الأحاديث:

1- الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ‬ «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم([1]) فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ‬ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئًا وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ‬ فقال: «ما الذي تخوضون فيه»؟ فأخبره فقال: «هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون([2]) ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: «أنت منهم» ثم قالم رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة» متفق عليه([3]).

«الرهيط» بضم الراء، تصغير رهط، وهم دون عشرة أنفس، والأفق، الناحية والجانب، و«عكاشة» بضم العين وتشديد الكاف وبتخفيفها والتشديد أفصح.

2- الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا أن رسول الله ﷺ‬ كان يقول: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت([4]) اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» متفق عليه([5]) وهذا لفظ مسلم، واختصره البخاري.

3- الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ‬ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ‬ حين قالوا: ]الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[، رواه البخاري([6]).

وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان آخر قول إبراهيم ﷺ‬ حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.

4- الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» رواه مسلم([7]).

قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة.

5- الخامس: عن جابر رضي الله عنه أنه غزا مع النبي ﷺ‬ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ‬ قفل معهم، فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله ﷺ‬ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ‬ تحت سمرة، فعلق بها سيفه، ونمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ‬ يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: «إن هذا اخترط على سيفي وأنا نائم، فاستيقظ وهو في يده صلتا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، ثلاثا ولم يعاقبه وجلس » متفق عليه([8]).

وفي رواية: قال جابر: كنا مع رسول الله ﷺ‬ بذات الرقاع([9]) فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ‬ فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ‬ معلق بالشجرة، فاخترطه فقال: تخافني؟ قال: «لا» قال: فمن يمنعك مني؟ قال: «الله».

وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في صحيحه، قال: من يمنعك مني؟ قال: الله قال: فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله ﷺ‬ السيف فقال: «من يمنعك مني؟» فقال: كن خير آخذ فقال: «تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟» قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله، فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس.

قوله: قفل، أي: رجع والعضاه، الشجر الذي له شوك والسمرة بفتح السين وضم الميم: الشجرة من الطلح وهي العظام من شجرة العضاه، واخترط السيف، أي: سله وهو في يده، صلتا، أي مسلولا، وهو بفتح الصاد وضمها.

6- السادس: عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا» رواه الترمذي([10]) وقال: حديث حسن.

معناه تذهب أول النهار خماصا، أي: ضامرة البطون من الجوع، وترجع آخر النهار بطانا: أي ممتلئة البطون.

7- السابع: عن أبي عمارة البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «يا فلان إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك([11]) ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإنك إن مت من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا » متفق عليه([12]).

وفي رواية في الصحيحين عن البراء قال: قال لي رسول الله ﷺ‬ «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: وذكر نحوه، ثم قال: واجعلهن آخر ما تقول».

8- الثامن: عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- عنه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي رضي الله عنه وهو وأبوه وأمه صحابة رضي الله عنهم قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رءوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟»([13]) متفق عليه([14]).

9- التاسع: عن أم المؤمنين أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية حذيفة المخزومية، رضي الله عنها أن النبي ﷺ‬ كان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل([15])أو أضل أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي([16]) وغيرهما بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح وهذا لفظ أبي داود.

10- العاشر: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «من قال يعني إذا خرج من بيته – بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان» رواه أبو داود والترمذي، والنسائي([17]) وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن، زاد أبو داود فيقول: يعني الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفى ووقي؟

11- الحادي عشر: وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أخوان على عهد النبي ﷺ‬ وكان أحدهما يأتي النبي ﷺ‬ والآخر يحترف فشكا المحترف أخاه للنبي ﷺ‬ فقال: «لعلك ترزق به» رواه الترمذي([18]) بإسناد صحيح على شرط مسلم.

يحترف يكتسب ويتسبب([19]).


 فصل ومن منازل ]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[منزلة التوكل

قال الله تعالى:

]وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [المائدة: 23].

وقال: ]وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ [إبراهيم: 12].

وقال: ]يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ [الطلاق: 3].

وقال عن أوليائه: ]رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[ [الممتحنة: 4].

وقال لرسوله: ]قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا[ [الملك: 29].

وقال لرسوله ﷺ‬:]فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ[ [النمل: 79].

وقال له: ]وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً[ [النساء: 81].

وقال له: ]وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ[ [الفرقان: 58].

وقال له: ]فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[ [آل عمران: 159].

وقال عن أنبيائه ورسله: ]وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا[ [إبراهيم: 12].

وقال عن أصحاب نبيه ]الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[ [آل عمران: 173].

وقال: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ [الأنفال: 2].

والقرآن مملوء من ذلك.

وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حسبنا الله ونعم الوكيلن قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ‬ حين قالوا]إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[.

وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ‬ كان يقول: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون».

وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه مرفوعًا: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا» وقال الترمذي: حسن صحيح.

وفي السنن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «من قال يعني إذا خرج من بيته بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت ووقيت وكفيت، فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟»

التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة.

ومنزلته: أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار، والفجار والطير والوحش والبهائم، فأهل السموات والارض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل، وإن تباين متعلق توكلهم، فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه وتنفيذ أوامره.

ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا عن الناس.

ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه، من رزق أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة أو ولد، ونحو ذلك.

ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش، فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه، بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات، ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك، معتمدين على الله أن يسلمهم، ويظفرهم بمطالبهم.

فأفضل التوكل التوكل في الواجب أعني: واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية، أو في دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم، ثم الناس بعد في التوكل على حسب همهم ومقاصدهم، فمن متوكل على الله في حصول الملك ومن متوكل في حصول رغيف، ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوبًا له مرضيات كانت له فيه العاقبة المحمودة وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستغن به على طاعته والله أعلم([20]).


 خلق التوكل على الله تعالى

المسلم لا يرى التوكل على الله تعالى في جميع أعماله واجبًا خلقيًا فحسب بل يراه فريضة دينية، ويعده عقيدة إسلامية وذلك لأمر الله تعالى به في قوله: ]وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [المائدة: 23] وقوله: ]وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[ [التغابن: 13] لهذا كان التوكل المطلق على الله سبحانه وتعالى جزءًا من عقيدة المؤمن بالله تعالى.

والمسلم إذ يدين لله تعالى بالتوكل عليه، والإطراح الكامل بين يديه، لا يفهم من التوكل ما يفهمه الجاهلون بالإسلام، وخصوم عقيدة المسلمين من أن التوكل مجرد كلمة تلوكها الألسن، ولا تعيها القلوب، وتتحرك بها الشفاه، ولا تفهمها العقول، أو تترواها الأفكار، أو هو نبذ الأسباب، وترك العمل، والقنوع والرضى بالهون والدون تحت شعار التوكل على الله، والرضا بما تجري به الأقدار لا أبدًا بل المسلم يفهم التوكل الذي هو جزء من إيمانه وعقيدته أنه طاعة لله بإحضار كافة الأسباب المطلوبة لأي عمل من الأعمال التي يريد مزاولتها والدخول فيها، فلا يطمع في ثمرة بدون أن يقدم أسبابها، ولا يرجو نتيجة ما بدون أن يضع مقدمتها، غير أن موضوع إثمار تلك الأسباب، وإنتاج تلك المقدمات يفوضه إلى الله سبحانه وتعالى إذ هو القادر عليه دون سواه.

فالتوكل عند المسلم إذًا هو عمل وأمل، مع هدوء قلب وطمأنينة نفس، واعتقاد جازم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

والمسلم إذ يؤمن بسنن الله في الكون فيعد للأعمال أسبابها المطلوبة لها، ويستفرغ الجهد في إحضارها وإكمالها لا يعتقد أبدًا أن الأسباب وحدها كفيلة بتحقيق الأغراض، وإنجاح المساعي، لا، بل يرى وضع الأسباب أكثر من شيء أمر الله به، يجب أن يطاع فيه كما يطاع في غيره مما يأمر به وينهى عنه، أما الحصول على النتائج والفوز بالرغائب فقد وكل أمرهما إلى الله تعالى، إذ هو القادر على ذلك دون غيره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكم من عامل كادح لم يأكل ثمرة عمله وكدحه وكم من مزارع لم يحصد ما زرع.

ومن هنا كانت نظرة المسلم إلى الأسباب، أن الاعتماد عليها وحدها واعتبارها هي كل شيء في تحقيق المطلوب كفر وشرك، يتبرأ منها، وأن ترك الأسباب المطلوبة لأي عمل وإهمالها وهو قادر على إعدادها وإيجادها فسق ومعصية يحرمها ويستغفر الله تعالى منها.

والمسلم في نظرته هذه إلى الأسباب مستمد فلسفتها من روح إسلامه وتعاليم نبيه محمد ﷺ‬ فرسول الله كان في حروبه الطويلة العديدة لا يخوض معركة حتى يعد لها عدتها ويهييء لها أسبابها، فيختار حتى مكان المعركة، وزمانها فقد أثر عنه ﷺ‬ أنه كان لا يشن غارة في الحر إلا بعد أن يبرد الجو، ويتطلف الهواء من آخر النهار، بعد أن يكون قد رسم خطته، ونظم صفوفه، وإذا فرغ من كل الأسباب المادية المطلوبة لنجاح المعركة رفع يديه سائلا الله عز وجل «اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم»([21]) وكذلك كان هديه ﷺ‬ في الجمع بين الأسباب المادية والروحية، ثم يعلق أمر نجاحه على ربه، وينيط فلاحه وفوزه بمشيئة مولاه هذا مثال.

