تذكير البشر بأحكام السفر

نبذة مختصرة

تذكير البشر بأحكام السفر : لما كان كثير من الناس قد يجهلون أحكام العبادات وآداب المسافر في السفر جمعت ما تيسر في هذه الرسالة من أحكام المسافر وآدابه من حين أن يخرج من بيته إلى السفر إلى أن يرجع وما ينبغي له أن يقوله ويفعله في سفره فذكرت آداب السفر القولية والفعلية، ورخص السفر، وأحكام قصر الصلاة وجمعها للمسافر مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك.

تنزيــل

تفاصيل

 تذكير البشر بأحكام السفر

جمع وتحقيق الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله آل جار الله


 مقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ‬ وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

فقد عني الإسلام بالمسلم في جميع مجالات حياته وفي دينه ودنياه وآخرته وفي صحته ومرضه وإقامته وسفره وفي غناه وفقره وفي عباداته ومعاملاته فبين له أحكامها وما له وما عليه فيها من عبادات ومعاملات وحقوق وواجبات لله ولعباده، ولما كان السفر مظنة المشقة وكان ديننا الإسلامي دين السماحة والسهولة واليسر أبيح للمسافر قصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما والفطر في رمضان والمسح على الخفين والجوارب ثلاثة أيام بلياليها فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك.

ولما كان كثير من الناس قد يجهلون أحكام العبادات وآداب المسافر في السفر جمعت ما تيسر في هذه الرسالة من أحكام المسافر وآدابه من حين أن يخرج من بيته إلى السفر إلى أن يرجع وما ينبغي له أن يقوله ويفعله في سفره فذكرت آداب السفر القولية والفعلية، ورخص السفر، وأحكام قصر الصلاة وجمعها للمسافر مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك، وذكر هدي النبي ﷺ‬ في سفره وعباداته فيه، وذكر مسائل وفوائد وفتاوى مهمة تتعلق بالسفر من أوله إلى آخره وسميتها «تذكير البشر بأحكام السفر» وهي مستفادة من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم وقد أسندت كل قول إلى قائله وذكرت المراجع والفهرس في آخر الرسالة.

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أو قرأها أو سمعها فعمل بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ومن أسباب الفوز لديه بجنات النعيم وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 كتاب آداب السفر([1])

 1- باب استحباب الخروج يوم الخميس واستحبابه أول النهار

1- عن كعب بن مالك، رضي الله عنه، أن النبي ﷺ‬ خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس متفق عليه ([2]).

وفي رواية في الصحيحين لقلما كان رسول الله ﷺ‬ يخرج إلا في يوم الخميس.

2- وعن صخر بن وداعة الغامدي الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها([3])» وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار، وكان صخر تاجرا، فكان يبعث تجارته أول النهار فأثرى وكثر ماله، رواه أبو داود والترمذي([4]) وقال: حديث حسن.


 2- باب استحباب طلب الرفقة وتأميرهم على أنفسهم واحدا يطيعونه

1- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ‬ «لو أن الناس يعلمون من الوحدة([5]) ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» رواه البخاري([6]).

2- وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي([7]) بأسانيد صحيحة وقال الترمذي: حديث حسن.

3- وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ‬ «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» حديث حسن، رواه أبو داود([8]) بإسناد حسن.

4- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول قال: «خير الصحابة([9]) أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة» رواه أبو داود والترمذي ([10]) وقال: حديث حسن.


 3- باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السرى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «إذا سافرتم في الخصب([11]) فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في الجدب، فأسرعوا عليها السير، وبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب، ومأوى الهوام بالليل» رواه مسلم([12]).

ومعنى «أعطوا الإبل حظها من الأرض» أي: أرفقوا بها في السير لترعى في حال سيرها وقوله: نقيها هو بكسر النون وإسكان القاف، وبالياء المثناة من تحت وهو المخ معناه: أسرعوا بها حتى تصلوا المقصد قبل أن يذهب مخها من ضنك السير، والتعريس: النزول في الليل.

2- وعن أبي قتادة، رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ‬ إذا كان في سفر، فعرس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه، رواه مسلم([13]).

قال العلماء: إنما نصب ذراعه لئلا يستغرق في النوم، فتفوت صلاة الصبح عن وقتها أو عن أول وقتها.

3- عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ‬ «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل» رواه أبو داود([14]) بإسناد حسن «الدلجة» السير في الليل.

4- وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال: كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب([15]) والأودية: فقال رسول الله ﷺ‬ «إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان» فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض، رواه أبو داود([16]) بإسناد حسن.

5- وعن سهل بن عمرو، وقيل سهل بن الربيع بن عمرو الأنصاري المعروف بابن الحنظلية، وهو من أهل بيعة الرضوان، رضي الله عنه: قال مر رسول الله ﷺ‬ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة([17]) فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة» رواه أبو داود([18]) بإسناد صحيح.

6- وعن أبي جعفر عبد الله بن جعفر، رضي الله عنهما، قال: أردفني رسول الله ﷺ‬ ذات يوم خلفه، وأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ‬ لحاجته هدف أو حائش نحل، يعني: حائط نحل، رواه مسلم([19]) هكذا مختصرًا([20]). وزاد فيه البرقاني بإسناد مسلم بعد قوله: حائش نخل: فدخل حائطا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى رسول الله ﷺ‬ جرجر([21]) وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ‬ فمسح سراته أي سنامه وذافره فسكن فقال: «من رب هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول الله فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه يشكو إلي أنك تجيعه وتدئبه» رواه أبو داودكرواية البرقاني.

قوله: «ذفراه» هو بكسر الذال المعجمة وإسكان الفاء، وهو لفظ مفرد مؤنث، قال أهل اللغة: الذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن، وقوله: تدئبه أي تتعبه.

7- وعن أنس رضي الله عنه قال: كنا إذا نزلنا منزلا، لا نسبح حتى نحل الرحال، رواه أبو داود ([22]) بإسناد على شرط مسلم.

وقوله: لا نسبح: أي لا نصلي النافلة ومعناه أنا مع حرصنا على الصلاة لا نقدمها على حط الرحال وإراحة الدواب.

 4- باب إعانة الرفيق

في الباب أحاديث كثيرة تقدمت كحديث:

«والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»([23]).

وحديث: «كل معروف صدقة»([24]) وأشباههما.

1- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله ﷺ‬ «من كان معه فضل ظهر ([25]) فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له» فذكر من أصناف المال ما ذكره، حتى رأينا، أنه لا حق لأحد منا في فضل، رواه مسلم ([26]).

2- وعن جابر رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ‬ أنه أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار إن من إخوانكم قوما ليس لهم مال، ولا عشيرة فليضم أحدكم إليه الرجلين، أو الثلاثة، فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عقبة كعقبة يعني أحدهم، قال: فضممت إلي اثنين أو ثلاثة ما لي إلا عقبة ([27]) كعقبة أحدهم من جملي، رواه أبو داود ([28]).

3- وعنه قال: كان رسول الله ﷺ‬ يتخلف في المسير فيزجي([29]) الضعيف ويردف ويدعو له، رواه أبو داود ([30]) بإسناد حسن.

 5- باب ما يقول إذا ركب الدابة للسفر

قال الله تعالى: }وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ{ [الزخرف: 12-14].

1- عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ‬ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبر ثلاثا، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر([31]) وسوء المنقلب في المال والأهل والولد» وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» رواه مسلم ([32]).

معنى مقرنين: مطيقين، والوعثاء: بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة وبالمد، وهي: الشدة والكآبة بالمد، وهي: تغير النفس من حزن ونحوه، والمنقلب: المرجع.

2- وعن عبد الله بن سرجس، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكون، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال، رواه مسلم ([33] هكذا هو في صحيح مسلم: الحور بعد الكون، وكذا رواه الترمذي، والنسائي، قال الترمذي: ويروى الكور بالراء وكلاهما له وجه.

قال العلماء: ومعناه بالنون والراء جميعا، الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص، قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة، وهو لفها وجمعها، ورواية النون، من الكون، مصدر كان يكون كونا، إذا وجد واستقر.

3- وعن علي بن ربيعة قال: شهدت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتى بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال «سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون» ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات ثم قال: الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين، من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ‬ فعل كما فعلت، ثم ضحك، فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت، قال: «إن ربك يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري» رواه أبو داود والترمذي([34]) وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح وهذا لفظ أبي داود.

 6- باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا وشبهها وتسبيحه إذا هبط الأودية ونحوها والنهي عن المبالغة برفع الصوت بالتكبير ونحوه

1- عن جابر رضي الله عنه قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا رواه البخاري([35]).

2- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ‬ وجيوشه إذا علوا الثنايا([36]) كبروا، وإذا هبطوا سبحوا رواه أبو داود([37]) بإسناد صحيح.

3- وعنه قال: كان النبي ﷺ‬ إذا قفل من الحج أو العمرة كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب، وحده» متفق عليه ([38]).

وفي رواية لمسلم: إذا قفل ([39]) من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة قوله: أوفى أي: ارتفع، وقوله: فدفد هو بفتح الفاءين بينهما دال مهملة ساكنة، وآخره دال أخرى، وهو: الغليظ المرتفع من الأرض.

4- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أريد أن أسافر فأوصني قال: «عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف» ([40]) فلما ولي الرجل قال: «اللهم اطو له البعد وهون عليه السفر» رواه الترمذي ([41]) وقال: حديث حسن.

5- وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي ﷺ‬ في سفره، فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا فقال النبي ﷺ‬: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم، إنه سميع قريب» متفق عليه([42]).

اربعوا بفتح الباء الموحدة أي: أرفقوا بأنفسكم.

 7- باب استحباب الدعاء في السفر

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن([43]) دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» رواه أبو داود، والترمذي([44] وقال: حديث حسن وليس في رواية أبي داود: «على ولده».

 8- باب ما يدعو به إذا خاف ناسا أو غيرهم

1- عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ كان إذا خاف قوما قال: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم» رواه أبو داود، والنسائي ([45]) بإسناد صحيح.

 9- باب ما يقول إذا نزل منزلا

1- عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» رواه مسلم ([46]).

2- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ‬ إذا سافر فأقبل الليل قال: «يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك ([47]) أعوذ بالله من شر أسد وأسود ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد» رواه أبو داود ([48]).

والأسود: الشخص، قال الخطابي: وساكن البلد: هم الجن الذين هم سكان الأرض، قال: والبلد من الأرض: ما كان مأوى الحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل، قال: ويحتمل أن المراد بالوالد: إبليس وما ولد: الشياطين.

 10- باب استحباب تعجيل المسافر والرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه، وشرابه ونومه ([49]) فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليعجل إلى أهله» متفق عليه([50]).

نهمته: مقصوده.

 11- باب استحباب القدوم على أهله نهارًا وكراهته في الليل لغير حاجة

1- عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلا».

وفي رواية أن رسول الله ﷺ‬ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا متفق عليه ([51]).

2- وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ‬ لا يطرق أهله ليلا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية([52]) متفق عليه([53]).

الطروق المجيء في الليل.

 12- باب ما يقول إذا رجع وإذا رأى بلدته

فيه حديث ابن عمر السابق في باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا.

وعن أنس رضي الله عنه قال: أقبلنا مع النبي ﷺ‬ حتى إذا كنا بظهر المدينة ([54]) قال: «آيبون تائبون، عابدون، لربنا حامدون» فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة، رواه مسلم ([55]).

 13- باب استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين

1- عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين متفق عليه ([56]).

 14- باب تحريم سفر المرأة وحدها

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها» متفق عليه([57]).

2- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي ﷺ‬ يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المراة إلا مع ذي محرم» فقال له رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزة كذا وكذا؟ قال: «انطلق فحج مع امرأتك» متفق عليه ([58]).


 من رخص السفر

أولا: قصر الصلاة، فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين.

ثانيا: الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت إحداهما.

ثالثا: الفطر في رمضان ويقضي في أيام أخر.

رابعا: صحة الصلاة النافلة على الراحلة إلى جهة سيره.

خامسًا: المسح على الخفين، والعمامة والخمر ثلاثة أيام بلياليها.

سادسًا: أنه موسع للإنسان في ترك الرواتب في سفره ولا يكره ذلك مع أنه يكره تركها في الحضر.

سابعًا: ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ‬: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا».

ثامنا: أن الجمعة لا تجب على مسافر سفر قصر.

والله أعلم وصلى الله على محمد ([59]).


 قصر الرباعية للمسافر

يشرع للمسلم إذا سافر عن بلده يوما فأكثر ذهابا، ورجوعا قصر الرباعية إلى ركعتين إذا فارق بيوت البلد أو خيام قومه، وترك السنن الراتبة إلا سنة الفجر والوتر، سواء احتاج لحمل الزاد والماء أو وجده في الطريق على الإبل أو غيرها من المراكب السريعة كالسيارة والقطار والباخرة والطائرة، ولو قصرت المسافة عن البلد إذا طال الزمن كسفر حجاج مكة إلى منى وعرفات والحشاش والحَطَّاب ونحو ذلك.

وإن طالت المسافة وقصر الزمن عن اليوم فلا، لأثر ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما فلو ذهب على سيارة من مكة إلى الطائف أو من الرياض إلى الخرج ونحو ذلك ثم رجع في أثناء النهار فلا يسمى مسافر ولا يثبت له حكمه بخلاف ما لو كان على الراحلة فإنه يسمى مسافرا له القصر لطول الزمن.

ويقصر المسافر للحج أو التجارة أو السياحة أو زيارة قريب أو غير ذلك من ابتداء سفره إلى انتهاء حجه وقضاء حاجته ورجوعه إلى بلده إذا لم تطل إقامته في البلد، وإذا سمع النداء لزمه صلاة الجماعة مع الإمام وإتمامها أربعا إذا أدرك معه منها ركعة فأكثر وإلا صلاها ركعتين.

وإن صلى المقيم خلف المسافر أتم صلاته بعد سلامه، ويتأكد فعلها جماعة المسافرين على الباخرة والقطار قياما إذا وجدوا مكانا يسعهم أو بعضهم نحو القبلة حسب الإمكان وإلا صلوها على هيئتهم في مقاعدهم ويجعلون سجودهم أخفض من ركوعهم ولو لغير القبلة في الوقت إذا لم يمكنهم فعلها فيه بعد النزول، وكذلك المسافر على الطائرة يصلي في الوقت قائما مستقبل القبلة إذا وجد موضعا يسعه للركوع والسجود وإلا صلى جالسا على هيئته كما سبق، وله تأخيرها إذا أمكنه فعلها في الوقت بعد النزول وأخذ العفش، ولصاحب البريد والبضاعة وملاح السفينة القصر ولو طال السفر، وكذلك أهل البادية في حال سفرهم إلى مواقع الأمطار والأعشاب وغير ذلك ([60]).


 الأدلة من السنة على ما تقدم

عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب إنما قال الله: }فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا{ [النساء: 101] فقد أمن الناس قال عمر عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ‬ عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه مسلم.

وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ‬ قال: «إن الله يحب أن يؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، والرخصة في الشيء: الإذن فيه بعد النهي عنه.

وعنه قال صحبت رسول الله ﷺ‬ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، متفق عليه، ولهما عن أنس قال: صليت مع النبي ﷺ‬ الظهر بالمدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين([61] ولهما عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ‬ من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة قيل له: أقمتم بمكة شيئًا قال أقمنا بها عشرًا، وعن جابر قال: أقام رسول الله ﷺ‬ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، رواه أحمد وأبو داود وابن حبان وعبد الرزاق وفي سنده مقال وصححه النووي وابن حزم.

وعن مالك بلغه أن ابن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف وفي مثل ما بين مكة وعسفان وفي مثل ما بين مكة وجدة، رواه في الموطأ والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وعنه قال تقصر الصلاة في اليوم التام ولا تقصر فيما دون ذلك، رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق.

وعن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام، رواه مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة ([62]) وعن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: ركعتين سنة أبي القاسم ﷺ‬ رواه مسلم، وله عن ابن عمر، أنه كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.

وعن ابن عباس أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم فقال تلك السنة رواه أحمد ([63]).


 صلاة الجمع للمسافر السائر وللمطر والوحل والثلج والمرض الشديد

يشرع للمسافر الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وبين الوقتين إذا ركب راحلته أو سيارته وخرج من البلد، فإن ركب قبل زوال الشمس فله تأخير الظهر إلى وقت العصر ثم ينزل فيجمع بينهما أو بين الوقتين بأذان واحد وإقامتين، وإن أخر السير إلى زوال الشمس مثلا صلى العصر مع الظهر ثم ركب، وكذلك يفعل في المغرب والعشاء وإن كان نازلا بعد الظهر أو بعد المغرب استحب له فعل كل صلاة في وقتها إلا إذا احتاج إلى النوم والراحة أو الأكل فله تقديم الجمع أو تأخيره والأفضل في عرفة تقديم الجمع للحاج وفي مزدلفة تأخيره.

