إرشادات وفتاوى وفوائد ومسائل يحتاج إليها الصائم

نبذة مختصرة

إرشادات وفتاوى وفوائد ومسائل يحتاج إليها الصائم : قال المؤلف - رحمه الله -: « فقد طلب مني من تعينت إجابته إعداد رسالة تتضمن أحكام صيام المجاهدين والمرابطين وغيرهم من المسلمين الصائمين فاستعنت بالله وأجبته إلى ذلك.
وأعددت هذه الرسالة المتضمنة إرشادات للصائم في أحكام الصيام وصلاة التراويح. وما يخص العشر الأواخر من التهجد والاعتكاف وليلة القدر، وأحكام زكاة الفطر.
كما تضمنت جملة فتاوى من فتاوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصوم.
كما اشتملت هذه الرسالة على حكم صيام المجاهدين والمسافرين للجهاد وغيره ».

تنزيــل

تفاصيل

 إرشادات وفتاوى وفوائد ومسائل يحتاج إليها الصائم

تأليف الفقير إلى الله تعالى

عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله

غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين


بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله الذي فضل شهر رمضان على سائر الشهور وجعل صيامه أحد أركان الإسلام ومكفراً للذنوب والآثام وسن لنا قيامه وقيام ليلة القدر ووعد من صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا بمغفرة ما مضى من ذنوبه. وأنزل فيه القرآن الكريم هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. وخصه بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك.

أما بعد: فقد طلب مني من تعينت إجابته إعداد رسالة تتضمن أحكام صيام المجاهدين والمرابطين وغيرهم من المسلمين الصائمين فاستعنت بالله وأجبته إلى ذلك.

وأعددت هذه الرسالة المتضمنة إرشادات للصائم في أحكام الصيام وصلاة التراويح. وما يخص العشر الأواخر من التهجد والاعتكاف وليلة القدر، وأحكام زكاة الفطر.

كما تضمنت جملة فتاوى من فتاوى رسول الله ﷺ‬ في الصوم.

كما تضمنت فتاوى من فتاوى كل من: شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمهما الله تعالى وبيان أمور قد تخفى على بعض الناس لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وفوائد تتعلق بالصيام للشيخ محمد الصالح العثيمين. وبيان مسائل يحتاج إليها الصائم للدكتور الشيخ صالح الفوزان وذكر شيء من جهاد رسول الله ﷺ‬ في غزواته بدر وأحد والخندق والفتح حيث انتصر فيها على أعدائه وهذا يدلنا أن شهر رمضان المبارك شهر جهاد وتضحية وعمل لا شهر خمول ونوم وكسل.

كما اشتملت هذه الرسالة على حكم صيام المجاهدين والمسافرين للجهاد وغيره. وهي مستفادة من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ‬ وكلام المحققين من أهل العلم أسأل الله تعالى أن ينفع بها من كتبها أو طبعها أو قرأها.

كما أسأله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن ينصر المجاهدين في سبيله وأن ينصر دينه ويعلي كلمته وينصر أنصاره ويخذل أعداءه.

وأسأله تعالى أن يجعلنا وسائر إخواننا المسلمين ممن صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

(ملاحظة مهمة):

ولا يفوتني أن أذكر القارئ الكريم بفائدة الصيام الكبرى وهي حصول التقوى }لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{ وهي طاعة الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه بفعل الواجبات والمستحبات وفي مقدمتها المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة. وترك المحرمات والمكروهات ومنها ترك التدخين الضار بالدين والبدن والصحة والمجتمع والمال ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. وأن يجاهد المسلم نفسه بطاعة الله فإن المجاهد من جاهد نفسه بطاعة الله }وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا{ [سورة الأحزاب آية 71]. فهنيئًا له بذلك وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 إرشادات للصائم

أولا: في الصيام:

1- النِّية عند إرادة الصوم المفروض أو المنذور ركن لابد منه، وهي فرض في جميع العبادات، وهي التي تفرق العادة من العبادة ومحلها القلب. والمراد بها: أن يستحضر الصائم إرادة الصيام ويعزم عليه في قلبه. ولا عبرة بنطق اللسان، ويعبر عن ذلك السحور والإعداد له، والأحوط أن تكون النية ليلاً، وأن يبيتها ويجددها كل ليلة من رمضان ما لم ينو الفطر لعذر من الأعذار.

2- إذا رأيت هلال أي شهر فقل: «الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله»([1]).

3- على المسلم أن يحرص على صيام رمضان صومًا مقبولاً، فرمضان إلى رمضان يكفر الله ما بينهما من صغائر الذنوب.

قال ﷺ‬ «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»([2]).

4- أكثر من الدعاء عند الإفطار فإنه مظنة الإجابة، وقل عند فطرك: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي»([3]).