ومثال آخر: فقد انتظر ﷺ‬ أمر ربه في الهجرة إلى المدينة بعد أن هاجر إليها جل أصحابه، وجاءه الإذن من الله تعالى بالهجرة فما هي الترتيبات التي اتخذها رسول الله ﷺ‬ لهجرته إنها:

1- إحضار رفيق من خير الرفقاء ألا وهو صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليصحبه في طريق إلى داره الهجرة.

2- إعداد زاد السفر من طعام وشراب، ربطته أسماء بنت أبي بكر بنطاقها حتى لقبت بذات النطاقين.

3- إعداد راحلة ممتازة للركوب عليها في هذا السفر الشاق الطويل.

4- إحضار خريت (جغرافي) عالم بمسالك الطريق ودروبها الوعرة ليكون دليلا وهاديا في هذه الرحلة الصعبة.

5- ولما أراد أن يخرج من بيته الذي طوقه العدو وحاصره فيه حتى لا ينفلت منه أمر ﷺ‬ ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام على فراشه تمويها على العدو الذي ما برح ينتظر خروجه من المنزل ليفتك به ثم خرج وترك العدو ينتظر قومه من فراشه الذي يتراءى لهم من خلال شقوق الباب.

6- لما طلبه المشركون واشتدوا وراءه يبحثون عنه وعن صاحبه أبي بكر الصديق الذي فر معه، أوى إلى غار ثور فدخل فيه ليستتر عن أعين طالبيه الناقمين الحادقين عليه.

7- لما قال له أبو بكر: لو أن أحدهم نظر تحت قدمه لأبصرنا يا رسول الله قال له: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»؟.

فمن خلال هذه الحادثة التي تجلت فيها حقائق الإيمان والتوكل معا يشاهد أن الرسول ﷺ‬ كان لا ينكر الأسباب، ولا يعتمد عليها، وأن آخر الأسباب للمؤمن إطراحه بين يدي الله، وتفويضه أمره إليه في ثقة واطمئنان إن الرسول ﷺ‬ لما استنفذ جميع الوسائل في طلب النجاة حتى حشر نفسه التي طلب النجاة لها في غار مظلم تسكنه العقارب والحيات، قال في ثقة المؤمن ويقين المتوكل لصاحبه لما ساوره الخوف: «لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»؟([22]).

ومن هذا الهدي النبوي والتعليم المحمدي اقتبس المسلم نظرته تلك إلى الأسباب، فليس هو فيها مبتدعًا ولا متنطعًا، وإنما هو مؤتس ومقتد.

أما الاعتماد على النفس فإن المسلم لا يفهم منه ما يفهمه المحجوبون بمعاصيهم عن أنفسهم من أنه عبارة عن قطع الصلة بالله تعالى، وأن العبد هو الخالق لأعماله، والمحقق لكسبه وأرباحه، بنفسه وأنه لا دخل الله في ذلك، تعالى الله عما يتصورون.

وإنما المسلم إذ يقول بوجوب الاعتماد على الله في الكسب والعلم يريد بذلك أنه لا يظهر افتقاره إلى أحد غير الله، ولا يبدي احتياجه إلى غير مولاه فإذا أمكنه أن يقوم بنفسه على عمله فإنه لا يسنده إلى غيره، وإذا أتى له أن يسد حاجته بنفسه فلا يطلب معونة غيره، ولا مساعدة أحد سوى الله، لما في ذلك من تعلق القلب بغير الله، وهو ما لا يحبه المسلم ولا يرضاه.

والمسلم في هذا هو سالك درب الصالحين، وماض على سنن الصديقين، فقد كان أحدهم إذا سقط سوطه من يده وهو راكب على فرسه ينزل إلى الأرض ليتناوله بنفسه ولا يطلب من أحد أن يناوله إياه، وقد كان رسول الله ﷺ‬ يبايع المسلم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن لا يسأل أحدا حاجته غير الله تعالى.,

والمسلم إذ يعيش على هذه العقيدة من التوكل على الله والاعتماد عليه يغذي عقيدته هذه وينمي خلقه ذاك بإيراد خاطره من الوقت إلى الوقت على هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي استمد منها عقيدته، واستوحى منها خلقه وذلك لقول الله تعالى: ]وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ[ [الفرقان: 58] وقولهك ]إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[ [آل عمران: 159]، وكقول الرسول ﷺ‬: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا»([23])، وقوله إذا خرج من بيته «بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله»([24])، وقوله في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب «هم الذي لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون»([25])([26]).