ولا يحتاج القصر والجمع إلى النية والموالاة، فلو صلى الأولى ثم ذهب لقضاء حاجته، وتوضأ أو أناخ راحلته في منزله أو احتاج إلى الأكل فأكل ثم أقام للثانية جاز، وله الجمع في وقت الأولى إذا ظن عدم إدراك الثانية في البلد مع الجماعة وإلا صلى الأولى فقط، والثانية مع الجماعة، ويشرع الجمع بين العشاءين للمطر الكثير إذا اتصل بعد صلاة المغرب وللوحل، والثلج والجليد، والريح الشديدة، وللمريض الذي يلحقه مشقة في الوضوء، والمستحاضة ويحرم الجمع بلا عذر، وإن هطل مطر كثير قبل أذان صلاة من الصلوات وطال زمنه قال المؤذن في أذانه بدل حي على الصلاة، صلوا في بيوتكم ثلاث مرات([64]).

الأدلة من السنة على ما تقدم

عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ‬ إذا ارتحل في سفره قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب متفق عليه، وفي لفظ للحاكم في الأربعين صلى الظهر والعصر ثم ركب وصححه ابن حجر والمنذري، وعن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ‬ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء.

وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن غريب وفي سنده ضعف وصححه ابن حبان ارتحل: ركب راحلته للسير عليها، وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ‬ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير وبجمع بين المغرب والعشاء، رواه البخاري، وعن عائشة أن النبي ﷺ‬ كان يؤخر الظهر ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء في السفر، رواه أحمد والحاكم والطحاوي.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جمع رسول الله ﷺ‬ بين المغرب والعشاء يجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين، رواه مسلم، وله عن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ‬ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعا، وله عن ابن عباس قال جمع رسول الله ﷺ‬ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر قيل لابن عباس لم فعل ذلك قال كي لا يحرج أمته، وعنه عن النبي ﷺ‬ قال: «من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر» رواه الترمذي والبيهقي والحاكم وفي إسناده حسين بن قيس الرحبي قال الترمذي ضعيف عند أهل الحديث([65]).


 من أحكام الصلاة في السفر

 أ- القصر

1- معناه:

القصر هو صلاة الرباعية ركعتين بالفاتحة والسورة، أما المغرب والصبح فلا تقصران لكون المغرب ثلاثية، والصبح ثنائية.

2- حكمه:

القصر: مشروع بقول الله تعالى: }وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ{ [النساء: 101].

وقول الرسول ﷺ‬ لما سئل عنه: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»([66]).

ومواظبة الرسول ﷺ‬ عليه تجعله سنة متأكدة، إذ ما سافر رسول الله ﷺ‬ سفرًا إلا قصر فيه وقصر معه أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

3- المسافة التي يسن القصر فيها:

لم يحدد النبي ﷺ‬ للقصر مسافة ينتهي إليها في القصر، وإنما جمهور الصحابة، والتابعين، والأئمة نظروا إلى المسافات التي قصر فيها رسول الله ﷺ‬ فوجدوها تقارب أربعة برد، فجعلوا الأربعة برد وهي ثمانية وأربعون ميلا -حدا أدنى لمسافة القصر- فمن سافرها في غير معصية الله سن له القصر، فيصلي الرباعية الظهر والعصر، والعشاء اثنتين.

4- ابتداء القصر وانتهاؤه:

يبتدئ المسافر قصر صلاته من مغادرته مساكن بلده، ويستمر يقصر مهما طالت مدة سفره إلى أن يعود إلى بلده، إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام فأكثر في بلد ما، ينزل به فإنه يتم ولا يقصر، إذ بنية الإقامة يستريح خاطره، ويهدأ باله ولم تبق العلة التي شرع من أجلها القصر وهي قلق المسافر وانشغال باله بمهام سفره، وقد مكث رسول الله ﷺ‬ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة([67]) قيل لأنه لم ينو الإقامة بها.

5- النافلة في السفر:

إذا سافر المسلم له أن يترك سائر النوافل من راتبة وغيرها ما عدا رغيبة الفجر، والوتر فإنه لا يحسن تركها، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: لو كنت مسبحًا -متنفلا- لأتممت صلاتي([68]).

كما أن للمسافر أن يتنفل بلا كراهية ما شاء النوافل فقد صلى النبي ﷺ‬ الضحى ثماني ركعات وهو مسافر، وكان يتنفل على ظهر دابته وهو في طريقه من سفره.

6- عموم سنة القصر لكل مسافر:

لا فرق في سنة القصر بين مسافر راكب، ومسافر ماش، ولا بين راكب جمال أو سيارة أو طائرة إلا الملاح إذا كان لا ينزل من سفينه طول الدهر، وكان له بسفينته أهل فإنه لا يسن له القصر بل عليه أن يتم صلاته لأنه مستوطن للسفينة.

 ب- الجمع

1- حكمه:

الجمع: رخصة جائزة إلا الجمع بين الظهرين يوم عرفة بعرفة، والعشاءين ليلة المزدلفة فإنه سنة لا تخيير في فعلها، لما صح عنه ﷺ‬ أنه صلى الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين ولما أتى المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين([69]).

2- صفته:

الجمع هو أن يصلي المسافر الظهر والعصر جمع تقديم فيصليهما في أول وقت الظهر، أو جمع تأخير فيصليهما في أول وقت العصر، أو يجمع المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير فيصليهما في وقت إحداهما، وذلك لما ورد: أن النبي ﷺ‬ أخر الصلاة بتبوك يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جمعا، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جمعا وهو نازل بتبوك غازيا ﷺ‬([70]).

كما أن لأهل البلد أن يجمعوا بين المغرب والعشاء في المسجد ليلة المطر، والبرد الشديد أو الريح إذا كان يشق عليهم الرجوع إلى صلاة العشاء بالمسجد، إذ قد جمع رسول الله ﷺ‬ بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة([71]).

كما أن للمريض أن يجمع بين الظهرين والعشاءين إذا كان يشق عليه أداء كل صلاة في وقتها، إذ علة الجمع هي المشقة، فمتى حصلت المشقة جاز الجمع، وقد تعرض الحاجة الشديدة للمسلم في الحضر كالخوف على نفس أو عرض أو مال فيباح له الجمع، فقد صح أن النبي ﷺ‬ جمع في الحضر مرة لغير مطر قال ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ‬ صلى بالمدينة سبعا أو ثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء([72]) وصورته أن يؤخر الظهر ويقدم العصر لأول وقتها، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء لأول وقتها، وذلك لاشتراك الصلاتين في وقت واحد ([73]).


 هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعباداته فيه([74])

كانت أسفاره ﷺ‬ دائرة بين أربعة أسفار:سفر لهجرته، وسفر للجهاد، وهو أكثرها، وسفر للعمرة وسفر للحج.

وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ([75]) ولما حج سافر بهن جميعا، وكان إذا سافر، خرج من أول النهار، وكان يستحب الخروج يوم الخميس ([76]) ودعا الله أن يبارك لأمته في بكورها ([77]) وكان إذا بعث سرية أو جيشا، بعثهم من أول النهار، وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم ([78]) ونهى أن يسافر الرجل وحده ([79]) وأخبر أن الراكب شيطان، والراكبين شيطانان، والثلاثة ركب ([80] وذكر عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر: «اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم له، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت»([81]) وكان إذا قدمت له دابته ليركبها يقول «باسم الله» حين يضع رجله في الركاب، فإذا استوى على ظهرها قال: «الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون»، ثم يقول: «الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله» ثم يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر» ثم يقول: «سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»([82]) وكان يقول: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنَّا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل والمال» وإذا رجع قالهن، وزاد «آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون»([83]) وكان هو وأصحابه إذا علو الثنايا كبروا، وإذا هبطوا الأودية سبحوا ([84]).

وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: «اللهم رب السموات السبع، ومنا أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها» ([85]).

وكان يقصر الرباعية ([86]) وقال أمية بن خالد، إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر فقال له ابن عمر: يا أخي إن الله بعث محمدا ﷺ‬ ولا نعلم شيئا وإنما نفعل كما رأينا محمدًا ﷺ‬ يفعل ([87]).

وكان من هديه ﷺ‬ الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه صلى السنة قبلها ولا بعدها إلا سنة الفجر والوتر، ولكن لم يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها فهو كالتطوع المطلق لا أنه سنة راتبة للصلاة، وثبت عنه أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضحى.

