أربح البضاعة في فوائد صلاة الجماعة

نبذة مختصرة

فلأهمية أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة في المساجد عمومًا وصلاة الفجر خصوصًا وكثرة فوائدها وعظيم أجر وثواب من حافظ عليها وعقوبة من تخلف عنها بأنواع العقوبات وعظيم الخطر والأضرار المرتبة على من تخلف عنها في العاجل والآجل.
ونظرًا لكثرة المتخلفين عنها والمتهاونين بها- هداهم الله وأخذ بنواصيهم إلى الحق-رأيت من واجبي تذكير إخواني المسلمين بهذه الفوائد وتلك الأضرار لعلهم يتذكرون ما ينفعهم فيعملوا به وما يضرهم فيجتنبوه طاعة لله ولرسوله وطمعًا في فضل الله ومغفرته ورحمته وخوفًا من عذابه وسخطه وليشهد لهم بالإيمان وينالوا ثواب المؤمنين في الدنيا والآخرة وليبتعدوا عن أوصاف المنافقين لئلا يصيبهم ما أصابهم من العذاب والخزي في الدنيا والآخرة.

تنزيــل

تفاصيل

 أربح البضاعة في فوائد صلاة الجماعة

تأليف الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

رحمه الله


 مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ‬ وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:

فلأهمية أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة في المساجد عمومًا وصلاة الفجر خصوصًا وكثرة فوائدها وعظيم أجر وثواب من حافظ عليها وعقوبة من تخلف عنها بأنواع العقوبات وعظيم الخطر والأضرار المرتبة على من تخلف عنها في العاجل والآجل.

ونظرًا لكثرة المتخلفين عنها والمتهاونين بها- هداهم الله وأخذ بنواصيهم إلى الحق-رأيت من واجبي تذكير إخواني المسلمين بهذه الفوائد وتلك الأضرار لعلهم يتذكرون ما ينفعهم فيعملوا به وما يضرهم فيجتنبوه طاعة لله ولرسوله وطمعًا في فضل الله ومغفرته ورحمته وخوفًا من عذابه وسخطه وليشهد لهم بالإيمان وينالوا ثواب المؤمنين في الدنيا والآخرة وليبتعدوا عن أوصاف المنافقين لئلا يصيبهم ما أصابهم من العذاب والخزي في الدنيا والآخرة أسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للمحافظة على الصلوات وأن يكرمهم بنعيم الجنات التي وعد بها المؤمنون المحافظون على الصلوات وأن ينفع بهذه الرسالة ويعظم الأجر والمثوبة لمن طبعها أو نشرها أو قرأها أو سمعها فعمل بها إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

مؤلف في 8/ 6/1408


 فضل الصلاة مع الجماعة ووجوبها

شرع الله تعالى لهذه الأمة الاجتماع في المساجد في أوقات معلومة منها ما هو في اليوم والليلة كالصلوات الخمس، ومنها ما هو في الأسبوع وهو صلاة الجمعة، ومنه ما هو في السنة وهو صلاة العيدين لجماعة كل بلد، ومنها ما هو اجتماع عام في السنة وهو الوقوف بعرفة لأجل التواصل والإحسان والتعاطف والرعاية ولأجل نظافة القلوب ولأجل معرفة أحوال بعضهم لبعض فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع الموتى ومساعدة المحتاجين وإغاظة العدو وهذه الفوائد علاوة على كونها عبادة لله فيها تكفير السيئات وزيادة الحسنات ورفع الدرجات.

ومن فوائد الجماعة قيام نظام الألفة وتعلم الجاهل من العالم واقتداؤه به وعموم البركة ومضاعفة الثواب وزيادة العمل وغير ذلك من الحكم في مشروعيتها والفوائد التي لا تحصى.

وحقيقتها ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام، والتهاون بالجماعة وسيلة إلى ترك الصلاة بالكلية، لما تقدم وغيره فرض الله على الرجال المقيمين أداء الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة في المساجد لحكم بالغة وفوائد جسيمة ففي كل خطوة يمشيها الرجل إلى المسجد رفع درجة وحط خطيئة وهو في عبادة من حين يخرج من بيته إلى المسجد حتى يرجع ويحصل في الاجتماع أيضا التعارف وتبادل التحية والسلام ولا يزال السلام في صلاة ما انتظرها والملائكة تصلي عليه وتستغفر له وتدعو له بالمغفرة والرحمة ما دام في مصلاه قال ﷺ‬ :«صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» وقال: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه تقول: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة» ([1]) وهذا شيء عظيم لا يستهان به.

وقال عبد الله بن مسعود: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم ﷺ‬ سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف ([2]) وهذا دليل ظاهر على استقرار وجوبها عند أصحاب محمد ﷺ‬ فالتخلف عن الجماعة معصية عظيمة وكبيرة من كبائر الذنوب، ويكون اعتناء المسلم بصلاة العشاء والفجر مع الجماعة أشد لأن النبي ﷺ‬ أخبر أن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، وقال ﷺ‬ «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله»([3]) .

وقد قال تعالى: }وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ{[البقرة: 43] أي صلوا مع المصلين والأمر للوجوب.

وقد شرعت صلاة الخوف جماعة أمام العدو في ميدان القتال فلو كان في التخلف عن الجماعة رخصة لرخص للمجاهدين أمام العدو في تلك الساعة الحرجة فكيف بالآمن المطمئن وقد هم النبي ﷺ‬ بتحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة مع الجماعة عليهم ولم يمنعه من ذلك إلا ما فيها من النساء والأطفال الذين لا تجب عليهم الصلاة مع الجماعة، وجاءه ﷺ‬ رجل أعمى يستأذنه أن يصلي في بيته البعيد عن المسجد فلم يرخص له ما دام يسمع الأذان فكيف بمن يكون صحيح البصر سليمًا لا عذر له أفلا يستحي من ربه فيجيب داعي الله ويؤدي فريضته التي فرضها الله عليه؟ وكل ما تقدم أدلة صحيحة صريحة في وجوب أداء الصلاة مع الجماعة في المساجد التي بنيت من أجلها وشرع الأذان لأجلها }فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ{[النور: 36] }إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ{[التوبة: 18].