وقل أيضا: «ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى»([4]).

5- يحذر الصائم من حشو ألوان الطعام على مائدة الإفطار، فالصيام اقتصاد وعبادة وتأديب وتهذيب، لا إسراف وتبذير، وإشباع رغبات وشهوات، وتنافس في المأكولات والمشروبات.

6- حسب الصائم أن يأكل ما يسد جوعه، ويشرب ما يروي ظمأه، وأن يقلل من الطعام والشراب بقدر الإمكان، حتى لا يعوض ما فاته بالنهار فيثقل معدته، ويشغله الأكل والشرب عن عبادة ربه ولاسيما صلاة التراويح، فما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه.

7- لا تصم عن الحلال ثم تفطر على الحرام أو المكروه، أو ما فيه شبهة، سواء أكان ذلك في مصدر الطعام أو الشراب، أم في نفس الطعام أو الشراب، أم كان تعاطيا كالدخان، أو الحبوب المخدرة أو غير ذلك.

8- شهر رمضان صيام بالنهار وقيام بالليل، فلا تضيع النهار في النوم الكثير ولا تضيع الليل بالسهر الطويل، وحاول أن تشعر بألم الجوع، وتتذوق حلاوة الإيمان والطاعة بقيام الليل وتلاوة القرآن.

9- حاول أن تستفيد من ترك التدخين نهار شهر كامل، بأن تخرج من الصيام قوي الإيمان والعزم والإرادة وَتُطَلِّق التدخين بغير رجعة دفعة واحدة، فمن تركه في النهار يتركه في الليل، ومن تعود ذلك أمكنه أن يتغلب عليه في كل حال، متى صدقت النية وقويت العزيمة.

10- استفد -أخي المسلم- من المحافظة على صلاة الجماعة في شهر رمضان فواظب عليها بعد ذلك، ولا تنتكس إلى الخلف فتترك صلاة الجماعة بعد شهر الصيام، وإذا واظبت عليها وخصوصا صلاة الفجر، فستجد لها حلاوة يتذوقها أهل الإيمان الصحيح، نسأل الله تعالى أن يجعلني وإياك وسائر المسلمين منهم.

11- حاول أن تؤدي عملك في شهر رمضان على أكمل وجه فالصيام جدٌ وحركةٌ ونشاط، لا كسل وخمول وبطالة.

12- الصيام يُعَلِّم الحلم والصبر والصدق، فلا تغضب على أحد ولا تجزع من أحد، ولا تخلف وعداً، ولا تؤخر عملا بسبب الصيام، وإن سابَّك أحد أو شاتمك فقل: «إني صائم».

واحفظ جوارحك عن المعاصي والآثام.

13- لعب الورق واللغو والباطل، وقضاء الليل أمام برامج التليفزيون أو الفيديو غير الأخلاقية لا يتناسب مع المسلم دائما لاسيما مع الصيام، وفيه قدوة سيئة للأبناء، وإدمان على المنكرات واستحسانها، وقربٌ من الشيطان وبعدٌ عن الرحمن.

ثانيا: صلاة التراويح:

1- قيام شهر رمضان، والمراد به صلاة التراويح، يسبب غفران الذنوب المتقدمة، عن أبي هريرة t أن رسول الله ﷺ‬ قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»([5]) فاحرص عليها أخي المسلم.

وليس في صلاة التراويح عدد معين، والأمر فيها على التوسعة، فمن أحب أن يصلي عشرين ركعة، أو عشر، أو ثمان، بخلاف الوتر، فكل ذلك جائز، والأفضل ما كان يفعله النبي ﷺ‬ غالبا، وهو أن يقوم بثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، ويوتر بثلاث مع الخشوع والطمأنينة، وترتيل القراءة وطولها.

2- إذا كان لديك عذر مانع من المواظبة مع الإمام على صلاة التراويح في بعض الليالي أو جزء من ليلة (بصلاة بعضها مع الإمام) فلك أجر ما صليته مع الجماعة، ولا يمنع هذا من أن تصلي ما فاتك منفردا في أي جزء من الليل، ولكن حاول ألا تنصرف قبل الإمام إلا لعذر كي يكتب لك أجر قيام الليل كله.

3- في نهاية التراويح يستحب أن يقول المصلي: «سبحان الملك القدوس ثلاثًا، يرفع صوته بالثالثة»، ثم يقول: «رب الملائكة والروح».

4- يجوز لك أخي المسلم أن تصلي العشاء خلف إمام يصلي التراويح على الراجح، فلك أجر الجماعة، ولا عبرة باختلاف النية بين الإمام والمأموم.

5- والقنوت جائز في صلاة الوتر في جميع السنة (رمضان وغيره) ويجوز القنوت قبل الركوع وبعده، ولا يلزم المواظبة عليه، مع أن بعض الفقهاء يرى أنه في النصف الأخير من رمضان لا في الشهر كله.