 التوكل على الله من أسباب الرزق

عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه عن النبي ﷺ‬ قال: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حسن صحيح.

هذا الحديث أصل عظيم في التوكل، وقد قال الله تعالى: ]وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا[ [الطلاق: 2، 3] وحقيقة التوكل هو اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار، قال سعيد بن جبير: «التوكل جماع الإيمان»، وفي حديث ابن عباس عن النبي ﷺ‬ قال: «من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله»، وفي الدعاء المأثور: اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك، اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته.

واعلم أن التوكل لا ينافي السعي في الأسباب، إن الطير تغدو في طلب رزقها وقد قال الله تعالى: ]وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[ [هود: 6] قال يوسف بن أسباط: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له في حديث ثوبان عن النبي ﷺ‬ «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب تصيبه»([27]).

وفي حديث جابر عن النبي ﷺ‬ «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل، ودعوا ما حرم»([28]) وقال ابن عباس: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله هذه الآية: ]وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى[ [البقرة: 197] وقال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن فقال من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: «بل أنتم المتأكلون إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله» وقد قال النبي ﷺ‬ «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» رواه مسلم([29]).

وما ينبغي أن يعلم، ما قاله طائفة من العلماء، وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب تكون أسباب نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومعنى التوكل والرجاء يتألف من وجوب التوحيد والعقل والشرع([30]).


 التوكل في الإسلام نشاط وعمل لا قعود وكسل

يريد الإسلام من حث المسلمين على التوكل أن يعتزوا بربهم الذي منه العزة، وأن يكون الواحد منهم في عمله الذي اعتقده نافعًا وصوابًا، وعزم عليه، مقدامًا جريئًا بعيدًا عن التردد لا يخشى الصعاب ولا يهاب غير خالقه، ونكتفي بهذا القدر ههنا من غرض الدين من تشريع التوكل على الله ونسوق للقارئ آيات من القرآن تبين ذلك.

1- قال الله تعالى في سورة آل عمران: ]إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[ [آل عمران: 122] .

أمر للمؤمنين بالتوكل على الله بعد أن ذكر أن طائفتين من المؤمنين في غزوة أحد همتا بالرجوع والجبن حين رجع ابن أبي مع بعض المنافقين فحفظ الله قلوب المؤمنين، من هذا الجبن وأمرهم بالثبات والإقدام.

2- وقال تعالى في السورة نفسها الآية 159 ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ[ أمر الله نبيه ﷺ‬ إذا عزم على أن أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم والعزم قصد الإمضاء، والحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، والمشاورة من الحزم.

3- وفي سورة النساء: ]فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً[ [النساء: 81].

وفي المائدة ]قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[.

انظروا إلى قوله: ]فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [المائدة: 23].

5- وفي الأعراف: قول شعيب: ]وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا[. [الأعراف: 89]

6- وفي الأنفال: ]وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ[.[الأنفال: 61]

7- وفي التوبة: ]قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[ [التوبة: 51].

8- وفي يونس: ]فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[. [يونس: 83-86].

9- وفي هود حكى الله عن هود قوله: ]فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ[ [هود: 56].

وعن شعيب قوله: ]وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ[.[هود: 88].

10- وفي النحل: 99 ]إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[,

11- وفي الفرقان: 58: ]قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ[.

12- وفي الشعراء: 217: ]فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ[.

13- وفي الأحزاب 48: ]وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً[.

14- وفي غافر 44: حكاية لقول مؤمن آل فرعون: ]فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا[.

فقد ظهر من سياق هذه الآيات أن الأمر بالتوكل أو الإخبار به لتثبيت القلب وعدم الاكتراث بالمخاوف وللمضي في تنفيذ العزم بالاعتماد على الله.


النتيجة

نتيجة هذا البحث يا أخي المسلم أن التوكل على الله مبعث قوة العزيمة والثبات ودفع التردد والنكوص عن المطالب، وهو لذلك عدة روحية للنجح وقوة معنوية وهو للنفس سكون وطمأنينة ذلك أن صاحبه يوقن أنه قد أوى إلى ركن شديد وأنه وضع أصله حيث يجب أن يوضع بعد بذله جهده في مباشرة السبب الذي أرشده إليه خالق الأسباب وملهم التمسك به فيكون لقوة يقنه أثرها في نفسه فيظل ثابتًا على إمضاء أمره وقصد الوصول إلى الغاية كالطود لا يتزحزح، فإذا قام بدعوة إلى الحق متوكلاً على الله مضى قدمًا لا يتهيب أحدًا من خلق الله لأن المتوكل عليه والذي عليه المعول هو رب الخلق وهو مالك نواصيهم فيقوم بتلك الدعوة مع التوكل على الله حق القيام ويكون عونه على النجح توكله.