وفي الحديث: من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر، قيل: وما العذر؟ قال: «خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى»([4]) يعني في بيته .

وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يصلي في جماعة ولا يجمع فقال: «إن مات على هذا فهو في النار»([5]).

وعنه ﷺ‬ أنه قال: «الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصلاة فلا يجيبه».

وفي رواية «بحسب المؤمن من الشقاء والخيبة أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه»([6]) فالصلاة في المساجد مع الجماعة من أوكد العبادات وأجل الطاعات وأعظم القربات.

وبالله التوفيق ([7]).

 من فوائد الصلاة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد، فإن الله تعالى فرض الصلوات الخمس على الأمة الإسلامية، رحمة بها وإحسانًا إليها ليغذي بها إيمانهم ويرفع بها درجاتهم ويكفر بها خطاياهم وسيئاتهم ويضاعف بها حسناتهم ويدخلهم بها الجنة وينجيهم بها من النار، ولما لها من الفوائد العظيمة والمزايا الجسيمة مما لا يعد ولا يحصى أحببت أن أذكر شيئًا منها ليرغب فيها من يريد لنفسه الفوز والفلاح والرقي والتقدم والنجاح فمن فوائد الصلاة بعد كونها عبادة الله:

1- أنها صلة بين العبد وربه ولذا سميت صلاة.

2- أنها تكفر الذنوب والآثام.

3- أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

4- أنها نور في الوجه والقلب والقبر ويوم الحشر.

5- أن الصلاة للبدن والروح بمنزلة حقن صحية ووجبات غذائية.

6- أن الصلاة عمود الدين الإسلامي الذي يقوم عليه كعمود الخيمة.

7- أن الصلاة شعار المسلم فلا إسلام لمن ضيعها.

8- أنها بمنزلة الرأس من الجسد فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له فلا دين لمن لا صلاة له.

9- أن الصلاة سبب المعونة على أمور الدين والدنيا }وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ..{[البقرة: 45].

10- أنها سبب للرزق كما قال تعالى: }وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ{[طه: 132].

11- أن الصلوات الخمس واجبة على كل مسلم بالغ عاقل غير المرأة الحائض والنفساء لحاجتهم إليها.

12- أنها تجب على كل حال في الصحة والمرض والإقامة والسفر والأمن والخوف على قدر الاستطاعة لما تقدم.

13- أن الصلاة في المساجد مع الجماعة سبب التعارف والتآلف والسلام والتعاون والمحبة

14- أنها تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة للحديث الصحيح المتفق عليه.

15- أنها تمحى بها الخطايا وترفع بها الدرجات.

16- أنها دليل على الإيمان وأمان من النفاق: }إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ{[التوبة: 18].

17- أن المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة سبب السعادة في الدنيا والآخرة والسلامة من شقاوة الدنيا والآخرة }وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ{[المعارج: 34، 35].

18- أن في أداء الصلاة رياضة للجسم ونشاط وصحة لما يقوم به المصلي من حركات متنوعة.

19- أن قبول الأعمال الأخرى موقوف على أداء الصلاة وقبولها لأنها عماد الدين الذي يقوم عليه.

20- أن الصلاة في المساجد مع الجماعة سبب لصلاة الملائكة على المصلي واستغفارهم له ما دام في المسجد قبل الصلاة وبعدها لحديث أبي هريرة ورواه البخاري.

21- أنها رمز لوحدة المسلمين وجمع قلوبهم واتحاد صفوفهم فالرب واحد والنبي واحد والقبلة واحدة والهدف واحد وهو طلب رضا الله وجنته والسلامة من عذابه وسخطه.

22- والصلاة مجلبة للرزق حافظة للصحة دافعة للأذى مقوية للقلب مبيضة للوجه مفرحة للنفس مذهبة للكسل منشطة للجوارح ممدة للقوى شارحة للصدر مغذية للروح منورة للقلب حافظة للنعمة دافعة للنقمة جالبة للبركة مبعدة عن الشيطان مقربة من الرحمن لأنها صلة به عز وجل وعلى قدر صلة العبد بربه يفتح له من الخيرات أبوابها ويغلق عنه من الشرور أسبابها ويفيض عليه التوفيق والعافية والصحة والغنى والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه ومسارعة إليه، وبالله التوفيق ([8]).


 من فوائد أداء صلاة الفجر مع الجماعة وأضرار التخلف عنها وغيرها من الصلوات

1- أن أداءها في وقتها مع الجماعة من صفات المؤمنين.

2- أن أداءها مع الجماعة مع صلاة العشاء يعدل قيام الليل الذي يطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله».

3- أن من صلى الفجر فهو في ذمة الله أي في حفظ الله وكلاءته وسلامته كما في الحديث الذي رواه مسلم «من صلى الصبح فهو في ذمة الله».

4- البشارة له بالنور التام يوم القيامة قال عليه الصلاة والسلام «بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» رواه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم.

5- أن المسلم إذا استيقظ من نومه فذكر الله وتوضأ وصلى الصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلانًا لحديث أبي هريرة متفق عليه.

6- يحصل للمصلي مع الجماعة مضاعفة الحسنات ورفع الدرجات وتكفير السيئات.

7- أن أداءها في وقتها مع الجماعة من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار مع أداء صلاة العصر قال النبي ﷺ‬: «من صلى البردين دخل الجنة» متفق عليه، والبردان الصبح والعصر وقال: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني الفجر والعصر رواه مسلم.

8- حضور اجتماع الملائكة في صلاة الصبح وصلاة العصر - الذين ينزلون بالرحمة والبركة - قال عليه الصلاة والسلام: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله -وهو أعلم بهم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» متفق عليه.

9- أن صلاة الجماعة عمومًا أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة للحديث المتفق عليه.

10- أن من خرج من بيته للصلاة مع الجماعة في المسجد فهو في صلاة ما دام في المسجد.

11- أن الملائكة تصلي على المسلم المصلي في المسجد قبل الصلاة وبعدها وتدعو له بالمغفرة والرحمة.

12- أن الماشي إلى المسجد إحدى خطواته تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة، فكثرة الخطى إلى المساجد مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات لحديث أبي هريرة رواه مسلم.


