فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام

نبذة مختصرة

فوائد مستنبطة من قصة يوسف: بعض الفوائد المستنبطة من سورة يوسف - عليه السلام - لما فيها من آيات وعبر منوعة لكل من يسأل ويريد الهدى والرشاد, وأيضاً فيها من التنقلات من حال إلى حال, ومن محنة إلى محنة, ومن محنة إلى منحة, ومن ذلة ورق إلى عز وملك, ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وإدراك غايات, ومن حزن وترح إلى سرور وفرح, ومن رخاء إلى جدب, ومن جدب إلى رخاء, ومن ضيق إلى سعة، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه هذه القصة العظيمة, فتبارك من قصها ووضحها وبينها.

تنزيــل
أرسل ملاحظة

تفاصيل

 فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام

تأليف العلامة سماحة الشيخ

عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي

رحمه الله رحمة واسعة آمين 1307 ـ 1376هـ

تحقيق الفقير إلى عفو ربه

محمد بن سليمان بن عبد العزيز آل بسام

المدرس في المسجد الحرام



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، خير البريّة والمبعوث رحمة للعالمين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحابته الغر الميامين، وتابعيهم بإحسان، وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدِّين، أما بعد:

فإن «فوائد مستنبطة من قصة يوسف» عليه وعلى نبينا السلام، قد استنبطها شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في عام 1375هـ، وطبعت في حياته، ولكن كانت الطبعة مغلوطة، وقد طبعت عدة طبعات وجروا على منوال الطبعة الأولى، ومما زاد الطين بلة أنهم أضافوا حواشي لا فائدة منها، مع أنها واضحة أتم الوضوح لا تحتاج إلى توضيح، مع أن موضوعها مختصر مفيد المعاني ليس له نظير.

هذا، وقد عنيت بهذه الفوائد وصححت ما فيه من آيات، وعزوتها إلى محلاتها من كتاب الله، كما عزوت بعض الأحاديث إلى مخرِّجيها، ومن الله نستمد العون والتوفيق إنه نعم المولى ونعم النصير.

هذا وأسأل الله أن يجزي شيخنا خير الجزاء، ويرفع درجته في العليين، وأن يجمعنا به في مستقر رحمته، إنه جواد كريم، وصلَّى الله على خير خلقه المصطفى من بريته نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى الله في جميع الأحوال، محمد بن سليمان بن عبد العزيز آل بسام، المدرس في المسجد الحرام 20/10/1424هـ.

* * *


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، أما بعد: فهذه فوائد مستنبطة من قصة يوسف صلّى الله عليه وسلّم([1]) وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، فإن الله تعالى قصَّها علينا مبسوطة، وقال في آخرها: {{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُِوْلِي الأَلْبَابِ}} [يوسف: 111] .

والعبرة ما يعتبر به، ويعبر منه إلى معان وأحكام نافعة، وتوجيهات إلى الخيرات، وتحذير من المهلكات.

وقصص الأنبياء كلها كذلك، ولكن هذه القصة خصها الله بقوله: {{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} [يوسف: 7] ، فيها آيات وعبر منوعة لكل من يسأل ويريد الهدى والرشاد، لما فيها من التنقلات من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن منحة إلى محنة([2])ومِنَّة، ومن ذلة ورِقّ إلى عز وملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وإدراك غايات، ومن حزن وترح إلى سرور وفرح، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق إلى سعة، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه هذه القصة العظيمة، فتبارك من قصها ووضحها وبيَّنها.

فمن فوائد هذه السورة أن فيها أصولاً لعلم تعبير الرؤيا؛ فإن علم تعبير الرؤيا علم عظيم، منهم من بناه على حسن الفهم والعبور من الألفاظ والمحسوسات والمعنويات، أو ما يناسبها بحسب حال الرائي، وبحسب الوقت والحال المتعلقة بالرؤيا. وقد أثنى الله على يوسف عليه الصلاة والسلام بعلمه بتأويل الأحاديث؛ تأويل أحاديث الأحكام الشرعية والأحاديث المتعلقة بتعبير الرؤيا، والفرق بين الأحلام، التي هي أضغاث أحلام لا تأويل لها، مثل ما يراه من يفكر ويطيل تأمله لبعض الأمور فإنه كثيراً ما يرى في منامه من جنس ما يفكر به في يقظته، فهذا النوع الغالب عليه أنه أضغاث أحلام لا تعبير له، وكذلك نوع آخر ما يلقيه الشيطان على روح النائم من المرائي الكاذبة والمعاني المتخبطة، فهذه أيضاً لا تعبير لها، ولا ينبغي للعاقل أن يشغل بها فكره، بل ينبغي له أن يلهى([3])عنها:

وأما الرؤيا الصحيحة فهي إلهامات يلهمها الله للروح عند تجردها عن البدن وقت النوم، أو أمثال مضروبة يضربها الملك للإنسان ليفهم بها ما يناسبها. وقد يرى الشيء على حقيقته ويكون تعبيره هو ما رآه في منامه([4]):

فيوسف صلّى الله عليه وسلّم أعطاه الله من العلم ما يميز به بين المرائي الصحيحة والباطلة والحق والباطل منها، وهذه القصة فيها الدلالة على تعبير الرؤيا من وجوه؛ أحدها رؤيا يوسف التي قصها على أبيه يعقوب صلّى الله عليه وسلّم: {{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَِبِيه ياأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}} [يوسف: 4] ففسرها([5])يعقوب صلّى الله عليه وسلّم بغاياتها وما تؤول إليه وبوسائلها التي تتقدم عليها، ففسر الشمس والقمر بأبي يوسف وأمه، والكواكب الأحد عشر بإخوته، وإن الحال سيكون مئآلها أن الجميع ليسجدون ليوسف ويخضعون له، ولهذا لما حصل الاجتماع ودخل أبوه وأمه وإخوته مصر ورفع أبويه على العرش خر الجميع له سجداً، وقال يوسف متذكراً ذلك التعبير والتفسير([6]): {{ياأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}} [يوسف: 100] ، وهذا أمر عظيم اتصل بيوسف في الحال أن يكون معظماً تعظيماً بليغاً عند أبويه وإخوته، وكذلك عند الناس.

وهذه الغاية تستدعي وسائل ومقدمات لا تحصل إلا بها؛ وهو العلم الكثير العظيم والعمل الصالح والإخلاص والاجتباء من الله، والقيام بحق الله وحقوق الخلق، فلهذا قال سبحانه في ذكر السبب الموصل لهذه الغاية الجليلة: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ}} [يوسف: 6] ، يعني: لا بد أن يتم الله عليك نعمته بتعليم العلوم النافعة والأعمال الصالحة والاجتباء من الله وحصول الأخلاق الجميلة والمقامات الجليلة، فتبشره بحصول هذه الأمور ثم بالوصول إلى الرفعة في الدنيا والآخرة.

وفي ضمن([7])هذا التعبير من يعقوب ليوسف بشارة له وتسهيل لما سيناله من المشقات والكروب مع إخوته وفي السجن، فإن من عَلِمَ أن المكاره والمشقات تفضي إلى الخير والراحات تسلَّى وهانت عليه مشقتها، وسهلت عليه وطأتها، وحصل بذلك من اللطف والروْح شيء عظيم، وهذا من جملة اللطف الذي أشار إليه يوسف في قوله: {{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ}} [يوسف: 100] ، وهذا من مقتضى حكمة الله أن المراتب العاليات لا تنال إلا بالوسائل الجليلة، ولهذا قال: {{إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}} [يوسف: 6] .

ومن فوائد هذا التعبير لرؤيا يوسف بشارة عظيمة ليعقوب وأم يوسف وإخوته بحصول الرفعة والصلاح والخير؛ فيعقوب صلّى الله عليه وسلّم من أكابر الأنبياء وأفاضل الأصفياء، وأمه لها من الخير والصلاح والرفعة في الدنيا والآخرة، حيث شبهت بالشمس أو بالقمر على اختلاف القولين. وإخوة يوسف وإن كان قد جرى منهم في حق أباهم وأخاهم من الأذية والعقوق والقطيعة ما جرى، ولكن أباهم وأخاهم عفيا عنهم، واستغفرا الله تعالى أرحم الراحمين، فالشمس والقمر والنجوم تضمنت النور والارتفاع، ولكنها متفاوتة في نورها بحسب التفاوت بين الأبوين وبين الإخوة.

فالحاصل أن هذه الرؤيا تضمنت ما حصل ليوسف صلّى الله عليه وسلّم من خير الدنيا والآخرة، والمقامات العظيمة والوسائل والمنن، التي أوردتها هذه الأمور وما حصل لأبويه وإخوته من مشاركته في خير الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.

* * *



 الفصل الأول

وأما رؤيا الفَتَيين حيث: {{قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا}} [يوسف: 36] ، فتلطفوا ليوسف أن ينبأهما بتأويل رؤياهما لما شاهدوا من إحسانه للأشياء وإحسانه إلى الخلق، ففسر رؤيا من رأى أنه يعصر خمراً إنه ينجو من سجنه، ويعود إلى مرتبته وخدمته لسيده، فيعصر له العنب الذي يؤول إلى الخمر، وفسر رؤيا الآخر فيقتل ثم يصلب فتأكل الطير من رأسه.