وكان من هديه ﷺ‬ صلاة التطوع على راحلته أين توجهت به ([88]) وكان يومئ في ركوعه، وكان إذا أراد أن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر، فإن زالت قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب، وكان إذا أعجله السير أخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، ولم يكن من هديه الجمع راكبا ولا حال نزوله وإنما كان يجمع إذا جد به السير ([89]).

 فوائد مهمة تتعلق بالسفر

1- أخي في الله اعلم أنه يجب على المسلم أن يكون موصولا بالله في كل حين وفي كل مكان فإن المتصل بالله يحيا حياة سعيدة ليست لغيره.

والسفر أمر لا بد منه -في الغالب- لكل إنسان ولا يستغني عنه أحد فينبغي لك أن تجعل من سفرك عبادة وقربة تتقرب بها إلى الله وتتزود بها الحسنات التي تنفعك }يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{.

والسفر شاق كذلك هو تعرض للخطر فحري بالمسلم أن يعمل في سفره بما ورد عن النبي ﷺ‬ ليرتاح نفسيا ويسلم من كل شر بإذن الله.

ونحن نهديك أخي في الله هذه الكلمات المفيدة في كل سفر.

جعلنا الله وإياك من عباده الصالحين.

2- دعاء المسافر

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ‬ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد»، وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» رواه مسلم.

وعن علي رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ‬ إذا أراد سفرًا قال: «بك اللهم أصول وبك أجول وبك أسير» رواه أحمد بإسناد صحيح.

3- وصايا للمسافر

1- أخي احرص على أن يكون مالك وزادك حلالا وأطب مطعمك تجب دعوتك.

2- اذكر الله في كل حين وفي سفرك خصوصا لتنال الحسنات واطمئنان القلب }أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ{ [الرعد: 28].

3- أكثر من الدعاء بالمغفرة والرحمة لك ولإخوانك المسلمين واسأل الله تحقيق وتسهيل ما تريده من أمور الدنيا والآخرة فإن دعوة المسافر مستجابة إذا كان رزقه حلالا.

4- احرص على الاستفادة من الوقت بما ينفع من استماع القرآن وأشرطة المحاضرات المفيدة والكلام الطيب النافع.

5- احرص على مصاحبة الصالحين في سفرك فهم خير رفيق ومعين بل وصاحبهم في أوقات حياتك كلها، فالمرء معتبر بقرينه وسوف يكون على دين خليله.

6- إذا سافرت على سيارتك فلا تعجل ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة.

7- لا بأس بتقطيع أوقات السفر بكلام مباح وشعر جيد فهي مما يروح عن النفس ويخفف متاعب السفر.

4- مستحبات للسفر

1- السفر يوم الخميس:

عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ‬ أخرج في غزوة تبوك يوم الخميس وكان يحب أن يخرج يوم الخميس متفق عليه.

2- السفر في أول النهار:

عن صخر بن وداعة الغامدي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن.

3- جعل أحدهم أميرًا يطيعونه:

عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ‬: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود بإسناد حسن.

4- التكبير عند صعود مرتفع والتسبيح عند النـزول:

عن جابر رضي الله عنه قال: كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا رواه البخاري.

5- أخذ الرخص:

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ‬ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تترك معصيته» رواه ابن خزيمة.

6- إذا نزلا منزلا:

عن خولة بنت حكيم رضي الله عنهما قالت سمعت رسول الله ﷺ‬ يقول: «من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله» رواه مسلم.

5- رخص للمسافر

1- قصر الصلاة:

تقصر الصلاة الرباعية في السفر فتصير ركعتين بدل أربع ركعات.

عن أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة» رواه أبو داود والترمذي والنسائي واللفظ له وإسناده صحيح.

ولا تقصر صلاة المغرب ولا الفجر.

2- تخفيف القراءة لأجل المشقة:

عن البراء رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ‬ في سفر فصلى بنا العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون متفق عليه.

3- الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء إذا جد به السير:

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ‬ جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال سعيد: فقلت لابن عباس ما حمله على ذلك قال: أراد أن لا يحرج أمته.

4- سقوط الجمعة:

لأن النبي ﷺ‬ والصحابة لم يكونوا يصلون الجماعة في سفرهم بل تصلى ظهرا قصرا وإن حضرها أجزأته.

قال ابن قدامة: والأفضل للمسافر حضور الجمعة لأنها أكمل.

5- استحباب الفطر مع المشقة والصوم مع عدمها:

يصح للمسافر أن يفطر ويقضي الصوم في وقت آخر، قال تعالى: }فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ{ [البقرة: 184].

6- منهيات في السفر

1- السفر وحده:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ‬ «لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» رواه البخاري.

2- سفر المرأة بلا محرم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها» متفق عليه.


3- تطويل السفر بلا حاجة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ‬ قال: «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله» متفق عليه.

7- بشائر للمسافر

1- إجابة دعوته:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬ «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة للمسافر ودعوة الوالد على ولده» رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن ورواه أحمد بإسناد صحيح.

2- يكتب له ما كان يعمله وهو مقيم:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ‬: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا» رواه البخاري وأبو داود.


 مسائل مهمة تتعلق بالسفر

1- أن القصر رخصة عند الأئمة الثلاثة والجمهور.

2- جواز القصر والإتمام للمسافر عندهم.

3- أن القصر للمسافر حينما يجد به السير أفضل عندهم.

4- بيان الحد الأدنى لمسافة القصر وأنه يومان مسافة ثمانين كيلو ([90]).

5- من شرط الترخص في السفر قصد جهة معينة.

6- تعجب الصحابة من القصر بعد الأمن وإجابة الرسول ﷺ‬ بأنها صدقة.

7- كراهة ابن مسعود وابن عمر للخلاف وعلمهما بما يترتب على الإجماع من المصلحة وبالعكس.

8- أن المقيم في أثناء سفره مدة غير معلومة يقول فيها أخرج اليوم أخرج غدا بعد غد فله قصر الصلاة إلى عشرين يوما ثم يتم بعدها كما في حديث جابر.

9- أن من نوى الإقامة في أثناء سفره أكثر من أربعة أيام لزمه إتمام الصلاة.

10- أن من نوى الإقامة أقل من أربعة أيام فإن له قصر الصلاة بالإجماع إذا شاء ذلك.

11- من نوى الإقامة في أثناء سفره خمسة عشر يوما وجب عليه إتمام الصلاة، باتفاق الأئمة الأربعة.

12- ما قاله بعض المالكية أن قصر أهل مكة بمنى للنسك لا للسفر، وما ذكره الحافظ في الفتح من اختلاف العلماء في قصر الصلاة بمنى لمن فيه من الأفقين.

13- ما ذكره العلماء أن النبي ﷺ‬ لم يجمع الإقامة في غزوة تبوك ولا في مكة عام الفتح حيث كان بدار حرب وجهاد قلت يوم بدر نزل رسول الله ﷺ‬ منزلا يريده للقتال أيام إقامته ببدر ثم ارتحل عنه بحينه إلى مكان آخر.

14- أن المقيم في أثناء السفر لا تلزمه الجمعة ولا العيد لأنه غير مستوطن ([91]) كالبادية يلزمهم الإتمام وليس عليهم جمعة.

15- من نوى الإقامة ببلد أو مكان أكثر من أربعة أيام انقطع سفره بوصوله إليه.

16- ما قاله بعض العلماء من الشافعية: إذا مضى على المتردد وهو في مكان أربعة أيام أتم الصلاة بعدها إلا أن يكون في خوف أو حرب فيقصر.

17- ما قاله بعض علماء الحنابلة: إذا ظن المسافر أن حاجته لا تنقضي إلا بعد مضي مدة القصر أتم الصلاة.

18- أن الجمع رخصة جائز فعله إذا وجد سببه الشرعي.

19- أن الصلاة على وقتها في السفر أفضل من الجمع بإجماع القائلين بجوازه الأئمة الثلاثة والجمهور.

20- خلاف أبي حنيفة للجمهور بمنع الجمع مطلقا إلا في عرفة ومزدلفة للمحرم فقط.

21- أن القصر عزيمة عند الإمام أبي حنيفة وعامة أصحاب الرأي([92]).


 فتاوى

فتوى برقم 584، وتاريخ 4/11/1393هـ

إمامة المسافر بالمقيم

س: هل يجوز أن يؤم المسافر أفرادا مقيمين؟ وماذا عليهم في حال قصره الصلاة وجمعه فيها؟

ج: إذا كان المسافر أهلا للإمامة جاز له أن يؤم أفرادا مقيمين فإذا كانت الصلاة مما يرخص للمسافر أن يقصرها وقصرها فإذا فرغ منها أتموا ما قصر، فإذا جمع ما يجوز له جمعه منها لم يجمعوا معه، لانفراده بالرخصة في ذلك دونهم لما ثبت أن عمر كان إذا قدم مكة صلى لهم ركعتين ثم قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، رواه مالك في الموطأ.