 وأما أضرار التخلف عن أداء صلاة الفجر وغيرها مع الجماعة فهي

1- خسران الحسنات والأجر المرتب على حضورها مع الجماعة.

2- الاتصاف بصفات المنافقين الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى قال عليه الصلاة والسلام: «أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا» متفق عليه، وتقدم أن من صلاهما مع الجماعة فكأنما صلى الليل كله، وأن قيام الليل يطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والمتخلف عنهما يتصف بصفات المنافقين ويخسر هذا الثواب العظيم والأجر المرتب عليها.

3- أن النوم عن صلاة الفجر والتخلف عنها مع الجماعة من أسباب تأخيرها حتى يخرج وقتها بطلوع الشمس، وتعمد ذلك كفر متوعد عليه بالوعيد الشديد قال الله تعالى: }فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ{[الماعون: 4، 5] وهم المؤخرون لها حتى يخرج وقتها توعدهم الله بويل وهو شدة العذاب، وقيل: واد في جهنم نعوذ بالله منه.

 وقال تعالى: }فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا{[مريم: 59] وليس معنى أضاعوها تركوها ولكن أخروها عن أوقاتها.

4- وذكر للنبي ﷺ‬ رجل نام حتى أصبح قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو قال في أذنه» متفق عليه.

5- وتقدم أن من نام حتى أصبح ولم يقم ولم يذكر الله ثم يتوضأ ويصلي إلا أصبح خبيث النفس كسلانًا وهذا شيء مشاهد بالتجربة.

6- أن المتخلف عن أداء الصلاة مع الجماعة يستولي عليه الشيطان فيكون من حزبه وينسيه ذكر الله، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإن ما يأكل الذئب من الغنم القاصية» رواه أبو داود بإسناد حسن.

7- ومن ذلك عدم استطاعته السجود حينما يدعى إليه يوم القيامة لعدم إجابته المؤذن في الدنيا للصلاة وهو صحيح سالم من الموانع قال الله تعالى: }يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ{[القلم: 42، 43].

فيجب على المسلم أن يتوب إلى الله تعالى وأن يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة عمومًا وعلى صلاة الفجر خصوصًا ليفوز بالأجر المرتب على أدائها مع الجماعة ويحصل على الفوائد المذكورة ويسلم من الإثم والأضرار المرتبة على التخلف عنها مع الجماعة وأن يعمل الوسائل والأسباب التي تجعله يستيقظ لأداء صلاة الفجر مع الجماعة ومنها النوم المبكر، وأن يوصي من يوقظه، وأن يجعل عنده ساعة منبهة وأن ينام وهو عازم القيام رغبة في الثواب المرتب عليها وخوفًا من العقاب المرتب على تضييعها وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


 عظم شأن الصلاة وأسباب حضور صلاة الفجر مع الجماعة

الحمد لله الذي فرض علينا الفرائض وجعل الجنة دارًا لمن حافظ عليها والنار دارًا لمن ضيعها وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد.

فإن من المعلوم أن للصلاة منزلة عظيمة في الإسلام فهي عموده والركن الثاني من أركانه وأول عمل يحاسب عليه العبد يوم القيامة فإن قبلت قبل سائر عمله وإن ردت رد عليه سائر عمله وهي سبب لكل خير وسبب لجلب الأرزاق وانشراح الصدور والمرء ينال بها سعادة الدنيا والآخرة وهي نور في الوجه ويقين في الفؤاد فمن فعلها كفرت عنه سيئاته ما لم يفعل الكبائر ولهذا قال النبي ﷺ‬: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» ([9]) .

والله تعالى يقول: }حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى{[البقرة: 238].

وفضائل الصلاة وفوائدها كثيرة جدًّا ولكن حسبك من ذلك ما ذكر ومع هذا نرى كثيرًا من الناس اليوم قد تهاون بالصلاة واستخف بها فتركها كلية ولم يلق لها بالًا ومنهم من صلاها يومًا وتركها يوماً آخر والبعض منهم يصليها في بيته ومن هؤلاء أيضًا من يصليها في المسجد ويتخلف عن صلاة الفجر فإن صلاها فبعد خروج وقتها فحال هذا كالذي يبني أول النهار فإذا أتى الليل هدم ما بنى، فإنا لله وإنا إليه راجعون، سئل النبي ﷺ‬ عن أحب الأعمال إلى الله فقال: «الصلاة على وقتها»([10]) وكذلك حثَِِِّ على تأديتها جماعة في المسجد حيث قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»([11]) .

وقال مرغبًا فيها: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله»([12]).

وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»([13]).

وفي المقابل قال ﷺ‬ محذرًا من تكاسل عن صلاة الفجر وأداها في بيته «من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه في نار جهنم» ([14]) .

وقال كذلك فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: قال: «أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» ([15]).

فهل بعد هذا الأجر أجر وبعد هذا التحذير تحذير ولكن الغفلة تنسي كل ذلك أبعد كل هذا الترغيب والترهيب هل يا ترى من مستجيب؟ نرجو ذلك.

فلتحافظ أخي المسلم على صلاتك وخاصة صلاة الفجر فلا تكن كالذي ينام عنها فإذا حان وقت دوامه استيقظ كالشيطان فإن كان ذاكرًا للصلاة صلاها وهو على عجل وبهذا يحرم نفسه الأجر العظيم من الله ويرتكب الذنب الأعظم ثم هل تقبل منه أو ترد عليه ؟.


وأخيرًا اعلم يا أخي أن هناك أسبابًا تعين على حضور صلاة الفجر في الجماعة ومنها:

1- النوم المبكر لأن السهر لأجل أمر مباح إذا كان يؤخر عن صلاة الفجر فهو حرام فكيف إذا كان السهو لأجل أمر محرم.

2- أن تفعل الأسباب التي تجعلك تستيقظ كالساعة المنبهة أو توصي أحدًا ينبهك ولكن الأمر المؤسف أنك ترى كثيرًا من الناس يفعلون السبب الذي يجعلهم يستيقظون لأمر دنياهم وأما للصلاة فلا.