6- وإذا أوتر الإنسان مع الإمام ثم عنَّ له أن يصلي تطوعا قبل النوم أو بعده، دون أن يوتر مرة أخرى فلا مانع من ذلك لما ثبت أن النبي ﷺ‬ صلى بعد وتره([6]) ركعتين وقد صرف هذا الحديث وغيره الأمر الوارد في الحديث الصحيح «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا»([7]).

ثالثا: العشر الأواخر:

تمتاز العشر الأواخر من رمضان بأن فيها ليلة القدر – على الراجح – وفيها مشروعية الاعتكاف في المسجد، وإحياء هذه الليالي على وجه الخصوص بقيام الليل «التهجد» ومزيد من القنوت، وكثرة قراءة القرآن والصدقة.

أ- صلاة التهجد:

كان النبي ﷺ‬ يخص هذه العشر بمزيد من الطاعة، فيشمر فيها عن ساعد الجد، يحيي الليل ويوقظ أهله، وكل كبير وصغير مميز، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فينبغي أن نروض أنفسنا وأبناءنا وبناتنا وزوجاتنا على الصلاة في الثلث الأخير من الليل، وأن نبدأ بعشر رمضان من هذا العام بحول الله، ثم اعتياد ذلك في بعض ليالي العام كله، فصلاة الليل هي أفضل صلاة بعد الفريضة، قال تعالى: }وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا{([8]) وهو دأب عباد الرحمن: }وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا{([9]).

ولك أن تدع الله بكل ما فيه خير، مما يستحب من الأدعية المأثورة في الركوع والسجود الطويلين أثناء صلاة التهجد وغيرها، وسأضع بين يدك بعض الأدعية الواردة في ذلك عن رسول الله ﷺ‬.

من أدعية الركوع الطويل: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ‬ كان إذا ركع يقول: «اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي، وعظمي وعصبي» ومن ذلك سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة([10]).

ومن أدعية السجود الطويل ما ثبت في صحيح مسلم عن علي أن رسول الله ﷺ‬ كان إذا سجد قال: «اللهم لك سجدت وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». ومن أدعية السجود الطويل أيضا ما رواه مسلم: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ومنه في صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله (قليله وكثيره) وأوله وآخره، وعلانيته وسره».

ومما يقال في الركوع والسجود معاً، ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ‬ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح».

وفي سجود التلاوة: يستحب أن تقول بالإضافة إلى ما سبق: «اللهم اجعلها لي عندك ذخراً، وأعظم بها أجراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من داود عليه السلام» كما يستحب أن تقول أيضا «سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا»([11]). وإن قال فيه «سبحان ربي الأعلى» ثلاثاً أجزأه، والدعاء السابق ليس بشرط فيه.

ب- الاعتكاف:

والاعتكاف وهو المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى سنة مستحبة في كل وقت ويتأكد ذلك في العشر الأواخر من رمضان، ومن نوى اعتكاف هذه العشر فليدخل معتكفه قبل غروب الشمس «ليلة العشرين» ويبقى في المسجد لا يخرج منه إلا لحاجة لابد منها، ولا يقرب النساء، ويكثر من النوافل، وتلاوة القرآن، وأنواع الذكر «التسبيح والتحميد...».

ولا يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل، وله أن يأكل ويشرب وينام في المسجد، ثم يخرج من المسجد بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، ويستحب له أن يبقى في المسجد حتى يخرج لصلاة العيد.

ج- ليلة القدر:

يستحب تحري ليلة القدر، في الوتر من العشر الأواخر من رمضان، ولاسيما ليلة السابع والعشرون منه ويجتهد فيها المسلم بمزيد من الطاعات والقربات، وقيام الليل، فإن ذلك يكون سببا لغفران الذنوب، قال ﷺ‬ «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»([12]). وليكثر من هذا الدعاء «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» وإحياء هذه الليلة بالعبادة – إن صادفها المسلم – يضيف إلى رصيده من الحسنات ما يعادل عمراً آخر «ألف شهر» أي ما يربو على ثمانين عاماً.

د- العمرة:

ومن أنواع الطاعات في شهر رمضان أداء العمرة، فإن ثواب أدائها في رمضان يعدل ثواب حجة غير مفروضة، ولا تسقط هذه العمرة الحج المفروض، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ‬ قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة»([13]).

الزكاة:

زكاة المال والتجارة والأنعام، تؤدي حين يحول عليها الحول، وزكاة الزروع والثمار تؤدي وقت حصادها. ومثلهما في عدم اشتراط مُضي الحول المعدن والركاز، ولا علاقة لإخراج هذه الزكاة التي هي أحد أركان الإسلام بشهر رمضان إلا أن يوافقه الحول، أو يريد المسلم أن يعجل إخراج الزكاة فيه طلبا لزيادة الأجر، وإنَّما يجب إخراج الزكاة متى حال عليها الحول في أي وقت من العام.