الجمع بدون قصر

س: هل يجوز للمسافر أن يجمع بدون قصر أو يقصر بدون جمع؟

ج: نعم يجوز له ذلك والقصر في حقه أفضل من الإتمام لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه كما أن الجمع له في حال مسيره في السفر أفضل له لما ذكر.

إمام المقيم بالمسافر

س: هل يجوز أن يأتم المسافر بالمقيم؟ وهل له بعد فراغه من الصلاة أن يجمع معها ما يجوز له جمعه منفردا أو بجماعة مثله؟

ج: نعم يجوز للمسافر أن يأتم بالمقيم إلا أنه يتعين عليه متابعته في صلاته حتى يسلم بمعنى أنه لا يجوز له وهو مؤتم بمقيم أن يقصر الصلاة الرباعية بل يتعين عليه إتمامها متابعة لإمامه لما رواه أحمد بسنده عن ابن عباس أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم فقال: تلك السنة، وفي رواية أخرى: تلك سنة أبي القاسم.

وقد أورد ابن حجر هذا الحديث في التلخيص الحبير ولم يتكلم عليه، وقال: إن أصله في مسلم والنسائي فإذا فرغ من صلاته جاز له أن يجمع ما له جمعه معها سواء انفرد في ذلك أم جمع مع جماعة المسافرين.

صلاة المسافر خلف الإمام الراتب

س: هل الأفضل أن يصلي المسافرون مع الإمام الراتب في المسجد صلاة الظهر ثم يصلون العصر جمعا بعد ذلك أم يصلون الظهر والعصر ولا ينتظرون الإمام.

ج: إذا لم يشق عليهم انتظار الإمام الراتب فمن الأفضل صلاتهم مع الإمام الراتب في المسجد لما في تلك الصلاة من مزيد الأجر بكثرة الإجماع والانتظار الذي هو نوع من الصلاة أما إذا كان يشق عليهم ذلك فإن لهم أن يصلوا الظهر والعصر جمعًا وقصرًا ولا ينتظرون الإمام الراتب.

حكم صلاة الجنود المقيمين في غير وطنهم

س: هل يجوز للجنود المقيمين في غير وطنهم من أفراد القوات المسلحة الجمع والقصر؟ وهل يجوز لمن يسافر يوميا من عاصمة تلك البلد إلى مقر عمله والمسافة تبعد 130 كم أن يجمع ويقصر أثناء السفر ذهابا وإيابا؟

ج: إذا كانت إقامتهم على نية الإقامة لأكثر من أربعة أيام فالمذهب أن عليهم الإتمام وعدم الجمع لأن الترخص برخص السفر مشروط بأن لا تزيد الإقامة على أربعة أيام أما إذا لم تكن لهم فيه إقامة أو كانت لهم إلا أنها أربعة أيام فأقل فلهم القصاص والجمع على المشهور في المذهب.

أما الجواب على الشق الثاني من السؤال فما دام مقر إقامتهم عاصمة تلك البلد فلا يجوز لهم الجمع والقصر فيها، أما إذا غادروها إلى مقر عملهم أو إلى غيره مما تزيد مسافته على 80 كيلو مترا فإن لهم الأخذ برخص السفر، ومن ذلك الجمع والقصر حتى يرجعوا إلى مقر إقامتهم ما لم يكن هناك نية في الإقامة أكثر من أربعة أيام فإذا كان كذلك فلا يجوز الجمع ولا القصر.

القصر والجمع

س: إذا كنت مسافرا ومكثت في البلد الذي سافرت إليه عدة أيام ثلاثة أو أربعة أو أقل أو أكثر، ودخلت المسجد وقت الظهر وصليت مع الجماعة صلاة الظهر أربع ركعات ثم قمت وحدي وصليت العصر قصرا، هل عملي هذا جائز؟ وهل يجوز لي الصلاة جمعًا وقصرًا وحدي في المنزل وأنا في وسط بلد به مساجد كثيرة وأسمع الأذان بحجة أنني مسافر؟

ج: إذا عزم المسافر على الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام وجب عليه الإتمام عند جمهور أهل العلم، إما إن كانت الإقامة أقل من ذلك فالقصر أفضل وإن أتم فلا حرج عليه، وإن كان واحدا فليس له أن يقصر وحده بل يجب أن يصلي مع الجماعة، ويتم للأحاديث الدالة على وجوب الجماعة ولما ثبت عنه ﷺ‬ في مسند أحمد، وصحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن السنة للمسافر إذا صلى مع الإمام المقيم فإنه يصلي أربعا ولعموم قوله ﷺ‬ «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» متفق عليه.

جمع الصلاة في السفر

س: بعض الناس إذا سافروا مثلا من الرياض إلى الخرج أي ما يقارب 80 كم أدوا الصلاة وهم في الطريق جمعا، فهل فعلهم صحيح؟

ج: نعم المسافر له أن يجمع وله أن يصلي كل صلاة في وقتها لكن إذا كان مقيما فصلاته كل واحدة في وقتها أفضل كما فعل النبي ﷺ‬ في منى في حجة الوداع.

المسافر مسافة 100 كم

س: عندما يسافر الإنسان مسافة 100 كم إلى بلد ما فهو يجوز له الجمع والقصر؟

ج: إذا سافر الإنسان عن بلده مسافة 100 كم أو ما يقاربها فإنه يعمل بأحكام السفر من القصر والفطر والجمع بين الصلاتين والمسح على الخفين ثلاثة أيام لأن هذه المسافة تعتبر سفرا وهكذا لو سافر 80 كم أو ما يقارب ذلك فإنها تعتبر مسافة قصر عند جمهور أهل العلم.

المسافر لمدة سنتين هل يقصر الصلاة

س: حدث نقاش بيني وبين أحد زملائي العرب في قصر الصلاة ونحن في أمريكا وربما نمكث فيها سنتين فأنا أكمل الصلاة كأني في بلدي وزميلي يقصر الصلاة لاعتباره نفسه مسافرا، ولو طالت المدة إلى السنتين فتأمل بيان حكم قصر الصلاة بالنسبة لنا مع الدليل؟

ج: الأصل أن المسافر بالفعل هو الذي يرخص له في قصر الرباعية لقوله تعالى: }وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ{ [النساء: 101] ولقول يعلى بن أمية قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: }فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا{ فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ‬ فقال: «هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه مسلم، ويعتبر في حكم المسافر بالفعل من أقام أربعة أيام بلياليها فأقل لما ثبت من حديث جابر وابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ‬ قدم مكة لصبح رابعة من ذي الحجة في حجة الوداع فأقام ﷺ‬ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح اليوم الثامن فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع النية على إقامتها كما هو معلوم فكل من كان مسافرا ونوى أن يقيم مدة مثل المدة التي أقامها النبي ﷺ‬ أو أقل منها قصر الصلاة ومن نوى الإقامة أكثر من ذلك أتم الصلاة لأنه ليس في حكم المسافر.

أما من أقام في سفره أكثر من أربعة أيام ولم يجمع النية على الإقامة بل عزم على أنه متى قضيت حاجته رجع كمن يقيم بمكان الجهاد لعدو أو حبسه سلطان أو مرض مثلا وفي نيته أنه إذا انتهى من جهاده بنصر أو صلح أو تخلص مما حبسه من مرض أو قوة عدو أو سلطان أو وجود آبق أو بيع بضاعة أو نحو ذلك فإنه يعتبر مسافرا وله قصر الصلاة الرباعية ولو طالت المدة لما ثبت من أن النبي ﷺ‬ أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة وأقام بتبوك عشرين يوما لجهاد النصارى، وهو يصلي بأصحابه صلاة قصر لكونه لم يجمع نية الإقامة بل كان على نية السفر إذا قضيت حاجته.

الجمع بين صلاتين للمقيم بحجة الدراسة

س: هل يجوز لنا الجمع بين الصلاتين ونحن مقيمون بالمدينة في حالة وجود حصص دراسة لا نستطيع الخروج منها، استنادا إلى أن النبي ﷺ‬ صلى في المدينة جمعا من غير سفر ولا مطر ولا مرض أو يجب علينا ترك الحصة والخروج إلى الصلاة.

ج: عليك أن تؤدي الصلوات الخمس المفروضة في أوقاتها ولا تعتبر الدراسة عذرا لك يرخص لك من أجله في تأخير أي صلاة منها عن وقتها الذي بينه رسول الله ﷺ‬ وأما الحديث الذي أشرت إليه فعمل الرسول ﷺ‬ المتواتر المستمر على خلافه، فعليك أن تنسق بين دراستك وأداء الصلوات في أوقاتها.