3- أن تعزم عزمًا أكيدًا وتعقد النية على أن تؤدي صلاة الفجر مع الجماعة مع فعل السبب فإن النائم كالميت فلا تدري هل يستيقظ أم تقبض روحه وهو نائم فإن كان لم ينو أن يصليها وقبضت روحه فبئس الموتة.

4- أن تستشعر أنك إذا حضرت الصلاة فأنت نلت الثواب الكبير الذي لا يحصى ولا يقدر بثمن وأنك إذا تخلفت عنها عرضت نفسك لعذاب الله.

فالله نسأل أن يتقبل منا صالح الأعمال وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


فاسألوا أهل الذكر

س: إذا رأينا من أخ لنا محافظ على الصلاة ومداوم على الجلوس في الصف الأول، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فهل لنا أن نشكره على ذلك ونحمده عليه أم أن ذلك بدعة؟

ج: هذا طيب يجب أن يشكر ويشجع، إذا رأيت أخاك يعمل عملاً صالحًا مثل التسابق إلى الصلاة ومثل التسابق لطلب العلم والتسابق لزيارة المرضى وما أشبه ذلك تثني عليه وتشكره وتشجعه وتدعو له بالتوفيق.

 حكم تأخير صلاة الفجر عن وقتها

س: أنا شاب حريص على الصلاة غير أني أنام متأخرًا فأركب الساعة (المنبه) على الساعة السابعة صباحًا أي بعد شروق الشمس ثم أصلي وأذهب للمحاضرات وأحيانًا في يوم الخميس أو الجمعة أستيقظ متأخرًا أي قبل صلاة الظهر، بقليل بساعة أو ساعتين فأصلي الفجر عندما أستيقظ علمًا بأني أصلي أغلب الأوقات بغرفتي بالسكن ومسجد السكن الجامعي ليس بعيدًا عني وقد نبهني أحد الإخوة إلى أن ذلك لا يجوز، المرجو من سماحتكم إيضاح الحكم فيما سبق وجزاكم الله خيرًا.

ج: من يتعمد تركيب الساعة إلى ما بعد طلوع الشمس حتى لا يصلي فريضة الفجر في وقتها هذا قد تعمد تركها وهو كافر بهذا عند جمع من أهل العلم - نسأل الله العافية- لتعمده ترك الصلاة وهكذا إذا تعمد تأخير الصلاة إلى قرب الظهر ثم قام وصلاها عند الظهر أي صلاة الفجر، أما من غلبه النوم حتى فاته الوقت، فهذا لا يضره ذلك وعليه أن يصلي إذا استيقظ ولا حرج عليه إذا كان غلبه النوم أو تركها نسيانًا، أما الإنسان الذي يتعمد تأخيرها إلى ما بعد الوقت أو يركب الساعة إلى ما بعد الوقت حتى لا يقوم في الوقت فهذا عمل متعمد، ويعتبر معتمدًا للترك فقد أتى منكرًا عظيمًا عند جميع العلماء، لكن هل يكفر أو لا يكفر فهذا فيه خلاف بين العلماء إذا كان ما جحد وجوبها فالجمهور يرون أنه لا يكفر بذلك ، وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه يكفر بذلك كفرًا أكبر وهو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وأيضًا ترك صلاة الجماعة منكر لا يجوز.

والواجب عليه أن يصلي في المسجد لما ورد في حديث ابن أم مكتوم وهو رجل أعمى، فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ‬ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له فلما ولى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة ؟» قال: نعم. قال: فأجب ([16]) هذا أعمى ليس له قائد يلائمه ومع هذا يأمره بالصلاة في المسجد فالصحيح البصير أولى والمقصود أنه يجب على المؤمن أن يصلي في المسجد ولا يجوز له التساهل والصلاة في البيت قرب المسجد ([17]).

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة الإرشاد


 مقدار صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فينبغي لكل إمام ومنفرد وكل مصل أن يراعي هدي رسول الله ﷺ‬ في صلاته القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي» متفق عليه وقال ﷺ‬: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة (علامة) من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة» رواه مسلم.

وأما قوله ﷺ‬ «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف» متفق عليه.

 قال ابن القيم: التخفيف أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام والمأمومين.

فكان ﷺ‬ يصلي صلاة تامة متناسبة كان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود والاعتدال بعد الركوع الجلوس بين السجدتين وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود وما بينهما.

وكان يقرأ في صلاة الفجر من ستين آية إلى مائة آية وكان يقرأ فيها بسورة ق، ونحوها من السور، وكان يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بقدر ثلاثين آية وفي الأخيرتين على النصف من ذلك وكان يقرأ في الأوليين من صلاة العصر في كل ركعة قدر خمس عشرة آية كالأخيرتين من الظهر وفي الأخيرتين على النصف من ذلك.

وأحيانًا كان يقتصر في الركعتين الأخيرتين من الظهر والعصر على الفاتحة، وكان يقرأ في صلاة المغرب أحيانًا من قصار المفصل وأحيانًا من طواله وطوال المفصل من سورة ق إلى سور النبأ وأوساطه من سورة النبأ إلى سورة (والضحى)، وقصاره من (والضحى) إلى آخر القرآن.

ووقت عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل بالقراءة في صلاة العشاء بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ونحوها من السور من أوساط المفصل.

وكان مقدار تسبيحات الرسول ﷺ‬ في الركوع والسجود عشر تسبيحات، وكان عليه الصلاة والسلام يطيل القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين فكان إذا رفع رأسه من الركوع مكث قائمًا حتى يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجود مكث جالسًا حتى يقول القائل قد نسي.

ويلاحظ على بعض الأئمة عدم تطبيق السنة في ذلك وفي إطالة القراءة في صلاة الفجر والركعتين الأوليين من صلاة الظهر، كما يلاحظ على الكثير منهم أنهم يطيلون القراءة في قيام رمضان ويخففون الركوع والسجود وكذلك في صلاة الكسوف كما يخففون القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين وهو خلاف السنة والخير كله في هدي النبي ﷺ‬ والاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه ([18]).