أما صدقة التطوع فمجالها واسع، وبابها مفتوح في كل وقت ولاسيما في شهر رمضان، ولا بد لك أخي المسلم أن تطهر مالك من الربا أولاً قبل التفكير في إخراج الزكاة فإن الله تعالى طيّبٌ لا يقبل إلا طيباً، فلا تتعامل مع البنوك الربوية، وإن وضعت مالك في البنك ولم تأخذ الفائدة فإنك تزيد من السيولة الربوية، وتتعاون معها وتقويها، وتفيدها، بمجرد إيداعك للمال عندهم، والأمر أخطر إذا كنت تساهم في تأسيس بنك ربوي، حتى ولو مجرد شراء للأسهم ثم بيعها بغية الربح، وفي الحلال ما يغني عن الحرام، كما أنه لا بدّ من تطهير المال من الحرام بشتى أنواعه بأن لا يؤول إلى المسلم ريال واحد عن طريق غير مشروع، كالرشوة أو الظلم أو الهدية بسبب المركز الوظيفي، أو التحايل على الكسب غير المشروع.

زكاة الفطر:

أما زكاة الفطر فهي الخاصة بشهر رمضان، وهي واجبة على الصغير والكبير، من صام ومن لم يصم من المسلمين، كما يجب إخراجها عمن يعولهم الإنسان من المسلمين كالسائق والخادمة، فضلا عن والديه وذريته وزوجته، ويسن إخراجها عن الجنين في بطن أمه، والأفضل أن يُمَلَّك الفقير الزكاة ويعطي عن كل فرد «صاع» من البر والأرز، وهو يساوي 2.5 كيلو. وتجب على من ملك قوت يوم العيد وليلته، فالفقير الذي يملك قوت يومه وليلته يأخذ الزكاة من غيره ويدفعها عن نفسه وعمن يعول([14]).


 فتاوى

من فتاوى النبي ﷺ‬ في الصوم.

* سأله ﷺ‬ رجل فقال: يا رسول الله: أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم فقال: «أطعمك الله وسقاك» ذكره أبو داود وعند الدارقطني فيه بإسناد صحيح «أتَّم صومك فإن الله أطعمك وسقاك ولا قضاء عليك» وكان أول يوم من رمضان.

* وسئل ﷺ‬ عن الخيط الأبيض والخيط الأسود فقال: «هو بياض النهار وسواد الليل» ذكره النسائي.

* وسأله ﷺ‬ رجل فقال: تدركني الصلاة -أي: صلاة الفجر- وأنا جُنُب فأصوم فقال رسول الله ﷺ‬: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم» فقال لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» ذكره مسلم.

* وسئل ﷺ‬ عن الصوم في السفر فقال: «إن شئت صمت وإن شئت أفطرت» ذكره مسلم.

* وسأله ﷺ‬ حمزة بن عمرو فقال: إني أجد في قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح فقال: «هي رخصة الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» ذكره مسلم.

* وسئل ﷺ‬ عن تقطيع قضاء رمضان فقال: «ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين قضى الدرهم والدرهمين ألم يكن ذلك قضاء؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر» ذكره الدارقطني وإسناده حسن.

* وسألته ﷺ‬ امرأة فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها فقال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت نعم قال: فصومي عن أمك»([15]) متفق عليه.

من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية:

* سئل رحمه الله عن المضمضة والاستنشاق والسواك وذوق الطعام والقيء وخروج الدم والادهان والاكتحال للصائم.

فأجاب: أما المضمضة والاستنشاق فمشروعان للصائم باتفاق العلماء وكان النبي ﷺ‬ والصحابة يتمضمضون ويستنشقون مع الصوم ولكن قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وصححه ابن خزيمة. فنهاه عن المبالغة لا عن الاستنشاق.

وأما السواك: فجائز بلا نزاع لكن اختلفوا في كراهيته بعد الزوال على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد ولم يقم على كراهيته دليل شرعي يصلح أن يخص عمومات نصوص السواك.

وذوق الطعام: يكره لغير حاجة لكن لا يفطره، وأما للحاجة فهو كالمضمضة.

وأما القيء فإذا استقاء أفطر وإن غلبه القيء لم يفطر. والادهان لا يفطر بلا ريب.

وأما خروج الدم الذي لا يمكن الاحتراز منه كدم المستحاضة والجروح والذي يرعف ونحوه فلا يفطر، وخروج دم الحيض والنفاس يفطر باتفاق العلماء.