وإذا قاتل أعداء الحق لنصرة الحق قويت نفسه، وضوعفت شجاعته وزاده التوكل كل سماحة ببذل نفسه فكان المسلم المتوكل على الله في القتال يعدل اثنين أو أكثر من ذلك، وهذا هو سر انتصار المسلمين الأولين على من يكثرهم ويفوقهم عددًا.

ولذلك قال أحد الفضلاء المعاصرين لنا: إنهم إذا قالوا لم يتقدم الشرقيون الآن لتوكلهم على الله فأقول الأمر على العكس وهو أن تأخر الشرقيين لعدم توكلهم على الله، إذ أن التوكل يورث المسلمين العزة فلا يعتمد أحدهم على ذي جاه وسلطان حتى يذل لذي الجاه ولا يعتمد على شجاعته وزاده التوكل سماحة ببذل نفسه [فكان أنت ظالم]([31])، ومن هذه صفتهم فجدير بهم التقدم والسيادة والمجد والعز الدائم.

وإذن فنحن في هذا العصر طغت علينا المادة وأعوزتنا القوة الروحية قوة التوكل على الله فأخفقنا في كثير من أمورنا ولو توكلنا على الله لكان الله حسبنا وكافينا ما يهمنا:

]وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ [الطلاق: 3].

ولو توكلنا على الله حق توكله لرزقنا كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا، ولأمكننا من نواصي أعدائنا ولسخر لنا ما أودعه في ملكه من قوى ومنافع، وعلى الجملة لكنا الأعلين في هذه الحياة وفي الحياة الباقية.

نسأل الله سبحانه الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء أن يمنحنا وإياكم التوفيق للتوكل عليه سبحانه، التوكل الذي يرضاه جل جلاله والذي هو فخر للإسلام والمسلمين والذي هو عمل وقوة ونشاط لا عجز وكسل وحرمان وخمول، وأن يرزقنا جميعًا الاقتداء بسيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين([32]).

 التوكل على الله وأثره في بث السكينة في النفوس

التوكل أثر من آثار الإيمان فالذي يؤمن بأن الله بيده تصاريف الحياة وبيده النفع والضر، يترك الأمر إليه ويرضى بمشيئته فلا يفزعه المستقبل وما يخبئه له من مفاجآت، ويستعيض عن الخوف بسكينة واطمئنان عدل الله ورحمته، ولهذا يقرر الإسلام بأن الإيمان يجب أن يصاحبه التوكل ]وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[ [المائدة: 23].

]اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[ [التغابن: 13].

والإسلام يحمل البشرى للمتوكلين ويعدهم الفضل من الله ونيل بركاته، انظر إلى هذه الآية الكريمة التي تمسح ما في نفوس المؤمنين من الخوف وتمدهم بقوة روحية يستطيعون بها التغلب على خوفهم وقلقهم ]فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ [الشورى: 36].

وورد في القرآن أيضًا آية أخرى تحمل الوعد الصادق بالمعونة والتأييد من الله: ]وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ [الطلاق: 3].

أي كافيه مما أهمه وأحزنه.

وهناك فئات من الناس في حاجة إلى التوكل أكثر من حاجة غيرهم إليه، وهم المصلحون الذين يجتازون دائمًا الطريق المملوء بالأشواك، ويكونون عرضة للأذى والتعب المضني، هؤلاء يعلمهم الله أن يفوضوا أمرهم إليه حتى لا يثبط الفشل هممهم ويأمرهم أن يقتدوا بنبيه شعيب الذي قال: ]إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[ [هود: 88].

ولكن هناك شبهة يمكن أن تتبادر إلى الأذهان بأن التوكل يضعف الهمة للعمل ويؤدي إلى الكسل، هذه الشبهة عالجها القرآن ودحضها في هذه الآية: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ[ [آل عمران: 159].

هذه الآية تدل على أن التوكل على الله يجب أن تسبقه المشاورة مع أهل الرأي في الطريق الذي يجب سلوكه، ثم العزم الصادق في السير على الطريق الذي استقرت المشارة عليه، وبعد ذلك يأتي التوكل على الله لنيل النجاح.

فالتوكل على الله هو زاد روحي للتغلب على الخوف والقلة وهو الذي يعطي المؤمن بسمة أمام أحلك الساعات التي تمر به ويهبه سكينة النفس التي حرم منها كثير من سكان هذه الأرض([33]).