 من أحكام تارك الصلاة في الشريعة الإسلامية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فإن مما يحزُّ في النفس ويبكي العين ويؤلم القلب تهاون كثير من شباب المسلمين بالصلاة وتأخيرهم لها عن وقتها وتخلفهم عن جماعتها على الرغم من أنهم يتمتعون بالصحة والعافية والعقل والسمع والبصر والعلم والمعرفة، والأمن والاستقرار ورغد العيش في هذا الوطن العزيز وهذه نعم عظيمة تحتاج إلى شكر المنعم عليها بطاعته وترك معصيته ومن أعظم الواجبات الصلاة ومن أعظم المعاصي تركها، وهي عماد الدين وشعار المسلم والفارقة بين الإسلام والكفر كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

لذا أحب أن أذكر إخواني شباب الإسلام والمسلمين بأحكام تارك الصلاة ليتفطنوا لها ويجعلوها نصب أعينهم }وَلَعَلهُمْ يَتَّقُونَ{ [الأعراف: 164].

1- أن تارك الصلاة محكوم بكفره والكافر في النار ولن يرضى المسلم لنفسه بالكفر والنار.

2- محكوم بقتله بعد أن يستتاب فلا يتوب ولن يرضى أحد لنفسه بالقتل قال ﷺ‬ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» متفق عليه.

3- لا يزوج المرأة المسلمة }لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ{[الممتحنة: 10].

4- لا يرث أقاربه المسلمين ولا يرثونه إذا مات لأنه محكوم بكفره والكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر، لحديث أسامة بن زيد متفق عليه.

5- لا يقبل منه صدقة ولا صوم ولا حج ولا أي عمل لأن الصلاة عمود الإسلام الذي يقوم عليه لقوله ﷺ‬ «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

6- هو أشد جرما من الزاني والسارق وشارب الخمر لأن هؤلاء مسلمون عصاة إذا كانوا يصلون وهو كافر، ومن استحل محرما فقد كفر إذا كان مجمعا على تحريمه.

7- إذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين لكونه محكوما بكفره.

إلا من تاب الله عليه وهو التواب الرحيم والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وكلنا يعلم أن الحياة محدودة والأنفاس معدودة وأن الموت يأتي فجأة وليس بعد الموت إلا الجنة في نعيم أبدي أو النار في عذاب سرمدي ومن أسباب عذاب النار ترك الصلاة.

قال تعالى: }مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ{[المدثر: 42، 43] وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ{[التحريم: 6] أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار ومما يقرب إليها من قول وعمل وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ([19]).


 ما يجب على المسلم المصلي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فيجب على المسلم المصلي الذي يؤمن بالله واليوم الآخر والثواب لمن أطاع الله والعقاب لمن عصاه يؤمن بالجنة دار النعيم والكرامة التي أعدت للمتقين وهم المطيعون لله ويؤمن بالنار دار الشقاء المعدة لمن كفر بالله وعصاه يجب عليه أن يلتزم بتعاليم الإسلام الحنيف بالقول والاعتقاد والعمل والحب والبغض والفعل والترك فلا يترك واجبا ولا يعمل محرما ولا يخالف أمرًا ولا يرتكب نهيا رغبة  في ثواب الله وخوفا من عقابه.

وأن تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر قال تعالى: }اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ{[العنكبوت: 45] فأمر تعالى باتباع القرآن والعمل به وبإقامة الصلاة على الوجه المشروع كما كان يؤديها رسول الله ﷺ‬ القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي» متفق عليه، وأخبر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء وهي ما عظم قبحه من المعاصي كالمعاملات الربوية والزنا واللواط وشرط الخمر، والمنكر وهو كل ما نهى الله عنه ورسوله، ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أن العبد المقيم لها المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها يستنير قلبه ويتطهر فؤاده ويزداد إيمانه وتقوى رغبته في الخير وتقل أو تنعدم رغبته في الشر ، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر فهذا من أعظم مقاصد الصلاة وثمراتها.

وفي الصلاة مقصود أعظم من هذا وأكبر وهو ما اشتملت عليه من ذكر الله بالقلب واللسان والبدن فإن الله تعالى إنما خلق العباد لعبادته وأعظم عبادة تقع منهم بعد الشهادتين الصلاة وفيها من عبوديات الجوارح كلها ما ليس في غيرها ([20]) .

ولهذا قال تعالى: }وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ{[العنكبوت: 45] من خير وشر فيجازيكم على ذلك، فيجب على المسلم المصلي أن يحقق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله بمحبة الله ورسوله وامتثال ما أمر الله به ورسوله والانتهاء عما نهى عنه الله ورسوله وبهذا تحقق السعادة والفوز في الدنيا والآخرة.

قال الله تعالى: }وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{[الأحزاب: 71] أي حصل على كل مطلوب ونجا من كل مرهوب.

ويجب على المسلم المصلي أن يؤدي الصلاة في أوقاتها مع الجماعة بخضوع لله وخشوع ورغبة ورهبة مستحضرا عظمة الله ووقوفه بين يديه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه ويسمعه ويعلم ما يكن في ضميره، ويجب على المسلم المصلي أن يؤدي الزكاة إلى مستحقيها وأن يصوم رمضان ويحفظ جوارحه عن الآثام في رمضان وغيره وأن يحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلا مرة واحدة في عمره.

ويجب على المسلم المصلي بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، وكما يجب عليه فعل الواجبات كذلك يجب عليه اجتناب المحرمات التي نهى الله عنها ورسوله ومن أشنعها السبع المهلكات وهي الشرك بالله والسحر والشعوذة وقتل المسلم بغير حق والمعاملات الربوية وأكل مال الأيتام والفرار من الزحف- الإدبار عن الكفار وقت التحام القتال -وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات- رميهن بالزنا -كما يجب على المسلم المصلي الابتعاد عن كبائر الذنوب عموما وهي التي ورد فيها حد في الدنيا كالزنا والسرقة وشرب الخمر، أو وعيد في الآخرة بلعنة أو غضب أو نار أو نفي إيمان كعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وتصوير ذوات الأرواح من الآدميين والبهائم وإسبال الملابس والكذب والغيبة والنميمة واللعن إلى غير ذلك ([21]).