وأما الكحل الذي يصل إلى الدماغ فمذهب أحمد: أنه يفطر كالطيب. ومذهب مالك: نحو ذلك. وأما أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله: فلا يريان الفطر بذلك([16]) والله أعلم.

وقال في الاختيارات: ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة وهو قول بعض أهل العلم([17]) والله أعلم.

من فتاوى الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي:

* سئل من مات قبل أن يصوم الواجب عليه ما حكمه؟

فأجاب: إذا مات قبل أن يصوم الواجب عليه كمن مات وعليه قضاء رمضان وقد عوفي ولم يصمه فإنه يجب أن يطعم عنه كل يوم مسكين بعدد ما عليه، وعند الشيخ تقي الدين «ابن تيمية» أن صيم عنه أيضاً أجزأ وهو قوي المأخذ.

الحال الثاني: أن يموت قبل أن يتمكن من أداء ما عليه مثل أن يمرض في رمضان ويموت في أثنائه وقد أفطر لذلك المرض أو يستمر به المرض حتى يموت ولو بعد مدة طويلة فهذا لا يكفر عنه لعدم تفريطه ولأنه لم يترك ذلك إلا لعذر([18]).

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ‬ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه.

والحديث دليل على مشروعية صيام الحي عن الميت وأنه إذا مات وعليه صوم واجب أجزأ عنه صيام وليه.

قال النووي: اختلف العلماء في من مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضي عنه؟

وللشافعي في المسألة قولان مشهوران أشهرهما لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلاً والثاني يستحب لوليه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إطعام وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة. انتهى والله أعلم([19]).


 أمور قد تخفى على بعض الناس([20])

وهناك أمور قد تخفى على بعض الناس:

1- منها أن الواجب على المسلم أن يصوم إيماناً واحتساباً لا رياء ولا سمعة ولا تقليداً للناس أو متابعة لأهله أو أهل بلده بل الواجب عليه أن يكون الحامل له على الصوم إيمانه بأن الله قد فرض عليه ذلك واحتسابه الأجر عند ربه في ذلك.

2- وهكذا قيام رمضان يجب أن يفعله المسلم إيماناً واحتساباً لا لسبب آخر ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»([21]).

3- ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس ما قد يعرض

للصائم من جرح أو رعاف أو قيء أو ذهاب الماء أو البنزين إلى حلقه بغير اختياره فكل هذه الأمور لا تفسد الصوم ولكن من تعمد القيء فسد صومه لقول النبي ﷺ‬ «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء»([22]).

4- ومن ذلك ما قد يعرض للصائم من تأخير غسل الجنابة إلى طلوع الفجر وما يعرض لبعض النساء من تأخير غسل الحيض أو النفاس إلى طلوع الفجر إذا رأت الطهر قبل الفجر فإنه يلزمها الصوم ولا مانع من تأخيرها الغسل إلى ما بعد طلوع الفجر ولكن ليس لها تأخيره إلى طلوع الشمس بل يجب عليها أن تغتسل وتصلي الفجر قبل طلوع الشمس وهكذا الجنب ليس له تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الشمس بل يجب عليه أن يغتسل ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس ويجب على الرجل المبادرة بذلك حتى يدرك صلاة الفجر مع الجماعة.

5- ومن الأمور التي لا تفسد الصوم تحليل الدم وضرب الإبر غير التي يقصد بها التغذية لكن تأخير ذلك إلى الليل أولى وأحوط إذا تيسر ذلك لقول النبي ﷺ‬ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»([23]) وقوله عليه الصلاة والسلام «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»([24]).

6- ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس عدم الاطمئنان في الصلاة سواء كانت فريضة أو نافلة وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ‬ أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة والخشوع فيها وعدم العجلة حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، وكثير من الناس يصلي في رمضان صلاة التراويح صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها بل ينقرها نقراً وهذه الصلاة على هذا الوجه باطلة وصاحبها آثم غير مأجور.

7- ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطأ مخالف للأدلة.

وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ‬ على أن صلاة الليل موسع فيها فليس فيها حد محدود لا تجوز مخالفته بل ثبت عنه ﷺ‬ أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة([25]) وربما صلى ثلاث عشرة وربما صلى أقل من ذلك في رمضان وفي غيره، ولما سئل ﷺ‬ عن صلاة الليل قال: «مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر ما قد صلى» متفق على صحته.

ولم يحدد ركعات معينة لا في رمضان ولا في غيره ولهذا صلى الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر t في بعض الأحيان ثلاثاً وعشرين ركعة وفي بعضها إحدى عشرة ركعة كل ذلك ثبت عن عمر t وعن الصحابة في عهده([26]).


 فوائد

1- يجوز للصائم أن ينوي الصيام وهو جنب ثم يغتسل بعد طلوع الفجر.