هل يأتم المسافر بالمقيم

س: هل يجوز أن يأتم المسافر بالمقيم وهل له بعد فراغه من الصلاة أن يجمع معها ما يجوز له جمعه منفردا أو بجماعة مثله؟

ج: نعم يجوز للمسافر أن يأتم بالمقيم إلا أنه يتعين عليه متابعته في صلاته حتى يسلم بمعنى أنه لا يجوز له وهو مؤتم بمقيم أن يقصر الصلاة الرباعية بل يتعين عليه إتمامها متابعة لإمامه لما رواه أحمد بسنده عن ابن عباس أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم فقال: تلك السنة، وفي رواية أخرى: تلك سنة أبي القاسم، وقد أورد ابن حجر هذا الحديث في التلخيص الحبير ولم يتكلم عليه وقال إن أصله في مسلم والنسائي فإذا فرغ من صلاته جاز له أن يجمع ما له جمعه معها سواء انفرد في ذلك أم جمع مع جماعة المسافرين.

حكم قصر الصلاة للحاج

س: ما حكم قصر الصلاة للحاج خلال إقامته أكثر من أربعة أيام في مكة؟

ج: إذا كانت إقامة الحاج في مكة المكرمة أربعة أيام فأقل فالسنة له أن يصلي الرباعية ركعتين لفعل النبي ﷺ‬ في حجة الوداع أما إن كان قد عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام فالأحوط أن يصليها أربعا وهو قول أكثر أهل العلم.

قصر الصلاة في البر

س: ذهبنا مجموعة إلى البر فهل يجوز لنا أن نقصر الصلاة ونجمعها أم لا؟

ج: إذا كان المكان الذي ذهبتم إليه من البر بعيدًا عن محل إقامتكم يعتبر الذهاب إليه سفرا فلا مانع من الجمع والقصر، والقصر أفضل من الإتمام وهو أن يصلي الظهر اثنتين والعصر اثنتين والعشاء اثنتين أما الجمع فهو رخصة فمن شاء فعله ومن شاء تركه، وهو أن يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا، وتركه أفضل إذا كان المسافر مقيما مستريحا لأن النبي ﷺ‬ في حجة الوداع مدة إقامته بمنى كان يقصر الصلاة ولا يجمع وإنما جمع في عرفة ومزدلفة لداعي الحاجة إلى ذلك، ومتى عزم المسافر على الإقامة في مكان أكثر من أربعة أيام فالأحوط له أن لا يقصر بل يصلي الرباعية أربعا وهو قول أكثر أهل العلم، أما إذا كانت الإقامة أربعة أيام فأقل فالقصر أفضل والله ولي التوفيق.

عليك أن تبادر بقضاء تلك الصلوات التي تركتها

س: لقد سافرت إلى خارج المملكة لبلد لا تدين بالإسلام وأنا حريص على أداء الصلاة لكن الوقت يختلف عن توقيت المملكة وقد فات علي كثير من الأوقات بعدم معرفتي بالقبلة والقوت هل أعيد الأوقات التي فاتت علي؟

ج: نعم عليك أن تبادر بقضاء تلك الصلوات التي تركتها لهذا السبب فإنه لا يعتبر مبررًا للترك فإنه يمكنك أن تتحرى القبلة بالتقريب أو آلة رصد القبلة وكذا تتحرى الوقت بالتقويم وتعرف بالساعة ما بين الوقتين أو بالليل والنهار وما يقارب ذلك، وحيث لم تفعل فإنك تقضي تلك الصلوات على الفور متوالية ولو في ساعة أو ساعتين والله أعلم.

إذا صلى المقيم أخلف المسافر

س: إذا سافر الإنسان وأراد أن يصلي الظهر جماعة ووجد شخصًا قد أدى صلاة الظهر وهو مقيم فهل يصلي المقيم مع المسافر؟ وهل يقصر معه الصلاة أو يتمها؟

ج: إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبا لفضل الجماعة وقد صلى المقيم فريضته فإنه يصلي صلاة المسافر ركعتين لأنها في حقه نافلة أما إذا صلى المقيم خلف المسافر صلاة الفريضة كالظهر والعصر والعشاء فإنه يصلي أربعا وبذلك يلزمه أن يكمل صلاته بعد أن يسلم المسافر من الركعتين أما إن صلى المسافر خلف المقيم صلاة الفريضة لهما جميعا فإنه يلزم المسافر أن يتمها أربعا في أصح قولي العلماء لما روى الإمام أحمد والإمام مسلم رحمة الله عليهما أن ابن عباس سئل عن المسافر يصلي خلف الإمام أربعا ويصلي مع أصحابه ركعتين فقال: هكذا السنة.

ولعموم قول النبي ﷺ‬ «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» متفق على صحته.

الراتبة في السفر

س: هل تسقط مشروعية الراتبة -السنن الرواتب- في السفر وما الدليل على ذلك؟

ج: المشروع ترك الرواتب في السفر ما عدا الوتر وسنة الفجر لأنه ثبت عن النبي ﷺ‬ من حديث ابن عمر وغيره أنه كان يدع الرواتب في السفر ما عدا الوتر وسنة الفجر، أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر والحضر، وهكذا ذوات الأسباب كسنة الوضوء وسنة الطواف وصلاة الضحى والتهجد في الليل لأحاديث وردت في ذلك والله ولي التوفيق.

الصلاة في الطائرة

س: إذا كنت مسافرا في طائرة وحان وقت الصلاة هل يجوز أن نصلي في الطائرة أم لا؟

ج: إذا حان وقت الصلاة والطائرة مستمرة في طيرانها ويخشى فوات وقت الصلاة قبل هبوطها في أحد المطارات فقد أجمل أهل العلم على وجوب أدائها بقدر الاستطاعة ركوعا وسجودا واستقبالا للقبلة لقوله تعالى: }فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{ [التغابن: 16] ولقوله ﷺ‬ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»([93]) أما إذا علم أنها ستهبط قبل خروج وقت الصلاة بقدر يكفي لأدائها أو أن الصلاة مما يجمع من غيره كصلاة الظهر مع العصر وصلاة المغرب مع العشاء أو علم أنها ستهبط قبل خروج وقت الثانية بقدر يكفي لأدائهما فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز أدائها في الطائرة لوجود الأمر بأدائها بدخول وقتها وذهب المالكية إلى عدم صحتها في الطائرة لأن من شروط صحتها أن تكون الصلاة على الأرض أو على ما هو متصل بها كالراحلة أو السفينة مثلا لقوله ﷺ‬: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» ([94]) وبالله التوفيق ([95]).

كيفية الصلاة في الطائرة

س: كلفت بمهمة وحان وقت الصلاة وأنا داخل الطائرة فصليت وأنا جالس على كرسي الطائرة أومئ برأسي، ولا أعلم إلى أي جهة أنا متجه، أرجو إفادتي عن صحة صلاتي، وإذا كانت ليست صحيحة، فهل لي أن أوخرها إلى أن أنزل من الطائرة؟

ج: الواجب على المسلم إذا كان في الطائرة، أو في الصحراء، أن يجتهد في معرفة القبلة بسؤال أهل الخبرة، أو بالنظر في علامات القبلة، حتى يصلي إلى القبلة على بصيرة فإن لم يتيسر العلم بذلك، اجتهد وتحرى جهة القبلة وصلى إليها، ويجزئه ذلك، ولو بان بعد ذلك أنه أخطأ القبلة لأنه قد اجتهد واتقى الله ما استطاع، ولا يجوز له أن يصلي الفريضة في الطائرة أو في الصحراء بغير اجتهاد، فإنه فعل فعليه إعادة الصلاة لكونه لم يتق الله ما استطاع ولم يجتهد.

أما كون السائل صلى جالسًا، فلا حرج في ذلك، إذا كان لم يستطع الصلاة قائما كالمصلي في السفينة والباخرة إذا عجز عن القيام والحجة في ذلك قوله تعالى: }فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{ وإذا أخر الصلاة حتى ينزل فلا بأس إذا كان الوقت واسعا، وهذا كله في الفريضة، أما النافلة فلا يجب فيها استقبال القبلة حالة كونه في الطائرة، أو السيارة أو على الدابة، لأنه ثبت عن الرسول ﷺ‬ أنه كان يصلي النافلة وهو على بعيره إلى جهة سيره، لكن يستحب له أن يستقبل القبلة حال الإحرام، ثم يكمل صلاته إلى جهة سيره، لأنه ثبت من حديث أنس ما يدل على ذلك، والله ولي التوفيق.