كما يجب على المسلم المصلي أن يعفي لحيته ويقص شاربه طاعة لله ورسوله، وأن يقصر ملابسه فوق الكعبين ليكون قدوة حسنة لغيره ومطيعا لله ورسوله وهنا قاعدة مهمة ينبغي مراعاتها وهي أن من عرف الحق فاتبعه والباطل فاجتنبه هداه الله ووفقه وتقبل منه أعماله بدليل:

قوله تعالى: }وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ{[محمد: 117] .

وقوله تعالى: }وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى{[مريم: 76] فالجزاء من جنس العمل.

وقوله تعالى: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ{[العنكبوت: 69] .

ومن أعظم الجهاد جهاد النفس في طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه كما قال النبي ﷺ‬ «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» رواه البيهقي فالمجاهد حقيقة من جاهد نفسه بامتثال المأمور واجتناب المحظور والصبر على المقدور.

وعلى عكس ما تقدم من عرف الباطل والحرام فارتكبه يكون بعيدا عن التوفيق بدليل قول الله تعالى: }فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{[الصف: 5].

فلما عرفوا الحق وتركوه والباطل فارتكبوه عاقبهم الله بزيغ قلوبهم وأخبر أنه لا يهدي من خرج عن طاعته بعد أن عرفها كما قال تعالى: }وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ{[الأنعام: 110] فلما امتنعوا عن الإيمان بعد ما تبين لهم وفتح لهم الباب فلم ليدخلوه عاقبهم الله بتقليب قلوبهم وتركهم في غيهم يعمهون وهذا من عدل الله وحكمته }فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ{[الروم: 9].

فليحذر المسلم من مخالفة أمر الله وأمر رسوله ﷺ‬ لئلا يغلق على نفسه أبواب الهداية والتوفيق كما قال تعالى: }وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ [الحشر: 19]

قال المفسرون }نَسُوا اللهَ{ تركوا ذكره وطاعته فأنساهم العمل الصالح أنفسهم وأن يقدموا لها خيرا فالجزاء من جنس العمل، وقد يكون الإنسان يصلي ويصوم ويزكي ويحج وهو لا يدري هل قبلت صلاته وصومه وزكاته وحجه أم لا، لأن الله يقول: }إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{[المائدة: 27] و}إِنَّمَا{ للحصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه فلا يقبل الله إلا من المتقين وهم المطيعون لله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فإذا كان الإنسان يفعل الواجبات ثم يعمل المعاصي فقد يبطل عمله قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ{[محمد: 33] والآية تدل على أن من أطاع الله ورسوله قبلت أعماله، وأن من عصى الله ورسوله فقد أبطل أعماله فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يتوب إلى الله تعالى في جميع الأوقات من جميع الذنوب والسيئات وأن لا يصر على معصية.

قال الله تعالى: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{[الزمر: 53] .

وقال النبي ﷺ‬ قال الله تعالى: «يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

ويجب على كل مسلمة مصلية أن تطيع الله ورسوله وأن تطيع زوجها في غير معصية الله وأن تحافظ على التستر والحجاب والحياء وان تقر في بيتها فلا تخرج منه لغير ضرورة، وأن تجتنب التبرج والسفور وإظهار الزينة والتطيب عند الخروج من بيتها لقول الله تعالى: }وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى{[الأحزاب: 33]

ولقوله ﷺ‬: «أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء» رواه مسلم وقوله عليه الصلاة والسلام «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية» رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهم ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ([22]).


ملاحظات هامة

يلاحظ على بعض المصلين أنهم يتهاونون ببعض الواجبات ويفعلون بعض المحرمات مثل حلق اللحى وإسبال الثياب وتصوير ذوات الأرواح واستماع الأغاني وشرب الدخان والغش في المعاملات ونحو ذلك وبعضهم يستعمل السب والشتم واللعن والغيبة والنميمة والسخرية بالمسلمين والاستهزاء بهم وهذه الأشياء من كبائر الذنوب التي توجب العذاب وتحبط الحسنات إن لم يتب صاحبها منها.

والإسلام كل لا يتجزأ يجب الإيمان به كله والعمل بتعاليمه كلها عملا بقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً{ [البقرة: 208] والذي يترك الواجبات ويعمل المحرمات لم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويدل ذلك على ضعف إيمانه، وأن صلاته لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لعدم إكمالها أو لعدم قبولها، والذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويرجو الثواب ويخاف العقاب ويحب الله ورسوله ويرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ‬ نبيا ورسولا يطيع الله ورسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي رغبة في الثواب وخوفا من العقاب.


أسأل الله تعالى أن يهدينا وسائر إخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا وإياهم هداة مهتدين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بقلم الفقير إلى الله

 عبد الله الجار الله


تقديم الشيخ عبد الله بن جبرين

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:

فقد قرأت هذه الرسالة الموسومة بـ «جبر الكسر»، فألفيتها قيمة في موضوعها، قد وفق الله الكاتب جزاه الله خيرًا عندما أدرك كثرة المتخلفين عن صلاة الصبح ورأى المساجد تكاد أن تخلو من أغلب الناس في ذلك الوقت بحيث لا يعمرها سوى كبار السن أو بعض من أعانهم الله من الشباب والكهول، بل قد تجاوز الأمر إلى تخلي الكثير من الشيوخ والمسنين عن هذه الصلاة جماعة، بل أصبحوا متكاسلين عن بقية الصلوات، ولقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام وهو القدوة والأسوة في قيام الليل والانتباه لصلاة الصبح وهو المعلم المرشد لذلك حيث ثبت ذلك عنه بالفعل، وكان يكره النوم قبل العشاء والتحدث بعدها، وتبعه على ذلك صحابته والمسلمون بعدهم إلى زمن قريب حيث عرفوا أسباب الكسل والتثاقل عن الصلاة فرضًا ونفلاً وحذروا عنها حتى قال بعضهم: إذا لم تقدر على قيام الليل فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك وسئل الحسن البصري رحمه الله: ما لنا لا نقدر على قيام الليل؟ فقال: قيدتكم خطاياكم.

وقد ضعفت الهمم وقل الإحساس وكاد أن يتلاشى قدر هذه الصلاة في قلوب أولئك المتخلفين وإلا فلو كان هناك دوافع وهمم قوية لما تغلب عليهم النوم ولو سهروا أول الليل فنحن نشاهد أحدهم إذا حدد له موعد لعمل أو لمصلحة عاجلة أولاه اهتمامًا وانتبه في حينه أو قبله ولم يهنأ بالنوم والراحة مخافة أن يعاقب أو يقتطع شيء من أجرته فعلى هذا لا عذر لأحد في التخلف عن هذه الصلاة، وقد يسر الله وله الحمد في هذه الأزمنة وجود هذه الساعات المنبهة بأجراسها على الوقت المختار فتوقظ من حولها إن كان له همة وحاجة ولكن أولئك الكسالى إنما يستعملونها لأوقات العمل الوظيفي ونحوه وصدق رسول الله ﷺ‬ في قوله في المتخلفين «ولو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» ([23])

وبالجملة فعلى من يريد نجاة نفسه من صفات المنافقين أن يتجرد من الكسل ويستعمل أسباب النشاط ويطبق ما في هذه الرسالة من الأسباب ويعود نفسه على المبادرة ويدرك ما يفوته وما يفوت المتخلفين من الأسباب الصحية ومن الأجر الكبير فسوف يتغير إن شاء الله إلى أحسن، ويتدارك ما فاته وما سبقه به الأولون والله تعالى الموفق والمعين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم

                          عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين


 جبر الكسر في الأسباب المعينة على أداء صلاة الفجر

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأصلي وأسلم على سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أما بعد:

فإن من الظواهر السيئة والبوادر الخطيرة التي تنذر بالخطر والعقوبة وتبعث على الخوف وتستدعي منا الوقوف والتأمل ومعرفة الأسباب والعلاج ما نراه من تخلف كثير من المصلين عن صلاة الفجر وأدائها في غير وقتها، ولعل السبب في ذلك السهر الطويل والعكوف على أجهزة اللهو الساعات الطوال، ولقد كان آباؤنا وأجدادنا إلى زمن ليس بالبعيد يحرصون أشد الحرص على النوم مبكرين فيغلقون بيوتهم بعد صلاة العشاء ويتخففون من الطعام فيقوم الواحد منهم لصلاة الفجر وهو طيب النفس لذلك عاشوا عيشة هنيئة مليئة بالاستقرار النفسي والصحي وأحسوا بطعم الحياة.

ولما دخلت علينا المدنية الحديثة أفسدت علينا ديننا ودنيانا فكان من نتيجة ذلك أن دب الكسل والخمول في النفوس وترهلت الأجسام وتراكمت الشحوم عليها وقلت الحركة وكثر نوم الإنسان وعجز عن القيام ببعض الأعمال البسيطة، ولعلنا من خلال هذا الموضوع أن نلتمس الأسباب المعينة على الاستيقاظ لصلاة الفجر، فمن الأسباب المعينة على الاستيقاظ لصلاة الفجر:

1- أن يحرص الإنسان على النوم مبكرًا وقد كان النبي ﷺ‬ يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها وقد استثنى من ذلك حالات منها ما ذكرها الإمام النووي في شرحه على مسلم قال رحمه الله: سبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو في وقتها المختار أو الأفضل، والمكروه من الحديث بعد صلاة العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم في خير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك فكل هذا لا كراهة فيه.

2- أن يحرص المسلم على آداب النوم كالدعاء قبل النوم وجمع الكفين والنفث فيهما والنوم على طهارة ويحرص على أداء ركعتين الوضوء كما أن على المسلم أن يستعين بمن حوله من أهله ووالديه وأقاربه وجيرانه فيوصيهم بالاستيقاظ وعليه أن يبادر إلى الاستيقاظ إذا أوقظ ولا يتثاقل ويتكاسل حتى لا يتصف بصفات المنافقين الذين إذا أتوا إلى الصلاة أتوا وهم كسالى.

3- عمارة القلب بالإيمان والعمل الصالح فمتى كان الإيمان حيًا يقظًا دفع صاحبه إلى العمل الصالح وشمَّر عن ساعد الجد وواصل المسير بلا كلل ولا ملل فشجرة الإيمان في القلب تثمر إذا سقيت بروافد العمل الصالح فتؤتى أكلها سلوكًا وتعاملاً حسنًا مع المجتمع، فالإيمان يذبل وينكمش على حسب قوة الروافد وضعفها وعلى حسب المؤثرات الخارجية التي ترد على القلب من الشهوات ونحوها، والقلب القاسي هو الذي لا تؤثر فيه المواعظ لذا كان لزامًا على المسلم أن يتجنب ما يكون سببًا في قسوة قلبه من فضول، الطعام والشراب والكلام والنظر والسماع ويحرض على تحصين قلبه من المؤثرات الخارجية.

4- البعد عن المعاصي بصرف النظر عما يحرم النظر إليه وكذا حفظ اللسان والسمع وسائر الجوارح وإشغالها بما يخصها من عبودية فيشغل البصر بالنظر في كتاب الله وتلاوة آياته والتفكر فيما في هذا الكون من مخلوقات ومطالعة كتب العلم وهكذا سئل أحد السلف عن السبب في عجزهم عن القيام لصلاة الليل فقال: قيدتكم ذنوبكم، فلا شك أن الذنوب تكون سببًا في حرمان العبد الطاعة والتلذذ بها والذنوب كما قال الإمام ابن القيم جراحات ورب جرح وقع في مقتل.

5- أن يدرك ما ورد في فضل صلاة الفجر من الأجر العظيم والثواب الجزيل وما ورد في ذم تاركها مع الجماعة ومؤخرها عن وقتها من الزجر والتوبيخ من ذلك ما رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله» رواه مالك ومسلم واللفظ له .

ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم والنسائي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ذكر عند النبي ﷺ‬ رجل نام ليلة حتى أصبح قال» «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه -أو قال- في أذنيه»

والبول حقيقي كما قال الإمام القرطبي فهو يبول وينكح ويتناسل بكيفية لا يعلمها إلا الله ([24]) وإن أردت أن تتحقق من هذا فانظر إلى وجوه الذين يأتون للأعمال ولم يشهدوا صلاة الفجر مع الجماعة انظر إلى وجوههم في أول الدوام إذا رأيت وجوههم تستعيذ بالله من شأنهم وحالهم وماذا يكون حال إنسان بال الشيطان في أذنيه.

6- أن يدرك الآثار المترتبة على التخلف من تكدر النفس وانقباضها وفوات كثير من المنافع الدينية والدنيوية وأن يدرك نقيض ذلك، يقول الرسول ﷺ‬ «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثة عقد يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود.

والوقت الذي يعقب صلاة الفجر كله خير وبركة حرص النبي ﷺ‬ على اغتنامه وشغله بالذكر فلقد كان يجلس بعد صلاة الفجر يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين، ولقد حرص السلف الصالح على الالتزام بهذه السنة فها هو شيخ الإسلام ابن تيمية كما ينقل عنه تلميذه ابن القيم يجلس بعد الصلاة يذكر الله وكان يقول: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة)، يعني بذلك ما يحصل للعابد من لذة المناجاة التي لا نسبة بينها وبين لذات الدنيا بأسرها وكان يقول - رحمه الله - كما ينقل عنه تلميذه: (هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي) ([25]) ووقت ما بعد صلاة الفجر كله خير وبركة دعا رسول الله ﷺ‬ لأمته فيه بالخير والبركة فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» لذا نجد أصحاب الحرف والمهن والتجارة يحرصون على اغتنام هذا الوقت الفضيل لما فيه من الخير والبركة،

روى الترمذي عن صخر الغامدي أن النبي ﷺ‬ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» قال: وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم أول النهار وكان صخر رجلاً تاجرًا وكان إذا بعث تجارة بعثها أول النهار فأثرى وكثر ماله([26]) والذين ينامون في هذا الوقت الثمين ويستغرقون في نومهم إلى الضحوة حرموا أنفسهم بركة هذا الوقت، أما الفوائد الصحية التي يجنيها الإنسان بيقظة الفجر فهي كثيرة منها «تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون» في الجو عند الفجر وتقل تدريجيًا حتى تضمحل عند طلوع الشمس ولهذا الغاز تأثير مفيد للجهاز العصبي ومنشط للعمل الفكري والعضلي بحيث يجعل الإنسان عندما يستنشق نسيم الفجر الجميل المسمى بريح الصبا يجد لذة ونشوة لا شبيه لها في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل ([27]).

7- أن يحرص المسلم على أن ينفي عن نفسه صفة المنافقين فإن حضور صلاة الفجر مع الجماعة دليل على قوة الإيمان والبراءة من النفاق لمشقة هذا الوقت على النفس لذلك قال الرسول ﷺ‬ في الحديث الذي أخرجه مسلم والبخاري: «إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا» .

ويقسم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود فيقول: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) ([28]) .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن) رواه البزار والطبراني وابن خزيمة في صحيحه ([29]).

وإذا أردت أن تزن إيمان الرجل ومدى صدقه وإيمانه فانظر إلى حاله مع صلاة الفجر فإن كان ممن يشهد صلاة الفجر مع الجماعة فذلك مؤشر على قوة الإيمان، وإذا كان لا يشهدها مع الجماعة فهذا برهان على خلل في إيمانه وقسوة قلبه واستسلامه لنفسه وهواه وانهزامه أمام نفسه، وإذا كان الرجل يشهد صلاة الفجر فلنشهد له بالإيمان فهي الدليل على صدق إيمان العبد لأنه حقق أكبر انتصار وهو انتصاره على نفسه وتغلبه على لذة النوم والفراش.

فكيف يهنأ هذا المتخلف بالنوم والناس في المساجد مع قرآن الفجر يعيشون وإلى لذيذ خطاب الله يستمعون وفي ربيع جناته يتقلبون إن من آثر لذة الفراش على لذة المناجاة إنه في الحقيقة هو الخاسر المحروم.

هذه بعض الأسباب المعينة للاستيقاظ لصلاة الفجر، عسى أن أكون قد وفقت في عرضها، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.




([1]) متفق عليهما.

([2]) رواهما مسلم.

([3]) رواه مسلم.

([4]) رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه.

([5]) رواه الترمذي موقوفًا.

([6]) رواه أحمد والطبراني قال الهيثمي في مسنده زبان بن فائد ضعفه ابن معين ووثقه أبو حاتم.

([7]) من كتاب كلمات مختارة للمؤلف 61-64.

([8]) من كتاب كلمات مختارة للمؤلف 47-49 وانظر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم بتحقيق الأرناؤط (4/ 332)

([9]) رواه مالك وأحمد وابن ماجه والدارمي والحاكم: وقال صحيح على شرطهما.

([10]) رواهما البخاري ومسلم.

([11]) رواه البخاري ومسلم

([12]) رواه مسلم.

([13]) رواه أبو داود والترمذي قال المنذري ورجال إسناده ثقات وصححه السيوطي والألباني.

([14]) رواه مسلم.

([15]) رواه البخاري ومسلم.

([16]) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم

([17])عن مجلة الدعوة السعودية.

([18]) انظر مقدار صلاة رسول الله ﷺ‬ في كتاب الصلاة لابن القيم ص 87-93.

([19]) المصدر السابق 65-67 وانظر حكم تارك الصلاة للشيخ محمد الصالح العثيمين.

([20]) تفسير ابن سعدي 6/ 91 ط المؤسسة السعيدية.

([21]) انظر كتاب الكبائر للإمام الذهبي، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي.

([22]) إنما نص على المسلم المصلي للتنبيه على أن الذي لا يصلي ليس بمسلم على الصحيح من أقوال أهل العلم لقوله ﷺ‬ «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» رواه مسلم وقوله «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وصححه ابن حبان والحاكم.

([23]) متفق عليه.

([24]) انظر فتح الباري (3/ 28).

([25]) الوابل الصيب 53.

([26]) صحيح سن الترمذي 2/ 4.

([27]) مع الطب في القرآن الكريم 108 عبد الحميد دياب.

([28]) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

([29]) صحيح الترغيب والترهيب 169.

رأيك يهمنا