فالأول: رؤياه جاءت على وجه الحقيقة، والآخر رؤياه جاءت على وجه المثال، وإنه يقتل ومع قتله يصلب ولا يدفن حتى تأكل الطيور من رأسه، وهذا من الفهم العجيب والغوص إلى المعاني الدقيقة.

وذلك أن العادة أن المقتول يدفن في الحال ولا تتمكن السباع والطيور من الأكل منه، ففهم أن هذا سيقتل ولا يدفن سريعاً حتى يصل إلى هذه الحال، وفي هذا من فضيحته وخزيته وسوء مصيره الدنيوي ما تقشعر منه الجلود، وحيث علم أن هذه الرؤيا صحيحة لا بد من وقوعها، قال لهما: {{قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}}[يوسف:41]، وهذا من كمال علمه للتعبير الذي لا يعبر عن ظن وتوهم وإنما يعبر عن علم ويقين، وأما المناسبة في ذلك أن الطيور لا تقرب الحي وإنما تتناول الميت إذا لم


يكن عنده أحد، وهذا إنما يكون بعد قتله وصلبه.

ومن كمال يوسف ونصحه وفطنته العجيبة أنهما لما قصَّا عليه رؤياهما، تأنى في تعبيرها ووعدهما بتعبيرها، بأسرع وقت فقال: {{لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا}} [يوسف: 37] ، فوعدهما بتعبيرها قبل أول طعام يأتيهما من خارج السجن ليطمئنا ويشتاقا إلى تعبيرها، وليتمكن من دعوتهما ليكون أدعى لقبول الدعوة إلى الله، لأن الدعوة لهما إلى الله أعظم من تعبير رؤياهما، فدعاهما إلى الله بأمرين:

أحدهما: بحاله وما هو عليه من الوصف الجميل الذي أوصله إلى هذه الحال الرفيعة، بقوله: {{ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}} [يوسف: 37 ـ 38] .

الأمر الثاني: دعاهما بالبرهان الحقيقي الفطري، فقال: {{يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}} [يوسف: 39، 40] .

فإن من توحد بالكمال من كل وجه، وبالقهر للعالم العلوي والسفلي المستحق للألوهية الكاملة، الذي خلق الخلق لعبادته وأمرهم بها، وله الحكم على عباده في الدنيا والآخرة، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده دون المعبودات الناقصة المتفرقة التي كل قوم يَدَّعون إلهيتها، وليس فيها من معاني الإلهية شيء ولا استحقاق وإنما هي أسماء اصطلحوا على تسميتها؛ أسماء بلا معاني، فرأى صلّى الله عليه وسلّم دعوتهما إلى الله أولى بالتقديم على تفسير رؤياهما وأنفع لهما ولغيرهما.


 الفصل الثاني

وأما رؤيا الملك فإنه رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن ويستولي عليهن سبع سنبلات يابسات ضعيفات([8])، فهالته وجمع لها كل من يظن فيه المعرفة، فلم يكن عند أحد منهم علم بتعبيرها، وقالوا: {{أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ}} [يوسف: 44] .

وبعد هذا تفطن الذي خرج من السجن لحالة يوسف، وما هو عليه من العلم العظيم والعلم بالتعبير، وتفطن لوصيته التي أنساه الشيطان ذكر ربه، لحكمة قد فصح أمرها، وأنه لا يخرج من السجن إلا بعد  اشتهاره، وتميزه العظيم على الناس كلهم بتعبير رؤيا الملك. فطلب هذا الرجل من الملك أن يرسله إلى يوسف وإنه كفيل بمعرفة تفسيرها، فلما جاء يوسف قال له: يا {{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ}} [يوسف: 46] .

فإن الملك والناس معه أرسلوني إليك لتفسيرها لهم، وهم بانتظار ذلك متشوقين إليه غاية التشوق، ولهذا قال: {{لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى


النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}} [يوسف: 46] ما ألهم([9])الملك وأزعجه ولاعَه.

ففي الحال فسَّرها يوسف صلّى الله عليه وسلّم، وزادهم مع التفسير حسن العمل بها وحسن التدبير؛ فأخبرهم أن البقر السمان والسنابل السبع الخضرات هي سنون رخاء وخصب متواليات، تتقدم على السنين المجدبات، وأن البقر العجاف والسنابل اليابسات سنون جدب تليها، وإن بعد هذه السنين المجدبات عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، وإنه ينبغي لهم في السنين المخصبات أن ينتهزوا الفرصة ويعدوا العدة للسنين الشديدات فيزرعون زروعاً هائلة أزيد بكثير من المعتاد، ولهذا: {{قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا}}([10]) [يوسف: 47] .

ومن المعلوم أن جميع السنين يزرع الناس، لكنه أراد منهم أن يزرعوا زروعاً كثيرة، ويبذلوا قواهم في كل ما يقدرون عليه، وأنهم يحتاطون في الغلات إذا حصلت بالتحصين والاقتصاد فقال: {{فَمَا حَصَدْتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ}} [يوسف: 37] ، أي: احفظوا الحاصلات من الزرع حفظاً تسلم به من الفساد والسوس بأن تبقى في سنابلها، ويقتصدون في هذه المدة مدة الرخاء فلا يسرفوا في الإنفاق، بل يأكلون القليل ويحفظون الكثير. وإن بعد هذه السنين المخصبات سيأتي سبع سنين مجدبات شديدات تشمل الديار المصرية وما حولها، وإنها تأكل ما قدم لها مما حفظ في سنين الخصب إلا قليلاً مما تحصنون، ووجه المناسبة أنه كما تقدم أن الرؤيا تعبر بحال رائيها، والمناسبات المتعلقة بها كالرائي لها الملك الذي تتعلق به أركان الرعية وأمورها، ولهذا كانت رؤياه ليست خاصة له بل تشمل الناس والرعية. ووجه المناسبة في تفسير البقرات والسنابل بالسنين ظاهر في البقر من وجهين:

أحدهما: إنها هي التي في الغالب يحرث عليها الأرض والحروث والزروع وتوابعها تبع للسنين في خصبها وجدبها.

والوجه الثاني: البقر من المواشي التي سمنها وعجفها تبع للسنين أيضاً، فإذا أخصبت سمنت وإذا أجدبت عجفت وهَزِلَتْ، وكذلك السنابل تزهو الزروع وتكمل وتنمو مع كثرة الماء والسنين المخصباتِ، وتضعف وتيبس مع السنين المجدبات، فكانت رؤياه في البقرة والسنابل من أوصاف السنين وآثارها ومن ذكر الوسائل والغايات، فالحرث للأراضي وسيلة ونمو الزرع وحصول السمن في المواشي هو الغاية من ذلك والمقصود.

وأما قوله: {{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يُعْصِرُونَ}} [يوسف: 49] ، أي: يحصل للناس فيه غيث مغيث تعيد الأراضي خصبها ويزول عنها جدبها، وذلك مأخوذ من تقييد السنين المجدبات بالسبع، فدل هذا القيد على أنه يلي هذه السبع ما يزيل شدتها ويرفع جدبها، ومعلوم أن توالي سبع سنين مجدبات لا يبقى في الأرض من آثار الخضر والنبات والزروع ونحوها لا قليلاً ولا كثيراً، ولا يرفع هذا الجدب العظيم إلا غيث عظيم، وهذا ظاهر جداً، أخذه من رؤيا الملك.

ومن العجب أن جميع التفاسير التي وقفت عليها لم يذكروا هذا المعنى مع وضوحه، بل قالوا: لعل يوسف صلّى الله عليه وسلّم جاءه وحي خاص في هذا العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، والأمر لا يحتاج إلى ما ذكروه بل هو ولله الحمد ظاهر من مفهوم العدد، وأيضاً ظاهر من السياق، فإنه جعل هذا التعبير والتفسير توضيحاً لرؤيا الملك([11]).

ثم اعلم أن رؤيا الملك وتعبير يوسف لها، وتدبيره ذلك التدبير العجيب من رحمة الله العظيمة على يوسف، وعلى الملك وعلى الناس، فلولا هذه الرؤيا وهذا التعبير والتدبير لهجمت على الناس السنون المجدبات قبل أن يعدُّوا لها عدتها، فيقع الضرر الكبير على الأقطار المصرية وعلى ما جاورها.

فصار ذلك رحمة بهم وبغيرهم من الخلق، ألا ترى كيف شمل الجدب البلاد المصرية، وشمل البلاد الشامية وفلسطين وغيرها، حتى احتاجوا إلى الاكتيال من مصر، واحتاج يوسف أن يقدر للجميع ويوزع عليهم توزيعاً عادلاً، فيه الرفق بالجميع والإبقاء عليهم. وكان هذا العلم العظيم من يوسف هو السبب الأعظم في خروجه من السجن، وتقريب الملك له من اختصاصه به وتمكينه من {{الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ}}([12]) [يوسف: 56] ، وهذا من إحسانه، والله لا يضيع أجر المحسنين، ومع هذا الفضل وفضل الله أعظم من ذلك يصيب برحمته من يشاء ممن يختاره([13])ويختصه ويجمع له خير الدنيا والآخرة.