2- يجب على المرأة إذا طهرت في رمضان من الحيض أو النفاس قبل الفجر أن تصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

3- يجوز للصائم قلع سنه ومداواة جرحه والتقطير في عينيه وأذنيه ولا يفطر بذلك ولو أحس بطعم القطور في حلقه.

4- يجوز للصائم أن يتسوك في أول النهار وآخره وهو سنة في حقه كالمفطرين.

5- يجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه شدة الحر والعطش كالتبرد بالماء والمكيف.

6- يجوز للصائم أن يبخ في فمه ما يخفف عنه ضيق التنفس الحاصل من الضغط أو غيره.

7- يجوز للصائم أن يبل بالماء شفتيه إذا يبستا وأن يتمضمض إذا نشف فمه من غير أن يتغرغر بالماء.

8- يسن للصائم تأخير السحور قبيل الفجر وتعجيل الفطور بعد غروب الشمس ويفطر على رطب فإن لم يجد فعلى تمر فإن لم يجد فعلى ماء فإن لم يجد فعلى أي طعام حلال فإن لم يجد نوى الفطر بقلبه حتى يجد.

9- يسن للصائم أن يكثر من الطاعات ويجتنب جميع المنهيات.

10- يجب على الصائم المحافظة على الواجبات والبعد عن المحرمات فيصلي الصلوات الخمس في أوقاتها ويؤديها مع الجماعة إن كان من أهل الجماعة ويترك الكذب والغيبة والغش والمعاملات الربوية وكل قول أو فعل محرم قال النبي ﷺ‬ «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». رواه البخاري.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الفقير إلى الله تعالى

محمد الصالح العثيمين

 المجاهدون هل يفطرون

س: هل الذين يحاربون العدو يحل لهم الإفطار في رمضان ويقضون بعده.

جـ -: إذا كان الذين يحاربون الكفار مسافرين سفراً تقصر فيه الصلاة، جاز لهم أن يفطروا وعليهم القضاء بعد رمضان. وإن كانوا غير مسافرين بأن هجم عليهم الكفار في بلادهم فمن استطاع منهم الصوم مع الجهاد وجب عليه الصوم، ومن لم يستطع الجمع بين الصيام والقيام بما وجب عليه عيناً من الجهاد، جاز له أن يفطر وعليه القضاء، صوم الأيام التي أفطرها بعد انتهاء رمضان.

اللجنة الدائمة للإفتاء

806 الدعوة


 بيان مسائل يحتاج إليها الصائم

الحمد لله رب العالمين، أمرنا باتباع رسوله ومعرفة الحق بدليله، والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله، نبينا محمد وآله وصحبه وكل من اتبعه إلى يوم الدين...

وبعد:

نواصل الكلام في بيان المسائل التي قد تشكل على بعض الصائمين ومنها:

المسألة الأولى:

إن بعض النساء تسأل عن حكم تناول حبوب منع الحيض لتتمكن من الصيام في رمضان والصلاة فيه.

والجواب: أنه إذا كانت هذه الحبوب لا تضرها في صحتها فلا بأس بتناولها للقصد المذكور، وإذا امتنع عنها الدم بسببها وصامت فصيامها صحيح إن شاء الله.

المسألة الثانية:

من احتلم في أثناء النهار وحصل منه إنزال فماذا عليه.

الجواب: صيامه صحيح لا يؤثر عليه احتلامه لأنه بغير اختياره ولا يجب عليه إلا الاغتسال من الجنابة.

المسألة الثالثة:

إذا نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فهل له أن يفطر في ذلك اليوم؟

الجواب: له الفطر على الصحيح ولا يلزمه إتمام ذلك اليوم في السفر، وقال الإمام العلامة ابن القيم: جاءت الآثار عن الصحابة في الفطر لمن أنشأ السفر في أثناء يوم وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي... انتهى.

وذلك لظاهر قوله تعالى: }فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ{، وقد ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ‬ وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ‬ أنه نوى الصوم في السفر ثم إنه دعا بماء فأفطر والناس ينظرون إليه. ولكن من نوى سفراً طارئاً في أثناء اليوم لا يجوز له الإفطار إلا إذا فارق بنيان بلده وخرج منه نهائياً، فحينئذ يباح له الإفطار كما ذكرنا. والأفضل له أن يتم ذلك اليوم خروجاً من خلاف من لم يبح له الفطر.

المسألة الرابعة:

من صام يوماً قضاءً فهل يجوز له قطعه؟

الجواب: يلزمه إتمام ذلك اليوم ولا يجوز له قطعه بلا عذر يبيح له الفطر، لأنه لما دخل فيه لزمه إتمامه، وكذلك كل واجب موسع إذا دخل فيه لزمه إتمامه قال المجد وغيره: لا نعلم في ذلك خلافاً.