 باب قول الله تعالى([34]) وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[

س: ما معنى هذه الآية وبين مناسبتها لكتاب التوحيد؟

ج: يقول تعالى إن كنتم مؤمنين بالله ومصدقين به فلا تعتمدوا في جميع أموركم إلا عليه وحده.

ومناسبة الآية لكتاب التوحيد: أن التوكل على الله عبادة يجب إخلاصه فصرفه لغيره شرك ينافي التوحيد.

س: عرف التوكل واذكر أنواعه مع بيان حكمها وما علاقته بالإيمان؟

ج: التوكل هو الاعتماد والتفويض وهو أربعة أنواع:

1- التوكل على الله في جميع الأمور من جلب المنافع ودفع المضار وهو واجب من شروط الإيمان.

2- التوكل على المخلوقين في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالمتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت في رجاء مطالبهم من نصر أو رزق أو حفظ فهذا شرك أكبر ينافي التوحيد.

3- التوكل على الأحياء الحاضرين كالتوكل على الأمير والسلطان ونحوهم فيما أقدرهم الله عليه من رزق أو دفع أذاء ونحو ذلك فهذا شرك أصغر.

4- توكيل الإنسان غيره في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه كالبيع والشراء والإجارة فهذا جائز ولكن لا يقول توكلت عليه بل يقول وكلته فإنه لو وكله فلا بد أن يتوكل في ذلك على الله سبحانه وتعالى:

قال تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ [الأنفال: 2].

س: إشرح هذه الآية واذكر الشاهد منها للباب وما الذي يستفاد منها؟

ج: وصف الله المؤمنين في هذه الآية بصفات حميدة وصلوا بواسطتها إلى حقيقة الإيمان وكماله:

1- أنهم إذا ذكر الله وجلت قلوبهم أي خافت فأدوا فرائضه وتركوا ما نهاهم عنه.

2- أنهم يعتمدون على الله وحده ويتوكلون عليه ويفوضون أمورهم إليه، وهذه الصفة هي الشاهد من الآية للباب.

3- أنهم إذا تليت عليهم آيات الله ازداد إيمانهم وتحقق يقينهم.

4- أنهم يقيمون الصلاة ويأتون بها على الوجه الأكمل بأوقاتها وواجباتها وشروطها وأركانها.

5- أنهم ينفقون مما رزقهم الله من أموالهم النفقات الواجبة والمستحبة.

وبهذه الخصال الخمسة نالوا الجزاء الأوفى والدرجات العلى والمغفرة والرزق الكريم في جنات النعيم.

وتفيد الآية: أن الإيمان يزيد بالطاعة كما أنه ينقص بالمعصية.

س: كيف رتب هذا الجزاء على هذه الأعمال الخمسة دون غيرها من الواجبات.

ج: لأن هذه الأعمال مستلزمة لفعل الواجبات وترك جميع المحرمات.

قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[ [الأنفال: 64].

س: اشرح هذه الآية وبين مناسبتها للباب؟

ج: يقول تعالى مخاطبا رسوله محمد ﷺ‬ الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين فلا تحتاجون معه إلى أحد

ومناسبة هذه الآية للباب: هي أنه إذا كان الله هو الكافي لعبده وجب أن لا يتوكل إلا عليه.

قال تعالى: ]وَمَنْ يَتَـوَكَّلْ عَـلَى اللهِ فَـهُوَ حَسْبُهُ[ [الطلاق: 3].

س: ما معنى هذه الآية؟ وما الذي تدل عليه؟ وهو التوكل ينافي القيام بالأسباب أم لا؟ علل ما تقول؟

ج: معنى الآيى: أنه من يعتمد على الله فهو كافيه وتدل على فضل التوكل وأنه من أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، والتوكل لا ينافي القيام بالأسباب لأنه من جملة الأسباب المأمور بها شرعًا فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم ﷺ‬ حين ألقي في النار، وقال محمد ﷺ‬ حين قالوا له: ]إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[ [آل عمران: 173] رواه البخاري والنسائي.

س: ما معنى: ]حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[.

واذكر شيئًا من فضل هذه الكلمة؟

ج: معنى ]حَسْبُنَا اللهُ[ كافينا ومتولي أمورنا فلا نتكل إلا عليه، ]وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[ أي نعم الموكول إليه والمعتمد عليه.

ومن فضائل هذه الكلمة العظيمة أنها قول الخليلين عليهما الصلاة والسلام في الشدائد وجاء في الحديث «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل»([35]).

والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد.