 الفصل الثالث

ومن فوائد هذه القصة أنه يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك مهما أمكنه، وأن لا يفضله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء، فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرهم به، واتفاقهم فيما بينهم، ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة، ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم، سعوا في أمر وخيم؛ وهو التفريق بينه وبين أبيه، فقالوا: {{لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}} [يوسف: 8، 9] .

وهذا صريح جداً؛ أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا بيوسف من التفريق بينه وبين أبيه هو تمييزه بالمحبة، خلاف ما ذكر كثير من المفسرين أن يوسف أخبرهم برؤياه، فحسدوه لذلك، فإنه مناف للآية الكريمة وسوء ظن بيوسف حيث استكتمهُ أبوه، فقال: {{يابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}} [يوسف: 5] ، فيوسف أبر وأعقل من أن يخبرهم بها، ولكن كثير من الإسرائيليات تروج على كثير من الناس، مع أن أقل تأمل في النصوص الشرعية يعلمهم ببطلانها.

والمقصود أن الذي حمل إخوة يوسف على ما فعلوا هو


تمييز يعقوب ليوسف، ومع هذا فلا يحل هذا الأمر الشنيع وهم يعلمون أنه لا يحل لهم، ولكنهم قالوا: افعلوا هذا الجرم العظيم وتوبوا إلى الله بعده، فلهذا قالوا: {{وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ}} [يوسف: 9] ، وهذا لا يحل أن يواقع العبد الذنب بأي حالة يكون ولو أضمر أنه سيتوب منه، فالذنب يجب اجتنابه، فإذا وقع وجبت التوبة منه. ولعل من حكمة الله ورحمته بيعقوب ما قدَّره عليه من الفرقة التي أحدثت له من الحزن والمصيبة ما أحدثت رفعة لمقاماته في الدنيا والآخرة، وليكون للنعمة عند حصول الاجتماع لها الموقع الأكبر والشكر الكثير والثناء على الله بها، وليصل ولده يوسف إلى ما وصل إليه من المقامات الجلية، {{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}} [البقرة: 216] .

ومن فوائدها الحث على التحرز مما يخشى ضرره لقوله: {{يابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}} [يوسف: 5] ، وما فيها من التأكيد عليهم في حفظه حين أرسله معهم، ثم عند إرسال أخيه بنيامين بعد ذلك، أخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك. فالإنسان مأمور بالاحتراز، فإن نَفَعَ فذاك، وإلا لم يلم العبد نفسه.

ومنها: أن من الحزم إذا أراد العبد فعلاً من الأفعال أن ينظر إليه من جميع نواحيه، ويقدر كل احتمال ممكن، وأن الاحتراز بسوء الظن لا يضر إذا لم يحقق، بل يحترز من كل احتمال يخشى ضرره.

ولو تضمن ظن السوء بالغير إذا كانت القرائن تدل عليه وتقتضيه، كما في هذه الآية، وكما قويت القرائن في قوله: {{هَلْ


آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ}} [يوسف: 64] ، فإنه سبق لهم في أخيه ما سبق، فلا يلام يعقوب إذا ظن بهم هذا الظن، وإن كانوا في الأخ الأخير لم يجر منهم تفريط ولا تعد.

ومنها : الحذر من الذنوب التي يترتب عليها ذنوب أخر ويتسلسل شرها كما فعل إخوة يوسف بيوسف، فإن نفس فعلهم فيه عدة جرائم في حق الله، وفي حق والديهِ وقرابته، وفي حق يوسف، ثم يتسلسل كذبهم كلما جرى ذكر يوسف وقضيته، أخبروا بهذا الكذب الفظيع، ولهذا حين تابوا وخضعوا وطلبوا من أبيهم السماح {{قَالُوا ياأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}} [يوسف: 97] .

ومنها: أن بعض الشر أهون من بعض؛ فحين اتفقوا على التفريق بين يوسف وأبيه، ورأى أكثرهم أن القتل يحصل به الإبعاد الأبدي، {{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}} [يوسف: 10] ، فخفف به الشر عنهم، ولهذا لما وردت السيارة الماء وأدلى واردهم دلوه تبشر بوجوده، وقال: {{هَذَا غُلاَمٌ}} [يوسف: 19] ، وكان إخوته حوله فقالوا: إنه غلام آبق منّا وتبايعوه معهم {{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}} [يوسف: 20] . وإنما قصدهم إبعاده والتأكيد على مشتريه منهم صورة أن يحتفظ به لئلا يهرب، ومن لطف الله أن الذي أخذه وباعه([14])في مصر على عزيزها فحين رآه رغب فيه جداً وأحبه، وقال لامرأته: {{أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}}


[يوسف: 21] ، فبقي مكرماً عندهم معفى من الأعمال الشاقة وغيرها متجرداً للخير، وهذا من اللطف بيوسف، ولهذا قال: {{وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} [يوسف: 21] ، فكان تفرغه عند العزيز من أسباب تعلمه للعلوم النافعة ليكون أساساً لما بعده من الرفعة في الدنيا والآخرة، كما أن رؤياه مقدمة اللطف، وكما أن الله أوحى إليه حين ألقاه إخوته في الجب {{لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}} [يوسف: 15] .

وهذه بشارة له بالنجاة مما هو فيه، وإنه سيصل إلى أن ينبئهم بأمرهم وهم لا يشعرون، وقد وقع ذلك في قوله: {{هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}} إلى آخر الآيات، وألطاف المولى لا تخطر على البال.

ومنها: أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، وذلك لأن إخوة يوسف جرى منهم ما جرى من هذه الجرائم، لكن في آخر أمرهم ونهايته تابوا إلى الله وطلبوا السماح من أخيهم يوسف ومن والديهم([15])الاستغفار فحصل لهم السماح التام والعفو الكامل، فعفى الله عنهم وأوصلهم إلى الكمال اللائق بهم.

قيل: إن الله جعلهم أنبياء؛ كما قاله غير واحد من المفسرين في تفسير الأسباط إنهم إخوة يوسف الاثنا([16]) عشرة([17] وقيل: بل كانوا قوماً صالحين كما قاله آخرون، وهو الظاهر، لأن المراد بالأسباط قبائل بني إسرائيل، وهو اسم لعموم القبيلة لاَ لأَِوْلاَدِ يعقوب الاثني عشر منهم، فهم آباءَ الأسباط وهم من الأسباط، ولهذا في رؤيا يوسف رآهم بمنزلة الكواكب في إشراقها وعلوها وهذه صفة أهل العلم والإيمان، والله أعلم.

ولهذا تفسر رؤيا الشمس والقمر والكواكب بالعلماء والصالحين، وقد تفسر بالملوك والمناسبة ظاهرة.

ومنها: تكميل يوسف صلوات الله عليه لمراتب الصبر، الصبر الاضطراري: وهو صبر على أذية إخوته، وما ترتب عليها من بُعْدِه عن أبويه، وصبره في السجن بضع سنين. والصبر الاختياري: هو صبر على مراودة سيدته امرأة العزيز مع وجود الدواعي القوية من جمالها وعلو منصبها، وكونها هي التي راودته عن نفسه وغلقت الأبواب، وهو في غاية ريعان الشباب، وليس عنده من قرابته ومعارفه الأصليين أحد.

ومع هذه الأمور ومع قوة الشهوة منعه الإيمان([18])الصادق والإخلاص الكامل من مواقعة المحذور، وهذا هو المراد بقوله: {{لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}} [يوسف: 24] ، فهو برهان الإيمان الذي يغلب جميع القوى النفسية، فكان هو مقدم السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لاَ ظل إلا ظله، وهو رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله ([19]).

ثم بعد ذلك راودته المرأة وراودته، واستعانت بالنسوة اللاتي قطعن أيديهن، فلم تحدثه نفسه ولم يزل الإيمان ملازماً له في أحواله، حتى قال بعد ما توعدته بقولها: {{وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ} {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}} [يوسف: 32، 33] ، فاختار السجن على مواقعة المحظور، ومع ذلك فلم يتكل على نفسه بل استغاث بربه أن يصرف عنه شرهن، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم.

وكما أنه كمل مراتب الصبر فقد كمل مراتب العدل والإحسان للرعية حين تولى خزائن البلاد المصرية، وكمل مراتب العفو والكرم حين قال له إخوته: {{تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}} [يوسف: 91، 92] ، فارتقى صلّى الله عليه وسلّم إلى أعلى مقامات الفضل والخير والصدق والكمال، ونشر الله له الثنائين الكاملين في العالمين.


 الفصل الرابع

ومنها: أن الإخلاص لله تعالى أكبر الأسباب لحصول كل خير واندفاع كل شر، كما قال تعالى: {{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}} [يوسف: 24] ، وفي القراءة الأخرى المخلِصين([20] أي: الذين أخلصهم الله بخالصةٍ ذِكْرَى([21])الدار، وهما متلازمتان فأخلَصهم لإخلاصهم له، فمن أخلص لله أخلصهُ وخلَّصه من الشرور وعصمه من السوء والفحشاء.