المسألة الخامسة:

إذا صام الإنسان نفلاً فهل يجوز له قطعه؟

الجواب: إذا صام الإنسان نفلاً جاز له قطعه ولا يلزمه إتمامه لقول عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال ﷺ‬: أرنيه فلقد أصبحت صائماً فأكل» رواه مسلم وغيره، والحيس: تمر مخلوط بسمن وأقط، وزاد النسائي بسند جيد: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها، لكن الأفضل أن يتم صوم التطوع خروجاً من الخلاف.

المسألة السادسة:

إذا قطع صوم النفل فهل يلزمه قضاؤه؟

إذا صام نفلاً ثم أفسده بفعل شيء من مبطلات الصيام السابقة لم يلزمه قضاؤه لأن القضاء يتبع المقضي، وإذا لم يكن المقضي واجباً لم يكن القضاء واجباً، لكن يستحب له قضاؤه كما روى أحمد........ عن أم هانئ أن النبي ﷺ‬ قال لها: «إن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي» - والله أعلم([27]).

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.


 الصوم في السفر

س: «هل يشترط لترخص المسافر في سفره بالفطر في رمضان أن يكون سفره على الرجل أو على الدابة أو ليس هناك فرق بين الرجل وراكب الدابة وراكب السيارة أو الطائرة؟ وهل يشترط أن يكون في السفر تعب لا يستطيع الصائم تحمله؟ وهل الأحسن أن يصوم المسافر إذا استطاع أو الأحسن له الفطر»؟

الجواب يجوز للمسافر سفر قصر أن يفطر في سفره سواء كان ماشياً أو راكباً وسواء كان ركوبه بالسيارة أو الطائرة أو غيرهما وسواء تعب في سفره تعباً لا يتحمل معه الصوم أو لم يتعب، اعتراه جوع وعطش أو لم يصبه شيء من ذلك لأن الشرع أطلق الرخصة للمسافر سفر قصر في الفطر وقصر الصلاة ونحوهما من رخص السفر ولم يقيِّد ذلك بنوع من المركوب، ولا بخشية التعب أو الجوع أو العطش، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ‬ يسافرون معه في غزوة في شهر رمضان فمنهم من يصوم ومنهم من يفطر ولم يعب بعضهم على بعض، لكن يتأكد على المسافر الفطر في شهر رمضان إذا شق عليه الصوم لشدة حر أو وعورة مسلك أو بعد شقة وتتابع سير مثلاً، فعن أنس كنا مع رسول الله ﷺ‬ في سفر فصام بعض وأفطر بعض فتحزم المفطرون وعملوا وضعف الصائمون عن بعض العمل، فقال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» وقد يجب الفطر في السفر لأمر طارئ يوجب ذلك كما في حديث أبي سعيد الخدري t قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ‬ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله ﷺ‬: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم». فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: «إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا» وكانت عزيمة، فأفطرنا، ثم قال: رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ‬ بعد ذلك في السفر. رواه مسلم. وكما في حديث جابر بن عبد الله t.

اللجنة الدائمة مجلة الجندي المسلم


 جهاد رسول الله صلي الله عليه وسلم في رمضان([28])

شهد رمضان من عمر النبي ﷺ‬ أعظم المعارك وأروع الانتصارات، ولم يكن شهر الدعة والكسل، ولا شهر التفنن في المأكل والمشرب، وإنما كان شهر الجهاد والجود، وشهر قيام الليل ومدارسة القرآن.

وهذه نصوص من السيرة النبوية تصور لنا جهاد رسول الله ﷺ‬ في رمضان من كل عام.

فرض الصيام:

في السنة الثانية من الهجرة، وفي شهر شعبان على الأرجح، فرض الله عز وجل على المسلمين صيام شهر رمضان وكان ذلك قبل غزوة بدر([29]).

ورغم صيف المدينة المنورة القائظ، فقد أقبل المسلمون جميعاً، على أداء فريضة الصيام، في خشوع وحماس، فتتقوى بهذه الرياضة الروحية أواصر الأخوة بينهم، وينتصر المؤمنون متعاونين على هذا العدو الشرس، أعني الجوع والظمأ، فيصبحون أكثر استعداداً وأوثق تعاوناً لمجابهة أشد أعدائهم مراساً من بني البشر([30]).

غزوة بدر الكبرى:

عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، أنه كان يحيي ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وأنه كان ليصبح وعلى وجهه أثر السهر، ويقول: فرق الله في صبيحتها بين الحق والباطل، وأعز في صبيحتها الإسلام، وأنزل فيها القرآن، وأذل فيها أئمة الكفر([31]).

وقال الحسن بن علي بن أبي طالب: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان، لسبع عشرة من رمضان([32]).

الاستعداد لغزوة أحد:

بدأت غزوة أحد بعد انقضاء شهر رمضان المبارك بسبعة أيام إذ بدأت في اليوم السابع من شهر شوال في السنة الثالثة من الهجرة([33]). وشهد رمضان تعبئة المشركين في مكة، كما شهد استعداد المسلمين في المدينة لصد العدوان.

الاستعداد لغزوة الخندق:

وكانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة للهجرة، ولكن أسبابها والاستعداد لها كل ذلك جرى في شهر رمضان المبارك([34]).

فتح مكة:

وفي اليوم العاشر من رمضان سنة 8هـ، خرج رسول الله ﷺ‬ على رأس الجيش الإسلامي وصام الرسول، وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد، أفطر الرسول ﷺ‬، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين([35]).

وفي اليوم العشرين من شهر رمضان فتحت مكة، وارتفعت بفتحها رايات الإسلام، وذلت دولة الأصنام، وأمر رسول الله ﷺ‬ بتطهير الكعبة من الأوثان، ثم أمر بلالاً أن يؤذن، ورددت فجاج مكة وأوديتها ذلك الصوت الندي، وهو يعلن بكل إصرار كلمة التوحيد، ويدعو المسلمين إلى الفلاح والصلاة.

غزوة تبوك:

خرج رسول الله ﷺ‬ لغزوة تبوك في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة، وشهد رمضان بعض أحداث هذه الغزوة، ثم كانت عودته ﷺ‬ في رمضان من هذه السنة([36]).

وفي هذه السنة – أي التاسعة – قدم وفد الطائف من ثقيف إلى المدينة في شهر رمضان([37])، ولما اعتنقوا الإسلام بدؤوا يؤدون فرائض الإسلام، فأدوا الصلاة وصاموا رمضان مع المسلمين وكان رسول الله ﷺ‬ بكرمهم فيبعث لهم بفطورهم وسحورهم مع بلال.

انتشار الإسلام في اليمن:

وفي رمضان من السنة العاشرة للهجرة بعث رسول الله ﷺ‬ علي ابن أبي طالب في سرية من المسلمين إلى بلاد اليمن، وخاصة قبيلة همذان، وحمل علي معه كتاباً من الرسول ﷺ‬ إلى أهالي اليمن، وقد اعتنقت هذه القبيلة الإسلام في يوم واحد، وصلوا جميعاً خلف علي، وكتب علي كتاباً إلى الرسول ﷺ‬ يخبره بإسلام همدان، فسجد الرسول ﷺ‬ شكراً لله عز وجل وقال: «السلام على همدان» ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام.

وتوفي رسول الله ﷺ‬ بعد أن بلغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله به دينه، وتمت كلماته.

والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.



([1])  أخرجه الدارمي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ‬.

([2])  رواه مسلم عن أبي هريرة.

([3])  أخرجه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو.

([4])  أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ‬.

([5])  متفق عليه.

([6])  رواه مسلم، وروى نحوه أحمد عن أبي أمامة والترمذي عن أم سلمة.

([7])  متفق عليه.

([8])  الإسراء: 79.

([9])  الفرقان: 64.

([10]) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي عن عوف بن مالك بأسانيد صحيحة.

([11]) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي عن عوف بن مالك بأسانيد صحيحة.

([12]) متفق عليه من رواية أبي هريرة.

([13]) أخرجه أحمد وابن ماجة.

([14]) رسائل رمضانية إعداد الشئون الدينية بالأمن العام في المملكة العربية السعودية.

([15]) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم جزء 4 ص 295 – 296.

([16]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام جزء 25 ص 266 – 267.

([17]) الاختيارات الفقهية ص 108.

([18]) الإرشاد إلى معرفة الأحكام ص 85 – 86.

([19]) المجموعة الجليلة ص 158.

([20]) لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.

([21]) متفق عليه.

([22]) رواه الخمسة وأعله أحمد وقواه الدارقطني (بلوغ المرام ص 156).

([23]) رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح (الأربعون النووية) حديث رقم (11).

([24]) متفق عليه.

([25]) متفق عليه.

([26]) رواه مالك في الموطأ جـ1 ص 138.

([27]) إتحاف أهل الإيمان بدروس شهر رمضان للشيخ الدكتور صالح الفوزان ص 87.

([28]) الصوم فقهه وأسراره لمحيي الدين مستو ص 149.

([29]) البداية والنهاية لابن كثير 3: 254.

([30]) عن كتاب (محمد رسول الله): لدينيه وسليمان بن إبراهيم.

([31]) الطبري 2: 420.

([32]) الطبري 2: 420.

([33]) الطبري 2: 499.

([34]) الطبري 2/564.

([35]) سيرة ابن هشام: 4: 42.

([36]) ابن هشام 159.

([37]) ابن هشام: 4: 185.

رأيك يهمنا