الصوم في السفر

س: هل يشترط لترخص المسافر في سفره بالفطر في رمضان أن يكون سفره على الرجل أو على الدابة أو ليس هناك فرق بين الرِّجل وراكب الدابة وراكب السيارة أو الطائرة؟ وهل يشترط أن يكون في السفر تعب لا يستطيع الصائم تحمله؟ وهل الأحسن أن يصوم المسافر إذا استطاع أو الأحسن له الفطر؟

ج: يجوز للمسافر سفر قصر أن يفطر في سفره سواء كان ماشيا أو راكبا وسواء كان ركوبه بالسيارة أو الطائرة أو غيرهما وسواء تعب في سفره تعبا لا يتحمل معه الصوم أو لم يتعب، اعتراه جوع وعطش أو لم يصبه شيء من ذلك لأن الشرع أطلق الرخصة للمسافر سفر قصر في الفطر وقصر الصلاة ونحوهما من رخص السفر ولم يقيد ذلك بنوع من المركب، ولا بخشية التعب أو الجوع أو العطش، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ‬ يسافرن معه في غزوة في شهر رمضان فمنهم من يصوم ومنهم من يفطر ولم يعب بعضهم على بعض، لكن يتأكد على المسافر الفطر في شهر رمضان إذا شق عليه الصوم لشدة حر أو وعورة مسلك أو بعد شقة وتتابع سير مثلا.

فعن أنس رضي الله عنه كنا مع رسول الله ﷺ‬ في سفر فصام بعض وأفطر بعض فتحزم المفطرون وعملوا وضعف الصائمون عن بعض العمل، فقال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» وقد يجب الفطر في السفر لأمر طارئ يوجب ذلك كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ‬ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ‬ «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا، آخر فقال: «إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا» وكانت عزيمة فافطرنا ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ‬ بعد ذلك في السفر، رواه مسلم وكما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

الصوم في السفر

يفطر المسافر إذا لم يقصد بسفره التحيل على الفطر فإن قصد ذلك فالفطر عليه حرام والصيام واجب عليه حينئذ فإذا لم يقصد التحيل فهو مخير بين الصيام والفطر سواء طالت مدة سفره أم قصرت وسواء كان سفره طارئا لغرض أم مستمرا كسائقي الطائرات وسيارات الأجرة لعموم قوله تعالى: }وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ{ [البقرة: 185].

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نسافر مع النبي ﷺ‬ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن، وفي سنن أبي داود عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأنا شاب فأجد بأن الصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخره فيكون دينا علي أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أم أفطر قال: «أي ذلك شئت يا حمزة».

فإذا كان صاحب سيارة الأجرة يشق عليه الصوم في رمضان في السفر من أجل الحر مثلا فإنه يؤخره إلى وقت يبرد فيه الجو ويتيسر فيه الصيام عليه والأفضل للمسافر فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر فإن تساويا فالصوم أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته وأنشط له إذا صام مع الناس، ولأنه فعل النبي ﷺ‬ كما في صحيح مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي ﷺ‬ في رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ‬ وعبد الله بن رواحة، وأفطر ﷺ‬ مراعاة لأصحابه حين بلغه أنهم شق عليهم الصيام.

فعن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ‬ خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظروا إليه.. رواه مسلم.

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ‬ أتى على نهر من السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ورسول الله ﷺ‬ على بغلة له فقال: «اشربوا أيها الناس» فأبوا فقال: «إني لست مثلكم إني أيسركم إني راكب» فأبوا فثنى رسول الله ﷺ‬ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس وما كان يريد أن يشرب ﷺ‬ رواه أحمد.

وإذا كان المسافر يشق عليه الصوم فإنه يفطر ولا يصوم في السفر ففي حديث جابر السابق أن النبي ﷺ‬ لما أفطر حين شق الصوم على الناس قيل له إن بعض الناس قد صام فقال النبي ﷺ‬ «أولئك العصاة أولئك العصاة» رواه مسلم.

وفي الصحيحين عن جابر أيضا أن النبي ﷺ‬ كان في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: «ما هذا» قالوا صائم فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» وإذا سافر الصائم في أثناء اليوم وشق عليه إكمال صومه جاز له الفطر إذا خرج من بلده لأن النبي ﷺ‬ صام وصام الناس معه حتى بلغ كراع الغميم فلما بلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام أفطر وأفطر الناس معه، وكراع الغميم جبل أسود في طرف الحرة يمتد إلى الوادي المسمى بالغميم بين عسفان ومر الظهران.

وإذا قدم المسافر إلى بلده في نهار رمضان مفطرا لم يصح صومه ذلك اليوم لأنه كان مفطرا في أول النهار والصوم الواجب لا يصح إلا من طلوع الفجر ولكن هل يلزمه الإمساك بقية اليوم؟ اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم يجب عليه أن يمسك بقية اليوم احتراما للزمن ويجب عليه القضاء أيضا لعدم صحة صوم ذلك اليوم وهذا هو المشهور من مذهب أحمد رحمه الله، وقال بعض العلماء لا يجب عليه أن يمسك بقية ذلك اليوم لأنه لا يستفيد من هذا الإمساك شيئا لوجوب القضاء عليه.

وحرمة الزمن قد زالت بفطره المباح له أول النهار ظاهرًا وباطنًا، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من أكل أول النهار فليأكل آخره أي من حل له الأكل أول النهار بعذر حل له الأكل آخره، وهذا مذهب مالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد، ولكن لا يعلن أكله ولا شربه لخفاء سبب الفطر فيساء به الظن أو يقتدى به، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه([96]).

المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن

المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم.

قال الحسن حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ‬ أن رسول الله ﷺ‬ مسح على الخفين، ومحل المسح ظاهر الخفين لا غير وصفته أن يمسح بيده من مقدم الخف إلى أصل الساق مرة واحدة ويفرج بين أصابعه.

عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ‬ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم، أخرجه النسائي والترمذي، واللفظ له، وابن خزيمة، وصححاه.

الحديث دليل على توقيت المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وفيه دلالة على اختصاصه بالوضوء دون الغسل، وهو إجماع، قال البخاري: ليس في التوقيت شيء أصح من حديث صفوان بن عسال المرادي.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جعل رسول الله ﷺ‬ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم -يعني: في المسح على الخفين- أخرجه مسلم.

الحديث دليل على مشروعية المسح على الخفين للمقيم أيضا وعلى توقيته بيوم وليلة، وإنما زاد للمسافر في المدة لمشقة السفر.

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: بعث رسول الله ﷺ‬ سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني: العمائم- والتساخين -يعني الخفاف- رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم.

ظاهر الحديث جواز المسح على العمائم كالمسح على الخفين وبه قال الإمام أحمد وجماعة، وقال الجمهور لا يمسح عليها، وقيل لا يمسح إلا لعذر كالبرد ونحوه([97]).




([1]) رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين بتحقيق شعيب الأرنؤوط ص 407-418.

([2]) البخاري (6/80) وأبو داود (2605) ولم أجده في مسلم.

([3]) في بكورها بضم الموحدة والكاف، البكور أول النهار.

([4]) أبو داود (2606) والترمذي (1212) وله شواهد عن ابن عمر عند ابن ماجه وعن ابن عباس وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، وعمران بن حصين عند الطبراني فهو صحيح بها.

([5]) الوحدة بفتح الواو وسكون الحاء المهملة أي: الانفراد في السفر.

([6]) البخاري (6/96) وفيه لو يعلم الناس ما في الوحدة وأخرجه الترمذي (1673).

([7]) أبو داود (2607) والترمذي (1674) وهو في الموطأ (2/978)، وسنده حسن.

([8]) أبو داود (2608) وسنده حسن، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي داود أيضًا برقم (2609) وسنده حسن.

([9]) خير الصحابة: أي الأصحاب: والسرايا: جمع سرية وهي القطعة من الجيش تخرج منه تغير وترجع إليه.

([10]) أبو داود (2611) والترمذي (1555) وأخرجه أحمد (1/294) وصححه ابن حبان (1663) والحاكم (1/443) ووافقه الذهبي.

([11]) الخصب بكسر الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة خلاف الجدب.

([12]) مسلم (1926) وأخرجه أبو داود (2569) والترمذي (2862).

([13]) مسلم (683).

([14]) أبو داود (2571) وأخرجه الحاكم (2/114) (1/445) وأبو نعيم في الحلية (9/250) وهو حسن.

([15]) الشعاب بكسر الشين المعجمة: جمع شعب بالكسر وهو الطريق في الجبل، والأودية جمع واد، وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يكون منفذا للسير.

([16]) أبو داود (2628) وأخرجه أحمد (4/193) ورجاله ثقات.

([17]) المعجمة والعجماء بمعنى أي التي لا تتكلم.

([18]) أبو داود (2548) وسنده صحيح كما قال المصنف رحمه الله.

([19]) ما استتر به رسول الله ﷺ‬ أي: من الأعين عند قضاء حاجة الإنسان.

([20]) مسلم (432) و(2429) وأبو داود (2549) وأخرجه أحمد (1/204) وإسناده صحيح وصححه الحاكم (2/99، 100) ووافقه الذهبي.

([21]) جرجر بجيمين ورائين: أي: صوت، وذرفت بالذال المفتوحة وفتح الراء، أي: سالت عيناه بالدموع.

([22]) أبو داود (2551) وسنده حسن.

([23]) رواه مسلم (2699).

([24]) رواه البخاري (10/374) ومسلم (1005).

([25]) الظهر: ما يركب.

([26]) مسلم (1728) وأخرجه أبو داود (1663).

([27]) عقبة بضم فسكون: ركوب مركب واحد بالنوب، يتعاقب عليه الرجلان أو الثلاثة أو الأكثر، ولكل واحد نوبة.

([28]) أبو داود (2534).

([29]) فيزجى بالزاي والجيم أي: يسوق.

([30]) أبو داود (2639) وإسناده صحيح.

([31]) وكآبة المنظر: أي وأن أنظر ما يسؤني في الأهل والمال، أي: كموت ومرض وتلف.

([32]) مسلم (1342) وأخرجه الترمذي (3444) وأبو داود (2599).

([33]) مسلم (1343) وأخرجه الترمذي (3435) والنسائي (8/372).

([34]) أبو داود (2602) والترمذي (3443) وسنده حسن، وصححه ابن حبان (2380) والحاكم (2/98).

([35]) البخاري (6/94).

([36]) الثنايا جمع ثنية، وهي: العقبة، لأنها تقدم الطريق وتعرض.

([37]) أبو داود (2599) وهذه الجملة التي ذكرها المصنف وردت في آخر الحديث عند أبي داود، وقد أخرجه مسلم بدونها انظر رقم (1342) وهي مدرجة ليست من الحديث بالسند الأول، وإنما أخرجها عبد الرزاق في المصنف (5/160) عن ابن جريج قال: كان النبي ﷺ‬.. وهو معضل فتفطن لهذا الإدراج فإنه دقيق جدا، وقدسها الإمام النووي، رحمه الله، عنه فجعله من تمام الحديث ورده عليه الحافظ ابن حجر في أمالي الأذكار فيما نقله عنه ابن علان في الفتوحات الربانية (5/140).

([38]) البخاري (11/160، 161) ومسلم (1344).

([39]) قفل بالقاف، أي رجع.

([40]) على كل شرف بفتح المعجمة والراء وبالفاء أي: كل علوو مرتفع.

([41]) الترمذي (3441) وهو حسن، وصححه ابن حبان (2378) و(2379) والحاكم (2/98).

([42]) البخاري (11/159) ومسلم (2704).

([43]) لا شك فيهن: أي في استجابتهن.

([44]) أبو داود (1536)، والترمذي (1906)، وأخرجه ابن ماجه (3862) وابن حبان (2406) وأحمد بن حنبل (2/258) وفي سنده ضعف لكن له شاهد يتقوى به من حديث عقبة بن عامر الجهني عند أحمد بن حنبل (4/154) بلفظ: ثلاثة تستجاب دعوتهم: الوالد والمسافر والمظلوم.

([45]) أبو داود (1537) وأخرجه الإمام أحمد (4/414) وإسناده صحيح كما قال المصنف رحمه الله

([46]) مسلم (2708).

([47]) ما يدب عليك بكسر الدال المهملة وتشديد الموحدة أي: يتحرك عليك.

([48]) أبو داود (2603) وأخرجه الإمام أحمد (2/132) وفي سنده الزبير بن الوليد الشامي لم يوثقه غير ابن حبان، ومع ذلك فقد صححه الحاكم (2/100) ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في أمالي الأذكار.

([49]) يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، أي: يمنعه كما لها ولذاتها، لما فيه من المشقة والتعب ومقاساة الحر والبرد، ومفارقة الأهل والوطن، وخشونة العيش.

([50]) البخاري (3/495، 496) ومسلم (1927) وأخرجه مالك في الموطأ (2/980).

([51]) البخاري (9/296، 297) ومسلم (3/1528) رقم الحديث الباب (184) وأخرجه أبو داود (2776، 2777، 2778)، والترمذي (2713).

([52]) الغدوة: أول النهار، والعشية آخره.

([53]) البخاري (3/493)، ومسلم (1928).

([54]) بظهر المدينة: أي بمحل تظهر فيه وهي مدينة الرسول ﷺ‬.

([55]) مسلم (1345).

([56]) البخاري (8/89) ومسلم (2769) وأخرجه أبو داود (2781).

([57]) البخاري (2/468) ومسلم (1339) وأخرجه أبو داود (1726) والترمذي (1170).

([58]) رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين بتحقيق شعيب الأرنؤوط (ص 407-418).

([59]) الإرشاد إلى معرفة الأحكام (66).

([60]) العمدة في فقه الشريعة الإسلامية (ص 39) الشيخ أحمد بن عبد الرحمن القاسم.

([61]) وهي تبعد الآن عن المدينة نحو ثلاثة كيلو تقريبا لامتداد العمران من كل ناحية وفي كل بلد.

([62]) السفر الذي تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه الصائم ما يطلق على صاحبه اسم المسافر كاليوم التام فأكثر ذهابا ورجوعا لما ذكر ولو كان قريبا من البلد إذا طال زمنه كسفر حجاج مكة إلى منى وعرفات والحشاش ونحوه ولو مشى على قدميه أو وجد الطعام في طريقه والعبرة بالزمن والمسافة جميعا فلو ذهب في أول النهار ورجع بعد الظهر أو ذهب إلى ضاحية من ضواحي البلد لم يعد مسافرا ولا يثبت له حكمه.

([63]) المنتخب من أدلة الشريعة ص 78 للشيخ أحمد بن عبد الرحمن القاسم.

([64]) العمدة في فقه الشريعة الإسلامية (ص 40).

([65]) المنتخب من أدلة الشريعة (79، 80).

([66]) متفق عليه.

([67]) أحمد في المسند.

([68]) مسلم.

([69]) رواه مسلم.

([70]) متفق عليه.

([71]) البخاري.

([72]) متفق عليه.

([73]) منهاج المسلم لأبي بكر الجزائري (ص 46-48).

([74]) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (1/462) والمختصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص60).

([75]) فأيتهن خرج سهمها سافر بها معه.

([76]) أخرجه البخاري (6/80) في الجهاد.

([77]) حديث صحيح أخرجه الدارمي (2/214) وأبو داود (2606) والترمذي (1212) وغيرهم.

([78]) أخرجه أبو داود (2608) (2609) وسنده حسن.

([79]) روى البخاري (6/92) والترمذي (1673) من حديث ابن عمر مرفوعًا: «لو أن الناس يعلمون ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده».

([80]) رواه مالك في الموطأ (2/978) والترمذي (1674) وإسناده حسن وصححه ابن خزيمة والحاكم.

([81]) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص185) وفي سنده عمرو بن مساور وهو ضعيف.

([82]) رواه الترمذي (3443) في الدعوات وأبو داود (2380، 2381) والحاكم (2/98).

([83]) رواه مسلم (1342) وغيره.

([84]) خرج هذه الجملة أبو داود (2599).

([85]) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص (197) وابن حبان (2377) والحاكم (2/100) وسنده حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

([86]) فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة.

([87]) رواه البيهقي في السنن (3/136) وإسناده حسن.

([88]) رواه البخاري ومسلم.

([89]) انظر زاد المعاد لابن القيم بتحقيق الأرنوؤط (1/481).

([90]) هذا قول الجمهور وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما عده الناس سفرا ولعل هذا هو الصحيح كما سبق.

([91]) والأفضل في حقه أداؤها.

([92]) رسالة حكم الاستقامة في صلاة السفر والإقامة ص (35-38).

([93]) رواه البخاري ومسلم.

([94]) متفق عليه.

([95]) فتاوى إسلامية لجماعة من العلماء الأفاضل (1/377-385).

([96]) مجالس شهر رمضان للشيخ محمد الصالح العثيمين ص (49-52).

([97]) مختصر الكلام على بلوغ المرام ضمن المجموعة الجليلة ص(20) للشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك رحمه الله.

التصانيف العلمية:

رأيك يهمنا