ومنها: ما دلت عليه القصة من العمل بالقرائن القوية من عدة وجوه؛ منها حين ادعت امرأة العزيز أن يوسف راودها، وقال: هي راودتني عن نفسي فشهد شاهد من أهلها، أي: حكم حاكم بهذا الحكم الواضح، وكانت قد شقَّت قميص يوسف وقت([22])مراودتها إياه: {{إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}} [يوسف: 26] ، لأنه يدل على إقباله عليها وأن المراودة صادرة منه، {{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ}} [يوسف: 27] ، فكان هذا هو الواقع لأنها تريده وهو يفر منها ويهرب عنها، فقدَّت قميصه من خلفه، فتبين لهم إنها هي المراودة في تلك الحال، وبعد ذلك اعترفت اعترافاً تاماً، حيث قالت: { {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ}{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}} [يوسف: 51، 52] .

ومن العمل بالقرائن وجود الصواع في رحل أخيه، وحكمهم عليه بأحكام السرقة لهذه القرينة القوية.

ومنها: إنه ينبغي للعبد أن يبتعد عن أسباب الفتن ويهرب منها عند وقوعها، كما فعل يوسف حين راودته امرأة العزيز، واعلم أن كثيراً من المفسرين ذكروا في تفسير البرهان الذي رآه يوسف، حين اعتصم عن الفاحشة إسرائيليات تنافي العقل والدين، وتنافي ما عليه الرسل من الكمال؛ حيث قال بعضهم: تبدَّى له جبريل في الهواء أو تبدى له يعقوب عاضاً إبهاميه أو ما أشبه ذلك من الأمور، التي لو حصلت على أفجر الناس لامتنع من فجوره، فكلها باطلة، وكذلك من الأقوال الباطلة ما قاله بعضهم في قوله: {{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}} [يوسف: 24] ، أي: همَّ أن يضربها وهذا تحريف ظاهر، وصاحب هذا القول أراد الفرار من الهم المعروف، خشية أن يكون فيه نقص، وتنقيص الأنبياء محذور في ذلك، فإن الهم والهوى ونحوهما إذا قاومه العبد وقدم عليه الخوف والإيمان فهو كمال، كما قال تعالى:{{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}} [الرحمن: 46]، وكما ثبت في الصحيح مرفوعاً:«من همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله حسنة»([23]) كاملة، فإنه إنما تركها من جرائي ـ أي: تركه لها لأجل الله خوفاً من عقابه ورجاء لثوابه ـ من أكبر العبادات، والله أعلم.

ومنها: ما عليه يوسف صلوات الله عليه من الجمال الظاهر الذي أخذ بلُبِّ امرأة العزيز وشغفها حباً، وحين رأتهُ النسوة قطعن أيديهن وأكبرنه، وقلن: {{حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}} [يوسف: 31] ، ومن الجمال الباطن وهو العفة والإخلاص الكامل والصيانة.

ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجأ إلى الله عند خوف الوقوع في فتن المعاصي والذنوب، مع الصبر والاجتهاد في البعد عنها، كما فعل يوسف ودعا ربه قال: {{وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}} [يوسف: 33] ، وإن العبد لا حول ولا قوة ولا عصمة له إلا بالله، فالعبد مأمور بفعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور مع الاستعانة بالملك الشكور.


 الفصل الخامس

ومنها: فضل الإيمان الكامل واليقين والطمأنينة بالله وبذكره([24])، حيث اتصف بها يوسف صلّى الله عليه وسلّم أوجبت له الثبات في أموره كلها، والاشتغال فيما هو بصَدَدِهِ من وظائفه الحاضرة، وهو في أحواله وتنقلاته مطمئن القلب ثابت النفس، ليس عنده قلق لبعده عن أبيه وأحبابه، مع ما يعلمه من شدة الشوق والحب المفرط بينه وبين والديه، خصوصاً أبوه، وهو يعلم المكان الذي هو فيه، ويتمكن من مراسلته، ولكن اقتضت حكمة الله أن لا يحصل اللقاء إلا في تلك الحال التي اشتدت مشقتها وعظمت شدتها، فأعانه الله وأيده بروح منه، وهذا من أَجَلِّ ثمرات الإيمان.

ومنها: أنه لا بأس باستعانة بالمخلوق في الأمور العادية التي يقدر عليها بفعله أو قوله، وإخباره، كما قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما: {{اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}} [يوسف: 42] ، ومن كمال إخلاص يوسف وكمال خلقه أنه لم يعاتب هذا الذي أوصاه أن يذكره عند ربه فنسي، وجاءه يسأله عن رؤيا الملك فأجابه ولم يعاتبه أو يعنفه أو يعامله بسوء خلق، وبحسن الخلق

تحصل للعبد الحياة الطيبة العاجلة والآجلة([25]).

ومنها: أن الإنسان إذا وجهت له تهمة هو بريء منها لا يلام على طلب الطرق والوسائل التي يحصل بها الوضوح والبيان العام للناس، كما فعل يوسف صلّى الله عليه وسلّم مع طول مكثه لما جاءه الرسول يستدعيه للحضور عند الملك، قال: {{ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}} [يوسف: 50] ، إلى آخر الآية، حيث بان لكل أحد براءته التامة التي لا شبهة فيها، فلم يخرج من السجن لمواجهة الملك إلا في حالة براءته وهيبته ورفعته، وتعظيم منهم لعلمه وفضله ونزاهته عليه الصلاة والسلام.

 الفصل السادس

ومن ذلك أن يوسف صلّى الله عليه وسلّم جمع لهم بين تعبير رؤيا الملك وبين ما ينبغي لهم أن يفعلوه ويدبروه في سنين([26])الخصب للاستعداد لسنين([27])الجدب، وحين قال له الملك: {{إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}} [يوسف: 54] ، أي: تتمكن من أمور المملكة وتدابيرها مُفَوِّضٌ إليه الأمور لأمانته وكفاءته وكمال الثقة به. فالملك هو الذي ابتدأ توليته وتفويض الأمور إليه، وهو الذي اقترح أن يكون على خزائن الأرض وجبايتها وتصريفها لأجل عموم المصلحة، ولهذا قال: {{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}} [يوسف: 55] ، أي: احفظ الحاصلات والغلات وأعلم كيف يتم تصريفها وتدبيرها.

فحينئذٍ اعتنى في سنين([28])الخصب بالزروعات الهائلة وجباها في مخازنها في سنبلها، واجتهد في الاقتصاد في أكلهم أيام السنين الخصيبة لتتوفر الغلال ويكون لها النفع العام، فحين جاءت السنون المجدبات وعم الجدب للأقطار المصرية وما جاورها، وفني ما عند الناس جعلوا يقصدون مصر من كل جهة، فجعل يكيل لهم كيل العدل والاقتصاد بحسب الحاجة لا يزيد كل واحد على حمل البعير، خوفاً من ألاَّ يجتاحه المحتكرون ويحصل الضرر على المحتاجين المعوزين، ولهذا من جملة ما عالج إخوة يوسف أباهم لإرسال بنيامين معهم أن قالوا: {{وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ}} [يوسف: 65] ، أي: إذا كان معنا حصل لنا زيادة كيل بعير، لأن عائلة يعقوب كثيرون يحتاجون إلى ميرة كثيرة، فحصل لهذه الأعمال الجليلة على يد يوسف نفع للخلق عظيم وإزالة ضرورات ودفع حاجات وتهوين للشدات والكربات. ومنها مشروعية الضيافة وإنها من سنن الرسل وقررتها هذه الشريعة لقول يوسف: {{أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ}} [يوسف: 59] .

ومنها: أن استعمال الأسباب الواقية من العين([29])أو غيرها غير ممنوع، بل جائز ومستحب بحسب حاله وإن كانت جميع الأمور بقضاء الله وقدره، لكن الأسباب الواقية أو الدافعة من قضاء الله وقدره، بشرط أن يفعلها العبد وهو معتمد على مسببها، لأن يعقوب عليه السلام حين أراد أن يوصي بنيه لمَّا أرسل بنيامين معهم قال: {{يابَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}} [يوسف: 67] . وأخبر تعالى أنهم امتثلوا أمر أبيهم، وإن هذا الأمر لم يغن شيئاً إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها؛ وهو شفقة الوالد على أولاده. والشريعة جاءت بإثبات الأسباب النافعة الدينية والدنيوية والحث عليها مع الاستعانة بالله، كما ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم إنه قال: احرِص على ما ينفعك واستعن بالله([30]).

ومنها: جواز استعمال الحيل والمكائد التي يتوصل بها إلى حق من الحقوق الواجبة والمستحبة أو الجائزة، كما استعمل يوسف ذلك مع أخيه حيث وضع السقاية في رحل أخيه، ثم أذن مؤذن بعد رحيلهم([31]){{أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}} إلى قوله: {{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}} [يوسف: 70 ـ 76] ، فعمل مع أخيه هذا العمل ليتوصل به إلى بقائه عنده من غير شعور منهم([32] فلما تقرر عندهم أنه هو الذي أخذ الصواع استفتاهم عن حكم السارق في دينهم فقالوا: {{جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}} [يوسف: 75] ، أي: جزاء السارق أن يتملكه المسروق منه فحكموا على أنفسهم هذا الحكم الذي هو المقصود ليوسف، ولو أجرى عليه حكم ملك مصر لكان له حكم آخر، فيسَّر الله هذا العمل وهذا الحكم ليبقى أخوه عنده. فالحيل التي على هذا النوع لا حرج فيها، وإنما المحرم الحيل والمكائد التي يتوصل بها إلى إحلال المحرمات أو إسقاط الواجبات.