 التوكل على الله وما ينافيه

التوكل على الله:

وهو تفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى والثقة به مع ما قدر له من التسبب ومثال ذلك أن يعتمد الإنسان على ربه ويعمل بيده وهذا أفضل من سؤال الناس لما ورد في الصحيحين من حديث الزبير رضي الله عنه: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»([36])، وفي حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه «ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده»([37] وقال: «وكان داود يأكل من عمل يده» وقد خصه بالذكر لأن داود لم يكن يعمل لحاجة بل كان ملكا.

والتوكل على الله محله القلب ولا ينافيه حركة الجوارح والعمل لقوله ﷺ‬ للأعرابي: «اعقلها وتوكل»([38]) والتوكل مع العمل صنوان لا يفترقان ومن أراد غير ذلك فقد حرف الحكم لقوله تعالى: ]فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ[ [الملك: 15].

بل إن الله يأمرنا بالأخذ بالأسباب المؤدية إلى جلب الرزق، قال تعالى: ]فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ[ [الجمعة: 10].

وما عليه بعض المسلمين من التواكل وعدم العمل والبقاء عالة على الناس هو في حقيقته مما يتنافى مع الشريعة وقد فضل الرسول ﷺ‬ الأخ المنفق وزكاه على أخيه المتفرغ للعبادة، ومن الأسباب المشروعة ما جرت به العادة كاللبس لدفع الحر والبرد والأكل والشرب والجوع والعطش والنكاح لمن أراد الولد، والصناعة والتجارة لمن أراد الكسب ونحوه([39] وهذا رد عملي لأولئك الذين يرمون الإسلام بالتواكل والعجز وعدم السعي والعمل: كذلك فإن المؤمن مأمور بالمعاجلة لقول ﷺ‬ «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»([40]).

وهي سبب والمسبب هو الله عز وجل وقس على ذلك ومن لازم التوكل أن تفعل السبب ثم تفوض الأمر كله لله لينجو الإنسان من القلق على المستقبل وكذلك ينجو من الخوف والفشل والمرض، والمتوكل يعلم أن النفع والضر بيد الله ولذلك فهو مرتبط بالله عز وجل في جميع أموره مرجعًا الأمر كله له سبحانه لقوله تعالى: ]وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ[ [هود: 23].

وهذا كله لا يمنع من أخذ الحيطة والحذر لقوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ[ [النساء: 71].


أمور منافية للتوكل والعقيدة:

ومما ينافي التوكل والتوحيد تعليق النجاح بالأسباب فقط، لأن هذا مناف للتوحيد والمسبب هو الله، ومن ذلك نفي القدر والعياذ بالله وعدم التسليم بقضاء الله وقدره كادعاء النجاح بالعلم والاعتماد على ممارسة الكهانة والتصدق بها، أو إتيان الساحر أو المشعوذ لسؤاله عن معرفة المستقبل، وكذلك التنجيم وعلوم الرمل وضرب الودع لقوله ﷺ‬ «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»([41]) ومنه قول بعضهم كما ورد في الحديث: «مطرنا بنوء كذا، وكذا»([42]) والواجب القول مطرنا بفضل الله ورحمته أو في نوء كذا وقولهم شفيت من الطبيب الفلاني.

والصحيح القول من الله ثم من علاج الطبيب الفلاني، ويدخل في ذلك التطير والتشاؤم كما يفعله بعض الناس عند خروجه في الصباح أو عزمه على السفر، ومن أعظم الأسباب للنجاح والرجوع إلى الله وتقواه: ]وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[ [الطلاق: 2، 3].

وكذلك لزوم الإيمان في طلب النصر على الأعداء: ]إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ[ [غافر: 51].

وكذا إعداد القوة والجهاد ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[ [الأنفال: 60].

ومن ذلك يتبين أن الأسباب منها ما هو أمر مادي ومنها ما هو أمر تعبدي.

ومما ينافي كمال التوحيد والعقيدة الحلف بغير الله لحديث «من حلف بغير الله فقد أشرك»([43]) وكذلك الحلف بالبراءة من الإسلام لقوله ﷺ‬ «من حلف بملة غير ملة الإسلام كاذبا فهو كما قال»([44]).

وسب الدهر للحديث القدسي «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار»([45])، وكذلك النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب عند حدوث مصيبة كالموت أو ضياع المال لأن ذلك كله جزع شديد من قدر الله وللحديث «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه»([46]).

ومن التوكل على الله أن لا يخرج المسلم من بلد وقع به الوباء إلى غيره وكراهة القدوم عليه أيضًا للحديث: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوهـا وإذا وقـع بـأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها»([47]).

ومن حسن اليقين والتوكل على الله أن لا يلتمس الإنسان رضى الناس عنه بسخط الله لحديث «من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس»([48]).

وهكذا فإن التوكل من أجمع أنواع العبادة وأعظمها لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة: قال الإمام أحمد: (التوكل عمل القلب) وقال ابن القيم: فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام قال الله تعالى: ]وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ[ [يونس: 84].