ومنها: استعمال المعاريض عند الحاجة إليها فإن في المعاريض مندوحة عن الكذب، وذلك من وجوه؛ منها قوله: {{ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ}} [يوسف: 75] ولم يقل سرقها وكذلك قوله: {{مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ}} [يوسف: 79] ، ولم يقل من سرق متاعنا، وإذا قيل إن هذا اتهام للبريء، قيل إنما فعل ذلك بإذن أخيه ورضاه، وإذا رضي زال المحذور.

ومنها: أن الإنسان لا يحل له أن يشهد إلا بما يعلم لقولهم: {{وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}} [يوسف: 81] ، وإن العلم يحصل بإقرار الإنسان على نفسه وبوجود المسروق ونحوه معه وفي يده أو رحله.

وفيها: أن وجود المسروق بيد السارق بينة وقرينة على أنه السارق، ولذلك حكم وحكموا على أخي يوسف بحكم السارق.

ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب عليه السلام، حيث قضى بالفراق بينه وبين يوسف هذه المدة الطويلة، التي يغلب على الظن أنها تبلغ ثلاثين سنة فأكثر، من ذلك إنه بقي مدة في بيت العزيز قبل السجن في الإمكان، أو تكون من سبع السنين إلى العشر أو نحو ذلك على وجه الخرص والحزر، ثم مكث بضع سنين في السجن، والأكثر أنها سبع سنين، ثم بعد خروجه دخلت السبع السنين المخصبات، فهذه نحو إحدى وعشرين سنة، ثم دخلت السبع المجدبات، وتردد إخوة يوسف إليه مرات، والظاهر أن اللقاء كان في آخرها، فهذه تقارب الثلاثين ونحوها، وهو في هذه المدة لم يفارق الحزن قلبه وهو دائم البكاء حتى ابيضت عيناه من الحزن، وفقد بصره وهو صابر لأمر الله، محتسب الثواب عند الله قد وعد من نفسه الصبر، ولا شك إنه وفى بذلك، ولا ينافي ذلك قوله: {{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}} [يوسف: 86] ، فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر وإنما ينافي الصبر الشكوى إلى المخلوق.

ومنها: أن الفرَج مع الكرب([33] فإنه لما اشتد الكرب بيعقوب وقال: يا أسفى على يوسف قال: {{يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}} [يوسف: 87] ، وهم حين دخلوا على يوسف وقفوا بين يديه موقف المضطر فقالوا: {{يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ}} [يوسف: 88] ، أي: قليلة حقيرة لا تقع الموقع فأوف لنا الكيل {{وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}} [يوسف: 88] ، فحينئذٍ لما بلغ الضر منتهاه من كل وجه عرَّفهم بنفسه، فحصل بذلك البشارة الكبرى لأبويه وإخوته وأهلهم، وزال عنهم الضر والبأساء وخلفه السرور والفرح والرخاء.

ومنها: أن الله يبتلي أنبياءه وأصفياءه بالشدة والرخاء والسرور والحزن واليسر والعسر ليستخرج منهم عبوديته في الحالين بالشكر عند الرخاء والصبر عند الشدة والبلاء، فتتم عليهم بذلك النعماء كما ابتلى يعقوب ويوسف، وكذلك غيرهم من أنبيائه وأصفيائه([34]).

ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يجد وما هو فيه من مرض أو فقر أو غيرهما على غير وجه التسخط لقول إخوة يوسف: {{مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ}} [يوسف: 88] ، وأقرهم يوسف على ذلك.

ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثارهما، وإن عاقبة أهلهما أحسن العواقب لقوله: {{قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}} [يوسف: 90] ، وإن إخبار العبد من([35])نفسه بحصول التقوى والصبر إذا كان صدقاً وفي ذلك مصلحة من باب التحدث بنعمة الله، قال الله تعالى: {{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}} [الضحى: 11] ، وهي تشمل نعم الدنيا ونعم الدين، وإن الله يجمع للمتقين بين خير الدنيا والآخرة كما في هذه الآية والآية السابقة وهي قوله: {{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} {وَلأََجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}} [يوسف: 56، 57] ، وإنه ينبغي للعبد أن يتذكر في حال الرخاء والسرور حالة الحزن والشدة، ليزداد شكره وثناؤه على الله، ولهذا قال يوسف: {{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ}} [يوسف: 100] .

ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائماً في تثبيت إيمانه ويعمل الأسباب لذلك، ويسأل الله حسن الخاتمة وتمام النعمة، ويتوسل بنعمه الحاصلة([36])إلى ربه أن يتمها عليه ويحسن له العاقبة، كما قال يوسف صلّى الله عليه وسلّم: {{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}} [يوسف: 101] ، وليس هذا من يوسف تمنياً للموت كما ظنه بعضهم، بل هو دعاء لله أن يحسن خاتمته ويتوفاه على الإسلام، كما يسأل العبد ربه ذلك كل وقت.

ومنها: ما منَّ الله به على يوسف من حسن عفوه عن إخوته وإنه عفا عن ما مضى، ووعد في المستقبل أن لا يثرب عليهم، ولا يذكر منه شيئاً لأنه يجرحهم ويحزنهم، وقد بدؤا([37])الندامة التامة، ولأجل هذا قال: {{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي}} [يوسف: 100] ، ولم يقل من بعد أن نزغهم، بل أضاف([38])الفعل إلى الشيطان الذي فرق بينه وبين إخوته، وهذا من كمال الفتوة وتمام المروءة.

ومنها: ما في هذه القصة العظيمة من البراهين على رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم حيث قصها على الوجه المطابق، وهو لم يقرأ من الكتب السابقة شيئاً ولا جالس من له معرفة بها ولا تعلَّم من أحدٍ، إن هو إلا وحي أوحاه الله إليه، ولهذا قال: ذلك من أنباء الغيب نقصه إليك([39])ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، كما ذكر الله هذا المعنى في قصّة موسى وغيره من الأنبياء لأن الغيوب نوعان: أمور سابقة قد اندرس علمها، نبأه الله بها، وأمور مستقبلة قد نبأه الله بها قبل أن تقع فوقعت، ولا تزال تقع شيئاً بعد شيء مطابقة لما أخبر به صلّى الله عليه وسلّم في كتاب الله وفي سنة رسوله()[40]، وكلها براهين على رسالته.

 الفصل السابع

وفي قوله تعالى: {{إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي}} [يوسف: 53] ، دليل على أن هذا وصف النفس من حيث هي وأنها لا تخرج عن هذا الوصف إلا برحمة من الله وعناية منه، لأن النفس ظالمة جاهلة، والظلم والجهل لا يأتي منهما إلا كل شر، فإن رحم الله العبد ومن عليه بالعلم النافع وسلوك طريق العدل في أخلاقه وأعماله خرجت نفسه من هذا الوصف، وصارت مطمئنة إلى طاعة الله وذكره، ولم تأمر صاحبها إلا بالخير، ويكون مآلها إلى فضل الله وثوابه، قال تعالى: {{يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَةًفَادْخُلِي فِي عِبَادِيوَادْخُلِي جَنَّتِي}} [الفجر: 27 ـ 30] .

فعلى العبد أن يسعى في إصلاح نفسه وإخراجها من هذا الوصف المذموم، وهو أنها أمارة بالسوء، وذلك بالاجتهاد وتخلُّقها بأحسن الأخلاق، وسؤال الله على الدوام()[41]، وأن يكثر من الدعاء المأثور: «اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيء الأعمال والأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت»([42]).

وفي تضاعيف القصة فضيلة العلم من وجوه كثيرة وبيان أنه سبب الرفعة في الدنيا والآخرة، وسبب صلاح الدين والدنيا، فيوسف صلّى الله عليه وسلّم لم ينل ما نال إلا بالعلم، ولهذا قال له أبوه: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} [يوسف: 6] . وامتن عليه وقت مكثه عند عزيز مصر بالتجربة والعلم، وحاز مقام الإحسان بالعلم وخرج من السجن في حال العز والكرامة بالعلم، وتمكن عند ملك مصر واستخلصه لنفسه حين كلمه وعرف ما عنده من العلم، ودبر أحوال الخلق في الممالك المصرية بإصلاح دنياهم، وحسن تدبيره في حفظ خزائن الأرض وتصريفها وتوزيعها بالعلم، وعند نهاية أمره توسل إلى ربه أن يتولاه في الدنيا بالعلم، حيث قال: {{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}} [يوسف: 101] ، ففضائل العلم وثمراته الجليلة العاجلة والآجلة لا تعد ولا تحصى.

وفيها: أن شفاء الأمراض كما تكون بالأدوية الحسية تكون بأسباب ربانية، بل يحصل بهذا النوع من أنواع الشفا ما لا يحصل بغيره، فيعقوب عليه السلام قد ابيضت عيناه من الحزن وذهب بصره فجعل الله شفاءه وإبصاره بقميص يوسف حين ألقاه على وجهه فارتد بصيراً لما كان فيه من رائحة يوسف، الذي كان داء عينيه من حزنه عليه، فصار شفاؤه الوحيد مع لطف الله في قميص جسده.

ومن قال أن القميص من الجنة فليس عنده بذلك دليل، والله قادر على أن يشفيه من دون سبب، ولكنه حكيم جعل الأمور تجري بأسباب ونظامات قد تهتدي العقول إلى معرفتها وقد لا تهتدي، ونظير ذلك أيوب صلّى الله عليه وسلّم وصل به المرض والضر إلى حالة تعذر منها الشفا وأعيت الأطباء، فحيث أراد الله شفاءه أمره أن يركض برجله الأرض فأنبع له عيناً باردة وأمره أن يشرب منها ويغتسل، فأذهب الله ما في باطنه وظاهره من هذا الضرر، وعاد كأحسن ما أنت راء، قال تعالى: {{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}} [ص: 42] .

فهو تعالى يشفي العباد بأدوية وأسباب حسية وبأسباب ربانية معنوية: {{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ}} [الأنعام: 17] ، كما أنه تعالى يوجد الأشياء بأسباب حسية معلومة وبأسباب ربانية لا تهتدي العقول إليها، كما في معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وآياته النفسية والكونية، وهو المحمود على هذا وعلى هذا.

ومنها: جواز سؤال الخلق خصوصاً الملوك عند الضرورة لقول إخوة يوسف: {{يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}} [يوسف: 88] ، فإنهم سألوا المحاباة في المعاملة والصدقة بدون عوض، وإنما قلت: خصوصاً الملوك، [لأنهم]( [43]) لا يسألون من أموالهم الخاصة، وإنما يسألون من بيت المال، الذي هو للمصالح العمومية، وأهم المصالح دفع ضرورة المضطرين.

ومن فوائد القصة: أن الجهل كما يطلق على عدم العلم فإنه يطلق على عدم الحلم وعلى ارتكاب الذنب، لقوله تعالى: {{وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}} [يوسف: 33] ، وأما قوله: {{هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}} [يوسف: 89] ليس المعنى في ذلك عدم العلم، وإنما هو عدم العمل به واقتحام الذنوب، ومنه قول موسى صلّى الله عليه وسلّم: {{أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}} [البقرة: 67] ، وقوله: {{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}} [النساء: 17] ، وكل من عصى الله فهو جاهل باعتبار عدم العمل بالعلم، لأن العلم الحقيقي ما زال به الجهل وأوجب العمل.

ومنها: قوله تعالى: {{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ}} [يوسف: 72] ، استدل به على ثلاثة أبواب من أبواب العلم: باب الجعالة، وباب الضمان، وباب الكفالة، لأن قوله: {{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}} [يوسف: 72] ، من نوع الجعالة، وهو أن يجعل شيئاً معلوماً أو مقارباً للمعلوم كحمل البعير، لأنه متعارف لمن يعمل له عملاً معلوماً وعملاً مجهولاً، وهي جائزة لما فيها من مصلحة الجاعل والعامل، وقوله: وأنا به زعيم، أي: ضامن وكفيل، وهي من عقود التوثقة بالحقوق التي يتم بها توسيع المعاملات وإصلاحها.

ومنها: أن العمل بالشريعة فيها([44])إصلاح الأرض والبلاد واستقامة الأمور، والعمل بالمعاصي من سرقة وغيرها فيها([45])فساد، ذلك لقولهم: {{تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}} [يوسف: 73] ، وكم في القرآن من التصريح أن العمل بالمعاصي ومخالفة الرسل فساد للأرض، ومتابعة الرسل هو الصلاح المطلق صلاح الدين والدنيا.

ومنها: الدلالة على الأصل الكبير الذي أعاده الله وأبداه في كتابه، أن لكل نفس ما كسبت من الخير والثواب، وعليها ما اكتسبت من الشر والعقاب، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، لقوله: {{مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ}} [يوسف: 79] .

ومنها: الحث على فعل الأسباب الجالبة للخيرات والحافظة من الكريهات، وفي القصة مواضع تدل على هذا الأصل الكبير، وتمام ذلك أن يقوم بالأسباب مستعيناً بالله واثقاً به، وقد عمل يعقوب عليه السلام الأسباب التي يقدر عليها في استحفاظ أولاده ليوسف ثم لأخيه حين أرسله معهم، وقال مع ذلك: {{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}}  [يوسف: 64] .

وكذلك على العبد إذا همته المصائب وحلت بهِ النكبات عليه أن يصبر ويستعين بالله على ذلك، قال يعقوب صلّى الله عليه وسلّم حين عمل إخوة يوسف ما عملوا بيوسف وحلت به المصيبة الكبرى: {{وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}} [يوسف: 18] ، وذلك أن الصبر على الطاعات والصبر عن المحرمات والصبر على المصيبات لا يتم وينجح صاحبه إلا بالاستعانة بالله وأن لا يتكل العبد على نفسه، قال يوسف: {{وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}} [يوسف: 33] .

 الفصل الثامن

ومن فوائد القصة : الإرشاد إلى طريق نافع من طريق الجدال والمقابلة بين الحق والباطل، وهو بيان ما في الحق من الخير والمنافع العاجلة والآجلة، وما في الباطل من ضد ذلك.

قال تعالى في دعوة يوسف للتوحيد: {{يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}} [يوسف: 39] ، فذكر ما في الشرك من القبح وسوء الحال واتباع الظنون الباطلة، وأن كل طائفة من المشركين لهم معبود؛ إما نار أو صنم أو قبر أو ملك أو ميت أو غير ذلك من المعبودات المتفرقة، التي لا تملك لنفسها ولا لأهلها نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وكل طائفة تضلل الأخرى، وكلهم ضالون هالكون فيها، هذه الأرباب والمعبودات خير أم الله الواحد القهار؟

فذكر له ثلاثة أوصاف عامة عظيمة؛ أنه الله الذي له الأسماء والصفات العليا، ومنه النعم كلها، وبذلك استحق أن يكون الله المألوه إله أهل الأرض وأهل السماء، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه الواحد المتفرد بكل صفة كمال المتوحد بنعوت الجلال والجمال، الذي لا شريك له في شيء من الأفعال، وأنه القهار لكل شيء، فجميع العالم العلوي والسفلي كلهم مقهورون بقدرته خاضعون لعظمته متذللون لعزته وجبروته، فَمَنْ هذه صفاته العظيمة هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له.

ومنها: أن الدين المستقيم الذي عليه جميع الرسل وأتباعهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، لقوله: {{إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}} [يوسف: 40] ، فهو الدين المستقيم المقيم للعقائد والأخلاق والأعمال الذي لا تستقيم أمور الدين والدنيا إلا به.

ومنها: وجوب الاعتراف بنعم الله الدينية والدنيوية لقوله: {{ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا}} [يوسف: 38] ، فهو الذي مَنَّ بالعافية والرزق وتوابع ذلك، وهو الذي مَنَّ بنعمة الإسلام والإيمان والطاعة وتوابع ذلك، فعلى العبد أن يعترف بها بقلبه ويتحدث بها، ويستعين بها على طاعة المنعم.

ومنها: أن الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى العباد سبب ينال به العلم وتنال به خيرات الدنيا والآخرة، لقوله: {{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}} [يوسف: 22] ، وقوله: {{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} {وَلأََجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}} [يوسف: 56، 57] ، فجعل الله الإحسان سبباً لنيل هذه المراتب العالية.

ومنها: أن النظر إلى الغايات المحبوبة يهوِّن المشاق المعترضة في وسائلها، فمتى علم العبد عاقبة الأمر وما يؤول إليه من خير الدنيا والآخرة هانت عليه المشقة وتسلى بالغاية، لقوله تعالى: {{وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}} [يوسف: 15] ، فأوحى إلى يوسف في هذه الحال المزعجة أن الأمر سيكون إلى خير وسعة، وبعد هذه الإهانة الصادرة من إخوتك لك ستكون لك الأثرة عليهم والعاقبة الحميدة، وفي هذا من اللطف والتسلية وتخفيف البلاء ما هو من أعظم نعم الله على العبد، ولهذا المعنى الجليل يذكِّر الله عباده عند المشاق والأمور المزعجة ما يترتب على ذلك من الثواب والخير والطمع في فضله، قال تعالى: {{إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ}} [النساء: 104] .

وقوله تعالى: {{وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ}} [يوسف: 15] دليل على رجوعهم كلهم إلى رأي من قال: {{لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ}} [يوسف: 10] ، كما أن قوله: {{وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ}} [يوسف: 33، 34] ، دليل على أن النسوة ساعدن امرأة العزيز على يوسف، وجعلن يغرينه بهذا العمل، فبعد ما رأين من جمال يوسف الباهر ما رأين أصبحن لامرأة العزيز مساعدات بعد أن كن قبل ذلك عاتبات عليها بقولهن: {{امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}} [يوسف: 30] .

ومنها: أن العقود تنعقد بما يدل عليها من قول وفعل، لا فرق بين عقود التبرعات وعقود المعاوضات، لأن يوسف صلّى الله عليه وسلّم ملَّك إخوته بضاعتهم التي اشتروا بها ميرتهم من حيث لا يشعرون، ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم في رحالهم([46])الآية([47])، وذلك من دون إيجاب وقبول قولي لأن الفعل والرضى يدل على ذلك.

 الفصل التاسع

إذا قيل: كيف خفي موضع يوسف على يعقوب وما بينه إلا مسافة قليلة مع طول المدة وقوة الداعي الملِّح، وعلمه أنه على الوجود وحرصه الشديد على لقياه؟

فالجواب: ليس ذلك بغريب على قدرة الله، فإن الأسباب وإن قويت جداً لا خروج لها عن قضاء الله وقدره. فإن الله تعالى أراد أن لا يحصل الاجتماع إلا في الوقت الذي أجَّله، والحالة التي أرادها، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، ومتى أراد الله شيئاً في وقت مخصوص قدر من الأسباب الحسية أو المعنوية ما يمنع حصوله قبل ميقاته، كما يقدر من الأسباب ما يحصل به ما أراد، فالأسباب بيد العزيز الحكيم. وليس هذا بأغرب من قضية بني إسرائيل في التيه وهم أمة عظيمة، والتيه مسافة قصيرة وهم بين أظهري قرى ومدن كثيرة، والمدة أربعون سنة لم يهتدوا طريقاً إلى مقصدهم، ولم يتيسر لهم من يرشدهم إلى قصدهم.

وكذلك أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم ثلثمائة وتسع سنين وهم في غار قريب من مدينة عظيمة، لم يصل إليهم أحد في هذه المدة الطويلة لأمر يريده الله.

فهذه الأمور وما أشبهها دليل على كمال قدرة الله وحكمته، مع أن يوسف صلّى الله عليه وسلّم بقي مدةً الله أعلم بها وهو في بيت العزيز، ثم مدة وهو في السجن، ثم ترقى إلى تدبير المُلك، ولم يخطر ببال أحد أن ينتقل من الرق والسجن إلى الملك العظيم.

ثم أنه وقت توليه يغلب على الظن أنه اشتهر عند الناس باسم المنصب والوزير للملك، ولا يكاد أحد يعرف اسمه كما هو الغالب على الملوك وأشباههم، ولهذا تردد إخوته عليه فعرفهم، وهم لا يعرفونه لما هو فيه من بهجة الولاية. وأيضاً قد فارقوه وهو صغير، ولم يروه إلا بعد ما كبر، ومعلوم أن أوصاف الإنسان تتغير إذا وصل إلى سن الكهولة، واللهُ أعلم.

هذا من جهة يعقوب وأولاده، أما من جهة يوسف فإنه قد علم وقصد التأخير ليبلغ الكتاب أجله، ولهذا تردد عليه إخوته وقد عرفهم ولم يعرِّفهم بنفسه ولم يستدع أبويه وأهله إلا في نهاية الأمر.

 الفصل العاشر

قوله تعالى عن يعقوب في أول ما صنع أبناؤه بأخيهم يوسف: {{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}} [يوسف: 18] ، وقوله: عندما اشتد به الأمر حين احتبس الابن الآخر: {{بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}} [يوسف: 83] ، في هذا دليل على أن أصفياء الله إذا نزلت بهم الكوارث والمصيبات قابلوها في أول الأمر بالصبر والاستعانة بالمولى، وعند ما ينتهي وتبلغ الشدة منتهاها يقابلونها بالصبر والطمع في الفرج والرجاء، فيوفقهم الله للقيام بعبوديته في الحالتين، ثم إذا كشف عنهم البلاء قابلوا ذلك بالشكر والثناء على الله وزيادة المعرفة بلطفه، لقول يوسف: {{ياأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}} [يوسف: 100] .

ومنها: قوله تعالى: {{مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ}} [يوسف: 79] ، يدل على أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ويؤخذ منه مسألة([48])دقيقة وهو أن الإحسان إنما يكون إحساناً إذا لم يتضمن فعل محرم أو ترك واجب، فإنهم طلبوا من يوسف أن يحسن إليهم بترك هذا الأخ أن يذهب إلى أبيه ويأخذ أحدهم بدله فامتنع، وقال: {{مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ}} [يوسف: 79] ، فالإحسان إذا تضمن ترك العدل كان ظلماً، ولهذا كان تخصيص بعض الأولاد على بعض وبعض الزوجات على بعض وإن كان إحساناً إلى المخصص والمفضل لا يجوز لأنه تركٌ للعدل، وكذلك ما أشبه ذلك، والله أعلم.

ومنها: أن آيات الله إنّما ينتفع بها السائل المستهدي الذي قصده معرفة الحق واتباعه، لقوله: {{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} [يوسف: 7] ، أما الغافلون المعرضون أو المعارضون المعاندون فإنه يصدق عليهم قوله تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَوَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ}} [يونس: 96، 97] .

فالنظر في آيات الله المتلوة وآيات الله الكونية تنفع من قصده الحق كما قال تعالى: {{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ}} [المائدة: 16] ، وكم في القرآن تقييد الانتفاع بهذا القيد كقوله: {{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}} [الحجر: 77] {{آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ}} [الذاريات: 20] ، {{لآَيَاتٍ لأُِولِي


الأَلْبَابِ}} [آل عمران: 190] {{لأُِولِي الأَبْصَارِ}} [آل عمران: 13]

ومنها: إن المشاورة نافعة في كل شيء حتى في تخفيف الشر، لهذا تشاور إخوة يوسف ما يعملون به من قتل أو طرح في الأرض قَرَّ رأيهم على رأي من أشار عليهم بإلقائه في الجب ليلتقطه بعض السيارة([49])، ففيه شاهد للقاعدة المشهورة ارتكاب أخف المفسدتين أولى من أغلظهما.

ولما قر القرار على أخذ من وجد الصواع في رحله، وعالجوا يوسف على أخذ بدله لأجل ما يعلمون من مشقة أبيهم فأمتنع، خلصوا نجياً يتشاورون، فقرَّ رأيهم على رأي كبيرهم أن يبقى هو في مصر يلاحظ مسألة أخيه، وهم يذهبون ويخبرون أهلهم ويخبرون أباهم بالقضية وتفصيلها، ولا شك أن بقاءه في مصر أهون على يعقوب وأرجى لتحصيل المطلوب، وفيه نوع مواساة منه بأخويه يوسف وبنيامين، ولهذا قال: {{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}} [يوسف: 83] .

 الفصل الحادي عشر

إنما لم يصدق يعقوب بنيه حين قالوا: أكله الذئب، وعملوا تلك القرائن المبررة لقولهم، لأن المعلوم لا يعارضه الشك والوهم، فإنه قد علم برؤيا يوسف وربما بغيرها ما يؤول إليه حال يوسف من تمام النعمة التي تشمله وتشمل آل يعقوب.

وفيها : أيضاً أنه لا ينبغي أن يغتر بمجرد صورة القرائن، ولما أتت إلى شريح امرأة مع خصمها أرسلت عينيها بالبكاء، قال لشريح بعض الحاضرين: ما أظن البائسة إلا مظلومة، فقال شريح: ألم تسمع قصة إخوة يوسف إذ أتوا أباهم عشاء يبكون، هل كانوا مظلومين؟! أو ظالمين؟ فكم حصل بمثل هذه التمويهات من الاغترار وقلب الحقائق. لهذا كان الأذكياء يجعلون كل احتمال على بالهم وينظرون إلى الأمور من جميع جهاتها ونواحيها.

وتدل القصة على أن الولايات الكبار والصغار لا بد لمتوليها أن يكون كفواً في قوته وأمانته وعلمه بأمور الولاية، لأن الملك لما كلم يوسف ورأى من علمه وخبرته بالأمور وحسن نظره استخلصه لنفسه، وقال: {{إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}} [يوسف: 54] ، وقال يوسف: {{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}} [يوسف: 55] ، فعلل ذلك بكمال حفظه لما تحت يده وتصرفه، وكمال علمه بوجوه المستخرج والمنصرف وحسن التدبير، وليس في هذا طلب الولاية ابتداء كما قاله كثير من أهل العلم، بل أنه لما رأى الملك([50])استخلصه ومكنه من الأمور، وإن الأمور كلها تحت طوعه وتدبيره، طلب من الملك تولي خزائن الأرض فقط لأنها أهم، ولأنه يعلم أن ولايته لها أنفع للملك وللخلق، وهذا من كمال نصحه وصدق نظره.

 الفصل الثاني عشر

لما قص الله تعالى علينا هذه القصة العجيبة بتفاصيلها قال في آخرها: {{مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}} [يوسف: 111] فنفى عن هذا القرآن الكذب والخطأ من جميع الوجوه، ووصفه بثلاث صفات ؛ كل واحدة منها فيها أكبر برهان على أنه من عند الله، وأنه الحق الذي لا ريب فيه.

الصفة الأولى: أنه تصديق الذي بين يديه، أي: من الكتب المنزلة من السماء، ومن كلام الرسل المعصومين الذين أوحى الله إليهم، كما قال تعالى: {{بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ}} [الصافات: 37] .

فهذا القرآن الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم جاء بالحق؛ وهو الصدق في إخباره عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر وعن جميع الغيوب السابقة واللاحقة، والعدل في إحكامه فلا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن الشر، كما قال تعالى: {وتمّت كلمات([51])ربك صدقاً وعدلاً} [الأنعام: 115] ، صدقاً في أخبارها، عدلاً في أحكامها وأوامرها ونواهيها.

وأيضاً فإن هذا القرآن صدَّق جميع ما جاءت به الرسل

  وهيمن عليها، واتفق منها على الأصول العظيمة والشرائع الكبار العامة الشاملة، وأيضاً فإن الرسل أخبروا وبشروا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وبما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم، فصدق مخبرها وحقت بشارتها.

الصفة الثانية: أنه تفصيل لكل شيء؛ وهذا شامل لجميع ما يحتاجه الخلق في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة، وفي دينهم ودنياهم، فقد شرح الله به وفصل التوحيد والرسالة والجزاء، وجميع العقائد الصادقة الصحيحة شرحاً وتفصيلاً عظيماً لا يساويه في ذلك أي كتاب كان، وفصل فيه الحث على حقائق الإيمان وعلى التخلق بالأخلاق الجميلة والتنزه من الأخلاق الرذيلة، وبيَّن الطرق والأسباب التي يحصل حسنها والتي يدفع به سيئها، كما فصل الشرائع الظاهرة والأعمال الصالحة والحلال والحرام والخير والشر، وفصل فيه جميع المقاصد والغايات النافعة الدينية والدنيوية، وفصل ما يتوصل به إليها، وفصل فيه البراهين العقلية كما فصل فيه البراهين السمعية.

الصفة الثالثة: أنه {{هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}} [يوسف: 111] ، {{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ}} [المائدة: 16] ، {{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}} [الإسراء: 9] ، أي: لكل حالة قويمة وطريقة مستقيمة، يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي لمصالح الدين كلها ومنافع الدنيا التي بها يقوم الدين وتتم السعادة.

والفرق بين الهدى والرحمة: أن الهدى هو الوسائل والطرق الموصلة إلى خيرات الدنيا والآخرة، والرحمة هي نفس الخيرات والثواب العاجل والآجل، فسعادة الدنيا والآخرة متوقفة على اتباع هذا القرآن علماً وعملاً، وخص الله المؤمنين بالهدى والرحمة لأنهم هم المنتفعون على الحقيقة، وبإيمانهم اهتدوا وزادهم الله هدى ورحمة.

فهذا القرآن بصائر للناس كلهم بصَّرهم جميع ما يحتاجون إليه؛ فلم يبق خير إلا دلهم عليه ولا شر إلا حذرهم منه، فقامت به الحجة على كل أحد، ولكنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون.

اللهم تفضل علينا بالإيمان الصادق، واجعل هذا القرآن لنا هدى ورحمة، إنك أنت القريب المجيب، وصلَّى الله على محمد وسلَّم.

قال ذلك وكتبه العبد الفقير إلى الله عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين آمين.

وافق الفراغ منه في صفر سنة 1375هـ.

وقع الفراغ منه يوم 20/8/1423هـ بيد كاتبه الفقير إلى عفو ربّه ومغفرته ورحمته، محمد بن سليمان بن عبد العزيز آل بسام، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ومحبيه وجميع المسلمين.

تم تصحيحه والمقابلة بيد كاتبه محمد بن سليمان آل بسام

 وابنه منصور 19/1/1425هـ



_[1] هو نبي الله يوسف، ابن نبي الله يعقوب، ابن نبي الله إسحاق، ابن نبي الله وخليله إبراهيم عليهم السلام.

[2] _ الصواب: منحة، ويدل على ذلك أمران: أحدهما: التقسيم، والثاني: عطف المِنّة عليه.

[3] _ أي يسلو عنها ويترك ذكرها.

[4] _ الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، صحيح الجامع الصغير.

[5] _ قلت : لم يذكر الله أن يعقوب فسر رؤيا يوسف، ولو كان فسرها لأشار إلى ذلك ولو إشارة لطيفة، وإنما ذكر أنه حذر يوسف من أن يقصها على إخوته، وأيضاً لو كان فسرها لعلم أن ما حصل على يوسف من الفراق والشدة سيكون لا مَحَالَةَ، ولأيقن بذلك أتم اليقين، ولم يستسلم للحزن العظيم حتى ابيضت عيناه، ولكنه فهم من الرؤيا إنه سيكون ليوسف فضيلة يفوق بها على إخوته، فلهذا حذره أن يقصها عليهم.

[6] _ إلى هنا غير معقول حيث أن التفسير حين رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت فلم يجعلها أضغاث أحلام. التفسير (2/806) ابن الجوزي.

[7]_ ذكرنا فيما سبق أن التعبير من يعقوب لم يذكره الله، وأما الاطمئنان الذي حصل له فهو بإلهام الله حيث يقول: {{وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}}، فحصل له بذلك الإلهام الطمأنينة التامة وزوال الخوف والفزع حيث ألقوه في الجب، ولولا عناية الله له في تلك الحال لزال عقله.

[8] _{{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأَُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤيَا تَعْبُرُونَ}} [يوسف: 43]

[9] _ لعله: أهمَّ.

[10] _ دأباً بتسكين الهمزة، والمعنى: متوالية متتابعة. ج:15 ص203. الجامع لأحكام القرآن.

_[11] يدل الكلام على سعة علم شيخنا.

[12] _{{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي* فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}} [يوسف: 54].

[13] _{{وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلأََجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}} [يوسف: 56، 57].

[14] _ لعل الواو زائدة حيث لم يأت خبر إن لأنه خبر، فالجملة التي بعد الواو هي خبر.

[15] _ قلت: صريح القرآن إنهم لم يطلبوا الاستغفار إلا من أبيهم.

[16] _ الصواب الأحد عشر.

_[17] قاله قتادة وغيره، تفسير ابن كثير (1/200).

[18] _ قلت: وهنا داعٍ أقوى من هذا، وهو صرف الله له عن الوقوع في المعصية لقوله تعالى: {{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ}} [يوسف: 24].

[19]_ أخرجه البخاري 660، وأحمد (2/439)، ومسلم (1031) من حديث أبي هريرة.

[20] _ أي: بكسر اللام.

_[21] بأن يذكروا الدار الآخرة ويتأهبوا لها. انظر: الجامع لأحكام القرآن: ج15 ص218.

[22] _ لعله وقت هروبه منها حين استبقا الباب كما هو صريح الآية.

[23]_ البخاري (6491)، ومسلم (131) من حديث ابن عباس مرفوعاً.

[24]_ {{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}} [الرعد: 28].

[25] _ كما في الحديث: «وخالق الناس بخُلُق حسن»، أخرجه أحمد (5/153).

[26] _ حذف النون في اللفظتين للإضافة.

[27] _ حذف النون في اللفظتين للإضافة.

[28]_ حذف النون في اللفظتين للإضافة.

[29] _«استعيذوا بالله من العين فإن العين حق»، أخرجه ابن ماجه (3508).

[30] _ أخرجه مسلم (2664).

[31] _ يظهر أنه قبل رحيلهم.

[32] _ استفتاؤه قبل وجود الصواع في رحله.

[33] _ لحديث ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا غلام...» إلخ. أخرجه أحمد (1/307 ـ 308).

[34] _ من حديث أبي سعيد: أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء...» إلخ. أخرجه ابن ماجه (2024).

[35] _ لعله: عن.

[36] _ قلت: ليس بوعد في المستقبل وإنما هو جزم في الحال حيث قيده في اليوم.

[37] _ لعله: وقد أبدوا.

[38] _ قلت: ولكنه في أول الأمر أضاف الفعل إليهم لقوله: {{هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ}...} [يوسف: 89] إلخ. والفرق بين الحالين أنه في حال التقرير أسنده إليهم ليتقرر في نفوسهم إساءتهم إليه وليعرفوا فضله. وفي النهاية أظهر لهم كرمه وتمام مروءته صلّى الله عليه وسلّم وعلى سائر الأنبياء.

[39] _ صواب الآية: {{نُوْحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}}. سورة يوسف: الآية 102.

[40] _ ومن أراد المزيد فليراجع: الفتن والملاحم لابن كثير.

[41] _ انظر: مدارج السالكين (1/242).

_[42] أخرجه مسلم (770).

[43] _ لعله سقط: لأنهم.

[44] _ لعله «فيه» في الموضعين، لأن الضمير عائد على العمل وهو مُذكرّ لا مؤنث.

[45] _ لعله «فيه» في الموضعين، لأن الضمير عائد على العمل وهو مُذكرّ لا مؤنث.

[46] _ الصواب: ردّت إليهم.

[47] _{{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}} [يوسف: 65].

[48]_ قلت: في كلام المؤلف هنا نظر، فإن المسألة أصلها خدعة لم يحصل فيها سرقة ولا شيء يوجب الأخذ، وإنما القصد أخذ شقيقه وقد مَهَّدَ له =الأمر قبل ذلك بقوله: {{إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}} [يوسف: 69]، ولو وافقهم على أن يأخذ بدله واحداً منهم لفات مقصوده.

[49] _ أقول: ليس فيه شاهد للقاعدة كما ذكر، فإن الأمر لم يتحتم عليهم شرعاً أو أمراً ظلماً، حتى ينظروا أخف الأمرين فيفعلوه، وإنما هو حث من الشيطان، ساعد عليه ما ألقى في نفوسهم من أمر السوء وعدم الرحمة.

[50]_ قد ظهر من العبارة أن الفاعل هو يوسف، فلا حاجة إلى الاستظهار المذكور، والله أعلم.

[51] _ القراءة المشهورة: كلمة، بالإفراد.

رأيك يهمنا