وقال: ]رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً[ [المزمل: 9]([49]).




([1]) أي: أشخاص كثيرة.

([2]) أي لا يطلبون الرقية من غيرهم، ولا يتطيرون أي: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها.

([3]) البخاري (10/ 130) مسلم (220) ولفظة يرقون انفرد بها مسلم، وهي شاذة وانظر الفتح (11/ 354).

([4]) أسلمت: أي استسلمت لحكمك وأمرك، وأنيت رجعت إلى عبادتك والإقبال على ما يقرب منك وبك خاصمت أعداء الدين.

([5]) البخاري (11/ 101) ومسلم (2717).

([6]) البخاري (8/ 172).

([7]) برقم (2840).

([8]) البخاري (6/ 71) ومسلم (843).

([9]) أي بغزوة ذات الرقاع، وسميت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم وقيل: لأن أقدامهم نقبت فكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل غير ذلك.

([10]) الترمذي (2345) وأخرجه أحمد (1/ 30) وابن ماجه (4164) وإسناده صحيح، وصححه الحاكم (4- 318) قال السيوطي في قوت المغتذي: ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق لأن الطير إذا غدت فإنها تغدو لطلب الرزق، وإنما أراد والله أعلم، لو توكلوا على الله تعالى في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم ورأوا أن الخير بيده ومن عنده، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين، كالطير تغدو خماصًا، وتعود بطانًا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم، ويغشون ويكذبون ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل.

([11]) أي جعلتها منقادة لك، طائعة لحكمك، راضية بقضائك قانعة بقدرك وألجأت، أي: أسندت ظهري إليك، أي: إلى حفظك، ورغبة ورهبة إليك، أي طمعًا في ثوابك، وخوفًا من عقابك، وقوله ﷺ‬ على الفطرة، أي: على الإيمان.

([12]) البخاري (11/ 93، 94) ومسلم (2381).

([13]) أي: بالنصر والمعونة والحفظ أيصيبهما ضيم؟

([14]) البخاري (7/ 9، 10) ومسلم (2381).

([15]) أن أضل: بفتح أوله وكسر الضاد المعجمة أي: أغيب عن معالي الأمور، أو أضل بضم ففتح، أي يضلني غيري، أو أزل، بفتح فكسر، أي: أزل عن الطريق المستقيمة، أو أزل، بضم ففتح أي: يستولي علي من يزلني عن معالي الأمور إلى سفاسفها.

([16]) أبو داود (5094) والترمذي (3423) وأخرجه النسائي (8/ 268) وأحمد (6/ 306، 318، 322) وابن ماجه (3884) وإسناده صحيح.

([17]) أبو داود (5095) والترمذي (3422) وصححه ابن حبان (2375).

([18]) الترمذي (2346) وإسناده صحيح.

([19]) رياض الصالحين للإمام النووي (76-81) بتحقيق شعيب الأرنؤوط.

([20]) مدارج السالكين لابن القيم (2/ 112- 114) بتحقيق محمد حامد الفقي رحمه الله.

([21]) متفق عليه.

([22]) رواه البخاري.

([23]) الترمذي وحسنه.

([24]) رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وحسنه وصححه ابن حبان.

([25]) متفق عليه.

([26]) منهاج المسلم لأبي بكر الجزائري (156، 160).

([27]) رواه أحمد والنسائي بإسناد صحيح وابن حبان والحاكم وصححه وأقره الذهبي.

([28]) رواه ابن ماجه والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.

([29]) محاسن الدين على متن الأربعين 454 وانظر جامع العلوم والحكم (379).

([30]) شرح العقيدة الطحاوية (520).

([31]) زيادة غير مفهومة.

([32]) انظر كتاب مجموعة وسائل دينية وعلمية، فضيلة الأستاذ محمد ابن عبد الله الجزار (122-136).

([33]) كتاب روح الدين الإسلامي لعفيف طباره (191).

([34]) الجامع الفريد للأسئلة والأجوبة على كتاب التوحيد (144).

([35]) قال السيوطي رواه ابن مردويه ورمز لضعفه.

([36]) الصحيحين.

([37]) البخاري.

([38]) الترمذي عن أبي هريرة.

([39]) التاج الجامع للأصول (205/ 5).

([40]) الصحيحين.

([41]) أخرجه ابن ماجه وأبو داود وأحمد.

([42]) متفق عليه.

([43]) أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم وهو صحيح.

([44]) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.

([45]) رواه الثلاثة.

([46]) متفق عليه.

([47]) متفق عليه.

([48]) رواه الترمذي.

([49]) أصول المنهج الإسلامي (55).

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا